منى زيتونسبق أن ناقشت أمر التعاطف في مقال سابق، ذكرت فيه أن هناك خللًا ما في بوصلة كثيرين من أفراد مجتمعاتنا العربية في توجيه تعاطفهم في كل قضية اجتماعية، وكثيرًا ما نجد من يتعاطفون مع الطرف غير المستحق له؛ ذلك أنه كثيرًا ما يبعد السلوك التعاطفي عن المنطق بل ويجافيه، ويقوم على الهوى وآفة الرأي الهوى!

والتعاطف كما أعنيه هو إظهار التقدير بقول أو فعل لشعور الآخرين؛ فأنا أتعاطف معك عندما أظهر لك أنني أقدر تقديرًا حقيقيًا ما تمر به، وليس بأن أسمعك أو أضع نفسي محلك أو أظهر استجابة انفعالية -حتى لو كانت ودودة- لمشاعرك.

في هذا المقال أحاول تصنيف أحوال البشر فيما يخص التعاطف، فللتعاطف مستويات وحالات عديدة، وأشهرها من خلال خبراتي الميدانية الأصناف الخمسة التالية.

التعاطف الإنساني

هو أول أنواع التعاطف وأعمها وأندرها في الوقت ذاته. إنه نوع التعاطف الذي يكون مع جميع البشر والمخلوقات دون تمييز، ولا يتذكر صاحبه سوى أنه إنسان فلا يتنبه لديانة أو لجنسية أو لأي انتماء كان.

وهذا تعاطف من بلغوا درجة عالية من النمو والسمو الروحي، تجعلهم يتعاطفون مع الخُطاة كما يتعاطفون مع الصالحين، وتبلغ بهم الرحمة بالحيوان وسائر المخلوقات أشدها.

اللا تعاطف

على العكس من النوع الأول للتعاطف الذي يتصف به الرحماء نجد نقيضه الذي يميز قُساة القلوب، وهؤلاء لا يكاد يعنيهم سوى أنفسهم وأقرب الأقربين منهم، وكأن الأرض خُلقت لهم وحدهم.

ولا يتوقف الأمر لدى أغلبهم عند حال اللامبالاة بل قد يتعدى معهم إلى الشنآن والشماتة في المكروبين. هؤلاء هم الشانئون لكل البشر صالحهم وطالحهم، أصحاب نظرية "لا دخان دون نار".

وأمثال هؤلاء لا تاريخ لأحد عندهم، فلو عاشروك سنينًا وأحسنت إليهم فيها أشد الإحسان ثم وجدوا من يطعن فيك لظنوا فيك ما يقول بلا روية ولا دليل! وربما ساهموا في الإشاعة عنك!

واللا تعاطف كسمة يختلف عنه كحال، ففي بعض القضايا لا يلزم أن تتعاطف فيها مع أحد الطرفين في القضية عندما يكون كلاهما مخطئًا ونال عقابه؛ كما في أزمة المدعو محمد رمضان والطيار الذي تم فصله لسماحه له بدخول قُمرة قيادة الطائرة واللعب في أزرارها في استهتار بالغ بأرواح البشر.

التعاطف مع صاحب الحق

وهذا هو صنف التعاطف الوحيد الذي لا ينافي ويجافي العقل بتاتًا، بل يماهيه ويتماشى معه دائمًا. هو تعاطف العقلاء والحكماء، وهو أيضًا التعاطف الذي وصف الله سبحانه وتعالى به المؤمنين ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29].

وقد كان هذا هو صنف التعاطف السائد بين المسلمين في عصرهم الذهبي، حتى أن الخليفة قد يجد قاضيه يحكم عليه، وابن الوالي يجد الخليفة يقتص منه، ويجعل الحق عليه، ويقف مع ابن واحد من أهل الذمة ضده.

وهؤلاء المتعاطفون مع إقامة الحق يدركون أثر العقاب في استقامة المجتمع وزجر الملتوين ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179]، فلا تأخذهم شفقة بالمخطئ أيًا كان، ويضربون على يده وإن كان ذا قربى. بشر كالسيف لا يخرجهم عن الحق لومة لائم، وإن غضب منهم الجميع. وصدق سيدنا علي بن أبي طالب عندما قال: لم يُبق لي الحق صاحبًا.

التعاطف الفئوي

وهذا النوع كسابقه يكون لجماعة دون أخرى، لكن مع الفارق الكبير، فالتعاطف مع الحق تعاطف الحكماء العادلين، الذي يدور مع الحق ولا يثبت على طائفة محددة دومًا سواء كان الحق معها أو عليها، وأما التعاطف الفئوي فتعاطف المتعصبين المتطرفين. وسبق أن تحدثت عن التعصب تفصيلًا في مقالات عديدة، والأمر أوضح من أن يحتاج لتكرار.

ولا يختلف الأمر كثيرًا باختلاف موضوع التعصب؛ فالتعصب اتجاه عام في الشخصية يظهر لدى الشخص ويطبقه في شتى الميادين سواء كان الحق مع طائفته أو عليها؛ فليست النقطة المحورية هي محتوى اعتقاده؛ فنجده يتعصب رياضيًا لناديه، ويتعصب لدينه أو لطائفته الدينية، ويتعصب للجماعة التي ينتمي إليها سياسيًا، وكل منهم يفرح في مصاب من ينتمي لفئة أخرى بينما يذوب إنسانية زائفة عندما يتعلق الأمر بأفراد جماعته، ولا يمانع في الكذب لتبرير تعصبه الأعور ذاك عندما تكون طائفته وجماعته على باطل.

ينظر الواحد منهم إلى انتماء صاحب الرأي قبل أن ينظر في الرأي ذاته، ويفرق تمامًا معه بين إن كان من يُقيّمه أهلاويًا أم زملكاويًا، مسلمًا أم مسيحيًا، سنيًا أم شيعيًا، إخوانيًا أم سيساويًا أم ثوريًا.

التعاطف المرآوي

وهذا هو الصنف الذي يَخفى أمره على كثيرين، والذي دفعني لكتابة المقال، ويختلف عن الصنف السابق الفئوي، فهنا يكون التعاطف مع من يشبهك كفرد وليس من ينتمي لجماعتك.

ولنفهم هذا الصنف من التعاطف أكثر لا بد من وضع بعض المسلمات عن اقتراف الخطأ والاعتذار عنه أمام أعيننا، وأولها أن كل البشر يرتكبون أخطاء ولكن ليس كلهم يرتكبون خطايا.

ومن يخطئ خطأ كبيرًا في حق نفسه وحق مجتمعه، ويرغب في إعادة الانخراط في المجتمع، وأن يتقبله المجتمع دون إعادة تذكير بما اقترفه عليه أن يعلن اعترافه بخطئه، ويعد بأنه سيكون إنسانًا نظيفًا، وسيغير من نفسه.

لكن المشكلة إننا شعب لم يعتد أفراده الاعتذار، وإن اعتذروا فغالبًا يكون اعتذارهم مشروطًا؛ فيقدمونه عندما يتأكدون أنه سيُقبل! بمعنى تفضل أو تفضلي بالاعتذار فقد سامحناكم!

وقد يصدر الاعتذار عن المخطئين عندما تضيق في وجوههم ويكتشفون أن مرور الزمان لم يجعل ما اقترفوه يمر مرور الكرام وإنهم مضطرون للاعتذار!

وأحيانًا يكون الاعتذار مقرونًا بإسقاط؛ فمن يظهر التأسف يرفض الإقرار أنه هو المخطئ الوحيد، ويحاول أن يرمي الخطأ على غيره أو يقول إن الجميع يخطئون لكن ستر الله يغطيهم؛ والمعنى الدفين الموجه لباقي أفراد المجتمع أنكم أنتم أيضًا غالطون، وهي حالة من التبجح عالية بدلًا من إبداء الندم.

وكل ما سبق هي أشكال من الاعتذار الزائف عديم القيمة! فالاعتذار هو اعتراف بالذنب، ويجب أن يتم كمبادرة من المخطئ وإلا فقد معناه، كما يجب ألا يتم التلكؤ في تقديمه، ولصاحب الحق قبوله أو عدم قبوله، وإن كان أصحاب النفوس الكريمة لا يتأخرون عن العفو في حال صدق الاعتذار والمبادرة به وعدم التلكؤ أو محاولة جعله مشروطًا.

وعودة إلى التعاطف مع الخُطاة والمعتذرين، لنجد انتشارًا مزعجًا وكثيفًا لفئة ينتهزون أي إشاعة تُطلق عن شخصية محترمة بالمجتمع للسخرية منه وإطلاق النكات والفكاهات الماسخة عنه؛ وكأن ما قيل عن هذا الشخص حقيقة رغم عدم وجود أي دليل على صحة ما أُطلق من إشاعات، ورغم وضوح كيديتها في أحايين كثيرة. والعكس تمامًا يكون حالهم إن كان التطاول على خاطئين متلبسين بالجُرم، خاصة إن قدموا اعتذارًا من نوعية الاعتذارات الزائفة أعلاه!

وكثيرًا ما تساءلت لماذا يتلقى الخاطئون خطأ واضحًا غير قابل للبس، تعاطفًا كبيرًا من تلك الفئة ذاتها التي تسارع في جلد من لا يستحقون الجلد؟! ولا يكتفون بالسكوت عن الإشاعات التي تطلق على أي أحد كما المحترمون من أبناء المجتمع؟!

إنه التعاطف المرآوي، تعاطفك مع من يشبهك، مقترنًا بحسد من يختلف عنك ويعلوك قيمة.

وهنا أوضح أن التعاطف مع صاحب الحق الذي لا يصدر إلا عن العادلين، هو أيضًا شكل من التعاطف المرآوي، فكأن الحق بداخلهم مرآتهم التي يرون فيها. دمتم عادلين.

 

د/ منى زيتون

 

 

جواد بشارةمقدمة نظرية: إن الاختلافات الموجودة بين عالم الواقع وعالم الشاشة لا تكمن فقط في مجال المكان وأبعاده الثلاث، الطول والعرض والارتفاع وما يوحيه بالعمق كتجسيد ثلاثي لإحداثيات المكان وهندسته وتكويناته، فحسب، بل يتعين علينا أن نضيف بعداً رابعاً لا يقل أهمية كما في فيزياء آينشتاين، وهو الزمن، ولكن في السينما، حيث يمتلك المخرج خاصية التلاعب بالزمن وخلقه وتحويله أو تجميده. تجري أحداث الفيلم في نظام زمني مستقل عن مفهوم التتابع والتعاقب الذي يحكم عملية تعاقب الحركات والأفعال والأحداث في حياتنا اليومية. من هنا يمكننا القول بوجود " زمن سينمائي" يتميز تماماً عن " الزمن التعاقبي للوقائع الموجود في أي نظام زماني مألوف ومتعارف عليه. فالزمن التعاقبي أو الواقعي هو الزمن الشمسي أو المرتبط بالشمس وحركة الأرض أو دورانها حول الشمس خلال 24 ساعة، حيث اختار الإنسان أن يربط وينظم إيقاع حياته ووجوده مع الطبيعة مانحاً إياه سمة الثبات وتعذر الانعكاس والارتداد إلى الوراء، وهو أمر مفيد لعمليات الإدراك والاستيعاب والتقدير وترتيب الأحداث والظواهر وتقعيد حركاته ضمن إيقاع محدد. فالزمن الشمسي هو النموذج الوحيد كأداة قياس زمني، الذي كان معروفاً لدى البشر طيلة قرون طويلة، إلا أن الفن، في بعض مناحيه ومظاهره وتجلياته، كالموسيقى والمسرح والرواية والسينما الخ ... والفلسفة والسيكولوجيا والعلم والتكنولوجيا جعلتنا نتآلف مع أنظمة زمنية أخرى ذات طبيعة مختلفة غير الطابع التعاقبي الشمسي والتاريخي، وكشفت لنا تلك الوسائل التعبيرية الميزة الأساسية المركبة والمعقدة المتعلقة بمفهوم الزمن. فتعرفنا على الزمن الفيزيولوجي الذي يتحكم بالإيقاع الخاص للأعضاء الداخلية للجسم البشري كالقلب والعضلات الخ.. وتعرفنا على الزمن النفسي أو السيكولوجي الذي ينظم ويتحكم بمشاعرنا وتفكيرنا. واطلعنا على الزمن الرياضياتي الذي يواكب وينظم الظواهر العلمية دون التقيد بضوابط الزمن الأرضي. فبدلاً من الزمن الوحيد غير القابل للانعكاس والارتداد والمتجه بسهمه من الماضي إلى المستقبل، ها نحن نتعامل مع زمن متعدد الأوجه ومتغير، وهو الذي أدى إلى ولادة المفهوم الفلسفي " للمدة" وإلى النظرية العلمية الفيزيائية المعروفة باسم النسبية.

ظهرت السينما قبل أكثر من قرن ووفرت لنا، باعتبارها آلة ميكانيكية، إمكانية قنص وتفكيك وإعادة بناء وتشكيل الحركة الظاهرة للحياة وتحويلها والتلاعب بها من خلال عمليات تكنيكية بصرية وخدع سينمائية كالتسريع والتباطؤ والانعكاس والارتداد إلى الخلف أو العودة إلى الوراء الخ... أي السيطرة تماماً على النظام الزمني الشمسي.  واستطاعت السينما بإمكانيتها، كأداة سردية أو كأداة تعبيرية معبرة، أن تترجم الحركة الداخلية للحياة الفكرية أو نزعة التفكير العقلي، العاطفي أو السيكولوجي، أو تعديله في الإرادة بواسطة كافة أنواع الإجراءات والطرق التعليمية أو الدرامية الجديدة، بتعبير آخر، السيطرة الكلية على النظام الزمني السيكولوجي. وبالتالي، وبفضل العملية التوليفية أو تكنيك المونتاج السينمائي، امتلاك القدرة على أن تخلق السينما بنفسها، في إطار سياق الأحداث المعروضة، إيقاعاً جديداً خاصاً بها، والذي هو العمود الفقري لما نسميه بالزمن السينمائي.  لذلك، تقدم السينما هذه الخصوصية المتمثلة في القدرة على الجمع بين عدة أنظمة زمنية معروفة بالفعل لتعديل هيكلها وإدخال مفهوم أصلي ومستقل للوقت. أي ليس مجرد الاستنساخ المحض والبسيط للواقع الخارجي.

تستنسخ السينما بشكل غير كامل للغاية وبطريقة تقليدية، مظهر العالم المحسوس أو المعاش، أي المساحة المادية أو المكان الفيزيائي، ومع ذلك فهي قادرة على أن تقدم لنا بأمانة شديدة على الشاشة وبمعدل 24 صورة في الثانية الواحدة جريان الزمن المادي الواقعي، وهو الذي نراه في الواقع اليومي وتجعلنا السينما نراه يمر على الشاشة في عرض عادي طبيعي وواقعي حيث تقدم لنا تجليات ومظاهر الحياة وتطور الأشكال وتنقل الأشخاص والأشياء والتعاقب المنطقي للحوادث والمسار الطبيعي للأحداث. ومع ذلك، فإن تحليل واقع عملية استنساخ مظاهر الواقع من خلال أداة التصوير السينمائي لا يخلو من بعض الملاحظات. يتكون الفيلم من سلسلة مستمرة من الصور الثابتة، كل منها يمثل لحظة مقتطعة من الواقع يتم فصل كل صورة عن الصورة السابقة وعن الصورة التالية بفاصل زمني قصير للفضاء والوقت أو الزمن ـــ المكان على شريط السلليلويد والزمن أثناء العرض ـــ، خلال ذلك يتغير الواقع ويكون التغيير بعيد المنال. إنها حقيقة إذ أن السينما تقدم لنا في الفيلم فقط سلسلة من اللقطات الثابتة غير المتحركة. ولكن بعد تجميعها مع بعضها البعض وعرضها على الشاشة بسرعة 24 لقطة في الثانية الواحدة، ستعيد هذه الصور في أعيننا الحركة الظاهرة للحياة.

إن خط الحركة في الفيلم هو الخط الزمني. ومن صفات الفيلم هي وجود الحركة فيه فهو فن الصور المتحركة ومعنى الحركة هو انتقال الشيء في زمن ما من مكان على آخر أو بعيارة أخرى أن الحركة في جوهرها هي الانتقال نفسه من حالة إلى أخرى ويتم تنظيم الحركة في الفيلم وتحديدها بمقدار السرعة والبطء في المجرى العام للأحداث بالتوافق مع الخط العام للتطور الدرامي لموضوع الفيلم لأننا نرى الزمن في السينما ضمن ثلاث مقاربات، مادية ونفسية ودرامية. فالزمن المادي هو الزمن الذي يستغرقه حدث ما عند تصويره وعند عرضه على الشاشة. أما الزمن النفسي فهو انطباع ذاتي يشعر به المتفرج عند مشاهدة الفيلم أما الزمن الدرامي فهو الزمن السينمائي المضغوط الذي تستغرقه الأحداث المصورة عند تحويلها إلى فيلم. في الحقيقة أن السينما تستغل عيب أو نقيصة في نظامنا البصري وحواسنا خاصة حاسة الرؤية أو البصر لأننا لا نستطيع أن نميز بين الصور الساكنة المتتابعة بسرعة معينة وبين الحركة المتواصلة. فالسينما تصور سلسلة من الصور الساكنة وتقوم بعرضها على الشاشة بسرعة 24 كادر في الثانية لتعيد انتاج وهم الحركة في الواقع الذي تم تصويره بواسطة كاميرا سينمائية تصور بإيقاع 24 صورة ساكنة في الثانية، ويتولد انطباع في عصبنا البصري يبقى ثابتاً نشعر به في حين أن هناك فترة ظلام قصيرة حيث يعقبه انطباع جديد يتولد من عرض الصورة الساكنة الثانية قبل أن يتلاشى أو يختفي انطباع الصورة السابقة وهكذا دواليك، وهو الأمر المعروف بالوهم البصري. وبالتالي فإن أهم إنجاز حققته السينما وتفوقت فيه على باقي الفنون البصرية كالتصوير الفوتوغرافي والرسم هو إعادة إنتاج الحركة والتحكم بالزمن من خلال إعادة تقديم الحركة في الزمن المحدد بعد أن تمكنت التقنية من تثبيت الزمن على مادة قابلة للتكيف والمعالجة كالشريط الفيلمي وإخضاعه لمعالجة تقنية بحرية بغية تسجيل المدلولات الزمنية المنشودة والفصل بين الفترات الزمنية ثم إعادة تجميعها في وحات متكاملة.

يتبع

 

د. جواد بشارة ـــ باريس

 

خيرة بورزيقالملاحظ أن هناك خلط بين مفهوم المسؤولية الاجتماعية ومفهوم المسؤولية المجتمعية، حيث نجد أن جل الباحثين والدارسين لا يهمهم أي من المصطلحين عليهم أن يستعملوا حسب كل ظرف وحالة. وبرأيي أنه علينا أن نضبط جيدا وبشكل جدي المصطلحين لفهم فحوى كل منهما:

المسؤولية الاجتماعية: يقصد بها أن تراعي المؤسسات الجوانب الاجتماعية والإنسانية والأخلاقية في كافة أعمالها المرتبطة بنشاطها ارتباطا مباشرا وذلك سواء على المستوى الاقتصادي (تجاري وخدماتي) أو البيئي (بيئة وصحة) أو القانوني (تشريع ومدونات)، وحسب الجوانب المرتبطة وإن تعددت، وتتعهد في قوانينها الداخلية ومدوناتها وكذا في تعاملاتها الطوعية بأن تلتزم بذلك مراعاة الرجل الحريص، ولا تكتفي فقط بتطبيق القوانين في حدها الأدنى والبحث عن ثغراته والنصوص غير المواكبة للتطور.

من أمثلة ذلك: رعاية العاملين والمتقاعدين منهم، توظيف المعاقين واستيعابهم، تنظيف مخلفات نشاطاتها الماسة بالبيئة ولو كان ضررها بعيد التحقق أو محتمل، توافق المنتجات مع معايير التقييس توافقا لا لبس فيه، الالتزام بإصلاح الخطأ التزاما طوعيا حتى في غياب نص عقابي أو دليل قاطع.. في حين أن:

المسؤولية المجتمعية: أشمل، حيث تعني أن تأخذ المؤسسات على عاتقها –إلى جانب المفهوم الأول- مراعاة مختلف جوانب الحياة في المجتمع والعمل على إبراز دورها فيه بشكل فعال وإيجابي، وأن تتحد مع مختلف المؤسسات سواء في القطاع العام أو الخاص لترقية المجتمع ورفاهيته، وتتعاون معها لتبادل التجارب الناجحة حول برامج المسؤولية الاجتماعية مع المنافسة المشروعة وتحقيق التكامل، وتساعد الدولة في تحمل أعبائها، المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة وبناء إستراتيجيات هادفة لخدمة الفرد والمجتمع .

ومن أمثلتها: إيجاد آليات مشتركة لتطوير اقتصاد البلد، الاهتمام بالفئات الهشة ومساعدتهم على إيجاد مصدر رزق، تقديم تبرعات وإعانات لبناء مدارس ومستشفيات، مساندة الطلاب على البحث العلمي والتدريب وتقديم التسهيلات، المشاركة في الجوانب الثقافية والسياحية والإعلامية والتربوية..

 ملاحظة: لا يجب فهم هذه التفرقة على أن دور المسؤولية الاجتماعية لا يتجه نحو المجتمع، بل وكما هو موضح في المثال فالمجتمع في المسؤولية الاجتماعية هو أيضا أحد أصحاب المصلحة الخارجيين أو غير المباشرين، غير أن المجتمع في المسؤولية الاجتماعية يجب أن يتحقق رضاه عن وسائل عمل منظمات الأعمال وقبوله لأهدافها، والاعتراف بحقه في مراقبتها. وتتوسع مصلحته أكثر في المسؤولية المجتمعية.

- وعليه؛ نستنتج في الأخير بأن المسؤولية المجتمعية لا يمكن أن تتحقق في غنى عن المسؤولية الاجتماعية، في حين أنه يمكن الاكتفاء بالمسؤولية الاجتماعية كضمان حد أدنى من المسؤولية المجتمعية، حيث أن الأولى هو تبني المسؤولية الاجتماعية كونها أكثر إلزاما.

 

ومع هذا وإن كان من المستحسن التفرقة بين المفهومين إلا أن الجدل لا يقع حول وجود مبادئ مشتركة يمكن جمعها تحت مسمى واحد ومتفق عليه وهو المسؤولية الاجتماعية، وهذا ما نصبو إلى توضيحه في الوقت الراهن كدارسين وناشطين في هذا المجال.

 

تحليل شخصي: أ. بورزيق خيرة

أستاذة جامعية مؤقتة، محامية، وباحثة في طور الدكتوراه حول المسؤولية الاجتماعية /الجزائر

24/02/2020

 

بليغ حمدي اسماعيلإصرار الكثيرين في الوطن العربي تحديدا مصر المحروسة على أن السلاح الأول والأخير لمواجهة طغيان الفوضى والعبث والعشوائية هو العلم والمعرفة، ورغم أن المعرفة في حد ذاتها هي الغواية الأولى للإنسان، فبعيدا عن التفسيرات الدينية والتأويلات الفلسفية التي دفعت آدم (عليه السلام) وزوجه حواء لتناول التفاحة من الشجرة المحرمة التي أدت بهما إلى التعري والخروج المطلق من الجنة هبوطا إلى الأرض، وكيف وسوس لهما الشيطان بمكره وغروره ودهائه وما ساعده من فطرة آدم وزوجه في الاستجابة، فإن المعرفة ودافعيتها جعلتا آدم وزوجه رهن إجابة طلب إبليس لاسيما وأن باب دخوله كان الغرور، ثم طمعا في جنة الخلد، الأمر الذي دفع كليهما ـ آدم وزوجه ـ إلى اقتناص المعرفة ومن ثم الفوز بنتيجتها . فالمعرفة ليست كما يظن ويدعي رواد ريادة الأعمال المعاصرون اليوم بأن البوابة الرئيسة التي ينبغي أن نصل إليها، لأنها بالفعل كانت منذ بدء شرارة الغواية الأولى صوب شجرة الخلد الحلم الذي يسعى يظل هاجسا ومحركا دون توقف أو خمود .

وانطلاقا من المعرفة التي ظلت منذ العهد البشري الأول غواية أولى تستحيل بمرور الزمن وتطور الأدوات والأساليب سهلة القنص و في أثناء البحث عن النواتج الفعلية لطرح العالمي الدكتور أحمد زويل العلمية والبحثية، توقفت طويلا أمام بعض الأقوال الرصينة التي من شأنها أن تدفع بها وزارة التربية والتعليم على أغلفة الكتب المدرسية لأنها بحق خير دافع لنهل المعرفة ولتمكين العقل البشري، ومن هذه الأقوال : عندي أمل كبير أن هذه الجائزة الأولى سوف تلهم الأجيال الشابة في الدول النامية وتحثهم على الأخذ بأسباب العلم والاعتقاد بإمكانية الإسهام في دنيا العلوم والتكنولوجيا على المستوى العالمي "، وهو هنا يتحدث عن فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء .

ومن أقواله المتميزة أيضا : " إن المجتمع العلمي له ثلاث دعامات رئيسة وهي العلم، التكنولوجيا والمجتمع فمن العلم تنشأ التكنولوجيا والتي بالتالي تساعد .علي تطويره والإثنان لا يتواجدان إلا إذا كان المجتمع يقدر ويدرك أهمية العلم"  . 

ودوما ما نجد أحمد زويل يعتز بالتاريخ العلمي العلمي الذي له فضل كبير على نهضة وتطور العلم في الغرب وقتما كان الغرب في غرق كبير وطويل في غياهب الجهل وفقر المعرفة، فنجده يؤكد على حقيقة مفادها : " الأوروبيين ليسوا أذكى منا ولكنهم يقفون ويدعمون الفاشل حتى ينجح ... أما نحن فنحارب في الناجح حتى يفشل " . ويعطينا الدكتور أحمد زويل روشتة إنسانية تدعم حق التخييل وقوة الخيال في تغيير الواقع للأفضل بل وجعله أكثر إنسانية لخدمة البشرية عموما، وهذا ما وجده في الولايات المتحدة الأمريكية حيث يقول : الجميل في أمريكا وهو ما جعلها تتقدم على العالم علميا، أن الخيال لا يقتل وليست له حدود وكل المؤسسات تشجعه، والعالم الحقيقي المحب لعلمه لا بد أن يحلم، واذا لم يتخيل العالم ويحلم، سيفعل ما فعله السابقون ولن يضيف شيئا.

 وفي ظل الحديث عن العلم والعلماء تجدر الإشارة إلى سؤال يفرض نفسه بقوة على عالمنا العلمي العربي وهو هل يختلف العلماء حول حقيقة مطلقة وهي أن الحجج والإحداثيات الداعمة التي تستخدم في تأييد العلم لا تستند إلى التعصب؟ ورغم أن الإجابة التي تفيد بالنفي تأتي بأن هناك ثمة اختلافات بين أهل العلم كونه يمثل أحد منطلقات بناء الإنسان المعاصر، وهذه الاختلافات لا تأتي من باب ما يحدثه العلم في صناعة العقل البشري وتأسيسه لمواجهة التحديات المعاصرة، بل من حيث تعصب أهل التخصص الواحد . فعلى سبيل المثال نجد اتفاقا بارزا بين المتخصصين في الفيزياء على إطلاقها العام، لكن نرى في نفس الوقت التصارع وليس التسارع العلمي بين الفيزياء كأحد العلوم الأساسية وبين تدريسه في مدارسنا العربية وهذا الاختلاف لا ينشأ إلا في ظل حضارات في طريقها إلى التقويض وليس التشييد.

هذا باختصار ما سعيت لتقدمة آخر كتب العالم الفيزيائي الأميركي ذي الأصول اليابانية الدكتور ميشيو كاكو Michio Kaku  الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء لمشاركته الفعالة في نظرية الأوتار الفائقة والتي تعد بحق إحدى النظريات الاستثنائية الموحدة للطاقات في الكون . والكتاب هو ( مستقبل العقل .. الاجتهاد العلمي لفهم العقل وتطويره وتقويته )  والذي قام بترجمته هذا العام 2017 الدكتور سعد الدين خرفان أستاذ الهندسة الكيميائية بسورية التي لا تزال تل أبيب تسعى وتحاول وتهرول جاهدة إلى تقويض أركانها وتفتيت دعائمها مدعمة بالمد والرفد الأميركي .

فباستخدام تقنية MRI  أمكن للعلماء قراءة الأفكار التي تدور بعقولنا، هذا حقاً، بل ربما يندهش المهمومون بتجديد الخطاب الديني ـ وأنا من هؤلاء ـ بأن علماء شركة IBM  حاليا مغرورقون بإمكانية التواصل بالعقل مع الحاسبات الإلكترونية كبديل عن استخدام الفأرة أو الصوت، ليس هذا فحسب، بل دفع الفواتير ببطاقة الائتمان عن طريق قراءة الأفكار وتأليف أعمال موسيقية باهرة . وربما سيقص أحفادي بعد قرون قصصهم عن ما تناوله ميشيو كاكو في كتابه من أن العقل سيتحرر يوما ما في المستقبل البعيد من قيود الجسد، ليتجول بين النجوم، وربما سيكون بإمكان المرء أن يضع مخططاته العصبية بالكامل على أشعة الليزر وإرسالها بعد ذلك إلى أعماق الفضاء .

