بليغ حمدي اسماعيلالعلاقة بين شكل الدولة كنظام سياسي سيادي حاكم والمجتمع هي علاقة تظل شائكة ومضطربة لاسيما في الفترات التي تعقب الثورات السياسية التي قامت تحت ضغط اجتماعي أو بالأحرى في ظل غياب الوعي الاستشرافي بالوطن وفقدان القدرة على التنبؤ بإحداثيات المشهد السياسي الراهن، ونلتمس هذه الصورة في كل الدول التي تسعى لتنسم نسائم الربيع العربي الذي بدأ باحتجاج ثم مر بتظاهرة فريدة في التناول وانتهى بحالات طويلة من الكساد السياسي والجدل المجتمعي حول تنظيرات كلامية أغرقت المجتمع بأسره في دواماتها وأيديولوجيات أصحاب هذه الطروحات الفلسفية.

ومجمل ما تم طرحه من تنظيرات سياسية استهدفت الحديث عن مدى توجه التركيبة الاجتماعية في الوطن العربي الضارب في الاشتباك الإعلامي المستدام  نحو الحالة السياسية الراهنة والمستقبلية أيضا وبخاصة مشهد الظهور السياسي لبعض الوجوه التي باتت مكرورة بل ورتيبة أيضا في لبنان والعراق وليبيا وتونس ومصر مؤخرا، هذا المشهد الذي بدأ في قرع طبوله مبكراً وقبل إعلان أية استحقاقات ديموقراطية مرتقبة بفترة طويلة .  وبالنظر إلى التركيبة الاجتماعية في هذه البلدان  يسهل علينا التنبؤ بأية إحداثيات تجري استشرافياً على المشهد السياسي، لاسيما وأن السياسة صارت الملمح الأبرز في تاريخ العرب الراهن، ويبدو أن أبناءنا وأحفادنا حينما يلتقطون كتاب تاريخ الوطن العربي بعد قرون سيدهشون بحالة الاستنفار السياسية التي سادت على المجتمعات العربية البائسة ثقافيا وتنويريا أيضا، وربما سيوجهون عدة أسئلة مفادها هل هذا الجيل لم يكن متفرغاً لقضايا وطنه الاجتماعية، أو أنه لم يفكر بعد في زراعته وصناعته ورسم خرائطه قبل وبعد الموافقات الصهيونية .

هذه التركيبة الاجتماعية في العادة لا تخرج عن المثلث الديموجرافي المكون من النساء والأطفال والرجال، والترتيب يجئ وفق إحصائيات تفيد هذا الترتيب المنطقي لهم، فعدد نساء الوطن العربي في البلدان المذكورة سالفا في تزايد وهي فئة أصبحت منذ اهتمام المنظمات النسائية العالمية ومنظمات المجتمع المدني المنتشرة في تسارع وتصارع  بها كفة ميزان لا يمكن الاستهانة بوجودها الاجتماعي، وفي أثناء المشاهد الميدانية لكافة الانتفاضات الشعبية التي حدثت منذ بدايات 2011، والخروج الشعبي لهن في الثلاثين من يونيو لعزل محمد مرسي في مصر على وجه الخصوص  شكلت المرأة ملمحاً مهماً لا يمكن الفكاك من شهوده سياسياً .

ثم تأتي فئة الأطفال الذين بحق يدفعون فاتورة أعوام طويلة وبعيدة من التهميش الذي كرس له الحكام الذين قامت الانتفاضات الشعبية بشأنهم وشأن سياساتهم، فتمكن هؤلاء باقتدار وكفاءة أيضا من إعداد جيل تعليمي كامل لا يعي بحاضره ولا يفطن لمستقبل آت، ومنهم من صار مشرداً احتفت مؤسسات المجتمع المدني وهيئاتها بهم وأطلقوا عليهم مصطلح أطفال الشوارع التي صنعوها وشيدوها بأيديهم ومهدوا سبلها لأطفال يحلمون ويطمحون وتقتل آمالهم تحت أقدام واقع مضطرب صار سياسياً أكثر منه اجتماعي أو إنساني .

أما الرجال القابعون في السلاملك فهم بالفعل يأتي ترتيبهم في مؤخرة التركيبة الاجتماعية، لا لقلة أهمية، أو انتفاء دور لهم، لكن هم كعادة المخرج الذي يأتي في نهاية العمل الفني، يصدر أوامره من خلف الكاميرا، فيؤدي الممثلون أدوارهم غير الحقيقية من أجل صناعة مشهد قد يستحق التقدير أو يذهب كمخرجه في صندوق النسيان الأبدي .

وإذا نظرنا إلى صنيع السلاملك الذي نشير به إلى رجال الوطن العربي من الرموز السياسية الغائبين عن المشهد الراهن،  فإننا ندرك سريعاً ما أصاب النساء والأطفال في في الوطن العربي من تطور أو تدهور على المستويين الاجتماعي والسياسي، فبرغم الطرح التنظيري الذكوري لضرورة مشاركة المرأة في المشهد السياسي بصورة رسمية، إلا أن واقع التنظير لا يرمي إلى هذا، بل اقتصرت المشاركة الفعلية للنساء على الظهور أمام شاشات التلفاز لمناقشة قضية سياسية من وجهة نظر نسوية محضة، أو من خلال المشاركة الصوتية أمام نقابة ما أو مؤسسة رسمية في صورة تظاهرة، وكأن لسان حال المنظرين الرجال يقول إن هؤلاء النساء هن جسور العبور نحو تحقيق مصلحة عن طريق التعاطف مع ظهورهن وأصواتهن المرتفعة .

لكن يبدو أن صورة المشهد الخاص بالتركيبة الاجتماعية ستتغير بقوة ونحن إزاء حالة من الجمود السياسي الحزبي الذي بات بغير ملامح واضحة أو على مستوى طموح المواطن، بل أؤكد أن بعض الدول ومنها مصر على وجه التحديد أصبحت الدولة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي الرئيس المصري أكثر صدقا ومصداقية وحراكا بل وشعبية والتصاقا بالشعب وهمومه أكثر من تلك الأصوات الحزبية الورقية .

 بل يمكنني التأكيد على أن النساء سيلعبن أدواراً مختلفة ومتباينة ستغير دفة سفينة العملية الانتخابية التي ستحدث في مصر بشأن مجلس النواب في نوفمبر 2020 برمتها . وفئة النساء في مصر تقتصر على نوعين فقط مع إقصاء فئة الصغيرات، فالفئة الأولى وهي تشمل الشابات اللواتي ينقسمن إلى تيارات سياسية متباينة تجمع بينهن سمة الثورية واحتدام المشاركة السياسية والظهور الاستثنائي في المشهد بقوة إما عن طريق تنظيم الوقفات الاحتجاجية التي تبدأ عادة بمناهضة التحرش الجنسي انتهاء بحقهن في الوجود السياسي الرسمي وتمثيل مشرف وكامل للمرأة في المحافل الرسمية .

أما الفئة الثانية فهي قاصرة على السيدات الراشدات اللاتي يجدن أنفسهن حائرات أمام عجلة المشهد السياسي التي لا تريد التوقف أو الدعة والراحة، وهؤلاء نجدهن منقسمات على أنفسهن بين فصيل يجد حنيناً سياسياً لعصر مبارك ونظامه لاسيما المتعلق بحالة الاستقرار السياسي وشيوع الأمن والأمان وغياب أعمال العنف والبلطجة، والعودة مجدداً إلى اجترار مفاهيم تمكين المرأة وحقوق المواطنة السياسية والتمثيل العادل،  دون الاكتراث بأية ممارسات سياسية لمبارك تلك التي تتعلق بالمناحي الاقتصادية أو المجتمعية، وفصيل ثان يرغب في التجديد بالنسبة للوجوه والشعارات والبرامج السياسية وأرى أن هذه الفئة هي التي تتوافق مع منظومة مصر الحديثة ورؤيتها المعروفة برؤية مصر 2030.

وهناك ثمة ملمح حصري خاص بالمشهد السياسي المصري والذي يتعلق مباشرة بالتركيبة الاجتماعية، وهو مدى المشاركة في الاستحقاقات السياسية الرسمية، فالشباب رغم أنهم دائماً وأبداً نقطة البداية في الحراك السياسي والاجتماعي عن طريق تدشين الحملات أو إنشاء الحركات السياسية على المشهدين الإعلامي الفضائي أو الميداني بالجامعات والنوادي الاجتماعية إلا أن هؤلاء يشكلون لغزاً كبيراً بعدم مشاركتهم في المشهد السياسي الرسمي، فنجدهم رغم حرصهم على التواجد في الشارع غير مكترثين بأية استحقاقات سياسية رسمية كالانتخابات أو الاستفاءات على قانون أو دستور أو مشروع وطني، ومشكلة الشباب الحقيقية ليست في قلة خبرتهم السياسية، ولا في ضعف الوعي السياسي التنظيري لديهم بل تعد أزمتهم الحقيقية أنهم يجدون أنفسهم دوما بعيداً عن التمثيل السياسي الرسمي في تشكيل الحكومات المتعاقبة منذ الثورة، وأحياناً أخرى سجدون أنفسهم في مقام الاتهام بالعمالة والخيانة والانضمام إلى الطابور الخامس، الأمر الذي يدفعهم بقوة إلى العزف خارج السرب . ناهيك عن قناعاتهم الفكرية بأن الثوري دائماً يقف بمعزل عن النظام الحاكم وهي الفكرة التي لم يتخل عنها الشباب منذ إسقاطهم لمبارك ونظامه، وعزل مرسي وجماعته .

وحقاً ستكون تجربة الانتخابات البرلمانية المقبلة في نوفمبر 2020 رهاناً جديداً لقوة التركيبة الاجتماعية في مصر من رجال ونساء، وسيواجه المرشح رهقاً ونصباً في التغلب على مطامح هذه التركيبة المعقدة، والتي لا يمكن أن نفصل عامل الدين عنها، وهو ما نلمسه من توجهات بعض التيارات الدينية الإسلامية تجاه مرشحي الرئاسة، أو من خلال محاولات الاستقطاب العكسية التي تمارسها بعض المؤسسات أو التنظيمات الدينية في مصر لبعض المرشحين، ومما لاشك فيه أن التركيبة الاجتماعية بقدر قوتها وتباينها وشهودها السياسي الملحوظ منذ اشتعال فتيل ثورة يناير الشعبية ومن بعدها تصحيح المسار في الثلاثين من يونيو، ستشكل عبئاً على كاهل مرشحي مجلس النواب، بل قد لا أبالغ إذا أشرت إلى أن التفاف عناصر هذه التركيبة حول مرشح بعينه دون غيره سيكون حجر عثرة في طريقة نحو المجلس، وهو الأمر الذي ينبغي أن نلفت النظر إليه، فبين نساء يحتجبن عن المشاركة، وأخريات لا يرون أن المرشح سيقدم شيئا موازيا لسرعة الدولة وهذا التعافي السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تحققه على أرض الواقع، وهذا القرب التاريخي بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والشعب المصري أكثر من هذه الوجوه الموسمية، وشباب لا يكترث بواقعه أو بمطامح الوطن، وحفنة من الرجال بين خبير ومنتفع وأكثر صمتاً دائرة صغيرة تجمع المرشحين لانتخابات مجلس النواب، وهم وحدهم يمتلكون حق الاستقطاب من الاستلاب والإقصاء، حيرة أن تكون ممثلا للشعب  لوطن مثل مصر، ودهشة لمجتمع متباين ! .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

عصمت نصارلم يظهر مصطلح «الوطن» في كتابات المفكرين العرب في العصر الحديث إلا في سياق مثقفات وأحاديث أهل الرأى وأمراء المنابر وقادة الفكر، حول قضايا الوعى والهُويّة والولاء والانتماء، ذلك على الرغم من حضور مفهوم «الأمة» و«الروح الجمعى» في ذاكرة الرأى العام العربى والإسلامي بمختلف طبقاته، ولا سيّما في ظل الاحتلال العثماني للعالم العربى.

الأمر الذى يبرر خلط أكابر الكُتّاب المصريين والشوام بين عدة مصطلحات ظهرت جميعها في أخريات القرن التاسع عشر (الأمة، الوطن، القومية، الجامعة الإسلامية، الرابطة الشرقية، الثقافات العرقيّة).

وعليه لا ينبغي علينا النظر إلى حديث «حسين المرصفي» عن الوطن بعين الناقد الذى يأخذ عليه خلطه بين مفهوم الأمة والوطن والروح الجمعى في كتابه (رسالة الكلم الثمان)، وذلك لأن معظم معاصريه في الثقافتين العربية والغربية لم يهتموا بتحديد مواطن الفصل بين تلك المصطلحات المتشابكة آنذاك.

بيّد أن ما يميز تعريف «المرصفي» للوطن هو تمييزه بين دائرتين متداخلتين للولاء والانتماء، فأوضح أن هناك وَلاءَ عاماً للثقافة التى نتحدَّث بلغتها المتمثلة في مصطلح الأمة العربية أو الأمة العربية الإسلامية، ودائرة ثانية تحمل بين طياتها المشخصات والسمات الذاتية التى تشكل كيانها وصلب بنيّتها، وتلك المشخصات تبرز في مجتمع الوطن أو الدولة، ويحملها جُلَّ أفراده أى إنها تمثل الروح الجمعى أو العقل الجمعى، والعلاقة بين مصطلح «الأمة» و«الوطن» هى علاقة الكل بالجزء.

ومن ثم، نجد مفكرنا يعرف «الوطن» بأنه مكان السكنة، وهو الأرض الذى يحوى أفراد المجتمع بمختلف طبقاتهم، وهو أيضًاً البدن الحاوي لعقل ووجدان وتراث وإرادة الروح الجمعى على مر العصور، فإذا كان الفرد ينطوي على ذاته ويسكن إليها ويعمل جاهدًا لإسعادها ولا يجبن لحظة في التضحية من أجل حمايتها؛ فينبغي أن يتحول هذا الانطواء إلى انضواء، فالوطن بالنسية لكل أفراد المجتمع هو الذات العليا التى يجب على كل أفراد المجتمع الذين ارتضوا السُّكنة فيه أن يعملوا متعاونين من أجل مصلحته ومنفعة كل أفراده بمنأى عن مطامع الأنانية وعصبية العنصرية والانتماءات القبلية والعرقية، فيصبح الوطن بذلك هو مركز من اهتمامات الأنا وأن معيار المواطنة هو الإخلاص في العمل والتفاني في التعاون من أجل الصالح العام، ويقول: «الروح وطن لكونه مسكن الإدراكات، والبدن وطن لكونه مسكن الروح، والثياب وطن لكونها مسكن البدن، والدار والدرب والمدينة والقطر والأرض والعالم كلها أوطان لكونها مساكن».

ويسترسل مفكرنا مخاطبًا الشباب مبينًا لهم أنه إذا كان البدن لا يحيى إلا بالروح ولا تستقيم الروح إلا بالعقل؛ فإنّ المواطنين لا تنجح أعمالهم ولا تسلم أفعالهم من الشرور والفساد إلا بالعقل الواعي الذى لا يتحقق سوى في علماء الأمة، أو إنْ شئت قل قادة الرأى، الذين تنزهت آراءهم عن المصالح الذاتية والانطواءات الشخصية والانضواءات الطائفية، أى أنهم أولئك الذين أخلصوا في حبهم للوطن حتى فنوا فيه، وأيقنوا أن لا بقاء لهم إلا ببقائه وسلامة وأمن كل من يعيش فيه، ويصف علماء الوطن بقوله: «إن مرشدك إلى ذلك الحافظ من الزيغ والذلل فيه هم عقلاء العلماء، الذين ترى في ظاهر شمائلهم من حسن السمت وجلال الوقار وانضباط الأعمال والتصون عما يوجب أدنى نفور منهم، فلا ينطقون إلا بالحكمة، ولا يعملون إلا وفق المصلحة، حتى يعم الجميع الأدب، ويظهر فيهم تمام الاستقامة».

وحسبنا أن نوضح أن مفكرنا يقصد بقادة الفكر، العلماء المعلمون المنوطون بالتربية والتوجيه والتوعية، وارتقاء الأذواق واستقامة الأفكار وتثقيف الأذهان وتقويم السلوك وتهذيب الأخلاق دون غيرهم، الأمر الذى يبرر حملته على مزيفي الوعى، ومحترفي الإضلال والمفسدين والمدَلِّسين الذين يخدعون الرأى العام بمعسول كلامهم عن الدين أو القيّم والمبادئ والمُثل العليا، وهم أبعد عن ذلك بعد اليم عن الشمس؛ محذرًا الشباب من الإصغاء إليهم بلا تفكر، ومنبهًا ولاة الأمر إلى ضرورة فحص شعاراتهم وخطاباتهم وأثرها على العقل الجمعى للوقوف على منافعها وأضرارها، كما يناشد المثقفين ألا ترهبهم كثرة المنافقين والمتاجرين بالكلم ولا مناصبهم ونفوذهم، فالسكوت على إفسادهم ضياع للوطن وخيانة للعلم ورسالة الحق التى حملوها خلفًا للأنبياء، فينبغي عليهم فضح أغراض مثل هؤلاء والتصدي لهم بكل حزم وحسم.

ويقول «كان من الواجب على ولاة الأمر أن لا تحدث في الإسلام أمثال هذه البدع التى يحسبها الجهال من فروع الدين، فيدخل الخلل على احترامهم له واعتبارهم إياه؛ حيث يتعقلون ويستبصرون عند أوان ذلك، فمن الجهال من تكون له فطنة جيدة بحيث يهتدى بفكر نفسه إلى ما ينفع وينبغي أن يكون دينًا متعبًا وما لا ينفع وينبغي أن يكون أمرًا مجتنبًا، فهم على ما هم عليه من احتقار ذلك في نفوسهم وطويات أسرارهم، وإن كان الخوف يمنعهم من مُشافهة ذوى المكر، الذين اتخذوا تلك الأعمال إشراكًا لصيد معايشهم، ومكنوها في نفوس أهل الغفلة الذين ينقادون مع كل قائد ولا يعرفون وجوه الحيل، فهم ورؤساؤهم بليّة على العقلاء المتألمين بما يخامر نفوسهم وتنكره عقولهم من ذلك العمل وأمثاله».

ولا يفرق «المرصفي» بين المنتمين إلى مذاهب مغايرة لثقافة الوطن والمروجين لعقائد وعوائد منافية لثوابت المجتمع والمصرحين بميول ذاتية وشكوك شخصية ونقوض ناقمة على أحوال الوطن المُجافية لميولهم ومزاجهم الخاص.

فمثل هذه الرؤى التى انطوت عليها عقولهم ومعتقداتهم لا ينبغي عليهم إفشاءها أو إذاعتها في الرأى العام باسم الحرية، وذلك لأنها تشوش العقل الجمعى وتستهوى المقلدين، الذين لم يعتادوا تحكيم العقل للحكم على غريب الأفكار والوافد من العوائد. ويفرق «المرصفي» في الوقت نفسه بين هؤلاء، والمجددين والثائرين من أجل صالح المجتمع ومنفعة الوطن، فالبرهان والتجربة هما المعيار الفاصل بين الفريقين، فالعبرة هنا ليس في المقصد، بل بالمآل أى ما يترتب على تحقيق الهدف.

فمن الخطأ في رأيه أن نجعل الحرية شعار ومقصد، فنقوم بنقض الثوابت وهدم النظم وتغليب الحرية الفردية والمصالح الشخصية على المنافع العامة.

لذا نجده يعيب على الزُراع إهمال زراعة المحاصيل الحيوية الأساسية، ويرغبون في غيرها لتصديرها والربح من وراء ذلك ما يضاعف ثرواتهم، كما يعيب على الصناع وأرباب الحرف هجر أعمالهم والاشتغال بالتجارة وتسويق المنتجات الأجنبية طلبًا للراحة والثراء أيضًا، كما رفض تعالى المثقفين وتفضيل العوام بعض طبقات المجتمع على غيرها، والنظر إلى الأعمال اليدوية والحرف الخدمية (الكنّاس، الحداد، النجار) نظرة دونيّة عن (الطبيب، المهندس، الضابط)، مؤكدًا أن هذه النظرة المتخلفة تعمد على تفكيك المجتمع وتعبر عن الجهل بأهمية هذه الوظائف ومكانة هذه الأعمال.

فالوطن في عينيه - كما ذكرنا - بدن واحد لا تفضل فيه الرأس على القدمين، أو العين على الأصابع، فلكلٍ أهميته والمعيار في المفاضلة هو الإتقان والتزام أخلاقيات المهنة والإخلاص في العمل من أجل الوطن، ويقول إن معيار التفاضل بين المهن لا ينبغي أن ينبع من طبيعتها «لا شرف من هذه الجهة لطائفة على طائفة إذ كان الكل ضروريًا وبه حصة من منافع الأمة، فلا أراك تغفل ما يفعل السّفهاء من التشاتم بحرفة الحياكة أو الكناسة أو غيرهما من الحرف التى تطرحها سخافة أنظارهم في مطارح الخسة، وإذا تحققت ذلك لم يكن الأولى بسقوط الاحترام وعدم الاعتبار سوى طائفة أخرجتها من الأمة، بل من نوع الإنسان، خسها وضعة نفوسها وقصور أفكارها، ليس لهم من الدنيا سوى المُنى يتهامسون باغتياب بعضهم بعض مع ما يتلوّن كأنهم لمعناه لا يعقلون، يطرحون رذائل آمالهم بين أهل الدنيا، فترتد إليهم بالخيبة وطول الأسف».

ويختتم مفكرنا حديثه عن مقومات الوطن المرجُوّ، محذرًا جميع المواطنين من آفة التبعيّة والتقليد والتواكل، موضحًا أن ارتقاء هذا الوطن لن يتحقق إلا بوعى عقول أبنائه وقوة سواعدهم وتصالح طبقاته وتعاون أفراده ووحدة إرادته واستحالة خلافاتهم إلى مثقفات لانتخاب الأفضل من الأفكار والتصورات والمشروعات، فيجتمعون على تنفيذه ويتفقون في الوقت نفسه على أن تتنوع الآراء وتتباين الأفكار.

هو الطريق الأمثل للإبداع والوقوف على المنفعة العامة وصوالح المواطنين في ضوء العدالة والحرية والمساواة، وحكومة حازمة في تطبيق ما فيه خير لهذا الوطن، ويقول: «نهمل النظر في مصالحنا والعمل من أجل منافعنا، ونعوّل في ذلك على قوم كل ما تخيلناه فيهم بالنسبة إلى مصالحنا ومنافعنا فاسد، فكل يميل إلى شهوته، وكل يريد رضاء نفسه، ويطلب نارًا إلى برمته».

(وللحديث البقية)

 

بقلم: د. عصمت نصّار

 

زهير الخويلدياستهلال: "النمو الاقتصادي عبارة عن عملية يتم فيها زيادة الدخل الحقيقي تراكميا وباستمرار عبر فترة ممتدة من الزمن بحيث تكون هذه الزيادة أكبر من معدل نمو السكان، مع توفير الخدمات الإنتاجية والاجتماعية وحماية الموارد المتجددة من التلوث، والحفاظ علي الموارد غير المتجددة من النضوب".. (موسوعة ويكيبيديا)

تبدو الفوارق في التنمية كبيرة بين الذين ينتمون إلى المجتمعات التقليدية وبين الذين حققوا قفزة هامة. إن الحقوق عند النوع الأول ظلت مجرد أحلام وأمنيات وبقي الناس في حالة انتظار وأمل دون جدوى في حين يتمتع سكان المركز بجميع المرافق والكثير من الحقوق ويعيشون ضمن إطار تنموي متكامل نسبيا.

من البديهي أن الدولة تطمح في البرمجة إلى العدل والتكافؤ بين الجهات والمساواة في تمكين المواطنين من المرفق العام فإن التنفيذ يحتاج إلى تثوير ومتابعة و"على الرغم من أن مبادئ العدالة ليست محددة هنا فيما يتعلق بحياة الأفراد وحرياتهم ، فإن المؤسسات تلعب دورًا مهمًا في السعي لتحقيق العدالة."1[1]

والحق أن الكثير من الأرياف في تونس وبالخصوص في الشمال الغربي والوسط الغربي تشهد تعثر متواصل للتنمية المحلية بالرغم من المحاولات المتكررة من طرف دولة الاستقلال وخوضها تجارب التنمية الريفية والتنمية المستدامة والتنمية الشاملة ولكن الحصاد كان هزيلا ودون المأمول وبقيت معظم المناطق تنتمي إلى نمط المجتمعات التقليدية وتتسم بالطابع المحافظ وتحتاج إلى الكثير من العناية والدعم.

لا أحد يمكن أن ينكر أن شريحة هامة من سكان نفزة مثلا تعاني من تقلص في الموارد والكثير منهم لا يملكون الحد المطلوب من المستوى المادي من أجل أن يتمتعوا بحياة كريمة على الرغم من أنهم يعيشون وسط طبيعة غناء وتحيط بهم غابة من الثروات والمدخرات في المجالات الفلاحية والمنجمية والتجارية.

هذه المفارقة حيرت بعض الباحثين الاجتماعيين ودفعت بالسياسيين إلى التفكير في هذه الأزمة المستمرة وأخرجت المثقفين من تأملاتهم النظرية وأروقتهم النخبوية وجعلتهم يعزمون على تدارس الوضعية مع بعضهم والاتصال بالشعب الكريم من أجل التعرف عن قرب عن احتياجاته ومحاورته عن الصعوبات التي يعاني منها وتشخيص أوضاعه والمساهمة النقدية في الكشف عن الأسباب والعوائق ومواطن الخلل.

بهذا المعنى "يتعلق الأمر إذن بتطوير المجتمعات وليس فحسب بالإقتصاديات والأجهزة الإنتاجية"2[2]

لكن لماذا ظل واقع حال على ماهو عليه بالرغم من مشاركة أهالي المنطقة لغالبية التحركات الاجتماعية التي خاضها الشعب التونسي من أجل التحرر السياسي والانعتاق من نير الاستعمار والتبعية؟ وماهو مرد هذا التأبد في حالة اللاّتأخر واللاّتقدم؟ هل تتحمل السلطات السياسية المركزية بالعاصمة والجهوية بباجة المسؤولية؟ أليست الاعتمادات المالية للتنمية شحيحة وغير كافية بالمقارنة مع غيرها من الجهات والمناطق داخل الولاية نفسها؟ كيف يمكن استثمار مساهمة المرأة العاملة في الاقتصاد المحلي من أجل تحسين معدل التنمية؟ وماهي أحوال ظروف العمل في الجهة؟ وهل توجد مؤشرات على ارتفاع نسب الاستثمار؟ وأي دور للمال الخاص في رفد الطاقة التشغيلية لمؤسسات الدولة؟ وبماذا نفسر وجود التشغيل الهش والموسمي وكثرة حالات الطرد التعسفي والعمل المهدور حرمان العامل من الحماية الاجتماعية والحيلولة دون تحول العمال إلى قوة اجتماعية ضد سلطة رأسمال؟ لكن هل مازال الحديث عن التنمية معنى اليوم بعد الثورة أم أن فشل جميع التجارب يؤذن باختفائها وتعويضها بنموذج اقتصادي أكثر جاذبية وبنموذج تحديثي يمكن أن يتحقق؟

المقصد هنا هو البحث عن شروط إمكان تشييد اقتصاد محلي أكثر اتزانا بين القطاعات الأربعة: الفلاحة والصناعة والتجارة والخدمات، و الاعتناء بالقطاع الذي يحوز على أكثر قدرة في توفير مواطن شغل. وان الصعوبات التي تظهر أمام التفكير في المسألة عديدة وهي تتوزع بين صعوبة الموضوع وتضارب المقاربات وسقوط النماذج وتشعب مسالكه وكثرة حقوله وضرورة التحلي بالنفس الطويل والمنظور البعيد ومراعاة السياق التاريخي والثقافي الذي يتنزل فيه والتعويل على سياسة عمومية محلية تقوم على القرب.

1- مفهوم التنمية:

" التنمية يمكن أن ينظر إليها على أنها عملية لتوسيع الحريات الواقعية التي يتمتع بها الناس"3[3]

ظهر مفهوم التنمية في الكلام السياسي والصحفي المتداول بعد الحرب العالمية الثانية وخاصة أثناء فترة التحرر الوطني من الاستعمار وذلك بعد خروج البلدان المتضررة منهكة القوى مصدومة ومنهكة بعد الدمار الذي تعرضت له والإفراط في الاستغلال ونهب الخيرات وهرب الدول المستعمرة بمدخرات الدول الفقيرة والإبقاء عليها في حالة تبعية. وقد شمل مفهوم التنمية البشرية في البداية الإدارة والسياسة والثقافة ولكنه ما لبث أن توسع ليشمل الاقتصاد والاجتماع ويطور الأبنية والقواسم المشتركة وتهيئة الظروف الملائمة وتطوير أنماط المهارات والقيم لدى الأفراد والجماعات من أجل تحسين الموارد البشرية.

يرتبط مفهوم التنمية البشرية بعملية توسيع اختيارات الشعوب والمستهدف بهذا هو أن يتمتع الإنسان مرتفع من الدخل وبحياة طويلة وصحية، إلى جانب تنمية المهارات والقدرات الإنسانية من خلال توفير فرص ملائمة للتعليم. ولقياس معدل التنمية يمكن إتباع عدة مؤشرات هي درجة استغلال الموارد البشرية وطبيعة الأوضاع السكانية ومستوى الأوضاع الصحية وأوضاع العمل والعلاقة بالتقنية والتصنيع والثورة الرقمية وحالة الأوضاع الإدارية والأوضاع الاجتماعية والأوضاع السياسية والأوضاع النفسية.

إن المنهج الذي يمكن إتباعه في هذا البحث يبتعد عن العقلانية الجوهرانية التي تعتقد في وجود قوانين ثابتة تتحكم في الظواهر البشرية ويرفض إتباع المقاربة الاقتصادية التي تجعل من تطوير الإعتمادات المالية وتقوية نسق الاستثمار هو البوابة التي تفتح المنطقة على أمل الارتقاء ،ولذلك يجدر بنا أن تعتمد العقلانية الإجرائية التي تفتش عن استدامة التنمية وتحاول أن تفعل مقاربة اقتصادية تواضعية منفتحة على التخوم وعلى المناطق المحرومة وناقدة للمركز ومنتصرة الى الفئات الأقل حظا وجاعلة من الاختيار الجماعي والحرية السياسية والاندماج وبنائية الوجود الأحسن الاقتصادي ووضع السلوك العقلاني على ذمة المصلحة الشخصية والديمقراطية الأفقية هي وسائل وشروط التنمية4[4].

غاية المراد أن التنمية لا تعني نمو الناتج الوطني الخام ولا الزيادة في المداخيل بحكم ارتفاع تجارب التصنيع والتقدم التكنولوجي وتحديث المجتمع وإنما هي منح المواطنين هامشا كبيرا من الحرية السياسية والمدنية يجعلهم يتصرفون في حياتهم بقدر كبير من المسؤولية والعقلانية ويبذلون كلما ما يقدرون عليه من أجل بلوغ درجة الوجود الأحسن. بماذا يتميز المحيط الجغرافي والشعبي للمنطقة؟

2- السياق الاجتماعي:

" تقع مدينة نفزة في إقليم الشمال من الجمهورية التونسية وتنتمي إلى ولاية باجة وتبتعد عن العاصمة 150 كلم وتقع في مكان استراتيجي بين الطرق المؤدية إلى مركز الولاية وبنزرت وطبرقة"5[5]

تتميز الخارطة السكانية للجبل الأبيض بالكثافة النسبية بالمقارنة مع المحيط الجغرافي وتعد تقريبا 50ألف ساكن ويتوزعون على 16 عمادة بين سكان الجبال والغابات وسكان السهول والمنخفضات والساحل البحري وبين مناطق عمرانية حضرية قرابة 10آلاف ومناطق ريفية 40 ألف وقرى مليئة بالمساكن بشكل عفوي ومتباعد وتتناثر بعض العروش في شكل "دواوير" تقليدية ومجموعات تربط بينها علاقات قرابة.

 في الواقع يهيمن النمط الزراعي على شكل الإنتاج ويغلب عليه الطابع التقليدي مع تذمر من غلاء تكاليف زراعة الأرض نتيجة ارتفاع أثمان الخدمات والبذور والأدوية وتختص في إنتاج الفراولو والكريمة. ويأتي النمط التجاري في المرتبة الثانية ويتميز بالهشاشة والاحتكار والمضاربة والهبوط والصعود وحالة اللاّاستقرار بين الربح والخسارة ويتركز هذا النمط على الحاجيات الأساسية للناس من غذاء وملبس وآلات المنزل ويتنزل التجار في الأسواق الأسبوعية للمعتمدات المجاورة في الولايات الأخرى. أما الخدمات وهي القطاع الثالث مازال ضعيفا ويقتصر على الوظيفة العمومية وبعض المرافق والمصالح الإدارية المالية والقضائية والتربوية والصحية والفندقية. وتبقى غياب المنطقة الصناعية وإغلاق معمل الجلد هو الشغل الشاغل في المنطقة والهاجس الأكبر باعتبار فشل أول تجربة لتركيز مصنع بالجهة له قدرة تشغيلية محترمة. ولم تتمكن السلطات طوال عقدين من التغلب على هذا العائق وظل غياب المنطقة الصناعية هو الحلقة المفقودة في الشبكة التنموية وهو ما أصاب الحركة الاقتصادية بالإعاقة العضوية والتأرجح بين الانكماش والتضخم فتارة تكون المعروضات أكثر من الحاجة المطلبية وطورا توجد الأموال ويرتفع الطلب ولكن المنتوجات الجيدة والبضائع المتقنة تصبح نادرة ومرتفعة الثمن وتحضر البضائع والمصنوعات الرديئة والمستعملة، وقد أدى هذا الأمر إلى حرمان الجهة من الاستثمار في الصناعة الغذائية والغابية وفي القطاع السياحي بالنظر الى طول الشريط الساحلي حوالي 26 كلم ووجود شواطئ ممتازة على غرار شواطئ الزوارع والمقاصب وكاب النيقرو التي يمكن أن تتحول إلى موانئ تجارية مهمة. ولقد أصابت عدوى التعثر قطاع السكة الحديدية عندما تم غلق الخط الحديدي الوحيد الذي يشق المعتمدية والرابط بين ماطر وطبرقة بحكم تهيئة مطار طبرقة وسد سيدي البراق ونفس الشيء طال القطاع المنجمي حيث توقف استغلال عدة مناجم للرصاص والزنك والحديد وقلت بالتالي فرص الشغل في منجم بوخشيبة وقد ظلت بعض الأحواض طيلة المدة الزمنية الماضية تُستَغَل لاستخراج مواد البناء من رمال وأحجار وأتربة فقط. ومن المعلوم أن هذه المنطقة ظلت مخبر تجارب وعرفت تتابع مجموعة من البرامج الاقتصادية المسقطة من المحور المركزي والجهوي ونذكر خاصة تجربة التعاضد سيئة الذكر وتجارب التنمية الريفية والتنمية الريفية المندمجة والتنمية الشاملة والتنمية المستدامة ووجدت عدة دواوين للغرض مثل ديوان أراضي واد مجردة وديوان إحياء أراضي الشمال الغربي ووكالة التبغ وجمعية استصلاح الأراضي الغابية. من المعلوم أن المجهود التنموي كان من القطاع الخاص وبعد مراكمة الثروة من طرف أبناء الجهة واستثمارها في الفلاحة والميدان التجاري وقطاع الخدمات وعدم المجازفة في مجال التصنيع. فماهي المجالات التي يبرز فيها التعثر في التنمية المحلية بشكل واضح؟

3- مظاهر الأزمة:

"ان استمرارية التقاليد جوهرية بالنسبة الى الفكرة المحافظة"6[6]

- تردي القوانين والتشريعات وعدم مواكبتها للتطورات وبعدها عن الواقع الاجتماعي الخصوصي ومثالية منوال التنمية المتبع واستنساخه عن تجار أخرى قديمة وفاشلة.

- تآكل شبكة المواصلات بالجهة وتهري مختلف الطرقات الرئيسية والمسالك الفلاحية والغابية ووعورة الدروب المستحدثة التي تفضي إلى الشريط الساحلي عامة والشواطئ بالخصوص.

- ضعف في مستوى التكوين والإعلام والتأطير للكوادر والخبرات وعدم وجود بنك للمعلومات الأرقام والمؤشرات حول التنمية في الجهة وغياب مؤشرات موضوعية وإحصاءات دقيقة.

- تقلص محير في الميزانيات والاعتمادات المخصصة للتنمية وغياب غير مفهوم للحوافز المباشرة والتشجيعات الفورية وانعدام التسهيلات اللوجستية وتراكم المشاكل الإدارية.

- صعوبات في التزويد والترويج والتصدير بسبب غياب المؤسسات الصغرى التي تعتني بحل مشاكل الجني والتخزين والعرض والتوفير والتحفيز على الاستثمار.

- تردي الخدمات في مستوى شبكة الإرسال التلفزي والإذاعي والرقمي وضعف التغطية والبث بالنسبة للهاتف القار والجوال وغياب التغطية لذبذبات القنوات العامة والشركات الخاصة الجديدة.

- تردي البنية التحتية للمؤسسات التربوية والصحية وتقلص نسب التمدرس وارتفاع عدد المنقطعين عن الدراسة مع تفشي بعض مظاهر اليأس عند الأفراد وارتفاع نسب البطالة ومعدلات الجريمة وتزايد موجة النزوح إلى المدن وتذمر المواطن من غلاء الأسعار وتدهور المقدرة الشرائية وعدم ميزانية العائلات على الإنفاق الدراسي والترفيهي والادخار الغذائي السنوي.

- أدت الظروف غير الإنسانية للشغل وندرة الحصول على فرص عمل مستقرة وانخفاض الأجور إلى الالتجاء إلى تشغيل النساء والأطفال بأجور بخسة ونقلهم بطرق عشوائية وفي ظروف سيئة.

- حصول سوء تفاهم تاريخي تحول إلى أزمة في التواصل والتعاون والتأثير بين النخب والكفاءات والإطارات من جهة وبين السكان الأصليين وتفضيلها المغادرة والحياة في الغربة على العودة إلى الموطن الأول والاستقرار فيه والمساهمة في عملية التمدين والتطوير.

- لم يتم في كل تجربة تنموية استغلال الموارد الطبيعية والطاقات البشرية استغلالا محكما ولم يسمح للسكان بالمشاركة في رسم السياسات بل ارتجال وتعثر وسوء تصرف وتوظيف سيء لها.

- انخفاض مستويات المعيشة والتغذية المتكاملة وارتفاع نسبة الكثافة السكانية في بعض المناطق نتيجة عدم احترام مبدأ التنظيم الأسري بالرغم من تزايد موجهة النزوح إلى المدن المجاورة.

- تدني مستويات الرعاية الصحية وارتفاع نسبة الوفيات وانخفاض معدل الأمل في الحياة وذلك لغياب المرافق الضرورية والتجهيزات وقلة الإطارات الطبية وتدني الوعي الصحي لدى المواطن والتعويل على الطب البديل أحيانا.

- تأخر نظام تقسيم العمل وانتشار الحوادث أثناء الشغل وتفشي العمل الموسمي بالأجر اليومي وانخفاض المهارات الفنية والإدارية وغياب التأطير الاجتماعي والإحاطة النفسية والثقافية.

- حرمان العديد من أبناء الجهة من الماء الصالح للشراب وارتفاع كلفة الاشتراكات والانقطاع المتكرر للمياه المعدة للري بسبب صعوبة التضاريس وتقلب المناخ وتهري الشبكة التوزيعية.

- استخدام التقنية وتوطينها في الجهة كان بطيئا ومرتجلا ولم تستفق المصالح إلا في زمن متأخر قصد الإيمان بنجاعة منظومة الاتصالات وأهمية الثورة الرقمية.

- الإدارة لم تطور أساليبها إلا في فترة متأخرة نسبيا وظلت تعاني من البيروقراطية والعطالة وضعف المردودية وتتبع الطرق التقليدية.

- غياب ثقافة العمل والانجاز عند البعض وانتشار نزعة تواكلية انتظارية والتعويل على الدولة في كل شيء وتقلص مساهمة الخواص في التشغيل واختفاء عدة مهن وحرف دون أن تخلق حرف ومهن جديدة تواكب العصر.

- الشعور بالضياع لدى الفئات الشبابية وفقدان معنى الحياة وتزايد معدلات الانتحار والجريمة وتفكير البعض في مغادرة الجهة من خلال الهجرة السرية.

- اتصاف المناخ النفسي بالتوتر وانتشار النزعة التشاؤمية لدي الشباب والنساء وتشكل مناخ نفسي عام غير متحمس الى التطوير والتحديث ويتصف بالتقليد والحنين.

- هشاشة البناء الاجتماعي وتعرض النسيج السري الى التمزق بحكم هبوب رياح العولمة وانتشار النزعة الفردية والروح الأنانية واتساع الفوارق الاجتماعي والاحتدام الطبقي وصراع الأجيال وسوء التفاهم بين الصور الذهنية.

- احتكار السلطة في يد فئة صغيرة موالية للحزب الحاكم وغياب التعددية والديمقراطية المحلية وعدم تشريك المجتمع الأهلي في اتخاذ القرار.

لكن ماهي العلل التي راكمت مثل هذه المشاكل؟

4- أسباب تردي واقع التنمية:

" الموقف المحافظ يفضل حرية السوق ولكنه يرغب في سيطرة قوية للدولة على مسائل مثل العائلة"7[7]

هناك العديد من الأسباب التي تقف وراء تعطل مشروع التنمية في الشمال الغربي عامة وفي جهة نفزة خاصة ويمكن أن نذكر منها:

عوائق موضوعية:

- أسباب سياسية: غياب الإرادة السياسية العادلة وتقديم الولاء للسلطة المركزية وفي المقابل تتواصل سياسة اللاّإعتراف والتهميش والاستبعاد.

- أسباب اقتصادية: ضعف الموارد المالية الممنوحة الى الجهة وتردي واقع الاستثمار الخاص وقلة المبادرة الفرية والتعامل مع الاقتصاد المحلي بوصفه اقتصاد تابع للمركز متخصص في بعض الزراعات الكبرى واستغلال الثروة المائية والغابية.

- أسباب جغرافية: قرب المنطقة من المركز والموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي تتميز به جعلها محل أنظار كل الطامعين والمتسلطين وقابلة للغزو والاستغلال والاستيلاء السريع والسهل.

عوائق ذاتية:

- أسباب ثقافية: تأثر الإنسان بالمناخ الطبيعي المعتدل وتشكل حالة من التناغم والانسجام التي يشعر بها مع المحيط وقلة المغامرة والحرص على الكسب.

- أسباب اجتماعية: هجرة الأدمغة وحالة الانفصال بين النخب المثقفة والجماهير الكادحة وتعدد المشاكل والآفات الاجتماعية وعدم توفر يد عاملة جيدة تتقن العديد من الحرف والمهن والاختصاصات.

- أسباب تاريخية : تتمثل في تعرض المنطقة على مختلف المراحل التاريخ المتعاقبة إلى الكثير من الحملات الممنهجة التي سعت إلى نهب خيراتها وإذلال سكانها واستعمار أراضيها.

- أسباب أنثربولوجية: غياب الاعتراف المتبادل من طرف سكان الجهة بالقدرات الذاتية في التقدم وتشكل صورة مشوهة عن الذات المحلية العاجزة عن التعويل على الذات وانتظار قدوم الآخر.

لعل السبب الرئيسي هو تعرض هذه الجهة الى نوع من التهميش الاقتصادي وذلك بحكم تكثف طبقات الازدراء السياسي جيل بعد آخر وعدم جدية الإرادة الحكومية في رفع المظالم التاريخية ومعالجة مشكلة اللاتوازن بين الجهات وتحقيق الاعتراف المتبادل والاندماج. لكن ماهو مناول التنمية المقترح؟

5- نماذج في التنمية:

"إن التماسك أو التكافل الاجتماعي كان لفترات طويلة موضوعا من طرح الديمقراطية الاجتماعية"8[8]

كيف يمكن الخروج من درجة دنيا من التنمية إلى درجة مقبولة ومنطقية؟ وبالتالي هل من سبيل لإيقاف مسلسل التقهقر إلى الوراء ومقاومة التخلف بالتقدم نحو الأمام؟ وهل يمكن أن نجتاز هذه الأزمة الهيكلية ونحقق التقدم بمجرد أن نحسن اختيار أفضل نموذج تنمية ممكن؟ وأي نوع من العقلانية السياسية يساعدنا على إبداع نموذج في التنمية الموائمة لخصوصية الجهة؟ ألا ينبغي أن تتأسس التنمية المعروضة للنقاش على عقلانية القرارات؟ وكيف يقع التعويل على الرأسمال البشري إناثا وذكورا في عملية التنمية المحلية؟

الثورة لا تعني الإطاحة بهرم السلطة فحسب ووضع هرم آخر مكانه عن طريق آلية سياسية ولا تتوقف عند حل حزب والسماح لحزب آخر بالتحكم في مصير البلاد حتى ولو كان ذلك يتم باسم الإرادة الشعبية ويتمخض عن انتخابات حرة وشفافة. الثورة تغيير في الذهنية وفي نمط الملكية وإحداث رجة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم وتفكيك نمط الحكم الفردي وإعادة الاعتبار إلى الجهات المحرومة وتونس الأعماق والانتصار إلى الكرامة. والحق أن هناك فجوة بين الوسائل السياسية للتنمية أو السياسة العادلة كطريق نحو التنمية والاقتدار والواقع الملموس للحياة اليومية للإنسان وما يقتضيه من تخطي التصاعد الكمي في الإنتاج إلى تحويل نوعي في الاقتصاد والمجتمع وفي التصرف البشري وفي الثروات الطبيعية.9[9]

من هذا المنطلق يمكن أن نذكر منوالين كبيرين للتنمية في العالم الأول يركز على الاقتصاد ويرى أن تحسين الظروف المادية وتطوير وسائل الإنتاج يؤدي بالضرورة إلى تحولات اجتماعية وطفرة ثقافية وانخراط السكان في حالة مدنية متحضرة ويمثل سمير أمين وألان تورين هذا المنوال الاقتصادي. أما النوع الثاني فيدور حول حسن استثمار الرأسمال البشري وإحداث ثورة في الإنسان وتهيئة المواطن تربويا وثقافيا وسياسيا وإنصافه قانونيا وتحقيق مصالحة مع ذاكرته واحترام خصوصيته وربطه ببيئته من أجل التعويل عليه في العملية التنموية والانتقال به من نمط الإنسان المقهور إلى نمط الإنسان المنتج ويمثل عالم الاقتصاد الهندي آمارتيا صين هذه المقاربة التاريخية الإنسانية10[10].

يترتب عن ذلك أن الأمر بالنسبة إلينا لا يتوقف عند التحقيق والتدقيق في قياس درجات النمو بل يتعداه نحو اتخاذ القرارات السياسية اللازمة والتدابير الاجتماعية من أجل تفعيل عملية التنمية ذاتها والمحافظة على الرأسمال البشري المهدد بمخاطر النزوح إلى المدن وترييف الحاضرة والهجرة غير الشرعية.

إن المنوال المطلوب للتنمية هو ذلك الذي يرتكز على عدالة التوزيع ويحرص على تقسيم المعرفة والسلطة والمنفعة على الفئات الأقل حظا بشكل متوازن وفق معايير الحاجة والمساهمة والجدارة. كما تعني عبارة الحاجة لكل حسب ما يحتاجه، والمساهمة هي إعطاء أولوية لأبناء الجهة في التمتع بالخيرات والمنافع الذي ينتجونها، والجدارة تعني لكل حسب مجهوده ويحصل كل شخص على حق يساوي القوة التي يملكها أو الكفاءة التي يتمتع بها. لو جمعنا العناصر الثلاثة نحصل على مقدرة للتدبير الذاتي للنماء.

من هذا المنطلق يجدر بنا استبدال مفهوم التنمية الجهوية أو المحلية، الشاملة أو المستدامة، الريفية أو الحضرية بحزمة من إجراءات تهدف إلى إحداث مؤسسات في التغيير الاجتماعي والتنمية المتوازنة.

ربما تكون أهم النقاط التي يجب الاشتغال عليها باكرا هي تحسيس الإنسان بأهمية تغيير منوال التنمية وإشراكه في المقترحات والبدائل والتصورات والمراهنة على وعيه وحرصه على الارتقاء بمستواه المعيشي وحسن تصرفه في الموارد وقدرته على التأقلم مع المتغيرات ومقاومة أشكال الفساد والاحتكار والتبديد التي تعرضت لها الثروة المحلية. من هذا المنطلق يجدر بالجميع الإسراع في تنقية الأجواء بين مكونات المجتمع المدني وتنشيط حوار عميق بين المثقفين والنخب بهدف رفع سوء التفاهم التاريخي بين الجهة والنخب والإطارات التي تنحدر منها وذلك من أجل تشريكهم والاستفادة من خبراتهم والتعويل عليهم في إحداث قنوات اتصال وجمعيات تنموية تتمثل مهمتها في رفع حالة الحصار وإدماج المنطقة في الاقتصاد الوطني. إن أول الخطوات التنموية العادلة تكمن في الإسراع بالاعتناء بالمناطق السقوية الشاسعة وتقوية الأنشطة الزراعية وعصرنة النشاطات من خلال توفير التقنيات الحديثة والأجهزة المتطورة وكذلك تعمير المنطقة الصناعية بالصنادل وتذليل كل العراقيل اللوجستية والإشكاليات العقارية وترغيب المستثمرين المحليين وجلب المستثمرين من خارج الجهة وتشجيعهم على الانتصاب للحساب الخاص ومبادرة الدولة ببعث منشآت عمومية بالمنطقة وتركيز فروع من الشركات الناجحة وتنظيم دورات تكوينية للشباب والمرأة العاملة والريفية وتحفيزها للإنتاج ضمن ظروف إنسانية عادلة وملائمة. فكيف السبيل إلى بلورة وترجمة مثل هذه التوصيات والأفكار إلى استراتيجيات تنموية بديلة وعصرية؟

خاتمة:

" ان التنمية هي بالأساس مسار تفهمي...لتعزيز التبادلات المفيدة ...ولتحسين أداء شبكات التأمين الاجتماعي أو بلورة الحريات السياسية."11[11]

صفوة القول أن الحل الأنجع هو توجيه الاهتمام من السلطة المركزية والجهوية نحو الشأن المحلي في ظل تعثر نظام المساعدات والهبات والإغاثة عند الكوارث وعدم كفاية الطرائق المعتادة في المتابعة والاشراف والتنفيذ، وعاجلية الانخراط في سياسة التطوير الذاتي وتخصيص النصيب اللازم والكافي من الاعتمادات المالية في جل الوزارات التابعة للدولة والبلديتين لفك الحصار على الجهة وإدراجها كمنطقة ذات أولوية عاجلة وإفرادها بالحقوق التي يمكن منحها من خلال المبدأ الدستوري حول التمييز الايجابي والكف عن التعامل الاستعماري الداخلي معها بوصفها "مليكة"و"جنة على الأرض" و"مطمورة روما".

والحق أن الأوضاع التنموية لم تتغير نحو الأحسن سواء زمن الماضي الشمولي أو بعده بالرغم من كثرة وعود وتعهد القوى السياسية التي أمسكت مقاليد الحكم الانتقالي على الصعيد الوطني والجهوي والمحلي.

على هذا الأساس ومن موقع المسؤولية التاريخية يمكن توزيع المقترحات بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني وبين الفضاء العام والفضاء الخاص وبين واجبات الدولة تجاه المنطقة وواجبات المواطن تجاه موطنه وبين مساهمة القطاع العام ومساهمة القطاع الخاص وبين التشجيع على استقطاب المستثمر من الخارج وإعطاء أولوية للاستثمار الداخلي وتشجيع أبناء المنطقة على العودة والاستثمار في جهتهم.

كما يجب التفكير بجدية في توسعة القدرة التشغيلية للمناجم الموجودة بالجهة وإعادة فتح المغلق منها وتركيز صناعة الأجر لملائمة التربة وتوفر المواد الأولية وإعادة الحياة إلى معمل الجلد أو استغلال أرض الصنادل في مشروع صناعي له مردودية مادية ولا يحدث أضرار بيئية على المحيط الطبيعي. من جهة ثانية ينبغي إعادة تهيئة وفتح الخط الحديدي وتطويره بحيث يشق المدينة والتنظير المستقبلي لشبكة مترو تربط المنطقة بالشواطئ وطبرقة وماطر وبنزرت وباجة وعين دراهم وبوسالم ومعظم "جنان مجردة". اللافت للنظر أن التعثر الذي تعاني منه جهة نفزة ينطبق على العديد من مدن الشمال الغربي.

من حق السكان في جهة نفزة أن يتم تقوية البث الإذاعي والتلفزي وتحسين شبكات الهاتف والخدمات الرقمية ويجب ربطهم بالطريق السريعة والسكة الحديدية وأن يتم شق طريق حزامية حول مدينة نفزة بغية معالجة مشكل الاختناق المروري التي ظلت بمثابة عامل تعطيل كبير لتدفق الحركة داخل المدينة وسبب تأخر الخدمات الإدارية وتراجع الأنشطة التجارية وانعدام المبادرات الصناعية وتشتت الأنشطة السياحية.

علاوة على ذلك يجب أن تهتم السلطة ومصلحة التجهيز بالسكان في المناطق الريفية الوعرة وتفك عزلتهم وتربطهم بالطرقات الرئيسية من خلال إحداث المسالك الفلاحية وتعبيد المسالك القديمة وتهيئة الجسور.

بهذا المعنى ينبغي على الصعيد الفلاحي توجيه الاهتمام نحو الفلاحة الطبيعية والتركيز على إعادة إحياء البذور الأصلية والمشاتل المحلية الخالية من أضرار التدخل الجيني والتي لا تحتاج أدوية كثيرة مثل بعض التجارب الناجحة في جنوب فرنسا وايطاليا وإفريقيا واسترجاع البذور المهربة إلى أقطار مجاورة ومعالجة مشكل الترويج والتصدير وربطها بأسواق جديدة داخل البلاد وخارجها والتعريف بانتاجاتها. ثم يجب إصلاح مشكلة تشتت الملكية العقارية والتفكير في بعث تعاونيات جماعية تكرس العمل الإنتاجي المشتركة مع المحافظة على الأصول الملكية للخاصة للأفراد والعائلات وإعفاء صغار الفلاحين من الديون وجدولة الديون بالنسبة إلى كبار الفلاحين وتمكين فلاحي الجهة من استغلال مياه السد للري بمعلوم منخفض أو إقرار مجانية الماء الصالح الري. علاوة على ذلك يمكن التفكير في بعث منتجعات سياحية بيئية في كاب نيقرو والزوارع وهي منطقة تجمع بين الجبل والبحر واستغلال المواقع الأثرية والمخزون الطبيعي الخصب مع المحافظة على الثروة الحيوانية وعدم تعريضها لخطر الصيد المشط مما يهدد بعض الأنواع النادرة من الانقراض. زد على ذلك يجدر تشجيع الجمعيات الرياضية والثقافية والتنموية لما توفره من إحاطة نفسية وفائدة اجتماعية للشابات والشبان وللانطباع الحضاري الطيب الذي تضفيه على الجهة. هنا يجب التأكيد على قيمتي النجاعة والمصلحة في العمل المحلي وحقيق المساواة في منفعة المجموع من أجل بلوغ العدالة كإنصاف والوجود الأحسن12[12]. هكذا لا يمكن القضاء على التخلف وتعثر منوال التنمية إلا بالحرية الايجابية والسياسة التشاركية والتعاونية وتوسيع دائرة التمتع بالحقوق والاقتدارات والانخراط في النقاش العمومي والإصلاح بالتوافق وبالربط بين الاقتصاد والإيتيقا وجعل الاقتصاد التضامني والاجتماعي في خدمة الوجود الأحسن للشرائح الشعبية وتوزيع الثروات على الجميع13[13].

غني عن البيان أننا " نمتحن خصائص لمقاربة ممكنة للتنمية المستديمة لضمان تناسق بين الأبعاد المتنوعة للاستدامة من خلال التعويل على عقلانية إجرائية"َ14[14]. فكيف نجعل من تحديات القضاء على التفاوت الاجتماعي وآفات البطالة والخصاصة والازدراء من صلب المسؤولية المشتركة بين مختلف القوى المدنية التي تطالب منذ عقود بالتنمية المتوازنة وباللحاق بالتطور الحصيف للجهات والدول القوية؟.

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

....................................

الاحالات والهوامش:  

1] Amartya Sen, l’idée de justice, traduit par Paul Chemla, éditions Flammarion, Paris, 2010,p17

[2] Christian Coméliau, pour un nouveau de l’étude du développement, in Revue Tiers-monde, n135, juillet- Septembre 1993, p.691.

[3] Amartya Sen , un nouveau modèle économique , Développement, justice, liberté, traduit par Michel Bessières, édition Odile Jacob, 2000.p.13.

[4] Amartya Sen, Rationalité et liberté en économie, prix Nobel d’économie, traduit par Marie-Pascale d’Irbane-Jaawane, édition Odile Jacob, octobre 2005,p.60.

[5] راجع موسوعة ويكيبيديا

[6] أنطوني جيدنز، الطريق الثالث، تجديد الديمقراطية الاجتماعية، ترجمة مالك د عبيد أبو شهيوة و د محمود محمد خلف، دار الرواد، طبعة أولى 1999، ص42.

[7] أنطوني جيدنز، الطريق الثالث، تجديد الديمقراطية الاجتماعية، نفس المرجع، ص51.

[8] أنطوني جيدنز، الطريق الثالث، تجديد الديمقراطية الاجتماعية، نفس المرجع، ص51.

[9] André Dumas, les modèles de développement, in Revue Tiers-Monde , Tome XII- N 46, Avril- Juin , 1976,p.279-301.

[10] Amartya Sen, l’idée de justice, traduit par Paul Chemla, éditions Flammarion, Paris, 2010,558 pages.

[11] Amartya Sen , un nouveau modèle économique , Développement, justice, liberté,p.46.

[12] Amartya Sen, Ethique et économie, traduit par Sophie Marnat,2 edition PUF, Paris, 1999,p.197.

[13] Amartya Sen, l’économie est une science morale, introduction de Marc Saint-Upéry, édition La Découverte, Paris, 2003,p.69.

[14] Sylvie Faucheux, Géraldine Froger, Jean-Francois Noel, quelle hypothèses de rationalité pour le developpement soutenable ?, in revue Economie appliquée, Tome XLVI- 1993- n 4,p.63.

 المراجع:

Amartya Sen, Ethique et économie, traduit par Sophie Marnat,2 edition PUF, Paris, 1999.

Amartya Sen , un nouveau modèle économique , Développement, justice, liberté, traduit par Michel Bessières, édition Odile Jacob, 2000.

Amartya Sen, l’économie est une science morale, introduction de Marc Saint-Upéry, édition La Découverte, Paris, 2003.

Amartya Sen, Rationalité et liberté en économie, prix Nobel d’économie, traduit par Marie-Pascale d’Irbane-Jaawane, edition Odile Jacob, octobre 2005.

Amartya Sen, l’idée de justice, traduit par Paul Chemla, éditions Flammarion, Paris, 2010,558 pages.

Revue Tiers-monde, n135, juillet- Septembre 1993

Revue Tiers-Monde , Tome XII- N 46, Avril- Juin , 1976.

Revue Economie appliquée, n 4 -Tome XLVI- 1993.

- أنطوني جيدنز، الطريق الثالث، تجديد الديمقراطية الاجتماعية، ترجمة مالك د عبيد أبو شهيوة و د محمود محمد خلف، دار الرواد، طبعة أولى 1999،

- موسوعة ويكيبيديا

 

 

عبد الحسين شعبانانشغلت بموضوع “الهويّة والمواطنة” منذ أكثر من ثلاث عقود من الزمان، ارتباطاً بالتغييرات الكبيرة التي شهدتها بلدان أوروبا الشرقية بانتهاء عهد ” الحرب الباردة” بشكلها السابق والصراع الأيديولوجي بين النظامين المتصارعين “الرأسمالي والاشتراكي”، لاسيّما بانفجار موضوع الهويّات على نحو لم يسبق له مثيل، الأمر الذي غيّر الكثير من المسلّمات والفرضيات، فاستوجب إعادة النظر بعدد من القناعات والاستنتاجات، سواءً على الصعيد الفردي أم على الصعيد المجتمعي، للصلة الوثيقة بين العام والخاص، والوطني والفردي والشامل والفرعي.

ولم تكن ظاهرة “انبعاث” الهويّات لدرجة التذرر أحياناً، ناجمة عن إرادة مسبقة أو رغبة في التفلت من الكيانات السابقة فحسب، بل انعكاساً لواقع جديد وتعبيراً عن تمظهرات مستحدثة موضوعياً وذاتياً، بتداخلات خارجية واستقطابات داخلية، خصوصاً وقد رافقها أعمال عنف ونزاع وحرب بعد جدل وصراع، استعرت آواره بفعل صعود عوامل التعصّب ووليده التطرّف وهذا الأخير إذا ما تحوّل إلى سلوك سيقود إلى العنف، والعنف حين يضرب عشوائياً يصبح إرهاباً منفلتاً من عقاله باستهداف المجتمع والدولة معاً، وهدفه إضعاف ثقة الفرد بالدولة وإحداث نوع من الرعب والفزع في المجتمع بما فيه إضعاف ثقته بالدولة، ناهيك عن أنه يصبح إرهاباً دولياً عابراً للقارات والحدود والبلدان.

وقد حاولت معالجة موضوع “الهويّة والمواطنة” من زوايا مختلفة، سواء هويّة الجماعة الثقافية أم هويّة الفرد الثقافية آخذاً بنظر الاعتبار التحوّلات والتغييرات التي شهدتها هويّة الجماعة أو الفرد كجزء من صيرورة تاريخية دينامية متعدّدة ومتنوّعة ومفتوحة وقابلة للإضافة والحذف بما يتناسب مع درجة التطور في كل مجتمع وكل مجموعة بشرية وكل فرد، بلحاظ القواعد القانونية العامة في الدولة العصرية، تلك التي تتيح الإمكانات لمواطنة سليمة ومتكافئة.

وفي إطار الهويّة، وفي لبّها تتفاعل عوامل عديدة قومية ودينية ولغوية وسلالية واجتماعية وثقافية وتاريخية وغيرها، مرّة بمعناها التشاركي وأخرى بمعناها التنازعي، وتارة بمعناها العام الجامع والمشترك وثانية بمعناها الفرعي الخاص والمتميز، والأخيرة غالباً ما تكون دفاعية ضد التسيّد أو الهيمنة أو رفض الاستتباع وقد تندفع مرغمة على الانعزال، سواء على المستوى الفردي أم على المستوى الجماعي، مثلما تأخذ تلك التجاذبات مكانها في البحث عن تكافؤ الفرص لمواطنة متساوية ومتكافئة .

هويات متعددة

1402 الهوية والمواطنةوهناك تداخل وتفاعل لدرجة الاندغام أحياناً بين هويّات متعدّدة لدى كل فرد ولدى كل مجموعة بشرية، وتلك هي ما يميّزها عن غيرها، لاسيّما لشعورها بالانتماء، مثلما تميّز الفرد عن غيره، والأمر يعود إلى القناعة الخاصة من جهة والشعور الذي يجمع من ينتمون إلى هذه المجموعة، أو لدى الفرد الواحد من جهة أخرى، بحيث يقر أن هذه السمات هي التي تعبّر عن هويّته الغالبة أو أن هذه المجموعة تشعر أن هذه المواصفات هي التي تمثل شعورها الخاص بالتميّز أو التمايز عن غيرها من المجموعات الإنسانية.وكان صدور الطبعة الأولى من كتابي ” الهويّة والمواطنة – البدائل الملتبسة والحداثة المتعثّرة ” يناير /كانون الثاني 2017 وقبلها كتابي المعنون “جدل الهويّات في العراق- الدولة والمواطنة” في العام 2010 وقبله كتابي الموسوم ” من هو العراقي؟- إشكالية الجنسية واللاّجنسية في القانونين العراقي والدولي، في العام 2002 فرصة جديدة لتوسيع دوائر الحوار والجدل والنقاش الذي احتدم على المستوى العالمي، ناهيك عن انعكاساته عربياً.ومثل تلك الفرصة كانت مناسبة لإجراء مقارنات ومناظرات مع تجارب شتى أوروبية وأمريكية لاتينية وآسيوية وأفريقية، لاستخلاص المشتركات من جهة ولتأشير المختلفات من جهة أخرى، لاسيّما فيما يتعلق بهويتنا، خصوصاً حين ينصرف التفكير إلى أسئلة قديمة – جديدة، وربما راهنة ومستقبلية من قبيل: كيف يمكن أن نحصّن هويتنا الوطنية ونوازن بين ما هو فردي وعام وفرعي وشامل بحيث نبني ثقافة وطنية قائمة على المشتركات الإنسانية أساسها جدلية الوحدة والتنوّع في آن، والمرتكزة على كونية القيم وخصوصية الأداء والممارسة ؟ وأخيراً كيف السبيل للتواؤم مع قيم الحداثة دون القطيعة مع التراث؟وإذا كان ذلك يتعلق بالهويّة فما هي الأولويات التي تطرح نفسها بخصوص المواطنة التي تتمايز وتختلف عن الوطنية أو الجنسية؟ والمواطنة مسألة سلوكية تعني كل فرد من أفراد المجتمع وهي تتألف من اتحاد مواطنين، وكل مواطن له حقوق وعليه واجبات، وهذا الفهم يختلف عن “الرعايا” أو “التابعين”، أي أن الأخيرين ملحقين في حين أن الأول يعتبر مصدر السلطة إذا ما جمعنا المواطنين إلى بعضهم وهو ما يتم التعبير عنه بالصياغات الدستورية ” الشعب مصدر السلطات”.والمواطن أي مواطن معني بثلاث قضايا: علاقته بالدولة كيف تؤطر، ثم مشاركته في اتخاذ القرار، أي وفق أي صيغة دستورية، وأخيراً مسؤوليته كعضو فاعل في المجتمع ودوره في المشاركة الحيوية، باعتبار أن كل ما يدور في الدولة والمجتمع أمور تعنيه. وتتكوّن هويّة المواطنين من السمات المشتركة والجامعة خارج دائرة الأيديولوجيات والأديان والطوائف، وهي هويّة غير إستنتاجية وغير دوغماتية أو أيديولوجية، بل عفوية تلقائية صميمية، من خلال المشتركات والقيم التي يجتمع المواطنون عليها، وبالطبع فاللغة ركن أساس من أركانها والذاكرة المشتركة والتاريخ المشترك والدين والعادات والتقاليد والآداب والفنون التي نشأوا عليها.

وتلتصق صفة المدنية بالمواطنة وهو ما جاء في لسان العرب فالوطن هو المشترك ومكان الإقامة، سواء ولد فيه الإنسان أم لم يولد، والمواطنة أساسها المعايشة والمشاركة في هذا الوطن، أي المشاركة في العيش معاً، والتي يترتب عليها مسؤوليات اجتماعية وثقافية تتجاوز مسألة الأرض، لأنها تشمل العلاقات ونمط العيش والتفكير والحقوق، ناهيك عن شكل من أشكال الارتباط في إدارة الشؤون العامة، وتحتاج هذه إلى برامج عمل ثقافية وتربوية وتعليمية لتحديد مكوّناتها وأسسها مثل: العلاقة بالمكان، العلاقة بالأشخاص الذين يسكنون هذا المكان، العلاقة بمن يحكم هذا المكان ويدير الشؤون العامة فيه.وتختلف تلك المواصفات من بلد لآخر، ففي البلدان المتعددّة الثقافات تتداخل الهويّات العامة الجامعة والمشتركة، مع الهويّات الخاصة والفرعية، وتحتاج بقدر الإقرار بالهويّة الجامعة، إلى اعتراف باستقلالية الهويّات الفرعية، وفقاً لقاعدة حقوقية تربط بين ثقافة المجال العام المشترك والمتكوّن من مجموع الثقافات، ليس بمعنى حاصل جمع هذه الثقافات وإنما بمشتركاتها الإنسانية وبين ثقافة المجال الخاص مع الأخذ بعين الاعتبار التطوّر التاريخي والتأثيرات المتبادلة بين الثقافات، دون نسيان بعض جوانب التأثير في الثقافة السائدة وانعكاساتها لاعتبارات أخرى، فضلاً عن القيم المشتركة.

جدل الهويات

ولكي يكون الأمر في إطار جدل الهويّات وليس صراعها، أي تقليص الفوارق وتعظيم الجوامع، فلا بدّ من إيجاد نوع من التطامن القائم على المصالح المشتركة المشروعة في بوتقة جامعة، وهي ما يطلق عليه الصديق المفكر انطوان مسرّة ” المواطنة البراغماتية” وذلك تجنباً لصراع الأيديولوجيات في كتابه ” الثقافة المواطنية في المجتمع التعددي” ونزاع الهويّات وتناحر المصالح، ويضرب مثلاً للبنان الذي يقول إن ” الحاجة تنقل صلابة النسيج الاجتماعي الحي إلى المجال العام”.

وإذا كانت الذاكرة الجماعية المشتركة خزين لتفاعل الهوّية فهي حكماً تحتاج إلى مناهج تربوية وتعليمية مشتركة تأخذ بنظر الاعتبار المشتركات مجنّبة التاريخ من الاسقاطات الأيديولوجية عليه، تلك التي تحول دون إكسابه الطابع العلمي والموضوعية المطلوبة.

والمواطنة التي تقوم على مرتكزات أساسية قوامها: الحرية والمساواة والعدالة، ولاسيّما الاجتماعية والشراكة والمشاركة في الوطن، لا يمكن أن تعتمد على التلقين أو تمرّ من قنوات أيديولوجية أو تخضع لتقسيمات دينية أو طائفية، بل تحتاج إلى ممارسة حقوقية وحوار مستمر قطاعي ومجتمعي وقواعد قانونية تحمي المواطن الفرد مثلما تحمي حقوق المجموعات الثقافية وهوّياتها الفرعية ذات الخصوصية التي ينبغي احترامها.وإذا كانت الهويّة الوطنية قد لعبت دوراً جامعاً في فترة ما بعد الاستعمار، فقد كان هذا الدور عفوياً للشعور بالاستلاب من جهة، والرغبة والإرادة في الانعتاق من جهة أخرى، ولذلك أدارت المجاميع الثقافية حواراً فيما بينها على نحو تلقائي صميمي أساسه الدفاع عن الوجود بما فيه إذكاء وتعزيز الانتماء الوطني والشراكة بين أبناء الوطن الواحد، فضلاً عن الشعور بالاندماج والتفكير المشترك بالجامع والموحّد دون نسيان التمايزات والخصوصيات، وحسبنا هنا أن نستذكر المواجهة المتّسمة بالوحدة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني في العراق وضد الاحتلال الفرنسي في سوريا ولبنان.

ولعل أكبر التحديات التي تواجه الهوّية اليوم هو تحويلها إلى واقع حال، لاسيّما في ظل الانقسامات الطائفية والإثنية، التي دفعت بالهويّات الفرعية دينية أم إثنية أم لغوية أم سلالية إلى محاولة التفلّت بسبب ما لحقها من تسلط وتهميش في فترة ما بعد الاستقلال، دون التغافل عن العوامل الخارجية التي حاولت العزف على هذا الوتر، بهدف إضعاف الهوّية الوطنية في كل بلد عربي وعلى المستوى القومي.

وبالطبع فإن الممارسة الخاطئة والضارة والنظرة الأيديولوجية المتعالية والمسبقة لفكرة المواطنة هي التي عقّدت المشهد السياسي ووضعت عقبات أمام بناء ثقافة وطنية جامعة وهويّة صلبة ومتماسكة وشاملة تقوم على احترام الخصوصيات والهويّات الفرعية، والأمر لا يتعلق ببلداننا وهوّيتنا وثقافتنا ذات البعد العربي الإسلامي وإنما يتصل بالعالم أجمع، خصوصاً في أوروبا الشرقية بعد انهيار الأنظمة الشمولية، لدرجة إن بعضها خاض حروباً دموية وتشظى إلى عدد من الكيانات والدول أو الدويلات تحت عنوان ” انبعاث الهويّات”، الذي امتد إلى بلدان آسيا وأفريقيا وبعض دول أمريكا اللاتينية، ليس هذا فحسب بل إنه شمل أوروبا الغربية أيضاً . الأمر الذي يحتاج إلى إعادة النظر ببعض التقديرات التي اقتربت من الأوهام التي رافقتنا طيلة عقود من الزمان بشأن إمكانية حلّ جدل أو صراع الهوّيات بطرق آيديولوجية اعتقدنا أنها الطرق الناجعة، وإذا بالتجربة التاريخية تظهر العكس بارتفاع حدّة الصراع والجدل لدرجة أنه أصبح دموياً في بعض بلدان ” أوروبا الشرقية” وإن ظلّ في بلدان “أوروبا الغربية” سلمياً وقانونياً ودستورياً، لكنه قد يذهب أبعد من ذلك وهناك أمثلة كثيرة منها اسكتلندا وكاتالونيا والباسك والكيبك وبلجيكا وغيرها.وحتى المفاهيم الحديثة التي جرى الاعتقاد أنها العلاج الشافي لمسألة انبعاث هوّية عصرية جديدة، أساسها الديمقراطية، فإن هذه القيم لوحدها غير جديرة ببناء هويّة موحّدة، وإنما تحتاج إلى استنهاض القيم التاريخية والثقافية المشتركة والذاكرة الجماعية العابرة للآيديولوجيات والطوائف والقوميات والإثنيات واللغات، سواء على المستوى الجمعي أو على المستوى الفردي، فللفرد مثلما للمجموعة أكثر من هوّية، كأن يكون عربياً أم كردياً، مسلماً أم مسيحياً، عراقياً أم سورياً، لكنه جزء من هوّية أوسع عربية أو حتى إسلامية مثلاً.

وهكذا تكون الهويّة مركّبة فردية أم جماعية وإن ارتبطت بوطن، فلأنها تحمل جنسيته كجزء من دولة ترتبط بالمواطنة كعلاقة مزدوجة مع محيطها دون استصغار أي من العناصر الأخرى، لكنه لبناء المشتركات تحتاج إلى الإقرار بوجودها ومراعاة تطورها التاريخي، وبالتالي وضعها في سياق يخدم المشترك الإنساني أولاً، ومرة أخرى نقول إن الهويّة جماعية أم فردية تخضع لهذه الاعتبارات، أي أنها مجمعنة أم مفردنة هي غير سرمدية أو نهائية أو كاملة، بل هي مفتوحة وتتطور مع تطور الزمن وغير نهائية، لأنها قابلة للإضافة والحذف.

وتلعب التربية دوراً مهماً في تعزيز الجانب التشاركي أو التنازعي في الهويّة والشعور بالانتماء لمواطنة موحدة، والأمر يشمل حتى البلدان المتقدمة فمثلاً في سويسرا تقرّ الدولة أربع لغات رسمية هي: الألمانية والفرنسية والإيطالية والرومانشية، حيث تعترف بـ الحق في التعلّم في المدارس بأي من هذه اللغات وبهذا المعنى لم تعد مشكلة نزاعية قانوناً وواقعاً. أما بلجيكا وإن كانت دولة ديمقراطية وفيدرالية أيضاً مثل سويسرا، لكن السلم المجتمعي لم يتحقق إلّا في العام 1957 بعد إقرار الحق في تعلّم أي من اللغتين السائدتين، والمقصود بذلك لغة الوالونيين والفلامنيين حيث أقرّت الدولة ميثاقاً مدرسياً للتربية، ومع ذلك فإن العوامل النزاعية ثقافيا ولغوياً ومصلحياً ما تزال تفعل فعلها الذي قد يصل إلى الانفصال، ولذلك لا يكفي القول بأن الحل في الديمقراطية وحدها، لأن العيش المشترك والشعور بالسمات العامة المشتركة هو الأساس الذي لا غنى عنه لتشكيل الهوّية من جهة ولبناء مواطنة متكافئة وقائمة على أسس دستورية، وهو ما يحتاج إلى إرادة سياسية توافقية وتنشئة تربوية على المواطنة المتساوية، ناهيك عن شرعية الإنجاز أيضاً من خلال التنمية وحسن الأداء والتعامل والمهم التطامن بين الهويّات.ولبناء مواطنة حيوية على أساس هويّة موحدة، فالأمر يحتاج إلى مناعة وطنية باستذكار ما هو سلبي في علاقات المجموعات الثقافية ليكون عبرة، والبناء على ما هو إيجابي ليكون أفقاً، لكي لا يندفع من يشعر بالغبن والتهميش والإقصاء إلى الرفض والتمرد والرغبة في الانقسام، وهذا الأمر يتطلب منجزاً مشتركاً ومعرفة متبادلة بخصوصيات كل فريق ومراعاتها، لما فيها من حساسيات، ناهيك عن المجال العام المشترك الداعم للوحدة والتضامن ومجابهة التحديات الخارجية، كما يحتاج إلى شجاعة وتصميم وإرادة سياسية والتزام قيمي وحضاري يقوم على المشتركات الإنسانية والتشاركية المسؤولة على مستوى الفرد والمجتمع والدولة.وأساس كل ذلك هو العيش المشترك والضمانات الحقوقية والالتزامات القانونية، أي عدم التمييز ونبذ أي شكل للاستعلاء بزعم “الأكثرية والأقلية” أو ” الأكبر والأصغر” أو “القوي والضعيف” أو ” الأعلى والأدنى” وهو ما حاولنا تسليط الضوء عليه لمعالجته وفقاً لقواعد دستورية للدولة العصرية، بتأكيد التخلي عن أي شكل من أشكال الإرغام والإكراه والعنف ضد الآخر والإقرار بالتعددية والحوار والتوافق على حل المشكلات بالسلم والتفاهم وعدم اللجوء إلى السلاح، وذلك وفق عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة المواطنة والحقوق .

حركة الاحتجاج

وقد أكّدت حركة الاحتجاج الواسعة في العديد من البلدان العربية وآخرها في العراق ولبنان أن المواطنة لا تستوي مع المحاصصة، مثلما لا تستقيم الهويّة العامة الجامعة بالمحاصصة أيضاً، فالمواطنة والهويّة موجودتان أساساً في المجال العام المشترك للحياة اليومية في الأحياء والشوارع والجامعات وأماكن العمل والمرافق العامة والخدمات في الصحة والتعليم والإدارة والبيئة والبلدية وكل ما يشكّل مشتركاً للجميع، ففي تلك المجلات المدخل الحيوي الجامع للمواطنين وللهوّيات المختلفة المؤتلفة والمندرجة في إطار مواطنة متكافئة، وهو ليس شأن الدولة فحسب، بل شأن المجتمع أيضاً وقواه المحرّكة، ويمكن أن يسهم به المجتمع المدني، فالشأن العام بحاجة إلى تربية أيضاً، أي الشعور بالمسؤولية والمشاركة في كل ما حولنا، من احترام القواعد الناظمة للعلاقات إلى معالجة المشكلات بالحوار والســـلم، إلى وضع الخطط والبرامج لحياة نوعية أفضل.

ونحتاج إلى الإصغاء لبعضنا البعض وإتقان فن الحوار والمصارحة وإدارة التنوّع الثقافي باحترام الخصوصيات، بما يعزز المسؤولية الجماعية، وينمّي الفردانية والتميّز دون نسيان المشتركات الإنسانية والمسؤوليات التي تترتّب على الفرد وحقوقه إزاء الجماعة والمجتمع، وتلك تحتاج إلى بناء من التنشئة الأولى، لاسيّما إذا توفرت مؤسسات لرعاية مثل هذا الحوار، وهو حوار بين أتباع الثقافات المختلفة، سواء: قوميات، أديان، لغات، وحوار في الحياة العامة، مثلما يحتاج إلى رياضة نفسية لتقبّل الآخر وأفكاره وحقه في الاختلاف. والحوار يمكن أن يتخذ بعداً ثقافياً وآخر حقوقياً وقانونياً وثالثاً سياسياً واجتماعياً ويحتاج إلى إدارة فاعلة وناجحة لإدارته.

نأمل أن تكون هذه الطبعة الثانية مناسبة جديدة أكثر اتساعاً لحوار مفتوح متعدد الجوانب فكرياً وثقافياً وسياسياً وبروح الشعور بالمسؤولية على المستوى الفردي والجماعي حول إشكاليات الهوّية والمواطنة من أجل فهم أكثر عمقاً وشمولاً وصميمية بالرغم من أوضاعنا العربية المعقّدة والمتشابكة والتحديات التي تواجه مجتمعاتنا خارجياً وداخلياً للانطلاق نحو أفق جديد في إطار مشروعنا النهضوي العربي.

 

د. عبد الحسين شعبان

................................

{ بيروت، 26 كانون الأول (يناير) 2019

مقدمة الطبعة الثـــانية لكتاب الهوية والمواطنة – البدائل الملتبسة والحداثة المتعثرة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2020.

 

سليم مطرالعديد من الحكومات والجهات تجهد للتعتيم على هذه الثورة المعرفية التي حطمت عقائدها القومية العنصرية، عن الاصل العرقي النقي!

 انتهت اسطورة العروبيين عن اجدادنا (قحطان وعدنان، ويعرب) ونزوحنا من الجزيرة العربية. الشعوب الناطقة بالسامية والعربية، من الاساس مختلطة الاعراق، تمازجت اولا في العراق والشام، ثم انتشرت جنوبا حتى اليمن. قبائل الجزيرة العربية نفسها وحتى عشائر الاشراف، تنتسب الى سلالات واصول متنوعة!

 انتهت اسطورة الاصل الآري (الهندو اوربي) للأكراد وللفرس!!

 انتهت اسطورة الاصل الطوراني للشعوب الناطقة بالتركية!

 انتهت اسطورة الاصل العبري النقي والجد الاعلى (يعقوب) التي تقدسها الحركة الصهيونية!

 انتهت اسطورة النازية عن العرق الآري النقي. (هتلر) نفسه منحدر من سلالة (حامية: مصرية مغاربية شامية) ، تماما مثل (نابليون) و (اينشتاين) ! (1)

 لتبيان اهمية هذا العلم الجديد في معرفة تاريخ الشعوب، كيف انه حسم الجدل المعروف عن (اصل السومريين) وكذلك (العيلاميين: الاحوازيين) ، إذ تأكد انهم يحملون نفس الجينة السامية (J1) أي هم من الجماعات الاولى التي شكلت سلالة الشعوب الناطقة باللغات السامية، (بالتداخل مع السلالة الحاميةE ) . (2) (سنفصل هذه المعلومة في موضوع خاص قادم) . (3)

 اخيرا انتصرت الفكرة (الانسانية الوطنية) ، القائلة بأن: (الشعب والقومية، وحتى القبيلة) ، اشبه ب (بحيرة) تكونت خلال قرون وقرون، من تجمع مياه مختلف (الاصول): انهار وسواقي وامطار. لكن ابنائها يعتقدون بأن (بحيرتهم) تكونت فقط من (النهر الفلاني: اي الاصل والجد الواحد) الذي ينتسبون اليه!

نعم، ان الانسان كالشجرة، ابن الارض والوطن الذي يتجذر ويعيش فيه، والشعب الذي يولد ويختلط ويتربى ببيئته .

تعقيد وخطورة هذا الموضوع

حتى سنوات قريبة، كان (تاريخ الشعوب والهجرات والانساب) يعتمد على مصدرين اساسيين:

 مكتشفات الآثار والوثائق القديمة.

 التراث الحكائي والاسطوري والديني.

لكن في السنوات الاخيرة قد اضيف مصدرا ثالثا هو (علم جينات السلالات البشرية: Généalogie génétique) الذي يلعب دورا مهما في تأكيد صحة او خطأ التاريخ المتداول للشعوب واصولها وهجراتها وتمازجاتها. (4) ان أول من اكتشف (الجينات Genes الموروثات) العالم البريطاني جيفيرز عام 1984. ان هذا المجال العلمي هو كون معرفي لا محدود ومعقد لتشابكه بالرموز والارقام والاسماء، مع التجديدات المستمرة للبحوث والكشوفات، كذلك هو خطير جدا، لانه يمس مباشرة بواحدة من مقدسات جميع الاقوام والشعوب والقبائل: بانهم انقياء عرقيا وينحدرون من اصل واحد آمنوا به خلال حقب طويلة! (5)

 لنتخيل رد فعل العروبيين عندما يكتشفون بان قبائل الجزيرة العربية، بما فيهم السادة الاشراف، هم من الاساس خليط من سلالات واجناس مختلفة، مع غلبة السلالات: السامية (J1) ، ثم الشرق اوسطية (J2 ) ، ثم الحامية (E): المصرية المغاربية (6) بالاضافة الى سلالات عديدة آخرى. وان عرب العراق وباقي الشعوب العربية وغالبية شعوب وقوميات العالم، كل منها تنتمي الى اكثر من 10 سلالات مختلفة من انحاء الارض، مع سلالة او اكثر غالبة! (7)

 و (القوميون الاكراد) الذين يتفاخرون بأصلهم (الآري الاوربي) بناءا على لغتهم المحسوبة على اللغات الآرية، عندما يكتشفون بانه فقط ثلثهم جيناتهم (آرية R) ، والغالبة سامية عربية وحامية: (J) و ( (E (8) ، ومجموع السلالات المختلفة بين الاكراد أكثر من 10. نفس الحال تماما بالنسبة للفرس؟! (9)

 ويهود إسرائيل، الذين كل عقيدتهم الصهيونية ودولتهم قامت على اساس إيمانهم بأن اصلهم يعود الى (شعب اسرائيل القديمة وجدهم يعقوب) ، وفجأة صدمة إكتشفاهم بأن غالبيتهم لا ينحدرون من اصول (سامية يهودية) ، بل عربية وحامية واوربية وقفقاسية!؟ بل الاطرف من هذا، ان غالبية اليهود والفلسطينيين يشتركون بنفس الاسلاف القدماء المتنوعي الاعراق (10)

 والشعوب الناطقة باللغات التركية، التي قدست (عقيدة القومية الطورانية) ،عندما تكتشف بان الجينات الاصلية لمنطقة (طوران: آسيا الوسطى): (C, N, Q) ، لا تزيد عن (10%) عند الشعوب التركية. وان السلالات (السامية والحامية والشرق اوسطية وألآرية) هي التي تسود بينهم. (11)

الخلاصة، ان اكتشافات هذا العلم قد خيبت آمال وشعارات القوميين المؤمنين بالنقاء العرقي والاصل الواحد. وتأكدت الفكرة التي ظل (الانسانيون) منذ القدم يدافعون عنها: ان شعوب واقوام الارض هي تمازجات من مختلف (الاعراق) ، اجتمعت وتزاوجت لاسباب جغرافية ومصالحية وثقافية، ثقافية . وأن (القومية واللغة المشتركة) لا تعني ابدا الاصل العرقي والدم الواحد.

إذن بسبب خطورة هذا الموضوع سياسيا، فأن هنالك الكثير من الجهات التي تحاول التعتيم على النتائج بما يخدم مصالحها ويخفيها او يشوهها للتقليل من شدة خطرها على بقاء شعاراتهم القومية والتاريخية والسياسية. او على الاقل العمل على اخفاء هذه النتائج كما يفعل قادة الاقليم الكردي بالاصرار على (آرية وايرانية الاكراد) وانعدام علاقتهم بالعراقيين اخوتهم في الجغرافيا والتاريخ. كذلك العروبيون الذين راحوا يحتالون على صدمة (الجينات) فقسموها عنوة وسذاجة الى (جينات قيسية عدنانية) و (جينات قحطانية يمنية) ، بل بلغت السذاجة ان كل جماعة تتهم الجماعة الاخرى بانهم (ليسوا عربا) !؟ (12)

ماهو هذا العلم؟

بأختصار وتبسيط: يتكون جسم الانسان من حوالي 70 تريليون خلية: أي (70 مليون مليون) . في داخل نواة كل خلية، هنالك (23) زوجا من (الصبغيات: كروموسوم Chromesome) ، وكل صبغية من اربعة اطراف على شكل (X) ، وكل طرف عبارة عن خيوط ثنائية ملتفة حلزونيا تحمل في تكوينها ( الحامض النواتي: دنا: (DNA) او (ADN) الذي فيه عدة آلاف من (الجينات: الموروثات) ، وكل جينة اشبه بكتاب تحتوي على ملايين (الرموز: Nucléobases) ، ومجموعها الكلي في جميع الكروموسومات، ثلاث مليارات رمز (مثل الكلمات في كتاب) . !ذن هذه الخيوط ال ADN عبارة عن ملفات مكتوب فيها كل التاريخ البدني للشخص الذي ورثه من الآباء والامهات، منذ إن وجد الانسان، أي ملايين الاجداد الذكور والاناث!؟ من خلال تحليل هذه (السجلات الخيطية) يمكن تتبع تسلسل الاختلافات والتشابهات في العائلات ثم القبائل ثم القوميات، ثم الشعوب، ومعرفة صلات القرابة بينها، وتمييز نوعية (السلالة القديمة: أي الجدّة او الجد القديم جدا) الذي ينحدر من الشخص، اي ما أسموه (المجموعة المتفردة:(13) Haplogroup: هابلوغروب: السلالة) .

بين هذه الازواج الصبغية في نواة كل خلية هنالك (22) منها تسمى (جسمانية: Somatic) ، لأنها مسؤولة عن توريث الجنين جميع مكونات جسمي الاب والام، مناصفة بينهما. اما الزوج الصبغي الاخير رقم (23) ، فهو متخصص فقط بتحديد (جنس الجنين) . وهذا الزوج الصبغي هو الوحيد المختلف بين الرجل والمرأة: عند المرأة (X و X) عند الرجل توجد احدى الصبغتين ينقصها طرف فتكون على شكل ( (Y، وهو الطرف الذي يحمل الجينات المسؤولة عن توريث الجهاز النسوي، الذي طبعا لا يحتاجه الذكر. فاذا نقل الاب اثناء الاخصاب صبغية (X) التي تمتزج تماما بصبغية الام (X) فيكون الجنين انثى: (XX) . واذا نقل الاب صبغية (Y) يكون الجنين ذكر (XY) . وهذا يعني ان الصبغية الذكرية الابوية (Y) لا توجد في جينات الاناث، بل فقط في الذكور.

انواع فحوصات كشف السلالات

هنالك ثلاث انواع من الفحوصات المعروفة لتحديد سلالة الشخص والجماعات:

1 الفحص (الجسماني Somatic) ، بالاعتماد على جينات الصبغيات ال (22) ، لمعرفة التشابهات الجينية بين الجماعات البشرية. وهذا فحص عمومي وتقريبي لا يعطينا فكرة محددة عن السلالة الابوية ولا الامومية.

2 الفحص الابوي (Y-DAN) بالاعتماد على سجل الصبغية الجنسية الذكرية (Y) التي تحتوي على 59 مليون رمز. ويرثها فقط الابن من ابيه ولا ترثها البنت. وهذا الفحص هو الاساسي والسائد لانه يكشف لنا السلالة الابوية، من الاب ثم الجد الاقدم والاقدم الى مئات الاجيال حتى عشرات الالاف من السنين. ان هذه الجينة (Y) الذكرية اشبه بورقة تحتوي على 59 مليون رمز. وعندما تنتقل الى الابن فأن رمزا واحدا يتغير. وحسب كمية ونوعية الرموز المتغيرة يمكننا تقصي عدد الاجداد وتواريخهم التقريبية. أي يمكننا تقسيم الافراد الى سلالات متوراثة، بالاعتماد على تشابه سجل رموز (الصفحة الجينية) .

3 الفحص الامومي (ADNmt) وهو لا يعتمد على اي من الصبغيات ال (23) ، بل على (عضوية ADN) خارج نواة الخلية موجودة في كل خلية من اجسام الرجال والنساء، وهي مسؤولة عن تكوين الطاقة: مصنع الطاقة. وتسمى (متقدرة، أي ال: دنا الامومية: DNAmt) ، وعددها في كل خلية بين مئات او آلاف حسب وظيفة الخلية، وفي كل متقدرة 16 الف جينة.

رغم ان الاب يمتلك هذه (المتقدرة) إلّا انه لا يورثها الى الجنين، بل فقط الام تنقلها الى الجنين (الذكر والانثى) لانها موجودة مسبقا في بويضة الام. لهذا فأن الرجال والنساء يمكنهم بهذا (الفحص الامومي) معرفة سلالة الام. لكن نقطة الضعف، انها لا تسجل "رمز" كل جيل، بل كل عدة اجيال. فيمكننا فقط معرفة (سلالة جدتنا) البعيدة قبل اربعة آلاف عام وما سبقها. (14)

مثال للتوضيح: سلالات الشعب العراقي وقومياته ومناطقه

هذه الجدولين من عملنا بعد جهود كبيرة بالبحث والمقارنة بين نتائج العديد من الفحوصات العالمية، والانتباه الى الاختلافات (احيانا) بين نتائجها. (15) .

وهو يدعم الفرضية الواقعية القائلة بأن سكان (بلاد النهرين) الاوائل هم من نفس سلالة ساكني سفوح (جبال زاغاروس، المطلة على النهرين) اجداد الاكراد (مثل الغوت والكاشيون الذين كان يهبطون الى النهرين سلما وغزوا، ويحكمون ويمتزجون بسهولة مع ابناء عمومتهم اهل النهرين) . أي هم من السلالة (J) التي منها انحدرت (J1) للسومريين والعيلاميين، وغالبية الناطقين بالسامية. ثم فيما بعد اتت (الهجرات ألآرية) من (جنوب روسيا) التي (كردت) لغة وثقافة (سكان الجبال الاصليين) وميزتهم عن اهل النهرين. تقريبا كما فعل (التعريب) مع باقي (اهل النهرين) بعد الفتح العربي الاسلامي: 

1401  السلالات البشرية 3

1401  السلالات البشرية 2

السلالات الكبرى السائدة في الشرق الاوسط والعالم العربي واوربا

وبما ان تاريخ الوجود البشري قديم جدا يعود الى حقب بعيدة مجهولة (ما زال العلماء في خلاف وجدل حول زمان ومكان اوائل البشر) (16) ، فقد تم الاتفاق على ان تحدد السلالات البشرية قبل حوالي 50 الف عام، اي في نهايات العصر الجليدي الاخير الذي دام اكثر من 100 الف عام، وقضى على الكثير من السلالات البشرية القديمة، ومع تنامي الدفئ وذوبان الجليد بدأت الجماعات البشرية تتحرك وتنشط وتكون سلالات جديدة.

تمكنت المختبرات الخاصة وبعد سنوات من الفحوصات الجينية لعشرات الآلاف من الاشخاص من جميع شعوب وقوميات وقارات الارض ذكور واناث، من تحديد السلالات الكبرى التي تنتمي اليها البشرية: 20 سلالة أبوية، واكثر من 20 سلالة امومية. ثم تم تقسيم هذه السلالات الاولى الى سلالات فرعية تنتسب ل (جد) أقرب زمنا، اي بحدود 10 آلاف عام، وهكذا دواليك أمكن تقسيمها الى فروع اصغر، كل سلالة منها تنتسب لجد قبل قرون، حتى القبيلة ثم العشيرة ثم العائلة. اطلق على هذه السلالات الكبرى، الابوية والامومية، تسميات من حروف: A, H , K…. (17)

وكل واحدة من هذه السلالات وخلال هذه الالاف الطويلة من الاعوام، تفرعت الى سلالات مختلفة. وهذه بعض السلالات الابوية الكبرى (18):

 السلالة الاصلية (iJ) تكونت قبل 50 الف عام في الشرق الاوسط (بين شمال العراق وسوريا وايران والاناضول والقفقاس) . ثم انقسمت الى (سلالتين) مختلفتين كل منها كونت سلالة عالمية خاصة:

 السلالة (i) التي تكونت في البلقان قبل حوالي 25 الف عام، وشكلت اول واقدم سكان اوربا، وتنتشر في انحاء القارة، وخصوصا بين شعوب البلقان والاسكندناف اكثر من 40%. واما في الشرق الاوسط فتوجد بين شعوب ايران 24%، وبين اكراد العراق 16% وأكراد تركيا 25%. وبنسب صغيرة جدا او معدومة، بين اليهود والشعوب العربية، وكذلك التركية.

 السلالة (J) التي بقيت في الشرق الاوسط، انقسمت قبل حوال 20 الف عام الى سلالتين متداخلتين (J1) و (J2):

 السلالة (J2) ، وبقيت في المنطقة حيث ينتشر ابنائها خصوصا في الشرق الاوسط والقفقاس وآسيا والبحر المتوسط، وبين الشعوب الناطقة بالسامية والعربية: بنسبة اقل او اكثر من 25%، بين العراقيين والاحوازيين واللبنانيين واليهود والايرانيين والاكراد الجورجيين، وفي تركمانستان وأوزبكستان وباكستان واليونان والبانيا وأسبانيا. اما في عموم أوروبا وافغاستان والهند فبنسب لا تزيد عن 7.3%

 السلالة (J1) ، وتكونت عند سفوح جبال زاغاروس وطوروس (شمال بلاد النهرين: العراق وسوريا) ، وانتشر ابنائها خصوصا في المناطق التي اصبحت تتكلم باللغات السامية بالتداخل مع (السلالة J2) و (السلالة الحامية:E) . وتسجل (J1) اعلى نسبها بين سكان جنوب العراق 80%، وعموم عرب العراق 64%، وسريان العراق 28%، واكراد العراق 11%، واليمن 70%، والاحواز 35%، وفلسطين 38 %، وسوريا 33 %، والجزائر 35 %، وتونس 30 %، والاردن 48% وبدو النقب 62%. والسودان حوالي 50%.

 السلالة الحامية (E) وهي سلالة تتقاسم الانتشار بين الشعوب الناطقة بالسامية العربية وكذلك اليهود. تكونت في جنوب افريقيا قبل حوالي 30 الف عام . ثم قبل حوالي 18 الف عام انتشرت فروعها المختلفة في مصر والسودان واثيوبيا والصومال وبلدان المغرب، وبلغت منطقة الشام ثم العراق والجزيرة العربية، واختلطت مع السلالة (J) لتكون اساس الشعوب الناطقة باللغات السامية. بتأثير الفينقيين والمصريين والبربر واليهود والعرب، انتشرت هذه السلالة في انحاء الشرق الاوسط والبلقان وعموم البحر المتوسط: اكثر من 20% بين شعوب البلقان، وبين 10 الى 13% في تركيا واسبانيا وايطاليا. ( الطريف انها بنفس النسبة بين يونان واتراك قبرص: 24%!؟) . انها السلالة الغالبة (بين 35 الى 70%) في مصر وبلدان المغرب وخصوصا بين الامازيغ (البربر والطوارق) . اما في المشرق فأن اعلى نسبها في بلدان الشام إذ تتراوح بين 20 الى 30%، وخصوصا في الاردن وبين بدو النقب والبحر الميت. وبين 10 الى 15% بين عرب الجزيرة العربية، والعراق. وبين عموم الاكراد حوالي12%، وتركمان العراق 17%.

 السلالة (الآرية الهندو اوربية) (R) ، تكونت قبل حوالي 30 الف عام، في شمال البحر الأسود وجنوب روسيا، ثم انتشرت في انحاء أوروبا وأيضا في الشرق الاوسط ثم استقرت في الهند. وتعتبر السلالة الأولى في اوربا وتشكل حوالي نصف جيناتهم. ومنها انبثقت قبل حوال خمسة آلاف عام القبائل الناطقة باللغات (ألآرية) التي بفضل اكتشافها استخدام الجياد، تمكنت من الانتشار وفرض هيمنتها ولغتها التي شكلت اساس لغات غالبية شعوب الهند واوربا. اذا اضفنا هذه الجينة (R) الجينة الخاصة بالاوربيين (i) لتشكلان (الجينات الآرية الاوربية) ، فانها توجد في الشرق الاوسط بنسب مهمة: عند الايرانين والاتراك والاكراد حوالي 35%، عند العراقيين بما فيهم العرب 17%، وشعوب الشام حوالي 20%.. السعودية 7%.. الامارات 12%. بل حتى بين (بدو النقب الاردنية) 16%؟! اما في مصر وبلدان المغرب، فهي اقل من 9% او معدومة!

توضيحات مهمة..

1 ان انتساب (الجينة العرقية) الى شعب ومنطقة، نسبي وليس حصري:

لقد تم تحديد انتساب كل جينة الى عرقية ومنطقة معينة (سامية، اوربية، قوقازية....) ، على اساس غلبتها بين السكان، ولكن هذا لا يعني انها لا توجد في مناطق اخرى بنسب مختلفة، فخلال عشرات الآلاف من السنين كانت البشرية تمتزج من خلال الهجرات والتزاوجات والحروب والاسر والعبودية والتجارة.. الخ. فمثلا ان الجينة (J1) اعتبرت (سامية وعربية) لانها تعتبر هي الجينة الغالبة، إذ تتراوح بين ( 30% الى 70%) بين الشعوب الناطقة باللغات السامية واليهود والعرب، ولكنها ايضا منتشرة في انحاء العالم بنسب مختلفة غالبة او قليلة.

2 الجينة العرقية، ليس لها أي دخل بشكل الانسان وتكوينه الجسمي:

مثلا، قد يكتشف اشخاص باشكال صينية او اوربية او زنجية، انهم ينتمون الى سلالة ابوية او امومية تعود الى اجناس مختلفة تماما؟! لنفترض ان رجل سامي عربي يحمل الجينة (j) او اوربي اشقر من الجينة (i) ، لسبب ما يجد نفسه في منطقة افريقية يقطنها الزنوج. يتزوج بأمرأة افريقية، وطبعا ابنائه الذكور يتزاوجون بأفريقيات، وهكذا دواليك خلال قرون طويلة بحيث انهم يذوبون تماما ويصبحون زنوجا جسما وروحا، وينسون تماما جدهم واصلهم الاول. لكن عندما يفحص احدهم جيناته يندهش انه يحمل جينة جد سامي او اوربي! نفس الامر يمكن ملاحظتة في الاصل الامومي. (19)

فمثلا، ان غالبية في السودانيين في الشمال، عرب ونوبيين، يبدون بأشكال افريقية، ولكن غالبية جيناتهم سامية عربية (J1) ، لأن اجدادهم الساميون والعرب قد تزاوجوا مع افريقيات! إ

إذن الجينة والاصل السلالي للانسان لا يحدد شخصيته وإنتمائه ولا حتى شكله، بل البيئة التي عاش فيها هو واسلافه. وهذا يعني ان الفحص السلالي ليس له قيمة فعلية للاشخاص، بل قيمته معنوية لارضاء الفضول ليس اكثر. فماذا يعني للعراقي او اليوناني، ان يكتشف ان جدّه او جدّته قبل آلاف الاعوام كان من الصين او افريقيا او اوربا؟

نعم ان (علم جينات السلالات البشرية: Généalogie génétique) له قيمة كبرى لدراسة تاريخ اصول الشعوب وهجراتها واختلاطتها، ودحض فكرة النقاء العرقي والقومي. والبرهان على ان القوميات والشعوب هي عبارة عن (اتحادات ثقافية جغرافية تاريخية مصالحية) وليست عنصرية عرقية!

*  *  *

لأسباب تقنية لم نستطع اضافة الجداول والصور والخرائط المهمة جدا المتعلقة بموضوعنا هذا. لكن من يرغب بالموضوع كاملا مكملا، فانه منشور في موقعي:

http://salim.mesopot.com/hide-feker/115-%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%B4%D9%81%D8%A7%D8%AA-%D8%AC%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D9%88%D8%A8%D8%8C-%D9%88%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%88%D9%87%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D9%85%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D9%82%D9%8A.html

توضيح: ان هذا الموضوع ظلّ يشغلني منذ اكثر من عام، لانه في صلب مجال: (التاريخ والهوية الوطنية والانسانية) . انكببت عليه بشغف بحثا وتدقيقا واستنساخا وتسجيلا ومقارنة واتصالات وترجمات عبر ثلاث لغات: العربية والانكليزية والفرنسية، بهدف:

اولا، فهمه، فهو حقا موضوع صعب ومحشور بالرموز والمصطلحات والارقام والحروف والرسومات والشروحات العلمية الغامضة وحتى الخاطئة او المنقولة بين مختلف اللغات بصورة مشوشة..

ثانيا، كيفية تقديمه الى القراء بصورة واضحة ومبسطة ومختصرة بعيدا عن المسميات الغامضة والارقام والتفاصيل العلمية التقنية والمختبرية جدا، ولكن بنفس الوقت الحفاظ على جديّته وعلميته وصحته.

ارجو ان أكون قد نجحت..

 

المصادر:

بما ان هذا المجال العلمي جديد وبرز خصوصا في السنوات الاخيرة، فأن جميع الكشوفات والمعلومات بجميع اللغات، منشورة اساسا في عالم الانترنت، في المواقع العلمية المتخصصة وكذلك في ويكيبديا وفي مختلف المواقع الصحفية والثقافية. فلا يُستغرب ان تكون جميع مصادرنا من الانترنت.

(1) حول الاصل الجيني الحامي الشرقي ل (هتلر) ، طالع:

 مقال المجلة البلجيكية، بعنوان: Hitler verwant met Somaliërs, Berbers en Joden

https://www.standaard.be/cnt/dmf20100817_117

 كذلك بالعربي:

https://www.almrsal.com/post/297234

 عن اصل (نابليون) الحامي الشرقي، من السلالة الجينية E-m34، طالع:

 Journal of Molecular Biology Research le 31/12/2011

https://www.igenea.ch/fr/napoleon

 بالعربي:

https://www.facebook.com/AlgeriaGenes/posts/745680712270762/

(2) حول اصل السومريين: ان السلالة السامية انحدرت من شمال النهرين (العراق والشام) نحو الجنوب بما فيها الاحواز، ثم انتشرت جنوبا في الخليج حتى اليمن. وعبر الاردن انحدرت الجماعة السامية بالعربية نحو الحجاز.

https://www.eupedia.com/europe/Haplogroupe_J1_ADN-Y.shtml#J1-P58

(3) عن الاصل السامي للسومريين، طالع بالانكليزي:

In search of the genetic footprints of Sumerians: A survey of Y-chromosome and mtDNA variation in the Marsh Arabs of Iraq https://www.researchgate.net/publication/51693059_In_search_of_the_genetic_footprints_of_Sumerians_A_survey_of_Y-chromosome_and_mtDNA_variation_in_the_Marsh_Arabs_of_Iraq

 مختصر الموضوع بالعربي:

بحثاً عن الآثار الجينية للسومريين: دراسة مسحية لمستوى التباين في الكروموسوم واي Y والحمض النووي الميتوكندري mtDNA

https://www.iqtp.org/?p=10872

كذلك:

http://www.magazine.imn.iq/%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A7%D8%AA/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B3%D9%84%D8%B3%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D9%84%D8%B3%D9%83%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D9%8A%D9%85%D8%AA%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%89/

 عن جينات الاحواز، طالع:

https://www.researchgate.net/figure/Frequencies-of-the-main-Y-chromosome-haplogroups-in-the-whole-Iranian-population-inset_fig1_229427983

(4) حول دور الكشوفات الجينية لمعرفة تاريخ الشعوب، طالع خبر هذه الدراسة العالمية عن تغيرات السكان عبر تاريخ روما، وحضور الهجرات الشامية والشمال افريقية:

مفاجأة عربية عن سكان روما والإمبراطورية قبل 2000 عام

في موقع العربية:

https://www.alarabiya.net/ar/science/2019/11/11/%D9%85%D9%81%D8%A7%D8%AC%D8%A3%D8%A9-%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%86-%D8%B3%D9%83%D8%A7%D9%86-%D8%B1%D9%88%D9%85%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%82%D8%A8%D9%84-2000-%D8%B9%D8%A7%D9%85

(5) من الطريف ان اصحاب (النقاء العروبي) احتالوا على الكشوفات الجينية، وقسموها الى: جينات قيسية وجينات قحطانية!! كذلك الاكراد الذي جهدوا للتغطية على محدودية الجينات الآرية بينهم، فاحتالوا باعتبار الجينات السامية والشرق اوسطية ايضا آرية!!

(6) عن جينات الشعوب العربية، ابحث (جينات العرب) ، والاكثرها مصداقية صفحة ويكيبيديا بالانكليزية الخاصة بجميع سلالات الشرق الاوسط، المعنونة:

Y-DNA haplogroups in populations of the Near East

 عن اصول السادة الاشراف، طالع:

جينات أنساب الأشراف (قريش) – Al-Ashraf ( Quraysh ) DNA results

https://tribusalgeriennes.wordpress.com/2018/01/06/%D8%AC%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%AA-%D8%A3%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D9%81-%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B4/

(7) عن سلالات العالم هنالك مقالات وبحوث كثير بالعربية ولغات العالم. هذا المقال بالعربي يعطي فكرة واضحة عن جينات العالم:

https://azamil.com/?p=32222

(8) عن جينات اكراد العراق وبلدان الشرق الاوسط:

https://www.researchgate.net/figure/46_tbl1_265947486

 عن جينات اكراد العراق وتركيا وايران طالع الدرساة العلمية:

Kurdish Genetics: Abstracts and Summaries

المنشورة في: http://www.khazaria.com/genetics/kurds.html

(9) عن جينات الايرانيين، طالع دراسة علمية في ويكيديا عن جينات شعوب الشرق الاوسط والعالم العربي، بعنوان:

مجموعات هابلوغروبات Y-DNA في سكان الشرق الأوسط

(10) حول جينات اليهود في اسرائيل والعالم، طالع الشرح العلمي المفصل في ويكيبديا العربية والاجنبية، والمعنونة: دراسة جينات اليهود.

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A9_%D8%AC%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%87%D9%88%D8%AF#%D9%86%D8%B3%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8_%D8%8C_%D9%83%D8%B1%D9%88%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%88%D9%85_Y

(11) عن جينات الاتراك طالع الدراسة العلمية والمفصلة المعنونة:

جينات سكان: تركيا + اليونان + قبرص — Y-DNA of Turkey + Greece + Cyprus

https://tribusalgeriennes.wordpress.com/2018/12/25/%D8%AC%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%AA-%D8%B3%D9%83%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%82%D8%A8%D8%B1%D8%B5-y-dna-of-turkey/

(12) عن موضوع (الجينات القحطانية والعدنانية) ، يكفي وضع هذه العبارة في المبحث، كي تظهر لنا المقالات والدراسات والافلام حول الموضوع.

(13) اننا نفضل استخدام (نواتي، من نواة) وليس كما شائع (نووي، من نوى) ؟! كذلك قد عربت ويكيبديا كلمة (Haplogroup) ب (المجموعة الفردانية) لكننا نفضل ترجمتها ب (المجموعة المتفردة، اي المتميزة) فهذا اكثر وضوحا وقربا للمعنة المقصود.

(14) من يرغب بشرح مبسط وواضح عن الفروقات بين الموروثات الابوية والامومية، طالع:

https://www.facebook.com/AlgeriaGenes/posts/878514058987426/

ويمكن التعمق بالمعرفة بالبحث عن العنوان التالي: الجينوم البشري

(15) بالنسبة لجينات مكونات الشعب العراقي، كحال الكشوفات التي تخص مختلف الجماعات تختلف ارقام النسب قليلا بين كشف وآخر، بسبب اختلاف مكان واشخاص الكشف. ولكن عموما يتم اخذ ارقام النسب التي تعتمد على اكبر عدد من الاشخاص المكشوفين.

بالنسبة لنوعية جينات العراقيين يمكن مراجعة المواقع التالية:

 موقع PMC: https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC5669434/

A glimpse at the intricate mosaic of ethnicities from Mesopotamia: Paternal lineages of the Northern Iraqi Arabs, Kurds, Syriacs, Turkmens and Yazidis

نفس المصدر اعلاه مترجم الى العربي: https://tribusalgeriennes.wordpress.com/2018/01/06/%D8%AC%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%AA-%D8%B3%D9%83%D8%A7%D9%86-%D8%B4%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82/

 صفحة ويكيبيديا بالانكليزية الخاصة بجميع سلالات الشرق الاوسط، المعنونة:

Y-DNA haplogroups in populations of the Near East

 حول جينات السلالات الابوية للاكراد، طالع:

https://www.researchgate.net/figure/46_tbl1_265947486

 في هذا الفحص الثاني العالمي ايضا، تتضاعف نسبة (E) الى 15% وتنخفض نسبة (i ) الى اقل من النصف. طالع: https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC5669434/table/pone.0187408.t004/?report=objectonly

 حول جينات السلالات الامومية الاكراد:

https://www.researchgate.net/figure/MtDNA-haplogroup-frequencies-in-the-Kurdish-groups_tbl2_295667105

 حول الجينات الامومية لجميع شعوب العالم، طالع القائمة الكاملة في موقع (Eupedia) العالمي بالانكليزي، وبلغات اوربية اخرى:

https://www.eupedia.com/europe/european_mtdna_haplogroups_frequency.shtml

(16) حول تاريخ ومكان تكون الانسان، فان الاكتشافات الجينية وألاثارية في السنين الاخيرة، ازاحت نظرية (الانسان العاقل منحدر من افريقيا قبل 100 الف عام) ، بل تم العثور على جماجم اقدم في المغرب وفي اواسط آسيا واوربا واماكن اخرى خارج افريقيا. ووفقًا للباحثين، يجب رفض فكرة (مهد الأصل البشري المحلي) تلك، وذلك لصالح التفسير الذي يرتبط بالتعدّدية الإقليمية (multiregionalism) ، وحتى الآن يمكن افتراض انه موجود قبل 300 الف عام.

طالع موضوع: أصل الإنسان ليس من أفريقيا

http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/news/newsid_1116000/1116056.stm

(17) عن ماهية (المجموعة المتفردة Haplogroups:) والكثير من المعلومات التي تخص جينات شعوب العالم، طالع افضل موقع عالمي بهذه الخصوص (Eupedia):

https://www.eupedia.com/europe/origins_haplogroups_europe.shtml

كذلك ابحث في الانترنت بمختلف اللغات:

 هابلوغروب امومي: DNA (mt) Haplogroupe

 هابلوغروب ابوي DNA-Y Haplogroupe

(18) لتسهيل البحث عن كل سلالة ابوية او امومية، يكفي وضع احدى العبارات فوق مع اضافة اسم السلالة، مثلا: (J) او (R) .. الخ

(19) تعرفت على زميلة دانماركية، شكلها اوربي شمالي تماما، شقراء حمراء. ذات يوم اطلعتني على صورة لسيدة بنفس ملامحها تماما وكأنها هي نفسها، ولكن بشرتها سمراء وعيونها سوداء وتربط راسها بغطاء. اخبرتني، بانها صورة جدتها من ابيها وهي ليبية! حكت بأن جدها كان بحارا في اوائل القرن العشرين، وتعرف الى عائلة تاجر ليبي في طرابلس، ثم تزوج ابنته واخذها معه الى الدانمارك.

 

عدنان ابوزيدتفوّقت أوربا، لاسيما الغربية منها، على غيرها منه الشعوب، في التصنيع الرصين، والابتكار المبهر، واستثمار الأفكار.

وأسست اليابان لحرفانية عالية المستوى عبر تنشئة الفرد منذ الدرس الأول حتى تخرجه من الجامعة، على الاختراع والخلْق، وإتقان الصنعة بطريقة غريزية، في استثمار مثالي للموارد البشرية.

والشخص المحترف، هو ذلك الذي يجيد الصناعة، ويحيق بأسرارها، عبر المعرفة التي يمتلكها، والمؤهلات العملياتية الرفيعة التي يحوز عليها من المران، والتجاريب، والأخلاقيات في ادق تفاصيلها حتى تلك المتعلقة بطريقة التعامل مع الزبون، والالتزام بقواعد ملابس معينة.

يشكل المهنيون في الدول التي ارتقت سلم التطور، النسبة العالية من افراد الطبقة العاملة والمتعلّمة، وفي العادة لا تبرز عندهم الألقاب، وإنْ حملوا شهادات عالية، لانهم يدركون جيدا، ان العبرة في النتائج، والا فما معنى ان تحمل مسمىً براقا، وانت لا تتقن ممارسة الوظيفة، ولا تحسن أداء الواجب، وهو امر تكابد منه الكثير من الدول ومنها العراق، حيث اللهاث وراء المسميات الاكاديمية الشكلية واتخاذها سلما للمنصب والراتب الأعلى، فيما الواقع لا يُفصح عن مهنية لدى البعض من حامليها، ولا إنجازا ماديا، أو مهارة يُعوّل عليها.

قواميس العمل الغربية، لا تصنّف حاملي الشهادات العالية، ضمن الفئة المهنية الا إذا رافق ألقابهم، البرهان العملي لا التنظيري، ذلك ان كتابة الأفكار على الورق لن يكون المقياس، وتأليف النظريات، لن يجدي نفعا ما لم يؤتي ثمارا، ولهذا السبب يقود المهنيون، المجتمع، حتى في مجالات السياسة والاقتصاد، ويصعد الى مركز القرار، ذوو القدرات على التنظير والتطبيق.

وفي الجامعات العريقة، فان دور الأستاذ لا ينحصر في إعطاء الدروس للطلبة، بل ربما قضى جلّ وقته في مختبرات التجارب، وفي المصانع لتقديم الاستشارات، وفي مراكز البحوث للوصول الى نتائج عملية مبرهنة للافتراضات.

لا تأتي المهنية عبر التدارس النظري فحسب، بل يُشاء لها ان تستمد روحها من الحنكة العملية، حتى في مرحلة الدراسة للأفراد، الذين لا يتخرجون من الجامعات والمعاهد، أشخاصا نظريين بمسميات، فحسب، بل افرادا عمليين مارسوا العمل والابتكار والانجاز في المختبرات ومراكز التطبيق، وبين المجتمع.

تنتشر في العراق، المئات من الجامعات، التي تٌلقّن فيها الدروس بطريقة بصرية بحتة، وازدحمت الساحة بالألقاب "العلمية"، ويألّف الطلاب في كل عام، مئات الآلاف من الاطروحات التنظيرية، التي لا تتعدى كونها تلفيقا لمقالات ومعلومات، ونظريات، وكل ذلك من اجل الحصول على اللقب، وليس من اجل وضع النظرية على سكة التطبيق، بل ان رسالة الدكتوراه او الماجستير، سرعان ما تُركن على الرف حتى من قبل حاملها.

