وليد الشومليتعود الحروب الجرثومية والبيولوجية إلى حوالي أربعة قرون قبل الميلاد، حيث يذكر لنا المؤرخ الإغريقي الشهير هيرودت أن رماة السهام السكيثيون الذين عاشوا على الضفاف الجنوبية للبحر الأسود هم أول من استخدم السهام المسممة في القتال، ومن هنا جاءت كلمة Toxin اي السم باللغة الانجليزية، وهي مشتقة من الكلمة الإغريقية Toxon وتعني القوس الذي تنطلق منه السهام، وحسب ذلك المؤرخ فقد استخدم السكيثيون جثث الأفاعي السامة المتحللة، وخلطوها بدم الإنسان وروث الحيوانات، ووضعوها في جرار ودفنوها في الأرض لفترة من الزمن لتتعفن، وينتج عنها في نهاية المطاف بكتيريا الغرغرينا والتيتانس، ثم يلقون بتلك الجرار على الأعداء لتهاجم الجهاز العصبي وتسبب الشلل للجهاز التنفسي.

كما يروي لنا المؤرخ الإغريقي ثيوسيديدس الذي وصف في كتاباته بين الأعوام 431 -404 ق. م. أن الإسبارطين ربحوا الحرب ضد أثينا في حرب البيلوبونيز إثر وضع السم في آبار المياه الأثينية، ويفيد أنه بالرغم من النصر الذي حققه الإسبارطيون، إلا أنهم أصبحوا بسبب ذلك سيئي الصيت والسمعة لدى الأقوام الأخرى. كما استخدم القائد القرطاجي الشهير هنيبعل، الذي هاجم روما بعد اجتيازه جبال الألب، الحرب الجرثومية ضد القائد الاغريقي يومينوس الثاني ملك برغامون، وذلك بقذف أفراد جيشه بجرار مليئة بالأفاعي السامة والتي سببت لهم حالة من الهلع والتخبط والفوضى، مما حقق له نصرا ساحقا. وفي عام 1346 استخدم التتار الحرب الجرثومية في حصارهم لمدينة "كافا" التي تدعى حاليا فيودوسيا في أوكرانيا. فقد قذفوا المدينة بالجثث المصابة بالطاعون بالمنجنيق، ونشروا الأوبئة في المدينة، كما استخدم الروس عام 1710م نفس الطريقة في حصارهم للسويديين.

أما في الولايات المتحدة، فقد استخدم القائد الانجليزي جيفري أمهرست الحرب الجرثومية في قتاله ضد الهنود الحمر والفرنسيين في الأعوام 1754م-1767م طريقة أكثر بشاعة وفتكا. فمن أجل تنفيذ الخطة التي رسمها لتقليص عدد سكان البلاد الأصليين إلى أدنى حد ممكن، قام أحد أعوانه بإهداء زعمائهم بطانيات ومحارم تحمل جراثيم الجدري مما أدى إلى إصابة وقتل مئات الألوف منهم. وفي أوائل القرن العشرين، وبالتحديد إبان الحرب العالمية الأولى قام الألمان بحقن الخراف بالجمرة الخبيثة وتصديرها من رومانيا إلى روسيا، وكذلك قاموا بتسميم الخيول في فرنسا.

أما أكثر تلك الحروب بشاعة فهو ما استخدمته اليابان قبل الحرب العالمية الثانية وإبّانها في مقاطعة منشوريا، وبالتحديد في الفترة الواقعة بين 1932م إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، فقد انتشرت الفرقة رقم 731 المكونة من حوالي ثلاثة آلاف عالم وتقني تحت إمرة الدكتور شيرو إيشي، ومن بعده كيتانو ميساجي في حوالي مئة وخمسين عمارة، وخمسة معسكرات، حيث قامت بإجراء تجارب على المعتقلين، وذلك بنشر بكتيريا الديسنطاريا والكوليرا والطاعون، مما أدى الى مقتل ما يزيد عن عشرة آلاف معتقل، وقد تم إعدام باقي المعتقلين، وأخذ جثثهم للتشريح لأجل إجراء التجارب عليهم. كما قامت اليابان بتلويث المياه والطعام في المدن الصينية المختلفة بأنواع مختلفة من البكتيريا مثل الكوليرا والجمرة الخبيثة والسالمونيلا والطاعون، وذلك برش تلك المدن بالجراثيم من الطائرات. ومن أجل فحص نجاعة برنامج حربهم البيولوجية باستخدام الجمرة الخبيثة، فقد اختار الانجليز جزيرة غرينارد على مقربة من الشواطئ الاسكتلندية، وإثر ذلك بدأ انتشار الجمرة الخبيثة في الخراف الاسكتلندية مما جعل عملية التطهير الكاملة هناك شبه مستحيلة حتى يومنا هذا.

كما استخدم النازيون الحرب الجرثومية على المعتقلين في المعسكرات، وذلك بحقنهم بأنواع مختلفة من البكتيريا، بما فيها بكتيريا أحادية الخلية، وكذلك التهاب الكبد الفيروسي (أ). وقد استخدم البولنديون حيلة ضد الألمان أثناء احتلالهم لبولندا، فقد لجأ الأطباء البولنديون إلى استخدام لقاح معين يظهر نتائج خادعة تدل على الإصابة بمرض حمى التيفوئيد، مما جعل القوات الألمانية تبتعد عن تلك المناطق، وتمتنع عن اعتقال المواطنين، وإرسالهم إلى معسكرات الاعتقال. والجدير بالذكر أن الولايات المتحدة لم تمتنع عن استخدام نشر الأوبئة البيولوجية في الحرب الكورية التي دارت رحاها بين الأعوام 1950-1953.

كما حدث أن تم ملاحقة المعارضين للأنظمة الشيوعية إبان الحرب الباردة بطرق شتى لم تخل من استخدام الجراثيم البيولوجية، ومن أشهر تلك الأحداث كانت قتل المعارض البلغاري والكاتب الصحفي جورجي ماركوف في لندن في 7 سبتمبر/أيلول في العام 1978، حيث تم لسعه برأس مظلة مدبب ومسمم.

أما بخصوص انتشار الأوبئة والجائحات، والتي لم يثبت أنها غير جزء من الطبيعة، فقد ابتليت البشرية بثلاث منها، حيث كان الوباء الأول هو انتشار الطاعون الذي بلغ ذروته ما بين الأعوام 1347م-1351م وحصد حياة أكثر من 100 مليون شخص. أما الجائحة الثانية فقد كانت الكوليرا التي حصدت الملايين من الأرواح على مدى ست فترات طوال القرن التاسع عشر وكذلك هجوم آخر في أوائل القرن العشرين. أما الجائحة الثالثة فقد كانت الإنفلونزا الإسبانية التي حدثت عام 1918 وحصدت أرواح أكثر من 50 مليون شخص.

هذا عرض مختصر لتاريخ طويل من الأوبئة والجراثيم، واستخدام الدول والشعوب لها ضد بعضها البعض مما ألهم بعض الروائيين العالميين كتابة روايات بلغت ذروة الأدب العالمي والإنساني، منها ما كتبه غابرييل غارسيا ماركيز في العام 1985 في روايته الشهيرة "الحب في زمن الكوليرا". وتعود تفاصيل تلك الرواية إلى نهاية القرن التاسع عشر، حيث أنها تروي قصة شاب فقير وغير وسيم كان يسكن في قرية صغيرة في البحر الكاريبي في مقتبل العمر، وكان يعشق شابة رائعة الجمال وهي على مقاعد الدراسة، إلا أن أبيها زوّجها من طبيب ثري. وبعد وفاة زوجها بعد بلوغها سن السبعين عاد إليها عشيقها الذي انتظر لأكثر من نصف قرن للقائها ودعاها لركوب مركب نهري معه. وينهي ماركيز روايته بأن العاشق ادّعى أن السفينة موبوءة بالكوليرا، مما حدا بالمسافرين لترك المركب وإخلاءه للعشيقين فقط. ولو بقي ماركيز على قيد الحياة إلى يومنا هذا لاستبدل عنوان روايته تلك بعنوان "الحب في زمن الكورونا".

ولم يكن ماركيز الروائي الوحيد الذي كتب عن الأوبئة العالمية، فقد سبقه بحوالي أربعة عقود، وعلى سبيل المثال لا الحصر، الروائي الفرنسي الجزائري المولد ألبير كامو الذي يصف في روايته "الطاعون" انتشار وباء الطاعون في مدينة وهران الجزائرية، ويثير فيها تساؤلات حول القدر والوجود الإنساني.

ولا يخلو الأدب العربي من وصف لحالة الهلع التي تصيب الناس إثر تفشي الوباء كما فعل طه حسين في سيرته الذاتية "الأيام" في وصف صراخ أخيه المصاب بالكوليرا ومعاناة العائلة من وجع المصاب الأليم بموته.

أما فيما يتعلق بالقوانين والمواثيق الدولية المتعلقة بتلك الحروب، فقد كانت اتفاقية جنيف للعام 1925م أول محاولة دولية للحد من استخدام الحرب الجرثومية، واستخدام الغازات السامة والخانقة، إلا أن تلك الاتفاقية لم تحظر الأبحاث، أو إنتاج أو امتلاك الغازات السامة والجراثيم. كما اشترطت الكثير من الدول الموقعة على تلك الاتفاقية الحق في الرد والانتقام إذا ما تم الاعتداء عليها بالجراثيم والبكتيريا. ويذكر أن الولايات امتنعت عن التوقيع على هذه الاتفاقية حتى عام 1975م. أما المادة الأولى للميثاق الدولي الذي تم عرضه للتوقيع في 15 نيسان 1972م، فإنها تنصّ على ألا يترتب على الدول الموقعة، وتحت أي ظرف كان أن تقوم بتطوير أو إنتاج أو تخزين أو الاحتفاظ بمواد بيولوجية أو جرثومية لأغراض سلمية كإجراء وقائي، وكذلك عدم امتلاك أسلحة لاستخدام تلك المواد في النزاعات المسلحة. كما تنص المادة الثانية من ذلك الميثاق، على أن تقوم الدول الموقعة على ذلك الميثاق، وبأسرع وقت ممكن، بتدمير أو استخدام تلك المواد المذكورة في المادة الأولى أعلاه للأغراض السلمية بفترة زمنية لا تتعدى تسعة أشهر من دخول تلك الاتفاقية حيز التنفيذ. كما تنص المادة الثالثة على ضرورة امتناع الدول نقل أو تداول تلك المواد لأية جهة كانت بشكل مباشر أو غير مباشر أو تشجيع أو حث أي دولة على إنتاج أو امتلاك أي من تلك المواد المذكورة في المادة الأولى.

وهنا يتوجب علينا أن نسأل أنفسنا: هل الكورونا جزء من نظرية المؤامرة أم هي جزء من الطبيعة يتوجب التعامل معها بذكاء وتضافر الجهود الدولية؟

ففي حال كانت الكورونا جزء من مؤامرة، فهذا يعني تضافر الجهود العلمية والسياسية معاً من أجل مواجهتها. أما إذا كانت جزء من الطبيعة فلا بد لنا إلاّ أن نواجهها بالتقدم العلمي والتكنولوجي واستثمار الأموال الطائلة للقضاء عليها وعلى كافة الأوبئة التي تهدد الجنس البشري، بدلاً من تبديدها لحرف الفكر الإنساني نحو الأساطير والغيبيات غير العقلانية!

 

د. وليد الشوملي

 

 

حاتم حميد محسنكان اقتصاديو التنمية الأوائل مؤمنين بفكرة ان تدفق المصادر الاجنبية (الاستثمارات الاجنبية الخاصة والمساعدات) لها آثار ايجابية على التنمية. فالموارد الاجنبية تدعم التوفير الوطني وبالتالي تشجع على تكوين المزيد من رأس المال وتحسين مستوى الحياة المادية.

وفي بداية السبعينات بدأ الاقتصاديون من كلا الجانبين، المؤيدون للفكرة والمعارضون بإعادة تقييم تلك الفرضية وتوصلوا الى الادّعاءات التالية:

1- الموارد الاجنبية اُستعملت لدعم الاستهلاك عبر الاستيراد غير الضروري، فهي لم تُستعمل لتحفيز الاستثمار.

2- ان قسما كبيرا من المساعدات التي تدفقت الى الدول النامية وُجّهت الى مشاريع باذخة لم تعط الا القليل من المردود.

3- تدفق الاموال الاجنبية ترافقت معه مشاكل "خدمة الدين" تحمّلتها الدول النامية. كان مطلوب من تلك الدول المزيد من الصرف الاجنبي لمواجهة تكاليف الفائدة على المتراكم من الديون السابقة.

4- الاستثمارات الخاصة الاجنبية تركت آثاراً اجتماعية وسياسية سيئة. فالشركات العملاقة المتعددة الجنسية سيطرت على الحياة الثقافية والاقتصادية والسياسية.

5- ساهمت المساعدات في تكريس سلطة الحكومات الفاسدة والغير كفوءة. العديد من تلك الحكومات كانت تستعمل الاموال القادمة من الخارج في قمع الديمقراطية وانتهاك حقوق الانسان.

لازال النقاش مستمرا حول مدى فائدة المساعدات الاقتصادية الاجنبية. ذلك النقاش تطوّر باستمرار وأخذ اشكالا اخرى خاصة فيما يتعلق بدور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في ما يسمى بقروض التسويات الهيكلية للدول النامية.

دوافع المساعدات

افترض الاقتصاديون ان المساعدات للدول النامية هي بسبب الرغبة في زيادة الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية للدول المستلمة لتلك المساعدات. غير ان الدول المانحة لم تخف حقيقة وجود مصالح سياسية واقتصادية واستراتيجية خاصة لها، وهذا يطرح سؤالا حول ما اذا كانت الاهداف من المساعدات مرتبطة بالمانحين ام بدوافع التنمية في تلك الدول.

يرى (E.R. Wittkopf) (1) هناك اربعة دوافع للمانحين في تقديم المساعدات للدول النامية وهي:

1- الأهمية السياسية للبلد المتلقي للمساعدة بالنسبة للبلد المانح.

2- عوامل الحرب الباردة.

3- حاجة البلدان المستلمة الى المساعدة الى الدعم والنمو الاقتصادي.

4- مدى توفر المصادر الاخرى للمساعدات.

يرى wittkopf ان الحرب الباردة كانت من اهم الاعتبارات بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية في الستينات في قرار منح المساعدات. اما بريطانيا وفرنسا كانت الاعتبارات السياسية والتجارية هي المقرر الرئيسي للمساعدات.

وفي آخر الدراسات في هذا المجال اُستخدم نموذج معقد لحاجة البلد المستلم للمساعدة ونماذج اخرى لمصالح البلد المانح، تلك النماذج توضح طريقة تخصيص المساعدات الى الدول النامية. حاجات الدول المستلمة يمكن قياسها بوسائل مثل الناتج القومي الاجمالي لكل فرد، او نوعية الحياة المادية التي يعكسها المؤشر، او النمو في الـ ناتج القومي الاجمالي او آداء ميزان المدفوعات. فاذا كانت حاجة البلد المعني هي التي تقرر تخصيص المساعدات ذلك يعني ان المال يجب ان يذهب الى تلك البلدان الفقيرة والى الدول ذات النمو الضعيف والتي لديها مشاكل في ميزان المدفوعات. ان الدراسة الاجصائية التي قامت عليها تلك النماذج أثبتت بان المساعدات التي يقدمها طرف واحد، لا تأخذ بالاعتبار حسابات البلد المتلقي للمساعدة، مثال على ذلك الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وفرنسا، بل لدى هذه الدول دوافع اخرى للمساعدات. اما المساعدات التي يقدمها اكثر من طرف multilateral aid فان حاجة البلد المتلقي للمساعدة هي الاساس في قرار المساعدات.

وبالنسبة للنماذج المتعلقة بمصالح المانحين Donor-interest models فهي تستعمل عدة متغيرات يتقرر بموجبها تخصيص المساعدات. وهذه المتغيرات هي:

1- المصالح السياسية والامنية للبلد المانح. وهذا المتغير يصعب استعماله في النموذج ولكن يمكن ادخاله ضمن اشياء معينة مثل وجود معاهدة دفاع، او نقل الجيوش من البلد المانح الى البلد المتلقي.

2- المصالح الاستثمارية للبلد المانح. والقياس الذي اُستعمل في هذا المتغير هو عدد الشركات التي تنشأ في البلد المانح وتعمل في البلد المتلقي للمساعدات.

3- المصالح التجارية: وفيها يكون للمانح مصالح هامة في تطوير رفاهية الدول النامية التي هي شريك تجاري رئيسي. فالبلد المتلقي للمساعدة يشتري صادرات البلد المانح وهو ايضا يوفر ما يستورده ذلك البلد.

لقد اثبت الدليل العلمي ان العديد من المساعدات الممنوحة من طرف واحد bilateral تمت وفقا للمصالح الاقتصادية والسياسية للبلد المانح، ولكن على صعيد التطبيق لا يوجد ما يؤكد ان تلك المساعدات حققت تلك المصالح. فالاهداف السياسية للمانحين هي في تصادم مع التنمية السياسية الطويلة الاجل للبلد المتلقي. في فيتنام والفيليبين ونيكاراغوا لم تتمكن الولايات المتحدة من تعزيز مصالحها الاستراتيجية الطويلة ولم تنفذ سياسة خارجية منسجمة مع مصالح الولايات المتحدة. وفي الحقيقة، لا يوجد دليل قوي يثبت ان المساعدات يمكنها في الواقع ان تكرس مصالح المانحين في المدى البعيد، بل ان البعض رأى ان الدول المانحة حينما تدّعي امام شعوبها انها تدفع مساعدات لأجل تحقيق مصالحها الخاصة انما تضلل الناخبين ودافعي الضرائب. ان ما تقوم به جميع الحكومات المانحة يجب ان يدخل ضمن اطار المسؤولية الاخلاقية تجاه الشعوب الفقيرة. وهذه المسؤولية الاخلاقية تستند الى عدد من الحجج وهي:

1- الدول الغنية يجب ان تعوض الدول الفقيرة عن ماضيها الاستعماري وما رافقه من استغلال وسيطرة سياسية.

2- اعتبارات العدالة في توزيع الدخل تتطلب المزيد من اجراءات المساواة.

3- الدول الغنية ذات المصادر الطبيعية الكبيرة يجب ان تتقاسم شيء من تلك الموارد مع البلدان المحرومة منها.

هل حققت المساعدات اهداف التنمية؟

يتساءل الاقتصاديون هل حققت المساعدات شيئا جيدا، وماذا انجزت؟

حاول (paul mosley) ان يجيب على هذا السؤال بالاشارة الى مفارقة الجزئي – الكلي(micro-macro paradox). حيث اننا نجد على المستوى الجزئي، معظم برامج المساعدات كانت تعمل بشكل جيد. ولكن على المستوى الكلي لا يوجد دليل بوجود علاقة موجبة بين المساعدات والتنمية. فاذا كانت المساعدات تعمل بشكل جيد على المستوى الجزئي، فلماذا لا تعمل كذلك على المستوى الكلي؟ الجواب هو لا احد يعرف فعلا تأثير المساعدات على مستوى الاقتصاد الكلي وذلك بسبب الغموض في النماذج النظرية للمساعدات والنمو وللمشاكل في اختبار الدليل. هذه الصعوبات الثلاث موضحة في ادناه:

1- التأثير السلبي للمساعدات على التوفير: يرى (Keith Griffin) ان الزيادة في المساعدات الاجنبية يُنظر اليها في البلد المتلقي كما لو انها زيادة في الدخل. وهذا يعني اذا لم يكن الميل الحدي للتوفير واحد (unity) فان المساعدات تُخصص بين الاستهلاك والتوفير. فرضية (غرفن) لقيت الدعم من عدد من الاختبارات الاقتصادية التي اكدت وجود علاقة سالبة بين تدفق رأس المال ونسبة التوفير، فاذا كان للمساعدات تأثير سلبي على التوفير فمن غير المحتمل (مع ثبات الاشياء الاخرى) ان تساعد المساعدات على تعزيز النمو الاقتصادي. ولكن من الممكن ان يؤدي التدفق الكبير للمساعدات والمستوى القليل لمتوسط الادخار الى حدوث عامل ثالث مثل موسم حصاد سيء. من المؤكد ان المجاعة تقود الى تدفق كبير للمساعدات، او ربما في اوقات الازمات الحادة نتيجة للحروب والاضطرابات السياسية، يقل التوفير ويزداد تدفق المساعدات. كذلك يمكن ان تُخصص المساعدات لملء فجوة التوفير. وفي هذه الحالة فان التدفق الكبير للمساعدات الى تلك الدول التي لديها ميل حدي قليل للتوفير سيجعل العلاقة السالبة قوية بين الدعم والتوفير. ولذلك فانه من غير المدهش ان لا يتفق الاقتصاديون على العلاقة الاقتصادية الكلية بين المساعدات والتوفير، وهم يختلفون ايضا في تفسير البيانات الميدانية.

2- الاستجابة المالية الغير مرغوبة للمساعدات: المساعدات تقود الى هبوط في الضرائب وفي التوفير العام. فالحكومات تستفيد من فرصة تدفق الاموال الى الداخل لتخفف من الأعباء الضريبية على السكان. ومثال على ذلك باكستان حيث الاقتصاد متحرر من الضرائب والحكومة تستعمل المساعدات لدعم الانفاق الحكومي. فاذا كانت المساعدات تُستعمل لخفض الضرائب والتوفير العام معنى ذلك لن يكون لها اي تأثير ايجابي على تراكم رأس المال والنمو. بينما هناك آراء معارضة ترى امكانية استعمال المساعدات في تحفيز المشاريع الخاصة.

3- تأثير المساعدات في سوء توزيع الدخل: حتى لو ان المساعدات تعزز النمو الاقتصادي، فانها تبقى عرضة للمساءلة اذا كانت حقا سببا في اساءة توزيع الدخل. فالكثير من الاقتصاديين يشكّون في امكانية ان تخفف المساعدات من الفقر. فالدعم عادة يذهب الى الاغنياء وذوي السلطة الذين يستعملون نفوذهم كي يفيدوا مناصريهم. فالتنمية من الأعلى الى الاسفل Top-down لا يُحتمل ان تفيد الفقراء.

يجب الاشارة الى انه لا يوجد إجماع بين الاقتصاديين على التأثيرات الثلاثة للمساعدات المشار اليها اعلاه. غير ان الدراسات التي اشارت الى العلاقة السالبة بين النمو والمساعدات هي اكثر من الدراسات التي تؤكد على العلاقة الايجابية بينهما، ولكي تتم الاحاطة بجميع زوايا الموضوع توصّل الباحثون الى الاستنتاجات التالية:

1- انهم لا يعرفون الا القليل عن العلاقات الاقتصادية الكلية، ولا الطريقة الملائمة لإختبارها. ذلك يعني ان التحقيقات المعمقة والدقيقة للعلاقات على المستوى الكلي ربما تكشف عن وجود ارتباط موجب.

2- ان نسبة المساعدات الى الناتج القومي الاجمالي في العديد من الدول هي قليلة جدا. وذلك يعني من الصعب التقاط علاقة بين النمو والمساعدات على المستوى الكلي في الدول المستلمة للقليل من المساعدات مثل دول جنوب شرق اسيا وامريكا اللاتينية.

3- ربما يبالغ المانحون في تقدير مدى نجاح برامج المساعدات على المستوى الجزئي. ففي العام 1992 اشار تقرير البنك الدولي الى ان 60% من خطط البنك في افريقيا قد فشلت في خلق مردود اقتصادي.

4- حتى الخطط التي تنجح على المستوى الجزئي ربما تكون لها آثار سيئة على المستوى الكلي، وهذا يشمل البرامج الموجهة نحو الفقراء . ففي رواندا مثلا، ادّت المشاريع الزراعية الهادفة الى إعادة توطين 9000 عائلة الى خلق المزيد من المشاكل السياسية والاثنية مع نتائج كارثية على المستوى الكلي وعدم استقرار سياسي في المنطقة.

 

حاتم حميد محسن

......................

الهوامش

(1) Wittkopf.E.R(1972)، تخصيص المساعدات الغربية الاحادية، SAGE, Beverley Hills.

 

 

اسعد شريف الامارةانها حقًا محنة البشرية بمواجهة هذا الفايروس، مثل هذه المحنة والأوبئة والكوارث هو إمتحان اعظم يعري الناس مما تستر به من زخرف الادعاء، ومن زيف التبرير والكذب والقوة واستعراضها سواء الفردية، أو الجمعية، شعوب أو حكومات. فوجئت  شعوب العالم في هذا القاتل الصامت الذي هاجم الحضارة البشرية فجأة وأنتشر سريعًا بغتة وعلى غير إنتظار. ترك هذا الحدث – الانتشار السريع للفايروس- التفكير لدى شعوب الأرض وحكوماتها، انه رعب شديد وإندفاع هستيري في عمل لا أحد يعرف ماذا يعمل؟ هل يلجأ للتبضع العشوائي السريع ويمكث في بيته، هل يحتمي في داره والسكون فيه دون مخالطة الآخرين؟ هل ينقطع عن العالم مجبرًا ويتابع نشرات الأخبار والفضائيات وأخبار التواصل الإجتماعي، وجميع من ينقل الاحداث كل دقيقة بدقيقة، حتى جعلت وسائل الإعلام في دوامة الفوبيا"المخاوف المرضية" وتهيأة العقل الجمعي للقلق وقبول القادم المجهول، حقًا ان  أجهزة الاعلام قد اسرفت في التركيز على ما اسمتها الانتشار المذهل في بلدان بعينها، لا بل في كل أصقاع العالم، وفقدان السيطرة على هذا الفايروس أو تحجيمه، إنها بلوى الاعلام المتعمد بنشر الرعب والهلع وعرض الصور والحالات القاتمة عن الموت، فعلا نجح في إغراق الناس في الذهول، هل يمكننا القول إنه يحاول "الاعلام" أن يصدع الشخصية الإنسانية؟

تؤكد أوليات علم النفس وادبياته بأن الإيحاء (Suggestion) من أكثر المفهومات شيوعًا في علم النفس والطب النفسي، وعرض "فرويد" في كتابه الموجز في التحليل النفسي عن فكرة الإيحاء، يقال عادة عن شخص أنه خضع لإيحاء إن خطرت له فكرة أو أعتنق عقيدة أو شعر بميل دون أن يدرك أن الفكرة، أو العقيدة، أو الميل يصدر في الحقيقة عن فعل خارجي مباشر، أو عن إرادة مستقلة عنه.

يضيف"جوستاف لوبون" إن فكرة الإيحاء هي الدعامة التي يقيم عليها التأثير المباشر على الناس، ووصفه لظواهر الجمهرة بسيكولوجية الظواهر النفسية الجمعية وتاثيرها.

أما الوساوس (Obsession) كمفهوم في علم النفس والطب النفسي يتميز بأن المصاب به قد يتخذ شكل فكرة أو شعور متصلب، لا يستطيع التخلص منه. كما يتميز بأن الشخص الوسواسي يسلك سلوكًا لا يستطيع مقاومته، فهو مرغم على أن يغسل يديه كل خمس دقائق وأن يطهر يديه بالكحول، أو المعقمات كل يوم عدة مرات، ولا يستطيع أن يهدأ إلا إذا تصرف هذا التصرف. فضلا عن أن الوسواسي يتميز بالشك المستمر والتردد في إتخاذ القرار، فيقضي ساعات من يومه ليلا ونهارًا يفكر ليتخذ قرارا في مسألة عالية جدًا من الدقة، وربما لا يستطيع البت فيها، إذًا تنقصه الثقة بالنفس، ويصاب بالفزع والقلق والشعور بالضعف إذا ما صادفته مشكلة رغم ما يتمتع به من ذكاء عالي. يرى"مصطفى خليل الشرقاوي" أن الأفكار التسلطية تعني وجود فكرة غير منطقية لا تلبث أن تعاود الفرد وتسيطر عليه إلى الحد الذي يشعر معه بنوع من العبودية، أو الإنقياد لها، وإلى الحد الذي يجعله لا يستطيع أن يفكر، أو يعمل عملًا إيجابيًا مفيدًا. وتنقسم الوساوس لقسمين أما أفكار تسلطية، أو أفعال قهرية.

ومن الأمثلة في مجال علم النفس وادبياته عن الإيحاء وقوة سطوته،  ويمكن نقلها إلى مجال التأثير الاعلامي حيث يقول"بيير داكو" قد يُظهر النوم المغناطيسي انتفاخات على الجلد عن طريق الإيحاء بأن هذا المكان قد أحترق، ويمكن بالإيحاء زيادة ضربات القلب، أو إنقاصها إذا أوحينا إلى الشخص النائم أنه يشهد على سبيل المثال حادثًا، وتَحدث هذه التبدلات القلبية هنا إذن بإثارة الانفعال وهذا يؤثر على جهاز التنفس وجهاز الهضم، وكذلك على جهاز البول، وعلى الوظائف الجنسية، هذا الذي يحدث من ضغوط عالية على إتزان الإنسان وقدرته على التحمل ومواجهة أزماته، ليست الشخصية فحسب، وإنما قوة تأثير الضغوط الخارجية وأولها الإعلام في زمن فايروس الكورونا، وهنا يحق لنا أن نقول تبرز العلاقات الوثيقة جدًا بين" الفكر" و"الجسم". هنا كيف يستطيع الفكر الهروب من المواجهة والتحمل؟ بالتأكيد سيلجأ إلى الضغط على الجسم وينقل شدة التفكير وتختل الموازنة فتكون الأعراض النفس جسمية، ولنا مبحث آخر لها في موضوعات آخرى. 

يمكننا القول بأن الاعلام معرفة، المعرفة وراء الوراء، وراء المدى المنظور، وراء المدى الرمزي بقوة تأثيره على العقل الجمعي وتحويره نحو أهداف غير منظوره، حيث تخفي وراءها أسرار، ووراءها الاخبار، ووراء الإدراك، حيث يحور بعدها التفكير، وهذه هي جدلية الجشطالت، ومفعولها على الشخصية، هذه كلها أشياء لم تكن، فكانت" بمعنى أدق الذي لم يكن ثم كان، لا يحصل إلا في مكان والذي لم يزل كان، ولذلك الاعلام يجعل العقل في كثير من الأحيان أسير دون أن يعلم صاحبه بما يدري ويكون، ليس لأنه مغيب، ولكنه تحت تأثير الإيحاء وقوته.

الاعلام لغة، يتحكم ويسيطر على العقل من خلال اللغة والقدرة على الإقناع والتصديق وتقول "نيفين مصطفى زيور" يتأكد هذا من خلال إنشطار الأنا على نفسها بوصفها مجهلة (النكرة صفة العارف "وحيلته") وبذلك يتحقق للاعلام التأثير على تغيير الاتجاهات وتبديل الاراء، وحينما يسبر أغوار النفس والعقل يغير المعتقد فيتحول إلى نقيضه بما يؤمن. إذن يكشف لنا هذا التأثير القوي للإعلام عن وضع الوجود الإنساني من حيث وجود قوامه الصراع بين إرادات راغبة في البقاء، وإرادات تحركها الرغبة في الإعتراف بحق صاحب هذه الرغبة في مشروعيى تحقيقها، من جانب الآخر الذي يكن بدوره مثل هذه الرغبة، مثل هذه الغاية في إنتزاع الاعتراف من القوي، فلم يكتف بما سلطه عليه من بلوى شملت كل شعوب الأرض باسرها، وهو الفايروس القاتل الصامت، ثم تبعه بوسائل أكثر رعبًا ذات انتشار واسع وهي وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي وكل ما يخترق المجتمعات والبيوت والافراد والنفس الإنسانية بدون استئذان، وهو الإعلام. ولعلنا نتسائل الآن ألا تعبر وسائل الاعلام بصورة مفزعة عن مخاطر هزيمة ممثلي الحضارة، وحاملي التكنولوجيا أمام ممثلي صناعة الفايروس القاتل ووسائله في نشر الرعب كل دقيقة وثانية بنقل الاخبار دون كلل، أو ملل.