وفي نفس الصدد العبثي لواقع مجتمعي مترهل معرفيا تستحضرني المقولة البليغة لأكثم بن صيفي في خطبته لكسرى ملك الفرس : سوء الظن عصمة، وحسن الظن ورطة . ومن منطلق هذه العبارة لا يمكن الجزم بأن الإعلام المرئي والمقروء ليس في مجمله بل في حالاته ومشاهده الاستثنائية يحاول تشويه الجوانب الإيجابية التي تحدث في بر مصر المحروسة، رغم أن هناك محاولات إعلامية تتمثل في بعض البرامج الفضائية المملة وبعض الأقلام التي تبحث عن شهرة او تسعى لتطبيق نظرية إمساك العصا من المنتصف فأخذت تنقد كل مظهر خبيث ومشوه، دون أية إشارة لأي ملمح إيجابي يحدث في بر مصر المحروسة .

لكن رغم أن الإعلام أصبح  يتسيد مشهد الهجوم على كل شئ وفي نفس الوقت يدافع عن الملمح مثار الدهشة أيضا،إلا أن هناك تيارات أخرى وفصائل متعددة تسعى أيضا لتقويض وطن بدأ في التشييد والتعافي من جديد بل هو وطن تعافى بحق، ولن أسير في فلك اللاهثين وراء إلصاق تنظيم حسن البنا في كل مشكلة أو حادثة تحدث في شتى بقاع المحروسة، ليس دفاعاً عنهم بالتأكيد، وليس من قبيل التعاطف السياسي لأنني لازلت مصر على رأيي أن الجماعة رغم تاريخها في عمق مصر منذ عشرينيات القرن الماضي إلا أنها لم تتمتع بالمهارة السياسية الكافية التي تؤهلها لحكم البلاد والعباد لاسيما شعب محترف كالمصريين، لكن لأنها بالفعل قوة غير فاعلة ولا تمتلك لية مهارات أو آليات تجعلها في بؤرة الاهتمام، لكن البيئة الخصبة للجهل هي التي أظهرت هذا التنظيم، وهي نفسها التي تطل علينا بظواهر رياضية وفنية وسلوكية تضرب بجسد المجتمع المصري الضارب في تاريخ القيم والتقاليد الرصينة.

إلا أن هناك أياديَ أخرى تسعى لإفشال برنامج التعافي الاقتصادي والمجتمعي الذي ينادي به السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في إعادة بناء الوطن فضلا عن الدعوات المتجددة لتجديد الخطاب الديني الذي من وجهة نظري بدا خطابا عصيا على التطوير أو التجديد لعقود قادمة، من هذه الأيادي على سبيل المثال وليس الحصر الترهات والتفاهات الفراغية نسبة إلى الفراغ وملله والتي تتعلق بالمناقشات الدينية والفقهية التي تتناولها الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي لدرجة تدعو أحيانا إلى السخرية بل والعبث بالعقول المتفجرة علما ومعرفة .

والدعوات العبثية من أجل جذب المشاهد وإلهاء المواطن عن قضاياه المصيرية الراهنة مثل أغاني المهرجانات وهذا التراشق العبثي غير الممنهج بين أنصار ومؤيدين وبين رافضي لهذا الملمح الغنائي الذي ربما لا أستطيع الحكم عليه بصورة فنية لكن من المنظور الاجتماعي فهو ملمح مستهجن وربما لا يستحق كل هذا الاهتمام المدهش من قبل الفضائيات الرصينة أو التي بدت لفترة ما رصينة حقا، وكم استاءت الأسر المصرية حلقات الإعلام الفارغ التي تحدثت عن الصراع الظاهر العلني بين رواد المهرجانات العشوائية الشعبية بامتياز والنقيب الفنان أمير الغناء العربي هاني شاكر من على صواب ومن المخطئ حقا في حق فنه ووطنه، كل هذا العبث الممنهج  يجعلنا نؤكد أن ثمة مؤامرة تحاك علانية ضد الوطن من خلال تفريغ طاقاته الإدراكية وحالاته الواعية صوب ترهات فارغة، وقضايا غامضة بحق حو ظهر الفنانة العارية والنقوش التي عليها، أو بطن الممثلة المعتزلة بعد أن ترهل فصار كرشاً رجاليا، أو جورب المذيعة الذي انقطع فجأة وهي على الهواء .

وأعتقد أن فصائل سياسية أكثر غموضا تعبث بالداخل من شأنها أن ينهار الوطن، ولا أدعي العلم ببواطن الأمور لكنني أستشعر أن رجالا بعينهم هم في حالة خصومة مزمنة مع الوطن القوي تجتهد بخبث في إعادة إنتاج ماضيها لكن هذه المرة ليس عن طريق إعطاء الهدايا الثمينة، أو التوغل في المؤسسات الربحية الاستثمارية عن طريق الشراكة الوهمية، إنما من خلال تعطيل وإبطاء الحراك المجتمعي والاقتصادي لأي مشروع أو فكرة أو طرح استثماري تطرحه الدولة المصرية الرشيدة

وتجئ هذه السطور بعد تكرار المحاولات القصدية التي سعت إلى إحراج صورة مصر بالخارج، منها ما حدث في أثناء وبعد مباراة السوبر المصري بين فريقي الذهبي النادي الملكي الزمالك وبين النادي الأهلي العريق بتاريخه وقيمه، هذه الصورة وإن اختلف الناس حولها بين مؤيد ومعارض أيضا إلا أنني ذهبت إلى دولة الإمارات العربية المتحدة أكثر من مرة ورايتهم وشاهدتهم كيف يعشقون مصر وأهلها وزعيمها الوطني الرئيس عبد الفتاح السيسي وهم شعب طيب مهب لا ولم يعرف مثل هذه التصرفات غير المسئولة، وأنا لست بصدد محاكمة من تسبب في إحراج صورة مصر بالقدر الذي أقدم فيه الاعتذار إلى الدولة الطيبة التي شاهدتها ورأيتها بعيني ووجدت كرما لا يوصف.

لكنها الفوضى التي اشتعلت منذ تلك الانتفاضة البيضاء التي قادها الشباب غير السياسي في يناير 2011، وازداد اشتعالها لأنها كانت بغير رقيب أو منظم أو حتى تحت قيادة متعهد مظاهرات غير محترف، ومنذ ذلك الحين كل صباح نفاجأ على صيحات وموضات وقفزات عجيبة غريبة تطرأ على المجتمع الشرقي المحافظ .

مثل هذه المحاولات القصدية والمتعمدة، ربما لم تفلح في تغيير الواقع الأفضل تاريخيا، أعني وأقصد ظواهر إيجابية في مجالات متعددة، تكريم العالم الطبيب العالمي الدكتور مجدي يعقوب سفير الإنسانية في القرن العشرين والواحد والعشرين الذي نفتخر بذكر اسمه والذي تجاوز بمجهوداته كل الحدود والتخوم والبقاع الجغرافية ليحتل المكانة الأسمى في تاريخ الإنسانية والذي تم تكريمه في نهاية الشهر الماضي على يد سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم والذي يضرب كل يوم مثالا رائعا للحاكم المثقف المستنير الذي يدرك أبعاد دوره في هذه الدنيا .

أيضا من مظاهر الإيجابية استمرار احتلال الهضبة عمرو دياب لهضبة الغناء والذي أكد بألبومه الأخير سهران بأن الشغلانة لسه ليها كبير على حد وصف أحد زملائه، وبأنه لا يزال التريند الذي لا يختفي أبدا، لقد راهن عمرو دياب على تاريخه وتاريخ عشاقه الذي أنا منهم وأفتخر إنها مصر الرائدة دوما باستثناء عجيب.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

بكر السباتينالوهم هو شكل معين من أشكال التشوه الحسي (تشوه سلوكي) المحفز، وهو من أشكال البرمجة اللغوية والعصبية سلبياً كانت أو إيجابية، أي أن المصاب بالوهم يتعامل مع خليط من الحقيقة والخيال. وهو يختلف عن الهلوسة التي هي تَشوُّه مرضي بسبب غياب الحافز وفقدان البوصلة ما يؤدي بصاحبه إلى اقتفاء أثر المجهول دون هدف.

وإذا أردنا أن نفهم كيف يُصنع الوهم حتى يسيطر على سلوكنا! علينا قبل كل شيء أن نقتفي أثره في عملية التفكير حتى نحلل كيف يشوه أحد أركانها المتمثل بالذهن (الحواس) عن طريق برمجة العقل لغوياً وعصبياً، وسبل معالجتها.. ويحدث ذلك على النحو التالي:

أولاً- مداهمة الوهم للعقل الباطن من خلال الرسائل الخيالية المخادعة حتى يستحوذ على مخرجات التفكير غير المتوازنة ويشوه السلوك محدثاً اختلالات بين الوهم المخادع والحقيقة في العقل الباطن.. حيث أن عملية التفكير التي تقوم على (العقل والدماغ والذهن) تحدث من خلال العقل الباطن الذي يشكل مع العقل الظاهر ما يصطلح عليه بالعقل الكلي.. وفي الظروف المثالية فإنه يتم تطويع العنصر الثاني المتمثل بالدماغ والذي بدوره يقوم بإرسال الأوامر إلى العضو المعني في الجسم استجابة لتفاعل عنصر الذهن (الحواس الخمس) مع المؤثرات الواقعية المختلفة الموجودة في المحيط الملموس، إضافة لتلك الرسائل الناجمة عمّا يرسله العقل الباطن إلى الدماغ والناجمة عن تكرار الرغبة الإيجابية في التغيير، التي يوجهها الإنسان إلى العقل الباطن فيصدقها، ويتعامل معها كرسائل حسية يستجيب لها الدماغ، وهنا تتم عملية البرمجة العصبية بنجاح. أما إذا كانت المؤثرات الخارجية مجرد خيالات تسيطر على الرسائل التي تمر عبر الذهن (الحواس) إلى الدماغ فإن الأوامر الصادرة ستكون غير واقعية أي أن سلوك الإنسان سيبدو مشوهاً.. أي أنها خادعة ومن هنا يولد الوهم. ومعالجة مثل هذه السلوكيات تتم من خلال إعادة توجيه الرسائل المحفزة والواقعية إلى العقل الباطن لتعديل النتائج حتى تتفق مع الصفات الإيجابية المستهدفة.. وهذا يعني أن الإنسان يهيئ نفسه للتطور واكتساب معرفة جديدة والتدرب على ما يستجد عليه من معرفة وخاصة في المبادرات والعمل.

* (الإنسان عبارة عن حقل طاقة تتفاعل مع العقل الممتد بما يعرف بالطاقة الكونية الممتدة، لأن الدماغ يحتوي على موجات دلتا كطاقة كهرومغناطيسية والسيال العصبي كطاقة كهرو كيماوية).

وللتعمق أكثر في آلية التفكير دعونا نتعرف على مهام العقل الكلي بجزئيه (الباطن والظاهر)..

فلدى العقل الكلي مهمتان، تناط الأولى بالعقل الظاهر (الواعي) الذي يفكر بحرية ويكوّن أفكارَ جديدة فهو المسئول عن المنطق والحساب، ويعمل بسرعة 40 بت بالثانية، والبت هي أصغر وحدة قياس للمعلومات الرقمية في الحاسوب والاتصالات.

أما الثانية فتناط بالعقل الباطن وهو مجموعة من العناصر التي تتألف منها "الشخصية"، وقلنا بأنه يحتوي على المحركات والمحفزات الداخلية للسلوك أو أنه مقر الطاقة الغريزية النفسية والجنسية، إضافة إلى الخبرات والتجارب السابقة في جميع مراحل أعمارنا، ويمثل أيضاً مركز العواطف والانفعالات ومخزن الذاكرة، ويعتبر أيضاً الجزء الأرشيفي للعقل حيث يحفظ المعلومات القديمة منذ كان الإنسان طفلاً حتى تلك التي يعتبرها العقل الظاهر عابرة وغير نافعة.

فالعقل الباطن لا يستطيع أن يخرج عن برمجته المحددة، آلياً وتلقائياً، بناءً على ردود الأفعال السلوكية المخزنة مسبقاً، ويعمل بدون علم أو سيطرة العقل الظاهر بطاقة عالية ومؤثرة. فمن بين 96% إلى 98% من القرارات يقررها العقل الباطن دون إرادة الإنسان؛ لذلك يمكن أن نفهم لماذا لا نستطيع الامتناع عن ممارسة ما نحبه حتى لو تضارب الأمر مع مصالحنا أحياناً، أو كان وهمياً لا ينسجم مع البيئة التي ينتمي إليها الشخص المعني فيبدو مشوهاً سلوكياً مؤذياً أحياناً كأن يفترض الإنسان لنفسه عدواً بمعطيات خيالية مخادعة فيتركز هدفه على الانتقام، لذلك فالعقل الباطن هو الأقوى والأسرع بكثير من العقل الواعي، فهو الذي يشكل وينظم طريقة حياتنا. فتَعَلُّمْ قيادة الحاسوب على سبيل المثال، وخاصة الطباعة بداية الأمر يلزمها التركيز التام لأنها عملياً تكون في عهدة العقل الظاهر، ولكن بعد مدة من التدريب تصبح القيادة عادة يتحكم بها العقل الباطن فيصير بوسع المستخدم الطباعة أحياناً بمهارة فائقة دون النظر إلى مفاتيح الأحرف، كذلك الحال بالنسبة للمحاسب الذي يطبع قوائم الحسابات دون النظر إلى الآلة الحاسبة بمهارة مذهلة، وهو الحال نفسه بالنسبة لقائد المركبة الذي سيتمكن بعد الخبرة الطويلة في قيادة المركبة، من التحدث إلى جاره أو استعمال الهاتف أثناء القيادة لأن القيادة بعد التمرين وفي حالات التعب والسرحان تكون في عهدة العقل الباطن الآمنة، وهذا يحدث كثيراً، وكانت تثير لدينا الأسئلة المبهمة التي لا نجد لها تفسيرا منطقياً. وعلاوة على ذلك يمكننا فهم السر الذي يجعل المشرفين على الموت من الكبار يعيشون في الماضي السحيق ويقومون بنبش الذاكرة العميقة في العقل الباطن؛ هذا بالطبع لأن أحد عناصر التفكير المتمثل بالدماغ يكون معطوباً وبما أنه مرتبط من خلال الجهاز العصبي بمكونات الذهن الحسية، فمن البديهي أن يتعطل العقل الظاهر المرتبط بالواقع المنطقي المحسوس؛ لهذا يسيطر العقل الباطن كلياً على أولئك المشرفين على الموت، فيعيشون الماضي بتفاصيله وكأنه واقع محسوس. لذلك وفي التنجيم حينما تقيد العرافة عقل المتلقي الظاهر بالاستلاب فإنه سيصدق عقله الباطن كل تنبؤاتها، وهذا أصبح مألوفاً عند قراءة الأبراج. علماً أن الأبراج تؤثر على بنية الدماغ فيما يتعلق بإصدار موجات دلتا فيه ما سينعكس بالتالي في سلوك الفرد ومزاجه، ويعتمد ذلك على الاختلاف في تركيز الطاقة الكهرومغناطيسية لكل برج، مما سيختلف تأثيره على الدماغ من خلال اختراقها لحقل الطاقة لجسم المولود في هذا البرج.

علماً بأن الأبراج لا تساعد على قراءة المستقبل، كما سنثبت ذلك في سياق هذا المقال. وقياساً على ذلك فالوهم حينما يتاح له السيطرة على العقل الباطن بالمعطيات المخادعة القائمة على الخيال المريض فإن السلوكيات ستكون مؤذية، ولكن يمكن معالجتها عن طريق البرمجة مثل الانتقام القائم على الوهم أو التعامل مع المشاكل من خلال نافذة الوهم المخادعة.

ثانياً: انتخاب الصفات الإيجابية والتخلص من السلوكيات التي يشوهها الوهم.. والاعتماد على قاعدة طبيعة تقول بأن المدخلات في عملية التفكير هي من تحدد صفات المخرجات.. فاستبدال المدخلات السلبية والوهمية بأخرى إيجابية وواقعية تؤدي إلى نتائج سلوكية مقبولة.. وباستخدام نفس التقنيات ولكن بمدخلات معاكسة.. ومن أهم هذه التقنيات:

1: الخداع البصري: مثل المسرح الإمائي والدراما والسينما ثم أخطر هذه التقنيات المتمثلة ب الهلوغرام والنيروفون.

والهولوغرام عبارة عن جهاز حديث يبث موجات ضوئية لِتُكَوّنَ صوراً خيالية في الفراغ دون وجود عاكسات، فتنتشر في الفضاء وفق مسافة محددة. والخطير في الأمر هو ما يرافق الصور المتحركة ذات الأبعاد الثلاثية من بث صوتي خفي منخفض الموجات يتضمن عبارات توجيهية عن طريق جهاز النيوروفون الذي يرسل موجات لاسلكية تخترق الهالة الكهرومغناطيسية المحيطة بالإنسان عن غير طريق القنوات السمعية في الأذن، متجاوزة في تسللها العصب السمعي، فتدخل هذه الموجات مسامات جسم الإنسان وتتصل بالنهايات العصبية؛ لتتحول إلى نبضات كهربائية، فتنتقل إلى الدماغ والذي بدوره يستقبل الإشارة كما لو كان اتصالاً سمعياً، فيعمد إلى إصدار أوامره للعقل الباطن على شكل موجات دلتا بالمستوى المناسب وبالتالي سيستجيب العقل الظاهر للأوامر، وتدخل العملية (المخادعة) برمتها حيز المنطق، وهذا يعني أن الرسائل المبثوثة ستتحول إلى حقائق كأنها مُسَلَّماتٌ لا يجوز البحث في تفاصيلها، لتؤثر بالتالي في سلوك الإنسان المتلقي.. فتترسب آخر المطاف في الذاكرة العميقة الموجودة في العقل الباطن لدى المتلقي وتُسْتَحْضَرْ بالتالي من الذاكرة العميقة حين اللزوم كقناعات راسخة وحقائق بديهية.

2: التضليل الإعلامي (البروبغاندا) واغتيال الشخصية:

وهي نشر المعلومات بطريقة موجهة أحادية المنظور وتوجيه مجموعة مركزة من الرسائل بهدف التأثير على آراء أو سلوك أكبر عدد من الأشخاص. وهي مضادة للموضوعية في تقديم المعلومات الناقصة بغية التأثير العاطفي على المتلقي.. ويمكن إدراج الرسم الكاريكاتوري في هذا السياق.. ويتضمن ذلك ما يلي:

أ - بث الأكاذيب وخلط الأوراق لتعميم فوضى البيانات وخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي الذي ينتشر في فضائه الافتراضي طنين الذباب الإلكتروني من أجل قلب الحقائق وإدخال المتلقي في دائرة الشك وعدم اليقين وإرباك عملية التفكير المنطقي.

ب - الدعاية والإعلان والعلاقات العامة ما بين إظهار الميزات الإيجابية للسلع أو الأشخاص أو توظيف التقنيات الإعلامية المختلفة لقتل شخصية الآخر وصرف نظر الجماهير المستهدفة عنه.. حيث تستغل التقنيات الحديثة والسيكولوجية للتأثير في الرأي العام وتوجيه أفكار وقرارات الناس السياسية والاجتماعية وحتى الدينية، من أهمها: القولبة من خلال تسويق الأشخاص أو السلع في قالب معين ما بين السلبي والإيجابي حسب الغرض، والتنميط وتسمية الأشياء بغير مسمياتها، وأيضاً إطلاق الشعارات والاعتماد على الأرقام والإحصائيات ونتائج الاستفتاء والإيهام بمنح فرص الحوار والتعبير عن الرأي لجميع الاتجاهات.

من هنا استحدثت الحكومات وزارة الإعلام أو المجلس الأعلى للإعلام ليقوم بمهمة الدفاع عن سياساتها في السلم والحرب سواء من خلال تبرير الإخفاقات مثل تعثر التنمية أو تراكم الديون واللجوء إلى صندوق النقد الدولي ثم الخضوع لشروطه وانعكاس ذلك على معيشة المواطنين.

وبعض الدول العربية التي تسعى للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي تقوم بإيهام شعوبها بأن العدو بات صديقاً ويجب التطبيع معه.. بالمقابل فإن الدعاية المضادة تعيد الحقائق إلى مجراها الطبيعي.

ج - قتل الشخصية من خلال بث الدعاية الكاذبة، بالإضافة إلى الدعاية الدينية التحريضية القائمة على إثارة الفتن الدينية والطائفية في كل الأديان والأيدولوجيات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

د - تزوير الحقائق التاريخية من أجل منح الشرعية للحروب ولتحقيق الاطماع التوسعية وإقامة الإمبراطوريات، فالهيمنة والاحتلال والانقلابات السياسية جميعها تبحث عن الشرعية وعن التمويل ولا يمكن ذلك بدون الدعاية، وهذا ما فعلته الصهيونية توطئة لاحتلال فلسطين.

هـ - الاستلاب وفقدان القدوة ويتحقق ذلك من خلال عرض أفلام الرسوم المتحركة والتركيز على شخصيات مسيطرة على عقول الصغار وتعزز فيهم الشعور بالنقص أمامها لتستلب إرادياً من قبلها بحيث يلجأ إليها الصغار عند الملمات فتباء جهودهم بالفشل ليصابوا بالإحباط مثل شخصية سوبرمان وغيرها.. وهي شخصيات غير ملهمة إيجابياً بل تمثل المنقذ الذي يخلق في الإنسان روح التبعية والاستلاب.

ومواجهة هذه التقنية تتم من خلال توجيه أسئلة مضادة إلى العقل الباطن من أجل عكس النتائج.

ومن أشكال الاستلاب ما يعرف بتنبؤ المنجمين اعتمادً على الأبراج.

فكثيرة هي البرامج الاجتماعية الصباحية التي يطل من بعض فقراتها كل حين خبير للأبراج يملأ الوقت بالتنبؤات وقراءة المستقبل للمتصلين به وخاصة اليائسين من الجنسين.. وبالطبع فمعظم هذه الاتصالات تخرج من الاستديو لتوحي بأن البرنامج تفاعلي بامتياز على نطاق واسع.. يحصل هذا وكأن الإنسان يميل إلى أن يُخْدَعُ بسهولة.. فقد كذب المنجمون ولو صدقوا. إذ لا بد من توفر أربعة عناصر لوقوع أي"حدث" كوني في الزمكان، وهي:

- الدوافع النفسية والمقدمات الفيزيائية (في الحوادث الكونية).

- الإنسان وما يشارك به من فعل مباشر أو حدث يتزامن مع وجوده مع الأخذ بعين الاعتبار مبدأ عدم اليقين الذي تخضع له معايير الرصد الكونية وفق نسبية أينشتاين والكون الأحدب.

- الزمان.

- المكان.

وهي عناصر لا بد وأن تتوفر لأي "حدث" وقع في الماضي، أو يقع الآن في الزمن الحاضر؛ وقد يحدث مستقبلاً. وعليه فإنه من غير الممكن التنبؤ بوقوع أي "حدث" في المستقبل؛ لاستحالة اجتماع العناصر أعلاه في وقت واحد ما دام عنصر الإنسان موجود في الزمن الحاضر.. أي أنه لا يمكن للإنسان القفز عبر الزمن إلى المستقبل حتى تكتمل عناصر الحدث فيتم التنبؤ بوقوعه، لذلك هو خاضع للاحتمالات.. إن اجتماع وجود عنصر إنسان معين في الزمانين: الحاضر والمستقبل، شيء لا يتقبله العقل؛ لأنه يخالف المنطق الفيزيائي.. الذي يتحكم بالزمكان وفق النظرية النسبية.. مما يثبت أن عمليات قراءة المستقبل هي وهم يسوّقه المنجمون النصّابون لفاقدي الأمل. ويمكن إدراج ما يقوم به المنجمون من تنبؤات في خانة البرمجة اللغوية والعصبية السلبية التي من شأنها إيهام العقل الباطن بحدوث المستحيل فيصدق الإنسان ذلك دون أن يعطي الذهنْ (الحواسْ)،صورة حسية ملموسة الأبعاد حتى يصدقها العقل الظاهر.

المستقبل قد يقع في دائرة الاحتمالات بناءً على ما يتوفر من معطيات فيزيائية مثل التنبؤ بالطقس باستخدام الخرائط، أما إدخال الحدث المستقبلي في دائرة اليقين من باب التنبؤ وأنت في الحاضر فهذا مستحيل

والخلاصة أن إعادة البرمجة الإيجابية والتخلص من المدخلات السلبية والوهمية لا تتم دون تضافر الجهود التنموية الشاملة بدءاً من المؤسسات التربوية والتثقيفية وصولاً إلى الإعلامية لصناعة إنسان إيجابي ومواطن صالح مبادر خلّاق.. وذلك باستبدال تقنيات التَعْليم والتبعية الفكرية والسلوكية التي تؤدي إلى سلوكيات مشوهة تسيطر عليها الأوهام غالباً، واللجوء إلى تقنيات التعلّم والتدرب والتحفيز التي تبعث في الإنسان روح المبادرة والابتكار القائم على الخيال الواقعي بعيداُ عن الخيال المريض المليء بالأكاذيب.. حتى يقترب هذا الإنسان من الواقع ويؤثر فيه كعنصر بشري فاعل في التنمية.. ويؤمن بثقافة الحوار بعيداً عن وسائل المواجهة السلبية وقتل شخصية الآخر من أجل تحقيق الذات عبر صفقات تحريضية غير عادلة.

 

بقلم بكر السباتين

.....................

* محاضرة ألقاها بكر السباتين في نادي صديقات الكتاب في الشميساني بعمان.. يوم السبت الموافق 22 فبراير 2020

 

محمد فتحي عبدالعالقصة الطوفان أنموذجا

تمهيد: لقد كان العالم الآثري صموئيل نوح كريمر محقا حينما أطلق على كتابه : التاريخ يبدأ من سومر فلقد ضربت أمواج الحضارة السومرية في بلاد ما بين النهرين شطآن العالم المعاصر بما حملته من أساطير أحتلت المكانة الأولى بين أساطير الشعوب الإغريقية والآسيوية ولقد لعب الأدب الدور الرئيسي في نقل هذه الحكايات الشعبية وخاصة الطابع الشعري الذي أجاد في توصيف هذه الأساطير.

تمخض عن هذه القصص التي غالبا ما تقوم على أساس ديني بحت عن مصطلح الميثولوجيا وتعني قصة مقدسة أو قصة عن الآلهة وما يصاحبها من حكايات شعبية حول ما مارسته هذه الشعوب من تقاليد وطقوس سعيا لاسترضاء آلهتها ومع تغلغل الطابع الشعري في نقل هذه القصص يتجلى لنا عمق التداخل بين الميثولوجيا والأدب.

الطوفان:

لا يوجد في التاريخ الإنساني وتاريخ الأديان والعلم الحديث نقطة التقاء كان الإجماع عليها مثلما حدث مع قصة  الطوفان وإن اختلفت بعض التفاصيل وتباينت مسميات صاحب هذا الحدث الكبير الذي غير مجري الكون بأسره...

لقد أحصى الباحث النمساوي (هانز شيندلر بيلامي) أكثر من خمسمائة أسطورة عبر العالم خلدت ذكرى الطوفان. قد يكون للخيال نصيب كبير في هذه القصص الشعبية وهو ما جعلها مصدر إلهام دائم في حركة الفن والأدب فالحقيقة مهما بلغت من روعة تبقى مقيدة ومحدودة بمكانها من التاريخ الثابت فيما تتمرد الأسطورة على هذه القيود فلا حدود لها في معطيات الأحساس والخيال  ومنها قصة الطوفان والتي داعبت مخيلة السينمائين فكان فيلم (نوح- 2014 Noah)، وهو فيلم  كتبه دارين أرنوفسكي وآري هاندل، وأخرجه أرنوفسكي، شارك في بطولته: النجم راسل كرو في دور “نوح”، أنطوني هوبكنز في دور متشولح جد نوح، إيما واتسون، جينيفر كونلي، لوجان ليرمان، دوغلاس بوث وراي وينستون. وقد تم تصوير الفيلم في أيسلندا ونيويورك مستخدما أحدث برامج المونتاج والجرافيك

كما كتب عنها الروائي الأمريكي (إدوارد بيدج ميتشل) قصة الطوفان وقد قدمت القصة حسا دراميا طريفا في تقديم قدرة كل هذه المخلوقات في التعايش على السفينة فلم يهنأ احد في نومه بسبب وجود نمر بنغالي يحدق فيهم أو قنفد يقبع بجوار أرجلهم العارية مع تململ الفيل وشعور الدب القطبي بالإهانة!! إضافة إلى تخيل منافسة في القدرة على الابحار بين نوح وبقال مرتد يدعى بريث والذي بنى سفينة (العلجوم) على غرار سفينة نوح ولم يكن لديه مهارة نوح في توفير المؤن وتحديد الاتجاه.

الطوفان في الأديان:

تعتبر التوراة أقدم الكتب الدينية التي تحدثت عن الطوفان وقصة نوح عليه السلام وتبدو شخصية نوح متناقضة في القصص التوراتي فتارة زاهد عابد وتارة أخرى أول فلاح في البشرية وصانع للنبيذ وتروي الرواية التوراتية حزن الإله حينما رأي مساوئ البشر تعم الأرض فقرر انتخاب الجزء الصالح من كائنات الكون واهلاك الفاسدين فأمر عبده الصالح نوح ببناء فلكا من شجر الجوفر وتذهب الفرضيات إلى كونه خشب الساج أو الصنوبر أو الأرز ليحمل عليه امرأته وبنيه وكل من أمن بدعوته ومن كل حي من الطيور والبهائم والوحوش اثنين حيث جعل منها ثلاثة طوابق جعل الأرض منها للحيوانات والوحوش وثانيها للبشر وأعلاها للطيور وقد اهتمت رواية العهد القديم ومن حذا حذوها من الكتاب المسلمين القدامى بالتفاصيل الدقيقة فقيل أن طول السفينة بلغ 300ذراعا وهي أكبر سفينة في العالم بحسب هذا الوصف وأن نوح كان يزرع الشجر وينتظر نموه مئة سنة وينشره مئة أخرى أو أربعين..

