سليم جواد الفهدمن يحدد القيم؟

انتهينا في الورقة السابقة الى أن القيم هي التي تحدد السلوك فكيف ما كانت منظومتك القيمية ستكون منظومتك السلوكية لكن من يحدد القيَم؟

الكل يتفق على أن المجتمع – المجموعة البشرية + البيئة -هو المسؤول عن تحديد القيم وهو المسؤول أيضا عن تربية وتنشئة الأفراد بمنظومة قيمية هي في الواقع مجموعة من الأوامر والنواهي في شتى مجالات الحياة التي ستصير فيما بعد ضميرا للفرد داخل مجتمعه. وهنا يتبرعم سؤال هو: إذا كان الأفراد يعيشون في مجتمع واحد ويتلقون نفس التربية فمن أين ينتج الاختلاف في تفاوت سلوك الأفراد؟

والجواب: اولا: صحيح أن المجتمع يتسم بوحدة بشرية لكنه في الحقيقة منقسم الى طبقات وفئات ومؤسسات ومهن وأديان ومذاهب وطوائف حيث لكل طبقة تقاليدها الأخلاقية ولكل فئة قواعدها الاخلاقية ولكل مهنة أيضا أخلاقيتها.

ثانيا: إن قابليات الأفراد غير متماثلة حتى لو عاشوا في بيئة واحدة وتعلموا في مدرسة واحدة وتخرجوا من نفس الجامعة وحملوا نفس الشهادة في نفس التخصص لن يتماثلوا وهذه نتيجة حتمية بسبب اختلاف القابليات الفردية لكل فرد. فالإنسان يتكون ويتطور بما يضاف إليه من علم ومعرفة وتوجيه أخلاقي وقيمي كما أن ما يضاف لقابليات كل فرد من مهارات يكون بالضرورة مختلفاً عما يضاف لقابليات كل الآخرين ولذلك فإن النتيجة الحتمية هي اختلاف الشخصيات والمعارف والمهارات والمفهوم والتصورات والآراء والمواقف والمعالجات.

يقول الطبيب والفيلسوف أليكسيس كارليل الحائز على نوبل في الفسيولوجيا: "إن النشاط العقلي رهينٌ بالسيرورات الدماغية والوظائف العضوية الأخرى إنه يعطينا طبْعنا المتوحِّد إنه ما يجعلنا نحن حقٍّا وليس شخصًا آخر". بل حتى التوأمين المتطابقين في نفس البويضة ويمتلكان نفس التكوين الجيني يكون لكل واحد منهما شخصيته الخاصة به فالطباع النفسية هي بمثابة كاشف للتفرد فالناس يتميزون عن بعضهم البعض في الشكل والمضمون وليس هناك شخصين متشابهين تمام التشابه لأن هذا معناه نفي التفرد وبذلك تنعدم الكثرة الطبيعية. وكلما كانت الشخصية غنية كانت الفروقات الفردية كبير مما يجعل من المستحيل معرفة تكوين الفرد مسبقا وهذا ما دعى سارتر الى القول: أن الماهية في الإنسان تسبق وجوده على عكس كل الكائنات الأخرى.

ويقول المفكر السعودي إبراهيم البليهي : "ومادامت بنية الشخصية الذهنية بنية مركَّبة جدا فمن المستحيل تقديم تصنيف دقيق للكائنات الإنسانية ولكن للأسف الناس يجهلون هذه الحقيقة المهمة والعميقة عن أنفسهم وعن غيرهم فيسوء الفهم ويشتد التنافر من دون أن يعلموا بأن كلّا منهم مرتهنٌ بمعايير وقوالب وأنماط ونماذج تختلف عن معايير وقوالب ونماذج كل الآخرين".(1) فالإنسان بطبيعة تكوينه العقلي يقع أحيانا فيما يسمى "الجهل المركب" وهو أن يجهل الإنسان أنه جاهل أي لا يعلم أنه لا يعلم أي لا يعرف جهله وهذا هو قمة الجهل فيبادر في أغلب الأحيان لرفض وتسفيه مالا يتفق مع الأنماط التي تشكَّل بها عقله ووجدانه وهذه معضلة كبرى لم تنل اهتمامًا يتناسب مع نتائجها المدمرة وليس ذلك محصورًا في الفروق والحواجز بين الأفراد بل إن المعضلة تتعقد ويشتد ضررها ويعظُم خطرها في التعامل والعلاقات بين الأمم بل حتى بين المذاهب والطوائف والجماعات والاتجاهات المختلفة داخل الأمة الواحدة أو المجتمع الواحد لذلك تُحَتِّم المصلحة البشرية أن تكون معرفة أساسيات الطبيعة البشرية هي أهم ما يجب أن يتعلمه كل الأفراد في كل مراحل أعمارهم في كل المجتمعات.

تفكيك أخلاق الخوف الدينية

تقوم أخلاق الخوف الدينية على أساس:

أن الله هو صاحب المعرفة المطلقة للحكم على ما هو خير وما هو شر بحيث يتعين على الإنسان أن يحتكم الى الله مقرا بالجهل المطلق وبالعجز التام بمعنى أنه يجعل الأخلاق في النهاية هي طاعة الله وتنفيذ وصاياه- وهذا هو في الواقع الدين الموروث للفرد-أو أحكامه وهذا يعني أن أساس الأخلاق الدينية هو الإيمان. والإيمان الديني هنا يعني نسبة المعرفة كلها الى الله مما يجرد الإنسان من أي معرفة أخلاقية وعلى هذا الأساس تجب طاعة الله والتسليم له مطلقا.

فالله يريد طاعة الإنسان له مقابل ضمان بأن تكون نتيجة سلوك الإنسان وأفعاله نتيجة خيرة. وغاية الخير في هذه المعادلة ليست غاية الخير الذي يفعله الإنسان من أجل الإنسان الآخر وإنما الغاية النهائية للخير في المفهوم الديني للأخلاق هي (الأنا) ذاتها فأنا أفعل الخير أساسا الآن في هذه الدنيا لأحصل خيرا لي (أنا) في "الآخرة" لأن فعلي ليس نتيجة مباشرة لفعل الخير للآخر-لأن الآخر هنا هو وسيلة لا غاية-وإنما هو نتيجة مباشرة لطاعة الله. وهنا يكمن التناقض والتهافت في الأخلاق الدينية وتختل المعادلة  حيث لا تنتهي المسيرة الى المفهوم الحقيقي للأخلاق ذاتها وهو مفهوم الخير للآخر باعتباره غاية وإنما تنتهي الى مفهوم آخر لا علاقة له بالأخلاق هو مفهوم الطاعة ومفهوم الطاعة في حقيقته علاقة بين طرفين طرف ضعيف بغير حدود هو الإنسان وطرف قوي بغير حدود هو الله وهذا معناه أنها علاقة خوف قائمة في الأصل والأساس على منافقة الله تجنبا لبطشه ووصفها بالنفاق هنا يأتي من كونها تبدأ بالادعاء بإقامة أخلاق غير أنانية وتنتهي الى صيغة نفعية للأخلاق تتمثل في سعي الإنسان الى ذلك العائد المؤجل لفعل الخير في الآخرة. تبدأ بمفهوم المعرفة المطلقة لله بما هو خير وتنتهي بمفهوم (قوة) الله التي تستطيع أن تفعل وتفرض كل شيء وأي شيء وبدون مفهوم القوة هذا يسقط أي معنى للأخلاق الدينية التي تدعي انها أخلاق مبنية على الخير والحقيقة انها مبنية على نفاق الأنانية التي تتجنب أذية الإله لأنها تخاف من القوي المؤذي ولولا هذا الخوف لفعلت ما تريد وترغب. والنتيجة النهائية لهذه الأخلاق هي لو لم يكن الله قويا لما خافه أحد لأنه بمجرد تصور إن الله ضعيف لا يستطيع إيقاع الأذى بالإنسان تنهار قيمة الأخلاق الدينية المبنية على هذا الخوف من الأذى وهذا هو جوهر الوضاعة والنفاق في الأخلاق الدينية.

 

سليم جواد الفهد

..............

1- إبراهيم البليهي، تلقائية وحتمية تعدُّد الآراء بتعدد الأفراد.

 

 

عدنان عويدالبنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الاستهلاكي:

إذا كان منطلق النمو المعاصر للرأسمالية، هو التركيز على انتاج الحاجات الفردية القادرة على تحقيق أكبر قدر من الربح للمنتج، دون النظر إلى الحاجات الأساسية للإنسان الجمعي، مثل حماية الطبيعة، وصيانة المدن، وتأمين المواصلات والصحة والتعليم، والثقافة... إلخ. فمن هذا المنطلق بالذات تأتي علاقة التناقض بين حركة الرأسمال الخاص وحاجات الإنسان الأساسية، من أجل بقائه وتطوره.

إنّ هذا التناقض الذي يخلقه اقتصاد السوق بالضرورة يهدف إلى تأمين رغبات ثانوية معدّة للاستهلاك والربح السريعين. وهذه الرغبات التي تأخذ الطابع الفرداني عموماً، غالباً ما تكون مسبقة الصنع وتافهة، في الوقت الذي توظف لها استراتيجيات هائلة ومتنوعة من الدعاية والاقناع لاقتنائها، ومن أجل إيصال المستهلك الذي يظن نفسه حرّاً، بينما هو في الواقع غير ذلك – إلى مرحلة الاستلاب والتمتع بسيادة وهمية من الصناعات والرغبات التي حددها له المنتج مسبقاً – تؤكد جملة المنتوجات المعروضة في الأسواق، مع ما يرافقها من حملات دعائية (وغالباً ما تبثّ الدعاية لمنتوج ما حتى قبل أن ينزل إلى الأسواق) أن ما ينتج بمعظمه تقريباً، كثيراً ما يحدده المنتج للمستهلك، فالطلب تحدده رغبة المنتج، وليس رغبة ومصالح المستهلكين المتبصرين، فالمنتجون في هذه الحالة يمتلكون وسائل الاقناع الخفية والظاهرة، هذه الوسائل التي سخّرت لها أرقى أنواع التكنولوجيا والبحوث العلمية والتي يأتي في مقدمتها "علم النفس"، مستخدمة في ذلك الصوت والصورة والأداة الجذب المستهلك وإيقاعه في فخ المنتج، بل تحويل المستهلك نفسه إلى عبد مسلوب الارادة تجاه السلعة، أي تحويله إلى مستهلك حسب الطلب والقياس، مستعداً لشراء أي شيء وحتى أتفه السلع.

إذا، انّ القيم المتبعة في الانتاج هنا، تعمل جاهدة على مطابقة القيم المهيّجة للإنسان، أي القيم المحققة للّذّة والشهوة التي تزيد دائماً من شعور الإنسان بعدم الاكتفاء، هذا الشعور الذي راح اقتصاد السوق في المرحلة الرأسمالية المعاصرة، يركز على تنميته – أي الشعور بعدم الاكتفاء – من خلال السلع المنتجة والمعدّة بشكل مسبق لمن يمتلك القدرة الشرائية. لذلك نستطيع القول هنا: انّ المجتمع الاستهلاكي يعبّر في حقيقة الأمر عن الأفراد القادرين على الدفع.

فعلى سبيل المثال: ان الانتاج الغذائي في البلدان الغنية مرتبط بالطلب المليء – أي القادر على التسديد – وليس الطلب المعدّ لحاجات الإنسان الأساسية، إلا أنّ الأشد خطورة في هذه الوضعية، هو أنّ الدول النامية الآن في كل من أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، يعانون من الجوع وذلك ليس بسبب رجل آخر قادر على الدفع، بل بسبب حيواناتهم أيضاً. فالاستهلاك الحيواني في البلدان الغنية، مؤمن قبل الاستهلاك البشري في هذه الدول النامية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، ان ما تأكله حيوانات الدول المتقدمة من الحبوب، يساوي ربع انتاج العالم أي ما يعادل استهلاك سكان كل من الصين والهند "مليار و300" مليون نسمة. أما في فرنسا، فان استهلاك الحريرات اللازمة لـ"ثمانية ملايين كلب وسبعة ملايين قط" يوازي استهلاك سكان البرتغال. وما يلقيه الأمريكيون المترفون خلال عام في قماماتهم من فوائض، يكفي لاطعام مدة شهر مجمل بلدان افريقيا. ان طبيعة المجتمع الاستهلاكي في أوروبا، فرضت أن ينوجد للحيوانات ما ينوجد للإنسان، بل أفضل من ذلك فلهم حلاقوهم، وخياطوهم، ومطاعمهم... إلخ.

إنّ شعوب الدول النامية، والملايين من الفقراء في دول العالم المتقدم ولدوا في عالم مملوك لقلّة من ملوك المال، يتحكمون بكل شيء في هذا العالم، بل هم يعملون منذ قيام الثورة الصناعية على خلق العالم كما يرغبون، أي بما يتناسب وتحقيقهم للربح، لذلك أصبح الإنسان المملوك هنا والذي حلت بدلاً عنه أعلى وسائل التكنولوجيا، مرفوضاً ومحرماً عليه العيش كإنسان، بل يمكن القول: ان وجوده كذات غير قادرة على الاستهلاك المسبق الصنع يشكل عبئاً على مجتمع الرفاه والسعادة الذي حددته طبيعة المجتمع الاستهلاكي، مجتمع التنمية القادرة على الدفع والثمن.

فلابدّ إذا من استهلاك هذا الإنسان نفسه ككتلة بشرية، وعليه أن يترك المجال للآخرين المترفين أن يتابعوا حياتهم برفاه، ولكي يتابع هؤلاء حياتهم عليهم أن يجسدوا آراء "مالتوس" اللاإنسانية، هذه الآراء التي تقول على أن: "كل الأطفال الذين سيولودون بأكثر من حاجتنا، يجب أن يفنوا بالضرورة إلا إذا فسح لهم المجال بالموت وهم كبار". والتي تقول أيضاً "فبدلاً من أن نوصي بالنظافة للفقراء، فإن علينا أن نشجع العادات المعاكسة... علينا أن نحشر مزيداً من السكان داخل المنازل... ونجعل الطريق أضيق ونهيِّئ الجو لعودة الطاعون... علينا أن نمنع هؤلاء النفر الخيّر الذين يعتقدون بأنهم يقدمون خدمة للإنسانية بتبنّي برامج تهدف إلى القضاء الكامل على الأمراض والأوبئة".

وما نراه الآن تحت راية النظام العالمي الجديد، وتحت الشعارات البراقة للمؤسسات المحركة من قبل مهندسي هذا النظام مثل شعارات "التنمية السكانية" وغير ذلك، الا امتداداً بهذا الشكل أو ذاك لنظرية مالتوس، ولكن بلبوس إنساني يخفي وراءه النوايا السيِّئة الهادفة لتحقيق التوازن السكاني بين القلة المترفة القابلة للاستهلاك، وبين الكثرة الفقيرة التي تشكل خطرا على رفاه تلك القلة. فهذا "يول ايرش" في كتابه "القنبلة السكانية" يقول: "السرطان نمو خارج السيطرة للخلايا والانفجار السكاني هو تكاثر خارج عن سيطرة الناس، علينا أن ننقل جهدنا لاجتثاث السرطان... وهذه ستتطلب الكثير من القراءات الوحشية البعيدة عن الشفقة".

إنّ الصيغة العملية لنظرية مالتوس راحت تمارسها الدوائر الاحتكارية بطرق ووسائل عديدة يأتي في مقدمتها خلق بؤر للتوتر، وتشجيع سباق التسلّح، وتصنيع أسلحة التدمير الشامل وغير ذلك.

فعلى سبيل المثال، لقد بلغت النفقات العسكرية لدول العالم بليون دولار عام 1985، وأن مجموع ما أنفقه العالم على التسليح منذ بداية هذا القرن وحتى عام 1979 (7500) مليار دولار، أي ما يعادل (2500) دولار لكل نسمة اليوم، أو ما يكسبه وسطيا عامل هندي طوال حياته. يضاف إلى ذلك أن صناعة التدمير هذه تتطلب استهلاك جهد أكثر من نصف مجموع رجال العلم في العالم، بينما استهلكت ميزانية البحث في مجال التطور العسكري، ما يعادل أربعة أضعاف ميزانية البحث الطبي تقريباً في العالم، أو مبلغ ثلاثة مليارات دولار لتزويد مليار نسمة بمياه الشرب النقية. هذا إذا ما أردنا أن نضيف تلك الممارسات العدوانية التي تمارسها معظم المؤسسات المالية والاحتكارية تجاه الدول النامية والتي تأتي في مقدمتها "النوايا الحسنة" لصندوق النقد الدولي، أو صندوق البنك الدولي... إلخ. ففي عام 1982 قلصت أكبر المصارف الدولية الاحتكارية تقديم القروض للبلدان النامية، كما قلصت الشركات الفوق – قومية إلى حد كبير التوظيفات الأساسية المباشرة في بلدان آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية من (14.2) مليار دولار إلى (10.7) مليار دولار عام 1986م كما هبطت أسعار النفط الخام إلى ثلاث مرات بسبب اشباع السوق بصورة مصطنعة من قبل دوائر الرأسمال المالي العالمي، وفي العام نفسه تجاوزت خسائر البلدان العربية المنتجة للنفط (100) مليار دولار.

تذكر آخر الاحصائيات المتعلقة بوضع البطالة في أوروبا بالذات نتيجة لطبيعة وآلية وحركة الرأسمال المالي عالمياً، والمتجهة عموما داخل اطار المجتمع الاستهلاكي، بأن هناك بطالة تقدر بـ(17) مليون عاطل عن العمل في القارة الأوربية، أي بنسبة 11% من مجموع السكان العاملين، وأن هناك (55) مليون نسمة من أصل (345) مليون أوروبي يعيشون تحت مستوى الفقر، وأنّ العمل الجزئي والبطالة المقنّعة يتزايدان باستمرار وهناك ما يقارب من 70% من الأعمال في السوق الأوروبية المشتركة، هي أعمال لبعض الوقت. هذا وتذكر المصادر أن قوة العمل مرغمة على العيش في حياة غير آمنة أو مستقرة. أما في وطننا العربي، فقد أكد تقرير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي بجامعة الدول العربية، أن عدد العاطلين عن العمل في الوطن العربي بلغ (42) مليون عاطلاً حتى نهاية عام 1993.

 

عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية.

 

 

عصمت نصارما زلنا نتساءل هل حرية الاعتقاد والفصل بين الثابت والمتغير من الآليات التي تمكننا من معالجة التطرف؟

إنّ هناك العديد من المصطلحات التي نرددها دون أن نحدد معناها، ثم نطالب بها على أنها واضحة بذاتها، وحق لا يمكن إنكاره، شأن كلمة حريّة، فما المقصود بها؟ فعندما نقول: حرية الاعتقاد مثلاً لا يقصد بها نقض الراسخ من ثوابت الآخرين، أو الاجتراء على المقطوع بصحته، أو التهكم على العبادات، أما دون ذلك من نقد آراء الفقهاء أو تحليل كتب التراث أو رفض فتاوى أو اجتهادات، فكل ذلك مقبول إذا كان نتاج علم وفحص ودراسة، ودون ذلك يعد تطاولاً واعتداءً على حريّة الآخرين فيما يعتقدون، وعندي أن المجتمعات التي تعاني من الاضطهاد الفكري هي التي تتسم بالتعصب وغيبة العلماء وتعملق المدعين والحمقى، فللتعبير عن الرأي مائة باب يعصم صاحبه من الإطاحة بالآخر أو ازدراء معتقداته.

وقديمًا كانت الفرق الإسلامية تتساجل وتتناقش، ومعيار صدق المتساجلين هو صحة آرائهم هو البرهان والحجة، وفي العصر الحديث ظهرت العديد من النزعات النقدية التي وصلت إلى حد الاجتراء؛ مثل: إعلان إسماعيل أدهم لإلحاده في رسالته «لماذا أنا ملحد؟»، وما جاء في كتاب طه حسين في «الشعر الجاهلي»، وفي كتاب علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم»، ولما كان العقل الجمعي القائد تتوفر فيه الحكمة والمعرفة والقدرة على التناظر والتساجل لم يتعرض أولئك الذين اجترؤوا أو باحوا بأفكارهم إلى قمع أو إرهاب، فقد ردّ على إسماعيلَ أدهم أحمدُ زكي أبو شادي في رسالته «لماذا أنا مؤمن؟»، ومحمد فريد وجدي في «لماذا هو ملحد؟» وغيرهما، وتفاصيل ذلك تجدها في كتابي «ثقافتنا العربية بين الإيمان والإلحاد»، أما كتابا «طه حسين» و«علي عبد الرازق» قد قُوبلا بعشرات المقالات والكتب النقدية، وجميعها لم يحرض على قتل صاحبيهما أو التنكيل بهما، بل احتكم الخصوم إلى القانون ولائحة الأزهر.

والمقصود مما أوردناه هو: أن المجتمع آنذاك كان شاغلاً بالعلماء القادرين على التساجل والتناظر، أما في أيّامنا هذه فما أسهل على المتخاصميْن إلا تبادل الطعون والشتائم والبذاءات، فهذا يكفّر، وذاك يتّهم الآخر بالجهل والتخلف.

 

وخلاصة القول: أن حريّة الاعتقاد وحريّة الفكر، بل وسائر الحريّات تحتاج إلى وعي في الممارسة، وإلا أصبحت فوضى، والوعي يتمثل في ضبط النقود، فليس من حق الجاهل التصدي لأمور تخرج عن نطاق درايته ودراسته.

أما الحديث عن علاقة الثابت والمتغير فله ضوابط وقواعد، فالثابت عند الأصوليين هو المقطوع بصحته وثبوته ومعناه ودلالته من النصوص، وهو الواجب والضروري من العبادات، وهو المتصل بأصول الإيمان والإسلام في العقيدة، ودون ذلك فهو متغير ومتحول، ومن ثم يُعمل فيه العقل بالاجتهاد والتأويل، ويؤخذ على المتطرفين قلة بضاعتهم في هذا المضمار؛ فهم يخلطون بين إجماع الفقهاء والثابت والشرعي، وإذا نظرنا للإجماع في حد ذاته فإننا لن نجده في تاريخ الفكر الإسلامي قد تحقق إلا على ثابت في العقيدة أو العبادة، ودون ذلك من أحكام فقهية قد اختلفوا حولها، ولم يكفر بعضهم البعض؛ وذلك لتيقنهم أنهم مجتهدون ومجددون، أما المقلد فقد يقع في معظم الأحايين في شرك التعصب وفي حلبة المصارعة التي تنتصر بغير ضابط؛ لما تعتقد في صحته، وعندي: لو ميزنا في ثقافتنا الدينيّة وأحاديثنا ومناقشاتنا بين الثابت والمتغير لقضينا على ظاهرتين خطيرتين؛ هما التطرف والإلحاد؛ فصاحبا الظاهرتين يتوهم القضية ويدافع بغير فهم عن موضوع لا أصل له في الشرع ولا في الدين، ولكنه موروث، أو قال به مشهور فظنه الناس أنه جزء من الدين.

ولعل الخلاف بين الفقهاء حول الناسخ والمنسوخ يساهم بحجم كبير في هذه القضية؛ أي نسخ السنة للقرآن؛ فالمقصود بذلك –عند الجمهور- أن السنّة هي الشارحة والمكملة والموضحة للأحكام التي وردت في القرآن، أما النسخ بمعنى الإلغاء التام فهو مختلف عليه عند الشافعية، فلا يجوز نسخ حكم بخبر الواحد، ولا يجوز أيضًا نسخ حكم المتواتر أو مؤكد عليه في القرآن، ويعني ذلك أن الفقهاء قد جوّزوا، والتجويز لا يعني الوجوب، والحكم فيه احتماليّ، ويرجع الجواز إلى عدم الدراية بتاريخ رواية الحديث، هل هو أسبق من الآية المنسوخة، أم هي الأسبق؟ فالنسخ لا يجوز إلا بعد حكم شرعي قد استقر، والمتطرفون يجعلون الجائز واجبًا، والمؤول حقيقيًّا، وهكذا يحدث اللغط دون دراية وعلم.

أقول: إن هناك قضايا شرعيّة تحتاج لفحصها الإلمام بعلوم القرآن وعلوم السنة والفقه المقارن، ومن يجهل تلك العلوم لا ينبغي عليه أن يتصدى لا للدعوة، ولا للفتوى، ولا رئاسة الجماعات؛ لأنه بذلك يكون ضالاًّ ومضلاً. فاللتساجُل قواعد وللتحاور آداب يجب الالتزام بها مع الفصل بين أحاديث العوام ومناقشات العلماء.

 

بقلم: د. عصمت نصّار

 

محمود محمد عليلو تجسد فايروس كورونا في صورته مرة لكانت صورته بشعة ومرعبة، ولو اجتمع ضحاياه لشكلوا دولة كل ما فيها موبوء، سكانها نحو مليونين، ومقبرتها الجماعية يتزاحم فيها نحو أكثر 125 ألف نعش ؛ ففي أقل من أربعة أشهر اكتسح الوباء المعمورة من أقوي دولها إلي أصغرها وأضعفها، وبات حديثها الليل والنهار لتتعايش البشرية مع زائر لا يبتسم إلا ليفترس ضحاياه .

في هذا المقال نعود ونكمل حديثنا عن تداعيات كورونا مع بدء عودة الحياة إلى طبيعتها، وهنا نتساءل فنقول : متي سيختفي كورونا ومتي ستنتهي الأزمة؟.. ومتي سينتهي هذا الفايروس؟

هذا هو السؤال الصعب، والإجابة عليه قد تكون أصعب، ففي دراسة أخيرة لجامعة سنغافورة التي رسمت ملامح لانتهاء الوباء بالاعتماد علي البيانات الرسمية بعدد من الدول .. حيث تمكنت هذه الدراسة من رسم صورة لانتشار الفايروس ودورة حياته أيضاً .. وهنا التنبيه المهم في تراجع عدد الإصابات أو ما يعرف بتسطيح المنحني لا يعني القضاء تماما علي الفايروس، فمن المتوقع أن يظهر مرة أخري في الشتاء القادم ..

نتائج هذه الدراسة في الدول العربية تقول إن الأردن ولبنان، تجاوزتا ذروة الانتشار خلال هذا الشهر، بينما تنتظر دول أخري خلال شهر يونيو ويوليو، وهنا تكون مصر والسودان وفق هذه الدراسة ستنتهي فيهما ذروة الفايروس خلال هذا الشهر، علي أن تستمر في مصر إلي ما بعد العشرين من ذات الشهر، والإمارات العربية المتحدة ستصل إلي الذروة  في الخامس عشر من هذا الشهر، تليها الكويت في التاسع والعشرين من ذات الشهر، وأما المملكة العربية السعودية التي اتخذت تدابير غير مسبوقة بإغلاق الحرمين، قد تنتظر نهاية الذروة في بداية الشهر القادم، والكويت ستكون ذروتها في مطلع الشهر القادم.

وتضع الدراسة قطر حتي الثالث من شهر يونيو، وإيران في العاشر من مايو وتركيا في الخامس عشر ذات الشهر أيضاً، وأوربا تتوقع الدراسة أن ذروة انتهاء الجائحة تكون في الرابع من الشهر الجاري، وبريطانيا في التاسع من مايو الجاري، وبالنسبة لإسبانيا وألمانيا فتكون من بداية مطلع هذا الشهر ؛ والدراسة وفق الأرقام المعلنة قدرت انتهاء الجائحة في الولايات المتحدة في نهاية الشهر الجاري علي أن تنتهي في كندا في الثالث عشر من ذات الشهر.

وإذا  كانت الدراسة قد خلصت إلي أن جائحة كورونا قد بدأت في التقلص، فإن هناك من العلماء من أمثال الدكتور مايكل ليفيت (أستاذ علم الأحياء في جامعة "ستانفورد"، الحائز جائزة "نوبل") الذي تنبأ بأن فايروس كورونا يمكن السيطرة عليه؛ حيث أخذ منذ يناير الماضي، وهو يقوم بتحليل عدد حالات كوفيد 19 في أنحاء العالم، وكانت قد صدقت توقعاته قبل فترة، عندما قال بأن الصين ستعاني أسوأ انتشار لفايروس كورونا التاجي، وهو الآن يتوقع نتيجة مماثلة في الولايات المتحدة، وحتي في بقية العالم، وبينما يحذر العديد من علماء الوبئة من أننا أمامنا أشهر أو حتي سنوات من الاضطراب الاجتماعي وملايين الوفيات، يختلف معهم مايكل ليفيت ويقول إن البيانات لدييه لا تدعم مثل هذا السيناريو المخيف تحديدا في الدول التي تطبق تدابير صحية ووقائية صارمة ويقول ما نحتاجه هو السيطرة علي الوضع وبعد ذلك سنكون علي ما يرام، وهذا ما لا حظه مايكل ليفيت في الصين عندما كتب إلي أصدقاء له في الأول من فبراير الماضي، بأن عدد الوفيات سيتباطأ أكثر خلال الأسبوع المقبل وهذا هو ما حدث بالفعل، ثم تنبأ بأن عدد الوفيات سينحسر كل يوم، وتبين أن هذه توقعات دقيقة، والدكتور ليفيت يقوم الآن بتحليل بيانات 87 دولة وهي دول يتم الإبلاغ فيها عن أكثر من 50 إصابة كل يوم ويقول إنه يري الآن علامات التعافي، فهو يحسب النسبة المئوية من يوم إلي آخر ويحذر بأن التعافي من تفشي المرض لا يعني أن الفايروس سيهاجمنا من جديد .. والسؤال الآن : ماذا عن تفشي المرض في البيئات المحصورة مثلما حدث علي على متن سفينة (دايموند برنسيس) السياحية حيث أصيب 712 شخصا وتوفي 8 .. من وجهة نظره هذه الحادثة ستساعد الباحثين علي تقدير عدد الوفيات التي يمكن أن تحدث للسكان المصابين بالكامل، وماذا عن قرارات العزل وفرض حظر التجول ؟ هنا نجد الدكتور مايكل ليفيت يؤيدها قائلاً :" إن هذه القرارات التي تنطوي علي ابعاد اجتماعية أمر بالغ الأهمية وينصح بالتطعيم ضد الانفلونزا (العادية) لأن تفشي فايروس كورونا وسط موسم وباء الانفلونزا العادية من المرجح أن يغرق المستشفيات بالحالة المشتبهه ويزيد من عدد اكتشاف الفايروس التاجي وقال ربما كان هذا عاملاً في إيطاليا لأن فيها آراءً قوية ضد اللقاحات بشكل عام ..

ومن خلال دراسة جامعة سنغافورة ونبوءات مايكل ليفيت، نعود إلي سؤالنا الذي طرحناه وهو متي سيختفي كورونا ومتي ستنتهي الأزمة، هذا هو سؤال العالم اليوم، فأكثر من مائة وخمسين يوماً علي ظهور الفايروس ما بين وفيات وصعوبات وخسائر .. نمط الحياة تغير، دفع بالبحث عن حلول مؤقتة للسيطرة علي التفشي المتسارع من إغلاق وتعلق وحظر .. ولكن كيف يمكن الخروج  من هذه الأزمة؟ ... عنصران رئيسيان ينتظرهما العالم، أولهما ايجاد اللقاح، والحصول علي مناعة ضد الفايروس، وتتسارع  الأبحاث العلمية لتطوير اللقاح وتجارب سريرية وورود في الخريف وربما أبعد .. أما العنصر الثاني الذي ينتظره العالم إيجاد دواء فعال لعلاج المصابين بفايروس كورونا، ولأن الأمر يبدو أنه  قد يستغرق سنوات، فكان لا بد من البحث عن البدائل .. الجهود  العلمية توجهت صوب الأدوية المتوفرة، ومن ثم تطويرها، فربما تساعد في شفاء المصابين وهزيمة الفايروس بشكل أسرع، وبينما ينتظر العالم أخبار اللقاح والدواء وحلول أخري تقضي علي كورونا تفرض الإجراءات الوقائية الحالية نفسها إلي مدي أطول من تقوية جهاز المناعة والالتزام بالعزل واتباع الإرشادات الوقائية الدولية ..

