يسري عبد الغنيأهم ما يربط بين الأدب والفكر هو المضمون الفكري والفني وتحليلات النقاد وتفسيراتهم، فالمضمون الفكري معنى النص وقيمته، أما النقد والتحليل فهو قراءته، أي قراءة النص وتفسيره بحيث يغدو فني المضمون وموصول الكلم.

ويرى بعض النقاد أن مفهوم الأدب لا يتعارض مع الدور الذي يقوم به العلم في تفسير الظواهر الكونية والطبيعية والإنسانية وإنما يضاف إلى ذلك لأن العلم لا يملك التجربة الجمالية والنفسية التي يستخدمها الفن في صياغة وجدان المتلقي وفكره، ولذلك فإن مفهوم المضمون الفكري في العلم يختلف عنه في الأدب: ففي العلم ينتهي دور المضمون بمجرد استيعابه عقليًا بصفته مجرد حلقة في سلسلة طويلة ومتطورة من الأفكار والنظريات العلمية المتواصلة، أم في الأدب في المضمون الفكري من خلال تفاعله مع الشكل الفني لا يجبه مضمون تال حتى لو كان يعجل نفس القضية الإنسانية.

ومجاراة لما سبق فإن المعنى في المضمون الأدبي لا بد أن تتعدد دلالاته وإيحاءاته من متلقٍّ إلى آخر من عصر إلى عصر. ولسنا مع هذا الناقد الذي أوردنا شيئًا من أقواله حين يقول: ولا بد أن يستقل معنى العمل الأدبي عن هدف الأديب بمجرد الانتهاء من إبداعه؛ لأن الأديب إنما يبدع وهدفه هو إفادة المتلقي؛ فكيف بالله نفصل هذا الهدف عن ذاك العمل! كما يحلو لهذا الناقد.؟ ونحن نرى أن العمل الأدبي وهدف قائله لا ينفصل أولهما عن الآخر؛ لأن أي أديب إنما يعمل بأدبه وله هدفٌ يهديه للمتلقي. ولا يبعد هدف المفكر عن هدف الأديب؛ لأن الأدب صنو الفكر، والفكر صنو الأدب، فلكل منهما أهداف جديدة وإن كان الخيال قد يدخل العمل الأدبي، أما الفكر فإنه ماسك بزمام عمله ولهذا يتجنب النقاد العمل الفكري إلا فيما ندر ويبدلون ذلك بالعمل الأدبي.

على أن المتلقي لهذين العملين العمل الأدبي والعمل الفكري هو الذي يميّز بينهما في سياق الكاتب المفكر أو الكاتب الأدبي.

في رأينا أن أي عمل ثقافي هو الذي يفرض نفسه على مبدعه أو كاتبه فينقله للجمهور ولكن هناك من يرى أن المضمون الفكري حتى لو كان فكرة شائعة أو قضية يعلمها الجميع متى تفاعل مع الشكل الفني للعمل الأدبي أصبح خاصًا به وليس له امتدادٌ خارجه أو اتصال بأي شيء آخر. ولذلك فإن مضامين الأعمال الناضجة تبدو جديدة كل الجدة بالرغم من أنها مستوحاة من أفكار ومضامين العامل الفكري. ونحن نسير في هذا السياق ونؤيده؛ لأن الأديب الواعي هو الذي يجسِّد هذا التفاعل بين هذه الأفكار والمضامين وبين تطورات العصر الذي يعيشه، الذي يلقي عليها أضواء جديدة وينظر إليها من زوايا معاصرة لم تكن تتأتى لمن سبقه من الذين عالجوها وجسَّدوها في أعمالهم. الذي نقصده هنا ليس التفرقة بين الأدب والفكر بقدر ارتباط الأول منهما بالآخر وقد اهتم نقاد الأدب والأعمال الفنية بالمسرح والدراما الفنية أكثر من الحديث عن الفكر الذهني والأدب الشعوري وحتى عندما يتحدثون عن الدراما فإنهم لا يعطون ذلك إلا بالقدر اليسير، فما بالك بالحديث عن الفكر البحت والأدب الجميل وكذلك عندما يأتي الحديث عن المسرح، فإنهم ينساقون فيه ويهملون في الوقت نفسه الفكرة الأدبية والأدب الفكري، بمعنى آخر لا تجد فيما يكتبونه الثقافة والفكر والأدب إلا من زوايا خافتة.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

محمود محمد عليعرف التاريخ أحداثاً مفصلية غيرت مجراه، معارك طاحنة، ملاحم بطولية، أفكار إبداعية، اختراعات مذهلة وأناس عظام... لكننا اليوم نتحدث عن ميكروبات طُبعت في ذاكرة التاريخ، وصنعت لنفسها مكاناً في صفحات كتب التاريخ والطب على حدٍ سواء.. حولت النصر إلى هزيمة، الغنى والرفاهية إلى فقر وعنت وفي أوقات أخرى إلى العكس تماماً.. ومن انتاج وازدهار إلى عجز واندثار.

عجباً لتقلبات الزمن فمن يصدق أن أوربا والمجتمع الغربي، والذي شهد في القرن 18 عصر الحداثة، والذي استطاع أن يطرح مركزية الإنسان علي كوكب الأرض، واحترام الإنسان لأخيه الإنسان، بل إن البعض أدخل في هذا الأمر مناحي دينية غير مقبولة، لتبرز تعظيم الإنسان في عصر الحداثة.. ثم فوجئنا بعد عصر الحداثة بوجود صواريخ عابرة القارات، وبعيدة المدي، ومتوسطة، بل فوجئنا أكثر وأكثر باكتشاف الأمريكان والسوفييت لقنابل نووية، ثم توصلوهم إلي اكتشاف سلاح كيماوي، ثم سلاح بيولوجي، ثم فوجئنا بوصولهم إلي كوكب المريخ وكوكب الزهرة، بل وصلوا إلي مجموعة شمسية أخري، ومخلوقات فضائية، ثم تضع أمريكا أكثر من 20 مليار لوكالة ناسا .

كل هذا الانجاز في العلم حتي وجدنا أن كورونا تكشف وتفضح كل ذلك ؛ خاصة عندما وجدنا السياسيون يقولون "ودعوا أحبابابكم، وأنه لا توجد سراير، ولا نظم صحية، ولا أجهزة تنفس اصطناعي، ولا كمامات"..  والسؤال هنا : كيف أن الأموال الطائلة التي انفقت في الصواريخ، وسلاح نووي، وسلاح كيماوي، وبيولوجي، والوصول إلي المريخ، كل هذا وتعجز الولايات المتحدة الأمريكية عن كمامات، وكما قال أحد الكتاب عندما نشاهد الأفلام الأمريكية نتوقع لو أنه هناك غزو فضائي للمرخ، فإن الولايات المتحدة سترد علي الفور. الآن جزء كبير من الهيبة الأمريكية تراجع .. لماذا!.. لأن أيقونات أمريكا اهتزت .. جامعة هارفارد أيقونة أمريكية للأسف رئيس جامعة هارفادر أصيب بفيروس كورونا .. نيويورك أيقونة مدن العالم هي الأكثر وباءً الأن .. حاملة الطائرات فخر البحرية الأمريكية الآن مصابة .. إذن الأيقونات الأمريكية سقطت تحت عرش كورونا .. الكل يهتز، حتي حلف الناتو لأول مرة من 70 عاما يجتمع عبر الفيديو كونفرانس والفيديو.

كورونا أثبتت أن التاريخ الحديث والمعاصر هش وقابل للكسر، والانحناء نتيجة تأثير عوامل ومؤثرات عديدة ومتداخلة من ضمنها الأمراض والأوبئة والعدوى؛ ففي التاريخ الإنساني كم من بلاء ووباء أفرز تغييراً في موازين القوى السياسية، وأسقط إمبراطوريات عتيقة، وأقام ممالك جديدة. بل الأعجب من ذلك، كم (محنة) أمراض معدية شنيعة أثمرت (منحة) عظيمة وخير كثير في تطوير مهنة الطب مثلاً، أو تغيير أساليب التجارة، أو حتى التأثير على جودة الأعمال الأدبية والفنية والمعمارية.. إن الجراثيم الممرضة والميكروبات المعدية شيء مخيف، ولهذا لم تفلح محاولة عالِم الجراثيم الفرنسي المعروف "لويس باستور" في تلطيف الشعور السلبي نحوها، عندما قال (ليست الجراثيم هي من نحتاج أن نقلق منها ولكن ضميرنا الداخلي). التاريخ الإنساني مثخن بكوارث الأوبئة المميتة التي تسببت في زوال إمبراطوريات وممالك كانت يوماً ما مسيطرة ومزدهرة.

لقد فرض كورونا على النظم السياسية المختلفة امتحاناً مفاجئاً خرجت منه الديمقراطية منحنية الرأس، راسبة.. لم تستطع الولايات المتحدة بقدراتها العلمية، ونظمها الصحية، وأبحاثها الطبية، أن تواجه الوباء دون أن تفرض إجراءات توصف بالديكتاتورية لو طبقت من قبل لخرج الأمريكيون جميعاً إلى الشوارع غاضبين رافضين غير مصدقين.. لجأ الرئيس الأمريكى ترامب إلى قانون الإنتاج الدفاعى الذى يمنحه سلطات استثنائية تسمح لحكومته بتغيير السلع التى تنتجها المصانع، وتأميم الشركات ووضع إمكانياتها تحت سيطرة الحكومة الفيدرالية. ونسيت أوروبا مهبط الديمقراطية وقيم الحرية والمساواة والحقوق الإنسانية، وحرمت كبار السن من العلاج فى المستشفيات، وتركتهم يموتون فى أماكنهم.. وتذكرت بعض الدول الرأسمالية (مثل إسبانيا) جينات أجدادها القراصنة واستولت على شحنات طبية لم تكن لها وبعد أن هدد رئيس الفلبين بإلقاء تجار المخدرات من الجو، قرر إطلاق النار على كل من يخالف الحظر.. والمؤكد أن مزاج الشعوب تعكر وتغير، مما يعنى تغير اتجاهات التصويت فى الانتخابات المقبلة. وفى الوقت نفسه نجحت الصين التى لا تزال تؤمن بديكتاتورية البوليتاريا (الطبقة العاملة) فى تحجيم الأزمة وتحملت آثارها الاقتصادية.. لم تطرد الصين عاملاً واحداً، بينما خسر خمسة ملايين عامل فى الغرب وظائفهم حتى الآن، وثبت أن نظام إعانة البطالة لا يفى باحتياجاتهم، وذلك حسب قول عادل حمودة في مقاله بصحيفة الفجر المصرية بعنوان "الكورونوفوبيا".

كورونا الفايروس الذي لن ينساه الأحياء، وسوف يسجل في صفحات التاريخ كحرب عالمية ثالثة، ليس بها دول المحور والحلفاء، كل العالم تحالف لصد حرب كائن ميت لا يريد إلا الوصول إلى خنق (الشهيق والزفير) وليس لديه أفضلية في قطف الأنفس، يعامل ضحاياه بالتساوي، لا تعنيه الرتب، ينخر أي رئة تصادفه.. ومن مميزات هذه الحرب، تعرية دول عظيمة (قبل مجيئه)، حتى إذا أدام المكوث في جغرافية الدولة العظمى، برهن أن الستار الذي تقف خلفه، ستار من كرتون.. كان مروره - وما زال- العاصف، على جميع دول العالم، محل حيرة وارتباك، فطارت الألباب واحتار الجميع، ولأنها حرب عالمية، لا تزال كل دولة تحاربه من خندقها.. ولأنها حرب حقيقية: إما أن تنتصر، وإما التحفز، لدفن مواطنيك في قبور جماعية، أو منفردة، فالخسارة هي ذاتها في ظل تعرية النظام الصحي لتلك الدول.. وقد أجاد فايروس كورونا تنبيه الشعوب لما هي عليه دولهم، فالأخطار الجسيمة تفرز القوى الحضارية المتقدمة دون سواها، وتكشف مقدار استعداد الدولة في إدارة الأزمة الطارئة من خلال جميع أجهزتها، وتناسق الخطوات بين تلك الأجهزة، بحيث يكمل كل منهم الآخر.. ولأننا ما زلنا في هذه الحرب العالمية، أبصارنا معلقة بقنوات فضائية تنقل -في كل لحظة- أخبار هذه الحرب، وما يحدثه الفايروس من خسائر في الأرواح، وفي المنظومة الصحية، وفي الاقتصاد، ويكشف أيضاً وعي المواطنين بالالتزام بما تسنه الدولة من قوانين وأنظمة لمواجهة عدو شرس.. كما أن كورونا كشف أنواعاً مختلفة من الوعي الذي تحول الفرد فيها إلى جندي، لا تريد منه الدولة سوى المكوث داخل البيت، لكي تفوت على الفايروس تسجيل نقاط انتصار على الدول، وذلك حسب قول عبده خال في مقاله بعنوان حرب عالمية ثالثة.. من يفوز ؟..

كما كشفت كورونا أن للعولمة سلبياتها فنرى أن مناطق من العالم تعيش مستوى مرتفع من الرخاء والرعاية الصحية، في حين أن مناطق أخرى من العالم تعاني الفقر والتهميش، وتصبح مناطقهم تربة خصبة لتكاثر الفيروسات، ونشأة الاوبئة، ويتنقل البشر وسفرهم إلى باقي دول العالم تنتقل معهم الأوبئة، وتصل إلى البلدان الغنية التي تتمتع برعاية صحية متقدمة، وهكذا يستغل الفيروس، ويستفيد هو الآخر من حرية الحركة، والسفر بين الدول، كإحدى ميزات العولمة... "كورونا" الذي لا تتجاوز نسبة الوفاة بين مصابيه 2 %،  يشبه كلّ ألاعيب العصر من الهجمات السيبرانية، إلى حرب السوشال ميديا وخطاب الكراهية المفتعل، إلى اقتصاد الشبكات والتجارة الإلكترونية.

من المفارقات التى كشفها فيروس كورونا المستجد، أن تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات بعد التوقف الاجبارى، أصبحوا مستعدين وقادرين ومتعاونين مع التكنولوجيا، ومثلما خففت مؤسسات كثيرة الحضور لموظفيها ونجحت فى تنفيذ العمل من المنزل، نجحت خطوات التعليم عن بعد، وظهرت حلول كثيرة للدروس والمحاضرات «أون لاين»، وأصبحت تطبيقات «فيس بوك»، ويوتيوب قادرة على نقل العملية التعليمية، وليس فقط للدردشة، والنميمة، والكوميكس الذى يسخر من تطوير التعليم. وبدا أن ما كان الكثيرون يقاوموه ويهاجموه ممكناً وقابلاً للتطبيق. وفى ظل تهديد كورونا تقبل المجتمع ما كان يقاومه مختاراً، وذلك حسب قول أكرم القصاص في مقاله باليوم السابع مفارقات كورونا.. التعليم عن بعد انتصار لمشروع طارق شوقى.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

 

 

بليغ حمدي اسماعيلبالضرورة لا يمكننا فصل العلاقة المنطقية بين التطور العلمي والخطاب الديني في الوطن العربي، وربما كل مكاشفات التنويريين السابقة مثل فؤاد زكريا وعبد الله العروي وعابد الجابري ونصر أبو زيد وجابر عصفور وغيرهم تؤكد أن الضلالة العلمية التي انعكست على الحياة المجتمعية للمواطن العادي جعلته فريسة سهلة القنص والاصطياد لأمراء وشيوخ التيارات الراديكالية المتطرفة الذين ربما ـ وأعني وأقصد بربما الظنية ـ أنهم يعانون قدرا كبيرا من العقد النفسية المزمنة نتيجة ثمة عوامل وظروف شتى مجتمعة.

وهذه العلاقة بين نهضة العلم وتجديد الخطاب الديني هي ما أسفرت عنه المشاهد الإخبارية المنصرمة منذ أيام قلائل، ففي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي وإدارته الإفادة من جهود العالم المغربي منصف السلاوي لإنتاج لقاح مضاد لجائحة كورونا، أو بالأحرى تعيينه على رأس مبادرة البيت الأبيض لتطوير لقاح ضد فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19). راح علماء الوطن العربي يشيدون بجهود منصف السلاوي العلمية ومآثره المحمودة في المجال، وعلى حد قول سكاي نيوز العربية skynewsarabia " لم يقتصر التفاعل على الأوساط العلمية التي أشادت بالسلاوي وسجله الحافل، بل امتدت الحفاوة إلى المنصات الاجتماعية، فحرص المعلقون على التطرق إلى محطات من حياة العالم الذي يحمل جنسيات المغرب وبلجيكا والولايات المتحدة".

هذه الإشادة العلمية بمنصف السلاوي خارج حدود القطر المغربي تفسر حالات الإلحاد المتسارعة بالمغرب العربي نظرا لأن الجهود العلمية العربية دوما تفرخ خارج حدودنا العربية وكأننا على موعد مستدام بفرحة الوصول إلى النهائيات دونما حلم أو أمل بحصد اللقب.

واستنادا إلى التقرير الإخباري الشامل والمتكامل الذي رصدته وكالة سكاي نيوز العربية skynewsarabia عن المسارات العلمية لمنصف السلاوي، نطالع أنه ـ السلاوي ـ قرر أن ينتقل صوب بلجيكا، وهي بلد فرانكفوني، ثم درس في جامعة بروكسيل الحرة وحصل على شهادة "الإجازة" في البيولوجيا. في مرحلة موالية، نال شهادة الدكتواره في علم الأحياء الجزيئي، ثم تلقى عدة دورات في جامعات أميركية مرموقة مثل كلية هارفارد للطب وجامعة تافتس، أما في الحياة المهنية، فعمل السلاوي أستاذا بجامعة مونز البلجيكية وكتب ما يقارب مئة ورقة بحثية.

وهذا يدفعنا إلى المناخ العلمي الكفيل بتحقيق ريادة علمية حقيقية تتمثل في أبحاث جادة تتصل بواقع معاش وبحياة يأمل العلماء حقا إلى تغييرها للأفضل، بخلاف واقع علمي عربي موصوف ببحوث المكاتب أو المعامل المغلقة البعيدة عن حياة حقيقية حتى أنني وغيري كثيرون يفكرون بشأن هذه الأبحاث العلمية العربية بأنها أقرب إلى العالم الافتراضي أو بصورة تحقق رغبة اشتهاء صفة العلمية لديهم ببحوث تشارف عبارة ما ينبغي أن يكون !.

وما أقسى التقرير العلمي الذي كتبته أمل قصري بتاريخ أغسطس 2016 تحت عنوان "البحث العلمي في مصر «هواية» يمارسها محترفون!" . وأشارت الباحثة إلى المشكلة الحقيقية لأزمة البحث العلمي ليس في مصر وحدها بل في شتى بقاع الوطن العربي المهلل والأكثر فرحا باختيار منصف السلاوي رئيسا لفريق عمل أمريكي، ومن قبل فرحته بحصول الدكتور أحمد زويل على جائزة نوبل في مناخ غير عربي . وما أشارت إليه أمل قصري هو أن أزمة البحث العلمي في مصر يمكن للعاملين في المجال إدراكها وتعريفها بسهولة، بل ربما يمكن لبعضهم اقتراح حلول لها، إلا أن وضع يدهم على المشكلة ومعرفة الحلول لا يغير من الأمر شيئًا، وبالتالي تظل ممارسة البحث العلمي أشبه بهواية وليست احترافًا.

أي أن المشكلة الحقيقية للبحث العلمي في مصر بقاؤها كهواية وربما فرصة جيدة لارتقاء السلم الاجتماعي الباهت، أو السعي لاقتناص مكاسب وظيفية لا تعكس واقع المجتمع المعرفي بصورة صادقة.

وتعد المشكلة الأبرز علميا في تقرير قصري الذي يفرض نفسه بقوة ونحن نرصد حالات من التقاعس العلمي العربي لمواجهة جائحة كورونا هي على حد قولها " مشكلة الباحثين الشباب الذين أرى منهم مَن لا يدرك أساسيات البحث العلمي، ولا معنى التعاون وتبادل الأفكار بحرية وعلنية مع الغير، ويكتفون بنظرة ضيقة جدًّا حول ما يجب أن يقوموا به من عمل. وللأسف لا يجد هؤلاء في كثير من الأحيان توجيهًا مناسبًا أو دعمًا معنويًّا أو ماديًّا ممن هم أكثر خبرة، هؤلاء من المفترض أن يقودوا الاتجاهات البحثية القادمة في المستقبل القريب، ونشأتهم بهذا الضعف مؤشر على تدهور أكبر قادم" .

ومنذ إعلان صحيفة الجارديان بأن المحاولات الأولية لإنتاج لقاح لمواجهة فيروس كورونا الجائح لم تأت بتأثير أو فائدة أو نفع مبدئي وأنا أفكر في أمر البحث العلمي في مصر تحديدا أساتذة العلوم المنوط بهم البحث عن لقاح يدفع بصاحبه صوب منصة التتويج العلمي مرورا بالحصول على جائزة نوبل لكن الأمر يبدو مختلفا كالعادة لديهم .

وكنت أيضا أتوقع من هؤلاء العلماء المتخصصين في فيروسات تنقل إلينا عبر الطيور والحيوانات أن يكترثوا ولو بقدر قليل بالأمر في ظل رهبة وخشية بل وخوف مستدام نتيجة تفشي الجائحة، لكن لم يتحرك هؤلاء وأظن أنه رغم اهتمام السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي ومتابعته اليومية الدقيقة لأزمة كورونا أنهم لن يتجهوا بجدية ناحية المعامل الخالية حاليا من الطلاب .

وربما لتقاعس أساتذة العلم في إخبارنا عن الفيروس بطريقة علمية تجعلنا نفتخر بهم وبعلمهم لكنهم مثلنا يتابعون أخبار الدراما الرمضانية وأجور الممثلين والممثلات وبرامج التوك شو الإخبارية التي تستضيف الفنانين أيضا، يخبرنا العالم الحقيقي وليس أشباه علمائنا الحاصلين على درجة الدكتوراه من نفس الجامعات التي خرج منها أمثال توماس فانينج Thomas Fanning في بحثه المعنون " العثور على فيروس الإنفلونزا القاتل " بأن الإنفلونزا فيروس صغير وبسيط، مجرد كرة شحمية مجوفة بها عدد قليل من البروتينات ولا تحمل سوى ثمانية أجزاء جينية، غير أن ذلك هو كل المطلوب لكي تحفز خلايا العوائل الحية على صنع المزيد من الفيروسات . وهناك بروتين على درجة خاصة من الأهمية وهو هيمأجليوتينين (هـ أ) يسهل للفيروس دخول الخلايا . ويحدد شكله ي عائل يمكن لسلالة من سلالات فيروس الإنفلونزا أن يعديه .

ويضيف آن ريد Ann Reid أن هناك بروتينا آخر هو نيورامينيديز (ن أ) وظيفته أن يحرر الفيروسات حديثة التكوين من الخلية المعدية فهو المسئول عن مدى كفاءة انتشار الفيروس . وتساعد تغيرات ضئيلة في هذين البروتينين وغيرهما من بروتينات فيروس الإنفلونزا، تساعد الفيروس على عدوى أنواع جديدة من العوائل وعلى تجنب هجوم الجهاز المناعي، وتحدث التغيرات إما من خلال أخطاء تحدث أثناء نسخ الجينات الفيروسية، أو تكتسب في مقايضات عندما تختلط جينات سلالتين مختلفتين من سلالات فيروس الإنفلونزا أصابتا نفس الخلية .

الكارثة والفاجعة أن أساتذة العلوم في مصر يعرفون حقيقة التناسخ والتطور للفيروسات بل يظهرون بكل فرحة وبهجة على صفحات المجلات التي لم تعد تقرأ في زمن التقنية الرقمية، أو يظهرون على شاشات الفضائيات وسط نسب مشاهدة لم تتجاوز أفراد عائلاتهم فقط ليخبروننا بأن يعرفون هذه الحقائق لكن ما النتيجة ؟ لا شئ هم فقط انضموا معنا إلى مقعد المشاهد السلبي والمتابع البليد الذي ينتظر فرجا يأتي من الغرب .

هل هذا ادعاء؟ بالطبع لا، فقد نشر موقع اليوم السابع الإلكتروني القاهري ونقلت قناة الحرة خبرا يوم السبت الموافق 25 أبريل مفاده أن دراسة أعدتها إحدى جامعات سنغافورة (لم يذكر اسمها) توقيت انتهاء أزمة وباء كورونا في العديد من دول العالم، والتي أدت حتى الآن لإصابة أكثر من 2.8 مليون شخص ووفاة نحو 198 ألفا آخرين. واعتمدت الدراسة، التي نشرتها جامعة سنغافورة للتكنولوجيا أمس الجمعة، على البيانات الرسمية المقدمة من عدد من دول العالم حول الإصابات ودورة حياة الفيروس في تلك البلدان.

وكنت أتمنى أن يذكر الخبر ولو على سبيل التحفيز ودفع الطاقة الإيجابية داخل أساتذتنا بكليات العلوم والصيدلة والطب أيضا، أن هذه الجامعة قد استعانت بالأبحاث التي أجرين للتو في معامل كليات العلوم بجامعات مصر حول الطائر الذي ندعي جميعا أنه نقل لنا الفيروس، أو عن كيفية تخليقه وتصنيعه في ووهان بالصين، لكن النتائج الأولية لهذا الاهتمام تشير إلى الرقم صفر، وكل الظن أن بعضهم يقول بأن التجارب ستطول مدتها حتى الوصول إلى لقاح محلي .

وأنا أعتقد بل أتمنى أن يصدق اعتقادي بأن بجامعاتنا الضاربة في الانتشار بطول مصر وعرضها بأن هناك علما يسمى علم الفيرولوجيا (علم الفيروسات) وهو على حد معرفتي وكما يخبرنا العالم جاري ستيكس  Gary Stix في بحثه الموسوم بـ " هجمة جديدة على الفيروس " جانبا كبيرا في مراقبة كل خطوة ضئيلة من خطوات دورة حياة الفيروس بدءا من التصاق الفيروس بخلية مناعية واقتحامه إياها إلى تناسخه وانطلاق فيروسات جديدة من الخلية العائلة، وأخيرا البحث عن خلية جديدة يفترسها .

وربما أنا أكثر حزنا حينما أجدني متخليا عن طبيعة مقالاتي التي تستهدف تجديد العقل العربي تجديد الخطاب الديني والحث على الاجتهاد والتنوير، وأجدني في الوقت نفسه متحدثا عن العلم وكيفية الخروج من أزمة كورونا، لكن كل ما أرغب في توصيله إلى الأساتذة الأكاديميين بوصفهم ينتسبون عن طريق الصدفة إلى كلمة (عالم) هو ضرورة البحث عن نقاط هادية في التعامل مع فيروس كورونا، والسعي إلى تصنيع عاجل للمقاومة بعيدا عن ارتداء الأقنعة والقفازات وتناول وصفات الحلاقين والدجالين وبائعي العطارة والبهارات، وهل يمكن لهؤلاء المنتسبين إلى العلم أن يجدوا طرقا جديدة للحفاظ على عدم نضج الفيروس مثلما كان الأمر مع (با ـ 457) العقار المثبط لنضج الفيروس الذي اكتشفه علماء جامعتي ألاباما وماريلاند، حيث اكتشف باحثون يعملون مستقلين وليس مثل أساتذتنا الذين يتقاضون رواتب ولم يجدوا وسيلة بديلة عن استخدام الكحول والديتول والكلور لمواجهة الفيروس، عن بعضهما جزئيات عضوية صغيرة تمنع العدد الوفير من مكونات الكابسيد من الاتحاد معا لصنع غلاف نهائي للفيروس .

ومفاد إجابات الباحثين والعلميين العرب إزاء الأسئلة التي قد يصفونها دوما بالاتهامات هو غياب الوعي العلمي لدى الشارع العربي، وهي إجابة كفيلة بعكس مدى المنجز الحقيقي لهؤلاء العلماء إن صح الوصف والتوصيف لهم، فحالات الغياب العلمي الجمعي لا ولن يتحقق إلا بريادة واعية ومخلصة من جانب الباحثين والأكاديميين من خلال ندوات تثقيفية بالمدارس والنوادي والجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني، وبإطلاق مبادرات جماعية وليست فردية منهم تتناول هم التثقيف العلمي لدى الناشئة والإفادة القصوى من شبكات التواصل الاجتماعي لجعلها منارات علمية أكثر تخصصا .

وأخطر ظاهرة يمكن أن يعاني منها هذا المواطن العربي هو إقرار العلماء بجهله، لأنهم مدفوعون بحكم إخلاصهم العلمي إلى تنوير هذا المواطن العربي كونه فريسة لكافة القنوات والمواقع غير المتخصصة التي جعلته في نهاية الأمر يحتفي ويهلل فرحا بنبأ اختيار منصف السلاوي على رأس الفريق الأميركي لإنتاج لقاح مضاد لفيروس كورونا.