وردت هذه القصة في الإصحاحات من السادس إلى التاسع من سفر التكوين وتجري أحداثها على النحو التالي: (رأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، فحزن أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه، وعزم على أن يمحو الإنسان والبهائم والدواب والطيور عن وجه الأرض، وأن يستثني من ذلك نوحًا لأنه كان رجلًا بارًا كاملًا في أجياله، وسار نوح مع الله.. وتزداد شرور الناس، وتمتليء الأرض ظلمًا، ويقرر الرب نهاية البشرية، ويحيط نوحًا علمًا بما نواه، آمرًا إياه بأن يصنع تابوتا ضخمًا، وأن يكون طلاؤها بالقار (القطران) من داخل ومن خارج، حتى لا يتسرب إليها الماء، وأن يدخل فيها اثنين من كل ذي جسد حي، ذكرًا وأنثى، فضلًا عن امرأته وبنيه ونساء بيته، هذا إلى جانب طعام يكفي من في التابوت وما فيه.. تكوين 6: 1 ـ 22.

 واستمر الطوفان أربعين يومًا على الأرض.

وتكاثرت المياه ورفع التابوت عن الأرض وتغطت المياه، ومات كل جد كان يدب على الأرض، من الناس والطيور والبهائم والوحوش وبقي نوح والذين معه في التابوت حتى استقر على جبل أرارات بحسب العهد القديم. أو جبل الجودي بحسب القرآن وأقدم اسم مدون له هو الجبل الأبيض بحسب المؤرخ اليوناني زينفون في كتابه (الاناباسيس) عام 401 ق. م ويقال أن النبي نوح بنى هناك قرية الثمانين نسبة إلى عدد من رافقوه في السفينة.

 أما في القرآن فكانت قصة نوح من أكثر القصص تكررا في القرآن وقد انفرد القرآن بحقيقة هامة وهي محلية واقعة الفيضان والذي لم يغرق الأرض كلها فالقرآنَ يُؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أنَّ سيدنا نوح أُرسل إلى قوم بعينِهم، ولم يُرسل للناس كافة. «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ» [العنكبوت 14]، «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ» [المؤمنون 23] «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ» [هود 25]، «إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ*قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ» [نوح 2،1].لذا ففرضية كون نوح الأب الثاني للبشرية بحكم عالمية الطوفان وشموليته للكون كله أمر يحتاج لمراجعة في ضوء حقائق العلم وغياب الدليل الديني المعزز لهذه النظرية.

  ولما طالت الدعوة لقرون، ويئس نوح من قومه يأسًا باتًّا، وأشفق على الناس من بعدهم أن يأخذوا طريقتهم في الضلال والإلحاد، فدعا إلى الله تعالى قائلًا: ﴿رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا﴾[10]، وكذلك ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[11]. فاستجاب الله له، ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾[12].

وتختلف الرواية القرآنية عن التوراتية في مسألة كفر زوجة نوح ففي الرواية التوراتية صاحبت نوح في سفينته أما الرواية القرآنية فتتحدث عن مخالفتها زوجها وكونها من المغرقين وتنفرد التوراة بالإشارة إلى قيام نوح بإطلاق الطيور مع انتهاء الطوفان ليستكشفوا الأرض فعادت له الحمامة حاملة غصن الزيتون الأخضر والذي تحول إلى رمز عالمي للسلام.

الطوفان في أساطير الحضارات القديمة:

كان ذكر قصة الطوفان في الحضارة السومرية والبابلية هو الأقدم في التاريخ والأسبق أيضا على الرواية التوراتية وكانت ملحمة جلجامش أول نص أدبي تاريخي يشار فيه للطوفان إضافة إلى ملحمة بروميثيوس.

المدهش أن الحضارة المصرية القديمة خلت من أي ذكر لهذا الحدث الجلل مما يرجح أن الطوفان كان حدثا محليا وليس عالميا وهو ما يعضده بعض أقوال المفسرين القدامى مثل ابن عباس من أن نوحا عليه السلام دعا لمصر بالبركة وما ذكره السيوطى من أن سفينة نوح طافت بمصر وأرضها فبارك نوح عليه السلام فيها.

1- ملحمة جلجامش:

تصيغ الملاحم  إبداعات الشعوب، وتحفظ ذخائر تراثه وتأتي ملحمة جلجامش كدرة فريدة في حضارة بلاد الرافدين وكأول نص أدبي كامل في التاريخ وتحكي هذه الملحمة  المزجاة بالحكمة والمزخرفةبالرمزية، والمكتوبة بخط مسماري على 11 لوحًا طينيًّا عن أحد الملوك، ويدعى جلجامش، وهو ملك أوروك، وكان ثلثي إله؛ إذ كانت والدته إلهة، أما أبوه فكان بشرًا، مما جعله عرضة للفناء شأنه شأن سائر البشر، تتضمن اللوحة الأولى كون جلجامش ملكًا ظالمًا مستبدًا، لا يترك امرأة تزف إلى زوجها حتى يدخل عليها أولاً، كما كلف رعيته بتحصين مدينتهم أوروك بأسوار من الآجر المحروق، ولما ضج الشعب من ظلم جلجامش وجبروته ابتهلوا إلى الآلهة أن تكف أذاه عنهم فخلصتهم الآلهة عبر خلق ند له في البرية، إنه أنكيدو، وهو من البشر الخالص قوي البنية، ويغطي جسده الشعر الكثيف، مستوطن الغابات، كثير الصراع مع الوحوش، ومخلص للحيوانات من شباك الصيادين، مما حدا بالصيادين إلى أن شكوه إلى جلجامش؛ فلجأ جلجامش إلى الحيلة لاستدراج أنكيدو والتخلص منه عبر إغوائه بحب شمخات، إحدى خادمات المعبد، وهو ما يتناوله اللوح الثاني، إذ استطاعت شمخات ترويض أنكيدو، و نقله من طور المارد المتوحش إلى طور الإنسان المتحضر المالك لبواطن الحكمة؛ فعلمته كيف يأكل، وكيف يشرب ويلبس، حتى أصبح كالبشر العاديين، ثم راحت تقص عليه مفاسد جلجامش، وكيف أنه يدخل بأي فتاة قبل زوجها؛ فعزم أنكيدو على التصدي لظلم جلجامش.

فحدثت مواجهة عنيفة بينهما، وكلاهما كان من القوة بما يكفي للقضاء على الآخر، لكن الصراع انتهى بانتصار جلجامش، واعتراف أنكيدو بهذا الانتصار، ثم توطدت الصداقة بينهما، إلى هنا يتضح ملمح مهم، هو أن المعارضة تتولد من رحم الاستبداد، وأنه حتى وإن علت يد الاستبداد وانتصرت يبقى لا مناص للاستبداد من إعادة حساباته، والمصالحة مع المعارضة مهما طال الزمن.

في اللوح الثالث قرر الصديقان أن يعملا لصالح شعب أوروك؛ فقررا أن يقطعا أشجار الأرز الموجودة في الغابة، فصنعا الفؤوس والسيوف العظيمة، ولكن هذه المهمة لم تكن بالسهلة في ظل وجود حارس ضخم مثل خومبابا؛ فبمجرد شروعهما في تنفيذ خطتهما وتقليم الأشجار تصدى لهما حارس الغابة غاضبًا؛ فتعاون أنكيدو وجلجامش على قتله، بالرغم من توسلاته، لم يمر مقتل خومبابا مرور الكرام؛ إذ أثار مقتله حفيظة إلهة الماء أنليل، وكانت الغابة في حوزتها، وهو ما يتضمنه اللوح الرابع والخامس.

في اللوح السادس وقد عاد جلجامش إلى عرشه منتصرًا فأعجبت الإلهة «عشتار» بجماله، وطلبت الزواج منه، لكنه رفض بشكل قطعي، مذكرًا إياها بماضيها مع أزواجها السابقين وما آلت إليه مصائرهم، غضبت عشتار من هذا الرفض، وعزمت على قتل جلجامش، وفي سبيل ذلك استعطفت أبيها «أنو» وأمها «أنتم»، وبكت لهما؛ فقدم لها أبوها الثور السماوي القادر على قتل جلجامش، وبنزول الثور السماوي أثار الهلع الشديد في أوساط المدينة؛ فتجهز له جلجامش وأنكيدو وذبحاه فاستشاطت الآلهة غضبًا.

في اللوحة السابعة يرى أنكيدو رؤيا يقصها على جلجامش مجملها أن الآلهة اجتمعت للثأر لقتل خمبايا والثور السماوي، وقررت معاقبة أحدهما، ولأن الروح الإلهية كانت تسري في جسد جلجامش؛ فقد وقع الاختيار على أنكيدو، فصدر القرار بموته عقابًا على ما حدث؛ فمرض أنكيدو حتى مات، وقد كانت أمنيته أن يموت في ساحات القتال حتى يخلد اسمه مع الأبطال، وهي الأمنية التي لم يدركها.

اللوح الثامن: يتضمن حزن جلجامش الشديد على رفيق دربه أنكيدو، وقد جلس إلى جوار جثمانه المسجى يناجيه قبل أن يواري جسده الثرى.

اللوح التاسع: يبدأ جلجامش رحلة جديدة، ولكن هذه المرة بحثًا عن الخلود؛ فقد كان شبح الموت يخيم على مخيلته، فانطلق هائمًا على وجهه قاطعًا الجبال والفيافي متوجسًا من الموت، وباحثًا عن الخلود، وفي سبيل الحصول على هذا الخلود كان عليه أن يجد «أوتنابشتم»؛ لأنه الوحيد العالم بهذا السر، وفي الطريق يجد الإلهة سيدروي، والتي راحت تجاهد رغبته في الخلود دون جدوى، ولكن مع إصراره أرسلته إلى الطواف «أورشني» ليساعده على عبور بحر الأموات ليصل إلى الشخص المطلوب، وفي النهاية يعثر جلجامش على أوتنابشتم وزوجته، وهما الناجيان الوحيدان من الطوفان، ولذلك منحتهما الآلهة الخلود؛ إذ غضبت الآلهة على البشر فقررت إغراقهم، ولكن أحد الآلهة أوعز إلى أوتنابشتم صناعة سفينة كبيرة يجمع فيها عدد من البشر والحيوانات للنجاة من الطوفان، وتعد هذه أقدم إشارة إلى طوفان نوح الوارد في الكتب السماوية كما ذكرنا آنفا.

مع توسلات جلجامش قررت زوجة أوتنابشتم أن تساعده في النهاية، وأرشدته إلى نبتة الخلود، والتي تنبت في المياه وتمنحه الشباب الدائم وتجرح البشر مثل الشوك؛ فيشعر جلجامش بالسعادة الغامرة لامتلاكه العشب أخيرًا، عازمًا على أخذه معه وتجربته على المسنين بأوروك أولاً، ثم زراعتها لينال خيرها جميع أهل مدينته، ولكنه في طريق العودة وبينما هو يستحم في بركة المياه من عناء الرحلة استطاعت حية سرقة النبتة نازعة جلدها القديم ومتحلية بنشاط وشباب متجدد «وهي الشعار الذي يشير إلى مهنة الصيدلة»، هنا يدرك جلجامش أن لا حظ له في هذا الخلود؛ فقرر أن يخلد اسمه بطريقة أخرى، وهي أن يعود إلى بلاده مرسيًا قواعد العدل، وناشرًا للعلم والمعرفة؛ فهما السبيل نحو الحياة المتجددة والبقاء الأبدي، وهنا رمزية رائعة؛ فمن يستثمر في موارد بلاده البشرية وينميها هو الحاكم القادر على الخلود؛ لأنه الأثر الباقي على مر التاريخ.

2- أسطورة بروميثيوس:

بروميثيوس أو بعيد النظر كما يعني اسمه كان من حكماء التايتن فقد امتلك القدرة على التنبؤ بالمستقبل -وقد أهلته خصاله لاختيار زيوس ملك آلهة اليونان له ولاخيه ابيمثيوس لتزويد الكائنات الحية بالادوات التي تكفل لهم البقاء والحركة والحياة …لم يكن ابيمثيوس عادلا حينما منح الحيوانات كل الهبات كالفراء الذي يغطي أجسادهم ليقيهم من البرد وحاسة السمع الكبيره التي تمكنهم من التقاط وتمييز الاصوات البعيدة بالاضافة إلى سرعة العدو والرؤية عن بعد فضلا عن أسلحة طبيعية كالانياب والقرون تأمن لهم الزود عن أنفسهم ..أنهى ابيمثيوس تشكيل الحيوانات بكل سرعة بينما أستغرق بروميثيوس المزيد من الوقت في تشكيل البشر مما افقدهم الكثير من الصفات التي فازت بها الحيوانات …

حزن بروميثيوس لرؤية البشر يقاسون برد الشتاء ولا يملكون الادوات التي تمكنهم من التصدي للمخاطر على عكس الحيوانات من حولهم فقرر ان يجلب لهم النار التي تساعدهم في الدفء وفي صنع الادوات لقطع الاشجار والصيد أضافة إلى العديد من مواهب آلهة الاوليمب وأثينا مثل فنون العمارة واستخراج المعادن وعلم الفلك والارقام والحروف الهجائية والتداوي وذلك على غير رغبه زيوس الذي لم يشأ امتلاك البشر للمعرفه وهو السلاح الذي يمكنهم من مجابهته في يوم من الايام ..

كانت الهبات التي منحها بروميثيوس للبشر على غير رغبة زيوس وكانت البداية لتصدع العلاقة بينهما فحذره من مغبة الاستمرار في هذا الفعل ومما اجهز على هذه العلاقة خداع بروميثيوس لزيوس حتى يحتفظ بالنار للبشر فقدم قربانين اهداهما لزيوس والالهة كان أحدهما قطع من اللحم مخبأة داخل امعاء ثور أي شيء طاهر في غلاف كريه والقربان الاخر كان عظام ثور مغلفة في شحم ودهن أي شيء خبيث في تغليف مبهر فأختار زيوس والالهة القربان الثاني مما أمن للبشر الاحتفاظ باللحم …غضب زيوس وحرمهم من النار مما افقد أبناء اثينا من البشر الكثير من المميزات فعادوا للحياة البدائية كالعيش في الكهوف والبرد والظلام …

شق على بروميثيوس ذلك وقرر مناشدة زيوس العفو والسماح بالنار دون جدوى فقرر بروميثيوس تحدي ارادة زيوس والدخول في مواجهة معه وسرقة النار من جبل اولمب فأستطاع التسلل إلى مدخل سري لمكان النار المقدسة في جبل اولمب وسرقة شعلة العلم والمعرفة ليخرج ابناء اثينا من الكهوف المظلمة إلى الحياة المدنية مرة أخري..

فثارت ثائرة زيوس وحكم على بروميثيوس بالعذاب الأبدي فأمر بتقييده بالسلاسل إلى صخرة ثم أطلق عليه نسرا عملاقا متوحشا يسمي اثون ناهشا كبده ..كان بروميثيوس يقاسي من اجل البشر مقدما أول فكرة في التاريخ الانساني للفداء وكان عزاءه الوحيد هو الحياة السعيدة التي كفلها للبشر وأمله في أن يخرج من نسل زيوس من يقتل النسر ويخلصه من عذابه..

قرر زيوس ان يعاقب البشر وأن يفسد عليهم حياتهم الجديدة بخلق المرأة فأعطاها هيفاستوس الجسد وأثينا قوة التحمل وافروديت السحر فيما منحها هيرميس العقل وبعض الصفات السلبية كالكذب والمخادعة ومن هذه الهبات الالهية المتنوعه تشكلت المخلوقه الحسناء باندورا اي التي منحت كل شيء.

اهدي زيوس المخلوقه الجديدة باندورا إلى ابيمثيوس شقيق بروميثيوس برفقه صندوق حافل بالشرور والأمراض مكتوب عليه لا تفتحه حاول بروميثيوس إثناء اخيه عن قبول هدية زيوس متوقعا ما تحمله من شرور لكن ابيمثيوس أحبها وملكت فؤاده …فضول باندورا ورفض ابيمثيوس لفتح الصندوق دفعها إلى فتحه في غيابه لينطلق منه كل الشرور كالفقر والنفاق والمرض والجوع فحاولت اغلاقه ولكن كان قد فات الأوان انها الصورة المصغرة لادم وحواء عبر الحضارات وتحميل المرأة مغبة خروج البشر من النعيم إلى الشقاء والمكابدة ..

تحققت نبوءة بروميثيوس فقد خرج من نسل زيوس بعد ثلاثة عشر جيلا البطل هرقل الذي يحرر بروميثيوس ويقتل النسر ..

انزعج زيوس من افلات بروميثيوس من العقاب فقرر اغراق البشر بطوفان كبير لكن بروميثيوس تنبأ بالطوفان وافضي بأمره إلى احد الصالحين وهو ديكاليون وبيرها زوجته واللذين قدر لهما النجاة من الطوفان وانجبا ولدا سمياه هيلين ومنه انتسب اليونانيين الهيلينيين …في نهاية الاسطورة يغفر زيوس لبروميثيوس إلا انه يشترط عليه ان يصنع خاتما من الحديد يذكره دوما بعقابه ومن يومها إلى الآن  والبشر يصنعون الخواتم لهذه الذكرى ..

قصة الفيضان والايدلوجيات العرقية:

استخدم البعض قصة نوح والفيضان لإكساب التمييز العنصري ثوبا شرعيا من الدين معتبرين هذا الحدث أول تقسيم عنصري في التاريخ ومن الطريف أن السيناتور الأمريكي اليميني (روبرت بيرد) دافع عن سياسات التمييز العنصري ضد الزنوج في بلاده مستندا على قصة الطوفان وظل على اصراره هذا وهو من أكبر المعمرين في مجلس الشيوخ وطال رفضه ترشيح كونداليزا رايس لمنصب وزيرة الخارجية السابقة ! !

وهي انحرافات فكرية بعيدة كل البعد عن الصراع الذي تدور الأرض في كنفه بين خير وشر وقرب من الله وبعد عنه.

الطوفان والعلم:

لقد مر التاريخ البشري بثلاثة مراحل فيما يتعلق بالميثيولوجيا: الأولى منها كانت للاساطير فيها الكلمة الوحيدة فقد  كانت تحاول أن تقدم للبشرية تفسيرا لما يجهل من أسرار الكون ومع تطور المجتمع البشري وظهور الحضارات كانت مرحلة العقائد الدينية وهي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في كل العصور فمصدرها الإلهي هو الشاهد وهو الفيصل في هذه القضايا ومع التطور العلمي والاكتشافات العلمية وظهور اتجاهات لا تصدق إلا العلم كان للعلم رأيا قد يجافي الميثولوجيا أحيانا ولكن يبقى مصاحبا للدين وفي قصة الطوفان تحظى فرضية طوفان البحر الأسود بانتشار واسع وقد نشراها عالمان من جامعة كولومبيا هما وليام ريان والتر بيتمان في كتابهما وعنوانه :طوفان نوح: (الاكتشافات العلمية عن الحدث التي غيرت التاريخ) حيث أخذا عينات ترسبات من شواطئ البحر الأسود ومن مضيق البسفور مما يثبت أن ارتفاع كارثي لمئات الأقدام حدث في منطقة البحر الأسود والسبب هو طوفان من مياه البحر الأبيض المتوسط ناتج عن ذوبان القمم الجليدية  اكتسح مضيق البسفور بقوة مائتي ضعف شلال نياجارا وفي غضون سنتين ارتفع مستوى البحر الأسود ليغمر السواحل المحيطة مما اضطر سكان هذه المنطقة إلى الفرار  وكانت بعض الصدفيات التي اكتشفت في الأراضي المغمورة لكائنات من البحر المتوسط قد ماتت قبل 7600 سنة.... مما يدعم قصة الطوفان ويرجح محليتها في الوقت ذاته ....

 

د. محمد فتحي عبد العال

 

الحقائق الاجتماعية لا تتجذر في بنية العلاقات الإنسانية، إلا إذا كانت اللغة هي الحاضنة لأحلام الفرد وطُموحاتِ الجماعة. واللغةُ لَيست آليةً ميكانيكيةً عابرةً، أو عمليةَ تجميع روتينية للحروف والكلمات، إن اللغة هي الشرعية الرمزية الدائمة للوجود الإنساني المُؤقَّت. وبعد مَوت الإنسان، تظل لُغته حَيَّةً، وشاهدةً على وُجوده وأفكاره وأسلوب حياته، لذلك ينبغي الاستثمار في اللغة، لأنَّها البصمةُ المُؤثِّرة التي لا تُزوَّر، والوجودُ الحقيقي الفَعَّال في عَالَم الأقنعة والزَّيف والرِّياء، وكُل فلسفة اجتماعية لا تُبنَى في قلب اللغة، ستسقط في الفراغ، وتُؤَسِّس للعدم .

2

التعامل مع اللغة هو تعامل مع وجود الإنسان وعناصرِ الطبيعة، لأنَّ اللغة هي العَالَم السِّحْري القادر على اختزالِ المشاعر، وتكثيفِ المضامين الاجتماعية، وتأطيرِ الزمكان (الزمان - المكان)، وصَهْرِ عناصر الطبيعة ومُكوِّنات البيئة في بَوتقة معرفية واحدة، وربطِ النُّظم العقلانية المُجرَّدة بالرُّوحانية الحالمة . وهذا يعني أن اللغة هي المنظومة الشمولية التي لا تتفكَّك، والكُل الذي لا يتجزَّأ .

3

إذا أردنا معرفةَ أهمية الشَّيء، ينبغي تصوُّر الحياة بدونه . وإذا أردنا معرفةَ أهمية اللغة، ينبغي أن نتصوَّر وجود الإنسان في هذا العَالَم بدونها . سيكون العَالَمُ كئيبًا مُتَوَحِّشًا، ويَكون قلبُ الإنسان مُوحِشًا، وكيانه فارغًا، وأحلامه ضائعة . سيُولَد الإنسانُ، ويَعيش، ويَموت، ويذهب إلى النسيان، ضِمن دائرة استهلاكية مُغلَقة تقوم على الأكل والشُّرب والنَّوم . وهذا دليل واضح على أن اللغة هي التي تَمنح المعنى للوجود والجَدوى للحياة . وإذا أدركَ الإنسانُ أن حياته لها معنى، سيُدافع عنها، ويعيشها بكل تفاصيلها، رُوحيًّا وماديًّا . أمَّا إذا أدركَ الإنسانُ أن حياته بلا معنى، فإنَّه سينسحب منها، ويتراجع إلى داخل نفْسه، ويَهرب مِن الزمانِ والمكانِ، وعندئذ سيشعر أن سِجنه في داخله، وأنَّه مُحاصر من كل الجهات . وهذا هو المَوت في الحياة، والانتحار التدريجي .

4

اللغة تَحْمي الإنسانَ مَن الانتحار المعنويِّ والماديِّ، لأنَّها تَصنع له حياةً ذات مَعنى على الصعيدَيْن الرمزي والشُّعوري، وتُوجِد في المجتمع منظومةً فكرية قادرة على تفسيرِ المشاعر، واحتضانِ الأشواق الروحية، والعنايةِ بالنزعات المادية، فَيَصِل الإنسانُ إلى التوازن الداخلي، الأمر الذي يَجعله ذا شخصية سَوِيَّة قادرة على التعامل مع عناصر الطبيعة بحُب واحترام، وهكذا تزول العداوة بين الإنسان ومُحيطه الخارجي، وتختفي دوافع الانتقام والثأر من المجتمع، التي تُسيطر على مشاعر بعض الناس، نتيجة شُعورهم بأنهم مَنبوذون ومُضْطَهَدُون ومَظلومون، وأنَّ المجتمع يتآمر ضِدَّهم، ويتحرَّك باتجاه مُناوئ لمصالحهم .

5

اللغة مشروع خلاص جماعي، يُشارك جميعُ الناس فيه بدافع المحبة والإحساس بالواجب، بدون ضغط ولا إكراه . والسبب في هذا الأمر يَرجع إلى كَوْن اللغة عَصِيَّة على التَّدجين، ولا تَخضع للاحتكار . ولا يُوجد إنسان _ مهما علا شأنه _ يَستطيع أن يدَّعي امتلاكَ اللغة، أو يَزعم أن اللغة مِلك شخصي له، أو سُلطة خاصَّة ورثها عن أسلافه . إنَّ اللغة هي السُّلطة العُليا التي تَفرض قواعدَها على الجميع، ولا تتلقَّى الأوامرَ مِن أحد، وهذه السيادة الفَوقية، تَجعل اللغةَ هي الأُم الحاضنة لأبنائها، الراعية لهم، حيث يَعودون إلى حِضنها، ويَحتكمون إلَيها، وهذا يُشعِرهم بالعدالة والمُساواة والأمان، حيث إن لهم مرجعيةً شرعيةً، وحِضنًا دافئًا .

6

صِفة الجماعية في اللغة هي القادرة على تفسير مصادر المعرفة، وربط المشاعر غَير المحسوسة بالوجود المحسوس، وإنهاء الصراع بين الإنسان ونفْسه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان، وبين الإنسان وعناصر الطبيعة، لأنَّ الصراع نار مُتأجِّجة في صدر الإنسان، انتقلت إلى الواقع، وانتشرت بشكل كارثي، وأحرقت الأخضرَ واليابسَ، لأنها لم تجد مَن يُطفِئها في مَهْدها . وَلَوْ فرَّغ الإنسانُ أحزانَه في اللغة، وأطفأ نارَ حِقده بالكلام المنطقي العقلاني الهادئ، واعتبرَ اللغةَ هي طبيبه النفسي الذي لا يَخدعه، ولا يَخونه، ولا يُجامله، لاختفى الصراعُ، وزالَ الصِّدام . فاللغةُ قائمة على القواعد المنطقية، والحُجَج العقلانية، والأدلة المعرفية، والبراهين الفكرية، أمَّا الإنسان فهو كُتلة مِن المشاعر المُتغيِّرة، والأحاسيس المُتقلِّبة، وهو كائن خاضع لضغط العناصر الحياتية، وهذا يُفَسِّر مِزاجية الإنسان، واختلاف سُلوكه حسب الوقائع والأحداث . وهذا الفرق الجوهري بين اللغة والإنسان، يَجعل اللغةَ هي الكائن الحَي صاحب السِّيادة المُطْلَقَة على الإنسان (الكائن الحَي المِزاجي النِّسبي الذي لا يُمكن أن يَصدُر عنه قِيَم مُطْلَقَة) .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

عصمت نصارسألني الكثيرون من القراء والأصدقاء عن دلالة مصطلح «فلسفة الكذب». لذا اجتهدتُ فى البحث عن تأصيل ذلك المصطلح، فاهتديُت إلى أن ذلك المصطلح قد وَرد فى شذرات عديدة من تعاليم حكماء الشرق فى مصر وبابل وفارس والهند. بالدلالة والمعنى وليس اللفظ.

وجاء فيما رويَ عن فلاسفة اليونان ومحاوراتهم ولاسيّما في مساجلات (السفسطائيين، حوارات سقراط، أفلاطون، وكتابات أرسطو). وكان مصطلح الكذب يعنى نقيض الحق والصدق والمنطقي والموجود، الأمر الذى جعلهم يخرجون الفن وعلم الجمال من دائرة التعبير عن الحقيقة. أما فلاسفة العصر الوسيط ولاسيّما «القديس أوغسطين (٣٥٤م-٤٣٠م)» فقد ذكر الكذب في إحدى رسائلِه بيّن فيها أنه من أبشع الرذائل وهو ضد الإيمان، وذلك لأن من يردد الأكاذيب دون تحقق يصبح مضللًا وخائنًا لأمانة الصدق.

وفى الفكر الفلسفي الحديث ربط الفلاسفة بين مصطلحيِ التجديف والكذب، فكلاهما ادعاء مخالف للحقيقة والواقع، سواءٍ في دائرة المقدس أو ميدان العلم، كما ذهب «كانط (١٧٢٤م-١٨٠٤م)» إلى اعتبار الكذب أسوأ الموبِقات التي يتجاوز شرها الرذائل الخُلقية إلى الجنايات والجرائم الإنسانية، ووضح ذلك في مقولتِه «إن أبشع أنواع الكذب هو الذى تمارسه الذات مع الآخرين، والأبشع منه هو الذى تُقنِع به ذاتها، لأن الكذب الممنهج يغتال الضمير».

ولم يُفرق «كانط» بين ما نُطلق عليه الكذب الأبيض مثل المجاملة والمداهنة، أو الكذب الأسود المُتعَمد.

أما في الثقافة العربية فقد تناول متكلمو الإسلام وفلاسفة المشرق والمغرب الكذب بمعنيين، أولهما أخلاقي يستند إلى قائمة المَنهِى عنه في القول والسلوك، والثاني فلسفى وهو ضد المعقول والمتسق والمنطقي والمُثبت بالتجريب والبرهان. وقد استثنوا الفن، وخالفوا بذلك نظرية المُحاكاة. وذلك كله بمنائ تمامًا عما يحدث في ميدان الشعر والأدب والقصص الخيالي.

وفى الثقافة العربية الحديثة لا نكاد نجد أشهر من كتاب «فلسفة الكذب» لمحمد مهدى علام (١٩٠٠م-١٩٩١م)، ذلك المفكر التربوي واللغوي المخضرم. الذى ناقش فيه معنى مصطلح «فلسفة الكذب» وعلتِه ومقَاصدِه وأشكالِه وأثارِه وتباعِته وبنيتِه ولغتِه.