في النهاية حاولنا بإيجاز وباجتهاد شخصي تطبيق أسلوب من أساليب علم النفس في إيجاد العلاقة بين الإعلام وبعض مفاهيم علم النفس المرضي وذلك بإيضاح التزاوج بين ما هو نفسي عميق وما هو إجتماعي حضاري وهي وسائل الإعلام بأنواعها.

 

د. اسعد الاماره - استاذ جامعي

باحث في علم النفس والصحة النفسية 

 

الابداع.. في عصر الكورونا.. هو مخزن الحياة!!

تحتاج جميع المعارف الاجتماعية والإنسانية في زمن الكورونا لبزوغ النور الإبداعي والارتكاز على الابتكار ويهتم وإتقان الأساليب والوسائل والآليات الخاصة بالنشاط الإنساني الهادف وأن القدرة على الإبداع لإنشاء شيء جديد هي دائمًا قدرة المجتمع التي تتناسب بشكل سيء مع حقائق المجتمع المحجور كورونياً وكيفية الجمع بين الثقافات الجماعية والابتكارية كواحدة من المشاكل الرئيسية في عصرنا. وأن مشكلة الإبداع في حد ذاته هي منظور يمكن من خلاله التغلب على المحلية المتزايدة في المعرفة الاجتماعية والإنسانية وخلق "نظرية موحدة" للمعرفة الاجتماعية الإنسانية التي توحد التفاعلات الأساسية في الثقافة التي تحدث على المستويات الشخصية والداخلية وكذلك بين الشخصية والثقافة بشكل عام، وتتحقق الحاجة إلى فهم شامل لظاهرة الإبداع عبر القدرات الإبداعية المتأصلة في الإنسان الحجور صحيا وقلقيا، وفي ذات الوقت لا يظهر ذلك لدى جميع الناس لأنه يمكن تطوير الإبداع بتجليه بشكل أساسي في الأنشطة الفردية، وهنا على الدولة إن لا تتخلى عن محاولات لإدارة نفس الإبداع العلمي أو الفني.

تتحدد أهمية الابداع في العصر الكوروني عبر كل من المنطق الموضوعي للتحولات الاجتماعية والثقافية المستمرة والاحتياجات الإنمائية للثقافة نفسها والمعرفة الفلسفية والاجتماعية الإنسانية، وان درجة التفصيل العلمي للمشكلة تتضح بدراسة مشكلة الإبداع في الوحدة مع مشكلة الموضوع الإبداعي لتكون هوية الشخص فريدة وخلاقة هي واحدة من الأفكار المركزية للعلوم الثقافية. وتجدر الإشارة إلى أن سر الإبداع الفني وكذلك الإبداع بشكل عام نظرًا لتعقيد وتعدد الأبعاد للإشكالية الكورونية لا يزال دون حل ولم تتعلم الإنسانية بعد كيفية إدارة العمليات الإبداعية، وإن تنوع النهج النظرية والمنهجية لدراسة الإبداع والشخصية الإبداعية يعمل على حل مشكلة التوليف متعدد التخصصات في حالات الحر التي قد تطول فتؤدي عبرها نظريات وتاريخ الثقافة دور الانضباط المعمم.

الهدف من كلامنا هو عمليات ونتائج الإبداع في مجتمعنا الكوروني وان موضوعنا هو تمثيل الإبداع والشخصية الإبداعية في الفضاء الاجتماعي والثقافي للمجتمع المحجور، والهدف منه هو عزل جوهر وأشكال تمثيل الإبداع والشخصية الإبداعية في الثقافة الكورونية وتعريف هذا الإمكانات الإبداعية للفرد، ويتميز الوضع الحالي للمجتمع الإبداعي الكوروني وثقافته التمثيلية بموقف متناقض وتقليصه وانخفاض في قيمة الشخصية الإبداعية، ويتحول ذلك "سباق من أجل الجدة" إلى ابتكارات زائفة كالأورام الاجتماعية والمرضية الثقافية التي لا تحمل معنى ثقافيًا ولا إنسانية وتحد من تطوير الإمكانات الإبداعية للثقافة. ومن الضروري تحديد الشكل الثقافي الرئيسي لتمثيل الإبداع إذ تتركز فيه أكبر إمكانات الإبداعية الثقافية في المرحلة الكورونية أو المراحل الأخرى من التطور التاريخي للمجتمع ويسمح هذا الشكل الثقافي الأساسي للمجتمع وممثليه الفرديين بإعادة التفكير بشكل خلاق في أهم الوجودية والأيديولوجية والجمالية فيتجلى تعدد الأبعاد للإبداع الحديث ليس فقط في حقيقة أنه هو خلق جديد وجوهري للأفكار وأشكال جديدة من الحياة الفردية الانعزالية والأشياء والتكنولوجيات الجديدة ولكن أيضا في حقيقة أنه يتم تنفيذه على مستويات مختلفة من الواقع الكوروني والتركيز على الإبداع والذي يهدف إلى أشياء مفيدة ونفعية فيؤدي إلى "طي" الإبداع في المجال الروحي والدلالي للمجتمع.

يتمثل الإبداع بالعصر الكوروني في النشاط الإبداعي ونتائجه في أشكال ثقافية معينة قد يوافق أو لا يوافق عليها العالم، وهذه الأشكال هي الإيديولوجية والأسلوب والاحتكار الإيديولوجي والحزبية والاستبداد والهيمنة في المجالات الشبكية والاعلامية والعلمية والفنية وغيرها وتتميز الثقافة فيه بأنها متعددة الأساليب بحرية المناهج الفردية وهيمنة الابتكار على التقاليد وإضفاء الطابع الشخصي على المبدعين، وعلى الرغم من وجود مراحل مماثلة في عملية الإبداع في المجال العلمي والفن لكن الطفرة المجتمعية في الظل الكوروني ادت لتناقض بين صناعة الاستهلاك الشامل واقتصاد الابتكار ملموسًا بشكل متزايد إذ ركزت الأولى على "الحشد الإنساني السابق"، بينما في الثانية هناك طلب على شخصية قادرة على العمل الإبداعي الانفرادي المحجور تمتلك رأس المال الاجتماعي والثقافي اللازم، لتؤدي التمثيلات الإبداعية عبرها لظهور أشكال ثقافية مختلطة، ومن ذلك سنجد المجتمع الكوروني يعلن الاعتراف بقيمة فكرة الإبداع والطبيعة الإبداعية والإمكانات كونها أحد العوامل التي تشكل نظامًا لشخص مبدع فتعمل كنقطة انطلاق لـ "التجميع الذاتي" للتنمية الذاتية للفرد وتتضمن العناصر الأساسية للاستعداد الداخلي والرغبة والقدرة على النشاط الإبداعي، ومن المهم أن نلاحظ أنه وفي جميعها يجب أن توجد كسلامة روحية جميع مكوناتها تتكيف بعضها مع بعض لان الإمكانات الإبداعية هي أساس التعبير عن الذات الشخصية وتصل بها إلى مستوى جديد من النشاط الحياتي، لا يتصرف فقط في اتجاه حل الموقف واستجابه لتحدياته ولكن أيضًا في الاتجاه المعاكس الذي يحول الوضع الحالي على أساس إنساني حياتي.

يرتبط العصر الكوروني بالآفاق المستقبلية لتنمية الإمكانات الإبداعية للفرد والمجتمع ليس فقط بالوعي الذاتي وأنشطة الهواة وإنما أيضًا مع تحول العروض السائدة للثقافة الحديثة نحو معنى مجال ثقافيا انعزالي فلذا تكمن الأهمية العلمية والعملية في إمكانية استخدام البيانات والنتائج العلمية الرئيسة كأساس منهجي لمواصلة دراسة مشاكل الإبداع وتنمية القدرات الإبداعية، وتعميق الأفكار النظرية في مجال الفكر الكوروني وتاريخ الثقافة والفلسفة الاجتماعية والنقد الفني المرتبط بمشكلات الإبداع وتوفير فرصة لتقديم تمثيل أكثر ملائمة للعمليات والآليات ودور للعوامل الثقافية بمزجها بالحجر الكوروني في التنمية والتطوير والملائمة للواقع المعاصر. وكل فعل للإبداع هو عمل من صنع الثقافة وصنع للفكر الوبائي وهذا هو السبب في أن مكانة الإبداع في الثقافة التي تهدف إلى الوصول عبر الكورونا لمرحلة الابتكار العالية جدًا، والتي فيها ايضا وبشكل عام اوجد الإبداع الاجتماعي والثقافي في شكلين رئيسيين أولهما في ظهور ظواهر ثقافية واجتماعية جديدة في سياق تكيف الوباء مع الظروف التاريخية أو الطبيعية المتغيرة بشكل جذري لوجوده وثانيهما عن ما يسمى "الابتكار الثقافي" الناتج عن الاحتياجات الداخلية للمجتمع نفسه ونشاط المبدعين والأشكال الثقافية الجديدة، وهذا النوع من الإبداع غالبًا ما يكون أكثر أهمية للمجتمع من الاكتشافات في المجال التكنولوجي، ففي الثقافة الكورونية الحديثة انحصر الإبداع فقط في العمل على خلق أشياء مفيدة ونفعية ومنتجات إعلامية، وبالتأمل بنتاج العهد الكوروني فقد لا يؤدي إتقان الأعمال الإبداعية إلى تقليد الإبداع وإلى الركود الإبداعي الذي تتخلف وراءه المعالم الأولى لـنهاية الإنسان ولذلك فإن جهود كل المعرفة الاجتماعية والإنسانية تهدف اليوم إلى التوطن في الإبداع ولا عجب أننا في حاجة ماسة لعقد مؤتمر اليكتروني علمي حقيقي يكرس حصريا لتناول مسألة الإبداع في الحياة الكورونية.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

ظهرت الكثير من النظريات التي توصف ظهور الدين والتي حاولت استكشاف اللحظات الاولى لانبثاقه فمنها من تحدث عن عامل الخوف الذي دعا الانسان الى انتاج الدين الذي بدوره يوفر له وهماً يحميه من الاخطار المحدقة به فالقوى الخارقة الروحية أو المتجاوزة لعالمه الدنيوي يمكنها ان توفر له الحماية اللازمة ضد الاخطار الخارجية التي تهدده ، ومنهم من فسر ظهور الدين بأنه نتاج أحلام الانسان الي أوحت اليه بوجود جانب اخر يشاكل ويماثل وجوده الجسمي المحسوس وهو جانب الروح وبذلك ظهرت الارواحية وهي الشكل الاول المتصور لظهور الدين وهكذا تتنوع الافكار التي تحاول الامساك بتلك اللحظة وتوضع الفرضيات والنظريات لها.

باعتقادي ان ثمة أمر اخر لم نلتفت اليه ومفاده ان هناك اعتقادات وطقوس وظواهر تكررت في أغلب الاديان ودارت حولها تنويعات مختلفة مع انها بقيت تشكل ما يشبه الثيمة الاساسية وباعتقادي ان وضع اليد على هذه الاساسات المشتركة في الاديان هو ما سيمكننا من فهم تلك الظاهرة وترجمتها بشكل صحيح وبالتالي نستطيع ان نفهم اصل الدين وكيف تكونت اشتقاقاته وتنويعاته.

اعتقد ان اهم الثيمات البارزة في الاديان هي ثيمة الموت والطقوس والشعائر المرتبطة به ولكي نستخلص منه اساساً ثابتاً لنظريتنا علينا ان نجرده من تلك الطقوس والشعائر ونتخيل انفسنا مع ذلك الانسان البدائي او متحيزين مكانه لنرى كيف فكر في الموت ذلك الحدث المهم في نهاية مسار الانسان.

لا بد ان الطبيعة كانت قاسية بتنوعاتها المعادية للانسان الضعيف والصغير امام حيوانات عملاقة يمكنها ان تسحقه باقدامها دون ان تراه كما تدل على ذلك البحوث الاركيولوجية فالديناصورات تفوقنا حجما بعشرات المرات وكذلك الماموث وغيره وهذا يعني ان الموت كان علامة يومية يعيشها الانسان في صراعه مع الطبيعة فهو فريسة ولم يكن صياداً وحين يحصل الموت لقريبه او رفيقه فأن عقل الانسان وعواطفه الشديدة تجعل الحزن يتخلل نفسه ويبدأ بطرح تساؤلات كونية تحت وطأة تلك العاطفة الشديدة وكذلك تشده عاطفته ايضا الى تكليم ميته ومحاولة ايقاضه مدفوعة بحالة نفسية من (رفض تصديق موته) ورفض فقدانه وبالنتيجة يقوم برسم طقوس مبتكرة تجعل الميت وكأنه حي فيضع لميته طعاماً وشراباً وإحتياجات اخرى ويبدأ ذهنه بالتفلسف بظاهرة الموت حيث ينشّد ذهنه ويبدأ بمحاولة وضع اجوبة تمنحه الرضا والقبول وهنا تنبثق لحظة الاساس الثاني حيث تظهر اسئلة ملحة ومهمة ، لمَ نموت ولم لا نخلّد وان كان الجسد سالماً فماذا يعني الموت ؟ ولعل اكثر الاسئلة الحاحاً هو سؤال الخلود الذي يمنحنا عزاءاً عن رعب الموت ويستثير قلقنا الوجودي منذ القدم.

ومع تكرر الموت واصابته الاب والام والاطفال والرفاق ينشد الذهن تجاه سؤال الخلود كيف لي ان اخلد ، ولذلك يبدو ان سؤال الخلود ورعب الموت هو محور ملحمة كلكامش وهي تنويع واضح لهذا السؤال المؤرق فالانفكاك عن الحياة مؤلم للانسان الذي يأنس الحياة ويستذوقها ولذلك فالعالم الاخر هو تعبير عن تلك الرغبة الكامنة بالخلود والتي تضغط على الانسان بقوة وتهز اعماقه ووجدانه هزاً عنيفاً .

وهنا يظهر يظهر الاساس الثالث الذي يكون بمثابة الجسر بين رعب الموت وسؤال الخلود إنه ببساطة كيف اتخلص من رعب الموت واتحصل على الخلود خلال سني الحياة ، فيبدأ هذا الانسان برسم تصوراته ووضع الاجوبة التي تناسب عقله ومقامه عن هذه الاعجوبة المسماة (الحياة) .

فالدين بكل تنويعاته وأشكاله يعالج لحظات الحياة ويخفف رعب الموت ويمنحك الاطمئنان لما بعد الموت.

ويلعب مع هذه الاساسات الثلاث امر مركوز في عمق الانسان انه حب الاستطلاع فهو الذي يمنحنا ملكة السؤال حيث يرافقنا السؤال في كل لحظات حياتنا وهو الذي مكّن الانسان البدائي من التفلسف وهو الذي فتح شهية الانسان للفهم وجعله لا يشبع من الاجابات التي تُقدم اليه.

ونتيجة لذلك يمكن القول ان تعريف الدين بأنه مجموعة اعتقادات وشعائر او طقوس يكون خاطئاً بناءا على هذا التصور فالدين هو فلسفة حياة وهو اجابة للحظاتٍ فاصلة في حياة الانسان والاعتقادات هي روح الدين ولبه والطقوس والشعائر هي تعبيرات وحوافظ لتلك الروح ولذلك اللب وانها جاءت في مرحلة متأخرة عن الاعتقادات فلا تصلح لتكون جزءاً معرفاً للدين .

و لربما تكون لحظة الحياة بنفسها اثارت السؤال لدى الانسان وتردد هذا السؤال كلما تعب الانسان في جمع طعامه او الانتقال الى مواطن الدفء او مواطن الماء والطعام وشعر مع هذا الكد والتعب بالحاجة الى معرفة معنى الحياة وكانت لحظة الموت لحظة صادمة جعلته يعيد التفكير في هذا الموضوع وشحذت عقله ليقدم اجابة تسد الحاجة الوجودية لديه.

ويبقى سؤال يلح بقوة لماذا نرى الدين على تنوعاته موجود في كل المجتمعات ولمَ تتكرر الظاهرة الدينية في ادغال افريقيا كما في سهوب التبت وكما في قبائل استراليا المتخلفة ، هل هو تعبير عن حاجة وجودية حقيقية ام انه وهم تماثلت البشرية في صناعته ؟ ختاماً اتوجه بالشكر لفايروس كورونا لمساعدتي في كتابة المقال .

 

اياد نجم الجيزاني

١٩-٣-٢٠٢٠

 

 

عدنان عويدحوارات قناة نور الشام السورية

الأربعاء، في الثامن عشر من آذار/ 2020/، من الساعة الواحدة إلى الثانية ظهراً، كان هناك حوار على فضائية (نور الشام) السورية، مع الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، وهو أحد أعمدة المؤسسة الدينية الرسمية قبل وفاته وما بعدها. أعد اللقاء وأجرى الحوار معه الإعلامي الأديب والشاعر المتميز(جمال الجيش). حيث طُرحت في هذا الحوار قضايا على درجة عالية من الأهمية والخطورة معاً في دولة تدعي حكومتها وحزبها الحاكم العلمانية منهجاً في سياسة الدولة والمجتمع. وهي الدولة المتعددة الطوائف والمذاهب والديانات، التي تقاوم منذ تسع سنوات أشرس قوى الارهاب في العالم ممثلة بالأصولية الإسلامية الداعية إلى تطبيق (الحاكمية) باسم الفرقة الناجية، حيث كلفت هذه الحرب المجنونة قتل مئات الألاف من أبناء الشعب السوري، ودُمر فيها الأخضر واليابس، وفي مقدمة من دمر الإنسان ذاته. علماً أن هذا الحوار أعيد بثه على هذه القناة مرات عدة و بفترات متقطعة خلال السنين الماضية.

سأقف هنا في الحقيقة عند مسألتين أساسيتين طرحتا في هذا الحوار، تتعلق المسألة الاولى بالعلمانية وموقفها من الدين بشكل عام. والمسألة الثانية وهي، إقرار الشيخ البوطي بحاكمية الدين على الدولة والمجتمع، ورفضه توظيف الدين خدمة لمصالح ومشاريع سياسية واجتماعية وضعية عند قوى حاكمة تدعي العلمانية.

وقبل نقدنا لرؤية الدكتور ابوطي أو موقفه من هاتين المسألتين، لفت انتباهي أن دور الأستاذ جمال في هذا اللقاء لم يكن أكثر من طارح لأسئلة، حيث غابت رؤاه العقلانية التنويرية التي نشهد له بها في حوارات كثيرة، قد أجراها على هذه الفضائية ذاتها  حول قضايا مصيرية تهم حياة قطرنا الصامد في وجه المؤامرة التي حيكت ضده، ولم نزل كلنا ندفع ضريبة الدم بسببها.

رؤية البوطي في رده عن معنى العلمانية:

لقد رد الشيخ البوطي وبكل ثقة، بأن العلمانية ضد الدين لآنها تعمل على إبعاد الدين عن السياسة، وهي فكر غربي لا يصلح لواقعنا الذي نعيشه. ورأيه هذا جاء بعد مقارنته القائمة على رؤى ذاتية تفتقد الحجة والمنطق، بين الديانة المسيحية في أوربا وعلاقتها بالسلطة والمجتمع، حيث تبين له أن المسيحة لم تستطع أن توافق بين العقيدة وإدارة شؤون الدولة والمجتمع، فجاءت العلمانية لتفصل الدين عن الدولة. وبين الدين الإسلامي القادر في عقيدته وتشريعه على هذه الإدارة، كونه يمثل عقيدة جعلها الله عز وجل صالحة لكل زمان ومكان من جهة، وهي جاءت للناس كافة من جهة ثانية.

بناءً على هذا الموقف المقارن بين المسيحية في الغرب والإسلام عندنا، يقر الشيخ البوطي بضرورة اعتماد الدين الإسلامي دين دولة، كونه يحمل تشريعاً إلهيا لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثله، وهو تشريع قادر على حل مشاكل الناس كافة لأن واضعه أدرى بشؤون عباده وهو خالقها. والبوطي في طرحه هذا يطالب ضمنا بتطبيق (حاكمية الله) التي يطالب بها الإخوان المسلمون، والفصائل الجهادية التي تقاتل في سورية مثل داعش والنصرة وغيرهما، بالرغم من تأكيده بأنه ضد الإرهاب، والإسلام عنده دين الرحمة والمحبة.

وعلى هذا الأساس تأتي المسألة الثانية التي طرحها في هذا الحوار، عندما قارن أيضاً بين من يؤمن بهذه الحاكمية من الحكام المسلمين المؤمنين بضرورة تطبيق الحاكمية، وبين الحكام الذين يدّعون أنهم مسلمون أمام الناس، في الوقت الذي يستغلون فيه الدين فقط لتمرير مشاريع وتبرير سياسات وضعية في الدولة والمجتمع لا يقرها الدين وفق (حاكميته) التي حددتها شرائعه. وعلى هذا المعطى، يعتبر هؤلاء الحكام عنده انتهازيين أو براغماتيين لا يمثلون الدين الإسلامي ويستغلونه لمصالحهم.  علماً أن هذا الرأي كان قد أكد عليه أيضاً في مكان آخر بعيدا عن هذه اللقاء، في كتابه (العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر)، وهو كتاب مقرر لطلاب الشريعة في جامعة دمشق، حيث كان فيه أكثر وضوحاً بإدانته لهؤلاء الحكام، الذين يدعون أنهم يؤمنون بالإسلام ولا يطبقون حاكميته أو شريعته، وقد جاء فيه:

(أما الدين الإسلامي فيحوي في أصله إلى جانب مبادئ الاعتقاد، الأحكام التي تضبط شؤون الدولة وتتكفل بإقامة أنظمتها وقوانينها. فحجزه عن ممارسة صلاحياته ومسؤولياته، ففي ذلك، تغيير لجوهره وإبطال لكثير من مضمونه...). (1). ثم يتابع ناعتاً من يؤمنون بالعلمانية ضمناً، ويتقربون إلى الإسلام قولاً، قائلاً: (إن التظاهر بالخضوع له – أي الدين -  بعد ذلك كذب عليه ومخادعة له ولمشرعه.) (2).

إن  مسألة فهم البوطي للعلمانية وغيره الكثير ممن يؤمنون بالحاكمية الرشيدة على حد قوله، ظل فهماُ قاصراً ومبتسراً في الحقيقة، كونه يقف عن مسألة جزئية من العلمانية وهي (فصل الدين عن السياسة). بينما العلمانية في جوهرها، هي ليست ضد الحرية الدينية، وإنما العمل على مركزتها في الفرد من منطلق الحرية الفكرية والفردية، فـ (الدين لله والوطن لجميع مكونته). إن العلمانية في سياقها العام، دعوة عقلانية لاقامة  مشروع الدولة المدنية، التي تعني: إقامة المواطنة، ودولة القانون، والمؤسسات، والتعددية، والتشاركية، واحترام المرأة، والرأي الاخر، وحرية الإعلام.. وغير ذلك من قضايا تهم القيم الإنسانية النبيلة وتعترف بأن الإنسان سيد نفسه.

إذن لقد تكثفت العلمانية عنده وعند الكثير ممن يجهلون جوهرها ودلالاتها على أنها فصل الدين عن الدولة فقط، وهذا  يعني غياب القدرة على فهم طبيعة العلاقة بين السياسية والعلمانية والدين، وخاصة عدم إدراكه أن دولة كسورية متعددة الديانات والطوائف والمذاهب، لا يمكنها ان تحكم بالدين وإحدى فرقه الناجية.

أما موقفه من اللادينية من خلال رده على سؤال ملتبس طُرح عليه ولم يُحدد دلالات هذه اللادينية هل تعني اللادينية عدم الايمان بالله؟، أم عدم الايمان بحاكمية النص الديني، والايمان بنظريات وضعية توافق قضايا العصر ومشاكله؟.

على العموم لقد حدد إجابته بقوله: هو مع اللادينية إذا ظلت محصورة في عقل صاحبها، إما إذا أخرجها على الناس وقال بها، فهذا ممنوع ولا يلتقي مع أصول الحكم الديني.

إن البوطي هنا أصدر حكمه في هذه المسألة كممثل وحامي للدين، على اعتبار الدين هو فقط من يجب أن يسود فكراً وممارسة، وكل من يطرح فكراً لا دينياً أي وضعيا، فهو خارج عن الدين يحب أن يقصى، ويمنع من التعبير عن فكره وقناعاته.

يظل السؤال المشروع الذي يطرح نفسه علينا اليوم أمام هذه المقابلة ومضمونها وهي تبث في وقت تحتفل فيه قوى الحاكمية بعيد ثورتها التاسعة: لماذا هناك في سورية من يحارب العلمانية، علماً أن الدولة ممثلة برئيسها تقول بالعلمانية وتطالب بضرورتها في سورية؟.. ثم من هو المستفيد من محاربتها والدعوة إلى تطبيق الحاكمية بديلاً عنها، وكلنا يعرف ماذا عمل اصحاب هذه الحاكمية في سورية وشعبها خلال التسع سنوات الماضية؟.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

............................

1- د. محمد سعيد رمضان البوطي. (العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر). وهو كتاب مقرر لطلاب الشريعة في جامعة دمشق. ص 248

2 - المرجع نفسه ص248

 

 

 خيرة بورزيق(مقترح من طرف الباحثة بمناسبة وباء كورونا)

مقدمة: "الصحة قبل كل شيء".. عبارة لطالما تداولتها الألسن ولكن لم تحس بقيمتها إلا اليوم، العالم كله أصبح يرددها في وقت واحد كون شعوبه ودوله بأكملها تعيش الآن أزمة صحية واحدة وهي وباء "كورونا".

إن الوضع الذي نواجهه الآن هو أخطر ما شهدناه في وقتنا الراهن، فمنذ أن أعلنت منظمة الصحة العالمية في الحادي عشر من شهر مارس تفشي هذا الفيروس، راحت العديد من البلدان تتخذ تدابير صارمة، إلا أن الوضع أخذ يتطور باستمرار إلى أن اضطرت معظم الدول في الأيام القليلة الماضية إلى إغلاق المدارس والجامعات ورياض الأطفال والأماكن العامة .. وإجراءات أخرى أكثر صرامة اتخذتها بعض الدول الأكثر تضررا.

في ظل هذا؛ اسمحوا لي أن أقدم مقترحا في مجال المسؤولية الاجتماعية للشركات، يتضمن إضافة بعد صحي إلى أبعادها التي جاء بها هرم كارول، ولا بأس أن أسمي هذا النموذج الجديد بـ"هرم كورونا"، نسبة إلى ابتكار البعد الصحي في ظل ظهور هذا الوباء الفتاك.

حيث نجد في قاعدة هرم كارول المسؤولية الاقتصادية، فوقها المسؤولية القانونية ثم الأخلاقية ثم المجتمعية (الخيرة)، ونظرا لأهمية البعد الصحي، أقترح أو تتوسط المسؤولية الصحية بين المسؤولية الاقتصادية والقانونية أو قبل المسؤولية المجتمعية (حسب ما هو موضح في الرسم البياني أسفل المقال).

أولا- مفهوم البعد الصحي للمسؤولية الاجتماعية للشركات:

في ظل هذه الظروف الشاذة والتي لم تكن في الحسبان، تأثر اقتصاد الدول بشكل كبير حيث يقدر أن التكلفة الاقتصادية للوباء ستكون أكثر من 3 تريليون دولار. وعليه أصبحت منظمات الأعمال مضطرة لإعادة حساباتها التي لن تتفطن لها حتى إدارة الأزمات، فحين يتعلق الأمر بالصحة لن تجد ضمن برامجها واستراتيجياتها ما يتناول هذه النقطة التي تتجاهلها غالبية الشركات رغم قوة وقدرة الجانب الصحي على قلب الموازين وخفض معدلات الإنتاج والأرباح إلى درجات مخيفة.

فكما يبدو -أو بالأحرى أصبح الآن بالذات يبدو لنا- أن عامل صحة الكائن الحي يلعب دورا أساسيا وبارزا في كل المجالات، فالاقتصاد يحتاج إلى أصحاء لاستهلاك المنتوجات، وأصحاء للعمل بالمنظمات، وأصحاء للإدارة والتسيير وسن القوانين .. كما للصحة علاقة تأثير وتأثر بالبيئة أيضا، فكل شيء يتغير فجأة وبسرعة بفضل عامل الصحة. علق "مارك سوزان" الرئيس التنفيذي لمؤسسة جيتس قائلاً: "يذكرنا وباء كورونا بأن الأمراض المعدية لا تحترم الحدود، ولا يوجد مجتمع محصن ضد خطر الوباء العالمي".

وبالتالي؛ فإنه عندما نتساءل عن الحل الآن لمواجهة هذه المعضلة أمام عدم إيجاد لقاح، لن نجد إلا التآزر وثقافة الإصغاء والتطوع، والفهم والاهتمام والمشاركة، وكل المشاعر والأفعال الإنسانية.

لعلها الفرصة الوحيدة التي يجتمع فيها كل أفراد المعمورة على رأي واحد وخطى واحدة، ولعلها المناسبة الوحيدة التي تفكر فيها منظمات الأعمال في الإنسان قبل الأرباح، وهذا ما يسمح بأن تكون مسؤولة اجتماعيا رغما عنها (وإن كان هناك القلة من الانتهازيين الذين يرونها فرصة للربح، لكنه رأي مؤقت).

هذا ما يدعوني إلى اقتراح إضافة بعد آخر إلى أبعاد المسؤولية الاجتماعية وهو "البعد الصحي"، لما لهذا البعد من أهمية بالغة في الإبقاء على باقي الأبعاد (الاقتصادي، الاجتماعي، الأخلاقي، القانوني، البيئي، الخيري) وتطويرها، وذلك بوضعه مستقلا وليس الاكتفاء بدمجه في أحد تلك الأبعاد حتى يبدو واضحا للعيان، وترسم له المنظمات خطة استعداد وتصد.

قال الدكتور "كورين ديشيريكو"  كبير الأطباء في شبكة الرعاية الصحية في نابولي: "إن المسؤولية الاجتماعية خلال هذا الوقت الاستثنائي غير المسبوق أمر بالغ الأهمية. قد نحتاج إلى تغيير حياتنا بطريقة ما حتى نتمكن من بذل كل ما في وسعنا للتخفيف مما يحدث". بالإضافة إلى ما قالته عالمة الأخلاق الطبية "كاثرين درابياك" من جامعة جنوب فلوريدا: "إن الأمر متروك لنا للالتقاء لنفعل ما هو الأفضل لمجتمعنا. فكر في هذا على أنه واجبك المدني لحماية الجميع، لأن ما لا نريد أن يحدث هو أن تتطور الإجراءات حيث لا تصبح طوعية ".

إذن هذه فرصة للشركات لإظهار التزامها بصحة سكان العالم وسلامة القوى العاملة وسلسلة الإمداد، قبل أن تفرض عليها إجراءات صارمة قد تصل إلى حد الغلق أو التوقف عن النشاط.

وكمحاولة للوصول إلى مفهوم البعد الصحي للمسؤولية الاجتماعية للشركات، أقترح هذا التعريف: "البعد الصحي هو أن تراعي الشركات في نشاطها الجانب الصحي ووضعه في قائمة أولوياتها، وقيامها باتخاذ كل الاحتياطات اللازمة للحفاظ على صحة موظفيها وعملائها والمساهمة في حفظ الصحة العامة، ووضع خطط استعداد وتصدي للأوبئة، وتخصيص نفقات تودع في حزم التوفير تأهبا للأزمات الصحية المفاجئة"، وقد يكون الحادي عشر من شهر مارس 2020 كبداية أو كظهور تاريخي لهذا البعد.