وفي وقت تخفف بعض الدول من القيود علي إجراءات التباعد الاجتماعي من أجل استعادة الحياة، لازالت منظمة الصحة العالمية  تؤكد أن فايروس كورونا قد لا يختفي أبداً .. التحذير صادم لكونه يستند إلي معطيات وشواهد وأبحاث؛ خاصة أن قائله هو المدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ في المنظمة الدولية .. تحذير آخر وهو صادم أيضاً سيطر علي شريط الأخبار في الأيام الماضية وأزمة صحية تلوح في الأفق بسبب فايروس كورونا الذي فرض حالة من العزلة والقلق وتسبب في مزيد من الفخر .. التحذير منسوب هذه المرة إلي خبراء صحة في الأمم المتحدة، أي أن له ثقله أيضاً، بينما تقترب حصيلة وفيات فايروس كورونا إلي ما تجاوز أكثر أربع ملايين مصاب في العالم .. وتواصل سلطات دول حول العالم تدريجياً، مع توقف هنا وتراجع هناك في بعض الأحيان ... لا تزال المعركة طويلة ومريرة فكل الخبار عن فايروس كورونا مقلقة .. آخر تحديثات القلق هو أننا في مواجهة فايروس هو الأول من نوعه للبشرية .. وحتي نتمكن من ايجاد لقاح للفايروس، علينا التعايش معه ..  يقول أمين منظمة الصحة العالمية :" لدينا فايروس ينتشر بين البشر للمرة الأولي .. لذا من الصعب جدا أن نتوقع متي يمكن السيطرة عليه .. هذا الفايروس قد يصبح مجرد فايروس متوطن في مجتمعاتنا، وقد لا يختفي أبدا .. إذن فلا ضربة قاضية توجه للفايروس خلال فترة وجيزة .. تبدو الصين مقتنعة بذلك فقرت إجراء فحص لكل سكان ووهان وعددهم 11 مليون موطن الفايروس الأصلي .. هكذا يبدو أننا أمام فايروس باق في حياتنا، وعلينا التنحي من أمامه حتي لا يصيبنا .. فقد تعود الحياة لتدفع عجلتها .. لكنها بالتأكيد لن تعود إلي طبيعتها..

والمشكلة الآن أن قرار إعادة الحياة مرة أخرى ليس قراراً طبياً بأى حال.. ففكرة المغامرة بإعادة الحياة -التى أراها ضرورية بالمناسبة- مع أخذ الاحتياطات اللازمة من تباعد اجتماعى هو قرار لا يمكن أن تقره منظمة الصحة العالمية وحدها.. فالطبيب ليس من مهمته حساب كل الخسائر التى ستحدث للمريض من جراء اتباعه لتعليماته.. هو فقط يقدم نصيحته الطبية ويذهب.. ليبقى القرار بيد المريض وحده..!

لقد قررت ألمانيا إعادة فتح البلاد جزئياً بعد أن تحول عندها معدل العدوى لرقم يقل عن الواحد الصحيح.. أى إن المريض الواحد لن ينقل العدوى سوى لمريض آخر على الأكثر.. ودول أخرى قررت العودة حين وصل معدل العدوى عندها لأرقام أعلى بقليل.. وهى معدلات يمكن السيطرة عليها بالتباعد الاجتماعى دون إغلاق كامل.. العودة باتت ضرورية دون شك.. وتغيير سياسة التعامل مع الأزمة أصبح هو الأمل فى الخروج منها بأقل الخسائر.. أعتقد أن الاستثمار الحقيقى فى الأيام القادمة ينبغى أن يسير فى محورين رئيسيين.. الأول هو العمل على إسراع معدلات الشفاء والخروج من المستشفيات عن طريق وجود علاج فعال.. وهو ما يقدمه عقار الريميدسفير الذى أعلنت عنه الولايات المتحدة منذ عدة أيام.. وفى انتظار نتائج عقار الأفيجان اليابانى فى نفس الإطار.. إن تسارع معدلات الشفاء سيرفع الضغط بشكل كبير عن النظام الصحى.. وسيتيح له العودة للعمل ولو بشكل جزئى فى باقى التخصصات.. والمحور الثانى الذى أراه حتمياً هو العمل على رفع كفاءة النظام الصحي نفسه من أطباء وتمريض وأجهزة ومستشفيات بأقصى سرعة ممكنة.. فهو الضامن الأكبر لعدم تكرار الأزمة حال حدوث موجة أخرى من المرض قبل اكتشاف المصل المنتظر..! إن عودة الحياة لأقرب شكل ممكن لما كانت عليه قد باتت ضرورية.. المهم أن نعود وقد أصبحنا أكثر قدرة على المواجهة.. فالقادم ما زال مجهولاً.. أو هكذا أعتقد! وذلك كما قال محمد صلاح البدرى في مقاله أزمة «كورونا».. ومحاور العودة للحياة!!. ... وللحديث عن كورونا بقية في قادم الأيام..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

 

سليم جواد الفهدتأملات في الفكر السياسي الإسلامي (14)

أكبر خدعة انطلت على كثير من المغفلين هي خدعة الإسلام السياسي لأنه في الحقيقة لا يوجد اسلام سياسي وإسلام غير سياسي الاسلام والسياسة بنيتان مختلفتان وتنتميان الى مستويين مختلفين من التجريد فالدين: هو مجموعة من العقائد والشرائع التي تطرح تصورا متعاليا للكون والحياة عبر ربطها بأصول ميتافيزيقية –غير خاضعة لمتغيرات الزمان والمكان-بنص مقدس لا يمكن تبديله أو تغييره ويحرم نقده أو محاكمته محاكمة عقلية. أما السياسة فتعرف بأنها: رعاية كافة شؤون الدولة الداخلية وكافة شؤونها الخارجية. وتعرف أيضاً بأنها: ممارسة تقوم على توزيع النفوذ والقوة ضمن حدود مجتمع ما. وتعرف كذلك بأنها: العلاقة بين الحكام والمحكومين في الدولة. وعرفت أيضاً بأنها: طرق وإجراءات مؤدية إلى اتخاذ قرارات من أجل المجتمعات والمجموعات البشرية. وعرفها (ديفيد إيستون) بأنها: عبارة عن دراسة تقسيم الموارد الموجودة في المجتمع عن طريق السلطة أما الواقعيون فعرفوها بأنها: فن الممكن في إدارة المتغير.

وهنا يلزم التفريق بين الفلسفة السياسية والفكر السياسي فالأخير يعني كل تفكر وتأمل حول السلطة ومجاله هو: السياسي حصرا. أما الفلسفة السياسية فتعني كل تأصيل سياسي مجرد يبغي الوصول الى التكامل النظري غير مقيد بالزمان والمكان. وبتعبير آخر: تعني نظاما متكاملا للقيم الفكرية حيث تتم بواسطة هذا النظام عملية ربط الواقع بالمستقبل. وثمرة هذا التفريق أن الفكر السياسي الإسلامي لا يمتلك أدوات مجردة تسمح له بتقديم نموذج متكامل يرقى الى مستوى الفلسفة السياسية فهو فكر وقف عند الماضي وقفة نهائية والى الأبد فهو في الحقيقة فكر بلا رؤية مستقبلية وهنا يفقد أهم مرتكز من مرتكزات الفلسفة السياسية وهو ربط الواقع بالمستقبل.

وهذا ما حصل ويحصل في كل دين فعندما يموت مؤسس النص (النبي) يتنازع صحابتة على الحكم والكل يدعي شرعية تمثيله وعندما يصل الصراع الى انسداد الأفق يتجالدون بالسيوف وتهرق الدماء حتى تستقر الأمور للأقوى والأكثر حيله فيبدأ بتمثيل دور المقدس من جديد حتى يموت فينشب الصراع من جديد وهكذا يستمر هذا البذل المقدس للدماء حتى تزول دولة المقدس. ومن يريد أن يفهم هذه الفلسفة فليقرأ تاريخ الإسلام من السقيفة حتى قتل المستعصم بالله وزوال دولة بني العباس على يد المغول عام (656هـ -1258م).

الدين في الاصل والاساس علاقة شخصية بين الخالق والمخلوق والدولة مؤسسة سياسية تستبطن سلطة وثروة يجب أن تكون ملك لجميع مواطنيها من مختلف الاديان والملل فمتطلبات الدين تتحقق باعتقاد وأفعال الأفراد وليس الجماعات أو السلطات. ولذلك فإن وصف "الدولة الدينية" مجازي ومصطلح معاصر لم يستخدم إلا في العقود القليلة الماضية ولا يمكن أن تحتكره جهة أو جماعة ومعنى جماعة دينية إنها صفة تتخذها جماعات وأحزاب ومؤسسات ليس على سبيل الاختصاص أو الانفراد أو الاحتكار ولكن للتأكيد على مبادئ وأفكار وقيم معينه كما تتسمى أحزاب وجماعات ومؤسسات بالديمقراطية أو الإصلاح أو الحرية.

باختصار فإن التسميات غير المنهاج والبرامج والتيارات ويجب أن تقدم الأحزاب والتيارات نفسها بوصف يمكن تحديده كما نعرف على سبيل المثال أن اليسار يؤيد دورا اجتماعيا واقتصاديا للدولة وأن الليبرالية تؤيد دورا متعاظما للأسواق والحريات الفردية ولكن "الإسلامية " مثلا هل يمكن أن تعني شيئا محددا مفهوما ما معنى إسلامية إذن؟ بالعودة لأصل مصطلح الإسلام السياسي يمكننا أن نقف على الخلط القائم بين الخطاب الدعوي من جهة والخطاب السياسي من جهة ثانية لحركات الإسلام السياسي فهم يتعمدون أن يخلطوا بخبث بين الإسلام كدين وبين السياسة كممارسة لكن هذا الخبث سرعان ما ينكشف من خلال سلوكهم الرذيل عندما يتسلطون.

نشأة المصطلح

يعتبر مصطلح الإسلام السياسي من المصطلحات الحديثة والمعاصرة وهو مصطلح استخدم لتوصيف حركات تغيير سياسية تؤمن بالإسلام باعتباره "نظاما سياسيا للحكم". ويمكن تعريفه كمجموعة من الأفكار والأهداف السياسية النابعة من الشريعة الإسلامية التي يستخدمها مجموعة "المسلمين الأصوليين" الذين يؤمنون بأن الإسلام "ليس عبارة عن ديانة فقط وإنما عبارة عن نظام سياسي واجتماعي وقانوني واقتصادي يصلح لبناء مؤسسات دولة".

لذلك تحاول بطريقة أو بأخرى الوصول إلى الحكم والاستفراد به وبناء دولة دينية ثيوقراطية وتطبيق رؤيتها للشريعة الإسلامية ويعتبر مصطلح الإسلام الأصولي من أول المصطلحات التي تم استعمالها لوصف ما يسمى اليوم "إسلام سياسي" حيث عقد في سبتمبر 1994 مؤتمر عالمي في واشنطن تحت عنوان "خطر الإسلام الأصولي على شمال أفريقيا" وكان المؤتمر عن السودان وما وصفه المؤتمر بمحاولة إيران نشر "الثورة الإسلامية" إلى أفريقيا عن طريق السودان وفي التسعينيات وفي خضم الأحداث الداخلية في الجزائر تم استبدال هذا المصطلح بمصطلح "الإسلاميون المتطرفون" واستقرت التسمية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 على الإسلام السياسي.

إلغاء الخلافة الإسلامية

حركة الإسلام السياسي بمفهومه الحديث بدأت بعد انهيار الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى وقيام مصطفى كمال أتاتورك بتأسيس جمهورية تركيا على النمط الأوروبي وإلغائه لمفهوم الخلافة الإسلامية يوم 3 مارس من سنة 1924 وعدم الاعتماد على الشريعة الإسلامية من المؤسسة التشريعية كما قام بحملة تصفية ضد كثير من رموز الدين والمحافظين. وكان أول رد فعل على الغاء الخلافة الإسلامية هو تأسيس حركة الإخوان المسلمين وهي أم الحركات الإسلامية في العصر الحديث وأكثرها تأثيرا وأوسعها انتشارا في العالم العربي وبعض دول العالم الإسلامي وفي الجاليات الإسلامية في الغرب وهي أيضا كبرى الحركات والمجموعات السياسية المعارضة للأنظمة السياسية المتعاقبة في مصر.

أسس المدعو حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين في مارس/آذار 1928 بمدينة الإسماعيلية المصرية بعد أربعة أعوام من سقوط الخلافة العثمانية ثم سرعان ما انتقلت إلى القاهرة فإلى بقية أنحاء مصر ثم إلى أجزاء كبيرة من العالم العربي والإسلامي ليصبح تنظيم عالمي ظاهره السلامة والرحمة وباطنه الشدة والقسوة والعنف عرف بالضبابية والغموض والسرية-حتى بين منتسبيه-أتخذ من الإسلام شعارا له جمع بين متناقضات مضحكة كالتصوف والتكفير والسلفية والأشعرية لاحتواء جميع المغفلين بخبث وكان البنا يركز في كل كتبه وخطبه على شمولية الإسلام واحتواءه على كافة القوانين والشرائع التي تستطيع إدارة حياة الشعوب والمجتمعات في كل مكان. كما كان يرفض القول بأنه أتى بحزب أو جماعة بل كان يركز دائما بأنه ينادي فقط بالإسلام الذي جاء به محمد ولم يبتدع شيئا.

يقول رفعت السعيد: "وكانت سياسة التعويم وعدم المجاهرة بنوايا الجماعة في إحداث التغيير السياسي والاجتماعي الشامل، الذي قدمت له الجماعة تفسيرا في أدبياتها، قد جعلت من الكثيرين يتوقفون على حالة "التقية" والتهرب من المواجهة والميل إلى المراوغة التي ظهرت عند حسن البنا، " يلجأ الشيخ حسن البنا في مسألة العلاقة بالسياسة بالذات إلى التعمية والغموض ويتعمد التعميم والألغاز" هل نحن طريقة صوفية، جمعية خيرية، مؤسسة اجتماعية، حزب سياسي، نحن دعوة القرآن الحق الشاملة الجامعة، نحن نجمع بين كل خير". لكنه لا يلبث أن يقول" إن الإخوان دعوة سلفية، طريقة صوفية، هيئة سياسية، جماعة رياضية، رابطة علمية ثقافية، شركة اقتصادية، فكرة اجتماعية". ثم يعود البنا إلى إنكار كلماته، ليلتوي بالألفاظ في اتجاه معاكس " أيها الإخوان أنتم لستم جمعية خيرية، ولا حزبا سياسيا، ولا هيئة موضعية الأغراض محدودة المقاصد، ولكنكم روح جديد، ونور جديد وصوت داو"، (..)، ولا يملك الباحث سوى الحيرة...هل كان الأمر يحتمل كل هذا التخبط أم انه تخبط مخطط ومقصود...فإذا ما حاصر السؤال المحدد "الشيخ" أجاب في براءة "ليس هناك دين وشيء اسمه سياسة، هذه بدعة أوروبية". ولا يكون أمام أي باحث مهما كان محايدا إلا ان يفترض ان الشيخ كان يتعمد الخلط والمراوغة. وتصف باحثة غربية هذا الأسلوب بأنه "أسلوب ذو فاعلية واقتدار فهو يؤكد على الطابع الديني للجماعة إذما جابهه في الحكومة رئيس قوي، ولكنه لا يلبث أن ينغمس في الصراعات السياسية إذما وجد أمامه رئيسا ضعيفا للحكومة "(1).

من هذا المستنقع الآسن خرجت مئات الضباع وملئت حياة الناس رعبا وقسوة ودمار ضباع تتستر بالدين وشعارهم تطبيق الشريعة وهم ابعد الناس عن الشريعة همهم الدنيا ووسيلتهم الدين حتى حولوا الدين الى مسرح ترقص عليه العواهر والمخنثون. كفروا الناس وهم الكفرة لأنهم قتلوا كل ما هو إنساني وحكموا بارتداد المجتمع عن الإسلام وتردي هذا المجتمع في الجاهلية لرفضه فكرة حاكمية الله وتفضيله حاكمية البشر. وهم يعلمون أن البشر هو الذي يحكم في النهاية لأن الله لا ينزل من السماء ليعلن نفسه ملكا أو رئيسا للجمهورية يعطون الله الحكم نظريا ليحكموا هم عمليا باعتبارهم وكلاء الله على الأرض والناس لديهم خدم.

للحديث بقية.

 

سليم جواد الفهد

...............

1- رفعت السعيد. (حسن البنا: متى وكيف ولماذا؟)، دمشق، سوريا، الطبعة العاشرة، دار الطليعة الجديدة 1997 م، ص 124ـ125.

 

يسري عبد الغنييتخيل ابن طفيل أن أحدًا سأله أن يبث ما تيسر بثه من أسرار الحكمة المشرقية التي ذكرها الشيخ الرئيس / ابن سينا، ودعا إلى طلبها، وهذا أمر لا يمكن أن يقوم به إلا من وصل إلى رتبة من الكشف تتجلى فيها حقائق الأشياء ذوقًا لا على سبيل الإدراك النظري المستخرج بالأقيسة، وتقديم المقدمات وإنتاج النتائج .

والأقدمون من الفلاسفة لم يبلغوا هذه المرتبة لا ابن باجه الذي دعا إليها، ولا الفارابي الذي جعل همه في المنطق، ولا الغزالي الذي كان يدور حسب الأحوال عند المخاطبين، يربط في موضع، ويخل في موضع آخر، ويكفر بأشياء ثم ينتحله، فضلاً عن أنه جعل كتبه مضنون بها على غير أهلها، لأنها تتضمن عظيم في الكشف على ما هو مبثوث في كتبه المشهورة .

كان هذا رأي ابن طفيل في الفلاسفة أنهم لم يصلوا إلى رتبة من الكشف تتجلى فيها حقائق الأشياء، ويود فيلسوفنا أن يبث صاحبه لمحة يسيرة على سبيل التشويق، والحث على دخول الطريق، وكما أن أفلاطون لم يستطع أن يعبر باللغة المعتادة المنطقية عن الحقائق العليا إلا بالرموز والأمثال فاستعمل الأساطير، كذلك يلجأ ابن طفيل إلى قصة رمزية يعبر بها عن بعض الحقائق التي سنحت له، فأنشأ قصة (حي بن يقظان) التي نحن بصددها .

وإذا أردنا الوقوف على مضمون هذه القصة لقلنا : إن هذه القصة (حي بن يقظان) للطبيب الفيلسوف الأندلسي / ابن طفيل، دعوة إلى الإيمان بالله تعالى عن طريق العقل والتجربة والرياضة، وإثبات وجود الله عز وجل إثباتًا عقليًا، وبذلك تكون على النقيض من قصة (رسالة الغفران) لشيخ معرة النعمان، الشاعر الفيلسوف / أبي العلاء المعري، التي قد يرى البعض فيها منافاتها في بعض الاتجاهات للروح الدينية السليمة، نضيف إلى ذلك أسلوبها الذي يشيع فيه الإبهام، والألفاظ اللغوية الغريبة والصعبة في كثير من الأحيان .

و(حي بن يقظان) وليد من غير أبوين، في جزيرة نائية من جزر بلاد الهند (جزيرة الوقواق)، يقال أنها تحت خط الاستواء، تراه ظبية من حيوانات الجزيرة، فتحنو عليه، وترضعه (معتقدة أنه ابنها المفقود )، وينشأ على سليقة أمه الظبية، فيحاكي الظباء في حركاتها وأصواتها، ويشب ويكبر قليلاً قليلاً، فيتعلم المشي .

وتمر الأيام فيفكر في أمر نفسه، ويوازن بينها وبين الحيوانات الأخرى في الغابة معتمدًا على دقة الملاحظة التي كانت ترافق نمو عقله، وقد عمل ستر جسمه، بأوراق الشجر، ورأى أن الحيوان ذو سلاح، وهو أعزل، فسلح نفسه ببعض من أغصان الأشجار، وقاته ملاحظته إلى فضل يديه، ففكر في الصيد .

وأخذت أساليب تعامله مع الحياة ترقى، وتتحسن، فاستبدل بأوراق الشجر التي كان يكتسي بها ثوبًا من جلد النسور التي كان يصيدها .

ومع دورات الزمان تصاب الظبية التي أرضعته بالشيخوخة، وتمرض ثم تموت، فيظن أن المرض الذي أمات أمه الظبية كان كامنا في صدرها، ويشق صدرها مستعملاً حجرًا حادًا فيكتشف القلب الذي هو مركز الحياة، ويستنتج أن شيئًا خفيًا فارق الجسد، وإنه سر الوجود .

وفي أحد الأيام يشب حريق في مجموعة من أشجار الجزيرة بفعل إحدى الظواهر الجوية، فيكتشف النار، فيأتي بقبس منها، ويودعه مسكنه، ويعمل على أن يظل هذا القبس دائم الاشتعال، وتترى الكشوف، ويؤدي الواحد منها إلى الآخر .

وتمضي معارفه في التطور السريع، فيتعلم الغزل، وصنع الإبر، ويدرس المعادن، وأعضاء الحيوان، ووظائفها، ويصنفها إلى أجناس وأنواع، ثم يعاود دراسة الروح، والتي فطن إلى وجودها، حين كشف قلب الظبية، فتقوده فكرته إلى فكرة النفس الحيوانية، وفكرة الوجود في النبات .

في ظل هذه التجارب يؤمن صاحبنا عن اقتناع بأن لكل موجود علة، ويبحث عن هذه العلة فيما حوله من الأرض والسماء، فيجد كل شيء عرضة للتحلل والفساد، أي كل شيء زائل مهما مر عليه من وقت، فيصل شيئًا فشيئًا إلى الحقيقة التي تقوده إلى معرفة الله والإيمان به خالقًا مبدعًا .

تلك هي أهم العناصر التي استخدمها ابن طفيل في قصته (حي بن يقظان)، وقد تناولناها بالشرح والتحليل في كتابنا عن حي ابن يقظان، وهي عناصر عقلية منطقية، سيقت من خلال ممارسة للحياة سليمة طبيعية غير متعسفة .

ولما كان ابن طفيل من المقدرة الأدبية الثقافية، تمكن بمهارة صياغة قصته في أسلوب سهل مشرق سليم كل السلامة، بعيد كل البعد عن الزينات اللفظية المألوفة، ذلك أن مثل هذا الفكر الفلسفي يحتاج إلى أسلوب من سماته اليسر والسهولة، والبعد عن التعقيد والغموض، حتى يتمكن المؤلف نفسه من حسن التعبير عما يجري في أعماقه، وبالتالي ينعكس ذلك على القارئ الذي يسهل عليه فهم مراد الكاتب وفكره، ليستفيد مما يقرأ أعظم استفادة .

بقى أن أذكر لك أن هذه القصة ترجمة إلى أكثر من لغة أوربية وغير أوربية، وأنها كانت الأصل الطبيعي لقصة (دي فو)، المعروفة (روبنسون كروزو) .

ولكن قبل أن أترك هذه الجزئية، أحب أن أقول : إنه فيما يتعلق بمسار القصة الطويلة المبتدعة على نحو ما تقدم فإنها توقفت بعد ابن طفيل نتيجة الكسل الأدبي والثقافي والفكري والعقلي الذي أصاب العقل العربي فترة طويلة من الزمان، حل فيها القصص الشعبي مكان القصة الأدبية الرفيعة الراقية الداعية إلى الجمع بين العقل والمشاعر، من خلال أسلوب محترم يرقى بالذوق العام .

ونحن لا نقلل من قيمة الأدب الشعبي، والذي نال ازدهارًا واسعًا لقربه من عقول الجماهير وثقافتهم، ولكن لا يصح أن يكون هو مصدرنا أو منطلقنا الوحيد، فنحن نقول أن فجر الرواية العربية الحديثة ظهر منذ أكثر من مائة عام، أي في مستهل القرن العشرين تقريبًا، فهل عجز هذا التراكم الروائي على مدى كل  هذا التاريخ أن يقدم لنا عملاً أدبيًا حقيقيًا يعلمنا التفكير السليم، والرؤيا الثاقبة لأمور حياتنا؟!!، فلعلنا نستفيق ونراجع أنفسنا، على أمل أن يقوم الفن الروائي أو القصصي بوجه عام بدوره في إعلاء قيم الحق والخير والجمال والتفكير العلمي السليم، والانتماء للأوطان، والتسامح، وقبول الآخر، والارتقاء بالمشاعر، والسمو بالغرائز، وتعلم الأخلاق الحميدة المتفقة مع ثوابتنا وقيمنا وأصولنا

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

عدنان ابوزيدتجديد الخطاب الاجتماعي وترميمه، يُصبح واجبا مع انتقال الخطاب الإعلامي من التركيز على السياسة الى أدبيات ونظريات الحركات الاجتماعية وأبرزها التظاهرات، وما تفرزه من مفاهيم وسلوكيات جديدة في المجتمع العراقي تتجسد بشكل واضح في ساحات الاحتجاج التي تحمل الى جانب مقاصدها السياسية، الرغبة في التغيير الاجتماعي.

المثقف العضوي، سيكون عاملا حاسما في توجيه النقلات الاجتماعية، بما يمتلكه من أدوات اختبار وتشريح في تفكيك العقد الاجتماعية، الناجمة عن الجهل، والانغلاق على العالم طيلة عقود، فضلا عن الاشتباكات السياسية التي رسمت اتجاهات متخبطة في التطور الاجتماعي.

واذا كان دور المثقف يتلخص في توجيه بوصلة التغيير، وتنظيك السطوح الاجتماعية الجديدة، فانه وبحكم وعيه سيكون حريصا على الموروث الثقافي والعُرفي، وان لا يجعل من الإبدال فرصة للانفصال عن التاريخ، وحتى الجغرافيا، فيما يتوجب عليه تأطير النشاطات الثقافية للحركات الاجتماعية والبحث في الدوافع الاحتجاجية وتفسيرها لأصحاب السلطة والقرار السياسي.

المٌتوقّع، هو تقدّم الأنتليجنسيا والأيديولوجيات، الصفوف في التظاهرات التي تجاوزت كونها فعالية سياسية الى اجتماعية تفصح عن ارهاصات الجيل الجديد، ورنينه المتميز في أسلوب الحياة، وتطلعه الى أعراف مجتمعية جديدة، بحكم الانفتاح الذي تفرضه محرّكات التواصل العالمي.

من مخرجات التظاهرات، انحسار النظرة الدونية المُتبناة من قبل النخب الاجتماعية والسياسية تجاه أفراد المجتمع البسطاء والفقراء، الذين يتمكنون اليوم من امتلاك ناصية الخطاب، وقيادة الشارع، وفرض المطالب، والتحكم في الازمة وهو متغير اجتماعي يحتّم على المثقف العضوي تشريحه على منضدة التنظير والتطبيق.

أكثر من ذلك، فانّ على الأنتليجنسيا العراقية، الانتساب الى الدور التوجيهي القيادي الميداني، في المجتمع لاسيما الاحتجاجات، بدلا من الانكباب فقط على الأعمال الذهنية المعقدة، ذلك ان دورها يتجاوز التنظير الى ترسيخ

الفعل الاجتماعي الجديد، الذي يجب ان لا ينصرف من دون رياسة توجّهه نحو الأهداف المقصودة بعيدا عن الوجهات العرضية التي يمكن لها ان تحل محل الهدف النهائي.

تعوق التظاهرات الشعبوية في العراق والدول الأخرى، المفهوم الذي يرَكَن المثقف في أبراج من الترف الفكري المحض، المتعالي على التفاصيل اليومية في مجتمعه، وما يجب ان يحدث اليوم هو العكس تماما، ذلك ان الكثير من الثوريين الاجتماعيين في العالم استلهموا التحليلات والاستراتيجيات من التفاصيل الصغيرة، التي رصدوها من تفاعلهم الميداني مع الناس وحثهم الى عدم الارتهان الى الخيالات والأوهام، التي تعشعش في برامج تنميط الجهل.

يتحدث كتاب "صعود الأنتليجنسيا" بالإنكليزية عن النخبويين الثقافيين الذين يرون أنفسهم موظفين مفكرين تابعين للدولة الحديثة، ولم يتفاعلوا مع التظاهرات الشعبية التي اسقطت النظام الشيوعي في بولندا، مثالا، لا حصرا.

و يعرّف الفيلسوف كارول ليبيلت نخب الأنتليجنسيا في كتابه "عن حب الوطن" الذي صدر العام 1844، بانهم الأشخاص المتعلمون الذين يتعهدون بتعميق الأخلاق في ثورات التغيير.

وكان للأنتليجنسيا الدور في مشاريع التأميم في أواخر القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة التي أسست لها الجماعات اليسارية، و كان لها الريادة في ترصين الحركات الاجتماعية الحديثة في فرنسا، وجّسدت الطليعة في التظاهرات التي قادها الشيوعيون في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي في أوربا وحتى الولايات المتحدة.

في العراق، فانّ لا مناص من نزول الطليعة المثقفة الى الشارع، لاستيعاب تجربة شباب محتج خرج من بقايا اتون

أجيال الحروب، وان تكون حركة المثقف، جدية وعملية، لا حالمة فقط، على طريقة هنري ديفيد ثورو، الذي قال "عندما أسمع الموسيقى، لا أخشى أي خطر، أنا محصن"، ذلك ان استيعاب المتغير الاجتماعي العاصف الذي تجسده احتجاجات العراقيين يحتاج الى ما هو اكثر من رنين الآلات.

 

عدنان أبوزيد

 

اياد الزهيريمما لا شك فيه ما كان ويكون للبيئه الجغرافيه من أثر كبير في التكوين الجسدي والنفسي على قاطنها . فعلى سبيل المثال سكان منطقة القوقاز يتميزون جسدياً بالقوه والضخامه، ونفسياً بالشجاعه والقسوه، والميل الحربي، لما يتمتعون به من طباع الفروسيه التي جبلتهم عليها بيئتهم القوقازيه، وهذا ما جعل الخلفاء العثمانيين أن شكلوا منهم ما يسمى بالجيش الأنكشاري، الذي يتمتع أفراده بمهاره قتاليه عاليه، ونزعه وحشيه عاليه، في حين يتميز المواطن البحراني بالجسد المعتدل والنفسيه السمحه والمسالمه. يقول جلبرت (أن الجغرافيه هي فن التعرف على شخصيات الأقاليم...) . فأختلاف البيئه الجغرافيه أنتج أختلاف واضح في الأجناس البشريه . يقول عالم الآثار المصري الدكتور أحمد فخري (لقد أستمدت مصر شخصيتها الحقه من شخصية أرضها ونيلها)، وهذه حقيقه ماثله للعيان فأبن الصحراء برمالها وجفافها، وخلوها من الغطاء النباتي أنتجت أنسان بمواصفات،غير مواصفات أبن بغداد بنهرها وعمرانها ومنتزهاتها ومنتدياتها، فخشونة لهجة أبن الصحراء وطبعه يختلف عن نعومة ودلال أبن بغداد وهكذا، لذى ترى أغلب قادة الجيوش بالوطن العربي هم من أبناء القرى، وأغلب من يقوم بالأنقلابات أيضاً من أبناء الريف لما يمتلكونه من جسارة الطبع والقدره على المخاطره . نحن لا نميل الى التأثير الحتمي للجغرافيه وأنما نميل الى التأثير المتبادل بين البيئه والأنسان، فهناك عوامل أخرى لها تأثيراً لا يقل عن تأثير الجغرافيه، فمثلاً من غير الممكن التعرف على العوامل المشكله والمؤثره في ملامح الشخصيه من غير أن ندرس التاريخ الذي مرت به أمتدادات هذه الشخصيه عبر الزمن، فالأنسان هو ظل التاريخ . فالشخصيه مركب معقد يشترك فيه التاريخي مع الجغرافي، مع البنيه الأجتماعيه، مع البايلوجي، فهي توليفه من كل هذه وتلك.