والطريف أن «فلسفة الكذب» قد أضَحى من المصطلحات الشائعة فى كتابات الفلاسفة وعلماء النفس والتربية والاجتماع والتاريخ في الفكر المعاصر. وذلك منذ أخريات الستينيات من القرن الماضي (نحو ١٩٦٥م)، في الثقافتين العربية والأوروبية.

ها هو الفيلسوف الألماني «فريدريك نيتشه» (١٨٤٤م-١٩٠٠م) يقول «الحق إنه لا يسيرني اكتشافي أنك كذوب، ولكن كل أسفى على عدم استطاعتي تصديقك بعد ذلك».

وهنا يُشير «نيتشه» إلى انعدام الثقة، الذى يحدثه الكذب المُمنهج. فما أبشع الشك والارتياب إذا ما وقع بين الرأي العام القائد والرأي العام التابع، فذلك يؤدى حتمًا إلى تفكيك المجتمع وانقسامه.

بينما ذهبت الفيلسوفة الأمريكية «حنة آرندت» (١٩٠٦م-١٩٧٥م) إلى اعتبار الأخبار المغلوطة (Fake News) في ميدان العلم والسياسة والإعلام والتاريخ والأخلاق كيانًا واحدًا يحوى الزيّف والخداع.

وبالجملة «ففلسفة الكذب» عندها هى ذلك الخطاب والنسق والسياق الذى يُنقل من المتكلم إلى المُتلقي بُغية تضليله عن قصد أو غير قصد، إذا كان مُخالفًا للحقيقة.

أما «جاك دريدا» (١٩٣٠م-٢٠٠٤م) فقد ربط بين الكذب باعتباره فعلاً مخادعًا ومضللاً للآخرين وألاعيب الساسة والمزيفين للوقائع، وهو فى كل صورة يحمل بين طياته الشر، وهو بطبيعة الحال نقيض الخير المصاحب دومًا للصدق والحقيقة.

ويؤكد «دريدا» أن أخطر أشكال الكذب ودروبِه وأنواعِه، هو الذى يسلكه الساسة وتجار الكلمة فى خطابتهم ومبرراتهم وحججهم ووعودهم، وذلك لأنه فى مقدورهم تزيِّيف الواقع وطَمس الحقائق إذا حاول المُتلقى البحث عن مصداقية أقوالهم بالطرق التحليلية التقليدية. وعليه فهو يدعو إلى استخدام ضروب (التفكير الناقد) لكشف زيّف أكاذيب الساسة، أولئك الذين نجحوا إلى حد كبير فى ابتداع وتطوير نسقية للكذب حتى تبدو في عيون وأذهان ومسامع المُتلقين على أنها الحقيقة.

وقد أسعدني كثيرًا تلبية العديد من الجامعات المصرية والمنابر الثقافية، لدعوتي لعقد حلقات نقاشية تجمع بين أكابر المتخصصين والمعنيين بحروب الجيل الثالث والرابع. التي اتخذت من الشائعات والاخبار المضللة أسلحة لها، لتفكيك المجتمعات وتدمير الدول وتبديد الأمن فيها - وذلك لتثقيف الطلاب والرأى العام بأقوى المضادات لهذه الحرب الشرسة.

فلبيت دعوة جامعة أسيوط وذلك في الندوة التي عقدتها بتاريخ (١٠\١٠\٢٠١٩). تلك التي تحدثت فيها عن فلسفة الكذب وكيفية تحليل أنساقها، والكشف عن المغالطات التى يتعمد مبتدعوها وضعها على نحو حرفي وتقنى عالِ المستوى لخداع العقل الجمعي، الأمر الذى يستوجب التدريب على التفكير الناقد لفضح المستور وكشف التدليس وتبيّان الحقيقة.

وقد سُعدت أيضًا بالدعوة الكريمة التي أرسلت إلى من قِبل المفكر السياسي المخضرم «الأستاذ الدكتور مصطفى الفقي، مدير مكتبة الإسكندرية»، وذلك لحضور إحدى الحلقات البحثية الراقية التي عُقدت يوم الخميس الموافق (٧\١١\٢٠١٩) وذلك فى صورة ندوة ثقافية بعنوان «مواجهة الشائعات وتماسك الدولة»، لإيجاد السُبل لدعم وطننا لمواجهة حرب الشائعات الممنهجة التي يقودها العديد من الجهات المعادية.

وفى الندوة التقيت بكوكبة من المتخصصين في محاربة الشائعات والأفكار الجانحة والحملات الرانيّة لتزييّف الوعي. (إعلاميين، دبلوماسيين، أدباء ومؤرخين، علماء نفس واجتماع وسياسة، ومتحدثين رسميين عن مؤسسات الدولة ولم يكن هناك غيرى من المعنيين بالدراسات الفلسفية وتحليل الخطابات).

وقد استهلها «الدكتور مصطفى الفقي» - بمفاده - يخطئ من يعتقد بأن رسالة المكتبة التثقفية التنويرية بمعزل عن قضايا الرأي العام، فرسالة المكتبة وبرامجها التي ترمى إلى: إحياء النفيس وإبرازه وتجديد الخطابات وتفعيلها، وتطوير المشروعات وتحديثها ولا يمكن أن ينسيها أو يبعدها عن مقصدها وغايتها الرئيسية، ألا وهى تثقيف العقل الجمعي وتوعيته ونقض كل الآراء الجانحة والجامحة، التى تهدد أو تضلل أو تزيّف مشخصاتنا وهويتنا، وفى هذا السبيل دأبت المكتبة على عقد الندوات الفكرية مع صفوة الخبراء والعلماء والمفكرين والمعنيين بالقضايا المطروحة. وها نحن اليوم نناقش قضية الشائعات التي أضحت سلاحًا تستخدمه أعداء البلاد للنيّل منا ومن استقرارنا وأمان أمتنا وتحول بيننا واستكمال السير إلى الأمام نحو الإصلاح، وإعادة البناء والنهوض بالمجتمع ورقيه. علمًا بأن الكذب الممنهج أضحى نهجًا له أسس وقواعد، يجب التعرف عليه ودراسته، الأمر الذى يمكننا من التصدى إليه ومجابهته، وهذا ما سوف يُستمع إليه بشيء من الإيجاز في كلمات الأساتذة الحضور.

والحق أنى استفدت الكثير من الكلمات التي تناولت حرب الشائعات والأكاذيب الدائرة.

*   *   *

قلت إن الندوة كانت ثرية بمتحدثيها ومعارفهم وتعقيباتهم، فحَدثنا أحد الحضور عن مدى خطورة الأكاذيب التي تُحَاك لتبديد استقرار وأمن وتماسك المجتمع المصري، وذكر أن قوتها تفوق الحرب التقليدية بعشرات المرات، وذلك لسرعة الوصول إلى مراميها بخطوات علمية وتقنية ممنهجة، قد تدربت عليها أجهزة المخابرات المعادية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وطالما استخدمها ساسة الغرب في منافستهم الانتخابية، فقد قيل على «باراك أوباما(١٩٦١م- إلى الآن)» من قبِل خصومه السياسيين أنه ليس أمريكي المولد، وبالتالي لا يحق له الترشح لمنصب الرئاسة الأمريكية، وأشُيع أن الطائر الغارق في لُجة من البترول الذى ظهر على شاشات القنوات التليفزيونية وصفحات الجرائد والمجلات أثناء حرب الخليج -غزو العراق للكويت-، تلك الصورة التي علق عليها المحررون أنها من جراء إشعال «صدام حسين (١٩٣٧م-٢٠٠٦م)» لآبار البترول في الكويت.

(وقد ثُبت بالبرهان أنها مجرد Fake News) شأنها شأن الصور والتسجيلات المزيفة التي طالما أذاعتها القنوات المغرضة لتهييج الرأي العام وإحداث الفوضى، وذلك بتقنيات (الفيديولوجيا) والناطق الآلي.

ثم تَفضّل عالمٌ آخر فبيّن لنا الفارق بين الكذب النسقي الممنهج، والشائعة والأحداث المفتعلة والوثائق المزورة والصحف الصفراء والأخبار الموجهة المُصاغة على نحوٍ مثير للريبة والشك. فلم يعد الكذب رذيلة أو جريمة أخلاقية، بل أضحى جناية معرفية ترمى إلى طَمس الحقائق وتزيّيف الواقعات، وإيهام الذهن وخداع الحواس، متخذةً من المنطق سبيل لوضع المغالطات (مقدمة صحيحة يحمل عليها أخبار مغلوطة وإجراء عملية إخراج سينمائي مصحوب بقراءة، خاصة للخبر أو الحدث أو الواقعة)، وبيّن بأن نحو ٥٠٪ من هذه الأكاذيب تَنتشر على صفحات قنوات ومواقع التواصل الاجتماعي، وأن أيّسَر السُبل للتصدي لها هو إعداد فريق متخصص لتحليلها وفضحِها فيما لا يزيد على ثلاثين دقيقة من نشرها، وإلا فقدت مصداقية الرد أو التصدي، أما تجاهلها أو ارتجال الرد عليها سوف يُزيد من انتشارها ويؤكد حدوثها.

وأكد عالم ثالث، أن الإعلام في إمكانه أن يُبادر لتحصين الرأي العام ضد هذه الحرب، وذلك عن طريق المصارحة والإعلان عن كل ما يدور من مشروعات وقرارات وأزمات وإخفاقات وأحداث وواقعات ونجاحات واحتياجات، وذلك في مُتَنفس من الصدق والحرية، الأمر الذى يَسِد كل المنافذ أمام هذه المخططات. ذلك فضلًا عن تطهير أجهزة الدولة ذات الصلة للأمور الحياتية للرأي العام من الأبواق التي تردد الشائعات أو تُسهم في صناعة الأحداث الكاذبة أو الوقائع المُلفقة. والتزام الحكومة بالنهج العلمي في الرد على الأخبار الكاذبة، وليس مصادرة الصحيفة أو إقصاء المتحدث، فمثل ذلك القمع أو الحل الأمني يشكك الرأي العام في مصداقية أصحاب القرار.

وأخيرًا، قَدمت العديد من الخبيرات المعنيات بالتخطيط والمتابعة، وإدارة الأزمات أكثر من تصور لمخاطبة الرأي العام التابع بمختلف طبقاته لمحاربة الشائعات والتصدي لفلسفة الكذب الممنهج، بداية من الخطابات المباشرة من المسئولين، إلى القوة الناعمة التي يلعبها الفن بكل أشكاله، أضف إلى ذلك الاهتمام بإصلاح أحوال الأسرة باعتبارها اللَبنة الأولى للمجتمع تلك التي لا يستقيم البناء دون سلامتها ورفع المعاناة عن كاهل المعوزين، كما أكد أن ذلك الغزو الثقافي لا يمكن محاربتِه بالمنع أو الحجر؛ فإن كل من يفكر في ذلك يدعم هذه الأكاذيب والشائعات، بل ويؤكدها شأنه في ذلك شأن الذى يُهمل أو يتقاعس في الرد عليها. واجتمع الحضور على أن توعية الرأي العام السبيل الأرشد لإحباطها، وأن ذلك لن يتحقق إلا بتعاون كل أصحاب الرأي والمثقفين الغيورين على بلدنا، وذلك بإعادة حبل الثقة، وتنقية نهر الحب المتدفق بين الرأي العام القائد والرأي العام التابع.

ولا يؤخذ على هذا الملتقى سوىَ أمرين: أولهما غيبة الحديث عن الكتائب الإلكترونية ودورها والتشريعات المزمعة لعقوباتٍ رادعة لكل من يسهم بطريق مباشر أو غير مباشر للترويج لهذه الشائعات أو اصطناعها.

وثانيها خلط بعض المعلقين بين الخطاب الديني الذى لا يخلو من الاجتهادات الخاطئة والخطاب الإلهى الذى نطق به الوحى، وأخطأ بعض المجتهدين في تفسيره أو تأويله أو استنباط الأحكام منه، شأن الذين ادعوا «بأن الخليفة أو الحاكم هو ظل الله على الأرض وأن طاعته مطلقة وفرضٍ على العباد وأن المسلمين المعاصرين يحتاجون للفرقة الناجية التي تقوّم سلوكهم».

والجدير بالذكر، في هذا السياق أن جميع تلك الرؤى والمعلومات والبيانات كانت تُلقى على الحضور باللغة التي طالما افتقدنها في مؤتمراتنا وندواتنا، أعنى الدقة والوضوح في العرض والحرية والصدق في شرح وجهات النظر والرؤي.

ما أتمناه، أن تَكثر هذه اللقاءات فى شتى أنحاء مؤسستنا المعنية بالتثقيف والتوجيه

 

د. عصمت نصار

 

مجدي ابراهيممن الضمير لا من شيء غيره يحلو كلام العقلاء عن الله. ومن منافذ القلوب إلى سلطان الحق يكون الأنس بكلام العشَّاق فيصيب شغاف القلوب. وهو هو طريق البصيرة، فإذا كان "ابن سينا" في، إشاراته وتنبيهاته، حدّد طريق البصيرة بإرادة ورياضة، فهو نفسه الذي وصف طريق العرفان بصفة العارف حين يكون شجاعاَ، لأنه بمعزل عن تقية الموت. ويكون جواداً لأنه بمعزل عن محبّة الباطل، وصَفّاحاً لأن نفسه أكبر من أن يجرحها زلة بشر، ونسَّاءً للأحقاد وكيف لا؟ وذكره مشغول على الدوام بالحق.

هؤلاء الذين لم ييأسوا قط من روح الله :" إنّه لا ييئس من رَّوْحِ الله إلا القوم الكافرون". كلامهم - وأيمَ الله - ينادي وَجيب القلوب، هو هو الصدق بعينه، تعلّموه في رحاب الحق والأنس به، والتوكل عليه أحسن التوكل وأصدقه وأنقاه؛ فلن تجد كلاماً أبدع ولا أخلص من كلام العُشَّاق الذين جاوزا المحبّة إلى درجة الفناء في المحبوب : قلوبهم على يقين موصولُ بالجناب الأعلى، وضمائرهم خالية تماماً من كل شيء إلا ذكر الله ومَنْ والاه؛ فبذكره فقط تطمئن القلوب، وهل كانت الطمأنينة شيئاً غير هذه الصفة التي يكون فيها القلبُ على الثقة والأنس الدائم بالمحبوب الأعظم؟

كان الواحد منهم إذا هو سمع آية خَرَّ مغشياً عليه، ولربما لفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة هذا الشعور.

الضميرُ لديهم قوة علويّة من قوى الغيب المجهول، يزكيها الفهم النافذ لقول الحق تبارك اسمه، ويقوّيها العمل الصادق بمقتضى الفهم ويرفعهما إلى مستوى القوة العالية ذلك التبتُّل العميق لمحبة الله، يتولّد منها الشوق. والشوق، كما قال القشيري، اهتياج القلوب إلى لقاء المحبوب، وعلى قدر المحبّة يكون الشوق؛ لأن الشوق ثمرة المحبّة مع الوضع في الاعتبار بأن الله تعالى لا يُوصف بالشوق، وإنْ وُصِفَ بالمحبّة. من هذه الجهة تجئ خطابات التأنيس : ذوقاً خالصاً وأريحيّة عالية، ولن تكون خطاباً برانيّاً خاوياً لا يؤثر ولا يثمر ولا يفيد.

جمال كلام العرفاء في المحبّة وفي غيرها من مقامات وأحوال ممزوجٌ بعصارة النفس المطمئنة، باليقين، مبطنٌ بأغلفة الانوار الكثيفة لا يفضها وهم واهم، ولا يستطيع أن يفضضها أحد؛ إلا ذلك الذي ذَاقَ مذاقهم، وكرعَ من معينهم، ولم يزل يكرع من هذا المعين الدَّفّاق الذي لا ينضب ولا يجف. إنّ أحداً لا يقدر، من بعدُ، على فض بكورة معنى من المعاني الباطنة لإشارات العارفين ما لم يكن مُوَفَقاً من عند الله موهوباً هذه القدرة، وهذا الاستعداد، وهذا التوفيق.

تجارب العارفين إنّما هى حصون منيعة أقوى وأمنع من أن يتصدّى لها ضعيفٌ مهزول. وإشاراتهم أعلى وأرقى من أن يفسرها متعالم جهول. هذه التجارب العنيفة الشاقة في قهر النفوس على الالتزام لا يمكن أن تؤخذ هكذا مأخذ التقرير السّلبي أو التفسير العلمي الذي يقبل ما يراه جديراً من وجهة نظره، ويرفض ما لا يرى فيه - من وجهة نظره كذلك - جدارة القبول.

إشارات الأولياء رمزية، والرمز إشارة مغلقة لا يفتحها إلا عارف بمجريات ما أغلقت عليه؛ فأفرض مثلاً إنك سمعتَ كلاماً عن "الشوق" "والمحبة" "والعشق" "والوصال" "وتلهب القلوب" "واحتراق الأحشاء" "وتقطع الأكباد" ممّا يجري به كلامهم بالعادة وأخذته على عُلّاتِه، وفهمتَ منه أنه يشير إلى دلالة حسيّة قريبة، فاعلم من فورك أنك لم تتدَرَّب، بعدُ، على الغوص في عالم المعاني، كيف تفتح مغاليقه؟ ولا على تذوق العبارة كيف تستخرج منها لغة الإشارة؟

فالأصلُ في العبارة الرمزية أنها تنطوي على مجموعة من القيم مخزونة داخل العبارة كما تنطوي القيم الرياضية على الحروف، كل حرف منها يشير إلى دلالة خاصّة وإلى معنى خاص. وهكذا الرمز في إشارات الأولياء كأن يقول قائلهم :"علامة الشوق حُبّ الموت مع الراحة"، افتح هذا الرمز لو استطعت. أو يقول قائلهم :"المحبةُ استهلاكٌ في لذة، والمعرفةُ شهودٌ في حيرة، وفناء في هيبة".

وهكذا إلى كثير من الإشارات الرمزية في جميع المقامات والأحوال عند العارفين، لا بد في معرفتها، على وعي، من عقل بصير.

*    *     *

وإذا كانت هذه هى خَاصَّة المحبّة عرفانية في الأساس؛ فإنها لتندرجُ في المعرفة، فيجيء بمقتضاها نطق العارف مخبراً عن كل شيء، فقد سُئل عبد الرحمن الفارسي عن كمال المعرفة فقال :"إذا اجتمعت المُتفرقات، واستوت الأحوال والأماكن، وسقطت رؤية التمييز"؛ وعلق  السرَّاج الطوسي على تلك الإشارة حيث قال :"ومعنى ذلك أن يكون وقت العبد وقتاً واحداً بلا تغيير، ويكون العبد في جميع أحواله بالله ولله مأخوذاً عمَّا سوى الله، فعند ذلك يكون هذا حاله"؛ بمعنى أن تصير جميع الهموم هماً واحداً بلا تغيير، وتسقط جميع الشواغل إلا شاغل الحق واحد هو تحقيق العبودية لله، وهى التي عبر عنها ذو النون المصري بعدم الالتفات إلى الخلق فقال :"إنْ التفت العارف إلى الخلق عن معروفه بغير إذنه، فهو مخذول بين خلقه "، مخذول؛ لأنه مادام قد أختار طريق العرفان ثم ألتفت فقد خَان. والخيانة خُذلان؛ ولأنه في هذه الحالة لن يكون مشغولاً بالتحقيق في مقام العبودية، وسيكون في الغالب موزّع القوى مشتت الهَمِّ غير مجموع بالعين ولا هو بالمأخوذ كلية، وستكون فيه بقيّة من اختيار لا توصله إلى درجة العارف كصفة خاصة مخصوصة به.

وهنا قد نصل بالعرفان إلى مذهب "إسقاط التدبير" في تصوف السَّادة الشاذلية عامة، وتصوف أبي العباس المرسي وابن عطاء الله السكندري خَاصَّة؛ فلن يكون اختيار العارف في تلك الحالة القصوى من العرفان إلا بُمراد الله لا بمراده، وقد قال يحيي بن معاذ الرازي (ت 258 هـ) مادام العبد يتعرَّف (أي لم يبلغ درجة العرفان بَعْدُ) فيُقال له : لا تختر شيئاً، ولا تكن مع اختيارك حتى تعرف (أي حتى تبلغ من العرفان مبلغه)؛ فإذا عرف وصار عارفاً بمعنى أنه تحقق من العرفان؛ فيُقال له إذْ ذَاك : إنْ شئت اختر وإنْ شئت لا تختر؛ لأنك إنْ اخترت فباختيارنا اخترت، وإنْ تركت الاختيار، فباختيارنا تركت، فإنك بنا في الاختيار وفي ترك الاختيار".

وبعدُ؛ أَفَكَثيرٌ على العارف - وهذه حالته على هذا الوصف - إذا هو نطق، نطق عنك وأنت ساكت؟ كلا! إنّ حركته وسكونه بالله، فمن نطقه ينطق بالله، وكذلك في سكونه يخبر عن المسكوت عنه فيما لو كان مأذوناً له بالنطق فيه وبالإخبار عنه، وذلك لأنه في الحركة والسكون ليست له إرادة وليس له حظ فيهما.

هذه الصفة، "صفة العارف" هى التي عبر عنها الإمام الشاذلي أيضاً لما أن قال : من انقطع عن تدبيره إلى تدبير الله، وعن اختياره إلى اختيار الله، وعن نظره إلى نظر الله، وعن مصالحه إلى علم الله لملازمة التسلم والرضا، والتفويض والتوكل على الله؛ فقد آتاه الله حُسْن اللب وعليه يترتب الذكر والفكر وما وراء ذلك من الخصائص".

لكأنما الذكر والفكر من المراحل التالية لصفاء اللُّب بترك الاختيار النفسي وإسقاط شواغله إلى حيث اختيار الله تعالى وموالاته على الصفاء، فهما العلامتان اللتان يدلان على معقول النظر واستقامة العمل كما وصفهما بحُسْن اللُّبّ. غير أن هذه الصفة في المطلق لا تتأتى أبداً بغير تحقيق الإيمان ولا تأسس إلا عليه في أول مقام.

ليت شعري: ما الذي يُقدّمُه الإنسان على أسمى جزء موجود فيه، إذا انعزلت عنده مَدَارك الذَّوْق وراح يدرك كل ما يناله ببصر المحسوس والملموس، ويكتفي بذلك فقط، وينكر ما دونه من مدارك وأذواق؟ إنه ليبدو مخلوقاً تافهاً حقيراً إذا لم تكن المعرفة منذ البداية قد وَقَرَتْ فيه، وإنّه لينقلب من فوره إلى وضاعة ما بعدها وضاعة إذا هو لم يقدر وجوده الروحي، ولم يعرف أن هذا الوجود هو في الأصل مُقَدَّمَاً - وينبغي أن يكون مُقَدَّمَاً عنده - على كل وجود سواه، وأن وضاعته لتزداد، وشرهه المادي ليتفاقم إذا هو لم يعد يمتلك قدرة التحقق بأسس العرفان.

إنما قصدتُ هنا تحديداً ذلك العرفان الذوقي بهذا الوجود الروحي أو بتلك الطبيعة الموجودة فيه : طبيعة الروح السامية المتعالية التي تستقر في محيط الإيمان.

إنها من غير شك لطبيعة روحانية تسمو على كل طبيعة سواها، ترتفع ما ارتفع الإيمان في معدن الذات المؤمنة، وأزدان. وللحديث بقية مع خطابات التأنيس.

 

د. مجدي إبراهيم

 

محمد ممدوحلم يكن السجال الشهير بين الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر د. أحمد الطيب والدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة سجالاً بين نقيضين، أو متقابلين فى الفكر أو متناوئين فى المذهب كما فهم الكثيرون، ولكنه كان سجالاً بين متآلفين فى الفكر متحدين فى المذهب .. ومن ثمَّ فليس بينهما رابح وخاسر، بل كلاهما رابحان .. ولا غرو، فهما أبناء مذهب واحد، وظروف واحدة تمر بعمر الأمة، وأحداث صُنعت على عين الواقع.

ربح الطيب والخشت كثيراً .. ربحا ملايين المشاهدين والمهللين والمنافقين، وعلى الجانب الآخر قليل من الممتعضين وصرعى الهم الذى يعصف بحياة الأمة ويرديها ذليلة بين الأمم .. ربحا من الدنيا كل شيء .. فمحركات جوجل كلّت من البحث عنهما.. وشباب الأمة التائه وقف ينظر إليهما، يسمع بأذنيه ما قالا، ويحاول جهده الفهم، ولكنه لم يكن على مستوى الوعى الكافى، فصنّف الطرفين على أنهما عدوان يتصارعان، ولم يخلص بنتيجة غير هذه النتيجة، ولم تتكون لديه أية قناعات، اللهم إلا هزيمة طرف وانتصار آخر.

إن غياب وعى الشعوب هو الرهان الأكبر فى معادلة التنمية، فهم المنوطون بأى حديث، وبأى مذهب فكرى، وبأى تجديد يولد، ولأن هذا الوعى غائب إلى حد بعيد، فإن الحديث عن أى تجديد بمثابة عبثية لا يُرجى من ورائها إلا هلاك الرحى دون أدنى ثمرة تُرجى، ومن ثمَّ كان التصفيق لشيخ الأزهر دليل تلك العبثية، حيث تصور الشعوب للسجال الفكرى على أنه صراع لابد فيه من رابح وخاسر كان هو الدليل الأكبر لغياب وعى الأمة، لتتعمق فى قناعات المخلصين لهذا الدين أن المستهدفين بالتجديد لا يعرفون قديماً ولا جديداً، وليس لديهم وعى الإنصاف، أو فلسفة النقد، أو رؤية الحقيقة، ومن ثمَّ لم يمثل اللقاء أو حديث الرجلين لديهم سوى ذاك الإطار الذى أقل دلائله أنه بمثابة إفلاس الأمة وعيًا وفكرًا.

من هذه الزاوية ينتصر الرجلين، ولكن الهزيمة الكبرى تحيق بأفلاطون وبالأمة.. تحيق أولاً بأفلاطون لأنه صاحب الحلم الكبير "حكم الفيلسوف" ذاك الحلم الذى كاد أن يقضى فى سبيله، وذاق السوءات كلها لأجل تحقيقه وما استطاع إليه سبيلاً، ليموت جسده ويبقى حلمه مرفرفاً فى سماء اليوتوبيا، فى كلمات ليست بأقل من أحلام العدل المفقود .." عزيزى جلوكون .. ما لم يصبح الفلاسفة حكاماً أو يتحول أولئك الذين يحكمون العالم إلى فلاسفة فلن تهدأ حدة الشرور فى العالم" ..

حلم جميل من نفسٍ أقل جمالاً.. ولكنه مات ولم يره واقعاً..

وخان آرسطو حُلم استاذه فأقر سلطة الطبقة الوسطى وحكم القانون ولم يقر سلطة الحاكم الفيلسوف الذى قضى أستاذه حياته بحثاً عنه، ولم يره واقعًا.. وشاءت الأقدار أن يأتى فيلسوفين بعد ما يربو عن الألفين وأربعمائة عام على وفاة أفلاطون صاحب ذاك الحلم الإنسانى الكبير .. ليعتلى كل منهما مؤسسة كبرى، ويكأنهما يبتعثا أفلاطون من جديد، فما بحثت عنه وأضناك بحثه..تحقق اليوم واقعًا، ليضعا أفلاطون فى مأزق، أمام الوعى البنذاتى من ناحية، وأمام ثقافة الجماهير من ناحية أخرى، وخرج أفلاطون مهزوماً فى الناحيتين.

فالفيلسوف الذى جاء متحدثاً عن التجديد أغمض عينيه عن قضايا الأمة المصيرية الكبرى، والفيلسوف الذى يمثل الأزهر أتت صحوته متأخرة إلى حدٍ بعيد، ليضعا الفكر الإنسانى فى مأزق أمام الضمير العلمى والأمانة الفكرية، وليرددا على بطلر مذهبه فى قبره، ومن ثمَّ كانت ثقافة الجماهير ثقافة شعبوية لا ترقى أبدًا لصنع الحدث، بل ولا لمجرد استيعابه!!

كان حلم أفلاطون قائمًا على أن الفيلسوف هو أقدر الناس على حل المشكلات وعلى مواجهة الكوارث بشجاعة .. ولكن رسب أفلاطون باقتدار، فالفيلسوفان لم يحلا المشكلات ولم يواجها الكوارث.

كان حلم أفلاطون منبعثًا من ثقة مطلقة فى العقل المطلق للفيسلوف الذى يترفع فوق حظوظ النفس. ولكن الفيلسوفين أثبتا خطأ أفلاطون وعمقا جرحه ..

قام حلم أفلاطون على بصيرة الفلاسفة بأولويات الشعوب.. ولكنه قُتل حيث قدَّر .. فلقد أتى الفيلسوفان بأقل جهد يُذكر فى خدمة قضايا أمتهم المصيرية .. تحدثا عن تجديد للخطاب الدينى يفتقد لأدنى آلياته .. يفتقد لأئمة على قدر الوعى والفكر والمسئولية .. وإلى مسئولين على قدر الأمانة العلمية والدينية .. وإلى جماهير أذلتها الحاجة وأرغمتها اللقمة .. وإلى خوارج داعش وأوليائهم الذين انسلوا من تحت عباءة الدين وباتوا يقتلون الأخضر واليابس ظناً أنهم يتقربون إلى ربهم.. مُزقت الأمة شر ممزق، ولم ينشغل الفيلسوفان بغير تجديد الخطاب الدينى، دون أن يتحدثا عن آليات تحقيقه، ودون أن يحددا ضوابطه وشروطه.. ودون أن ييسرا على الناس فهم القضية، فالدين ثابت، ولكن قراءته فى ضوء الواقع فقط هى مناط التجديد، على أن يكيف الواقع للدين، لا أن يكيف الدين للواقع، وهو ما قام به الشافعى (رحمه الله) حين عدَّل كثيراً من آرائه الفقهية على إثر تغيير مكان إقامته وظروف كل بلدٍ نزل بها.