 

 

ثانيا- عناصر البعد الصحي للمسؤولية الاجتماعية للشركات:

من خلال التعريف المقترح أعلاه، يمكن استنباط بعض العناصر (كنموذج مقترح):

1) التسويق الصحي:

- مع التفكير في كيفية تقليل تأثير الأوبئة والأمراض المعدية على حركة التسويق النموذجية في حقبة تقود فيها المسؤولية الاجتماعية للشركات سلوك المستهلك، يجب أن يلتزم رؤساء منظمات التسويق وفرق التسويق الخاصة بهم بأنفسهم وزملائهم ومجتمعاتهم والعالم بحماية المجتمعات من ذعر الفيروس.

- الحفاظ على الأسعار نفسها أوقات انتشار الأمراض، وليس الرفع منها للتهافت عليها للضرورة الملحة، وعدم استغلال محتاجيها، كما يجب العمل على خفض أسعار المنتجات الضرورية خاصة لفئة الأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة. بالإضافة إلى عدم احتكار المادة أو حجبها. في هذا الإطار تتحمل Orkla (شركة السلع الاستهلاكية ذات العلامات التجارية الرائدة في منطقة البلطيق) بصفتها مورداً للمنتجات الغذائية والتنظيف مسؤولية اجتماعية هامة تجاه المجتمع أثناء تفشي فيروس كورونا. حيث ونظرا إلى أن المنتجات الغذائية ذات الصلاحية الطويلة، وصابون اليد، ومنتجات التنظيف من العناصر الأكثر طلبًا حاليًا من قبل المستهلكين؛ فإن هذه الشركة تعمل على التوصيل وإعادة تخزين أرفف المتاجر بالمنتجات التي يحتاجها الناس.

- في عصر يمكن فيه للنجاح التسويقي أن يتوقف على قدرة النشاط التجاري على الاستجابة السريعة والاستراتيجية المحورية حول الاتجاهات في الوقت الفعلي، فإن اندلاع الفيروسات يغير سلوك المستهلك. تمامًا مثلما يعدّل الرؤساء التنفيذيون سياسات السفر في مهام العمل ويجهز متخصصو تكنولوجيا المعلومات الشبكات لتدفق حركة العمل من المنزل، على فرق التسويق أن تستعد أيضًا للتغييرات، إذ يمكنها إعداد طريقة لإيصال المنتجات بطريقة حذرة وآمنة إلى طالبيها المصابين أو المعرضين للإصابة، تحت إطار "التسويق المحمول" تجنبا لخروج المستهلكين واختلاطهم، لاسيما عند اتخاذ إجراء الحجر الصحي.

2) برنامج موظفون أصحاء:

يجب على أصحاب الأعمال الاعتراف بشركاتهم وموظفيهم على أنهم مجتمعات في حد ذاتها. فيمكن للمنظمة وكإجراء استباقي إعداد استراتيجية خاصة بالعاملين لديها، تتضمن كيفيات المحافظة على صحتهم داخل وخارج المنظمة، من خلال:

- الإخضاع المتواصل للعمال للفحوصات الطبية في الظروف العادية، حتى ولو كانت المؤسسة خدماتية، لأن هناك من الأمراض ما تنتج عن التوتر المهني أو الإرهاق في العمل كالزهايمر، وليس فقط بالنسبة للمؤسسات المنتجة. كما يفيد هذا الإجراء في كشف الأمراض في بدايتها قبل تفاقمها، أو تفشيها إذا كانت معدية كون أن أماكن العمل من بين أكثر الأماكن عرضة للعدوى بسرعة.

- العزل الفوري للعاملين المصابين بأمراض معدية وتخصيص متابعة طبية لهم، مع تمكينهم من أجورهم كاملة في الأشهر الأولى من الإصابة إذا كانت بسبب خارجي، أما إذا كانت بسبب مواد سامة أو تلوثات داخل المصانع فعلى المنظمة التكفل التام بمصاريف العلاج مع التمكين من الأجر والتعويض. مع استفادة أفراد العائلة الذين تعرضوا لعدوى من نفس العامل.

- تنظيم حملات تحسيسية وتوعوية دورية لاسيما حول التصريح بالمرض أو العدوى فور اكتشافه، قصد حصره وليس التكتم عنه خوفا من التسريح أو الإنقاص من الراتب الناتج عن التغيبات.

- تفضيل صحة العاملين على الأرباح والصفقات المربحة والعروض المغرية، كما فعلت شركة الاتصالات السويدية إريكسون في إطار مسؤوليتها الاجتماعية عندما اختارت سحب معرضها من النظام العالمي للاتصالات المتنقلة (GSMA)، حيث لا يمكن ضمان صحة موظفيها المشاركين. وفي هذا الصدد أيضا تقول شركة Orkla:  "نحن في Orkla نتحمل مسؤوليتنا تجاه المجتمع على محمل الجد. منع انتشار العدوى له أولوية قصوى، فمنذ أيام بدأنا نحث جميع موظفينا في مقرنا في أوسلو على العمل من المنزل وأصدرنا نداءا مماثلا لموظفي المكاتب في العديد من البلدان الأخرى التي نعمل فيها. كما فرضنا قيودًا صارمة على السفر والزيارات. سنقوم بتسليم البضائع المطلوبة وسنفعل ما في وسعنا لمنع انتشار العدوى".

3) محركات البحث الصحي:

- في المجال التكنولوجي يمكن للشركات أن تكلف فرق بحث إجراء بحوث حول اتجاهات المستهلكين للمنتجات والخدمات الصحية، وإجراء محادثات مع العملاء حول كيفية وضع استراتيجية محورية لضمان قيام الشركات بكل ما في وسعها لحماية الصحة العامة وتوفير المتطلبات الصحية، والتركيز على الأمراض المعدية من خلال تتبع انتشارها عبر محركات البحث داخل وخارج دولة المنظمة. فمثلا لاحظت بعض فرق البحث زيادة في عمليات البحث حول منتجات أو خدمات معينة. على سبيل المثال: البحث عن أقنعة الوجه أو الكمامات. حيث تساعد هذه النتائج على تقرير توفير المنتج إما عن طريق إنتاجه أو اقتنائه من طرف المنظمة الباحثة.

- كما وأن هذه العملية تساعد على كشف ورصد المضللين والانتهازيين، ففي إطار اغتنام فرصة فيروس كورونا شهد أحد العملاء زيادة في حركة البحث على المنتجات ذات الصلة بالزنك، بقيادة رسالة فيروسية من عالم أمراض مشهور تم مشاركتها على منصات وسائل التواصل الاجتماعي، مما دفع الناس إلى الاعتقاد بأن هذه المنتجات ستحمي المستخدمين من الفيروس. بعد انتشار الرسالة، باع العميل الكثير من مخزون منتجات الزنك في يوم واحد. مما يستدعي بالمنظمة التي كشفت عن هذه الممارسة متابعة المنتهك بموجب المنافسة غير الشريفة أو انتهاك للبعد الصحي المسؤولية الاجتماعية للشركات.

4) الإعلانات الصحية:

- أن تقوم الشركة بتقديم إعلاناتها التسويقية تحت شعارات صحية آمنة وغير زائفة، أما عن المنظمات العاملة في مجال الإعلان والإعلام، فمن مسؤوليتها الاجتماعية أن تجري الإعلانات غير الربحية المتعلقة بالصحة بصورة مجانية تطوعية، كما فعل الرئيس التنفيذي لشركة Mark Zuckerberg حيث أعلن أن موقع التواصل الاجتماعي Facebook سيسمح لمنظمة الصحة العالمية (WHO) بنشر إعلانات مجانية على الموقع حول وباء كورونا.

- نعتقد كلنا أن موجة كورونا اشتملت حتى الأطفال الذين من الصعب أن يفهموا جيدا، إنهم بحاجة إلى معرفة أن العزلة الذاتية لا تتعلق بالذعر والخوف، بل بالأحرى مسؤولية اجتماعية يجب على الجميع تحملها بجدية. من بين أبسط الطرق لتوضيح هذا هو الرسوم المتحركة والتي يتم مشاركتها على نطاق واسع عبر التلفاز أو وسائل التواصل الاجتماعي، كما فعل الفنان خوان ديلكان. وأنشأت مدينة فيينا شريط فيديو للأطفال من خلال تقديم التوصيات الأساسية. إنها باللغة الألمانية ولكن تتوفر ترجمة باللغة الإنجليزية.

5) تبرعات لصالح الصحة:

أن تخصص المنظمة نسبة من أرباحها لا تتجاوز نسبة معينة يتم تحديدها ضمن اللوائح الدولية للمسؤولية الاجتماعية، لأغراض صحية، كما هو الحال لمحاربة كورونا أصدرت مؤسسة بيل وميليندا جيتس بيانًا صحفيًا قالت فيه إنها ستتعهد بتقديم 5 ملايين دولار لمساعدة وكالات الصحة العامة في سياتل في مكافحتها للفيروس. بالإضافة إلى التعهد البالغ 100 مليون دولار لقضايا عالمية بهدف مماثل.

أكثر من ذلك؛ مدير معهد العلوم السلوكية بجامعة سنغافورة للإدارة البروفيسور "ديفيد تشان" تحدث عن "دليل المسؤولية الاجتماعية" الذي أصدرته السلطات الرومانية بعنوان "ما تفعل ولا تفعل لمنع انتشار الفيروس"، أين شاركت وزارة الداخلية قائمة توصيات للسلوك الاجتماعي المسؤول في منع انتشار فيروس كورونا، يتضمن الدليل ما مجموعه 15 توصية.

خاتمة:

من خلال ما تقدم نلمس بأن المسؤولية الاجتماعية للشركات لا تقتصر على الأوقاف المالية أو المنح أو المساعي الخيرية المماثلة. بل تتضمن أيضا إتاحة البيانات والمعلومات للجميع ومساعدة المستجيبين الأوائل وصناع القرار في وقت الكوارث أو الأوبئة.

يعد الفيروس كورونا أكبر وباء شهده العالم منذ أكثر من قرن. لقد قتل الآلاف من الناس، وعطل سلاسل التوريد، وأوقف الاقتصاد العالمي، وتسبب في إغلاق مدن بأكملها. في جميع أنحاء العالم أصبحت المطارات فارغة والمكاتب مغلقة والشوارع خاوية كأنها مدينة أشباح.

في الوقت الذي يستعد فيه العالم لمعالجة هذه الأزمة ذات الحجم غير المتوقع وإصدار الحكومات لنصائح للرعاية الصحية وعزل المصابين؛ تعمل الكثير من المنظمات على الأرض لتقديم تصورات للمناطق المتضررة إلى جانب الوعي بالأوضاع الحقيقية، كما تفعل شركة "الصناعة الجغرافية المكانية" في الكثير من الأزمات والكوارث من خلال تعزيز جهود الإغاثة وإعادة التأهيل، وتتبع انتشار الفيروس، وتحديث عدد الأشخاص المتضررين باستمرار، وتوفير معلومات في الوقت الفعلي؛

ويبدأ "التحالف العالمي لشبكات الأعمال" التعاون من أجل العمل المحلي العاجل، وتبادل أفضل الممارسات العالمية لمعالجة هذا الوباء؛

ويعلن مجلس الأعمال الأمريكي لمحاربة الفقر، والمجلس الأمريكي للأعمال الدولية، وشركاء الأعمال من أجل التنمية المستدامة عن إطلاق عملية عاجلة عبر الشركات لتسريع العمل المحلي ودعم أفضل وقت للتعلم عبر الأسواق للتعامل مع الوباء؛

كما وسيرتكز العمل في "ميثاق الأعمال الوطني" بشأن كورونا (وهي حملة ائتلاف وطني للأعمال التجارية في كينيا) على تنسيق عملية تبادل المعرفة العالمية، بالشراكة مع تحالف متزايد من شبكات الأعمال، بما في ذلك شركاء الأعمال من أجل التنمية المستدامة، وهي مبادرة في إطار المسؤولية الاجتماعية بقيادة شركات مشهورة دوليًا.

أمام كل هذا؛ نحن بحاجة إلى إجراءات محلية عاجلة لمكافحة هذا الوباء العالمي. يجب على الشركات أن تقف على الفور وتلتزم بممارسات التسويق المسؤولة، وأن تدعم الجهود المبذولة لتسريع الحملات الوطنية لغسل اليدين والحلول الوقائية الأخرى مع شبكة مشتركة من مختلف الشركات والمنظمات غير الحكومية والشركاء الأكاديميين والحكوميين.

ونظرًا لحجم الوضع وإلحاحه، نحتاج إلى أن نتحد - عبر الشركات والمجتمع المدني والحكومة - من أجل إيجاد حلول مشتركة ومشاركة أفضل الممارسات بسرعة، يجب علينا على وجه الخصوص التركيز على دعم صمود أولئك الأكثر ضعفاً عبر سلاسل القيمة الخاصة بالشركات وفي المجتمعات التي يعملون فيها.

كما يمكن للحكومة تعبئة موارد القطاع الخاص بسرعة أكبر والتواصل بطريقة أكثر فعالية وفي الوقت المناسب.

ماذا عن عالمنا العربي؟ !! .. ما يمكن أن نوجهه لحكوماتنا ومؤسساتنا وشعوبنا أنه لا يجب الاستخفاف بالوضع الراهن، عليها أن تتخذ هذه التدابير كما تفعل المؤسسات المسؤولة اجتماعيا التي أثبتت نهج التفكير المستقبلي الذي يجب على جميع الشركات أن تنتبه له.

ما هو مطلوب كحد أدنى؛ تغيير عاداتنا للتخفيف من انتشار الفيروس. الأمر كله يتعلق بفعل الشيء الصحيح وهذا يشمل تجنب الحشود الكبيرة.

إذا كان الواحد منا مريضًا أو لتجنب المرض ... فليبقى في المنزل ... وفقط.

 

بقلم: أ. بورزيق خيرة

باحثة في طور الدكتوراه حول المسؤولية الاجتماعية /الجزائر

اقتراح شخصي.

 

محمود محمد عليفى هذا المقال أود أن نكمل المسيرة في دراسة الأثر الشرقى في العلم اليوناني بصفة عامة في مقالات سابقة نشرناها من قبل علي صفحات المثقف الزاهرة: حيث نبين هنا في هذا المقال مدى استفادة معظم اليونانيين من الشرقيين فى مجال الثقافة التكنولوجية، وذلك من خلال إجابتنا على هذا السؤال الذى يطرح نفسه بشدة على هؤلاء المتأخرين من اليونانيين وهو: لماذا لم يتقدم اليونانيون فى الثقافة التكنولوجية بأسرع مما تقدموا برغم دينهم لأسلافهم من الشرقيين؟

وللإجابة على هذا السؤال نعتقد أنه ربما أن معظم اليونانيين لم يكونوا متهئيين لتلقى التراث العلمي الشرقي الضخم دفعة واحدة، أو انهم عجنوا عن الالمام بأحسن ما فيه، بحيث تلقوا مجرد شذرات منه، وبالتالي لم يحصلوا من هذا التراث على الدفعة التى كانت من الممكن أن تنطلق بهم الى افاق ابعد بكثير من تلك التى بلغوها .

واعتقد أن هذا لا يقال على كل فترات العلم اليوناني، وإنما يقال على كل الفترة التى بين 400و330 ق.م، وهي التى تتضمن ما قام به فلاسفة اليونان (سقراط وأفلاطون وأرسطو ) من أعمال فى مجال العلم، حيث تتميز هذه الفترة بأن الأثر الشرقي في مجال العلم كان ضعيفاً ومحدوداً في العلم اليوناني في تلك الفترة، بسبب الاعتقاد السائد في أن العلم الشرقي كان يغلب عليه الاستخدام العلمي للمعارف الموروثة، ولكنه لم يكن يملك نفس القدر من البراعة فى التحليل العقلي النظري لهذه المعارف.

ومن هنا سعي معظم العلماء والفلاسفة اليونانيين فى تلك الفترة الي جعل العلم نظرياً لا تطبيقيا، وذلك حين أكدوا أن المعرفة العلمية لكى تكون صحيحة، يجب أن تنصب على الحقائق النظرية والعامة، كما يجب أن ترتكز على براهين مقنعة، وأن هدف العلم هو معرفة النظرية التي تسير الظواهر وفقاً لها، وليس القدرة على استغلال هذه الظواهر والانتفاع بها فى المجال  التطبيقي .

وعندما أكد اليونانيون ذلك كانوا فى الواقع يحاولون إبراز سمة أساسية من سمات العلم، وهى أن العلم لا علاقة له بمجال التطبيق ولا صلة له بالعلم المادي بأكمله وإنما الواجب على العلم أن يكون عقلي فحسب . فالمثل الأعلى للعالم في نظرهم هو المفكر النظري الذى يستخلص الحقائق كلها بالتأمل النظري، أما محاوله تدعيم هذه الحقائق بمشاهدات أو ملاحظات أو تجارب نجربها على المحيط بنا، فكانت فى نظرهم خارجة عن العلم، بل إنها تحط من قدر العلم وتجعله مجرد "ظن" أو "تخمين "، بل إن " أفلاطون " الذي كان فى الوقت نفسه ذا المام واسع بالرياضيات قد عاب علي احد علماء الهندسة إلتجاءه الى رسم اشكال هندسية لإيضاح حقائق هذا العلم، ورأى أن إعطاء علم رفيع كالهندسة صورة محسوسة يمكن رؤتها بحاسة العين، وهو إنزال لهذا العلم من مكانته العالمية، فيصبح جزء من عالم الاشياء المرئية والمحسوسة، بينما ينبغي لكى يظل محتفظا بمكانته ألا نستخدم فيه إلا التفكير العقلي وحده فتظل حقائق الهندسة أسبابا سياسية واجتماعية دعت معظم اليونانيين في تلك الفترة إلى صبغ هذا العلم بهذه الصبغة .

ومن ناحية أخرى نود أن نشير إلى تلك الفترة التي كان فيها العلم اليوناني معرضاً وعازفة عن الأخذ بعلوم الشرق، كانت هناك فترات أخرى تمسك فيها اليونانيون بالأخذ عن الشرقيين، وكان فيها العلم اليونانى يجمع بين النظرية والتطبيق، وكان هذا العلم في أثنائها يمثل أزهى فتراته .

وتعد فترة " العلم الأيوني " تلك الفترة المحصورة ما بين 600 و400 ق.م، وقد اطلق العلم " هيدل " heidel على هذه الفترة اسم : عصر البطولة " وفيها كان اليونانيون على اتصال دائم بالشرقيين وعلومهم ؛ على ان هناك فترة اخرى، وهي الفترة المحصورة ما بين 330 و120 ق. م وفى تلك الفترة عاد العلم اليوناني ينهل من علوم الشرق، والتى فيها ضمت امبراطورية الأسكندر الأكبر العلم اليوناني مرة أخرى فى اتصال مباشر مع التراث العلمى فى الشرق حتى وصلت إلى الهند، وأصبحت " الإسكندرية " بيتا للعلم ؛ حيث دعمت ماليا لأول مرة فى التاريخ من خلال إقامة المتحف والمكتبة، وأدي ذلك إلى التطور العظيم للراضيات والميكانكا والفلك، والتى ارتبطت بـ"ارشميدس" archimedes و"هيبارخوس"hipparchus وغيرهما.

ولقد كانت تلك الفترة من أكثر المراحل أهمية فى تاريخ العلم اليوناني، إلا أنها للأسف لم تستمر طويلاً بسبب تدهور العلم اليوناني، وتمسك العلماء بالعلم الأرسطى العقيم، حيث يطلق مؤرخو العلم على العصر الأول من العلم اليوناني، العصر البطولى الذي يبدأ "بطاليس " وينتهي "بديموقريطس" ويسميه الفلاسفة " العصر السابق على سقراط "، ويتميز العلم اليونانية فى هذا العصر،بانه كان يجمع بين الطابع النظري والطابع العملي، يقول " بنيامين فارتن " : ( ان القرنيين الخامس والسادس اى الفترة المعروفة بفترة ما قبل سقراط أو العصر البطولي للعلم، لم تكن متميزة بنمو الفكر المجرد فحسب، وإنما كانت كذلك فترة تقدم فني عظيم والجديد المتميز في طريقة تفكيرهم  مشتق من أنواع الطرق الفنية، كان التقدم الفني هو العصا السحرية التى تغير الشكل القديم للمجتمع المعتمد أصلاً  على الأرض إلي شكل جديد من المجتمع يعتمد إلى حد كبير على الصناعة، كان التقدم الفنى يبعث إلى الوجود طبقة جديدة من الصناع  اليدويين والتجار لم تلبث أن أمسكت سريعا بزمام السلطة السياسية  فى المدن . وفي العقد الأول من القرن السادس حاول "سولون " الذى كان يمثل الطبقة الجديدة أن يجدد اثينا التي مزقها الصراع بين مالك الارض والفلاح، يخبرنا "بلوتارخ " أن "سولون اضفي الشرف على الحرف" لكى يصل إلى تحقبق هذا الهدف . لقد حول انتباه المواطنبن الى الفنون والحرف، ووضع قانون مؤاده أن الابن لا يلتزم براعاية أبيه فى الكبر ما لم أبوه قد علمه احدي الحرف . ويقول "بلوتارخ"" فى هذا الوقت لم يكن العمل عاراً ولم تكن  مزاولة احدي الحرف تدمغ المرء بالوضاعة الاجتماعية"

وقد كان من نتيجة ذلك، أن شهدت تلك الفترة صحوة تكنولوجية، فقد كانت طرق الصناعة التي مارستها مصر فى خلال تلك الفترة، عاملاً هاماً فى لفت أنظار المستعمرين اليونانيين المستقرين فى " نقراطيس " أو المتجولين فى أنحاء البلاد، ولا بد أنها انتقلت إلى الجزر اليونانية بالسهولة التى انتقلت بها الأشياء التى أسهم اليونانيين فى ابتكارها .

ويذكر " سارتون " أن هناك شخصيات علمية برزت فى تلك الفترة مثل " انا كارسيس الاسكنذى"Anacharsis the scthen الذى استحق المجد لأنه أدخل تحسينا على الهلب واخترع الكور وعجلة الفخارى، أو مثل "جلوكس الكيوسى"Glaucus of chois الذى اخترع آلة الحديد اللحام أو "تيودور الساموسي" theodorus of samos صاحب الفضل فى اختراع قائمة طويلة من المخترعات الفنية : الميزان المائي، والزاوية، والمنجلة، والمسطرة، والمفتاح، وطريقة صب البرونز .

ومن ناحية اخرى، فقد كانت الكلمة الاغريقية للحكمة sophia ما زالت تعنى فى ذلك الوقت المهارة الفنية لا التكهن المجرد، أو على الاصح لم يكن التركيز بينهما قد برز لأن  أفضل التكهنات كانت تعتمد على المهارة الفنية .

فلقد كانت فترة ظهور أولى مدارس الفكر اليونانى – وهى المسماة بالمدرسة الايونية – تبشر بتضافر مثمر بين النشاط الفكري النظري والنشاط  العملي الألى : إذ كان كثير من فلاسفة هذه الفترة، أعنى من يسمونه بـ" الطبيعيين الاولين "، مهتمين بالمسائل العملية بقدر اهتماهم بالمسائل النظرية، وكانت جهودهم تنصب على الميدانين معاً، دون تعارض فى تلك الفترة، كان هناك اتصال رائع بين حضارات الشرق الاوسط وبين الحضارة اليونانية الناشئة، وكانت الخبرات والمعلومات والتجارب تتبادل إلى جانب المحصولات والمصنوعات، وثمر ذلك كلة تفكيراً يجمع الى الممارسة التطبيقية القدرة على البرهان العقلي .

ولقد كان طاليس الذى يقال عنه " أبو الفلسفة " والذى عاش فى القرن السادس قبل الميلاد – كان مفكرا نظريا ومخترعاً فى الوقت ذاته، فلقد كان نسب إليه مؤرخو الفكر أول نظرية متكاملة حاول بها الذهن البشري تفسير الكون كله، من خلال مبدأ واحد وهو أن الماء قوام الموجودات بأسرها، فلا فرق بين هذا الإنسان وتلك الشجرة، وذلك الحجر إلا الاختلاف فى كمية الماء الذي يتركب منها هذا الشئ، أو ذاك .. أليس الماء يستحيل إلى صور متنوعة فيصعد فى الفضاء بخاراً، ثم يعود فيهبط فوق الارض مطراً، ثم يصيبه برد الشتاء فيكون ثلجاً ؟ وإذن فهو غاز حيناً وسائل حيناً، وصلب حيناً، وكل ما يقع في الوجود لا يخرج عن إحدى هذه الصور الثلاثة .

كان الماء عند طاليس هو المادة الأولي التي صدرت عنها الكائنات، واليها تعود، وقد ملأ عليه الماء شعاب فكرة، حتى خيل إليه أن الأرض قرص متجمد، يسبح فوق لجج مادية ليس لأبعادها نهاية، ويرجح أرسطو أن يكون طاليس خلص إلي هذه النتيجة لما رأى أن الحياه تدور مع الماء وجوداً وعدما فتكون الحياه، حيث الماء وتنعدم حيث ينعدم .

واذا كان طاليس يعد أول يوناني أدرك أن هذه الكائنات المتباينة لابد أن تكون قد صدرت عن أصل واحد، ثم أخذ يبحث عن ذلك الاصل، فشق ذلك الطريق، وأخذت الفلسفة تدور حول هذه المشكلة وتجيب على سؤاله : رأى طاليس أن الماء أصل الوجود، وقال " انكسنمدر " بل هو مادة لا تحدها حدود، وأعلن أنكسمينس " أنه الهواء، وذهب " الفيثاغوريين " إلى أنه العدد، وأجاب " هرقليطس " بل هو النار، وذهب " امبذوقليس" إلى عناصر أربعة، وقال " ديموقريطس " : إنه ذرات ... وهكذا لبث الفلاسفة يقتفون أثر زعيمهم طاليس فى جوهر البحث أساسه، وإذن فطاليس هو الذى صبغ الفلسفة فيما قبل سقراط بتلك الصبغة الفنية التى عرفت بها .

وإذا كان طاليس قد حاول تفسير الكون كان من خلال مبدأ واحد مقنع عقلياً لا من خلال أسطورة أو خرافة، ولكنه كان فى الوقت ذاته عقلية علمية وعملية من الطراز الأول، فروي عنه أنه حول مجرى نهر " هاليس " لكى يتيح لجيوش " كروسيوس " أن تعبره، ونسبت إليه كشوف عديدة فى الفلك والملاحة، فعن طريق قاعدة المثلثات المتماثلة استطاع طاليس أن يبتدع وسيلة لتحديد أبعاد السفن وهى فى البحر، ويقال أنه أخذ عن الفينيقيين تحسين فن الملاحة  بالاستعانة بالنجوم، واستطاع ان يتنبأ بكسوف الشمس فى عام 585 ق.م بمساعدة اسطرلابات (جداول فلكية ) مصرية وبابلية، ويقال أنه أحرز كذلك تقدماً على الهندسة المصرية فى أمر كبير الاهمية، هو زيادة فهم شروط البرهان العام، فلم يعرف أن قطر الدائرة يقسمها إلى قسمين متساويين فحسب، بل إنه فضلاً عن ذلك أثبته . وتبين شهرته المزدوجة كفيلسوف وكرجل أعمال في القصة التي تروى عنه وهى أنه عندما رأى نقادة يتهكمون عليه، ويتزعمون انعدام القدرة العلمية لديه، لم يلبث أن اشتغل بتجارة الزيتون، وحصل منها على مال كثير فسقط فى أيدي هؤلاء النقاد.

إذن أول فليسوف يوناني يذكره التاريخ هو " طاليس "، والذي كان يمثل أعظم شخصية تكنولوجية فى آنا واحد ..  فهو لم يكن ذلك الرجل المنعزل الذى يتأمل السماء فتتعثر مشيته ويقع فى الوحل، كما تصوره القصة المشهورة ؛ وبعبارة أخرى فإن بداية ظهور الفلسفة كانت مرتبطة بالجمع بين الفكر النظري والعلم التطبيقي  معا، بل ربما جاز القول أن الاهتمام بالأمور العلمية هو الذى أوحى إلى فلاسفة هذه الفترة آراءهم النظرية .

خلاصة القول لقد كان كل شئ يوحى بأن التقدم الفكرى التقدم التكنولوجي سيسيران إلى جنب فى العصر اليونانى الكلاسيكى، وخاصة فى فترة (فترة ما قبل سقراط) وكانت الوسائل كلها ميسرة لذك : فالعلم اليوناني قد أخذ يزدهر وأسرار الرياضيات بدأت تتكشف للعقل اليونانى والاتصالات بالحضارة القديمة لا تنقطع والمناخ السياسي والاجتماعي يساعد على ذلك دون شك، وفضلاً عن ذلك ففي تلك الفترة، بعينها وضعت أسس النظرية الذرية من جهة، وظهر مذهب (أبقراط) العلمي التجريبي فى الطب من جهة أخرى، وهما كشفان يساعدان على تمهيد الطريق للكشف والاختراع الآلى . الأول إذ يصور الكون كلة على أنه آلة ضخمة والثاني إذ ينظر الى جسم الإنسان نفسه على انه آلة معقدة .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

حاتم حميد محسنعندما يصبح العالم مخيفا، يمكننا ان نجد الراحة في تعاليم الفلاسفة الذين عرفوا كيف يتعاملون مع الأزمات. نحن عادة نعتقد ان الفلسفة سعي تعليمي او اسلوب حياة اختاره رجال ملتحون كبار في السن يعيشون الزهد في الكهوف. لكن الرواقية – المدرسة الفلسفية القديمة (تأسست في اثينا في القرن الثالث قبل الميلاد) التي مارسها فلاسفة بارزون مثل سينيكا (Seneca) و ابكتيتس (Epictetus) وماركوس اوريليوس (Marcus Aurelius) – هي للعالم الواقعي، نحن حين نواجه اليوم وباءً مثل كورونا، نجد تعاليم هؤلاء الفلاسفة  مناسبة جدا لنا.

عندما يكون المستقبل مرعبا، سوف لا نعرف ما هو القادم، لكننا نستطيع العثور على الراحة في حكمة اولئك القدماء، الذين تحمّلوا المجاعة والأوبئة والكوارث الطبيعية. هنا بعض الافكار من الفلسفة الرواقية يمكن ان تساعدنا في زمن الفوضى:

1- كنْ قلقاً فقط حول الأشياء التي تحت سيطرتك:

(ان ما يهم ليس ما يحدث لك وانما الكيفية التي تستجيب بها لما يحدث) ابكتيتس.

تقلبات الطقس، أفعال الآخرين، الطريقة التي يتعامل بها الأبوان معك حين كنت طفلا، تفشّي الفايروسات كلها أشياء خارجة عن سيطرتك. إحرص ان يكون تركيزك وقدراتك فقط على الأشياء التي تستطيع التأثير فيها.

2- إفهم انك المصدر الوحيد لمشاعرك.

(سعادتك تعتمد على نوعية افكارك) ماركوس اوريليوس.

الأحداث لا تخلق مشاعرك – وانما القصة التي تحكيها لنفسك عن تلك الأحداث هي التي تقرر وجهة نظرك. كل الصراعات تبدأ داخليا.

3- انجزْ الأشياء

(المشكلة ليس اننا لدينا وقت قليل، بل هي اننا نهدر الكثير من الوقت) سينيكا.

الرواقيون اعتقدوا بأفضلية ان تكون منتجا على ان تكون مرتاحا. منطقيا قرّر ما مطلوب عمله وأنجز تلك الأشياء. أبق مشاعرك تحت المراقبة وإهتم بعملك. كن على وعي بالوقت  وتجنب اضاعته.

4- كن حاضرا

(كل المستقبل يكمن في اللاّيقين:عش اللحظة الفورية) سينيكا.

الرواقيون كانوا ضد الانهماك في التفكير الذاتي. نحن نعيش في عصر الإلهاء والارتباك،  ماهرون في تكرار العيش في الماضي وتعبئة انفسنا للمستقبل. الرواقيون كانوا عنيدين في ضرورة التعامل مع الواقع في المكان والزمان الحاليين. ماذا سننجز لو تجوّلنا في الماضي او ركّزنا على المستقبل؟

5- إجعل توقعاتك معقولة

(كم هو سخيف وغريب الإندهاش من أي شيء يحدث في الحياة) ماركوس اوريليوس.

كبار الرواقيين اعتقدوا بانه من السخف الاندهاش بالاشياء. الاحباط يأتي نتيجة للتوقعات غير المعقولة، فمثلا، لو كسب احدنا عشرة الاف دولار في هذه السنة، من غير المحتمل ان يحصل على مليون دولار في السنة القادمة.

6- كن فاضلا

(لاتهدر الوقت في الجدال حول ما يجب ان يكون عليه الانسان الجيد. كن ذلك الانسان) ماركوس اوريليوس.

اكبر انجاز للرواقيين كان عيش الحياة الفاضلة بصرف النظر عن الظروف المحيطة. التصق بقيمك حتى عندما تكون التحديات كبيرة.

7- العقبات هي المسار

(معوقات الفعل هي التي تطوّر الفعل. منْ يقف في الطريق يصبح هو الطريق) ماركوس اوريلوس.

المعوقات تكمن دائما في المسار المباشر للنجاح. هي ليست شيئا يمكن تجنّبه وانما بدلا من ذلك هي شيء قُصد الانتصار عليه. متى ما وصلت الى عائق، انت تستطيع معرفة انك على وشك تحقيق تقدّم عظيم.

8- كن شاكرا

(لاشيء اكثر شرفا من القلب الممتن) سينيكا.

تجنّب التركيز على الاشياء التي تفتقر اليها.بدلا من ذلك، كن سعيدا بما لديك من نعم. بالنسبة للرواقي هذه علامة الحكمة.

 

حاتم حميد محسن

 

محمد عمر غرس اللهمع حالة الفزع العالية التي سببها ظهور مرض (كورونا COVID19)، وما لعبه الإعلام من دور في نشر حالة الإهتمام بهذا الأمر، برز واضحاً جداً تسارع موقف الرأي العام العربي من هذا الأمر، وتسارع وإنتقل من حالة لأخرى، هذا الأمر يبدوا مهما في رصد الحالة السوسيوثقافية في التعاطي مع الأخر، والمجتمع المحلي وعلاقته بالعامل الدولي، وهو متعلق بالدين وأيضاً طريقة تفكير القطاع العريض من الناس، ودور النُخب في هذا الواقع، الذي يحتاج منا قراءة سوسيولوجية ثقافية، دعونا نرى

أظهر موضوع وباء كورونا، حالة المجتمع العربي الثقافية في التعاطي معه، حيث يلاحظ المتتبع لتفاصيل ما يقال وينشر طبيعة الحالة الثقافية العامة للناس فيما يتعلق بالموقف من الصين والصينيين في البداية، ثم تطور الموقف والراي العربي من كورونا بعدما صار الخطر عالمي ووصل للعواصم العربية وظهرت حالات متتالية من عاصمة لعاصمة، حيث تبين تذبذب الموقف الشعبي ثقافيا فيما يتعلق بالأخرين، وتبين أكثر حينما تعلق الأمر بالنفس.

بدت الحالة الثقافية العربية حول كورونا على إنها عقاب إلهي للصينيين، وسرت حالة من الحط منهم ومن سلوكهم وضفتها جماعات الإسلام السياسي في موضوع المسلمين الإيغور، ثم تصاعد الأمر لتنتشر مقاطع مرئية مصورة توضح ما يأكله الصينين في موائدهم، وكل هذا سار في سياق إدانة للصين وتصوير الشعب الصيني شعب وحكومة قاتلة للمسلمين، ولم يبدأ الأمر في جانبه الإنساني بل تصاعد في كنف فكرة الصين السيئة، هذا الأمر كان في البداية حالة عمت قطاعات عريضة على وسائل التواصل الاجتماعي مما يعكس طريقة تفكير وثقافة المجتمع حيال الأخر، وأيضاً سهولة الوقوع في براثن الدعاية السياسية.

ومع الأيام وتطور إنتقال المرض خارج الصين، خاصة مع التركيز على رحلات الطيران، وقيام دول بغلق مطارات، ومنع التجمعات الكبيرة، حتى وصل الأمر إلى إغلاق الكعبة ومنع الطواف تجنباً لإنتشار الفايروس، فلم يعد الراي العام العربي يرى أن فايروس كورونا عقاب إلهي كما بدا لهم في البداية فيما يتعلق بالصين، وتطور السلوك العام بالخوف والهلع، حتى في البوادي التي لا يأتيها السواح وليس بها مطارات وغالبا هي معزولة وبعيدة عن بؤر المرض.

إنها في الحقيقة حالة (سوسيوثقافية) واضحة تبدو عامة إتفق فيها عموم الناس بما فيهم الكثير من المتعلمين الذين تفرغوا في البداية ينشرون مقاطع إدانة للصين والصينيينن وصوروا أمر مرض (الكورونا) على أنه عقاب إلهي، وراحوا يبحثون في سلوك الصينيين الغذائي وكأن الصين للتو فقط بدات تأكل ما تأكل وليس هذا هو حالهم منذ القدم، كما أن ثقافة التشفي والإتهام هذه نظرت بسذاجة مرضية بالغة، في إعتبارها أن الأمر متعلق بسؤ تلك البلاد، دون أن ينتبه الشارع الثقافي العربي إلى أن هذا التصور يحمل ضده في نفس سياقه، فإذا ما كان ظهور الكورونا دليل على عقاب إلهي فما القول فيما يتعلق بالنجاح الاقتصادي الصيني الباهر - بالمقارنة بوضعنا العربي - إليس حسب هذا المنطق تعبير عن الرضى الإلهي إن إعتمدنا نفس المنهج في التحليل، ومالقول في وصول هذا المرض لمدننا وإنتشاره، ومالقول في وقف الطواف على الكعبة ومنع الصلاوات الجامعة في المساجد تفادياً لإنتشار المرض، هل هذا ايضا عقاب لنا من الله، كما قلنا على الصين.

أننا كمجتمع نعاني بشكل واضح من حالة سوسيوثقافية تحتاج البحث والتفسير فيما يتعلق بالنظر للأخر، وفيما يتعلق بالله ودوره في هذه الدنيا، فوفق هذه الثقافة فإن الله (إستغفر الله تعالى) مجرد خادم لإنفعالاتنا نوزع أفعاله حسبما نرى، الأمر الذي يبدو عكس ما يحظنا عليه الدين والأخلاق والمنطق والعقل، وحتى بُعد النظر والفهم لما يجري وكيف يجري، إنها سوسيولوجيا ثقافية عربية تظهر كل مرة بائنة نراها بوضوح في حدث ما، فهل نحن نحتاج لإصلاح ثقافي إجتماعي، وهل تتفطن النُخب وتذهب إلى هذه الزوايا المظلمة في ثقافتنا الجمعية وتزيح من عليها غشاوة الجهل الثقافي والديني.

والله من وراء القصد

 

بقلم: محمد عمر غرس الله

 

بليغ حمدي اسماعيلأنا لا أصدق أية معلومات تنشر في صحيفة أو تطبع داخل كتاب طبي أو علمي متخصص أو شعبي يصدره أحد المشعوذين المحسوبين على مجال الطب والعلاج والعلوم كرهاً لا طوعاً، لا سيما تلك المعلومات التي تتعلق بكيفية تنظيم عمل الجينات البشرية وخصوصا حينما تأتي مثل هذه المعلومات من أفواه وأقلام عربية لأن واقع تعليمنا لا ينبئ بثقة متبادلة، وربما أبدو في نظر كثيرين أبا جهل القرن الواحد والعشرين في ذلك، وساعات ليست بالقليلة أضحك كثيراً حينما أقرأ خبراً أو أستمتع إلى برنامج أو فيلم وثائقي عربي الصنع يتناول موضوعات مثل رصد الجينات المرتبطة بالأمراض، أو حينما تقفز على شاشة التلفاز إحدى الطبيبات التي تعاني مستشفياتها نقصاً حاداً وصارخاً في الأدوية الأساسية كالمسكنات لتؤلف قصصاً وحكايا افتراضية كالفيس بوك عن كيف توصلت إلى خطة تتحكم في شبكة الموصلات داخل الحمض النووي الريبوزي في مكان تشغيل الجينات .

وظل هذا اليقين تجاه هؤلاء المشعوذين طويلاً حتى فاجأنا مشروع فانتوم 5 الذي انطلق منذ ثلاث سنوات بإشراف مركز رايكن لتكنولوجيا علوم الحياة في اليابان، وما أدراك ما اليابان التي تسبح في أكوان وعوالم أخرى ولا تعترف أبداً بالمنافسة لأنها خارج السياق والتصنيف والسبق والريادة وقل ما شئت عنها حتى في كرة القدم استطاعت أن تصل على الدوام إلى المشاركة في نهائيات كأس العالم رغم قصر القامة وصغر حجم الجسم، هذا المشروع استطاع أن يتوصل إلى بعض الإشارات الطبية والعلمية منها أن الإنسان كائن يتكون من مجموعات معقدة من الخلايا تتألف من 400 نوع أصلي من أنماط الخلايا، وقرروا في نهاية مشروعهم هؤلاء اليابانيون أن هذا التنوع البديع من صور الخلايا يتيح لنا فرصة الرصد والتفكير والتحرك والمتابعة في الجينوم الذي يعد مجموع الجينات أو الموروثات في الكائن الحي .

بالتأكيد مثل هذه المعلومات قد يجدها الطالب في مقرراتنا الدراسية لاسيما المقررات العلمية التي تدرس بكليات العلوم والتربية، وربما في بعض صفحات كتب الأحياء الكيمياء بالمرحلة الثانوية، وسيفاجئوك أحد القائمين على تعليم العلوم في مصر المعنيون بالعلم والمعرفة الاستثنائية ومن قبلهما بالتربية التي فتك التحرش الجنسي والانحلال الأخلاقي في الشارع بها، والمنوط بها أمر التعليم الذي لا صلة له بما سبق من معلومات، بأن تلك الكليات العلمية الفقيرة معرفيا بحق معنية ومهمومة بتطوير المناهج والمقررات، والحقيقة أنها استفاقت على الهجمة السريعة الضارية لفيروس كورونا المصنع ببراءة اختراع .

وفرق خطير وليس كبيراً فحسب بين تصريحات السادة المعنيين بأمر التعليم في مصر حينما يتحدثون عن التطوير والتحديث العلمي وبين ديفيد هيوم مدير معهد روزلين بجامعة أدنبرة البريطانية وأحد كبار الباحثين في مشروع فانتوم 5 حينما يشير إلى أن فريقه حقق قفزة في فهم وظيفة جميع أجزاء خلايا الإنسان، وكيف قطعوا شوطاً كبيراً كي يتفهموا كيفية اتصالها معاً . وفي مصر يردد الجميع أن مشكلة التعليم سواء الجامعي أو ما قبل الجامعي ليست تتمثل في الأستاذ النابه النابغة الاستثنائي، وليست في الطالب النشيط المثابر، إنما في قلة الإمكانات المتاحة ومصادر التعلم المتوفرة .

ومع هذا القفر والفقر والافتقار في الإمكانات المزعومة والتي يعلق عليها أساطين التعليم فشلهم في الرقي والارتقاء بالمنظومة، نجد مئات المدارس الخاصة التي انتشرت كالنار في الهشيم تحت مسميات لا حصر لها مثل الدولية والشعبية والعالمية والمركزية والمتطورة والمتميزة وما تشاء من أسماء تلصق بالمؤسسات الخراسانية التي تتقاضى آلاف الجنيهات كمصروفات تدعي جميعها أنها مدارس لتعليم اللغات وتكفي إطلالة سريعة على لغة أبنائنا وبناتنا بالشارع والنادي والمدرسة أيضاً لتتعرف حجم الأكذوبة التي تمارسها علينا تلك المدارس الوهمية في التربية والتعليم أيضاً، ومثلها الجامعات الخاصة التي أخشى أن أبوح بأنها تجارة علم لا معرفة وبوابة خلفية للهجرة غير الشرعية نحو الجامعة.

ومنذ أسبوع تصدر خبر اعتكاف علماء مركز رايكن لتكنولوجيا علوم الحياة في السنوات المقبلة لكشف ألغاز الجينوم، وتحديد وظائف مختلف الجينات، وكيفية عملها في مجال الإصابة بمجموعة مختلفة من الأمراض مثل السكري والسرطان وأمراض الدم، وأخيراً الاضطرابات النفسية. وهذه الأخيرة أعني الاضطرابات النفسية الأولى أن نعترف بضرورة علاج أنظمتنا التعليمية من بعض الاضطرابات النفسية، لاسيما العقد التي تتوالى وتتراكم عند الظن بأن أبحاثنا الأكاديمية تأتي بجديد نافع والحقيقة أن بعضها بالتأكيد نافع ومثمر والأكثرية نقل وتحريف وتصحيف وأحياناً تزوير ويظن الأستاذ أنه بالفعل عالم وهذا أول علامات الاضطراب والجنوح النفسي ومن ثم وجب التحفظ على هؤلاء وإيداعهم عيادات نفسية خاصة .

وحينما يقرر علماء معهد روزلين بأدنبرة أنهم وضعوا خريطة طريق لخلايا الدم ستعينهم على أن يحددوا بمنتهى الدقة كيفية نشوء الأورام ونموها وهو ما أعلنه أليستير فورست المنسق العلمي لمشروع فانتوم 5 بأن هذا سيساعد الفريق وليس نحن بالتأكيد في فهم ما الذي طرأ على هذه الخلايا كي تحيد عن عن وظائفها الأصلية وبذلك سيكون في مقدورهم هم أيضاً وليس نحن أن يبتكروا علاجات حديثة أكثر فاعلية، نجد أخبارنا التعليمية الراهنة حافزاً جديداً للذهاب إلى عيادات الطب النفسي، فكليات العلوم في مصر على وجه التحديد مغرورقة في معاملها المتهالكة المتصدعة تناقش أفكارا افتراضية تماثل العالم الافتراضي التخييلي الموجودة ببعض صفحات الفيس بوك، تلك التي تتناول العلاقات الإنسانية والمشاعر الفياضة نحو ذوي الاحتياجات الخاصة وكأنها لم تكترث لواقعها الأكثر إيلاما.

وأخبار أخرى تتعلق ببعض كليات العلوم الضاربة في القدم والانتشار أيضا رغم ارتفاع نسب الأمية في مصر ونسب الجهالة أيضا بين المتعلمين أنفسهم، عن فتح شعب جديدة بهذه الكليات أو إنشاء كليات متطورة بأحدث المعامل والتجهيزات أو وجود منح علمية للباحثين المصريين الواعدين للسفر إلى الخارج لبلغاريا والتشيك والمجر ويوغسلافيا واليابان وغيرها من البلدان التي أهدرنا فيها شبابنا وأموالنا وطاقاتنا العلمية، والمدهش ونحن نطالع تلك الأخبار التي تماثل في طبيعتها الكوميديا السوداء أننا لا نزال نجتمع ونناقش أوضاع اللغة العربية ومحاولات تطويرها أجدى وسيلة للتطوير والتحديث بغير مؤتمرات وورش عمل كارتونية من أجل صياغة مجموعة من التوصيات الوهمية والشارع يواصل نزيفه اللغوي ليل نهار ولا يعلمون أنهم سيحاسبون إن شاء الله يوم القيامة عما اقترفوه في حق لغة القرآن. وليتهم علموا وفطنوا أن سر الحفاظ على الهوية وعلى اللغة هو الاهتمام بحفظ القرآن ورعايته والاهتمام بحفظته ليس بصورة استعراضية تخل بالهدف من أجل مطامح شخصية لأصحاب الرعاية .

وهناك صندوق أسود في حياة التعليم العلمي المصري، ربما يئست الصحف والمجلات من الحديث عنه، ألا وهو لماذا فقدت كليات العلوم الصلة بالمجتمع المصري وهمومه ومطامحه وأحلامه بل وبعض أطماعه المستقبلية أيضا، لقد وجدنا أنفسنا ونحن نراقب فيروس كورونا المصنع في حيرة بين تناول الكحول المحلي التصنيع ونصائح الدراويش والمشايخ، ووصايا ربات البيوت، وهؤلاء العلماء في استدامة الغفلة الزمنية عن الحدث حقا، وكأنهم لم يدركوا بعد أو يفطنوا إلى دورهم الحصري في الارتقاء بالوعي الوطني والقومي قبل العلمي بالمجتمع المصري .

ومنذ النشأة وتلك الكليات العلمية في مصر ـ ودعك من الجوائز والأوسمة والتكريمات الوهمية التي حصل عليها الكثير من الأكاديميين بهذه الكليات ـ تعاني من أزمات متعددة منها إهدار المال العام نتيجة البعثات وإنشاء المعامل والتجهيزات التي لم تعود على المجتمع بمصل أو فكرة تواجه الفيروس الفتاك أو بعلاج سريع لعدم اقتراب الكويكب الكبير من الأرض في الأيام المقبلة، وغياب الكتاب العلمي المرجعي ذي الصبغة المصرية الخالصة نهائياً وافتقار بعض الأساتذة للكفاءة والخبرة التربوية رغم وجود عشرات كليات التربية في مصر التي ينبغي أن تعطي دروسا طويلة لبعضهم من أجل الارتقاء بأدائهم التدريسي.

ومشكلة التعليم المصري أنه لا يتعرف بأمراضه المزمنة لذلك لا يهتم أو يكترث بالعلاج، وربما إذا اكتشف مرضه داواه بالمسكنات المؤقتة، بالإضافة إلى أن التعليم بصفة عامة ينبغي ألا يرتبط بالفعل السياسي، لأن الفعل السياسي مرهون بنظام سياسي حاكم وبأوضاع ومستجدات تقفز بغير إشعار مسبق على المشهد السياسي، أما التعليم فينبغي أن يسير وفق رؤية واستشراف مستقبلي،كما فكر من قبل في إصلاحه نابغة عصره علي مبارك، ووضع خطط لا ترتبط بنظام حاكم أو بوزير يعلم مسبقاً أنه موظف في دائرة حكومية، كما ينبغي أن يسير التعليم في مصر وفق رؤية الخبراء الحقيقيين الذين اختفى الإعلام عنه فقنطوا من الظهور لإعلان التصحيح لوضع تعليمي مترهل .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

محمد كريم ابراهيمجميعنا سمعنا بمقولة ميكافيلي المشهورة (إن الوسيلة تبرر الغاية) في كافة مجالات الحياة، وخصوصا في مجال السياسة، عندما يقوم السياسيون بإتخاذ قرار ذات منفعة لهم ومؤذية للعامة في غاية البقاء في السلطة. وكذلك نسمعها في خطط العسكرية في تعذيب المساجين بشتى انواع من اجل حصول على معلومات مرادة. بل وبات المقولة معروفة حتى في مجال العلوم الانسانية التي تعمل تجارب علمية أجتماعية غير اخلاقية ومؤذية للمشارك لغاية حصول على أبحاث ومعلومات المحللة.

هؤلاء القائلين لتلك المقولة ينقسمون الى قسمين: قسم يريد غاية لصالحه فقط ولو كان على حساب العامة، وقسم الاخر يريد مصلحة العامة بغض النظر عن الاذى العامة الذي يأتي في سبيل وصول اليه، ويظن بإن الغاية سوف تكون ذات منفعة كبيرة للعامة في المستقبل على حساب الحاضر.

بغض نظر عن القسمين، كلنا نريد شيئا في الحياة ونبغي الوصول اليه باقصر وأسهل الطرق ممكنة، ولكن أغلبنا يملك معايير أخلاقية وحدود لا يمكن تجاوزها مهما كان ثمن الغاية المدفوعة، فمثلاً جميعنا نرغب في كسب المال في الحياة، ولكننا لا نسرق من الاخرين في سبيل الوصول الى تلك الغاية، لإننا لدينا أخلاق وقواعد فلسفية في الحياة نمشي بها حتى لو لم يكن هناك عقاب فعلي موجود بعدم أتباعه. والسبب ليس هو ديني ولا مذهب فلسفي معين ولا قواعد أجتماعية محددة نحاول أتباعها، ولكنها خطة استراتجية اكثر من كونها قاعدة متبعة. فما يجهله تلك العصائب التي تريد الوصول الى شيء معين هو ثمين كقيمة الغاية نفسها، بل وربما أعلى قيمة منها.

الوسائل الذي نجهلها بعض أحيان قد يكون مهما للغاية في تشكيل مستقبلنا أو في تعريف هويتنا أو يؤذي البيئة الذي نحن منها وفيها بشكل يعود دورته علينا. قد تطاردنا تلك الوسائل المؤذية للاخرين طيلة حياتنا، أو قد تشوه سمعتنا إلى حد ضار لنا أكثر من منفعة الغاية التي أدركناه.

بالفعل، كثير من وسائل الذي يسلكه السياسي أو اي أحد اخر للوصول الى غاية معينة قد تضره وتضر المجتمع بأكمله أكثر من غاية الحسنة المدركة، لو أخذنا مثالاً وعبرة من التاريخ، سيكون أختيار هتلر حرب الشاملة مع بريطانيا، وكذلك أختياره قتل اليهود لتخلص منهم في المانيا ودول التي كانت محتلة. هذان مثالان بالتأكيد هما أقصر وسيلة للقضاء على شر الناس كما راه النازيين ولكنها لم تكن فعالة على اطلاق، لانها خلقت آثار جانبية أدت الى سقوط الحزب نازي وكذلك أذية أهل المانيا من دول أخرى. كان هنالك عدة وسائل للتخلص من اليهود غير القتل الذي كان من ممكن أن يحافظ على سمعة النازيين وعلى سمعة المانيا بأكملها. وهذه السمعة السيئة أدت إلى خسائر مادية عظيمة لألمانيا في سنوات اللاحقة، وتعلم منها دول الاخرى عدم أتباع تلك الوسائل المضادة للانسانية من اجل وصول الى غاية معينة.

فإذا أخترنا التمسك بقواعد أجتماعية معينة كعدم السرقة، والقتل، والكذب، وغيرها من المساوئ التي تؤذي الاخرين في حساب منفعة شخصية أو في حساب مصلحة عامة معينة، فأننا أولاً نضع أنفسنا في خطر من عقاب المجتمع سواء كان العقاب جسدي كالسجن والأعدام وعقوبات القانونية أخرى، أو نفسي كترك الفرد المسيء وعدم مجالسته أو مقاطعته بالكامل وطرده من المجتمع. ثانياً يمكن أن يضع سمعة مجتمعنا ومجموعتنا في خطر، وكما نعلم أن شخص فاسد واحد من القبيلة يعكس في عين المجتمع هوية اخرين في القبيلة. ثالثاً الطريقة التي نظنها سهلة وقصيرة قد يكون من أصعب وأطول الطرق، لإننا لا نعلم عواقب ومضار التي تأتي من الجري بسرعة في بداية الرحلة، فنحن نجهل أن المشي بأعتدال طوال تلك الرحلة الطويلة قد يوصلنا الى الغاية المرجوة بأفضل حال وأحسنها، أكثر من الجري بسرعة، الذي يتركنا في منتصف الطريق مهلكين ومقصرين. هناك حكمة في عدم أختيار الجماعة لوسائل مختصرة. وربما سمعت أن أقصر مسافة بين نقطتين هو خط مستقيم، ولكننا نعلم بالضبط أن هناك طاقة جاذبية في الأرض الذي يمنع الجسم متحرك أن يمشي من دون توقف. إذاً، آخذاً بنظر الأعتبار جاذبية الأرض، فأن أقصر الطرق في الأرض هو خط مقعر وليس المستقيم، وذلك لإن الجسم مبدوء من خط مقعر سوف يستمد طاقة جاذبية ويحولها إلى حركية من بداية الخط الى منتصفه، ومن ثم يستعمل تلك الطاقة الجاذبية لإكمال نصف آخر من رحلة بسهولة وبأقل طاقة مصروفة، على عكس خط المستقيم في الأرض الذي يصرف فيه الجسم طاقة مستمرة من أجل الوصول إلى النقطة.

بالأضافة إلى ذلك، نادراً ما يكون هنالك غاية نهائية لطبيعة حاجات ورغبات الأنسان، فالوسيلة يمكن أن يقول لنا كيف يمكننا الأنتقال من غاية الى غاية ثانية بسلاسة، فاختيار طريقة فعالة فقط في قلة قليلة من الغايات قد يؤدي إلى جهد شخص وتعبه بسبب تغير مستمر لذاته وتصرفاته وأفعاله من أجل أقتناء طرق مختلفة للوصول الى غايات مشابهة. مثلاً من ممكن أن ينجح الطالب في مرحلة معينة من مراحل دراسته بالغش أو بالوساطة، ولكن سرعان ما يجد نفسه ضائعاً في مرحلة التالية أن لم يجد وسيلة الغش والوساطة فيه، يضطر حينها تغيير أساليبه من أجل النجاح، وهذا يكون سهلاً على الناجح بالقراءة، وصعبٌ على الناجح بالغش والوساطة.

نحن لا نقول أن كل ما يثبط المجتمع أو يحفز فيهم مشاعر سيئة هي وسيلة سيئة، بالطبع لا، وإلا لما أخذنا الدواء من الأطباء لكونها مؤذية للجسد وللنفس (فكر في مضار الجانبية) ويحفز مشاعر سيئة فينا من أجل غاية العلاج. بل هناك وسائل معروفة الأذية مثل القتل بغير حق يحكم فيه الأنسان على أنه ليس صحيحاً ولا مبرراً مهما كان الغاية المرادة.

أختيار الوسائل مهم في كل غاية، ما نريده في الحياة غالباً تأتي بطريقة صحيحة وجيدة، تتسم بالخلاء من المضرة للفرد أكثر من طريقة السهلة والسريعة الذي يضر غايته هوية الشخص ويضع مستقبله في محك.

  

محمد كريم إبراهيم

 

بكر السباتين

دراسة تحليلية ومقترحات خاصة

وهي محاولة متواضعة مني لوضع محددات رياضية لمنطقة التوافق والاختلاف وانعكاساتهما على الفرد والمجتمع.

إذ يخلط كثيرون بين خطاب الكراهية القائم على رفض الآخر الذي سيؤدي إلى الفناء، والفكر الذي يؤمن بالتعايش المشترك وتغليب لغة الحوار التوافقي البناء.!

على اعتبار أن الحوار في خطاب الكراهية خلافاً لمبدأ التوافق، يجب أن ينتهي إلى نتيجة إما غالب أو مغلوب، وعند المتعصبين أو أصحاب الخطاب الإلغائي تصل الخيارات إلى حد إفناء أحد الطرفين للآخر.

ولفهم حقيقة الأمر ينبغي فهم جوهر الخلاف والاتفاق بين المتصارعين فكرياً، إنه الفكر.

يُعرَف الفكر بأنّه مخرجات نظرية أو عملية تعتمد على نوعية المدخلات وتنجم عن عمليات العقل الكلي في الدماع بمساعدة الحواس، وهو نتاج معرفة وتجارب.. فهو إما أن يكون تأويلياً عن النصوص الدينية، والفكر الإسلامي خير مثال على ذلك، أو وضعياً يقوم على تجارب الفلاسفة الإنسانية أو من خلال التواصل الفكري مع الفلسفة الإغريقية التي برزت من خلال فلسفة كل من سقراط وأرسطو وأفلاطون.

وكانت منطقة الخلاف بين التأويلية والوضعية قد أيقظت الأسئلة التشكيكية، التي مهدت لزخم فكري كانت من مخرجاته فلسفات عدة ما زالت تتفاعل في العقل الإنساني الجمعي إما نظرياً أو تطبيقياً على الأرض.. وهي فلسفات لها جمهورها الذي يؤمن بها ويعتبرها موقداً للحقيقة.. وهذا بدوره يضع تلك الحقيقة المنشودة في منطقة النسبية اعتماداً على المعطيات التي تتوفر لدى كل فيلسوف أو مؤمن تابع.

وفي المحصلة دعونا نبني معاً معادلتيْ التوافق والفناء لفهم حقيقة ما يجري من فوضى أخذت تسود مواقع التواصل الاجتماعي ويلاحظها الجميع، وهي مستحدثة وخطرت لي أثناء مناقشتي قضية إثارة النعرات الطائفية وبعض المفاهيم الفلسفية وإسقاطاتها الأيدلوجية على الصراعات الإقليمية، مع صديق متعصب دينياً حيث رشم صفحتي بعبارات مقولبة مثل "تسقط الرأسمالية" و"الموت للروافض" سوى أن بقية حديثه كان يسير وفق منطق النظرة الأحادية المقولبة التي لا تريد من "المختلف معها" أن يشاركها الهواء.. فبدا لي صاحبنا أنه لا يدرك ما وراء المفاهيم الفلسفية ونظرياتها، ويتشدق بمصطلحاتها الخاصة وكأنها فضفاضة، دون علم  بأن خصوصيتها ترتبط بدلالاتها الخاصة، وبالقياس العام فهي نسبية وغير مطلقة في نظر الطرف "المختلف" الآخر، وإن كانت مطلقة في نظر صاحبنا المستنفر على طول الخط لمهاجمة أي فكرة أخرى تعترض طريقه فلا يقلبها لا بعقله ولا حتى بلسانه.

ودعونا نبدأ من هنا بافتراض أن الفكر التأويلي الذي يعتمد على النصوص الدينية يُرمز له بالحرف "أ"

ولنبدأ في حديثنا عن الفلسفة الوضعية من الفلسفة الشكوكية التي تقول بعدم ضمان صحة أي شيء إلا بتقديم دليل يثبت صحته، ويقدم إجابات شافية، وذلك لتجنب الإيمان بقشور الأمور وسطحيتها، من أجل مزيد من البحث حول بواطن الأمور وجوهرها. وكان على رأس "الشكوكيين" الفيلسوف المعروف "رينيه ديكارت"، بل كان أكثر الفلاسفة شكًا فيما يعرفه هو وتوصل إليه شخصيًا، ليكون الحل في نظر "ديكارت" للوصول إلي حقيقة بواطن الأشياء، هو عدم الإيمان بها، فكفر بكل ما توصل إليه من حقائق وقرر عدم تصديقها، حتى ولو كان مؤقتًا، باعتقاده أنه إذا استمر في الإيمان بها، فلن يعرف أبدًا إن كان على صواب أم على خطأ. ولنفترض أنها تحمل الرمز" ب "

ثم المادية لجدلية وهي ركن أساسي من أركان الفلسفة الماركسية، التي تعتمد على قوانين الدياليكتيك وبناها كارل ماركس بالاستناد إلى جدلية فلسفة هيجل ومادية فلسفة فيورباخ. وينبغي العلم بأن أساس الفلسفة الجدلية هو انها تعدّ ان الفكر هو نتاج المادة وان المادة ليست نتاج الفكر، ففكر الإنسان نتاج مادي من عقله وليس الإنسان من نتاج الفكر، وهو ما ينفيه الفلاسفة المثاليون. ولنرمز إلى الحقيقة هنا بالرمز "ج".

ثم الفلسفة الواقعية المعاصرة وهي الإيمان بأن واقعنا، أو جزءًا منه، مستقل وجوديًا عن المخططات التصورية والممارسات اللغوية والمعتقدات وغيرها. ويميل الواقعيون إلى الاعتقاد بأنه مهما كان ما نؤمن به الآن، فهو مجرد مقاربة من الحقيقة وأن كل ملاحظة جديدة تقربنا أكثر من فهم الواقع. وبالمنظور الكانطي، فإن الواقعية هي نقيض المثالية. وبالمنظور المعاصر، فإن الواقعية عكس اللاواقعية، وخصوصًا في فلسفة العلوم. ولنمنح الحقيقة في سياق هذه الفلسفة الرمز "د".

ثم تأتي الفلسفة الوجودية الأكثر شيوعاً بين المثقفين، وهي المدرسة الفلسفية التي تتخذ من الإنسان موضوعا لها، ليس فقط من خلال التفكير وإنما من خلال الفعل والشعور أي أنها ترتبط بالإنسان كفرد حي. ترتبط الوجودية بصورة أساسية ببعض الفلاسفة الأوروبيين من القرنين التاسع عشر والعشرين، الذين تشاركوا في الاعتقاد ببداية هذا التفكير الفلسفي، رغم اختلافهم في العديد من الآراء الأساسية. في حين ترجع القيمة المهيمنة للتفكير الوجودي إلى الحرية، إلا أن القيمة الأساسية في الوجودية هي الأصالة كمفهوم فلسفي. في وجهة نظر الوجوديين، فإن نقطة بداية الفرد تتحدد بما يُسمى "الموقف الوجودي"، أو شعور بفقدان التوجه والارتباك أو الفزع في وجه عالم عبثي بلا معنى. اعتبر العديد من الوجوديين أن بعض الفلاسفة التقليديين أو الأكاديميين –سواء في الأسلوب أو المحتوى- مجردين أكثر مما ينبغي ومنعزلين عن التجربة الإنسانية المحسوسة. ودعنا نمنح الحقيقة هنا الرمز "ه".

ثم هناك المذهب البراغماتي الأكثر شيوعاً لدى السياسيين وحجتهم في إدارة الدولة، المذهب البراغماتي، العملي أو الذرائعي والذي يعتبر نجاح العمل المعيار الوحيد للحقيقة؛ رابطا بين التطبيق والنظرية، حيث ان النظرية يتم استخراجها عبر التطبيق.. وهذا يذكرنا بالفكر الأكثر شيوعاً في إدارة الدول العميقة القائمة على الغاية تبرر الوسيلة "النفعية" وصاحبها الأمير الإيطالي ميكافلي في كتابه الأمير. ولنتخذ للحقيقة في البراغماتية الرمز "و".

ولننعطف نحو العباءة التي خرج منها الفكر النازي الذي تبناه هتلر في كتابه "كفاحي".. إنها النيتشية "فلسفة الإرادة والقوة".. وصاحبها الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، من خلال كتابيه: "هكذا تكلم زرادشت"، و "إرادة القوة" حيث عرض في الأخير معظم آرائه في شتى ميادين الفكر. فقد جاب التاريخ والفلسفة وانتهى إلى إحداث انقلاب في القيم يستبدل بموجبه القواعد الاخلاقية التقليدية والقيم المسيحية بقواعد أخلاقية تدافع عن حقوق الأقوياء وذوي البنية السليمة بوجه جمهور العبيد، والهزيليْ البنية والضعفاء، (عملاء العدم).. ولنعطي الحقيقة في هذه الفلسفة الرمز"ز".. ولا ننسي الكثير من الفلسفات مثل: العلمانية وهي المبدأ القائم على فصلِ الحكومة ومؤسساتها والسّلطة السّياسيّة عن السّلطة الدّينيّة.. بالإضافة للرأسمالية، التي تعرف أيضاً باسم التَمَوّل، هي نظام اقتصادي يقوم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وخلق السلع والخدمات من أجل الربح.. ولا نستطيع حصر كل الفلسفات في سياق مقال قصير.

وفي المحصلة فإن مجموع الفلسفات الدينية التأويلية والوضعية وجدت للأهداف المشتركة التالية وفق معطيات كل فلسفة وما أدت إليه عملية التفكير من مخرجات فكرية ، تهدف جميعها إلى بناء الإنسان شكلاً وجوهراً حتى يتحول إلى مورد بشري فاعل في مشاريع التنمية التي تهتم بالإنسان ومصالحه، وهي عل النحو التالي:

تنمية القدرات والمهارات عند المتعلم. تنمية القدرة على التركيب، والتنظيم، والتحليل، والتصنيف، والتعليل. ومواجهة المشاكل، وإيجاد الحلول وبرهنتها. كذلك احترام الأديان وإن اختلف البعض معها، الدفاع عن القيم العليا، كالحرية، والحق، والعدل، والتسامح وحرية الإنسان وتبني قيم العدالة والديمقراطية وعدم إشاعة الفتن بين الناس.

وتمكّن الفلسفة معرفة سبل الحق واكتشافها والالتزام بها، إضافة إلى اكتشاف مزالق الباطل والشر، ومحاولة تجنبها. وزيادة القدرة على الفهم العميق، والاستدلال الصحيح من خلال الاستنتاج أو الاستقراء والتوصل إلى النتائج ومن ثم تقييمها، والقراءة ما بين السطور، والتعبير عن الذات ورد أفعالها مع المواقف العامة والخاصة. تقوية السلوك العقلاني المنظم في الحياة النفسية المستقرة، والاجتماعية المتكافلة، والفكرية المنفتحة على الآخر تفاعلياً، وإشاعة ثقافة التعلم والابتكار لا التعليم القائم على التلقين. أيضاً تعزيز امتلاك الثقافة الفلسفية والعلمية والقدرة على التعبير الدقيق بلغة تقريرية تراعي الوقت وتسهل الحصول على الخلاصات، وتعزز كذلك اليقظة الفكرية المنطقية، والمراقبة الذاتية خلال الحوار الفلسفي والتعبير والتفكير واحترام الرأي الآخر.

وتنمي الفلسفة وعي المتعلم لمحيطه وذاته. والقدرة على إصدار الأحكام، والنقد، واتخاذ المواقف. كما أنها تعرّف الفرد على التراث الفلسفي الإنساني، وتزيد قدرته على التجاوب معه. أيضاً تمنح الفرد القدرة على احتواء العنف الفكري، وتوجيهه نحو صلاح المجتمع والفرد والإنسانية. والفلسفة تربي الفرد على قيم التسامح الديني، والفكري، والحضاري، وتزيد القدرة في الاعتماد على أسلوب الحوار أثناء التعامل مع الآخرين.. وتوعّي الفرد بمبادئ حقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، وتمثلها، وتساهم في الدفاع عنها. وتزيد معرفة الفرد بالصراع الإيديولوجي والثقافي السائد في العالم، وتساعد على التعامل معه بإيجابية. وتزيد معرفة الفرد بالنظم الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية.

وقد يتساءل القارئ لماذا قمنا بترميز الحقائق التي يؤمن بها أتباع كل فلسفة في عالم تحول إلى قرية صغيرة، ويوفر له العالم الافتراضي فيضاً لا ينتهي من المعلومات المتجددة والمتضاربة؟

لقد اقترحت ذلك توطئة للوصول إلى معادلتين يكون من شأنهما تلخيص خيارات الإنسان للفكر الذي يؤمن به ما بين الممكن والمستحيل، وبالتالي توضيح المقاربة الفيزيائية الفلسفية لفهم الواقع من خلال مُقْتًرَحيٰ "التوافق والفناء"، وهما:

أولاً: معادلة الفناء القائمة على تنافر الرموز (أ، ب، ج، د ،ه ،و ،ز ،ح ...إلخ)، حيث يعود سبب هذا التنافر إلى وجود طاقة التنافر التي تستمد قوتها من ثقافة الكره مثل إشاعة الفتن الطائفية والإثنية والجهوية،؛ لهذا فإننا لا نضع إشارة"+" بين الرموز.. هذا إذا افترضنا أن هذه الإشارة تمثل الحوار والسلم الاجتماعي، وبدونها لا تتحقق العلاقة التجميعية بين التكوينات الاجتماعية حيث سيتمرد الفرد ويفرغ الشكل من المحتوى.

ولتوضيح وإذا اعتبرنا أن الفلسفة طاقة معزولة ضمن خصائصها، ومؤثرة على المجاميع البشرية، وقوة فعل حقيقية في المجتمع.. وحسب قانون حفظ الطاقة في الفيزياء والذي ينص على أنه في أي نظام معزول، فإن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم ولكن يمكن تحويلها من صورة لأخرى.. فإن الرموز في المعادلة أعلاه وفق منطق عدم الفناء، ستلتهم بعضها وفق النظرية الدارونية التي تقول بالبقاء للأقوى أو الأصلح، فتظل هذه الرموز الغير فانية في حالة عدم استقرار وعلى شكل طاقة مهدورة، وكأنه الفناء.

أي أنه وفق نظرية المجموعات الرياضية فإن

عناصر التيارات الفلسفية الوضعية والتأويلية الدينية المرمّزة بالأحرف العربية، تنتمي إلى العناصر غير المتوافقة} وإن عنصر الفتنة الطائفية ينتمي إلى {عناصر التفرقة}

ومنها لو افترضنا جدلاً بأن مجموعة {العناصر غير المتوافقة} ستتحد مع مجموعة {عناصر التفرقة} فسوف تساوي مجموعة {العناصر المضطربة}

فإن المجموعة A {العناصر غير المتوافقة} تتقاطع مع المجموعة B {العناصر غير المتوافقة} وتساوي{ عناصر التفرقة}.

ويمكن توضيح ذلك بواسطة مخطط "فن". التي تتداخل فيه دائرتين فيظهر من منطقة التقاطع شكلاً بيضويا؛ ليعبر في اتساعه وانحساره على تذبذب قوة الرفض والقبول للآخر.

ثانياً: معادلة التوافق والقبول بالآخر القائمة على وجود رابط "الزائد" بين الرموز في المعادلة الأولى والتي ستؤدي إلى شكل فسيفسائي يحرك الحوار تكويناته بانسجام.. وتؤدي إلى توفر طاقة جماعية لتحريك عجلة التنمية وبالتالي تحقيق الأهداف المشتركة لكل الفلسفات والأديان..

وحسب نظرية المجموعات الرياضية فإن عناصر الفلسفات تنتمي إلى خيار مجموعة {العناصر المتوافقة}

وإن عنصر ي القبول بالآخر، والحوار، ينتميان إلى مجموعة {عناصر التوافق}

ومنها فإن مجموعة

{العناصر المتوافقة} ستتحد مع مجموعة {عناصر التوافق} وتساوي مجموعة {عناصر التوافق}

وحسب مخطط "فن"، فإنه إذا كانت مساحة مجموعة {عناصر التوافق} (أصغر) < مجموعة {التفرقة} فإنها = حالة الاضطراب وعدم الاستقرار (الفناء)

أما إذا كانت مساحة {عناصر التوافق} (أكبر) > {مجموعة التفرقة} فإنها = التوافق في التكوين الديني والفكري مع حفاظ كل مكون على خصائصه وحرية حركته في تشكيل فسيفسائي مستقر التكوين ومتناغم الحركة .

ويمكن توضيح ذلك بواسطة مخطط "فن". وبنفس الطريق أعلاه.

وللوصول إلى معادلة التوافق لا بد من تحويل طاقة الفناء إلى طاقة توافق، بتخليصها من شوائب التنافر مثل الفتن والتشكيك والفساد والظلم وغيرها حتى تستوي المعطيات للحصول على مخرجات تؤدي إلى الشخص السوي البناء الذي يؤمن بالقيم الأخلاقية والمنفتح على الآخر مع حفاظه على المبادئ التي يؤمن بها.. ومن هذا الرحم يمكن أن يخرج المصلح الاجتماعي والواعظ المبشر الإيجابي والمواطن الصالح.. نحن لا نبحث عن اليوتوبيا الأفلاطونية في المدينة الفاضلة.. ولكننا نسعى إلى توافق ممكن بين كل فئات المجتمع تكفل فيه الحرية الدينية والمدنية. فهل عقلنا العربي مهيأ للارتقاء إلى مستوى التعايش السلمي المجتمعي!؟ الرهان على المستقبل الوضاء يعتمد على نجاح ذلك.

 

بقلم بكر السباتين

17 مارس 2020

 

ابراهيم أبراشبسبب فيروس الكورونا، فإن حالة غير مسبوقة من الرعب والفزع تعم العالم بدوله المتقدمة والمتخلفة وباختلاف الأنظمة والحكومات والأيديولوجيات .الحكومات ترصد من الأموال لمواجهته أكثر مما أنفقت لمواجهة أي وباء أو كارثة طبيعية عبر التاريخ، الاقتصاد العالمي يختل ويُصاب بحالة من الإرباك والخبراء الاقتصاديون فقدوا القدرة على التنبؤ الدقيق بالمستقبل، فالصين مثلاً رصدت بداية ظهور المرض 163 مليار دولار لمواجهة الوباء وفي الولايات المتحدة الامريكية تم تخفيض أسعار الفائدة إلى ما يقرب من الصفر وتم الإعلان عن إطلاق برنامج تحفيزي بقيمة 700 مليار دولار في محاولة لحماية الاقتصاد من تأثير فيروس كورونا، كل وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي لا حديث لها إلا عن الوباء وسرعة انتشاره وكيفية مواجهته، دول تُعلن حالة الطوارئ والحجر الصحي وكثير منها عطلت المدارس والجامعات والمؤسسات العامة، أغلقت كثير من الدول حدودها أمام حركة السفر والتنقل كما تعطلت أو تقلصت حركة الطيران والتنقل عبر الحدود، الناس التزموا بيوتهم وحدّوا من الاختلاط حتى في المناسبات الاجتماعية من أفراح وأتراح، وأصبح الاهتمام بمواجهته له الأولوية على كل المشاكل والقضايا الأخرى .

لسنا هنا في وارد الحديث عن الوباء في جانبه الصحي والطبي فأهل الاختصاص لم يقصروا في ذلك، ولكن سنقارب الموضوع ثقافياً واجتماعياً وسياسياً في السياق العربي والإسلامي .فوسط عمومية المشهد المُشار إليه أعلاه برزت خصوصيات فيما يتعلق بمدى الاستعدادات عند الدول والشعوب لمواجهة حالات طارئة كوباء الكورونا وسرعة التجاوب مع الحدث وتحشيد الإمكانيات لمواجهته ونمط الثقافة الصحية في المجتمع والثقافة المجتمعية من حيث تفسيرها للوباء وكيفية التعامل معه، وقبل أن نتحدث عن هذه الموضوعات في المشهد العربي والإسلامي سنتطرق باختصار إلى النموذجين الصيني والغربي:

1- ففي الصيني، قد يكون لعامل السبّق في ظهور الفايروس في الصين وتحديداً في مدينة ووهان دور في نجاحها في الحد من الوباء نسبياً، ولكن هناك أسباب أخرى يجب وضعها محل الفحص والتدقيق، ومنها الإمكانيات والقدرات المالية حيث تتربع الصين على قمة الاقتصاديات العالمية، أيضاً طبيعة النظام السياسي الشمولي المركزي والصارم في الالتزام بتنفيذ تعليماته، كما أن القطاع الصحي تابع كلياً للقطاع العام وتتحمل الدولة مسؤولية مباشرة عليه، أيضا الثقافة المجتمعية السائدة في كهذا أنظمة فهذه الثقافة كانت عاملاً مهماً في سرعة الاستجابة للتحدي وتجنيد كل الطاقات بتعاون وتنسيق وتفهم من كل المستويات الشعبية والمؤسسات العامة .

2- وفي أوروبا والغرب عموماً . فقد استهان الغرب في بداية الأمر بالوباء وأثار شكوكاً حوله متهماً الصين باتهامات شتى وصلت لحد الزعم أن الفيروس خرج من معامل صينية للأسلحة الجرثومية أو أن الصين تبالغ من خطورة المرض لأسباب اقتصادية الخ، ولكن بعد أن انتشر الوباء في إيطاليا وإسبانيا وبقية الدول الأوروبية حتى وصل الولايات المتحدة، شعرت الغرب بخطورة الأمر وسارع باتخاذ إجراءات وقائية مستلهماً التجربة الصينية، إلا أن طبيعة الأنظمة الغربية الديمقراطية والمنفتحة على العالم والتي عندها حساسية تجاه أي إجراءات تحد من حريات الأفراد جعلت القدرة على مواجهة التحدي أقل مما هي في الأنظمة الشمولية، إلا أنه في المقابل فإن الإمكانيات المالية الكبيرة ووجود الثقافة الصحية والتعاون والتنسيق على أعلى المستويات بين الجهات الصحية في هذه الدول، كل ذلك عوامل مساعدة للحد من الوباء  .

أما عندما نتحدث عن الموضوع في تجلياته في مجتمعاتنا العربية والإسلامية تبرز أوجه اختلاف وتبايُن تفتح جروحاً تتجاوز التقصير والإهمال في المجال الصحي إلى الخلل في مجال التفكير والثقافة في فهم وتفسير الحالة وأسلوب مواجهتها .

صحيح أن كل الشعوب التي ابتليت بالوفاء ابتهلت إلى الله طالبة العون، حتى في الولايات المتحدة الأمريكية دعا الرئيس ترامب بتخصيص يوم للدعاء والصلاة للحماية من الوباء، إلا أن المجتمعات ودولها لم تتوقف عند ذلك بل آمنت بأن الموضوع دنيوي محض ومواجهته لن تكون إلا من خلال العلم والعلماء .وهكذا وفي الوقت الذي تجندت فيه الحكومات الأجنبية مع شعوبها في مواجهة هذا الوباء مؤمنة بأن هذا الوباء من نتاج الطبيعة ومواجهته والوقاية منه تحتاج لجهود العلم والعلماء، وجدنا عندنا مَن يُحيل الوباء للقضاء والقدر وأنه اختبار وامتحان للمؤمنين، ومنهم من تجند للبحث في النصوص الدينية وأقوال السلف ما يدعم مزاعمهم بل ويبحث فيها عن العلاج لأن الإسلام في نظرهم، من قرآن وأحاديث نبوية وأقوال السلف الصالح، لم يترك شاردة أو وارة إلا وتطرق لها ! والعقلاء من المسلمين وإن لم ينساقوا مع التفكير الغيبي والتزموا الصمت واتخذوا متطلبات الوقاية إلا أنهم استمروا في حالة انتظار ما ستتمخض عنه جهود علماء الصين والغرب من اكتشاف لعلاج هذا الوباء .

بعد حين من الزمن قد يمتد لأشهر سيتم الحد من انتشار فيروس الكورونا ويتم اكتشاف العلاج والأمصال اللازمة بفضل العلم وجهود العلماء في الصين والغرب، والعلاج الذي سيتوصلون له سيستفيد منه أيضا المسلمون بما فيهم رجال الدين والشيوخ وقادة الجماعات الأصولية ، كما استفادوا من كل ابتكارات الغرب من الأسلحة والمتفجرات التي يقتلون بها أبناء دينهم ويخربون أوطانهم، واستعمالهم لوسائل التواصل الاجتماعي التي اخترعها الغرب  ليبثوا من خلالها ويروجوا لأفكارهم ومعتقداتهم المُدَمرة، إلى حبوب الفياغرا والمنشطات الجنسية ووسائل الحياة المرفهة التي تقوي قدراتهم الجنسية، حيث لم تنفع الدعوات والصلوات في تقويتها، ليقوموا بواجبهم في الزواج مثنى وثلاث ورباع وما ملكت أيمانهم .

المعاندة والمكابرة عند البعض من الجهلة في الدين كما في العلم، وممن يبحثون عن الشهرة والتعيُّش من معاناة المسلمين وجهلهم لا يريدون الاعتراف بحقيقة أن كل الاختراعات والاكتشافات واشكال التحضر والتطور والحضارة خلال الألف عام الماضية على أقل تقدير كانت بفضل علم وعلوم الغرب، وأن كل الأمراض والأوبئة التي عرفتها البشرية تم مواجهتها والقضاء عليها أو الحد منها بالعلم وبالعلماء، علم الغرب المسيحي وعلمائه وبعلم وعلماء اليابانيين والصينيين والهنود، وليس بعلم وعلوم الفقهاء ورجال الدين المسلمين ولا بالدعوات الصالحات .

ليس هذا مدحاً وتمجيداً بالغرب وعلومه أو بأصحاب الديانات الأخرى،  ولكنه اعتراف بالواقع والاعتراف لأهل الفضل بفضلهم في مجال العلم حتى وإن اختلفنا معهم سياسياً وعقائديا .

 

  إبراهيم ابراش

 

 

قاسم حسين صالحمن الشائع في اي وباء ان يثير في الناس الشعور بالخوف والقلق والتوتر، لكن فايروس كورونا اثار الفزع والهلع بين اكثر من خمسة مليار انسان في العالم في اقل من شهر مع ان (كوفيد 19) هذا ما كان في بداياته قاتلا مثل فيروس السارس الذي انتشر بحالة رهيبة عام 2003 وقتل 774 شخصا وتعدت نسبة الوفيات من المصابين به 9% في حين لم تزد نسبته المماثلة في كورونا على 5% لغاية منتصف آذار /مارس 2020.

ويجمع المختصون بالصحة النفسية بان الرعب في حالات الوباء تعزى سيكولوجيا الى:

- الخوف من:

- الاصابة بالمرض والموت

- فقدان سبل العيش وعدم القدرة على العمل اتثاء مدة العزل

- الطرد من العمل

- الاستبعاد الاجتماعي، بوضع المصاب في الحجر الصحي.

- الانفصال عن المقربين ومقدمي الرعاية بسبب انظمة الحجر الصحي

- والخوف من اعادة احياء تجربة المرور في محنة وبائية سابقة.

* الشعور بالعجز، الملل ، الوحدة ، والاكتئاب بسبب العزل واجراءات قاسية

* شعور الافراد بانهم عاجزون عن حماية المقربين لهم، وقلق يومي من فقدانهم بسبب اصابتهم بالفيروس.

* رفض رعاية القصّر غير المصحوبين او المنفصلين عن ذويهم، والاشخاص ذوي الاعاقة، وكبار السن، بسبب الخوف من العدوى بعد الحجر الصحي على ذويهم ومقدمي الرعاية لهم.

ومع ان جميع حالات الطواريء تكون مصحوبة بالضغط النفسي لكن الضغوط النفسية التي اشاعها فيروس كورونا المستجد Covid 19 اضافت مجهولية طريقة السيطرة عليه، فضلا عن وجود اعراض مشابهة لمشاكل صحية اخرى قد يساء فهمها كأحد اعراض كورونا مما يثير الخوف من العدوى- ولوحظ ان الوضع الجسدي والنفسي لكبار السن وذوي الاعاقة قد تدهور لدى كثيرين خاصة اولئك الذين لم توفر لهم وسائل الدعم والرعاية الصحية.يضاف لها حالة سيكولوجية اخرى هي وصم الاشخاص الذين يتعاملون مع المصابين بفيروس كورونا (الاطباء، الممرضات، سائقو سيارات الاسعاف..) والخوف منهم ان ينقلوا العدوى لافراد عوائلهم واصدقائهم.

وسيكولوجيا، يؤدي الخوف المستمر والقلق وترقّب الشر والضغوط النفسية الى تدهور العلاقات الاجتماعية بين الناس، الناجم عن وصمة اجتماعية حتى للمتعافين منه، فيما قد يؤدي سياسيا الى حدوث احتجاجات ضد الحكومة وفقدان الثقة بالمعلومات التي تقدمها واعتداءات او اتهامات اساءة ضد العاملين في المؤسسات الصحية.

مخاوف عالمية وتطمينات صينية

اعلنت منظمة الصحة العالمية ان فيروس كورونا اصبح (وباءا عالميا)، واعلنت اميركا في 13 آذار/ مارس الجاري حالة الطواريء الوطنيةEmergency) National)، حتى مجلس الأمن الدولي اعلن تقليص جدول اعماله خلال مارس/آذار كاجراء احترازي بسبب فيروس كورونا المستجد، بعد ان اجتاح اكثر من مئة بلدا، مخلفا (140) الف اصابة ووفاة اكثر من خمسة آلاف انسان، لغاية منتصف آذار الجاري.

من جهة أخرى، دعا الأمين العام للأمم المتحدة شعوب العالم الى عدم الاستسلام للهلع، مطمئنا الناس بأن الأختبارت والأجراءات الصحية تقللان من فرص انتشاره، فيما اكدت منظمة الصحة العالمية بان فيروس (كوفيد 19) يمكن السيطرة عليه- غير ان الصين قدمت للعالم تطمينا عمليا باعلانها ان البلاد تجاوزت ذروة تفشي وباء كورونا بعد ان تعافى منه اكثر من 62 الف مصابا، مدعوما بتأكيد بعثة الخبراء التي ارسلتها منظمة الصحة العالمية الى الصين في 6 آذار، من ان الصين استطاعت وبكلفة عالية تحقيق انخفاض سريع فى حالات الاصابة بكورونا..ما يعني ان كورونا يمكن السيطرة عليه اذا اعتمدت الدولة اجراءات وقائية وخدمات صحية مصحوبة بتعاون مجتمعي شامل.

العراقيون.. وفيروس كورونا

كيف يتعامل العراقيون مع فيروس كورونا؟

الاجابة الصحيحة تكون باجراء دراسة استطلاعية.. وقد عملنا ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي تضمنت الآتي:

(نقوم باجراء دراسة عن التداعيات السيكولوجية والاجتماعية التي احدثها فيروس كورونا في المجتمع العراقي- نرجو تحديد ما حدث لك، لأسرتك، لأصدقائك، لآخرين..بشواهد عملية وليس اراء نظرية - مع وافر الشكر والامتنان - 12/3/2020).

تنوعت أساليب تعامل العراقيين مع فيروس كورونا على النحو الآتي:

1- اللامباة

افاد كثيرون بأنهم لا يكترثون ولا يخافون من كورونا..مبررين ذلك بأن:

- حياتنا بائسة، زائفة، مزعجة ، ولن يغير كورونا من الواقع شيئا،

- هذا الجيل ما يسمع كلام مستهزءا بالحياة بعضهم يقول ياريت يجينه كورونا ونموت ونخلص من هالحياة بالعراق.

- ابو المحل اقول له خلي تعقيم يقول والله انت بطرانه.- ياريت يجي ونخلص من حياتنا بالعراق.

والتحليل السيكولوجي لعدم الأكتراث هذا يعود في أحد أهم أسبابه الى ان قيمة الحياة لدى العراقيين لم تعد مقدسة بعد ان شهدوا عبر اربعين سنة (1980-2020) توابيت قتلى الحرب العراقية الأيرانية، وصولا الى الأحتراب الطائفي (2006-2008) وما بعده الذي وصل فيه الحال الى قتل الآخر لمجرد أن اسمه (حيدر او عمر او رزكار)..فضلا عن توالي الخيبات وانعدام الأمل في الخلاص من حياة بائسة- وهم بهذا يقدمون دليلا عمليا..ميدانيا..تجريبياـ لعلماء نفس العالم ليصححوا نظرياتهم التي تقول بأن الانسان يمكن ان يعتاد بالتكرار على اي فعل الا خوفه من الموت..بل ويصححوا فرويد ايضا بقوله (نحن لا نعترف بأننا سنموت ، بل نعتقد في لاشعورنا بأننا خالدون)..فكيف تريدهم ان يخشوا كورونا وهم يعيشون في زمن توالي الخيبات وقناعتهم بانهم فانون!

2- فزع وهلع

تنوعت حالاته بين وساوس قهرية، قلق مفرط، توقع شر، مبالغة في استخدام المنظفات والمطهرات، متابعة يومية مستمرة لأخبار انتشار كورونا عبر فضائيات عربية وعالمية تشيع الرعب، تجنب الاختلاط حتى بين افراد الأسرة الواحدة.

من حالاته ان احدهم (صار يخاف من الموبايل اذا كان يتحدث مع مصاب!) وقول احداهن:

(صرت اتحسب من كل عطسة وكل كحه).. وقول أخرى (آني اعصابي تلفت).

 

وسيكولوجيا..ان الذعر سببه الخوف من مجهول يحمل الشر، وان التهويل يساعد على انتشار الشائعات من قبيل ان فيروس كورونا هو (فلم امريكي) يستهدف الصين وايران، وان الصين ارادت ان تصنع سلاحا فتاكا من الفيروس التاجي فانقلب السحر على الساحر.وانتشار الخرافات ايضا التي تمثلت بدعوة بعض رجال الدين الى الوضوء والأستغفار وقراءة دعاء عاشوراء والمعوذات، مع علمهم ان الخوف لن يقلل من انتشار فيروس كورونا بل يؤدي الى اثار نفسية واجتماعية وأسرية سلبية.

3- ضغوط نفسية وأسرية

تمثلت حالاتها في :ملل، ضجر، عزلة مقرفة، كآبة، ( ضوجه حيل، لا لعبات لا طلعات لا روحات للسوق)، فيما تمثلت الضغوط الأسرية بالمشاجرات بسبب عدم التزام احد افراد الاسرة بالنظافة او لبس الكمامات والقفازات.

4- روحانيات ومعتقدات خرافية

تمثلت بقراءة الأدعية وطكطة الحرمل وقول بعض رجال الدين (من دخل الايمان في قلبه لا يصاب بفيروس كورونا!).وقيام دجالين بكتابة حروز وتعويذات ، وقيام سياسيين بدعوة الناس الى التوجه الى مراكز العبادة فيما هم يستخدمون احدث وسائل الوقاية الصحية.

ونشير هنا الى ان كورونا (عادل) في استهدافه، فهو لا يفرّق بين رئيس دولة وعامل نظافة، وملياردير ومن لا يجد قوت يومه ، وعالم دين وملحد، وابيض وأسود.

5- الوعي الصحي

التزم الكثير من العراقيين بتعليمات الوقاية الصادرة من المؤسسات الصحية العراقية ومنظمة الصحة العالمية، وكانت هنالك اسر عراقية مثلت انموذج الوعي الصحي في التعامل مع فيروس كورونا.

6- توقف مصادر الرزق

تطلبت اجراءات الحد من انتشار كورونا..غلق المطاعم، والمقاهي والنوادي وبعض المحلات واصحاب سيارات الأجرة والفئات الأجتماعية الأخرى..لينعكس سلبيا على الحياة الأجتماعية للكسبة بشكل عام والحياة الأسرية بشكل خاص..ادى الى ضغوط نفسية ومشكلات اسرية ، مصحوبا بهلع اشد من احتمالية خفض رواتب الموظفين بسبب انخفاض اسعار النفط..وما سينجم عنه من اضطرابات سياسية وتفكك اجتماعي وذعر من تحول كورونا الى وباء قاتل في العراق.

كورونا.. قضية وطنية

ما ينبغي التنويه اليه هو النظر الى فيروس كورونا بأنه قضية وطنية لا علاقة لها بالخلافات السياسية، وانه يشكل تحديا خطيرا في العراق لسببين رئيسين: ضعف امكانات وزارة الصحة الناجم عن تولي المسؤوليات فيها اشخاص لا يتمتعون بالكفاءة، والفساد الذي مارسته احزاب الآسلام السياسي..اللذان شكّلا اهم اسباب هلع بعض العراقيين وعدم ثقتهم بالمؤسسات الصحية والمعلومات التي تقدمها (حكومة مستقيلة) ، مع ان بعض المؤسسات الصحية (مديرية صحة بغداد الكرخ- تحديدا) نجحت في احتواء المصابين وشفاء عدد منهم.

ولضمان احتواء هذا الفايروس ، فأننا نوصي بالآتي:

1- غلق المنافذ الحدودية مع ايران في الحال، والغاء اي قرار صدر او قد يصدر بتأجيل تنفيذه.

2- احالة من يستغل منصبه السياسي او الحزبي او الديني الذي يضغط على شرطة المنافذ الحدودية بالسماح للقادمين من ايران بالدخول الى العراق عبر شركاته السياحية الى محكمة الجنايات.

3- القاء القبض على الدجالين والمشعوذين الذين يستغلون الحدث لأستغلال البسطاء من الناس وعدم اطلاق سراحهم الا بضمانات رادعة.

4- قيام الوقفين السنّي والشيعي بالزام رجال الدين وخطباء الجوامع والحسينيات بدعوة الناس الى الألتزام بالوعي الصحي اولا بوصفه هو الأساس في تجنب الأصابة بالفايروس.

5.قيام وسائل الأعلام ، المرئية والسمعية والمقروءة، بالتعاون مع المؤسسات الصحية بما يسهم في نشر الوعي الصحي ، والتحول من موقف تصيد الأخطاء والهفوات الى الناقد الايجابي.

6- قيام السيكولوجيين والأطباء النفسيين بما يعزز المناعة النفسية لدى الفرد بتفنيد التهويل الذي تشيعه وسائل التواصل الأجتماعي، والتهوين المعزز بأدلة علمية تؤكد ان خطر الفايروس هو اقل مما يشاع عنه اعلاميا.

ان الألتزام بتنفيذ هذه الأجراءات والتوصيات يسهم في احتواء فيروس ماكر وخبيث، ويجنب العراقيين شر بلاء آخر..جديد!.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

15 / 3 / 2020

 

 

مجدي ابراهيم(1)

لا يفترق النقد بداهةً عن التجديد ولا عن الإصلاح؛ فالنقدُ يُظهر المآخذ والعيوب وهو في نفس الوقت يُصلحها، ويجدّد في طرائق التعبير عنها. ولا يعني النقد بوجه من الوجوه هدم ما هو قائم بل يعني التجديد في البناء وتغيير طريقة التفكير التي تلازم النظر الدائم في بنية الخطاب الديني بُغية الإصلاح من أجل مسيرة الوعي الإنساني والحضاري على التعميم.

وعلى هذه المفردات الثلاث : النقد، والتجديد، والإصلاح، تقوم رؤيتنا في هذه المقالات تباعاً؛ فلا تفترق واحدة منها عن الأخرى؛ فكلها تنصب في النهاية في بوتقة واحدة؛ لتنصهر جميعاً كيما تُشكل رؤية نحن أحوج ما نكون إليها في زمن القيم الدينية الساقطة؛ زمن الاعوجاج والتسطيح في الفكر والقول والتسليك.

لن يكون هنالك تفكيرٌ في الدين بغير سلوك يصاحبه، ولا اعوجاج لهذا السلوك إلا والنقد يمارسه، ولا تحجير لأصول الدين إلا والتجديد يرافقه. هذه ثلاث مفردات لا غُنى عنها لمجرد التفكير في الدين، لا بل ولمجرد فهمه على مستوى النظر العقلي أو على مستوى الممارسة العملية. وكل مباشرة دينية تفتقر إلى وازع الإيمان مع النظر والتصحيح هى عُرضة للسقوط والتطرف، بمقدار ما هى عُرضة للإساءة إلى الدين الذي يُنتسب اليه ويُدان له بالولاء. ولذلك؛ وجب التصحيح كما وجب الإصلاح، وهما يرتكزان على النقد وعلى التجديد في آن.

ولم تكن دعوة قائمة وليس فيها من التجديد ومن النقد ما من شأنه أن يرجعها إلى مصادرها الأصلية، وينأى بها عن (الترقيع) الذي يقطعها عن المصدر التأسيسي، ويوردها موارد المصادر الخارجة عنها؛ لتحلّ مكان مصدرها التأسيسي وتنوب عنه كلما سنحت لها الفرصة بالتجاوز المرذول.

والعقل الدعوي جزء لا يتجزأ عن العقل العربي عموماً؛ فعوائق تقدّم هذا العقل هى نفسها عوائق تقدُّم العقل الدعوي : الإخفاقات هى نفسها الإخفاقات، والمزايا إنْ كان موجودة هنا هى بلا شك المزايا هناك. العقل العربي يشمل العقل الدعوي ويضمّه إليه، وكل تقدُّم في هذا هو تقدم في ذاك.

ولسوف نقف على نقاط هامة نقوم بمناقشتها في ظل هذا الواقع الذي أنبت تحت اسم الدعوة إلى الله، تقديم الخطاب الديني وهو في غاية العوج والانحراف، ثم إدانة العقل الدعوي على وجه العموم، واعتبار الخطاب الديني، في بعض جوانبه، مدنس بلوثة الذين يقدمون عليه؛ لأنه أسفر عن وجه كريه، نتج منه التطرف والعنف والإرهاب بكل مستوى يُدني من قيمة الخطاب الديني نفسه، ولا يرقيه.

*  *  *

وأول ما يقابلنا في سلبيات العقل الدعوي هو احتكار الخطاب الإسلامي، واحتكار الحقيقة المطلقة، وفكرة "الاحتكار" نفسها هى ضد الحريّة وضد الإسلام وضد العقل على التعميم : ضد شموله وإحاطته. ويلزم لشيوع فكرة الاحتكار أن يقوم النقد فاعلاً بناءً من جهات كثيرة.

والأصل في النقد (critics) فلسفيّاً، وبالتالي منهجيّاً, هو قبل كل شيء : اعتراف الناقد بمحدوديّة تفكيره. والقول بحصول هذا التفكير ضمن أطر تقيد عملياته، بمعنى خلخة اليقينيان الثابتة وإعادة بنائها المعرفي بمقدار إعادة النظر فيها مراجعة وتصحيحاً. واحترام هذه الحدود والقيود هو ضمان تنظيم الأفكار وإحكامها, ونجاح التحقق في كل المسائل. ثم إن النقد هو التمييز بين العقل والتفكير. فالأول يشمل الثاني ضرورة، ويشمل معه الحدس, والمُخيلة, والشعور، وكل آليات المعرفة التي تتداخل في العقل أحياناً، فيكوِّن مثل هذا التداخل صوراً ومسائل في الذهن يطرحها ولا يجد لها أجوبة ثابتة يقينية.

وهذا ما حَصَلَ لكل الفلسفات القديمة التي لم تميز بين التفكير المقيد والعقل الطليق فضاعت في المتاهات الميتافيزيقية. من أجل ذلك، ولدت هذه اللفظة، لفظة النقد (critics) في التوطئة الأولى لكتاب "نقد العقل الخالص" لكانط، حين أكّد أنه أطاح بـ "المعرفة" ليترك المجال للإيمان، بمعنى إنّه أفسح لليقين الديني مجالاً لم تطرقه المعرفة العقلية التقليدية.

ويقصد "كانط" "بالمعرفة" التي أطاح بها هى "معرفة" المدرسيين، المحفوظة بالتواتر والتقليد من زمن أرسطو، والتي تؤكد حقائق ما ورائية كأنما وقع فيها بحث وفحص وتمحيص.

هنالك يقوم النقد كمنهج باحثاً في الشروط التي تجعل طبيعة البحث والتفكير ممكنين في إطار مشترك من المراجعة النقديّة المنهجيّة؛ الأمر الذي يجعل معناه اللغوي، كما في الصّحَاح يأتي من "نقدت الدراهم وانتقدتها، أي أخرجت منها الزيف"، وبالتالي أبقيت الصالح المستقيم. ولكن النقد كمنهج في المسائل الدينية والدّعويّة، قد يتخذ شكلاً آخر باستثناء شراكة المعنى اللغوي بين مجال الفلسفة ومجال الدّين، وفي إطار عمل التصحيح والمراجعة النقديّة على الأقل من حيث المفاهيم المغلوطة وتمييز الصواب فيها من الخطأ، والحق من الباطل.

ولكن النقد كمنهج في المسائل الدينية والدعويّة قد يتخذ شكلاً آخر باستثناء شراكة المعنى اللغوي بين مجال الفلسفة ومجال الدين.

وإذا كان صحيحاً أن النقد لازمٌ من لوازم الفلسفة لا تستغني عنه أبداً ولا تقوم لها قائمة بغيره على الإطلاق، فمن الصحيح كذلك أنه يلزم للدين منهجيّة نقديّة (Methodology of Criticism) تماماً كما هى مُلزمة في مجال الفلسفة، وبخاصّة حين يدّعي العقل الداعي إلى الله امتلاك الحقيقة الإلهيّة المطلقة ثم التعبير عنها قولاً وفكراً، وفرضاً وإلزاماً تحت الخضوع لاتجاه بعينه، وفرضه بالقوة والعنف على الآخرين، فكأنما يصبّ دعواه هذه في قالب محفوظ يقف عليه وحده ولا يقبل غيره من اتجاهات تخالفه ولا يكتفي بذلك بل يزعم لنفسه ولغيره إنّ قالبه هذا هو "الحقيقة" التي لا حقيقة سواها، يدعو لها بشتى وسائل الدّعوة ويدعمها بكل أنواع الدّعم، ويتعصب ويحارب من أجلها ويقاتل، ولو كلفه ذلك ما يطيق وما لا يطيق.

إنه؛ إذا كانت معاجم اللغة ذكرت أن النقد تمييزٌ وفرز بين الفاسد المعطوب والصحيح الذي لا زيف فيه ولا فساد، فبمقتضى هذه التفرقة البسيطة يلزم للدّين أن تكون له منهجيته النقديّة تماماً كما هى لازمة للفلسفة، وربما كانت للدين ألزم منها للفلسفة؛ فإنه من الخطر الشديد أن يكون الزيف باسم الدين حاضراً ولا يهدمه النقد ولا يعرّيه ولا يكشفه أمام القلوب والعقول وبصائر المتديّنين.

ولم تكن مسائل الدين ممّا تحتمل هذا السكون عن تطبيق القواعد النقديّة مطلقاً لأنها بالطبع من الصفاء والنقاء والتعلق بمسائل المصير وخلوص السريرة بمكان بحيث تكون أمضى فاعلية في قلوب المتدينين من مسائل الفلسفة، ومن هنا كان خطرها وكانت كذلك درجة قبولها للنقد إذا وجد فيها الزائف المعطوب، ولا بد أن يوجد.

وبديهيٌّ أن يتوجّه النقد إلى الفكر من حيث هو فكر أفرزه أشخاص مثلي ومثلك، ولا يتوجّه إلى النّص الديني من حيث هو نصّ إلهي طريقه الوحي الذي لا ينطق عن هوى.

فالنقدُ لا يلحق النّص المقدّس ولا يجوز بالبداهة أن يلحقه، ولكنما يلحق التخريج والفهم لهذا النّص في إطار حركة الممارسة العملية للتوجّه والتلقي، فهو يقوم على مدى فهم الأشخاص وعلى تخريجهم للنّص الديني، وعلى إمكان توظيفهم له سواء كان التوظيف سياسيّاً أو اجتماعياً أو دينياً أو ما شئت أن تضيف ممّا عساه يكون خاضعاً لدرجة الفهم مُقاساً على مستوى التخريج، فعلى هذا إذن يقوم النقد ولا يقوم على النّص المقدّس من حيث هو نص مقدس.

تلك كانت ولا شك نقطة مفصليّة فارقة ينبغي الأخذ بها بداهةً حتى لا يختلط علينا الأمر في قولنا بلزوم المنهجية النقديّة في مجال الدين أكثر من لزومها في حقل الفلسفة، إذ كانت الفلسفة مُجرّد فكر بشري لك أن تقبله إن وجدت فيه جدارة القبول، ولك أن ترفضه إن لم تجد فيه ما يحق لك قبوله، فحُريّة الحركة النقديّة هنا متاحة أكثر ممّا تتاح الحركة في مجال الدين.

ولكن مع ذلك لا شئ يدعو بالمطلق إلى إعمال النقد في مجال الدين ليكون ألزم منه في حقل الفلسفة غير هذه المساحة المحدودة التي بموجبها تكون التفرقة الفارقة بين النّص الديني في ذاته وبين ما يُقام على النّص من شروح وتأويلات ومن توظيفات وتخريجات، هنالك يعمل النقد عمله الواسع على هامش تلك المساحة؛ لأنه يتناول تلقي البشر للوحي ماذا عساه يكون، وكيف تمّ وبأي المسالك والطرق، وما مدى درجة توظيفه بعد فهمه وتخريجه، وكيف تحوّل إلى ممارسة فعليّة بعد أن كان عقيدة نظريّة، وهل بإمكان تلك العقيدة التي لا تتجاوز كلمات نظريّة تدور في فلك أصول الدين الذي هو علم الأحكام الشرعية الاعتقادية؛ أن تتحوّل إلى ممارسة سلوكية تشمل أصول الفقه الذي هو علم الأحكام الشرعية العملية، وكيف قنع فقهاء الإسلام بوجود هذه الهوّة السحيقة بين الاعتقاد والعمل؟

ثم ما الفرق أصلاً بين الاعتقاد والعمل إذا ما كان الاعتقاد إيماناً، وكان الإيمان هو ما يصدّقه العمل، وهل تقدح قلة العمل أو حتى عدمه في صحة الاعتقاد الذي هو تصديق قلبي، وكيف فهموا وشاءوا أن ينقلوا الفهم للناس؛ ليكون هو نفسه سلوكاً دينياً مع أن الفهم من بنات أفكارهم؟ وهل كان هذا الفهم صحيحاً أم كان فاسداً معطوباً وهكذا، وهكذا أو ما يشبهه.

ومن المعلوم بداهةً أن النقد يجري في تلك الزاوية ولا يجري في غيرها وبخاصّة إذا كان هذا الغير هو النص المقدّس.

وإذا نحن أردنا تنظيراً للعقل الدعوي؛ فبالقياس. كما أن هناك عقلاً نظرياً وعقلاً عملياً حسب كانط وهنالك عقل أخلاقي, هناك كذلك عقل دعوي يتمثل في مجموعة الخصائص التي تحكم هذا العقل وتتحكم في مخرجاته المعرفيّة.

وقد يتبادر الأذهان من الوهلة الأولى كيف يمكن نقد العقل الدعوى وهو موصول بالنص القرآني:" ادْعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هى أحسن؟ فإن الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هى أحسن، سبيل المقاصد الدّعويّة، فكيف يمكن نقد هذا كله وهى من مقومات العقل الدّعوى؟ ربما يجوز النقد بلا شك في مجال السياسية والأخلاق وفي ميادين الفلسفة النظريّة وفي كل ما يكون ثمرة من ثمار العقل ونتيجة من نتائج بحوثه ودارساته؛ ففي حالة الانحراف عن جادة الاستقامة يلزم أن يكون من جهة العقل نفسه ما يقوّمه ويتعدل به طريق التقويم، وهو النقد؛ إذ كان النقد تطهيراً به لا بغيره يجئ التقويم، فكيف يستخدم النقد في هذا المحراب العلوي، محراب الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هى أحسن؟ إنّ هذا لشيء عجاب !

وأعجب منه أن تكون صفات العقل الدّعوى خاصّة هى الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ولا يكون في الداعية شئ من هذا كله، فلا الحكمة بموجودة، ولا الموعظة الحسنة متوافرة، ولا المجادلة بالتي هى أحسن مطبقة فعلاً في الواقع العملي، فماذا تنتظر من عقل يزعم الدعوة إلى سبيل الله وهو يخالف خصائصها، ويأتي بخصائص يستنها على هواه هى حصيلة جهود بشرية سبقت لقرون خلت، فالنّص الديني المقدس فارغ من مضمونه ومن دلالاته العملية، متروك أو يكاد، لأن العمل الصوري فيه قشرة سطحية ولكن العمل الفعلي يخدم الاتجاه، يتأخر النص لتتقدم موالاة الاتجاه، ولا يخدم الفهم الصحيح لهذا النص من جميع زواياه.

ونتيجة توظيف الدين في خدمة المآرب السياسية تصبح حقيقة ثقافتنا العربية والإسلامية في أغلب ضروبها ديناً ملوثاً بالقتل والدمويّة تماماً كما يُصبح الدين نفسه ثقافة مُجرَّد ثقافة لا عقيدة قلبية تواجه مسائل المسير والمصير؛ لأن امتلاك الحقيقة المطلقة إنما هو في حقيقته مُجرد قول، ولا يزيد، أو قل هو مُجرّد دعوى عريضة لا يقوم عليها دليل.

حديث الله للبشر شئ، وحديث البشر عن الله شئ آخر. فالأول ولا شك وحي بإطلاق، هابط من عند الله عن طريق أنبياء الله كيما يبلغوا رسالة الله للناس.  والثاني عمل بشري صاعد من البشر، وهو في صعوده تقف وراءه جميع المزاعم البشرية مثقلة بأهواء البشر وتطلعات البشر وتوظيفات البشر وزعامات البشر وما يدور في مطالب البشر وغاياتهم ممّا عساه يكون آخر الأمر نقيصة ثم عرضة للنقد والفحص والتمحيص.

من تلك اللفتة المنهجيّة الدقيقة في التفرقة بين حديث الله للبشر وحديث البشر عن الله، تقوم المنهجيّة النقدية كضرورة فاعلة في الدين بمثل قيامها وأكثر في مجال الفلسفة؛ وبالتالي يعاد النظر فيما يفرزه عقل الداعية عبر تاريخ العقل الديني الطويل من أنماط ثقافية منوّعة ممتدة بجدوز سحيقة في التاريخ والثقافة يخترعها من عنده، وكأنه مُوكلُ من الله بتملُّك الحقيقية الإلهية معرفياً، وتلك هى نفسها الكهانة التي يرفضها الإسلام ولا يقبلها لا العقل ولا الشرع.

وعليه، فليس من حق أحد أن يدَّعي احتكار الخطاب الإسلامي، ليس من حق الفقهاء أن يحتكروا الإسلام؛ ولا من حق السلفية، ولا من حق الشيعة، ولا من حق أهل السنة؛ ولا من حق المعتزلة؛ ولا الأشاعرة، ولا الإخوان المسلمين، ولا من حق فرقة ولا مذهب ولا طائفة؛ ولا شيء من ذلك كله ليس من حقه أن يحتكر الإسلام.

ليس من حق من يملك "خطاباً" عن الإسلام أن يحتكر الإسلام، وما كان الإسلام في مصدريه الكبيرين : القرآن والسُّنة يحتكر خطاباً قط، وبالتالي فالخطاب الديني المُعبر عن هذين المصدرين في لغة من عنده يملكها سائر الناس ليس من حقه في أداة التعبير - فضلاً عن طريقة التفكير - أن يحتكر الإسلام إلا بمقدار ما يصيب من الحقيقة الكبيرة قَدْرَاً يمتلك فيه هذه الحقيقة، وهو معدوم !

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

 

ميثم الجنابيإن التجارب الناجحة للدنيوية (العلمانية) في كل مكان تبرهن على أن إمكانية تحقيق نموذجها الوطني أو القومي لا يمكن أن يكون نتاجا لإغراءات أيديولوجية أو عقائدية أيا كان نوعها. وذلك لأن الدنيوية منظومة. ومن ثم فإنها وحدة متراكمة ومتكاملة في بناء الدولة والأمة والاقتصاد والعلم والتكنولوجيا والثقافة والقيم. وبالتالي فإن تحويل شعار العلمانية (الدنيوية) إلى جزء من مؤامرات السياسة الحزبية ومغامراتها، لن يؤدي إلى إلا نتائج معاكسة. وفي التجربة الصدامية خير مثال. فقد تحولت "العلمانية" المتطرفة إلى سلفية متطرفة. وذلك لأنها لم تكن "علمانية"! والشيء نفسه يمكن قوله عن شعار الحركات والأحزاب التي تحاول توظيف هذه الفكرة المتسامية إلى جزء من مغامرات الحياة السياسية المتخلفة.

وقد كشفت بضعة أشهر من تشكيل اول حكومة تحت الاحتلال، عن خواء هذا الإعلان الذي ارتفع عاليا في سماء الصخب الأيديولوجي الذي رافق صراع "القوى العلمانية" (من شيوعيين وديمقراطيين وبعثيين منشقين ووطنيين عراقيين وقوميين أكراد) ضد "التيار الديني" (الائتلاف الشيعي)، أي حلفاء الأمس "الإستراتيجيين" في "النضال" ضد الدكتاتورية الصدامية، والشركاء في "مجلس الحكم الانتقالي" و"الحكومات المؤقتة"!! ويكشف هذا التحول عن أن الفكرة الدنيوية بين هذه الاتجاهات هي مجرد غطاء أيديولوجي أو شعار سياسي مزيف، أي انه لم يكن أكثر من طعم الاصطياد في الماء العكر. من هنا انفراط عقد الاتفاق بين هذه "القوى العلمانية" في مواجهة "التيار غير العلماني" (الائتلاف الشيعي). والسبب بسيط للغاية، وهو أن "العلمانية" كانت شعارا محكوما بنفسية الغنيمة. وقد كشف الصراع الخفي والعلني للحصول على مكاسب في وزارة ما بعد الجعفري مضمونه الفعلي!

إن هذه النتيجة ليست "خاتمة" التعرية الفعلية للادعاءات الأيديولوجية والمغامرة السياسية، وذلك بسبب كمية ونوعية الخراب الهائل في بنية الدولة والمجتمع والثقافة والعلاقات الاقتصادية والقيم، وانعكاس كل ذلك في بنية الأحزاب وطبيعة العلاقة بين قيمها الخاصة (الحزبية) والعامة (الوطنية). إذ لا توجد في ظروف العراق الحالية أحزابا وطنية عامة بالمعنى الدقيق للكلمة. فهي مازالت جميعها مؤدلجة بمعاييرها الحزبية الخاصة أو العرقية أو القومية الضيقة أو الطائفية أو الجهوية. ولا يمكن لهذه الصفات أن ترتقي بالحزب والحركة السياسية إلى مصاف الدنيوية الفعلية. وذلك لأن حقيقة الدنيوية هي منظومة متكاملة للحرية والعقلانية في بنية الدولة والمجتمع والثقافة.

إن لهذه الظاهرة تعقيداتها الكثيرة والكبيرة في تاريخ العراق الحديث. لكن اتجاهها العام يسير صوب الإقرار بضحالة القيمة الأيديولوجية للشعار السياسي ما لم يختمر في مجرى المعاناة التاريخية، وما لم تسنده الأغلبية الاجتماعية.

إن العراق بحاجة جوهرية للفكرة الدنيوية! غير أن المهمة النظرية (والإستراتيجية) الكبرى تقوم في رؤية آفاقها وكيفية تأسيسها والقوى القادرة على تحقيقها الفعلي في ظروف الانتقال إلى الديمقراطية. ويمكن رؤية مكونات هذه الآفاق واتجاهها المجرد في التجارب الناجحة للأمم الراقية بهذا الصدد. والقضية هنا ليست في رقي الأمم أو نجاحها، بقدر ما أنها جزء من تطور المجتمع والقومية وتكامل الأمم في العالم المعاصر ومستقبله. ومع أن التجارب التاريخية الكبرى للأمم هي تجارب خاصة، أي ذاتية، إلا أنها تتمتع بقدر ضروري من القيمة المعنوية والمجردة بالنسبة لتأمل المستقبل. وضمن هذا السياق يمكن فهم أهمية وقيمة التجارب الأوربية بالنسبة للعالم العربي والعراق في الحالة المعنية. وتشير هذه التجارب إلى أن تحقيق الدنيوية هي عملية شاقة ونتاج صراع اجتماعي وسياسي وفكري تحققه الأغلبية الاجتماعية من خلال فرض شروط تصوراتها وأحكامها. بمعنى "إجبار" الجميع على العمل والتفكير بقواعد الأغلبية. فهي العملية الوحيدة القادرة على تحويل مختلف بواعث الصراع وقواه السياسية إلى مكونات فاعلة في تعميق وتوسيع الرؤية الاجتماعية.

بعبارة أخرى، إن تحقيق الدنيوية يقترض، كما هو الحال بالنسبة للديمقراطية والعقلانية وغيرها، تذليل نفسية وذهنية الأقلية المغلقة. ويمكن رؤية البراعم الأولية لهذه العملية في مجرى الصراع العنيف ما بعد سقوط الصدامية وحتى اليوم. فقد كانت بدايتها زوبعة من هجوم الأقليات القومية والدينية والسياسية المتشكلة حديثا على السلطة و"مركز القرار". لكنه هجوم كان يحدده في الواقع، وبصورة غير مرئية، ثقل الأغلبية العراقية المغيبة لعقود طويلة. فقد أفرزت هذه العملية في بدايتها صعود التكتل الشيعي والكردي. ولاحقا جرى "استدراج" "السنة" إلى "العملية السياسية". كما أنها العملية التي أرجعت القوة الكردية خطوة إلى الوراء، تماما بالقدر الذي استثارت الطائفية السياسية السنيّة وفعّلت قوتها. كما أنها أهلكت القوى الصغيرة المتشكلة في عالم "الانتعاش الديمقراطي". وظهرت قوة هذا التفعيل في مجرى الصراع من اجل "إسقاط الجعفري" وتشكيل الوزارة الجديدة. وسوف تستمر هذه الصيغة الدائمة الوحيدة للمغامرات والمؤامرات. حيث نرى طبيعة ونوعية الاستقطابات المتجددة، والتي ترمي كل مرة بركلة قاسية "الاستحقاق الانتخابي" ليستعيض عنه "بالاستحقاق الوطني". وهو شعار أيديولوجي لا يمكنه الفعل بصورة واقعية وعقلانية، لأنه لا يمكنه الامتلاء بالواقعية والعقلانية ما لم يختمر في نفسية وذهنية التجارب المتراكمة للأغلبية.

فقد كان شعار "الاستحقاق الوطني" الصيغة الموازية لشعار "العلمانية"، لأنه حاول أن يجعل منه شعارا في الصراع من اجل "المحاصصة". وهنا تكون القوى قد قطعت الشوط الضروري الأول للإقرار بواقع الأغلبية والأقلية، رغم بعض مظاهرها المشوهة. من هنا انفراط "الوحدة المبدئية الصلبة" بين القوى العرقية الكردية و"القومية العربية" والشيوعيين! لقد اجتمعوا بمعايير نفسية وذهنية الأقلية وافترقوا بها أيضا. وبها أيضا يحاولون كل مرة الدخول من جديد إلى الوزارة! وهي التجربة التاريخية الأولى والكبرى لتذليل نفسية الاستعمال الأيديولوجي للأفكار الكبرى. وفيها يمكن رؤية آفاق العملية الفعلية للاستقطاب الاجتماعي اللاحق وتحقيق الأفكار الكبرى بما في ذلك فكرة الدنيوية.

فاتجاهها العام سوف يسير عبر إرجاع الأقليات القومية والطائفية والجهوية ومختلف نماذجها التقليدية إلى حدودها الطبيعية باعتبارها أقليات قومية أو طائفية أو جهوية. من خلال ذلك سوف تدرك هذه القوى حدود إمكاناتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية. وسوف تكشف هذه العملية عن قوة الأغلبية باعتبارها قوة اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية وليست شيئا آخرا. فالصفات الأخرى العالقة بالأغلبية هي صفات عارضة في مجرى بناء الدولة الشرعية. إذ يكفل هذا الطريق للجميع إمكانية تذليل فكرة الأقلية الضيقة والأغلبية المستبدة. بمعنى الطريق الواقعي والعقلاني لبناء الواقعية والعقلانية، ومن ثم الطريق الوحيد لتأسيس الدنيوية الثقافية والشرعية وليس الأيديولوجية المزيفة.

من هنا فإن مفارقة الدنيوية في ظروف العراق المعاصر تقوم في أن حملتها الفعليين من وجهة نظر التاريخ والمستقبل ليست "القوى العلمانية" المدعية، بل "القوى الإسلامية" (الشيعية)!! إذ لا عِلم حقيقي ولا عَلم عراقي عند أدعياء "العلمانية"، بسبب طبيعة الخراب الشامل للدولة والمجتمع والثقافة، وطبيعة الأزمة المرّكبة في الفكرة الوطنية (العراقية) والقومية (الجزئية). وفي ظل ظروف من هذا القبيل لا يمكن لأية قوة سياسية ادعاء تمثيل الفكرة الدنيوية أو غيرها من الأفكار الكبرى. وذلك لأن جميع الأفكار الكبرى في ظروف العراق الحالية هي في صيرورة جديدة. لهذا لا يمكنها أن تكون حكرا لأحد، كما انه لا معنى للادعاء بتمثيلها التام والشامل. أما تمّثلها الحقيقي فهو تجسيدها في منظومة متكاملة للدولة والمجتمع والثقافة والعلم. وهي عملية ترتبط من الناحية التاريخية بانجاز مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية والنظام الشرعي، ومن الناحية الاجتماعية بصيرورة الأغلبية القادرة على الاندماج الطبيعي بالعملية التاريخية المذكورة أعلاه. فهي العملية الوحيدة القادرة على تذليل الأبعاد الجزئية (العرقية والطائفية والجهوية) في الصراع من خلال رفعها إلى مصاف العام (الوطني العراقي).

إن الارتقاء إلى مصاف الوطنية العراقية الحقيقية هي إحدى المقدمات الضرورية والأولية في ظروف العراق الحالية لتأسيس الدنيوية. وفي مجراها فقط يمكن إيجاد النسبة المعقولة والمقبولة بين الدين والدنيا. ويمكن لهذه العملية أن تتكون عند القوى الاجتماعية الناشئة في ظل النظام الديمقراطي ومؤسسات الدولة الشرعية، أي القوى المتكونة في مجرى الاستقطاب التدريجي للقوى العقلانية عند الجميع من اجل صنع أغلبية تعي قيمة الدنيوية، بوصفها الصيغة التي تحفظ تكامل الجميع بمعايير المستقبل. أما الطرق الأخرى فإن مصيرها التقهقر والفشل. وذلك لأنها ليست فقط ضد واقع وديناميكية التحول التاريخي المعاصر في العراق وعلى الصعيد العالمي، بل ولأنها ضد منطق العقلانية والحرية بوصفه أسلوب الاستقرار والتقدم الاجتماعي الشامل. وهي عملية تتصف بقدر هائل من التعقيد، كما نرى ملامحه ومضمونه لحد الآن. لكنها مع ذلك يتبقى ظاهرة انتقالية لا تخلو من دموية واحتراب لا عقلاني بسبب تخلف الجميع وانهيار قيم الواقعية والعقلانية والنزعة الوطنية العراقية.

***

ميثم الجنابي

 

جواد بشارةومضة ضوء على حركة" الموجة الجديدة الفرنسية"

الكتابة عن السينما الفرنسية مهمة عسيرة رغم سهولتها الظاهرية ووفرة المصادر، خاصة عندما لا يكون هناك موضوع محدد نود الخوض فيه والكتابة عنه. فلا يمكن الإحاطة بالموضوع من كل جوانبه ببضعة صفحات لمقالة واحدة طلبتها مني المجلة، فهو يحتاج لمجلدات وكتب كاملة، لكي نتمكن من تقديم لوحة متكاملة عن السينما الفرنسية عبر مختلف المراحل التاريخية التي مرت بها وذلك من خلال استعراض التطور التاريخي والجمالي والاقتصادي لهذه السينما، منذ فترة النشأة بعد ولادة السينما، ومرحلة ما بين الحربين العالميتين ولغاية سنوات الستينات التي تتوجت بظهور حركة سينمائية شهيرة ونعني بها" الموجة الجديدة في السينما الفرنسية " التي سنركز عليها في هذه المقالة.

من الضروري والمبرر دائماً، وقبل الحديث عن أية حركة، أدبية أو فنية مهمة، الرجوع إلى المنابع الأصلية والتاريخية التي هيأت الأرضية الفكرية والمناخ الملائم لنموها وتطورها وانتعاشها ولو باختصار. فهناك أيضاً أسباب تاريخية واقتصادية وفكرية وثقافية عامة توفرت لنشأة الموجة الجديدة لا يمكن تجاهلها مطلقاً، لذلك ارتأينا المرور سريعاً على مجمل الحركات والتيارات الفكرية التي عصفت بالمناخ الفكري في فرنسا في أعقاب الحرب العالمية الثانية من خلال ما نتج من تجديد وإضافات جمالية في مجالات الأدب والمسرح والفلسفة والفن التشكيلي، وحتى في السينما، وعلى نحو خاص في الأدب الفرنسي وبالذات الرواية الفرنسية منذ العام 1945 وحتى العام 1958 وهو العام الذي أعلنت فيه رسمياً ولادة هذه الحركة السينمائية الشابة آنذاك، وهي موضوع هذه المقالة.

من الواضح أن السينما، كوسيلة تعبير فنية راقية ومتقدمة وعصرية مناسبة ومواكبة للنهضة العلمية السائدة في القرن العشرين، لها وظيفة، وكانت سلاحاً ذا حدين، وهي تعكس كل إرهاصات وملامح ومكونات الفترة الزمنية التي ظهرت فيها. ومنذ ما يزيد على ثلاثة أرباع القرن العشرين انطلقت السينما في غزو العالم والكشف عن الحقيقة أو تزييفها، حسب الظروف ومواقع الانتاج، واستمرت تبحث عن عوالم أخرى، إما واقعية فتعمل على كشفها وتعريتها، أو خيالية لتساهم في خلقها لتؤدي دورها في عملية التوعية أو التشويه والتخدير، وغالباً ما تكون عوالماً مجهولة أو فنطازية أو خيالية علمية.

وكما أشار إلى ذلك أنطوان فاليه، الباحث والناقد الفرنسي سنة 1963، استمرت السينما تلقي نظرة شاملة على الحياة ولا شيء يمكن أن يفلت أو يهرب من عين الكاميرا، فكل شيء مكشوف أمامها، ولا يخفى عليها سر، أنها تجول عبر الزمان والمكان، عبر القارات والعهود والحقب الزمنية، وفي دواخل النفس البشرية الوعرة والمعقدة، وفي الجو والفضاء البعيد، وفي أعماق البحار والمحيطات، لتثبت أنها الشاهد الوحيدة على حياة وتاريخ الكائن البشري.

وفي الفترة الواقعة بين الحربين العالميتين انبثقت في فرنسا، وفي أرجاء العالم الأخرى ايضاً، حركات ومدارس فكرية وفنية عديدة ضمن تيار فلسفي معاصر يحتويها جميعاً اتخذ عدة أشكالاً وصوراً ومسميات، إما فلسفة تشاؤمية أو منافستها الفلسفة المادية الديالكتيكية المعروفة بالمادية التاريخية، التي جاءت لتنقل الإنسان من العقل الخرافي إلى العقل العلمي، وتنتشله من حالة الضياع واليأس التي تلفه. انعكس ذلك في الرواية والقصة القصيرة والشعر وكثير من المسرحيات ذات النفس الجديد ومجموعة من الأفلام لترسم لوحة صافية وجلية لتلك الفترة الزمنية التي لم نعرفها ولم نعشها نحن الجيل الذي ولد ما بعد الحرب الكونية الثانية بعقد أو عقدين من الزمن. فتلك النتاجات كانت تعطي فكرة واضحة عما كان يسود العالم من أفكار وقيم ومعان وأخلاق عامة طبعت أجيالاً كاملة في فرنسا وبقية العالم الغربي ببصماتها. لكن ذلك لم يؤد إلى خلق أو إيجاد قوانين جديدة أو أنواع وأشكال وأساليب جديدة لوسائل التعبير، ولم ترفض القديم وإنما تعايشت معه واستنفذت طرقه ومعاييره. وحدها الحركة السوريالية هي التي أعطت دفقاً جديداً تطور إلى مدرسة عالمية فيما بعد اكتست أهمية تعبيرية وفلسفية بالغة الأهمية والتأثير على المستويين الاجتماعي والأخلاقي، ناهيك عن المستوى الإبداعي واكتسحت العالم. فبعد أن كانت قد بدأت ببضعة أشخاص لا يتجاوز عددهم العشرة، انفتحت على العالم واتسعت رقعتها حتى وصلت إلى كثير من البلدان وأصبح لها فروعها وامتداداتها في كل مكان في العالم، وصار لها أتباع ومؤيدون في جميع أنحار أوروبا وأمريكيا وآسيا وأفريقيا، واصبحت هذه المدرسة الفنية والفكرية الإبداعية شاهداً على عصرها ومرآة لحقبة زمنية غنية بالإبداع، لكنها بقيت محصورة في الأقلية وحكراً على النخبة المثقفة، بينما كان هناك، وعلى نحو مواز لها، حدث آخر على الصعيد الفلسفي والفكري له أهميته القصوى، ونعني به ولادة وانتشار اتجاه موازي هو الفلسفة والأفكار الوجودية وترجماتها الإبداعية. وهو اتجاه قاده مجموعة من المفكرين والفلاسفة والأدباء قاموا بنشره وتأثر به جيل من الشباب المندفع بشجاعة والمهتم بعمق بمآسي عصره ومشاكل ومصير مجتمعه الذي يحيط به. وفي الواقع إن الوجوديين قد شعروا بقوة وبصورة مبالغ فيها أحياناً، بحالات القلق العام والتشاؤم واللاتوازن التي أصابت مجتمعاتهم، ووجد الإنسان الفرد في الغرب نفسه غارقاً فيها كنتيجة حتمية من النتائج السلبية التي خلفتها الحروب، خاصة الحرب العالمية الثانية، على نفسية الفرد وما شاهده من فواجع ومذابح ومآسي وتدمير للرموز الحضارية التي بناها عبر معاناة طويلة وشاقة، وما أصابه من حالات تأنيب الضمير المرضية والشعور بالاحتقار والعزلة والخوف من المجهول، وثقل الآلة الرأسمالية الجشعة والمتوحشة وقيمها الاستغلالية . فقد كانوا يبحثون عن شكل آخر للعيش دون أن يجدوا الطريق الصواب، وقد ظهر ذلك، ليس فقط، في آثارهم ونتاجاتهم الأدبية والفنية، فحسب، بل وأيضاً في نمطية وشكل الحياة التي عاشوها والأخلاق البرجوازية التي أفرزها المجتمع الرأسمالي المتفكك.

وكان هذا التيار في فرنسا قد قاده الفيلسوف والكاتب الروائي والمسرحي جان بول سارتر والروائي الفيلسوف البير كامو والكاتبة سيمون دي بوفوار، وغيرهم كثيرون، وكان التيار الوجودي يبحث عن وسائل جديدة للتعبير عن نفسه ووجوده ودوره ويجذب وجوهاً جديدة للكشف عن هويته في محاولة منه للتكيف والتطبع والتأقلم مع حقبته الزمنية، فوجدوا في الفن، وفي الأدب على نحو خاص، ضالتهم، وفي الأفكار العدمية كفلسفة لهم. لذلك تراهم بحثوا وأوجدوا شكلاً آخر للرواية عرف بالرواية الجديدة، وفهم أو تفسير جديد للحياة المعاصرة كوجود عبثي بلا هدف ولا غاية تستحق المعاناة، وعلى الإنسان أن يعيش لحظته الحاضرة ليس إلا وأن يتشبث بحريته ويستميت دفاعاً عنها. وطالبوا بابتكار أسلوب جديد في الرسم، التجريدي على سبيل المثال، لا يخدم العقلية التقليدية للمتلقي، ولا يتناول المواضيع الكلاسيكية المستهلكة. وكما ذكر جان لورنس في كتابه" السينما وأزمة العصر" نقلاً عن المفكر بيرديائيف قوله:" إن تفكيري قد تخلى عن قناعاته السابقة وأخذ يؤمن بقناعة جديدة وراسخة بأن هناك فترة تاريخية بأكملها آخذة بالاختفاء والذوبان والانتهاء حتى الاضمحلال النهائي، وإن حضارة أخرى متكاملة ومتطورة ستتجاوزنا جميعاً آخذة بالظهور والانبثاق، فنحن على أعتاب عالم جديد لا نعرف ما ستؤول إليه الأمور فيه لاحقاً".

هذا لا ينفي ما لهذه الحركة الفكرية من تأثير هائل على الأوساط الفكرية والثقافية والفنية في المجتمع. الأدب كان أول المصابين بأعراض الوجودية والأدب السارتري شاهد على ذلك. فقد كتب جان بول سارتر مسرحية" الذباب" سنة 1945 ومسرحية" الشيطان والإله الطيب" و" الأيدي القذرة" و" سجناء التونا". ومن ثم نشر سارتر تحفته الفلسفية " الوجود والعدم" إلى جانب الكثير من الكتب والمسرحيات الأخرى والبحوث والدراسات التي طورت الوجودية وانتقلت إلى الفنون الأخرى وترجمت إلى العديد من لغات الأرض. وما حدث مع سارتر وشهرته التي طفقت الآفاق، حدث مع ألبير كامو صديقه وخصمه اللدود، خاصة بعد أن نشر روايته" الطاعون" سنة 1947 و" الرجل المتمرد"، وبشكل خاص بعد أن نشر روايته " الغريب" للتعبير عن حالة الغثيان والتشاؤم التي وصلت حدود اليأس وجسدت ذلك القلق الوجودي المؤلم أمام عبثية الحياة، إذ ليس أمام المرء سوى الانتحار أو الهروب إلى الأمام أو الثورة والتمرد. ومن نظرة سريعة على عناوين ما نشره هؤلاء نفهم محتويات رسالتهم الفكرية إضافة لما سبق نجد عناوين مثل، " الغثيان" و" المومس الفاضلة" و" ما الأدب" و" جان جينيه الكوميدي الشهيد" وغيرها لسارتر إضافة لكتبه وأبحاثه التنظيرية الفلسفية والسياسية عن الوجودية، وكامو الذي أصدر" أسطورة سيزيف" للدلالة على استحالة المقاومة واليأس. وكذلك " سقوط الحضارة". وفي مقابل هذا نما لون آخر من ألوان الأدب وهو الأدب الشعبي التقدمي الذي رافق عملية التطور التي أصابت الحركة العمالية في فرنسا في عام 1963 وهذا اللون من الآثار قد انتشر وتطور باتجاه الفلسفة الماركسية التي جاءت لخلق البديل وهذا ما اعترف به سارتر نفسه حين صرح " أن الماركسية هي الفلسفة المعاصرة الوحيدة".

أين السينما من كل هذه الحقيقية المجتمعية المهيمنة آنذاك؟ إنها لم تتحرك وبقيت منغلقة على نفسها وتقاليدها، أما أقطابها وأعمدتها المشهورين في تلك الفترة فهم، رينيه كلير، جان رينوار، مارسيل كارنيه، جاك بيكير، وجان كوكتو، جان غريمليون، الخ... فقد واصلوا على نفس مناهجهم الإخراجية الكلاسيكية التي اعتادوا عليها وأساليبهم القديمة المتكلسة عدا استثناءات كرينوار وكوكتو، يكررون نفس أساليب التعبير الفيلمية ونفس اللغة السينمائية التي استهلكوها في فترة الحرب العالمية الثانية وما بعدها ويكررون نفس الأفكار والمواضيع دون إضافة أو تجديد ومع الاحتفاظ لكل واحد منهم بأسلوبه المميز وشخصيته . فقد انضوت جهودهم وأعمالهم ضمن بناء واحد كان موجوداً منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى وعرف بسينما الآباء وخرج منه تيار استثنائي عرف باسم " الواقعية الشعرية" ظلوا يراوحون في أماكنهم دون الاهتمام بما يدور حولهم من تطورات وغليان فكري وتحولات عنيفة في المزاجية الجماهيرية وفي المحيط الثقافي والفني بشكل عام وما تفاقم، عشية الحرب العالمية الثانية وما بعدها، من مشاكل اجتماعية ووجودية وثقافية تمس أجيال كاملة من الناس.

عبر عن ذلك بوضوح الناقد السينمائي غي هينيبيل في كتابه " خمسة عشر عاماً من السينما العالمية" وهو يتحدث عن الحالة السياسية والاجتماعية في فرنسا في ذلك الوقت وقال:" أن وجودنا الوطني كان قد أثر وتأثر، منذ عام 1945، بخمسة أحداث مهمة:" إرث ومخلفات المقاومة، وصراع الطبقات، ونمو الحركة العمالية وطليعتها السياسية المتمثلة بتفاقم نفوذ وشعبية الحزب الشيوعي الفرنسي، مما عجل بقيام كثير من الاضرابات العمالية المشروعة المهمة. وبالطبع الهيمنة الأمريكية على مرافق الاقتصاد والثقافة والفن. والحروب الاستعمارية التي قادتها أمريكا وفرنسا ضد الشعوب الضعيفة والفقيرة. والعلاقة بالمستعمرات الأفريقية وحرب الجزائر. والعنصرية الخ.. " فماذا فعلت السينما وما كان موقفها من هذه الحقائق والمواضيع، وكيف نظرت إليها؟ لا شيء. فقد بقيت السينما الكلاسيكية بعيدة وغريبة عنها. ولو عددنا الأفلام التي عالجت أي من هذه المشاكل، من قريب أو من بعيد، لما تجاوز عدد أصابع اليد الواحد. إذن فالسينما هي الوحيدة، من بين جميع وسائل التعبير الأخرى، التي لم تساهم بشكل فعال في النهضة الفكرية، بسلبياتها وإيجابياتها، التي عمت فرنسا في الفترة التي امتدت حتى عام 1958، وهذا ما دفعها للولوج في داخل أزمة مميتة تفاقمت إلى الحد الذي بات من الضروري البحث عن البديل أو المنقذ للخروج منها خصوصاً بعد أن زادت الطين بلة مدرسة " النوعية الفرنسية la qualité française" التي خلفت " الواقعية الشعرية" وانتهت هذه الأزمة بعد الولادة الرسمية لمدرسة " الموجة الجديدة سنة 1958".

الولادة العسيرة:

كان الفيلم القصير وحده، الروائي والتسجيلي، له مساهمة متواضعة في جو التجديد وأتى بأفكار متطورة سيكون لها صداها في الأفلام الطويلة للموجة الجديدة، وكانت أفلام مثل " النقطة القصيرة" لأنيس فاردا 1954، و" السادة المجانين" لجان روش 1956، و" أنا أسود" لجان روش أيضاً 1958، و" جحا" لباراتيه 1958، وهناك على نحو خاص سلسلة الأفلام القصيرة التي أخرجها آلان رينيه " زيارة إلى لوسيان كوتود" و" زيارة إلى فيليكس لابيس" و" زيارة إلى هانس آرتونغ" و" زيارة إلى سيزار دوميلا" و" بطاقة شخصية لهنري كوتيز" و" نهار طبيعي أو زيارة لماكس آرنست" وهذه المجموعة من الأفلام هي مبادرة من المخرج الحديث والمجدد آلان رينيه عن حركة الفن التشكيلي التي اشتهرت في فرنسا وقد أخرجها جميعاً ابتداءً من عام 1947.

وبعد ذلك أخرج مجموعة من الأفلام القصيرة الطليعية المهمة عن الفن التشكيلي أيضاً صار لها سمعة وصيت عالمي وشهرة واسعة فيما بعد كفيلم" فان كوخ" و" غوغان" و" غيرنيكا لبيكاسو" و" التماثل تموت أيضاً " و" ليل وضباب" و" كل ذاكرة العالم" و" سر الأتلييه 51" و" أغنية شتيرن" مابين 1948 و1958، قبل أن يخرج فيلمه الروائي الطويل الأول وهو تحفته السينمائية الذائعة الصيت " هيروشيما حبيبتي " 1958 عن رواية لمارغريت دوراس التي كتبت سيناريو الفيلم وكان بمثابة إعلان رسمية " للموجة الجديدة" وأثار كثيراً من النقاش والجدل وقلب موازين التقنية السينمائية واللغة الفيلمية التقليدية السائدة آنذاك.

كان الجيل الأول من سينمائيو " الموجة الجديدة" قد تكون ما بين 1958 و1963، واقتحموا ميدان الإخراج بحركة عارمة حتى بلغ عددهم حوالي المائتي مخرج نفذوا خلالها ما يزيد على الأربعمائة فيلم متفاوتة المستوى. وهم ينقسمون إلى ثلاث تجمعات، الأول هو جيل 1958 – 1960، والثاني هو " جماعة الضفة اليسرى" (إشارة إلى الجانب الأيسر من نهر السين الذي يسكنه معظم أعضاء هذا التجمع الذي بدأ العمل بالأفلام القصيرة وله علاقة وثيقة بالأدب، وبالأخص حركة " الرواية الجديدة" حتى سميت أفلامهم " بالسينما الأدبية". والثالث هو جماعة التيار الواقعي (وهي تسمية غير صحيحة لأن أعضاء هذا التجمع لم يخرجوا أفلاماً واقعية فقط. التجمع الأول هو الذي يشكل الأغلبية التي هيمنت على هذه المدرسة الشابة ورسمت الخطوط الرئيسية للغتها وجمالياتها، وقد ضمتهم نواة واحدة تجذروا فيها وتفتقت فيها مواهبهم. وهذه النواة هي عملية " الكتابة السينمائية" التنظيرية، أو الكتابة للسينما وعن السينما، وممارسة النقد السينمائي. وهي مرحلة التكوين النظري والتثقيفي والمشاهدة المكثفة للأفلام في الصالات والمهرجانات، وفي داخل أروقة وحجرات التحرير في مجلة " كاييه دي سينما أو كراسات أو دفاتر السينما" وهي المجلة السينمائية النظرية التي نظرت لتيار الموجة الجديدة ونظرية سياسة المؤلف، ونتج عنها " سينما المؤلف" التي ماتزال آثارها موجودة حتى الآن في الكثير من الأفلام المعاصرة.

ومن المحفزات والعوامل الرئيسية التي ساعدت على نجاح هذه المدرسة هو التأثير الهائل للسينما الأمريكية عليها وخاصة من قبل بعض مخرجيها كهوارد هواكس والفريد هيتشكوك ونيكولا رايس، والكثير من الأفلام الإيطالية أيضاً بالإضافة إلى الظرف الزمني الملائم بعد انتكاسة السينما التقليدية " النوعية الفرنسية" وخسائرها التجارية المتكررة والمتراكمة، فاستغل قادة " الموجة الجديدة" هذه الأوضاع وأعلنوا معارضتهم للأسلوب البرجوازي لنمط الإنتاج المتهرئ . وكان وصول ديغول للحكم ومعه وزير الثقافة أندريه مالرو الكاتب والروائي والمفكر السينمائي، الذي شجع مادياً ومعنوياً الاتجاه الثقافي للأفلام ونوعية السينما الجادة التي تتميز بشخصية صانعيها، وأخيراً تأثر هذه المدرسة بظهور التيارات الجديدة في الأدب كالرواية الجديدة التي قاد لواءها الروائي والمنظر والمخرج السينمائي والسيناريست آلان روب غرييه، ومارغريت دوراس، الروائية وكاتبة السيناريو والمخرجة السينمائية، وفرانسواز ساغان وناتالي ساروت وغيرهم. وللمرة الأولى تهيأ لهم واقع ديناميكي قابل للتطور والتغيير بحرية نسبية مريحة ضمن إطار فورة ثقافية لا تنفصل فيها العوامل الموضوعية عن الذاتية، كالمضامين الجديدة التي دخلت سوق الاستهلاك وانتشار الموضات والاتجاهات الجديدة والتيارات المتعددة والانتعاش الاقتصادي في تلك الفترة التاريخية المتفجرة.

ركزت الموجة الجديدة بنيانها على أنقاض السينما التجارية التقليدية، التي بقيت تراوح في مكانها متخبطة في أزمتها بسبب ذلك التحول الحاد في نفسية وذوق المشاهد الشاب، على إثر التغييرات الاجتماعية التي عصفت بأوروبا الغربية وأمريكا على السواء، وعرف السينمائيون كيف يستغلون ذلك ويكسبون ود المشاهد المتلهف على كل جديد، وبهذا كانوا مؤهلين لقيادة التغيير في المحيط السينمائي والخروج به إلى أرض الواقع. وكانوا شجعاناً في مبادراتهم، واقبلوا على المخاطر اقتصادياً وفنياً، واصبحت مبادراتهم هي البديل الذي دعا إلى تحطيم الأطر والأسس القديمة وخلق سينما فرنسية حقيقية تعكس روح العصر وليعبروا من خلالها وبواسطتها عن أنفسهم بطريقة حرة وخلاقة.

لقد أشار المفكر والباحث الاجتماعي والمنظر السينمائي الفرنسي المعروف إدغار موران، في إحدى دراساته، إلى هذه الحقيقة واصفاً تلك الفترة قائلاً:" إن تحسن الأوضاع السكنية والمعيشية إبان فترة الانتعاش الاقتصادي 1955-1962، وتوسع المدن وظهور أحياء الضواحي المحيطة بها، وانتشار موضة التنزه على الدراجات النارية والبيتلز والحرية الجنسية، واختراع التلفزيون، هي عوامل أساسية في أزمة السينما التقليدية، وهي التي خلقت حالة من عدم التوازن بين نوعيات وحاجات مشاهدي السينما". وأضاف:" فالشباب والأطفال هم فئة الغالبية التي ترتاد دور العرض وقد استحوذت على مزاجيتها وذوقها وسائل اللهو والترفيه الأخرى وعلى رأسها التلفزيون الذي يقدم الثير من الأفلام مجاناً، وكان الخاسر الوحيد في هذه المنافسة غير العادلة هي السينما التي غرقت في حالة شبه إغماءه وتكلس، من هنا بات من الضروري البحث عن دماء جديدة لإنقاذها، تمتلك روحية المغامرة والتجريب وتوافق روح العصر وتهتم بمشاكل شبابه ومراهقيه، الآنية واليومية الملحة وبأساليب بسيطة وصادقة.

فلا الإنتاج الضخم ذو الميزانيات الكبيرة ولا الأسماء اللامعة الأسطورية التي فرضها نظام النجوم، كان كافية لإنقاذ السينما من مشاكلها، بينما كانت هناك أفلام بسيطة متواضعة في ميزانيتها تستقطب إقبال الجماهير وتنال نجاحاً هائلاً . وقد تمكن السينمائيون الشبان من تناول مواضيع محضورة في السابق ويعالجونها بجرأة واتقان، كمواضيع الجنس التي أصبح لها رموزها المشهورة والتي تحولت هي بدورها إلى نجوم كبريجيت باردو وبيرناديت لافون وجان مورو وآني جيراردو الخ.. اللواتي بدأن مع بدايات الموجة الجديدة. إن هذا المناخ هو الذي شجع كثير من النقاد للعبور إلى مجال الإخراج ومنحتهم الفرصة والوسيلة الملائمة للتعبير عن آرائهم النظرية وأفكارهم عن طريق الأفلام التي أخرجوها، ومعظمهم لم يتمكن من إخراج فيلم آخر ورجع إلى مجال الكتابة أو هجر السينما نهائياً.

وبأموال قليلة جاءت عن طريق الإرث أو المساعدة الحكومية، تمكن مخرجون من أمثال كلود شابرول وفرانسوا تروفو وإريك رومير وجاك ريفيت وجان لوك غودار وألكسندر أستروك وجان دانيال فالكروز وبيير كاست وآلان رينيه من إخراج أول أفلامهم الروائية الطويلة (يشكل رينيه الاستثناء وخصوصية شاذة حيث لم يتبع نفس سياق زملائه في صنع أفلامه رغم أنه مدين للموجة الجديدة لما وفرته له من أجواء ملائمة ومناخ إيجابي مكنه من تحقيق مشاريعه وتجاربه السينمائية الرائدة والتجديدية.

كان أول فيلم فرنسي فتح الطريق أمام الشباب السينمائي هو فيلم " وخلق الله المرأة" من إخراج روجيه فاديم سنة 1956 الذي أحدث ضجة وفضيحة بجرأته، وأثار عاصفة نقدية من حوله فمنهم من اعتبره فيلماً ساذجاً وتافهاً في مضمونه، ومنهم من اعتبره محاولة شجاعة وجريئة للخروج من وراء قضبان التقليد وطرق مواضيع أخرى أكثر حياة وحيوية. بينما كان الفيلم الفرنسي التقليدي من " أفلام النوعية الفرنسية" يواجه صعوبات جمة للوقوف على قدميه رغم كونه يعج بأسماء نجوم تربعت على قمة النجاح لسنوات طويلة مثل فرنانديل وجان غابان. كان الفيلم الجديد ينال الاهتمام والتقدير كفيلم " العشاق " من إخراج لوي مال، وفيلم " سيرج الجميل" من إخراج كلود شابرول وفيلم " الأربعمائة ضربة" من إخراج فرانسوا تروفو، وفيلم " على آخر نفس أو اللاهث أو النفس الأخير" من إخراج جان لوك غودار، و" هيروشيما حبيبتي " من إخراج آلان رينيه،، و" السعادة" من إخراج آنييس فاردا، وفيلم " صمت البحر" لجان بيير ملفيل وغيرهم كثيرون، لم يبق أمام المنتجين والموزعين وأصحاب دور العرض، سوى الالتفات لهؤلاء الشبان وتكليفهم بعمل الأفلام التي يريدون صنعها وكانت فترة انتعاش حقيقية في عمر السينما الفرنسية لم تشهد لها مثيل من قبل.

ونلاحظ أفول أسماء كبيرة كانت هي المهيمنة على مصير الانتاج السينمائي في فرنسا مثل كلود أوتان لارا ورينيه كليمونت وإيف أولغريت وغيرهم.

بعد مرور أربعة أعوام على ولادة هذا الحدث الذي اختلفت التسميات حوله، فمنهم من أطلق عليه مدرسة " الموجة الجديدة"، ومنهم من اعتبره مجرد تيار سينمائي عابر، فيما اعتبره آخرون ووسموه بأنه حركة سينمائية راسخة الجذور والأركان والأسس. بعد هذه الفترة القصيرة من الزمن صرخ جان لوك غودار، الذي بدأ ناقداً في مجلة كاييه دي سينما ومخرجاً لأفلام قصيرة، صرح قائلاً :" بأننا، كادر مجلة كراسات السينما، نعتبر أنفسنا مخرجي المستقبل وإن مجرد ترددنا على السينماتيك ونوادي السينما هو بحد ذاته عمل سينمائي، والتفكير بالسينما هو عمل في السينما ومن أجل السينما وبطريقة السينما، حيث أننا نعتبر الكتابة للسينما بمثابة عمل سينمائي صرف وإن ما بين الكتابة والإخراج هناك اختلاف طفيف في الكم لا في النوع، والناقد الصرف الوحيد لذي كان بيننا وبقي ناقداً سينمائياً فحسب هو أندريه بازان، أما الآخرين فهم إما مؤرخون أو باحثون اجتماعيون أو أي شيء آخر عدا أن يكونوا نقاد أبداً "...وفي نفس الفترة صرخ فرانسوا تروفو :" بأننا لا نشكل مدرسة وليس بيننا أية قواعد أو طرق أو اساليب مشتركة سوى عامل واحد هو الثورة على الأساليب التقليدية والبحث عن الجديد وأعتقد بأننا اقرب إلى الحركة من إلى المدرسة"..

وكثيرون هم الذين اتفقوا معه في هذه الطروحات وساندوا هؤلاء المندفعين لفن السينما والعاشقين لها حد الهوس، والذين غيروا مجرى تاريخ هذا الفن في فرنسا وقادوا نقطة التحول الحاسمة في حياتها بحماسهم واخلاصهم وتفانيهم وجرأتهم واندفاعهم الذي فجر قوة خلاقة ومبدعة قادرة على الالتزام بما خططته والمضي بهذه المغامرة الفنية والاقتصادية غير المأمونة العواقب وذلك بتناولهم موضوعات ليس لها علاقة لا من قريب ولا من بعيد بما كان سائداً ومتعارفاً عليه في الوسط السينمائي الذي يقوده السينمائيون القدامى. كانت مواضيعهم معاصرة وساخنة وجدلية وجريئة وآنية تهم الشباب والمراهقين وأزمات الساعة، وتتقمص روح العصر بنفس جديد. إنها تتحدث عنهم ومعهم وإليهم وتطرح أمامهم مشاكل الضياع واليأس واللامبالاة والحرية الجنسية والعلاقات العاطفية وحالة القرف والفراغ النفسي والاستلاب والتغريب والعبثية، باختصار، كل ما عبرت عنه الفلسفة التشاؤمية بجذورها الوجودية . كل هذه الأبعاد طرحت داخل قوالب ومواضيع وقصص مغرية وجذابة.

وعند ظهور عوامل اقتصادية وسياسية مواتية لدعم هذه الحركة من خلال صدور قانون المساعدة الحكومة للإنتاج السينمائي سنة 1959، نهضت هذه الحركة بقفزة كبيرة إلى الأمام بإعطائها الفرصة لمن لم يتمكن لغاية ذلك التاريخ من إخراج أول فيلم روائي طويل له وكان دور المركز الوطني للسينما كبيراً وكان رئيسه آنذاك هو جاك فلو في عهد وزارة أندريه مالرو صاحب رواية ومخرج فيلم " الأمل" عن الحرب الأهلية الإسبانية. وفي نفس الوقت تواجدت على الساحة السينمائية في فرنسا نخبة من المنتجين الواعين والمحبين للمغامرة كأصحاب شركة بلياد وشركة آركوس وظهور صفة المنتج المستقل الذي له الفضل الكبير على سينمائيي الموجة الجديدة من أمثال برومبيرجيه وبروغارد وماران كارميتز المنتج وصاحب سلسلة دور العرض الطليعية " الفن والتجربة MK2، ممن دعموا وشجعوا هذا الجيل الشاب من السينمائيين في ذلك الوقت إلا أنهم أصبحوا كلاسيكيي اليوم بعد أن استرجعوا بعض اساليب الانتاج في السينما التقليدية وتكيفوا مع نظام النجوم إذ خلقو بدورهم نجومهم الخاصين مثل جان بول بلموندو وجان مورو وبريجيت باردو وجان كلود بريالي وجان لوي تريننتنيان وغيرهم كثيرون وهكذا سقطت هذه الحركة في نفس الفخ الذي خلقت من أجل إزالته وتهديمه وانتهت رسمياً على لسان مؤسسيها سنة 1963 رغم أن روادها ما يزالون يواصلون عملهم في السينما على شكل انفرادي وكل واحد منهم يمتلك شركة الانتاج الخاصة به التي تنتج أفلامه وحده فقط مع بعض الاستثناءات كحالة آلان رينيه وجان لوك غودار الذين بقيا مخلصين لمبادئ ومنهجية رؤيتهما السينمائية التجديدية وواصلا عمليات البحث والتجديد والتجريب وإثراء اللغة السينمائية على صعيدي الشكل والمحتوى وقد توفي أغلب رواد الموجة الجديدة كفرانسوا تروفو وآلان رينيه وجاك ريفيت وكلود شابرول وإريك رومير ومارغريت دوراس .

 

د. جواد بشارة

 

 

أولا: كيف يمكن ربط القوة بالعدالة بطريقة طردية وليست عكسية؟

يحيلنا هذا التساؤل لموضوع الغاية، فالغاية من العمل تحدد مساره وأهدافه، وتخلق الدوافع باتجاه التطبيق، فحينما تكون الغاية من امتلاك القوة هو التسلط والهيمنة والفرعنة، فان العلاقة تكون عكسية والآليات المستخدمة لامتلاك القوة والأدوات خارج نطاق الإنسانية والقانون والمبادئ الأخلاقية والمعايير القيمية.

بالتالي تكون النتيجة عدم العدالة والاستبداد. لأن القوة أصبحت بذاتها هدف وغاية مطلوبة بذاتها لتحقيق الهيمنة، هذه الغاية داخل إنسانية، بمعنى أن الإنسان قد لا يبدي خارجيا أي سلوك يدل على أنه شخصية سلبية، لكن غايته لامتلاك القوة تكون اهدافها سلبية لا تحقق اي عدالة.

فالنية داخلية لا يمكن الاطلاع عليها، لكن ما يوضح هذه النية لاحقا هو السلوك والآليات المستخدمة من قبل هذا الإنسان، فمجرد أن تكون نيته سلطوية فرعونية سيتضح بالأعم الأغلب ذلك من الأدوات والمناهج التي توسلها ليحقق نيته.

وهنا يأتي دور النخبة الحية، وهي تلك النخب التي تمتلك ضميرا حيا حساسا لكل انحراف، منضبطة بمنظومة معايير أخلاقية وقيمية محورها السماء و فاعليتها عقلية منطقية، هذه النخبة الحية وظيفتها كجهاز كشف مبكر، أي كرادار يلتقط الصورة مبكرا قبل وصول الشخص لهدفه، فتستطيع إفشال وتعطيل حركته نحو هدفه لمنعه من تقويض العدل وإشاعة الظلم.

لذلك لابد للعدالة من قوة لكنها قوة أداتية وليست غائية، أي هي تطلب كأداة وليست كغاية، وعندما تصبح القوة أداة والغاية تحقيق العدالة من خلال هذه الأداة والوسائل والأدوات والمناهج، لا تخرج عن ميزان العدل والعدالة، فإن العلاقة هنا تصبح طردية، كلما تمكنا وأصبحنا أقوياء كلما تمكنا من تحقيق العدالة، بميزان عادل.

وامتلاك القوة خاضع لمعطيات الزمان والمكان في تحديد مصاديقها ونماذجها وأدواتها، لكن هناك ميزان ثابت يحكمها، هو أنها قوة بالعرض وليست بالذات، أي هي بالوكالة وليست بالأصالة، فإن حققنا شروط الأصيل علينا كوكيل، تحققت استمراريتها وتوطدت في الأرض العدالة وضربت بجذورها أرض الإنسانية جمعاء.

وبمجرد تبدل نيتنا كوكلاء لامتلاك القوة لتصبح بذاتها مطلوبة، فإن ديمومتها مشكوكة وغير محققة، وسنصل بعد ذلك لانسداد تطبيقي تنقلب بعدها الموازين ضد استبدادنا بهذه القوة، لتعيد للسنن الإلهية مسارها التاريخي نحو تحقيق العدالة. فتنهار القوة، أمام مقاومة النخب الحية الحساسة، التي ستعيد رسم معالم القوة وغاياتها، وتوجه مسارها نحو العدل الاجتماعي لا الطغيان.

فنحن دوما في صراع بين علاقتين فيما يخص القوة والعدالة:

علاقة عكسية بحيث كلما ازدادت القوة غابت العدالة، وتحقق الاستبداد والطغيان، وهذه معالمها :

-  النية بعيدة عن قيم السماء، لأن منظومته الاجتماعية وعناصرها ثلاثية وفق توصيف الشهيد محمد باقر الصدر[1]، إذ لا وجود للبعد المعنوي المتمثل بالله، في ضبط كل أبعاد علاقته مع الطبيعة ومع الإنسان، فيكون هو كإنسان محدود، المحور في التقنين والتشخيص والهيمنة (مثل أعلى منخفض).

- الأدوات والمناهج خارج قانون العدل والصلاح.

- القوة غاية وليست وسيلة، بحيث يعتبر نفسه رغم فقرها وضعفها هي الأصيل وليست الوكيل.

علاقة طردية بحيث كلما تحققت القوة تحققت العدالة وهذه أبرز معالمها :

- النية منضبطة وفق معايير السماء، حيث تكون منظومته الاجتماعية وعناصرها رباعية وفق تصنيف الشهيد محمد باقر الصدر، حيث الله هو العلاقة المعنوية الضابطة لكل العلاقات، ( مثل أعلى مرتفع).

- الأدوات والمناهج تكون في دائرة الضبط الإلهي في صلاحها.

- القوة وسيلة لتحقيق العدالة، وليست غاية بذاتها، ويدرك محقق هذه القوة أنه الوكيل وليس الأصيل.

فنحن هنا أمام علاقة تربط القوة بالعدالة، لكن كيفية الربط تعتمد على الغاية من امتلاك القوة أي الدافع (النية) الذي ولّد هذه الغاية، وجعلها إما هدفا بذاتها أو وسيلة، ووفق هذه الدافعية والجعل الذاتي يتم رسم معالم طريق العدالة، فإما طريق مقطوع مانع لتحقيقها، وإما طريق معبد لازدهارها.

العلم والدين والمقدس:

العلم هو مصداق من مصاديق القوة، فنحن في صراع أدمغة وصراع غايات، بين تسخير العلم واكتشاف الطبيعة كوسيلة لخدمة الانسان، وبين الهيمنة على الطبيعة وجعل العلم غاية للهيمنة على البشرية وإخضاعها لموازين القوى القوية علميا، لأن العلم بات ينتج الأدوية والأجهزة والتكنولوجيا والتقنيات بكافة أشكالها ومن ضمنها الحربية والعسكرية، والأسلحة، لذلك الصراع اليوم قائم على قوة العلم وغايات امتلاك هذه القوة، وكيفية تقديم نموذج حضاري لا يتعارض فيه الدين مع العلم، ليس فقط على مستوى التنظير بل على مستوى التطبيق، وبعيدا عن الأساطير والخرافات والأوهام.

فعلى سبيل المثال يجسد سوبرمان التخلي عن مسؤولية التفكير، وفي جانبه البطولي، يظهر هذا التخلي من خلال شخصية سوبرمان الأحادية، وبالطريقة التي يختزل فيها العدالة إلى محض شأن للقوة، وبادعائه، من دون تعليم أو خبرة، " بالمعرفة الخالصة حول كل شيء[2].

وفي ذات الوقت تمثل بعض الرموز وخاصة الدينية مصدر إلهام وقوة للمؤمنين بها، وهو ما لا ينكره شخص حول أهمية الرمز الديني في بث الفاعلية والانفعال العاطفي خاصة في نفوس الناس وأثره الاجتماعي، وإضفاء جو من الطمأنينة الخاصة فرديا والعامة اجتماعيًا، تحقق الاستقرار الفردي والاجتماعي خاصة في الأزمات الفردية والاجتماعية وعلى مستوى الدولة، ولكن فهم هذه الرموز وطريقة توظيفها ووظيفتها وحدود هذه الوظيفة بقي جدلا معرفيا عبر التاريخ.

فالانفعالات الدينية تظهر عندما يرتبط الأفراد انفعاليا بالرموز الدينية في سياق مجتمع ديني.. فالدين يتضمن أشياء مقدسة عديدة مفعمة بدلالة انفعالية، فالرمز يمتلك بذاته عظمة عميقة، كونه صلة رمزية وروحية للاتصال بالسماء. لكن تحويل هذه الرموز إلى مراكز قوى خارج إطارها المعنوي الديني، وإدخالها في نظام الأسباب والمسببات، ومبدأ السببية الذي أوجده الله في الكون، كجهة وحيدة مهيمنة تغني الإنسان عن الأخذ بالأسباب الطبيعية كقوة خارقة، هو تشيئ مادي سطحي، منشأه الكسل العلمي من جهة، والتخلي عن المسؤوليات العظمي في مواجهة التحديات الكبيرة التي يواجهها الإنسان في عالم الدينا.

فلا يمكننا الاستغناء عن الرموز الدينية لدورها الفاعل والحقيقي على مستوى الفرد والمجتمع، وهو دور معنوي بامتياز، يربط الإنسان بالله، ويبث في روحه الطمأنينة والتسليم، من خلال ما يمثله الرمز من صورة ومنهج وطريقة يلجأ لها الإنسان للاعتبار والاتباع ويستمد منه القوة والثبات، ويعطيه البصيرة في كيفية السير في هذه الدنيا، وكيفية توظيفها باتجاه القوة العادلة.

فلا يمكن للرمز الديني أن يتدخل أو يأخذ دور العلم الطبيعي، إلا في حدود التوجيه العام الذي يدعم مسار العلم، ولا يمكن للعلم الطبيعي أن يتدخل في الدين ودوره ودور رموزه وأيقوناته إلا في حدود ضيقة، هي حدود يكمل فيها كل منهما الآخر، ويدعم كل منهما مسيرة الآخر، فالمنبع لكليهما واحد، ولكن المنهج مختلف كاختلاف الحكم لاختلاف الموضوع، مع توافق الجوهر بينهما.

وبغية التحليل الأكثر دقة للأهمية الانفعالية للعلاقات بين الرموز والفئات الاجتماعية، فإن هناك مصطلحين هامين في هذا الحقل هما التقديس (consecration) والاستلهام (insignation). ونقصد بالمصطلح الأول العملية التي بمقتضاها يشرع مجتمع ديني و / أو نخبة شيئا، شخصا، رمزا، شعيرة الخ بوصفه علامة دينية تربط المجتمع وتساعد على تحديد هويته، ويؤدي القادة الدينيون الرسميين واللارسيمين دورا مهما في التقديس، فإن الرموز بمجرد تقديسها تنشئ قوتها الخاصة، وهو ما قد يحقق في النهاية توازنا مع قوة القادة أو يفوقها – القادة الذين تصبح قوتهم آنذاك مشروعة بواسطة الإشارة إلى تلك الرموز. والرموز المقدسة إنما تساعد على تحديد النظام الانفعالي للجماعة الدينية، والعمل بوصفها نقاطا لبؤرة انفعالية، وتوصل معايير الانفعال الخاصة بالمجتمع، وتحديد هوية الجماعة. أما الاستلهام عملية يتحرك بمقتضاها أي مجتمع ملهم برمز ديني؛ أي هو العملية التي بمقتضاها يعاد تقديم الرموز واقتراحها.[3]

وعملية ترميز المقدسات سواء كانت أماكن أو شخصيات، عملية يتولاها غالبا قيادات دينية، هذه القيادات تستمد قوتها ونفوذها من المجتمع ومدى تفاعله معها، ليشكل تفاعل المجتمع معها قوة يمكن استخدامها بطريقة مزدهرة أو متقهقرة في فهم الدين والمقدسات. وقد يكون بعض القادة الدينيين يخضعون في توجههم ومعقتداتهم للعوام، كون العوام هي السلطة التي يستمد منها هؤلاء مركز القوة، لتمكينهم من فرض رؤاهم وقراءتهم للدين والمقدسات. ولذلك تتسم أطروحاتهم بالشعبوية بشكل عام، وتتداخل في كثير من الأحيان مع تخصصات العلوم الطبيعية من خلال مبدأ السوبرمان. وهو مبدأ مخيال شعبي لمعنى القوة، وفاعليتها الخارجية دون الحاجة لإبراز جهد عقلي وجسدي في سبيل الكشف عن الواقع ومواجهة الإشكاليات التي يواجهها المجتمع والدولة، سواء مشكلات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو صحية.

رغم أن دور المقدسات والرموز الدينية دور فاعل جدا ومهم في بعث الانفعال الديني والإنساني، وفي تشكيل مفهوم الصبر الاستراتيجي والثبات والاستقرار الفردي والاجتماعي وفي الأزمات الكبرى والصغري، الفردية والاجتماعية، على مستوى دولي أو إقليمي أو عالمي. إلا أنها لا يمكن أن تأخذ دورا شموليا يغني عن الأدوار والوظائف الأخرى، ولا أنها كالعصاة السحرية والسوبرمان في فرض الحلول الخيالية أو حلول بالقوة. هي غالبا تبعث الروح والانفعال العاطفي وتوظف الضوابط القيمية والأخلاقية، وتخلق روح المسؤولية الفردية والاجتماعية في مواجهة الأزمات، وتوائم بين الحلول المادية والمعنوية التي تحقق التوازن العادل للفرد والمجتمع والدولة والعالم. فهي أحد أطراف العلاج والحل في بعده المعنوي الاستراتيجي الفعال، الذي يفعل البعد الرابع في عناصر المجتمع وهو العلاقة المعنوية الضابطة للعناصر الأخرى، دون أن تعطل دور العقل والعلم في مواجهة التحديات كافة على مستوى الفرد والمجتمع والدولة والعالم.

كورونا والدين والمقدس:

ومع وباء كورونا COVID19 برز مجددا جدل العلم والدين والمقدسات، والعلم والأخلاق في التعاطي مع الإنسان في الأوبئة.

فإذا حكمته معايير الأرض تجعله مجرد شيء وسلعة يتم التعاطي معها وفق فائدتها المادية، فهنا تصبح القوة غاية تتحكم بمصير الإنسان بغياب العدل، لأن أصحاب النفوذ هم أصحاب القرار، وهو من يمتلكون قوة العلم والتنفيذ والتقنين، بالتالي يصبح مصير الإنسان المشيئ، مصيرا عرضة للانتهاك والظلم.

وإذا حكمته معايير السماء (وفق نظام الإنسان المتأله) وهي معايير جامعة بين الأرض والسماء (مادية ومعنوية)، تم التعاطي مع الإنسان كإنسان له حق عام وعليه واجبات أيضا. لأن القوة هنا وسيلة لتحقيق ميزان العدل، وإعطاء كل ذي حق حق، فيصبح من يملك القوة والنفوذ والعلم والتقنين، يستخدمهم وسيلة لتحقيق العدل، ورفع البلاء، والظلم وفق معايير منضبطة.

‏المعايير المادية العلمية في الأوبئة تعطي كل التحذيرات والتعليمات، وتشخص كل المحاذير التي على الانسان اتخاذها لحماية نفسه من المرض، وتشخص بعد ذلك من خلال العلوم الطبيعية الدواء، أي التشخيص هنا واكتشاف الدواء وتفاصيل العلوم الطبية هي بيد العلم، وتطبيق هذه المحاذير والعلاج يكون بيد الإنسان واختياره، فتأتي المعايير السماوية لتفرض حقوق للجميع بالتساوي في موضوع التداوي من جهة، وتفرض واجبات على الجميع في موضوع وجوب الالتزام بإرشادات المختصين من الأطباء لعدم انتشار الوباء من جهة أخرى، فتحمل الإنسان مسؤولية أخلاقية وشرعية، وتعتبره مأثوما إن خالف، أي هي تمارس دور الرادع الذي يدعم مسيرة الأطباء العلاجية، دون أن تتدخل في منهجهم الطبي أو تشخص العلاج.

فالدين هنا لا يتدخل في العلم ولكنه يسانده ويدعمه ويأنسنه أكثر، والمقدسات هنا دورها كمحددات للهوية وملهمات للمنهج، تبث الأمل وتثبت دعائم الإيمان وتدفع باتجاه الأخذ بالأسباب، وتربط الإنسان بالسماء ليستمد قوته وثباته منها بوسيلة مهمة هي الصبر والثبات، مما يزيل حالة الهلع، ويثبت دعائم الاستقرار على مستوى الفرد والمجتمع والدولة، ويخفف من الضغط النفسي الفردي والاجتماعي، بالتالي يخفف من الضغط على الدولة، ليشيع حالة من الهدوء العام تستطيع فيها الجهات المختصة والمعنية، تدعيم مسيرة امتلاك القوة لتحقيق العدل والعدالة

فهي من جهة تحمي الإنسان وحقه في الحياة وتمنعه من التهاون بهذا الحق، وتحمله مسؤولية حياته وحيوات الآخرين، وتضع له معايير شرعية في كيفية التعامل مع الوباء، ومن جهة ثانية لا تتدخل في عمل الطبيب وتشخيصه ومنهجه في العلاج، إلا من ناحية المعيار الأخلاقي الذي يوجب على الطبيب حفظ حيوات كل الناس دون تقصير، ووفق سعته وطاقته حتى لا تحمله مالا يطيق، فتكون جامعية بين معايير الإنسان ومعايير الله في طول بعضها البعض، فلا الغاء لعقل الانسان، و لا إلغاء لمعايير السماء وأحكامها التي تحفظ تحقيق العدالة، فهي تحمي تفكير الإنسان بمعايير الله لتحقيق العدالة وعدم الظلم وامتلاك قوة منضبطة كوسيلة لتحقيق هذه العدالة لأن:

‏" كلا إن الإنسان ليطغى".[4]

وعاد إلى السطح مجددا مع وباء كورونا أيضا، جدل الأخلاق والبعد الإنساني في كيفية مواجهة الوباء، خاصة حينما تصبح إمكانيات الدولة الصحية محدودة أمام عدد كبير من المرضى الموبوئين، فهل يحق للطبيب أن يمنح علاج لمريض ويمنعه عن مريض بحجة سن المريض؟ الحق بالحياة هو حق الجميع دون تمييز.

وحق العلاج هو حق للجميع دون تمييز، وواجب الطبيب هو واجبه اتجاه كل المرضى دون تمييز، فالحياة منحة الله للإنسان ولم يعط لأي جهة حق سلبها إلا في حالات محددة، أهمها إذا قتل إنسان متعمدا إنسانا آخرا وسلبه حياته، فيكون عقابه هو سلب الحياة وفق شروط لهذا الحكم جدا دقيقة وصعبة ليس محل نقاشها هنا.

هنا يتدخل الدين في تطبيق العلوم الطبيعية وأدوات تطبيقها ليحفظ ميزان القوة العلمية ضمن معيار العدالة، ويكون دور المقدسات الدينية خاصة الرموز منها دور محدد للهوية التي تتشكل من منظومة القيم والمعايير والثقافة، ودور آخر هو ملهما للمنهج والمسار الأقرب للعدل، من خلال سيرة هذه الرموز ومنهجها وتاريخها لا من خلال تشييئها وتحويلها لقوى خارقة خارج نظام السببية الإلهية، تعميقا للكسل والتخدير الديني، والتخلي عن المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية والعلمية اتجاه الفرد والمجتمع والدولة.

أي أن جدل العلم والأخلاق واقعا هو ليس جدلا، بل هو توزيع أدوار، فالعلم يشخص ويعالج ويكتشف، والدين يضبط ويدفع للالتزام والتطبيق، ويتدخل في حالة الطغيان العلمي واستخدام القوة العلمية في استعباد الإنسان ليمنع الاستعباد ويوظف العلم والقوة كوسيلة لتحقيق العدالة وليس غاية بذاتها.

‏لا يمكن للوباء أن يكون حجة في سلب حق إنسان في الحياة، ولا حجة ليسلب منظومتنا القيمية والمعيارية والإنسانية، خاصة مع وجود احترازات كثيرة يمكننا القيام بها تحمينا من الوباء بنسبة ٩٠٪، ومع تسليمنا بمشيئة الله التي ستتحقق إذا كانت حتمية حتى مع أخذنا بالاحترازات والوقاية.

هذا التسليم الذي يحقق السلام الفردي والاجتماعي، ويخفف من الهلع والخوف، ويخلق بيئة اجتماعية وفردية آمنة من وباء الخوف التوتر، ومن وباء الكسل، ويدفع الإنسان لمزيد من العمل والأمل، بعيدا عن هواجس الموت والرحيل، ف "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا"[5]، تندرج تحت التسليم الآخذ بالأسباب، الذي يأخذ بالأسباب ويسلم أمره لله، الذي يعقل ويتوكل، وليس الذي يرمي نفسه في التهلكة ويدعي إن أصابه شيء أنها مشيئة الله، فمشيئة الله وقضاؤه وقدره لها بعدان، بعد حتمي لا مفر منه، وبعد غير حتمي تغييره باختيار وإرادة الإنسان. كحال الذي يتصدق ليدفع البلاء، فهل هو لا يسلم لأمر الله، أم هو يأخذ بالأسباب لدفع البلاء المقدر؟

إذا التسليم هو حركة إيجابية باتجاه الأخذ بالأسباب مع التسليم لله وأمره، وليس التسليم هو ترك الأسباب ورمي النفس بالتهلكة.

ولا وظيفة الرمز المقدس التعطيل، بل دوره الدفع باتجاه العمل، وامتلاك القوة والاستلهام الإيجابي من شخصيته لمعالم تلك القوة، لتحقيق العدل الذي سعى هو بنفسه لتحقيقه.

‏ما يحدث يعيد سؤال الإيمان بالله ودور المقدس، وأثره على السلوك الإنساني كضابطة تحكم مسارنا في هذه الدنيا، الإيمان بالله الذي يبدل مسار تفكير الانسان وبالتالي يجعل سلوكه أكثر حضارية وإنسانية، شريطة أن يكون هذا الإيمان دافع للحياة وحب الناس ولفيض الرحمة من القلب، وليس سلاحا بيد الطغاة والمتطرفين، ولا بيد من يسعى لامتلاك قوة حضورية لشخصه يستمدها بالاسترزاق باسم الدين، ليكسب ود عوام الناس بتبني ثقافتهم الشعبوية حول الدين والمقدس، فيحقق لوجوده حضورا مزيفا بالتخدير الديني، ويكون قاطع طريق أمام عقولهم ومخدرا لهم، ومعيقا لامتلاك القوة المحققة للعدالة.

هذه إطلالة سريعة تحتاج مزيدا من التنقيح والتعميق والبحث، لكن تسارع الحدث، وتساقط أوراق التوت عن وجوه كثيرة لعبت بعقول الناس باسم الدين، دفعني لعمل إطلالة قد تكون أفكار لاستثارة العقل والنقاش ولمزيد من التعميق في الفكرة والسؤال.

 

كتب: إيمان شمس الدين

..................

[1] لمزيد من التفصيل انظر/ي: المدرسة القرآنية، عناصر المجتمع

[2] نظام التفاهة / د. آلان دونو / دار سؤال للنشر / ط ١ ٢٠٢٠/ ص ١١٦

[3] سيسيولوجيا الانفعال الديني، أولي ريس وليندا وودهد، ترجمة ربيع وهبة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط ١، ٢٠١٨ بتصرف

[4] العلق - ٦

[5] التوبة،٥١

 

اسعد شريف الامارةلا بد هنا من وقفة أسجل فيها وقائع تبين مقدار الهلع وحالة الفوبيا الجمعية لسكان الكرة الأرضية باسرها من هذا الفايروس المعدي، وسيكون مدخلنا باتجاهين: الأول: نفسي، والآخر: إجتماعي يخص موضوع السلوك الجمعي، وهي مادة تدرس لطلبة علم الإجتماع، وصدر لي فيها كتاب بعنوان: مقدمة في السلوك الجمعي في العام 2019، وهو مدخل علمي أكاديمي لدراسة الظواهر الإجتماعية – النفسية ذات التأثير المباشر على العقل الجمعي، مثل انتشار الشائعات والمودة، والبدعة، والهوس والهلع وموضوعات أخرى يتناولها هذا الموضوع المهم في حياة الناس، وسنتناول حالة الهستيريا بفعل تاثير الفايروس، وكذلك معالجات لوبون لهذه الظاهرة الواسعة الانتشار.

إن حالة فايروس الكورونا هي حالة هستيريا جماعية تعم المجتمعات الإنسانية باسرها الان فضلا عن التضخيم والمبالغة في تهويل المرض والشائعات المصاحبة له. لو تساءلنا ما هي الهستيريا كحالة؟ وماهي الفوبيا"المخاوف المرضية" كحالة؟ لا نعني هنا الاضطراب بعينه، وإنما الهستيريا كحالة ناجمه عن موقف، وكذلك الفوبيا"المخاوف" كحالة ناجمة عن موقف بعينه، كما هو القلق حينما يكون حالة، وحينما يكون اضطرابًا، هنا علينا أن نفرق بين قلق الامتحان كحالة ناجمه عن الامتحان نفسه، بينما القلق كاضطراب فهو حالة مستمره توسم الشخص بانها شخصية قلقة، وتصنف بالقلق المرضي، وصدق "سيجموند فرويد" حينما قال: أن القلق هي المادة الخام لكل الامراض النفسية، نعم يثير فايروس الكورونا القلق لدى النسب الأعظم من سكان الكرة الأرضية، في مشارقها ومغاربها، وتؤكد لنا خبرتنا الطويلة في هذا التخصص علم النفس وعلم النفس المرضي بالتحديد أن قلق "الكورونا" يؤثر في حياة الناس العامة تأثيرًا لا شك فيه، فمن المحتمل أن يضطرب تقديرهم لنفسهم كما يضطرب تقديرهم للأخرين، لا سيما أن إنتقال هذا الفايروس يكون سريعًا، وانتشاره هائل، هنا لابد أن نعرج على بروز ظواهر مثل بعض الاعراض الوسواسية القهرية، مثل غسل اليدين، مرارًا وتكرارُا بحجة التطهير من الميكروبات والقاذورات، ولكن في الحقيقة أن لهذه الأغراض أوهام أخرى مرتبطة بمشاعر ورغبات خفيه تتحقق بفعل التطهير المستمر إذا ما زادت عن حدودها.

بمكننا القول هنا أن الأسوياء لا يبرأون من اللبس بين ما يحمله التحصين من هذا الفايروس"الكورونا" وهو الواقع الفعلي، وبين ما تحمله ذواتهم من رغبات كانت مكبوتة بفعل المجتمع أو العيب، وهو الواقع الذاتي أن صح تسميته، وهذا الأفتراض قابل للقبول، وربما قابل للنفي، وإن حمل بين حنايا النفس من رغبات غير معلنة، تبًا لعلم نفس الأعماق من تحليلات محرجة لنا ولصاحبها، وفي النهاية هل تذعن النفس بقبول الحقيقة؟ وهي معلومة يستطيع كل إنسان أن يجد لها صدى في نفسه.

ما الذي يتركه فايروس كورونا على سلوك الإنسان؟

لا اعني حينما يصاب به، بل في حالة التهيؤ التي يعيشها الفرد في مواجهة خطر الإصابة، وكل الدلائل تشير بعدم وجود مضاد فعال لعلاجه، وكل ما هو شائع تكهنات بضرورة الحذر منه، واتخاذ التدابير اللازمة من الاصابة به لا سيما التحذير مخيف وربما مرعب، عند ذلك تظهر ألوان اللبس سافر وخاصة اللبس بين الواقع والمتخيل، فإذا كان الواقع طفيفًا، فإن وسائل الاعلام وصفحات النت والتواصل الإجتماعي تنقل لنا ما يهز ابداننا بالخوف والرعب، فمما لا مفر منه نرى مشاعر الفرد تجاه الفايروس تتبلور في مجموعة من الانفعالات لا يبررها الموقف الذي يكتنفها، إنها محنة البشر أزاء هذا القاتل المجهول الذي يهدد وجودنا الحقيقي في الحياة بدون القدرة على مواجهته بالعلاج أو التحصين منه.

نتسائل هل يفسح مرض الكورونا المجال لإطلاق من في نفسه أساس للمرض النفسي أن يمرض؟ لا سيما أن جميع الاعراض في المرض النفسي متهيئة، وقول عالم النفس العربي "مصطفى زيور" الأمراض النفسية تعبير عن تخيلات تقوم لدى المريض مقام الواقع، فمثل المريض النفسي مثل قوم يؤمنون بالسحر، فما عليهم إلا أن يقولوا تعويذة حتى يتحقق ما يضمرون من رغبات، بعبارة أخرى، أن المرض النفسي والتفكير السحري يقومان على أساس واحد، أعني أن الخيال يكافئ الواقع والنية تساوي الفعل.

أما ظاهرة إنتشار مرض الكورونا كحالة هستيريا جماعية تعاني منها شعوب الكرة الأرضية فهي حقًا حالة هستيريا زادتها أكثر الشائعات المصاحبة لها فضلا عن الايحاء الذي يلون أشكال الشائعات وانتشارها، لا سيما أن المجتمعات باسرها تؤمن بالخرافات والتخيلات الميتافيزيقية، لا استثني منها أحد، سواء كانت المجتمعات الشرقية الموغلة بالخرافات، أو المجتمعات الغربية المتقدمة صناعيًا وتكنولوجيًا، أو الشرقية الصناعية مثل الصين أو اليابان، حينما لجأ قادة الصين بطلب العون من المسلمين في الصين باقامة صلاة خاصة لنجاة الأمة الصينية من هذا الفايروس. سبق وإن قلنا في كتاب السلوك الجمعي أن السلوك الجمعي يعني التشكيل التلقائي لجمع من الناس على هيئة حشد، أو جماعة، أو شعب، أو أمة يخضعون لقيم طارئة وهو نسبيًا غير منظم، وغير مخطط لتشكيلته، أو تطوره، أو تدهوره، ولا يمكن التنبؤ بنتائجه وهو حصيلة الاثارة المشتركه للمشاركين فيه، فالافراد يتأثر بعضهم بالبعض الآخر، وكذلك تؤثر ردود الفعل المشتركة في أعضاء المجتمع كما قال عنه"الوك وآخرون" لذا فانتشار الشائعات وحالة الهلع الجمعي وحالة الهستيريا الجمعية، والمخاوف المصاحبة لهذا الموقف الغامض أمر بديهي في مسار فعل  السلوك الجمعي وحيثياته، لأنه سلوك حشد في مواقف غير منتظمة ولا تحكمها المعايير الإجتماعية السائدة، بقدر ما تحكمها القيم والمعايير الطارئة والمؤقتة، وهو بنفس الوقت كما يقول" حاتم الكعبي" ضرب من السلوك الإجتماعي، أي سلوك الجماعات التي ينتظم أعضاؤها بشكل عفوي بتأثير حالة عقلية مشتركة ويسيطر عليها جو نفسي إجتماعي خاص، وأزاء ذلك يضعف الادراك الاجتماعي الفردي والجمعي في زحمة الفوضى وإنعدام التنظيم فتنتشر الشائعات وحالة الهلع، والمخاوف التي تؤدي إلى الاضطرابات، فضلا عن حالة الهستيريا الجمعية. يرى "غوستاف لوبون" وهو طبيب فرنسي ومؤرخ أهتم بدراسة الحضارة الشرقية ودراسة المجتمعات وقوله في موضوع الإثارة والهيجان يقع الافراد تحت التأثير السريع والمفاجئ في سرعة التصديق مما يمهد السبيل إلى خلق الاساطير وبث الشائعات ونشرها بسهولة فائقة، إلا أن هذا الاندفاع في العواطف يتصف بعدم الثبات  والاستقرار.

خلاصة السطور التي عرضنا لها وجهات نظر نفسية – إجتماعية هل يكون من المحتمل أن البشرية أصبحت كبش فداء للسياسة والاقتصاد والصراع الدولي من أجل السيطرة التامة على البشرية دون استثناء، لا سيما أن كبش الفداء كظاهرة إجتماعية لها علاقة بكيان المجتمعات وإدارتها، أو السيطرة عليها سياسيًا واقتصاديُا.

 

د. اسعد الاماره - استاذ جامعي

باحث نفسي أكاديمي