وهذا الإقرار هو ما يرتكبه أيضا أمراء وشيوخ الفتنة الضاربين في الانتشار بعقول وأذهان وأسماع البسطاء ممن كان حظهم فقيرا من العلوم الدينية، فمثلا شاعت قيم النكوص والارتداد والتقاعس لدى علماء العرب في إنتاج لقاح حقيقي مؤثر لمواجهة الجائحة والإفادة من أبحاثهم الكثيرة والمتنوعة ومؤلفاتهم العلمية الرصينة بالقطعية أو حتى استنهاض الدافعية العلمية لدى المواطنين بإلقاء دروس إلكترونية للشباب المنتظر ساعات طويلة أمام شاشات الحواسيب الإلكترونية، شاعت أيضا قيم التخلف والراديكالية حينما تصاعد المد الظلامي وشاع عن طريق إسطوانات صوتية ومحاضرات مرئية وكتب ورقية وإلكترونية أيضا لبعض أمراء التكفير والهجرة وأنصار بيت المقدس وداعش وجبهة النصرة.. إلخ، وهؤلاء مارسوا ولا يزالوا يمارسون سطوتهم الدينية على فئات غاب عن وعيها كل محاولات التجديد.

والمشكلة الحقيقية التي تحتاج إلى مواجهة صادقة مع النفس، هي أننا نعاني من حالة ضيق في إنتاج المعرفة، العلمية والدينية، العلمية حيث إن العلماء العرب هم الأكثر بحثا ورصدا ومراقبة لمجلة Nature أو موقع New York Post على سبيل المثال، ونجتر أفراحننا وهمين بعدد الاستشهادات العلمية لبعض الباحثين العرب في أبحاثهم العربية بلغات أجنبية، وهذا كفيل بتقرير حالات الغياب العلمي الأكاديمي عن الشارع العربي الأكثر والأشد احتياجا لهذه المعرفة في الوقت الذي كاد المواطن العربي أكثر حيرة في استخدامه للكحول من أجل التطهير والوقاية وهو يواجهة غموض الجائحة الكونية كورونا، فلا يفطن إلى الفرق بين نسب تركيز الكحول من 70% إلى 75 % وصولا إلى نسبة تركيز 90 %، واستسلم لوصفات الصيدلي أو المذيع الذي يظهر أمامه على شاشات التلفاز.

ويبدو أننا بحق لا نواجه جائحة كورونا فحسب، بل نحن أمام مقاومة صلبة وصعبة مع مغناطيس الرجعية والتطرف ؛ الرجعية العلمية المتمثلة في غياب قياس الأثر والنفع العلمي العربي، والتطرف المتمثل في أفكار وأيديولوجيات التيارات الدينية التي تصر أن تجعل الدين مضطربا بعقول البسطاء .

وإذا كان علماء العرب المعاصرون لا يزالوا يعيشون أيامهم المنصرمة بتقديسهم لما شاهدوه ورأوه وعاينوه في جامعات الغرب وأميركا دون تعريب وتمصير هذه المعرفة لوطن يستحق البقاء وهو اعتقاد بالتقليد الضعيف لم يكن له أثر في أعمالهم المجتمعية الواقعية، وكذلك إسراف أمراء وشيوخ التيارات الراديكالية في دراما تقديس الماضي والسلف بغير اجتهاد وظنهم على حد التوصيف الدقيق والرائع الذي قدمه الإمام المجدد محمد عبده وكأنه يتحدث عن أمراء وشيوخ النساء والفتنة في زماننا " أن لهم سلفا صالحا تركوا الاقتداء بهم زعما أن المتأخر لا يمكن أن يكون على هدى المتقدم، وأن حظهم من سلفهم انتظار شفاعتهم فقط "، فإننا أمام معركة حقيقية ذات وجهين ؛ البقاء والصمود العلمي ومن ثم الريادة، ونفي الجهالة عن العقل الذي ارتكن للاتباع دون الإبداع وفق قواعد أصيلة.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

حسين فاعور الساعديفي هذا المقال سأقارن بين التغييرات التي طرأت على الإنسان وتلك التي طرأت على الحيوان في السنوات الأخيرة. سأعتمد في هذه المقارنة على مشاهداتي المباشرة التي تعتمد على عملي المباشر خلال الخمسين سنة الأخيرة مع قطعان البشر ومع قطعان المواشي وخصوصاً الأغنام. قد يستغرب بعض القراء هذا الكلام وقد يظن البعض الآخر أنني ألجأ إلى الرمزية أو الخيال.

كل من يعرفني عن قرب يعرف أنني طوال سني حياتي عملت موظفاً. وقبل الدوام وبعده عملت راع لما ملكت من مواشي كالبقر والماعز والغنم. أتقنت العملين كما أعتقد ولم أقدم احدهما على الآخر. وقد تعلمت من ممارستي للعملين وطبقت ما تعلمته من أحدهما لصالح الآخر دون تفرقة. مثال على ذلك: إحدى المُعالجَات في المكتب الذي كنت أشرف عليه دخلت إلى مكتبي مع الموظفة المُعالِجة بهدف تدخلي لأنها أرادت التخلص من أبنائها الثلاثة وتسليمهم لنا لوضعهم في إحدى المؤسسات التي ترعى الأطفال في خطر. كانت فتاة في مقتبل العمر ولم تنجح الموظفة في إقناعها بتغيير رأيها والحفاظ على أبنائها. استعملت أنا والموظفة كل الأساليب والنظريات التي تعلمناها في الجامعة أو التي قرأناها في الكتب لإقناعها أو لجعلها تغير رأيها وفشلنا. أصرت أنها تريد "أن تعيش حياتها". تذكرتُ أنني حججت إلى بيت الله وأصوم وأصلي فأفتيت للفتاة: "يا أختي عيشي حياتك وفي نفس الوقت حافظي على أولادك...إن ذلك ممكن". رفضت الفكرة وأصرت على موقفها فوجدت نفسي بعفوية تامة أقول لها: "إن النعجة يا أختي تنوح على ابنها أسبوعاً وأسبوعين عندما نفصله عنها للفطام وكذلك العنزة والبقرة فما بالك أنت تتنازلين عن أبنائك بهذه السهولة؟". طبعاً لم أقنعها وتركت لنا أطفالها وعاشت حياتها، وارتكبتُ إثم فتواي.(سأعد لهذه الظاهرة كمثال عندما أتحدث عما أصاب الامومة)

واليوم بعد بضع سنين من خروجي للتقاعد من الوظيفة وجدت نفسي أتشبث بالعمل مع المواشي ولم أتشبث بالعمل في مجال تخصصي مع البشر كما يفعل الكثيرون بعد تقاعدهم مع أن ذلك متوفر وممكن وأيضاً مجدي أكثر من العمل مع الماشية. فما السبب؟ ولماذا سلّمتْ تلك الفتاة أطفالها وتركت زوجها وذهبت لتعيش حياتها؟ ولماذا صار العمل مع قطعان الماشية في هذه السنوات أصعب بكثير مما كان عليه قبل ثلاثين أو أربعين سنة؟ ألأن رعاية القطيع كانت فرصة لتأليف الأغاني والمواويل والاستمتاع بالطبيعة فأصبحت مشقة ومعاناة؟.  أم ماذا؟

سأحاول الإجابة على هذه التساؤلات. فمن ملاحظاتي التي جمعتها هنالك شبه بل وتطابق بين ما حدث للمواشي وبين ما حدث للبشر.

أنا راع بارع ومحترف وأصر على ممارسة هذه المهنة التي أظن أنهم سيُدَرّسونها في الجامعات كما يُدرّسون اليوم العلاج بواسطة الحيوانات. ولا أخجل بهذه المهنة بل أعتز وأفتخر لأن معظم الأنبياء إن لم يكن جميعهم عملوا رعاة قبل بعثهم. فمحمد صلى الله عليه وسلم كان راعياً وموسى وشعيب ويعقوب وأبناؤه عليهم السلام. فالراعي يكتسب الكثير من المهارات في القيادة وفي التعامل مع القطيع. ومن هنا جاءت حكمة الله سبحانه وتعالى أن بعث رعاة رسلا إلى أقوامهم. "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" فالأب راعٍ والمعلم راعٍ والموظف راعٍ  والطبيب راعٍ. وكراع محترف فإنني سأعرض أمامكم بعض الصفات العامة والمشتركة لمختلف أنواع القطعان سواء كانت من الحيوانات أم من البشر وماذا حدث لهذه الصفات في ظل العولمة وتفشي الجشع:

أولاً: القيادة: القطيع هو مجموعة من الأفراد تعيش معاً وبسبب هذه العيشة يصبح لها أساليب وأنماط حياة مشتركة تناسبها. فالقطيع يسير باتجاه واحد وخلف القيادة المتبلورة من أفراده. هذا النمط تغير كثيراً بفعل عدة عوامل أهمها عند الحيوان أن القيادة الذاتية تلاشت بسبب تغير نظم الحياة والاعتماد على العلف أكثر من الاعتماد على المرعى فلم تعد هنالك حاجة لقيادة ذات خبرة بالمواقع الخصبة وبالتعامل والتعاون مع الراعي ولديها الجرأة في السير في المقدمة وتعريض نفسها لمخاطر الطبيعة. دائما كان للراعي دوراً مهماً في خلق هذه القيادة لسبب بسيط جداً وهو أن للراعي مصلحة في وجود قيادة في القطيع تسهل عليه التعامل معها فالتعامل مع فرد أو مجموعة أهون من التعامل مع أفراد أو مجموعات. أما عند البشر فقد كان ذلك صحيحاً حتى وقت قريب بفعل النظام البتريرخالى الذي اوجد الأب  والشيخ أو المختار. كذلك  فإن السلطة المركزية كانت تفضل التعامل مع المختار كقائد. والدول المستعمرة فضلت التعامل مع الملوك والرؤساء الذين عينتهم كرعاة للقطعان البشرية لأنها لم ترد التعامل مع القطيع مباشرة. ما حدث عند قطعان الماشية حدث عند قطعان البشر وخصوصاً بعد العولمة والفوضى الخلاقة التي حولت القطيع إلى أفراد لا مصلحة مشتركة بينهم ولا مجال للسير في اتجاه واحد لعدم وجود قيادة محلية واحدة بعد "إسقاط النظام". كل فرد صار قائد نفسه. وفي ذلك مصلحة عليا للدول المحتكرة المعنية بأسواق استهلاكية غير منتجة بعد خوفها الشديد من سقوط القيادات التي عينتها واستبدالها من قبل القطيع بقيادات تناسبه وربما لا تخدمها كما يجب.

عند الحيوان كالأغنام مثلاً حدثت تغييرات جينية بسبب تدخل الإنسان. إن الجشع دفع العلماء في الدول الجشعة إلى تهجين الأغنام البلدية بجينات من الخنازير أو الكلاب وذلك لكي تنجب الأنثى  اثنين وثلاثة وأربعة خرفان في الحمل الواحد والهدف ويادة الأرباح. ويبدو ذلك جلياً في تصرفات الأغنام المهجنة. فمن صفات الغنم البلدي الذي انقرض تقريباً أنه وقت الحر يلتصق ببعضه ليحمي نفسه من حر الشمس وإذا سار يسير باتجاه واحد وليس في كل الاتجاهات وهو قليل الحركة مما يسهل من عمل الراعي. أما الغنم المهجن فهو سريع الحركة ويذهب في كل الاتجاهات ويصعب السيطرة عليه في المرعى  وهي صفة معروفة للخنازير أو الكلاب. كما أن من ميزات الغنم البلدي ككل قطيع العودة إلى الحظيرة موطنه الثابت بمبادرته في ساعات المساء خوفاً من الظلام. بينما الغنم المهجن لا يعود، ويأنس بالظلام وهي صفة من صفات الخنازير التي لا تخرج إلا ليلاً، وليس لها موطن ثابت.

القطيع لم يعد القطيع بسبب عمليات التهجين ولم يعد مناسباً خروجه للمرعى لأنه لا مجال للسيطرة عليه. وبهذه الطريقة فقد الراعي عمله لأن الحظيرة هي ما يناسب قطعان اليوم وبذلك يمكن ضمان استهلاك الخلطات المصنعة وزيادة أرباح الشركات. في ظل النظام الرأسمالي الجشع الربح هو الهدف ولزيادة هذا الربح يتم إنتاج خلطات من الفضلات سواء فضلات الأطعمة والصناعات المختلفة وفضلات الطيور أو الحيوانات الأخرى كعلف للقطيع. هذه الخلطات المصنعة من مواد رديئة يضاف لها اللون والطعم والرائحة والمواد الأخرى التي تجعل الحيوان يدمن عليها ويستغيث عندما لا تقدم له. تماماً كإدمان الإنسان على المواد المصنعة كالكوكا كولا والسجائر. إن الكثير من المواد التي تقدم للقطعان البشرية كأطعمة تم تصنيعها بنفس الطريقة ومن مواد رديئة جداً أضيف لها اللون والطعم والرائحة ومواد أخرى تجعل الإنسان يتعلق بها ولا يستطيع الاستغناء عنها والهدف هو أن تحل هذه محل الأطعمة المحلية التي كانت الشعوب المستهلكة تنتجها. والهدف هو الربح والمزيد من الربح والسيطرة.

 

حسين فاعور الساعدي

 

جواد غلومأكاد أشبّه مثقفنا اليوم بوسطنا الإعلامي والثقافي بحالة ديك القرية المتبختر المنفوش الريش  في القصة التي أوردها هنا بهذه المقالة بإيجاز فهي تمثّل وضع رجل الثقافة وإحساسه بأهميته ودوره الذي يُخيّل اليه انه المحرّك الرئيس لعجلة الحياة الثقافية وربما السياسية؛ ولولاه لجفّ ضرع الوعي وانحسر أثر الثقافة وساد الجهل في عقولنا – أو هكذا يتوهم --، يذكّرني هذا الحال الغريب بما قاله الشاعر الالمانيّ تيودور فونتانا  من ان الديك يظنّ ان الشمس تؤذن بالشروق طيّعة مستكينة حالما تسمع صوته .

هذه قصة متداولة أسردها سريعاً يعرفها الجميع وطالما قصصناها حتى على أطفالنا عظةً وعبرةً لكن لابد من التذكير بها لأنها تتطابق تماما مع الحالة التي نعيشها الآن :

يُروى ان ديك القرية الجميل الطلعة، ذا العُرف الأحمر القاني، الشجيّ الصوت برياشه الحمر الزاهية التي نبتت في انحاء جسمه قد أصابه الغرور حينما رأى الناس تصحو على صوته اول الصباح وتشمّر عن سواعدها إيذانا بيوم جميل، وكلٌ ذاهب الى عمله نشيطا معافى يملؤه العزم على مواصلة الحياة فهذا الفلاّح امسك بأدواته وبدأ يحرث ارضه وذاك العامل تفحّص آلته للبدء بتشغيلها وبدا الطالب حازما حقيبته الملأى بالكتب والقرطاسية متجها بهمة عالية الى مدرسته لينهل العلم ويغذي عقله بالمعرفة .

أحسّ الديك بالخيلاء وقال في سرّه: لولاي لما تحرك هؤلاء الناس الى اعمالهم ومزارعهم ومعاهدهم فانا الصائح المحكي الذي يوقظهم . وقرر في اليوم التالي ان يسكت عن الصداح ظنّا منه انه سوف يشلّ حركة الجموع ويُبقي الناس نياما ولا احد سيتجه الى عمله فرحا مسرورا .

 انتظرَ حتى يجيء الصباح ولم يصدح ولكنه تفاجأ بان القوم سارعوا في النهوض كعادتهم فخاب امله حين رأى الجموع تتجه الى اعمالهم ومصالحهم كعادتهم في كل صباح جديد، فعاد كئيبا الى قِنِّهِ محاولا ان يعيد النظر بقراره الخائب .

أسوق هذه المقدمة وانا أرثي لحال أدبائنا ومثقفينا الذين يتصوّرون انهم المحرّك الأساس لنهوض ونماء ورقيّ مجتمعنا ولا يدري هذا المثقف ان صوته المبحوح قد خفتَ صفيرُه وذبلت أوتاره؛ فالحيّ لم يعد يستمع لصوته امام ألسن شيوخ القبائل وزعماء الطوائف ورجال الدين الهائجين على منابرهم ورجال السياسة المنتفخي الاوداج العازفين على اوتار الخلافات المقيتة " العقائدية والعنصرية والحزبية " والتي أقولها بكل أسف انها بدأت تطرب الحشود في مجتمعنا الواهن الفكر، وصار الملأ يمدّ الرقاب اليها فضولا ليستمع الى سيّده الشيخ وممتهن الدين وأخذت الاعناق تشرئب الى اصواتهم اصغاءً . والمضحك المبكي ان مثقفنا المسكين قد وَرَمتْ حنجرته من العويل والصياح حتى شُلّ لسانه ولا احد يسمع ما يقول حتى سكن صوته تبرّماً وتشتت سامعوه متفرقين عنه وتركوه واصطفوا الى جانب ذاك السياسي الطائفي والشوفيني القومي والقبلي الذي يشدّ الأسماع ويلهب القلوب ويهيج النفوس والعقول والقلوب .

مسكين صديقنا المثقف، ترى ما الذي سيفعله امام هذه السيول الطائفية العمياء والاصطفاف المذهبي والعشائرية التي تكتسحنا والتي اؤكد انها ستجرفنا الى هاوية سحيقة سيكون من الصعب ارتقاؤها لو دامت في نفوسنا ومشاعرنا بمثل هذا الشكل الذي نراه الان .

هل ثمة مثقف عضوي يستطيع الان الثبات في ارض آيلةٍ للخسف؟ أقولها بملء فمي: لا، على الأقلّ في الوقت الحاضر مادامت الصراعات المذهبية الفجّة قائمة وتتغذى حدّ الاشباع والتخمة من اناس يسمونهم قادة لكتل سياسية ودينية تعتاش على تلك النفايات الفكرية التي نبذتها المجتمعات المدنية المتحضّرة منذ أمَدٍ طويل والتي ما عادت تشكّل بضاعة رائجة الاّ في بلادنا المبتلية بتلك النماذج المنتفعة بآلامنا وهمومنا الكثيرة .

لو كان وزير الإعلام النازي "غوبلز" بين ظهرانينا الآن لأشارَ دون ان يتردد لحظة واحدة حينما يذكر اسم مثقفنا اللاعضوي: كلما ذكر اسم المثقف العربي لمددتُ يدي الى مؤخرتي استهزاءً وتصغيرا.

حقاً إن أخفتَ الأصوات لصوتُ المثقف طالما رهن صوته بأموال هذا السياسي او ذاك المتملق المتصيّد للمناصب وصار بوقا يزمّر لتوجهات ساسة وممولين تبعا لما يقدمون له من مال ووظيفة وجاه وحظوة تدرّ عليه ثراءً وبروزا وحينما ينتهي دوره ويعتلي السياسي مركزه الذي يحلم به  يرمي هذا المثقف في حاوية النفايات كأية سلعة بخسة انتهى استعمالها .

وقد يعيد هذا المثقف التقليدي الأخرق ترتيب نفسه ليبحث عن طريقة استجداء اخرى  وتملّق مموّل آخر او سياسي طامع ويعمل على تزويقه إعلاميا ويجهد في صقل وسنفرةِ جلده الأجرب عسى ان تناله حظوة مالية ثانية ومركز مرموق وهكذا دواليك وتراه يدور ويدور أينما كان رزقه وحيثما يجد دبقَهُ، اما هموم شعبه ومعاناة أهله ومواطنيه فلتذهب الى الجحيم وفق منظوره النفعي البراجماتي .

هذا هو المثقف التقليدي البائس عندنا وما أكثرهم الان، إذ لا يوجد مثقف عضوي في ساحتنا الثقافية وإلاّ لتخلصنا من الكثير من ساسة الصدفة التافهين وانكشف حال الانتهازيين وصائدي الفرص واللاعبين على الحبال من بهلوانيي السياسة والكومبرادوريين العملاء الذين أوهنوا اقتصادنا وحطموا الحرفية العراقية وأفقروا شعبنا الغني بخطلهم الاقتصادي وفقرهم الفكري؛ وكل ذلك بسبب مهادنة المثقف والإعلامي السافل لهؤلاء وضعفه أمام إغراءاتهم .

وكما يقال في الفنّ: هاتِ لي مسرحا راقيا متقدما أعطيك شعبا مثقفا؛ نقول هاتِ لنا مثقفين عضويين شجعان أضمن لك وعياً جماهيريا ناضجا وتغييراً سياسيا واختيارا لنخبة مبدعة كفوءة في كل ميادين النشاط الاقتصادي والتنموي وغيرها وحتما ستأخذ ببلادنا نحو مناحي الازدهار نحو الأفضل .

 

جواد غلوم

 

يسري عبد الغنييحلو للأديب أن يكون مفكرًا، والمفكر قد لا يكون أديبًا، وفي كلتا الحالتين يظهر أو يبدو الأدب والفكر في معية واحدة وفي صف واحد، إذ إن الأدب -كما هو معلوم- الأخذ من كل علم بطرف والفكر هو الذي يحرك في المثقف عقله وذهنه، ومن ثم فالمفكر أديبٌ ومثقفٌ حتى يصل إلى درجة الفيلسوف، هذا إذا كان لهذا المفكر موهبة أدبية أو شاعرية.

أما الفلسفة فمعناها محبة الحكمة، هكذا في التعريف المأخوذ عن اللغة الإغريقية القديمة، والفلسفة لها منطق جزل أو نحف ويقال: إن المنطق معناه نحو الفكر البشري.

وليس هناك مقارنات بين هذه المصطلحات بالقدر الذي يفرق، ولكن هذه المصطلحات كافة مصطلحات ثقافية ومعرفية وفنية ليس إلا. بيد أن الأدب هنا منعش لهذه الحركات الذهنية والمصطلحات الفكرية لأنه يحمل في باطنه رقاقات عاطفية وأدبيات حلوة وفنونًا جميلة.

هذه المعالم الثقافية بين الأدب والفكر والفن والمنطق والشعر والذهن لهي تعبيرات ذوقية تصل بين الذهن والفكر فيعبّر بها الأديب عمّا يعلمه لغةً وأدبًا وثقافةً. وصار لهذه الثقافة محبون خاصة في القرون الماضية وبالأخص الشعر والفن الأدبي وكان ذوو السلطة يقربون إليهم الأدباء والشعراء والفنانين أمثال الرواة والإخباريين كحماد الراوية وخلف الأحمر والأصمعي الذي كان يروي كثيرًا عن الأعراب ومثال على ذلك أنه التقى بأعرابي فقال له ما صناعتك؟ فقال الأصمعي: الأدب، فقال له الأعرابي: نعم الشيء هو فعليك به فإنه ينزل المملوك في حد الملوك!.

وتطور التاريخ في الآداب والمعارف والفنون فصار لها كتب ودواوين ومؤلفات ومجاميع كما تطور الأدب ولغته وتفكير أدبائه وشعرائه ودون كل ذلك كما في الأغاني لأبي فرج الأصفهاني والأمالي لأبي علي القالي والكامل في اللغة والأدب للمبرد وأدب الكاتب لابن قتيبة الدينوري والبيان والتبيين للجاحظ وسواها من الكتب التي وصلت العصر الحديث التي لم تصل وذهبت نهبا لهولاكو الذي دمر بغداد بما فيها من الكتب والمكتبات حتى غدا نهر الفرات ودجلة خليط الحبر والمداد.

هذه الأشياء تدلنا على الثقافة وانصياع الأديب وراءها؛ لأنها قيمته وهدفه في سبيل أعماله الأدبية التي تكون زادًا فكريًا وثقافيًا لهذه الأشياء.

والثقافة التي يضطلع بها الأديب أو الشاعر ثقافة من المفروض أن تكون واسعة؛ لأنها تشكل الحقيبة التي تحمل في ثناياها كل معنى يريد الأديب إيصاله منها لجمهوره من القراء والمتلقين، وهذا شيء مستجاد. إنما الشيء المحيِّر في موضوعنا تساؤل يقفز ليقول لنا: هل الفلسفة التي أشرنا إليها آنفًا مسألة أم مشكلة؟ وإجابة الأديب عن ذلك ليست مشكلة بقدر ما هي مفهومة لدى الجمهور؛ لأن الفلسفة لها علمها وثقافتها بالقدر الذي ازدهرت في العصور الماضية خاصة المدرسة الإغريقية في الفلسفة وما تلتها من المدارس التي كان من أبرز أعلامها الكندي والغزالي والفارابي وابن طفيل وابن رشد وابن خلدون.

أما الأدب والشعر فازهارهما وارد منذ القدم في تاريخنا العربي ويقول مؤرخو هذا الأدب: أإنه يمتد من قرن ونصف القرن من قبل هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام. فالعرب أمة شاعرة تحن للطبيعة وخالقها فتعبر عن الحق والخير والجمال شعرًا ونثرًا وفكرًا.

والبيان العربي أسلوب أدبيٌ رشيقٌ وأنيقٌ بلغته أنزل القرآن وورد الحديث النبوي وكُتب بها التراث العربي الإسلامي الذي يحمل في طياته علوم العرب وآدابها فبطبيعة الحال ازدهر الأدب بجوار الفكر وازدهر الفكر بضياء الفلسفة تجمعها كليًا الثقافة العربية والإسلامية وتراثها الفكري والأدبي والمعرفي، الذي يجمع محيطًا معنويًا وفكريًا وأدبيًا وفلسفيًا يزخر بالأفكار والقيم والمعاني والمعارف والثقافة والإعلام ووسائله القديمة والحديثة التي كانت ولم تزل تعبِّر عن أدب الأديب وشعر الشاعر ورمز المجتمع العربي الأصيل. فالشعر قديمًا هو المحور الإعلامي الذي يعبِّر عن هذا المجتمع في شؤونه وشجونه وأموره وأنشطته وسلمه وحربه، والشاعر هو بمثابة وزير للإعلام ينصر قومه ويشد من أزرهم بلا هوادة إلا الكلمة الفصحى والفكرة الإيجابية. وهذا من شأنه أن يأتي بالنصر والغنيمة والسلام لأمته وإنهاء للحروب التي تمتد سنين وشهورًا وزمانًا طويلاً.

وعندما جاء الإسلام اتخذ دينه البيان والأدب محورًا لتعاليمه التي جاء الرسول الكريم عليه الصلاة والتسليم، كما ورد في حديثه: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، فرأينا الشعراء أمثال حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وغيرهم يدافعون عن حمى الدين وبيضته، وذلك دفاعًا ضد الأعداء من المشركين والكفار والمنافقين، فغدت الأمة أمة خير ورحمة وبركة. ودخل الناس في دين الله أفواجًا.

إن الأدب الإسلامي وليد أدب حسان وابن رواحة وكعب وازدهر بفضل الله على مرِّ السنين والقرون إلى يوم الناس هذا. يتخذ من الفكرة الدينية متكأً للشعر والخطابة والأمثال الشيء الذي رضي عنه النبي عليه والصلاة والسلام وصحابته رضوان الله عليهم.

 

بقلم: د. يسري عبدالغني

 

سامي عبد العاللم يَكُّن التاريخُ ليقْصُد تعطيل المُراقبة الدينية على المؤمنين مثلما يفْعل حالياً بسبب الأوبئة، لأنَّ تاريخ المعتقدات قد كُتِبَ بطريقة المُراقبة تدخُلاً فيما لا يجب. الفقهاء والقساوسة والحاخامات والشُراح جميعهم نهضوا بفرْز الأنفاس والحركات والسكنات والأعمال الخاصة باتباع الأديان وتصنيفها. أيُّها أقرب للالتزام به وأيُّها ينبغي تركه..، ولو تمكنوا لتدخلُوا فيما يخلقُ الخالقُ، وكيف سيكُون، ولماذا لا يضع منشوراً بأسمائهم في كل عصرٍ؟! ومن ثمَّ ظهرت مذاهبُ الفقهاء واتجاهات القساوسة ورجال الدين إزاء مستجدات الحياة وفقاً لما يقّعدونه من أصول دينية إجمالاً.

المفارقةَ أنَّ كورونا أفرز نمطّاً من الحياة دون مراقبةٍ على الأفعال، هو نمط التدين بلا تدخل ديني من قبل سلطةٍ ما. غالباً بجميع الأديان كانت تأخذ طبقةُ من أصحابها متابعةَ المجال الاعتقادي وتحرسُ حدودّه دافعةً للتمسُك به وجهاً لوجه. حضور المؤمنين بالنسبة لهؤلاء كان شرطاً لضمان التعلق بخفاء الإله واليقين والثواب والتوبة الغفران. ولكن نظراً لانتشار العدوى، بَطُلّت هذه المتابعة بِفضل انعزال المؤمنين وتباعدهم. لقد أوجدَ الفيروس وضعاً هو الدين بمعناه الجوهري: " أنْ تكونَ النفوسُ حُرةً طليقةً، تُؤمنُ كما تشاءُ وتعتقدُ مثلما تريدُ وتمارسُ حياتَّها الروحيةَ بما تَخْلُص له. وإزاء كل هذا الرُكام السلطوي، أعطى للأفراد حرية التعقل والفهم ولو كانوا في مساحةٍ ضيقةٍ هي حجم الذات والبيت".

 المعنى أنَّ فيروساً قد أرجعنا فيما نفْعل إلى حياتنا الخاصة، وهذا الوضع وتَّرَ العلاقة مع مُدمني الهيمنة على الآخرين بأشكالها المتباينة. إنَّ الإقامة الفردية بالمنازل ليست إقامةً إزاء الأشياء بقدر ما هي إزاء كل ما يُؤثر علينا ولو كان بسلطةِ ما نُؤْمن. وهذا هو الشيء الخطير في المسألة: أن تُشتَّق من جانب ما نثق به ونؤمن سلطةً تاريخية تعيد توجيهنا لأغراض عامة أو خاصة أحياناً. ونتيجة التَّصحُر لعلاقةٍ قائمةٍ على شيء ثالث (أي الدين بين المؤمن ودُعاته)، فقد كنّا نحن المتفلتين بالضرورةِ من كلِّ ما يجري شكلياً ككائنات غير قابلةٍ للترويض. فموقف فرض الهيمنة الميتافيزيقية على المؤمنين يعد موقفاً خارج منطق الدين نفسه.

لأول مرة نتيجة الوباء بوضعه الكوني، ينسحب الفردُ من حركة المجتمع إلى نقيضها، إلى حياة فردية موغلة في الانعزال. أين المفر دون وجودنا الذاتي الحر حيث تخفت أصوات الدعاة؟! بعبارة واضحة أصبحنا نستوحش أية حياة اجتماعية بدلاً من عبارات الدفء والحميمية، فلقد غدت العبارات قاتلة لأنَّ نهايتها العدوى والموت.  بلغة المسيحية، عاد الفردُ إلى البريَّة ثانيةً دون سائسٍ كيوْم ولدته أمهُ وكل أم أخرى (الثقافة، التاريخ)، بعد أنْ دجنته المجتمعات والسياسة والاخلاق. حيث كان هنالك لمفتاح التدجين مَنْ يقلّه (مهام الكاهن والشامان والساحر والواعظ والخادم السياسي وحامل الاختام وحافظ الخبايا) كوظيفة كاتم الاسرار في الأساطير القديمة. وهؤلاء استولوا على كيان الإنسان لا مجرد دعوته إلى هدايةٍ ما، كورونا هو الاستثناء التاريخي بامتياز كوباءٍ أظهر أوبئة أخرى في عقر دار الحياة الإنسانية.

 الفكرة المثيرة أنَّ كورونا أبْطّل فعل السلطة الزمنية للأديان بمنع الطقوس الجماعية والحيلولة دون الشعائر في بيوت العبادة( منع الصلوات والفروض والمناسك كالعمرة والقُداس بالكنائس والأعياد بالمعابد اليهودية)، جعل التباعُد الجسدي رمياً روحياً للانفراد بالذوات دون إلزام خارجي إلاَّ من خوفٍ على الحياة. فالبيولوجيا أعادت الدين (الاعتقاد والسلوك الجسدي) مجرداً من سلطته العينية العمومية. وتلك كانت حالة التدين الأولى بالنسبة لنزول الأديان في شكل إيمان فردي(موسى- عيسى – محمد). فلم ينزل الدين جمعاً (بصيغة الاعتقاد العام)، بل كان الأنبياء هم الأفراد الذين بلَّغوا رسالتهم إلى أفرادٍ تاليين، ثم يكون انتشار الدين بوجود رجاله (الاسلام) ودعاته أو مبشريه (المسيحية).

طبعاً استشعر هؤلاء الرجال حَرجّاً في الديانات الثلاث، فأقاموا بعض الشعائر بمفردهم كقرع أجراس الكنائس دون شعب الرب أو رفع الآذان من غير مصلين دفعاً للصلاة بالبيوت وفي الرحال أو التنبيه الخاطف بصدد أيام الأعياد الدينية لدى اليهود تجنباً لاحتفال المؤمنين معاً. وهذه المظاهر تتشبث بالمهام التاريخية لحراس الديانات- فيما يعتقدون- واستعادة خجولة لوظيفتهم لدى البشر. أغلبهُم يأملون في عودة الحياة إلى سيرتها الأولى أكثر من الأطباء الذين عجزوا عن مداواة مرضاهم!!

وهناك أبعد من ذلك إذ أخذَ بعضُ كهان الدين يطُلّون عبر التلفاز بواسطة الأدعية والتذكير بمقولة (نحن هنا بالدنيا) أو حث المؤمنين على الزكاةِ وبذل العطاء للفقراء والمرضي غفرانا للذنوب (نحن هناك بالآخرة). وأخرون لا يتكاسلون عن تشغيل عجلات الدهس الأيديولوجي باسم الله وبخاصة جماعات العنف، حيث يصرون على مغالبة الفيروس لصالح فيروساتهم الأشد فتكاً. جميع الصور تعيد تنشيط الجوانب السياسية للدين مرةً أخرى، لأنَّ كلامهم وإشاراتهم تدخل الفضاء العمومي الذي يخص كل الناس. ولم يكن معناها لينفرد بفئةٍ دون أخرى، بل يتدخل في الشأن الذي يسوسهم حيث أهداف المجتمع والدولة.

 يقول عابد الجابري: "عندما يتدين الفردُ لوحدِّه، فهو يمارسُ الدين، ولكن عندما ينادي الآخرين ليتدينوا معه، فهو يمارسُ السياسةَ "... وهذا هو البُعد المفقود في فهم الدعاة ورجال الدين، من حيث إغفال لعبة السياسة (أرجوحة: مع أو ضد). فهم حتى بالنسبة لضمائر المؤمنين يمارسون تسييسها شاءوا أم أبوا، وخطورة ما يفعل هؤلاء أنهم يقيموا طبقة عازلة تدريجياً بين الفرد ونفسه. فالقرآن تحدث عن السحرة الذين يفرقون بين المرء وزوجه، كذلك قد يكون الزوج هو النفس، الذات، أي القرين كما تستعمل الكلمة في بعض الثقافة الشعبية (تحت معنى أخته).

التفرقة الأولى معروفة في الأسرة الواحدة (بين الرجل وامرأته)، أمَّا التفرقة الثانية (بين الإنسان وذاته): أنَّ رجال الدين نتيجة الخطاب الداعي للإتباع والتحريم والشعائر الظاهرية أمام الناس (بوصفها كل الدين) يحفرون فجوةً غير قابلة للردم بين المؤمن ونفسه. لأنَّه سيبادلهم صورةً بصورةٍ، شكلاً بشكلٍّ، ومراوغةً بمراوغةٍ مع تقلبات الفتاوى والأحوال الدينية والسياسية. وسينسى الإنسان الجوانب الروحية في الدين منغمساً داخل الشكليات ليس أكثر.

 سيُصبح المؤمن مسْكوناً بهواجس التتبع والمراقبة غير الذاتية، ستخبو لديه مراقبة الله لقاء حضور شيء آخر ليس من جنس الدين إلاَّ رسماً. وهواجس الخوف نفسه عادة ما تتوحد  السلطة به أو بالأحرى يتم اسثماره من الخطاب الديني وصولاً إلى نفوس المؤمنين. فالغاية القصوى داخل كل مجال سياسي هو بث الخوف في روع المواطنين (باسم القانون)، كأنَّ الدولة ليست جهازاً سياسياً رمزياً للحكم، لكنها (إله) من عجينة المراقبة والمعاقبة، وهو الأمر الذي لا يكون ممكناً إلاَّ بتجربة رجال الدين. فرجال الدين – لو نتخيل- يسبقون الدولة في المراقبة والمعاقبة بلغة ميشيل فوكو. وسيكون الخوف مما يلحق بالأفراد أبعد من الخوف من أية سلطة سواها. إنَّ فكرة الاصنام في أصولها ضرب من درء الخوف من المجهول الميتافيزيقي، فكان تجسيدها في شكل عيني أدعى لترويضه وتحديده مشخصّاً.

ولذلك، فالمسألةُ الحيوية كالتالي: هل تعد واقعة كورونا حدثاً في تاريخ الوسيط الديني؟ هل سنرى تصدُّعاً في الخطاب الديني من جهة خفوت تأثيره الجمعي؟! وهل غياب المؤمنين يغيب القائمين على رعايته بالضرورة؟ مهما تكن الإجابات، فإنَّ البشر هم من يخلقون كهانهم بأقنعة لا حصر لها، وليس الدين في ذاته هو ما يفعل ولا ما يحدد كهانه. الكاهن قابع في طرائق الحياة وسياسات البشر نحن ما هو عمومي. فالدين – حتى بنظرة مبدئية- لا يعطي زمام أمره إلى أي لاهوتٍ بشري يبتلعه تحت سقف السلطة.

 إنَّ ما فعله كورونا ليس نوعاً من التنظيم كما حاول رجال الدين تصويره والتهوين منه إذ يواصلون إزجاء النصائح الدينية للمؤمنين حتى أثناء الحجر الصحي. كإشارة أنهم لن يتركونهم إلاَّ عند باب القبر ثم إلى الجنة أو النار. إنَّه عودة إلى الأصل، التفاتة تاريخية بالغة الدلالة إلى المنابع، وهي عودة تكشف كل تاريخ استعمال الدين وحجبه وتغطية أصوله باسم الدعوة إليه. كأنَّ الفيروس يقول: إذا كان الدين تتنازعون حولة كلما التقيتم على نحو عمومي، فهو ليس لهذا الغرض بالتحديد. دوماً غرضُه بناء النفوس وتحقيق الخلاص الفردي بالدرجة الأساسية، وأنَّ رجال الدين قد يكونوا مرهونين بالأوضاع المسيّسة والمؤدلجة. بدليل أنَّ عنف البيولوجيا (الفيروس) أزالَ عنفَ الوسيط الديني بين الناس. لئن كان الإنسانُ مدنياً (أو اجتماعياً بالطبع)، فالطبيعة ترُد علينا فوراً إذ تزيل المدنية ليرتهن الفرد بثقل وجوده الذاتي، وتصبح مسؤوليته أنْ يتفرد طبيعياً واجتماعياً. أي بالمنطق نفسه عادَ الفردُ إلى بيولوجيته الذاتية التي هي المدنيّة الاجتماعية الجديدة.

 وتداعيات المفارقة لم تقف عند هذا الحد، بل كشفت طبيعة رجال الدين، فإذا كانوا تاريخياً قد ألصقوا سلطتهم بالميتافيزيقا (بالسماء)، فالتدين الخاص (الانعزالي) أبرز عودة الحق إلي صاحبه، ولم تعد لتوجد وساطة بين الله والإنسان. صاحبه من طرفي العلاقة الدينية (الله – المؤمن)، فالوسيط عادةً هو الآخذ من قوة الوجود الإلهي ومن قوة الإيمان لدى الأفراد. فعلاً هو يعتّاش على الأخذ من (الطرفين) لأجل الوظيفة القائم بها. والأخذ نوع من الحساب الربوي لمصلحة القوى المهيمنة اجتماعياً بالضرورة. الربا الذي يكاثر نفوذ السلطة القائمة استغلالاً لرمزية العلاقة بين الدين والسياسة. والوسيط بالتعريف هو ما يأخذ من (الأعلى) على أنه فعل لأجل (الأدنى)، وهذا لون من المرابحة الرمزية لا أقول الاقتصادية فقط. وإنْ كان يجري الأمر بالمرابحة المادية كنوع من العمل، حيث كان رجال الدين وحفظة الكتب المقدسة يأخذوا مقابلاً مادياً على مهامهم الاجتماعية في القرى والأرياف والمدن. ورغم الاشتغال في نطاق المقدس إلاَّ أن بعض المجتمعات العربية كانت ومازالت تكيل لهم العطايا من ثمار المحاصيل الزراعية والانتاج الحيواني والدخول المالية. فالشيوخ (حافظو القرآن) يذهبون عند جني المحاصيل للأسر الميسورة للحصول على نصيبهم منها، ويعتبرون أنَّ ذلك حق لا مناص منه!!

 المسألة ذاتها من جانب أخر شددت على علاقة حضورية خاصة بين الله والإنسان، وكأنَّ الحال يقول لا يجب أنْ يتدخل في تلك المساحة أيُّ كائنٍ من نوعٍ ما. فجاءت العلاقة وجهاً غير مباشر للتحرر بشكلٍ أو بآخر. قد يُقال إنَّ هناك اتصالاً عن بعد online في الخطاب الديني. حين يتلقى الأفراد أثناء الانعزال الصحي العظات والأحاديث والتفسيرات والقراءات الدينية الكترونياً وهذا يجدد العلاقة ولا يقطع بها. لكن المعنى هنا في صالح ضعف السلطة الدينية لا تقويتها، سيتفلت منها لا ليقويها، لأنَّ الشعائر كانت حُضوراً مباشراً حسيّاً وروحياً، ولعلَّ ذلك قد أعطّاها أثراً لا يُحد داخل المؤمنين، أمَّا التواصل الالكتروني (الافتراضي) فقد نقلها من الحضور إلى الغياب متعدد الدرجات، كما أنَّه أدمجها في معالم وآليات الوسيط الافتراضي.

غدا الخطاب الديني ألعاباً لغوية linguistic games (بمعناها الافتراضي) تدمج ذهنية المستمع في نوع من المراجعة والعقلانية التواصلية التي لن تكون لصالح مركزية السلطة بحالٍ. لأنه سيحمل معه إمكانية التفكير والنقد فيما يقال، هناك قدرات إلكترونية لنا على التأكُّد من المعلومات والأحداث وسلخها عن القداسة المعطاة لها في السابق. كما أن التنوع الخلاّق في هذا الوسيط التقني يسمح بالاطلاع على تجارب عديدة واشباع الفضول دون نهاية. وهذا لم يكن متاحاً في حالة الحضور المباشر أمام الخطاب الشفاهي، لأنَّ فائض الوعظ والارشاد الكامن فيه لا يُعطي المُتلقي فرصةً للاستفاقة من تأثيره.

 

د. سامي عبد العال

 

"توضأ بالمحبة قبل الماء، فإن الصلاة بقلب حاقد لا تجوز" - جلال الدين الرومي

هذه حكمة يتجلى فيها معنيان متباينان متضادان؛ الأول المعنى المطهّر للقلب المتجسد بالمحبة عند العرفاء والمتصوفة؛ جاء في المقطع الأول منها، والثاني المعنى المدنس أو الملوّث للقلب المتجسد بالكراهية، التي تفضي الى الحقد عند بعض العامة من الناس، ورد في المقطع الثاني منها.

قادني الفضول المعرفي للبحث المتواضع في معنى هذه الحكمة عند المتصوفة  والعرفاء، وإن كنت لستُ على اطلاع واسع على تراثهم. وليس المغزى من البحث تبني مقولة الرومي هذه بقدر ما أجد فيها معنىً جديدا للمحبة أود الخوض فيه، وقد فتح لي نافذة أطل من خلالها على باحة البحث عن معنى المحبة عند العامة سيما نحن في موسم المحبة... شهر رمضان الكريم.

المحبة مصطلح يختلف اللغويون في تفسيره، فبعض عبّر عنه بأنه أحد أسماء الحب، "المحبة أيضا أسما للحب"[1]، وبعض عبّر عنه بأنه أعم وأشمل من الحب، وبعض قال  إنه أخص من الحب الذي هو معنى شامل.

و"المحبة لغويا تعني الثبات واللزوم في الحب، أما معناها اصطلاحا فتعني الحب الطاهر، وهو ميل النفس الى ما تراه ساريا ووصولها في بعض الأحيان الى التعلق"[2].

المحبة في القرآن الكريم جاءت بثلاثة مسميات وهي المحبة والحب والمودة؛ فالمحبة وردت في الآية الكريمة (وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني)[3] والله جل وعلا هنا يخاطب فيها النبي موسى(ع)، وهي محبة من عامة الناس للنبي موسى. ووردت بعنوان الحب، كالحب المتبادل بين الله وعباده (يحبهم ويحبونه)[4]. ووردت بعنوان المودة؛ وهي خاصة بالجنسين الذي تتدخل فيه مصالح بيولوجية، وهي الحب الخاص بين الزوجين الذي يسكن صميم القلب كما ورد في القرآن الكريم (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة)[5]؛ وهو ليس محل بحثنا.

أما في السنة النبوية فقد احتلت المحبة حيّزا كبيرا وجاء على لسان الرسول(ص) الحديث القدسي" المتحابون في جلالي، لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء"، وفي موضع آخر،"والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أَوَلا أدلّكم على شيء اذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم".

ويعّرفها ابن القيم بقوله: "معاني الحب لا تعلم حقيقتها الاّ بذوقها ووجودها، وفرق بين الذوق والوجود، وبين التصور والعلم، والحدود والرسوم التي قيلت في المحبة صحيحة غير وافية بحقيقتها؛ بل هي إشارات وعلامات وتنبيهات"[6].

المحبة عند المتصوفة تعني" ميل القلوب" أو"الإيثار للمحبوب" أو"المحبة لذة في المخلوق واستهلاك في الخالق". [7]

وعرّفها ابن عربي بقوله "الحب صفة الوجود الموجود دوما في الوجود الاّ الله، فلا محب ولا محبوب الاّ الله عزوجل؛ فما في الوجود الاّ الحضرة الإلهية وهي ذاته وصفاته وأفعاله". وسئل الجنيد عن المحبة قال"كأسٌ لها وهجٌ اذا استقر في الحواس وسكن النفوس تلاشت"[8].

وفي الديانة المسيحية احتلت المحبة مركز الصدارة واعتبرت محورا لها وجاء في إنجيل يوحنا بأن "الله محبة"[9] ودعا المسيح (ع) الناس الى ممارسة المحبة حتى مع الأعداء.

المحبة أشمل من الحب، وهنا لا نعني بها الحب البيولوجي بين شخصين، بل هي أشمل وأطهر وأزكى وأسمى، وهي التي أطلق عليها ب"الحب الافلاطوني" المجرد من المصالح المادية، و "المحبة تعبر عن علاقة خالصة بين المحب والمحبوب لا يشوبها أي رغبات أو حاجات مادية بالمقابل"[10].

وهي على أنواع؛ منها محبة الله، والرسل والأنبياء، والصالحين، والأهل، والأصدقاء، و ما يكتنز به الكون من مظاهر مادية ومعنوية؛ لكن ما يهمنا هنا هي المحبة للآخر سواء المقدس أم غيرالمقدس عند المتصوفة والعوام.

النفس مركز المحبة

والنفس عند الفلاسفة لها تعريفات كثيرة نتعرّض لها باختصار؛ لأنها ليست هنا محل البحث؛ وأحد تعريفاتها أنها جوهر غير جرمي أي "ليست جسما ولا جزءا من  جسم ولا عَرَضا"[11]، وهي قابلة لإدراك الأمور العقلية والحسية بالقوة معا ثم بالفعل أخيرا على التمام و الكمال[12]،  ولها مراتب هي العقل الهيولاني[13]، والعقل بالملكة[14]، والعقل بالفعل[15]، والعقل المستفاد[16]  .

ويقسّم عالم النفس "سيجموند فرويد" النفس الى ثلاث بُنى؛ هي: الهو، والأنا، والأنا العليا. فا "الهو" الجزء الأساسي الذي ينشأ عنه فيما بعد الأنا والأنا العليا، ويتضمن جزئين هما: جزء فطري؛ وهو الغرائز الموروثة التي تمد الشخصية بالطاقة بما فيها "الأنا" و"الأنا العليا"، وجزء مكتسب؛ وهي العمليات العقلية المكبوتة التي منعها الأنا (الشعور) من الظهور. و"الهو" لا يراعي المنطق والأخلاق والواقع ويعمل بمبدأ اللذة وهو لا شعوري كلية. و"الأنا" هي شخصية المرء اعتدالا بين الهو والأنا العليا، فتقبل بعض التصرفات وتمارس الرغبات وفق قيم المجتمع والأخلاق، بينما "الأنا العليا" هي شخصية المرء في صورتها المتحفظة العقلانية، حيث أن أفعال المرء تتحكم فيها القيم الأخلاقية والمجتمعية والمبادئ مع البعد الكامل عن جميع الأفعال الغرائزية[17].

والنفس في القرآن الكريم وردت بعدة معانٍ، الأول بمعنى ذات الشيء وحقيقته ونفس الإنسان هي جملته من الجسم والروح، والثاني بمعنى الروح التي بها الحياة، والثالث بمعنى الضمير، والرابع صفة توجه الإنسان نحو الخير والشر، والخامس صفة في الإنسان ترافقه في حالة الإحساس وتفارقه في حالة النوم، والسادس بمعنى جنس الإنسان وفصيله[18]، وهي على أنواع  "النفس الأمارة"، وهي الأمارة بالسوء، وظيفتها التحريض على عمل المنكر وسيئات الأعمال(إن النفس لأمارة بالسوء)[19]؛ و"النفس اللوامة" وظيفتها اللوم وتأنيب ضمير صاحبها اذا أقدم على فعل سيء (ولا أقسم بالنفس اللوامة)[20]؛ و"النفس المطمئنة"، وهي التي هجرت المعاصي، فبلغت مرحلة الاطمئنان والراحة والطاعة التامة لله؛ و"النفس الراضية"، وهي القانعة بما قدمت؛ و"النفس المرضية" التي أرضاها الله بما قدمت من عمل الخير(يا أيها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية)[21]؛ و"النفس الملهمة" وهي التي ألهمها الله فعل الصالح والطالح؛ و"النفس الكاملة"، وهي التي سلكت سبيل الصلاح؛ فاستقرت وسكنت واستقامت.

لكن مسميات النفس عند المتصوفة هي خمسة: "الحيوانية" وهي نفس الطفل،  و"الأمارة"، وهي التي تميل بالطبيعة البشرية فتأمرها بالتدني والتسافل، و"اللوامة"، وهي المتيقظة، التي كلما أساءت استدركت وتداركت نور التنبيه الإلهي فتلوم نفسها وتؤوب الى ربها؛ و"المطمئنة"، وهي التي تنورت بنور القلب، وانخلعت  عنها الصفات الذميمة، وتوجهت بالقلب نحو الترقي الى جانب عالم القدس متنزهة عن الرجس؛ و"الملهمة"، وهي التي تفعل الخير بإلهام إلهي أو تفعل الشر بالإقضاء الطبيعي [22]؛ وأضيف اليها مسمى سادسا هو"النفس الكاملة"، وهي التي بلغت الكمال.

- حسب ظني - وأستند فيه الى الحديث القدسي الذي يخاطب فيه الله العقل(لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل فأقبلَ، ثم قال له أدبر فأدبرَ، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب الي منك، ولا أكملتك الاّ فيمن أحب، أما إني إياك آمر، وإياك أنهي، وإياك أُعاقب، وإياك أُثيب)،  فإن العقل أول مخلوقات الله، فهو المسؤول عن تبني موقف ما سواء سلبي أم إيجابي بعد تلقيه إيعازا من النفس. والنفس هي ميدان الصراع  بين المعاني المتضادة... بين الخير والشر، الحق والباطل، الصالح والطالح، الحسن والقبح، المحبة والكراهية...وغيرها الكثير، فهناك صراع الإرادات والرغبات والنزعات في داخل النفس. مثل النفس مثل المقود للسيارة، فهي القائد المتحكم والمتبصر وهي تختار الصح أو الخطأ، وظيفتها النظر والإحساس المعنوي بالشيء ايجابا أو سلبا؛ فهي تتحكم بالعقل وليس العكس؛ فتقوده نحو فعل الخير أو الشر. الصراع في داخل النفس محتدم بين المعاني المتناقضة، فإن استطاعت النفس الانتصار لصالح المعنى الإيجابي كالمحبة مثلا؛ فقد كسبت المعركة وأعطت إيعازا للعقل نحو تبنّيها، وإن انتهى الصراع لصالح المعنى السلبي كالكراهية مثلا؛ فقد قادت العقل نحو تبنّيها(ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها)[23] . فالنتيجة تنتهي بالعقل الذي به يعاقب الله وبه يثيب، وقد يكون معناه في الآية هو النفس (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها)[24].

يظهر هذه الحقيقة أبو حامد الغزالي بقوله "كل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك الاّ على وفقها لا محالة. وكل فعل يجري على الجوارح فإنه يرتفع منه أثر على القلب"[25].

المحبة عند الأنبياء

المحبة عند الأنبياء مفروغ منها، وتنتجها النفس الكاملة التي وصلت الى درجة الكمال والاتزان التام. تتجلى المحبة في نفوس الأنبياء بأفعالهم المتجلية بالطاعة المطلقة للمحبوب الذي هو الله، والتفاني من أجله؛ فالله جل وعلا اختار الأنبياء لمهمة النبوة؛ لأنه وجد في قلوبهم حبا له وتفانيا لأجله ومحبتهم مباشرة مكشوفة يحبهم ويحبونه، فالمحبة متبادلة بينه وبينهم. إذا تتبعنا سيرة بعض من الأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم لألفينا محبة الله حاضرة في قلوبهم وطاعته مطلقة، فمحبة النبي ابراهيم(ع) لله وتقديم ابنه قربانا له، هي أبرز تجلٍ لمحبة الله في نفوس الأنبياء. ومعاناة الأنبياء، وهم كثر في سبيل قيادة البشرية نحو الخير والكمال ومحبة الله، فالنبي موسى(ع)، مذ كان في المهد صبيا امتحنه الله فأوحى لأمه أن تلقيه في صندوق في النهر، وخاطبه الله بالآية الكريمة(وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني)، والمحبة التي وردت في القرآن الكريم مع النبي موسى هي محبة ملهَمة وملقاة على خَلْقه لنبيه لضرورة إلهية؛ ليكون نبيا للأمة، ومن بعدها تعرّض لأنواع من الابتلاءات، وصَبَر وهو أكثر أنبيائه ذكرا في القرآن الكريم، وغيره من الرسل والأنبياء الذين عانوا الكثير في مسيرة محبة الله، وكانوا كلهم محبين ومطيعين له كل بحسب ظرفه وزمانه.

هنا يُثار سؤال هو: إذا كان الأنبياء محبين ومطيعين لله فلماذا عصى النبي آدم ربه وهو أول أنبياء الله وأول خلقه؟، هل كان في معصيته صالح للبشرية أم طالح؟ وهل  كان ينطوي على النفس الكاملة التي انطوى عليها بقية الرسل والأنبياء؟، وهل كان يفقه المعصية التي ارتكبها، وانتهت به الى الهبوط من الجنة على الأرض؟ وهل إن أنبياء الله كانوا على نفس الدرجة من الخَلْق والخُلُق أم مختلفين حسب الزمان، وطبيعة الحياة، وتدرج وعي العقل عند المجتمعات؟

الإجابة عن التساؤلات يتطلب بحثا مطولا لكن يمكن القول إننا لا توجد لدينا معلومات مفصلة عن أول الأنبياء(آدم) وشخصه وطبيعته، والآية الكريمة أفصحت عن وضع المجتمع البشري في بدايات تكوينه (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين)[26]- حسب فهمنا – للآية إن العقل البشري سابقا كان بسيطا غير معقد، والمجتمع صغير وبدائي لا يحتاج الى تعدد النبوات والرسالات، ثم بعث الله رسله تترى كلا حسب ظروف وطبيعة مجتمعه، وزمانه، وجغرافية المكان. والتعدد ينتهي الى تدرّج في وعي وفهم ونضج عقول الناس، ومدى تقبّلهم للرسالات السماوية والمرسلين، والموضوع ليس محل بحثنا هنا.

المحبة عند العرفاء والمتصوفة

طبيعة النفس عند المتصوفة مختلفة عن نظيرتها عند عامة الناس؛ فالنفس عند المتصوفة هي ميدان جهاد، همهم إعدادها إعدادا معنويا، وهم مشغولون بها، وعن كل ما يمت بصلة للعالم الخارجي المادي. و-بحسب رأيي طبعا- فإن منطق العقل عند المتصوفة أقوى من منطق النفس؛ فالعقل يتمعن بعمق ووعي في الصراع الحاصل داخل النفس ثم اعطائها ايعازا باتخاذ موقف تجاه تبني المعنى الايجابي ونبذ المعنى السلبي، والعقل هو المسؤول عن حسم الصراع بين القوى المتضادة والمتناشزة في داخلها، لذلك ينتصر الصوفي على نفسه؛ فالعبودية عند الصوفي هي لله، وهي الأساس الذي ينفي الأنا(الأمارة بالسوء)، وحين تنفيها تبدأ النفس بالتدرج  على السلم المعنوي. النفس عند المتصوفة في سيرورة تصاعدية متدرجة، تخضع فيها لرياضات روحية، ووفقا لمحبة الله تسير النفس في مسالك الكمال حتى تبلغ مرحلة النفس الكاملة التي تؤدي بالسائر الى الطاعة المطلقة للحق تعالى، وتزيح الموانع بينها وبين نور ذاته المقدسة، فتنفصل ذات العابد وتذوب في ذات المعبود حتى تصل الى الفناء التام فيه، وتشتعل فيها جذوة محبة الله فيصبح القلب محلا لتجلي أوصاف الربوبية. و"تتلاشى الأبعاد غير الحسية التي يعبر عنها بالحجب بين الرب والمعبود، هي الطريقة التي تجعل العابد ينتقل من الحضور مع العبادة الى الحضور مع المعبود فيعبد الله كأنه يراه، ثم توصله الى مرتبة فناء العابد في المعبود، حيث يذوب بنور المحبة، فلا يبقى لنفسه شيء فيذهب المحب الفاني وتتجلى فيه أنوار المحبوب الباقي، أي يفنى عن نفسه ويبقى بربه"[27].

المتصوف أو العارف حينما يخوض تجربة السفر نحو الحق يُسمى (سالك)؛ لأنه يسلك أربعة أسفار معنوية متدرجة "يرحل السالك فيها من العالم السفلي الى العالم العلوي؛ فيسافر في قوس الصعود من عالم المادة لتنتهي رحلته الى الحق تعالى، وهي رحلة روحية ارتقائية تكاملية، يطوي فيها السالك الى الحق أربعة أسفار في مدارج تكامله المعنوي يمر عبرها بعدة منازل، ويرتقي من مرحلة الى أخرى يتصاعد من الدنيا الى ما هو أسمى وأكمل من السابقة، وهكذا حتى يصل الى غايته التي هي منتهى كل غاية وهو الحق سبحانه"[28]. فتنتهي رحلته بالفوز بساحة المحبوب؛ فينفصل السالك عن أناته وذاته ليتحد ويذوب في محبة الحق فينشغل به عما سواه. وبالطبع فإن إرادة الله تتدخل حسب طبيعة النفس، حين ترى من الصوفي رغبة جامحة في بلوغ الوصال والاتحاد بالمحبوب، فيّلبس الله قلبه بجلباب الربوبية، فيخلع عليه الصفات الجمالية استحقاقا ذاتيا له، فتسري فيه الأنوار الإلهية" النور جند القلب كما أن الظلمة جند النفس، فإذا أراد الله أن ينصر عبده أمده بجنود الأنوار، وقطع عنه مدد الظلم والأغيار"، "الأنوار مطايا القلوب والأسرار"، "ما يزال عبدي يتقرب اليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته ولئن أستعاذني لأعيذنه". وقال جل وعلا(عبدي أطعني تكن مَثَلي تقل للشيء كن فيكون). "حتى أقاموا عند باب حجرة القلب، وأخرجوا من قلوبهم كل ما سوى الله من جنة ونار، وأرواح وأجسام وغير ذلك، ليس لهم شأن سوى طلب الحق"[29].

والمحبة عند المتصوفة مكتفية بذاتها لا تأخذ ولا تعطي حسب تعبيرهم، ومفروغ منها. والمحبة لديهم هي الانقطاع التام والذوبان في حب الله والعروج في مسالك العشق والوجد الإلهي، وهو قد اختصر كل ألوان الحب والمحبة وهم أساسا مستغنون عن حب البشر أو محبتهم، فحينما "يجتمع نور العقل ونور القلب فهما مجتمعان بكلمة الله التي هي  المحبة" "الحق تعالى عندما يجعل عبدا لائقا بمقام القرب ويذيقه شراب لطف الأبد، يصفي ظاهره وباطنه من الرياء والنفاق، فلا يبقى لمحبة الأغيار في باطنه متسع، ويغدو مشاهدا للطف الخفي وينظر بعين الاعتبار في حقيقة الكون، وينظر للمصنوع الى الصانع، ويصل من المقدور الى القادر. واذ ذاك يمل المصنوعات وينشغل بمحبة الصانع. لا يبقى للدنيا خطر لديه ولا يبقى للعقبى مرور بخاطره. يغدو غذاؤه ذكر المحبوب، ويتباهى جسده بهيجان الشوق الى المعبود، ويذوب روحه في محبة المحبوب، لا وجه لديه للإعراض ولا عدة للإعتراض. وعندما يموت وتخرج حواسه الظاهرة عن دوران الفلك، تمتنع كل أعضائه عن حركة طبيعته، وهذا كله تغير للظاهر، لكن الباطن مملوء بالشوق والمحبة(أموات عند الخلق أحياء عند الرب) لدى الناس أموات ولدى الحق أحياء"[30].

يعبّر المتصوفة عن محبتهم للحق تعالى على لسان الحلاج المتصوف البغدادي:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا         نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرتني أبصرتَه              وإذا أبصرتَه كان أنا

روحه روحي وروحي روحه        من رأى روحين حلاّ  بدنا

والمعاني عند المتصوفة مُؤَوّلة لا تشبه المعاني التي نعني بها نحن العوام؛ فالصوم عندهم لا يعني الإمساك عن المفطرات، بل له رمزية تتمثل في الإمساك عن سائر الخلق، والانقطاع للمعشوق، ولها مفاهيم متعددة معبرة عن مسلكهم الروحي. والصوم هو معراج الى الحضرة الإلهية والانفصال عن كل ما سواها، الذي يضفي على قلوبهم نورانيته. "الصوم هو إشارة الى الامتناع عن استعمال المقتضيات البشرية ليتصف بصفات صمدية"[31]. و"كل ليلة للعارف بمنزلة ليلة القدر" لأن كل أيامه ولياليه وساعاته تدور حول محور محبة الحق تعالى.

المحبة عند العوام

النفس الأمارة، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة هذه الثلاث تتبادل الأدوار عند أغلب العامة من الناس. والمحبة عند عامة الناس مختلفة عن مثيلتها عند الأنبياء والمتصوفة. والمحبة كما عبرنا منجمها النفس، وهي شعور له درجات في النفس الإنسانية فبعض يبالغ بها، وبعض آخر يعتدل بها، وبعض آخر ليس بالضرورة أن يوجد حيزا لها في نفسه. والمحبة محورالصراع داخل النفس؛ فإن استطاعت أن تكسبها وتتجلبب بها فقد حسمت الصراع وتحققت سكينتها، وإن لم تحسم الصراع فقد تغلبت الكراهية على المحبة، والنفس هي في صورة النفس الأمارة " ان الخلق ليس فعل الجميل أو القبيح ولا القدرة على الجميل أو القبيح، والتمييز بين الجميل والقبيح، وانما هو الهيئة التي بها تستعد النفس لأن يصدر عنها الإمساك والبذل. فالخلق اذن هو عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة"[32].

مقولة جلال الدين الرومي "توضأ بالمحبة قبل الماء" فيها أمر بالتحلي بالمحبة، والأمر يتعلق هنا بالإرادة المتحكمة بالنفس البشرية، وهو أمر موجه بشكل مباشر الى تلامذته ومريديه. تعني المحبة التي لدى عامة الناس كأن تكون محبة لله أم لأي من خلقه، وتأخذ صورا وأشكالا مختلفة. محبة الله عند العوام يشوبها القلق والاضطراب، فهي مترددة قلقة غير ثابتة؛ تارة تكون مشوبة بالخوف والرهبة، وأخرى بالرغبة وجزيل الجزاء الأخروي على معنى محدد، يتجلى معناها في قول المتصوفة التالي: "مؤمن مضطرب! إذا صام المرء شهر رمضان كلّه باسم الله، وقدم خروفا أو عنزة كل عيد ليغفر الله له ذنوبه، واذا جاهد المرء طوال حياته ليحج الى بيت الله الحرام في مكة المكرمة، واذا سجد خمس مرات كل يوم على سجادة صلاة، وليس في قلبه مكان للمحبة، فما الفائدة من كل هذا العناء؟ فالايمان مجرد كلمة، إن لم تكن المحبة في جوهرها، فإنه يصبح رخوا، مترهلا، يخلو من أي حياة، غامضا وأجوف، ولا يمكنك أن تحس به حقا"[33].

بعضٌ من العامة تتجلى في نفوسهم محبة الله الحرة الخالصة التي لا يشوبها شيء سوى توحيد الله وتمجيده وشكره جل وعلا، ومحبة خلقه كذلك؛ وهم ممن يحملون النفس المطمئنة القارة الساكنة المستقرة. وهؤلاء محبون لله ومحبون للناس، ومحبة الله لديهم هي الشغل الشاغل. والمعاني عندهم فيها تأمل عميق. للإمام جعفر الصادق (ع) حديث عن معنى الصوم عند هذه الفئة من الناس؛ وهو"الصوم يميت مراد النفس وشهوة الطبع، وفيه صفاء القلب وطهارة الجوارح وعمارة الظاهر والباطن والشكر على النعم و الإحسان الى الفقراء وزيادة التضرع والخشوع والبكاء وجل الالتجاء الى الله وسبب انكسار الهمة وتخفيف السيئات وتضعيف الحسنات"[34].

في بعض الأحيان تكون المحبة عند بعض الناس طبعا ذاتيا للنفس وليس مكتسبا، فهي مبنية على كمال داخلي فطري، ونعني أن بعض الناس خُلقوا بالفطرة مجبولين على المحبة لمن حولهم، لكن قد تتدخل عوامل لها دور مؤثر في المحبة عند العوام؛ وهي:

البيئة الأولى: ونعني بها المنزل، فالمنزل له دور وأثر كبيران في النقش على صفحة حياة ساكنيه، خصوصا حينما يفيض عليهم معاني المحبة، والدفء، والاحتضان، والاهتمام، فيحملون أنفسا تتحلى بالشجاعة، والثقة العالية، والاتزان في شخصياتهم، وبالنتيجة ينفتح في نفوسهم حيز كبير لمحبة الآخرين.

قلب الطفل صفحة بيضاء، يستقبل العادات والأخلاق الحسنة والسيئة، ويستبطنها في وعيه وفي لا وعيه. وأهم عامل في البيئة الأولى الذي يؤسس للمحبة الكبرى هما الأبوان، فوجود أبوين محبين رحيمين يمنحان الإبن محبة كبيرة تحقق له سعادة على امتداد الحياة وتُشبع ذاته منها؛ وتمنحه قوة وشجاعة في تحقيق طموحاته ومآربه التي يريدها، ومواجهة المحيط الخارجي، وما فيه من تحديات ومخاطر ومخاوف. ويتحقق الأمان لديه نتيجة تلقيه حبا عظيما من المنزل وينشأ عليه آمنا مستقرا غير خائف ومتوجس.

وقد أكد بعض من متخصصي علم النفس أن الإحتضان والقبلة في المنزل الأول منذ الصغر لهما دور كبير في التنشئة السليمة للفرد، والقُبلة وفق تحليلهم هي أهم عوامل الإستقرار النفسي للفرد، وعلى المدى البعيد "كثير من الدراسات التي عملت بخصوص القبلة والاحتضان تؤكد أن الإنسان الذي ينشأ في بيت فيه تقبيل واحتضان يكون أصح نفسيا من الإنسان الذي ينشأ في بيت لا قبلة فيه ولا احتضان"[35].

إذا كبر الطفل وشبّ على المحبة التي تلقاها من حضنه الأول، واختزنها عقله الباطن؛ فإنها ستكبر معه، وستؤول به لتأسيس حياة آمنة قارة في المستقبل؛ فيما إذا اقترن بشريك حياة يحمل نفسا مشبعة بالمحبة، التي بدورها ستكون عامل خصب ونماء في العلاقة الاجتماعية مع باقي الأسر التي تربطهم معا جغرافية المكان. لكن كثيرا ما يقترن أحد الأبوين بشريك غير مشبع عاطفيا في طفولته، وهذا الاقتران يحدث خللا في منح المحبة بينهما، فضلا عن الطفل الذي ينشأ عليها، وستصل اليه مشوّهة وناقصة وتحدث خللا، وفراغا عاطفيا يفضي بدوره الى مشاكل على صعيد النفس أولا، والمجتمع ثانيا.

الشخص المشبع ذاتيا من حضنه الأول يستبطن المحبة في نفسه، وينفقها بسخاء على من حوله، والمجتمع كذلك؛ وإن منحها للمجتمع والحياة فإنها ضمن منظومة قيم اجتماعية ضرورية كان قد تلقّاها على بيئته الأولى؛ لتؤسس لحياة آمنة، مستقرة، متزنة. الشخص المشبع عاطفة ومحبة منذ الصغر يكون آمنا ومطمئن النفس، وسعيدا في نفس الوقت، لا يتمحور حول ذاته؛ فحبه ممنوح للناس وللمحيط، وحينما يمنح المحبة تُعَد له مكسبا مبهجا لنفسه، وليس همّا يقصد منه الأمان على ذاته أو اتقاء خطر محدق، فهو آمن ومطمئن.

إن الشخص المحروم من المحبة نتيجة خلل في السلوك الذي منشؤه إعاقة في التربية والتنشئة الأولى ينشأ ضعيف الشخصية، مهزوزا، وليس ذا ثقة عالية بالنفس، وغير شجاع، وغير مغامر، وانطوائيا يخاف الحياة. وحين يفقد المحبة في الصغر يستجديها من المحيط والناس عند الكبر بأي صورة؛ ليكون معترفا به؛ ليعوض ما فقد من محبة وأمان واحتضان في الصغر؛ فيعوضه من المحيط والمجتمع. وإذا لم يتلقَّ الشخص المحبة من حضنه الأول بشكل صحيح ويشبع ذاتيا منها، فهو لا يمكنه منحها لأحد؛ ف(فاقد الشيء لا يعطيه)، وإذا استطاع منح المحبة لمجتمع، أو لشخص بعينه فسوف تكون مشوهة، فضلا عن كونها صمامَ أمانٍ وحماية له من الأخطار الاجتماعية المحدقة؛ لأن محوره هو ذاته المنكمشة والانطواء عليها، وهو بالأحرى يعيش في سجن ذاته الذي لا يمهله فرصة عيش سعيدة تتحقق فيها الراحة والسكينة النفسية، وما زال في سجن الذات لا يستقبل المحبة الحقيقية من المحيط، ولا يمنحها ما لم يتحرر من ذاته، ويطلق سراحها، وإن تحرر فهو يحرر المحبة، والمحبة لا تقبل السجن وهي حيوية فعّالة؛ لأن المحبة من المفترض أن تكون ذات معيار واحد ومتكافئ من الطرفين. الخوف من منح المحبة من شخص محروم منها لشخص ما أو للمجتمع هو في حقيقته خوف من الفشل والضعف، أو الاستغلال من قبل بعض أفراده، وكل ذلك – حسب رأيي – هو ضعف في ذات الشخص وجبن؛ فالشجاع يعطي المحبة، والمحبة بنفسها قوة عظيمة، من الشخص ومن المجتمع على حد سواء، ويحاول ما بوسعه أن يداري شعور المحبة، ويمنحها المزيد من الجهود النفسية المضنية حتى يصل الى بر الأمان الذي هو هاجسه الدائمي مازال على قيد الحياة. توليد المحبة في القلوب الضعيفة صعب كونها تعاني نقصا منها منذ الصغر، ويكون إنفاقها للآخر صعبا، وشاقا، ومخيفا في نفس الوقت، ويعبر القرآن عن هذا الصنف من الناس بقوله (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بينهم)[36]. والألفة في الآية الكريمة تعني التأليف بين القلوب وجمعها على المحبة.

المحيط الخارجي

ونعني به الفضاء العام خارج المنزل، والمتضمن الناس والحياة وما يتعلق بهما.

في السابق كان المحيط الخارجي رحيما، وكانت الحياة تشوبها المعاني المضيئة؛ فالمحبة، والألفة، والتواد، والتضامن، وكلها تمنح الإنسان محبة لسواه وللمحيط؛ لأن إيقاع الحياة آنذاك كان مختلفا عن الزمن الحاضر؛ فالمادة ومظاهرها محدودة؛ وهو ما جعل المعاني تشرق في النفوس، وتتجلى مصاديقها العملية في حياة الناس. وبالطبع فإن المحيط إذا كان مشبعا محبة وتآلفا فإن الأفراد المتساكنين سيسود حياتهم الهدوء والسكينة والراحة؛ فإن في المحبة راحة النفوس وطمأنينتها. والناس آنذاك كانوا على قدر كبير من الشعور بالمسؤولية إزاء بيئتهم، فالمحبة هي من أولويات التساكن أولا، وهي تؤسس لحياة اجتماعية آمنة مطمئنة فهي مشتركة، ولابد أن تسودها المحبة والاحترام بعيدة عن المصالح المادية الصرفة. ومن المحبة يستمد أفراد المجتمع المتعايش القوة، وهي تكون منبع العطاء لحياة اجتماعية سعيدة، فالمحبة الحقيقية هي شجاعة، وأصالة، وحرية برغم كون المحبة تعني الألفة والوحدة التي تربطنا بالآخرين لكنها تطلق سراح الذات.

الشعارات التي يطلقها منظرو علم النفس والاجتماع، وأهل التصوف والعرفان هي موضع تأمل وتحليل، فالمعاني لا تلقّن - بنظري- في الكبر، والناس يتلقوْنها في مقتبل حياتهم وفي سنيّهم الأولى. التنظير لم يجدِ نفعا مع الكثيرين، أغلبنا يمر مرور العابرين حين نقرأ نظريات ومقولات لمشاهير في علوم الاجتماع والنفس والتصوف، وهي تلقينية مفروضة؛ لأن – حسب رأيي - النظريات في الأخلاق والقيم ما لم يعمل بها لا طائل من ورائها. بعض من متخصصي علم النفس يفعّلون مقولاتهم بالعمل، فيوجهون المرضى نحو الاندماج في المجتمع، والانخراط في العلاقات الإنسانية، لأن لها مردودا ايجابيا على الصحة النفسية للفرد؛ وقد حثّ الدكتور ألفرد أدلر "بتوجيه مرضاه النفسانيين الى الاهتمام بالناس الآخرين واندماجهم معهم ومساعدتهم، ويقول: متى فعل المريض ذلك فإنه يكون قد برئ من مرضه"[37].

ولا نخفي ما تحفل به الحياة الحاضرة من قيم مشوهة ممسوخة؛ فالمادة موجوة بإسراف، وهي حجبت عنا لذة الاستمتاع بنقاء المعاني وصفائها ونورانيتها، فضلا عن أن الاختلاف السائد بين البشر على أساس الأديان، والمعتقدات، والأفكار؛ أنتج القسوة، والحقد، والكراهية، والخداع، والمكر، والكذب، والكيد، والظلم. والإنسان اليوم حذر حينما يمنح المحبة للآخر، ومنبع الحذر والخوف هو تبدل الحياة وانقلاب موازين القيم والأخلاق، فلم تعد مقولة(أشعر بوعي كل شخص وكأنه وعيك أنت) أو(أحبب جارك كما تحب نفسك)؛ نعم كانت هذا المقولة وأمثالها سارية المفعول في الماضي، وهي اليوم صعبة عند الكثيرين، وعالمنا قائم على الحروب والشرور التي مصدرها القلوب غير المحبة، والكراهية تأتي من النفوس التي تألف الظلم، والظلم يأتي من الظلام أي السواد؛ وإذا منحت محبة لأحد فقد ارتدت قناعا كاذبا، وفيها تصنّع ونفاق يحمل بين طياته شرور الحياة الحاضرة.

وفي رأي الكثيرين أن منح المحبة بإسراف في حياتنا الحاضرة نابع من نفسٍ محبة للعبودية، فالمحب يكون فيها عبدا لشخص أو جماعة، و- نقول- لنسجن الذات في المحبة بدلا من سجنها بالكراهية، لأن المحبة تفيض على حاملها الراحة والسكينة والطمأنينة، والكراهية تجعل الذات مكبّلة بالشر، فضلا عن أن شعور الكراهية مؤلم للنفس وذو مردود سلبي عليها. والمحبة العامة للناس أيضا تنتج بدورها محبات للمحيط والطبيعة وبدورها تفرز حرصا وحفاظا عليهما. مع زيف الحياة وخدعها وحيلها فإن القلوب المحبة مضيئة، مبتهجة، ساكنة؛ بيضاء؛ والقلوب المبغضة مظلمة، متجهمة، مضطربة، سوداء.

نحو منحى جديد للمحبة

المحبة الأولى تنطلق من الله؛ فالله هو "المحبة" كما وصف نفسه، وهو نفخ المحبة في نفوس خلقه(ونفخنا فيه من روحنا)[38]؛ فهو منجم المحبة العظيمة والحرة غير المقيدة، المحبة عند الله واسعة وذات فضاء رحب وحر، لا يحدها دين، أو مسجد، أو كنيسة، أو دير، والله القائل في حديث قدسي(ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن). وهي المحبة التي ينطلق منها حب خَلق الله كيفما كانوا. والمحبة الأصلية التي تحملها القلوب المحبة لله هي المحبة العظيمة التي لا تحتمل القوالب الضيقة ولا التشييء، إذا شُيئت المحبة استحالت الى مادة للمقايضة، وخرجت من كونها معنى. هذه المحبة تجلت في إحدى جلاليات الرومي وهي"ذلك المسجد الذي انطوت عليه قلوب الأولياء هو مسجد للخلق كافة فهناك الله".

المحبة دينامية، حيوية، تتدفق من الذات الإنسانية لكل ما يحيطها من أفراد، ومجتمع، وطبيعة، وحياة، لأن منبعها الروح الأصيلة.

نحن اليوم أمام محنة حقيقية اجتاحت سكان الأرض، بعد جائحة"كورونا" التي هزّت الكرة الأرضية برمتها، ووحّدت العالم بأسره، ووضعته في حلبة صراع ومواجهة مع شيء هو ليس كائنا حيا، بعد أن نسى العالم حروبه، واختلافاته، وأعراقه، وأديانه، وانشغل في كيفية مواجهة خصمه على الأرض، فهل سيحتفل العالم بالانتصار عليه،  ويكسب المعركة، وتلتئم جراحاته التي خلّفتها الصراعات، ويلمّ شمله المشتت،  كما احتفل ثقب "الأوزون" بالتئامه فوق قطب الأرض الشمالي، والتم شمله؟

وهل يا ترى سوف تجتمع قلوب البشرية وتعيد تشييد بنى العلاقات الاجتماعية على أسس المحبة القوية التي تشدّها للأرض وللإنسانية جمعاء بعيدا عن التشرذم والاختلاف والتقاتل؟؛ وهي بارقة أمل في أن تنسى حروبها وعداواتها و(رب ضارة نافعة).

ومن هذا الذي ينطوي على نفس قوية هي منجم محبة خام نقية لها القدرة الخارقة على تكسير تكلّس النفوس واختزال كل اختلافات البشرالمتراكم عبر الأزمان نتيجة ظروف الحياة المتلونة التي اكتنفتها الانتصارات والانكسارات؟ وإذا تحلى بهذه النفس فهو الانسان ذو الروح البكْر القادر جدا على قيادة البشرية نحو شاطئ المحبة النقية والسلام والأمان ففيه الإنسانية الأصيلة.

أروع تجلٍ للمحبة الأصيلة ما ورد عن خطبة لجبران خليل جبران بلغة صوفية في كتابه "النبي" اقتطع نصا منها:

المحبة لا تعطي الاّ نفسها، ولا تأخذ الاّ من نفسها. المحبة لا تملك شيئا ولا تريد أن يملكها أحد لأن المحبة مكتفية بالمحبة. أما أنت إذا أحببت فلا تقل: إن الله في قلبي، بل قل: أنا في قلب الله.

 

بقلم: إنتزال الجبوري

...................................

[1]  ابن منظور. لسان العرب.

[2] امام، محمد علي محمد. المحبة.

[3] طه – 39.

[4]  المائدة – 54.

[5]  الروم- 21.

[6] بندق، د. صهباء محمد. الحب كيف نفهمه وكيف نمارسه. القاهرة: دار السلام، الطبعة الأولى، 2006، ص25.

[7]  أبي خزام، د. أنور فؤاد. معجم المصطلحات الصوفية. بيروت: مكتبة ناشرون، ط1، 1993، ص157.

[8] نفس المصدر والصفحة.

[9] انجيل يوحنا4:8.

[10] معجم المصطلحات الصوفية، ص157..

[11] مسكويه، أحمد بن محمد بن يعقوب. تهذيب الأخلاق. دراسة وتحقيق: عماد الهلالي. بغداد- بيروت: منشورات دار الجمل، ط1، 2011، ص238.

[12]نفس المصدر، ص239.

[13]  أي الاستعداد المحض لإدراك المعقولات بالقوة وخالية من الفعل. نفس المصدر والصفحة.

[14] أي الاستعداد لإدراك المعقولات أما بالفكر أو الحدس. نفس المصدر والصفحة.

[15] أي حضور المعقولات متى شاءت من غير طلب لحالة تكرار المشاهدات. نفس المصدر والصفحة.

[16] أي كمال النفس فالمعقولات حاصلة بالفعل مشاهدة، وشبهت بالمبادئ العالية، صائرة عالما عقليا يضاهي العالم العيني في الصورة لا في المواد. نفس المصدر والصفحة( نقلا  عن دغيم، سميح. موسوعة مصطلحات صدر الدين الشيرازي. بيروت: مكتبة ناشرون، 2004، ص934).

[17] موقع المعرفة الألكتروني.

[18] توفيق، محمد عز الدين. التأصيل الإسلامي للدراسات النفسية. القاهرة: دار السلام، ط2، 2002، ص64-65.

[19] يوسف – آية 53.

[20]  القيامة – آية 2.

[21] الفجر- الآيات 27-30.

[22]  أبي خزام، د. أنور فؤاد. مصدر متقدم، ص174.

[23] الشمس – الآيات 7-10.

[24]  الحج- 46.

[25]مبارك، زكي. الأخلاق عند الغزالي، ص133.

[26] البقرة- 213.

[27] بن أحمد، حسن. الحب ومحبة الله عند الصوفية. موقع نفحات.

[28]  الرفاعي، د. عبد الجبار. إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين. بيروت: دار التنوير، ط2، 2013، ص35.

[29] الرومي، جلال الدين.  المجالس السبعة. ترجمة وتقديم: د. عيسى علي العاكوب، دمشق: دار الفكر، 2004،ص113.

[30]  نفس المصدر، ص110-111.

[31] الجيلي، عبد الكريم. الإنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر، ج2، ص88.

[32] الغزالي، أبو حامد.  احياء علوم الدين. ج3، ص56.

[33] شمس الدين التبريزي. قواعد العشق الأربعين.

[34] خير الدين، عادل. العالم الفكري للإمام جعفرالصادق، ص169.

[35] الدريع، د . فوزية. القُبلة. منشورات الجمل، ط1، 2006، ص47.

[36] الأنفال- 63.

[37]  نجاتي، د. محمد عثمان. الحديث النبوي وعلم النفس. القاهرة: دار الشروق، ط2، 1993، ص85.

[38] الأنبياء- 91.

 

 

بليغ حمدي اسماعيلحينما بدأ الشعب المصري مشروعه القومي في التخلي عن الكتاب والقراءة بوجه عام، رافضين غير مستسلمين لمحاولات قرينة الرئيس المصري الأسبق سوزان مبارك ومجموعتها الثقافية المنتخبة لمشروع القراءة للجميع رغم أنه تضمن إصدار كتب رصينة بجانب عشرات الكتب الباهتة والتي شكلت عبئاً على عقل المواطن، كنت أعلم وقتها أن المد الثوري للفتوى لا ولن ينقطع، بل وسيصير شهوة لدى البعض من علماء الوطن العزيز .

وأصبح جملة هذا الشعب وتفصيله مؤهلين تماماً لتقبل أي ثقافة فقهية مسموعة أو مرئية أو في صورة كتيبات صغيرة لا تتجاوز الوريقات العشرة، المهم أنهم ينأون عن مغبة الكتاب الكبير والآراء الفقهية المتباينة والمسائل التي تنتظر تأويلاً وتحليلاً مضطرماً لها.

وحينئذ فقط أدركت لماذا كان يصر أصحاب هذه الآراء والفتاوى على محاربة كلمات بعينها مثل التأويل وظاهر النص وتفكيك الخطاب ؛ لأن مثل هذه العبارات والمواضعات ستحيل نتاجهم المسموع والمرئي إلى مقصلة العقل وهو ما يرفضونه أيضاً جملة وتفصيلاً .

ولأن واقعنا الديني الافتراضي نسبة إلى العالم الإلكتروني الافتراضي المعاش الآن أصبح يشبه السيرك ؛أي يقدم كل الفنون الممكنة وغير الممكنة تحت خيمة أو مظلة واحدة، ولكن مظلة الواقع المجتمعي ليست قماشية بل هي فوضوية تشبه الضباب الذي أصبح ملمحاً رئيساً من ملامح العقل المعاصر، ولن أدعي بأن كل من هب ودب على الأرض بقدميه يقدم لأنصاره فتاوى عجيبة، لا بل هناك بعض من الشيوخ ذوي العلوم الدينية الرصينة من ارتضى أن يعمل في السيرك المقام بالعقل المصري، ولكم تمنيت أن أريهم من تعليقات بعض أصدقائي العرب إزاء ما قدموه من فتاوى .

هذه الفتاوى التي طالما سمعتها تذكرت شاعر العربية الأوحد أبا الطيب أحمد المتنبي حينما قال عن مصر وأهلها: (وكم بمصر من المضحكات ضحك فيها كالبكا)، والدليل على ذلك ما طفق به بعض علماؤنا الأجلاء وشيوخنا الأبرار من آراء فقهية عقب اندلاع انتفاضة الشباب في يناير 2011  كضربات الجزاء القاتلة في الوقت بدل الضائع، مثلاً عدم جواز تزويج المصري ابنته لأي من أعضاء الحزب الوطني المنحل، لأنهم غير أمناء ومضيعون للأمانة، وأفسدوا الحياة  السياسية في مصر وساهموا في تضليل الشعب طوال ثلاثين عاماً وأنهم جميعاً قاموا بتصدير الغاز للكيان الصهيوني، وأنهم أرشدوا جمال مبارك إلى كيفية تهريب أموال المصريين إلى بنوك سويسرا.

وكم كنت  أشعر بالخجل وقتئذ وأنا أقرأ وأسمع مثل هذا اللغو وكانت مصر ساعتها تنجرف نحو هاوية سياسية، وفتنة طائفية، ومستقبل مزدحم بالاعتصامات والإضرابات والخلل الوظيفي والفساد الذي بالتأكيد تعدى الركب منذ سنين طويلة حتى تكلل هذا الانحدار بوصول جماعة الإخوان إلى سدة الحكم في مصر والسعي إلى ممارسة الاستلاب وكل صنوف التهميش والإقصاء والتمييز صوب كل من يخالف عقائد وأيديولوجيات تلك الجماعة.

والحمد لله أنني رأيت قبل الموت رجالاً يملكون صكوك رفض التوبة والغفران لخطايا لم يرتكبوها في الأصل، وأحمد الله كثيراً أيضاً أنني عرفت لماذا الخطاب الديني في مصر أصبح منعزلاً في جزيرة سرنديب أو سيلان أو بلاد تصنع من عاج الفيل الشوربة أو الحساء.

ومنهم من احترف هوس الحديث منذ سنوات حول أزمة تعيين المرأة قاضية بمجلس الدولة، وكثر الجدل واللغط حول هذه القضية التي أثيرت على صفحات الجرائد والمجلات بصورة محمومة لاسيما الصحف التابعة للتيارات الراديكالية وكذلك القنوات الفضائية الأكثر إعتاما وتعتيما، واستغلوا واستخدموا هؤلاء الأمراء وشيوخ التيارات والطوائف الدينية الضاربة في القدم مثل جماعات التكفير والهجرة والسلفية الجهادية وبالضرورة جماعة الإخوان كل الأسلحة في محاربة جواز تعيين المرأة قاضية .

فمنهم من حدد أهم المواصفات التي قام بتوصيفها المتقدمون دون المتأخرين من أمراء تيارات الإسلام السياسي  لاختيار القضاة شرط الذكورة، وهذا الشرط من أكثر المواصفات والشروط التي أثير حولها الجدل في الماضي قبل العصر الحاضر أي قبل شعارات تمكين المرأة والمواطنة وتفعيل دور المرأة في المجتمع والشراكة النسائية وغيرها من شعارات الألفية الجديدة.

وقد اختلف الفقهاء اختلافاً ضيقاً حيناً، واختلافاً واسعاً حيناً آخر، فمنهم من يرى عدم جواز ولاية المرأة للقضاء مطلقاً، وهذا هو رأي جمهور الفقهاء من العلماء المسلمين استناداً لحديث البخاري عن النبي (صلى الله عليه وسلم ): "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"  . ومنهم كابن حزم والطبري من يرى جواز ولاية المرأة للقضاء مطلقاً . وهناك فريق ثالث من الفقهاء وأغلبهم من الحنفية من يرى أن المرأة تجوز ولايتها في القضاء في غير الحدود وأحكام القصاص.

وفي مقابل هذا الرفض المطلق لقضاء المرأة، نجد فريقاً على الشاطئ الآخر مثل الفقيه المجدد ابن حزم يشير إلى تولية الفاروق عمر بن الخطاب الشفاء بنت عبد الله العدوية أمر الحسبة في السوق، وأن اختياره للشفاء جاء من باب مقاومتها المنكرات المتعلقة بالنساء في السوق . والمستقرئ لهذه الحادثة يستبين أن تعيينها جاء من باب الحسبة لا القضاء.

ولن أقول لأصحاب هذه الفتاوى العجيبة وأنصارهم قصص الصعود العلمي لإسرائيل، فسيقولون فوراً قاتلهم الله، ولن أحكي لهم حكايات الارتقاء الاقتصادي الهندي أو الماليزي أو التركي، فسيهرعون بالحكم عليهم بالعلمانية الماجنة الكافرة السافرة، لكن سأنتظر منهم رداً على حيرتي تجاه هذا التردي العلمي الحقيقي الذي نحياه ونحن بمواجهة الجائحة الكونية، وسأبقى على عجل في انتظار خطاب ديني يحترم عقلي ويشكل هويتي التي باتت مهددة بالفناء .

حقاً، سأدعي الصواب حينما سألني صديق لي عن سبب صدور مثل هذه الفتاوى فأجبت  : لقد اشترى الشعب المصري جهازاً لاستقبال القنوات الفضائية وأدار مفتاح التشغيل على قناة فضائية فراغية فظهر شيخ يصول ويجول ويكر ويفر ويدبر ويقبل من عل، وحينما طفق يبحث في ميدان التحرير وبين المعتصمين من فئات وطوائف الشعب المعترضة على أي شئ وكل شئ عن ريموت الجهاز كي يديره على قناة أخرى اكتشف أن الريموت نفسه ضاع، واستطرد الشيخ حديثه .

وإذا كان الجميع يتحدث هذه الآونة بل منذ ثمة عقود منصرمة أيضا عن التحديات التي تواجه الإسلام، لاسيما بعد حملات الهجوم عليه من بعض العناصر في الغرب، وأنه دين يدعو إلى التخلف والرجعية، وأؤكد أن الإسلام لن يعود إلى قوته المنشودة إلا من خلال جعل العبادة تتسع في معناها لتشمل بكل جدية واهتمام محاولات الكشف العلمي عن أسرار الكون كشفاً لا يقتصر على مجرد العلم في ذلته بتلك الأسرار، بل يجاوز ذلك إلى تحويل العلم إلى عمل.

ولكن بالرغم من هذا التقدم العلمي الإسلامي، نجح الاستعمار في إزكاء الثغرات الجاهلية في الأمة، كما نجح في تجزئة الوطن الإسلامي الكبير، وجعل منه كيانات صغيرة منفصلة، بهدف الحيلولة دون تماسك الأمة الإسلامية وتسخير مواردها الكلية في سبيل نهضة كلية في العالم الإسلامي.

ولم يعد خافياً على أحد من المسلمين المدركين لرسالة الإسلام في توحيد جهود المسلمين أن تمزيق العالم الإسلامي قد حال دون وشيجة إسلامية تجمع المسلمين، وبالتالي فقد حيل دون وجود وحدة اجتماعية تجمعهم، تؤازرها وحدة اقتصادية، فأدى ذلك إلى إضعافها اقتصادياً وسياسياً وعلمياً، وضياع طاقاتها البشرية، وضياع ثرواتهم في أسواق المال الأجنبية.

كذلك عمل الاستعمار على تربية الأجيال المسلمة في الأقطار الإسلامية على إبعادهم عن الإسلام، وسلخه من مفهومه الصحيح كدين شامل يعني بحياة المسلم وآخرته. وعلى هذا الأساس وضعوا سياسة التربية والتعليم في أقطار المسلمين بواسطة المستشرقين، ومن حذا حذوهم من أهل الأقطار الإسلامية نفسها، وقد رسموا سياستهم على أسس منها إضعاف الروح الدينية لدى الطلاب، والاهتمام بالمواد المدنية وتدريسها بمعزل عن الدراسات الدينية، مع العلم بأن الإسلام يدرس كل العلوم على أساس قاعدته الكلية، سواء كانت العلوم متعلقة بالمسائل الضرورية أو الحاجية. كما عمل على إشعار الطلاب منذ نعومة أظفارهم باستعلاء اللغة الأجنبية .

كما أن الأمة الإسلامية تواجه حملات التشويه والتزييف لديننا الحنيف، ومهمة هذه الحملات هدم المجتمع الإسلامي، وإقامة مجتمعات على شاكلة المجتمعات الأوروبية، وكذلك ما قام به زعماء الفتنة والتشويه من إدعاءات كاذبة مضلة بدءاً من أن القرآن الكريم من تأليف سلطة بشرية، وأن ما جاء به لا يزيد عن كونه نوعاً من الحيل.

إن دراسات المستشرقين حول القرآن الكريم لا تصدر عن العلم، بل تنحرف نتائجه عنه؛ لأنها عن هوى واعتقاد حاقد عن الإسلام، أو غير قادر عن فهمه. إن المستشرقين ينتمون إلى نوعين لا ثالث لهما؛ فالمستشرق إما أن يكون علمانياً مادياً لا يؤمن بالغيب، وإما أن يكون يهودياً لا يؤمن بصدق الرسالة الإسلامية التي أعقبت رسالته.

ويعمل الاستشراق على الحيلولة بين الشعوب وبين الإسلام، وذلك بحجب محاسن الإسلام وتشويه صورته؛ لإقناع الناس بعدم صلاحية الإسلام. هذا بالإضافة إلى فصل المسلمين عن جذورهم الثابتة الأصيلة بتشويه تلك الأصول، وعزلها عن مصادرها، والعمل على هدم الكيان الفردي والاجتماعي والنفسي والعقلي، وذلك للاستسلام أمام المستعمر وثقافته وفكره.

ومما لاشك فيه ـ ومن خلال استقراء التاريخ والواقع المشاهد ـ أن أساليب الكيد والحقد للإسلام قد تنوعت، وكثرت محاولات استئصاله عبر التاريخ قديماً وحديثاً، ولكن الحمد لله تبوء جميعها بالفشل في النهاية، لأن الله عز وجل قد تكفل بحفظ هذا الدين وأهله وأتباعه.

ومن الإدراك الواعي لهذه الأمة أن العودة إلى سياج الإسلام عقيدة ونظاماً هي مسألة مهمة، وأن الواجب الأكبر والسبيل الوحيد للإنقاذ من حياة الشتات هو أن نفهم الإسلام فهماً واعياً مشرفاً صائباً ونقياً وذلك بالتصديق الجازم بعقيدته. واستخدام الفرد المسلم الحقائق والمعلومات التي يستقيها من القرآن الكريم والسنة النبوية، ليربط بها الواقع فيصبح مفكراً إسلامياً قادراً على إيجاد الحلول الصحيحة لكافة المشكلات.

هذا بالإضافة إلى الاهتمام بالمرأة من حيث التربية الدينية والثقافة الإسلامية الصحيحة، لا تلك السائدة في الفضائيات الفراغية التي تعمل جاهدة على تلويث المرأة، وتدمير حياتها الأسرية والعملية. كما يجب أن تقوم أجهزة الإعلام برد الشبهات والدعاوى الباطلة الموجهة ضد الإسلام، وتوعية المسلمين بإخراجهم من موقف الضعف والدفاع، إلى موقف القوة والمجابهة.

وإذا كنا نعني بالتحديات التي تواجه الإسلام المعاصر، فينبغي أن نحذر المسلمين من النشاطات المعادية للإسلام والتي تتقنع في مؤتمرات ومؤسسات بأسماء مختلفة مثل نوادي الحياة، أو منتديات الصداقة. ولقد قدم الإسلام الحنيف نموذجاً أخلاقياً ثابتاً لمواجهة مثل هذه التحديات.

لقد قدم الإسلام مبادئ أخلاقية عامة تأتلف فيما بينها لتكون في مجملها نموذجاً أخلاقياً  يشكل قاعدة أساسية  لكل الممارسات العملية، ويتمثل هذا النموذج الأخلاقي في المحددات المعرفية التي تتمثل في العلم والمعرفة، كما تتمثل في المحددات السيكولوجية التي تتعلق بالإنسان والطبيعة البشرية كالإلزام والمسئولية والحرية وإرادة الاختيار.

كم يتجسدا النموذج الأخلاقي ـ أيضاً ـ في المحددات الجزائية التي تتعلق بجزاء الإنسان على أعماله من ثواب أو عقاب. أما المحددات العملية فتبين مدى اتساق سلوك الإنسان مع منظومة القيم الأخلاقية الإيجابية التي أمر الله بها من ناحية، واتساقه مع منظومة القيم السلبية التي نهى الله عنها من ناحية أخرى. فالممارسات العملية هي المحك الوحيد لاتساق سلوك الإنسان مع النظرية الأخلاقية في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

ومما لا شك فيه وجود عدد من العوامل والأسباب التي تدفعنا للتأكيد على النموذج الأخلاقي الثابت في الإسلام، من أهمها أن دراسة الأخلاق دراسة علمية دقيقة تؤدي إلى فهم أفضل لسلوك الأفراد والجماعات، وبالتالي القدرة على التعامل معه والعمل على تعديله للوصول به إلى مستوى معين أو لتحقيق أهداف محددة.

كما أن دراسة الجانب الأخلاقي في الإسلام والتأكيد عليه تنطوي على أهمية كبيرة فيما يتصل بإعادة تكوين الفرد المسلم السليم الذي بعد عن الإسلام حتى أصبح في كثير من الأحوال لا يحمل من الإسلام إلا اسمه، والذي خضع لتقاليد لا يعرف مصدرها، ولكنه يتبعها على أنها من الإسلام، وهي ليست من الإسلام في شئ.

والمستقرئ لظواهر المجتمعات العربية والإسلامية يدرك مدى تفشي ألوان متعددة ومتباينة من الرذائل، فتصور كثير من الناس، لاسيما غير المسلمين أن هذه الرذائل ترتبط بالإسلام مثل الجهل والحسد والبغضاء والطبقية والرشوة، وغيرها من الصفات الذميمة. لذا وجب على كل فرد مسلم ألا يقتصر على إبراز مبادئ الإسلام الخلقية فقط، لأن هذا لا يكفي لإعادة بناء الفرد والجماعة، بل لابد أن نجذب المسلمين إلى دائرة السلوك وفقاً لهذي المبادئ، وجذب المسلمين إلى دائرة السلوك الأخلاقي الإسلامي يحتاج إلى تكاتف القوى في المؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمعية. وهذا يحتاج إلى مرشدين ومفكرين وتنويريين قادرين على ربط المبادئ بالسلوك، أو بمعنى آخر قادرين على تضييق الهوة بين النظرية والتطبيق.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

حمزة بلحاج صالحعندما أنظر لاخواننا المشتغلين بفلسفة الدين وعلم الكلام الجديد وولعهم وهوسهم بالظاهرة الايمانية في تشاركها مع الإديان وبعض الفلسفات الايمانية. وتمسكهم بها كخلاص أوحدي يستبعد بقية الجهود أو يتفهها ويقلل من قيمتها ويتنكر لها، أراهم يقفون على سطوح المفاهيم وتشكلها دون حفر عميق وسبر لأغوارها.. وأراهم يقتبسون مثلا لا حصرا من موران الكثير من مفاهيمه دون صرامة ويقظة ايبستمولوجية في مسار وسيرورة تشكل المفاهيم عنده والحفر في جذورها ونواظمها ومرتكزاتها في كل مسارها التاريخي وتوظيفاتها ...

 رغم استبحار موران في علم الانسان والإناسة أي الانثربولوجيا وقضايا النسق والنهج وتوظيف العلوم والمعارف المتعددة في مقاربة الظاهرة المعقدة...

رغم جهوده في بعث مخابر البحث في النظم القيمية طبعا الأرضية بامتياز تطلعا لمطلق محايث وارضي وترابي...

نجد موران كفيلسوف وسوسيولوجي وإناسي قد عجز عن بناء تعريف ورؤية مستقلة للحياة ونراه في النهاية قد لخصها في التطورية-الفوضوية الباكونينية الجذور والبرودونية الإرهاص نسبة الى " برودون " باعتباره إرهاصا سابقا لفوضوية باكونين...

 كما يعتبر كروبوتكين تتويجا وتلخيصا لباكونين واستيعابا وتطويرا لنظريته التي تلاقحت مع التطورية الداروينية ومن عجز عن تلمسها في نصوصه عاد الى تلك الحوارات التي دارت بين كروبوتكين الروسي وداروين ...

ان كثيرا من العناصر البانية للمنجز الفلسفي تتعذر وتتمنع عن الظهور بجلاء في نصوص اصحابها للباحثين في ميتافيزيقا تكوين وبنية النص وأسسه ونواظمه ومرتكزاته...

وقد تفوت الباحث أن يتلقفها في منعطفات هامة كما هو الحال هنا في مراسلات بين كروبوتكين وداروين...

ولا يقوى نقد منظومات الأفكار علميا ويتمكن من النفاذ الى أسس النظم والعناصر البانية لها الا اذا استقل وتحرر الباحث من سطوة وهيمنة النسق وانفلت من قبضته...

وهذا نهجي الذي اشتغل عليه وأقوم في صمت على بناء وتشييد صرحه المنهجي وهو يقف متوسلا بكل النقود الداخلية والخارجية والهوامش والمراكز المعرفية...

إن التحرر من هيمنة النسق الفهمي السائد هي التي تحول دون الوقوف على انتظامات الفلاسفة والمفكرين داخل الأنساق كما هو الحال هنا بالنسبة لموران الذي رغم العطاء الهائل طيلة عمر طويل بقي سجين منظومة الفكر الغربي المادية وتحكمت في جميع إضافاته والتي تندرج تحت عنوان انطولوجي يمفهم الحياة تحت ناظم الفوضوية-التطورية...

أردت ايضا أن أقول لا تكفي أن تكون المشتركات عناوينا بل يجب ان تكون مفاهيما تناقش وتجدد...

واذا بقيت عناوينا كانت مجرد توافقات ومواثيق يجب أن تعمق لا علما ومعارف تحدد الوجهات الإيمانية وتعرف بالدين وبمعاني العقل والإنسان والإنسانية وتعالج الخواء الروحي...

والا فكل عنوان له إحالاته المفهومية والنظرية وأطره الانطولوجية ولا يسعفنا ان نقول انها التجربة الانسانية التي تجمعنا...

 فالتجارب الانسانية تؤطرها النظريات والفلسفات والمعارف (الأطر الإجتماعية للمعرفة - جورج غورفيتش) وتشجبها وتحرفها فلا يبقى منها الا الغلاف مشتركا...

ونحن نبحث عن الروح لا الغلاف فلاهوت غيرنا غير لاهوتنا...

التوافقات هي مواثيق للتعايش وأسقف مشتركة للسلم وليست بدائل دينية نتعبد بها لله...

ثم إن من جعلوا همهم ومركز اهتمامهم لاهوت الايمان وضعوا أنفسهم على حافة العلمانية وتبنوا كهنوتات الاديان الاخرى مبررا للنكوص فنكصوا وهم لا يشعرون...

وبات البون شاسعا بينهم وبين اسلام للحياة كلها ولسياسة الانسان في الدار الدنيا من اجل فوزه بالاخرة...

ليس هذا انغلاقا بل تحيزا تقتضيه طبيعة التدين لا يمنعنا من التعايش فقط وجب التفريق والتمييز ...

لقد تحولوا لى رهبان ألفاظ وانتزعوا العرفان من روحه وحولوه الى عرفان غنوصي شارد معلمن للدين...

وتوسلوا بعلم الكلام الجديد الذي بات لاهوتا اخر مشحونا برمزية اللاهوت الاخر الذي يبرر هذا المسعى الروحاني الخالي من بصمة الدين لمفاصل الحياة ...

 

حمزة بلحاج صالح

 

عقيل العبودتعد فكرة التداخل المطلق، أي تداخل الأجسام مع بعضها البعض، من الموضوعات المهمة في الفكر الرواقي.

ومن الضروري الإشارة هنا الى ان التداخل المطلق لا يلغي اويغير من الكيفيات بحسبهم، بل يتفاعل معها بحكم هذا النسيج الحركي من التوتر وهذا ما يميزه عن عن المركب، كونه في "حالة المركب يحدث تغيرا في الكيف، أي استحالة في الأجزاء المركبة"، المقطع الثاني السطر ٧-٨، ص٣٩

والمعنى ان كيفية العالم الذي نعيش فيه واحدة لا تحصل فيها استحالة، كما يحصل في تغيير الكيفيات اثر اختلاط الأجزاء المركبة.

والصورة هنا كما يبدو، هو ان العالم يبتدئ في تركيبته المادية على شاكلة نقطة صغيرة غير متلاشية، هي المركز ، وهذه النقطة الصغيرة تحيطها دوائر دون حدود بينها، وهكذا حتى تكبر رقعة هذا العالم بهيئة محيط كبير وفضاء شاسع متماسك، هذا الفضاء بحجمه الكبير الممتد الى نقطة المركز متداخل مع بعضه دون حدود تفصل بين إجزائه ومسمياته المتداخلة مع بعضها.

"التداخل بالنسبة الى شئ ، مهما قل حجمه، تداخل مطلق في كل الوجود. فيقول كريسفوس مثلا ان قطرة من النبيذ كافية ليس فقط لتلويث بحر بأكمله، بل ولتلويث العالم كله بأسره" السطر ٤-٧، ص ٤٠

وهذا معناه ان الأثر الذي تتركه قطرة النبيذ يشمل كل اجزاء هذا العالم ابتداء من المركز وانتهاء بالمحيط وبالعكس. وهذا التشبيه يفيد في تحليل التداخل المطلق بين الأجسام.

 

سيما وان هنالك ترجيحا للإعتقاد المادي في الأشياء والموضوعات، وذلك نابع من التصور الخاص بحركة المسميات، حيث أن مصدر هذه الحركة هو (التوتر) ما يسمى عندهم ب (التونوس). وهي عبارة عن عملية تداخلية حركية للنفوس بين المحيط والمركز حيث بحسب زعمهم انه ما دامت قضية هذا التداخل قائمة وفقا لحالة التوتر الذي يحدث في الماديات ، فإن جميع الصفات بما فيها الألوان تكون مادية، ولذلك فإن النفوس عندهم من الماديات، بما في ذلك معادلات السلوك الخاصة (بالفضائل والرذائل).

والتفسير كما يبدو لي هو ان الفضيلة عندهم والرذيلة اصلها توتر، والتوتر يخلق فعل، والفعل مصدره النفس، والنفس مادة، كونها متداخلة مع المحيط الذي تستقر فيه، وهذا المحيط هو بطبعه مادي، وعلى هذا الأساس فإن السلوك هو فعل مادي داخل محيط مادي، وبما ان الفضيلة والرذيلة من سنخ هذا النوع من الحركة، فأصلهما مادي لأنهما افعال حية ،وكل حي هو مادي إذ بحسب زعمهم. "ان كل ما يفعل فهو حي" المقطع الثاني، السطر ١٦، ص٤١

ومن المناسب هنا فإن مبدأ (الكرازيس) يعد من المبادئ التي يعتمد عليها الرواقيون في تفسير معنى التغيير في المركبات والأجسام والأخلاط والمخلوطات ذلك وفقا لهذه الصورة:

"بأن يحدث في الجسم امتداد، وذلك بذهاب النفوس من المركز الى المحيط، وان يحدث فيها تركز وتقلص بأن تعود من المحيط الى المركز" السطر ١٤-١٦ص٣٨

وهذا هو الأساس الذي اعتمده الرواقيون ليبرروا (النزعة المادية) التي آمنوا بها ذلك بإعتبار ان أي حركة من المركز الى المحيط وبالعكس تحدث انقلابا في الكيف وهذا الإنقلاب هو انقلاب مادي وأصل هذه الحركة هو التوتر الذي بسببه تحدث الحركة بين النفوس والأجسام.

"وفكرة النفوس أوالبنويماتا تلعب الدور الأكبر في تفسير الرواقيين لتكوين الأجسام ولما يحدث فيها من تغيرات. فهم يقولون إن هناك حركة جزر ومد في النفوس التي تخترق الأشياء، وهذه الحركة صفتها الرئيسية أنها على شكل توتر يسمونه باسم تونوس-...-بأن يحدث في الجسم امتداد، وذلك بذهاب النفوس من المركز إلى المحيط، وأن يحدث فيها تركز وتقلص بأن تعود من المحيط الى المركز" السطر ٩-١٦ ص ٣٨

ان الرواقيين هنا يبررون فكرة الفعل الحركي وإنتمائه الى الأجسام على انها صفة ملاصقة للنفس، وهذه الصفة هي التي تمنح ما ينتج عن هذه النفس ما يسمى بالماديات، فكل شئ مصدره النفس وهو مادي كونه متداخلا مع بعضه البعض ولا يوجد حد، اومسافة بين المتداخلات المادية لأنها تحصل بالتوتر داخل الأجسام.

فالنفس مثلا بحسب الفكر الرواقي من الماديات (والفضيلة والرذيلة) من الماديات ايضا، لأنهما من منشأ مادي، وهما نتاج هذا المنشأ الذي اصله التوتر، الذي يحصل داخل النفس والذي هو صفة ملازمة لها وبفعله يكون هنالك تكوينات جسمية مادية، وهذه التكوينات اجسام مادية. ص ٤١

حواشي:

"كما ان هذا المذهب من ناحية اخرى يفسر لنا تفسيرا واضحاً فكرة الفعل من بُعد، وهي الفكرة التي تلعب دوراً خطيراً جداً في الفيزياء منذ العصور القديمة حتى اليوم، فهم عن طريق مذهبهم في التداخل المطلق يقولون أن ليس في الواقع بُعد ، لأن الأشياء توجد توجد بعضها في بعض"السطر ٣-٧، ص ٤١

وهذا معناه ان فكرة رفض الفعل عن بُعد قائم على أساس مبدأ التداخل المطلق بين الأجسام، فالفعل عندهم جسم، وهذا الجسم غير مسبوق بجسم اخر، ولا يوجد (حد) بحسب زعمهم بين الأجسام.

مصطلحات مهمة مع المعاني:

أوالبنويماتا: النفوس وهي الفكرة التي اعتمدها الرواقيون في تفسير حركة الأجسام ومسمياتها

الكرازيس: التداخل المطلق بين الأجسام

تونوس: التوتر اوالحركة الذي بفعله يحصل التداخل المطلق (الكرازيس)

 

عقيل العبود

......................

هوامش

- دكتور عبد الرحمن بدوي، خريف الفكر اليوناني، السطر ٤-٧، ص ٤٠ فكرة الفعل عن بُعد

دكتور عبد الرحمن بدوي، خريف الفكر اليوناني، السطر ٩-١٦ ص ٣٨، فكرة النفوس عند الرواقيين

دكتور عبد الرحمن بدوي، خريف الفكر اليوناني، السطر ٣-٧، ص ٤١ ، فكرة " الفعل من بعد"

المقطع الثاني، السطر ١٦، ص٤١

دكتور عبد الرحمن بدوي، خريف الفكر اليوناني، السطر ١٤-١٦ص٣٨، فكرة النفوس عند الرواقيين

 

الطيب النقرالدكتور الترابي الذي تعقدت حياته ولم يتعقد عقله، كان من العسير أن تتحقق فلسفته التي يريد أن ينتهي إليها لعوامل عدة، أولها البون الشاسع في التفكير، فهو ما مهما تأنى في طلبه الذي يسعى إليه فلن يكون من السهل أن تتحقق بغيته التي كان ينشدها سواء في السياسة أو في النهج الديني الذي كان يرى أنه من الواجب أن يحصى ويستقصى، والشعب الذي ينحدر منه يريد أن يحيا الحياة التي عاشها أسلافهم، ولا يسلكوا طريق إلاّ الذين سبقوهم، وقد دأب هو أن ينتقد كسلهم الفكري هذا انتقاداً عنيفاً ولا يتحرج في التعريض به في فصول كتبه التي دونها، هو يريد أن يمس عقائد أهله بالتغيير والتبديل، وهم لا يريدون صيغة أخرى لتلك المسلمات التي يعتقدون فيها اعتقاداً راسخاً، كما أن حياتهم السياسية لا تعرف الإذعان، والدكتور الترابي يؤمن بأن العربي الساذج في مجاهيل الصحراء قبل البعثة كان يدرك أن الطاعة التي يذعن إليها عن رضا أو عن كره هي التي تجعل قبيلته تتوقل في معارج الشرف وأعراف المجد.

لقد كان هناك تفاوتاً كبيراً بين الطريقة التي يفكر بها الدكتور الترابي وبين غيره، فالناس كانوا يجدون شيئاً من العسر في فهم تفكير الترابي ومراميه، ونستطيع أن نذهب هذا المذهب في تأويل كل المصاعب التي واجهت الدكتور الترابي سواء في السياسة أو في الفكر أو في الفتيا، فدائماً ما يزهد الناس في بضاعة الدكتور الترابي ولا يستكثروا منها لأنهم يجهلون قيمتها ولا يعرفون من أي القمم تنحدر، ولعل هذا حظ شائع عرفناه في طبقات العلماء الذين لا يستطيع الناس أن يتوافقوا مع أحاديثهم وأفكارهم، ويروا أنها غامضة مضطربة، وبعبارة بالغة في الدقة لا تلائم كل الملاءمة لزوم حياتهم وقسوتها.

والمقام هذا يجعلنا نستحضر مقال الكاتب الصحفي الأستاذ جمال عنقرة، الذي تحدث عن جماعة من الإخوان في المحروسة كانوا ناقمين على الدكتور الترابي ولم يكتفوا بحملاتهم المحمومة ضده، فتوجهوا إلى الشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله حتى يساندهم في حملتهم الضارية على الترابي، ولكن الشيخ كشك ردهم قائلاً:" الشيخ حسن ده راجل فقيه، وأنا لست في مقام التعليق على أرائه الفقهية، وعالماً آخر من علماء المحروسة ذهبوا إليه فقال:" الدكتور الترابي يكتب إلى جيل لم يأتي بعد" ثم ألفّ الشيخ محمد الغزالي بهذه المناسبة كتاباً أسماه" دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين" ناقش فيه آراء الدكتور الترابي بجسارة فاقت كل الحدود،  ولما انتقده بعض المتشددين أصدر كتاباً ثانياً أسماه" السنة النبوية بين أهل الفقه والحديث" الأمر الذي قاد لمنعه من زيارة المملكة العربية السعودية، وتمّ حظر هذين الكتابين وبقية كتبه، وبعد مدة طالت أو قصرت فاز الشيخ الغزالي رحمه الله بجائزة الملك فيصل، فرفع الملك فهد بن عبد العزيز عن الكتب وصاحبها الحظر فذهب الشيخ الغزالي إلى السعودية واستلم الجائزة".

شيء آخر جعل الكثير من الناس لا تتصل حياتهم بالدكتور الترابي اتصالاً قوياً ولا بمؤلفاته التي أنفق فيها بياض أيامه وسواد لياليه، أن الدكتور الترابي لم تخلو حياته من خصومات متصلة وحروب تندلع حيناً وسلام ينعقد في أحايين أخرى بسبب السياسة، ولعل هذه الخصائص ليست قاصرة على الدكتور الترابي رحمه الله، فهذا هو ديدن كل الساسة وهذه هي طبيعة حياتهم، فنحن نعلم إلى أي حد أبعدت المشاحنات السياسية الناس عن شخصية الدكتور الترابي وأقصتهم عن فكره، كما أن الكثير من شيعة الترابي حتى لم يهتدوا إلى نفسه أيضاً رغم معرفتهم بأنه شخصية مهيبة الجانب، عظيمة الدراية، لأنهم أجروا حياتهم على قواف مختلفة تقبل وتدبر بحجم المنفعة التي يرتجونها، فالعوائد وحدها هي التي تتصل بأفئدتهم وليست القيم والمبادئ، وهؤلاء حال الدكتور الترابي معهم كحال المثل الذي أجراه الله وبسطه في كتابه الجليل الجامع الذي لا حشو فيه ولا ركاكة قال تعالى:"وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" سورة النحل:76.

وقد علق ابن القيم رحمه الله على هذا المثل القرآني بقوله: "إذا كان لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر على شيء وغني موسع عليه ينفق مما رزقه الله فكيف تجعلون الصنم الذي هو أسوأ حالاً من هذا العبد شريكاً لله وكذلك إذا كان لا يستوي عندكم رجلان أحدهما أبكم لا يعقل ولا ينطق وهو مع ذلك عاجز لا يقدر على شيء. وآخر على طريق مستقيم في أقواله وأفعاله وهو آمر بالعدل عامل به لأنه على صراط مستقيم فكيف تسوون بين الله وبين الصنم في العبادة" لقد تركت جماعات عديدة الشيخ القديم العهد بالحركة الإسلامية، البعيد السابقة بالاستقامة والنزاهة والورع، وانساقت وراء فئة تقف هذه الجماعات نفسها منها موقف التردد وتعلم لو أن هذه الفئة ثبت لها سند صحيح أو قريب من الصحيح في كيان الحركة الإسلامية فهي لا تتردد في القطع بأن هذه الفئة التي ناوأت الشيخ وأقصته لا حظ لها من العفة والإجادة والإتقان مثلما للشيخ،  وأن الشيخ صادق كل الصدق في حديثه عن الفساد الذي طرأ على قيادات الإسلاميين والمسؤولين، وأنه أيضاً بعيد كل البعد من إذكاء هذه النار التي بعثها القيظ، لقد تحدث الترابي عن الفساد الذي وصلت إليه أمور الدولة، وصور بأحاديثه حجم هذا الفساد من جميع نواحيه الفردية والاجتماعية، واضطر أن يضيف لهذه الأحاديث خيبة أمله في الجماعة التي انتقاها وأوكل إليها أمر قيادة البلد، كان الدكتور الترابي في أحاديثه هذه يستدل بمنهجه الجلي الواضح عن تلك المناهج التي خاضت في الكذب والتدليس، وحتى لا نطيل ولا نسرف نقول أن حظ الشيخ من التصديق والمؤازرة كان مثل حظ غيره ممن سبقوه من الثقات المخلصين الذين لا يبغضون شيئاً كما يبغضون السفاهة والفسق والضلال وحصد النزوات، فكان فمن الطبيعي أن يميل عنه الناس إلى شخص آخر بيده النفوذ والسلطة حتى لو كان عاجزاً لا يقدر على شيء.

أمر آخر جعل الناس لا تسيغ فكر الدكتور الترابي ولا تدانيه، أن سعة معارفه حببت إليه الغريب بصورة أو بأخرى وجعلته إلى حد بعيد جداً متأثراً بالمعاظلة والتعقيد في مؤلفاته التي لم يكن يبذل فيها جهداً عنيفاً، مؤلفات الدكتور الترابي التي تشابه أحاديثه التي كان يهضب بها في سوح السياسة والدين لم تكن بسيطة ولا يسيرة للكثير من أبناء جلدته، وهي خاضعة لسلطان ثقافته التي لم يتقلص ظلها رغم انغماسه في عدة نواحي، لقد تحققت إذن هذه الحكمة التي تقول "أن الناس أعداء ما جهلوا" فجلّ من لم تنشأ صلات وثيقة بينهم وبين جزالة اللغة العربية وآدابها، وقنع بتلك العامية الساذجة السمجة التي يتحدثها والتي أثرت في عقله تأثيراً عظيماً، لن يكلف بكتب الترابي ولا بصاحبها، هذه هي الأسباب التي جعلت مؤلفات الدكتور الترابي محصورة بين العلماء وبين من يبذلون جهداً مقدراً لهضم مصنفات ظلت كما هي تعيد ما تبدأ وتبدأ ما تعيد كما يقول عميد الأدب العربي، فمحاور فكر الدكتور الترابي تدور حول التوحيد وتجديد الفكر العقدي الإسلامي وقضايا المرأة والشورى والديمقراطية، كم كنا نتوق أن ننتفع بهذه العقلية المتفردة في فروع الحياة المختلفة، ونجد له مؤلفات في ميادين لا نستطيع بوجه من الوجوه أن نقرر في أمرها شيئاً، نعم كنا نريد منه أن يتحفنا برؤية متكاملة في تلك المواضيع التي يجب أن تعتمد في البت فيها على الجدال والنضال بالحجة، لا بأشياء تضطرنا إلى الصيال الذي يبلغ الرعونة و الإسفاف .

ونحن لا ندري هل كان الدكتور الترابي شديد الاعتماد على حواسه عند تأليفه لكتبه وأسفاره، فالشيء الراجح أن معظم هذه الرسائل والمتون كانت شديدة الاتصال بعقله، فالألفاظ المتينة الرصينة لا نجد عاطفة تحركها خلا النزعة الدينية التي ينتصر لها، لم يفصح الدكتور الترابي عن دخيلة نفسه فيما يكتب كثيراً، فكتاباته لا تفيض بما تفيض به النفس في العادة، فنحن نرى دائماً تقبله للقدر، وإذعانه للقضاء، دون أن نرى مجالاً للجزع أو الحسرة، لم نرى الدكتور الترابي يعود كثيراً إلى أعماق نفسه يستثير عواطفها ويدفعها دفعاً لما يستدر مآقيه رغم أن حياته حافلة بطوائف من الشجا والحزن، لم يكن الدكتور الترابي يمنح كتاباته رقة أو عذوبه لأنه لا يكترث بالصور المادية في فكره ومؤلفاته، القليل فقط من التفصيلات الدقيقة التي نجدها هنا وهناك والتي لا يستطيع أي شخص رصدها إلاّ في مشقة وجهد، ولعل عظمة مكانة العقل عند الدكتور الترابي واعتداده به هي التي حجبت الحواس الأخرى وأضعفتها في وضائعه ومجلداته، فالغاية التي يرتجيها الشيخ هو أن يقيم حجته ويثبتها ويجعلها داحضة على خصومه، وصناعة الحجة وبلورتها تستدعى العقل في الغالب الذي يصاول ويناضل، ومهما اختلفت ذائقتنا لفكر وكتب الدكتور الترابي وحواشيه، فهناك حقيقة نحسها ونشعر بها وهو الإعجاب بفلسفتها ومنطقها رغم خلوها في الكثير الأعمّ من العاطفة والرواء.

 

الطيب النقر

 

سليم جواد الفهدتأملات في الفكر السياسي الإسلامي (13)

هذا هو المحور الثالث والأخير من محاور (القرآن والعدل والمساواة) وصلنا في التأملات السابقة الى تقرير أن العدالة تقوم على قاعدة الإنصاف وهي قاعدة تقتضي من جهة حق كل شخص في (المساواة) ومن جهة أخرى قاعدة للحرية الإنسانية التي تتأسس عليها المسؤولية والحرية من أهم حقوق الإنسان العاقل وقيد العاقل هنا مهم جدا لأن المجنون فاقد للعقل ولذلك فهو لا يمتلك الإرادة ومن لا يمتلك الإرادة لا تنفعه الحرية.

الحق في الاعتقاد:

ألغى النص القرآني حق الاعتقاد بغير الإسلام على ثلاثة مستويات:

المستوى الأول: داخلي يخص المسلمين وهو حد (الردة) فمن أرتد عن دين الإسلام يخسر الدنيا والآخرة بنص القرآن ويقتل بنص الفقهاء.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (المائدة54).

(وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة217).

﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾. (النحل (106).

والنص القرآني كما هو واضح يخلو من حد القتل واكتفى بالتهديد والوعيد الاخروي إلا أن الفقهاء أجمعوا على قتل المرتد شيعة وسنة معتمدين على السنة في استنباط حكم الردة. ومن خلال مناقشاتي مع المثقفين والمتعلمين الشيعة تبين لي أنهم يجهلون التشدد والتطرف في أحكام الفقه الجعفري ويظنون أن المذهب الجعفري مذهب معتدل والحقيقة أن المذهب الجعفري له آراء متشددة ومن هذه الآراء رأيه في حكم المرتد الذي يجري تكفيره فهو أقسى وأقل رحمة من الفقه السني. ففي الفقه السني لا ينفذ حكم الردة فوراً بالمتهم حتى لو توافر الدليل القاطع ضده بل يستتاب ثلاث مرات ويترك ثلاثة أيام لا يقطع عنه الطعام والشراب فإذا أصر على كفره وارتداده عن الإسلام نفذ فيه حكم المرتد وهو (قطع الرأس) أما المذهب الجعفري الاثني عشري فيضع فروق بين المسلم بالولادة ويسمونه (الفطري) والمسلم بالهداية ويسمونه (الملي) ويعني الذي دخل الى الإسلام من ملة أخرى أما الاستتابة عندهم فهي للمرتد (الملي) فقط أما المسلم بالولادة (الفطري) فيقتل فوراً ودون استتابة.

"باب (حد المرتد): علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعا، عن ابن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن المرتد فقال: من رغب عن الاسلام وكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله بعد إسلامه فلا توبة له وقد وجب قلته وبانت منه امرأته ويقسم ما ترك على ولده". (الكافي - الشيخ الكليني - ج ٧ - الصفحة ٢٥٦).

المستوى الثاني: المشرك غير الكتابي وهذا ليس له إلا حد القتل فالمشرك الذي يمتنع عن الدخول في الإسلام يقتل بنص القرآن وتعليل ذلك أنه بلا دين يرجع إليه فلا خيار له إلا الإسلام أو القتل.

قال تعالى:( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها). (محمد 4).

(وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (36التوبة).

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾(التوبة 123).

(فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). (التوبة5).

(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ). (الانفال 12).

أحكام المشرك في التشريع الإسلامي:

1- المشرك لا يُقبل منه أي عمل مع الشرك.

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. [الزُّمَر: 65].

2- المشرك لا تحل مناكحته.

قال الله تعالى: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. [البقرة: 221].

3- المشرك حلال الدم والمال.

قال الله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. [التوبة: 5].

4- المشرك نجس لا يحل له دخول المسجد الحرام.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. [التوبة: 28].

5- المشرك لا يرث المسلم.

6- تحرم ذكاة المشرك، وتسقط ولايته ويسقط حقه في الحضانة لأنه كافر.

7- إذا مات المشرك على الشرك فإنه لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدعى له بالرحمة ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يورث لأنه كافر.

المستوى الثالث: غير المسلم الكتابي (يهود ونصارى) وهؤلاء يقسمون قسمين الأول الذين يقيمون إقامة دائمة في دولة الإسلام ويسمون (أهل الذمة) وهؤلاء وضعوا بين ثلاثة خيارات (الدخول في الإسلام أو دفع الجزية أو القتل). فما دام يدفع الجزية وهو صاغر فهو آمن على دمه وماله وعرضه والقسم الثاني المستأمنون وهم المعاهدون الذين يقيمون في دولة الإسلام دون الانضواء تحت حمايتها الدائمة ولهم ميثاق وعهد وقتي عندما ينتهي يجب أن يغادروا أو يجددوا العهد والميثاق.

 قال تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (التوبة 29).

{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85].

مسلم أم مواطن

الإيمان بهذه النصوص واعتبارها صالحة لكل زمان ومكان أي دون الإقرار بتاريخيتها يحول المؤمن بها الى كائن مسخ يعيش خارج التاريخ - وهذا ما يرده ضباع الإسلام السياسي- كمن يعيش في كهف في الوقت الحاضر والكهف الجغرافي هين إذا ما قورن بكهف النصوص لأن هذا الكهف في حقيقته أيديولوجيا أي نظام فكري شمولي نشأ في حقبة زمنية ولواقع لم يعد موجودا الآن وفي هذا العمى الإيديولوجي تكمن المصيبة فالمؤمن يرى في عقيدته صلاحية لما يقتضيه الواقع أو بتعبير أبسط يرى أن نظامه الفكري هو ما يجب تطبيقه لأنه هو الصائب باعتباره صادر من الله وأحكام الله لا تقبل التغيير والتبديل ولذلك تكون تطبيقات الأيديولوجيا الدينية ذات طابع وثوقي عند المؤمنين بها غير قابل للشك ولا يسمح لأحد بالاعتراض عليها. وفي نفس الوقت يكون المكون القيمي للأيديولوجيا الدينية عند المؤمن به مكوناً خالصاً يمثل أعلى ما يمكن أن يصبو إليه الفكر الإنساني وهذا الوعي الزائف عند المؤمن يجعله كالمصاب بالشيزوفرينيا فهو يحن الى ماضي لا يستعاد لأن الزمن لا يرجع الى الوراء وبنفس الوقت يتمسك بنصوص لا تصلح للحاضر وهذا ما يجعله بمعزل عن الواقع. واقع اليوم هو واقع المواطنة لا واقع الرعايا والراعي واقع اليوم يقول: الدين لله والوطن للجميع. واقع اليوم لا يسمح لك كمسلم عراقي أن تضطهد المسيحي العراقي وتجعله يدفع الجزية كي يعيش آمنا في وطنه هذا حق من حقوقه الطبيعية والوضعية.

الحق الطبيعي والحق الوضعي

غالبا ما يرجع الباحثون أول تمجيد للحقوق الإنسانية في الوثائق الدستورية القومية والعالمية الى نهاية القرن الثامن عشر وكان أول عمل قانوني من هذا النوع اكتسب شهرة عالمية هو (وثيقة فرجينيا) للحقوق سنة 1776 وهي عبارة عن إعلان الحقوق التي قاوم بها المستوطنون الأمريكيون مطالبة التاج البريطاني بالسلطة وهي أول دستور مكتوب يؤسس للحقوق الليبرالية الإنسانية بوصفها حقا دستوريا هذه الوثيقة كتبها توماس جيفرسون (1743- 1826). وقد نصت الوثيقة على حقوق الإنسان الطبيعية مثل حقه في الحياة والحرية وحقه في الأمن وعلى سيادة الشعب كمصدر للسلطات في المجتمع وعلى سيادة القانون كمظهر لإرادة الأمة وعلى المساواة بين جميع المواطنين أمام الشرائع والقوانين. (زكي نجيب محمود،حياة الفكر في العالم الجديد).

وبدأت الثورة الفرنسية "إعلان الحقوق الإنسانية "سنة 1789 وكان امانويل جوزيف سييس (1748- 1836) قد وضع وثيقة حقوق الإنسان تلك التي أقرتها الجمعية التأسيسية وأصدرتها كإعلان تاريخي ووثيقة سياسية واجتماعية ثورية في (26 آب/أغسطس 1789) بالاعتماد على نظريات جان جاك روسو (1712- 1778) وأنشأت دستور (1791) الذي جسد هذا الإعلان.

ومنذ ذلك التاريخ جرى تدويلها فدخلت مضامينها في ميثاق عصبة الأمم المتحدة سنة 1920 ثم في ميثاق الأمم المتحدة سنة 1945 ثم أفردت دوليا بوثيقة خاصة هي "الاعلان العالمي لميثاق حقوق الإنسان" الذي أقرته الأمم المتحدة في 10كانون الأول 1948.

"ومنذ ذلك الحين صارت الحقوق الإنسانية "القانون الدولي الإلزامي" ولاسيما في الميثاقين المتعلقين بالحقوق الإنسانية اللذين جرى الاتفاق عليهما بالإجماع في الأمم المتحدة سنة1966 وأصبحا نافذي المفعول سنة 1976 والميثاقان مترابطان قانونيا ولكن الدول الأخرى يجب أن تترك نفسها تحاكم وفقا للمعايير التي تشتمل عليها".(كريله،الحقوق الإنسانية في ميثاقي القانون الدولي للأمم المتحدة ص17).

يعرف الحق بأنه المطابقة والموافقة للواقع وشرطه ثبوت واقع معين بحيث تكون مطابقته حقا أي صدقا وموافقة وعدمها كذبا وباطلا لوضوح مقابلة الحق مع الباطل والصدق مع الكذب فلا معنى لكلمة الحق والباطل من دون واقع وراءها تعبر عنه وتحاكيه.

وقد قصدنا بالحق الطبيعي عالم الطبيعة والتكوين وما يتمتع به الإنسان من امكانات وقدرات تتناسب وطبيعته التكوينية فالحق في هذه الحالة هو السير وفق السنن التكوينية التي تنطبق على ذاته. مثل الاكل والشراب والمسكن ومما يحتاجه الإنسان من أمور تحفظ بقاءه وتضمن له الحياة فيقال مثلا أن من حقه أن يعيش وأن يبقى على قيد الحياة وهذا النوع من الحق غير قابل للجعل والاعتبار وبالتالي فإن أي تصرف أو تلاعب فيه سوف يؤدي لا محالة إلى القضاء عليه وهو عين الفساد. وقصدنا بالحق الوضعي أن يكون الواقع جعليا اعتباريا بمعنى انه خاضع لجعل جاعل واعتبار معتبر وفي هذه الحالة تكون حدود الواقع مختلفة سعة وضيقا بحسب الجعل والوضع الذي افترضه له الجاعل بمعنى أنها تابعة لنفس الجعل ومحددة بحدوده المفترضة وهذا من قبيل القوانين والتشريعات التي تضعها الدول والمؤسسات لتنظيم شؤون المنضوين تحت لوائها وسلطتها كقانون الملكية والزواج وسائر العقود والإيقاعات المرتبطة بحياتهم او سلوكياتهم.

طبعا من المفروغ منه أنه لا معنى للتصرف زيادة ونقيصة في الحق الطبيعي والعلة أن الإنسان بل كل كائن في هذا العالم مرهون لمقتضيات سنن التكوين التي لا يمكن تخطيه أو الخروج من دائرته لخروجها عن دائرة قدراته وطاقاته فمثلا لا يمكن جعل الإنسان قادرا على الطيران أو في غنى عن التنفس أو المأكل والمشرب وأمثال ذلك.

وأما الحق الوضعي فيختلف لأنه خاضعا للجعل والاعتبار يفرضه تنظيم حياة الناس فهو يتوقف على ملاكات وأسباب تصحح جعله ووضعها في معرض التنفيذ. والقاعدة الأساسية التي تحكم هذه الملاكات هي مصلحة النوع البشري على العموم سواء في بعده الفردي أم الجماعي وهو ما يرتبط ارتباطا مباشرا بالإنسان وتحقيق السعادة الحقيقية للنوع الإنساني برمته.

إن انتماء الإنسان إلى عالم الطبيعة وكونه جزء لا يتجزأ منها يدل على أن قوانين الطبيعة يجب أن تكون هي المعيار والنموذج الموجه لكل سلوكنا وأفعالنا وأن حقوق الأفراد شأنها في ذلك شأن حقوق باقي الكائنات الأخرى يجب أن تحدد من خلال نظام الطبيعة وقوانينها لأنها وحدها ثابتة ومطلقة ونحن نؤكد على أن حقوق كل كائن تتحدد من خلال الخصائص التي زودته الطبيعة بها والتي تحدد نمط وجوده وحياته تتحدد من خلال ذلك الحق وفق قانون إنساني لا يعارض الحرية الإنسانية ولا يعتدي على الحياة بحجة اي عنوان ميتافيزيقي وهذا هو جوهر القانون الوضعي الذي يؤكد على أن الإنسان كائن حر تنتهي حريته عندما تبدا حرية الناس الآخرين في توازن قانوني رائع يكفل للجميع حق الحرية الفردية ولا يكبل الإرادة الإنسانية بقيود الوهم المقدس ونقده من خلال مخالفته الصريحة للحق الطبيعي للإنسان المبني على حرية الإرادة وحق الحرية الفردية المبني على تفرد الكائن الإنساني وخصوصيته اللازمة له باعتبارها زاوية مقدسه من زوايا حياته الخاصة.

 

سليم جواد الفهد

 

محمود محمد علييقول البرفسور الأمريكي، جوزيف ناي، الذي يعد أهمّ منظري "الليبرالية الجديدة" في العلاقات الدولية، في كتابه "مفارقة القوة الأمريكية" 2003: إنّ أقدم أشكال العولمة هو "الاعتماد البيئي المتبادل"، ويضرب مثالاً على ذلك انتشار وباء الجدري في مصر القديمة، عام 135 قبل الميلاد، ثم وصول المرض إلى الصين عام 49 للميلاد، وإلى أوروبا عام 700 للميلاد، ثم إلى الأمريكيتين عام 1520، ليصل في النهاية إلى أستراليا عام 1789 للميلاد وذلك كما قال سعود الشرفات في مقاله فيروس كورونا: عولمة الأمراض والهلع.

وكلام جوزيف ناي يؤكده هنا كثير من المؤرخين والأنثربولوجيين، حيث أثبتوا أنه على مدار التاريخ ظل البشر حول العالم يتعرضون للأوبئة، فعانوا وباء الكوليرا وغيره من الأوبئة الفتاكة. ووفق الموقع الرسمي لـ"منظمة الصحة العالمية" على شبكة الإنترنت، فإن عصر أبوقراط (460-377 ق.م) وعصر جالينوس (129-216 م) شهدا تفشيًا واسعًا لوباء قد يكون هو الكوليرا، كما أن مرضًا يشبه الكوليرا أيضًا كان معروفًا في سهول نهر الغانج (في شمال الهند) منذ القدم.

وقد شهد التاريخ حالات كثيرة لأوبئة الكوليرا والطاعون والحصبة والإنفلونزا والسارس وأنفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير وغيرها، والتي تسببت بجانب الحروب في هلاك مئات الملايين على مر التاريخ.. ففي عام 165 ميلادية شهد العالم ما يسمى "الطاعون الأنطوني" أو "طاعون الأباطرة الأنطونيين" الذي ظهر في الإمبراطورية الرومانية، وتظهر السجلات التاريخية أن هذا الوباء تسبب في وفاة ما لا يقل عن ألفي شخص يوميًّا. وفي بدايات القرن التاسع عشر، انتشر وباء الكوليرا حول العالم، وكانت بدايته من منطقة جنوب شرق آسيا، حيث أصاب 100 ألف شخص في الصين وإندونيسيا، ثم انتقل تباعًا إلى مناطق أخرى من العالم؛ حيث انتشر المرض في وقت لاحق وتعولم على طول طرق التجارة في آسيا وأفريقيا وأوروبا، كما تم توثيق أوصاف لا لبس فيها لهذا المرض في الصين، خلال القرن الرابع، وفي الهند ومنطقة البحر الأبيض المتوسط خلال القرن السابع الميلادي، فضلاً عن جنوب غرب آسيا خلال القرن العاشر..

وتشير التقديرات إلى أنّ الجدري دخل أوروبا بين القرنين الخامس والسابع مع انتشار الأوبئة خلال العصور الوسطى، وأدخل المستعمرون الأوروبيون الجدري إلى الأمريكيتين (وأيضاً أفريقيا وأستراليا) بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر، مع معدلات إصابة بلغت 90%، ويعتقد أنّ الجدري كان السبب وراء سقوط إمبراطوريات الأزتيك والإنكا في أمريكا الجنوبية وذلك كما قال سعود الشرفات في مقاله سالف الذكر.

وبرغم التقدم الكبير الذي أحرزه العالم في الرعاية الصحية في العصر الحديث، ما زال وباء الكوليرا يُصيب ما يتراوح بين 1.3 مليون شخص و4 ملايين شخص سنويًّا، ويقتل ما يتراوح بين 21 ألف شخصٍ و143 ألف شخصٍ حول العالم كل عام، محدثًا خسائرَ كبيرةً في الأرواح، ومحملًا الاقتصاد العالمي أعباء ثقيلةً.

المقصود من هذا الاستشهاد من نوع "التأريخ بالعدد" هو الإشارة إلى قضية رئيسة وحاسمة في سيرورة العولمة؛ ألا وهي قضية تطور آليات العولمة التكنولوجية وتحديداً المواصلات والاتصالات وعملية الرابط والتشبيك الواسع والعميق لكافة البنى الاجتماعية في العالم القديم والمعاصر، ثم خطورة الأمراض والجراثيم والفيروسات، وانتشارها المتسارع وقدرتها الهائلة على نشر الهلع عالمياً وتأثيرها السلبي على شلّ الحياة الاجتماعية للبشر والاقتصاد العالمي بكلمات أخرى، فإن ما يستفيده الاقتصاد العالمي من انفتاح في ظل العولمة، من خلال جعل انتقال البشر والأيدي العاملة أكثر سهولة ويسرًا، فهو يُعد في الوقت ذاته قناة لنقل الفيروسات بين الدول، وتحولها إلى أوبئة عالمية في أيام معدودة، وهذا ما يمكن وصفه بـ"عولمة الأوبئة".

في الحادي والثلاثين من شهر ديسمبر 2019، أعلنت الصين أول إصابة بفيروس مجهول في مدينة ووهان، بمقاطعة هوبي الوسطى.. لم يكترث الكثيرون له ولم يعيرونه أي اهتمام.. في العاشر من ديسمبر 2019 تعرض 7 أشخاص للعدوي بالفيروس في أحد مدارس ووهان.. لم يخطر ببال أي أحد أبداً أن يحدث هذا كله.. وبعد أسبوعين وبالأخص في 31 ديسمبر 2019 من إصابة الـ 7 أشخاص، انتقل المرض بالعدوي إلي 104 حالة مرضية.. حصرها المركز الصيني للسيطرة للأمراض والوقاية منها، لكنه لم يصنفها مصابة بفيروس كورونا.

وفي 11 يناير 2020 وصلت العدوي إلي 284 حالة مرضية، وقد صُنفت علي أنها مصابة بنوع غير معروف للالتهاب الرئوي، ومن بين المصابين 7 عاملين في مجال الرعاية الطبية، وذلك في دلالة أن هذا الفيروس ينتقل بالعدوي بين البشر.. لم توجه الصين أي تحذيرات للمواطنين ووصل الأمر ببعضهم إلي تنظيم مأدبة طعام حضرها عشرات الآلاف من الأشخاص، بينما كان الفيروس يتفشي بين الناس.. لم يتخذ سكان ووهان الاحتياطات اللازمة ضد الفيروس.. فلم يكونوا علي علم بوباء منتشر بين أرجاء المدينة .

إلا أنه وبوتيرة سريعة ارتفعت أعداد من يشعرون بأعراض مرضية في ووهان، إلا أن تلقي العلاج كان يزداد صعوبة.. منعت حكومة ووهان المواطنين للمغادرة من تجمعاتهم السكنية.. في 30 من ديسمبر 2019م فجر الطبيب الصيني "لي وينليانغ "-طبيب عيون في ووهان الحقيقة عبر تطبيق المراسلة الصيني "واي شات"- بأن الفيروس المنتشر مميت، وطلب من سكان ووهان توخي الحذر.. اعتبرت السلطات الصينية أن الطبيب مروج للشائعات، وأنه قد يواجه تهماً بالإرهاب.. إلا أن العدوي قد أصابت الطبيب ليفارق الحياة.. وقد دوت وفاة الطبيب وسائل التواصل الاجتماعي، وأثارت ردود فعل غاضبة بين أوساط الصينيين.. كانت حياته الثمن الذي أثبت أنه لم يكن مروج شائعات، فحظي بتعاطف واسع بين الناس، لأنهم قد أدركوا أنهم قد يواجهون المصير ذاته، وهذا ما يفسر ردة الفعل السريعة من عامة الشعب الصيني إزاء موته .

إن تحكم وسيطرة الحكومة الصينية علي وسائل الاجتماعي لمحاولة منع تلك المعلومات من الوصول إلي شق واسع من الشعب؛ أدي في حقيقة الأمر إلي تأخير التدخل الحكومي الفاعل طبقاً لتصريحات بعض خبراء الرعاية الصحية الذين قالوا بأن أسبوعين علي الأقل قد تم إهدارهما.. وبالفعل كانت العدوي سريعة الانتشار..

ومع توالي إعلان الإصابات وحالات الوفاة، فقد أعلنت الصين الحجر الصحي في 13 مدينة بمقاطعة هوبي، بإجمالي سكان يبلغ 41 مليون نسمة، كما وضعت السلطات قيودًا مشدَّدة على السفر الداخلي، في محاولة للحد من انتشار الفيروس. وبحلول يوم 2 فبراير 2020 حدثت السلطات الصينية، أرقام الإصابات بفيروس كورونا الجديد حتى الأربعاء الثاني من مايو الجاري ليصبح عدد الإصابات المؤكدة حول العالم ٤٫٣٧ مليون ألف حالة منها ٢٩٨ ألف حالة وفاة .. وبجانب ذلك فقد ظهرت حالات إصابة بالفيروس في 26 دولة أخرى إلى جانب الصين، كاليابان وكوريا الجنوبية وهونج كونج وسنغافورة، ودول أوروبية، ووصل الفيروس إلى الولايات المتحدة وكندا ودول أمريكا الجنوبية.

وبعد بضعة أسابيع من تفشي فيروس كورونا المخيف حول العالم، يكاد الناظر للمشهد العالمي أن يشعر أننا لم نعد نعيش في "قرية صغيرة" أفرزتها العولمة؛ إذ ثبت أنّ العولمة لا تزال غير مكتملة الأسس، لحين انضواء كل الدول والمجتمعات تحت لواء القيم المشتركة للإنسان الحافظة لكرامته وحقوقه الإنسانية بالعيش بصحة جيدة خالية من السموم ومخاطر الأوبئة.. وبالتالي تبقي العولمة وسهولة التنقل والانفتاح بين الدول التي تتباين أنظمتها السياسية والصحية وتعاملها مع "الإنسان" ومواطنيها نقمة دولية تحتاج إعادة النظر بها، وليكن كما قال بديع يونس) في مقاله بعنوان كورونا والعولمة و"المؤامرة") " كورونا درساً مهما في العلاقات الدولية" .

إن انتشار جائحة ال كورونا أثبت أن النموذج النيوليبرالي المعولم المنفلت من كل ضوابط لا يشكل ظلمًا على الملايين من البشر، بل يمثل خطرًا على وجودهم نفسه، ففى لحظة الحقيقة اختفى التصدر الزائف الذى تمحورت حوله اهتمامات الناس وتشكلت كبرى الاقتصادات لعوالم صناعة الترفيه الطاغية من لاعبى كرة القدم والفنانين حتى السياسيين وغيرهم . فى لحظة الحقيقة تحولت إيطاليا، صاحبة الاقتصاد الثامن عالميًا من تقرير “من يحيا ومن يُترك لمصيره” إلى “أتركوهم يموتون.. ليس لدينا إمكانات”!. وتحول السويد، البلد الذي يفترض أنه يملك تاريخًا طويلًا من الاشتراكية الديمقراطية ودولة الرفاه إلى “ابقَ في البيت وتناول براسيتامول.. ليس لدينا إمكانات لاستيعاب المزيد وذلك كما قال إسلام جادالله في مقاله عولمة الأوبئة": اختبار الكفاءة فى زمن الـ"كورونا".

إن فيروس «كورونا» كشف لنا أنه لم يعد قضية محاصرة فيروس ما زال مستعصياً على التشخيص والعلاج، وإنما ما واكبه من انهيار في البورصات العالمية بما فيها البورصة الأمريكية، ومن بعدها أسعار النفط، ونشب خلاف بين روسيا والسعودية بعد انسجام، أصبح الأمر كما لو كانت هناك «سلسلة» من الأحداث الخطرة التي يعقبها أحداث أكثر خطورة، أصبحت الولايات المتحدة المزدهرة على حافة انكماش اقتصادي، وبدا العالم على شفا " الكساد " .. الفيروس عرض قلب العالم الصناعي في الصين إلى اختبار كبير فقد تراجعت معدلات النمو الصينية، وأصبحت صناعات العالم التي تعتمد على الصناعة الصينية في حالة شلل.. انهيار الصناعة العالمية قلل الطلب على النفط، وعلى التجارة العالمية .. فيروس «كورونا» أصبح نوعاً من «نوبة الصحيان» الضرورية للعالم أنه مهما نجحت الدول في بناء الأسوار فإنه لم يعد ممكناً للدول وحدها التعامل مع سلسلة الأحداث الخطرة الممثلة في «الاحتباس الحراري»، والتي أدت إلى كوارث زراعية في العديد من الدول نتج عنها وفق تقارير دولية إلى وفاة 815 مليون مواطن نتيجة ضعف أو قلة الغذاء، وذلك كما قال د. عبد المنعم سعيد في مقاله فيروس كورونا والعولمة وأشياء أخرى.

وفي الختام، لا بد من التأكيد على أن انتشار مثل هذه الفيروسات وتحولها إلى أوبئة على هذا النحو، هو شيء ليس بالغريب أو الاستثنائي في عصر العولمة، فمنظّمة الصحة العالمية تستقبل سنويًّا أكثر من 5 آلاف بلاغ مبكر عن أوبئة متفشية حول العالم. كما أن الاقتصاد العالمي يتحمل تكلفة سنوية تتراوح بين 500 مليار دولار و570 مليار دولار بسبب الأوبئة، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي، وهي القيمة التي تُمثّل نحو 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، كما أنها تعادل التكلفة التي يتحملها العالم بسبب أزمة التغير المناخي كل عام. ومن ثمّ فإن وباء كورونا الجديد ليس إلا وباءً جديدًا يُضاف إلى سجل الأوبئة العالمية لدى منظمة الصحة العالمية، ويُرجّح أن تنحسر مخاطره على الاقتصاد العالمي قريبًا، وذلك كما قال علي صلاح في مقاله عولمة الأوبئة : انعكاسات فيروس "كورونا" على الاقتصاد العالمي..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

يمتلك السُّلوكُ الإنساني قوةً ذاتية قادرة على تحويل الكَينونة إلى فِكرة، أي : تحويل الوجود الاجتماعي المادي والمعنوي إلى منهج فِكري قابل للتطبيق في الأمكنة والأزمنة المتغيرة. وهذه الصَّيرورة هي المنظومة الفلسفية التي تُفسِّر العلاقة المصيرية بين السُّلوك الإنساني والوجود الاجتماعي (الترابط بين الجُزء والكُل) . وإذا حدث توافق وجداني بين الفرد ومُحيطه الاجتماعي، زالَ التناقضُ في شخصية الفرد، وزالت التناحرات في المُحيط الاجتماعي . وهذا التوافق لا يعني تكريس سياسة القطيع، أوْ سَحق وجود الفرد لصالح وجود الجماعة، أوْ صَهر الهُوِيَّات المختلفة في بَوتقة هُوِيَّة واحدة. إن مفهوم التوافق الوجداني في السياق الاجتماعي يقوم على مبدأ فكري ثابت، وهو احتفاظ الفرد بصوته الخاص وأفكاره الذاتية وشخصيته الاعتبارية، واحتفاظ المُحيط الاجتماعي بإطاره الخاص ومصلحته الوجودية وماهيته المركزية، وإيجاد نُقطة مشتركة بين الطرفَيْن في مُنتصف الطريق، وتكوين علاقة تكاملية بين الفرد والمُحيط الاجتماعي، تُحقِّق مصلحة الطرفَيْن، وأحلامهما، وطموحاتهما. وهكذا، يتَّضح المسارُ الفكري نحو مُستقبل مشترك، دُون الحاجة إلى سَحْق الهُوِيَّات، أوْ تذويب الفُروقات الاجتماعية، أوْ إلغاء الصوت الذاتي. والتكاملُ علاقة بين خصائص مختلفة، وأشياء مُتباينة، لتكثير نِقاط القُوَّة، وتقليل نِقاط الضَّعْف، والتكاملُ يظهر في حالة الاختلاف، ولا يظهر في حالة التَّشَابُه .

2

المشكلةُ المنتشرة في النسق الاجتماعي تتجلَّى في اختراع لوازم ذهنية لَيست بلازمة على أرض الواقع . على سبيل المثال لا الحصر، كثيرٌ مِن الناس يعتقدون أنَّ بناء المجتمع وتقدُّمه لا يتحقَّقان إلا بوجود دَولة الدِّين الواحد، والمذهب الواحد، والحِزب الواحد، والفِكر الواحد . وهذا وَهْمٌ كبير، واعتقاد خاطئ . إنَّ توحيد الجُهود لا يَستلزم توحيد الأفكار، لأن الجُهود سلوك بشري يَضمن مصالح جميع الأطراف، أمَّا الأفكار فهي بُنى ذهنية تُشكِّل منظومةً معرفية داخل الفرد . وأيضًا، تماسكُ المجتمع لا يستلزم توحيد الأديان والمذاهب. تُوجد مجتمعات كثيرة متماسكة وقُوَّية، معَ أن أفرادها ينتمون إلى أديان مُتعدِّدة ومذاهب مُختلفة . والأمرُ يُشبِه وُجود بَحَّارة على ظَهْر سَفينة، كُل بَحَّار لَدَيه دِينه ومَذهبه وعقائده الخاصَّة به، ولكنَّ هذا الأمر لَيس له أيُّ دَور في عُبور البحر، الذي يَقوم على خِبرة البَحَّار ومهارته وكفاءته والأخذ بالأسباب . وجميعُ البَحَّارة يَعرِفون هذا الأمرَ، لذا يُوجِّهون طاقاتهم نحو هدف مُشترك، وهو الوصول إلى بَر الأمان، وهذا يُحقِّق مصلحةً للجميع، ويَجلب منفعةً للكُل، بعيدًا عن الصِّراعِ الديني والتناحرِ المذهبي والصِّدَامِ الأيديولوجي .

3

بناءُ الأنظمة السياسية في الدُّوَل المتماسكة ظاهريًّا، المُفكَّكة باطنيًّا، قائم على الولاء، وليس الكفاءة . وهذا الولاء المُتجذِّر يعتمد بالدرجة الأُولَى على العصبية الدينية المشتملة على روابط المذهب والقرابة والحِزب، وجميعُ الدُّوَل يُوجد فيها حِزب حاكم، سواءٌ بمعناه اللغوي أَم الاصطلاحي، وسواءٌ كان ظاهرًا أَم مَخْفِيًّا . وكُل بُنية سياسية تستبعد أصحابَ المواهب والكفاءات، بحُجَّة التركيز على الولاء والانتماء، هي منظومة طائفية مُنغلقة ومُنكمشة، تُشكِّل خطرًا على نَفْسها، وهي أكبر تهديد لوجودها، لأنَّ النهر لا يَقْدِر على الاستغناء عن روافده،فهي الضمانة الأكيدة لحياته وحيويته وحركته،وبدون الروافد سيجف النهرُ معَ الزمن. وكُل نظام سياسي مُنغلق، هو بالضرورة نظام معزول عن المجتمع، ومُنفصل عن الواقع، وعائش في عَالَمه الخاص، وهذا سيُؤدِّي إلى شيخوخة النظام، وتآكله مِن الداخل، وسُقوطه عاجلًا أوْ آجِلًا . وكما أن الحفاظ على حياة النهر، لا يكون إلا بكثرة روافده واستيعابها، كذلك الحفاظ على حياة النظام السياسي، لا يكون إلا بكثرة المُبدعين وأصحاب الكفاءات، واحتضانهم في بُنية السُّلطة، كَي يُمارسوا دَوْرَهم في البناء الحقيقي على أرض الواقع، ولَيس كتابة الشعارات، وترديد عبارات الوطنية، وتغيير المواقف تحت ضغط الراتب الشهري.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

صالح الطائيالتصحيح ضرورة تاريخية يستوجبها التطور التاريخي، وتغير السنن حتمية يوجبها تطور الإنسان نفسه واتساع مداركه وتنوع علومه، والفرق بين الحركي والسلفي الجامد هو أن الأول يتمكن من استيعاب معطيات التحضر والتماهي معها دون أن يخدش روح الدين بما في ذلك إيمانه أن تاريخية القرآن حقيقة لا تقبل النقاش، أما الثاني فيعتقد أن ما حدث خلال العشرين عاما من عمر البعثة وهي المدة المحصورة بين اليوم الأول للبعثة وموت النبي هي لب الكون وعلى الكون مهما تغيرت أنماطه أن يبقى ملتفا حولها مثل التفاف الذرات حول النواة. وهذا تواز يستحيل معه التقاء الآراء أو تقاربها من بعضها لذا يجب على المسلمين التنويرين أن يبادروا لنشر ثقافة جديدة تمهد الطرق لخلق مشاريع جديدة تستلهم روح الدين وتستوعب عطاء الحضارة، ومشاركة مني في رفد هذا المشروع وضعت عدة مؤلفات، اخترت منها هذه الأقوال.

ـ إن الفكر الديني حينما يتعامل مع المتغيرات اليومية بفكر العسكر، لا بالبحث عن الجوهر، يحول الحياة إلى مواجهة شرسة لا رابح فيها، تلحق الضرر بالجميع.

ـ خروج الدين من المسجد إلى القصر كان أول محاولة ناجحة لتحويله إلى حزب سياسي ومشروع دنيوي يخدم السلطة لا هي التي تخدمه، ولا علاقة للسماء به.

ـ الدين الذي وصلنا ونتعبد به الآن صورة مشوهة أخذت عن الصورة الأصلية للدين ولكن صناعها لم يكونوا ماهرين فمسخوها، ووضع وعاظ السلاطين أحكاما تكفر من يعترض عليها.

ـ إن ما يخدم الإنسانية ومشاريعها التطورية هو الإسهام الفعلي في التناغم مع المتغيرات الدولية دون التخلي عن الثوابت الحقيقية، ويجب أن يبدأ التناغم من هذه الساعة؛ ودون تأخير لأن كل يوم يمر، يزيد بُعدَ المسافة بيننا وبينهم.

ـ إن العالم بحضاراته المتنوعة؛ الذي يتقبل اليوم ديانات مثل: الشنتوية، الطاوية، الجينية، الكونفوشيوسية، البوذية، السيخية، المهاريشية، ويتقبل الكثير من الديانات والمعتقدات الأخرى بما فيها عبادة الشيطان، يستحيل أن يرفض الاعتراف بدين سماوي عظيم مثل دين الإسلام؛ وهو دين تجده في خصوصياته إنسانيا بلا حدود، وأنا أعزي الرفض ـ هذا إذا اعترفنا بوجوده ـ إلى أننا كمسلمين، عجزنا عن إظهار جمالية الإسلام، وابتعدنا عن الوسطية والاعتدال، وألغينا مبدأ الحوار، ورفضنا الخروج من دائرة الصراع التي حبسنا أنفسنا داخلها، وبدل ذلك وضعنا الآخر ندا في موضع السيف، فكفرناه وفسقناه، وأبحنا عرضه وماله ونفسه، وسوقنا وجها قبيحا للإسلام محصورا في مصطلحات يكرهها العالم أو في الأقل لا يعترف بصحتها ولا بموائمتها للعصر الراهن، مثل الجهاد والردة والتكفير، تلك المصطلحات التي سوقناها مقرونة بفعل، يرقى إلى مستوى الجرائم الأقبح في التاريخ الإنساني، مثل الذبح وحرق الأحياء. ومعنى هذا أننا نتحمل جزء مهما من أجزاء بناء ثقافة رفض الإسلام، وعلينا إذا ما كنا نحترم ديننا صدقا أن نمد للعالم كله يدا بيضاء ندية تحمل غصن زيتون بدل البندقية.!

ـ إن الإسلام السياسـي مشـروع تخريبي ولد بعد عصر البعثة مباشرة من رحم علاقة غير شرعية بين فكر مجاميع إسلامية والموروث الجاهلي، وكان يسعى وراء السلطة من خلال استخدام الدين أرضية عقائدية، وأنه خلال كل السنين المنصرمة، تجاهل الظروف الموضوعية، ولم يلتفت إلى حجم التضارب القائم بين فكره وواقع التطور الحاصل في النظم السياسية والدولية عبر التاريخ، وبقي متمسكا بجمود رؤاه ومشاريعه. ولذا لم ينجح بالصمود أمام المتغيرات حتى بعد نجاحه بتأسيس إمبراطوريات عظيمة مثل الإمبراطورية الأموية والإمبراطورية العباسية، وهو اليوم أكثر فشلا من أي وقت آخر، وجل ما تمكن منه أنه دمر الإسلام والشعوب الإسلامية، وأعطى للعالم صورة مشوهة عن دين عظيم.!

ـ إن الإسلام يواجه اليوم تحديات داخلية نتيجة النشاط المتنامي للجماعات المتطرفة والتكفيرية؛ التي ترتكب أفظع الجرائم باسمه وتحت راياته المذهبية، كما يواجه تحديات خارجية مبعثها كره بعض العقائد الدينية والسياسية الأخرى للإسلام أو تحسسها منه، فضلا عن رد الفعل الذي تبديه شعوب العالم على أعمال التخريب وجرائم القتل التي يرتكبها الإسلاميون.

ـ من أجل مواجهة التحديات، والإسهام في تصحيح الفهم الخاطئ للإسلام، وهو فهم مشترك بين الجماعات المتطرفة الإسلامية وجماعات مغرضة خارجية، علينا العمل بجد وإخلاص لتقديم الإسلام للعالم بصورته الحقيقية المشرقة؛ لا بالصورة التي أنتجتها السياسة وطلاب الدنيا، وعلينا التحلي بالشجاعة لمحاكمة كل تلك الدخائل التي هيمنت على الإسلام الصحيح، وصادرت منهجه، والفرصة اليوم متاحة أكثر من أي وقت آخر وهي تحتاج لمن يقتنصها.!

ـ إن المشروع الإسلامي الرسالي الذي جوبه بالمعارضة أولا، ثم بالتخريب والتشويه لاحقا، يواجه اليوم تحديات خطيرة على الصعيدين الداخلي والخارجي؛ إن لم تواجه من قبل المسلمين أنفسهم بمزيد من التخطيط والدراسة والتحليل، ووضع البرامج للتصدي لها وبيان بطلانها، ومن ثم التغلب عليها، فإنها لن تعيق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى فحسب، وإنما ستعيق التطور البشري كله، لأن الإسلام ركن مهم من أركان السيرورة الحضارية عبر التاريخ، وكلما ازداد ضعفا خسرت الإنسانية فرصة للتطور والبقاء.

ـ إن الذين يعملون على محاربة الإسلام ورموزه إنما هم أعداء حقيقيون للإنسانية، وهم أكثر خبثا من الشيطان نفسه، وهم بعملهم الأهوج وثقافتهم المنحرفة التي يروجون لها سيسهمون في خراب العالم، وسيصيبهم الخراب قطعا.

ـ أنا لا ابغي من وراء ما أطرحه وأكتبه دعوة المسلم إلى التخلي عن قيمه ومثله ومعتقداته، بل أدعوه لأن يفيد مما وفره العالم من وسائط المعرفة والعلوم والمعارف لكي يتأكد من صلاحية الكثير من القيم التي يؤمن بها، فهي بمجموعها وصلتنا عن طريق أشخاص غير معصومين، أشغلوا فكرهم في البحث عن معانيها، وخرجوا بنتائج اعتقدوا أن النص المقدس عناها دون غيرها، أو أنها الأكثر موائمة لمعنى النص المقدس، ولم يضعوا أمام أنظارهم كل ذلك العسف والجور الذي تعرض له النص المقدس على أيدي من نصبوا أنفسهم وكلاء عن الرب يوقعون نيابة عنه.!

 

صالح الطائي

 

عقيل العبودمقاربة فلسفية بين الصفات الثبوتية والصفات السلبية

مما لا شك فيه ان فكرة السلب والثبوت؛ هاتان المقولتان مهمتان للبحث في حقيقة الذات الالهية، كوجود يتصف بالمعاني الكلية للمفاهيم، لا المعاني الجزئية، بإعتبار ان الصفات الإلهية كمقياس للامتناهى، هي غيرها الصفات الخاصة بالمتناهى.

فالبشر غير الله في صفاته، باعتبار ان قدرة الخالق غير قدرة المخلوق، وكذلك الحال لو تم إدراج باقي الصفات الإلهية ومناقشتها في هذا الباب فيما يتعلق بالخير والشر.

ولكن الذي يهمنا الآن هو كيف ان فيلون يجمع الصفات الإلهية كمفاهيم في مصداقين أساسيين هما الخير، والقدرة؛ وهذا ما يرتبط بدوره بموضوع الحدوث والعلة من حيث الأسباب والمسببات.

ومن المناسب الإشارة الى ان هذه الموضوعات ترتبط بما تم مناقشته عن الفرق بين المتناهى واللامتناهى، بإعتبار ان للصفات الإلهية معان مطلقة كلية، بينما تتسم صفات البشر بمعانٍ جزئية، وهذا الفرق

يدلنا على الطريق الواضح للبحث في مقولة الخير كحقيقة وجودية مطلقة يتصف بها الخالق متميزاً عن باقي المخلوقات. 

كونه أي الخالق لا يخرج منه الشر بلحاظ الوصف الذي يتميز به كقوة للخير، بينما يتصف الإنسان بالشر والخير معا.

علما ان الخير يقترن بقدرة الخالق الكلية، كونه عندما يفعل خيرا، فإن فعله غير مقتصر على مساحة صغيرة اوجزئية من هذا العالم، بل كونية وهذه القدرة على فعل الخير هي العلة الوجودية في الموجودات، والأشياء، وجميع موضوعات الكون.

وبما ان هذه القوة الكلية سارية في الوجود، فإن هنالك وسائط أوقوى تخضع اليها، وهذه الوسائط بها يظهر الفعل الإلهي بلحاظ القدرة والعلة.

" والقوى الالهية عدة أنواع عند فيلون، يُعنى بأن يذكر من بينها خصوصًا أربعة أنواع: فهو يذكر اولا الأنواع التي على مثال الصور الأفلاطونية وهي التي تكون نماذج يُخلق على غرارها ما هو موجود، والقوى الثانية من نوع القوى العنصرية السائدة في الطبيعة عند الرواقيين، والنوع الثالث هو الملائكة في المعتقدات اليهودية، والنوع الرابع هو الجن في المعتقدات الشعبية اليونانية. وعن طريق هذه القوى المختلفة يتصل الله اوفعل الله بالكون. والله لا يدرك في الواقع في فعله من حيث هو فعل، ولكن في آثار هذا الفعل. والذي يعنينا خصوصا فيما يتصل بنظرية الوسائط هذه " فكرة الكلمة" أواللوغوس*"". السطر ١٠-٢٠ ص ١٣٤

والمراد من المعنى ان إثبات الحقيقة الإلهية تقتضي ادراك آثار الفعل الإلهي، عن طريق ادراك دور القدرة الإلهية في التسخير الوجودي للقوى اوالوسائط التي بسببها تحدث الأشياء والظواهر.

وهذا معناه ان قانون الحدوث والحركة هو قانون العلة الذي ترتبط به الوسائط الأربع والتي منها تشكلت فكرة اللوغوس والذي يجمع هذه القوى.

وهذه الفكرة منها يتم ادراك الصفة الوجودية لحقيقة الذات الإلهية، ومنها ايضا يمكن اشتقاق باقي الصفات، على أساس إرجاع جميع الصفات الأخرى الى صفة واحدة، وهي الوجود . وهذا ما تم مناقشته في التعليق ادناه بحسب الدكتور بدوي:

"ولهذا نجد فيلون لا يريد ان يبقى على أية صفة من صفات الله، بل ينعته بأنه الموجود بلا كيف ولا صفة....، ويخرج كل الصفات الأخرى عن الله، ولا يبقي له غير صفة واحدة هي صفة الوجود : فنحن نعرف ان الله موجود، ولكننا لا نعرف مطلقاً كيفية هذا الوجود ؛ فهو إذن وجود بلا كيف ، لأنه ليس في مقدورنا ان نحدد طبيعة هذا الكيف. ولذا يجب الا نبقي من بين اسماء الله الا على اسم واحد، وهو الاسم الذي يدل على الوجود أعني" يَهـوَا " ". السطر ٥-١٣ المقطع الأول ص ١٣٢

وعليه وبحسب تفسير الدكتور بدوي، فإن فيلون قد وقع في تعارض واضح بين الفلسفة والدين، حيث ركن الى الدين من خلال مناقشته لوجود الذات الإلهية بعيدا عن تحليل قانون الكيف الذي به يتم المعنى الأشمل والأدق للذات الإلهية، حيث بحسبه فان اسماء الله التي تدل على صفاته تنسب الى الصفة الوجودية لإسم يهوا الذي يشار به الى الخالق بحسب الفكر الديني الذي ورد في الإنجيل وما يتعلق به من كتابات، وهو ما يتلازم وفكرة المبدأ العلي للذات الإلهية التي أراد فيلون الوصول اليها.

حاشية: "وتاريخ الفكرة (اللوغوس) تاريخ شائق فقد تطورت كثيرا عند اليونان، وعند اليهود، وعند فيلون، وعند المسيحية بوجه خاص. فهناك مقدمات تاريخية كثيرة لنظرية اللوغوس سواء في الكتابات اليهودية أوفي الفلسفة اليونانية". نهاية المقطع الثاني، السطر ١-٤، ص ١٣٤-٣٥

 

عقيل العبود

........................

هوامش

- دكتور عبد الرحمن بدوي خريف الفكر اليوناني الطبعة القديمة ١٩٤٢، الصفحة، ١٠-٢٠ ص ١٣٤، فكرة الكلمة اواللوغوس.

- دكتور عبد الرحمن بدوي خريف الفكر اليوناني الطبعة القديمة ١٩٤٢، السطر ٥-١٣ المقطع الأول ص ١٣٢، صفات الله السلبية والثبوتية

 

يسري عبد الغني(عن الخصوصية والذاتية نتحدث..)

ـ لقد آمن أستاذنا الأديب الكبير / يحيى حقي بأن مسؤولية الناقد ينبغي أن تؤدى كما تؤدى الفرائض، وعندما تفحص المشهد التعليمي، فقد لاحظ زيادة في التعاليم ونقص في التثقف، لذلك حذر من تعقيدات ومخاطر نظريات النقد المستوردة التي تخنق الفن.

إن نقد يحيى حقي للمشهد التعليمي في مصر أتبعه بالدعوة إلى ضرورة أن نركز كل جهودنا على التعليم لا على التثقيف، مؤكدًا على أننا نبذل أموالا طائلة لخلق إنسان متعلم، ولكن لا نكاد نفعل شيئاً لخلق إنسان مثقف !!.

ـ من الأهمية بمكان أن نقف دائمًا أمام جدل الخصوصية والهوية في نقدنا الحديث، فالهوية والخصوصية من القضايا المثارة الآن بفعل العولمة، وانه لمن حقنا أن نصون هويتنا ونعض بالنواجذ على خصوصيتنا اقتداءً على الأقل بالآخر المعني ـ جداً ـ في وعيه وأهدافه واستشراقاته ومخططاته ومستقبل ثقافته .

إن «الثقافة الموحدة» كانت هاجس الاتحاد الأوربي وقادته الذين وعوا خطر التشرذم الثقافي، وهو ما قاد إلى الاتحاد، وكان الشعار: أوربا لا تحتاج إلى عملة موحدة بقدر حاجتها إلى ثقافة موحدة                               .

أتذكر هنا ما قاله أستاذنا / عباس محمود العقاد  وتحذيره من الأخذ بمذاهب الآخر بأنماطها أخذًا مطلقًا، ودعا إلى ما أسماه الهوية الواقية، لأن الدعوات العالمية خليقة أن تجور على كيان القومية، وأن تؤول بها إلى فناء كفناء الغالب للمغلوب                          .

أقول لكم : اجعلوا الشعار المرفوع دائمًا هو الحرص على الهوية الذي هو  لا يرادف على الإطلاق «الانغلاق»، وان «توحيد الذات» لا ينافي الانفتاح والتفاعل مع الآخر، أي أن الخصوصية هي التي تعبر من منطلق انتمائنا إلى المنظومة الإنسانية، عن هويتنا الأدبية والنقدية بعيداً عن أية بواعث عقدية وعرقية قومية تعصبية ومنطلقات جغرافية سياسية.

وهذا ما يخشاه آخرون وكثيرون ممن يرفضون فكرة أي منظور نقدي ذي خصوصية عربية يؤكد إسهامنا في المنظومة الإنسانية بحجة ماذا يمكن أن نضيف إلى الفكر العالمي في نظرياته ومناهجه ومصطلحاته؟ هل يمكن أن نضيف إليه ونحن نعتبره وليد بيئة لم نشترك في صناعتها؟

إن البنية التي لم نشارك في صياغتها هي التي توجب ما للنص العربي من خصوصية، لأن أي منهج نقدي ظهر في الغرب ظهر لحل مشكلات واقع اجتماعي معين، مما يعني أن له واقعا أدبيا معينا لا بد للناقد من أن يتعامل معه ويستمد منهجه وأدواته منه ويحل مشكلة النص الأدبي في ضوئه.

فإذا ما كان هذا المنهج جزءاً من واقع أدبي معين فكيف يمكن فرضه على واقع أدبي آخر له مشكلاته  كالأدب العربي ؟ أليس في فرضه ظلم؟ .

إذن النص العربي نص مغاير في روحه وفضائه ولغته للنص الغربي الذي تمت إليه المناهج العربية بصلات اللغة والذاكرة والتاريخ، وهو ما يستدعي التعامل والتفاعل معها بحذر وحيطة منهجية ونظرية، كي لا نقع في وهم فكري مزدوج، ينكشف الأول في إغفال التاريخ الثقافي العربي، ويتجلى الآخر في جهل التاريخ الثقافي للآخر.

انه لا مندوحة من اشتقاق المعايير النقدية وتحديد الأدوات من خلال الحركة الإبداعية الأدبية المادة الرئيسية للنقد، أي من السياق الأدبي والثقافي المحلي بالدرجة الأولى.

أنجح خطابنا النقدي في هذا أو شيء منه أم انه كرَّس إشكالية جديدة..؟!!

إن الحرص على الهوية الثقافية والأدبية ليس بدعاً، فالانجليز وصفوا النقد الفرنسي انه «نقد فرنسي» مما حمل المؤمنين منهم بالبنيوية على تقديم اطر نتجت عن التفاعل المثمر بين النقدين الانجليزي والفرنسي.

وفي أميركا اشتكى عدد من الأكاديميين في حقبة الأساليب الجديدة في النقد وازدهار البنيوية وما بعدها مما دعوه «الاستعمار» للأقسام الإنسانية في الجامعات الأميركية حتى أطلق على جامعة «ييل» أنها : القاعدة الإمامية لضفة باريس اليسرى

نقول : في شأن تقاعس النقد العربي عن تناول التجارب الأدبية الجديدة، فهو ليس تقاعساً بل أصبح تقليداً راسخاً تقريباً. فالنقد اليوم وهذه حاله منذ أكثر من عقدين يعاني من إشكاليات عديدة تجعله مقصراً عن مواكبة الإبداع. ولكن علينا هنا أن نميّز بين أنواع من النقد السائد. هناك، أولاً، ما نسميه النقد الأكاديمي، حيث يواجه الناقد النص الأدبي من منطلق قراءته وفق زمنه التاريخي وزمنه الإبداعي، فضلاً عن تبويب هذا النص وتصنيفه مع ما يجاوره من نصوص، ومع ما سبقه وما سيتلوه أيضاً.

إن الناقد الأكاديمي يدرس النص غير غافل عن طبقاته المتعددة وتراكماته التاريخية والتخييلية، وهذا أمرٌ جيد طبعاً، ولكن المشكلة أن هذا النوع من الممارسة النقدية لم يعد يجد مساحة يحضر فيها، فالمجلات الأدبية والثقافية الرصينة والمحكمة في حالة تراجع وانقراض. الزمن تغير، كما يقولون، ولم يعد زمن المجلات الفصلية والشهرية، ويشهد على ذلك توقف عدد كبير ومهم من المجلات العربية كالطريق ومواقف والناقد، أما الدوريات التي لا تزال تقاوم، فيكاد يكون تداولها محصوراً بين أدباء من الأجيال الأقدم أو بين الأكاديميين والدارسين الجامعيين. وهذا يعني أن هذا النوع من النقد حتى لو وجد مكاناً له في مثل هذه المنابر، فإنه سيظل بعيداً عن متناول الجمهور العريض من القراء والمهتمين بالأدب والثقافة عموماً.

المشكلة في صد د المسافة بين النقد والكتابات الجديدة وحتى التي كانت جديدة في السبعينات والثمانينات فإنها مسافة محكومة بانحسار دور المجلات في لعب دور حقيقي وفعّال في هذا السياق. كما أن القارئ العربي اليوم ليس له صبر وجَلَدٌ على قراءة مقالات نقدية محكمة ورصينة وطويلة. هذا القارئ غالباً ما يكتفي بالعروض النقدية السريعة التي تقدمها الصحف اليومية. وهذا يأخذنا إلى نوع ثانٍ من النقد، وهو النقد الصحافي.

ويجب أن نوضح هنا أن هذا النوع من النقد الرائج في الصفحات والأقسام الثقافية للصحف العربية وكذلك مواقع التواصل الاجتماعي، لا يمكن وضعه بالكامل في خانة ما هو سلبي مقارنة بالنقد الأكاديمي المحكم. إذْ هناك الكثير من الجهود النقدية العربية الأكاديمية ما هي إلا عبارة عن تشريح ميكانيكي مملّ ومتكرر في جثث النصوص الأدبية، حيث نلاحظ غياباً شبه تام لعلاقة النصوص الأدبية بما هو دارج وحقيقي.

نادرون هم النقّاد الذين لا يتواضعون، وعديدون هم الأدباء الذين يرفضون الاعتراف بأي دور للنقد، بل يعتقدون أنهم هم من علّموا الأجيال، ومن أثروا فيهم، وأنهم هم شيوخ الإبداع وصانعو مسيرته بكل تفاصيلها، وما المبدعون الجدد إلا مريدون في حلقاتهم ومجالسهم ومدارسهم.

قد يبدو الأمر مبالغاً به على نحو ما، فالمبدع الحقيقي بالضرورة لديه حصيلة نقدية، لا يستطيع عاقل أن يدعي أن المبدعين لا يكنزون في دواخلهم معرفة نقدية مهمة، بل البعض يزاوج بين النقد والإبداع، وهذا شأن كثير من المبدعين في العالم. ليس هناك أديب لا ينتمي إلى اتجاه أو مدرسة، بل ربما كان الأديب يدعي أحياناً أنه صاحب مدرسة نقدية، وهو إنما يحفر الخطوط العريضة لمدرسته من خلال ما يكتب، وإن من شأن قارئ نصه أن يعرف مضمونه النقدي. بل إن البعض يقول إن النقاد يمشون خلفنا ويقتاتون بالفتات الذي نرميه خلفنا، فنحن نشق الطريق الذي يسلكونه في النقد. قد يكون هذا الكلام صحيحاً إذا ما قسنا الدور الذي لعبه مبدعون كبار، ليس في الأدب وحسب، إنما في العديد من صنوف الإبداع، لكنه لا ينطبق على الجميع.

وإذا ما تساءلنا هل يوجد نقد حقيقي؟ فيكون الجواب بالطبع لا، فوجود القلة لا يعني الواقع، فالنقد الحقيقي كالأدب الحقيقي أساسه الكشف عن المستقبل الذي لا يمكن أن يكون له حدود وهذا كما نرى مع المفهوم السائد والشائع صعب. والحل الوحيد هو أن يخرج النقد العربي وبكل قوة إلى تأصيل التراث العربي فعلاً ولن يكون ذلك إلا بالغوص العميق في أعماق هذا التراث لينطلق منه كركيزة أساسية للإبداع وإلا سيكون مصير هذه الأمة الذبول والشتات.

 

بقلم د. يسري عبد الغني

 

 

عبد الصمد البلغيثيلا أحد يُنكِرُ أن ظهور وباء كورونا وانتشارهُ خلف الكثير من النقاش الفكري، وأفرز تنوعا في المواقفِ حول مصدرهِ وطبيعتهِ وطُرق الوقايةِ والعلاج منهُ، وهو نقاش صحي وطبيعي إنخرطت فيه جميعُ المجتمعات اليوم، غير أن الملاحِظَ سيجدُ أن هذا النقاش إتخذ أتجاهين: الأولُ، إتجاه سِحريٌ ميتافيزيقي في تفسيره لمصدر الوباء وطبيعته. والثاني، علميٌ تجريبي يحاولُ البحث في الأسباب الطبيعية لظهوره وسبل الوقاية منه.

وكباقي دول العالم إنخرطت مجتمعاتنا العربية والإسلامية في هذا النقاش، وظهرت أدبيات وبائيةٌ حول فيروس كورونا إتخذت أيضا في تعاملها مع الوباء، نفس التقابل بين إتجاهٍ سحري ميتافيويقي واتجاهٍ علمي تجريبي، وقد انتشار الإتجاه الغيبي والسحري عند فئات واسعةٍ في هذه المجتمعات مما جعلها تستخفُ بخطرهِ وترى أن لا جدوى من الوقاية منه، ويرجعُ سبُبُ ذلك في انتشار ثقافة دينيةٍ سطحيةٍ تقومُ على خطاب فقهي تقليدي جامدٍ، وتهميشُ الخطاب العقلاني المتنور للكثير من الأطباء والعلماء في تاريخنا القديم والحديث. لذلك نرغبُ في هذا الموضوع أن نُوضح بعض الأسباب لما يحدثُ الأن من تعامل سحري وغيبي مع وباء كورونا، وأن ذلك ليس وليد اللحظة بل نتيجةُ نصوصٍ وأدبيات فقهيةٍ جامدةٌ كانت رائجةٌ منذُ قرونٍ، وخاصة  في زمن الإنحطاط الفكري وتوقف الإجتهاد، ما يفسر لنا لجوء الكثيرين إلى الأدعية والصلوات وممارسة الشعائر الدينية لمواجهة الوباء، كما يظن الكثيرون أن سبب الوباء عقاب إلهي أنزله الله على الكفار وابتلاءٌ للمسلمين، لذلك فهو حسب  فهمهم قضاءٌ وقدرٌ لا ينفع رده ولا الوقاية منه، كما لا ينفع حذرٌ من قدرٍ.

وقد غاب عنِ الكثيرِ منا وهُو يتأملُ هذا النقاش، أن ذلك يجدُ أصولهُ في تاريخنا العربي الإسلامي، الذي عرف الكثير من الجوائح من الطاعون والمجاعة والجذري في حقب متنوعة، ونفس الشيء إنقسم النقاشُ بين العلماء فريقين، فريقٌ يفسرُ مصدر الوباء تفسيرا غيبيا وسحريا، وفريقٌ يفسرهُ تفسيرا علميا. فكيف كانت تفسيرات هؤلاء للأوبئة؟ ومن هم العلماء الممثلون لكل فريق؟

أ- فريقٌ من الفقهاءِ الذين تكلمُوا عن الوباء وخاصة الطاعون من خلال نصوص من القران أو الحديث دون أي نظر عقلي، فجائت تفسيراتهم ميتافيزيقية وغيبية، ساهمت في إنتشار الأوبئة والجوائح ولم تساعد أو تشجع على ظهورِ فهمٍ علمي لأسباب وعوامل ظهور الأوبئة وطرق العلاج والوقاية منها. ومن بينهم الفقيه الجليل ابن حجر العسقلاني 773/852ه في كتابه "بذل الماعون في فضائل الطاعون" (تح. أحمد عصام. دارالعاصمة. الرياض (الذي يرى فيهِ أن للطاعون فوائدُ كثيرةٌ على المسلمين، من بينهَا أن المتوفي به يعتبرُ شهيدا، لذلك فالطاعون عذابٌ للكافرينَ وشهادة للمسلمين ورحمةٌ، بل يذهبُ إلى تحريم الفرار من الطاعون والبحث عن مكان أمن منه، لأنهُ قدرٌ من الله ولا ينفع فرار من قدر الله. ويستشهدُ في ذلك بالكثير من الأحاديث المنسوبة للنبي منها: "إن هذا الطاعون رجسٌ وبقية عذابٍ عُذبَ بهِ قومٌ..." و"إن هذا الوباء رجس أهلك الله به بعض الأمم، وقد بقي في الأرض منه شيء يجيئُ أحياناً ويذهبُ أحيانا..." و"أتاني جبريل عليه السلام بالحمى والطاعون، فأمسكت الحمى بالمدينة، وأرسلتُ الطاعون إلى الشام، والطاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم، ورجس على الكافرين". ويذهب الفقيه في تفسيره الغيبي حد اعتبار الوباء مرضا يصاب به الإنسان عن طريق الجن، وليس أي وباء وانما يخصُ بذلك الطاعون حين يقول: "ويفارقُ الطاعونُ الوباءَ بخصوصِ سببه الذي لم يرد في شيء من الاوبئة نظيرهُ، وهو كونهُ من طَعنِ الجن..."(م.ن.ص104(ويستشهد بحديث نبوي يقول: "فناءُ أمتي بالطعن والطاعون. فقيل: يا رسول الله هذا الطعنُ قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: وخزُ أعدائكم من الجن. وفي كُلٍ شهادةٌ." (م.ن.ص109(ويستنتج ابن حجر العسقلاني في الأخير أن الطاعون ملحمة من الجن، وكل منهما بتسليط العزيز الحكيم، عقوبة لمن يستحق العقوبة، وشهادة ورحمة لمن هو أهل لها. وفي اعتقادي أن هذه الصورة الغرائبية والميتافيزيقية التي قدمها العسقلاني عن الطاعون كانت بسبب عجز الأطباء في ذلك الزمن عن علاجه، وما كان يُخَلِفُهُ من قتلا وما يتركه من مجاعةٍ حتى أنه كان يمحوا قرى ومدننا من الوجود، الأمر الذي جعل التفسيرات الخرافية والسحرية له تنتشر.

ب- فريق الفقهاء المثقفين والأطباء، وهو إتجاه ظهر بالموازاة مع الفريق السابقِ، ويُمثِلهُ بعضُ الفقهاء الذين تميزوا بميلهم إلى العقلانية، وعدم إغراضهم في سرد النصوص بل حاولوا التوفيق بينها وبين ما وصل له العلم في زمانهم، ولا يعني هذا انهم تخلصوا نهائيا من التفسيرات السحرية وإنما كان أثرها في كتبهم أخفُ من غيرهم، ومنهم إبن خلدون والسيوطي والمقريزي والرازي ابن زكرياء وعلاء الدين ابن النفيس وابن سينا وغيرهم كثير...وسوف نقف عند تقي الدين المقريزي 764/845ه، الذي عبر عن أرائه من الطاعون في كتابه "إغاثة الأمة في كشف الغُمة" (تح. كرم حلمي فرحات.ط.2008.1 (الذي خصصه لوصفٍ علمي دقيقٍ لحالِ الأمة أثناء الجوائح والأوبئة وخاصة الطاعون، وقد وقف على ظاهرة الغلاءِ الذي يؤدي إلى المجاعة وهي أحدُ أسبابِ ظهور الطاعون، طبعا المقريزي هنا ينطلقُ من مشاهداته وكذلك من أحداث تاريخية، وهو يسرد الكثير من الشواهد التي تؤكد على أن سوء الحالة الإقتصادية للبلد بسبب انقطاع المطر أو الحروب، يؤدي إلى إرتفاع الأسعار وندرة الغذاء فتظهر الأمراض وتنتشر الأوبئة. مما يدل على أن المقريزي في نظرته للطاعون لم يكن يعتقد أن مصدره الجن أو غضب إلهي.

كما أن الأطباء كان لهم موقف متقدم من الأوبئة والطاعون، وحاولوا إنطلاقا من مما وصلهم من كتب أبقراط وجالينوس وغيرهم، البحث في الأسباب الحقيقية للأوبئة وأقترحوا من خلال تجربتهم وما تيسر لهم في زمنهم طرقاً للوقاية كالحجر الصحي وعدم المخالطة وتهوية البيوت والإعتناء بالتغذية والنظافة.

وقد وجد الكثير من الباحثين في التاريخ أن الموقف من الإجراءات الصحية والإحترازية من الوباء، التي ظهرت في أوربا الحديثة كانت موضع رفض من بعض الفقهاء وبعض العلماء المسلمين الذين زاروا بعض الدول الاوربية في وقت الأوبئة، وكتب الباحث محمد الامين البزاز في مؤلف "تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب" عن بعض هذه المواقف من الحجر الصحي la quarantaine ويذكر منها:

-مثال السفير المغربي ابن عثمان المكناسي توفي 1799م في كتابه "الإكسير في فكاك الأسير" ذكر أنهُ وصل إلى سبتة سنة 1779م ووجد الحجر الصحي بها وقال: "وقد ذكرُوا لنا قبل أن لا بد أن نجعل الكرنتينة ومعناها أن يقيم الذي يردُ عليهم في موضعٍ معروفٍ عندهم مُعدٍ لذلك أربعين يوماً لا يخرجُ منهُ ولا يدخل إليه أحد...ولهم في ذلك تشديد كثير حتى أن الذي يأتي إلى صاحب الكرنتينة بالطعام يطرحهُ لهُ من بعد ويحمله الأخر ولا يتماسان. وإن ورد عليهم بكتاب ذكروا أنهم يغمسونهُ في الخل بعد أن يقبضُوهُ منه بقصبة".(م.ن.ص404(  وقد انتبه الباحث إلى أن هذا الوصف الدقيق للحجر الصحي دليلٌ على أنهُ كان غير معروفٍ عند المغاربة.

- مثالٌ عند أبو القاسم الزياني 1734/1833م في كتابه "الترجمانة الكبرى" ذكر فيه تعرضه للحجر الصحي بتونس في السفينة التي كان يركبها مع بعض الحجاج وقال: "وبعد يومين جاءنا الإذن بالنزول إلى الكرنتينة الشنعاء الممنوعةُ عرفاً وشرعاً" وقال مستنكراً إجراءات الحجر الصحي "وأنزلُونا بقلعةِ تيكي وسط البحر بقصد بدعة الكرنتينة التي جعلُوها دفعاً للوباء قبح الله مبتدعها". (م.ن.ص404).

- مثال العربي المشرفي توفي 1895م وهو ذاهبٌ إلى الحج وجد في مصر السلطات الفرنسية تضعُ الحجاج بالحجر الصحي وقال: "نعوذُ بالله من هذا الإعتقاد فلا يموتُ ميتٌ دون أجله".(م.ن.ص404)

- الناصري 1835/1897م في كتابه الإستقصاء يذهبُ في فتوى تحرم الحجر الصحي لأنه إعتراضٌ على قضاء الله وقدره، وأنه مخالفٌ لإعتقادات المسلمين الدينية ويقول: "فالحاصلُ أن الكرنتية اشتملت على مفاسد كل منها محقق فتعين القول بحرمتها، وجَلبُ النصُوصِ الشاهدةُ لذلك من الشريعة لا تعوز البصيرة". (م.ن.ص404)

بعد هذه الشواهد نصل إلى أن الفقهاء اختلفُوا حول الموقف من الأوبئة، بين من ذهب في اتجاه قدري وغيبي يناقشُ في شرعية الوقاية واتخاذِ الحيطة والحذر، ويعتبر أنه لا ينفع حذر مع قدر بل ويُرغبُ الإنسان المسلم في الإصابة بالوباء و ينهاهُ عن تجنبه، باعتباره إبتلاء من الله ورحمة، واتجاهٌ كان أكثر عقلانية في تفسيره للأوبئة التي شهدها التاريخ، وقدم الوباء كمرض لهُ أسبابهُ الطبيعية التي يمكن معرفتها، وحاول البحث في طرق الوقاية والعلاج التي كانت متوفرة ومن هؤلاء الأطباءُ المسلمون الذين تركوا الكثير من الرسائل والكتب في الأوبئة والطاعون خاصة. ولا حاجة لنا بعد هذا العرض المختصر إلى القول بأن الزمن يتحرك ببطء في مجتمعاتنا وأن نفس النصوص والمواقف الخرافية والغيبية من الأوبئة لا زالت حاضرةٌ وانتعشت أكثر مع وباء كورونا، كما كانت في تاريخنا مع الطاعون وأوبئة أخرى.

 

عبد الصمد البلغيثي

 

قاسم حسين صالح(لمناسبة ذكرى استشهاده)

كنت اكتب دراسة عن علاقة الحاكم بالمحكوم في تاريخ السلطة الأسلامية من الخلافة الراشدية الى سلطة احزاب الاسلام السياسي في العراق، واحتجت لأعرف "مواصفات الحاكم" في السلطة الاسلامية.. فبدات بقراءة مؤلفات الكاتب الكبير احمد امين (ضحى الاسلام باجزاءه الثلاثة) فافادني كثيرا في فهم العقائد والمذاهب الدينية والفصلين الخاصين بالمعتزلة والشيعة.. وانتهيت بما كتبه الراحل المفكر العراقي الكبير حسن العلوي.لكنني وجدت ضالتي فيما اسعى اليه في كتاب نهج البلاغة، وتحديدا في نص وثيقة عهد علي للاشتر النخعي لمّا ولاّه على مصر (وهو اطول عهد واجمع كتبه للمحاسن )، شرح الشيخ محمد عبده، الصفحات 365 الى 382.).

كان الراحل الدكتور شوقي يوسف بهنام (أحد طلبتي)، باحثا علميا جيدا فاتفقنا ان نعتمد اسلوبا علميا للعهد هو تحليل المحتوى (المضمون)، وحددنا اهدافه بثلاثة:

- معرفة القيم السيكولوجية الخاصة بشخصية الحاكم،

- الكشف عن القيم الخاصة بعلاقة (سلوك) الحاكم بالرعية،

- ومقارنة القيم في عهد الأمام علي وما عليها في عهد حكّام أحزاب الآسلام السياسي في العراق.

لماذا القيم؟

كان اختيارنا (للقيم Values) مقصودا، لدورها الرئيس في صناعة الانسان وتحديد سلوكه وتوجيهه، ولأنها في عملها بنا تشبه (داينمو) السيارة.. فكما ترى السيارة تتحرك (وحركتها سلوك) ولا ترى الذي حرّكها (الداينمو) كذلك الانسان، ترى سلوكه ولا ترى (المنظومة القيمية) التي تحرّك هذا السلوك.ولأنها (القيم) نظام متكامل من الاحكام والقواعد الاخلاقية والمعايير يخلقه النظام السياسي والمجتمع في نسق مميز ويعمل على اعطائه اساسا عقليا يستقر في اذهان افراده، ويزودهم بمعنى الحياة والهدف الذي يجمعهم من أجل البقاء، وتكون أشبه بـ" الاسمنت" الذي يربط "طابوق" العمارة، لنتبين بالنتيجة حجم الكارثة الأخلاقية الخفية التي اصابت العراقيين بعد التغيير، ودور الحاكم فيها.. وما يجب القيام به في عهد السيد مصطفى الكاظمي.

دلالات العهد

يتضمن عهد الإمام (ع) لمالك الأشتر النخعي حين ولاّه مصر مجموعة قيم هدف منها تحقيق ما توصل اليه علماء النفس المعاصرون في ثلاث قضايا اساسية:

الأولى: ان يتمثل الحاكم القيم الايجابية في شخصيته بوصفه القدوة التي تتماهى به الرعية وتقلده،

والثانية: ان القيم هي التي تحدد سلوك الحاكم مع الرعية، وهي التي تحدد موقف الرعية منه،

والثالثة: ان القيم هي الرابط الذي يوحّد افراد المجتمع، وبدونها يتهرأ النسيج الاجتماعي وتشيع الكراهية والعنف والعدوان.

فضلا عن ان الأمام اراد لهذا العهد ان يكون وثيقة تستقى منها المباديء التي ينبغي على الحكّام ان يهتدوا بها في كل زمان ومكان.

تحليل النتائج

اجرينا تحليلا احصائيا (للعهد) بجدولين تضمن الأول القيم الخاصة بشخصية الحاكم وكانت (16) قيمة، بينها (تقوى الله واتباع ما أمر به، اختيار أفضل الرعية للحكم، الأستعانة بأهل الخبرة في طلب المشورة، اكرام العلماء ومجالستهم.. وانتهاءا بسعة الصدر وعدم التسرع في اتخاذ القرارات).

وتضمن الثاني القيم الخاصة بسلوك الحاكم مع الرعية وكانت (15) قيمة، بينها: (العدل والانصاف في التعامل، عمارة الأرض، اعتماد مبدأ التدرج الوظيفي، عدم اشعار الرعية بالمنّية، مراقبة دور الحاشية والمتملقين والمنافقين، الأصغاء للعامة من الناس، وانتهاءا بالأبتعاد عن الغضب المؤذي والقسوة).

ولدى المقارنة بين مواصفات الحاكم وسلوكه مع الرعية في عهد الامام علي وبين عهد حكّام احزاب الأسلام السياسي، تبين ان واقع الحال هو بالضد من تلك القيم، وسنكتفي بواحدة تخص الضمير تحديدا، بوصفه الرقيب على افعال الانسان، أو القاضي الذي يحكم بالعدل، أو صوت الله في الانسان.. وفص العقيق في الخاتم الذي اذا نزعته منه صار لا يساوي شيئا.

أقبح الضمائر

مع بشاعة الضمائر الميتة، فأن أقبحها هو خيانة الأمانة التي تخص الناس حين تكون بذمّة حاكم مسؤول عن الرعية، وأوحشها حين يكون هذا الحاكم قياديا في حزب اسلامي، وافجعها حين يعلن هذا الحزب انه يقتدي بالأمام علي.

وللتاريخ فان السيد نوري المالكي يعدّ هو المسؤول الأول عن خيانة الذمة بشهادته الصريحة عبر الفضائيات: (لديّ ملفات للفساد لو كشفتها لانقلب عاليها سافلها) لأنه كان على يقين بأنه ان كشف الفاسدين من الخصوم فأنهم سيفضحون حيتان فساد من حزبه.

ولم يصغي هو ومن بعده للرعية كما أمر الأمام، ولم يستجيبوا لمطالب المتظاهرين بالأصلاح التي استمرت تظاهراتهم من شباط 2011 الى انتفاضة تشرين/اكتوبر 2019، ولم يكترثوا بما نشرته الصحف من كاريكاتورات ساخرة بمرارة عن وزير هرب بأموال الناس المساكين بما يعادل ميزانية موريتانيا، وموظف كبير يستحرم أخذ الرشوة في الدائرة لأنه صائم، ويطلب من الراشي ان يأتيه بالدبس الى بيته بعد الافطار! .

الحاكم.. سيكولوجيا:

يقدّم العهد مآثر في فلسفة الحكم وسيكولوجية الحاكم. ففي قوله (لا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم اكلهم..)، فانه يطرح مقياسا كاملا للعدالة فيه بعد سيكولوجي هو ان يضع الحاكم نفسه موضع المحكوم، فيكره له ما يكرهه لنفسه. والتقط حقيقة سيكولوجية بثلاث مفردات في قوله (اجتنب ماتنكر أمثاله).. اي عدم فعل ما لا تحب ان يفعله الآخرون بك. ويذكّر الذين جاءوا الى السلطة من داخل الشعب انهم كانوا قبل ذلك يثيرون النقد ضد سيئات الحاكم السابق، فيدعوهم الى ان لا ينسوا مواقعهم النقدية السابقة فيصغوا الى النقد الآتي من القاعدة الشعبية.. وتلك اثمن نصيحة لم يأخذ بها من جاء بهم الشعب الى السلطة بعد التغيير، مع اننا كنّا اطلقناها في (2004 ) وموثقة في كتابنا (الشخصية العراقية بين المظهر والجوهر)لأنهم كانوا لا يستعينون بأهل الخبرة في طلب المشورة ولا يجالسون العلماء، بل انهم احاطوا انفسهم بالذين يقولون لهم ما يحبون ان يسمعوه.. ولهذا كانوا هم الأفشل والأفسد في تاريخ العراق الذي اعتبروه غنيمة لهم فتقاسموه.

دعوة لحكومة السيد الكاظمي

تواجه حكومة السيد مصطفى الكاظمي ملفات صعبة ومعقدة وخطيرة (محاصصة، فساد.. ) ينضوي اخطرها في الملف الأكبر:الفشل في بناء مؤسسات دستورية تحفظ حق المواطن وتعيد هيبة الدولة.

ونرى ان السبب الرئيس لما حصل من خراب ناجم عن الضربات التي سددت للقيم والاخلاق عبر اربعين سنة (1980-2020) بدءا بنظام الطاغية وانتهاءا بنظام المحاصصة.فشيوع الفساد، مثالا، قدم قانونا اجتماعيا خلاصته (اذا زاد عدد الافراد الذين يمارسون تصرّفا يعدّ خزيا، وتساهل القانون في محاسبة مرتكبيه، وعجز الناس عن ايقافه او وجدوا له تبريرا، تحول الى ظاهرة ولم يعد خزيا كما كان).

وعليه فاننا ندعو الى عقد مؤتمر علمي وطني لأعداد أستراتيجية تنفذ بمراحل تستهدف احياء القيم وانعاش الضمير الأخلاقي في ضوء منظور الامام علي في عهده لمالك الأشتر والرؤى الحديثة لعلماء النفس والاجتماع السياسي، فهي الضمانة الأكيدة لتسهيل تحويل العملية السياسية في العراق من سكة المحاصصة الى سكة الدولة المدنية الحديثة.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية، امين عام تجمع عقول.