لم يكن التجديد هادفاً إلى هدم الدين بل هو إقامة الدين .. هو بعث فرضية الإجتهاد من مرقدها الذى طال.. هو استفاقة أمة تخلفت عن الركب بملايين السنوات الضوئية .. هو وضع الدين فى إطاره الصحيح.

هكذا يكون التجديد.. قراءة الواقع فى ضوء الدين .. وإنزال الدين على الواقع، ومن ثمَّ يكون تصدَّر القضايا القومية الكبرى للأمة المهزومة والمأزومة حقيقة على رأس أولويات التجديد، فيكون الخطاب من قضايا الأمة المصيرية .. الأقليات المسلمة المعذَبة فى الأرض.. القدس التى تُسرق فى كنف النهار .. المستضعفون فى الأرض الذين يموتون جوعًا وبردًا فى مخيمات اللاجئين .. هذه هى قضايا التجديد الحقيقية التى غاب عنها الرجلان، أو ربما تركاها عامدين فى ضوء محاذير علمها عند ربى.

لم نسمع لأحد الرجلين همسًا ولا حسًا حين العدوان الصهيوني المتكرر على شباب مسيرات العودة العُزّل..لم نسمع لأحدهما - صوتًا ولو على قدر التصفيق الحاد الذى واكب كلمات شيخ الأزهر حين المؤتمر- إذ يحمل الآباء أبناءهم الصغار شهداء البرد فى أمة المليار.. عجزت الأمة بإمكانياتها وملياراتها المادية والبشرية أن توفر الحد الأدني من الأمان المعيشي لأبناء دينهم المستضعفين فى الأرض..فى الوقت الذى أقيمت فيه مؤتمرات واحتفالات برأس السنة فى بعض الدول المسلمة تكفى ضروريات هؤلاء المستضعفين ردحًا من الزمن!!..

لا بكاء ياسادة..ولكنه الوجع ..الوجع الذى يقض مضاجع المخلصين فيصير الموت أحب إليهم من الحياة..

هكذا خسرت الأمة .. وهكذا رُسمت خطوات ضياعها .. فلم يكن الرجلان على قدر خطورة الأحداث .. لم يحملا هموم الأمة كما ينبغى أن يحملاها .. لم ينصحا لها كما ينبغى أن ينصحا .. لم يتحملا من أعبائها إلا أقل القليل، ليبقى هذا الدور الغائب حجيجًا لهما أمام الله، مخاصمًا لهما يوم الفصل الأكبر  ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ  . فدماء الأبرياء وجوع البؤساء وتشرد المستضعفين فى الأرض..كلهم خصوم لمن امتلك مؤهلات الكلمة ولم يتكلم..لمن امتلك آليات الفعل ولم يفعل..لمن امتلك مقومات النصح ولم ينصح..

هذا ما ينبغى أن نلتفت إليه دون مجاملة لأحدٍ على حساب الحق .. فالحق خصمٌ لمن علمه وكتمه  وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ  وهو ما يلقى بالأمانة والمسئولية على عاتق الرجلين، فالدنيا لا عُمر لها .. ولا شئ عند الله يعدل كلمة الحق .. ولا شئ عند الله يعدل نُصرة هذا الدين حين ضعفه، ودرء الباطل حين قوته، هذا ما فهمه الأئمة المخلصون من قبل..ابن حنبل .. والعز بن عبد السلام .. وابن تيميه .. وغيرهم .. جمعوا عبقرية الإيمان إلى عبقرية العقل فترسخ اليقين فى نفوسهم .. فانفضت محنهم وظلوا خالدين إلى هذا اليوم، وهو ما ينبغى للرجلين ولكل علماء الأمة أن يلتفتوا إليه.

رسالتى الموجزة إلى كلا الفيلسوفين أن ينظرا قضايا الأمة المصيرية .. أن ينصحا للأمة .. أن يوضحا ولا يكتما .. أن يجددا الدين بحق من كل زواياه لا من زاويةٍ واحدة لن تجدى فتيلاً فيما تصبو إليه الأمة.. رسالتي لهما أن ينصفا الدين إذ أتيحت لهما فرصة الإنصاف، أن يقدما الدين على الدنيا، فحينها ستأتى الدنيا راغمة، أن يصنعا وعيًا حقيقياً للأمة الإسلامية بقضاياها المصيرية، وإلا، فالنتيجة اللازمة من كل سجالٍ قام، لن تعدو سوى خسارة أفلاطون فى حلمه الجميل .. وخسارة الأمة فى قضاياها المصيرية ... وانتصار المتجادلين انتصارًا ظاهريًا لن يبقى له الزمن على أثر وإن عاش إلى حين..

 

دكتور / محمد ممدوح

دكتوراه الفلسفة اليونانية/ جامعة القاهرة

ودكتوراه الفلسفة الإسلامية/ جامعة المنصورة

 

قاسم حسين صالحعلاقة الحاكم بالمحكوم تحكمها ما اصطلح عليه بـ(السلطة Authority) وتعني باللغة الانجليزية التأثير باستخدام القوة على مجموعة من الأفراد او الجهات من خلال التحكم باصدار القرارات النهائية على وفق مجموعة من القواعد القانونية.وقد شغل موضوع السلطة علماء النفس والاجتماع والسياسة، نوجز اهم ما توصلوا اليه بما يمهد لفهم مشترك عن واقع حالها في العالم العربي.

يعرّف ماكس فيبر (السلطة) بأنها الفرصة المتاحة للقادة حتى تخضع لهم مجموعة معينة من الناس، وان ما يميز السلطة عن القسر والأجبار.. هو الشرعية ، ويصف السلطة الشرعية بأنها تلك التي يرى الحاكم والمحكوم أنها مشروعة ومبررة، ويقسّمها على ثلاثة:

السلطة العقلية القانونية التي تستمد شرعيتها من القواعد الرسمية والقوانين المعمول بها في الدولة وتمارس صلاحياتها وفق الدستور، والسلطة التقليدية وتستمد قوتها من التقاليد الراسخة والهياكل الاجتماعية، والسلطة الكارزمية وتستمدها من قائد بقدرات استثنائية يضفي على نفسه صفات التفرد والألهام والموهبة الألهية، ويضفي عليه الآخرون صفات البطل فيطيعونه ويتبعونه تماهيا به او خوفا منه لتمتعه بصلاحيات تفوق صلاحية السلطتين التقليدية والعقلية القانونية.. ويدخل ضمنها سلطة الأمير بمفهوم ميكافيللي الذي يبيح لنفسه استخدام المكر والخديعة.

ويتفق المفكرون (ميشيل فوكو، توماس هوبز، جون لوك، جون جاك روسو.. .)، على ان السبب الرئيس لضرورة السلطة هي حاجة الناس إلى قوة يخضع لها الجميع تكون المرجع والحكم الذي يفصل بينهم ويضمن حقوقهم ويقر لهم بالواجبات، ويجنبهم الصراعات القائمة على التصفية والإقصاء للتفرد بملكية شيء ما.ويخالفهم الرأي كارل ماركس الذي يرى أن جوهر ظهور السلطة اقتصادي خالص ناجم عن انقسام المجتمع إلى طبقات، فيما يرى ابن خلدون ان (العصبية) في العلاقات الاجتماعية هي اساس قيام السلطة، وأنّ القوانين السياسيّة الدينيّة أكثر نفعًا؛لأنّها الأحرص على تسيير أمور الناس الدنيويّة والأخرويّة كما يرى.

وفي كتابه" تاريخ العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيّام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر"، يقسّم بن خلدون القوانين السياسية التي تحكم الناس على ثلاثة:

1 - قوانين تعتمد السياسة العقليّة: يكون اهتمامها أمور الدنيا.. تخضع لغايات الحاكم المستبدّ، وتقدّم مصلحته على مصالح العامّة.

2 - قوانين تعتمد السياسة المدنيّة: وهي ما يطلق عليه الحكماء(المدينة الفاضلة)، لكنّها سياسة خياليّة بعيدة المنال ومذمومة عنده؛لأنّها تعتمد على الفرد، وتبتعد عن إرادة الحاكم صاحب السلطة.

3 - قوانين سياسيّة دينيّة: أي الحكم بشرع الله (الإمامة والخلافة).

وتُعدّ السلطة غير مشروعة في حال استخدامها للإجبار، والإكراه، والعنف أثناء تعاملها مع الناس، وخصوصاً في حالات الحروب التي تسيطر فيها السلطة العسكرية على المجتمع الذي تحتله، فتخضع الأفراد والمؤسسات لسلطتها، وهذا ما يُخالف القانون الدولي العام؛لأنّ أساس السلطة هو وجود شرعية لها يقرّها دستور يوجب عليها احترام الحقوق الإنسانيّة لجميع أفراد الشعب.

السلطة في العالم العربي .. مؤشرات لدلالات

كان العرب قبل الأسلام دولا ومماليك ممتدة في الشام والعراق واليمن، ويعدّ الأسلام بداية تحول كبرى في العالم العربي الذي كان موزعا بين دولتي الروم والفرس، لكنه شهد حروبا وصراعات نقدم عنها مؤشرات بايجاز عبر اهم عصورها.

 

العهد الراشدي (632- 661م)

في الخلافة الراشدية كان انتقال السلطة يتم بالتشاور وان كانت في عدد منها معقدة (ابو بكر) او خلافية (عثمان).. ومع ذلك انتهت حياة ثلاثة منهم بالقتل (عمر، عثمان، علي).. وانتهى الصراع المسلح على السلطة بمبادرة من الحسن بن علي الذي تولى الخلافة بعد والده، ثم تنازل لمعاوية، ليتولى الأمويون الحكم.

العهد الأموي (661- 750م)

يعدّ معاوية بن أبي سفيان هو اول من جعل الحكم وراثيا في تاريخ السلطة العربية والاسلامية، واستمرت الدولة الأموية تسعين عاما حكم فيه 14 خليفة بدأت بمعاوية (21سنة) وانتهت بمروان الثاني بن محمد الذي قتل عام 750م.

العهد العباسي (750 -1258م)

بدأت الخلافة العباسية بأبي العباس السفاح، وانتقلت لأخيه أبو جعفر المنصور، ومضت في ذريته، واستمرت دولة العباسيين خمسمائة سنة، في عصرين (الأول) ويبدأ بأبي العباس السفاح (749م) وينتهي بالمتوكل (847م) ومعظم خلفائه الأحد عشر ماتوا قتلا بضمنهم المتوكل الذي قتله أبنه!، وفيه قتل معظم أبناء البيت الأموي وكثير من قادة الأمويين وأنصارهم.. والعصر الثاني ويبدأ بالمنتصر بالله ابن المتوكل (847م) وينتهي بالمستعصم بالله (1258م)، حكم فيه 29 خليفة معظمهم انتهى قتلا او خلعا آخرهم قتله المغول.

العهد العثماني (1281-1924م)

كانت الخلافة في الدولة العثمانية وراثية في خط الأبناء، ويطبّق فيها حالة غريبة إذ كان يقتل جميع إخوان السلطان أو يسجنون في أقفاص في القصر حتى يموتوا أو يخرج أحدهم من القفص ليصبح سلطانا إذا دعت الحاجة لذلك.واستمرت الخلافة العثمانية إلى سنة 1924م وفيها ألغيت الخلافة وأقيم بدلا عنها النظام الجمهوري العلماني.. وكان آخر السلاطين العثمانيين هو السلطان عبد المجيد الثاني.

(يتبع)

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

عدنان عويدالمواطنة في سياقها العام مفهوم يحمل في مضمونه إضافة للدلالة الاجتماعية، دلالات عديدة، سياسية واقتصادية وثقافية، ففي كل دلالاته، هو دعوة إلى الانتقال بالإنسان من حالة ضياعه وغربته واستلابه في مجتمع أو دولة يحكمها التفاوت والتمايز الطبقي والعرقي والديني بكل أشكاله وتجلياته، إلى مجتمع أو دولة الحرية والعدالة والمساوة والحقوق والواجبات، وحق الاختلاف للجميع. وعند تحقيق هذه الدعوة على أرض الواقع، فهذا يعني نقل الإنسان من حالة (الرعية) إلى حالة (المواطنة)، أي إلى الحالة التي ستؤدي في المحصلة إلى فسح المجال واسعاً أمام الجميع في الحصول على العدالة للجميع دون تمييز في الحياة الاقتصادية، والرفاه والتعليم، وكذلك المساواة أمام القانون، وحق الانتخاب والترشيح والوصول إلى مناصب الدولة والمشاركة في القرار السياسي وبناء الحياة السياسية للبلد، مثلما يعني أيضا، تحقيق المساواة بين الجنسين (الذكر والأنثى)، والحد من سلطة المجتمع الذكوري، إضافة إلى تحقيق عدالة إنتاج واستهلاك الثقافة والمعرفة للجميع. هذا ونحب أن نؤكد هنا على مسألة في غاية الأهمية من الناحية المعرفية والإنسانية معاً، وهي، أن تحقيق حالة المواطنة، أي تخليص الإنسان من حالات اغترابه وضياعه واستلابه، لا تنال من وقع عليه فعل الاغتراب والاستلاب والضياع فحسب، بل تنال أيضاً من فرض حالات الاغتراب والاستلاب والقهر على الآخرين بفعل امتلاكه سلطة القهر والاستبداد.

أمام هذه المعطيات النظرية المتعلقة بمفهوم المواطنة، هناك مجموعة من الأسئلة المشروعة تطرح نفسها علينا وهي : هل الدعوة إلى مجتمع (المواطنة) مجتمع المدينيّة ا هي دعوة مشروعة أو عقلانية في وقتنا الراهن؟. هل شعارات المواطنة التي جئنا عليها أعلاه، أو ما نستطيع تسميته مضامين المواطنة، هي شعارات أو مضامين تتحقق بالإرادة الطبية ؟، أم هي فعل مقاومة مفتوح على كل دلالاته؟. وهل مهام المقاومة وأساليب تحقيقها إرادويّة، أم هي مهام يضعها الإنسان المقاوم (حزب . تجمع . طبقة) وفقاً لظروفه الموضوعية والذاتية التي تتحكم بحركته ونشاطه والمهام التي يضعها لنفسه؟. أي هل مهام المقاومة توضع وفقاً لتصورات ذاتية، أم هي مهام تحدد طبيعتها ودرجتها ونوعها وأساليب تحقيقها معطيات الواقع المادية والفكرية؟، وذلك انطلاقا من مقولة (أن الناس يضعون لأنفسهم المهام التي يستطيعون إنجازها فقط، أو التي تساعد الظروف على تحقيق إنجازها) .

إن الإجابة عن هذه الأسئلة المشروعة باعتقادي ستحدد لنا النتيجة التي نرمي إليها من طرحنا لموضوعة المواطنة. لذلك هذا ما يدفعنا للقول : إن أي دارس لطبيعة تكون وتطور المجتمعات البشرية سيجد أن التطور الذي يصيب المجتمعات تتحكم به جملة من الظروف الموضوعية والذاتية، وهذه الظرف لا تفرخ بشكل مجرد، بل هي نتاج الواقع ذاته وآلية عمله، دون أن نغفل مسألة أساسية في هذا الاتجاه وهي، أن الظروف الذاتية، وبخاصة الحوامل الاجتماعية، هي في طبيعتها حرية وضرورة معاً، وبالتالي فإن الحامل الاجتماعي محكوم بضرورة الواقع أولاً، ثم بالضرورة الكامنة فيه هو ذاته أيضاً، من حيث مهاراته وقابلياته واستعداداته النفسية والبيولوجية، ودرجة وعيه لذاته وللآخرين وللمهام المناطة به  .. الخ .

إذن، ما هو مطروح للتغير في هذا الواقع محكوم بالضرورة بمعطيات الواقع، وأن كل الشعارات والمهام التي تُطرح من أجل تغيير الواقع غالباً ما تعمل على إنتاجها وتحديد مسارها وأساليب عملها الظروف التاريخية المعيوشة. وهذا يذكرني بمقولة عقلانية للمفكر النهضوي "رئيف الخوري" يتكلم فيها عن مفكري الثورة البرجوازية في فرنسا التي أدت إلى كومونة باريس حيث يقول بما معناه: لم تكن أفكار فولتير مونتسيكو وروسو وهلفسيوس وغيرهم، هي التي حركت الثورة البرجوازية، بل كانت أفكار هؤلاء هي نتاج لهذه الثورة ومقدماتها. ولكن هذا القول لا يحجب الحقيقة التي تقول إن أفكار هؤلاء استطاعت فيما بعد أن تلعب دوراً هاماً في التأثير على تفكير النخب المثقفة لشعوب العالم الغربي وثوراته وما لعبته هذه النخب من تأثير على حياة شعوبها، ومنها الشعب العربي منذ الربع الأول للقرن التاسع عشر مع الطهطاوي، وخير الدين التونسي وإبراهيم اليازجي، وبطرس البستاني، وفرح أنطون، ومحمد عبده، والكواكبي، والأفغاني، وأديب اسحق وغيرهم الكثير.

على العموم نستطيع القول : إن مسألة طرح مشروع المواطنة هي مسألة نسبية في تطبيقاتها أولاً، وهي تدخل في نطاق التغيرات الكبيرة التي تصيب حياة الشعوب ثانياً، وهي تأتي في مرحلة لاحقة مع تأسيس وسيادة المجتمع المدني ثالثاً.

الدولة والمواطنة:

مع انتشار أفكار الحرية والعدالة والمساواة بين شعوب العالم، ومع ما تم من تحولات تاريخية هامة في حياة الشعوب، انعكست بالضرورة على طبيعة عمل الدولة ذاتها، في العالم الثالث، حيث راحت تأخذ في حساباتها – أي الدولة - طبيعة أفكار المواطنة وأهميتها بالنسبة لمستقبل الطبقة الحاكمة لهذه الدولة نفسها. وبغض النظر عن طبيعة نظام الحكم القائم، وشكل الدولة ذاتها، وطبيعة حاملها الاجتماعي، فإن قيم المواطنة أصبحت من المهام الأساسية والضرورية التي تفرض نفسها على السياسات الداخلية لحكومات هذه الدول، وبخاصة بعد التحولات التي تمت في مضمار النظام العالمي الجديد، حيث فرضت هذه التحولات وعياً لدى المواطن بمواطنتيه أولاً، والسعي لتحقيق هذه المواطنة عبر وسائل عدة، يأتي في مقدمتها الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني وغيرها. مثلما فرضت على الدولة ذاتها أن تقدم تنازلات تجاه فكرة المواطنة من الناحية العملية والقانونية وبخاصة على المستوى الدستوري.

إن قيم المواطنة، أصبح من الواجب على الدولة أولا، ومن ثم على مؤسسات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية ثانياً، ترسيخها عملياً وفكرياً لدى الفرد والمجتمع، ويأتي في مقدمتها: الوعي بمهام الدستور، وبالحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للفرد والمجتمع، وبمهام الفرد، ومدى الحريات الممنوحة وأنواعها، وبكيفية تشكيل القرارات السياسية، وكيفية تنفيذها، وبنمط الحكم السائد، وبنظم الحكم العالمية، وبشروط التمثيل النيابي، وبكيفية المشاركة في الانتخابات، وتشكل المجالس النيابية، وغيرها من قضايا المواطنة التي تساهم في رفع سويّة المواطنة ذاتها، وتخليص الفرد والمجتمع والدولة على السواء من عقلية وثقافة الراعي والرعية، وكل ما يعيق تحقيق دولة القانون، هذه الدولة التي إذا ما حققت مشروع المواطنة لأبنائها، ستشكل هذه المواطنة الرافعة العملية والفكرية لاستمرار الدولة وقوتها من جهة، والرفع من القيمة الإنسانية لشعبها ومكانته بين شعوب العالم من جهة ثانية.

ملاحظة: إن أية سلطة في أية دولة تسعى لتغييب المواطنة، أو الالتفاف عليها بشعارات فضفاضة، وعواطف تسويقية، وتسويات انتهازية، ستتحول هذه السلطة إلى عصاية، وعندما تقود الدولة عصابة سينتشر الفساد والظلم والتمايز بين مكونات المجتمع. وانتشار الرذيلة والفاحشة، ويعم الاستبداد، وينتشر ويسود الانتهازية والمطبلين والمزمرين من سفلة المجتمع، وفي النتيجة ستعم الفوضة داخل الدولة والمجتمع، وستنهار الدولة، وسيدفع الثمن الجميع دون استثناء.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

 

حاتم حميد محسنكان اول هجوم كبير على التنوير شنه الفيلسوف جين جاك روسو (1712-1778). روسو استحق سمعة الرجل المتمرد على فلسفة القرن الثامن عشر في فرنسا. في السياق الثقافي والفكري للتنوير، كان روسو صوتا معارضا كبيرا. هو كان معجبا في جميع الاشياء السبارطية – سبارطا العسكرية والاقطاعية – ومحتقرا لجميع الاشياء الاثنية (نسبة لمدينة اثينا) - الاثنية الكلاسيكية للتجارة والعالمية والفنون العليا. جادل روسو بان الحضارة هي مفسدة كليا – ليس فقط النظام الاقطاعي القمعي للقرن الثامن عشر بارستقراطيته الطفيلية المنحطة، وانما ايضا في الخيار التنويري بتمجيده للعقل والملكية والفنون والعلم. هذه كانت الخاصية المسيطرة للتنوير والتي وقف روسو بالضد منها.

في بحثه عن أصل اللامساواة، بدأ روسو هجومه على المرتكز الاساسي لمشروع التنوير وهو العقل.

الفلاسفة كانوا تماما على صواب بان العقل هو اساس الحضارة. التقدم العقلاني للحضارة هو كل شيء الاّ التقدم، لأن الحضارة تحققت على حساب الاخلاق. هناك علاقة عكسية بين التطور الثقافي والتطور الاخلاقي: الثقافة حقا تخلق تعليما كبيرا ورفاهية وتعقيدا - لكن التعليم والرفاهية والتعقيد جميعها تسبب انحلالا اخلاقيا.

"ان أصل انحلالنا الاخلاقي هو العقل، الذي هو أصل آثام البشرية". قبل ان يستيقظ عقلهم، كان الناس كائنات بسيطة منعزلة، يشبعون حاجاتهم بسهولة بجمع البذور من بيئتهم المباشرة. تلك الحالة السعيدة كانت المثال:" طالما ان حالة الطبيعة هي الحالة التي يكون فيها الاهتمام ببقاءنا الذاتي الأقل ضررا للآخرين، فان تلك الحالة بالنتيجة هي الأكثر ملائمة للسلام و للعرق الانساني". ولكن بمصادفة غير سعيدة وغير قابلة للتوضيح، استيقظ العقل، وحالما استيقظ العقل قذف بوابل من المشاكل على العالم، محولاً الطبيعة الانسانية الى النقطة التي لم نعد قادرين فيها العودة الى حالتنا الاصلية السعيدة. عندما كانت الفلسفات تبشّر بانتصار العقل في العالم، اراد روسو إظهار ان "كل التقدم اللاحق كان في ظاهره عدة خطوات نحو كمال الفرد، بينما هو في الحقيقة يتجه نحو تفسخ الكائن البشري". حالما استيقظت قوتهم العقلية، ادرك الناس ظروفهم البدائية، وهذا قادهم ليشعروا بعدم القناعة. لذا هم بدأوا بعمل تحسينات على ظروفهم، تلك التحسينات تصاعدت بشكل مثير في الثورتين الزراعية والمعدنية. وبلا شك، تلك الثورات حسّنت النصيب المادي للبشرية لكنها في الحقيقة حطمت الكائن البشري:" الحديد والقمح هما منْ جلب الحضارة للانسان لكنهما خرّبا الجنس الانساني".

هذا الدمار اتخذ عدة اشكال. اقتصاديا، قادت الزراعة والتكنلوجيا الى فائض في الثروة. فائض الثروة قاد بدوره للحاجة الى حقوق الملكية. الملكية، جعلت الناس متنافسين ينظرون للآخرين كأعداء.

فيزيقيا، عندما اصبح الناس اكثر ثراءً بدأوا يتمتعون بمزيد من الراحة والرفاهية. لكن تلك الراحة والرفاهية كانت سببا لإنحلال فيزيقي. هم بدأوا يأكلون الكثير من الطعام معظمه طعاما رديئا، وبهذا اصبحوا أقل صحة. هم أخذوا يستعملون ادوات وتكنلوجيات جديدة، وبهذا اصبحوا فيزيقيا أقل قوة. الشخص الذي كان في الماضي قويا جسديا اصبح معتمدا على الطبيب والاجهزة الاخرى .

اجتماعيا، مع الترف والرخاء جاءت يقظة المعايير الجمالية، تلك المعايير حوّلت حياة الناس الجنسية. العمل الجنسي الذي كان مباشرا في الماضي اصبح مرتبطا بالحب، والحب حالة فوضوية وحصرية وتفضيلية. الحب، بناءً على ذلك، ايقظ الغيرة والحسد والمنافسة والكثير من الاشياء التي وضعت الانسان بالضد من الآخر.

وهكذا "ادّى العقل الى تطوير جميع خصائص الحضارة – الزراعة، التكنلوجيا، الملكية، والجماليات – وهذه جعلت البشرية ناعمة وكسولة وفي صراع اقتصادي واجتماعي مع ذاتها ".

لكن القصة لم تنتهي هنا بل اصبحت اكثر سوءاً، لأن الصراعات الاجتماعية المستمرة خلقت القليل من الرابحين في قمة الهرم الاجتماعي والعديد من الخاسرين تحته. اللامساواة اصبحت نتيجة بارزة و ضارة للحضارة. هذه اللامساواة ضارة لأن جميع أشكال اللامساواة"حين تكون اكثر ثراءا او شرفا او قوة" هي "امتيازات يتمتع بها البعض على حساب البعض الآخر".

الحضارة، طبقا لذلك"تكون لعبة صفرية فيها الخسارة تأكل الربح الى جانب العديد من الأبعاد الاجتماعية الاخرى، حيث الرابحون يكسبون ويتمتعون اكثر واكثر بينما الخاسرون يقاسون الكثير ويُتركون الى الخلف".

لكن امراض الحضارة ازدادت سوءاً، لأن العقل الذي صنع لامساواة الحضارة ايضا صنع الأفضل الذي لا يهتم بمعاناة سيئي الحظ. العقل طبقا لروسو هو في الضد من العاطفة: العقل يخلق الحضارة التي هي السبب الحتمي لمعاناة ضحايا اللامساواة، لكن العقل ايضا يخلق اناسا عقلانيين يتجاهلون تلك المعاناة. "العقل هو من يخلق الانانية" كتب روسو "والتفكير يجعلها اكثر قوة". العقل هو الذي يحوّل الفرد نحو نفسه. العقل هو من يفصله عن كل ما يزعجه ويؤذيه. الفلسفة هي منْ يعزله ويحركه ليقول سراً للانسان الذي يقاسي، "متْ ان كنت ترغب، انا آمن وسليم".

في الحضارة المعاصرة، يصبح نقص العاطفة هذه اكثر من إثم. يرى روسو، بما ان الرابحين نجحوا في منافسات الحياة المتحضرة، الآن اصبح لديهم اهتمام شديد في المحافظة على النظام. المؤيدون للحضارة – خاصة اولئك الذين يعيشون في قمة الهرم وبعيدين عن التعساء – يخرجون ليشكروا التقدم الحضاري في التكنلوجيا والفن والعلوم. لكن أشكال التقدم هذه ذاتها والتمجيد لها تعمل فقط لإخفاء الأذى الذي تنتجه الحضارة. محذرا هربرت ماركوس و فوكلت، كتب روسو مقالا شهيرا في العلوم والفنون:"الحكام دائما ينظرون بسرور الى انتشار ذوق الفن والتسلية بين اتباعهم ". هذه الاذواق المطلوبة بين الناس "هي سلاسل تقيّدهم". "العلوم، الرسائل والفنون" – بعيدة عن رقي و تحرير البشرية – "تنشر اكليلا من الزهور على سلاسل الحديد التي اُثقل بها البشر وتخنق فيهم الاحساس بالحرية الاصلية التي ولدوا لأجلها، تجعلهم يحبون عبوديتهم، وتحوّلهم الى ما يسمى اناس متحضرون".

صرح الحضارة هذا فاسد جدا لدرجة لا امكانية للاصلاح. مقابل المعتدلين الخجولين الذين يريدون تحقيق مجتمع جيد باسلوب متدرج، دعا روسو الى ثورة."الناس كانوا باستمرار يرقّعونها (الدولة) هم يجب ان يبدأوا بازاحة الهواء ووضع المواد القديمة جانبا مثلما فعل ليكرغس Lycurgus في اسبارطة لكي يقيم صرحا جديدا جيدا ".

 

حاتم حميد محسن

........................

الاقتباسات مأخوذة من رسالة روسو الثانية حول أصل اللامساواة المنشورة لأول مرة عام 1755.

 

زهير الخويلدي"لا ضرر ولا ضرار" حديث شريف

برز تباين بين موقف تقليدي يمثلها الفقهاء وبعض المتكلمين والمفسرين والمؤرخين واللغويين يتبنى نظرة مقيدة للسلوك الإنساني ومنتصرة للحدود والضوابط والأحكام وموقف مجدد يتميز بالاستنارة يمثله العلماء والفلاسفة وغالبية المتكلمين ومعظم المؤولين يراهن على الحرية ويفسح المجال للعقل والإرادة والاجتهاد.