يقول أستاذ الجغرافيه الدكتور جمال حمدان (فكما النيل ساهم بنشوء الطغيان السياسي في مصر بسبب الحاجه الى دوله مركزيه قويه لما يتطلبه الأمر من قوه طاغيه للسيطره على المنازعات التي سببها توزيع الماء، فيكون لابد من وجود قوه غاشمه تكبح جشع المتنازعين، ولكن قاد هذا الى تأسيس نظام أستبدادي غاشم، وهو سبب فاعل في نشوء الفرعونيه في مصر....)، هو الأمر نفسه وبسبب التماثل الجغرافي بين مصر النيل وعراق الرافدين، أدت الزراعه التي تعتمد على نظام الري النهري الى صراع بين المزارعين الذي يتحول الى نزاع بين العشائر على الحصص المائيه . هذا النزاع الذي أخذ طابع دموي عبر الزمن، وبسبب كثرة الهجره من الجزيره العربيه نحو الأراضي الخصبه في العراق، قاد هذا أيضاً الى شدة التنازع على الأرض والمياه معاً . هذه النزاعات المستمره قادت الى ظهور مشيخه قويه مما أدى الى تشكيل كيانات على شكل أمارات صغيره، حتى أخذ الشيخ يحكم ويعاقب ويقسم العمل بين أبناء العشيره وهو الآمر الناهي الذي كما يقولون لا تنزل كلمته للأرض، وهو الحاكم بأمره،وهنا تكونت في العراق أمارات متعدده، وبدأت كل عشيره تحاول أن تتمدد على أراضي وحصة مياه العشيره الأخرى، حتى كانت لعلاقاتهم سجل طويل من المعارك الداميه، وهي عشائر مدججه بالسلاح، حتى قال يوماً الملك فيصل الأول ملك العراق، أن الحكومه تمتلك خمسة عشر ألف بندقيه في وقت تمتلك العشائر مئه وخمسون ألف بندقيه، فلاحظ الفرق الشاسع بين قوة الدوله والقوه العشائريه. هنا أشار الملك فيصل الأول الى ضرورة زيادة العده والعدد للقوات المسلحه للدوله لتكون قوه قادره على فرض النظام والقانون في البلد . من هنا وبما أن العراق وكذلك مصر بلدين زراعيين، وهناك رؤساء عشائر تتسم بالجشع والأستبداد، يستلزم هذا أن تكون الدوله في غاية القوه ومرهوبة الجانب . فالمجتمع التنازعي،التغالبي يحتاج الى قوه تردعه، لأنه لا يؤمن الا بالقوه، حتى عندنا مثل شعبي يقول (الأمام الي ما يشور يُسمى أبو الخرك). هذا الواقع المتوحش الذي يعيش ويتفاخر بالقوه ألزمت رعاة الدول الأهتمام بالقوه بأعتبارها الرادع الوحيد لهذه التجمعات العشائريه التي لا يردعها رادع الا القوه، ونحن قد لمسنا في فترة ما بعد السقوط البروز الواضح لقوة العشائر حتى بدأت تزاحم بل وتتحدى الدوله، حيث عطلت العشائر الكثير من المشاريع، مثل شق الطرق وبناء المشاريع الصناعيه والأستثماريه بحجة أن هذه الأرض هي ملكنا ولا يجوز للدوله التجاوز عليها،في حين هي بالأساس أرض الدوله لأنها أما أميريه أو مفوضه بالطابو أو باللزمه، وأكثرها تبع وزارة الماليه العراقيه ولكن أستأساد العشائر وتنمرها على الدوله وَقفت الكثير من المشاريع ومنها النفطيه كذلك. هذا الوضع شجع الحكومات على بناء الجيوش والقوات المسلحه الأخرى، وزيادة حجمها لأنها الوسيله الوحيده لحفظ النظام . طبعاً من الملاحظ أن حصر القوه بيد رئيس الدوله يقود الى بروز الشعور بالقوه، والغرور بها،وهذا ما أشار اليه أول رئيس للولات المتحده الأمريكيه (جورج واشنطن عندما حذر من جمع السلطات بيد شخص واحد هو الرئيس لأن ذلك يؤدي الى الغرور وأمكانية سوء الأستغلال، لأنها تغري بالنزوع للدكتاتوريه، مما يؤدي الى تشجيع الطغيان لدى الفرد الماسك بتلابيب هذه القوه . هذا تجمع القوه والمال قاد الى صناعة أعتى الدكتاتوريات في عالمنا العربي وخاصه الدول النفطيه،حيث تجمع لدى الحاكم سلطان المال وسلطان القوه العسكريه، وهذا من أهم أسباب أستمرار الدكتاتوريات في العالم العربي لحد هذه الساعه، وشجع الى بروز ظاهرة الأنقلابات العسكريه بسبب التنافس بين العسكرين لتولى المناصب الأولى في الدوله، والتي تعني المال والجاه والقوه، وهذا الأمر هو عز ما تطلبه النفسيه العربيه التي يحركها هاجس التغالب، وهذا ما حصل طوال تاريخنا السياسي منذ نشوء الدوله في أراضينا منذ فجر التاريخ ولهذا اليوم . من الملاحظ ليس البيئه النهريه والزراعيه وحدها هي من تساهم بصناعة الدكتاتوريه،بل هناك عوامل عديده، فتشكيل صورة الحدث لا يعتمد على جانب واحد، فهناك جغرافية الصحراء، وجفاف بيئتها وقلة مراعيها قادت الى التنازع بين القبائل، وهو تنازع بقاء بالحقيقه، هذه البيئه الجغرافيه القاسيه لم تشجع فقط على قيام حكم دكتاتوري كما هو في السعوديه وباقي دول الخليج، بلد قاد الى نشوء قيم تعتمد على القوه والعنف، فالصحراء يكون البقاء فيها للأقوى، وهذا ما أنتج صفة التغالب في عالم الصحراء الذي أنتقل الى المدن بعد هجرة أبناء الصحراء وأستيطانهم في المدن، حتى أنك تلمس العنف الذي ظهر بالمدن العراقيه والذي يكون أحد أسبابه هو تريف المدن والذي يعني نزوع الأعراف والتقاليد الريفيه والبدويه وأصطباغ المدينه بقيم الريف والصحراء القائمه على القوه والأسراع الى أستخدام العنف، حتى ترى كل محافظاتنا وحتى العاصمه أصبحت عباره عن قرى كبيره يتسيد بها شيخ العشيره الذي فرض فيها قيمه وعاداته التي تكون القوه أحد أهم مفرداتها، وما ظاهرة (الكوامه) في المدن الا دليل على ذلك، حتى أن الدوله أصدرت قرار أخيراً بأعتباره من يمارس الدكه العشائريه يعاقب بقانون (٤) أرهاب. هذه الفوضى التي سببتها العشائريه وتقاليدها، جعل الكثير من الناس تتمنى أن يكون هناك نظام حكم قوي ودكتاتوري لكي يضع حد لهذا الأنفلات بالقوه، وهذا هو ما يفسر أنتعاش الظاهره الدكتاتوريه في العراق والمنطقه العربيه المجاوره للعراق.

 

أياد الزهيري

 

محمد عبد الكريم يوسفتفرض الأوبئة علينا ثقافتها فنضطر للبقاء في المنزل ونطبق التباعد الاجتماعي ونعيد تقييم الأشياء التي حولنا والعلاقات الاجتماعية ونعايرها من جديد ونعود بها للحالة الأولى تماما كما نجري المعايرة للأجهزة والمكنات الهندسية والطبية .

وما الحجر بأشكاله المختلفة إلا فترة استراحة تمكننا من الاقلاع من جديد بروح جديدة ومعارف جديدة وأليات جديدة .

لقد كانت الأشهر القليلة الماضية صعبة للغاية بالنسبة لمعظم الناس على ظهر الكوكب في جميع أنحاء العالم . وقد تسبب فيروس كوفيد -19 بحالة غير مسبوقة من الخوف والهستيريا الجماعية والقلق تجاه ما يخبئه المستقبل لنا من أحداث وتطورات خاصة وأن المعلومات عن المرض فليلة ولا يمكن التنبؤ بسلوكه ولم يتم اكتشاف علاجات مناسبة له حتى الساعة . لقد فقد الكثيرون أحباءهم وما زال الناس يفقدون المزيد من الأحباب، وعلق كثيرون في المطارات والنقاط الحدودية لا يستطيعون العبور أو العودة كما تم اقتياد الكثير من الوافدين بغض النظر عن مراكزهم الاجتماعية إلى مراكز الحجر الصحي . لقد فرض فيروس كوفيد-19 تغيير الأولويات لدى الناس في غير مكان من هذا العالم .

وفي نهاية المطاف، نحن نمتلك الأمل والإيمان بقدرتنا على تجاوز الصعاب . قد يكون اليوم في غاية السوء ولكن الغد يحمل إلينا الأخبار المفرحة بكل تأكيد فالعلماء مجتهدون في البحث عن حلول رغم المعوقات المادية . اليوم سيء لكن الغد هو يوم جديد وشمس جديدة وأمل جديد . وعندما يكون الإنسان عازبا يعيش بمفرده في بيت مستقل يكون التباعد الاجتماعي عقوبة شاقة ويكون عليه في هذه الحالة أن يعيش لوحده وأن يشاهد التلفاز وأن يتأمل وأن يتحدث مع نفسه . الانطوائي هو الشخص الوحيد الذي لا يتأثر بالتباعد الاجتماعي الذي يفرضه فيروس كورونا كوفيد -19 أما الأشخاص الاجتماعيون فيعانون الكثير من جراء التباعد الاجتماعي.

يشعر المنفتحون بالإحباط بسبب التباعد الاجتماعي لأنهم يعيشون ظروف الانطوائيين كاملة نظرا لغياب التواصل الوجاهي والذهاب للعمل والالتقاء بالأصدقاء المعتادين . وقد بدا للعيان أن معظمنا عالق في البيت خلال الأسابيع القليلة الماضية ويبدو أن هذا الاحتجاز الطوعي في المنزل سوف يستمر طويلا في المدى المنظور .

قد يبدو التباعد الاجتماعي من العوائق التي تثير الاحباط ولكنه في ذات الوقت فرصة جديدة ليكتشف الإنسان نفسه ويعيد ترتيب أولوياته في عصر السرعة والتكنولوجيا، فإذا كان الإنسان يعيش وسط عائلته يمكنه أن يكتشف أفراد الأسرة عن قرب أكثر ويمكنه التعرف على ميول وشؤون وشجون أطفاله التي لم يكن يعرفها من قبل . قد تكون اعادة اكتشاف الذات من الجوانب المشرقة للتباعد الاجتماعي إذ يمكن أن يتعرف الإنسان على نفسه أكثر وأن يعيد ترتيب ذاته وأن يمارس الرياضة وأن يحقق شغفه في بعض الأشياء وأن يعيد التواصل الداخلي والخارجي على نطاق الأسرة . 

يمكن الاستفادة من التباعد الاجتماعي الذي أحدثه كورونا بما يلي:

تخصيص وقت للرعاية الذاتية

في الحالة العامة وقبل فيروس كورونا كان الإنسان يعيش بسرعة كبيرة ووتيرة متصاعدة ولا يجد لنفسه وقتا لمراجعة الذات . يستيقظ في السادسة صباحا ويكون في مكتبه أو مكان عمله في الساعة السابعة والنصف ويعود للبيت في الساعة الثالثة والنصف، ثم ينام نصف ساعة ويعود لعمله المسائي الخاص ليستمر حتى الساعة العاشرة ليلا ليعود للبيت مرة أخرى . هذا هو السياق العام لمواطني الشرق الأوسط في شريحتهم الواسعة . يعيشون حالة من الانشغال الدائم ولا يجدون وقتا يخصصونه للذات أو العائلة أو الترفيه أو الرحلات . وليس لدى أحد من هؤلاء المواطنين فرصة لتغيير الروتين بسبب الضغط الاقتصادي السائد في المنطقة . إن إعادة ترتيب الإنسان لحياتية واعتنائه بذاته ضروري في الأوقات الحرجة والصعبة وإلا لن يستمر الإنسان إلى مالا نهاية في نفس الإيقاع اليومي الممل . إننا قلقون بشأن ما يخبئه المستقبل لنا من غرائب وعجائب ومن المهم التركيز على الأشياء التي يمكننا التحكم بها مهما كانت تافهة والعمل على تطويرها بما يحقق لنا الاستمرار في الحياة .

يمكن للمرء أن ينغمس في نشاطات عديدة مثل التدرب على الطهي والطبخ والبقاء في حالة جيدة وممارسة بعض الهوايات المفيدة مثل القراءة وحل الكلمات المتقاطعة وكتابة المذكرات وصيانة البيت والأجهزة العاطلة داخله واللعب مع الأطفال وأفراد العائلة وعمل كل ما يمكننا من رفع معنوياتنا عاليا والبقاء في حالة إيجابية . يمكن للمرء أن يغير ملابسه أكثر من مرة حتى لو لم يخرج من البيت . هناك الكثير من الأشياء الصغيرة التي تجعل يومنا بهيجا وجيدا وايجابيا .

الخروج إلى الطبيعة:

يمكن الخروج للطبيعة القريبة أو حديقة المنزل أو القرية بما يراعي قوانين التباعد الاجتماعي وبما لا ينتهك حظر التجوال في المنطقة التي يعيش بها الإنسان . الطبيعة لها تأثير شاف من الأمراض والتعرض لأشعة الشمس دواء واستنشاق الهواء النقي رياضة والاستماع لصوت الطبيعة ينعش الروح ويزيل أدران النفس والمشي حافي القدمين على شاطئ البحر يقلل من القلق. الخروج للطبيعة واستنشاق الهواء النقي والتأمل من الرياضات الرائعة في زمن التباعد الاجتماعي الذي فرضه كورونا . يمكن أيضا أن تتعاون العائلة مجتمعة في تحضير غداء في الطبيعة الخلابة . على الإنسان في زمن كورونا أن يخطط للذهاب إلى الطبيعة والاستماع للموسيقى الجيدة وممارسة التأمل في هذا الكون واعادة ترتيب البيت الداخلي ما أمكن إلى ذلك سبيلا . إن اختيارنا لما نقرأ من معلومات أو قصائد أو أشعار يؤثر على مزاجنا العام ورؤيتنا للحياة فالأغاني الحزينة والقصص الحزينة تغرق أرواحنا في الحزن الشديد وتسترجع المواقف الحزينة في النفس أما الأغاني الفرحة الراقصة وقصص تطوير الذات وخلاصات الكتب الهامة فإنها تدفع بنا نحو الحبور والتفاؤل والإيجابية .

تعلم تطوير مهارات جديدة:

هناك العديد من كتب التطوير الذاتي والخلاصات التي يمكن للمرء أن ينغمس فيها وأن يبدأ بقراءاتها وفهمها وتأمل الرسائل الفكرية التي تحتويها . التباعد الاجتماعي فرصة جيدة لتطوير مهارات القراءة . نحن نعيش في عالم سريع يعج بالمعلومات المتجددة ولا يمتلك معظم الناس الفرصة والوقت الكافيين لتقيم المعلومات والاستفادة منها بالشكل الجيد. معظم الناس لديهم الكثير من وقت الفراغ المتاح ومن الحكمة استخدام الوقت لاكتساب المعرفة التي يمكن أن تساعدك على البقاء على قيد الحياة بعد الوباء.

التباعد الاجتماعي وقت جيد لتطوير مهارات جديدة حياتية ومهنية . يمكن أن تساعد المهارات الجديدة على التأقلم مع الحياة الجديدة بعد الوباء . وهناك العديد من الدورات التدريبية المجانية على الإنترنت التي تتيح التعلم والاختبار على الشبكة . المهم في الأمر هو أن يكافح المرء الركود في الحياة وأن يعمل على تطوير ذاته ومن حوله.

التصرفات اللطيفة:

نحن نمر جميعا بظروف عصيبة إذ يعاني الكثير من الناس من تعكر المزاج والعصبية . إن التصرف اللطيف أثناء الأزمات يجعل الإنسان يشعر بالراحة ويشعر الآخرين بالراحة أيضا .يجب أن لا يقوم الإنسان بأي تصرف أو سلوك يعرضه للخطر . ويمكن أن يمارس المرء الأعمال الخيرية والتبرع للمحتاجين ويمكن القيام ببعض التصرفات المحببة مثل التواصل مع الأحبة بالهاتف أو عن طريق الإنترنت والشبكات الذكية . يمكن أن تحدث مكالمة ما فرقا كبيرا في حياة شخص وقد تعدل من مزاجه وتحوله من إنسان بائس إلى إنسان في غاية التفاؤل .

التأمل:

التأمل في جوهره هو فن التحكم بالنفس والسيطرة عليها والتأمل بالغ الأهمية أثناء الأزمات والأوبئة. يمكن للمرء أن يبدأ التأمل في أي وقت من الأوقات ويمكن البدء بالتدرب على التأمل في حال كان الإنسان قليل المعرفة به عن طريق متابعة دروس التأمل على الانترنت . التأمل يزيد من الصلابة الذهنية في الأوقات الحرجة التي نمر بها جميعا ويساعد في تركيز التفكير على المسائل المهمة كما يعزز القيم الإيجابية لدى الأفراد.

النشاط والحيوية:

البقاء في حالة من النشاط مفيد لصحتنا الجسدية والعقلية وقد تكون النشاطات البدنية من أهم النشاطات التي يمارسها الإنسان وقت الأزمات لأنها تفرغ طاقات الغضب ويمكن تشجيع أفراد العائلة للانخراط في هذا النشاط واجراء المباريات والمسابقات لخرق الروتين القاتل للانتظار في البيت .

وضع خطة لتحقيق الأهداف:

يجب أن نفكر في الحياة بعد انتهاء الوباء و التباعد الاجتماعي بين الأفراد ويجب أن نضع خطة لتحقيق الأشياء وتنفيذ الأهداف التي يرغب الإنسان في تحقيقها . تساعد الخطط في التركيز على الإيجابيات والابتعاد عن السلبيات . يمكن أن يتأمل الإنسان طرقا متعددة لتحقيق الأهداف وتحديد المحفزات التي تمكنه من الوصول للهدف المطلوب .

الشكر والامتنان:

الأزمات والشدائد والأوبئة اختبار كبير لإنسانية الإنسان وسموه. صحيح أن هذه الأوقات شديدة وعصيبة وقد تكون الأسوأ في تاريخ الإنسان إلا أن القلب الشكور والامتنان من الرياضات الهامة التي يمكن أن يمارسها الإنسان ليحدث التغيير . لقد تعرض الكثير من الأنبياء والصالحين للشدائد والأوقات العصيبة مثل أيوب ولوط ويوسف ويسوع ومحمد عليهم السلام ورغم ذلك تجاوزوها بالتصميم والتركيز على الايجابيات والبعد عن السلبيات والشكر على كل النعم التي تحصل للإنسان رغم قساوة الظروف . يمكن الاحتفاظ بدفتر يوميات تدون فيه الأحداث وأن يمارس الشكر والامتنان على كل ما يمر به الإنسان والتركيز على الإيجابيات ونسيان السلبيات قدر الإمكان .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

 

عبد الجبار الرفاعييهجو كثيرون الجيلَ الجديد من الشباب بوصفهم "لا يعرفون ماذا يريدون"، لأنهم يعيشون عصرَ تكنولوجيا المعلومات وثورةَ الفيس بك ووسائل التواصل المختلفة التي تضمحل فيه فضائها حدودُ المكان وينبثق فيها عالَمُ مفاهيم مختلف، ويتخذ فيها الزمانُ وهكذا الثقافةُ والمعرفةُ مفهومًا جديدًا. وربما تمادى البعضُ بتوصيف جيل الشباب بالغباء والضياع واللاانتماء واللامسؤولية عن كلّ شيء. ويمتدحون جيلي والأجيالَ الأكبر عمراً، بوصفها "تعرف ما تريد"، لأن خياراتِهم في المُعتقَد والأيديولوجيا والانتماء كلَّها محسومةٌ سلفًا.

وأظن أن هذا التوصيفَ يخطئ مرتين، يخطئ في المرة الأولى عندما يصف الجيلَ الجديدَ بالضياع، وبأنه "لا يعرف ماذا يريد"، لأن عقلَ الشباب اليوم أنضجُ ووعيَهم للحياة أعمقُ منا حين كنا في مرحلتهم العمرية، عالمُهم مركّب وعالمنا بسيط، عالمهم متنوّع وعالمنا أُحادي، عالمهم نسيجٌ معقد تتلاقح فيه الهوياتُ وتتفاعل فيه الثقافات، ويتوحّد في موكبٌ واحد. إنه عالَم تتوارى فيه الحدود، أما عالمنا فيزدحم بالحدود. وعلى الرغم من اتساع الفردية وترسخّها في عالمهم، إلّا ان كلّ فرد منهم بوسعه أن يتحدّث إلى الكلّ، بل بوسع الكلّ أن يتحدث إلى الكلّ.

أسئلتُهم صعبةٌ تشبه عالمَهم، أما أسئلتُنا فكانت مبسطةً تشبه عالمَنا، قناعاتُهم لا تولد بسهولة كما كانت قناعاتُنا، وقلما يصدّقون الأوهامَ مثلما كنا نصدّق كلَّ ما يُكتب ويُقال، لا يتشبّثون بالأحلام كما كنا نتشبّث بقشة، ولا يصلون إلى اليقين بسهولة، خلافاً لما كنا عليه من فهمٍ ساذجٍ يسوقنا لتصديق الكثير من الوعود الزائفة والأخبار الكاذبة، وما تنسجه المخيلةُ من أحلام رومانسية. الانتماءُ لمعتقَد أو أيديولوجيا أو فكرة لا يتطلّب منا غيرَ حديث يتكلّمه محامٍ بارعٌ في صناعة الكلام. لفرط رومانسيتِنا ضعنا وضيّعنا الأوطان، ولفرط واقعيتِهم ما زالوا يفتّشون بعناد عن دروبٍ للخلاص لا تكرّر متاهاتِنا.

ويخطئ هذا التوصيفُ في المرة الثانية عندما ينعتُ جيلَ الآباءِ بأنه "يعرف ما يريد"، إذ كيف يعرف ذلك الجيلُ ما يريد، وهو لم يكتشفْ حتى ذاته الفردية، فقد أنسته الأساطيرُ المؤسِّسةُ لمتخيَّلِه الثوريّ ذاتَه. كان جيلُ الآباء مولعاً بيوتوبياتِ الخلاص للكلّ، والحريةِ للكلّ، وانصهارِ الكلّ في واحد. كان يحسب أن تغييرَ العالَم تنجزه مجموعةُ شعاراتٍ وأناشيدَ تعبويةٍ تنشد تجييشَ الجماهيرَ وخروجَها للشارع تهتف بـ"الروح بالدم نفديك يا...!". وهذه النزعةُ قادت ذلك الجيلَ لأن تسعبدَه أصنامٌ مختلفة، كلٌّ منها يظهر على المسرح الاجتماعي بقناعه الخاص، فتارة يصير رجلٌ صنمًا، وأخرى تصيرُ أيديولوجيا صنمًا، وثالثة يصير كتابٌ صنمًا. وكلُ صنمٍ منها يستعبدُ من على شاكلته.

الكثيرُ من الآباء مولعٌ بعبادةِ الأصنام البشرية، وإن لم يجد بعضُ الآباء صنمًا في الماضي يخضع له ويستعبده، ينحت من أحد رجال السياسة أو الدين أو الفكر أو الأدب صنمًا. الكثيرُ من الأبناء مولع بتحطيمِ الأصنام البشرية، لذلك يصعب ترويضُهم على العبودية.

الجيلُ الجديد من الشباب اكتشف ذاتَه الفردية مبكرًا، وادرك أن نسيانَ الذات ضربٌ من الضياع في أوهام لا تنتمي للواقع، وذلك ما كرّس النزعةَ الفرديةَ في وعيِه وشعورِه وشخصيتِه. فأصبح عصيًا على استعبادِ الأصنام بمختلف صورها.

الكثيرُ من الآباء مولعٌ بالحزن، لذلك يبحث عن كلِّ ما ترتسم فيه ملامحُ الموت، الكثيرُ من الأبناء مولعٌ بالفرح، لذلك يبحث عن كلِّ ما ترتسم فيه ملامحُ الحياة. الآباءُ أشدُّ خوفًا من الموت، وكلُّ من يخاف الموتَ يحسب أن الموتَ لا يرضيه إلا الحزنُ ونظائرُه. الأبناءُ أقلُّ خوفًا من الموت، وكلُّ من يقلُّ خوفُه من الموت لا يخشى الفرح الذي هو ضربٌ من التشبّثِ بالحياة ورفضِ الموت.

رؤيةُ الآباء للعالَم تقوم على مرتكزات ميتافيزيقية لم تعد تُلهم رؤيةَ الأبناء للعالَم، وتستقي من روافد نضبت منابعُها، وتنتمي لنظام معرفي "بارادايم" يعود الى ما قبل عصر وسائل التواصل الاجتماعي والروبوت والذكاء الصناعي، وهو "بارادايم" ينتمي لعصر لم يعد قادرًا على مواكبة النظام المعرفي لهذا العصر. لذلك كثيرًا ما تفشل لغةُ الآباء في التواصل مع الأبناء، كما تفشل لغةُ الآباء في التواصل مع الأبناء.

عالمان للآباء والأبناء لا عالم واحد، لا يلتقي هذان العالَمان بالكثيرِ من الرؤى والأفكار والأشياء، وأحيانا يتنابذان إذ يقع كلٌّ منهما على الضدّ من الآخر. لكلّ منهما رؤيتُه الخاصة، لكلّ منهما معاييرُه في الثقافة والأدب والفن والجمال والذوق، لكلّ منهما تطلعاتُه للغد، لكلّ منهما مفاهيمُه عن الكون والإنسان والحياة، لكلّ منهما مواهبُه ومهاراتُه وإبداعاتُه وابتكاراتُه، لكلّ منهما منظوماتُ قيمه ومفاهيمُه الأخلاقيةُ وأنماطُ تدينه، متطلباتُ الروح لكلّ منهما غير متطلبات الروح للآخر، مشكلاتُ وأمراضُ كلّ منهما غير الآخر.

جيلُ الأبناء أشدُّ حضورًا في العالَم من جيل الآباء، لأن العالمَ أشدُّ حضورًا في حياتهم، العالَم يحضر في حياتهم بملامحِه وتضاريسِه الجديدة، عبر: اليوتيوب، والفيس بك، وتويتر، والواتس اب، وتطبيقات التواصل الاجتماعي المختلفة. يحضر العالَمُ من خلال العلمِ والتكنولوجيا والذكاءِ الصناعي. في حين كان جيلُ الآباء أشدَّ غياباً عن العالم، لأنهم لا يمتلكون ما يمتلكه الأبناءُ من صلاتٍ نسيجيةٍ ممتدّةٍ بامتداد الجغرافيا السكانية في الأرض. لقد كان العالَمُ غائبًا عنهم، وإن حضر فلا تحضر منه إلّا صورٌ باهتةٌ كأنها أشباح.

جيلُ الأبناءِ لا يسيرُ على خارطةٍ مرسومة سلفًا يهتدي بها مثلما كان جيلُ الآباء، ولا يبحثُ عن بوصلةٍ تحدّدُ وجهتَه. لا يرتبك أو يكترث من قرارِه بالتوقّف المفاجئ، ولو قطع منتصفَ الطريق، من دون أن يبررَ قرارَه بالتوقّف أو يلتمس له عذرًا، مهما كانت خساراتُه. لا يملُّ من أن يجترحَ كلَّ مرة طريقًا لم يسلكها من قبل. لا يوحشه تكرارُ البدايات، ولا يتردّد في هجرِ مَواطنَ ألفها إلى ما لم يألفه، وتجريبِ ما لم يُجرّب من قبل، وكأنه مكتشفٌ أبدي، لا يفتقر لشجاعةِ المغامرة، ولا يتردّد في المجازفة، وإن كانت ضريبةُ المجازفة باهظة.

يمتلك الجيلُ الجديدُ مهاراتٍ متنوعةً في توظيف وسائلِ التواصل الاجتماعي واستخداماتِها المتنوعة في تأمين متطلباتِ حياته المختلفة. وهذه الوسائل هي التي تسهم في إنتاجِ أنماطِ وجودِه وطرائقِ عيشِه وطبيعةِ صلاتِه بما حوله. وسائلُ التواصل اليوم تنتج معاييرَها القيمية الخاصة، وتعمل على صياغةِ العلاقات الاجتماعية وإعادة تشكيلها في سياق آفاق حياةِ ورغباتِ وأحلامِ الجيل الجديد. إن ادراكَ الآباء وتفهمَهم لما تفرضه وسائلُ التواصل من سلوكٍ مختلف في تكييف علاقاتهم بالأبناء، ضرورةٌ يفرضها تكييفُ العلاقاتِ المختلفة بين جيلَي الآباء والأبناء، في سياقٍ لا يعاند روحَ العصر، ولا يضحّي بما هو أخلاقي إنساني في إعادة بناءِ هذه العلاقات.

كلُّ شيء يكتسب معناه من نمطِ صلاتِه الوجودية بغيرِه من الأشياء. الجيلُ الجديد أكثرُ قدرةً على إدراكِ المعاني الجديدةِ للأشياء، لأن الأشياءَ في عالمنا اكتسبت معانيَ جديدةً أو أُضيفت لمعانيها أبعادٌ لم نكن نعرفها من قبل، ولم تعد تسمياتُها المتداولةُ من قبل تتسع لدلالاتِها الجديدة اليوم. ذلك أن العالمَ يتغير، والرؤيةُ للعالم تتغير، وطريقةُ التفكير تتغير، ومعاني الأشياء تتغير، وقاموسُ التعبير عنها يتغير.

عالمُنا اليوم عالمٌ شبكيّ متداخلٌ كنسيجٍ متشابك، لم يعد التفوّقُ فيه عبر بناءِ كانتونات ومحميات مغلَقة على نفسها، بل معيارُ التفوّق فيه يقاس بمدى كثافةِ الحضور عبر نسيجِ الشبكاتِ الألكترونيةِ العابرةِ للقارات، والقادرةِ على اختراقِ الحدود الجغرافية والديمغرافية والدينية والثقافية والاقتصادية والسياسية. تتنبأ دراساتُ استشراف المستقبل بأنه حتى سنة 2030 سيختفي ما يقارب المليارين من الوظائف التي كانت تعتمد مهنًا تنتمي لعالم جغرافيات وديمغرافيات الأمس المغلقة، ذلك العالَمُ الذي بدأنا نرى علاماتِ انتهاءِ صلاحيته وانتهاءِ صلاحية تلك المهن والحرف معه، إنهما يغادران معًا العالَم الجديد بالتدريج، العالَم الذي ينخرط في شبكات ألكترونية يحضر فيها كلُّ ما يمتلكه، عالَم ينتجه الذكاءُ الصناعي والروبوتاتُ والطاقةُ البديلةُ وهندسةُ الجينات وتكنولوجيا النانو. فمثلاً (يجري تطوير تكنولوجيا الجيل الخامس لشبكات الهواتف المحمولة، وفي خلال عامين ستكون هذه الشبكات أسرع بمقدار 50 مرة عما هو متاح لدينا الآن. وهناك علاقة وطيدة بين سرعة شبكات المعلومات والنمو الاقتصادي، ومن التقديرات أن كل زيادة بمقدار 10% من سرعة هذه الشبكات تزيد النمو الاقتصادي بنحو 1,3% وتتزايد تأثيراتها بمدى توسع وشمول هذه الشبكات لشرائح المجتمع وأماكن التعلم والعمل والسكن... يكاد يحاكي مستقبل قطاع النقل والمواصلات في بعض المدن أفلام الخيال العلمي، بين سيارات ذاتية القيادة وحافلات وقطارات سريعة تنقل بشراً بأعداد غفيرة يتم التحكم فيها من خلال نظم معقدة لتكنولوجيا المعلومات، بما جعل رئيس شركة "ليفت" لنقل الركاب، المنافسة لشركة "أوبر"، يتنبأ بأن أغلب السيارات العاملة في شركته ستكون ذاتية القيادة خلال خمس سنوت فقط، وأن ملكية الفرد لسيارة في المدن الأميركية الكبيرة ستكون أمراً نادراً في منتصف العقد القادم. ولا يتوقف الأمر على انتقال الأفراد، بل يمتد وبمعدلات متسارعة لنقل البضائع براً، بعربات نقل متفاوتة الأحجام ذاتية القيادة، وجواً بطائرات من دون طيار تحلّق متفادية ازدحام الطرق ومختصرة الزمن، ناقلة للسلع، بل ومسعفة لمرضى وجرحى في مناطق قريبة وأخرى نائية)1.

إن كانت هذه صورةُ العالَم غدًا، فكيف يكون حضورُ مجتمعاتنا في مثل هذا العالَم الذي لا يكفُّ عن الصيرورة والتغيّر والانتقال من محطة إلى أخرى بسرعة فائقة. عالَم لم تتخذ هذه المجتمعاتُ حيالَه تدابيرَ تتناسب وحجمَ تحدّياتِه الهائلة.

للشبابِ دورٌ رائدٌ في صناعة هذا العالَم الذي هو عالَمهم. لهم النصيبُ الأوفرُ في ابتكارِ نمطِ حياةِ القرن الحادي والعشرين، فمؤسِّسُ الفيس بك "مارك زوكربيرغ2 " وزملاؤه كانوا من التلامذة الجامعيين. و"ستيف جوبز" كان في منتصف العقد الثالث من عمره تقريبًا عندما "قام مع شريكيه ستيف وزنياك ومايك ماركيولا، وآخرون بتصميم وتطوير وتسويق واحد من أوائل خطوط إنتاج الحاسب الشخصي التجارية الناجحة، والتي تُعرف باسم سلسلة أبل"، ثم قامت أبل باطلاق الكومبيوتر الشخصي ماكنتوش 1984 3.  وبعد ذلك اخترع الآيبود والآيفون والآيباد وغيرِهما من المراكب التي ننتقل معها بسرعة خاطفة لحضورٍ مختلفٍ في عالَمنا اليوم.

كلُّ معلمي المدارس الابتدائية ومدرّسي الثانويات وأساتذةِ الجامعة يتبرّمون من أن جيلَ الأبناءَ يفتقرون للجديةِ والوفاءِ بمتطلبات الواجباتِ المدرسية، والمثابرةِ على الحضورِ والإصغاء والتلقي في الفصول الدراسية، لذلك تدهور مستوى التلامذة وضعف تكوينُهم، ولم يعد كثيرٌ منهم مؤهلًا للمرحلة المدرسية التي يعبر إليها. وهذه مشكلةٌ صارت مزمنةً في أكثر من بلد، على درجاتٍ تختلف كمًا وتتطابق كيفًا.

النظامُ التعليمي الذي أنتج وعيَ الآباء مازال يعيد إنتاجَ وعي الأبناء، وهو إن كان متناسباً مع ذهنِ الآباء لكنه يعجز اليوم عن إنتاجِ وعيٍ مواكبٍ لحياةِ الأبناء، بل يتفاقم التضادُّ والتناشزُ بين  النظامِ التعليمي وبين قدرةِ الأبناء على التلقي والتعلّم، وكلما مرّت عليه سنةٌ جديدة يغدو متخلّفًا أكثر، لأن وتيرةَ التغيير في زماننا كلَّ سنة فيها تساوي عشراتِ السنين مما مضى، كما تؤشر لذلك الأبحاثُ العلمية في هذا الحقل.

نحن بحاجة للبحث عن جذورِ هذه المشكلة في بنيةِ التربية والتعليمِ الموروثِ منذ عشرات السنين، الذي ينتمي لعالَم الأمس المختلف عن عالَم اليوم اختلافًا جوهريًا، فلم يعد الكتابُ وحده رافدًا لتلقّي المعرفة، بعد أن تراجع موقعُه فأضحى أحد الروافد - ربما ثانوياً - بموازة روافد متدفقة غزيرة متنوعة، ولم يعد التعليمُ على وفق أساليب وطرائق التدريس الموروثة ملائمًا لعالمنا اليوم، بل لم يعد الصفُّ المدرسي بفضائه وأدواته المتعارفة ملائمًا للتعليم، وقبل كلّ ذلك لم تعد ملائمةً اليوم معظمُ المعلومات والمفاهيم والخبرات والمهارات المكدّسة بعشوائية في المقرّرات المدرسية المتدوالة، لأن أغلبَ مضامينها لا ينتمي لعالَم الأبناء، ولا يشبه أحلامَهم، ولا يلبي احتياجاتِهم؛ لغربتها عنهم وغربتهم عنها، لذلك يشعر الأبناءُ بالاغترابِ والمرارة عندما تُفرض عليهم هذه المقرّرات، ويشمئزون عندما يجدون أنفسَهم ملزمين أن يمضغوا أشياءَ لا تشبه ذائقتَهم ولا يشبهونها، ويتعلمون علومًا ومعارف لا تنتمي لزمانهم، ولا تعرف منطقَ حياتهم، ولا تتحدّث لغةَ عصرهم.

عالَمُ الأبناء وهبَهم الكثيرَ من الامكاناتِ الجديدة لمراكمةِ المعرفة وإنتاجِ وعي بلحظتهم الراهنة تنعكسُ عليه ملامحُ عصرهم، ويحتفلون بكل ألوانه، تلك الملامح والألوان التي كان يجهلها عالَمُ الآباء.

المشكلةُ ليستْ في الأبناء، وإنما في تفكيرِ الآباءِ المتخشّب، وفهمِهم للعالَم الذي لا يعرف إلّا أن يكرّرَ نفسَه باستمرار، ويعجز عن مغادرةِ ما ألفه إلى أفقٍ جديد. الأبناء ليسوا بلداء كما يظن كثيرٌ من الآباء، إذ ليس هناك إنسانٌ بليدٌ بالطبع، لكن الأبناءَ غيرُ قادرين على تمثّل صورة عالَمٍ مضى وانقضى.

حتى من كان من الأبناء لا يمتلك استعدادًا ذهنيًا جيدًا في مجالٍ معرفي معين، وكانت موهبتُه ضئيلةً فيه، يمكن أن يكون موهوبًا ويمتلك استعدادًا ذهنيًا متميزًا في مجالٍ آخر. يخفق التعليمُ عندما يصرّ على تلميذٍ موهوبٍ أن يتعلّم في مجالٍ معرفي يفتقر للموهبةِ فيه، إذ يكون كمن يزرع الرزَ في الصحراء أو يزرع نباتاتِ الصحراء في الماء.

كذلك يخفق التعليمُ عندما يتشبّث بالمقرّراتِ وطرائقِ التدريس ووسائلِ التعليم التي تعلّمَ في فضائِها جيلُ الآباء، فجمد عليها بكلِّ ما فيها، لأن ما هو قديمٌ في ثقافتِنا يكتسب مشروعيةَ بقائِه واستمراريتِه من كونه موروثًا عن الآباء.

وهكذا يخفق التعليمُ اليومَ عندما ينشد إنتاجَ كائناتٍ بشرية متماثلة،كأنها آلاتٌ مادية تتشابه بكلِّ شيء، وتُلغى فيها فرادةُ الشخص البشري واختلافاتُه الذاتية عن كلِّ أحدٍ في الأرض، تلك الاختلافاتُ الذاتية التي هي منجمُ الإبداعِ والقدرةِ على الخلقِ والابتكار.

الذهن كنظام أو "سيستم" يتألف من ثلاثة عناصر: مُدخَلات، ومُخرَجات، ومُعالِج، لأن كلَّ نظام هو مُدخَلات ومُخرَجات ومُعالِج، وبما أن مُدخَلات ذهن الآباء كان أغلبُها محليًا مغلقًا بسيطًا كان يتكيّف عملُ المُعالِج معها فكانت المُخرَجاتُ من جنس المُدخَلات، لكن مُدخَلات ذهن الأبناء تبدلّت فصار أغلبُها كونيًا، مركبًا أكثر ومنفتحًا أكثر ومتعددًا أكثر ومتنوعًا أكثر، فيُفترض أن تصير المُخرَجاتُ اليوم من جنس المُدخَلات، إذ يتكيف عمل المُعالِج على وفق كيفيتها. وحتى لو كان المُعالِج بالأمس هو الذي يتحكم بالدرجة الأساس في تحديد نوع المُخرَجات، رغم تنوع وتعدد المُدخَلاتُ على مدى حياة الانسان، لكن المُعالِجَ بدأ اليوم يتبدل تبعًا للتبدل الهائل في نوع المُدخَلات وكيفيتها، وليس في كميتها فقط.

إن منطقَ الذهن أو كيفيةَ معالجة المُعالِج للمعطيات تحاكي نوعَ المُدخَلات، وتستجيب طريقةُ تمثّلها في الذهن تبعًا لها، أي ان نوعَ المُدخَلات يؤثر في بنيةِ الذهن وطرائقِ مُعالجته وكيفيةِ تمثله لها. ويتحدث علمُ الأعصاب الجديد عن أن العصفَ المتدفّقَ لوسائل التواصل الاجتماعي للدماغ سينتج تبدلاتٍ في تركيبة الدماغ، ومن ثم سيؤثر ذلك على كيفية عمل الذهن وطرائق التعلم.

ويقول الخبراءُ إن إيقاعَ التحولات أسرعُ من استجابة النظام التعليمي لاحتياجات الأبناء، ذلك أن وتيرةَ التبدّل في كيفية عمل الذهن أسرعُ من القدرة على مواكبتِه والانتقالِ بما يستجيب له ويتناغم معه في أنظمة التربية والتعليم، من هنا ستتسع الفجوةُ بالتدريج بين هذه الأنظمة وطبيعةِ احتياجات الجيل الجديد، التي قد يعجز عن تلبيتها حتى النظامُ التعليمي في الغرب.

لكلِّ جيلٍ أمراضُهُ الخاصةُ، استبدّت بالجيلِ الجديدِ أمراضٌ تحكي قوةَ الواقعِ الذي يعيشُهُ، وتعكسُ تعقيداتِه المختلفةِ، والأصداءِ الحادّة لإيقاعِ تحوّلاتِه المفاجِئة. بعضُ هذه الأمراض أشدُّ فتكًا وأعنفُ وأخطرُ من أمراضِ الجيل السابق، كما تُعلن عنها جروحُ الروح، وتوتراتُ المزاج، واضطراباتُ المشاعر، وتقلباتُ التفكير، وتذبذباتُ المواقف.

إن الذهنَ في بلادنا مازال يرتهنه نظامٌ تعليمي قديم، وثقافةٌ تقليدية مهيمِنة، ونمط تدين مغلق، وظروفٌ اقتصادية وسياسية واجتماعية مضطربة يتردد صوتُ العنف فيها، ونتيجة لكل ذلك صار ذهنُ الأبناء مشوشًا. وطبيعي أن يفضي ذلك لأمراض ومشاكل مختلفة معقّدة لم يعرفها من قبل جيلُ الآباء.

نحن بحاجة للكثيرِ من شجاعة التواضع في تخطّي حكاياتِنا المكرّرة وتجاوز مواقفِنا المتصلبة، كي نرى التحولاتِ العميقةَ التي تجتاح العالَم من حولنا، والاعترافِ بتقصيرنا في حقّ الأبناء، وإخفاقِنا في منحهم حقَّ الاختلافِ في التفكير والتعبير، والحرية في التعاطي مع عالمهم، من حيث هم لا من حيث نحن. لنعربَ عن ندمنا ونعلنَ أخطاءنا ونعترفَ بجهلنا في الكثير مما يدور بنا وندور معه رغمًا عنا، في هذا العالم الذي يفرض علينا أقدارَه وأنماطَ العيش فيه.

لقد كانت وما زالت تربيتُنا في البيت والمدرسة والمجتمع والجامع والجماعة لا تربّينا على شجاعةِ الاعترافِ بالخطأ. الاعترافُ بالخطأ ضرورةٌ يفرضها الانتماءُ للعالَم اليوم ودعمُ الابناء في حضورهم الديناميكي الفاعل في عالمهم.

مع ان الآباءَ هم نموذج الأبناء، لكن أنا شخصياً لم أسمع من أبي "رحمه الله" إلى وفاته اعترافاً بخطأ في حياته أو ندماً على ممارسةٍ عنيفة معي أو مع والدتي أو اخوتي، أما أنا فكنتُ أخاف من الاعتذار عن العنف الجسدي والرمزي واللفظي الذي أتورط به مع أبنائي في طفولتهم، وواصلت الهروب من الاعتراف بأخطائي إلى العقد الرابع من حياتي، بل كنت أشعر بحرجٍ وألمٍ شديدين لو لمحتُ أو سمعتُ إشارةً أو عبارةً ترشدني إلى أخطائي، فضلًا عن أني كنتُ عاجزًا وقتئذ عن البوحِ بها، ولم أتعلّم ذلك إلّا بالتدريج وبمشقّة بالغة ومعاناة موجعة، عندما بدأت أتحرر من سجوني قبل ثلاثة عقود.

وهكذا لم أسمع من معلّمي في الابتدائية، الذي كان يعنّف زملائي التلامذةَ بأسلوبٍ مستهجن، اعترافاً بخطأ أو ندمًا على عنفِه الجسدي القاسي المتكرّر بحقّ تلامذته، كما لم أسمع أيَّ شيء من ذلك من أحدٍ من أساتذتي في مراحلِ تعليمي المختلفة، إذ كانوا دائمًا يتكتمون على ما يقترفونه، بل وجدتُ أكثرَ آبائي وأساتذتي يتحدّث أو يوحي بصواب كلِّ فعل أو قول صدر عنه، وهكذا هي مواقفُ حكّام بلدي أو قادةُ جماعتي، وكأن الكلَّ كامل. مازلنا ننظر للخطأ بوصفه عاهةً وعارًا وفضيحة، لأن حقَّ الخطأ، الذي هو ضرورةٌ لكلّ عملية تربوية ناجحة تفرضها طبيعةُ الكائن البشري، ليس مكفولًا لأحد في مجتمعنا.

ومع كلِّ ثنائي على ما يعد به الجيلُ الجديدُ وعصرُه، لكني أودُّ أن أشيرَ إلى أن ظاهرةَ التوثينِ لا تختصُ بجيلِ الآباء، وانما هي ظاهرةٌ بشريةٌ تتلفعُ بأقنعةٍ تختلفُ باختلافِ الأجيال، وكلما تطورَ الوعيُ البشري تُمعن في الاختباءِ خلفَ أقنعةٍ يصعبُ جدًا فضحُها. ولا شك أن التوثينَ بكل أشكاله، سواء كان في عالَم الآباء أو ما يكون في عالَم الأبناء، يعمل على تعطيلِ العقل وشللِ الوعي وتهشيمِ الارادة، حتى يستلبَ التوثينُ كينونةَ الكائنِ البشري.

وعلى الرغمِ من تشديدي على أن للأبناءِ أسئلتَهم، غير اني لست في مقامِ نفي الأسئلةِ البشريةِ الأبدية، المسكونِ بها الإنسانُ بوصفه إنسانًا، مثل الأسئلةِ الميتافيزيقية وغيرِها من الأسئلة الكبرى التي تتوالدُ منها على الدوامِ أسئلةٌ جديدة، أسئلةٌ لا ترتوي من الإجابات أبدًا، ولا تكفُّ عن طلبِ المزيد مع كلِّ منعطف وتحوّل حاسمٍ في حياة الإنسان.

كذلك لا أنشد افتعالَ صراعٍ بين الأجيال، بل أحاول الكشفَ عن نسيجِ تضاريسِ الواقع المتشعّبة والمتضادّة الذي تعيشه مجتمعاتُنا اليوم. إنه دعوةٌ لتفهّمِ الآباءِ لعالَم الأبناء، وتفهّمِ الأبناءِ لعالَم الآباء، ولا يتحقّقُ ذلك إلّا بمواقفَ شجاعةٍ للآباء والأبناء معًا، يبادر فيها الكلُّ للحوارِ والتفاهمِ والتصالحِ، والعملِ الجادّ على خلقِ شراكةٍ واقعية تُستثمر فيها كلُّ الطاقات من أجل بناءِ عالم أجمل، والسعي لخفضِ وتيرةِ عدم الاعتراف والتنابذ والاحتراب والقطيعة بين جيل الآباء والأبناء.

وعلى الرغم من الأفقِ المتفائل الذي أتطلع فيه لمصائر الأبناء، لكن لا يمكن التنبؤ بما يفاجؤنا به الغدُ من خساراتٍ وانتكاساتٍ تحدثها منعطفاتٌ للتاريخ غيرُ محتسبة، لأن التاريخَ البشري لا يسير في خطّ تصاعدي أبدي، ولا يتقدّم إلى الأمام باستمرار، فقد يتوقف لحظةَ تقدّمه، أو قد ينكص فينتكس لحظةَ صعوده، إذ انهارت حضاراتٌ كبيرةٌ ما كان متوقعًا انهيارُها، وغربت شمسُ امبراطوريات ما كان متوقعًا أفولُها، وانهزمت دولٌ بعد أعظم انتصارتها، وتمزّقت أممٌ عاشت قرونًا مسكونةً بتفوقها، ولبثت مدةً طويلة تَعدُ البشريةَ بمهمتها الرسولية الإنقاذية.

وإن كان التاريخُ أكبرَ معلّمٍ للإنسان، إذ لا مُعلّم َكالتاريخ، لكن قلّما يتعلّمُ الانسانُ من التاريخ، مضافاً إلى أن الإنسانَ ليس بوسعه أن يتحكّمَ بمصائره كليًا ليرسم لها خرائطَ الغد، الذي تتغلّبُ فيه المفاجئاتُ المباغتةُ أحيانًا على مسارِ التطور والتقدم في التاريخ.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

........................

1- صحيفة الشرق الأوسط "لندن"، الأربعاء 16 مايو 2018 العدد 14414

أنشأ مارك زوكربيرج برنامجَ تواصل فوري "شبكة تواصل اجتماعي على مقياس مصغر" في عام 1996 وهو في عمر الحادية عشرة، من أجل مساعدة والده الذي كان يعمل في عيادة الأسنان في الطابق الأول من بيتهم، ويوفر عليه عناءَ الطلوع والنزول على الدرج كما ذكرت أختُه راندي، وكانت عائلتُه تستخدمه للتواصل فيما بين افرادها.

2- وفي عام 2004 أسس الفيس بك مع بعض زملائه، وأعلن عنه 2007عام . ويكيبديا.

3- ويكيبديا.

 

 

محمود محمد عليالصين تعود للحياة ومصابو كورونا يغادرون المستشفيات بعد  تعافيهم، وفي ظل انحسار الفايروس وتراجع الإصابات، السلطات خففت الإغلاق العام في ووهان، ورفعت بعض القيود عن حركة السكان، وسور الصين أُعيد فتحه جزئياً.. أثناء ذلك شددت الدول الأوربية الخناق، وأغلقت الشركات والمصانع للسيطرة علي تفشي الفايروس، بعدما أصبحت أوربا بؤرة تفشي الفايروس، وانتشر الجيش الأمريكي في الولايات الموبوءة لمنع تفشيه، ودول عربية أعلنت حظر التجوال لمواجهة كورونا.. أشهر من المعاناة والقلق والبيات الشتوي في كل مناحي الحياة، تركت آثارها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية العميقة علي الإنسان والشركات والدول والمؤسسات، إلي متي سيستمر ذلك؟ من يتحمل تكاليف شلل النشاط الاقتصادي والتجاري؟.. كثيرة هي الأسئلة الذي يطرحها الواقع الأليم الناجم عن اجتياح فايروس كورونا العالم من أدناه إلي أقصاه .

فألمانيا مثلاً بدأت ترفع القيود من خلال بوابة كرة القدم من خلال ملعب دورتموند الألماني ومباراة دربي أقيمت في اليومين الماضيين بين فريقي بروسيا دورتموند وشالكة في زمن كرونا .. مدرجات خالية من المشاهدين .. لاعبون بدلاء ملزمون بالكمامات .. كرة معقمة .. نحو مليار شخص تابعوا مباريات الدوري الألماني عبر شاشات التلفزيون في مقدمتها أبناء دورتموند، وكما يبدو واضحاً لم تمنع القيود الجديدة التي فرضتها كورونا من الاستمتاع بالمباراة، وبالأهداف التي تخللتها .. هي خطوة أخري جديدة تقوم بها ألمانيا في اتجاه مزيد من التخفيف من الحجر الصحي واستعادة الحياة الاجتماعية والاقتصادية تدريجياً، ورغم مخاوف من مغبة عدم احترام إجراءات السلامة، كانت  المستشارة الألمانية " أنجيلا ميركل " النية قد عبرت عنها فإن الضغط يزداد في ألمانيا للمضي قدماً نحو إنهاء الإغلاق داخل الحكومة، وكذلك في الشارع الألماني الذي يشهد مظاهرات احتجاجية علي القيود .

والمشهد في إيطاليا لا يختلف عن ألمانيا كثيراً،  والتي عاشت الإغلاق المحكم منذ شهرين كاملين وتوفي فيها قرابة اثنين وثلاثين ألفاً تدرك معني أن تتكبد خسائر بشرية واقتصادية فادحة، وها هي ذي تعلن الثالث من يونيو المقبل موعداً، لرفع القيود عن المسافرين إليها من دول الاتحاد الأوربي، كما أقرت الحكومة الإيطالية مرسوماً يسمح بحرية التنقل دون  قيد داخل البلاد، وبفتح  الحدود  أمام  مواطني دول الاتحاد الأوروبي ودول منطقة " شنغن" وحدهم دون الحاجة إلي فرض حظر صحي، وشددت إيطاليا علي ضروة التقيد بإجراءات السلامة، مثل الكمامات واحترام المسافة اللازمة بين الأفراد .

وتري مصادر إعلامية –إيطالية أن قرار فتح  الحدود الأوربية قد يسهم في إعطاء دفع لقطاع السياحة الذي يمثل 13 % من  الدخل القومي الخام، وكذلك في إنقاذ الموسم الزراعي الذي يسمح عملياً بعودة نحو 150 ألفاً من العمال الفلاحيين، ومعظمهم من بولندا ورومانيا وبلغاريا.

والتوجه ذاته عبرت عنه بقية الأوربية وعينها علي موسم سياحي اوربي يفوقه عدد الإنفاق فيه نحو تريليون يورو، هي فرصة لإعادة إحياء السياحة، والاقتصاد في دول الاتحاد الأوروبي الـ 27 وفق المفوضية الأوربية، وقد أوصت خلال الأسبوع الماضي إلي فتح  الحدود  بين الدول الاوربية التي تشهد انحساراً في تفشي فايروس كورونا، لكنها شددت علي أن يكون ذلك بالتنسيق والتشاور دون أي تمييز كما جاء في بيانها، لكن الخطوات الألمانية والإيطالية ما تزال أحادية الجانب، رغم انصهارها في جوهر ما دعا إليه الاتحاد الأوروبي ويقضي بتوفير أكبر مساحة ممكنة من الحرية، مع الحفاظ علي كل القيود الضرورية للسلامة ..  معادلة هي أشبه بالرهان كما يقول المراقبون، حيث يتطلب من الجميع العمل علي إنجاحه، حتي لا تكون إجراءات إنهاء الإغلاق مجرد قفزة في المجهول..

وفي الوقت التي تخفف فيه بعض الدول من القيود علي إجراءات التباعد الاجتماعي لأجل استعادة الحياة، فلا زالت تحذيرات منظمة الصحة العالمية، بضرورة التزام الحذر متنامية، حيث تقول :" الوقت الراهن ليس الأنسب للتراخي .. ينبغي أن نعد أنفسنا لنهج  جديد في المستقبل القريب ".. وثمة شروط وضعها خبراء الصحة لاستئناف حركة الحياة الطبيعية مرة أخري ؛ أولها أن يواصل النظام الصحي دوره بذات الكفاءة لوقف انتقال الفايروس وسرعة التأقلم مع تنامي العدوي، إلي جانب العثور علي لقاح  أو علاجاً فعال للغاية .

بيد أن صدي الحديث عن نهج جديد يتردد بقوة داخل أروقة منظمة الصحة العالمية، نهج  يصفه المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لمنطقة غرب المحيط الهادئ " تاكيشي كاساي " بأن من شأنه تحقيق التوازن الصحيح بين التدابير مكافحة الفايروس، والسماح باستعادة النشاطات الاقتصادية مرة أخري "..

ونحمد الله أنه بعد كل هذا الشهور من إجراءات الحجر المنزلي والصحي في دول العالم مع اجتياح فايروس كورونا هنا كل الحدود أعلنت دول أوربية بدء تقليل هذه الإجراءات واستئناف الحياة الاقتصادية تدريجياً، إلي جانب إعلان خططاً وبرامج انقاذ للقطاعات الاقتصادية .. تأثر القطاعات الاقتصادية في مختلف دول العالم بالتوقف العملي من جراء إجراءات منع انتشار فايروس كورونا كانت متبايناً، وبحسب مدير البنك المركزي الفرنسي، فإن كل الدول الأوربية تأثرت كثيراً، لكن فرنسا تأثرت أكثر من ألمانيا، وقطاع البناء تأثر أقل في إيطاليا، وإسبانيا، من فرنسا .. وزراء مالية منطقة اليورو الـ 19 اتفقوا علي تفاصيل أول استجابة للأزمة الاقتصادية الناجمة عن فايروس كورونا المستجد، من خلال توفير خطو ائتمان احتياطي للدول الأكثر تضرراً من الأزمة، حيث تصل نسبته حتي 2 % من الناتج المحلي الإجمالي للبلد المعني .

صندوق النقد الدولي أكثر تشاؤماً بشأن تراجع الاقتصاد العالمي، حيث يتوقع تراجع النمو بنسبة 3 % في العام الحالي، وذلك في وقت تم رصد بيانات أضعف من توقعاته لعدد من الدول، في حين تتوقع المفوضية الأوربية، ركوداً اقتصادياً – تاريخياً في منطقة اليورو، مع توقعات بانخفاض قياسي من إجمالي الناتج المحلي، بنسبة 7.7 % في منطقة اليورو.

في حين عمقت الأزمة البطالة في مختلف دول العالم، فالولايات المتحدة الأمريكية قد خسرت 26 مليون وظيفة، في حين خسرت " كندا" أكثر من 3 ملايين وظيفة في فترة فصيرة .. أما الدول العربية ولاسيما دول الخليج العربي فقد تضررت اقتصادياً من أزمة  فايروس كورونا مع تراجع أسعار النفط، وأعلنت دول مثل السعودية عن إجراءات لمواجهة التحديات الاقتصادية، فالسعودية قررت رفع نسب ضريبة المضافة إلي 10 %  وإيقاف بدل غلاء المعيشة، فيما قدرت العراق خسائرها بنحو 11 مليار دينار .. الأمل والفرح في استعادة شئ من الحياة الطبيعية والاقتصادية حاضران بقوة، لكن المخاوف من موجة ثانية لا تزال قائمة في وقت سحلت فيه إصابات بفايروس كورونا المستجد في كوريا الجنوبية ووهان الصينية... وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

اوس عبد الجباراجل! اني اعلم من أنا، ومن أين نشأت

أنا كاللهيب النهم، احترق، وآكل نفسي

نور، كل ما امسكه

رماد، كل ما أتركه

أجل ! إني لهيب حقا

فريدريك نيتشه

عندما تُفتح للمثقف افاق المعرفة على مصراعيها يصبح الجهل نعمة عظيمة للانسان ، لان المعرفة وافاقها هي سبب شقاء ابدي لكل مثقف بلغ تلك الدرجة العالية فتنقلب حياته الى جحيم وماساة واغتراب ويصبح سجين لتلك الافكار ويبدا بالنظر الى الجهل على انه السعادة والطمئنينة بينما يصبح الوعي بين مجتمع جاهل لعنة تلاحق صاحبها.

هكذا كان هو الحال مع نيتشه الفيلسوف الألماني عندما عاش حياة الاغتراب والعزلة القاتلة وهو وسط مجتمعه فعاش بائسا حزينا غريبا مريضا طول فترة حياته الشاقه

فقد تجلى ذلك من خلال رسائله مع شقيقته اليزابيث فيقول فيها:

أين هؤلاء الأصدقاء القدامى الذين كُنت أشعُر معهم فى السنوات الماضية أننا متقاربين كُلياً؟ والأن يبدو لي أننى كُنت أنتمي الى عالم مُختلف، عما هو الأن. ويبدو لي أننا أصبحنا لا نتكلم نفس اللغة ! أشعُر أنني اصبحت غريباً ومنبوذاً، أتنقل بينهم هُنا وهُناك ولا أجد أي من كلماتهم أو أهتماماتهم يثير شغفي. أصبحتُ صامتاً لأن لا أحد منهم يستطيع فهم حديثي. أنه لأمر رهيب أن تلتزم الصمت بينما لديك الكثير لتقوله.

 

هل خُلقت لحياة العُزلة أو لحياة لا أستطيع فيها التحدث مع أحد ؟ عدم المقدرة على تبادل أفكاري مع الأخرين، أسوء وأفظع أنواع العزلة لي على الإطلاق. الإختلاف عن الاخرين هو أقسى وأفظع من أي قناع حديدي يُمكن للفرد أن يُعزل بداخله .

اشهر مؤلفاته كانت "هكذا تكلم زرادشت" تحدث فيه عن الانسان الاعلى والقيم والرجل الخارق ونقد المرأة وتأثر بنظرية الانتخاب الطبيعي لداروين فقال:

"ولأن الانتخاب الطبيعي قائمٌ أساساً على القوة و"البقاء للأصلح"، فلن يبقى إلا أقوى الأفكار وأقوى البشر" .

ومن هنا نتبين سبب تمسكه بأخلاق القوة وإرادة القوة التي بنى عليها نظرياته الأخلاقية.

ان طريق الفكر والوعي هو طريق الشقاء بلا ادنى شك وهو طريق الاغتراب والعزلة عن المجتمع .. فكل المفكرين والمثقفين لاحقتهم هذه اللعنة واصبحوا حُسادا للجهل ومن ينعم به .

للوعي والثقافة ضريبة عظيمة لايدركها الا من يعيشها .

هل فعلا ان الوعي والادراك هو سر الشقاء والتعاسة العزلة كما يذهب نيتشه؟

ام ان الجهل امر مريح لايرهق صاحبه كما قيل؟

 

د. اوس عبد الجبار

 

محمود محمد عليخطوة على طريق تصحيح المفاهيم المغلوطة

ما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأن الدراما والواقع وجهان لعملة واحدة، فالدراما لا يمكن أن تنفصل عن الواقع، وإلا فستصبح خيالية بدرجة لا يستطيع أن يستوعبها الجمهور وينجذب إليها، فمن المتعارف عليها أن الكتّاب يمسكون بخيوط كل ما يدور حولنا من أحداث وينسجون منها أعمالهم الدرامية، خاصةً حينما تكون الأحداث سريعة ومثيرة للجدل، وإلى جانب القضايا الاجتماعية التى تتناولها الدراما، أصبحت تتجه إلى تناول السير الذاتية، ومع بداية شهر رمضان المعظم انطلق سباق الأعمال الدرامية، حيث أخذ المشاهد العربي يتابع بكل شغف وحب أحداث دراما مسلسل "الاختيار" بطولة أمير كرارة وتأليف باهر دويدار وإخراج بيتر ميمي، الذى تدور أحداثه حول ملحمة بطولية لمواطن مصري قدوة فى الانتماء وحب الوطن ، البطل الشهيد العقيد "أحمد صابر المنسي"، قائد الكتيبة 103 صاعقة بشمال سيناء، وحدوتة بطولته في محاربة خفافيش الإرهاب الأسود حتى استشهاده في ساحة الفداء والعطاء النبيل ، مع أفراد الكتيبة ليجسد بطولة ستظل خالدة فى تاريخ العسكرية المصرية المشرف .

ومع ظهور الشهيد البطل أحمد المنسي فى بدايات حدوتة، تلك الدراما الرائعة نراه ، وهو يقوم بتدريب الجنود ، ولقاء مع زميله الضابط خلال تلك الفترة هشام عشماوي، وهو يطالب بالخروج على المعاش للبدء فى تنفيذ مخططه الإجرامي مع الجماعات الإرهابية المتطرفة، فى نهاية حكم جماعة الإخوان المعنية بصناعة الشر والقبح وكراهية الوطن، وذلك حسب قول مدحت بشاي في مقاله بعنوان نعم لــ « الاختيار « لا .. لصناعة القبح..

ولا شك في أن مسلسل "الاختيار" يمثل فرصة مهمة لتوثيق حياة بطل مغوار من أبطال مصر، في الوقت الذى نحتاج فيه إلى المزيد من الدراما الهادفة، التي تلتف حولها الأسر، لتأكيد حقيقة مفادها أن أساطير مصر لا تنتهى، بل وممتدة عبر الزمان، في الوقت الذى يحاول فيه تجار الدم والنار تقويض ثقة المصريين في أنفسهم، وفى قدرتهم على تغيير واقعهم إلى غد أفضل في جميع المجالات.

إن أجمل ما فى مسلسل الاختيار أننا لم نجد مشاكل أو (دعاوى قضائية) أو رفضا من أحد أفراد أسرة البطل أحمد منسى كما اعتدنا دائماً مع كل مسلسل يجسد شخصية بعينها  مما يعكر صفو المسلسل حتى لو كان جيداً.. فى هذه المرة وجدنا سعادة ورضا تامين من زوجة البطل الشهيد وفرحة بحضورها بعض المشاهد أثناء التصوير واشادة بالعمل وبأداء أمير كرارة والجهد الذى بذله لتجديد شخصية منسى.. حتى التفصيلة التى سأل زوجة منسى عنها كانت مهمة رغم بساطتها وهى اسم (الدلع) الذى كان منسى يقوله لها.. فقالت له (مشمشة)  فاستخدمه فى المسلسل بطريقة تجعل  المشاهد  يعيش كل التفاصيل مهما كانت بساطته وذلك حسب قول علي البحراوي في مقاله بعنوان الاختيار.. يكسب.

ولم نشهد إجماعاً شعبياً وخاصة فى أوساط الشباب على عمل درامي منذ سنوات طويلة مثل ما شهدته حول مسلسل «الاختيار قصة الشهيد المنسي».. فهذا المسلسل أشبه باجتماعنا حول مسلسل دموع فى عيون وقحة للفنان عادل إمام أو مسلسل رأفت الهجان للفنان محمود عبد العزيز والقاسم المشترك بين الأعمال الفنية الثلاثة أنها جسدت شخصيات وطنية حقيقية عاشت بيننا ويأتى المسلسل بعد إنتاج فيلم مميز مثل فيلم الممر الذى سجل لحظة من أمجد لحظات الانتصار للقوات المسلحة فى حرب الاستنزاف.. مسلسل الاختيار جاءت قيمته من قصة حقيقية لشهيد من شهداء مصر فى محاربة الإرهاب ومن أجل هذا التف حولها الشباب الذى كان ينقصه قدوة حقيقية ومثال حي لمقاتل مصري قدم حياته بدون أي تردد لحمايه بلاده من عصابات الإرهاب الاسود وذلك حسب قول مجدي حلمي في مقاله بعنوان الاختيار.. ملحمة وطنية جديد.

لقد جاء مسلسل "الاختيار" ليكون نقطة  تحول  لتصحيح  مسار الدراما  المصرية  لتعود إلى القمة مرة أخرى ويكون  بمثابة بريق من أجل أن يهتم رجال الفن بالأعمال التي تروى شجرة الانتماء والتي تمتد جذورها فى أرض وقلوب أبناء هذا الوطن ونبدأ فى إنتاج مسلسلات  ذات محتوى يحمل في طياته هدفاً ثقافياً وتربوياً وإصلاحياً  ويرقى بمستوى الوعى فى قضايا المجتمع .

إن مسلسل «الاختيار» ليس مجرد مسلسل نشاهده للتسلية والانفعال به فى أحداث المسلسل والبكاء على الشهداء والمصابين، فالحرب مستمرة وكلما قمنا بالبناء أكثر سيشن علينا أهل الشر الحرب أكثر ضراوة، لعل المسلسل يكون حافزاً لنا لكى نقرأ كثيراً عن دول الجوار والطامعين فى ثرواتنا، والطامحين لضرب استقرارنا، والغيورين من أمننا وأماننا الذى نعيش فيه بسبب هؤلاء الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم لكى ننعم نحن بالأمن والأمان فى كل ربوع مصر، وأهل الشر لا يعلمون أن مصر عظيمة وكبيرة وكلما استهدفوا أولادها زاد إصرارهم على تحرير أرضهم من دنس هؤلاء الظلاميين وذلك حسب قول خالد ناجح في مقاله بعنوان إنهم يكرهون "الاختيار".

علاوة علي أن مسلسل الاختيار والذى يحظى بمشادة جماهيرية كبيرة، ويؤرخ لبطولات الشهيد الذى حفر اسمه من نور كبطل من أبطال القوات المسلحة الباسلة والشهداء الذين سيتذكرهم التاريخ مرارًا لبطولاتهم الشامخة ودمائهم الزكية التي روت تراب الوطن ، فى مواجهة الجماعات الإرهابية بسيناء والدفاع عن تراب الوطن من محاولة الجماعات التكفيرية تنفيذ مخططات أجهزة مخابراتية بالسيطرة على سيناء، كما يفضح الدعاية الخبيثة للجماعات التكفيرية. وذلك حسب قول أحمد رزق في مقاله بعنوان النهاية.. اختيار..

إن ما يدعو للسعادة في نظري، أن «الاختيار» يتعرض لحملة ممنهجة حتى قبل بدء عرضه، وسر سعادتي أن المسلسل يعكس المأزق الذي تواجهه جماعة إخوان الشر وأتباعها، خوفاً مما يمكن أن تُحدثه الدراما كقوة ناعمة، في نفوس متلقيها، بفضحها لحقيقة الأفكار السامة والهدامة التي حاول هؤلاء دسها للبسطاء خلال سنوات طويلة، عبر المنابر الإخوانية.. ناهيك عن أنه، ولأول مرة، يجد المشاهد نفسه أمام ملحمة درامية بطولية حقيقية، وليس مجرد مشاهد تمثيل أو تجسيد لأحداث أو شخصيات بعينها.. وقد ربط صناعه بين أحداث المسلسل والأحداث الحقيقية، لتذكرة المشاهد بالحقيقة، مما يجعله لو كان في قلب الأحداث.. فالأعمال الدرامية التي تُجسد بطولات الشهداء، تُرسخ في نفوس الأجيال حب الوطن وأهمية الحفاظ على كل حبة من تراب سيناء، لأن ما يحدث على أرضها حرب حقيقية، يقدم فيها كل يوم بطولات، تشعرنا بالفخر الشديد.. وهذا ما لا تريده الجماعة.. فالتاريخ أكد أن جماعة الإخوان تشعر بالخوف والفزع والرعب من الأعمال الدرامية الوطنية، التي تفضح طبيعة نظرتهم للوطن، الذي لا يُساوي في نظرهم شيئاً، أو هو كقول مرشدهم (حفنة تراب عفنة)!.. وأن ولاءاتهم للتنظيم الدولي الإرهابي، فهم جماعة بلا وطن، ولا يدينون بالولاء إلا للغة واحدة يعرفونها، وهي ممارسة الإرهاب وسفك دماء الأبرياء.. ولذلك، فقد شعروا بخيبة الأمل مع عرض «الاختيار»، لأنه يعري حقيقتهم ويفضح أساليبهم الخسيسة في العنف، كما كشف وجههم القبيح وأعمالهم الإرهابية، ومعهم الجماعات والتنظيمات الإرهابية والتكفيرية التي خرجت من رحم هذه الجماعة المارقة.. وكلما زاد هجوم آلاتهم الإعلامية وفضائيات الدم، التي تبث سمومها ضد الدولة المصرية، من قطر وتركيا، على «الاختيار»، كلما ازددنا ثقة وامتلأنا يقيناً في نجاح المسلسل في كشف جماعة الإخوان للرأي العام المصري والعربي والعالمي، مُتلبّسة مع سبق الإصرار والترصد، بعملياتها الإرهابية الإجرامية، ضد أبطال قواتنا المسلحة والشرطة الوطنية، بل والشعب المصري كله وذلك كما قال جلال حمام  في مقاله المنسي.. قصة بطل أم سيرة وطن

والمشهد الذي كان مؤثراً فى نفس كل مصري وعربي فى أول حلقة من مسلسل «الاختيار» هو منظر استشهاد بعض أبنائنا الجنود وهم حول طبق الإفطار البسيط عقب أذان المغرب فى موقع خدمتهم بسيناء، استشهدوا وهم يتناولون إفطار رمضان بأسلحة جماعة خائنة لم تراع حرمة الشهر الكريم، ولا تعاليم الإسلام وقيمه ومبادئه، الإرهابيون بلا مبادئ أو دين أو قيم، هم قتلة مأجورون ينفذون توجيهات بمقابل مادى، ولكن الغلبة فى النهاية سوف تكون للوطن بفضل قواته المسلحة وتكاتف الشعب لتطهير سيناء من الإرهاب، كما حرروها من الاستعمار. وذلك حسب قول أحمد رزق في مقاله بعنوان النهاية.. اختيار..

اعتقد أيضاً أن أهم ما أراد العمل الدرامي توضيحه يتمثل في اسم المسلسل، وهو التأكيد أن الجميع لديه الاختيار وليس أحد مصير أو مضطر لاتخاذ طريق أو آخر، ففي الوقت الذي اتخذ فيه عشماوي طريق التكفير والقتل والنيل من مؤسسات الدولة، كان المقاتل الرائد أحمد منسي يدافع عن أرض مصر، ويذرع حب مصر في قلوب أفراد كتيبته ويرفع وعي الجنود لأهمية دورهم في حماية بلادهم وأهلهم.. نعم أنه الاختيار، فلابد أن تحدد موقفك، وأن تختار إما أن تكون وطني وعاشق لبلدك وأهلك، أو تكون خائن وقاتل ومجرم ومخرب ومطلوب للعدالة.. وأخيراً اعتقد أن أهم رسالة، هي نقل الصورة المشرفة والقوية ليس فقط للمؤسسة العسكرية، بل بالأحرى الجندي المصري المقاتل الذي يلقى بالرعب في قلوب أعداء مصر، وذلك كما قال مايكل مورجان في مقاله بعنوان "الاختيار"..

إننا اليوم نواجه حرباً ضروساً من هؤلاء وهؤلاء وكذلك حرباً اخرى من الإعلام الكاذب المناوئ الذى يبث من الخارج فى محاولة لزرع الشك والفتن بين أبناء الشعب الواحد....ثم هذا السيل العارم من الشائعات بمختلف أشكالها وأنواعها... يأتي كل هذا مع تزايد حالة الاستهانة واللامبالاة من تداعيات انتشار فيروس كورونا القاتل وما ترتب على ذلك من تزايد ملحوظ فى عدد الاصابات والوفيات. وذلك كما قال محسن الفحام في مقاله الاختيار .. وبائعي الضمير..

لقد أصبحنا فى حاجة ماسة إلى إيقاظ الوعى مرة أخرى لمواجهة تلك المخاطر الجسام وهو الأمر الذى لا تستطيع أجهزة الدولة بمفردها القيام به مالم يكن هناك دعماً قوياً من الأسرة ورجال الدين والإعلام والمدارس والجامعات وكل من يرى فى نفسه انه مسئولاً عن القيام بدور لتحفيز هذا الوعى وإيقاظ الضمير لكى يستمر دوران عجلة التقدم والإزدهار التى تشهدها البلاد حالياً على كافة الأصعدة وهو ما يشهد به العالم أجمع إلا تلك الفئة الضالة المضللة التى لا شك أن مصيرها سوف يكون إلى زوال فى القريب العاجل بإذن الله.. وذلك كما قال محسن الفحام في مقاله الإختيار .. وبائعي الضمير..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

علي رسول الربيعيالإسلام والعلمانية وتحديات حقوق الإنسان (4)

المطلوب أن يبدأ البحث عن أسس لحقوق الإنسان من دون عرض التراث القانوني الإسلامي التاريخي كنظام شامل يتم تطبيقه إلى أقصى حد في نشر الأخلاق العالمية المستمدة من الوحي الإسلامي. ومن المناسب الأشارة هنا الى أن الوثيقة الدولية العلمانية لحقوق الإنسان لاتدعي الالتزام بأكثر من أساس غير شامل وبسيط. من المؤكد أنها مبنية على اتفاق أخلاقي متعدد الثقافات حول حقوق الإنسان، وبالتالي، فهي تعدّ مُسؤولية الناس في كل مكان، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية وخلافاتهم، عن الصلاحية المطلقة لبعض الادعاءات الأخلاقية. التي تحمي وتعزز الحريات الأساسية لجميع البشر بوصفهم بشر. لكن ما يواجهنا من تحدي هو أن المعايير الأخلاقية مستمدة من تجارب أخلاقية متمايزة تؤكد على الطابع التاريخي الخاص الذي يميًز كل شخص، وهذا هو مايجعل كل ادعاء أخلاقي واضحًا في التقاليد الثقافية التي تشرح تلك المعايير. فتظهر مشكلة هي إن مفهوم الأخلاق المشتركة المعروفة لجميع البشر، في سياق لغة حقوق الإنسان هناك من يعتبره أنه غير شامل، لأنه على الرغم من أن مفهوم الحقوق أو الواجبات الطبيعية القائمة على العقل العالمي في الفكر الغربي كان بمثابة أساس منطقي لأخلاق عالمية علمانية في الوثيقة أو الإعلان، فإن تطبيقها عبر الثقافات في سياق التقاليد الدينية المختلفة أمر مثير للجدل1. وفي الوقت نفسه، ليست هناك حاجة للإعلان أو أي وثيقة من هذا القبيل التي يحمي مضمونها ويبرر حقوق الإنسان الأساسية على أساس المذاهب الشاملة، لأن المهم هو أن المعتقدات الأخلاقية المستمدة من مصادر دينية أو غير دينية يجب أن تولد التزامًا عامًا لحماية كرامة الإنسان، وليس الأخلاق الشاملة.

يمكن للمجتمعات المسلمة أن تلائم هذا الفهم غير الشامل للأخلاق، في متناول جميع البشر كبشر، من حيث المفهوم الأكبر للقرآن للطبيعة البشرية والغرض من الخلق. وبعبارة أخرى، يمكن أن تكون المفاهيم القرآنية عن الإنسانية كمجتمع واحد تحت رعاية الله، والمساواة بين جميع البشر من خلال هبة الله ذات لطبيعة أساسية القادرة على تمييز القيمة الأخلاقية للعمل المرتبط بالوحي بشكل بديهي، بمثابة أساس الحد الأدنى حقوق الإنسان في الإسلام. يمكن لهذا الأساس أن يسد، بدلاً من تجاوز، الفجوة الفكرية والأخلاقية بين الأخلاق العالمية العلمانية والدينية غير الشاملة من أجل جعل قضية مشتركة للتربية الأخلاقية والتدريب حول الكرامة الإنسانية المتأصلة والقيمة الأخلاقية لكل شخص على هذا النحو. يمكن أن يعود اساس الحقوق الإنسانية إلى الشخص لمجرد إنسانيته، سواء قبل أو لم يقبل الإسلام كدين له، الى مفهوم الطبيعة البشرية الواحدة وهي الفطرة بوصفها النقطة الأكثر منطقية لدخول المسلمين في لغة حقوق الإنسان. إن فمفهوم الأساس الطبيعي أو الفطري للإنسان هو المذهب الأساس للقرآن الذي يؤكد إصرار على خلق الله الهادف للبشرية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.........................

 -1Gene Outka and John P. Reeder Jr., eds., Prospects for a Common Morality (Princeton, NJ: Prin ceton Uni versity Press, 1993), pp. 3-4.

 

 

عصمت نصارلقد زعم العديد من المستشرقين أن البيئة البدويّة التي نشأ فيها الإسلام بما فيها من تعصب وصراع قبلي، قد انعكست بدورها على السياسة الشرعية. إذ جعلت معيار اختيار الحاكم هو القوة والشوكة، وجعلت المستبد العادل هو الحاكم الأفضل في الحكومة الإسلامية، كما أوجبت على الرعية السمع والطاعة له باعتباره ظل الله على الأرض وخليفة النبي المنوط بنشر الدين الإسلامي طوعا أو قهراُ، كما أن السياسة الشرعية قد جعلت لذلك الحاكم اليد العليا دون شريك في تسييس البلاد واختيار الأعوان من الوزراء والقضاة والجند والشرطة.

وحسبنا هنا أن نوضح الأمر وإثبات تهافت هذه الادعاءات؛ فحديثهم عن البيئة البدوية ومنطق البقاء للأقوى هو في الحقيقة سنة، لم يخل منها مجتمع في رحلة انتقاله من طور البداوة إلى طور التمدن، ولعل اعتناق العرب للإسلام هو الذي عجّل بطور التحضر والسلام بين القبائل ثم تشييد أعظم حضارة في التاريخ.

أمّا تفضيل المسلمين في السياسة الشرعية لصاحب الشوكة؛ فإنّ هذا يتناسب مع الطور الذي نشأت فيه دولتهم، فلا يجوز أن تقام دولة بين إمبراطوريتين عظميّين "الفرس والروم" لهما تاريخ حافل في المعارك والحروب، ولا تعلن عن بأسها وقوتها العسكرية، كما أن شرط القوة أو الشوكة يأتي ضمن المعايير التي يختار بمقتضاها الحاكم أي أن القوة ليست هي المعيار الأوحد.

أما مصطلح المستبد العادل فقد استخدم في سياق إجرائي ففهم خطأ، فالمستبد في معناه  اللغوي الصحيح هو الشخص الذي يأخذ الشيء ولا يتركه إلا بعد تمامه، وليس المستبد المنفرد بالرأي الراديكالي الإيطاحي الفاشي الذي لا يحترم آراء الآخرين ولا ينصت إلا لنفسه كما هو الحال في المصطلح السياسي المعاصر، فإن مثل هذه الصفات لا تتفق مع صفة العدالة، والمراد عند الأصوليين بالمستبد العادل هو ذلك القائد الحاسم الحازم، الذي يحسم الأمر دون تباطؤ أو خوف، وقد اجتمع المتكلمون على صفات رئيسة يجب أن تتوفر في الحاكم وهي العلم والعدالة والورع وحسن التدبير في السياسة والقوة والشجاعة والرفق والرحمة بالرعية.

ولعل جمال الدين الأفغاني قد صاغ المصطلح أى (المستبد العادل) بنفس الدلالة التي أوردها المواردي وابن تيمية وابن الأزرق أي القوي الغالب ذو البأس العادل. لذا نجد ابن أبي الربيع والمواردي والغزالي وابن خلدون وغيرهم يشترطون أن يكون الحاكم مستبداً عادلاً، أي حريصاً على تحقيق العدل وافشاءه في الأمة.

ويضيف الغزالي أن الاستبداد لا يعني أبداً القمع أو الإرهاب أو إهدار كرامة المحكومين، بل أن ذلك يتعارض تماماً مع أخلاقيات الحاكم المسلم، فالحسم لا يتعارض أبداً مع النصح واللين في التوجيه، كما أن السياسة لا تعني الاستطالة أو التجبّر أو الافراط فى العنف، فالكرامة الإنسانية هي أساس ممارسة السياسة في الإسلام، عدلاً وإنصافاً، باعتبار أن الأمة هي صاحبة الشأن، والحق، والمصلحة ابتداء، ما لم يسقط المكلّف نفسه عصمته وكرامته باختياره ومحض إرادته. كما يؤكد الغزلي اننا نريد أن ينفّذ السلطان أموره بالرفق، وألا يلجأ إلى الشدّة والعنف في كل أمر يستطيع تحقيقه، فلقد دعا صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهم الطف بكل والى يلطف برعيته، وأعف عن كل والى يعفو عن رعيته".

ويضيف المواردي أن خلق الدنيا زاداً للمعاد، ليتناول منها ما يصلح للتزود، فلو تناولها بالعدل انقطعت الخصومات، ولو تناولوها بالشهوات لتولدّت الخصومات، فمسّت الحاجة إلى سلطان يسوسهم، واحتاج السلطان إلى قانون يقومهم. ويعني ذلك أن انحطاط  الأخلاق في المجتمع وفساد الرعية وتطاول المجرمين منهم هو الباب الذي يدخل منه المتجبر لإهدار كرامة الناس بغية إصلاحهم واقامة العدل فيهم والحفاظ على أمنهم.

ويؤكد ابن خلدون مع المواردي والغزالي أن إرادة المستبد العادل وقوته في تحقيق العدل لا يمكن الوفاء بها الا إذا كان المجتمع مهيئاً لذلك، الأمر الذي يترتب عليه أن نجاح الحاكم أو السّاسة أو الزعماء أو القادة وحتى الرسل والأنبياء، مرهون بصلاح المجتمع. فابن خلدون يقدم حسن التربية وغرس الأخلاق الحميدة في الأمة على الردع والعنف في إقامة العدل واستتباب الأمن.

كما يؤكد ابن الأزرق على ضرورة تولي ملك المسلمين للمستبد العادل إذ يرى أنه لا يستحق هذا المنصب إلا من تمكّن بقهر يده التي لا فوقها يد، لجباية الأموال وحماية الحدود، ونشر العلم وإصلاح المجتمع والضرب على يد الخارجين والعمل بمشورة الصالحين، والعاجز عن ذلك ناقص الملك، وأنه الكفيل بإرضاء الخلق وإنزال الساخر منزلة الراضي.

ويضيف ابن خلدون أن المجتمع والملك في حاجه إلى ذلك المستبد العادل الذي لا يذم فعله من قبل الله أو الرعية، ولا يقدح لظلمه أو غصب الرعية على اعتناق الملة، فهو مستبد في انتصاره للحق ومراعاة المصالح.

وحسبنا أن نشير إلى أن مبدأ الغاية تبرر الوسيلة الذي أستنه "الفيلسوف الإيطالي ماكيافيلي" وفصل بمقتضاه الدين والأخلاق عن السياسة، يختلف تماماً عن مبدأ أن السبل للمقاصد لا تتعارض مع مآلاتها  فى الاسلام. ويعني ذلك أنه لا يحق لولي الأمر في السياسة الشرعية الخروج عن قطعي الثبوت وقطعي الدلالة، أو الأمر بنقيض صلب العقيدة كإباحة الزنا مثلا لجلب المال أو الكذب على الشعب وخيانة الوطن وتبديد الأرض اتقاءً لقوة غاشمة أو سلطان أعظم او اهدار كرامه الأمنيين لتخويف المجرمين.

بل يمكن للمقاصد الشرعية أن تسلك مسلكاً مغايراً لطبيعتها الخيرة في الظاهر، ولكنها تنتمي إلى خيريتها في الحقيقة، مثل الشر الجزئي المتمثل في الضرب على يد القلة الباغية، فظاهر الفعل شر وسيلة، غير أن الغاية من تقتيلهم هو إستتباب الأمن ومراعاة المصالح العامة، شأن سدِّ الذرائع وجلب المصالح، ويضيف ابن خلدون أن المبدأ الأخلاقي الإسلامي هو الذي يسعى إلى خيرية الإنسان، وعليه فإن الوسائل التي يسلكها في السياسة ينبغي ألا تختلف عن ذلك المقصد، فالغاية الثابتة لها وسائل متعددة غير متعارضة، وبما أن الإنسان إلى خلال الخير أقرب، فالملك والسياسة، إنما كان له من حيث هو إنسان، لأنها خاصة للإنسان، لا للحيوان، فإن خلال "الخير" هي التي تناسب السياسة والملك.

كما أن مفهوم السيادة في فلسفة " الفيلسوف الإنجليزي هوبز" يختلف تماما عن مفهومها الإسلامي؛ إذ يجعل الأول من الحاكم ملك متجبر مطلق الأحكام وليس من حق الراعية مراجعته أو تقييمه، أما السيادة في الإسلام فتعني القوة العليا التي تسهر على تسييس أمور الدولة، لتحقيق الأمن والمصالح العامة للراعية  التي رفعت الحاكم إلى تلك المكانة. فاذا فشل فحق لها فسخ العقد.

ففزّاعة الفوضى وانعدام الأمن الذي يبرر بها "هوبز" تجبره واستبداده وجوره لا يجوز في الإسلام، إلا إذا كانت الرعية أضعف من أن تحقق النصر عليه وتطيح به وتأتي بغيره مستبداً في عدله.

وقد انتهى ابن رشد وابن خلدون وابن الأزرق إلى أن تغيير المجتمع للأفضل مرهون بأمرين، أولهما : استعدادات العقل الجمعي للتقدم وذلك بنشر القيم الأخلاقية والمثالية فيه.

والثاني : هو وجود رغبة عند الأفراد لقبول العلم وآليات النهوض، وبذلك يتلاقى العقل القائد مع العقل الجمعي السائد.

والسيادة في السياسة الشرعية هي المعنية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعبير عن مصلحة الأمة ومن ثمّ لا يمثلها العوام أو الجمهور- كما هو الحال عند (جان جاك روسّو) - ولا أصحاب الأموال - كما هو الحال عند (لوك) - بل يمثلها أهل الحل والعقد في الإسلام لما توفر فيهم من الحكمة والدربة والدراية والعلم والتقوى. وعليه فإن اعتراض العامة أو عصيانهم لولي الأمر غير جائز شرعاً وذلك لأنهم غير مؤهلين للسياسة أو تطبيق المقاصد الشريعة التي تحتاج في أحكامها السياسية إلى اجتهاد واستنباط  وتقديم المقاصد على حرفية النصوص، وذلك كله يفتقرون إليه. ويضيف الغزالي أن السيادة الشرعية المستمدة من الدستور الإلهي لا تتمكن من تسييس الدولة إلا بذلك المستبد العادل، فهو الذي يفعّل القانون ويطبّق الدستور.

لا شك فى أن غيبة القراءة النسقية للتشريع الإسلامي هي التي جعلت من كل الدعوات التي تردد مبدأ الحاكمية، والإسلام هو الحل، والحكومة الشرعية، مجرد أوهام أو شعارات جوفاء على ألسنة مردديها وخصومهم المنكرين لحقيقه السياسة الشرعية الجامعة بين اخلاقيات الدين وسياسة الدولة على حد سواء، فالحقيقة الغائبة تتفق تماماً مع الأصول الشرعية للعلاقة بين الحاكم والمحكومين.

أمّا عن حديث المستشرقين عن النزعة الاستعمارية للسياسة الشرعية باسم الدعوة للدين واستخدام القوة في ردع المخالفين فإن ذلك مردود عليه، فقد تصدّى العلماء المحدثون لهذه الفرية وبيّنوا أن الجهاد في الإسلام لا يكون واجباً إلا للدفاع وصدّ الاعتداء ونشر الدعوة وإغاثة المضطهدين ودرء الفتن والحفاظ على العهود والمواثيق وحماية النظم الإسلامية واستتباب الأمن. ودون ذلك من عنف لا يسأل عنه الإسلام بل هي مطامع الساسة وانحرافات المجترئين.

وما قدمته لا يعدو أن يكون قراءة, لتذكره  الغافلين، إن من أهم آليات الحاكم لتقويم الواقع هو قدرته على اختيار عماله، فإساءتهم للرعية  أو تجبرهم سوف ينسب لمن أوكل لهم الأمر وولاؤهم على رقاب العباد. والسؤال المطروح  هل يمكننا إدراج مفهوم المستبد العادل ضمن الأساطير والمدن الخيالية الفاضلة؟

 

بقلم : د. عصمت نصّار

 

 

مجدي ابراهيمزعماء الإصلاح في العالم العربي على اختلاف توجهاتهم ومنازعهم هم أكثر الذين نقدوا النزعات الصوفية وعدّوها من حواجز التقدّم باعتبار الفكرة الصوفية عندهم على وجه العموم كانت تمثل عائق تقدّم، وأن تخلف الأمم مرهون بالولاء لهذه الفكرة. وتقدّمها في الغالب مُقرَّر في مقاومتها ومقاومة كل من يدين لها بالولاء. ومع ذلك؛ لم يكن البعد الإصلاحي في التصوف على وجه العموم بغائب عن عناية هؤلاء الزعماء؛ لأنه قائم بين محاولاتهم الإصلاحية، قادر على مجاراة أنشطتهم الفكرية والروحية، وبخاصّة في مجال التربية والإصلاح.

ولم تكن حركة التنوير العربية التي بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي برفاعة رافع الطهطاوي (1801 - 1873م) ومن خلال ما تلاه من رموز الفكر الإصلاحي امتداداً للقرن العشرين، هؤلاء الذين قدموا لأمتهم العربية أصوب الآراء وأدق القضايا وأشدّها خطراً على المستويين : الداخلي والخارجي بالتي تتجاهل البعد الإصلاحي في التصوف على التعميم. ولم تكن كتابات جمال الدين الأفغاني (1839- 1897م)، وعبد الرحمن الكواكبي (ت 1902م), في الربط بين الفكر والسياسة، وفي مجال الإصلاح السياسي على وجه الخصوص تخلو من التبتل العميق الذي يكشف جوهر التصوف في الروح والنيّة قبل أن تكشفه في السلوك والطريق. ولم تخلو مجمل الآراء الإصلاحية التي قدّمها الشيخ محمد عبده (1849- 1905م)، أو قاسم أمين (1863-1908م)، أو محمد إقبال (1873 - 1938م)، أو الشيخ مصطفي عبد الرازق (1885- 1947م)، أو أحمد أمين (1886 - 1954م)، أو المفكر المصلح الجزائري عبد الحميد بن باديس (1889 - 1940م)، أو الأستاذ عباس محمود العقاد (1889 - 1964)، أو طه حسين (1889 - 1973م)، أو غيرهم من كبار المفكرين والمصلحين الذين يعلمون عن الإصلاح ومداخله الكثير والكثير ويدرؤون الفساد بالتفكير الدائم في قيم الثقافة والتعليم والحضارة والتقدّم وممارسة الخُلق الرفيع من نقود عارمة عنيفة للتصوف السلبي ومع ذلك يبرز فيها بعد روحي أقوى ما يكون تصوفاً وخلوصاً من ناحية النزوع إلى الإصلاح والتربية والتعليم.

فهؤلاء المصلحون هم في الواقع كانوا خيرة عقول الأمة، ولا زالت آراؤهم تنير لنا الطريق في الثقافة الإسلامية والتربية الروحية وإصلاح الباطن قبل الظاهر، والجوهر والمضمون قبل الأشكال والأعراض، وكل هذا تصوف لا غبار عليه. ونحن في هذا المقال نكشف عن بعدٍ حيوي في التصوف لا يمكن في تقديرنا إغفاله بوجه من الوجوه، هو من القيمة الحقيقية الفاعلة من قيم التصوف يلزم لرجل الروح كما يلزم للرجل الفكر سواء.

ولا جَرَمَ كانت أهداف التصوف متمثلة في الدعوة الإصلاحية؛ وهى لا تزال في الغالب هدف التصوف الأوْحَد من ناحيته الاجتماعية لدى طلابه الحقيقيين ممَّن يعرفون له قدراً واقتداراً، لا يريدون سوى الإصلاح ما استطاعوا إلى الإصلاح سبيلاً. فلن يكون هناك تصوف بالمعنى الحقيقي لكلمة تصوف ما لم يكن هدفه هو إثراء البعد الاجتماعي الذي يتجسَّد في التربية والإصلاح؛ وهذا ما قام به شيوخ التصوف الكبار على وجه الإجمال: إصلاح الإنسان في بعده الروحي : إصلاحه بالكلمة، وبالفكرة، وبالتصرُّف، وبالسلوك، من طريق الدعوة إلى الله متمثلاً قوله تعالى:" أَدْعُو إلىَ سَبِيِلِ رَبِّكَ بالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ ". فالدعوة إلى الله بالحكمة إنما هى كلمة حق تخرج من لسان صدق هادفة إلى الإصلاح والتقويم والتهذيب ولها من الغايات أجَلَّها وأقصدها حين تخلص لله في سبيلها ولا تنتظر من خلقه شيئاً قلَّ أو كثر؛ فمثل هذا الانتظار فيه "زعامة" زائفة يتطلع أصحابها من طريق الدين إلى مجد زائل ومطالب دنيوية، يبتغون من وراء الدعوة الخالصة في سبيل الله أن يكون لهم حظهم الدنيوي يتفاخرون به ويفتخرون، وهذا الأمر بعيدٌ عن حظيرة التصوف بإطلاق.

هاهنا لابد لنا من وقفة نَعْرض فيها سلبيات الداعين إلى الله من طريق أنفسهم لا من طريق الله! فإن التَّوجه إلى الله لا يُفْرَضَ بإرادة البشر فرضاً قسْرِيَّاً مُكْرهاً بما يفهمه البشر من منهج الله : فَهْمُ البشر لمنهج الله شيء، وإرادة الله لهم شيء آخر .. العناية الإلهية فوق مستطاع البشر جميعاً : فوق إرادتهم، وفوق فهمهم من تلك الإرادة .. ماذا عساهم يريدون؟ وفوق أوْهَامهم التي يتصورنها عن الله، بحيث صَوَّرَت لهم خيالاتهم الفاسدة أنهم يدافعون عن الله، وهى كذلك فوق آمالهم وظنونهم التي يتوجهون بها إلى الله. إنما الذين يطلبون "الزعامة الدينية"، يتمركزون حول ذواتهم، ويطلبون أهواءَهم من طريق الدعوة، ويريدون رؤية أنفسهم في غير ما ينظرون إلى الحقيقة من وراء تعاليم الإسلام.

إنما الإسلامُ في حِلِّ عن الأشخاص. مهما كان هؤلاء الأشخاص وأينما كانوا : أعرف الحق تعرف أهله؛ ولا تعرف الحق بالرجال؛ فإن معرفة الحق بالرجال فيها من النكوص والبطلان ما يؤخِّرها عن رتبة المعرفة الحقة؛ لاختلاف الأهواء والتَصورات ومواطن القوة لديهم، ومواطن الضعف.

لا تعرف حقاً قط على ألسنة الرجال بل أعرف الحق من الحق أولاً تعرف أهله .. وتمادي في العرفان ! ليس كل علم يستقل بالإحاطة به كل شخص، ولا كل شخص يستقلُ في نفسه بالإحاطة بالعلوم؛ وليس كل إنسان في مستطاعه أن يدرك الحقيقة المجرَّدة عن نزغةِ الهوى؛ ولا كل إنسان بمقدوره أن ينظر إلى الواقع الفكري والثقافي للعقل الدعوى نظرة الذين يفكرون ويعقلون ما هم يفكرون فيه، ولا كل إنسان بقادر على أن يكون من أولئك الذين يرون الأشياء بالله من خَلف حجاب السبب؛ لكنما هى مواهب وقدرات تتصل بتكوين العقل وإحاطة القلب بنور المعرفة في غير عوائق أو حُجُبْ.

ومن أجل ذلك، قال الإمام علي بن أبي طالب - رضى الله عنه :" لا تعرف الحق بالرجال؛ أعرف الحق تعرف أهله ".

وأهل الحق يأخذون الحق من الحق لا يحيدون عنه، ويأنفون من أخذ الباطل ولا يطيقون استطالته وطغيانه. ومن هنا؛ فينبغي معرفة الشيء في ذاته بعيداً عن خُزَعْبَلات الأشخاص، ومن هنا أيضاً، فأغلب الذين يَدْعُون إلى الإسلام اليوم - إلا مَنْ رَحمَ رَبُّكَ - ممَّن نراهم على شاشات الفضائيات؛ أو في ساحات الميادين والمنابر والطرقات، ويعقدون من أجل الدعوة أحكم المؤتمرات وأحشدها ويعبِّرون في وداعة (!!) عن "العقل الدعوى"؛ يدعون له وهم في الواقع يدعون لأنفسهم ولمصالحهم ليعبدهم الناس بدلاً من عبادة الله. إنما يريدون أن يكتسبوا المكانة الاجتماعية، وربما ما هو فوق المكانة الاجتماعية أيضاً؛ بمثل هذه الدعوات التي لا تدلُّ على الحقيقة أو تدعو إليها بل تحتكرها !

والزعامة الدينية لا تنهض دليلاً على الإخلاص في الدعوة. ومداخل الشيطان ومساربه وحظوظ الهوى ومطالبه وفتنة الدنيا وتسرب ذلك إلى نفوس الداعين إلى الله؛ أخطر وأدق من أن يتنبّه إليها أحَدُ إلا في أقل القليل النادر. واكتساب الزعامات الدينية فضلاً عن كونها تسيء إلى صحيح الإسلام فهى تقدح في نية طالبها فضلاً عن قدحها مباشرة في التوحيد، وفي وعي صاحبها بهذا الدين : رُوُحُهُ وخطابُه وتبليغه بهذه الروح وبذاك الخطاب!

وما يقال عن هدم التصوف للزعامات، يقالُ بنفس الدرجة وأقوى منها عن هدمه للكهانات.

وفي الحق؛ قد كشفت أدبيات القدماء عن مثل هذه الزعامات المتسلطة؛ إذْ كانوا يتنبَّهون إلى فعل الأهواء والمطامع والأغراض والمصالح فيها جيداً، ربما أكثر مما نتنبَّه نحن إليها اليوم، مع تطور الزمن وشدّة الادعاءات فيه. وكان الإمام أبو حامد الغزالي أحد هؤلاء الكبار الذين أفاضوا في الجزء الثالث من "الإحياء" في شرح تلك السدود والحواجز والقيود؛ ووجوب رفع تراكم الحُجُب التي تقف حائلاً منيعاً بين العبد والوصول إلى الحق؛ مما ليس ينحصر هنا تحديداً إلا في إشارات.

فهناك - كما قال - زعامة "الرياسة"، وهناك زعامة "الجاه"، وهنالك زعامة  "المنصب"، وهنالك زعامة "السلطة". لا ريب كانت هذه الزعامات يشملها جميعاً مفهوم العلو، والتعالي، المجموع في التقدير القرآني تعبيراً بقوله تعالى:" تلك الدَّارُ الآخِرَةِ نَجْعَلهَا للَّذِيِنَ لا يُرِيدُونَ عُلوَّاً فِي الأرْضِ وَلا فَسَاداً، وَالعَاقِبَة للمُتَقِينَ ".

هذا العلو هو في بعض التخريجات يعني : النظر إلى النفس. أمّا الفساد؛ فيَعني النظر إلى الدنيا، والأمن من المكر والكبر والعجب.

وأصل ذلك كله الجهل، وليس الجهل هنا بالطبع جهلاً بالعلم، لا .. فقد يكون الإنسان عالماً ولكنه في هذا الموطن بصفة خاصة هو من أجهل الجاهلين. الجهل هنا جهلُ بالنفس، ثم جهل بالله؛ مع كون الجاهلُ عالماً من حملة الشهادات البرَّاقة واللافتات العلميّة الكبرى ممّا من شأنه أن يخطف العين ويُذْهب البصر, غير أنه يعدُّ جاهلاً مادام علمه لم يتحوَّل إدرَاكِيَّاً إلى علم بالجهل. فالعلماء بالله على هذا؛ هم علماء بجهلهم؛ أي هم الذين يدركون جهل أنفسهم عن أن تصل إلى "حقيقة الحقائق"، أو حتى ما دونها، ناهيك عن احتكارها أو امتلاكها، فضلاً عن التعبير عنها بعد العلم بها. الأمر الذي ينفي صفة العلم عمَنْ يدعيه وهو على هذه الحالة.

فأمّا الذين يعلمون ويقولون مع شدة الادِّعاء إننا علماء فهم جهلاء على التحقيق. وعن الجهل يكون الكبر لا محالة وطلب العز في الدنيا، والعلو في الأرض، والتَلهُّف على السلطة والاستبداد بها، وحرمان الغير منها ولو على سبيل المشاركة.

وطلب العز في الناس هو الذي يتولد منه العُجْب. فالوصول إلى قرب الله تعالى؛ وإلى مراتب دُنوِّه كما نبَّه عليه سبحانه في الآية الكريمة، لا يكون مطلقاً لمن له حب "الزعامة": رياسة، وجاهاً، وسلطة، ومنصباً، ونفوذاً ... وأترك لك أن تعدِّدَ أنت أنواع الزعامات التي تلاقيها في نفوس البشر ممَّن يحيطون بك وألوان الاستبداد بها! وهو كذلك لا يكون مطلقاً لمن تمكن حبّ هذا كله أو بعضه من قلبه.  وإنما يكون لمن حذف هذه الآفات المُمْرضة عن قلبه ولم يباشر حظوظ نفسه وهواه، ولم يخضع لمصالحه ومطامعه وأغراضه فيما يتوجَّه به إلى خالقه، هنالك يَخُصُّه الله بالدرجات الشريفة والسعادات الدائمة فلم تعد تأتي منه إذْ ذَاكَ أفعال الخبيثين.

الدين لله لا للأشخاص والجماهير العريضة وقطاعات وفيرة منها في الغالب، تقدِّس الأشخاص الذين يتحدثون في الدين من حيث لا يشعرون بألوان الخطابات الطاعنة في الدين نفسه، شَعَروا بذلك أم لم يشعروا، وتُلْبِسَهُم أثواب القداسة لمجرد أنهم يتكلمون عن الله ورسوله؛ فيما لو مسَّت دعوة الداعي مشاعرهم، وذلك لأنها جماعات تنزع إلى المحسوس في كل ما ترى وفي كل ما تحسّ وتشعر، فتتخذ من الداعين إلى الله مكاناً للتجسيد القبيح؛ ليتسلط الداعي بعدها تسلطاً بغيضاً من حيث لا يشعر فتتحول الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة على يديه إلى سُلطة، وتتحول الموعظة الحسنة إلى سياط يعلو قلوب الناس وعقولهم لا إلى رحمة للعالمين!

إنه الإرهاب ! الإرهاب بكل ما تحمله الكلمة من وَقْعِ كريه على المشاعر الإنسانية النبيلة : إرهابُ المشاعر والأفكار، وإرهابُ الضمائر والقلوب، وإرهابُ الطمأنينة النفسية وأمان الاستقرار، وما أكثر الذين يُرْهبون الناس - بالفكر والواقع -  فيرتكبون على شاشات الفضائيات جرائم بشعة في أبواب الفتاوى تارة أو تحت ستار الفكر الإسلامي تارة أخرى، وفي عناوين وشارات كلها ترتكبُ باسم الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ والدعوة إلى سبيل الله منها براء ..!

إذا كانت الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة قاعدةً أساسيةً لا يرتاب فيها مؤمن مُصَدِّق بهذا الدين؛ فإنها تُنْتَكس - لولا أن الله يحفظ سبيله - على أيدي أولئك الذين يُعَبِّرون عن أنفسهم واتجاهاتهم وأنماط تفكيرهم وزعاماتهم من خلالها، ويريدون أن يمتلكوا الحقيقة من خلالها .. ولا حقيقة عندهم إلا فيما يقولون ويعبرون ..! إنّ الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ليست منهجاً مُغلقاً ولا هى بالأسلوب الأوحد الذي لا يعرف التغيير والتبديل وفق ظروف حياتية ومستجدات واقعية وتقلبات نفسية وتطورات معاشة في الواقع العملي، وإنما هى منهجُ مفتوحُ، ليس بجامد ولا هو بالمغلق، بَصِيرٌ بالواقع وبالناس، وبَصِيرٌ بالدنيا وبالأحداث؛ لأنه منهج قبل ذلك كله، وبعد ذلك كله، وفوق ذلك كله، بَصِيرٌ بالله، وينبغي أن يكون صاحبه على الدوام بَصِيراً بالله.

والبَصَرُ بالله إخلاصٌ لله وحده في الحلِّ والترْحَال؛ في القول والفعل؛ في الحركة والسكون؛ في النشاط والخمول، في كل شيء، في كل شيء بغير استثناء، وحقيقٌ بالبصير بالله أن يكون مخلصاً إخلاصاً لله وحده لا شريك له، ولا شيء غير ذلك؛ ففي هذا الإخلاص بصرُ بالله وبصرُ بالناس. وليس معنى البصر بطبيعة البشر أن يتخلىَ المنهج عن روحه، وعن خصوصياته، وأن يستجيب لتقلبات الأهواء البشرية، بل معناه المقصود هنا هو الاستيعاب، والاحتواء، وامتصاص السَّقطات البشرية تحت ديدن الإخلاص لله : شرط النشاط الإنساني كله. فأي تفريط في دين الله في نفس الداعية هو انتكاسة عَقَدِيِّة قبل أن تكون خُلقيِّة : انتكاسة تستوجب التوبة وتقتضي من صاحبها ضروب الحذر والتَّوَقِّي.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

سامي عبد العالتَعرّفنا سلفاً على كيفية صناعة الرعاع (السوقة والغوغاء) في جسد الثقافة ومن ثمَّ عبر تراث المجتمعات العربية. كانوا يشكِلوا ظاهرةً عصيةً على التفسير من أول وهلةٍ، لأنَّهم بمثابة الوجه الضروري لغلبة نمط السلطة واستبدادها. وبالتالي لن تُدرك أحوالَّهم ولن تضعهم بين قوسين ما لم تُدرك أولاً ماذا تفعل هي، بل كانت السلطة ستحتاج إلى تعريف ماهيتها وماذا هي بالضبط. ونحن نعرفُ أنَّ كل تعريف هو نوعٌ من التحديد، وأي تحديد سلب على طريقة هيجل، وهذا قد يخدش صورة السلطة ورموزها في مرآة الحياة.

ونظراً لكون السلطةَ في الذهنية العربية (لا تريد) إدراك ماذا تفعل، فلن تستطيع بالتبعية معرفة ماذا تترك من آثار. هذا مسارها- القديم والحديث- لدينا كعربة طائشة  crazy car (بدون كوابح) لا تلتفت إلى الوراء، ولا تعي ماذا قطعت، ولا ماذا فعلت من حيث المبدأ. السلطة حجاب يصعب الرؤية من خلاله ولا من ورائه، كأنَّها كتلة صماء بلا معالم، فقط تتحدث إلينا دون أنْ تسمع. كلُّ سلطةٍ من هذا القبيل هي التاريخ المسكوت عنه والذي يتم فيه فرزُ الناس تبعاً لتصنيفات اجتماعية يُعاد استعمالها في العلن. وتبلغ درجة التكتم على أسباب ذلك الوضع حتى يُصدق الناسُ أنَّهم هم السبب ليس إلاَّ.

الرَّعاع قد صُنعوا ثقافياً واجتماعياً وتحولوا إلى ما هم عليه (المهمشون- الفقراء – العامة- بسطاء الحال)، فلنحاول إذن معرفة طريقةِ إدارتهم، وهي المرحلة اللاحقة على المرحلة الأولى منطقياً. وربما تعد أهم منها... لأنَّ هذا الكم المهمل من البشر يحتاج إدارة سياسية لكيانهم (حيث لا يملكون غيره) في خريطة الحياة اليومية. هم من تلك الجهة يعتبر الرعاع اكتشافاً بنيوياً structural discovery بمعنى الكلمة، وعلامة بوجود خلل تاريخي في المجتمعات العربية القائمة على تباين أحوال العيش.  وضعهم مثل الصديد الذي يوجد تحت الجلد وبين الأنسجة والعضلات ويحذّر الأطباء منه مخافة أن ينتشر ويلامس العظام!!

بكلمات أوضح: يُعتبرون-  أي الرعاع- ترْساً عضوياً في عجلة المجتمع وأدواته التي تتجاوز جميع المجالات. فقد يعدهم الساسة وسيلةً لتحقيق المآرب (بعض الشعوب)، وربما يعتبرهم سواهم بيئة خصبة لنشر الفوضي، بينما يُشعل آخرون -بخلاف هؤلاء وأولئك- الغرائز والمتطلبات البسيطة لهم تحت بند الفنون الهابطة (الجماهير عاوزه كده). وبالتأكيد يبدو ذلك مُهما إذا تساءلنا عن أنظمة المجتمعات العربية من زاوية الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة وتداول السلطة والتنمية الحضارية.

القضية إذن: كيف جرى التحكم في الرعاع سياسياً في تاريخ العرب المعاصر؟ هل أفسحت لهم الأنظمة الحاكمة مجالاً؟ ماذا عن هندسة حركتهم في الشارع؟ بالطبع الافتراض الرئيس هنا: أنَّه لم تترك السلطة هؤلاء وشأنهم كما لو كانوا بطريقة (لا مفر، الله غالب)، كأنَّ الموضوعَ قضاء وقدرٌ. لكنهم شكَّلُوا مورداً سياسياً ضخماً بالنسبة للأنظمة المتعاقبة (وسأشرح ذلك بالنسبة لنظام حسني مبارك). فنظراً لاستبداد الأنظمة المتواصل من عصرٍ إلى عصرٍ اعتبرتهم السلطة مخزوناً استراتيجياً لحكم المجتمع. ثم كانوا مثالاً لمجتمع مقلوب رأساً على عقب، يتلقى ضربات قوية باعلاه (تشتيت النخب واهدار الوعي) ثم يخضع هذا المجتمع للتكوينات المهمشة بأعماقه. فهؤلاء البسطاء كانوا عينة  (شريحة slide) حقيقية لنتائج من سنوات القهر والتلاعب بمصائر الناس. وإذا لم يبق إلاَّ هؤلاء بأوضاعهم المُزرية لكانوا دليلاً على تاريخ التخلف بأصنافه الاجتماعية والسياسية.

وكلمة الإدارةُ المشار إليها بالعنوان هي نوع من الخطط التي تورطهم في عنف السلطة وجهلها  (بالمعنى السابق). تُبقيهم مرحلياً في أرصدتها الحية لوقت اللزوم، حين تحتاج إليهم أثناء التحولات السياسية (العصا والجزرة والاستعمال). لأنَّهم يؤيدون أصحابَ الصولجان بحكم قلة الوعي الذي ترسب عن قصدٍ (التجهيل). كما أنَّ الرعاع ساذجو المعرفة بما يجري نتيجة انعدام التنوير وثقافة الشفافية وضعف فرص العيش الكريم. ولهذا كانوا يقفون لدى المناطق الزلقة والناعمة من أي نظام قائم، يقايضون قوتهم السياسية وتأييد الحاكم مقابل فُتاتٍ بسيطٍ من الحياة.

من جانبٍ آخر كان الرَّعَاعُ أرضية للقُطعان والطوائف والجماعات السياسية والدينية حيث يُضافون تلقائياً لقوتهم الحسابية طالما لا يدركون الخلفيات جيداً. أي من السهولة بمكان أن يقعوا في براثن الاستخدام الضيق للمصالح. وبشتى العناوين السابقة لم تخلُو منهم دولةٌ عربية واحدة. فالطائفية – مثلاً- قد تلتهم دولةً وتتلاعب بوجودها العام كما هو حادث بلبنان وتحول الحياة اليومية إلى ساحة حرب (الحرب الأهلية). كذلك العائلات التي تعتبر نفسها أصلاً للمجتمع والدولة في بعض البيئات العربية. هذا بخلاف القبائل المالكة والأسر الحاكمة شرقاً وغرباً على خريطة العرب ذاتها.

والأرضية السالفة ما لم تكُن آخذة بتنوع عناصرها وافساح المجال للحياة المشتركة (التسامح والاعتراف المتبادل)، فإنَّها تمثل مشكلةً اجتماعيةً وسياسيةً غائرة الأبعاد. إذ تتأسس على تهميشها المقصود للفئات الدنيا أنظمةٌ حاكمةٌ من ناحيةٍ، ولا تتوانى الأنظمة– من ناحية أخرى- عن استعمالها النفعي (بطريقة المثل الشائع: لا بحبك ولا بقدر على بعدك). فزيادة رقعة الرعاعية أو تضييقها أمر مهم، وهي بذلك تخضع لسياسات نوعية طويلة الأمد.

لقد بات معروفاً أنَّ السلطة أمست "آلة خشنة" تستعمل هؤلاء في تعطيل القوانين وتضييق الحريات واعاقة التنمية وتسويف تداول السلطة وخفض مستوى التوقعات منها. إذ ذاك فقد شكلَ الرَّعَاع- بنية وتجمعاً وسلوكاً - آثاراً جانبية side effects لهذه السلطة، لدرجة أنهم لا يظهرون في فراغ سياسي. كانوا دوماً بمصطلح حديث تحت السيطرة under control، المهم أنهم بعين تحرس هذا الكتلة من علٍ (دوماً ضبابية التفاصيل)، لأنَّ الحُكم لن يخطو خطوة بدون تسويق قراراته وسط هذه الأحراش البشرية.

فعلى صعيد التعليم والمعرفة، حرصت السلطات الحاكمة على تجهيل تلك الفئات المهمشة. بل وضعتهم في قوالب عشوائية لكيلَّا تتطلع إلى أكثر من شظف الحياة. ووسط حجب الحرية كانوا هم الحامل الشعبي لقمع الدولة سواء أكان ظاهراً أم خفياً. حتى ارتهن وجودها المتلون وحركتها المتقلبة بوجود الرعاع، بل حملوا سلفاً تصنيفاتها الاقتصادية والطبقية إلى قاع المجتمع. هذا رغم الادعاءات المتواصلة بتطويرهم واتاحة فرص التعليم أمام أفرادها (كما يقال التعليم كالماء والهواء). لكن الشعار البراق شيءٌ، ودفع المهمشين- بتكريس الظروف السيئة- إلى الاختيار الأسوأ شيء آخر. إنَّ العمليات الجارية عليهم سياسياً مقننةٌ، لضمان ولائهم في نهاية المطاف (إضعاف قواهم وإخماد تطلعاتهم المشروعة).

هكذا كان الرعاع - بخلاف أي شيء آخر- نتاجاً للنظام السياسي لا الفوضى كما يُقال. فالمفترض أنْ يدخلوا ضمن هندسة اجتماعية سياسية لتطالهم التنمية والحقوق القانونية والإنسانية. لكن مكر الأنظمة أبقاهم على الحواف الشائكة التي ليست داخل ولا خارج اهتماماته. لكنه فرز ورتب قواهم العددية والاقتصادية وصولاً إلى قواهم العضلية. فليسوا في حالتهم المزرية ثقافياً إلا لكون النظام نظاماً أعمى بهذا الطابع الدكتاتوري. وبالإمكان حين نعد السلطة بالمجتمعات العربية معطى سياسياً فهي عصا لجمع الرعاع وتفريقهم (العبد يضرب بالعصى والحر تكفيه الإشارة). إن التصورات الجمعية تتمم فاعليتها في ضوء وجهي الترهيب والترغيب في الذهنية العربية. ليست الحالة حالة سياسة على شاكلة معناها المعروف في الدول المتقدمة، لكنها تشتغل على حيوانية الإنسان بالمقام الأول.

اعتبر الحاكم العربي الرَّعاع من لوازم سلطته وحواشيها الضرورية. بالمقابل هم يتشبثون به كما تتهافت الفراشات حول الضوء القوي. وقد يُخرج لهم كلامه الزلِّق إذا أراد ذلك، حينما يعطي وعوداً وراء وعود بتحسين أحوالهم المعيشة دون جدوى. ومع ذلك يضعهم كرصيد غوغائي إذا تململت الأرض تحت أقدامه. فيدفعهم لمحاربة خصومه السياسيين في الأوقات الحرجة أو يجعلهم رصيداً استراتيجياً. ونتيجة الأدوار التي اسندت إليهم يذهبون سياسياً إلى نهاية أشواط الاستعمال. لقد التصقت ببعضهم عبارات كثيرة تصف وجود الجماعات البديلة ضمن الدولة. مثل "الفُلول" في الحراك المصري ... و"الأزلام" في ليبيا... والشبيحة في سوريا... والحزام القبائلي في اليمن... ومن قبل أشبال البعث وفتواته في العراق. كانوا بدورهم يتلونون ارتباطاً بالزعيم والقائد كحال الموالي وأهل العصبية بلغة ابن خلدون.

العبارات الوظيفية مجرد سطح لخطاب سياسي تغرق تحته فئات كثيرة، فهم يعرفون مكانتهم بالتحديد. ولئن كانت السلطة تمارس عليهم تهميشاً، فإنهم يقفون تحت ظلالها الوارفة بالتبعية، على الأقل- نتيجة العوز الاقتصادي المدروس- يحتمون بأي كائن خرافي أسمه الحاكم ولو كانت الشيطان نفسه. وقد يلقون بكيانهم الهش جانباً مقابل بعض المكاسب التي ربما تنتشلهم من الوحْل الاجتماعي.

أولاً: لا تمتلك هذه الفئة إلاَّ أجسامها التي مثلت نصاً سياسياً اجتماعياً ممكن قراء تاريخ المجتمعات من خلاله. فظهرت عليها آثار الفقر والتهميش بلا حدودٍ. حتى أنَّه بالإمكان رؤية القهر محفوراً بين العروق وعلى جلود محروقة. ناهيك عن الحياة الرثة التي طالت أغلبهم.

ثانياً: يقفون تحت زناد الصمت القابل للانفجار بأي وقت. كأنهم سلاح بارود كاتم للصوت. لا يتحدثون عن المشكلات إلاَّ فيما بينهم وقد لفهم الخوف من العصى وطمعاً في الجزرة. مثلت عباراتهم المتداولة قاموساً سياسياً غاصّاً بالنكات والأغاني الشعبية والعبارات الدارجة المعبرة عن الفوارق الطبقية.

ثالثاً: لهم رموزهم السياسية والغنائية والشعرية (مطربو الاغاني الشعبية والدارجة). ويعتبرون هؤلاء بمثابة المعبرين عن حالهم ومشكلاتهم الاجتماعية (التنفيس واللهو). حتى ليمكن القول بأن رؤيتهم للعالم والتاريخ تختلف كثيراً عن باقي فئات المجتمع. ولئن انتقلنا إلى مناطق تواجدهم، لكأننا انتقلنا إلى دولة داخل دولة، وإلى قرن غابر عبر القرن الحالي.

رابعاً: تسمح أوضاعهم بتفريخ الخرافة والأوهام المزيفة. وأبلغ أوهامهم أنهم يعيشون تحت سقف الرضى بالأحوال أفضل من لا شيء. فرغم أنَّ ظروفاً صعبة قد عركتهم، إلاَّ أنهم يعتبرونها شيئاً عادياً (العبودية المختارة بعبارة كتاب إتين دي لابواسيه). كما أنهم- في حال السخط- يمثلون حاضنة لنمو الاتجاهات المتطرفة والجرائم الاجتماعية والاخلاقية.

خامساً: بوضعهم العشوائي كانوا مسرحاً لجماعات الاسلام السياسي. فنظراً لغياب الدولة (أي استعمالهم فقط)، كانت تلك الجماعات تقدم خدمات بديلة ومعها بث الأفكار المتشددة وزيادة رصيدها العددي. وعليه فقد أخذت الدولة العربية -ككيان مخابراتي- الرعاع بعين التوجس والريبة والتوظيف في آن واحد. إذن بأية طرائق أمكن التحكم في هؤلاء؟ هل لهم أدوار في مفهوم الدولة وسياجها الصلب؟ وما علاقتهم بالقوى الفاعلة اجتماعياً؟ ماذا كان يمثلون زمنياً بالنسبة لسلطة تُمدِّد بقاءها باستمرار؟

على سبيل المثال: كان حسني مبارك يستيقظ باكراً رافعاً بصره – كما أشار ذات مرةٍ في خطابة الرسمي- إلى عدد سكان مصر الذي ناهز التسعين مليوناً آنذاك قائلاً: كيف سأُطعم جميع هؤلاء الناس بوقت واحد. كيف سأوفر لهم خدمات ومرافق وتعليماً، من أين سأدفع رواتبهم!!  لنتخيل برهةً:  رئيس مصر يرى في شعبه لحماً بشرياً ليس إلاَّ. كما كان يعتبرهم عبئاً لا طاقات قادرة على العمل والانتاج وبناء المجتمع. وذلك دلالته أبعد من مجرد الهم اليومي: أنَّ  التعليم والعمل كانا يزيدان تلك الفئات المهمشة اقصاءً. فالفرص ضئيلة (مع زيادة الثراء لغيرهم)، لكون مدخلاتهم (المعرفية والاقتصادية) التي تسمح بتحسين أوضاعهم كانت شبع معدومة أيضاً.

أشير إلى نظام مبارك تحديداً، لأنه كان نظاماً رعاعياً بامتياز. إذ يتعامل مع مواطنية بهذه الطريقة الموروثة: كرعاع همج (دعهم يتسلوا ويلعبوا كما قال أيضاً بآخر سنوات نظامه) حتى بات مثالاً بارزاً على فقدان وزن المجتمع وثرواته البشرية. وكان نظامه قائماً على احتضان ثقافة الرعاع في المناصب العليا من جهة أخرى (أي تحويل المميزين وأصحاب القدرات الخاصة كأنهم رعاع لا قيمة لهم). ويصح هذا التأكيد حصراً: إذ جعل من الدولة ماكينةً لتخريج الرعاع في كافة المناحي. أصبحت حالة المجتمع المصري في عهد مبارك حالة همجية قابلة للزيادة طوال الوقت. وكأن مصر قد انقشعت عنها سنوات التحضر والمدنية التي شهدتها في العصر الحديث عائدة إلى عصر الفوضى والتخبط. والغريب أنَّ الفوضى كانت تغلي على مهلٍّ وببطء شديد حتى انكسر القدر في الخامس والعشرين من يناير ألفين وأحد عشر.

وبهذا كانت هناك أدوات النظام السياسي لتعميم الرعاعية واعادة انتاجها.

1- الجوع: الجوع الرمزي أشد خطراً من الجوع الحسي نتيجة فراغ المعدة. فالأخير قد ينتهي بتناول الطعام والاحساس بالشبع. لكن فقدان المستقبل والخوف من المجهول أسسا جوعاً نهماً هو الرغبة في الإشباع النفسي وإنْ كان لا يأتي ولو مرة. والجانب الاقتصادي للمسألة هو المظهر البادي بصدد عدم توافر الاحتياجات الأولية بينما الجانب الرمزي هو المستفحل.

ولهذا الجُوع أهمية في هرس المواطن وتعريته من الداخل أمام نفسه وأمام عائلته. وقد حدث بالفعل فأضحى المواطن مرهوناً بدخله الشهري المعدوم وبشخصيته المفقودة!! لأنَّه لا يساوي شيئاً بينما السوق الحر الموازي يلتهم أيَّة نقود. وبالتالي ظهر ولاء المواطن فقط لمن يدفع أكثر. فانتشرت الرشى وتحولت مصر إلى معدة كبيرة كلٌّ يهضم ما يجده في موقعه. كانت النتيجة على المدى البعيد:  (جَوَّع كلبّك يتبعك). هذا القانون الكلبي في السياسة قد طبقه نظام مبارك بحرفية خاصة. حلَّت المماثلة الشهيرة لدى المصريين: كلمة الحكومة كلفظ حين يُطلق على الزوجة والهيئات الحاكمة بمعناها السياسي. كأنَّ الدولة تحولت إلى عائلة بدائية تقتات بشكل أبوي وتُحكم كذلك.

والجوع بهذا غدا شبكةً دلاليةً تمرر معانيها من مجالٍ إلى غيره. لأنَّ التبادل الرمزي بين المجالات كان متاحاً بشكل ضمني. ومن ثمَّ أُطلق على مبارك تعبير "أب المصريين". والمعنى ليس خافياً بانزياح المضمون من الأب البيولوجي إلى الأب السياسي والعكس. لكن أساس الانتقال كانت أبنية الجوع بفحواه العام الذي كان يتساءل حوله مبارك: كيف سيطعم هذه الأفواه.

2- كثافة الاجسام: تعامل نظام مبارك مع الشعب ليس كأُناس لهم عقول وطاقات، القاعدة لديه تعرية الأفراد من ماهياتهم الإنسانية. فقط الابقاء على أجسام مادية ككتل متحركة بفعل الجاذبية السياسية والقصور الإنساني الذاتي وسيولة الأهواء. وأبرز مظهر للرعاع  كان هذا الطغيان للغرائز وطبائع الأجسام حتى بات الفرد كتلةً لحمية فارغةً من أيِّ مضمون.

هذا في الحقيقة نوع جديد من فيزياء الرعاع لم يكن معهوداً سابقاً، نظراً لوجود التكافل والعطف على المحتاجين والمعوزين. لأنَّ السياسية فن الممكن، وعندما تطرح الممكن كقوة في المجال العام، فإنَّها تُوقِّع الأفراد تحت تأثيرها القهري فقط. ولذلك كان الخوف (لأنه من جنس الجسد) هو المحرك الجوهري للأفعال السياسية في نظامٍ كهذا.

وتحولت الاجسام البشرية من أوزان نسبية في فضاء المجتمع إلى هواش مادي في طوابير الخبز والخدمات اليومية. حتى قيل–سخريةً- إنَّ المصريين يقفون طوابير بالسليقة حتى كانوا كذلك وهم في بطون امهاتهم!! ولكن الموضوع له بعد آخر: أنَّ البيروقراطية كانت ممزوجة باحتقار المواطنين وتمجيد السلطة. فليكن هذا المواطن أو ذاك ما يكون، المهم أنَّه سيُذل (أمام المكاتب الرسمية) في نهاية الأمر ليحصل على أقل الخدمات. الطوابير كانت اصطفافاً رعاعياً أمام المؤسسات لاستخراج الأوراق والظفر بأقل المواد الغذائية جودةً. ليس ذلك لشيء إلاَّ لأن  نظام الدولة لا يعترف بأية قيم سياسية تبقي على بقايا الإنسان. وتري في رعاياها وإمائها مجرد علب لحمية صدئة تمتلئ كعلب المياه الغازية بالأهواء والرغبات!!

تلك الوسيلة في إدارة الرعاع كانت في الحقيقة فرصة جليلة للجماعات الاسلامية، لأنهم قدّموا خدمات بديلة لما تفعله الدولة. قدموا ذلك لشراء القوى السياسية أثناء الانتخابات والحشود الوهمية. فاكتسبوا كجماعة الإخوان رواجاً زائفاً في الشارع. كانت نتيجته التالية صعود نجم الاخوان واعتلائهم صهوة السلطة. وهذا الصنيع إذا أردنا تفسيره، فهو لا يخرج عن فيزياء الرعاع التي كانت موجوده من قبل. فإذا كانت الدولة تضع مواطنيها داخل هذا الإطار بوضوح، فالجماعات الاسلامية تقود إلى الرَّعاعية ذاتها عن طريق الدين، ولكن تحت مظلة التقديس للجماعة ولسلسلة الأوثان الأخرى من المرشدين والقيادات وأمراء الجماعة والنصوص التكفيرية وطقوس التنظيمات الجهادية.

3- الركود الفكري: مجتمع بدون مناخ فكري مفتوح لهو مجتمع سيخاطب الغرائز مباشرة. لأن البدائل لحركة الأفكار كانت انكشاف الاجسام العاطلة من الابداع تكريساً للعُري الفاضح. وذلك ما حدث في الفنون البصرية والغنائية والتمثيلية بشكل عام في عهد مبارك. لم تكن أسواق الافكار لها أية قيمة بل الشعار السائد: نحن نفكر لك، لا تجهد نفسك، نحن سنشبك بصرك. وذلك ممن خلال تزوير الانتخابات وسيادة الحزب الواحد وتسييد الشخصيات الرعاعية بنمطها النخبوي هذه المرة.

حتى قيل آنذاك أنه لو ظهر شخص  (مسؤول) قادر على التفكير سرعان ما يوضع في قفص بيروقراطي اسمه المنصب. فلكي يرضى عنه المسؤول الأكبر، كان عليه خلع عقله مع حذائه خارج المنصب الذي يشغله. ذلك أن نظام مبارك نفسه لم يكن ليعبأ بأي فكرٍ مبدع ولا نقدي ولا غيرهما. حتى تحول هذا الرئيس لدى المصريين إلى مجرد تمثال فرعوني حديث يُضاف إلى المتحف المصري.

4- غريزة التكالُّب (الجري وراء الظهور): لو لم يفعل نظام مبارك إلاَّ دفْع كلِّ سياسي وغير سياسي إلى عبادة المناصب، لكان نجاحه باهراً في بث الرَّعاعية إلى غايتها. فنتيجة انسداد الآفاق السياسية وضياع فرض التغيير كان المنصب - ولو جاء صغيراً -هو الأمل الوحيد لكل شاب. حتى غدا البحثُ عن المناصب هو الطريق الفعلي للنجاة من الغرق تحت الأقدام (المصنوعة).

والتكالب يعني في دلالته سقوط أيِّ هدف آخر بجوار التزييف السياسي. لأنَّ مجتمعاً راكداً ليس إلاَّ حلبة مصارعة لدهس المساواة والعدالة وانعدام الفرص أمام الجميع. ليتحول المجال العام إلى "كروت واسطة" من مسؤولٍ إلى آخر، ومن منصب إلى غيره. ذلك بدون أية قيمة لطاقات المواطنين وقدراتهم العلمية. وفي هذا أصبحت هناك ظواهر في شخصيات رعاعية تولت مسؤوليات كبيرة في الدولة دونما قدراتٍ خاصة. فقط كانوا من بين القطعان المرضي عنها، كما أنهم لا يتوانون يومياً عن تأدية شعائر الولاء والطاعة للنظام.

5- مسخ العقول: الأنظمة السياسية العربية لا تعترف بالحرية الفردية. هي تصنع قوالب مشوهة سياسياً لنحت طرائق السلوك والرؤى كما يريد النظام القائم. والسياسة دون غيرها تغذي كافة مجالات المجتمع بالروح العامة. وبإمكانها تكريس الثقافة السائدة كما لو لم تُوجد من قبل. لقد كان جميع السياسيين بعهد مبارك يفكرون بطريقة واحدةٍ لا غير. كأنهم يتسقطون الكلمات والعبارات من خطب الزعيم ومن فمه مباشراً. وبالتالي أصبحوا قروداً بأعالي المؤسسات يتلقفون الأفكار كما يتلقف قرود الغابة الثمار والفاكهة.

كان نظام مبارك يدمر أي تميز في سياقه لو اشتم من رائحة الاختلاف والتميز. لقد أشيع وقتذاك: أنَّه لو برز شخص متفرد فسيكون مصيره الاستبعاد. لأنَّ رعاعية النخبة لا تقبل بينها أي قرد من فصيل مغاير للقطيع، أو أن تكون حتى طريقة تصرفه مغايرةً. وهذا كان سبباً قوياً لاختفاء بعض المسؤولين من المشهد العام دونما معرفة الأسباب وراء ذلك.

اختصاراً فالوضع الأكثر نكايةً أنْ تظل هذه الآليات الرعاعية التي تدير الفئات المهمشة في أحشاء الدول العربية إلى الآن رغم الأحداث السياسية العاصفة التي مرت بها المنطقة، والمؤكد أنها لن تنتهي في وقت قريبٍ!!

 

سامي عبد العال

 

حيدر جواد السهلاني"إذ أراد شخص البحث عن الحقيقة بجد، فيجب ألا يختار علماً معيناً، فالعلوم مرتبطة بعضها ببعض، ويستند بعضها إلى بعض، وليفكر في زيادة الاستنارة الطبيعية لعقله فحسب"... ديكارت

إدغار موران سيرة وفكر:

إدغار موران، واسمه الحقيقي (إدغار نعوم) عالم اجتماع وابستيمولوجي وفيلسوف فرنسي معاصر ولد عام 1921 في العاصمة الفرنسية باريس، من جذور يهودية ومن اصول يونانية، والدته ايطالية توفيت وهو في سنة العاشرة، يعتبر موران من المفكرين والفلاسفة الأحياء في القرن العشرين، وهو من كبار المفكرين الفرنسيين، حاصل على شهادة في التاريخ والقانون عام 1942، ويعد موران مفكر موسوعي تطرق في أبحاثة إلى مواضيع عدة كالتواصل والعلم والسينما والفن والإيكيولوجيا والموت والبحث السياسي والابستيمولوجيا والفلسفة. انخرط موران عام 1938 في حزب الجبهة، وهو حزب يساري كان مناهض للفاشية، وانخرط في المقاومة والقتال ضد النازية، برتبة ملازم، وفي عام 1949، أبتعد عن الحزب الشيوعي الفرنسي، وسرعان ما تحول عن الشيوعية ليؤلف كتاباً عام 1959 بعنوان نقد ذاتي، ينتقد فيه النهج الستاليني للحزب الشيوعي الفرنسي، وهذا الكتاب تعبير عن قطيعته مع الشيوعية. عمل موران في الصحافة وشغل منصب رئيس بحوث خبير في المركز الوطني للبحوث العلمية (1950- 1989)، وترأس الوكالة الأوربية للثقافة، في منظمة اليونسكو، حصل على جائزة شارل فيون الأوربية للبحوث عام 1987، وعلى الجائزة الدولية فياريجيو عام 1989، وعلى ميدالية مجلس النواب لجمهورية ايطاليا (اللجنة العلمية الدولية لمؤسسة بيومانزو)، وعلى جائزة ميديا للثقافة من جمعية الصحفيين الأوربيين عام 1992، وعلى جائزة كاتالونيا الدولية عام 1994. عرف موران بمواقفه المؤيدة لحق الفلسطينيين في إقامة دولة خاص بهم، وقد كتب مقال في صحيفة لوموند، وندد فيها بالسياسة الإسرائيلية، وفي عام 1955، كان موران من بين أربعة مثقفين فرنسيين منهم سارتر، أسسوا حركة تعارض حرب الجزائر، لكنه لم يوقع على بيان حق العصيان في حرب الجزائر المعروف ببيان (121) الذي نشر في عام 1960. موران مازال متابع عن كثب أحدث النظريات العلمية والفكرية والسياسية والأمور الصحية التي تحدث في العالم، وكأنه يقول إن الشباب العلم والبحث والتنقيب والتمحيص شباب دائم لا تقهره السنون، وموران متابع يقظ لما يحدث في العالم، فتكلم كثيراً عن الربيع العربي، وقد كتب مقال في صحيفة لوموند الفرنسية، قال فيه إن المفاهيم السياسية السائدة في العالم العربي سواء كانت بوليسية أمنية علمانية أو دينية تواجه رياح التغيير، وأن الديمقراطيات الغربية دعمت الاستبداد في العالم العربي، والعرب الذين أنهوا الاستعمار السياسي ، هم الآن بصدد إزالة الاستعمار الفكري، لتبقى عملية إزالة الاستعمار الاقتصادي. وتابع التغيير في فرنسا، وقضية كورونا وتداعياتها الصحية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. (1) وقد تأثر موران في مسيرته الفكرية بمجموعة من الفلاسفة خصص لهم كتابه الموسوم ب فلاسفتي، ونذكر أهمهم هيرقليطس الذي وجد فيه إجابه على كل تساؤلاته وتلبية لكل طموحاته، وأيضاً جان جاك روسو وسبينوزا وفولتير، ويتميز موران بمهاجمة الأفكار المبتذلة وبمقاومة ذهنية شبه بيولوجية، ولم يعمل موران على الاحتماء أي عنوان من عناوين كتبه التي تشكل في الغالب مساره الجامعي، بل بنى عملاً فكرياً اصيلاً، ويحاول أن يعطي للإنسان حياة وجسداً، ويوضعه من جديد في قلب رواية العالم الكبرى، وهنا على عكس ليفي شتراوس الذي يرى أن هدف علوم الإنسان ليس هو الكشف عن الإنسان بل تفكيكه، ويرى موران على الفكر أن يكون حوارياً، قادر على ترك التناقضات العائمة، وهي تتكامل وتتصارع، وإن الإنسان ليس فقط إنساناً عاقلاً أو صانعاً أو اقتصادياً، أن الإنسان مجنوناً كذلك. أن موران ليس فيلسوفاً فقط وإنما أيضاً مبتكر مفاهيم، والقارئ لأعمال موران سيجد خصوبة النظرية لتصوراته الموجودة في قلب التعقيد والتركيب. وقد ساهم في تجديد مقولاتنا الثقافية، وفي أحداث رؤية جديدة للعالم، لأن مصير هوية الإنسانية هو الذي أصبح محط رهان في الأزمة الكوكبية الحالية. وقد كرس حياته في البحث عن منهجية قادرة على تحدي التعقيد الذي يفرض نفسه حالياً، ليس على المعرفة العلمية فحسب، بل على مشاكلنا الإنسانية والاجتماعية والسياسية، أسس وترأس جمعية الفكر المعقد (Apc) ومن أهدافها دعم الأشكال المتنوعة للفكر التي تتيح الإجابة على تحدي التعقيد الذي يفرضه العالم، والمجتمع والكائن البشري على المعرفة العلمية والفلسفية والسياسية. (2)

- مؤلفاته، يقول موران" إني مؤلف غير خفي، واعني بذلك أنني أختلف مع أولئك الذين يختبئون وراء الموضوعية الظاهرة لأفكارهم، ويقول أن تكون مؤلفاً هو أن تتحمل مسؤولية أفكارك في السراء والضراء" (3) ومن أبرز مؤلفاته:

المنهج، يمثل كتاب المنهج بأجزائه الستة عمله الرئيسي الذي وضع فيه رؤيته الابستيمولوجية من خلال براديغم التعقيد فقد كان الهدف الأساسي من كتاب المنهج هو مساءلة المعرفة في معناها وطبيعتها وحدودها وعلاقاتها مع الواقع ومع الحقيقة وفي علاقة المعارف ببعضها ومحاولة الربط بينها استناداً إلى رؤية منهجية مركبة، الجزء الأول سنة 1977 طبيعة الطبيعة، وتبنى فيه وجهة نظر فيزيائية لدى معالجة مقولات النظام والفوضى والمنظومة والمعلومة، وفي الجزء الثاني 1980 حياة الحياة، ركز على العلاقة بين الفلسفة والبيولوجيا، اما الجزء الثالث 1986 معرفة المعرفة، عالج فيه مسألة المعرفة من زاوية أنثروبولوجية، الجزء الرابع 1991الأفكار تناول ظاهرة التعقيد في الفكر الفلسفي مركزاً على مقولات اللغة والمنطق والبردايغم، أما الجزء الخامس 2001 إنسانية الإنسانية الهوية الإنسانية، وعالج مسألة الهوية، الجزء السادس 2004 الأخلاق، يدرس فيه العلاقة القائمة بين المعرفة والواجب وبين الوعي الفكري والأخلاقي وبين الإرادة الأخلاقية والنتائج اللاأخلاقية، ويعتبر كتاب المنهج مؤسساً للفكر الحديث حاول فيه موران أن يستكشف العقل البشري المركب، وحلل عملية الوصول إلى المعرفة.

إلى أين يسير العالم ، صدر عام 2007، يحاول في هذا الكتاب التفكير من جديد في العلاقات القائمة بين الماضي والحاضر والمستقبل، من خلال التساؤل عن الجهة التي نسير فيها، وعن معنى الأزمة وعن قيمة الايديولوجية السياسية العتيقة أمام رهانات القرن الواحد والعشرون.

نحو سياسة حضارية، يعالج هذا الكتاب مشاكل نصادفها في صميم حياتنا اليومية حيث يتعلق الأمر بالاختلال والنواقص التي تعاني منها حضارتنا الإنسانية، وبالتالي كل ما يخص حاجياتنا وتطلعاتنا التي لم تعد مادية فحسب، لذا لابد من إعادة إحياء حياتنا الاجتماعية السياسية والفردية.

هل نسير إلى الهاوية، يسعى هذا الكتاب إلى وصف سيرورة العولمة ويصور أوجه التعقيد في السيرورات.

ومن مؤلفاته أيضاً، الإنسان والموت 1951، النقد الذاتي 1959، العلم بضمير 1982، التفكير في أوربا 1988، التعقيد البشري 1994، ذكاء التعقيد 1999، ربط المعرفة 1999، الحاجات المعرفية 2000، عنف العالم 2003، التعقيد المقيد والتعقيد العالم 2005، الثقافة والبربرية الأوربية 2005، الطريق لمستقبل البشري 2011، يوميات 2013، الأخلاق المعقدة 2004، علم الأزمات 2016.

الفلسفة والعلم:

الفلسفة وإن لم تكن علماً، فإنها تنظر للعلم وتتأسس عليه في آن واحد، وهي في مسارها التاريخي تطلب دائماً من علوم عصرها النموذج النظري الذي يؤسس قضاياها، لأن الطرح العلمي تأثيره على الاتجاهات الفلسفية، ونظر للعلاقة بين الفلسفة والعلم فإن الفلسفة تصبح بهذا المعنى مرادفة لتحليل الخطاب العلمي السائد، أي تأسيس على علوم عصرها، فهي في مجملها تتشكل في ضوء المعارف العلمية السائدة وتبنى عليها. ويرى البعض أنه بدأ الانفصال بين الفلسفة والعلم منذ القرنين السادس والسابع عشر الميلاديين، أذ شهد العلم تحولات كبيرة وطفرات نوعية منذ تلك الفترة، انتهت برسم صورة آلية ميكانيكية للعالم والتي اكتملت معالمها مع صياغة نيوتن لقوانين الفيزياء والميكانيك، وقد بدأ هذا التحول مع كوبرنيكوس الذي استخدم الحسابات البسيطة في علم الفلك، وأحدث ثورة زعزعت مركزية الإنسان والأرض، وأسهمت بشكل كبير في تقدم المعرفة العلمية. وقد تحقق هذا الانفصال في أوربا بفضل جهود نخبة من العلماء التجريبيون الذين طرحوا جانب المسائل الميتافيزيقية، إلى دراسة الوقائع التي تقع تحت مشاهدة دراسة موضوعية، لكن ورغم ذلك الانفصال الذي حدث بين الفلسفة والعلم، إلا أن النقاشات الفلسفية حول العلم ما انفكت تزداد مع تطور المطرد للعلم، لا سيما بعد الثورة العلمية وما أبرزته من تحولات في طبيعة المعرفة وبنية المعرفة العلمية، وتحاول الفلسفة أن تجد موقعها بالنسبة إلى العلم، ومن جهة ثانية تحاول استيعاب هذا التحول المعرفي والتفكير فيه ومساءلته. أذ الفلسفة هي التفكير والتأمل الذهني بالنسبة إلى الفلسفة والملاحظة والتجريب بالنسبة إلى العلم، ولكن ليس معناه الاعتقاد بأن لا وجود للتفكير والتأمل الذهني في النشاط العلمي، وبأن الفلسفة تزدري مبدئياً الملاحظة والتجريب، ذلك أن السمات المهيمنة في احدهما تكون خاضعة في الأخرى والعكس بالعكس، لذا لا توجد حدود طبيعية بينهما، يضاف إلى ذلك أن العصر الذهبي لانتعاش أحدهما ونشأة الآخر، كان قرن الفلاسفة العلماء (غاليلو وديكارت وباسكال وليبنتزا). ولاحظ بوبر فعلاً أن الفلسفة والعلم مهما تباعدا يعودان إلى التقليد النقدي ذاته الذي تعتبر ديمومته ضرورية لحياة كل منهما، وحتى بعد انفصال العلم عن الفلسفة لم ينقطع التواصل بينهما، وإنما تقلص فقط، فقد كان دائماً هناك تفكير فلسفي حول العلم يتجدد مع كل جيل بطريقة مبتكرة. (4) ويوكل موران إلى الفيلسوف مهمة حاسمة في عملية التعرف على الطبيعة البشرية وينسب إليه دور قائد الأوكسترا الذي يعمل على استدعاء جميع المعارف من الفيزياء وعلم التشريح وعلوم الاعصاب إلى الميثولوجيا وديانات الخلاص والسوسيولوجيا والاقتصاد السياسي، حتى يتثقف منها ويغتني أكثر وحتى تتوفر لديه الخطة الكافية لإدماج المفاهيم والمناهج، بغية معالجة المشكل الإنسي والتمكن من الربط بين الحدث الجزئي والفكرة الشمولية وتفهم الحي في الحياة والإنساني في الإنسانية من خلال فكرة المتعقد الذي سماه معرفة المعرفة. (5)

التعقيد:

يعني التعقيد مجموعة من المفاهيم التي تحاول تفسير ظواهر لا يمكن تفسيرها استناداً إلى نظريات التقليدية الكلاسيكية، وبالتالي فإن فكر التعقيد يستند على دراسة المجموعات الديناميكية، لا عن طريق تقسيمها إلى أجزاء، ولكن من خلال متابعة تفاعلات مختلفة الأجزاء فيما بينها. ويعرف موران " التعقيد هو نسيج من المكونات المتنافرة المجمعة بشكل يتعذر معه التفريق بينها، إنه يطرح مفارقة الواحد والمتعدد، ثانياً إن التعقيد هو نسيج من الأحداث والأفعال والتفاعلات والارتدادات والتحديدات والمصادفات التي تشكل عالمنا الظاهراتي، لكن في هذه الحالة يحمل التعقيد بشكل مقلق سمات الخليط وغير القابل للفصل والاختلال والغموض واللايقين. (6) وفي نظر موران أن صعوبة التعقيد هو عدم وجود سند ابستيمولوجي للمفهوم، بسبب اهمال الفلاسفة والعلماء لهذا المصطلح، وينظر موران إلى مفهوم التعقيد لا باعتباره مفهوم يبحث عن مجال دلالي بل ينبغي أن نبحث عن حل لها، مشكلة التعقيد تحيلنا دائماً إلى الاعراب عن الاضطراب التشويش وعدم اليقين وعدم القدرة على التحديد. والتعقيد لا يمكن اختزاله في اللايقين، بل التعقيد هو ذاته اللايقين، وهذا التعقيد في نظر موران يمثل بالنسبة إلى المعرفة خطورة وفرصة، ولكن لا يكون فرصة إلا بالاعتراف به ، والمعرفة المعقدة هي بالضبط ما يؤدي إلى هذا الاعتراف، لأنها تؤدي إلى اكتشاف هذه اللايقينيات وإلى التصحيح الأخطاء، والتعقيد يروم دائماً إلى الانطلاق من البسيط إلى المركب بل من المركب إلى الأشد تركيباً وتعقيداً، كما أن التعقيد ليس توصيفاً للمعرفة العلمية ولا هو جواباً يقدمه عن المعرفة، بقدر ما هو طريقة أو منهج معرفي يسمح بدراسة مختلف الارتباطات بين مختلف المعرفة ويولد فهماً أفضل للكون، ومن ثم المضي قدماً في بناء المعرفة العلمية وتفسيرها وتحديثها للقضاء على الحالة المرضية للمعرفة الإنسانية. ويرى موران أنه مازلنا في حالة عماء اتجاه مشكلة التعقيد وهذا العماء هو جزء من همجيتنا، فمازلنا في عصر الأفكار الوحشية والعقل البشري مازال في عصر ما قبل التاريخ، إن الفكر المعقد وحد يسمح لنا بتمدين معارفنا، والتعقيد يفتح أبواب المشاركة بين العلماء وفي مختلف التخصصات، لأن التقسيم الكلاسيكي للمعرفة إلى فروع إنما هو تحريف لبنية المعرفة، والذي كان نتيجة للمبدأ الديكارتي القائم على الانفصال بين الفكر والمادة، والذي ترجم في ميدان العلم إلى التخصص، ثم إلى التخصص الدقيق في ميادين المعرفة، ولاشك أن هكذا تقسيم من شأنه أن يقف عائقاً أمام التقدم العلمي ويمنع أي تكامل بين المعارف، حيث أن الانفصال بين المعارف وانعزالها عن بعضها البعض راح يفضي إلى نشوء فراغات هائلة فيما بينها، وهو ما أدى إلى حجبنا عن إدراك عدد من الوقائع والمشاكل الأساسية والحيوية، ومن المعلوم أن العلوم لا تتقدم إلا بعد تحطيم الحواجز بينها، لأن كسر هذه الحواجز هو ما يمكن كل علم من أن يستفيد من العلوم الأخرى. وقد أخذ موران على عاتقه إصلاح الفكر انطلاقاً من بردايغم التعقيد، ويتضمن البردايغم جميع الخطابات التي تتم في مملكة المفاهيم الأساسية أو المقولات الكبرى، كما يتضمن نوع العلاقات المنطقية في التجاذب أو التنافر، أذ البردايغم ذو طبيعة دلالية منطقية إيديولوجية دلالية ويحدد البردايغم التعقل ثم يحدد المعنى منطقياً، وأن بردايغم التعقيد ينبغي أن يأخذ في الاعتبار كل ما هو موجود من أصغر الأشياء إلى أكبرها بما في ذلك الإنسان باعتباره كائن معقد، ومن ثم ينبغي على البردايغم التعقيد تجاوز ديكارت وكل مناهج وأدوات العلم الكلاسيكي، وينبغي على الفيلسوف اليوم أن يمتلك فكراً معقداً، أي غير مبسط وغير اختزالي وغير قابل للرد إلى مجموعة من العناصر الأولية، كما ينبغي عليه في الوقت أن يدرك أهمية الربط والعلاقات والتمفصلات بين مختلف الأجزاء والعناصر. أن موران يضع مفهوم التعقيد في إطار معارفه للنموذج المعرفي الذي تمت صياغته خاصة مع ديكارت ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالشك وعدم اليقين من خلال المحاور الأربعة التي يتمحور حولها التفكير المعقد وهي النظام والفوضى والتنظيم والتفاعل. ويكمن التعقيد كما يرى موران:

1- أنه الكمية القصوى للتفاعلات والتداخلات والارتدادات بين عدد كبير من الوحدات.

2- إنه هو الحوارية بين الاستقرار والاختلال والتنظيم.

3- إنه قراءة في تكامل وتصارع اليقين واللايقين، الواحد والمتعدد، الجزء والكل، الثابت والمختل، المستقر والدينامي، الحتمي والصدفوي، المعروف والممكن.

4- إن فكرته الأساسية لا تكمن في القول بأن جوهر العالم معقد وليس بسيطاً، وإنما في القول بأن هذا الجوهر غير قابل للتمثل.

5- إن أفقه هو دائماً إدانة ميتافيزيقا النظام، وميتافيزيقا رفض النظام أيضاً. (7)

وتمثل فكرة التعقيد بالنسبة لموران، أولاً التحدي لا الجواب، أذ أن موران يبحث عن إمكانية التفكير عبر التعقيد ( أي التفاعلات الارتدادية العديدة) وعبر اللايقينيات وعبر التناقضات، لأن فكرة التعقيد تشتمل على اللاكمال بما أنها تضم اللايقين والاعتراف بما لا يقبل الاختزال، وثانياً إن التبسيط ضروري ولكن يجب تنسيبه، أي قبول الاختزال الواعي كاختزال، وليس الاختزال المغرور الذي يظن أنه يمتلك الحقيقة البسيطة الكامنة وراء التعددية والتعقيد الظاهر للأشياء. (8)

ابستيمولوجيا التعقيد:

تحاول ابستيمولوجيا التعقيد إعادة رسم خريطة المعرفة الإنسانية، فإنها في الآن ذاته تحاول أن تؤسس خطاباً جديداً حولها يستند على عنصر التعقيد والتركيب، وأما من حيث نتائجها فقد أبرزت الطابع المركب والمعقد للمعرفة العلمية المعاصرة وعملت بما أبدعته من مفاهيم ورؤى على تجاوز الابستيمولوجيا الكلاسيكية التي قامت على أساس الاختزال والتبسيط مع ما نتج عنهما من عمى معرفي. ويرى موران أن الابستيمولوجية تعد أكثر من ثورة كوبرنيكية فهي تساعد على تمفصل وتنظيم جديد للمعرفة، من حيث هي تهتم بنتائج العلوم ومشاكلها المتعلقة بالمعرفة، وتتأثر بهذه المشاكل وتتعرض للأثر الرجعي للمرجعيات التي تتحكم بها والتي ستحكم بها، إن معرفة المعرفة منوطة بالمعارف العلمية العديدة والمشتتة. وقد جاءت ابستيمولوجيا موران ضمن سياق التطور العلمي، وهي بذلك فهي تعبيراً عن التطورات التي عرفتها المعرفة العلمية ومن هنا تستمد مشروعيتها من واقع الفكر العلمي، والذي شهد تشظي المعرفة العلمية وتجزئتها إلى تخصصات وفروع كثيرة حتى داخل التخصص الواحد، والابستيمولوجيا التي طرحها موران تنصب في مجملها في منحى واحد هو منحى التعقيد، وابستيمولوجيا التعقيد هي ابستيمولوجيا بناءة وخطابها متجدد ومتطور بتطور المعارف العلمية، والابستيمولوجيا عند موران منفتحة وتحاول إيجاد روابط بين كل العلوم وعلى اختلافها وبارتباطها وتكاملها ويمكنها أن تقتحم المعقد والمركب، وهي تؤمن بالبناء المستمر للعلم. وهي عكس الابستيمولوجيا الكلاسيكية التي نذرت لنقد شروط المعرفة العلمية وطرقها، إنها تفحص صلاحية أشكال الشرح ووجاهة الأشكال المنطقية للاستدلال وشروط استعمال المفاهيم والرموز، ومع أن هذه الابستيمولوجيا ترفض فحص النتائج أي المعارف العلمية بحد ذاتها، فإنها تنصب ذاتها كمحكمة خارجية وداخلية تنظر في قضية العلم وتستطيع إحالتها إلى محكمة النقض لأنها خرقت الأصول. وتهتم الابستيمولوجيا بنتائج العلوم ومشاكلها المتعلقة بالمعرفة، فإنها تتأثر بهذه النتائج والمشاكل وتتعرض للأثر الرجعي للمرجعيات التي تتحكم بها والتي بذلك ستتحكم بها. ويرى موران أن الابستيمولوجيا المعقدة، أحدثت ثورة ليس فقط كوبرنيكية بل ثورة هوبلية في الابستيمولوجيا، فلقد أظهر كابل أن الكون لا مركز له وأن الابستيمولوجيا المركبة لا أساس لها، والابستيمولوجيا المعقدة تسأل المعارف العلمية وغير العلمية، وهي تبني وجهة نظر عقلانية إلا أنها لا تستطيع رفض المعارف الغير عقلانية ونزع صفة المعارف عنها، وهي تبقى المحصلة، لأنها تبقى إشكالية الحقيقة مفتوحة على الدوام، ويترتب عليها أن تفكر في كل معرفة تظن أنها حقيقة، وفي كل مرة ادعاء يتعلق بالمعرفة وفي كل معرفة كاذبة أي في الخطأ والوهم والجهل أيضاً. (9) وتقوم ابستيمولوجيا التعقيد على ثلاثة أسس أو مبادئ وهي:

1- مبدأ السببية الدائرية، وهو مبدأ يتجه إلى طبيعة العلاقات بين مكونات المنظومات المعقدة، وطبقاً لهذا المبدأ هناك تبادل مستمر للأدوار بين الأسباب (العلل) والنتائج (المعلولات)، إنها عملية متبادلة تكون فيه التأثيرات والنتائج مسببة ومنتجة في العملية ذاتها، وتكون فيها المراحل النهائية ضرورية لتوليد المراحل الأولى أذاً أنها عملية تنتج نفسها وتعيد إنتاج نفسها.

2- مبدأ الحوارية، يعرفها موران بأنها وحدة معقدة بين منطقيين وكيانين متنافسين ومتعارضين يتغذى أحدهما على الآخر، ويكملان بعضهما لكنهما يتعارضان ويتحاربان أيضاً، وينبغي تميز هذه الحوارية عن الجدلية الهيجلية، فلدى هيجل تجد المتناقضات حلولاً لها، ويتجاوز بعضها البعض، ويلغي بعضها بعضاً داخلة وحدة عليا، أما في الحوارية تكون المتناقضات دائمة وتشكل كيانات أو ظواهر معقدة، وبذلك تختلف الحوارية عن الجدل، على اعتبار أن الجدل يوجد حل للتناقضات عن طريق المركب الذي أما أن يجمع بين المتناقضين أو تجاوز أحدهما، بينما في الحوارية يتكامل المتناقضات ويتعايشان، وبذلك أن المنطق المعاصر للعلم يرى ضرورة الحوار بين المتناقضات والاستفادة منها.

3- مبدأ الهولوغرامية، هومصطلح نحت من قبل جان كريستيان (1870- 1950) من جنوب افريقا في كتابه الكلانية والتطور عام 1929، ويؤكد هذا المبدأ على ما يسمى بالاحتواء المتبادل بين الجزء والكل، ويرى موران لا تستطيع معرفة الكل من دون معرفة الأجزاء، والنظر إلى دوائر الدائرة يتم من خلال مركز الدائرة، وكل الدوائر الأخرى هي نتاج حركة هذا المركز، أي الجزء هو الذي يحرك الكل والكل يتماهى مع الجزء.

المعرفة:

أن مسألة المعرفة هي قضية تنظيمية وهي صياغة حوار بين مختلف العلوم عبر مناهج منطقية، وأن غياب هذا التفاعل بين المعارف هو عقبة حقيقية أمام العلم المعاصر، والتفكير العلمي في مجمله، والمعرفة تقوم على مستوين، الأول المعرفة التجريبية والعلمية والتي تنتج بفضل الملاحظة والتحقيق التجريبي تقوم على البيانات الرياضية والموضوعية، وهذا المستوى يدفع إلى نظريات تعكس حقيقة الواقع. الثاني المعرفة التي تستند على المنطق والاتساق والحقيقة القائمة على تنظيم الأفكار. ويجب على المعرفة اليوم أن تمتلك الأدوات والمفاهيم الأساسية التي تتيح الربط والتجميع، لأن تحدي التعقيد يستلزم التفكير في فكر مركب يأخذ في الاعتبار عدم اليقين والاضطراب والفوضى، هذا الفكر الذي يمكنه أن يجمع كل فرع من فروع المعرفة مع غيره من الفروع الأخرى دون أن يختزل أحدهما في الآخر، ويسمح لتنظيم المعرفة بتكوين نسق الأفكار، وهذا النسق يعبر عنه موران بأنه جملة المفاهيم المترابطة بشكل عفوي، ويتم تنسيقها بواسطة الروابط المنطقية كموجب الأوليات والمسلمات. أن المعرفة الإنسانية من خصائصها أنها متطورة باستمرار وفي كل مرحلة من مراحل تطورها تفتح للفكر أفاقاً، أوسع لينتج خطاب حولها، وهو في الأغلب خطاب نقدي. وقد سعى موران إلى تحرير المعرفة العلمية من التبسيط والاختزال اللذان تسلطا على هذه المعرفة بدءاً من الفلسفة الديكارتية وحتى اكتمال معالم بناء النظرية الفيزيائية الكلاسيكية مع نيوتن، وقد جعل الاعتقاد بمعرفة كاملة وموضوعية غير أن التطورات التي شهدها العلم المعاصر تحدث هذه الصورة المبسطة الاختزالية لتحل محلها فكرة التعقيد كنتيجة من نتائج هاينزنبرك في اللاتحديد. (10) أن المعرفة ليست جزيرة نائية، إنها شبه جزيرة، ولكي تدركها لابد من ربطها بالقارة التي تنتمي إليها، ولأن كان فعل المعرفة هو في آن بيولوجي ودماغي وعقلي ومنطقي وألسني وثقافي واجتماعي وتاريخي، أذ المعرفة لا تنسلخ عن الحياة البشرية والأواصر الاجتماعية. ونحتاج اليوم إلى معرفة تفكر في ذاتها وإلى أن تعترف وتحد إمكانها وإشكاليتها، فلا معرفة دون معرفة المعرفة. والمعرفة العقلية هي المعرفة الإنسانية الخالصة، وهي الانبثاق الأقصى لتطور دماغي يكتمل فيه التطور البيولوجي للإنسنة. والمعرفة ضرورية فلا يستطيع الإنسان أن يعيش في بيئة معينة إلا بمعرفة هذه البيئة، ولا يمكن للحياة أن تكون قابلة للبقاء والعيش من دون معرفة. (11) ويسعى موران إلى أن تكون المعرفة أكثر علمية وأكثر فلسفية وأكثر شاعرية، وتكون المعرفة عند موران:

1- المعرفة تقر بان الكائن البشري الذي يدرسها هو جزء من موضوعها.

2- المعرفة لا تفصل بين الوحدة البشرية وتنوعها.

3- المعرفة تدرك جميع أبعاد الواقع الإنساني أو جوانبه المنفصلة والمقسمة في الوقت الحاضر إلى فيزيائية وبيولوجية ونفسية واجتماعية وميثولوجية واقتصادية وتاريخية.

4- المعرفة تدرك أن الإنسان ليس بعاقل أو عامل، بل هو أيضاً مجنوناً.

5- المعرفة تضم حقائق منفصلة تقصي أحداها الأخرى.

6- المعرفة تجمع بين البعد العلمي (أي التحقق من البيانات، ومبدأ الفرضية وقبول إمكانية الدحض) والبعدين الابستيمولوجيا والإدراكي.

7- المعرفة تعيد المغزى لكلمات تلاشت وبطل استعمالها في العلوم، ومن ضمنها العلوم الإدراكية مثل الروح والذهن والفكر. (12)

الفكر المركب:

أن الفكر البسيط يحل المشاكل البسيطة، أما الفكر المركب فهو لا يحل المشاكل من تلقاء ذاته، لكنه يساعد على إيجاد الاستراتيجية القادرة على حلها، وأن ما يمكن أن يقوم به الفكر المركب هو منح كل واحد من أجندة تذكرنا ب لا تنسى أن الواقع متحول، ولا تنسى أنه بإمكان الجديد أن ينبعث، وفي كل الحالات أنه ينبعث، ويشكل الفكر المركب نقطة انطلاق نحو فعل أكثر ثراء وأقل تشويهاً، أذ كل فكر بقدر ما يكون أقل تشويهاً، بقدر ما سيقل تشويهه للبشر، ويرى موران أنه يجب أن نتذكر أنواع الخراب التي أحدثتها الرؤية التبسيطية ليس فقط في العالم الفكري، ولكن أيضاً في الحياة، فكثير من المعاناة التي يخضع لها ملايين من البشر بسببها الفكر المقطع والأحادي البعد. والفكر المركب عند موران، ليس بالضرورة أن يكون نقيض الحقيقة خاطئ، بل يمكن أن يكون نقيض الحقيقة، حقيقة أخرى فالإنسان سطحي التفكير ولا يدرك أعماق المعارف، لذلك هو يعتقد أن ما لديه حقيقة وغير ذلك لا يعجبه فيقصيه، فيكون في العقل اللاواعي معيار الحقيقة، هو ما لدينا هنا من مركزية العقل الفردي وأحادي التفكير وهنا يجب نبذ ذلك والانتقال إلى الفكر المركب الذي ينفي المركزية ويبحث عن التواصل والاتصال وقبول الآخر، فالفكر المركب يروم تجاوز قصور الفكر، لكونه طاقة مبدعة وقوة عاقلة، تملك القدرة على ترجمة الواقع إلى الفكر، أو معرفة تامة يقينية، وإصلاح عطب الفكر. أن مهمة الفكر المركب هي تغيير هوية العالم، وتغيير العالم هو أساس التغيير في أدوات فهم العالم التي لا توجد في أي علم، أو لا توجد في العلوم المقطعة والمفصولة عن بعضها البعض، ومن ثمة لن يكون الفكر المركب لا الفيزياء ولا البيولوجيا ولا الكيمياء ولا علم الاجتماع، أن الفكر المركب هو مجموعة هذه العلوم وقد توحدت في أفق ومشروع واحد هو أفق التعقيد. (13)

الأزمة:

الكريزيولوجيا (Crisiologie) أو علم الأزمات، وهو مصطلح نحته موران ليكشف به عن المستنقع الذي وقع فيه البشر في نهاية القرن العشرين نتيجة الحروب والتلوث والتقدم التقني السريع وتكاثر الأمراض وتغير نمط الحياة على الأرض، وقد نبه إلى وجود خطرين يهددان حياة الإنسان هما الفوضى والنظام. (14) ويرى موران أن مفهوم الأزمة لا يظهر فقط عند حدوث انكسار داخل اتصال، أو عند حصول زعزعة داخل نسق كان يبدو ثابتاً، لكنها تظهر أيضاً عندما تتكاثر الاحتمالات وبالتالي التقلبات، إنها تظهر بفعل انقلاب التكاملات إلى عداوات، وعند تحول الانحرافات السريعة إلى نزعات وعند تسارع مسارات مهدمة ومفككة، وعند حدوث قطيعة في صلب التنظيمات، وبالتالي عند اجتياح مسارات منفعلة من كل رقابة وميالة إلى التضخم الذاتي أو إلى التصادم القوي مع مسارات عدائية أخرى تنفلت هي نفسها من كل رقابة. وأن مفهوم الأزمة قد اصبح نمط وجود مجتمعاتنا، وفكرة كون التقدم يحمل في نفسه خاصية أزماتية، أن أزمة الحضارة، وفيما يخص المجتمعات الغربية، وأزمة الثقافة والقيم والعائلة والدولة والحياة الحضرية والحياة الفردية، هي جوانب متعددة لكيان مجتمعاتنا الذي يبدو كياناً مأزوماً، وهي مجتمعات تهددها هذه الأزمة لكنها مجتمعات تتغذى منها. ومع ذلك يرى موران إن الأزمات هي التي تسبب انطلاق الحقائق من الاعماق بعد أن كانت مختبئة في الكائنات والمجتمعات ففي الأزمات تظهر بشائر التطورات المستقبلية. (15)

 

حيدر جواد السهلاني

.......................

الهوامش:

1- ينظر إدغار موران: المنهج معرفة المعرفة (أنثروبولوجيا المعرفة،ج3)، ترجمة جمال شحيد، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ص11- 12.

2- ينظر إدغار موران: إلى أين يسير العالم، ترجمة أحمد العلمي، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ص5- 7.

3- ينظر إدغار موران: الفكر والمستقبل (مدخل إلى الفكر المركب)، ترجمة أحمد القصوار ومنير الحجوجي، دار توبقال للنشر، المغرب، ص115.

4- ينظر المصدر نفسه، ص15- 16- 31. وأيضاً إدغار موران: المنهج معرفة المعرفة، ص35- 36.

5- ينظر زهير الخويلدي: تعقد الطبيعة البشرية عند إدغار موران، ضمن موسوعة الفلسفة الغربية المعاصرة، أشراف علي عبود المحمداوي، منشورات الاختلاف، الجزائر، منشورات ضفاف، بيروت، ص1406.

6- ينظر إدغار موران: الفكر والمستقبل، ص17.

7- ينظر المصدر نفسه، ص6- 7- 8.

8- ينظر المصدر نفسه، ص101- 102.

9- ينظر إدغار موران: المنهج معرفة المعرفة، ص40- 41- 42.

10- ينظر إدغار موران: الفكر والمستقبل، ص181.

11- ينظر إدغار موران: المنهج معرفة المعرفة، ص33- 44.

12- ينظر إدغار موران: النهج إنسانية البشرية (الهوية البشرية)، ترجمة هناء صبحي، كلمة، أبو ظبي، ص24.

13- ينظر إدغار موران: الفكر والمستقبل، ص83.

14- ينظر زهير الخويلدي: تعقد الطبيعة البشرية عند إدغار موران، ص1408.

15- ينظر إدغار موران: إلى أين يسير العالم، ص24- 25.

 

 

يبرز في كل ديانة سماوية نوعين من العلاقات، الأولى تلك التي تربط الأنسان بربه، والثانية تتعلق بتلك التي تربط الانسان بالإنسان الاخر.

يبرز في العلاقة الأولى البعد الروحاني بكل تجلياته، فالعلاقة هنا علاقة مباشرة بين الرب وعبده [الأنسان]، وهي لا تحتاج الى واسطة بشرية أو [غير بشرية بالبعد الميتافيزيقي للكلمة].  وفِي هذه العلاقة يتحدد حساب المنفعة البشرية ذهنياً، بحسب  مقدار الابتعاد أو الأقتراب من الخالق، ويكون المرء أمام خيارات ثلاث حسب نظرية الابتعاد والاقتراب، فاما مخلداً في الجنة أو مخلداً في النار أو بين بين.  وهذا موضوع شائك ربما  نعود اليه في بحث أخر، لانه مبحث يرتبط بموضوعة العدالة الالهية، والتي يتفرع منها موضوعة العدالة الإنسانية التي تتجسد طبيعياً في وجود الدولة.

يبرز دور [العدالة] في العلاقة الثانية، بين الانسان والانسان، بين الحاكم والمحكوم، وبين المحكوم والحاكم بصورة جوهرية، لأننا هنا أمام مجال أخر، مجال ينتفي فيه البعد الروحاني ويكون للبعد المادي دوره في بناء هذه العلاقة والمتمثل في وجود [الدولة]، وما يتفرع عنها كمفاهيم، مثل السلطة وقيادة الامة.  ويشار هنا للدولة على انها المحفز للصراع بين الانسان والانسان، بين القوة والضعف، بين الغني والفقير، بين العادل والظالم وبين السيف والفكرة.  والدولة كفكرة هنا لا تكون لها أي قيمة أو معنى الا من خلال الأنسان فهو من يعطيها قيمتها، خيراً كانت أم شراً [١].

والدولة كفكرة تعني الحكم، وهذا الأخير يعني القدرة على نسج مقومات القيادة في الدولة، من خلال أتباع مسارات متعددة تعطي نتائج جيدة في بعض الأحيان، ونتائج كارثية في أحيان أخرى.  والعدالة كفكرة أخرى مجردة، لا تستمد وجودها الا من خلال تطبيقاتها على أرض الواقع.  فما قيمة الفكرة، إذا كان الانسان يتعرض لابشع صور الاستغلال.  اذاً فالفكرة، أي فكرة بتطبيقاتها وبما تحمله من نتائج [٢].

جاء الإسلام كديانة سماوية في أعقاب ديانتين كونيتين هما اليهودية والمسيحية، وكانت الفترة الزمنية التي فصلت بين ثاني الديانات المسحية والإسلام ما يقرب ٥٠٠ عام، وهي من دون شك فترة زمنية طويلة في مسار التطور التاريخي الذي يفصل بين هاتين الديانتين.  لا تختلف طبيعة القوانين التي جاء بها الإسلام عن تلك التي سبقته، فهي في جوهرها قوانين أخلاقية عامة تنظم الحياة الاجتماعية اليومية للمسلمين، لكن سرعان ما أختلف الامر، بعد وفاة النبي محمد، فأصبح الدين بقيمه الأخلاقية أمام حالة أستنفار سياسية [الحكم] يتصارع فيها المسلمون فيما بينهم.

كان الصراع في جوهره عند المسلمين لا يتعلق فقط بفكرة العدالة المجردة وأنما يتعلق أيضاً بمن يحمل هذه الفكرة الإلهية على التطبيق؟  كان الجواب هو الخليفة.   يجمع عامة المسلمين على أن خليفة الله في الأرض يحب أن يكون عادلاً، لكن لا بأس أذا انتفت العدالة في الرجل [الخليفة]، وأن كان فاجراً، فسوف يستقيم الأمر له، لان الامة لابد لها من أمام، براً كان أو فاجراً حتى لا تنقسم الامة وتفتت [٣].

شذ في هذا الامر، الامامية حيث يرى عامة علماء الامامية العكس تماماً.  حيث يكون التركيز على مبدأ العدالة كأولوية في الحكم، على أعتبار أن مبدأ العدالة يطرح نفسه نقيضاً للفساد والظلم، وفِي هذا الصدد يعطينا محمد جواد مغنية (١٩٠٤-١٩٧٩) أحد كتاب الشيعة فكرة واضحة عما يعنيه مبدأ العدالة عند معتنقي مذهب الامامية،  "ان مبدأ التشيع يلازم الثورة على الفساد والظلم" [٤].

هذا المبدأ بالذات كان السبب الرئيس بعدم قبول الامامية بأي دولة حكمت باسم الدين وبأسم الخلافة الإسلامية، مادام الامام المعصوم غير موجود [الامام الغائب] المهدي المنتظر عند الاثنا عشرية أو الامامية.  حتى تلك الدول التي حكمت تحت راية الامامية في فترات متأخرة من الحكم العباسي كالدولة الفاطمية في مصر لم تخرج من التصنيف العام لطبيعة الدولة التي يغيب عنها الامام، وأن أدت الغرض في لحظتها التاريخية تلك.

أحتاج الشيعة الى اكثر من الف سنة بعد الغيبة الكبرى للامام الثاني عشر في سامراء الى الشمال من مدنية بغداد عاصمة الدولة الاسلامية في العصر العباسي، ليقيموا دولتهم تحت راية ولاية الفقيه [حكم رجل الدين]، في إيران بقيادة رجل الدين أية الله العظمى روح الله الخميني (١٩٠٢-١٩٨٩).  حدثت أثناء حكم الخميني المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في أيران، الحرب بين أيران والعراق والذي كان يقوده حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة صدام حسين، أستمرت تلك الحرب لثمان سنوات (١٩٨٠-١٩٨٨).

لم تستقم الأمور للخميني الذي كان يرى بوجوب قيام الدولة الإسلامية الكونية العادلة والمتمثلة بولاية الفقيه [رجل الدين النائب للامام المعصوم الغائب],  داخلياً، وأقليمياً  ودوليًا لظروف موضوعية أخذت أبعادها من طبيعة الأجواء السياسية التي عاشها العالم في تلك الفترة، فالحرب مع العراق المكلفة مادياً وبشرياً، وقوف غالبية دول الإقليم العربي الى جانب صدام حسين في تلك الحرب، والرفض شبه العالمي للثورة الإيرانية، كلها عوامل أدت الى أن تعيش إيران عزلة أقليمية، أسلامية  ودولية قاسية ساعدت فيما بعد على تحديد وتحجيم المسار التاريخي لهذه الثورة ومنعها من الوصول الى عالميتها المنشودة، فأهدرت فرصة تاريخية لاقامة دولة العدل من وجهة نظر صحاب القرار الإيراني.

على الضفة الأخرى

عاش العراق فترات عصيبة في ظل حكم صدام حسين والتي أمتدت من (١٩٧٩-٢٠٠٣)، انتهت بغزو العراق من قبل الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وسقوط بغداد وحزب البعث الحاكم في العام ٢٠٠٣.   أعدم صدام حسين في الثلاثين من كانون الأول عام ٢٠٠٦، لتطوى بذلك صفحات مظلمة قاسية أمتازت بكل التناقضات السياسية الاجتماعية والاقتصادية والتي أدت الى سقوط الدولة، لتبدا بعدها حقبة ستملئ صفحاتها هي الأخرى بكل التناقضات، كانت القيادة فيها لاحزاب الإسلام السياسي الشيعي.

ديمقراطية – حكم شيعي – غياب للعدالة؟.

قبل أن ندخل في صلب موضوعنا، أجده لزاماً علينا أن نجد تعريفاً موحداً لما نعنيه بالعدالة أو العدل كمفهوم مجرد ؟

تباينت أراء المفكرين والباحثين حول هذا المفهوم ؟ حيث ظهرت تعريفات له، أرتبطت أرتباطاً مباشراً بتفاصيل الحياة الإنسانية  الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فظهرت مصطلحات مثل [العدالة الاجتماعية والعدالة السياسية والعدالة الاقتصادية]، وهي بالمجمل ترتبط بأيجاد نوع من التوازن بين مكونات أي مجتمع من حيث علاقاتهم الاجتماعية وما يترتب عليها، وبطبيعة الفرص السياسية المتساوية أمام الجميع للمشاركة الفاعلة في صياغة القرار، وتلك التي ترتبط أرتباطاً مباشراً في توزيع الثروات على أفراد المجتمع وتوفير فرصاً عادلة متساوية للجميع في الانتفاع.

وهذه التعريفات وأن كانت منطقية ضمن المجالات الجزئية لها، الا أنها تبقى قاصرة أمام أيجاد مفهموم عام وشامل للعدالة، وهو الذي نبغيه، حتى وان صعب تطبيقة على أرض الواقع، وأن الوصول لهذا التعريف الشامل للعدالة بين البشر  يتطلب وجود "مصالح ولغة وثقافة مشتركة وجملة قيم تعاونية وعادات تفرض ألتزاما أخلاقيًا" [٥].  والتعريف الذي نبتغيه يأخذ بالحسبان كل الجوانب المؤثرة بحياة البشر، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتي تجعل منه قادراً وفاعلاً في مجتمعه.

كان وصول أحزاب الإسلام السياسي الشيعي للسلطة أمر حتمي اذا ما اخذ بالحسبان أمرين، أولهما هو الثقل الجماهيري لبعض هذه الأحزاب كالتيار الصدري وبقية الأحزاب الأخرى، ثانيهما هو الالية التي أتبعت في الانتخابات البرلمانية والتي تسهل من عملية وصول هذه الأحزاب للسلطة، والحديث هنا عن نظام الكتل المغلقة وكل ما يترتب عليها من أخفاقات.

تماشى بناء الدولة الجديدة، مع غياب تام لعوامل جوهرية تساعد في بناء هذه الدولة، فألى جانب الغياب التام للمنظومة المؤسساتية، كان لغياب المنظومة الأخلاقية ومنها بالتحديد غياب مبدأ العدل، والذي يستمد وجوده وشرعيته بحسب أدبيات هذه الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية، من خلال  جملة السلوكيات والقواعد التي ألزم المعصوم نفسه بها، من حيث كونه معصوماً من جهة، ومن جهة أخرىً تتعلق بالرسالة التي من المفترض ان يقوم بها المعصوم أتجاه الاتباع واتجاه البشرية جمعاء، والنتيجة النهائية لفعل المعصوم تنعكس أيجاباً على مسألة ترسيخ  هذا القانون العام والشامل والثابت في جوهره والمقبول في شموليته [قانون العدل] لدى الاتباع على أقل تقدير، كان لها الأثر الكبير في سير هذه الدولة نحو انحطاط مخيف.  لقد الزمت هذه الأحزاب الاسلاموية نفسها بما لا تستطيع.

أنه الفشل التاريخي، والنكوص عن جملة المفاهيم التي تبنتها هذه الأحزاب الإسلامية في مسيرتها السياسية المتناقضة المتجسد في سعي هذه الأحزاب مبدئياً لاقامة دول العدل طبقاً للمواصفات التي أرادها أئمة الشيعة أبتداءً من الخليفة الرابع الامام علي أبن ابي طالب عليه السلام وحتى أخر أئمة أهل البيت الامام الغائب المهدي المنتظر، وواقعياً عندما أصطدمت بقوة الحكم وببريقه وما يترتب عليه، وبتأثيره على مبادئ وقيم هذه الأحزاب والتي نظرت لها في أدبياتها عبر مراحل نشوء هذه الأحزاب وتطورها في مراحل تاريخية مختلفة.

أين يقع التناقض؟.

يقع التناقض بين المبدأ أو الفكرة [دولة العدل] كفكرة دينية  بالرجوع الى المنهج الأساسي الإسلامي لأئمة الشيعة ومن بعد علمائهم الذين فرضوا على أنفسهم منهجاً متشدداً في التعامل مع قواعد الإسلام وكل بناه القيمية، وبين براغماتية زائفة لا تخضع لقواعد محددة ومعروفة، أتبعتها أحزاب الإسلام السياسي الشيعي في قيادتها للدولة عندما جاءت الفرصة لها، فضاعت الفكرة المطلقة في خضم صراع هذه الأحزاب واستماتتها للوصول للحكم.

هذا التشدد في المبدأ، الدولة والحكم والعدالة المطلقة، فرض على أئمة الشيعة وعلمائهم على أثرهم ألتزام صف المعارضة والتي تكاد تكون مستمرة عبر مراحل التاريخ الإسلامي كله  لانهم وجدوا في هذه المعارضة تأكيد لأزمة الحكم وأستبداده وأبتعاده عن روح الاسلام وقيمه الكونية المبنية على العدل والمساواة والحريّة.

لقد ألزمت الأحزاب الشيعية السياسية نفسها من حيث المبدأ [نظرياً]، وأستناداً الى مرجعيتها العقائدية، بالسعي الى تكوين الدولة العادلة، دولة الأمام الغائب لتبرير وجودها في الساحة الشيعية الضيقة والتي هي الأخرى ألزمت نفسها مبدئياً بأهمية وحتمية وجود هذه الدولة.

كان من شأن هذا التناغم المبدئي بين الأحزاب الإسلامية الشيعية وبين الجماهير الشيعية حول أهمية وحتمية قيام الدولة العادلة، أن يوفر مدخلاً لتحقيق هذه الدولة، لا سيما بعد توفر الشروط الطبيعية والموضوعية لقيامها بعد أحتلال العراق في العام ٢٠٠٣، من جهة، ومن جهة أخرى هو أعطاء المشروعية للنظام الجديد، على أعتبار أن هذا النظام هو الوحيد القادر على بسط القانون ونشر العدالة بين الناس.

أن التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها هذه الأحزاب بعد السقوط ٢٠٠٣ والتي ترتبت على ضوء أستلامها للحكم جعلها تعيش حالة النكوص عن مبادئها العقائدية التي طرحتها خلال مسيرتها في العمل قبل الوصول الى السلطة، ولتنغمس كلياً في عملية سياسية ابعادها تتمثل في السلطة  والعنف والمال والفساد، التي هددت بدورها بل انها ساعدت في تدمير ما تبقى من مقومات الدولة التي لم تطالها يد التخريب  الامريكية، هي إذاً  "جمرة الحكم" التي تحرق، إذا ما أجيز لي أستخدام مصطلح الأستاذ الكاتب (علي طاهر الحمود).

لقد تمثل فشل هذه الأحزاب الإسلامية الشيعية في العراق من خلال قيادتها للدولة في بعدين، الأول ماضوي يستحضر على الدوام من خلال الدين والمذهب والرموز التاريخية الكبيرة، لانها لم ترتقي الى مستوى هذا الاستحضار الدائم للماضي ومفرداته،  والثاني يتمثل في فشل المنهجية البراغماتية التي حاولت هذه الأحزاب أتباعها في قيادتها للدولة، لانه منهج غريب عنها وعن ادبياتها ويتصادم في بعض جوانبه مع مبادئ عقائدية ثابتة في منهاج هذه الاحزاب.

ليس أمام هذه الأحزاب خيارات عديدة، فهي قد ألزمت نفسها كما أسلفنا بأستحضار الماضي بكل تجلياته وقساوته للوصول الى حالة مثلى طالما طال انتظارها، وفشلت فشلاً ذريعاً فيه،  أو أن تستمر في نفس المنهج البراغماتي الذي قوامه الاستغلال العاطفي لجماهيرها في وضح النهار، والانغماس في كل فساد السياسة والحكم والسلطة في الليل، وهو الاخر صاحبه فشلاً كبيراً في الآونة الأخيرة، بعد أن برز على السطح وعي جديد لدى شرائح مختلفة من الجماهير العراقية التي لا تمثل القاعدة الجماهيرية الكلاسيكية لهذه الأحزاب.

ليس من السهل على هذه الأحزاب أن تعيد النظر في جملة خياراتها في الجانبين النظري والعملي، لانها بسهولة استنفذت كل طاقاتها، بل قد لا أكون مبالغاً حينما أقول، انها فقدت مبررات وجودها في الساحتين السياسية والدينية في العراق.

 

عقيل هاشم عبود

......................

المصادر

- نيتشه (هكذا تكلم زرادشت)

- جبران، خليل جبران ( النبي)

- أبو زهرة، محمد. (المذاهب الإسلامية)، ص ١٥٥

- مغنية، محمد جواد. (الشيعة والحاكمون)، ص ٢٨

- Rawls, John, “Justice as Fairness :Political not Metaphorical “, Philosophy and Public Affairs 14 (Summer 1985): 223-51

 

مصطفى غلمانالمــشهــد الصفر

مواطن أربعيني من مدن الهامش، يموت جوعا، أمام ملحقة إدارية تابعة لوزارة الداخلية، بعد انتظار معونة لم تأت.

المشهد الدراماتيكي الفجائعي، ليس سوى صورة مصغرة عن مئات الحتوف المخلة بأدنى الكرامة البشرية، تحدث كل لحظة، في الدقائق الأخيرة من نهاية أعمار تحمل أحزانها على أكف الإهانة والتقصير وسوء تدبير الأزمة.

الحلقة المفقودة في المشهد إياه، هو الوسادة التي يلتحفها الرجل، تحت إبط الإسمنت، ونيران أعين المتلصصين ممن يلتقطون صور المغدور، وهو يئن تحت رحمة آلام القصور الكلوي، الذي يعانيه..

وبين أقدام مخازنية الملحقة الإدارية، وثقل المصيبة التي هزت الرأي العام الوطني، والتي خلخلت جزءا من المسكوت عنه، في رحلة المصير المجهول، لعديد من أسر الهشاشة والضياع الاجتماعي، ينتفض فينا سؤال الاحتراق والتسويغ المر، وكتابة الفراغ :

من يتأسف على من؟ ومن يحاذر من؟ ومن يتوجع على من؟

وإلى أين المسير؟

المشـــهــد الأقــــنومــي

عشرات المواطنين يرابطون أمام بئر شحيحة في أقصى بلدة غرب الموغادور، ينتظرون أدوارهم لملء ما تجود به صنابير مطمورة واجمة، قليلة الفرشة.

يجرون بهائمهم التي يملؤون على ظهور جرارها، ما يتزودون به يوما أو بعض يوم.

عندما يسأل القوم، عن جائحة كورونا، أو طوارئها المعلقة بقوانين الإلزام والضرورة، لا تكاد كلمات الصمت تبلغ المدى، حتى تتصدع بهمهمات اليائسين من حول قطيع الحمير والأغنام المأسورة برثاء قيلولة حارة وسخيمة.

الناس هناك يبحثون عن الماء، ولا يفهمون رغبة الوباء في قطع رؤوسهم، إذا ما انزاحت الأنوف والأفواه عن استراق كمامات الوقاية من الفيروس الفتاك؟

العطش يرخي باستبدايته المهيبة، أكثر من سراب الأمل الجارف الذي يفلق القلوب والعقول.

عندما تتهجى، أو لا تكاد، تسمع أنين أطفال دوار أكشتام الواقع في نقطة مجهولة من خريطة الصويرة، في إحدى جماعاتها القروية النائية (امرامر)، وهم يستصرخونك، لأجل وَعْث من ماء مرجى، أو كلمة تسبق القرارات الرسمية العجفاء، تسمع من به صمم الضمير، فإنك لا محالة، تكتشف الميز الظاهر بالعين المجردة، بين ما تطلقه أبواق التفاهة، وما يقع على الأرض؟

المشــهــد الســـيزيفـي

  ليس هناك أخطر من إله الموت الراهن، إله الغضب، الذي فجر الحقد الاجتماعي بين ثنايا الخداع. نفسه ثاناتوس في الميثولوجيا الإغريقية، الذي استطاع خداع إله الموت ذاك، فعاقبه بحمل الصخرة العظيمة، التي تنفعل بصوارم العقل الإنساني عديم الفائدة.

هي نفسها صخرة سيزيف الأبدية التي ظلت تتدحرج تحت خطى سياسة التجويع، الممارسة على فئات عريضة من الناس.

ستظل الفئات تلك، تحمل صخور مآسيها، في راهن كورونا وما بعدها. صخورا تتدحرج إلى أسفل الأحذية، وتعود لتنتشلها من الخرس، إلى قمة العذاب الأبدي ..

هكذا سنظل، نكتب عنها، دون أن نترفع يوما عن ملامسة حقيقة ضياعنا السيزيفي الأليم؟

 

د. مـصطــفـى غـلـمــان