العكس يحدث تماما في الدول المتقدمة، ذلك ان المدارس المهنية تخرّج مئات الآلاف من الطلاب سنويا، من مبرمجين وصناعيين، وحرفيين، يبنون البلاد، ويوفرون الخدمات، ويبتكرون المشاريع، ومن دون القاب، ورسال شكلية، فيما يضيع الإنجاز المهني في المدارس والمعامل والمتاجر، والدوائر الحكومية والمؤسسات الاهلية في الدول المتخلفة. وانسحب ذلك على استئمان الفرد بالموظف الحكومي واستاذ الجامعة والمدرس والمنتوج الوطني، بسبب تغييب معايير الجودة في الخدمة. 

يتجاوز معنى الحرفانية الى ابعد من توظيف الفكر في الواقع، الى القدرة على ابتكار أساليب الإدارة، و تسهيل أمور المراجعين والارتقاء بآداب الوظيفة والالتزام بها، وهو امر لازالت بيئة العمل العراقية، تعاني منه.

يقول مدير الموارد البشرية في شركة مابل هوليستيكس: "الحرفانية علامة على الموثوقية والمسؤولية".

الأمة صاحبة الإنجازات العلمية والاقتصادية والرقي الاجتماعي، لا تركن الى التنظير، وتفريخ الشهادات، والتسميات الاكاديمية الشكلية، ولا تعتمد في مصيرها على المدّعين المعرفييّن، او الذين اوصلتهم الى مراكز القرار، المحسوبية والمنسوبية والعلاقات، بل على الاحترافيين العمليين، القادرين بشكل عملي ومبرهن على الابتكار والانجاز، حينها تدور عجلة التطور، الجامدة بسبب مقودها المُدار من قبل طارئين على القيادة، الذين يتقمصون شخصيات "مهنية" و"اكاديمية" لا تمت لهم بصلة.

 

عدنان أبوزيد

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن خصوصية العلاقة بين المنطق واللغة عند اليونان، وفي هذا نقول: ميز أرسطو بين الاسم المفرد، والاسم المركب، واسم الذات، واسم المعني، والاسم الإضافي أو النسبي، كما قسم الاسم إلي اسم حقيقي واسم مستعار، ومن ناحية أخري قسم الاسم إلى المذكر، والمؤنث، والمحايد، وقدم تعريفا لكل من الاسم والكلمة (الفعل) . كما بحث أرسطو في الألفاظ ومعانيها، فقسم الألفاظ إلي المتفقة، والمتواطئة، والمشتقة، وكذلك قسم المقولات إلى عشرة أقسام هي مقولة الجوهر، والكم، والكيف، والإضافة، والأين، والمتي، والفاعل، والمفعول، وأن يكون له، والوضع، معتمداً في هذا كله علي منطق القياس .

بل إن البعض يري أن قائمة المقولات الأرسطية قد أخذها أرسطو أيضا من النحو، والدليل على ذلك أن مقولات أرسطو تقوم علي تقسيم الكلام إلى أجزائه: فالجوهر يقابل الاسم، والكيف يقابل الصفة، والكون يقابل العدد، والإضافة تقابل صيغ التفضيل، والأين والمتي يقابلان ظرفي المكان، والزمان، والفعل، والانفعال والوضع تقابل الأفعال المتعدية،والمبنية للمجهول، واللازمة على التوالي، والملك يقابل صيغة الماضي في اليونانية Para Fait إذ يدل على الحالة التي يملكها الشخص نتيجة فعل فعله .

كذلك كان لبعض أفكار أرسطو المنطقية تأثيرها عندما حاول اللغويون ـ فيما بعد ـ تطبيقها على الدرس اللغوي. من ذلك مثلًا أفكاره في التعريف المنطقي؛ إذ وجدت آثارها في التطبيقات المعجمية، وأفكاره عن "معنى جزء الكلمة بالنسبة للكلمة، ومعنى جزء الجملة بالنسبة للجملة، وقد أخذها النحاة بعد ذلك لتكون أساسا لتقسيم النحـو إلى البنيـة morphology والتركيب syntax" . كما كان لأفكـاره فـي "المعنى" تأثيرهـا الواضح في النظريـة العقليـة mentalistic وهي إحدى النظريات الرئيسة في تفسير المعنى .

وازدادت على أيدي " الرواقيين" الصلة بين المنطق والنحو؛ فقد قسموا المنطق إلى الخطابة التي هي نظرية القول المتصل، وإلى الديالكتيك وموضوعه القول المنقسم بين السائل والمجيب، ولا تكاد ترتبط الخطابة عندهم بالفلسفة، أما الديالكتيك فيعرفونه بأنه فن الكلام الجيد، ولما كان الفكر والتعبير وثيقي الارتباط، فقد انقسم عندهم الديالكتيك إلي قسمين : قسم يدرس التعبير، وقسم يدرس ما يعبر عنه؛ أي اللفظ والفكر.

كما نجد اهتماما متزايدا بالجوانب اللغوية، وبالنحو على وجه أخص لديهم وذلك عندما ميزوا بين أقسام الكلام، وهي الاسم، والفعل، والأداة، والحرف، والظرف، كما تطورت المصطلحات الفنية بشكل كبير علي يد الرواقيين، وقدموا تفسيرا لبعض المصطلحات الأرسطية وزادوا عليها . وبالإضافة إلى ذلك، وضع الرواقيون تصنيفا دقيقا لحالات الإعراب، ووضعوا تعريفات محددة لبعض المصطلحات مثل المضارع، والتام، والرفع والنصب .

وعلى أيدي الرواقيين زيد قسم رابع، ثم قسم خامس إلى أقسام الكلمة الثلاثة عند أرسطو، كما قدمت شروح مستفيضة لآراء أرسطو اللغوية . كذلك يبدو أن الرواقيين كانوا أول من درس العدد والمطابقة بين الاسم والفعل، وحالات الاسم الإعرابية، وحالات الفعل من حيث الصيغة والزمن . كذلك فرق الرواقيون "بين الفعل المبني للمعلوم والمبني للمجهول، وبين الفعل المتعدي والفعل اللازم".

ومن جهة أخري أراد الرواقيون في دراساتهم اللغوية من خلال علم الاشتقاق Etymology تتبع الأسماء علي أصولها، ويمتد ذلك بالطبع إلي تتبعها في اللهجات، واللغات الأجنبية، وإن كانت مقارنة اللغات لم تحظ باهتمامهم أو باهتمام النحويين اللاتينيين بعدهم، وذلك لصعوبة الدراسة في هذا المجال؛ حيث أدى الأمر إلى معرفة أجنبية . أما في مجال النحو أو التركيب، فقد تصور الرواقيون مفهومًا معينًا للجملة المركبة، وناقشوا في هذا المجال وظيفة الروابط، كما ميزوا أيضًا بين أنواع مختلفة من الجمل (المبتدأ في حالة الرفع، وكذلك الحالات التي تنحرف عن هذه الحالة، والخبر المتعدي واللازم)، كما أنهم توصلوا إلي مفهوم التطابق .

وإذا انتقلنا إلي العصر الذي يلي عصر الرواقيين، نجد أن انتشار اللغة اليونانية قد بدأ في منطقة الشرق الأدنى في أعقاب غزو الإسكندر الأكبر لها، إذ كان دخوله للشرق وما تلاه من تكوين إمبراطورية يونانية في غرب البلاد اليونانية بمثابة نقطة تحول في التاريخ السياسي، والاجتماعي، والفكري بها؛ حيث دبت فيه حياة جديدة من الحضارات المختلفة والتي تتكون منها الحضارة الشرقية عامة، والتأم شملها في وحدة جديدة تحمل طابع الروح اليونانية، وصارت اليونانية لغة الإدارة العليا والمهن، ولغة الرقي الاجتماعي، وأصبح تعليم اللغة اليونانية لغير اليونانيين أول مرة نشاطًا واسع الانتشار له أساليبه ومتطلباته .

ومنذ ذلك الوقت اشتهرت اللغة اليونانية في البلاد السريانية، وأصبحت لها منـزلة اللغة الرسمية، ففي الإسكندرية بلغ علم اللغة عند اليونان أوج ازدهاره في الفترة الهلينستية (اليونانية – الشرقية "334 – 531 ق.م ") في الإسكندرية في مصر وفي منطقة (بيرجام) في آسيا الصغرى، وفي جزيرة رودوس قام قواعديو الإسكندرية بجمع كلمات اللغة ووضعها في معاجم، كما قام (ديسكولوس) بوضعِ نحو وصفي للغة اليونانية. ففي جميع أنحاء العالم الهلينستي الشرقي وفي كل مكان، له أية صبغة ثقافية، كانت اللغة اليونانية مستعملة أولًا بوصفها نوعا من اللغة المشتركة بين المثقفين، في حين ظلت الطبقات الدنيا في المجتمع تتحدث اللهجات الآرامية (السريانية مثلا) أو القبطية.

ولكن سرعان ما ظهرت مراكز ثقافية مستقلة تزايدت أهميتها بقدر اضمحلال قوة المراكز اليونانية نفسها، ومن بين هذه المراكز، وأهمها : الإسكندرية في مصر، وأنطاكية في سوريا، ثم في فترة تالية – تزايد عدد المدن ذات الجامعات والنظم التعليمية الخاصة؛ ففي الإسكندرية كان حظ البطالمة أوفر من حظوظ سائر الدول اليونانية في الشرق في ترقية شئون العلم والفلسفة . وكان بطلميوس الأول الملقب بسوتير أو المنقذ 367 -283ق. م،أول البطالمة عادلًا محبًا للعلم (حكم من سنة 305-285ق.م.)، فتقاطر إليه العلماء والفلاسفة من بلاد اليونان علي اختلاف القبائل والأماكن، فأكرم وفادتهم ونشطهم في مواصلة البحث والدرس، وأطلق لهم الأموال فزادوا احترامًا له ورغبة في العلم . وكان في جملة المقربين إليه خطيب أثيني اسمه "ديمتريوس فاليروس" Valerius Demetrios، أشار عليه بإنشاء مكتبة يجمع إليها الكتب من أنحاء العالم، فأجابه إلى ذلك، وهي مكتبة الإسكندرية .وبإشارته أيضًا أنشأ "سوتر" المتحف أو النادي Museum على هيئة مدارس أوربا الجامعة، يجتمع فيه العلماء والأدباء والفلاسفة للدرس والبحث وهو مدرسة الإسكندرية الشهيرة. .

وتؤكد المصادر أن مدرسة الإسكندرية قد أسهمت في نقل علوم اللغة والمنطق إلى العرب، ففي سنة 500م، كان العرب يعرفون اسم " يحي ثامسطيوس - 317-390م "؛ حيث يقول "جمال الدين القفطي" :" وذكر عبيد الله بن جبرائيل بن عبيد الله بن بختيشوع، أن اسم يحي ثامسطيوس كان قويا في علم النحو والمنطق والفلسفة "؛ كما عرف العرب " أمونيوس بن هرمياس " Ammonius Hermiae ويعرفون تلاميذه : سنبلقيوس simplicius ويحيي النحوي أو يحيي فيلوبولونس الشخصية الكبيرة في مدرسة الإسكندرية علي الأقل إن لم يكن رئيسها؛ ففي النصف الأول من القرن السادس الميلادي، وضع يحي النحوي شرحه لكثير من كتابات أرسطو، وبالذات كتب المنطق . ويقال إن النشاط الفكري الذي كان في القرن السابع كان استمرارًا للعصر السكندري الذهبي، وكان التعليم الفلسفي قد اقتصر علي دراسة النحو،والبيان، والطب والموسيقي، وعلى أجزاء من منطق ارسطو؛ حيث يذكر " إرنست رينان" أن " الترجمات السريانية للأورجانون في مدرسة الإسكندرية كانت تقف دائما عند الفصل السابع من التحليلات الأولي، كذلك فعل اليعاقبة مثل "سرجيوس" أسقف العرب الذي لم يترجم ولم يشرح إلا هذا الجزء "، ويذكر "ابن أبا أصيبعة" أن " يوحنا ابن حيلان كان قد امتنع أولًا عن قراءة كتاب التحليلات الثانية، مع تلميذه أبو نصر الفارابي .

وكانت الأماكن التي إزدهرت فيها علوم النحو، والمنطق، هي مدرسة الرها، ونصيبين، وأنطاكية؛ حيث يؤكد بعض الباحثين أنه " لما تمدن اليونان واستنبطوا الفلسفة والمنطق وغيرهما، نضجت علومهم وانتقلت بفتوح الإسكندر إلي العراق والشام، تلقاها السوريون ونقلوها إلى لسانهم، وأضافوا إليها بعد انتشار النصرانية الآداب النصرانية اليونانية، وحفظوها مع الفلسفة اليونانية في أديرتهم، ثم كانت مصدرًا للعلم والفلسفة إلى بلاد الفرس والهند وغيرهما . وكان السوريون في دولة الفرس الساسانية الواسطة الكبري في نقل علوم اليونان وطبهم وفلسفتهم إلي الفرس . ولــما بني الإمبراطور الفارسي كسري أنـوشـروان (ت 587 م) جند يسابور لتعليم الطب والفلسفة، كان جل اعتماده في ذلك على نصاري العراق والجزيرة، ناهيك بما حفظ من الآداب السامية على صبغته الوثنية في حران، لأن أهلها ظلوا على ديانتهم القديمة " .

ولقد قدم كسرى أنوشروان المأوى في بلاطه لهؤلاء الفلاسفة الذين كانوا بلا وظيفة بعد أن أغلق الإمبراطور الروماني " جوستنيان" الأكاديمية الأثينية (229 بعد الميلاد)، وكان من بين هؤلاء الفلاسفة : سيمبليقيوس . وفي هذه المراكز الثقافية والعلمية كانت الفلسفة اليونانية تُدرس، والكتب اليونانية تترجم إلي السريانية والفارسية . وفي هذه المنطقة القريبة من " جند يسابور" - كان ظهور العلامات الأولي للتأثير اليوناني، ولعل المناقشات الاعتزالية الأولى حول خلق القرآن ومشكلة حرية الإرادة والنظرية المتعلقة بصفات الله، ولعل كل ذلك يحمل دليلًا على الاتصال بين الثقافتين في مختلف المجالات قبل بدء الترجمة.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

 

محمود محمد عليتعد قضية العلاقة بين المنطق واللغة من أدق موضوعات فلسفة اللغة وأصعبها تناولا، ويهتم بها المناطقة، والفلاسفة، والنحاة منذ أقدم العصور، بل من قبل أن يصيغ أرسطو المنطق، ويضع قواعده، فلقد نشأ المنطق مرتبطا بالجدل، الفكري والنحوي الذي ساد القرن الخامس وشطرًا من القرن الرابع قبل الميلاد عند كل من المدرسة الأيلية وجماعة السوفسطائيين، إذ اهتموا بالجدل، وبقوة الكلمة، عن قوة الفكر، وبفن الإقناع الذي هو بعينه فن التفكير، وكان بحثهم في اللغة بحثا منطقيا .

والعلاقة بين المنطق واللغة علاقة قديمة وحميمة، إذ يلتقيان في مصطلحيهما، وفي غايتهما. فالنحو آلة يعرف بها صواب تراكيب ألفاظ اللغة ومعانيها من خطئها، والمنطق آلة يعرف به صحة المعني وتصديقه من خطئه . وكل منهما يعتمد طرق الاستقراء والاستنباط . غير أنهما  لا يتطابقان تماما، فالمنطق يستند إلى الأدلة العقلية، مفترضا وحدتها وشمولها، والنحو يستند إلي معطيات اللغة الوصفية معترفا بأن قواعدها قابلة للاستثناء والتخصيص .

ومن جهة أخرى فإن العلاقة بين المنطق واللغة تعد من الموضوعات العريقة التي تناولها العلماءُ منذ زمن بعيد، إذ لا نجد من العلماءِ القدامى أحدًا ضرب سَهمًا في مجال اللغة، أو البلاغة، أو النقد، إلا والعلاقة بين المنطق واللغة، كانت إحدى أغراضه ومراميه. ولذلك فإنه إذا ما درسنا هذه العلاقة من منظار تاريخي نصل إلي أن لفلاسفة اليونان نظراتٍ تتعلق بهذه العلاقة .

ومن يتتبع تاريخ الدراسات اللغوية في الفكر اليوناني سيدرك أن هذا الفكر قد افترض اللغة اليونانية مقياساً للغات العالم، وبنى علي ذلك اعتقادا تُخطئه الدراسات اللغوية الحديثة، وهو أن دراسة اللغة اليونانية في تراكيبها وطرقها صادقة علي كل لغات العالم، إذ أن هذه اللغات تجري علي مقياس اليونانية. وهذه الدراسات اللغوية القديمة تختلط إلى حد كبير جدًا بالنظريات المنطقية والميتافيزيقية، ولقد وصف كُتاب اللغة من الإغريق الجملة حكما منطقيا، وعدوا بها طرق الإسناد النحوي بالطريقة نفسها،ولقد عدوا الموضوع والمحمول في المنطق.

ويصادفنا في مجال التفكير اللغوي- المنطقي أعمال السوفسطائيين الخاصة بالنحو والتي حملت في ثناياها بذورا منطقية أكيدة، فقد أرجعوا التصور (المعني) إلى اللفظ مما يسر لهم أن يجعلوا من الجدل وسيلة للانتصار على الخصم؛ ومعنى هذا أن السوفسطائيين قد بحثوا في النحو فأدى بهم إلي المنطق؛ و" لقد قام بروتاجوراس Protagora ببعض الدراسات الأولية في النحو كأساس للمنطق"؛ حيث يعد أول من تحدث عن أجناس الأسماء gene onomaton؛ أي المذكرة arena والمونثة thelea وما نسميها المحايدة وسماها هو skeue (الأشياء غير الحية). واستخدم أرسطو نفس هذه المصطلحات، وإن كان يستخدم أحيانا metaxy (ما بين) بدلًا من skeu ".

وإذا انتقلنا إلي العلاقة بين المنطق واللغة عند أفلاطون (429 – 347 ق . م) ، نجد أنه علي الرغم من أنه لم يسق آراءه اللغوية بشكل مترابط، ولم يجمعها في مكان واحد، فقد عده الباحثون " رائد الدراسات النحوية وأول فاحص للمشكلات النحوية "؛ فهو يُعد واحدا من أهم وأشهر فلاسفة اليونان الذين جاءوا بعد السوفسطائيين والذين شغلوا أنفسهم بالبحث في أقسام الكلام .

أما رأيه في أقسام الكلام، فنجده أنه كان أول من صاغ لنا تعريفًا للجملة، إذ يقول: "إن الجملة هي تعبير عن أفكارنا عن طريق أسماء Onomata، وأفعال Rhemata، وهذه الأسماء والأفعال تحكي أو تعكس أفكارنا في مجرى النفس الذي يخرج من الفم عند الكلام، ثم يعرف الاسم علي أنه اسم لفاعل الفعل، أما الفعل فاسم " للفعل نفسه". ومن الاسم والفعل تتكون الجملة . وواضح من هذا أن أقسام الكلام عند أفلاطون اثنان هما الاسم والفعل، وهما قسما الكلام في الجملة الخبرية، ولم يكن لأفلاطون وأرسطو من بعده اهتمام بغير هذا النوع من الجمل، لأن هذا النوع من الجمل، هو الذي يستحوذ اهتمام الحكماء والمناطقة دون غيره من جمل الدعاء والسؤال والأمر.

وهنا يرى بعض الباحثين أن أفلاطون يعد بذلك أول من فرق بين الاسم والفعل، كما أنه أعطانا تقسيمًا ثلاثيا للأصوات يمكن أن يكون: أصوات العلة – الأصوات الساكنة المهجورة – الأصوات الساكنة المهموسة . وأقر أرسطو تقسيم أفلاطون للكلمة، إلي اسم، وفعل، وزاد عليها قسما ثالثًا سماه رابطة، وذلك أنه شعر أن الأفعال والأسماء تؤدي معاني مستقلة، في حين أن سائر الكلمات ليس لها إلا الوظيفة النحوية فقط .

وبصفة عامة كان منطلق أفلاطون الاقتناع بأن الكلمة هي الشكل المادي للفكرة، وأنها تمكن بدايات معرفتنا عن العالم . وقد تولدت المحاولات الأولى لتعريف المحاولات النحوية الأساسية من هذا الموقف الفلسفي وتطبيقا للمعايير المتصلة بعمليات المنطق عرف أفلاطون "الاسم بأنه شيء يخبر عنه، وعرف الفعل بأنه ما يخبر به عن الاسم ".

وقد كان أرسطو هو الذي دخل تاريخ الدراسات اللسانية علي أنه المؤسس الحق للنحو الأوروبي التقليدي، وخلال القرون التالية لم يتغير فكره حول أقسام الكلم إلا في تفاصيل لم تمس جوهره الأصيل . وللمقاربة التقليدية للنحو جذورها الضاربة في الطرق التي اعتمدها ارسطو لرصد ظاهرة اللغة، ولا سيما في مجال بنية الجملة . وقدم أرسطو – في الحقيقة – ضمن تأملاته عن اللغة معايير خاصة يلبي البحوث الفلسفية حين صنف الأشكال النحوية وفقاً لما تشير إليه من مادة، وكيف، وكم وعلاقة، ووجود، وتغير .. الخ . وقد أثبت هذا الميراث الفكري الفلسفي أنه ميراث بلغ الغاية من بعد النظر والثبات علي الزمن فيما تلا ذلك من تطور في مجال اللسانيات .

ويقال إن " أرسطو"(384 -322ق.م) قد توصل إلي كثير من التصنيفات المنطقية خلال دراسته للنحو اليوناني؛ حيث ذهب إلى أن الكلام يعبر بدقة عن أحوال الفكر، وأن المرء في وسعه أن يستعين بالقوالب النحوية لكي يكشف عن أحوال الفكر، فالنحو ينظر إلى الألفاظ من ناحيتين: من ناحية وجودها مفردة، فيقسمها إلي أسماء، وأفعال وحروف، ومن ناحية ارتباطها في جملة معينة . ونفس الشئ يقال عن الفكر الذي ينقسم إلي الأفكار المفردة وهي تصورات، والأفكار المرتبطة وهي القضايا أو التصديقات، وعلى هذا فتقسيم أرسطو للأفكار إلي تصورات وتصديقات،هو تقسيم مأخوذ أصلا من النحو

كما كان أرسطو هو أول من حاول تصنيف أقسام الكلم، فجمع كلًا من الأسماء Onoma والأفعال Rhema معا؛ حيث رأى إن هذه الكلمات هي وحدها التي تحمل معاني مستمرة في ذاتها، في مقابل كل الكلمات الأخرى التي لا تفيد إلا في ربط العمليات المنطقية الأخري للتفكير Syndesmoi،وقد اتضح فيما بعد ثبات الأساس الخاص بتقسيمه، على الرغم من أن الترتيب الفعلي لأقسام الكلم المتعينة داخل هاتين المجموعتين قد تغير إلى حد ما .

وتختلف الأفعال – تبعا لطريقة أرسطو في التفكير – عن غيرها من أنواع الكلم بسبب خصائصها المتعلقة بتشكيل الزمن . ومن هنا كان الإسناد هو الوظيفة الأساسية للفعل . وعلي الرغم من ذلك عـدَ أرسطو المسند ذا وظيفة أكثر اتساعا من الفعل: فالمسند يتضمن كل ما يعطي معلومة عن المسند إليه . وبالنظر إلي أن البشر يمكن تعيينهم تبعًا لما يطلق عليهم من نعوت، لذا فإن هذه النعوت – التي يعبر عنها نحويًا بالصفات – هي ليست أفعالا علي الحقيقة، ولكنها من قبيل المسند . وهذا يعني شيئين: أحدهما- أن هناك جملا بلا أفعال، والثاني- أن المسند لا يلزم أن يكون فعلا علي الحقيقة .

وقد عرف أرسطو الجملة بأنها تركيب مؤلف من عناصر صوتية تحمل معني محددا قائما بذاته، ولكن كلا من مكوناته يحمل – في الوقت نفسه – معني خاصا به أيضا . غير أن نظرية أرسطو في الجملة كانت مرتبطة في عمومها بنظريته في الحكم المنطقي، التي أدت به إلى أن يضفي علي قضية الإسناد أهمية خاصة .

ومن جهة أخرى يقال إن أرسطو قد توصل إلى كثير من التصنيفات المنطقية خلال دراسته للنحو اليوناني؛ حيث ذهب إلى أن الكلام يعبر بدقة عن أحوال الفكر، وأن المرء في وسعه أن يستعين بالقوالب النحوية لكي يكشف عن أحوال الفكر، فالنحو ينظر إلى الألفاظ من ناحيتين: من ناحية وجودها مفردة؛ فيقسمها إلى أسماء، وأفعال، وحروف، ومن ناحية ارتباطها في جملة معينة . ونفس الشئ يقال عن الفكر الذي ينقسم إلى الأفكار المفردة وهي تصورات، والأفكار المرتبطة وهي القضايا أو التصديقات، وعلى هذا فتقسيم أرسطو للأفكار إلى تصورات وتصديقات هو تقسيم مأخوذ أصلا من النحو .... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

 

مقاربة نظرية في تصورات الكسيس توكفيل وميشيل كروزيه ونوبيرت الياس

مقدمة:

ارتبط التفكير في الجمعيات كموضوع سوسيولوجي من الناحية النظرية مع سوسيولوجيا التنظيمات، وان كان البعض يعتبر ان ابحاث اليكس دو توكفيل في موضوع الجمعيات كانت هي البداية التاسيسية لدراسة الجمعيات كتنظيمات اجتماعية ورغم الاهمية النظرية لاسهامات كل من طوكفيل،، دوركايم وفيبر في تأسيس الإرهاصات الأولى لما يمكن أن نصطلح عليه ب»سوسيولوجيا الجمعيات» فوزي بوخريص 2013 . غير ان المعالجة الدقيقة والمؤطرة نظريا ارتبطت مع سوسيولوجيا التنظيمات والتي نشات في في الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر القرن التاسع عشر في أعقاب الثورة الصناعية وو ماواكبهغ من حس برغماتي للبحث السوسيولوجي من خلال مواكبة تقافة الانتاج والرفع من المردودية والحافزيو وتجنب التوثر واللاعمل .

 فالموضوع ااساسي لسوسيولوجيا التنظيمات، يحاول تقديم تفسير سوسيولوجي لمختلف التنظيمات سواء الاقتصادية أو التنظيمات الحكومية والمستشفيات والجامعات وراسة كافة اشكال الاندماج والتوافق والتكييف والفعالية الانتاجية ودراسة علاقات السلطة داخل التنظيمات واثرها على وظيفية التنظيم وفعاليته .

 إن سوسيولوجيا التنظيمات تهدف إلى تفسير السلوكات والعلاقات المتوافقة أو غير المتوقعة مقارنة بالقواعد التوجيهية[3 ]. Michel Foudriat: Sociologie des organisations، édition PEASON Education، 2 éditions، 2007، p: 3. ويعتبر كل من ماكس فيبر وميشيل كروزيي من أهم علماء الاجتماع الذين أسهموا في إغناء هذا الحقل السوسيولوجي من خلال تصورهما تجاه التنظيمات.

فسوسولوجيا التنظيمات كنظرية لتفسر الفعل الاجتماعي داخل تنظيمات محكومة بقواعد وشبكة علاقات، وبالنظر الى التحولات المتسارعة لاسيما بعد انهيار مفهوم دولة الرعاية وانسحباها من كافة مجالات الفعل الاجتماعي والقطاعات الاجتماعية والصعود المتنامي للجمعيات في ظل انسحاب الدولة، يجعل من التفكير في موضوع الجمعية من داخل مظرية التنظيمات الاجتماعية امرا اساسيا قصد الاحاطة بالموضوع ومقاربته نظريا لاستكشاف خصوصية الفعل الجمعوي وشبكة علاقاته ورهاناته واهدافه وكيفية اشتغاله، وطبيعة علاقاته مع باقي الفاعلين ومكونات النسق العام والخاص . 

اولا: الاصول النظرية لسوسيولوجية التنظيمات

1-1: مفهوم التنظيم:

لقد كان لماكس فيبر (1864-1920) Max Weber للسوسيولوجيا التنظيمات مجموعة من الروافد النظرية من خلال الاعمال التاسيسية لرواد علم الاجتماع من دوركايم، بارسونز، توكفيل، غير ان المساهمة الاساسية تعود لماكس فيبر من خلال دراستة للتنظيمات البيرقرقراطية micheal crozier 1963 ; p 17 .

 فتصورات فيبر شكلت الاساس الذي بنت عليه سوسيولوجيا التنظيمات اغلب مفاهيمها وان الاعمال التي تلت ماكس فيبر في مجال التنظيم الاجتماعي والاقتصادي. فمعظم الدراسات الحديثة، تبقى في عمقها أما تعديلات لأفكار وتصورات فيبر. وقد تناول فيبر تحليل العناصر البيروقراطية في التنظيمات، تلك التي تعمل من أجل تحقيق استمرار التنظيم وبقاءه[ ] - محمد على محمد وأخرون:، 1975، ص:322.[

 وقد حدد فيبر ثلاث مشروعيات لتنظيم المجتمع والمتظمنة في كتابه الاقتصاد والمجتمع منها المشروعية البيروقراطية المرتبطة بالقدرة على الضبط العقلاني داخل التنظيما ت المجتمعية، حيت أكد قيبر على أن العقلانية هي الخاصية الأساسية لهذه التنظيمات . وبالتالي فالسلطة تمارس كفعل ضبطي وعقلاني يضمن الاستقرار والتراتبية في المهام والانسابية في العمل، أن العقلانية مؤسسة على النزوع المتزايد للفاعلين الاجتماعيين نحو استخدام المعرفة في إطار علاقات غير شخصية بهدف تحقيق سيطرة أعظم على العالم المحيط بهم (جون سكوت وجوردون مارشال:، 2011، ص: 407 )...

فالمشروعية العقلانية او البيرقراطية حسب فيبر تستمد شرعيتها من القانون والقواعد والنصوص القانونية، ان بناء النظام الاجتماعي والحفاظ عليه يكون من خلال الاحتكام الى القانون باعتباره سلطة غير مرئية وغير مشخصنة كماهو الحاتل في السلطتيين التقليدية والكارزماتية . فحسب فيبر الانتقال من الاقطاع الى الدولة العصرية رهين بالاحتكام الى قانون غير مشخصن وان السلطة تمارس بناء على معيار الكفاءة وليس على معيار الشرف او الاصل الاجتماعي للشخص .

 وقد حدد فيبر مجموعة من الخصائص، وهي تعتبر في رأيه كمعايير لنجاح أو فشل التنظيم، وهذه القواعد تستمد من المجتمع الكلي، أي أن المجتمعات الرأسمالية وصلت درجة من العقلانية بحيث أصبح لا مجال للعواطف والقيم التقليدية.

 وان الادارة المسيرة في صيغتها الخالصة من موظفين فرديين تتوفر فيهم المواصفات التالية:

الالتزام فقط بالواجبات الموضوعية.

تراتبية الوظيفة وتوزيع المهام .

الكفاءة مرتبطة بالوظيفة المؤداة داخل التنظيم .

الانخراط في التنظيم مؤسس على الخبرة وعلى الشواهد .

الاجور حسب الموقع وحسب الخبرة وحسب التسلسل في ادارة الانتاج .

الاحترافية للمنتميين للتنظيم ومنع مزاولة مهام اخرى

لحظة بارسونز:

 تعتبر مساهمة تالكوت بارسونز من اهم المساهمات في تحليل التنظيمات الاجتماعية، حيت عرض رؤيته للتنظيم بكونه نسق اجتماعي له اتجاه اساسي من خلال تحقيق هدف او مجموعة اهداف philippe scieur 2005 p41 و;و بارسونز ان كل تنظيم له مجموعة خصائص تميزه عن باقي الانساق الاجتماعية الاخرى، حيت يرتبط التنظيم بعلاقات خارجية وترابطات داخلية، ان الوظيفة الاساسية للتنظيم الاجتماعي هو تلبية جاجيات ورغبات اعضاء التنظيم واشباع حاجياته وقد حدد بارسونز اربع وظائف للتنظيم الاجتماعي وهي:

 التكيف

التكامل

تحقيق الاهداف

و نمط الاهداف ( جون سكوت 2009 ص 387 ) .

 فالتنظيم الاجتماعي عو نسق اجتماعي وظيفي يقوم بتلبية جاحيات ورغبات اعضائه مما يجعل منه تنظيما غائيا ينتهي بانتهاء الوظيفة التي من اجلها ثم انشائه او الانخراط فيه .

لحظة توكفيل:

يعتبر الكسيس توكفيل مفكرا رائدا في مجال سوسيولوجيا الجمعيات([1])، فتوكفيل كما يؤكد ريمون أرون أنه عالم الإجتماع المقارن بامتياز، لأنه يحاول دائما المقارنة بين إنماط المجتمعات المختلفة، وقد ساعده في ذلك الإقامة الطويلة بالولايات المتحدة الأمريكية وتعرفه على خصوصيات الثقافة الأنجلو ساكسونية .

اعتبر توكفيل أن المجتمع الأمريكي هو مجتمع ظاهرة التنظيمات الجمعوية، وهو ما يفسر العدد الكبير للجمعيات وفي مختلف مناحي الحياة، وفي نظره أن سبب تعاطي المواطن الأمريكي للفعل الجمعوي هو ترسيخ ثقافة الفعل، وايجاد الحلول بشكل فردي دون انتظار السلطة الإجتماعية او تدخل الدولة([2]).فطلب تدخل الدولة حين يرتبط الأمر بمجالات تتجاوز طاقته، فأمام كل مشكلة يتجمع المواطنيين الذين يعأنون من نتائج واثار هذه المشكلة، ويعملون على توحيد جهودهم لتجاوز المشكلة .

واعتبر توكفيل أن الأمريكيين يتفننون في تأسيس الجمعيات، ذلك راجع إلى طبيعة التربية التي يتلقاها المواطن الأمريكي بأهمية الإعتماد على نفسه، دون الإعتماد على خدمات الدولة لاسيما في الامور البسيطة، والإلتزام بالعمل المشترك لتحقيق أهداف مشتركة ومتعاقد بشأنها . فترسيخ البعد التعاوني في تقافة وسلوك المواطن الأمريكي عكس المواطن الفرنسي والذي يؤمن بدور الدولة وتدخلها حتى في القضايا الصغيرة والبسيطة .

فالجمعيات في نظر توكفيل هي إطار الفعل الإجتماعي والثقافي وحتى الأخلاقي، حيث يؤكد أن تأسيس الجمعيات في البلدان الديمقراطية يعتبر أمرا ضروريا من أجل إتاحة المجال امام تعدد الإختيارات أمام المواطنيين .فقيمة النظام الديموقراطي بالولايات المتحدة الأمريكية لا تحدد بوجود ادارة منتخبة قوية، وإنما بوجود فعل جمعوي حيوي ونشط في كافة مناحي الحياة الإجتماعية .

فالجمعيات ينظر اليها كفعل إجتماعي يتأسس على الوعي المشترك للمواطنيين، وعي يقودهم إلى الاعتقاد أنهم في حاجة إلى بعضهم البعض، وأن من لايملك الرغبة في الإتحاد والتعاون في إطارجمعيات منظمة يعيش مواطنة ناقصة، واعتبر أن البلدان الأكثر ديمقراطية هي البلدان التي يجيد فيها الناس فن تشكيل الجمعيات، وتحقيق الرغبات المشتركة على إعتبار وجود علاقة تلازم بين الجمعيات والمساواة .

كما أكد أن الأسباب والمحددات الواقعية والفعلية التي أنتجت الظاهرة الجمعوية بالولايات المتحدة الأمريكية، هي نتائج الثورة الديمقراطية وما أرسته من قيم المساواة ومعاداة نزوعات الهيمنة والتسلط لدى الدولة، وضع حد لتدخلها مما ترك هامش الحرية لتصرف المواطنيين الأمريكيين .

فالجمعيات في المجتمع الأمريكي ولدت نتيجة إنتشار قيم الحرية والمساواة بحسب تصورات توكفيل.

اذا كان فعل الديموقراطية مشروط بوجود الجمعيات في التجربة الأمريكية، فإنه التجربة الفرنسية فتطبيقها مشروط بتفعيل مبدأ الفصل بين السلط المحدد في نظرية مونتسكيو، على أساس أن السلطة توقف السلطة هو ألية تضمن تحقيق التوازن بين السلط، بما يحقق العدالة والحرية للحدّ من السلطة المطلقة يجب توفر سلطة مكافئة لها.

فالحرية بالمجتمع الأمريكي تتحقق من خلال فسح المجال امام خيارات المواطنين للتحرك في إطار تنظيمات جمعوية، وتنظيم أنفسهم في مجالات فعل محدودة وخاصة، التي تمنع الدولة من ممارسة تجاوزات في حق المواطن وحرّياته.

قيمة تصور توكفيل لتحديد مفهوم المجتمع المدني هو أنه أخرج هذا المفهوم من دائرة الصراع مع الدولة إلى دائرة التكامل والتعـاون معها، وإعتبارها الأداة الأساسية التي تقود المجتمع نحو التحديث والديموقراطية، إظافةإلى أنه يلعب دور أساسي لمنع قيام استبداد الدولة بمنح استقلالية كبيرة للمواطنيين في تدبير شؤونهم الخاصةعن طريق الإنخراط في الجمعيات.

لقد بنى توكفيل تصوره عن المجتمع المدني على أساس إستقلاليته عـن الدولة وأجهزتهـا وسلطتها، لكنه ركز على قيمة التعاون والتكامل بينها، وتـدعيم كـل منهما لوجود الآخر، لأن هدفهما في النهاية مشترك، وهو تحقيـق مجتمع ديمقراطي متضامن، فلا مجال للتعارض بين الطـرفين، فالدولة تتـيح إمكانيات نمو المجتمع المدني ورقيه واستقلاليته، كما أن المجتمـع المـدني هـو مصدر شرعية الدولة وقبولها من طرف المواطنين والضامن لإستمراريتها كدولة ديمقراطية نابعة من الشعب. يبدو أن الدولة والمجتمع المدني في التجربة الأمريكية يؤسس لمنطق التكامل وبناء شرعية الإعتراف المتبادل

 وقد أشار توكفيل إلى أن الجمعيات والمنظمات في أمريكا هي من تتكفل وترعى الكثير من القضايا الإجتماعية والتنمويـة.

وبالخلاصة فإنه لا يختلف المفكرون في أن مفهوم المجتمع المدني قد نشأ وتطوّر عبر سيرورة من التراكمات المعرفية والرهانات السياسية والصراعات الإجتماعية وحتى التحوّلات الإيديولوجية.

أما مفهوم المجتمع المدني في القرن العشرين إنما يعود إلى عوامل متداخلة يمكن تحديدها في الإخفاق الذي عرفته دولة الرّفاه، والإنتقال إلى الدولة المعولمة وماترثب عن ذلك من إنسحاب من مساحات الفعل الإجتماعي، وفسح المجال امام القطاع الخاص بحيت تصبح وظيفة الدولة هي توفير المناخ وتهيئة ظروف العمل والاستثمار .

والنتيجة بروز الحركات الإجتماعية ذات الطابع الاحتجاجي التي أحيت من جديد التنافس بين مكوّنات المجتمع سعيا نحو إرساء قِيَمٍ جديدة، وإحداث حركية داخل مؤسسات المجتمع: الحركات الطلابية، والنقابية، والنسوية.

 

 تعتبر لحظة ميشل كروزيه Michel-Crozier(1912)، خصوصا ما يعرف بنظرية التحليل الاستراتيجي إحدى أهم المحاولات في تطوير التحليل المتعلق بسوسيولوجيا التنظيمات، حين انتقد النظريات الكلاسيكية (تايلور وفورد وفايول…) وكذلك لمدرسة العلاقات الانسانية (مدرسة هارفارد:أوليفر شيلدون وإلتون مايو…). وقد رفض كروزيي كل أشكال الحتمية المطلقة التي ميزت الفكر التنظيمي. وقد كان لماكس فيبر والوظيفية (ميرتون وبارسونز) وعلوم التنظيم الامريكية تأثيرا بالغا على ميشيل كروزيي الذي يحاول تجاوز عيوبها ونقائصها النظرية، فينتقد بالمناسبة ماكس فيبر في اعتقاده في التفوق المطلق للنموذج التسلسلي القانوني والبيروقراطي، أما فيما يخص الفعالية، إذ يبين تحليل الوقائع أنه كلما ساد هذا النموذج كلما كان التنظيم أقل فعالية( جان بيار دوران وروبير فايل:، 2012، ص: 320..:)

كما وجه كروزيي انتقاده لأنصار الاتجاه السلوكي في فهم التنظيم. وقد أكد ذلك من خلال اعتباره أن التفسيرات التي قدمها السلوكيون تبقى محدودة على اعتبار أنهم ركزوا على العلاقة الفردية للفاعل في التنظيم، فهم اعتبروا أن الأفراد في التنظيم يتوفرون على نماذج مثالية للصحة النفسية والعقلية، بمعنى أن تفسير الألعاب التنظيمية يتم انطلاقا من المستوى النفسي والعقلي فقط، وهنا يكون أصحاب هذا الاتجاه إما أمام إهمال لكل التعقيد الذي يميز السلوكات الإنسانية في التنظيم أو المقاولة، والذي قد تنفي حتى أكثر النظريات التي تدعي معرفة بالدافعية، هذا إلى جانب التركيز على الفرد وتناسي وجود الجماعة[ ] - M.Crozier، 1977، p: 45.. إن التحليل الإستراتيجي يبقى بمثابة انقلاب كلي في التصور مقارنة بالتنظيم العلمي للعمل(OST) واتجاه العلاقات الانسانية .

 لقد رفض كروزيي كل أشكال الحتمية المطلقة التي ميزت الفكر التنظيمي. وقدم كروزيي أفكاره في عملين أساسيين هما:

 إن كروزيي من خلال مقاربته أو تصوره الجديد لعلاقة الفرد بالتنظيم حاول التوفيق بين الاتجاهين البارزين في تفسير السلوك الاجتماعي:

الاتجاه الأول: والذي يفسر السلوكات الاجتماعية انطلاقا من الحتمية الفردية، بمعنى تأثير التاريخ الشخصي كالوسط الاجتماعي العائلي والطبقي في سلوكات وأفعال الفرد؛ وهو ما يمكن اختصاره في مفهوم Bourdieu الهابتوس Habitus.

الاتجاه الثاني: وهو ما يعرف باتجاه النزعة السوسيولوجية ويمثله إ. دوركايم؛ هذا التوجه يحدد الفرد في يد الوعي الجمعي، وينفي على الفرد القدرة على الاختيار وتبني القرارات والإبداع…

 إن كروزيي هنا حاول التوفيق بين هذين التصورين مقدما في خضم ذلك انتقادات للتصور البيروقراطي، بمعنى أن العلاقة بين التنظيم والفرد هي وليدة لعبة Jeu بين طرفين في التنظيم من خلال الضوابط الرسمية التي يكوم هدفها تنظيم سلوكات الأفراد مما يخلق عوائق أمام الفاعل، وهذا الأخير بهدف تجاوزها يكون أمام ضرورة تبني استراتيجيات معينة تختلف من فاعل إلى اخر انطلاقا من الكفاءة المعرفية من جهة والظروف التنظيمية التي يعيشها الفاعل من جهة أخرى. 

ثانيا: الجمعية كموضوع في سوسيولوجيا التنظيمات.

أن مفهوم الجمعية لا يمكن فصله عن مفهوم المجتمع المدني، لأن الجمعية تشكل الإطارالخاص بينما المجتمع المدني يشكل الإطارالعام، لا يتواجد في غياب جمعيات أو حركة جمعوية مستقلة ونشطة .

غير محاولة البحث عن تحديد موحد ونهائي لمفهوم الجمعية، هو امر مستحيل وغير ممكن، فمقاربة المفهوم تستدعي تعاريف مختلفة لان مدلولها يختلف باختلاف المرجعيات والسياقات النظرية والايديولوجية، يعتبرها سان سيمون عنصرا اساسيا في التظيم الاجتماعي من اجل المحافظة على الانتاج فهي وحدة اجتماعية وظيفية هادفة الى الانتاج وتنظيم المجتمع olivier perru 1999 p 83،

 فلا يوجد تحديد نهائي ومغلق لتعريف الحمهية وبقدر ما يترتبط تعريفها بمحددات معيارية تختلف حسب السياقات الثقافية والتوجهات النظرية والأنظمة السياسية لكل بلد لذا نجد الكثير من التسميات:

القطاع الاهلي .

القطاع الغير الربحي .

اوالقطاع المسـتقل والقطـاع الثالث (الواقع بين القطاع العام والقطاع الخاص).

القطاع والقطـاع الخيـري .

القطـاع المعفى من الضرائب .

المنظمات الغير الحكومية أو المنظمات غير الحكومية التي تعد كثيرة الاستخدام .

المصطلح "جمعية" في الأنثروبولوجيا الأنجلو-سكسونية يعني جميع الوحدات الإجتماعية ([3])التي لا تؤسس على نظام القرابة كعامل محدد .

اولا: تعاريف اسمية .

تعريف الكسيس توكفيل .

الجمعية هي تعاون بين مجموعة من المواطنيين بغض النظر عن الاختلافات القائمة بينهم هي الإطارالذي يوحدهم، وتخلق بينهم إتصالا وتعلمهم كيف يجعلون إرادتهم في خدمة ارادة الأخرين، وجعل مجهوداتهم الخاصة في خدمة الغير .

يتضح من خلال استعراضنا للتعاريف المذكورة سابقا، أنها تشترك في مجموعة من الخصائص الأساسية رغم اختلاف التسميات، وتتمثل أهم تلك السمات كمـا وضعها باحثون من 12دولة في مشروع بحث دولي لجامعـة جـونز هـوبكينز الأمريكية فيما يلي:

الجمعيات منظمات تطوعية إلى حد ما، أي أنها إرادية وإختيارية.

لا توزع الأرباح على مجلس الإدارة أو على أعضائها.

لا تسعى إلى الربح المادي، فهدفها إجتماعي وأنسأني وليس تجاري.

لها استقلاليتها وإدارتها الذاتية.

لها هيكل رسمي معترف به قانونا ومنظم تنظيما إداريا محكما.

غير سياسية؛ حيث لا يتحكم في برامجها أحزاب أو مرشـحين لمناصـب سياسية .

ثالثا: الجمعية كتنظيم إجتماعي.

ما يهمنا من مقاربة مفهوم الجمعية ليس هو جرد كافة التعريفات للمفهوم، وإستحضار المسار التاريخي لنشاته لكن الأهم هو الوقوف عند هوية الجمعية كتنظيم إجتماعي، اي البحث في الهوية السوسيولوجية للجمعية .

اذا كان مفهوم الهوية يتحدد بإعتباره الوعي الذي يميز الأفراد بعضهم عن بعض، وأيضا الخصائص التي تتميز بها جماعة ما، وتجعلها كيانا متمايزا عن باقي الجماعات. فإن الهوية السوسيولوجية للجمعية يجعلها تنظيما يمتلك هوية داخلية خاصة به، تمييزه ن باقي أشكال التنظيمات الإجتماعية: الأسرة– القبيلة – الحزب – المقاولة .

فالجمعية كتنظيم إجتماعي له مقوماته الخاصة، وأدواره وطريقة تكوينه ورهاناته الداخلية والخارجية .

3/1 تعريف الباحث الجزائري المنصف وناس .

الجمعية نمط من المشاركة في الحياة الإجتماعية والسياسية والثقافية، وأنها هيكل من هياكل الإدماج السياسي والإجتماعي، وأنها تدريب فردي وجماعي على الإستفادة من المعارف ووضعها موضع التطبيق تحقيقا للنفـع العـام ([4]( .ويتحقق ذلك بواسطة الرغبة في الفعل التعاوني وتبنى القضايا المشتركة والتنظيم الجماعي، وكذلك العمل التطوعي الذي يعتبر شكل من أشكال المواطنـة والعمـل الإجتماعيفي غاية الأهمية، لأنه يتيح للأفراد المتقاعدين والعاطلين عـن العمـل وغيرهم من المهمشين فرصة الأندماج والتفاعل مع المجتمع والإبتعاد عن العزلة .

3/2: تعريف أمأني قنديل.

الجمعيات بأنها: "مؤسسات أو منظمات تطوعيـة خاصـة تتبنى أهدافا متنوعة، وقد تنشط في مجال واحد رعاية المعوقين مـثلا أو عـدة مجالات (الطفولة، المساعدات الخيرية والمعاقين"([5]). 

3/3: تعريف ماهر أبو المعاطي

في تعريفه يعتبر أن الجمعية تنظيم إجتماعي يتكون من عدد من الأفراد يهدف إلى تحقيق أهداف لا تتعارض مع قوانين وتقاليد المجتمع بغرض المساهمة في مواجهة احتياجات ومشكلات المجتمع"([6] ).

3/4: تعريف قاموس مصطلحات الخدمة الإجتماعية .

 يعتبر أن:"الجمعية هي منظمة تسعى إلى تحقيق أهدافإجتماعية معينة ولا تهدف إلى الحصول على الربح، لها وظائف متنوعة وقد تكون قومية أو محلية وتساهم بشكل متميز في مجال الخدمات الإجتماعية "([7]).

3/5 تعريف هيئة الأمم المتحدة فجاء تحت تسـمية المنظمـة غيـر الحكوميـة.

فقد إعتبرها:"مجموعة من المواطنين على المستوى المحلي أو الـوطني أو الـدولي بحيث لا تكون جزءا من حكومة ما، ولا تعمل من أجل الربح، وتشارك في إثارة قضايا معينة تخص الأسرة أو المجتمع .

اعتبرتوكفيل أن الجمعيات تشكل فضـاء وسيطا بين السلطة والشعب، وظيفتها كبح تطرف الجـانبين([8])، وتغطيـة مختلـف الميادين التي تعاني من نقائص وثغرات بهدف إشباع الحاجات وحل المشـكلات .

فالجمعية كتنظيم إجتماعي وظيفي تقدم مجموعة من الخدمات الأساسية في المجال الإجتماعي، الثقافي اوحتى داخل نسق الإقتصاد الإجتماعي، حيتتشكل فضاءا لممارسة الحرية والعمل والدفاع عن القناعات الشخصية، وترسيخ قيم التعاون والتضامن والديموقراطية كما تطرق إلى ذلك توكفيل في تناوله لمفهوم الجمعية .

فالجمعياتبهذا المعنى أصبحت فاعلا إجتماعيا يجعل من قيم التضامن والتعاون واجبا اخلاقيا، تضمن تقديم خدمات لمن يحتاجها، لأن الفعل الجمعوي هو فعل موجه لخدمة من هم في حاجة إلى خدمات الجمعية، وهو ما يجعل مفهوم الخدمة الإجتماعية من اهم الادوار التي تؤديها الجمعيات .

تعريف مادلين غرافيتز:

الخدمة الإجتماعية بقولها:" هي كل عمل يقوم به الفـرد لإفادة الآخر" ([9])هذا التعريف مختصر ولكنه ذو دلالة عميقة إذا اعتبرنـا أنـ العمل يتم بدون مقابل وبشكل تطوعي، وأنه عمل صادر عن ارادة طيبة وموجه للاخرين ([10]).

وقد حدد المؤتمر الدولي للخدمة الإجتماعية الأهداف والمجالات الخاصة بالخدمة الإجتماعية:

-تخفيف الآلام الناشئة عن البؤس والفقر والتخلف وتسمى الخدمـة الإجتماعية الملطفة.

وضع الأفراد والأسر والجماعات في ظروف ملائمة، وهي الخدمة الإجتماعية الشفائية (العلاجية.

منع وقوع الكوارث الإجتماعية، وهي الخدمة الإجتماعية الوقائية.

تحسين حال المجتمع ورفع مستوى معيشته([11]) .

هذه الخدمات المقدمة من طرف الجمعيات بمختلف نشاطاتها هي أعمال خدماتية تسـتهدف تلبية احتياجات الأفراد والجماعات بما يساعد في تنمية المجتمع، وذلك من خلال العمل على ايجاد الحلول الجزئية او الدائمة لبعض المشـاكل الإجتماعية كالفقر والأمية والإعاقة والإدمان ونقص الخدمات، وهذه الجهـود هـي بمثابـة الخدمة الإجتماعية المطلوبة في كل مجتمع يهدف إلى تحقيق التنمية المحلية والرفع من مؤشراتها.

ثالثا: الجمعية من منظور الوظيفية الجديدة

 فالوظيفية الجديدة حاولت الدراسة وتفسير كيفية عمل المجتمعات، وكيف تؤثر المؤسسات والانماط الثقافية في ضمان استمرارية الانساق، لاسيما وسطمتغيرات معقدة ومتسارعة في زمن العولمة بهدف تجاوز توجهات الوظيفية الكلاسيكية لبارسونز .

الوظيفية الجديدة تهدف الى دراسة الواقعوفق رؤية متعددة الابعاد، تستند الى التكامل بين مستويات التحليل القصير المدى ومستويات التحليل البعيد المدى، وذلك من خلال فهم المجتمع في شموليته، واتساق واقعه وبجميع الاكراهات والمحددات التي تواجه الفاعل، وهي الافكار المتضمنة في مؤلفه الاساسي الوظيفية وما بعدها، والمتوفر كنسخة الكترونية عبر محرك البحت امازون .

فالوظيفية الجديدة حاولت اعادة بناء اسس النظرية الوظيفية الكلاسيكية، من خلال نقد اطروحات تالكوتبارسونز، وتتحدد ملامح هذا المشروع في كتاب جيفري الكسندر في كتابه: الوظيفية الجديدة وما بعدها ( الكسندر جيفري 1998 ص 69 ) .

لذا سيستند الدراسة إلى النظرية الوظيفية الجديدة، التى تقدم وصفاً عاماً للعلاقات المتبادلة بين الجمعية وباقي الفاعلين في محيطها العام، وتستخدم فكرة التوازن بصفتها نقطة مرجعية وليس بصفتها شيئاً موجوداً فى الواقع، فالتوازن هو دائماً توازن متحرك .

وقد حدد جيفري الكسندر فى مؤلفه "المنطق النظرى فى علم الاجتماع" ضرورة الأخذ فى الاعتبار ثلاث مجموعات من المتقابلات هى: التقابل بين النظرية والواقع (البعدين الميتافيزيقى والواقعي لعلم الاجتماع)، وهو ما يتيح الارتباط بينالنظرية والواقع والانحياز الى منطق الوصل وليس الفصل، وكذا الارتباط بين الإرادة الفردية والهيمنة الجماعية، والفعل المعيارى والفعل الأداتى من اجل فهم الظاهرة الاجتماعية كظاهرة مركبة ومعقدة في الوقت ذاته .

لذا فقد فضل الكسندر مصطلح " علم الاجتماع متعدد الأبعاد " الذي يتضمن تناوباً بين الحرية والقهرية ويقوم هذا المنطق علي افتراضيين عامين أولهما يتصل بمشكلة الفعل، وثانيهما يتعلق بمشكلة النظام أو بالكيفية التي يصبح بها تعدد هذه الأفعال مترابطاً ومنظما ً، وهو ما يتيح لنا فهم كيف يتم تنظيم مختلف توجهات واراء ومصالح المنتمين للفعل الجمعوي، وكيف يمكن تفسير دور الفاعل في بنية محكومة بمجوعة من التوازنات، وهو ما يتيح تجاوز الاتجاه البنيوي الذي جعل النسق بدون ذات فاعلة، وكذا الاتجاه الفرادني الذي منح سلطة للفاعل دون مراعات لحتمية النسق وقهريته من اهم مبادئ الوظيفية الجديدة نذكر ففكرة التوازن داخل النسق الاجتماعي هو دائما توازن هش، وهو ما يتيح فهم الواقع الاجتماعي المعقد،و الذي يعج بالكثير من التناقضات وو اختلاف المصالح وتعدد الرهانات، ما يولد حالة من الصراع داخل نسق الفعل الجمعوي .

الامر الذي يستدعي مقولات جديددة لفهم النسق المعقد والمتحرك عبر مقولات مثل التوازن الديناميكي، ويمكن تحدد توجهات الوظيفية الجديدة في خمسة عناصر:

رفض تفاؤل بارسونز بخصوص رؤيته للحداثة وتجاوز النظرة التفاؤلية لبناء تفسير شمولي ومما يعني التخلي عن ايجاد اي تماسك كامن في العالم ويمكن تحديد ملامح الوظيفية الجديدة في التالي:

استدماج منظور الصراع واعتبار الصراع اداة لتحقيق التوازن .

اعتبار التوازن يتحدد في المستويات البعيدة عكس بارسونز .

تعدد العمليات السببية الفاعلة في العمليات الاجتماعية وهو ما يعني استحالة ايجاد مفتاح واحد لكل المقضايااستدماج مفهوم الصدفة في تحليل علاقة الفاعل بالنسق .

نظرية متعددة مستويات التحليل .

ان اختيار الوظيفية الجديدة ينبع من ملائمتها كنظرية للجمعية كتنظيم اجتماعي وانشطتها وادوارها التنموية وذلك للاعتبارات الاتية:

خامسا:الجمعية من منظور نظرية الترابط الاجتماعي لنوبيرت الياس NOBERT ELIAS

 الترابط الاجتماعي ظهر مع السوسيولوجي نوبير الياس Norbert Elias (1897-1990) في تحليله لطبيعة العلاقة المركبة بين الفرد والمجتمع، حيت رفض وضع تعارض بين الفرد والمجتمع، واعتباره أن سيرورة تطور الفردانية في المجتمع الغربي ارتبطت تاريخيا بسيرورة التنشئة والتربية الاجتماعية وهكذا اعتبر أن المجتمع ليس هو حاصل وحدات فردية، وفي نفس الوقت ليس جمعا مستقلا من الأفعال الفردية، ولكنه علاقة ترابط بين أفراد بحيث لا يمكن لأي ضمير أن يوجد من دون حضور الضمائر الأخرى .

حسب نوبير الياس ووفق مفهومه الترابط الاجتماعي أنه لا يمكن الفصل بين الفرد والمجتمع، فلا يوجد مجتمع بدون أفراد، والفرد مجرد كتلة هلامية وبلامعنى خارج المجتمع، فالفرد والمجتمع وجهان لعملة واحدة، واعتبر ان العلاقة القائمة بين الفرد والمجتمع هي علاقة تفاعل وتأثير متبادل، فالمجتمع يمارس مفعوله في تكوين شخصية الفرد، الذي من شأنه أن يكون فاعلا اجتماعيا وليس مجرد مفعول به في المجتمع .

نوبير الياس اعتبر ان الواقع الاجتماعي يبنى من قبل الأفراد وكل مكونات المجتمع، انطلاقا من خبرات وعادات وقيم مشتركة ومضمرة يتم نقلها عبر فعل التنشئة الاجتماعية، أو خبرات حاضرة تستمد من الحياة اليومية أو تتكون بواسطة الهابيتوس المجتمعي . وهي خبرات من طبيعة جبرية لاشعورية ولاواعية تفرض على الافراد ويتشربونها انطلاقا من المجتمع (الأسرة، والشارع، والقبيلة، المدرسة الحي المسجد الحزب النقابة الجمعية الخ بمعنى أن القيم تنتقل عند الأفراد من جيل إلى آخر، فيتمثلونها على أساس أنها معايير ومقاييس للتكيف والتطبع مع المجتمع ([1]https://sociologie.revues.org/923).

مفهوم نوبير الياس حول الترابط الاجتماعي يقدم تفسيرا لطبيعة الدينامية والتاثير متبادل بين الفرد والمجتمع، فالمجتمع يمارس تأثيره في الفردبقدر، ما يمارس الفرد تأثيره في المجتمع باختياراته وقراراته وإبداعاته.

 مفهوم الترابط الاجتماعي متضمن في مؤلفه ماالسوسيولوجيا الصادر سنة 1970 والمترجم الى اللغة الفرنسية سنة 1991 أي سنة بعد وفاته.

تطبييقا لهذا المفهوم من اجل دراسة العلاقات الاجتماعية وإشكال الفعل المتبادل وبنية وشبكة العلاقات القائمة، وتدبير السلطة داخل الجمعية كتنظيم اجتماعي وذلك عبر:

 اولا: الترابطات الداخلية للجمعية .

مفهوم الترابط الاجتماعي configuration sociale تتيح لنا امكانية اكتشاف طبيعة البنية الاجتماعية داخل الجمعية كبنيية اجتماعية لها قوانينها الخاصة، من اجل معرفة طبيعة التفاعلات وشبكة القوى داخل الجمعية وكيفية اشتغالها داخل مجال محكوم مؤسس على التنافس، وهو ما يساعد في بناء نماذج تفسيرية لوظيفة الجمعية وادوارها التنموية .

كما ان النظرية ستمنحنا فرصة فهم السؤال المركزي والاساسي كيف يتم تنظيم مجموعة من الافراد لانشطتهم الجماعية، وسلوكهم المشترك داخل اطار منظم وقانوني هو الجمعية، بهدف تحقيق اهداف محددة ومعلنة ومتفق عليها مما يساعد يفيد في فهم طبيعة الحوافز المغذية للعمل والفعل الجمعوي.

ثانيا: الترابطات الخارجية للجمعية.

 فالجمعية هي اطار للفعل الاجتماعي وهي فاعل سياسي واجتماعي له رهاناته واهدافه، مما يجعلها تنظيم يتفاعل داخل بنية اجتماعية اكبر في اطار شبكة من العلاقات المتبادلة بين اعضاء الجمعية ومنخرطيها، فالجمعية تنظيم اجتماعي له هويته الاجتماعية وقوانييه ورهاناته وشبكة علاقاته الداخلية والخارجية .

ستساعدنا مبادى وتوجهات وأسس هذه النظرية الى فهم طبيعة الجمعية، ومختلف الاشكال الاجتماعية التي تتيح تبادل المنافع والمصالح وطبيعة الحوافز التي تغذي العمل التطوعي والمجاني عند الفاعل الجمعوي واعتبار الجمعية اطار للتنشئة الاجتماعية الممتدة اظافة الى الدراسة في طبيعة العلاقات القائمة بين الجمعية مع باقي الفاعليين في مجال اجتماعي له قواعده وبنياته الخاصة ورهاناته ومصالحه.فرؤية نوبيرت إلياس تتاسس على مقاربة سوسيولوجية تزاوج بين البعد التفسيري والبعد الفهمي، كما يزاوج بين بين التصور الشمولي وفق اسس سوسيولوجية عند إميل دوركايم والتصور الفردي عند ماكس فيبر، بين الفعل والبنية المجتمعية عبر عملية الانبناءوالهابيتوس.

وفق ما سبق ان نوبيرت الياس يعتبر ان المجتمع ينبنى وفق علاقات ترابط قائمة بين الفرد والمجتمع

وان كل فعل اجتماعي هو فعل اجتماعي بنائي يتم كعلاقة ترابط بينه وبين باقي افراد المجتمع فلا يمكن تخيل فعل خارج المجتمع واو تخيل فعل اجتماعي بدون ذات فاعلة، وهو ما يقود الى اعتماد فكرة ان أن الواقع الاجتماعي يبنى من قبل الأفراد في علاقة مع قيم ونظم المجتمع . وغالبا ما تكون القيم والعادات والمعايير المشكلة لهوية وشخصيات الافراد داخل المجتمعات ذات طبيعة لاشعورية .

 كم يعتبر نوبيرت ان الافراد في بناء تصرفاتهم غالبا ما يؤسسونها على قيم وخبرات الماضي وتطلعات المستقبل . بمعنى أن القيم تنتقل عند الأفراد من جيل إلى آخر، فيتمثلونها على أساس أنها معايير ومقاييس للتكيف والتطبع مع المجتمع.وتشكل هذه المعايير والتصرفات والسلوكيات أدوات للمراقبة الذاتية والمحاسبة الشخصية. وقد استمدها الأفراد من المجتمع ومن حياتهم اليومية على حد سواء. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن المجتمع يمارس تأثيره في الفرد. كما يمارس الفرد تأثيره في المجتمع باختياراته وقراراته وإبداعاته .

 فمنهجية نوبيرت الياس السوسيولوجية تقوم على الجمع ومحاولة التوفيق بين منطق الفهم والتفسير لمقاربة الظواهر الاجتماعية وفق مقاربة سوسيولوجية: الفهم من خلال الدراسة عن دلالات ومعاني الافعال وهو ما يجعل منهجه اقرب الى المنهج الفهمي لماكس فيبر والتي يتحدد بفهم تصرفات الأفراد السلوكية، واستكشاف دلالاتها واهادفها ومقاصدها، ومحاولة تفسبيرها من خلال الدراسة عن اسباب الظاهرة ونتائجها .

 فالمنهج الوسيولوجي لنوبيرت الياس يقوم على اساس الدراسة في مختلف العلاقات التفاعلية داخل المجتمع والتي تتحقق عبر عملية التواصل الاجتماعي، تقوم منهجيته العلمية على الملاحظة الحسية، والاستعانة بالاختبارات الاجتماعية الكمية والكيفية، وربط التطبيق بالنظرية.

سادسا: الجمهعية من منظور التحليل الاستراتيجي

اختيار الاطار النظري للفاعل الاستراتيجي من اجل تأطير موضوع الدراسة بني على اعتبار الجمعية كفاعل سياسي واجتماعي، له قيمته ومكانته ورهاناته في الفضاء السياسي والاجتماعي المحلي والوطني والجهوي . يهتم التحليل الاستراتيجي لميشال كروزيه والمتضمن في مؤلفه L'Acteur et leSystème من اجل فهم كيفية بناء الأفعال الجماعية انطلاقاً من التصرفات الفردية والارادية، والعمل على تنسيقها بما يضمن الفعالية والنجاح وايجاد الحلول لمشاكل التنظيم والافراد( ميشيل كروزيه 1998 ص 122) .

يكون التحليل استراتيجياً عندما يحدد ويدرس سلوك الافراد كفاعلين داخل بنيات اجتماعية معينة، لا يكتفي التحليل الاستراتيجي بمعرفة السير الداخلي للتنظيمات بل يدرس كذلك اشكال ممارسة السلطة وتوزيعها داخل النسق الاجتماعي، فكل تنظيم خاضع لقيود البنية الاجتماعية التي ينتمي اليها.

فالتحليل الاستراتيجي يهدف الى فهم كيفية بناء الأفعال الجماعية داخل التنظيمات وانطلاقا من تعدد الفاعلين واختلاف مصالحهم، وذلك من خلال دراسة ومعاينة سلوك الفاعلين وباهدافهم العامة والخاصة وو اكراهات المحيط وكذا الموارد المتاحة لهم ورهاناتهم .

ينطلق التحليل الاستراتيجي من فكرة اساسية أن الفرد في حالة العمل لا يمكن تحديد سلوكه كلية ولا أن يتحكم فيه أو أن نتنبأ به(عبد القادر خريبش 1990 ص 576) كل فرد داخل أي تنظيم اجتماعي له أهدافه الخاصة، والتي تتعارض حتماً مع أهداف التنظيم. وهو ما يقود الى انتاج مجموعة من التوثرات والصراع داخل بنية التنظيم، لذا فاستمرارية التنظيم واستقراره مرتبط بقدرته على تدبير الصراعات الناتجة عن اختلاف المصالح بين اعضاء التنظيم . اي قدرته -التنظيم –على تدبير تناقضاته الداخلية والخارجية .

 وفق التحليل الاستراتيجي، يحتفظ كل فاعل في التنظيم بهامش من الحرية، فلا يمكن فهم صيرورة التنظيم دون التركيز على الحقيقة النسبية لحرية الفاعل. لذا يحاول الفاعل أن يجعل سلوكه غير متوقع وفي الوقت ذاته أن يتوقع سلوك غيره، فالسلطة داخل التنظيم وفق منظور نظرية الفاعل الاستراتيجي تتحدد في القدرة على الاحتفاظ بمناطق ظل لا يعرفها الاخرون، وبالتالي فالحرية هي القدرة على الانفلات من ادراك الاخرين لما يخطط له الفاعل، والقدرة على الاحتفاظ بمناطق غير معروفة وغير مكشوفة للجميع .

انتقد كل من ميشيل كروزيهCrozier. M وFriedberg. E كل النظريات التي تفسر سلوك الافراد سلوكا عقلانيا، والتي تكتفي بإعطاء أعضاء التنظيم أدواراً محددة وسلوكاً عقلانياً متوقعاً، واقترح بدلاً من ذلك نظرية العقلانية المحدودة حيث يتمتع كل فاعل بعقلانية محددة ومحدودة من اجل انجاز استراتيجية شخصية، يحاول من خلالها إيجاد التدابير اللازمة لتحقيق اهدافه، وفسر كروزيه هذا المفهوم أي العقلانية المحدودة في كتابه الظاهرة البيروقراطية حيت فسرطبيعة العلاقات الاجتماعية في وكالة المحاسبة ومصنع التبغ، وبين أن كل فاعل يجتهد ويناور من اجل توسيع مجال قراره وتحصين استقلاليته، ووضع حد لتبعيته للآخرين من خلال جعل سلوكه غير متوقعمن طرف الاخرين أي امتلاك منطقة ظل .

يعتبر كروزيه أن التنظيم عبارة عن نسق يضم سلسلة من المتغيرات، ما يصيب أحدهما يؤثر حتماً بالآخرين . بمعنى اخر فالتنظيم هو بنية متفاعلة بشكل عضوي فكل تغيير على عنصر يؤثر على باقي البنية . فالتحليل الاستراتيجي يرتكز على ثلاثة مبادئ أساسية هي:

المبدأ الاول: مبدأ السلطة .

حسب رؤية كروزيه ان ممارسة السلطة تتم عبر وجود مبدأ التفاوض والتبادل النفعي بين الطرفين او اطراف التنظيم، من خلال التنازل لحق طرف لطرف آخر وفق شروط محددة متوافق عليها .ومن ثم فالسلطة ليست تعسفية بقدر ما هي سلطة متوافق عليها داخل التنظيم، أي أنها لا يمكن أن تمارس بالإكراه، من طرف عضو ضد عضو اخر فشرعية السلطة داخل التنظيم تتحدد بمدى القبول بها من طرف باقي اعضاء التنظيم .و قد حدد كروزيه اربعة مصادر للسلطة:

امتلاك الفاعل لكفاءة غير متوفرة لدى باقي الفاعلين .

التحكم في مناطق الظل .

التحكم في قنوات التواصل .

التحكم في القواعد التنظيمية .

المبدأ الثاني: منطقة الشك .

فكل وضعية تنظيمية مهما كانت تضم دوماً هامشاً من الشك، فالذي يتحكم في هذه المنطقة يحصل على السلطة فهو يحتفظ بمنطقة لا يتحكم فيها الآخرون وتجعل سلوكه غير متوقع في نظرهم.

لتفسير العلاقة الموجودة بين السلطة والفاعل الاجتماعي، يطرح لنا كروزيه مبدأ الشك الذي يستغله الفاعل الإستراتيجي كأرضية لبناء نوع من العنف / السلطة المقبولة اتجاه الاخرين، وذلك في محاولة إجباره على الإلتزام بقواعد "العمل، النظام ".

فمن يستطيع التحكم في منطقة الشك أو الإرتياب بحسب كروزيه، هو الذي له القدرة على ممارسة الرقابة والنفوذ والسلطة على الآخرين، بما يخدم مصالحه وبما يجعل الآخرين تابعين له في قراراته .فبقدر مؤهلاته وإمكانياته بقدر ما يتحكم في تلك المنطقة التي تمكنه من اكتساب قوة غير معلنة وخفية / المصدر الاول للسلطة .

لذا فتحقيق الاستقلالية رهين ببناء مناطق ظل لا يستطيع الاخرون التحكم فيها الاستراتيجية التي يختارها الفاعلين، سواء في علاقتهم ببعضهم البعض أو في علاقتهم بالتنظيم تتميز بالعقلانية إلا أن هذه العقلانية محدودة وذلك راجع بطبيعة الحال إلى وجود استراتيجيات أخرى مضادة، إضافة إلى عوائق السياق المتعددة. وهنا لا يمكن لأي فاعل مهما كانت له القدرة أن يجد الوقت والوسائل التي تمكنه من التوصل إلى حل عقلاني أو أمثل بهدف تحقيق أهدافه. وهنا يكون هذا الفاعل أمام حل مرضي نسبيا أو أمام الحل الأقل ضرار بالنسبة إليه في ظل الحواجز والإمكانيات التي يحتكم إليها Philippe Bernoux: La sociologie des entreprises، éditions de seuil، 1999، p: 141.[15]. .

المبدأ الثالث: نسق الفعل الملموس.

نسق الفعل الملموس هو نتيجة مختلف الاستراتيجيات التي يمارسها الفاعلون داخل أي تنظيم اجتماعي .و هو ليس بالضرورة خاضع للرسمية والتنظيم الرسمي، إنما هي تلك الاستراتيجيات المنظمة والمرتبة بين الفاعلين في علاقاتهم التبادلية تظهر فيها المصلحة والتنافر والصراع .

يمكن استخلاص بعض خطوات هذا المنهج وهي خمسة خطوات لهذا التحليل هي:

1 – تحديد الإشكاليات والرهانات المطروحة في التنظيم .

2 – استنتاج من هم الفاعلون المرتبطون بها .

3 – دراسة كل فاعل من حيت طبيعته وخصائصه وهامش حركته، مدى تحكمه بمنطقة الشك)

4 – استخلاص واستنتاج الاستراتيجيات التي يظهرها أو يتبناها الفاعل او الفاعلون داخل التنظيم الاجتماعي .

5 – دراسة التفاعل بين مختلف الاستراتيجيات المستنبطة من نسق الفعل .

وبعد هذه المرحلة يتم اكتشاف نسق الفعل العام، والتوصل الى مختلف الاستراتيجيات الموجودة، وبالتالي بناء نما ذج تخطيطية لتوضيح العملية التي تساعدنا على فهم طبيعة ووظيفة النسق وفاعليته. 

خاتمة:

يبدو أن قيمة المنهج مهمة واساسية في دراسة الظواهر الاجتماعية من اجل بناء دراسة علمية دقيقة تتيح انتاج معارف تتيح التنبؤ والتفسير والضبط، لذا يصبح المنهج شرطا من شروط انتاج المعرفة العلمية وتراكمها، غير ان هناك مجموعة من الصعوبات التي تحول دون التطبيق الكامل للمنهج العلمي في العلوم الاجتماعية والتي تتميز بالفرادة والتميز والتعقيد ومع صعوبة اجراء التجريب عليها وقياسها تجريبيا .

تعتبر مساهمة كل من جيفري الكسندر في اطار الوظيفية الجديدة وميشيل كروزييه في احداث تصورات جديدة تركز على الجمع بين الفاعل والبنية وبين فاعلية الذات وقهرية البنية او التنظيم، عبر ترسيخ رؤية جديدة تهدف الى دراسة الواقعوفق رؤية متعددة الابعاد، تستند الى التكامل بين مستويات التحليل القصير المدى ومستويات التحليل البعيد المدى، وذلك من خلال فهم المجتمع في شموليته، واتساق واقعه وبجميع الاكراهات والمحددات التي تواجه الفاعل الاجتماعي في مختلف ادواره الاجتماعية .

 

د الفرفار العياشي

.........................

قائمة المراجع:

السيد الحسيني: النظرية الاجتماعية ودراسة التنظيم، دار المعارف، الطبعة الرابعة، 1983.

1/ السيد علي شتا، المنهج العلمي وعلم الاجتماع، ج3، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، مصر، 1995،

2 / عبد القادر خريبش ا لتحليل الاستراتيجي عند ميشال كروزيي: مجلة جامعة دمشق العدد الاول والثاني

3/عبدالرحمن بدوي، مناهج الدراسة العلمي، ط3، وكالة المطبوعات، شارع فهدالسالم، الكويت، 1977،

4/ السلطة الرمزية للفاعلين في المجال الاجتماعي وعلاقتها بإنتاج السلطة غير الرسمية في الإدارة المحلية موسى خويلد.

جان بيار دوران وروبير فايل: علم الاجتماع المعاصر، ترجمة ميلود طواهري، ابن النديم للنشر والتوزيع ودار الروافد الثقافية-ناشرون، الجزائر، الطبعة الأولى، 2012، ص: 320.

5/ لايدر، ديريك، قضايا التنظيرفي الدراسة الإجتماعي، ترجمة عدلي السمري،، القاهرة، . 2000

6 كريب ايان 1999 النظرية الاجتماعية من بارسونز الى هابرماس محمد حسن غلوم عالم المعرفة العدد 244

- محمد على محمد وأخرون: دراسات في علم الاجتماع والأنتروبولوجيا، دار المعارف، الطبعة الأولى، مصر، 1975، ص:322.[4]

جون سكوت وجوردون مارشال: موسوعة علم الاجتماع، ترجمة أحمد زايد وآخرون، المركز القومي للترجمة، الطبعة الثانية، 2011، ص: 407.

أحمد شكر الصبيحي. مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي. مركز دراسات الوحـدة العربية. بيروت، ط1، 2000، ص125

[1]ر-بودون، ف- بوريكو، المعجم النقدي لعلم الاجتماع ترجمـة سـليم حـداد، ديـوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ط1، 1986، ص .286 25 - -

[1].ا ثريـا البرزنجـي، المجتمـع المـدني والمفا هيم المعاصرة، جريدة المـدى .2006 العراقية ماي 16 www.almad poper.com.

[1]أحمد بو عجيلة، المجتمع المدني فـي المشـروع المجتمعـي للتغييـر، مجلـة أفكـار الالكترونية AFKARonLine.org www.aFKA@

[1]ألمرجع السابق .

 

7جميل حمدواي: نوبيرت الياس السوسيولوجي:

/http://www.almothaqaf.com/index.php/idea2015/890347.html /

Michel Crozier Erhard Friedberg L'acteur et le système: Les contraintes de l'action collective Éditions du Seuil، 1981

Michel Foudriat: Sociologie des organisations، édition PEASON Education، 2 éditions، 2007، p: 3.

- M.Crozier، E.Friedberg: L’acteur et le système، éditions du seuil، 1977، p: 45.

Philippe Bernoux: La sociologie des entreprises، éditions de seuil، 1999، p: 141.

M.Crozier: Le phénomène bureaucratique، éditions di seuil، 1963، p:9.

 ......................

 هوامش

[1] فوزي بورخيص، مدخل الى سوسيولوجيا الجمعيات، افريقيا الشرق 2013ص 29

[2] Tocqueville 1981 de la démocratie en Amérique ; t 1 ed Garnier Flammation –paris p 274

[3] السید الحسیني، علم الاجتماع السیاسي المفاھیم والقضایا، ط1، دار الكتاب للتوزیع، القاھرة، 1980، ص، 251-252

[4] أحمد شكر الصبيحي. مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي. مركز دراسات الوحـدة العربية. بيروت، ط1، 2000، ص125

[5] ر-بودون، ف- بوريكو، المعجم النقدي لعلم الاجتماع ترجمـة سـليم حـداد، ديـوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ط1، 1986، ص .286 25 - -

[6] ا ثريـا البرزنجـي، المجتمـع المـدني والمفا هيم المعاصرة، جريدة المـدى .2006 العراقية ماي 16 www.almad poper.com.

[7] أحمد بو عجيلة، المجتمع المدني فـي المشـروع المجتمعـي للتغييـر، مجلـة أفكـار الالكترونية AFKARonLine.org www.aFKA@

[8] ألمرجع السابق .

[9] رشيد زرواطي، مدخل للخدمة الاجتماعية، دار هومة، الجزائر، 2000، ص 11

[10] Dan Ferrand- Bechmann 2000 le metier du benevole ; ed Econom،ica collection Anthropos p 13

[11] رشيد زرواطي المرجع السابق ص 14

 

بعيداً عن الفلسفاتِ التي تُغالي بالكائنِ الانسانيِّ ؛ اذ تجعلُهُ وجوداً مكتفياً بذاتهِ، مستغنِياً عن خالِقِهِ . من وحي هذهِ الفلسفةِ أعلَنَ نيتشه " موتَ الاله"، ومن روح هذه الفلسفةِ ونَزعتِها الاستغنائية عن الخالق، اعلن سارتر استقلاليّةَ الوجودِ الانسانيِّ .والالحادُ كُلُّهُ وبجميعِ مدارسهِ يُمَثّلُ نزعةً استغنائيةً .

كلُّ هذهِ المدارسِ الفلسفيّةِ لاتُعبرعن حقيقةِ المخلوقِ الموسومةِ بالعجزِ والفقرِ والاحتياج، وانما تُعَبِّرُ عن ايديولوجياتٍ وازماتٍ نفسيّةٍ وظروف عاشها اصحابُها، ولكنَّهم قدموها لنا كفلسفاتٍ بعد ان جردوها من ابعادها الذاتيَّةِ .

القرانُ الكريمُ وحقيقةُ العجزِ الانسانيِّ

القرانُ الكريمُ يُقَررُ بوضوحٍ هذهِ الحقيقةَ، حقيقةَ العجزِ الانسانيِّ ؛ فالانسانُ في بطنِ امّهِ في فترةِ الحمل، في حالةِ عجزٍ تامٍ، كلُّ شيءٍ يُؤمنُ لهُ من الغذاء والتنفس، وكل حاجاتهِ معتمداً فيها على الله تعالى عن طريق الحبل السريِّ لأُمّهِ، هذه المرحلةُ الزمنية هي مرحلةُ العجزِ التام، وبعدها مرحلة الولادة، يأتي الى الدنيا وهو في حالة عجز تام ٍ ومعتمداً على والديه بالدرجةِ الاولى، وعلى المحيطين به . يقول اللهُ تعالى:

(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). النحل: 78. وهذا الاحتياجُ والضعفُ يلازمُ الانسانَ ليس في مرحلة الطفولة فحسب، بل في كل مراحل الحياة، هناك محطات يقفُ فيها الانسانُ ضعيفاً عاجزاً، كما ان الضعفَ طبيعةٌ انسانيّةٌ . يقول الله تعالى:

(يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا). النساء: الاية:28.

(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ). الروم: الاية: 54.

والفقرُ لازمٌ ذاتيٌّ للانسانِ ولكلِّ مخلوقٍ في هذا الوجودِ . يقول الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ). فاطر: الاية: 15.

(فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ). القصص: الاية: 24.

كما ان القران اشارَ الى تضرع الانسان الى الله في الازماتِ، وفي حالات العجز والضعف، ولكن بمجرد ذهاب الأزمةِ، يرجع الانسانُ الى ماكان عليه قبل الازمة . يقول الله تعالى:

(فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ).العنكبوت: الاية: 65.

الانسانُ في حالةِ نومهِ يعيش حالةَ عجزٍ تام، فالعناية الالهيةُ هي التي تجعل دورتهُ الدموية في حالة عمل، وجهازه التنفسيّ يؤدي وظائفه بشكلٍ تامٍ، ودقاتُ قلبه منتظمة، وكل اجهزة جسمه، هو في حالة عجزٍ تامٍّ، ولكنه ينسى ويدعي الاستغناء والاستقلاليّة عن الخالق .

التّداعياتُ الخطيرةُ للاستغناءِ عن اللهِ

بعدَ أَن عرفنا حقيقةَ فقرِ المخلوقاتِ، خصوصاً الكائن الانسانيّ، نريد نعرف هل الحالةُ الاستقلاليّةُ التامّةُ، والاستغناءُ المطلقُ عن الخالق لها اثارٌ مُدَمّرَةٌ في حياة الانسان؟ لننظرَ ماذا يقولُ القران الكريم؟ القران يتحدث عن الاثار المدمرة للاستغناء عن الله، يقول الله تعالى:

1- حالة الطغيان: (كلا إن الإنسان ليطغى • أن رآه استغنى) . العلق: الايات: 6-7.

2- حالة الغرور: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ). القصص: الاية: 78.

3- حالة ادعاء الربوبية: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ). النازعات: الاية: 24.

4- حالةُ ادعاءِ الالوهيّة: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ). القصص: الاية: 38.

5- حالةُ الاستكبار: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ).فصلت: الاية:15.

وخلاصة القول: ان العجزَ والحاجةَ والفقرَ سمةٌ من سماتِ المخلوقينَ، والكائن الانسانيّ، رغم امكانات القوة التي اودعها الله فيه؛ فهو كائنٌ ينطوي على العجزِ والفقرِ الذاتي والحاجةِ الى خالقهِ الغنيِّ المُطلَقِ.

 

 زعيم الخيرالله

 

نبيل عودةموضوع الحداثة يشغل بال المثقفين والمفكرين في العالم العربي منذ فترة طويلة، قرأت عشرات المقالات الجادة والعقلانية التي طرحت الموضوع من جوانبه الفلسفية والحضارية، لكن ملاحظتي ان الكثيرين من اصحاب الرأي والفكر لم يخرجوا بنصوصهم عن إطار العلاقة بين الحداثة والأدب. طبعا لا يمكن فسخ العلاقة بين الحداثة والأدب، لكن الحداثة بجوهرها لم تبدأ كظاهرة أدبية. ان أكثر ما يشغل أصحاب فكر الحداثة العرب، الذين ولدوا وتثقفوا بإطارها وأضحت تشكل عالمهم الفكري وقاعدة وعيهم الاجتماعي، هي الساحة الأدبية، أي ما يخص الثقافة العربية.

لم نتفق بعد، في ثقافتنا العربية، على تعريف دقيق لهذا المفهوم الذي فرض نفسه على مجتمع شبه قبلي، او قبلي تماما، تسيطر عليه الماضوية، ويبدو الحديث عن الحلم الذي يراود المثقفين العرب، للتخلص من الماضوية التي تعيق انطلاقة المجتمعات العربية نحو آفاق حضارية جديدة، بعيد عن التحقيق، بدل ذلك يتعمق الابتعاد بل ونشهد في الآونة الاخيرة، ازدياد الالتحام بين تيارات دينية والارهاب، أي العودة الى القبلية والتعصب، وما يشغل العالم العربي ليس العمران انما الحد من التطرف والعنف الدموي.

بعض المثقفين العرب اعطوا تفسيرات سطحية ويمكن القول شكلية لمفهوم الحداثة، بالقول مثلا انها "الاختزال والشفافية"، اي يقرنون مفاهيم فكرية فلسفية بعناصر من عالم الأدب، دون التطرق للجذور التاريخية للحداثة من اجل فهم القاعدة المادية والفكرية التي نشأت عليها.

هذا التعريف وغيره من التعريفات اللغوية التي تفتقد للمعرفة، لم تأخذ بالاعتبار جوهر الحداثة. ان الحداثة في الادب والفكر والحياة، ليست وليدة ظاهرة شكلية، انما نتيجة عملية لتغيرات وتطورات شملت العلوم والثقافة والاقتصاد والفلسفة، احدثت تغييرات عميقة في المجتمع البشري وفي التربية والتعليم، والرقي الحضاري بكل اتساعه الثقافي التقني والعلمي. ان تطور العلوم مثلا أحدث نقلة نوعية غيرت كل الافكار والمفاهيم البالية، مما تبقى من افكار القرون الوسطى، وطرحت مكانها افكار وموازين تعتمد على العقل والمنطق والعلم والمعرفة.

لا يمكن الحديث عن الحداثة بمنظار قديم وبمواقف تجتر الماضي، لا يمكن "اتهام" مقطوعة ادبية بالحداثة لأنها مكتوبة بلغة لا شيء واضح فيها الا حروف الابجدية، وجعل الحداثة محصورة في الادب هذا جهل فاضح، بل غباء مطلق.

الذي يحدث هو خلط مضحك بين المفاهيم والاصطلاحات التي لم تنشأ اصلا في الفكر العربي، وبالتالي مضمون الحضارة الذي نشا وتطور باطار تيار الحداثة الأوروبي، لم يخترق المجتمعات العربية، التي ظلت على جهل مريع بمفاهيم الحداثة وشروطها. لا أكشف أي جديد بالقول ان جذورها التاريخية تقودنا الى عصر التنوير الاوروبي، الذي بدأ قبل 300 - 400 سنة، وهو الزمن الذي يفصلنا عن مفاهيم التنوير والحداثة، شئنا ذلك أم ابينا. ما زلنا في العالم العربي نتحدث عن اصلاح برامج التعليم وهي برامج متخلفة بكل المقاييس، متخلفة في العلوم والرياضيات والتقنيات والابحاث والمهن، يكفي ان اذكر ان ثلثي الحاصلين على شهادة الدكتوراة في العربية السعودية موضوعهم هو الفكر الإسلامي، والثلث الاخير لكل العلوم والمواضيع الأخرى لدرجة ان وزير المعارف السعودي (قبل عدة سنوات) اشتكى من ظاهرة تخريج ملايين شيوخ الدين، وبينما الدولة تحتاج الى تكنوقراطيين وباحثين وعلماء في مختلف العلوم والابحاث، وتضطر الى استيراد خبراء اجانب وتدفع لهم مبالغ طائلة بينما البطالة بين الشباب السعوديين مرتفعة جدا والتقديرات تقول انه يوجد مليون سعودي عاطلين عن العمل.

مجتمعاتنا العربية تفتقد لأول شروط الحداثة: التنوير، الديمقراطية والتعددية الثقافية والدينية والسياسية.

جزء من الحداثة يتعلق بموضوع المصارحة والمكاشفة، فهل نستطيع ان نكون صريحين ومتقبلين للآخر المختلف؟

الخطأ ان مفهوم الحداثة جرى حصره بإطار الأدب فقط، ولا انفي ان للأدب مكانته الهامة في تيار الحداثة، لكنه يبقى تيارا فنيا وليس تيارا فكريا وفلسفيا يمتد تأثيره على مجمل مرافق الحياة والتطور الاجتماعي والاقتصادي والعلمي والمعرفي.

صحيح ان المفهوم المجازي العام للحداثة في العالم العربي، ظهرت في الشعر تحديدا على يد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وغيرهم، ثم انتقلت لأشكال الادب المختلفة كالقصة والرواية، وايضا للفنون بأشكالها المختلفة الأخرى.

الحداثة بمفهومها الاجتماعي والسياسي والديني ظلت مستبعدة وغير قادرة على اختراق المجتمعات العربية.

من هنا ما يطرح من نقاشات حول الحداثة في الادب او "اتهام" ادباء بالحداثة، هو تعبير عن عدم فهم لجذور الحداثة وشموليتها.

من الواضح ان المحافظون المتعنتون يحاربون الحداثة، اي يحاربون التغيرات الاجتماعية والثقافية بالتمسك (كما يدعون) بالأصالة والتراث والتقاليد، والسؤال هل تتناقض الحداثة مع الاصالة والتراث؟

اليس التراث وأصالته، هو نتاج حداثي في عصره؟

يبدو واضحا هنا ان رفض الحداثة وطرح التراث مكانها هو طرح سياسي وفكري بالأساس.

لكل عصر مميزاته الاجتماعية والحضارية، والحضارة لا تتوقف في مكان ما مكتفية بما انجزته، التوقف يعني التخلف عن الحضارات الاخرى، وهذا ما اصابنا في حضارتنا العربية.

من مميزات الحداثة هو قدرتها على نقد ذاتها بعد كل مرحلة، وتصويب الخطأ ومواصلة الانطلاقة. الفكر الحداثي لا يطرح نفسه كفكر نهائي ثابت معصوم عن الخطأ.

مشكلتنا هو جهلنا، وبالتالي رفضنا لمصادر الحداثة أي حركة التنوير الاوروبية التي استفادت في وقته من الفكر العربي وقادت المجتمعات الاوروبية الى نقلة نوعية في كل مجالات الحياة والتقدم، وهذا لم يحدث في شرقنا، لذلك يبدو لي الحديث عن "الحداثة" ضربا من الفتح بالمندل، ربما يصح القول "كسر الحواجز التقليدية" خاصة في الادب.

حقا ظهر مثقفين طلائعيين يروجون لفكر الحداثة ولفكر التنوير والاصلاح الشامل لكن بين هذا والحداثة مرحله طويله وشاقة.

هل يمكن تحقيق الحداثة بدون حرية اجتماعية وفكرية؟ بدون مساواة وتعددية ثقافية؟ هل يمكن تحقيق الحداثة بدون دولة مؤسسات ورقابة واستقلال السلطات عن بعضها البعض؟!

ما زلنا في الشرق متخلفين 200 - 300 سنة على الاقل، عن عصر التنوير وكل صراخنا حول تراثنا وحضارتنا هو تمويه للحقيقة وخداع للنفس، ما زلنا عالقون في التخلف... والصورة تبدو سوداوية، لكن الصورة لم تكن اقل سوداوية مع بداية عصر التنوير الاوروبي!!

 

نبيل عودة

 

فاطمة واياولم تكن مسيرة المرأة العربية والمسلمة بشكل عام  ومنذ عصر النهضة خالية من التحديات القديمة/الجديدة التي تواجه وضعية النساء على كل المستويات الاقتصادية والقانونية والثقافية والسياسية والحقوقية. مما يدل على أن معركة المرأة تبدأ من جسدها وما يحيط به وتنتهي به، فهو محور هام ورمز الخضوع أو الكرامة. ولعل خروج المرأة ا إيرانية سنة 2017 في انتفاضة نزع الحجاب، وثورة المرأة اللبنانية من اجل الحرية والكرامة سنة 2019، ومن ثم المرأة العراقية وغيرها،   هذا الخروج يذكرنا بما قامت به رائدات الحركة النسوية العربية إبان عصر النهضة، فنزول هدى شعراوي من القطار  بعد أن نزعت حجابها بمحطة القطار بالقاهرة،  حيث كانت في طريق العودة بعد مشاركتها والوفد المرافق في المؤتمر الدولي للنساء بروما سنة 1923. من هنا فإن الخمار أو الحجاب أو أي رداء يغطي رأس أو وجه المرأة لا يمكن أن يكون إلا رمزا للخضوع لتعاليم النظام الأبوي المتسلط.

من جانب آخر، لماذا تعتمد أغلب النسويات الإسلاميات ارتداء الحجاب؟ وتعلن اغلبهن بأنهن ارتدينه بحرية وبطواعية، في حين نعلم جميعا أن الحجاب فرض على النساء في عهد عمر بن الخطاب بهدف تمييز  الحرائر من الإماء من نساء المسلمين. فهل من لا ترتدي الحجاب ليست حرة في نظر النسوية الإسلامية؟ أما إذا تجاوزنا مسألة الحجاب، فإن قضية المواطنة عموما والمواطنة النسائية بشكل خاص، تعتبر من الإشكالات التي يصعب على الحركات النسوية الإسلامية مقاربتها، فهي تمثل منبع التناقض الفكري لهذه الحركات. فإذا كانت اغلب رائدات النسوية الإسلامية استفدن من مناخ الحرية والديمقراطية في الدول الغربية مما أتاح لهن وضع لبنات حركتهن في معاداة للحركة الحداثية والعلمانية، فإنهن باتجاههن للانتصار لمفهوم الأمة في مقابل مفهوم المواطنة، يدل على أن هدفهن يتلاقى بشكل كبير مع أحزاب وحركات الإسلام السياسي والفكر الأصولي الذين يعتقدون أن لا وجود للدولة الوطنية وبالتالي للمواطنة بل إنهم يسعون لفرض الشريعة حتى في الدول الغربية من اجل الانتصار لمفهوم الأمة الإسلامية، وبالتالي ضرب أسس الديمقراطية التي منحت لهم مناخا من الحرية والحركة.

ليس هدف هذه المقاربة الوقوف عند قضية الحجاب أو لباس المرأة، رغم أهميته، بل الهدف هو التأكيد على أن لباس المرأة استعمل ومازال يستعمل كوسيلة لإخضاع النساء، سواء تعلق الأمر بالحجاب أو حجب النساء، أو بتعريتهن إلى حد العهر والمتاجرة بجسدهن. ما نتوخى مقاربته في هذه السطور بالتحديد العلاقة بين الحركة النسوية والحركة النسوية الإسلامية التي ظهرت بدورها مع موجات الحركات الاجتماعية ما بعد الحداثة وما بعد النسوية. أيضا استكناه أوجه التشابه إن لم نقل التواطئ بين النسائية الإسلامية ونسائية الدولة في العديد من البلدان العربية والإسلامية.

نشأت الحركة النسوية الإسلامية في تسعينيات القرن العشرين في كل من إيران وماليزيا، ولن تعرف أوجها وانتشارها إلا في البلدان الغربية أي في الدول الأوروبية وفي أمريكا، خصوصا في محطة مؤتمر برشلونة سنة 2005 .  هكذا ستعرف هذه الحركة  امتدادا عالميا منحها ألقا وشهرة وفي وقت وجيز وقياسي جعل من الحركات النسائية العلمانية أو الحداثية تظهر بمظهر الضعف والتراجع كيف ذلك؟

ما يمكن ملاحظته في كثير من خطابات الحركة النسائية الإسلامية سقوطها في محاكاة خطاب النسوية العلمانية الغربية، أو بتعبير أدق توظيف آليات ومنهجيات هذا الخطاب والتنكر له حينما يروم هذا الخطاب نفسه أدلجة مضامينه. وأوضح مثال على ذلك، النظرة الضيقة التي تتم بها مقاربة النظام الأبوي وعلاقته بالقوانين المجحفة في حق النساء والتي غالبا ما تكون مستمدة من النصوص الدينية التي تحمي النظام وتحافظ على ركائزه.  وتركز العديد من كتابات النسويات الإسلاميات على أن كل الإجحاف والظلم الذي لحق النساء هو بفعل التأويل الخاطئ لبعض آيات القرآن،  إلا أنه ما يجب التنبيه له هو أن العديد من الآيات شملت خطابا ذكوريا وتمييزيا، بشكل صريح لا يستدعي التأويل. وإذا كان الحيز هنا لا يسع للوقوف عند كل مضامين هذا الخطاب والتأويلات،فأننا نشير فقط بأن ما أنتجته رائدات النسوية الإسلامية يصب في نهاية المطاف في إعادة اجترار الفقه الذكوري. فالنظام الأبوي الكلاسيكي والمستحدث كما يسميه هشام شرابي، يتفقان عن ان قهر النساء وإخضاعهن يتم ليس فقط على أيدي الرجال بل أيضا على يد كل من يمثل سلطة مهيمنة قد تكون نساء أخريات.

المشكلة هنا يمكن إثارتها من خلال مقاومة العديد من النساء لأي حركة تحررية ضد هيمنة النظام الأبوي، فهن غالبا ما يعتمدن الحفاظ على بنية النظام الأبوي ليتسنى لهن تغيير موقعهم كضحية إلى جلاد، حينما يمارسن نفس الإخضاع ضد النساء صغيرات السن داخل العائلة وبالتحديد زوجات الأبناء.  هكذا يمكننا فهم بشكل جلي الانتشار الواسع لخطابات الحركة النسوية الإسلامية، وأيضا لكل الحركات التي تمثل الإسلام السياسي، والتي تعيد ترسيخ أسس النظام الأبوي.

تتقاطع الحركة النسوية الإسلامية مع نسائية الدولة في العديد من البلدان الإسلامية والعربية، من خلال تحالفهما من اجل الحفاظ على دعائم النظام الأبوي باستعمال منطلقات مشتركة ترتكز على الدين. ولعل أوضح مثال على ذلك ما حدث في المغرب قبيل تبني مدونة الأسرة سنة 2004 ، فقد اثبت مرة أخرى التحكيم الملكي لحسم الصراع بين الحركات النسائية العلمانية والحقوقية وبين حركات الإسلام السياسي حول مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية، على أن هناك تحالفا خفيا يستند على نفس المرجعية ونفس الأهداف بين القصر الملكي الذي يتبنى نسائية الدولة القائمة على التأرجح غير الواضح بين المرجعيتين الكونية والإسلامية، وبين الحركة النسوية الإسلامية. هكذا وفي كل محطة من محطات النضال النسائي تتلقى قضية المرأة صفعات موجعة تدحرجها لنقطة البداية، وهو مسار طبع الحركة النسوية العربية منذ عصر النهضويين إلى اليوم.

إن الخطاب الجديد لرائدات الحركة النسوية الإسلامية، لا يبتعد كثيرا عن ما دعت إليه خطابات النهضويين بل إنه في أحيان كثيرة يمكن اعتباره خطابا رجعيا، مقارنة بالفارق الزمني للخطابين. فبعد 100 سنة من السفور عاد الحجاب وبشكل قوي في الفضاءات المختلفة، بل إنه أصبح رمزا تحرص رائدات الحركة النسوية الإسلامية على إبرازه. وهنا يصبح السؤال التالي مشروعا بل وضروريا: كيف يمكن التوفيق بين حجب النساء بواسطة قطعة قماش وحقوقهن الإنسانية؟ بتعبير آخر هل التظاهر برمز ديني على اعتباره تجاوزا هوية المرأة يحقق مواطنة نسائية كاملة؟ أليست هوية المرأة الحقيقية هي أولا إنسانيتها؟

ما تفتقر له العديد من الدراسات النسوية وخطابات الحركات النسوية الإسلامية هو عدم تفكيكها للنظام الأبوي، من خلال دراسة تطوره التاريخي وتجلياته المعاصرة والمستحدثة خاصة في ظل الثقافة العربية والإسلامية، وأيضا اعتمادها الانتقائية في تعاملها مع النسوية العلمانية، وأيضا مع الإسلام.

إن قصور الحركة النسوية العربية بل وتراجعها يعود بالأساس لمشكلة المهادنة مع هيمنة النظام الأبوي بكل تجلياته الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، مما أعاق ومازال يعيق أية محاولة لتحديث المجتمع وبالتالي تثوير وليس فقط تطويره .  فتفكيك وهدم أعمدة النظام الأبوي لم يتم بعد وربما ما زال هناك الكثير من الزمان والجرأة والعمل قبل أن تتم معرفة كل الجوانب التي تجعل من هذا النظام راسخا، متجذرا بل وخالدا.  نستطيع الجزم إذن بأن البشرية جمعاء لن تهدم أو تهزم هذا النظام إلا إذا اندحر الظلم والحيف والتمييز بين جميع البشر وليس فقط بين النساء والرجال.

فالواقع الاجتماعي والاقتصادي والتنموي المتردي في العديد من المناطق بالدول العربية ينم على أن طريق الحقوق الإنسانية والعدالة الاجتماعية بل وفي ابسط التجليات، إنسانية الفرد العربي مازالت بعيدة المنال، خاصة وأن أغلب مشاريع الجمعيات المنتمية للحركات النسوية الإسلامية تتلخص في أنشطة إحسانية وأهداف دعوية. وفي انتظار أن تتحقق آمال المواطنين العرب نساءه ورجاله شيوخه وأطفاله وأيضا وشبابه، نجد العديد من الحركات الاجتماعية ومن بينها الحركات النسائية تهادن النظام الأبوي القائم، وتسعى فقط لإيجاد موقع لها ضمنه وضمن أسسه التمييزية والظالمة.

في النهاية نتساءل فقط لماذا يصر كل الخطاب النسوي العربي على التقيد بالمرجعية الدينية حين المطالبة بالحقوق الإنسانية للمرأة مع العلم أن جل القوانين المدنية والتجارية في كل البلاد الإسلامية ومن ضمنها العربية تعتمد التشريعات الوضعية – يمكن ان نستثني هنا تونس التي قطعت أشواطا في ملائمة قوانين الأسرة بالمرجعية الكونية لحقوق الإنسان- أم أن الحركات النسوية جميعها سقطت في فخ الاستحواذ من طرف الأنظمة الحاكمة وأصبحت جزءا من نسائية الدولة، على حساب معاناة النساء المستمرة من الظلم والتمييز غير المحدود وفي الفضائين العام والخاص.

 

د. فاطمة واياو

 

قاسم حسين صالحفي شهر واحد، اثار كائن مجهري الهلع في العالم كله، وتطورت المواجهة الى حالة تحد بين ما تمتلكه الدول المتقدمة من امكانات طبية وتكنولوجية هائلة وما يمتلكه هذا الكائن العجيب من قدرة على التحايل والتطور بما يربك حتى الأجراءت الأحترازية التي تحول دون انتشاره. فتطور الخوف منه الى هلع البشرية على كامل الكرة الأرضية .. المدارس والجامعات اغلقت، النوادي والمطاعم والفنادق والمسابح تعطلت، الخطوط الجوية العالمية تعرضت لخسائر بلغت مائة مليار دولارا، (لوفت هانزا الألمانية خسرت لوحدها 50%).. حتى الشوارع صارت موحشة بعد ان كانت مكتظة بالناس، فتحول منظرها سيكولوجيا من الشعور بالفرح وحب الحياة الذي كان الى توقع الشر والخوف من موت بشع حصل!.ففي اقل من شهرين ونصف ارتفع عدد المصابين به الى مئة الف شخص لغاية (7/3/2020) بينهم (4747)شخصا في ايران وحدها، وحصد ارواح اكثر من ثلاثة آلاف انسان، معظمهم في الصين وايران وايطاليا وكوريا الجنوبية.. واليابان ايضا!

والمخيف ان هذا الفيروس الذي ما كان يعلم عنه شيئا أمهر الأطباء قبل ظهوره في مدينة يوهان الصينية نهاية عام 2019 باسم (كوفيد – 19،  COVID-19 )، لا يوجد لغاية الآن لقاح ولا دواء محدد مضاد له. وما يزيد في فزع الناس أن مدير عام منظمة الصحة العالمية أكد بأن تفشي فيروس كورونا قد وصل الى "مرحلة حاسمة"، وأنذر باحتمال ان يتحول الى وباء شامل.

كورونا.. اصله عربي

يشير اكثر من باحث الى ان الأسم الحقيقي لفيرورس كورونا هو (متلازمة الشرق الأوسط النفسية) وانه ظهر لأول مرّة في آسيا عام 2003 وقتل حينها اكثر من 700 انسانا، فيما يذكر الباحث زيد علي حداد ان بداية ظهوره كانت بمدينة (جدة) السعودية عام 2012، ثم ظهرفي(الامارات - قطر - الاردن - الكويت وسلطنة عمان) وبقي الى صيف 2015.. وأن الناقل لهذه المتلازمة التنفسية الحادة هو الجمال، فيما تؤكد دراسات كورونا يوهان الجديد بأن الفايروس متفشٍّ بسوق الجملة للمأكولات البحرية كالحوت وحيوانات حية أخرى كالدجاج والخفافيش والأرانب والثعابين، ما يعني ان الحيوانت البرية والبحرية هي المصدر الرئيس للفايروس.

كورونا.. هل هو سلاح بيولوجي؟

لم تكن الحروب البيولوجية (Biological Warfare) حديثة العهد، فقد استخدمها الرومان قديما بتسميم الأنهار وآبار المياه، واستخدمت حديثا في الحرب العالملية الأولى بأسلحة من مكونات بكتيرية سامة، أخطرها الجدري والجمرة الخبيثة واخرى تعمل على تشويه الجسد او حرقه، وصفها المعنيون بأنها كانت اكثر فتكا من الأسلحة التقليدية لاسيما في بعدها السيكولوجي التي تؤدي الى انهيار معنويات الخصم.

ويزعم احد الخبراء الاسرائليين ان فيروس كورونا القاتل ربما يكون نشأ في مختبر بمدنة ووهان الصينية كجزء من استراتيجية الصين في مواجهة اميركا بشكل خاص.واضاف (داني شوهام)الضابط في الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية والحاصل على الدكتوراه في علم الأحياء الدقيقة والخبير الدولي ايضا، ان مختبر ووهان مخصص لبرنامج الاسلحة البيولوجية السرية الصينية القادر على التعامل مع الفايروسات القاتلة بهدف علمي خالص، وأن فيروس كورونا قد هرب منه اثناء تجاربهم .غير ان الصين نفت ذلك واعلنت انها لا تعرف اصل فيروس كورونا، وكل ما تملكه من معلومات هي أدلة اولية تشير الى ان الفيروس مصدره الحيوانات التي تباع في سوق المأكولات البحرية في مدينة ووهان، بحسب (قاو فو) مدير المركز الصيني لمكافحة الأمراض.

شائعات وخرافات

الاشاعة هي حدث يجري تضخيمه.. هدفها الرئيس خلق فوضى معلوماتية وتشوش فكري تفضي سيكولوجيا الى شعور المتلقي بالخوف او الرعب الناجم عن توقع الشرّ.ويمتد تأثيرها من خفض المعنويات وتفريق الناس بين مصدّقين مرعوبين، وخائفين، ومحبطين، ومتذمرين من حكومة عاجزة عن حمايتهم، الى انعكاس تأثيرتها السلبية (الخوف، القلق، الهلع..) على الحياة الأسرية والصحة النفسية. ويتحكم في انتشار الشائعة ثلاثة قوانين:اهمية الحدث، وصدمة المفاجأة، والغموض. بمعنى، كلما كان الحدث كبيرا، ووقوعه مفاجئا، واكتنفه الغموض، انتشرت الشائعة في علاقة طردية.. وقد توافرت كلها في فيروس كورونا، وكانت ابرز شائعتين هما :ان فيروس كورونا هو (فلم امريكي) يستهدف الصين وايران، وان الصين ارادت ان تصنع سلاحا فتاكا من الفيروس التاجي فانقلب السحر على الساحر.

والملاحظ على العراقيين انهم من بين اكثر الشعوب تصديقا بالخرافة. ففي واحدة من احدث خرافاتهم ان طفلا نطق في ساعة ولادته محذّرا الناس من مرض خطير، الوقاية منه لا تكون الا بالحنّاء.. ثم فارق الحياة.. فشاعت وأفرغت العراق من الحناء. ومن سخرياتها ان عددا من المدارس استقبلت تلامذتها ورؤوسهم ملطخة بالحناء!، وان الآباء الذين كانوا يسخرون من هذه الخرافة رضخوا لطلب زوجاتهم واشتروا لهن الحناء، وبعضهم أحنى رأسه لزوجته لتخضبه بـ(الحنه) رغم استسخافه للموضوع ويقينه بأن لا علاقة للحنّاء بقتل فيروس وباء!.

وكانت اكثر الخرافات شيوعا عند العراقيين فيما يخص كورونا هو ان حرق (الحرمل) في البيت يقتل الفيروس، فيما دعى بعض رجال الدين الى الوضوء والأستغفار وقراءة دعاء عاشوراء والمعوذات، واستغلها الدجالون بكتابة الحروز والادعية والتبخير التي تمنع الأصابة به، في حين ان احدث مخنتبرات العالم لم تستطع ان تصل الى اكتشاف دواء يقتل كورنا.

وهنالك سببان لميل العراقيين للتصديق بالخرافة، الأول توالي الخيبات وتعرضهم لمشاكل ليس لها حل، فلجئوا للخرافة لأنها تخفف القلق وتخفض التوتر حين يحاصر الانسان بالضغوط. والثاني، ان النظام السياسي (الأسلامي) اشاع التفكير الخرافي بينها خرافة خلاصتها:اذا عصت عليك قضية عليك بـ(تأجير محبس)!. شاعت بين سياسيين (وزلم عليهم اعتماد!).ومن المفارقات أن احد رجال الدين العراقيين المعروفين برر اصابة الصينيين بقايروس كورونا بكونهم كفرة، وكأن الفيروس يعرف من هو المؤمن ومن هو الكافر.. والمفارقة أن رجل الدين هذا قد اصيب بفيروس كورونا.. وندعو له بالشفاء.

العراقيون وفيروس كورونا

يعود احد اهم اسباب هلع بعض العراقيين الى عدم ثقتهم بالمؤسسات الصحية الناجم اصلا عن تولّي المسؤوليات في وزارة الصحة أشخاص لا يتمتعون بالكفاءة بسبب المحاصصة، والى الفساد الذي مارسته احزاب الاسلام السياسي. ومع ان كثيرين سخروا من (كورونا) فان معظم العراقيين بمن فيهم الذين لم يكترثوا، صاروا يعرفون الآن معظم اجراءات الوقاية باستثناء معلومتين:

الأولى: ان العراقيين اعتادوا على عدّ النقود الورقية بتبليل اصبع اليد باللعاب دون ان يدركوا بأن كورونا يمكن ان ينتقل عبر الورقة النقدية. والثانية:اعتقاد معظم العراقيين بأن الفايروس سيختفي في صيف العراق الحاد.. وهذا ليس صحيحا لأن فيروس كورونا لا ينتقل عبر الهواء.

اجراءات وتوصيات:

صحيح ان اداء المؤسسات الصحية في العراق ليس بمستوى متطلبات منظمة الصحة العالمية، غير ان الكوادر الطبية تبذل جهدها ولكن بامكانات محدودة سببها أن احزاب الأسلام السياسي استفردت بالثروة وأهملت حتى الخدمات الصحية للناس.والمفرح ان بعضها نجحت في احتواء المصابين وشفاء عدد منهم في مقدمتها صحة بغداد الكرخ التي خصصت ردهات خاصة للمصابين به وبعناية (فندقية).. ونجحت في علاج احد مرضاها السبعة (حيدر) الذي كان قادما من ايراان.. بعكس الحال في مدينة البصرة التي شكا فيها محجوزون وصفوا وضعهم بأنهم اشبه بمسجونين.

ولضمان احتواء هذا الفايروس، فأننا نوصي بالآتي:

1- غلق المنافذ الحدودية مع ايران في الحال، والغاء اي قرار صدر او قد يصدر بتأجيل تنفيذه.

2- احالة من يستغل منصبه السياسي او الحزبي او الديني الذي يضغط على شرطة المنافذ الحدودية بالسماح للقادمين من ايران بالدخول الى العراق عبر شركته السياحية الى محكمة الجنايات.

3- القاء القبض على الدجالين والمشعوذين الذين يستغلون الحدث لأستغلال البسطاء من الناس وعدم اطلاق سراحهم الا بضمانات رادعة.

4- قيام الوقفين السنّي والشيعي بالزام رجال الدين وخطباء الجوامع والحسينيات بدعوة الناس الى الألتزام بالوعي الصحي اولا بوصفه هو الأساس في تجنب الأصابة بالفايروس.

5- قيام وسائل الأعلام، المرئية والسمعية والمقروءة، بالتعاون مع المؤسسات الصحية بما يسهم في نشر الوعي الصحي، والتحول من موقف تصيد الأخطاء والهفوات الى الناقد الايجابي.

6- قيام السيكولوجيين والأطباء النفسيين بما يعزز المناعة النفسية لدى الفرد بتفنيد التهويل الذي تشيعه وسائل التواصل الأجتماعي، والتهوين المعزز بأدلة علمية تؤكد ان خطر الفايروس هو اقل مما يشاع عنه اعلاميا.

ان الألتزام بتنفيذ هذه الأجراءات والتوصيات يسهم في احتواء فيروس ماكر وخبيث، ويجنب العراقيين شر بلاء عظيم.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

عبد الجبار نوريإن تحويل المرأة إلى سلعة تباع وتشترى بشرعنة حداثوية مزيفة يلغي أنسانيتها ووجودها "نوال السعداوي الفكرة هي ليست أن تأخذ المرأة السلطة من يد الرجل، فهذا لن يغيّر شيئاً في العالم، الفكرة تحديدا هي تدمير فكرة السلطة نفسها . "سيمون ديبوفوار"

بمناسبة 8 مارس عيد المرأة الأممي، ويوم الثلاثاء 14 مارس الذكرى 134 عام على رحيل أيقونة البروليتاريا العالم والفيلسوف الأقتصادي والسياسي الثوري "كارل ماركس" الذي رحل في مثل هذا اليوم من سنة 1883، وكذلك بمناسبة العبوة الصوتية التي فجرتها النائبة العبيدي في تعدد الزيجات، بشرعنة دينية ما هو " ألا زواج بورجوازي( مشاع) بتعدد الزوجات لرجل واحد " !!! .

أن الساحة تعج اليوم بمنابر متعددة رسمية وغير رسمية تعكس المنظور البورجوازي للمرأة بعيداً عن الأهتمام بالمرأة الكادحة وهي تساهم في نشر وعي مزيّفْ حول تحرير المرأة بشكلٍ مبتذل وفولكلوري وبالتالي تؤدي إلى التعتيم على حقيقة المسألة النسوية بشكلٍ متعمد وضرب ستار كثيف على نضال تلك النسوة الرائدات العراقيات المناضلات في مجال حقوق المرأة في خمسينيات القرن الماضي وعلى رأسهن الدكتورة نزيهة الدليمي وسافره جميل حافظ وخانم زهدي وفخريه عبدالكريم وووو، واليوم المرأة العراقية الضحية تحت سيف الجلاد المتشدد الذي أعلن الردة الثقافية التي تكرس دونية المرأة وأضطهادها ومعادات تحريرها والسعي بأرجاع المرأة إلى العصور الجاهلية كما هللت لها النائبة  العراقية الهمام، وللحقيقة يجب أن نعترف بأن وضع المرأة عموماً وعلى جغرافية الكوكب لا يحسد عليه في ظل سيادة المجتمع الذكوري، وطغيان التقاليد القبلية والصحراوية والحكم الديني الراديكالي والأخواني والمتشدد الظلامي الذي يعتبر المرأة كلها عورة ومعاملتها سلعياً في بازار العهر الداعشي الظلامي .

وهذه آخر أحصائيات الأمم المتحدة والبنك العالمي للمعلومة والمنظمة العالمية للصحة حول أوضاع النساء الأجتماعية والأقتصادية تؤكد الصور الكارثية  المرعبة التي تعيش عليها ملايين النساء في العالم { 70% من فقراء العالم هم من النساء، كما أن أجور النساء تقلُ عن أجور الرجال ب25% في باقي دول العالم، وتؤكد نفس الأحصائية ‘لى أن هناك 600 مليون من النساء عبر العالم يعشن أمية كاملة، وتموت أمرأة في كل دقيقة في العالم بسبب تعقيدات مرتبطة بالحمل والوضع، 5-6 مليون بالغ مصاب بفيروس السيدا، وأن 130 مليون أمرأة وطفل صغير يتعرضون للتشويه الجسدي، و4 مليون أمرأة وطفل تباع سنوياً، وعلى المستوى العالمي تتعرض أمرأة من كل ثلاثة نساء للضرب أو تجبر على ممارسة الجنس، وفي ظل النزاعات والحروب القائمة حالياً عبر العالم فأن ثلاثة أرباع الضحايا من المدنيين هم من النساء والأطفال، ويشكلن 90% من قتلى تلك الحروب، أما عن مستوى تمثيل النساء داخل المؤسسات الحكومية الأدارية والسياسية عبر العالم فلا يزيد على 13% }.

ماركس والحركة النسوية

أن المنظور الماركسي للمسألة النسوية هو تحقيق المساواة الأجتماعية والأقتصادية الكاملة للمرأة وهو جزء من اللحمة الأجتماعية والسوسيولوجية كما يقول ماركس : لا تحرر المجتمع بدون تحرير المرأة ولا تحرر للمرأة بدون تحرر المجتمع، ويقول أيضا : أن كلاً من يعرف شيئاً عن التأريخ يعرف أنهُ من المستحيل حدوث تحولات أجتماعية كبيرة بدون حركة نسائية، وأنهُ بدون النساء لا يمكن أن تكون حركة جماهيرية حقيقية .

ماركس الأب الروحي في نهوض الحركة النسوية في العالم عموماً، لكونه معلم وقائد حركة البروليتاريا الثورية، وملهم الحركة النسائية، وهو الذي وضع جلّ أمكاناته المعرفية الدقيقة والناضجة، وبدون تحفظ، ولا مساومات ولا كلل، مفعم بالصبر لوضع لمساته الثورية في التغيير الأممي في الأنتقال من الثورة البورجوازية إلى الثورة البروليتارية  في خدمة البروليتاريا العمالية الرجالية والنسائية،وظهرت أفكاره الفلسفية العملية في تجليات كتبه مؤلفاته القيّمة في كتاب العمل المأجور ورأسالمال 1849 ووالبيان الشيوعي 1848 والصراع الطبقي في فرنسا 1850 والمخطوطات 1857 ونظرية فائض القيمة 1862 وهي مساهمته الفكرية الفلسفية في نهوض المسيرة النسائية في:

-أكد ماركس حقوق المرأة من خلال المفهوم المادي التأريخي بعرضه منهجا دقيقاً وعملياً حول المقارنة بين الوضع القديم الذي أنهار وإلى الأبد في فكرته القديمة بأن المرأة متقوقعة داخل نص وثوابت أسرية قبلية دينية، وقال لا أن الأسرة خاضعة للتغيير والتبدل المستمر وبأضطراد مع تبدل العلاقات الأقتصادية ونظام الملكية وعلاقات السيطرة والخلفية للصراعات الطبقية التي تدفع بالمجتمع الذكوري إلى الرغبة للتغيير   والتي أنهارت وألى الأبد، وبين تطلع الحداثة ومتطلباتها المقنعة والضرورية، وتنبأ ماركس بسقوط نمط الأنتاج الرأسمالي عند وصول قوى الأنتاج مرحلة متقدمة من التناقضات الداخلية في الصراع الطبقي والتي بشّر بها الطبقات الكادحة بما فيها شريحة المرأة، في حتمية أنهيبار التحكم البورجوازي في مصير البشرية والتطلع نحوحياة أفضل وأكثر أنسنة، كما نكتشف في كتابه رأس المال في ما ورد فيه أشارة قوانين في مساواة المرأة في الحقوق وخاصة في الحلول الموضوعية في عمل النساء والأطفال .

- وجاءت أفكار ماركس حول الأسرة واضحة في (البيان الشيوعي) الذي وجه أنتقادا حاداً للبرجوازي الرأس مالية التي مزّقت العلاقات الأسرية وسلفنتها بمجرد علاقات نفعية مادية، وأن البروليتاريا تلك الطبقة الثورية تعلن في تجلياتها الأنسانية الأسرية والأجتماعية الصراعات الخطيرة في النظام الرأسمالي، فهي كفيلة بأزالة أستغلال الأنسان للأنسان وتجاوز التناقضات الموجودة أصلا خلالها، وفي كتاب رأس المال يوضّح أن الصناعات الكبرى أدت إلى تفكك نظام العائلة القديم وفتح أبواباً للمرأة والأطفال في الخارج .

- وأن كارل ماركس يعلم الأجيال بنظرة شاملة للنضال الثوري بالأستيلاء على السلطة السياسية البورجوازية وإلا سوف لا يرى المجتمع الأشتراكي تحرير المرأة الثورية، وتبقى أحلاماً تراود الأجيال القا دمة، وعلى هذا الأساس أحتلت المسألة النسوية دائماً مركزية في النظرية والممارسة (الماركسيتين) وحينها تبنتْ "الأممية الأولى" في النظال من أجل أصلاحات بمنتهى الجدية وصاغتها بشكل أستمارة لأستبيان ظروف العمل وكتبها ماركس في 1866 وهي : تحديد طول يوم العمل بأتفاق الجميع على ثمان ساعات، وتعويض الطاقة الصحية والجسدية مع ضرورة توفر النشاط الأجتماعي والسياسي للطبقة العاملة بما فيها شريحة النساء والأطفال

 Minutes of General Council of the First international 1864 ،

أقترحوا 8 ساعات للعمل ولا يسمح للعمل الليلي، أي أن النساء يجب أن يستثنين بشكلٍ تام من جميع أشكال العمل الليلي أيا كان، وجميع الأعمال المضرّة بجنسهن، أو تعريض أجسادهن للسموم، وأكد ماركس في خطاباته ومقالاته وشروحاته لأطروحاته في كتابه رأس المال : لا يمكن تحرير النساء ألا من خلال تحرير الطبقة العاملة بأسرها، وأن الحركة البورجوازية عاجزة كلياً عن أن يحقق للنساء تحسين ظروف العمل والعيش الأفضل طالما بقيت سلطة الرأس المال والملكية الخاصة فأنه لا يمكن تحقيق المساواة مع زوجها في مستقبل أطفالها .

- النسوية الماركسية (النظرية النسوية) ويتمحور العنوان حول نظرية نسوية تابعة لأفكار ماركس للوجود والحياة والصراع بأتجاه تفكيك الرأسمالية كوسيلة لتحرير المرأة ويعتبر هذا التيار : أن قمع المرأة وقهرها بدأ مع ظهور الملكية الخاصة ونتج منه عدم المساواة الأقتصادية والأرتباك السياسي والعلاقات الأجتماعية الغير صحية في نهاية المطاف بين الرجل والمرأة .

تحية أجلال للمعلم والمرشد للنضال الثوري وقائد البروليتارية ومعلم الحركة النسوية " كارل ماركس"

وألف تحية للمرأة في العراق والعالم بمناسبة عيدهن 8 مارس الميمون.

 

عبد الجبار نوري

كاتب وباحث عراقي مغترب

.........................

الهوامش

* رأس المال المجلد الأول – كارل ماركس .

* المناشفة- لينين – موسكو 1918

 

 

عامر صالحيأتي موضوع اليوم الدولي للمرأة (8 آذار / مارس 2020) رافعًا شعار " أنا جيل المساواة: إعمال حقوق المرأة " في إطار حملة هيئة الأمم المتحدة للمرأة الجديدة المتعددة الأجيال، وهو جيل المساواة، الذي يأتي بمناسبة  مرور 25 عامًا على اعتماد إعلان ومنهاج عمل بيجين، والذي اعُتمد في عام 1995 في المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة في بيجين، الصين، باعتباره خارطة الطريق الأكثر  تقدمًا لتمكين النساء والفتيات في كل مكان.

يعد عام 2020 عامًا محوريًا للنهوض بالمساواة بين الجنسين في جميع أنحاء العالم، حيث يقوم المجتمع العالمي بتقييم التقدم المحرز في مجال حقوق المرأة منذ اعتماد منهاج عمل بيجين. كما سيشهد العديد من اللحظات الحثيثة في حركة المساواة بين الجنسين: مرور خمس سنوات منذ إعلان أهداف التنمية المستدامة؛ الذكرى العشرين لقرار مجلس الأمن 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن والذكرى العاشرة لتأسيس هيئة الأمم المتحدة للمرأة.

وهناك إجماع عالمي بأنه على الرغم من إحراز بعض التقدم، إلا أن التغيير الحقيقي كان بطيئًا بشكل مؤلم بالنسبة لغالبية النساء والفتيات في العالم. اليوم، لا يمكن لبلد واحدة أن تدعي أنها حققت المساواة بين الجنسين بالكامل. وتبقى العقبات متعددة دون تغيير في القانون، وأما على الجانب الثقافي، فلا تزال النساء والفتيات لا يلقين حق تقديرهن؛ فهن يعملن أكثر ويكسبن أقل وتتاح لهن أيضًا خيارات أقل؛ ويتعرضن لأشكال متعددة من العنف في المنزل وفي الأماكن العامة.علاوة على ذلك، هناك تهديد كبير بتراجع المكاسب التي تحققت بشق الأنفس.

يهدف اليوم العالمي للمرأة ويركز على التعجيل بأهداف جدول عام 2030 وبخاصة التركيز على تحقيق المساواة بينها وبين الرجل وبالمثل ضمان تقديم التعليم الجيد لها. والاهداف الرئيسية لجدول اعمال 2030 هي على النحو الآتي: ضمان تعليم ابتدائي وثانوي جيد ومجاني ومنصف للإناث والذكور على حد سواء، للوصول الى نتائج تعليمية فعالة بحلول عام 2030. ضمان فرص حصول كل من البنين والبنات على فرص رعاية جيدة في مرحلة الطفولة المبكرة، وفرص من التعليم الجيد قبل الأبتدائي ليكونوا جاهزين لدخول مرحلة التعليم الأبتدائي بحلول عام 2030. القضاء على كافة اشكال التمييز ضد الأناث في كل مكان. القضاء على كافة اشكال العنف التي تمارس ضد المرأة والبنات بما في ذلك  الإتجار بالبشر والاستغلال الجنسي وكافة انواع الاستغلال الأخرى. القضاء على كافة المماراسات الضارة للإناث مثل الختان أو الزواج المبكر أو الزواج القسري (الأجباري أو بالأكراه). تمكين المرأة أقتصاديا، أن التغيرات التي تحدث في بيئة العمل بسبب التطور الكبير في ظل التكنولوجية والرقمية وفي ظل وجود العولمة من جهة، ومن جهة اخرى عدم استقرار الدخل والسياسات المالية بالأضافة الى التأثيرات البيئة كل هذه  العوامل مجنمعة تترك آثارا لا يستهان بها على الأناث وعلى الفرص التي تحصل عليها في بيئة العمل، ولذلك فأن اليوم العالمي للمرأة ينادي بضرورة معالجة هذه القضايا في سياق التمكين الأقتصادي للمرأة.

ويشكل هذا الإعلان قيمة أخلاقية وإنسانية في إعلانه صراحة على الصعيد العالمي بعدمية الفروق بين الجنسين في المساهمة في الحياة والحقوق العامة. ويشكل هذا الإعلان عودة إلى الفطرة الإنسانية والى مرحلة تاريخية ما قبل اللاتساوي بين الجنسين ونبذ الفروق الجسمية والعقلية والنفسية باعتبارها مصدرا بهيميا لعدم المساواة والتي يبنى عليها شتى مظاهر اضطهاد المرأة.

وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية والإقليمية بتنوعها الديني والاثني والقومي، وعلى الرغم مما حققته من انجازات فردية على صعيد انخراطها في التعليم بمختلف مراحله، ودخولها عالم المهن المختلفة من طبية وتدريسية وهندسية وإدارية وجامعية، وصولا إلى تبوئها مناصب عليا وزارية وغيرها، فهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أنها حققت تقدمها في المساواة مع الرجل، بل المهم في ذلك كله هو المزاج والموقف العقلي والفكري من مساواتها، فهي لازالت مشروع استلاب منذ نعومة أظافرها، حيث تفرض عليها الوصاية التربوية والوعظية وتتعرض إلى مسلسل لا حصر له من الممنوعات من صغرها حتى شيخوختها، إلى جانب ما تتعرض له من مختلف صنوف التعذيب والعنف الجسدي والنفسي والأخلاقي، وكذلك العنف الرمزي غير المرئي الذي يتجسد عبر الثقافة والتربية والموقف المذل منها يوميا عبر معاملتها كجنس من الدرجة الثانية، وفصلها اجتماعيا عن الرجل سواء في البيت أو المدرسة أو الدائرة ومنعها من الاختلاط والتدخل في تفاصيلها اليومية، انطلاقا من مسلمات لا صحة لها " كناقصة عقل ودين ".

في العراق وحيث الهجمة الشرسة على المرأة العراقية منذ عقود سلفت والى ما بعد اسقاط النظام الدكتاتوري في 2003 حيث تتعرض المرأة العراقية الى مختلف صنوف الاضطهاد وتدني المكانة الاجتماعية والاقتصادية جراء هيمنة قيم الدكتاتورية السابقة وما تلاها من تسلط الأسلام السياسي على رقاب النساء وحصر المرأة في دائرة الأضطهاد والأذلال المشرعن. وقد افرز هذا جراء عقود مضت الكثير من الظواهر ولعل ابرزها ما يأتي:

ـ تراجع حقيقي للمرأة عن المشاركة في الحياة الوظيفية والخدمة العامة وفي النشاط الاقتصادي، وبالتالي تبعية فعلية للرجل في تأمين لقمة العيش والملبس والمأوى..

ـ تراجع فعلي في دور المرأة في الحياة الاجتماعية والثقافية وفي التأثير الإيجابي على المجتمع وفي حياة الأندية الفكرية والرياضية والمحافل الثقافية. وتشير بعض الإحصائيات إلى تنامي الأمية في صفوف المجتمع في الريف والبادية إلى 75 % بين الرجال و98 % بين النساء في الوقت الحاضر.

ـ تراجع شديد في عدد الطالبات في المدارس والمعاهد والجامعات بما يعكس موقف الرجل من المرأة وحالة الإرهاب التي لا تقتصر على الاختطاف والابتزاز المالي والاغتصاب الجنسي فحسب، بل ومعرضة للموت أيضاً. وكل المعطيات المتوفرة تشير إلى ذلك بصراحة كاملة.

ـ انتشار البطالة بشكل واسع في صفوف الإناث ويشكل أضعاف حجم البطالة في صفوف الذكور، إضافة إلى التمييز الصارخ في الأجور. ويشار إلى أن نسبة البطالة في العراق تتجاوز ال 60 % من إجمالي عدد القادرين على العمل، ولكنها متباينة في نسبتها بين الرجال والنساء في غير صالح النساء.

ـ تنامي عدد الأرامل بسبب الحروب الماضية والحاضرة وبسبب الإرهاب الدموي الذي يقتل العشرات يومياً ويحيل الكثير من النساء إلى أرامل والأطفال إلى يتامى ويخل بالتوازن المطلوب في التناسب بين عدد الإناث وعدد الذكور في المجتمع. تنامي عدد النساء العازبات اللواتي تجاوز عمر كل منهن الثلاثين سنة واللواتي لا يحملن شهادات أو عجزن عن الحصول على فرصة عمل شريفة.

ـ تفاقم أزمة السكن التي تسحق يومياً وتحيل الكثير من العائلات الفقيرة والكادحة وخاصة النساء الأرامل والمطلقات مع أطفالهن إلى العيش في ظل ظروف قاسية ومريرة وحرمان مطلق، أو تتكدس أربع إلى خمس عائلات في دار واحدة تزدحم بالأطفال وانعدام الحياة الطبيعية الخالية من المشاكل.

ـ التأثير الصارخ لرجال الدين الرجعيين والمؤسسات الدينية المتخلفة، وليس لبعض علماء الدين الذين يتفاعلون مع العصر الحديث والتغيرات الطارئة على الحياة، وكذلك المشعوذين والسحرة واللاعبين بعقول كثرة من الذكور البسطاء والمسيطرين على عقول نسبة كبيرة من النساء وعلى تصرفاتهن وممارساتهن اليومية.

ـ تضليل المرأة في ضوء العلاقة مع رجال الدين والفتاوى في الغيبيات واعتبار أن ما يصيبها هو قدرها المكتوب عليها وليس في مقدورها رد المكروه عنها.

ـ ارتفاع نسبة الجريمة المرتكبة بحق النسوة من حيث الاختطاف والابتزاز والاغتصاب الجنسي والاعتداء بالضرب والاضطهاد والقمع غير المعهودين. وعلينا أن نؤكد بأن المرأة تعاني من انتشار البغاء النسوي لا لرغبة فيه بل لأسباب اقتصادية واجتماعية قاهرة. وعلينا هنا أن نذكر بأن نسبة السكان الذين يعيشون اليوم تحت خط الفقر المحدد دولياً تصل إلى 40 %، إضافة إلى أن هناك نسبة أخرى عالية تقف على خط الفقر أو ترتفع عنه قليلاً، في بلد يعتبر واحداً من أغنى دول العالم في امتلاكه للنفط الخام.

ورغم أن الدستور العراقي للعام 2005 ضمن لها نسبة من المشاركة" الكوتا " 25% في مجلس النواب وفي مجلس الوزراء ومجالس المحافظات، إلا أن الأسلام السياسي افرغ هذه الممارسة من محتواها الأيجابي وحول " الكوتا " الى كوتا سياسية طائفية واثنية لا تحمل اي اجندة صوب تحرير المرأة والدفاع عن حقوقها، بل تحولت الكوتا الى مدافع أمين لتكريس اضطهاد المرأة والتصويت على الكثير من القرارات الجائرة والتي تعيد انتاج تخلف المرأة والتضييق عليها.

أن زخم مشاركة المرأة العراقية في احتجاجات اكتوبر والوقوف الى جانب الرجل وتصديها للكثير من القضايا المصيرية التي يمر بها العراق، واهمها البطالة والفساد وسوء استخدام السلطة وتدهور الخدمات هي نقطة تحول حضارية وانطلاقة مميزة تعيد للمرأة العراقية مكانتها التاريخية وليس غريبا ان تخرج نساء العراق للمطالبة بالأصلاح ومحاربة الفساد ومحاربة سراق المال العام. أن وجود المرأة في التظاهرات هو انعكاس لوعي المرأة المتبلور على خلفية الأزمة العامة في البلاد والتي بدون شك تطال كلا الجنسين. لقد اقتحمت النساء العراقيات ساحات الأحتجاج من شابات وطالبات ومثقفات ومعلمات وفنانات وأديبات واعلاميات وربات بيوت وارامل وحتى النازحات والمهجرات وقد ألتقين جميعا على قضية واحدة هي الأصلاح، وقد وصلت نسبة مساهمة العنصر النسوي بمختلف تنوعاته الى ما يقارب 40% من مجموع المتظاهرين قياسا بنسبة مشاركتها في تظاهرات 2015 والتي بلغت 15%.

يجب أن يبدأ مشروع إقامة الدولة المدنية من نقطة إعادة النظر في مجمل الأسس الدستورية والقانونية والسياسية، والتخلص من نظام المحاصصة الطائفية السياسية، والذي يضمن المساهمة العادلة لكلا الجنسين وبما ينسجم مع التوجهات الأممية في الأعتراف بحق الآخر في العيش الكريم.

كما تتطلب مهمات مشروع الدولة المدنية ترسيخ جهود الاندماج المجتمعي، وتعزيز الهوية الوطنية، من خلال تأكيد مبدأ التنوع داخل الوحدة، وإدارة التعددية السياسية والثقافية، من خلال التقريب بين قدرات النظام السياسي وقدرات الجماعات الأثنية والطائفية وتنظيمها. والتي تتطلب إيقاف موجات التعصب الطائفي والعنف المرافق له - والذي شل الدولة، وعطل حركتها - والتصدي لاحتمالات انهيارها، وتقسيم البلاد على أسس عرقية ومذهبية. فالدولة المدنية التي تبيح الحريات الأساسية، وتقيم نظام العدالة والمساواة والحريات هي أيضا الدولة القوية التي تقيم سلطتها وهيبتها في فرض النظام العام والأمن والقانون، وإنهاء حالة الانفلات الأمني والإرهاب، وتوفير الأرضية الملائمة لتحرر المجتمع من هيمنة وتدخلات الجماعات السياسية، وان هذا بالتأكيد يضمن أمنا نفسيا واقتصاديا واجتماعيا للمرأة كي تؤسس لأنطلاقة حضارية تستجيب لظروف العصر الذي ينادي بالمساواة بين الجنسين..

تعد التنمية الاقتصادية، والتوزيع العادل للثروة، وإيجاد فرص العمل، ومأسسة تقديم الخدمات، وتحقيق العدالة الاجتماعية، من خلال نظام للرفاه الاجتماعي، من المهمات الرائدة للدولة المدنية، التي تهدف إلى تحقيق نهضة حقيقية. الركيزة الأساسية لهذه الدولة هي تدعيم نوعية الحياة، وتعزيز حقوق المواطن في التنعم بحياة كريمة وتحقيق العدالة بين الجنسين..

على الدولة المدنية أن تتولى مهمة القضاء على الفساد بكل أنواعه، الذي أصبح إحدى العقبات الأساسية في عملية بناء الدولة العراقية، وإعادة ثقة المجتمع بها وبأجهزتها التي اهتزت خلال سنوات الأخيرة، عن طريق تفعيل بناء المؤسسات الرقابية، وأجهزة المحاسبة، وتعزيز الشفافية، وسلطة الصحافة، وتطبيق القانون بحزم. كما يتناقض جوهر فكرة الدولة المدنية القائم على الحرية والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص تماماً مع أساليب الابتزاز والرشاوي والصفقات المشبوهة، والتطفل على النشاط الاقتصادي، وأي مظهر من مظاهر الفساد المالي والإداري، وان الفساد بحد ذاته يفسد العدل ويعيق توزيع الثروات بانصاف بين الجنسين.

أن بناء دولة مدنية في العراق لا تقتصر على إنهاء الصراعات السياسية فحسب، بل إنها تعمل على إطلاق الطاقات الخلاقة لدى المواطنين، وان مدخل ذلك هو اعادة اصلاح منظومة الحكم وأسس بناء النظام من خلال التخلي عن نظام المحاصصة الطائفية والاثنية، والذي لا تنسجم توجهاته مع لوائح حقوق الانسان في العيش الكريم الى جانب عدم انسجامه مع حق المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات والعيش الكريم. كل التحايا والتقدير لعيد المرأة العالمي والنصر حليف قوى الديمقراطية والسلم والتقدم الاجتماعي.

 

د.عامر صالح

.....................

روابط المقال:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=665634&r=0

https://www.feedo.net/Society/SocialInfluences/ManAndSociety/InternationalWomanDay.htm?fbclid=IwAR0hToKNIFjcSm9r60WxFuBDBzxJH_wP5UINb73HApESd3GSPQYUPptuCPo

http://www.alnukhab.com/index.php?rsid=1053&fbclid=IwAR0FSWVNbJAA4GOMBnzMF1BHu9NBaCmWdWTUt_XxuvutXKre0PylMOYNCQE

https://www.un.org/ar/observances/womens-day?fbclid=IwAR3iuzEoMHazjTBwDzH6TveqpV77gJB8Tw9UjPUP4iwpfmLn8nO-recouIw

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=550455&r=0

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=91148&r=0

 

 

.

 

باسم عثمانلمحة تاريخية: يحتفل العالم كل عام في الثامن من آذار بيوم المرأة العالمي، وهو تقليد سنوي بدأ قبل حوالي مائة عام، ويعود بدء الاحتفال بهذه المناسبة إلى عام 1910، تخليدا لذكرى الحادثة التي تعرضت خلالها نسوة خرجن في نيويورك في الثامن من اذار من عام 1857، في مسيرة احتجاج للمطالبة بتحديد ساعات العمل، وأصبح الاحتفال بهذا اليوم يحظى برعاية الأمم المتحدة منذ تأسيسها، حيث كان ميثاقها الذي وُقع في سان فرانسيسكو عام 1945، أول وثيقة دولية تعترف بالمساواة في الحقوق بين الجنسين كحق أساسي من حقوق الإنسان.

لقد سٌجل في الدول العربية في السنوات الأخيرة تزايد حضور المرأة في مختلف المجالات، كما تم رصد زيادة عدد النساء اللواتي يدخلن سوق العمل ويزاولن النشاطات السياسية غير أن هذا الحضور رغم أهميته يظل غير كاف، خاصة وأنه يطغى عليه الطابع الرمزي ولا يرقى إلى مستوى التطلعات، كما أن العنف الأسري المتفشي داخل الكثير من الأسر العربية، لم يتم رصده بعد بالشكل الكافي، ولم يتم أيضا الغوص في مسبباته وسبل استئصاله بطريقة فاعلة ومنهجية.

إن العنف ضد النساء ليس شيئاً عابراً يتم التعامل معه بشيء من التبسيط، فالعنف ضد المرأة هو عنف ضد المجتمع بكل نواحيه، وينذر بهلاك المجتمع على المدى البعيد، لذلك كان من اللازم، توجيه كافة التخصصات والمنظورات البحثية المختلفة للوقوف على مواطن النواقص المؤدية لارتفاع نسبة ممارسة العنف ضد المرأة في أماكن عديدة من العالم، وضرورة ربط العنف ضد المرأة بمسألة انتهاك حقوق الإنسان....

فعلى مدار تاريخ التغريبة الفلسطينية وما تحمله من أوجاع والام وغربة متعددة الاشكال، كانت المرأة الفلسطينية في صدارة مقارعة الاحتلال الصهيوني الغاشم وقبله الاستعمار البائد، فكانت هي قائدة العمل الوطني في السماء كليلى خالد، وعلى الأرض كدلال المغربي وشادية أبو غزالة، وفي ازقة وحارات مخيمات اللجوء والشتات كنهاية محمد، وفي واحات الشعر والأدب والفن كفدوى طوقان ومي زيادة والقائمة تطول

محطات مضيئة للمرأة الفلسطينية:

سطرت المرأة الفلسطينية ملاحم بطولية عبر محطات تاريخ النضال الوطني الفلسطيني الوطني والاجتماعي، ومنذ فجر التاريخ والمرأة الفلسطينية تناضل إلى جانب الرجل في مواجهة المحتل الغاصب، بما تمتلكه من قوة وفي كافة الميادين، حيث ان التاريخ يزخر بالعديد من البطولات والمحطات الوطنية والاجتماعية للمرأة الفلسطينية، ويكفيها فخرا أنها مربية الأجيال وصانعة المناضلين والثوار والأحرار

كان للمرأة الفلسطينية، دور بارز في الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936م، حيث وقفت المرأة تدافع عن أرضها ووطنها وتقدم العون للثوار، وفي نكبة فلسطين عام 1948م، برز دور المرأة الفلسطينية في العمل الاجتماعي والإغاثي، وحماية الأسرة الفلسطينية من التشتت والضياع، جراء مجازر النكبة وقطعان المستوطنين. وبعد النكبة واحتلال كامل أرض فلسطين عام 1967م، واصلت المرأة الفلسطينية نشاطاتها العسكرية والسياسية والاجتماعية، وتأسس الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، ولجان المرأة الفلسطينية في الفصائل الفلسطينية، والتي كان لها دور اجتماعي وفكري وسياسي بارز، حيث شاركت المرأة الفلسطينية في كافة المسيرات والمظاهرات خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية، وفي كل المقاومات الشعبية الفلسطينية وانتفاضاتها، مما دفع بتطور عملها المؤسساتي والتنظيمي والاجتماعي – التربوي منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي حتى يومنا هذا.

بين خطي المقاومة والمواجهة، توزعت أدوار المرأة الفلسطينية، ففي ظل غياب الدولة تحولت الأسرة من خلال المرأة الفلسطينية إلى جبهة قوية للمقاومة، ضد الاختراق والاستلاب، وعلى خط المواجهة، كان الاعتقال والتعذيب والعمل المسلَّح أدوات أخرى للدفاع عن الوطن

لقد عانت المرأة الفلسطينية التي تشكل نصف المجتمع الفلسطيني (49.5%) من اضطهاد مزدوج: قومي عنصري نتيجة الاحتلال الإسرائيلي؛ وجنسي اجتماعي موروث من  المفهوم المجتمعي والتقاليد العربية، والذي يقوم على التمييز بين الجنسين؛ إلا أن ذلك لم يمنعها من أن تكون لبنة فاعلة في الحركة الوطنية الفلسطينية؛ ما أهلها لتبوء مراكز قيادية في المجتمع الفلسطيني؛ فأسّست جمعياتها ومؤسساتها الخاصة منذ عشرينيات القرن الماضي، حيث شاركت المرأة الفلسطينية الرجل في مختلف مراحل النضال ضد الانتداب البريطاني، ثم الاحتلال الإسرائيلي؛ و أخذت المرأة الفلسطينية موقعها في صفوف المقاومة الفلسطينية؛ فارتقى العديد منهن شهيدات، كما في معركة البراق عام 1929، حيث سقط 9شهيدات، وهناك أمثلة عديدة من الفلسطينيات اللواتي سطرن أروع صفحات البطولة والفداء، في المقاومة والشهادة، ومنهن شهيدات انتفاضة الأقصى،( وفاء إدريس، ودارين أبو عيشة، وآيات الأخرس، وعندليب طقاطقة....الخ)؛ وقد بلغ عدد الشهيدات الفلسطينيات في انتفاضة الأقصى 127 شهيدة، كما تعرضت النساء الفلسطينيات إلى القتل و الاعتقال والابعاد، وللعديد من الانتهاكات على ايدي جنود الاحتلال وقطعان مستوطنيه، وما زالت المرأة الفلسطينية تقف جنباً إلى جنب مع الرجل الفلسطيني في مواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر في الاقتلاع والاستيطان والضم والتهويد.

لقد خاضت المرأة الفلسطينية غمار الحياة السياسية منذ أواخر القرن التاسع عشر، عندما نظمت المرأة الفلسطينية أول تظاهرة احتجاج ضد الاستيطان في فلسطين، بعد أن أقيمت أول مستوطنة صهيونية في منطقة العفولة الفلسطينية، في عام 1893، ثم أعقبها تشكيل الجمعيات الخيرية التي شكلت الشرارة الأولى لانطلاقة المرأة الفلسطينية نحو اندماجها في قضايا مجتمعها؛ لتتبلور بعد ذلك نتيجة الظروف السياسية التي مرت بها البلاد، وفي عام 1929؛ عقد أول مؤتمر نسائي فلسطيني في القدس انبثقت عنه "اللجنة التنفيذية لجمعية السيدات العربيات"، ثم أنشئ في العام نفسه "الاتحاد النسائي العربي" في القدس وآخر في نابلس، وفي الفترة 1948ـ1967، نشطت العديد من المؤسسات النسائية الخيرية، كدور الأيتام ومراكز رعاية المسنين، وفي عام 1965 أُسس "الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية"، حيث شكل الانطلاقة الحقيقية لمشاركة المرأة الفلسطينية في الحياة السياسية بعد تشكيل "منظمة التحرير الفلسطينية" في 1964، وحظيت المرأة الفلسطينية بـ "كوته" في المجلس الوطني تراوحت بين 2% في 1964 إلى 7.5% في دورة المجلس الوطني التي عقدت في غزة عام1996.

المرأة الفلسطينية ودور المؤسسات الرسمية:

لا يمكن رؤية واقع المرأة الفلسطينية ومدى مشاركتها في الحياة السياسية والعامة، وفي مواقع صنع القرار ، إلا من خلال الغوص عميقاً في الظروف المجتمعية التي تحيط بها؛ ما يحتم ضرورة إلقاء الضوء على واقعها المجتمعي، باعتباره عاملاً مهما في تحديد ورسم ملامح هويتها، لكون المجتمع الفلسطيني لا يختلف كثيراً عن المجتمعات العربية الأخرى، من حيث الموروث الثقافي والبنية الاجتماعية والاقتصادية؛ إلا أن الأمر لا يخلو من بعض الخصوصية؛ إذ لا يمكن مقارنة مجتمع يعيش حالة من الاستقرار (ولو بالمعنى النسبي في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية)، مع مجتمع محتل و مقاوم بان واحد، يسعى للخلاص من الاحتلال ونيل الحرية؛ فسلك العديد من السبل في شتى ميادين الحياة، وفي شتى ميادين النضال، فصقلته إنسانًا متميزًا بعقله وتفكيره وأساليبه؛ إذ إن سمو الهدف أملى عليه هذا التميز؛ فانصرف عن العديد من اهتمامات الشعوب والمجتمعات، واقتصر توجهه على تحقيق هدف مقدس؛ كي يضمن مستقبلًا آمنًا وحياة كريمة دائمة لأبنائه

مع مرور الوقت؛ أصبحت المرأة الفلسطينية أفضل حالاً من المرأة في كثير من البلدان العربية؛ حيث اقتحمت مجال التعليم لدرجة أنها أصبحت تشكل نصف أعداد الطلبة في مختلف المراحل الدراسية؛ واقتحمت مجال العمل لتشكل نسبة لا بأس بها من القوى العاملة في المجتمع الفلسطيني، في الوقت الذي تبوأت فيه بعض المناصب القيادية العليا، سياسيا ومهنيا.

ان الاهتمام بالمرأة الفلسطينية وتعليمها وتأطيرها في لجانها المختصة و الاحسان في معاملتها، يعتبر ضرورة ثورية حتمية، لإحداث نقلة اجتماعية نوعية في عمل المرأة وطنيا واجتماعيا وتربويا، تقف فيها المرأة والرجل على قدم المساواة في مواجهة الموروث الاجتماعي المتخلف، حيث ان التقدم الاجتماعي يقاس بالموقف الاجتماعي من تحرر المرأة، ومدى مشاركتها في مختلف اعمال الحياة، للانتصار على المفاهيم التقليدية الموروثة، ولينطلق الرجل والمرأة نحو مستقبل اكثر ثراء واكثر انسانية

لقد ساهمت المرأة الفلسطينية وعلى مدار التاريخ، بالنضال الوطني التحرري والاجتماعي ، اما من خلال مؤسسات وهيئات مدنية واجتماعية، او من خلال قوى سياسية وحزبية مختلفة، كان من اهم نتائجها، تشكيل الأطر واللجان النسوية كامتدادات جماهيرية لها، لما يحتله الجمهور النسوي من أهمية كبرى في معركة الاستقلال ضد الاحتلال، وتمكنت هذه الاطر النسوية من تأطير النساء الفلسطينيات للانخراط في النضال الوطني الفلسطيني في كل مهماته بشكل او باخر، والتي تجلت في ابهى صورها في المشاركة المتقدمة في الانتفاضات الفلسطينية، وما تبعها من محطات نضالية لمنعطفات خطيرة مرت بها الحالة الفلسطينية ومشروعها الوطني.

ان أي تراجع او تقدم في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية عبر محطاتها النضالية، ينعكس سلبا او إيجابا على واقع الاطر النسوية وتفعيلاتها، من حيث الدور والأداء، وخاصة عندما تتداخل العلاقة بين ما هو وطني ومتطلباته، و ما هو اجتماعي واولوياته، خاصة في ظل تعقيدات الواقع السياسي والمعيشي والاقتصادي للمجتمع الفلسطيني هذا من جانب، وتقاعس او تراجع الاحزاب و القوى السياسية عن اداء دورها الاجتماعي المنوط بها، وتحديد ماهية ادوات ووسائل النهوض الاجتماعي للمرأة الفلسطينية ،لضمان تحقيق الاهداف التي تناضل من اجلها لجان المرأة وجمهورها النسويمن جانب اخر، ذلك ما ادى، الى ضعف عمل و دور هذه الاطارات الجماهيرية النسوية، من خلال تعقيدات التداخل في برنامجها الوطني - الاجتماعي، وتغليب جانب على جانب اخر، وفق هيمنة الوصاية الحزبية عليها من احزابها السياسية.

هذا، ما فتح المجال لغالبية المرأة الفلسطينية للتوجه الى العمل في مؤسسات المجتمع المدني ومأسسة عملها ومشاريعها الاجتماعية، للحصول على التمويل الخارجي له، تعويضا عن الدعم المالي و البرنامجي لأحزابها السياسية.

لقد بات من الاهمية القصوى، فتح نقاشات واسعة حول دور هذه الاطر و تصويب علاقتها مع حزبها، وعلاج التداخل بين ما هو حزبي و ما هو جماهيري، وان يتم التعامل معها داخل هيئات الحزب ومؤسساته، على اساس الكفاءة و ليس التصنيف الجنسي

في ذات الوقت نؤكد أن النساء الفلسطينيات يواجهن ظروفاً بالغة الصعوبة والقسوة، فمن ناحية، تتواصل جرائم الاحتلال وتتسع مساحة هذه الجرائم لتطال المزيد من النساء، ومن ناحية أخرى، تتزايد معاناة النساء الفلسطينيات الناجمة عن انتشار ظاهرة العنف في المجتمع الفلسطيني

هذا يدعونا إلى ضرورة المطالبة أولا، بتوفير الحماية للسكان المدنيين تحت الاحتلال بمن فيهم النساء، والعمل بكل السبل والامكانيات المتاحة من اجل ممارسة الضغط على سلطات الاحتلال ودفعها لاحترام والالتزام بمبادئ القانون الإنساني الدولي، وفي الوقت نفسه، دعوة منظمة التحرير الفلسطينية و الحكومة الفلسطينية، لاتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لوضع حد لمظاهر العنف المحلي، وملاحقة مرتكبي الجرائم بحق النساء ومحاسبتهم، والوفاء بجميع الالتزامات الدولية الناجمة عن انضمام فلسطين، إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة .

نؤكد أن الحماية الحقيقية للمرأة الفلسطينية في مجتمعها المحلي، تتحقق عندما تجري عملية مواءمة حقوقها في التشريعات الوطنية بشكل كامل مع الاتفاقيات الدولية، التي وقعت عليها دولة فلسطين، والتزام القيادة السياسية الفلسطينية بهاولا بد من تمكينها من برنامجها الوطني والاجتماعي، وتوفير كافة الأدوات والبنى وكل اشكال الدعم لها، حتى تستمر بأداء دورها كأم ومربية ومناضلة، مستندة على قدراتها اللامتناهية في العطاء والتضحية، ومتحررة من اية وصاية اجتماعية او حزبية.

ان الصراخ والنحيب والشكوى والمناشدات، تلك هي الصور التي تكرَّست على المرأة الفلسطينية في وسائل الإعلام والفضائيات، في حين يؤكد الواقع الفعلي، أن المرأة الفلسطينية، لعبت أدواراً أساسية في أي استراتيجية للمقاومة، من التنشئة السياسية والهم الوطني، إلى التكافل الاجتماعي ومقاومة الحصار، أما آخر تجليات المقاومة، فقد وقعتها وفاء إدريس بدمائها لتكون أول فلسطينية تضحي بنفسها من أجل الوطن والقضية.

 

بقلم: د. باسم عثمان

الكاتب والباحث السياسي

 

محسن الاكرمينالمرأة حتما تمثل الكينونة الحضارية، تمثل حركة الثورة الهادئة نحو طموح التنمية والعدالة الاجتماعية. إنها ثورة النساء المحفزة في يومهم العالمي بصيغة إرساء المساواة وتكافؤ الفرص عبر مواقف متحركة ومتغيرة بالأزمنة والأمكنة. إعمال البحث عن المساواة جدي يفوق نهاية تكسير القيود، وصد الانهزامية و"الحكرة" الدونية، إنه عمل بنهاية الاستمتاع بالممارسات الحرة والكرامة الوجودية. إنه العمل المتواصل لتملك قيم العدالة والدفع بالآخر إلى تبني نفس الخطاب "أنا من جيل المساواة".

لن ننشد مثل اللازمة الغنائية المغربية التراثية " هاذي 8 ما علينا الحكام ألالة، طيلة السنة تيحكموا الرجال ألالة"، بل نقول بصدق الرؤية أن الثامن من مارس هو يوم عالمي لدق ناقوس النواقص التي تحول دون الوصول إلى خط نهاية المساواة وامتلاك تطبيقات العدل والكرامة باختلاف الجنس، هو يوم لبدايات تقليص كل أشكال التمييز ضد النساء والقضاء على كل أشكال العنف بمختلف أنواعه، هو يوم قد لا نوزع فيه الورود بهرجة وأخذ صورة جميلة بالابتسامات الطافحة، بقدر ما هو يوم نفكر فيه في امتهان ابتكار آليات جديدة للقضاء على جميع الممارسات الضارة بحق المرأة في الحياة الكريمة، والاختيارات الندية.

 هو يوم لن يكون في الإطناب وفي ابتداع مواسم التكريمات والخطب الرنانة التي تساند المرأة قولا مطرزا، لا فعلا متفاعلا مع قضاياها الكبرى. بل حق التصورات المطلبية أن يكون يوم (8مارس) للتفكير في أفق إدماج أدوار المرأة في ظل آليات بناءات التخطيط التنموي الجديد.

هو يوم ليس قائما بمتم تجسير الولوجيات نحو منصات الاحتفاء ومكبرات الصوت، بل هو يوم كذلك للتفكير الجوهري الجماعي المعقلن حول بناء مواصفات سياسة تمكين المرأة المغربية من حقوقها التامة والوصول إلى صناعة مواقفها الثابتة، وبالتمييز الإيجابي المرأة القروية. وكذا من خلال تمكين الفتاة من تعليم ذي جدوى وجاذبية، وتثبيت حقوق مشروعة للمرأة في الحياة السياسية بدون ممرات "الكوطة" التفضيلية،  وكذا تفعيل الحقوق المشروعة بفصول الدستور المغربي، والقوانين المتممة له، والمعاهدات الدولية المصادق عليها.

لن نفاضل تمييزا بين نساء ورجال الوطن فالكل له مكانته الموضعية في خدمة الوطن والمجتمع والاقتصاد، لن نسكت حقا في الصياح بكل حروف النداء وحتى الندبة في إلغاء كل النصوص التشريعية والقانونية التي تكرس صيغ التمييز. لن نعزف نشازا على أوتار الأنين فهو حاضر وبزيادة في بخس مسارات تطوير أداء المرأة المغربية، لكننا نقر بانتصارات موضعية لأجيال مضت من نسوة الوطن، وأخريات حاضرات وبقوة في تمكين النساء من مواقع القرار وقيم المساواة، وعدل تنافس الكفاءات.

خيار الإنصاف والمساواة لن يستوفيه يوم عيد المرأة العالمي (8مارس) عبر حديث الرثاء وسياسة القنوط والتيئيس من سلة المطالب المتراكمة، لن يحكمه التباكي عند أطلال المرأة المعنفة ولا المقصية... لكن الخيار الأوفر حظا من يومها العالمي، يدفع إلى النهوض بحقوق المرأة المغربية بمختلف مشاربها الاجتماعية والاقتصادية.

 وعليه لا بد أن يكون الثامن من مارس حلقة سنوية لبداية تقويم الحصيلة، ومنطلق السرعة النهائية لتحقيق المطالب بروية وجودة، وبناء مؤشرات واقعية وبسيطة لضبط مستقبل المرأة الذي يمكن أن يفيض بإشراقات التمكين.

 

محسن الأكرمين

 

 

بليغ حمدي اسماعيلملفت للنظر والاهتمام حينما يفاجئك أحد المنتمين للتيارات الراديكالية الأكثر تطرفا بأنه هناك ضرورة ما ـ من وجهة نظره المريضة ـ  لصناعة تظاهرات ووقفات احتجاجية  من شأنها تعطيل مصالح العباد والبلاد على السواء، بحثا عن منفذ لتعكير صفو الاستقرار الذي تعيشه مصر منذ فترة على المستويين الأمني والاقتصادي، والجدير بالاهتمام أكثر حينما يدهشك مريد تلك التيارات الغائبة عن المشهد الاجتماعي المصري أن المسألة لا تتعلق بعودة مكرورة لظهور هذه التيارات التي رفضهما المجتمع بغير أمل للعودة، بل إن حقيقة هذه الآمال والمطامح  ليس مفادها تكريس الديموقراطية والعدالة الاجتماعية واحترام رأي المواطن الذي صوَّت لصالح الوطن، بل لأغراض شديدة الخصوصية والتي تودي في نهاية الأمر بالإقصاء والتهميش والاستبعاد الاجتماعي تماما كما كان العهد أيام فترة حكم جماعة الإخوان المحظورة في مصر.

إذاً نحن بحق أمام ثلاثة مصطلحات هي من مكتسبات الثورة الشتائية في يناير 2011م وهي الشرعية والديموقراطية وصندوق الاقتراع، وبالتأكيد ليست هذه السطور رهن مناقشة ورصد دلالات المصطلحات الثلاثة التي وجدناها بحق في مظاهر شتى صوتية وعن طريق رسومات الجرافيتي، وخروج ملايين مطالبة بالإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي مندوب الجماعة لحكم مصر، أي باختصار يمكننا القول بإن الثورة نجحت نظرياً حينما أسقطت نظام مبارك العتيد، وتفوقت عملياً حينما قرر الشعب استخدام شفرة يناير للخروج في يونيو الأحمر 2013 في وجه محمد مرسي وتنظيمه الذي تأرجح بقوة وغضب بين العمل السري والعلني وكأنه تنظيم يأبى أن يجد استقراراً لهويته .

وربما لا يزال التطبيق العملي لمكتسبات ثورة يناير قائماً ومستمراً من خلال رد فعل الشارع تجاه أفكار تنظيم الإخوان واتجاهاتهم نحو إحداث الفوضى ببالشارع المصري، ولكن هذه المرة ليس عن طريق المظاهرات والوقفات الاحتجاجية والشعارات الزائفة، بل عن طريق بث أكبر قدر ممكن من الشائعات لإحداث بلبلة داخل نسيج المجتمع المصري . وإذا كانت المصطلحات السياسية الشرعية والديموقراطية وصندوق الاقتراع من أبجديات الدولة المدنية التي لا يمكن توصيفها بالعلمانية أو الليبرالية بل كما هي مدنية، فلماذا نجد أنصار التيارات الراديكالية التي  عادت سرياً على الورق وعلنياً في الشارع يصرون على جعل المعركة بين الذين أطاحوا بالرئيس المعزول وبينهم معركة تتصل بالدين وبمقوماته ومرتكزاته الرئيسة حتى وقتنا الراهن؟ . رغم أن مصر بدأت بالفعل مرحلة جديدة من تاريخها وبدت قوية متعافية استعادت مكانتها وقدرها التاريخي بين دول العالم، بدليل المكتسبات السياسية والاقتصادية التي تحققت في الفترة الأخيرة وما بذله الرئيس عبد الفتاح السيسي من سياسات اقتصادية وتحركات دبلوماسية على الأصعدة العربية والإفريقية والدولية.

وحقاً كلما مررت بذاكرتي التي لم يصبها فيروس كورونا حتى وقت الكتابة  بالتظاهرات التي كانت تندلع آنذاك صباح مساء  في مسيرات غاضبة محتدمة متسارعة ومتصارعة أيضا  للمطالبة بحق الرجوع إلى المشهد السياسي وليس الديني بالقطع والضرورة مرة ثانية وجدت أن هذه الدعوات كانت تشكل وقتئذ معادلا موضوعيا للدين وأن وجود تلك التيارات والجماعات والتنظيمات يرادف الحافظ على الشريعة الإسلامية في مصر، وهذا أمر يدعو ليس فقط للدهشة بل للريبة أيضاً، وذلك من عدة أسباب جميعها تتصل بجدلية العلاقة بين الدين والدولة وما تنتابها من حالات انفصال واتصال غير منقطعة . فبقراءة المشهد السياسي لمصر في عهد الرئيس المعزول بقوة الشعب محمد مرسي، علم المصريون جميعهم أنهم قاموا بانتخاب رجل سياسة وليس رجل دين لاسيما وأن الزعامة الدينية أو السلطة الروحية في الإسلام في مصر مقرها ومستودعها الأزهر الشريف وعلى رأسه فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، وإن جاز لنا الاهتمام بالعبارات والاستشهادات التي تخللت سياق الخطاب السياسي لرئيس الجماعة في الحكم محمد مرسي فهذا لا ينفي الصفة السياسية له ولا يؤكد السلطة الروحية لديه لوجود مؤسسة معنية بهذه الأمور والمسائل والقضايا .

السبب الثاني الذي يدعو للدهشة من موقف المعارضين للانتفاضة الشعبية المليونية التي هبت في يونيو الأحمر واستطاعت أن تطيح بعرش الرئيس المعزول ومن ثم تنظيمه هو التأويل السياسي لدور الدين، فطوال سنة كاملة هي فترة حكم الرئيس المعزول وجماعته وأهله وعشيرته المحظورة سياسيا واجتماعيا،  والمصريون كعهدهم الأزلي بالدين الإسلامي وبحق فالمصريون لديهم ولع وعلاقة أبدية بالتدين والاحتفاء بكافة المظاهر والشعائر الدينية منذ أن تم الفتح الإسلامي لمصر، وهذه السنة لم يُظهر لنا الرئيس السابق أية اهتمامات رسمية تجاه المؤسسة الدينية الرئيسة في مصر، أعني الأزهر الشريف، بل رصدنا أكثر من حالة تهميش لدور الأزهر وشيخه الجليل، ورغم ذلك الغياب فإن نفوذ الصبغة الدينية قد ساد وسيطر على مشهد التظاهرات التي قام بها أنصار تنظيم الإخوان، واعتبروا أن انتفاضة يونيو الأحمر ردة على الإسلام ونكوصاً وارتداداً لعصور الجاهلية الأولى .

وإذا كانت الجماعة المحظورة قد فشلت في إيجاد صيغة توافقية بين الديني والسياسي طيلة فترة حكمهم الوجيزة والبليدة سياسيا، والتي يؤيد أن يختزلها المصريون في موقف التصويت الانتخابي فقط، فإن أنصاره ومريدي هذا التنظيم  قد نجحوا في تداخل الديني بالسياسي حينما وصفوا ما تم في يونيو بالانقلاب على الشرعية وهم يقصدون بمعناها المعادل للشريعة حسب وصفهم، بل يعتبرون أنفسهم الآن في جهاد محموم ومستعر لحماية الشرع والدين . والحقيقة التي لا يشوبها شك أن تتويج العلاقة بين الديني والسياسي تم عقب عزل الرئيس محمد مرسي وتم صياغة وحياكة هذا التتويج بدقة، بالصورة التي جعلت الكثير من البسطاء يفكرون جليا أن مسألة إقصاء التنظيم والرئيس بمثابة حرب علنية على الإسلام حتى وإن خرجت الدعوات والخطب المنبرية الأزهرية لتنفي هذا الأمر، فكثير بل جميع أنصار الرئيس السابق يرون في مؤسسة الأزهر أنها تابعة للدولة وليس الشعب .

ولكن وهؤلاء وهم ينددون بعزل الرئيس السابق لم يعوا جيدا أن مثل هذه الممارسات تضفي شرعية على الملك والحكم، وهذ يجعل الدين دوما في حالة تبرير مستمرة لتناقضات الفعل السياسي، الذي هو بدوره فن الممكن والمستحيل ويقبل التجاوزات ويتيح قدراً كبيراً من المناورات السياسية التي قد تخالف بالطبع الشريعة السمحة . وثمة مشكلة أن نجعل الدين دوماً غطاءً سياسياً، وفكرة إفراغ الدين من دهاء السياسة أمر طبيعي للحفاظ على الدين نفسه وعدم المساس بقدسيته وطهارته، ولقد أشرت من قبل في كتابي بعنوان (فقه الخطاب الديني المعاصر) إلى السؤال الذي لا يزال يبحث عن إجابة حصرية له وهو هل الدين والسياسة لحظتان متعاقبتان؟، والقضية أكبر من المساجلات الدائرة بين فريقين؛ فريق يرى بضرورة فصل الدين عن السياسة أو الدولة، وفريق آخر يرى ضرورة الدمج واختلاق تجربة فريدة تجمع الديني بالسياسي، لكن الأمر يظل رهن الممارسات السياسية التي تتطلب تدخل سلطة الدين، لاسيما وأن الدين يتمتع بحضور استثنائي في كافة مناحي الحياة وأنشطتها، لكن المحك الرئيس في هذا الحضور هو طبيعة المستخدم له وهويته ونوازعه التي قد تحركه بعيداً عن شاطئ النجاة .

ويخطئ من يعتقد أن الدين مجرد تجربة معيشة وتمتلئ بها الحالة السياسية، وخصوصاً في مصر، لأن المصريين بطبيعتهم أمام تحد يومي إزاء أنفسهم أولاً ثم الآخرين، لأنهم يفرضون على أنفسهم سياجاً قوياً ومتيناً ومانعاً يقيهم شرور الفتنة ومثالبها، وكم من مؤرج طاف بالمحروسة وخرج باستقراء مفاده أن هذا الشعب متدين بالفطرة، بل يمكن الإضافة على هذا بأن المصريين لديهم امتلاء ديني لا يسمح بدخول أية معتقدات أو أفكار مغايرة لطبيعة وتعاليم ومبادئ وأحكام الشريعة، وهو الأمر الذي يغفل عنه أنصار تنظيم الإخوان، ومن أبرم معهم صفقة لإحياء عصر الجماعة من جديد . واليقين كل اليقين أن مصر الإسلامية والمتدينة ليست بحاجة إلى شروط جديدة للإيمان منها التسليم بشرعية رئيس أو جماعة أو فصيل، وليس منها أيضاً أن الذين أطاحوا بحكم ممثل التنظيم في الحكم انقلابيون .

هذه شروط دخيلة على إيمان المصريين بدينهم وبمعتقداتهم الدينية، فالدين لديهم في كل مكان، وربما يبقى الاستجداء السياسي بالدين في ممارسات مثل الانتخابات أو الحملات الدعائية السياسية من باب تطبيق شعار السياسة وحدها لا تكفي ! .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا من الخلافة الراشدة إلي الآداب السلطانية وفي هذا يمكن القول : لقد لقيت أفكار ابن ابي الربيع صدي في القرن الرابع الهجري لدى "أبو نصر الفارابي، الفيلسوف المشهور الذي لُقِّب بالمعلم الثاني، المتوفى 339 هـ/950م، وقد ألَّف كتاب "آراء أهل المدينة الفاضلة"، الذي يعالج فيه تنظيمَ الدولة بطريقة فلسفيَّة استغرقتْ معُظمَ كتابه، وكان يهدف إلى الوصول إلى غاية الغايات، وهي "السعادة"؛ ولكنَّنا نجده في الثُّلُث الأخير منه يبيِّن الشروط التي ينبغي أن تتوفَّر في رئيس الدولة أو الإمام، وإذا عزت هذه الشروط في واحد، فلا بأسَ من اختيار اثنين أو أكثر، يكمل بعضُهم بعضًا، ويمثِّل الفارابيُّ اتجاهَ الفلاسفة الإسلاميِّين في التفكير السياسي؛ حيث "يحلق بفكره في سماء المثاليات، فقامت فلسفته على أساس البحث النظري أو الخيالي أو المجرد، نتيجة الشعور بعدم الاقتناع أو بعدم الرضا بالأوضاع القائمة، والرغبة في إقامة نظام مثالي يتلافي عيوب النظام الموجود ويحقق المزايا المنشودة ".

ولتحقيق هذه الغاية راح "الفارابي" يقرأ المؤلفات السياسية لكل من "أفلاطون" و"أرسطو" التي قد تُرجمت في أيامه، واهتم الفارابي بكتب أفلاطون السياسية اهتمامًا بالغًا، وواسعًا جدًا، لم يتعامل معها إلا من الزاوية الميتافيزيقية. صحيح أن العلاقة بين السياسة والميتافيزيقا في الفكر اليوناني علاقة عضوية ووشيجة، ولكن ما يجب الانتباه إليه ، هو أنه بينما بنى اليونان مدينتهم الإلهية (الميتافيزيقا) على غرار مدينتهم السياسية، قلب الفارابي الوضع قلبًا، إذ راح يشيد المدينة الفاضلة، مدينته السياسية، على غرار المدينة الإلهية التي شيدتها الفلسفة الدينية الحرانية الهرمسية على أساس فكرة الفيض كما ذهب بعض الباحثين .

ليس هذا وحسب بل لقد ربط الفارابي "الصلاح" في السياسة بـ "صلاح" المعتقدات الدينية الفلسفية؛ وهنا يلتقي الفارابي مع الأدبيات السلطانية ليس فقط في مجال المماثلة بين الإله، أو السبب الأول، وبين الخليفة أو رئيس المدينة الفاضلة، وهي المماثلة التي سادت الخيال الديني والسياسي في العصر العباسي، والمنقولة من الموروث الفارسي، بل يلتقي معها في المنطلق أيضًا. ذلك أن وجود رئيس المدينة الفاضلة سابق عند الفارابي على القول في شكلها وصفاتها، تماما مثلما أن وجود "الأمير" عند المؤلفين في "الآداب السلطانية" سابق على النصيحة التي تقدم له. إن الفارابي يؤكد في جميع كتبه التي تناول فيها موضوع "المدينة الفاضلة" على فكرة أن "رئيس هذه المدينة ينبغي أن يكون هو أولًا، ثم يكون هو السبب في أن تحصل المدينة وأجزاؤها، والسبب في أن تحصل الملكات الإرادية التي لأجزائها في أن تترتب مراتبها، وإن اختل منها جزء كان هو المرفد له بما يزيل عنه اختلاله" .

ولا علاقة بهذا الذي يقرره "الفارابي" كمبدأ وكمنطلق مع ما نجده عند "أفلاطون" في هذا الشأن، من كون رئيس المدينة الفاضلة يجب أن يكون فيلسوفًا قد تم إعداده عبر مراحل من التعليم وطوال عقود من السنين. فالفارابي لم يهتم قط بهذا الجانب الذي شغل أفلاطون كثيرًا في تشييده للمدينة الفاضلة، جانب الإعداد بالتربية والتعليم لـ "الحفظة"، وهم رجال الدولة من موظفين وجنود الخ. إن تفكير الفارابي قد اتخذ منحى آخر مخالفًا تمامًا، منحى يكشف عنه عنوان كتابه الأساسي في الموضوع: "كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة". إن المدينة تتلخص، من منظور الفارابي، في "آراء" أهلها، فهي فاضلة إذا كان أهلها يعتقدون في "المبدأ الأول" (الله) وفي "الثواني" أي العقول الفلكية التي هي الملائكة في نظره، وفي صدور الموجودات عن المبدأ الأول بواسطة الثواني وفي العقل الفعال، الذي هو ملاك الوحي الخ، اعتقادات "صحيحة"، يعني تلك التي ذكرها هو كـ "آراء أهل المدينة الفاضلة".

وفي القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، نلاحظ أنَّ علم السياسة أخذ يتشكَّل في هيئة كتب متخصِّصة متفردة، تعالج نُظمَ الدولة في شمول، وأسست على

الشريعة من فقه وقضاء وحديث، كما استفادتْ - في حدود - من كتابات ابن المقفَّع، والأبواب التي احتوتْها كتبُ الأخبار والأدب والسمر. وأول هذه الكتب "الأحكام السلطانية"؛ لمؤلِّفه "أبو الحسن الماوردي"، المتوفى 450 هـ/1058م، الذي يعد قمَّة ثالثة، وكتابه هذا أوَّل كتاب منهجي وافٍ في موضوعه، ويتميَّز بدقته في عَرْض مسائله.

وفي هذا الكتاب استطاع " الماوردي "، أن ينقل إشكالية الدولة والمُلك من مستواها الكلامي، إلي مستواها الفقهي العملي، ليجد لها أصولها الفقهية التي ترتفع بها إلي مستوى القضايا المُؤسِسة للمذهب الفقهي، ومن المؤكد أنه كان لحالة الوهن التي تخبطتْ فيها الخلافة سهمها البارز في إقدامه على هذا العمل؛ إذ إننا أمام خطابٍ خرج من جوف أزمةٍ سياسيةٍ خانقة، وراهن في الآن ذاته على بناء مشروعٍ إصلاحيٍ من شأنه أن يُنقذ ما تبقى من الخلافة المتآكلة. وقد اقتضى منه ذلك التحرك على جبهاتٍ فكريةٍ متعددةٍ جعلتْهُ يتنقل بسلاسةٍ عز نظيرها من الفقه إلى آداب النصيحة، ومن النوازل القضائية إلى الأحكام السلطانية، لينتهي به المطاف إلى إنشاء نمطٍ فريدٍ من الكتابة الفقهية السياسية، تُواءم بين نَفَسِ النصيحة والفقه .

وفي أواخر هذا القرن ومطالع القرن السادس الهجري نَلْقى "أبا حامد الغزالي"، المتوفى 505 هـ/1111م، الذي ألَّف أكثر من كتاب في الفِكر السياسي، أشهرها "التبر المسبوك في نصيحة الملوك"، وقد وَضَعه بالفارسية، وقدَّمه إلى السلطان السلجوقي آنذاك، وتُرجِم إلى العربية، ويُسْلِمُنا تحليلُ الكتاب إلى أنه ينتمي إلى وعْظ الحكَّام وتذكيرهم، وهو من فصيلة "نصائح الملوك"، أو "مرايا الأمراء". ومثله في أوائل القرن السادس الهجري نفسه، نَلْقى الطُّرطوشي، المتوفى 520 هـ/ 1126م، صاحب كتاب ذائع الصيت "سراج الملوك"، وهو وإن انتمى إلى الفصيلة التي ينتمي إليها كتابُ الغزالي "التبر المسبوك "، إلاَّ أنَّه عقَدَه على أربعة وستِّين فصلاً، وأفاض فيه وفصَّل على نحو لم يَرِد في كتاب الغزالي.

ونقفز بعد ذلك نحو قرنين من الزمان، لنَلْقى كتاب "الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية"، لصاحبه ابن الطِّقْطَقي (أو ابن الطِّقْطَقَا)، المتوفى 709 هـ/1309م، وهو كتاب يتناول تاريخ الدول الإسلامية وسير خلفــائها إثر سقوط بغداد في أيـدي المغول عام 1258، وأهداه إلى وإلي الموصل ، وهو " فخر الدين عيسى بن إبرهيم"، وسماه "الفخري" نسبة إليه.

وبعد نحو عَقْدين من القرن الثامن الهجري نفسه، نَلْقى ابن تَيْمِيَّة، المتوفى 728 هـ/1328م، المعروف بأنَّه داعيةُ إصلاح في الدِّين، وقد لاحظ واقعًا مريرًا، فألَّف غير كتاب في السياسة الشرعية ونظم الدولة، أبرزها كتاب "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية"، وهو مُقامٌ على الشريعة، وهدفه الأعلى إشاعةُ العدل، ورفْع الظلم عن الناس. وقد كانت أفكار ابن تيمية السياسية قد لقيت ترحيبًا لدى "ابن القيم الجوزية " الذي ألف كتابه " الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ".

وفي نهاية القرن الثامن وأوائل القرن التاسع الهجري، يجيء "عبد الرحمن بن خلدون" (ت: 808 هـ/1406م)، الذي وضع في "مقدمته" الأسسَ الأولى لنظرية العصبية. فلقد بنى ابن خلدون نظريته في الحكم على العصبية، وبما أن نظام الخلافة هو أحد أنماط فلسفة الحكم الخاص بالإسلام ، فقد تناوله ابن خلدون بالدراسة والتحليل في سياق تطوره. فالخلافة نشأت وتطورت، ثم انتقلت من خلافة إلى مُلك عضود بمقتضى العصبية، وهنا يحاول ابن خلدون أن يفلسف التاريخ إلى عهده، وهي محاولة فريدة شهد لها كثير من الباحثين ؛  بأنها لا يوجد لها مثيل في تراثنا العربي الفكري على ضخامته، وتنوع منازعه، وتعدد مشاربه. لقد كون ابن خلدون لنفسه تصورًا خاصًا به للتاريخ الإسلامي ومسيرته، وهو تصور مستمد من ظروف تجربته، ووقائع عصره والمعطيات الاجتماعية والتاريخية للمجتمعات التي عاش فيها ودرس أحوالها .

وفي أواخر القرن التاسع الهجري جاء "أبو عبد الله بن الأزرق" (ت:896هـ) قاضي غرناطة ووزيرها وسفيرها في أيامها الأخيرة، في كتابه "بدائع السلك في طبائع الملك"، والذي لخص فيه ما يتصل بموضوع كتابه في مقدمة ابن خلدون وغيرها من كتب تدبير الملك، مع زيادات كثيرة. إلا أنه غالباً ما يكتفي بكلام ابن خلدون. وقد رجع في كثير من فصوله إلى كتاب أرسطو (السياسة في تدبير الرياسة)، وفي هذا الكتاب ظهر نوع جديد من الاجتهاد السياسي الإسلامي في مجال السياسية الشرعية، حيث كان قد توقف المسلمون عند كتب السياسية الشرعية القديمة مثل الأحكام السلطانية والولايات الدينية، للقاضي الماوردي، في الفقه السياسي الشافع، ثم كتاب الأحكام السلطانية، للقاضي أبي يعلى الفراء، ثم كتاب "غياث الأمم في التياث الظلم" للإمام الحرمين الجويني، ثم كتاب "السياسة الشرعية" لأبي العباس ابن تيمية، وأخيرًا كتاب "الطرق الحكمية" لابن القيم . إلا أن كتاب العلامة ابن الأزرق خرج بطابع فريد عن هذه التصنيفات الأخرى فلخص ابن الأزرق في بعض فصول كتابه مقدمة ابن خلدون عارضاً لنظرياته ونظمها تنظيماً منهجياً، ولكنه تجاوز ابن خلدون تجاوزاً كبيراً ؛ حيث كانت خطة ابن الأزرق أن يورد النص الخلدوني، إما كما هو، وإما يلخصه، وإما أن يفسره، ثم يعلق عليه بأقوال أخرين، مؤيدين ومعارضين، وبآرائه هو مؤيدًا أو داحضًا.

ويقدم كتابنا هذا أطروحة السياسة من المنظور الإسلامي، ويأتي في هذه الفترة؛ لتحسين الصورة التي اتسم بها الفكر السياسي الإسلامي، بوصفه الفكر الأكثر رجعية، وأنه يؤسس للحاكم الثيوقراطي – السلطان الذي هو ظل الله في الأرض، فيكون الإسلام من هذا المنظور الأساس الأول للإرهاب والتطرف السياسي، القائم على دعائم الديكتاتورية والتسلط والجور. ويأتي الكتاب للدفاع عن العقيدة الإسلامية، من خلال التأكيد على أن كل الأفكار السياسية الإسلامية المطروحة على الساحة تمثل الفكر الديني  وليس الدين نفسه. فإن كانت الأفكار صحيحة تقود إلي التقدم والرقي كان هذا بسبب التفهم الصحيح لنصوص الدين، وإن كانت الأفكار غير صحيحة تؤدي إلي السقوط والانهيار، كان هذا جراء الفهم غير الصحيح لنصوص الدين. ويبقى الدين الصحيح العلامة الفارقة التي به تنصلح أحوال الأمم، فبوجود الدين تتحسن الأحوال وبغيابه تسوء وتتدهور.

فمن الضروري في هذا المقام " دراسة السياسة الإسلامية"، ثم بيان وتوضيح الفرق بين الإسلام كديانة، وبين ما يدور حوله من أفكار – الفكر الإسلامي، أو بالأحرى بيان وتوضيح ودراسة صلة القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة بالفكر الإسلامي؛ وذلك لإزالة الوهم والزيغ الناشئ عن الخلط بين الإسلام والفكر الإسلامي، وتحميل الإسلام مسئولية التخلف الحضاري الذي تعيشه الأمة الإسلامية في العصر الحاضر، وعلى الرغم من أن الفرق بينهما واضح بشكل قد لا يحتاج إلي إرهاق العقل لبيانه وتوضيحه، فإن الخلط بينهما لا يزال قائمًا بسوء نية أو بحسن نية، لـقصور في الفهم أو لأجـل مصالح شخصية ترتبط بالسياسة أو الاقتصاد، فتأتي الأفكار الخاصة بهم لتُحمل النص الديني ما لا يحتمله.

فالدين الإسلامي يتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية، ولا يمكن أن يتخلى طرف منهما عن الآخر، فاليوم نجد من يؤمن بالقرآن ولا يثق بالسنة، والسنة ما هي إلا تفصيل مجمل القرآن وبيان مشكله، وبسط مختصره. وللتأكيد على ضرورة السنة إلي جانب القرآن نجد قول الرسول – صلى الله عليه وسلم – الذي رواه الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة: " تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي". ويقول تعالى في محكم تنزيله: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزل إليهم ولعلهم يتفكرون". (سورة النحل: الآية44). وقوله: "وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا". (سورة الحشر: الآية7). وقوله تعالى: "من يُطع الله فقد أطاع الرسول". (سورة النساء: الآية 80). هذا هو الدين الإسلامي قرآن وسنة فيه من الأخلاق ومكارمها، والسياسة وحكمتها.

أما الفكر الإسلامي فهو اجتهادات المسلمين في مختلف مجالات الحياة والعلوم والأمور الدينية والدنيوية، وهي اجتهادات بشرية غير معصومة من الخطأ فهي عرضة للصواب والخطأ. ويعبر عن ذلك ما ورد عن الإمام الشافعي: "رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب"، والفكر الإسلامي المتبع لما في القرآن والسنة الصحيحة هو الفكر الصحيح، وإن ضل ما فيهما كان فكرًا إنسانيًا لا يتسم بسمة الإسلام من قريب أو بعيد. فالفرق واضح وضوح الشمس بين الإسلام والفكر الإسلامي، ولا يجوز الخلط بينهما. صحيح أن الفكر الإسلامي من شأنه أن يسترشد بتعاليم الإسلام ويستضيء بنورها ويجتهد في فهم هذه التعاليم، ولكن ما ينتهي إليه من نتائج يبقى في إطاره الصحيح وهو الإطار البشري .

فالسياسة كي تنتسب إلي الإسلام لا بد من أن تنهل، وتستقي أفكارها من القرآن الكريم، وصحيح السنة النبوية الشريفة. وبالنظر إلي السياسات الراهنة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وما حولها من مجتمعات غربية أوروبية، لا يمكننا أن نتلمس بذور السياسة الحقة التي يمكن أن نعتمد عليها كمنهج في الإدارة، أو كطريقة لإصـلاح أحوال البلاد وتجاوز المشكلات التي تستوقفنا في كل لحظة من لحظات الزمن. فالسياسة العالمية المعترف بها اليوم هي سياسة القوة، إنها السياسة التي تقوم وفق قواعد وتعاليم النظرية الداروينية، سياسة لا تعرف للقيم والفضائل معنى، إنها سياسة تُبنى على القهر والسيطرة والاستبداد، سياسة تقوم على ظاهرة العولمة، لا تراعي الاختلافات الجغرافية للمكان ولا السيكولوجية والسوسيولوجية للمواطنين، ولا المعتقدات الدينية والذرائع الأخلاقية داخل الدولة موطن السياسة. فاليوم غاب عنا مضمون السياسة الإسلامية وصرنا نتمسك بالشكل الصوري المفرغ من المضمون، فغاب عنا ما كنا عليه عندما أخذنا وأسسنا سياسة دولتنا على قواعد وحدود الشريعة الإسلامية. فمن حال إلي حال، وبالنظرة العابرة نُدرك أن السبب هو تخلينا عن قيم الدين. وجملة القول في هذا أن السياسة المعاصرة، لا يمكن وأن ندنس بها الدين أو الفكر الديني الصحيح، ونقول إنها سياسة شرعية أو ربانية، ولكن سياسة شيطانية تُحيك الخطط والمؤامرات لقهر الغير والفتك به لمجرد أنه شريك في الإنسانية.

وخلاصة القول فإن السياسة الحقة، هي التي تقوم على أسس، أهمها الحكم بما أنزل الله، والشورى في إدارة شئون الدولة أو الرعية، وتحقيق المصلحة العامة، حتى وإن تعارضت مع المصالح الخاصة. ولما كان الشرع هو الركن الأساسي في كل السياسات، فإن السيادة لا تكون إلا لشرع الله، وقد تتمثل تلك السيادة في قوة السلطان القاهر، أو إجماع الأمة، أو أهل الحل والعقد، وبعيدًا عن السيادة ولمن تؤول، فالسياسة أو الإمامة من الأمور الضرورية الواجبة التي لا بد للرعية من أن تخضع لها لضبط شئونها - "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" . وهذا ما نصت عليه تعاليم الدين، وتابعها في ذلك أفكار المجتهدين المسلمين من أئمة وفقهاء وفلاسفة ومتكلمين. وتأتي نظريات مفكري الإسلام  لبيان قيمة الدولة ، أو الإمام، وتوضيح نظرية السيادة والكشف عن معالمها، والكشف عن نظرية العلاقة بين الحاكم والمحكوم . وهذا ما حاولنا توضيحه في هذا الكتاب، محاولين توجيه العقل الإنساني إلي الفكر السياسي الحق الخالى من التوجهات الخاصة التي تهدف إما إلي تلويث سمعة الإسلام، أو الاستئثار بالسلطة تحت رايته، مؤكدين على أن الفكر الإسلامي، لا يرتبط بالضرورة بالدين الإسلامي نفسه، حتى لا نسحب أحكامنا على الفكر الإسلامي على الدين نفسه، فنكون بهذا ضللنا الصواب.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

رحيم الساعديبقلم: مارك دانييلز

ترجمة رحيم الشياع الساعدي


لنبدأ بالنظر في ثلاث نقاط:

أولاً: جاءت فلسفة العصور الوسطى في فترة تعرضت فيها الفلسفة للهجوم وشعر مؤيدو الإيمان الديني بأن ادعاءات الفلاسفة بشأن تفوق العقل كانت خاطئة.

وهذا قاد إلى اضطرار فلاسفة العصور الوسطى مثل الأكويني وابن رشد للدفاع عن المبدأ ووجود الفلسفة كان من المبادئ الأولى.

ثانياً: إن العديد من النصوص، وخاصة تلك الخاصة بفلسفة العصور الوسطى اليهودية - المسلمة، لها ثراء وخصوبة تفتقر إليه نصوص الفترات الأخرى - فلسفة مكتوبة بالشعر والقصص الفلسفية التي تبرز النقاط الرئيسية، وما إلى ذلك وحتى ان هناك أعمالا فلسفية كبرى - مثل دليل ابن ميمون والتي تعترف بعدة تفسيرات معارضة بالكامل.

 ثالثًا وأخيراً: أهمية مشاريع العصور الوسطى المختلفة في المشكلات الحديثة، فقد أدى تطوير أجهزة الكمبيوتر ومحاولة نمذجة الأحداث التي تحدث في العالم من حولنا إلى تطوير لغة منطقية قادرة على التعامل مع الصفات المتعددة الوسائط التي تصف الوقت والإمكانية. 

ويتشابه هذا مع تطور لغة مماثلة خلال العصور الوسطى لمناقشة مسائل مثل الثالوث المسيحي، المجيء الثاني ليسوع وقيام الأموات. ان المعرفة الخاصة بنجاح العصور الوسطى سهلت إلى حد كبير إعادة بناء نماذج اليوم.

الآن وبعد أن نظرنا في إمكانية أن يكون الموضوع موضوعًا يستحق اهتمامنا، دعونا ننتقل لوضعه في السياق. وقد تمت مناقشة معالم الفترة الزمنية لموضوعنا بشكل شامل تمتد على أوسع نطاق من وقت فيلو الإسكندري اليهودي (عاش 50) إلى سبينوزا (ت. 1677 م)

نجح العديد من المفكرين في العصور الوسطى، بشكل كبير في مجالات عملهم (والتي لم تكن اعمالا فلسفية) فقد كان القديس أنسيلم رئيس أساقفة كانتربري وارتفع ليصبح البابا وكان جروسيتي أسقف لنكولن وأول مستشار لجامعة أكسفورد وكان هاليفي شاعراً يتلو أعماله لليهود الإسبان والبرتغاليون في الكنيس خلال يوم الكفارة وكان موسى بن ميمون طبيبًا في البلاط الملكي المصري وقنن القانون اليهودي في 14 مجلداً، كما استخدمت جداول جيرسونيدس الملاحية لعدة قرون.

ودرست أعمال ابن سينا الطبية في أوروبا حتى القرن السابع عشر وكان مشاركًا عميقًا في السياسة الفارسية وكان الغزالي من كبار الصوفيين والسلطة القانونية في ذلك الوقت و ارتفع ابن رشد ليصبح قاضيا اعلى (قاضي القضاة) في قرطبة وظهر اثنان من أشهر المفكرين، هما أبيلارد وهيلويس .

كان هناك عدد من المشاريع المختلفة التي يمكن الإشارة لها، ففي كل تقاليد الديانات الثلاث، تكهن الفلاسفة بالعلاقة بين الإيمان والعقل (بما في ذلك محاولات إثبات السبب في انبثاق الإيمان) كما ناقشوا من أن تعاليم أفلاطون (ولاحقًا أرسطو) كانت متوافقة مع مبادئ أديانهم.

كما ان موضوعا آخرا متكررا مثيرا للاهتمام برز وهو مشكلة الشر ويتعلق بالطريقة التي يمكن بها وصف الله - مما يؤدي إلى اعتبارات حول استخدام اللغة وحدودها.

ففي أوروبا المسيحية، تم إنفاق الكثير من الجهد في مناقشة طبيعة الأكوان سواء كان لها وجود حقيقي في أنفسنا أو ما إذا كانت مجرد جوانب للعناصر الفردية.

وقضى الكثير من الوقت أيضا في المنطق سواء في العالمين الإسلامي واليهودي، وتركز الاهتمام على طبيعة الروح وإمكانية الاتصال الهادف مع الله.

وكانت هناك أيضًا مناقشات حول طبيعة الزمان والمكان واعتبارات طبيعة العلاقة السببية.

وعززت كل الديانات الثلاثة التصورات حول علم الجمال (انظر كتاب أمبرتو إيكو حول جماليات توما الاكويني)، وطبيعة الأخلاق، والفلسفة السياسية، وطبيعة المجتمع العادل، والعلاقة بين "الكنيسة" و "الدولة".

يجب الاعتراف بأن معظم كتابات القرون الوسطى ليست سهلة القراءة، فهي نمط غير عادي كما هو حال بعض الأعمال العظيمة مثل الخلاصة اللاهوتية لتوما الاكويني، والمكتوبة في شكل خلاف في القرون الوسطى مع أسئلة تليها مقالات، اعتراضات، ثم الردود.

وشكل آخر من أشكال الكتابة الشائعة هو التعليق - مثل التعليقات الطويلة والطويلة كما هي الخاصة بأعمال أرسطو أو العديد من التعليقات على كتاب الجمل للومبارد.

مشكلة أخرى تتضمن مشكلة نسخ المخطوطات فغالبا ما ارتكب الكتبة أخطاء - تاركين الخطوط أو الكلمات أو الكلمات التي بها أخطاء إملائية في بعض الأحيان، وقد يتم تضمين الحواشي السفلية أو اللمسات على مخطوطة مكتوبة بواسطة مالك لها في النص الأساسي للنسخة الجديدة وهذا لم يؤثر فقط على أصول الأعمال التي نقرأها اليوم - ولكن أيضًا على الأعمال التي قرأها المفكرون في العصور الوسطى في ذلك الوقت.

في الختام، يمكننا أن نأمل أن نرى أن هناك فلسفة للقرون الوسطى أكثر من مجموعة من النقاشات الطويلة حول تصوراتهم للملائكة فقط

 

.................................

(مارك دانييلز) هو وزير في كرويدون  بلندن وكان يعمل في فريق الفلسفة الآن في التسعينيات، وخلال هذه الفترة قام بتحرير العديد من إصدارات مجلة (الفلسفة الان)، وكتب مقاله عام (2005)