ماهي منزلة الحرية في الإسلام؟ هل ثمة تناقض بينها؟ إلى أي مدى يسمح الإسلام بالحرية الدينية؟ كيف عرف الإسلام مفهوم الحرية؟ ومتى تم التخلي النهائي عن مفهوم العبودية والرق والاستبداد والخضوع؟

تتمثل أطروحة هذا المبحث في القول بأن النظرة المقيدة للحرية الإنسانية والمثبتة للجبرية قاصرة وبعيدة عن مقاصد الشارع التي ذكرها في الوحي وأشار إليها النبي في سيرته وأحاديثه وأنها راجعة إلى اعتماد التقليد والتفسير الحرفي للنصوص وعدم مراعاة المصالح المرسلة والتأويل الشامل للإمكانيات التشريعية.

الإسلام دين حرية قام بإلغاء الرق وإزالة العبودية ونادي بمحاربة الظلم والاستعباد ورفض الحكم المستبد وانتصر للعدل في القضاء والمساواة بين الناس في الحقوق وطلب من الحكام تحمل مسؤولية كاملة في توفير الأمن والحماية للمواطنين وصيانة الكرامة لكل شخصية وتركيز الدولة الراعية لسلامة الاجتماع.

من غير المقبول أن تسود النظرة التقليدية الرافضة لفكرة الحرية والمكرسة للاستعباد والاستيلاء والغلبة والرافضة لكل حقوق الإنسان ومنتجة للإقصاء والتمييز والحكم المطلق الذي يعتمد على القوة والهيمنة.

غير أن التطرق إلى مسألة الحرية داخل النص الديني وضمن الفضاء الإيماني هو أمر جلل وعلى غاية من العسر والتعقيد ويتطلب التثبت الميداني والإحاطة الكاملة بموضوع البحث وشروطه ولوازمه وأهدافه وتبعاته على مسائل التسامي والعلو والقداسة والاطلاقية التي تتعلق بالألوهية والنبوة والقرآن والشعائر.

توجد اعتراضات على قبول فكرة الحرية الدينية داخل الإسلام:

- الدين مجال للتطبيق والفعل وليس مجالا للتنظير والجدل.

- وجود ثوابت في الإسلام وأحكام قطعية هي محل إجماع.

- القول بالقضاء والقدر وبأن الإنسان مسيرا و ليس مخيرا.

- مركزية مفهوم الطاعة لاحترام الأفراد لوحدة الجماعة.

- البحث عن الخلود في مقام الآخرة والنجاة من آثام الدنيا.

- العبودية المطلقة من البشر لله والتسليم لإرادته ومشيئته.

 فهل تؤدي هذه الاعتراضات إلى نفي وجود الحرية داخل الدين الإسلامي؟

كلا، توجد مساحات عديدة للقول بوجود حرية دينية داخل الإسلام تتراوح بين النص الرمزي والاجتهاد الفقهي والتأويل العقلي والتجربة التاريخية والموقف النبوي والفكرة الفلسفية والرؤية الوجودية الرسالية.

يمكن تقديم الأدلة الكافية على التبني العقدي للحرية في الإسلام:

- الانتماء إلى الدين لا يكون بالإكراه بل عن طريق الاقتناع.

- الإقرار باللسان عند التشهد هو أحد شروط الإيمان الحر.

- تعمل التجربة الدينية بوصفها تجربة لغوية على محاورة المرء لخالقه.

- استئناف الاجتهاد يشمل الأصول ولا يقتصر على الفروع.

- تأويل النص الديني لا حد له والمعنى متعدد والقراءة مفتوحة.

- التسامح لب القول في الإسلام وجوهر العقيدة وأساس الجاذبية.

فكيف تحول الإسلام التاريخي من الحرص على التحرر من كل القيود إلى تكريس العبودية لكل السلطات؟

يفسر المؤرخون هذا الانحراف بجملة من العوامل:

- الرواسب الجاهلية التي لم يتم القطع معها بشكل تام

- التأثر بالتجارب السياسية الكسروية والرومانية المجاورة

- تسرب الكثير من الاسرائليات التي أضرت أثر ما نفعت.

- فراغ دستوري في التشريع وغياب نظرية في الدولة.

إذا عدنا إلى التجربة الحضارية للمسلمين فإننا نجد ما يلي:

- قبول الإسلام التعددية في القراءة والتأويل داخله وتشكل الفرق والمذاهب والملل والنحل.

- تعايش الإسلام مع الطوائف المغايرة عنه من أهل الكتاب وغيرها من العقائد والأديان.

- خلو الإسلام من السلطة الكهنوتية ذات التنظيم الهرمي وجمعه بين الإيمان والإحسان.

- أهمية الاستشارة والبيعة العامة ورضا الناس في تكوين الشرعية السياسية للحكام.

جملة القول أن الفهم المستنير للإسلام يتساهل مع الحرية الشخصية والحرية الدينية وحرية الضمير ويقر حرية الفعل وحرية الإرادة وحرية الاختيار والحرية السياسية والحرية الفكرية والحرية الوجودية. فكيف مثلت مدرسة الاعتزال العقلية التأسيس الكلامي للحرية من خلال الإقرار بخلق الأفعال؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

علي رسول الربيعيغالبًا ما يتم فهم المفاهيم العامة بشكل أفض بمضاداتها، اذ بضدها تتمايز الأشياء. يمكن أعتبار حقوق الإنسان، كما نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادرعن الأمم المتحدة عام 1948، عالمية، شاملة حقًا من حيث النطاق والمضمون. جاء الإعلان العالمي ليعبر أساسًا عن قناعة راسخة، وكرد على أهوال الإبادة الجماعية للرايخ الثالث، بأن جميع البشر، بحكم كون كل فرد فيهم انسان، يتمتعون بالقدر نفسه من الحقوق الأساسية. كان الهدف من الإعلان العالمي هو ضمان الحد الأدنى من كرامة الإنسان لكل انسانعلى وجه الأرض.

على الرغم من مرور أكثر من سبعين عامًا على الإعلان العالمي، إلاُ أنه من الصعب للغاية تحديد ما يمكن أن يُقال الآن عن حقوق الإنسان. من المؤكد أنه حتى بعد مرور سنوات عديدة على الإعلان العالمي، لا يزال التعذيب والقتل والإبادة الجماعية والكثير من الضحايا. ومع ذلك، تتعرض معايير حقوق الإنسان للهجوم بشكل متزايد من قبل أولئك الذين يعتقدون أن المعايير الحالية تعرض للخطر تعبيرات التنوع القومي والعرقي والثقافي والديني. لقد تم التأكيد على تهمة أن السياسة الحالية لحقوق الإنسان تفرض الأيديولوجية والقيم الليبرالية الغربية على أولئك الذين يتعاطفون بقوة مع التقاليد وأنظمة القيم غير المتوافقة بشكل كبير مع الليبرالية، ويتقبلونها طواعية.

هناك سؤال نوقش كثيرًا بشأن ما إذا كانت حقوق الإنسان عالمية حقًا أم أنها تعتمد على الثقافة، وهي مسألة أصبحت أكثر إلحاحًا منذ الإحياء الأخير للقومية والسياسة العرقية في أعقاب سقوط الإمبراطورية السوفيتية1. علاوة على ذلك، فإن المشكلات التي أثارتها حقوق الأقليات تلقي بحدة وشدة أكبر على هذه القضية. تتضمن هذه المشكلات عادةً مواجهة بين الادعاءات الجماعية، الغارقة في أيديولوجية أو تقليد تتعارض مع المبادئ الأساسية للأعراف أو لثقافة الأغلبية، والمطالبات الفردية، التي صيغت كحقوق دستورية أساسية.

يؤدي التحليل التالي إلى استنتاج مفاده أن المعارضة بين المفهوم العالمي لحقوق الإنسان ونظيره النسبي الثقافي هو غير مناسب بل وخاطئ. أولاً، لا توجد رؤية واحدة للعالمية، فهناك العديد من الرؤى المختلفة. ثانياً، عكس العالمية ليس النسبية، ولكن الخصوصية. علاوة على ذلك، فإن الصراع بين العالمية والنسبية يميل إلى تفاقم المنظورات الليبرالية وكذلك المواجهات بين الليبراليين والجماعتيين. يمكن تجنب هذه الصعوبات إلى حد كبير عن طريق التمسك بالتعددية وتصورها للصراع بين الثقافات كديناميكي وسائل إلى حد ما. على الرغم من أن المصادمات بين العالمية والخصوصية تبدو حتمية، إلا أن هذه الصدامات غالبًا ما تكون أكصر جزئية وأكثرمحلية من المتوقع. وأيضا، في عالم متزايد الترابط، قد يكون هناك فرص أكبر للتقارب أكثر سهولة مما يبدو للوهلة الأولى.

من الضروري النظر بإيجاز في العلاقة بين العالمية والنسبية والخصوصية.

الصورة النمطية التي يستحضرها التباين بين العالمية والخصوصية هي صورة الانقسام بين الفردية الليبرالية الغربية والأشكال غير الغربية للجماعات الطائفية والقبلية. من ناحية، لدينا الفرد الليبرالي الملتزم بالديمقراطية الدستورية. من ناحية أخرى، المجتمع غير الغربي المترابط بإحكام، مع غرابة في بعض الأحيان إن لم يكن طقوس بغيضة صريحة (من وجهة نظر غربية)، مثل ختان الإناث على سبيل المثال وغني عن القول، ومع ذلك، فإن هذه الصورة تثبت أنها خاطئة إلى حد كبير. في الواقع، وبالمعنى الدقيق للكلمة، نلاحظ أنه على الرغم من أن النزعة الفردية الليبرالية الغربية قد تكون عالمية في تطلعاتها، إلا أنها في النهاية نظام أيديولوجي وقيمي معيّن مثله مثل أي من نظيراتها المجتمعية غير الغربية.

إن الفردية الليبرالية الغربية ليست بأي حال من الأحوال الإيديولوجية الوحيدة التي تتسم بطابع العالمية و الشمولية في تطلعاتها فهناك الجماعية الماركسية، ومن الأديان الإسلام. أما الرؤى الأخرى، على النقيض من ذلك، مثل تلك التي اعتنقتها أواليهودية، على سبيل المثال، فهي ليست عالمية في الطموح ولكنها تتبنى بعض المعايير، التي تفترض أنها عالمية في نطاقها. لأن الدين اليهودي هو دين شعب واحد لا يسعى إلى نشر جميع تعاليمه على الآخرين. بعض المعايير التي يتضمنها خاصة باليهود، بينما يزعم البعض الآخر أنها عالمية النطاق. على سبيل المثال، تعتبر معظم الوصايا العشر، وليس كلها، تنطبق على الشعوب الأخرى. تبعا لذلك، فإن الوصية الرابعة التي تعلق بشعائر يوم السبت لا تنطبق إلا على اليهود2. من وجهة نظر فلسفية، لذلك، فإن الفرق الرئيسي هو بين المعايير التي يتم تبنيها أو تبريرها عالميًا، والمعايير الخاصة، إما لأنها تعتمد في ثقافات معينة، ولكن ليس كلها، أو لأنه لا يمكن تبريرها عبر جميع الثقافات. علاوة على ذلك، من المهم التمييز بين الادعاءات الواقعية للعالمية والمطالبات المعيارية لها. على سبيل المثال، قد تمارس العديد من المجتمعات المختلفة بعض أشكال التعذيب، مما يعني أنه من المنظور الواقعي سيكون من الخطأ الادعاء بوجود تنصل عالمي من التعذيب. ومع ذلك، لا يزال من الممكن أن يكون الإدعاء متسقًا بأن التعذيب خطأ عالميًا وأن المجتمعات التي تمارسه أو تتغاضى عنه يجب إدانتها أخلاقياً.

في ضوء هذه الملاحظات، يبدو أكثر دقة التحدث عن العالميات (الشموليات) والخصوصيات في صيغة الجمع وليس في صيغة المفرد. التأكيد على الجمع مفيد في تبديد إغراء مساواة الخصوصية بالنسبية. قد تكون الممارسة المحددة للقيم خاصة بطبيعتها ونطاقها دون أن تصبح مجرد نسبية. تخيل، على سبيل المثال، أن هناك اتفاقًا عالميًا على أن الدين التوحيدي هو أعلى منفعة أخلاقية، لكن الطرق المختلفة لعبادة الله نفسه تستحق الثناء على حد سواء. في ظل هذا المفهوم، فإن المسيحية والإسلام واليهودية هي ثلاث ديانات، ولكن نظم القيم والممارسات التي يروج لها كل منهم ليست نسبية على الإطلاق. فهي ثلاثة تعبيرات مختلفة وخاصة عن الحقيقة الأخلاقية العالمية الشاملة نفسها.

لأن العلاقة بين ما هو خاص وما هو نسبي متعددة الأوجه ومعقدة، سأقتصر على النسبية التي لا يمكن فيها تبرير الادعاء المعياري إلا في النهاية من حيث المفهوم المتنازع عليه للخير. وبعبارة أخرى، عندما لا يمكن تبرير الادعاء المعياري إلا من حيث البعض من بين عدة مفاهيم متنافسة للخير، فإن مبرر مثل هذا الادعاء سيعتبر ذا طبيعة نسبية. وفي جميع الحالات الأخرى، على الرغم من أن تبرير الادعاء المعياري قد يكون معتمدًا على وقائع أو قواعد معينة، فسيتم اعتبار المبرر المعني على أنه مُخصِّص أو خصوصي وليس نسبيًا.

 أرى من الضروريالأشارة الى تمييز آخر بأختصار. فقد تثبت أن القيم العالمية في كل من الطموح والنطاق، عند الفحص والتدقيق، أنها أكثر خصوصية أو أكثر نسبيًة بكثير مما تم التفكير به في البداية. خذ الحظر العالمي المفترض ضد القتل. لا تحظر جميع المجتمعات القتل فحسب، بل يبدو أن هناك إجماعًا لصالح معاملة القاتل على أنه عالمي، أي أنه خطأ بغض النظر عن الثقافة أو الظروف التاريخية. بمجرد أن ننتقل من المفهوم العام للقتل إلى القضية الأقل تجريدية حول ما الذي يجب اعتباره جريمة قتل، يبدو أن الإجماع عرضة للإنهيار حتى داخل حدود نظام واحد . نشير مرة أخرى إلى أحد الأمثلة الصارخة، يعتبر الإجهاض في بعض البلدان جريمة قتل، وقتل عن عمد من قبل لأطباء الذين يقومون بإجراء عمليات الإجهاض3. بينما يعتبر آخرون القتل جريمة لكن لاينطوي الإجهاض بأي حال من الأحوال على قتل. علاوة على ذلك لا يتضح من هذا المثال ما إذا كان هناك إجماع على القتل بشكل عام، مع وجود خلافات بشأن بعض التفاصيل في ظروف محددة، أو سواء كان ذلك تحت إجماع عالمي، تكمن هناك النسبية الفعلية المستمدة من الصراع غير القابل للحل بين مفاهيم الخير.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

....................................

 -1Kymlicka, Will.1995. Multicultural citi2enship: A liberal theory of minority rights. New York: Oxford University Press.1.

 -2 Stone, Suzanne L. 1991. Sinaitic and Noahide law: Legal pluralism in Jewish law. Cardozo Law Review 12: 1157.

 -3 Moore, Shelby. 1997. Doing another's bidding under a theory of defense of others; shall we protect the unborn with murder? Kentucky Law Journal 86:257. 269.

 

صالح الهماشي لعل من المتفق عليه ليس في الادبيات الاقتصادية فقط بل وفي عموم الحياة وبمختلف طبقاتها سواءً العلمية الاكاديمية او الواقعية العملية ان أي نشاط اقتصادي حتى ولو كان صغيرا فأن له مساهمة حقيقية وفاعلة في النمو الاقتصادي البلاد، لذلك فليس من الغريب ان نرى جميع دول العالم المتقدمة اقتصاديا تسعى لتوسيع نشاطها الاقتصادي وتنويع مصادر دخلها، للقيام بالعملية التنموية من جهة وتسيير أمور البلاد والعباد من جهة ثانية، ويتم ذلك من خلال الاستثمار التام والامثل لكل الموارد الطبيعية والجغرافية ،وطالما كان العراق واحد من اهم الدول التي تتمتع بموقع متميز على مستوى الخريطة السياسية او الجغرافية او الاقتصادية العالمية الامر الذي جعله هدف للعديد من الشركات العالمية، التي كانت وما تزال تسعى للاستثمار فيه الامر الذي يعود بالمنفعة للبلاد ويؤدي بالنهاية الى توفير الاف فرص العمل، وتعمل على تقوية وتعضيد الاقتصاد العراقي الذي هو بأمس الحاجة الى مثل هذه الاستثمارات، لكن ما يؤسف في الامر ان نرى الفساد من جهة وسوء الإدارة والتخطيط من جهة ثانية سواء كان ذلك مقصودا او غير مقصود او حتى ناتج عن اهمال على اقل تقدير يعمل على عرقلة مثل هذه المشاريع الاستثمارية، ولا يقف الامر عند ذلك بل ان بعض القرارات الارتجالية والغير مدروسة قد تجرنا الى تحميل العراق غرامات مالية جزائية اذا ما اخل العراق بهذه الاتفاقيات العالمية.

ان المقدمة السابقة قد لا يكون لها معنى ولا تترك عند القارئ الكريم أي قبول دون الإشارة ولو بشكل سريع وواضح وبدون أي مواربة الى بعض المشاريع التي تعتبر امثلة حية على سوء الإدارة وعرقلة عمليات الاستثمار داخل البلاد، ولعل واحد من هذه الأمثلة هو الغرامة التي تحملتها وزارة النقل بسبب عرقلتها للعقد المبرم بين الموانئ العراقية من جهة وشركة (العبد للنقل العام) من جهة أخرى عام ٢٠١٨ والذي تحمل العراق على اثر اخلاله بالعقد غرامات مالية وصلت لحد ٤٦ مليون دولار، وبالرغم من هذه الخسارة الغير مبررة والتي قد لا نجد لها مسوغ غير سوء الإدارة والعشوائية في اتخاذ القرارات الاستراتيجية، فان الامر لم يقف عند هذا الحد من الخسارة بل نجد ان هذه القرارات قد تكررت بصورة ثانية في قضية مماثلة وهي العقد المبرم بين العراق من جهة وشركة (منزيز البريطانية) من جهة اخرى ، وهي احدى كبريات الشركات العالمية في مجال إدارة وتوجيه المجال الجوي للدول والمطارات العالمية ونقل الافراد (الترانزيت) والنكوص الحاصل من جهة العراق في عقدها مع هذه الشركة الامر الذي قد يؤدي بنا الى غرامات مالية تصل الى ملاين الدولارات، مع خسارة الاتفاقية بما قد تجلبه للبلاد من فائدة مالية وسياسية، وتعيد للطيران العراقي وللأجواء العراقية المكانة المستحقة بين باقي الدول المنافسة التي بالرغم من انها لا تمتلك ما للعراق من مميزات لكنه تفوقه بمراحل كبير في مكانتها العالمية مثل تركيا او الامارات او قطر او غيرها من الدول التي قد لا تتورع لفعل أي شيء على المستوى الداخلي والخارجي لمنع مثل هذه العقود التي قد تهدد وتنافس مصالحها الاقتصادية ومطاراتها وما يدره لها من أموال وارباح كبيرة، تسد لها في بعض الأحيان افتقارها للنفط وتدر لها من الأموال ما تجعلها في غنى عنه مثل تركيا والامارات التي تعتمد في إيراداتها الكلية على قرابة ٣٠٪؜ من إيرادات المطارات والترانزيت .

كان من الممكن بل من المفترض ان يستفيد العراق مالياً واقتصادياً وحتى سياسياً من هذا الاتفاق ولكن الامر انتهى بأن يدفع العراق الملايين كتعويضات مالية وغرامات بسبب نكوصه على الاتفاق المبرم مع شركة (منزيز البريطانية) ومع الاسف وكما اعتدنا ان نرى العراق في السنوات الأخيرة نراه الخاسر الوحيد لكل ما يجب ان يكون ربحاً صافياً حلالاً له، لأسباب مختلفة منها الإهمال وسوء الإدارة، وشخصنة القرارات وتجييرها للصالح الشخصي على حساب المال العام، ولما لا يعلمه الا الله، ولعل هذه الصورة تعود بأذهاننا الى ملف ميناء الفاو الكبير، وكيف انتهى به الحال الى خربة ترتاعه رياح الخيبة والخذلان بعد ان غدا قرباناً ذبح على اعتاب ميناء مبارك الكويتي بالرغم من ان ميناء الفاو كان من المفروض ان يُنجز قبل سنين طويلة وان يرفد الخزانة المركزية العراقية بمليارات الدولارات سنويا، وقد لا ابالغ اذا وصفته بأنه من المفترض ان يكون الرديف الأمثل للنفط، والطوق الذي سيخلصنا من الاعتماد المفرط على الريعية التي لم تجلب للبلاد سوى الخراب.

ان الوضع العراقي الداخلي يحمل في طياته خطورة تتزايد مع تفاقم الازمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية تحت ضغط الشارع العراقي الملتهب والمطالب بالإصلاحات السياسية والاقتصادية التي كانت البطالة وعدم توفر العمل هي سببها الرئيسي ومحركها الأول، مع ملاحظة العجز الحكومي الواضح عن تقديم الحل الواقعي واكتفائها بالتعيينات المركزية في الدوائر العامة كحل لازمة البطالة، وتركها مئات الالاف من شبابنا يفترشون الأرض ويلتحفون السماء في ساحات الاحتجاج في انتظار أي مشروع حقيقي يوفر لهم الكرامة مع الحياة من خلال فرص العمل، ولا اعلم ما قول شبابنا اذا علم ان الحكومة قد فرطت في مثل هذه الاتفاقية التي بالإضافة الى ما توفره من الاف فرص العمل فانه ستجعل المطارات العراقية قبلة لما لا يقل عن ١٠ مليون زائراً في السنة الواحدة يدخلون بشكل مؤقت (ترانزيت) بعد ان كان ولايزال الرقم صفر، وللقارئ ان يتصور ما يمكن ان يفعله ١٠مليون وافد سنويا قابل للزيادة، وما يمكن ان يوفره من اموال قد تصل لحدود ٢٪؜ من الناتج القومي كبداية للالتحاق بباقي الدول، وكم عامل وفندق وأسواق وعربات نقل وخدمة وصورة مشرقة يمكن يشغله هذا العدد من الزوار سنويا.

 ان الانذار الموجه الى وزارة النقل العراقية من قبل شركة منزيز البريطانية بسبب عرقلتها للعقود المبرمة بينهما من قبل متنفذين في هذه المؤسسة الحكومية وبدون أي مبرر وبشكل يثير الكثير من علامات الاستفهام التي تعود عليها العراقيون في ظل تفشي الفساد المال والإداري في البلاد، وإن التهديد المباشر من قبل هذه الشركات بمقاضاة وزارة النقل وشركة الخطوط العراقية ودفعهم بالإيفاء بالتزاماتهم بالقانون قد لا يخسر البلاد مبلغ الغرامة المنصوص عليه في العقد بالإضافة الى حرمانها من مئات الملايين من الدولارات في وقت ان البلاد بحاجة الى كل فلس ودينار، بل انها قد تؤدي الى عزوف باقي الشركات العالمية عن دخول البلاد للاستثمار ليبقى البلاد بذلك في الركن المظلم في الوقت الذي تحقق مطارات تركيا والامارات وقطر كل يوم تقدما وانتصارا على حسابه، مستغلة ضعفه، ولا استبعد ان تكون متسببة بذلك

 

الخبير الاقتصادي صالح الهماشي

 

عبد الجبار نوريتوطئة: "لكل فعلٍ ردة فعلٍ تساويه بالمقدار وتعاكسهُ بالأتجاه" أنه قانون فيزيائي سوف أستعيرهُ بموضوعية لوصف السلوك الأجتماعي والسياسي للفرد العراقي .

هناك سؤال يفرض نفسهُ عن مدى مصداقية الفرد العراقي في الولاء، حينها راجعت مدونات علم الأجتماع السوسيولوجي والسايكولوجي رست قناعتي في الأستعانة بمنجزات الدكتور علي الوردي عالم أجتماع عراقي ومؤرخ عُرف بأعتدالهِ وموضوعيته وأسلوبهُ السلس، تشعر أثناء القراءة في بحوثهِ أنهُ يتحدث معك أكثر من كونه يكتب لك، في كتاباته حرارة وصدق وواقعية وعفوية وبساطة، مع الوردي يمكننا أن ننظر بعيني زرقاء اليمامة  الثاقبة إلى حقيقة المجتمع العراقي بدون أقنعة بعيداً عن المزايدات الزائفة والمتهافتة والعادات البغيضة والآيديولوجيات الغيبية الوهمية الغير خاضعة للواقعية الملموسة أضافة إلى أن لديه أكثر من 150 بحثا في هذا المجال وخصوصاً كتابهُ " دراسة في طبيعة المجتمع العراقي " وسوف أركز على طبيعة المجتمع العراقي بكل أيجابياته وسلبياته وتباين طبقاته وبالأخص البدو ومدى تأثيرهم في المجتمع العراقي وما سببه من آثارأستمرت مدى أجيال وأمتزاج الحضارة مع مجتمع البداوة وظهور الصراعات لعشرات العقود وبالتالي الأمتزاج معها بصراع طبقي يشمل مناطق الوسط والجنوب بدون كردستان لأن لها حكاية أخرى لأختلافها جيمورفولوجيا عن باقي مناطق العراق .

فهي محاولة متواضعة في تفسير بعض الظواهر الأجتماعية في المجتمع العراقي على ضوء ثلاث فرضيات : أزدواج الشخصية وصراع البداوة والحضارة والتناشز الأجتماعي، تلك هي حفريات الدكتور علي الوردي في الشخصية العراقية، والتي هي بمثابتة دراسة مقارنة لطبيعة المجتمع العراقي وبناه الظاهرة والمخبأة وصراحة أستطاع العلامة الوردي أن يصوغ مفاهيم أجتماعية توقف عندها الزمن وشغلت الذين جاءوا بعده لآنها كانت ولا زالت بمثابتة الشرارة التي فتحت نيران الأسئلة حول بصمات طبيعة الشخصية العراقية.

أن ما تعرض لهُ المجتمع العراقي عبر تأريخه المئوي منذ تأسيس حكومته الوطنية في 1921 الكثير من المطبات والكوارث الطبيعية والأجتماعية والأنظمة الشمولية وفيضانات مدمرة والطاعون تتمثل بأفعال فيزياوية تتقارب من صدمات كهربائية هزت كيان الفرد العراقي وحفرت شقوقاً في اللاوعي وعملت على صياغة شخصية الفرد العراقي الذي يصفهُ علي الوردي في كتابه الموسوم " دراسة في طبيعة المجتمع العراقي " يقول : { لقد أجمع علماء الآثار أن وادي الرافدين كان مهبط حضارة تعد من أقدم الحضارات في العالم، وقد شاركهُ بهذه الميزة " مصر " وقد أختلف  بعض العلماء حول أيهما أسبق حضارة من الآخر، ليس هذا المهم أنما ما يهم هو معرفة أن العراق أحتضن منذ بداية التأريخ البشري حضارة مزدهرة، وأزدهرت في العهد العباسي حتى صارت بغداد العاصمة بودقة أجتماعية ضخمة تذوب فيها خلاصة ما أبدعهُ البشر من تراث حضاري}أنتهى .

لقد شخصتُ بعض من العادات السيئة المستلبة في شخصية المجتمع العراقي كردود أفعال جراء مؤثرات عنف الطبيعة والغزوات والأوبئة والفيضانات والمجاعات والنظم الشمولية، وكذلك أن أبرز الأفعال المؤثرة في طبيعة شخصية الفرد العراقي هي الحقبة (العثمانية) خلال أربعة قرون الأخيرة مما جعل جغرافية أرض الرافدين منطقة صراع بين الفرس والأتراك لأستغلال مواردها الطبيعية، والنزوحات البدوية والأنقلابات العسكرية المتكررة، والأحتلال الأمريكي في 2003 والتعسف الأرهابي الداعشي والأنفلات الأمني وأستقواء الميليشيات وغياب القانون كل هذا الكم الكارثي المستلب كانت مخرجاتها هذه الحفريات العميقة في شخصنة الفرد العراقي: 

أن تقارب الجسور الجغرافية لوادي الرافدين من الجزيرة العربية وصحرائها السالبة كانت قد دفعت بموجات بدوية الواحدة تلو الأخرى عن طريق الفتوحات أو عن طريق التسلسل التأريخي، لابد من هذه الموجات لها وقعٌ كبير كفعل فيزياوي مؤثر لوقوع الشعب العراقي بين نظامين متناقضين من القيم الأجتماعية :نظام- قيم البداوة الأتية اليه من الصحراء المجاورة وتلك البداوة ونزوعها إلى الحرب بروح قبلية بالأستقواء بمفاهيم القوة والعزة وعشق الحرية والمثل الثقافية البدوية مثل الأجارة والغيرة وقيم الضيافة وأيواء الطريد، ونظام - قيم الحضارة المنبعثة من تراثه الحضاري القديم، فكان ردة الفعل : أن يعاني الفرد العراقي صراعاً أجتماعياً وثقافياً على توالي الأجيال فهو من ناحية لا يستطيع أن يطمئن إلى قيمه الحضارية زمناً طويلاً ولا يستطيع أن يكون بدوياً لأمتلاكه وفرة المياه وخصوبة تربة الرافدين تضطرهُ إلى تغيير القيم البدوية الوافدة أليه لكي يجعلها ملائمة لظروفه الخاصة فقد أنفتح أمامه طريقان متعاكسان فهو يضطر أن يسير فيهما في آنٍ واحد، فهي :-

- (الأزدواجية) في شخصية الفرد العراقي كردة فعل ، يقول الوردي في هذا الموضوع: (العربي بدوي في عقله الباطن مسلم في عقله الظاهر)، ومن الأفعال التي صدمت الفرد العراقي عبر أربعة قرون من الصراع العثماني العربي وأبتلاء المجتمع العراقي بكثير من التناقضات والرؤى المتقاطعة في مختلف المساءل الفقهية والفلسفية والسياسية والثقافية وكانت ردة الفعل أن يقع الفرد العراقي ضحية هذا الصراع وأكتفى أن يتقمص بعضاً مما أستجد من أفكار ورؤى وسعى أن يكون جزءاً منها بدون أن ينزع جلباب العشيرة والطائفة والمنطقة ويتخلص من دائرتها الضيقة ينطبق عليه قول نزار قباني: (لبسنا ثوب الحضارة والروح جاهلية)، والحصيلة الحداثوية اليوم أن الفرد العراقي تغيّر سريعاً في الجوانب المادية ولكنهُ تغيّر ببطء في الجوانب الثقافية والقيمية .

- التناشز الأجتماعي الذي يميّز المجتمع العراقي والذي هو التفاوت في التغيير الأجتماعي وهو مولد للمشاكل الأجتماعية من أبرزها ظهور أزدواج الشخصية، ويؤثر سلباً على البنى الفكرية للأفراد ويغلق منافذ الوعي والتفتح الثقافي لتلوث اللاوعي في الذات البشرية بالرواسب القبلية والعادات العشائرية التي هي وريثة البداوة الصحراوية، ويقول الوردي في في كتابه (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي): سيبقى التناشز الأجتماعي شاخصاً في حاضرنا ويخترق هيكليتنا الأجتماعية دون النظر في التغيير .

- الصراعات الدائمة والمتوارثة في المجتمع العراقي كصراع العشائر مع بعضها وصراع الحكومات ضد العشائر، وصراع الحضر البداوة وتعبير أدق صراع المدن مع الأرياف .

- ظاهرة التديّن في التشيع والتسنن والتصوف .

- الأزدواجية الشخصية في المناطق الحضرية .

- ظهور نخبة النفاق الأجتماعي المتمثلة بوعاظ السلاطين التي ظهرت جلياً منذ العهد العباسي وتمحورت بشكل طبقة واضحة مع العصرنة الحالية .

- أجمع علماء الأجتماع أن في صفات (البعض) من الشخصنة العراقية الغوغاء واللصوصية ونزعات جرمية وتخريبية .

- والبعض من المجتمع العراقي سماع للسوء ميال للفوضى .

- أن الشعب العراقي اليوم منشق على نفسه وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر من أي شعب عربي .

- أهتزاز المنظومة الأخلاقية للمجتمع العراقي في العهد الأمريكي

 

عبد الجبار نوري - كاتب وباحث عراقي

 

المصطفى سلاملا يختلف دارسو السرد في كونه جزءا من الزمن / التاريخ، وشكل من أشكال الحضور في ذاكرة الأشياء والكائنات والكيانات، بمعنى أكثر؛ الحضور في ذاكرة الأمة وترسيخ هويتها أو تجذ يرها في التاريخ. وقد لعب السرد في تاريخ الشعوب دورا مهما في تجذير ذاكرة الأشياء والفضاءات والكائنات وحفظها من آفة المحو والغمر ... كما أنه جزء من عوالم الإمكان أو لنقل إنه آلية من آليات اشتغاله  . ويتأطر السرد ضمن ثلاثة أسئلة كبرى:

- سؤال الفعل

- سؤال السلوك

- سؤال الكينونة أو جدوى الوجود  .

من هذا المنظور، تتأسس قراءتنا  لرواية " المغاربة"  والتي حظيت بقراءات ودراسات مختلفة ومتنوعة . تنطلق هذه الرواية من تبئير حكاية محمد الغافقي قبل أن يصيبه العمى وبعد أن أصبح أعمى من جهة أولى. ومن جهة ثانية تبئير الحكي أو السرد حول فضاء بني ملال. وتتم عملية السرد بالتناوب بين كل من محمد الغافقي وأخيه عبد الهادي العسكري.

الرواية نص يسرد كينونة أو هوية فضاء بني ملال، وهي هوية متجذرة في التاريخ  المغربي المعاصر، وراسخة في جغرافيا المدن المغربية، والسارد هنا يتناوس بين فضاءين: فضاء دار الباشا وما تحمله من دلالات تاريخية وتراثية وسياسية وسلطوية وثقافية ...ثم فضاء المدينة وكيف أخذ في التشكل عمرانيا وسياسيا واجتماعيا.

يسرد هذا النص الفعل الإنساني سواء كان فردا أو جماعة، سلطانا أو رعية، مؤرخا أو فقيها أو سياسيا .، مناضلا أو انتهازيا، معارضا للسلطة أو منخرطا في لعبتها. إنه نص يستنطق فعل السلاطين والباشوات والمسؤولين في هذه الجغرافيا / الفضاء، فعل السياسي والإعلامي، فعل الفقيه والمثقف ... ثم علاقة هذا الفضاء كهامش بالمركز: كيف كانت الخيوط تمتد أو تتقلص بين المركز والهامش في تاريخ السلطة المغربية، طبعا الأمر يتعلق بالخيوط السياسية والاقتصادية والإدارية...بين بني ملال أو إيالة تادلا  بني ملال ومراكش أو الرباط ...لقد كان هذا الفضاء أو الإقليم محطة عبور من ...إلى ...

إلى جانب ذلك، يرصد السارد عبر رؤيته كيف كان نمط العيش في هذا الفضاء: لغة وتقاليد وعلاقات اجتماعية ومنظومة قيم وتمثلات ذهنية . هذا الفضاء بأبعاده الجغرافية والسياسية والتاريخية تؤثر فيه الطبيعة والحرب، رسم حدوده المجاعات والأوبئة، وتعيد تدبير سياسته الحَرْكات والحَرَكات، وتصنع مصيره جهات نافذة اقتصاديا وسياسيا. لقد تم تسريد هذه الموضوعات في الرواية بالموازاة مع دينامية الحدث وامتداداته  عبر مسافات سردية متنوعة.

لقد اتخذت هذه الرواية " المغاربة " عنوانا لها، والمغاربة جمع لمغربي المنسوب إلى المغرب، وهذا ما يجعلها تعني الكل، فهي ليست خاصة، إنها عنوان لهوية مركبة غير بسيطة . " المغاربة " مسمى أو دليل، أي علامة تتسم بالامتداد والتجدر في الماضي والانفتاح والتوسع في الحاضر، تجدر في التربة الدينية الملتبسة بالسياسة ، أو كيف ينبتق السياسي من جبة الديني ؟. التحضر عند المغاربة ملتبس بالبداوة، حيث لم نصل بعد إلى الفصل بين البداوة كنمط عيش في البادية والتحضر كنمط عيش في المدينة . المديني لم يتحرر من الريفي في نمط عيش المغاربة،  وهذا من بين الأسئلة العميقة في الرواية . إن المغاربة خصوصية في كل شيء.

الرواية والتاريخ:

حفلت الرواية في بناء متخيلها بالمادة التاريخية، حيث يلمس القارئ حضورا قويا للتاريخ إلى جانب مكونات أخرى مثل اللغة والأدب والفنون.. وكأنها بذلك متحف وضع فيه الروائي هذه الهوية في كليتها.

يدل التاريخ على توالي أحداث العالم على مر الزمن، أي الوقائع التي جرت أو حدثت في الماضي. والتاريخ ظاهرة  اجتماعية منتسبة إلى الماضي . إنه عند الدارسين: علم الإنسان بالماضي: يدرس صيرورة الأرض والسماء والأنواع كما يدرس الحضارة  .  وتثار حول التاريخ مجموعة من الأسئلة تخص: الحقيقة ؟ الذاتية؟ الموضوعية؟ علاقته بالسلطة؟ ...حيث هناك من يرى بأن التاريخ علم سلطوي، وعي بالسلطة . ويقترن وجودا وتحققا بمقولتين سلطويتين: الانتصار أو الهزيمة. إن التاريخ ينتج ويعاد إنتاجه ضمن مؤسسات السلطة، سواء كانت سياسية أم دينية أم اجتماعية أم علمية .في مجال السلطة السياسية يساوي مؤرخ السلطة بين الانتصار والحقيقة، ويربط الحقيقة بالمنفعة، فمن انتصر كتب تاريخه وهو الحقيقي  . ويتجلى هذا الأمر على مستوى الكتابة والتدوين، فإذا كان التاريخ يحدث مرة واحدة، فهو يكتب أكثر من مرة، وهذا يكشف عن المفارقة بين الحدوث والكتابة أو الرواية، أقصد رواية التاريخ نفسه . وهنا يخضع لتعديلات وتغييرات  تتحكم فيها مصالح وأهواء وتتخذ مصائر وأحوالا.

وإذا كانت الرواية عملا تخييليا جماليا مقترنا وجودا بالحاضر، فهي تعمل على استحضار المادة التاريخية، وهذا الاستحضار يتأسس على مبادئ مثل الحوار أو التفاعل أو التناص . وما يبرر للرواية ذلك هو كونها جنسا أدبيا غير مكتمل، تتفاعل داخله الأصوات والنصوص والخطابات ...غير أن ذلك يمكن تأطيره من خلال بعض المحددات مثل:

- الإرادة الإنسانية: حيث نشاه التاريخ رهينة بالإرادة الإنسانية، كما أن الحقيقة التي يحملها خاضعة لتلك الإرادة . وعندما ينتقل الحدث التاريخي إلى الخطاب الروائي هناك إرادة الروائي أيضا أو مقصديته . لماذا استند الروائي إلى التاريخ؟ وما هي رؤيته لذلك؟ وماذا يضيف المكون التاريخي إلى النسق الروائي جماليا وفنيا؟

- الذاكرة: هي هوية الأفراد والجماعات، ومثلما تتأسس على مكونات ثقافية مختلفة تتشكل أيضا من التاريخ، وبالتالي نتحدث هنا عن تاريخ الذاكرة الإنسانية عامة. وقد ساهمت الرواية عبر تاريخها في بناء وتشكيل أو ترسيخ هذه الذاكرة .

- الحاضر: له تأثير قوي ولافت  في الكتابة الروائية  ومسألة  التشخيص السردي  للقضايا الإنسانية وللتحولات السوسيو اجتماعية، حيث هناك استجابة دوما لأسئلة الحاضر الحارقة. كما أن إعادة النظر في التاريخ أو استحضار ه أو استلهامه  يشكل بدوره جوابا عن أسئلة يفرزها الحاضر . وكما قال سارتر: التاريخ محدد بالاستعادة القصدية للماضي عن طريق الحاضر .

انطلاقا من هذا التصور لكل من التاريخ والرواية كخطابين يتفقان في أمور ويختلفان في أخرى، يمكن لنا أن نطرح السؤال التالي: كيف تم استحضار التاريخ إلى خطاب رواية " المغاربة " ؟

بدءا من العنوان، يستحضر القارئ التاريخ، حيث لا يمكن تمثل " المغاربة " كشعب أو أمة دوت تاريخ . وبالتالي فلا بد من استحضار هذا البعد التاريخي بالقوة والفعل . هكذا يؤسس العنوان كعتبة هذا الأفق عند القارئ في التلقي قبل الولوج إلى عوالم النص ومداراته خلال عملية القراءة .

يؤسس التاريخ حضوره في الرواية من خلال صيغتين أو شكلين: تاريخ عربي عام من خلال استحضار وقائع تاريخية عربية مثل عزل الملك فاروق يوم 26 يونيو 1952. وكيف تخلى عن السلطة والنفوذ والأبهة مرغما . يقول السارد مقارنا بين الباشا والملك فاروق:" ومن هناك كنت أتأمله، كان يشبه الملك فاروق في تلك الصورة الحزينة  التي يودع فيها مصر ليركب باخرة المحروسة تاركا مصر لحكم العسكر .....لكن فاروق، يوم 26 يونيو 1952 وهو يغادر قصر رأس التين، كان يعرف أن كل شيء انتهى، فلا يرى إلا انهياره الداخل "   ثم تاريخ خاص: عزل باشا مدينة بني ملال أو ما يعرف في الكتابات التاريخية   المغربية بإيالة بني ملال، يقول السارد:" لكن ما الذي يحزن الباشا إلى حد أنه يجعله على حافة البكاء؟ وأي ملك خلفه وراءه ؟ ....كيف سيتحمل الحياة في هذه المدينة الصغيرة الصامتة الكئيبة ...؟"

الصورة الأولى لحضور التاريخ في الرواية:  يتأكد حضور المادة التاريخية في المتن السردي للرواية برواية تاريخ أسرة أو عائلة باشا مدينة  بني ملا ل وكأن التأريخ لهذه العائلة تأريخ للمدينة . لقد استدعى الروائي مرجعية تاريخية مهمة لبني ملال من خلال عائلة الباشا بوزكري وابنه عبد السلام وما عرفته تلك الفترة من أحداث وصراعات وحروب وتحولات في السلطة ومناورات بين السلطات المركزية والقبائل أو ما يعرف بالصراع بين المخزن والقبائل . هنا يكشف التشخيص السردي  المستند إلى المادة التاريخية دور القبيلة كمفهوم مركب في صيرورة الأحداث إلى جانب المكون الديني وكيف كان القياد يسوسون الإيالات " الأقاليم " ويعالجون تمرد القبائل ويضمنون تحلفها أو يكسرون شوكة  القوية منها . لقد كان للقائد بوزكري دور فعال في الوساطة بين السلطة المركزية والقواد الثائرين من جهة  ثم القبائل المتمردة والزوايا الدينية المؤثرة . يروي السارد، استنادا إلى المادة التاريخية  دور الوساطة التي كان يقوم بها الباشا للمستعمر: " أجمعت كل الوثائق التاريخية على أنه كان وراء مفاوضات استسلام كل قبائل تادلا، بل كان وراء دخول الاحتلال في 16يوليو 1916 إلى قصبة بني ملال بدون قتال . وفي 21 منه، أقيم استعراض عسكري ووشح القائد بوزكري من لدن ليوطي نفسه بوسام اعترافا له بجهوده في استسلام مواطنيه، وتلطف وسماه في كلمته – تهدئتهم لما فيه خير للجميع – "   . بهذه الصورة البانورامية ستكشف الرواية عن تاريخ هذه المدينة وكيف تشكل في ظل ظروف تاريخية خاصة .

إلى جانب استحضار تاريخ هذه العائلة، تم استدعاء تاريخ تأسيس حزب الاستقلال بالمدينة والذي صادف تعيين عبد السلام خلفا لوالده بوزكري، وكيف كان يتعامل  مع هذا الحزب من خلال سلطة الحماية ثم حدث عزل أو نفي السلطان محمد الخامس، ورد في النص ما يلي: فحين أراد الباشا  الكلاوي وبإيعاز من سلطات الحماية عزل محمد الخامس، وتولية فرد آخر من الأسرة الحاكمة مكانه ...تذكر ما قيل له، لم يتسرع، ولم يبد موقفه بوضوح، ووضع كما فعل والده دوما رجلا هنا ورجلا هناك . فالسياسة ليست علما دقيقا، ولا أحد يعرف من ستؤول له الأمور ....و نجح طيلة الشهور التي اشتدت فيها الأزمة في أن يكون في قائمة الفريقين، وكلما خلا إلى فريق قال لهم: أنا معكم . وحين نفي محمد الخامس بايع بن عرفة ..."   . هذه الوقائع التاريخية شكلت إطارا عاما لمدينة بني ملال باعتبارها الفضاء المركزي والمحوري في الرواية . وكأن الأمر يمثل نموذجا أو مثالا للمدينة المغربية عامة التي تأسست في ظل ظروف متشابهة .

التاريخ مادة ومكون أساسي نستحضره لفهم الحاضر والآن، غير أن هذا الاستحضار لم يكن موضوعيا أو حياديا بل تم من خلال رؤية السارد وبالتالي رؤية الكاتب، يمكن أن نتأمل هذا المقطع السردي: " كنت أرى الباشا وهو يحيي الناس بتثاقل وملل، وأقول لنفسي، ربما ليس للحكايات التي يتداولها الناس عن عائلته من الصحة إلا الأسماء والتواريخ، أما الباقي فتلفيق فيه من الخيال وتصفية الحساب المتأخر أكثر مما فيه من الحقيقة (ص 104)...

الصورة الثانية التي تم استدعاء التاريخ بها إلى عالم  الرواية:  هي اعتماد ما يمكن تسميته بهوية  "المغاربة " وذلك لكون هذه الأخيرة هوية مركبة وليست بسيطة، فقد تشكلت عبر طبقات ثقافية، ساهم في تشكيلها الديني والطبيعي والتاريخي والسياسي والقبلي ...و يدرك القارئ هذه الصورة من خلال ما عنونه الروائي ب: هذيانات مغربية  وقد قسمها إلى ثلاثة أبواب:

- باب المغاربة: في هذا الباب قدم هوية المغاربة من خلال مجموعة من السمات مثل علاقتهم بالسلطة، جاء في الرواية:  "فالمغاربة لا يحرسون الذكرى إلا إذا كانت تتكئ على سلطة قائمة (ص 109) .." وهذا أمر تؤكده الوقائع التاريخية حيث هناك أحداث ومناسبات احتفظ بها المغاربة لاستنادها إلى السلطة، سواء كانت سلطة سياسية أم سلطة دينية . إن ذاكرة المغاربة تاريخها متأسس على ماضيهم، أي أن حاضر المغاربة مبني على الماضي، كيف كانوا ؟ كيف تشكلت هويتهم ؟ سياسيا ودينيا واجتماعيا وطبيعيا ... يضاف إلى ذلك  ذهنية المغاربة ، فقد ورد في الرواية: " لأن المدن التاريخية لهذا البلد، وطيلة قرون كانت بالأساس محطات تجارية في الطريق العابرة للصحراء، ولأن مدنه الشاطئية، كانت هي أيضا، عبارة عن وكالات تجارية، فقد ازدهرت العقلية التجارية وصاغت بأناة أرواح المغاربة الذين صاروا لكل شيء، وبالنسبة لهم ثمن، وأعلوا إلى مقام القول المأثور بأن الشيء الذي لا يباع ولا يشترى حرام . لا تستغرب أن ترى، إذن، كل من في البلد يطلب من الوطن مقابلا، المقاوم والمناضل، والسياسي والمثقف، والرياضي، والفنان، ورجل  الدين...بلد ضاع بين نقائض كثيرة: الإسلام والوثنية، المخزن والسيبة، القبيلة والوطن، الأندلس والصحراء. .. وفي مقطع آخر، يتابع السارد سرده راصفا بعض خصوصيات هذه الهوية المركبة: " تعرض المغرب لقسمة ضيزى  وهو يستقبل الهجرات العربية، فالقبائل الشامية والمتاخمة للشام والعراق حيث تأثير الحضارات  الفارسية واليونانية والرومانية والبيزنطية عبرت توا إلى الأندلس، وكان من نصيب المغرب عرب نجد والحجاز واليمن: الرعاة والمحاربون، فلا غرابة أن يزدهر في الأندلس الشعر والغناء وأناقة اللباس والمأكل ورغد العيش، وأن تزهر هنا الخيام وبعر القطعان والشواء والسيف.."  .

الصورة الثالثة التي تمثل  بها التاريخ في رواية "المغاربة " تم من خلال اكتشاف مقبرة من الجماجم خلال بعض الأعمال (وجود جماجم دون هياكل) مما كان مناسبة لإثارة أسئلة دون أجوبة: لمن هذه الرؤوس ؟ لماذا دفنت هنا ؟ من المسؤول عن ذلك ؟ هي أقرب إلى الإعدامات الجماعية  التي وقعت في تاريخ المغاربة، جاء على لسان السارد: " وقعت هذه الإعدامات الجماعية فيما عرف بمحنة الاعتراف التي قام عبد المومن بن علي الكومي ثاني ملوك الدولة الموحدية، واقتدى فيها بمحنة التمييز التي أشرف عليها المهدي بن تومرت مؤسس الدولة . وهي تصفية دموية باردة وجماعية للخصوم والمعارضين بدعوى أن إيمانهم ضعيف وإخلاصهم مشكوك فيه . وربما هذه الجماجم المحيطة بنا هي الشواهد المتبقية من جرائم الاستفراد بالحكم والتعصب الديني الأعمى الذي كان يقتل فيه الناس جماعات على ترك الصلاة ....

الصورة الرابعة للتاريخ في الرواية: تاريخ اليسار المغربي، وكيف كانت المدينة فضاء احتضن هذا التيار الفكري الثوري، جاء في النص:  في شهر رمضان سنة 1960، وقع بني ملال حادث أثبت له بأنه كان على حق في كل توقعاته، فقد اندلعت ما صار يعرف في أدبيات اليسار، بانتفاضة القايد البشير بن التهامي، الذي اغتال رفقة القايد حمو الفاخري عميد الشرطة أوقبلي وفرا إلى الجبال المجاورة لبني ملال، وهناك هاجما، رفقة من انضاف إليهما (يردد الباشا أسماء قادة جمهورية تاكلفت الخاطفة واحدا واحدا ...أسسا جمهورية شعبية أوهى من زخة مطر في سمائم أغسطس..

الصورة الخامسة لاستحضار التاريخ في الرواية، تمت من خلال تاريخ تأسيس الفديك (جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية) في 20 مارس 1963 . من خلال الإشارة إلى رموزها والغاية من ذلك، ثم هناك إشارة إلى أحداث مولاي بوعزة سنة 1973 (ص 193) .

باب السلاطين: تضمن هذا الباب جزء من المادة التاريخية، وهو ما يشكل الصورة السادسة لحضور التاريخ في الرواية، يتعلق الأمر كيف استقبل المغاربة إدريس بن عبد الله الأعزل الهارب من الشرق، وكيف بايعه المغاربة: " حين كان شيوخ أوربا، القبيلة الساذجة، يبايعون إدريس بن عبد الله الأعزل الهارب من الشرق رفقة مولاه راشد، ويقولون: هو سيدنا ونحن العبيد ...و حين بايعوا ابنه وهو طفل في سن إحدى عشر سنة، كانوا يضعون لبنات في تاريخ طويل لاحتقار الذات والعبودية المختارة ...  " . كما ذكر السارد بعض الوقائع التاريخية التي اقترنت ببعض السلاطين مثل: "كانت زينب النفزاوية وهي – بحسب وصف ابن خلدون – من المشهورات بالجمال والرياسة زوجة ليوسف ابن علي بن وطاس شيخ وريكة، ولما تغلب عليه لقوط بن يوسف المغراوي اتخذها زوجة له، ولما قتل أبو بكر بن عمر المرابطي لقوط تزوجها هو أيضا، لكنه اضطر إلى العودة إلى الصحراء فاستخلف وراءه على تراب المغرب وعلى زوجته يوسف ابن تاشفين . وهكذا لا يكتمل امتلاك الأرض إلا بامتلاك المرأة . لذا لا غرابة في أن يبقى الفقهاء، وحتى مجيء الاستعمار يتجادلون: هل فتح المغرب عنوة أم صلحا ؟ أو عنوة وصلحا في الآن نفسه ؟ كأنهم يقيمون وضعية جارية في سوق نخاسة لا وطنا وشعبا وهوية متجذرة . . "  وهناك مثال آخر ذكره السارد، يقول: " إن أرهقت الضرائب أو عسف القواد قبيلة فتمردت وقتلت القائد، وأغارت على القوافل التجارية المارة بالقرب منها أو القبائل المجاورة، كان السلطان يغضب ويعد حملته المدمرة، فيحرق الزرع ويسبي النساء والأطفال والأنعام، ويهدم الدور، ويعود بحصاد وافر من المساجين والرؤوس التي تعلق للعبرة في أبواب وأسوار المدن، هذه العين بالعين، لم تخلف في البلد كما قال غاندي، إلا عميانا . " . إضافة إلى أمثلة انتقاها السارد مصادر تاريخية متداولة ومدونة في المادة التاريخية المغربية مثل: المعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي وإتحاف أعلام الناس لعبد الرحمن بن زيدان ومناهل الصفا لعبد العزيز الفشتالي .....

تاريخ المغرب كما ورد في " المغاربة " اقترن بسلاطين كثر، حكموا البلاد ومارسوا السلطة، وغلبت على تجاربهم أو ممارستهم: الاغتيالات والقتل والتمرد والعصيان والخيانات ...و من خلال هذه الأمثلة، استنتج السارد بخصوص التاريخ المغربي أو الكتابة التاريخية أنه يجب أيضا تاريخ الخيانة في هذا البلد   .

باب الأولياء الصالحين: في هذا الباب، ذكر السارد من خلال شذرات بعض وقائع الأولياء الغريبة  العجيبة . حيث لهذه الفئة الاجتماعية حضور قوي في تاريخ المغاربة . كما أن ذهنية المغاربة ومتخيلهم أو لا وعيهم الجماعي تأسست على هذا المكون الديني أو القدسي الذي لم يكن متطابقا مع الحقيقة الدينية، بل هناك انحرافات  أو شطحات  خارج المعيارية الدينية . وهذه الثقافة الدينية كما رسخها الأولياء وتفاعل معها المغاربة  وتأثر بها وجدانهم ونمط تفكيرهم، إلى درجة حيازتها لقداسة عندهم، ويمكن أن نستشهد بمثال  من الرواية:

- حين أدرك الموت أبا يعزى آل نور، ألح في طلب ابنه الفاجر، العاق، الذي ابتعد عنه. وحين جاء به تفل في فمه، وفهم كل من حضر الواقعة بأنه يعهد له بأمور الزاوية الكبيرة والغنية من بعده . كانت التفلة وصية وإرثا . (المعزى في مناقب الشيخ أبي يعزى)

- طمع مولاي رشيد في مال الشيخ علي بن عبد الرحمن الدراوي مؤسس زاوية تمدجوت، وتعدى ذلك بأن عامله على تادلا بأن يأمر الشيخ ببعث أمة فاتنة اسمها مباركة للبلاط أو يستصحبها معه، رد الشيخ على هذا الطلب "لما طلب المال أعطيناه، لكن على مباركة تقوم المعاركة " (دوحة البستان في مناقب الشيخ علي بن عبد الرحمن) ....

على سبيل الختم:

الرواية فن متخيل ينفتح على النص الثقافي في كليته وشموليته، والتاريخ مكون من هذه مكونات ذلك النص، واستحضاره إلى مدارات التخييل الروائي إعادة بناء له من جديد وتأويل معانيه ودلالاته . هذا الاستلهام للمادة التاريخية كما رأينا: أمثلة، شخصيات، عائلات، وقائع وأحداث ...لها دلالاتها ورمزيتها في تعميق الشعور بثراء الذاكرة التاريخية والرغبة في نقدها وغربلتها . اي إعادة الوعي بها ضمن أفق تأسيس وعي جديد بالهوية المغربية . هكذا تأسس الحضور التاريخ المغربي إلى عالم الرواية بسبب أزمة الحاضر وانشغالات الراهن واسئلته المشحونة بالتناقضات والتوترات.

الرواية خطاب منتج للمعرفة وبالتالي ساعدت القارئ على معرفة تاريخ هذا الفضاء وتاريخ هذا الإنسان ومعرفة هويته المركبة ...لقد سعت الرواية إلى مساءلة تاريخ المغاربة المكتوب سواء من حيث الانتقاء لنصوص ومقاطع من مصنفات تاريخية معلومة ومشهورة ومتداولة، أو من حيث الأسلبة التي خضعت لها الخطابات التاريخية في كثير من مقاطع الرواية أو من حيث جعل التاريخ مؤطرا للحكاية وخاضعا لرؤية السارد الذي يؤول ويسأل ويسخر أحيانا  (و هنا صوت آخر للكاتب) . بهذه الصورة، يكون التاريخ الرسمي فاقدا لكثير من الصحة ومقبرا للحقيقة  أو مغيبا لها .

إن استدعاء التاريخ إلى خطاب الرواية هو استدعاء للمساءلة، وإتاحة الفرصة للقارئ المغربي والعربي أن يقرأ التاريخ عبر الرواية . ولتجاوز هالة القداسة التي تطبع هذا التاريخ المكتوب وتحيل إلى مواقع الصمت في كلام المؤرخين .

 

د. المصطفى سلام

 

عبد العزيز كحيلالعلمانية العربية منهج فكري لتغيير الحياة ليست حيادية تجاه الدين إنما هي حرب على الإسلام، إنها غواية في شكل هداية، ترفض الإسلام في منطلقاته وأهدافه وأدواته، وهي التطرف المسكوت عنه.

والعلمانيون في فضائنا مسلمون لكن على طريقتهم الخاصة.

بداية القضية أنهم لا يأخذون تصوراتهم عن الله والكون والإنسان والحياة من الفكر الإسلامي ولكن من الثقافة الغربية التي يعدونها هي وحدها الثقافة والعلم والمعرفة، وبما أن الدين في الغرب ظاهرة إنسانية يقوم الناس بتطويعها والتصرف فيها فهم لا يتناولون الإسلام إلا من هذا المنظور أي يقيسونه على المسيحية ويريدون له أن يتطور كما تطورت لينتهي إلى "العلمنة" و "الأنسنة"، لهذا نجدهم ينتقدون المتدينين والفقهاء والخطاب الديني من خارج الجسم المسلم، فهم لا يدخلون المساجد ليسمعوا خطابها ويختلطوا بروادها ويعيشوا أجواء الأخوة الايمانية، ولا يناقشون المتدينين بل يتعالون عليهم، ولا يعترفون بعلم علماء الدين ويصمونهم بالجمود والتعصب بينما يرون في أنفسهم العظمة والكبرياء والهيبة، أي هم مصابون بآفات الصلف والغرور والكبْر، هذا ما يمنعهم ابتداء من أن يكونوا مثل باقي المسلمين، وهذا ما يُسلمهم حتما إلى موقف فكري أقرب إلى الجحود، وإلى موقف سلوكي كله اعتزال للمسلمين وتضايق من الإسلام الذي يعرفه الناس منذ 15 قرنا من الزمن.

يطالبون بتجديد الخطاب الديني بل بقراءة جديدة للإسلام فيها قطيعة مع جميع القراءات من داخل الكيان الإسلامي ليتوافق مع فلسفة الغرب ونظرته إلى الدين والإنسان أي حتى لا يبقى هناك دين أصلا إلا خيط رقيق واهٍ يسكن قلوب العجائز.. يتناولون الإسلام وكأنه موضوع فكري بحت ليس فيه مقدس ولا وحي، هو موضوع يصلح فقط للنقاش وخاصة للنقد اللاذع الذي لا يعترف بثوابت ولا محكمات، إنهم يريدون – كما قال الشيخ البوطي رحمه الله – "الجلوس على مائدة مستديرة يناقشون كلام الله وأحكامه وحلاله وحرامه"...أجل، يناقشون لأنهم بعيدون عن الالتزام به والامتثال لمقتضياته، مشكلتهم أنهم "مسلمون" لكن لا يوجد في أفئدتهم خشوع ولا خشية ولا محبة لله تعالى ولا توقير له ولرسوله وأوامره ونواهيه، لا يسلّمون أن الإسلام ليس عقلا فحسب بل هو عقل وقلب في تلازم حتمي، يرون الإسلام عملا وبناء وعمارة وسعيا من أجل الحياة الدنيا، وهذا صحيح لكنه قبل ذلك صلاة وعبادة وفرائض ونوافل وواجبات ومحرّمات...وهذا بيت القصيد: العلمانيون يتبرمون من هذا الإسلام الذي فيه تكاليف ومشقات وهم يريدونه كالمسيحية لا تكاليف فيها ولا مشقات، وهذه هي المشكلة: غياب الوازع الديني والإيماني من هذه القلوب "المسلمة"، فهؤلاء رغم إسلامهم ليس لديهم يقين، وهم بعيدون في حياتهم عن الله، لا صلاة لهم ولا ذكر ولا تلاوة...تماما كالمسيحيين، حتى لو كان لديهم يقين عقلي فإنه لا يكفي حتى تتوفر معه حرارة الإيمان كما هو معلوم من قطعيات القرآن والسنة.

وبسبب هذا الفصام النكد يرفضون وصف الإسلام بأنه نظام حياة ويفضلون – في أحسن الأحوال – وصفه بدين الحرية والعدالة والمساواة، وهذا صحيح لكنه قبل ذلك عقيدة راسخة وعبادة تستوعب العمر ووحي إلهي يذعن له الجميع، وهو نظام متكامل شامل لشؤون الدنيا والآخرة والروح والجسد والفرد والجماعة والأسرة والمجتمع والحرب والسلم.

بناء على هذا نتأكد من الفرق الهائل بين التجديد الذي يطالب به المتمسكون بدينهم وبين التبديل الذي هو بضاعة العلمانيين.

يزعم العلمانيون أنهم لا يناقشون الإسلاميين لأن هؤلاء متعصبون يرفضون النقاش والحوار، وهذا بهتان مبين، والمشكلة هي أن العلمانيين دأبوا على فرض قراءاتهم وآرائهم كأنها حقائق مسلّمة لأن المفكرين الغربيين انتهوا إليها، فإذا ردّ عليهم محاوروهم بأن هذه الآراء شيء آخر غير الإسلام الموجود في القرآن والسنة كثُر صراخهم واتهموهم بالتكفير...هذا ما حدث بالضبط مع محمد أركون في ملتقى الفكر الإسلامي بقسنطينة عام 1981- وكنت حاضرا- وشاع أن محمد الغزالي كفّره، والحقيقة انه ردّ عليه بينما أركون يرى أن قراءته لا تقبل الرد.

أسس ومنطلقات العلمانية العربية في نظرتها إلى الدين:

- لا تؤمن بوجود حقائق مطلقة فكل شيء متطوّر، وكل شيء في حياة البشر نسبي وخاصة الدين والأخلاق، ولا بد بالتالي من إعادة النظر في كل شيء وممارسة الشك في كل قضية أيا كانت.

- إسقاط القداسة عن الدين وتدنيس المقدس لأن الدين هو سبب التخلف والفشل.

- إحياء وتعظيم الوثنيات القديمة كالفرعونية والبربرية والآشورية والفينيقية كهوية بدل الانتماء الإسلامي.

- استباحة المحرمات والتحرر من الضوابط الشرعية وإسقاط موازين الحلال والحرام والاصطفاف مع الغرب وفلسفته ورؤاه وأساليبه وأخذ كل شيء عنه من التقنية إلى الثقافة وإخضاع الدين لمقاييسه لأن الحضارة الغربية تمثل نهاية التاريخ.

- تأليه الإنسان ورفع الوصاية عنه ليحلّ محلّ الله والدعوة إلى تبني الإنسانية كمبدأ وغاية، وفي نفس السياق تأليه العقل والعالم المادي، فبينما في التصور الإسلامي "الله" هو المحور نصبح هنا أمام تأليه الإنساني وأنسنة الإلهي بحيث يغيب المقدس بتأويلات بعيدة وتُنزع القدسية عن الدين والأنبياء وتُنكر المعجزة الإلهية وتُضخم "المعجزات " الإنسانية، أي يحدث انتقال مركز الاهتمام من الله إلى الإنسان ومن السماء إلى الأرض.

- الدعوة إلى القطيعة مع ماضي الأمة ومفاهيمه وتراثه والانفصال عنه تماما.

- تشويه الاسلام لتنفير الناس منه بالافتراء على مضامينه وتاريخه وتضخيم أخطاء المسلمين قديما وحديثا وتحميلها للدين ذاته.

العلمانيون والقرآن:

ليس للعلمانيين في فضائنا الإسلامي تفاعل ديني، فهم في دراساتهم الأكاديمية وكتاباتهم الفكرية والصحفية ومداخلاتهم المختلفة يتمحور موقفهم من القرآن الكريم حول رفع القدسية عنه وحذف عبارات التعظيم وتقرير عدم أفضليته ورفض التسليم بأنه معجز وأن فيه كل شيء، ويتعاملون معه ثقافيا باستبعاد الآليات المعتمدة عند المسلمين وتفضيل تطبيق مقررات العلوم الإنسانية والفلسفة مع إطلاق سلطة العقل دون قيود مع تعميم الشك على كل مستويات القرآن، وهذا ما ينتهي إلى "نصرنة" الإسلام وإحداث قطيعة معرفية بين القرآن وبين القراءات التراثية التأسيسية والتجديدية، وهي قراءات انتقادية لا اعتقادية كما يُفترض في أي مسلم.

- تتلخص علاقتهم بالقران في تسويته بكلام البشر و نزع قدسيته من النفوس، وقصر أحكامه على زمن النزول، واستغناء البشرية عنه لأنها بلغت الرشد العقلي، وتفسيره تفسيرا باطنيا أو تفريغ نصوصه من المعاني، وفي هذا المسعى يجاهرون بإبطال جميع علوم القرآن والاعتماد فقط على المناهج الغربية المستحدثة إلى جانب إنكار السنة النبوية سواء كمصدر للتلقي أو كشارح ومبين للقرآن.

العلمانيون والوحي:

لا يعدّون الوحي مرجعا من مراجع المعرفة لأن المعارف لا تأتي إلا من دراسة الطبيعة والتاريخ ، لذلك ينكرون حجيته ويُلحقونه بالغيب الذي يزدرونه، فلا يؤمنون بالشريعة وثباتها فضلا عن تحكيمها، ويميّعون الفرائض والحرمات، ويستبعدون الأخلاق الإيمانية لصالح ما يسمى الأخلاق الإنسانية والطبيعية، ويرفضون أطروحاته حول الحدود والمرأة وغير المسلمين، وفي كل هذا يتحججون بروح النص ومغزاه ومقصده مستبعدين ظاهره الواضح المجمع عليه، بل يتهكمون من "عبادة النصوص".

بناء على ما سبق فإن العلمانيين "المسلمين" يريدون – في أحسن الأحوال - عقيدة بلا شريعة ودعوة بلا دولة وسلاما بلا جهاد وحقا بلا وعبادة بلا معاملة ودنيا بلا آخرة.

العلمانيون والتجديد:

يطالب العلمانيون بتجديد الإسلام، والمقصود منه هدم ممنهج للدين، هدم عقدي وروحي وسلوكي، هدم ليس فيه نقد علمي ولا أمانة في النقل ولا فهم صحيح ولا حتى حياد في التناول والطرح، بل هو نشر للشكوك حول القطعيات والمسلّمات الدينية، وهذا تقليد واضح لنقد أرنست رينان للمسيحية بأسلوبه الفلسفي والتاريخي.

إن العلمانيين يستخدمون مصطلح التاريخانية لدراسة الدين دراسة نقض وهدم لإبطال عصمة الوحي والتشكيك في ثبوت القرآن وصولا إلى إزاحة العامل الديني من ساحة المجتمع المسلم نهائيا كما يؤكد أركون في جميع دراساته.

ونشير إلى هذا "التجديد" يتولاه أدباء وكتاب وفنانون وإعلاميون وسياسيون، أي كل من هب ودب... فلسنا أمام علماء أو مفكرين بل أمام محاربين الداء لعقيدة الإسلام وشرائعه وتاريخه وحضارته.

والاجتهاد عندهم لا يعني البحث عن الحكم الشرعي ولكن تطويع النصوص الدينية المحكمة للفكر المعاصر والواقع المعاش، واستحضار نصوص الشرع للهروب منها وإعطاء العقل بعدا تشريعيا والتمويه على كل هذا بمقولة "إعطاء العقل أقصى درجات الفاعلية"، ينطبق عليهم قول الإمام الشاطبي: "من نظر إلى طرق أهل البدع في الاستدلال عرف أنها لا تنضبط لانها سيالة لا تقف عند حد، وعلى كل وجه يصح لكل زائغ وكافر أن يستدل لزيغه وكفره حتى ينسب النحلة التي التزمها الى الشريعة".

هكذا هو الخطاب العلماني: منهجية انقلابية على الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية لانبطاحه التام أمام الواقع الغربي فكرا وحضارة وممارسة فردية وجماعية، فيه التوظيف غير البريء لمسألة المقاصد والمصالح كبديل عن علم أصول الفقه وإعطاء المسألة بعدا بشريا بحتا، أي هو إنكار شمولية الإسلام وثبات الشريعة، وإحلال شريعة العقل محل شريعة الوحي. ويكفي إصرارهم على القطيعة التامة مع التراث المفسر للنص الشرعي والاستخفاف بالفكر التقليدي وحتى بتفسير الرسول صلى الله عليه وسلم للقرآن، وتبنيهم النسبية التامة للنص الشرعي ودلالاته، نسبية تمتد إلى المعنى والفهم.

الاعتماد فقط على حس المفسر وذوقه أي هدم أصول الدين الثابتة

وهكذا تدور العلمانية بين كفر مكشوف و آخر مقنع.

العلمانيون والحرية:

تحتل الحرية مكان الصدارة في أدبيات العلمانيين ومساحة كبرى في تنظيرهم باعتبارها منتوجا إنسانيا يُثبت ذات الفرد ويحميه من كل الضغوطات، وهم يستلهمون مفاهيمهم حولها من ثورة أوروبا على الدين حيث كانت الكنيسة قد سلبت الناس حرياتهم بما في ذلك الدولة فقامت الثورة الفرنسية بتحرير الناس والدولة من سلطان الكنيسة، وهذا كلام صحيح لكن إسقاطه على الحالة الإسلامية ليس قياسا مع الفارق بل هو قياس فاسد أساسا.

العلمانية والحياة السياسية:

ليس للعلمانية العربية مشكلة مع الاستبداد ولا التخلف ولا الاحتلال إنما مشكلتها معالاسلام لأنه – من جهة – نقيض طروحاتها الفكرية وشهواتها النفسية، ومن جهة أخرى هو موئل الأمة وملاذها، انحازت إليه بقوة ووضوح كلما أتيح لها الاختيار الحرّ ولفظت إيديولوجيا العلمانيين وأحزابهم، ولها دورها في الانحطاط الفكري والسياسي والسقوط الحضاري الذي تعرض له الوطن العربي طيلة عقود.

القوى العلمانية العربية كائنات غير ديمقراطية لهذه الأسباب:

1- لأنها قوى ضعيفة مشتتة مبعثرة، غير قادرة على إقامة قطب سياسي ينافس القطب الإسلامي، بما يسمح بمنافسة جادة وشريفة ومتقاربة من حيث القوة والحجم

2- لأنها قوى لا تقبل بالهزيمة الانتخابية، ولا تسلم للفائز في الانتخابات بأن يحكم، وهي مستعدة للفوضى بديلا عن حكم الإسلاميين، ومستعدة لهذا الغرض للتحالف مع العسكر ومع الأنظمة الاستبدادية المطاح بها كما حدث في مصر وتونس.

3- فقدت الثقة في الشعوب لذلك تستقوي بالقوى الخارجية وتبذل في سبيل إرضائها كل شيء من مصالح الأمة إلى المبادئ والقيم.

لهذه الأسباب أصبحت العلمانية بمثابة الهراوة الفكرية والإعلامية التي تمهد الطريق للقصف الأمني المكثف وحملات البطش والقهر التي تنتهجها الأنظمة مع الشعوب وقوى التحرر والتغيير، كما أصبحت تروّج مقولة إن الشعوب تريد الأمن وليس الحرية،

من غرائبهم:

- يؤمنون بحرية الرأي إلا الفتوى الدينية فهم يرفضونها حتى ولو لم تكن ملزمة.

- يؤمنون بحرية الشخص الذكر والأنثى في لباسه إلا حجاب المرأة فهم يتضايقون منه ويضيقون عليه، تماما كما يتضايقون من لحية الرجل المتديّن، بل يمقتون هذا المتديّن حتى ولو كان حليقا ويرتدي اللباس العصري...أجل، هم مع المرأة و حقوق المرأة إذا تعرت و ضد المرأة إذا اختارت الستر

لأن العلماني شهواني لا يهمه من المرأة إلا جسدها فإذا اختارت الستر والعفة وقف ضدها بالتشهير والسخرية وحتى بسن القوانين العنصرية الحقيرة، فإذا اختارت العري والسفور وقف معها بالتبجيل والدعاية الكاذبة وحتى بسنّ القوانين المخالفة لثوابت الأمة وحتى للفطرة السليمة.

- يحترمون جميع الأديان السماوية والأرضية إلا الإسلام، فهم يتبرمون منه ويلصقون به شرور العالم، وقد رأينا مرات مرات بسبب أحداث وقعت هنا وهناك أنهم لا تحركهم الاساءة للدين ولا لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم بل المساس بمثلهم الغربي واليهودي.

- يحملون ثقافة الضرار وينشرون تزييف الوعي من الداخل مستعينين بمفكرين "تنويريين" هم في الغالب شيوعيون ملحدون (هذه ليست تهمة جزافية بل حقيقة تؤكدها الأدلة القاطعة).

- مسلّمات الفكر الحديث قطعية أما مسلّمات النص الديني فليست قطعية، وهذه نتيجة حتمية لتحكيم الآليات الغربية الحديثة لمخالفة الموروث الثقافي في التعامل مع الاسلام

- إنهم ضحايا الاستلاب الكلي إلى حدّ التنكر التام للوضعية الذاتية والذوبان في عالم الغرب وفرنسا بالذات، ويحتضنون اللغة الفرنسية أكثر من الفرنسيين أنفسهم الذين مالوا إلى الانجليزية كَرها واضطرارا، لأن الفرنسية عندهم شكل من أشكال رفض العربية والإسلام ولديهم ولع بالثورة الفرنسية ليس لأنها حررت الشعب من الاستبداد ولكن لأنها أسست الدولة اللادينية واستبعدت الدين لأول مرة في اوروبا.

 

عبد العزيز كحيل

 

مجدي ابراهيميقترنُ التصوف بالمعرفة، ويمضي الصوفي إلى تحقيق أكبر قدر ممكن في نفسه من لطائف العرفان؛ فالتصوف والمعرفة طريق واحد، ولكن المعرفة الفلسفية عقلية محضة، ولها بالعقل صلة ونسب، غير أنها في التصوف تتخذ شكلاً آخر هو ما سيأتي تفصيله في سياق الحديث.

وقد جرت عادة النظر الفلسفي إلى اعتبار المعرفة ترادف في اللغة اليونانية كلمة (جنوسيس) أي الغنوص، التي معناها العلم بلا واسطة. والغنوصيّة، كما هو معروف، ظهرت في الأديان الفارسية والمجوسيّة، وهى كلمة يونانية الأصل معناها المعرفة غير أنها أخذت بعد ذلك معنى اصطلاحيّاً هو التوصل بنوعٍ من الكشف إلى المعارف العليا.

ومن هنا؛ فقد كانت الثيوصوفيّة القبالية (Cobala) أو الكبالا اليهودية (Kabbalah)، تعلن أنها تريد أن تصل إلى الحياة الباطنية للملكوت الإلهي، وأن يعيش فيه خُلّص اليهود. والكبالا هي فرقة يهوديّة كانت تُمارس تعاليمها ذات النزعة الصوفية عند رجال الدين اليهودي للكشف عن المعاني الخفيّة والرمزية في الكتاب المقدس لا سيما أسفاره الخمسة الأولى. ومن أسفارها "سفر الجلال" وهو عبارة عن مجموعة نصوص يهوديّة كتبت معظمها باللغة الآرامية، ومن خلال تعاليم الكبالا انتعشت الحياة الصوفية، وتعتبر الكبالا من أشدّ الفرق الغنوصيّة التي عرفتها تواريخ الأديان، وقد تطوّرت وانقسمت فيما بعد، وكان فيلون اليهودي أكبر مثقف بالثقافة اليونانية من أشدّ المتأثرين بالغنوصية.

وانتقلت الغنوصية إلى العالم المسيحي والإسلامي تباعاً وحاربها المسلمون، وتسرّبت إلى أئمة الصوفية كالسّهروردي، والحلاج، والتستري، ومحيي الدين بن عربي.

وكشفت آراء المستشرقين، والتي يردّدها المؤلفون العرب ممّن يتابعونهم، عن عناصر التشابه بين ما يسميه الصوفية المعرفة بالله ويعتبرونه من أخصّ صفاتهم، وبين ما يُرادف في اللغة اليونانية كلمة جنوسيس (الغنوص)، والتي معناها العلم الحاصل بلا واسطة والناشئ عن الكشف والشهود، وذهبوا إلى أن كثيراً من صوفية الاسلام في القرن الثالث الهجري قد عرّفوها بهذا التعريف، ولكن أوّل من بحث في المعرفة بحثاً نظريّاً هو ذو النون المصري (المتوفى سنة ٢٤٥)؛ إذ رأى أن غاية الحياة الصوفية الوصول إلى مقام "المعرفة" الذي تتجلى فيه الحقائق فيدركها الصوفي ادراكاً ذوقياً لا أثر فيه للعقل ولا للرؤية الفلسفيّة، وذلك لا يكون إلا أهل الله الذين يرون بأعين بصائرهم.

ومعنى هذا، أنّه اذا كانت المعرفة الفلسفية تقوم على العقل المدرك الذي يُلاحظ فيه النفس، فالمعرفة الصوفية لا يُلاحظ فيها حظوظ النفس أبداً، لأنه - كما قال ذو النون المصري - إنّه بمقدار ما يعرف العبد من ربّه يكون إنكاره لنفسه. وليس في أقوال ذي النون ما يمكن الجزم بتعريف المعرفة كونها غنوصاً كما هى في العقائد الفلسفية السابقة.

ولا شك عندي أن بحوث المستشرقين، ومن تابعهم من الكتّاب العرب، قائمة على الشكل البرّاني. والمبالغة في إظهار الشكل أغفلت لديهم كشف المضمون. والاعتماد على التشابه الخارجي السّطحي لم يلغ مطلقاً توجُّهات المضمون الديني الذي ينتسب إليه صوفية الإسلام ويدينون له بالولاء.

مادة العرفان في مجال الفلسفة إذا جاز أن نعتبر المعرفة غنوصاً غير مادته في نطاق التصوف إذا اعتبرنا قضايا الدين منهاج وحي من عند الله. العقل في مجال الفلسفة قد يُفرز الغنوص، ولكن الوحي قد يسلم إلى المعرفة الحقيقة بالله فيما لو كان الوحي وجوداً يسلك صاحبه مسلك اتباع النبوة على التحقيق، وهو عين ما يميز المضامين الدينية بعضها عن البعض الآخر ويفرزها أمام منهاج التسليك، فما يسلكه اليوناني ويعتمد عليه غير ما يسلكه الهندوسي أو اليهودي أو المسيحي ويعتمد عليه، نعم! قد تتشابه الأفكار في المطالب الروحيّة الإنسانية العامة لكنها لاتزال من حيث منهاج العمل والتسليك قريبة من عين المضمون الديني ينتسب إليه السالك ويدين له بكل الولاء. (قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يُحببكم الله)، فاتباع منهاج النور هو الفيصل الحاكم في منهاج التسليك.

فلا يكون عرفانٌ في الإسلام بغير اتباع منهاج النور المحمّدي، ولا عبرة لدينا بالأشباه والنظائر التي يعوّل عليها المستشرقون وأذنابهم في الأقطار العربية، لأنها لا قيمة لها ولا عبرة في التحقيق.

المتصوف الحق هو العارف الحق، فالتصوف قوة والتصوف قدرة؛ لكن قوته لا تتأتى لكل إنسان كما لا يتأتى اقتداره لأحد كائناً ما كان ما لم يكن في ذاته أهلاً لهذه القوة مهيئاً لذاك الاقتدار. وفي فترات الجهالة والمرض المعرفي شاع بين الناس أن التصوف ضعف، وأن الصوفية ضعفاء في مواجهة الحياة ليست لهم عزائم يستخدمونها في لجة الحياة الدنيا والأخذ بها بأوفى نصيب !

وهذا بلا شك جهل بطبيعة التصوف، وهو جهل مركب كذلك بأربابه وعارفيه؛ لأن التصوف كله عزيمة وجهاد؛ فلا الكسل ولا العجز ممّا ينسب إلى الصوفية، وهم في الحق أقوياء قُدَراء.

يملك الصوفي زمام نفسه فلا تقوده من ثمَّ النفس، بل يقودها هو إلى ميادين الجهاد الشريف في عالم التَّصَوِّن والعفاف. لم يكن التصوف ضعفاً ولم يكن الصوفية ضعفاء؛ لأن الضعيف لا يكتسب الفضائل العليا ولا يقتدر على الدوام لمشروعية الاكتساب. فما من ضعيف هو ضعيف إذا أراد سلوك الطريق فعمل بهذه الإرادة كسباً شرعياً لفضائل الأخلاق. وبما أن التصوف في حقيقته خُلُق صارت أفضل الفضائل للنفس الزكية هى أن يكون أرباب التصوف وعارفيه أزكى الناس فضلاً وأرفعهم أخلاقاً وأخصَّهُم منزلة وأسماهم قصداً وأجدرهم لموهبة الاقتدار.

ومن الناس من يظن في نفسه كسباً لفضائل الأخلاق، ولاسيما لو كانت أخلاق العارفين، لكن هذه الأخلاق لا تتيسر لأحد إلّا حين يمعن في المعرفة ويتخلق بهمم كبار الصالحين، تلك الهمم التي يجتمع فيها الفضل مع التزكية العالية ومع الجهاد الأبيّ. وإذْ تترقى أخلاق العارفين في طريق الكمال، وإذْ تجتمع هممهم على عطايا الفضل في ذاته لأربابه ومستحقيه، لم يعد قط للضعف طريقٌ إلى قلوبهم، وإنمّا القوة القوية القادرة هى أبدع ما يملكه جهاد العارف في طريق العرفان.

العارف يزيح السِّوَى بإرادته، ويصبر على مصادمة القواطع والأغيار، وهو من بعدُ لا ينسب لإرادته توفيقاً. والعارف يختار ألا يختار؛ لأن اختياره معلق بإرادة الله إنْ في البدء وإنْ في المنتهى.

حقُ العارف أن يكون كاملاً في كل كمال يختاره لنفسه. ومن كماله لنفسه أنْ لا يختار حظاً واحداً من حظوظ النفس، وإنْ كان ولا بد فهو أن يصدر عن هذه النفس كل ما هو مقرون بلطائف العرفان.

وليس من كماله لنفسه أن يختار الكمال الذي هو للنفس؛ فما من كمال كان في المقام الأول للنفس إلا أنقلب على الفور نقيصة ثم معابة يربأ عنها العارفون؛ إذْ يتوخّون الكمال الذي هو من عند الله؛ فاختيار العارف لكماله أن يختار لنفسه ذلك الكمال الأخير، وهو أن يكون على الدوام بين الحركة والسّكون في معيَّة الله، وأن يكون كماله جزءً لا يتجزأ من الكمال الإلهي، وأن يكون الكمال الإلهي أحد مجالي الله فيه.

لم تكن هذه المعيَّة سوى قصداً مقصوداً تتجلى فيه وحدة القصد حقيقة لا مجازاً، يظفر به العارف أيما ظفر في طريق العرفان كيما يتخذ من الوحدة طريقاً علوياً يسير فيه؛ فلا يرى سواه بديلاً ولا يدرك غيره طريقاً كلما كان هو الطريق المنشود في البدء والمنتهى سواء بسواء.

إرادة العارف أن يدرك بدايةً عداوة الأغيار؛ لأنها بمثابة الحُجُب، فلا شيء يحجب أسباب القربة من الله إلا التعلق بالأغيار كيفما كانت. وإنه ما دامت للعارف إرادة حديدية كانت الأغيار بالنسبة إليه مكمن العداوة وأسّ البلاء، لكن إرادته تقف بالمرصاد لكل إرادة تتواطأ مع "الغيرية" وتتعلق بعلائق السّوى وأدران الحجاب.

من أجل ذلك؛ لم تكن الحكمة التي يقصدها العارف حكمة تتهيأ لمدارك المحجوبين؛ لأنّ مدراك المحجوبين لا تسمح بالتواصل مع مصدر الحكمة التي يحفظها العارف ويصدر عنها؛ ولأنها الحكمة التي تنفتح من لطائف الكشف ومنن الشهود والإشراق. هذه الحكمة ليست غنوصاً ولا هي فلسفة نظريّة محاطة بتأملات عقلية صرفة، ولكنها عرفان وجودي بمجالي الخالق سبحانه في ضوء مضمون ديني تشكله العقيدة.

يرى العارف في ظلالها نور الحكمة كله، ونور الوجود من أعلاه إلى أدناه. لا ريب كانت ألطاف العارفين هى هى الصورة الباقية من نفخة الذات الإلهية لكل ما هو موجود في هذا الكون وجوداً على التحقيق بغير أن يكون هنالك ضرب من الوجود في غير نزاع ولا تقدير خفي لا يرى فيه صواب، أعني بغير أن يكون هنالك ضرب من الكذب والبهتان الذي يطمس الرؤية ويضيّق على العارفين منافذ الشهود وفواتح الكمال.

ما من حكمة يطلقها العارف لنفسه إلا ولها من الآفاق العليّة وحدة قصد وآحادية، ليست هى بغير شك من نفسه ولا من اختياراته، تماماً كما أن نفسه ليست بقادرة على ادّعائها، يكفيه من تلك الحكمة أن مقاصده علويّة، ويكفيه من دعواه أن لا دعوى له تقوم من ذاته ولا نفثة لروحه ذاتية. ولذلك؛ كان عرفانه تعريف إلهي، يُستقى من هذا النبع الذي لا يغيض، وتتجلى عليه عطايا الفضل بغير حساب.

العارف مسكونٌ بالحق على الدوام، ومعجون بعجينة التحقيق.

لكن هذا التحقيق الذي ينسحب على العارفين لا دخل لهم فيه؛ إذ العارف في أول مقام ممنوُّ بكل ما يَرد عليه من أحوال : حاله كُلُّهُ حالٌ لا حيلة له فيها، وأخلاقه من الكمال الذي أكتسبه ليست هى بأخلاق تنظيرية؛ لأن أخلاقه من كمال النور المحمدي الذي أنتسب إليه وأراده وعمل بالاكتساب إلى الوصول إليه مع العناية البالغة في تطبيقه؛ فأجاد التّوجُّه وأجاد الاكتساب وأجاد التطبيق.

أمّا التوفيق؛ فلا شأن له به؛ فهو ليس منه في جميع الأحوال، ولكنه من الله الذي جَلَّ عن أن تناله الأحوال.

يسجد العارف لله، فيطوي بسجوده بساط الكون كله ما كان وما يكون؛ فإذا أراد الوصول فلا شئ يحجب عنه الرؤية أو يحجب عنه الوصول بعد إزالة التعلق بالأغيار.

العرفان حكمة سماوية سامية لا دخل لأنظار العقل فيها، وطريق يبتدئ من داخل لا من خارج. ومن إمارات المعرفة في قلوب العارفين أنهم يدركون بالذوق أن المعرفة هى لقاء، وأن اللقاء ممنوع بغير كلاءة ورعاية وتوفيق.

كلُّ العارف كُلُّه لله على الدوام، ولا دوامَ له بغير إدامة المعيّة مع الله على الدوام بغير انقطاع. لم يخطئ العارفون حين انقطعوا، ولم يخطئوا حين عرفوا وادّعوا لأنفسهم حكمة المعرفة؛ فإن هذه الحكمة ليست منهم، ولكنها مُفَاضَة عليهم من الله، من طريق عرفوه، فجنّدوا أنفسهم خدمة له في كافة الأحوال.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم