حسيب الياس حديدالترجمة نشاط فكري وإبداعي يقوم على أساس اكتساب المضامين المعرفية والعمل على نقل هذه المضامين بطرق شتى يتم اختيارها من قبل المترجم ، ولابد من ان يكون نقل المضامين متكاملاً . وفي الحقيقة لا تعدّ مهمة الترجمة مسألة يسيرة وإنما هي مسألة معقّدة ومتشعّبة ودقيقة . وتستلزم الترجمة بصورة عامة اجادة نظامين لغويين مختلفين وهنا تظهر امكانية المترجم وقدراته .وعندما يتعلق الامر بالترجمة الدبلوماسية بين مختلف البلدان في هذه الحالة تأخذ الترجمة مساراً مهماً لان الترجمة في هذه الحالة تبرز اهميتها في العلاقات الدولية ومدى تأثيرها على مسار تلك العلاقات.

فالترجمة الدبلوماسية من اصعب انواع الترجمات نظراً للخصوصيات التي تتسم بها دون سائر الانواع الاخرى.ومن اهم خصائصها انها لغة دقيقة تعج بالمصطلحات المفردات المتخصصة والاستعارة وكل الفنون البلاغية. وتضيف هذه السمات الكثير من الصعوبات لعملية الترجمة. وبناءً على ذلك يتوجب على المترجم الدبلوماسي نقل المعنى بكل امانة ودقة ولهذا السبب تعرف الترجمة الدبلوماسية بالترجمة المفرداتية او المصطلحية . ويهتم هذا النوع من الترجمة بنقل الأفكار مع التركيز على البحث عن مرادف لكل كلمة ، ويحاول المترجم جاهداً نقل فكرة النص المراد ترجمته والحفاظ على حرفيته ومدلوله .

وتتصف الترجمة الدبلوماسية بالأمانة العلمية لأن المترجم ينقل معنى النص الدقيق المراد ترجمته ، وهذا لا يعني أن المترجم يتصرف بالنص كما يشاء, على العكس من ذلك يحافظ على روح النص دون المساس به . ولتحقيق النجاح في هذا المجال لابد من توفر قطبين رئيسيين هما الإبداع والمعرفة الفنية . فإذا كان الإبداع في هذه الحالة الدقيقة موهبة الكتابة باعتبارها سمات فطرية فان المعرفة الفنية لا تعد فطرية وإنما ينبغي تعلمها ومن الممكن تدريسها. وتعتمد جودة الترجمة الدبلوماسية على الصياغة الملائمة حصرياً التي تقدم للقاريء ما يمكنه فهمه دون عناء. والترجمة قديمة قدم الانسان وقد وردت في النصوص القديمة في العراق القديم. حيث كانت هناك علاقات دولية بين مختلف الدول التي كانت قائمة في تلك الفترة ونظرا لاختلاف اللغات لابد من ان يكون للترجمة نصيب مهم من اجل اقامة العلاقات بين تلك الدول. ففي العراق القديم حظيت الترجمة والمترجمون بعناية الحكام والملوك العراقيين القدماء في مختلف العصور التاريخية ، واولوها من الاهتمام الكبير ما يعطي انطباعا عن خطورة ودور هذ الوظيفة ، وبلغت مكانة المترجم الاجتماعية شأناً عظيماً حيث خصصت له أماكن سكن ضمن اجنحة القصور الملكية ، كما انتدب المترجمون للمشاركة في الحملات العسكرية التي قادها أولئك الحكام على مناطق عديدة من الشرق الأدنى القديم ، فكان لحضورهم الدور الفاعل في وصول الحملة الى أهدافها ومبتغاها وتحقيق نتائجها ، من خلال التفاهم مع قادة تم اسرهم خلال الحملات العسكرية واستنطاقهم واخذ معلومات منهم بما يتعلق بخصوص الثغرات الموجودة في مفاصل العدو ونقاط ضعفه ودكها في النهاية ، كما كان للمترجمين دور في عقد العديد من المعاهدات السياسية بين ملوك العراق القديم ونظرائهم من ملوك وحكام وامراء دول الشرق الأدنى القديم ممن لم يكونوا يجيدوا لغة احد الأطراف المتعاقدة ، فكان المترجم بمثابة همزة الوصل بين الطرفين ، ويمكننا ان نلاحظ صعوبة ما وقع على عاتقه من جهود حثيثة في سير وخطوات المفاوضات وامضاء بنود المعاهدة وابرامها .

وقد اطلق السومريون القدماء على الترجمة او الشخص الذي يقوم بالترجمة مصطلح ( ايمي بآل (EME-BAL) ومعناها قلب اللسان، أي قلب اللسان الى لغة أخرى .

واما في اللغة الأكدية جاءت كلمة الترجمة بنفس الصيغة العربية - نسبيا – تقريبا كما هي الحال في اللغة السومرية ، فأطلق عليه مصطلح:  (LISANU-NATALKUTU) .

في حين وردت كلمة الترجمة في اللغة الاوغاريتية بصيغة (draguman) (أي الترجمان)، وكذلك جاءت في الكتابات الاشورية القديمة والبابلية الحديثة بصيغة (ragamu)

أهمية الترجمة في العراق القديم

هنالك مثل سومري ينص على :"لا يمكن للمترجم ان يكتب له النجاح اذا لم يجد اللغة السومرية" هذا يدل على اهمية الترجمة ومكانة المترجم في العراق القديم. ومنذ فترات مبكرة من تاريخ العراق القديم تطلب الامر الى وجود صنفا من الكتبة والمترجمين targumaahnu لاداء مهامهم في نشر متطلبات الحياة الاقتصادية والاجتماعية ، فضلا عن حاجة البلاط الملكية بشكل خاص لمعرفة طبيعة التوجه السياسي لمختلف الاقوام المجاورة والتعرف عن عاداتهم وتقاليدهم من خلال عملية ترجمة النصوص وتحويلها الى اللغات العراقية القديمة في ذلك الوقت ، وعلى هذا الأساس وقع على عاتق هذا الصنف من الكتبة والمترجمين الالمام بلغتين او اكثر ليتمكنوا من أداء مهمتهم بالشكل المطلوب  .

وفي العصر الاشوري الحديث كانت القصور الاشورية تضم بين كوادرها الكتبة من الذين كانوا يجيدون ترجمة بعض اللغات آنذاك. .

وربما كتبت بعض المعاهدات بين الملوك الاشوريين وبعض الملوك في البلدان المحيطة ببلاد اشور او مع الحكام الذين اقروا بالسيادة الاشورية عليهم بلغتين وخطين ، وكانت النُصُب ثنائية اللغة تنقش بلغة وخط اهل البلاد الاصلية واللغة الأكدية بالخط المسماري.

وقد اكتشف في مدينة الوركاء رقيم بهذا الخصوص يعود الى فترة الاحتلال الأخميني وهو عبارة عن تعويذة قام بكتابتها احد الكتبة بالآرامية ثم سطر تحتها ترجمة بالخط المسماري واللغة الاكدية .

ونظراً لأهمية الترجمة وعظيم شأنها خصص ملوك العراق القديم اجنحة في بلاطات قصورهم خاصة للمترجمين اللذين كانت تقع عليهم مهام الترجمة للسفراء المعتمدين والقادمين الى القصور والتفاهم مع ملوك بلاد الرافدين ، فكانت مكانتهم جليلة حيث تم شمولهم بالامتيازات الخاصة التي كان الملك يغدق عليهم في أوقات ومناسبات خاصة ـ حتى انهم كانوا يتلقون الحوافز اسوة بموظفي القصور الاشورية ، والدليل على ذلك ما وصلنا من النمرود والذي يطلق عليه من قبل الباحثين اصطلاحا بـ (قوائم الخمر من النمرود)..

ولم تتوقف حركة الترجمة عند هذا الحد وانما شملت الجوانب الادبية والدينية وترجمة القصص ويذكر انه بعد ان استقر الاكيدون في بلاد الرافدين وبدأت ملامح تأثيرهم الحضاري تنضج ووجدوا ثروة طائلة من الأفكار تجسدت بالنصوص الدينية والاسطورية. .

لم يكن للأكديين ، القادمين من البادية ، ثقافة تكفي لتغيير المعتقدات الدينية التي بلورها السومريين لمئات السنين واستبدالها بما كان عندهم من معتقدات دينية ، فقد وجدوا امامهم ديانة تزخر بالادب الديني الرفيع المدون على عشرات من الرقم الطينية تزخر بها معابد المنطقة ، ولكن هذا لا يعني انهم اكتفوا بما وجدوه لدى السومريين لكنهم تأثروا بشكل كبير وأضافوا اليه بما يتناسب مع معتقداتهم الدينية. .

ولهذا بدأ الاكديون بترجمة ما تمت كتابته من السومريين من نصوص دينية إذ مثلت القصص والاساطير جزأ مهما من النتاج الادبي العراقي القديم ، فقد جمعت هذه الكتابات بين روعة التعبير وسعة الخيال وبرهنوا انهم ذوي إمكانيات لغوية غزيرة وخيال خصب وواسع ، فهم آمنوا بوجود الهة خارقة القوة وهي قادرة على عمل أي شيء حتى انهم ايقنوا بوجود صراعات بين الالهة نفسها. .

كذلك ذكر في بعض الترانيم عن افتخار (شولكي - احد الملوك) اتقانه فنون الكتابة ومعارفها وبضمنها الموسيقى والعرافة ، كما اكد ان أي من الطلبة في زمانه لم يستطع ان يفوقه في اجادة الكتابة والترجمة ، وان (نيسابا) الاهة الكتابة منحته الذكاء والحكمة ، ففي ترنيمة له ذكر انه رسخ لمدرسة الكتابة تقاليد دائمة . كذلك تباهى انه الوحيد من بين افراد بلاط قصره الذي يستطيع ان يتكلم بعدة لغات كالعيلامية والامورية فضلا عن اتقانه كتابة السومرية – لغته الام .وربما ان كل من اور نمو وكوديا اجادوا اكثر من لغة أيضا. .

والدليل الأكثر أهمية بهذا الخصوص هو اهتمام اشور بانيبال بالنشاطات العلمية والكتابية هو مكتبته الشهيرة التي اكتشفت في نينوى قرب قصره (تل قوينجق) فقد ورد في رسالة كان قد أرسلها احد الكتبة الى الملك اشور بانيبال بان الملك كان يشارك شخصيا في تحديد ووضع الالواح والرقم الطينية في مجموعته الخاصة لمطالعتها في المكتبة وورد على لسان الكاتب الى ان جميع النصوص التي اقترح الملك وضعها في جناحه تستحق الحفظ الابدي كما ورد في رسالة اخرى عن تكليف كاتب كان قد امره الملك اشور بانيبال بالبحث عن الرقم من مختلف الأماكن في البيوت وفي معبد نابو في بورسبا لجلبها الى مكتبته وامر الملك مراقب المعبد وكهنته ليضعوا تحت تصرف هذا الكاتب أي لوح يراه مناسبا لاخذه الى مكتبة القصر في نينوى.

مما تقدم يمكننا ان نختصر موضوع الترجمة في العراق القديم بالتأكيد على بعض الحقائق التاريخية التي وردت في المصادر التي تناولت هذا الموضوع. وهنا يمكننا القول ان للتوزيع السكاني في العراق القديم والسبق الحضاري للسومريين الذي تختلف لغتهم عن مجاوريهم الأكديين الذين لحقوا فيما بعد بالاستيطان في بلاد الرافدين دوراً بارزاً في ظهور ما يعرف بـ (الثنائية اللغوية)، لكن السومريون هم اول من ابتدع الكتابة المسمارية ونصوصهم الدينية والمضامين الأخرى ذات الأهمية الدور البالغ في ضرورة ترجمتها الى اللغة الأكدية واضافة ما يزيل اللبس والغموض للمكون الرافديني الثاني خصوصا في المناهج والمدارس . ومن هذا المنطلق ظهرت الحاجة الى إيجاد وسيلة للتفاهم بين شعوب متباينة لغاتها ادت الى ظهور الترجمة ووظيفة المترجم.

ويذكر ان وظيفة المترجم ظهرت في بلاد الرافدين منذ الالف الثالث ق .م وذلك استنادا الى المصادر المسمارية ذات العلاقة ولا حظنا ان للمترجم مكانة اجتماعية مميزة ومتميزة انعكست على وضعه في السكن والرعاية والاهتمام من قبل حكام وملوك العراق القديم. كما دعت الضرورة الى ان يكون المترجم حاضرا في ساحات المعارك والحملات العسكرية التي قادها حكام وملوك العراق القديم. حيث كان المترجم هو العنصر الأهم في امضاء بنود العديد من المعاهدات السياسية بين حكام وملوك العراق القديم ونظرائهم من الدول المجاورة .

وبعد ذلك كله نستنتج ان للترجمة تأريخ طويل وانها ظهرت منذ عصور مبكرة في تاريخ بلاد الرافدين. ومن خلال ما تقدم ظهرت اهمية الترجمة في العلاقات الدولية من جهة واهمية المترجم من جهة اخرى فضلا عن المكانة التي يحتلها المترجم في تلك الفترة والرعاية المتزايدة التي تلقاها من لدن حكام وملوك العراق القديم.

 

ترجمة الدكتور حسيب الياس حديد

........................

المصادر:

-        Boack,J.: A Concise Dictionary of Akkadian,Harrassowitz,Verlag,Wiesbadens,2000,p. 400

-        Luckenbill D.: Ancient Records of Assurian and Babylonian, New York,,1927,p.986

-        Sasson,J.M.: Civilization of Ancient Near East,Vol.:IV,New York,1995,p.2267

 

علاء اللاميتنطوي مقولة "انتصار الحضارة الغربية النهائي على العالم" على نزعة استشراقية بيَّنة، ولكنها تحتوي أيضا على شيء من الصحة في وصف الشكل الخارجي لواقع الحال العالمي الراهن، ويتعلق الأمر هنا تحديدا بتَكَرُّس الهيمنة الغربية بزعامة الولايات المتحدة الأميركية عسكريا وماليا على العالم؛ أي أنها هيمنة عدوانية لفترة تاريخية محددة بقوة السلاح والمال وليس انتصارا نهائيا وحاسما فالصراع بين الغرب وباقي أجزاء العالم المستهدف بالعدوانية الغربية لم يتوقف بعد ولن يتوقف قريبا.

لقد أصبحت هذه المقولة متداولة كثيرا في السنوات الأخيرة، وبات بعض الباحثين والكتاب العرب والشرقيين يكررها وكأنها اخترع العجلة، رغم أنها مقولة خطرة ولا تاريخية ولا تعني من حيث الجوهر سوى تعميم الدعوة إلى الاستسلام والتبشير بانعدام أي خيار آخر أمام الإنسانية وشعوب الأرض غير الانخراط في الحضارة الغربية المضرجة بدماء الشعوب والمساهمة فيها كمهزومين! سنحاول هنا تقديم محاولة تحليلية لتفكيك هذه المقولة نقديا:

يستلزم التعرض لمقولة "الحضارة الغربية" التفريق بين مصطلحين ومقولتين متداخلين بشدة هما الحضارة والثقافة أولا، وبين "الحضارة الحديثة" و"الحضارة الغربية" ثانيا. 

من المعروف أن بين الثقافة والحضارة وشيجة أشبه بالعضوية، ففي بغض اللغات الأوروبية الحية كالفرنسية تعني الكلمتان معنىً واحدا إلى درجة يمكن استبدال إحداهما بالأخرى، ولكن هذا التواشج قد لا يبدو واضحا وحاسما كفاية في العلوم التخصصية الحديثة، فقد انقسم الموقف من هذا الموضوع إلى ثلاثة اتجاهات:

الأول يذهب إلى إنَّ معنى الثّقافة والحضارة واحدٌ، ولهذا السبب استخدم مصطلح (Civilization) للتّعبير عن ماهية كليهما معاً، دون وجود فرق أو تمييز بينهما، ويُلاحظ هذا الاتجاه عند الباحثين الفرنسيين الّذين تحدّثوا عن أنّ الثقافة والحضارة لا فرق بينهما، فهما "مفهوم كوني وشامل لأمّةٍ واحدةٍ" كما كتب بعضهم.

ويرى أصحاب الاتجاه الثاني أن الحضارة هي فقط الجزء المادّي من الثّقافة.

أما الفريق الثالث فيعتقد أنّ الثّقافة هي جزء من الحضارة بشقّيها المادي والمعنوي، وهذا الاتّجاه الغالب في الغرب.

آخذاً بنظر الاعتبار التفسيرات الثلاثة السالفة للعلاقة بين هاتين المقولتين، ومركزا على التفسير الأول أكثر من سواه، سأتناول بالتوضيح والتحليل التفريق الذي قال به الباحث العراقي الراحل هادي العلوي بين الثقافة الحديثة والثقافة الغربية بما يعني في الوقت نفسه التفريق بين الحضارة الحديثة والحضارة الغربية:

يفرق العلوي بين الثقافتين تفريقا شديد الوضوح على الرغم من تعقيده الماهوي فهو يقول (عندما قسمتُ الثقافة المعاصرة إلى ثقافة غربية وثقافة حديثة، وأخذت بالحديثة ورفضت الغربية، فهذا يعني أخذ الكثير مما هو معنون كفكر غربي ولكنه حديث، وميزته عن الفكر الغربي بخصائصه المعادية للآخر، سواء كان هذا الآخر جغرافيا سياسية أم جغرافيا اجتماعية تنتمي إلى معسكر الفكر نفسه "الطبقات العاملة في الغرب". الفكر المعارض في الغرب قام ويقوم بدور عظيم في إصلاح المجتمع الغربي وتخليصه من آثار الهمجية. وعلماء الاجتماع الغربيون ساهموا بدور عظيم في تحسين وضع السجون الأوروبية التي كانت حتى القرن التاسع عشر مسالخ بشرية، لكن هؤلاء العلماء أنفسهم لم يطلقوا صيحة واحدة ضد المسالخ البشرية التي يصنعها الغربيون في القارات الملونة. ص 107/ هادي العلوي.. حوار الحاضر والمستقبل). وفي مواجهة الثقافة الحديثة التي هي ثمرة مشتركة ساهمت في إنضاجها الإنسانيةُ جمعاء وشعوب الأرض والحضارات كافة، يُلخِص العلوي الأسس التي تقوم عليها الثقافة الغربية في المزاعم الأيديولوجية الاستشراقية التالية: تفوق العقل الغربي أمام العقول غير الغربية، وأبدية التجارة والتملك الخاص وبالتالي حق الإنسان في امتلاك المال بأية وسيلة، وحداثة الرأسمالية وتخلف الاشتراكية، واقتران الرأسمالية بالرخاء والازدهار واقتران الاشتراكية بالفقر.

أما على صعيد ما يصفه بمستوى الفكر الجاد فيسجل العلوي الآتي (لقد حقق العقل الغربي فتوحات عظيمة في ميدان تفسير الطبيعة، وهذه هي الفيزياء، ومع ذلك أخفق الفيزيائيون الغربيون في استخلاص حقائق الفلسفة المعادلة لحقائق الفيزياء بحيث نجد فلسفة الفيزياء قبل ماركس متعايشة مع الخرافة، وتكاد تتعاطى مع الأسطورة كإحدى حقائق الطبيعة. ص 110 م. س). ثم يعود العلوي إلى التأكيد على أن (التمييز بين الثقافة الغربية والثقافة الحديثة، وكون الثقافة الحديثة هي أيضا غربية ومعلموها غربيون وإنما تميزت عن الثقافة الغربية الأم بمصادرها الخارجية... فالفكر الاشتراكي الغربي مثلا متطور عن الأناجيل الأربعة وهي مصدره الأكبر في هذا المنحى، لأن المجتمع الغربي لا يملك خلفية مشاعية تنعكس في فكره وتؤصل وعيه الاشتراكي. م. س).

إن هذا الاستنتاج العدمي القائل بانتصار الحضارة الغربية النهائي على العالم المعاصر، لا يختلف كثيرا من حيث الجوهر عن صيحة "نهاية التاريخ وسيادة العولمة بنسختها اللبرالية اليمينية المحافظة" التي أطلقها يوشيهيرو فرانسيس فوكوياما في صيف 1989. إن الأطروحة الأساسيَّة لفوكوياما تقوم على (أن الديمقراطيَّة الليبراليَّة بقِيَمها عن الحرية، الفردية، المساواة، السيادة الشعبية، ومبادئ الليبرالية الاقتصادية، تُشَكِّلُ مرحلة نهاية التطور الأيديولوجي للإنسان وبالتالي عولمة الديمقراطية الليبرالية كصيغةٍ نهائيةٍ للحكومة البشرية). ومعروف أن فوكوياما تراجع بشكل ما عن صيغة نظريته الأصلية هذه كما يكتب مقتبسا د. أسامة سماق (نشر فوكوياما مقال في "ذا نيو ستاتيسمان" بتاريخ 17.10.2018، تحوي معزوفة التراجع عن نظرته السابقة، نقتبس (إذا كانت الاشتراكية تعني برامج إعادة تصحيح الخلل الكبير في الدخل والثروة، فنعم، لست فقط أعتقد أنها يمكن أن تعود، بل بجب أن تعود، يبدو لي أن الأشياء التي قالها ماركس يتضح أنها صحيحة، لقد تحدث عن فائض الإنتاج وأن العمال سيصبحون أكثر فقراً، وأن الطلب على السلع لن يكون كافياً!).

وإذا ما عدنا إلى مقولة القائلين بانتصار الحضارة الغربية النهائي نجد أن هشاشة هذه المقولة تبدو واضحة ليس في جانبها الأخلاقي والاجتماعي التاريخي بل وأيضا في جانبها المعرفي والاجتماسي (sociopolitique)، فالغرب، لم ينتصر عمليا وبشكل نهائي؛ ولم تنتهِ مشكلاته العويصة مع العالم ومع نفسه. إنه ما يزال مشتبكا في حروب ضارية تتخذ أشكلا متنوعة من العدوان المسلح إلى الحصار الاقتصادي والسياسي إلى التهديد بالإفناء النووي ضد خصومه في جميع القارات. كما أن الغرب لم يتمكن، وقد لا يتمكن قريبا من حل مشاكله الاجتماعية والتاريخية الموروثة حتى الآن مع أولئك الخصوم أو حتى في عقر داره.

 من ناحية أخرى فإن الغرب ليس صادقا في مزاعمه عن نشر الحريات والديموقراطية لا بل إنه، بحركته السياسية والعسكرية العالمية وهيمنته الاقتصادية، يُعَدُّ أكبر عائق أمام انتصار الديموقراطية والحريات الفردية والجماعية في بلدان العالم، فهو يحاصر ويحاول إسقاط أنظمة ديموقراطية منتخبة من قبل شعوبها، لا لشيء إلا لأن هذه الشعوب تريد أن تختط لنفسها وبقياداتها الشرعية المنتخبة طريقا مستقلا في السياسية والاقتصاد والثقافة، والأمثلة الطازجة كثيرة ولعل أوضحها مثال بلدان اميركا اللاتينية حيث تعيش عدة شعوب فيها تحت وطأة الحصار الأميركي والتهديد بالحرب التدميرية.

لتفحص جذور هذه المقولة لا بد من التطرق لما يسمى مبدأ القدر المتجلي أو الحتمي (Manifest destiny)، هو اعتقاد جيوسياسي استراتيجي ذو مضمون سلفي ديني نشأ في الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، وتحديدا في حرب التوسع والضم التي شنتها ضد المكسيك وانتهت بعد عامين بانتزاع ثلاث ولايات كبرى منها، ولم تحجم عن ضم العاصمة مكسيكو إلا لخشيتها من الاختلاط بسكانها الملونين كثيري العدد. هناك ثلاثة محاور أساسية يتجلى بها هذا "القدر المتجلي" كما يزعم القائلون به:

1-الفضائل الخاصة للشعب الأمريكي ومؤسساته، أي إنهم يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار، كما قال الكاتب الأميركي هرمان ميلفيل حرفيا (نحن الأميركيين شعب متميز مختار، نحن بني إسرائيل زماننا. لقد خص الله شعبنا بالقضايا الكبرى وبقية الشعوب ستسير خلفنا عما قريب فنحن رواد البشر) كما اقتبس عنه (JOHN. B. JUDIS) في كتابه (The Folly of Empire-P14).

2- مهمة الولايات المتحدة هي إعادة صياغة الغرب في صورة أمريكا، والمقصود هنا بالغرب، الغرب في صورة "الإمبراطورية الرومانية المقدسة" الغابرة.

3- قدرٌ لا يقاوم لإنجاز هذا الواجب الأساسي. ويوضح المؤرخ فريدريك ميرك أن هذا المفهوم ولد من (الشعور بواجب استعادة العالم القديم من خلال القدوة المتعالية والناتجة عن إمكانات الأرض الجديدة لبناء سماء جديدة).

أما المؤرخ ويليام أي ويكس فيسجل أن المهمة الثانية لا تقتصر على جعل الغرب على صورة أميركا، بل جعل العالم كله على تلك الصورة، وإعادة تشكيله وفقها. أما الأساس الثالث، فهو كما يكتب ويكس (قرار الإله في تفويض الولايات المتحدة الأمريكية في تحقيق هذه المهمة). وهنا تحديدا، لسنا بعيدين كثيرا عن الفكر الداعشي السلفي التكفيري، ولكن بنسخته البيوريتانية البروتستانتية في أميركا القرن الثامن عشر، وهو فكر ما يزال ينبض بالحياة حتى الآن في خطابات آل بوش وترامب وغيرهم من الرؤساء الأميركيين!

 يمكن أن نضيف إلى ذلك، أن الولايات المتحدة نفسها، ودول غربية عديدة من حلفائها، تجلس وتتنعم بالرفاهية الظاهرية على قمة بركان اقتصادي ناشط، ويمكن التعبير عن إحدى صوره بترليونات الدولارات من المديونية الأميركية وبواقع 22 ترليون، تتبعها بريطانيا بثمانية ترليونات ونصف ترليون، لتأتي بعدها فرنسا وألمانيا بأكثر من خمسة ترليونات ونصف ترليون لكل منهما. ومعلوم أن هذا الواقع الاقتصادي الشبيه بالبركان قد ينفجر بين يوم وآخر أو سنة وأخرى أو عقد وآخر، فأين هي إذن حقيقة انتصار الحضارة الغربية النهائي؟ أليس صحيحا ذلك التشبيه الذي أطلقه اقتصادي أوروبي كبير حيث شبه دولة الولايات المتحدة بقواد ثمل يجلس في باب المبغى وكيس النقود المزيفة في رقبته وبيده هراوة نووية يرعب بها الناس وهي التي تعطي قيمة لنقوده المزيفة؟!

أما إذا نظرنا إلى مقولة "انتصار الحضارة الغربية النهائي" داخل السياق السياسي التاريخي الحقيقي للدول الغربية نفسها فسنجد أن ما يسميه البعض انتصارا نهائيا متبوعا بحالة سلام عام هو ليس ظاهرة جديدة في التاريخ. وإن الإمبراطوريات الزائلة قد حققت نسختها الهيمنية من العولمة على انحاء العالم المعروف في عهدها، ولعل من أشهرها الأمثلة على ذلك الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي حققت السلام الروماني (PAX ROMANA) والذي هو ليس إلا حالة نجحت فيها تلك الإمبراطورية القائمة على العنف والدم والظلم والعنصرية في كتم أنفاس القوى والشعوب المستعبدة والثائرة والمتمردة ضدها. وفي عصرنا يرفع ورثة الإمبراطورية الرومانية الهمجية شعارها بعض أن "أمْرَكوه" فتحول إلى (PAX AMRICANA) يريدون فرضه على شعوب العالم المعاصر.

في المقابل، تقوم مقولة الانتصار النهائي للحضارة الغربية في زعم المدافعين عنها على ركائز عديدة منها إنها أول حضارة تقوم على العقل والعلم وليس على الخرافات الدينية وغير الدينية، وإنها تقوم على نقد ذاتها وتصحيح مسارها باستمرار، وإنها تقوم على مبادئ الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، وأخيرا فهي أقل عنفا ودموية من الحضارات التي سبقتها.

غير أن نظرة سريعة إلى ما تنقله وكلات الأنباء والصحافة العالمية ليوم أو يومين تقنعنا بهشاشة وكذب هذه المزاعم. كما أن مراجعة سريعة لأحداث القرن الماضي المهمة تثبت لنا أن الحضارة الغربية هي الأكثر دموية وعنفا وظلما واستعبادا للإنسان من أي حضارة بشرية أخرى سبقتها، ويكفي التذكير بمجازر الحربين العالميتين الأولى والثانية وبمحارق النازيين الألمان وبمحرقة هيروشيما وناكازاكي النوويتين حيث أحرقت الزعامة الأميركية مئات الآلاف من البشر اليابانيين في غضون ساعات قليلة بالسلاح النووي، مرورا بالحصار الأميركي الغربي على العراق في التسعينات من القرن الماضي والذي قُتل بسببه أكثر من مليون عراقي أغلبهم من الأطفال والفئات السكانية الضعيفة.

أما الخرافة و الشعوذة في الغرب فلم تنقرضا بل هما تشهدان "ازدهارا" كبيرا في العقود الأخيرة ولكن بأساليب وأشكال جديدة، حيث تحتشد الصحف الشعبية في أوروبا والولايات المتحدة بمئات الإعلانات والمقالات في ميدان السحر والشعوذة وقراءة الحظ والأبراج الفلكية، ولا يستطيع المواطن أن يحصل على موعد مع خدمات قراءة وتوقعات المستقبل إلا بعد أشهر نتيجة الزحام الشديد على هذه الخدمات من قبل الأوروبيين.

إن اتهام الحضارات الأخرى بأنها قائمة على العبودية والعنف وتبرئة الحضارة الغربية من العبودية والعنف هو الكذبة الأكبر التي يطلقها حاملو هذه المقولة والمبشرون بها، فالحضارتان الإغريقية والرومانية لديهما سجل من العنف الدموي انعدم نظيره في التاريخ البشري، أما "مجتمعات الأحرار والديموقراطية" في أثينا وروما فكانت خاصة بملاك العبيد والتجار والعسكريين فقط دون سائر البشر والذين هم من العبيد سواء كانوا من أهل البلاد أو أسرى جرى استجلابهم بقوة السلاح من البلدان الشرقية الخاضعة. بمعنى أن ظاهرة العبودية ليس لعنة ميتافيزيقية حلت بالشرقيين دون الغربيين كما يحاول بعض الكتاب العرب إقناعنا، بل هي ظاهرة تاريخية بشرية وعالمية تنبغي مقاربتها علميا وبحياد وعمق حتى لا تتحول إلى نوع من الهجاء الأيديولوجي الذميم. وبهذا الصدد مفيد أن نعلم أن العنصرية ضد السود والملونين ماتزال تتحكم في المجتمعات والدول الغربية حتى يومنا، أكثر منها في غيرها من المجتمعات، بل أنَّ الأحزاب والشخصيات التي تتبنى العنصرية والعداء للآخر غير الأبيض في أوربا الغربية والولايات المتحدة الأميركية في حالة تفاقم وصعود انتخابي وجماهيري متعاظم! 

إنَّ ما يسميها الراحل العلوي "التكوينات المفهومية لمصطلح " الثقافة الغربية" المعادي الجوهري للحضارة الشرقية تقوم في اعتقاده على الموروث الهمجي الروماني أولا، والتجارة والتملك الخاص ثانيا، وانحلال العائلة ثالثا، وحرية الفرد على حساب المجتمع رابعا، والعنصرية المعبر عنها بالإلغاء الجسدي للملونين كما هو جار منذ عام 1492 وحتى الآن (سنة 1998) حيث يرفع الأميركيون شعار "العراق يجب أن يُدَمَّر" استكمالا لشعار أسلافهم في الإمبراطورية الرومانية المقدسة "قرطاجة يجب أن تُدَمَّر - سنة 149 ق.م"!

إن تبني مقولات كهذه المقولة الخاصة "بالانتصار النهائي للحضارة الغربية"، والتبشير بها بهذه المنهجية التجزيئية والسطحية التي تهدر السياق التاريخي للمقولة وللظاهرة التي تقاربها معا، وتهمل ما لا يعجبها من مثالب السردية الغربية وتبرز ما يعجبها من مثالب السرديات الشرقية، كأن يلتقط  باحث معين مجزرةً هنا و أخرى هناك من تاريخ الفتوحات العربية الإسلامية في القرن السابع الميلادي، ليحولها إلى ظاهرة ثابتة؛ إن هذا كله، لن يعني في نهاية المطاف سوى الانحياز الأيديولوجي الكامل من قبل الباحث المعني إلى الاستشراق الغربي العنصري المعادي للآخر والتحول من باحث رصين إلى مبشر أيديولوجي لا حظ له من العلمية بمقولة "انتصار الحضارة الغربية النهائي" والتي لا معنى لها غير انتصار الإمبرياليات الغربية العنصرية على العالم.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

 

علي رسول الربيعيأريد أن أطرح هنا سؤالا عميقا. هل نحن بحاجة إلى نظرية سياسية حقًا؟ هل يمكن أداء وظيفة النظرية السياسية بشكل أفضل من خلال شيء آخر، كما الإيديولوجيات مثلا؟ لماذا نحتاج إلى نظرية سياسية؟  قد لا يمكن الإجابة هذا السؤال ما لم  ندخل على أجابته من خلال الأسئلة الكبيرة عن الوجود البشري والحياة الجماعية. قُدمت العديد من الإجابات ولكن معظمها إجابة لمرة واحدة كما في  الأديان والكوسمولوجيا. تؤدي الفلسفة / النظرية (وأنا استعمل المصطلحين هنا بمعنى متطابق) السياسية أربع وظائف تفسيرية ومعيارية مترابطة. إنها تفسر على المستوى الأكثر عمومية، وهي تقيم وتخبرنا بما يجب أن نفعله، وتتأمل أو تتكهن بحالتنا الحالية والمستقبلية. كما تخبرنا من نحن. قد لا تختلف هذه الوظائف عن المهام التي تؤديها الكوسمولوجيا والأيديولوجيات. لكني أرى أن الفلسفة/ النظرية السياسية تختلف عن كليهما. وأن للنظرية السياسية وظيفة خاصة في ظل الأوضاع الحديثة.

 أريد أن أشير أبتداءً الى الأسئلة الكبيرة المجردة المهمة في الحياة البشرية التالية:

1- ماذا يوجد / يحدث في العالم؟ (فهم).

2- لماذا هناك أشياء / تحدث في العالم؟ (تفسير)

3- هل سيستمر شيء ما يجري في المستقبل؟ (تنبؤ)

4- هل هذا الموجود / يجري بشكل جيد أو سيء، صواب أم خطأ؟ (أخلاق)

5- ماذا علي أن أفعل؟ ما الذي يجب عمله؟ (المعياري)

6- من أنا؟ من نحن؟ (المعرفة الذاتية الميتافيزيقية)

إن حياة الإنسان مستحيلة تقريبًا دون توفر إجابات لكل سؤال من هذه الأسئلة. فتعلم الاجابة عن هذه الأسئلة يصبح الفرد انسانا. لا يمكن للبشر أن يعيشوا في مجتمع إلا إذا كان لديهم بعض الفهم لماهية طبيعة مجتمعتهم. فمن الأهمية بمكان، عن سبيل المثال، أن يكون لدى الفرد، في جماعة/ مجتمع هرمي في بناءه فهم لمنزلته وكذلك معرفة بالمكانة الاجتماعية للآخرين. لدى الفرد الذي هو في الموقع "الأدنى"  مكانة من سلسلة النظام التراتبي القائم فهم عملي لهذا الوضع، ويعرف أنه يجب أن يكون مؤمنًا وخاضعاً بشخص أعلى منه. كذلك يشعر بمديونية المعنى و يفهم من داخل نفسه ما يحدث عندما يقف شخص يركع رأسه، ويخفض عينيه أمام رجل آخر أعلى مكانة منه. إنه يفهم أيضًا سبب حدوث ذلك. لديه تفسير لذلك. إنه يعلم أن الشخص يجب أن ينحني أمام شخص آخر لأنه أقل شأنا. مثل هذه التفاهمات والتفسيرات هي جزء من المعنى المشترك والحاسمة لعمل الجماعة كمجتمع. وبالمثل، فإن أعضاء مثل هذا المجتمع لديهم فكرة عما يمكن أن يأملوه. لا شيءعمليا للطبقات السفلى بينما للطبقات العليا كافة الامتيازات. ويرتبط كل هذا بفهم مشترك إلى حد ما لما هو صواب وماهو خطأ، ماهو جيد وماهو سيئ وإلى فهم معين للذات في مجتمع هرمي/ تراتبي  يعمل بالشكل المطلوب، يعتقد الشخص الذي يعتبر أدنى أن الركوع أمام  سيده أو من هو في مكانه أعلى منه هو الشيء الصحيح الذي يجب القيام به، وسيكون من الخطأ انتهاك هذه القاعدة، ومن الذنوب التي لاتغتفر. وبالتالي، فإن امتلاك إجابات لجميع هذه الأسئلة أمر حيوي لعمل مجتمع هرمي الترتيب. إن توفر إجابات مختلفة على الأسئلة نفسها تقريبًا يجعل من الممكن قيام مجتمع فعال.

إن امتلاك فهم شامل بدرجة ما لمجتمع واحد لا يعني أن هذه معرفة متاحة كإجابات لكافة الأسئلة. ليس لدينا، في الواقع، أولاً أسئلة نطلب إجابات عنها. ولكن نبدأ في فهم عالمنا، فهم أعيدت صياغته كخلاصة وافية للإجابات على هذه الأسئلة الكبيرة عندما نتعلم، ككائنات مفكرة، طرح هذه الأسئلة. ولكن، ما هي الظروف التي نتعلم فيها إثارة هذه الأسئلة؟ هناك العديد من الأسباب وراء حدوث ذلك. أذكر ثلاثة منها. قد يحدث ذلك، أولاً، إذا كان فرد أو مجموعة معزولين عن بقية المجتمع لأي سبب من الأسباب. فقد يسأل هؤلاء الأشخاص المنفصلون: هل أنتمي حقًا إلى هنا؟ من أنا حقا؟ تؤدي هذه الغربة إلى أزمة تفاهم متبادل. ثانياً، يمكن أن يحدث هذا مع دخول الشخص الغريب الذي تثير تصرفاته الغامضة الفضول والتنافر الداخلي. لماذا يفعل هذا الرجل كل ما يفعله؟ كيف ينبغي لنا أن نتعامل معه ومع الآخرين مثله؟ ثالثًا، قد يكون سببها تغييرات غير متوقعة في العالم الطبيعي: المرض والفيضانات والزلازل وأي كارثة طبيعية. لماذا تحدث هذه التغيرات الدراماتيكية في الطبيعة؟ لماذا تحصل هذه المعاناة في هذا العالم؟ لماذا هناك معاناة في العالم؟ لماذا نولد على الإطلاق إذا كان يجب علينا أن نعاني؟ تغييرات لا يمكن التنبؤ بها في الطبيعة، ومجيء الشخص الغريب، وإمكانية تفكك المجتمع، كل هؤلاء يقودون البشر إلى طلب إعادة التعرف على ما أصبح غير مألوف.

ما هو إذن الدور الصحيح للنظرية الاجتماعية والسياسية؟ لماذا نحتاجها؟ دعني أوضح على الفور وظيفتين للنظرية السياسية تتقاسمانها مع النظرية الاجتماعية. لاتفصل الوظيفة الأولى عن العلوم الإجتماعية ولكن سمة مكملة لها بما في ذلك العلوم السياسية. وإذا كانت الفلسفة / النظرية تساعدنا على أدراك هذا الفهم وجعله واضحًا، فأنه بالنظر إلى الميزة الأولى – التي ذكرتها سابقا في مقالاتنا عن النظرية السياسية- فإن الأخيرة هي جزء لا يتجزأ من العلوم الاجتماعيه التجريبية. لا يمكنك تحديد ما ترغب في توضيحه أو شرحه به مالم يكن  لديك أدراك مفاهيمي لماهية هذه النظرية أو الفلسفة وأن أحد مكوناتها المركزية ليس مجرد خادمة للعلوم الإنسانية ولكن أحد مكوناتها وسماتها الأساس. هذا هو الدور التأويلي والتفسيري لدور النظرية السياسية.

الوظيفة الثانية للنظرية السياسية هي: نظراً لأن تتمتع بعض الظواهر الاجتماعية والسياسية وعلى  نطاق واسع بحيث لا يمكن لأي تحقيق تجريبي محدد أن يترجمها أو يعبر عنها؛ ولا يمكن أن تنتج، ايضاً، عن مجموعة  محددة من التفاصيل التجريبية. ومن غير الممكن مطلقًا أن يكون جمع البيانات والاستقصاء المتحكم فيه كافيين لفهم التكوينات الاجتماعية الكبيرة ولتفسير التغييرات التي تحدث داخلها أو أيً تغييرات من نوع إلى آخر. لذلك، لا يمكن مطلقًا فهم أو تفسير تفسير صعود الرأسمالية أو الانتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية دون قدر من التكهنات المستقلة عن البحث التجريبي. ولا يمكننا أن نفهم تمامًا طبيعة الحداثة، أو مجموعة متنوعة من المآزق الإنسانية في العالم الحديث، أو الصفات العامة للتبعية في مجتمع يستعمره مجتمع آخر فقط عن طريق البحث التجريبي الخاضع للسيطرة. إنه من الأفضل القيام بهذه المهمة من خلال النظرية الاجتماعية والسياسية. يتم التعرف على هدف هذا الاستقصاء بحد ذاته على مستوى عام جدًا ولا يمكن التحكم بشكل أوضح في فهمه أو تفسيره بشكل كامل بواسطة البيانات التجريبية ولأنه يتطلب قفزة تأملية تخمينية أو قفزة غيبية كما يسميها استاذنا عرفان عبد الحميد. لذا على النظريات السياسية أن تؤدي هذه الوظيفة الثانية المتمثلة في توفير نظرة وفهم للنمط العام للممارسات الإنسانية والتغيير الاجتماعي. يسميه بيخو باريخ هذا الدور التأملي للنظرية السياسية.

Bhikhu Parekh, 'Political Theory: Traditions in Political Philosophy', in Robert Goodin and Hans-Dieter Klingeman (eds), A New Handbook of Political Science, Oxford: Oxford University Press, 1996, p. 509.

 ومن أجل فهم الوظيفة الثالثة للنظرية السياسية، من المهم تسجيل الفرق النوعي الثاني بين العالم الطبيعي والعالم الاجتماعي، وبالتالي، الفرق بين العلوم الطبيعية والإنسانية. ليس من المنطقي طرح أسئلة أخلاقية وذات صلة بالذات البشرية  تجاه العالم الطبيعي.  فمن غير المنطقي طرح السؤال التالي: كيف يمكننا تقييم قوة الجاذبية أخلاقيا؟ هل هناك أي شيء جيد أو خير فيما يتعلق بقوانين الحركة؟ هل المركبات الكيميائية لديها المعرفة الذاتية؟ لكن ايضا لابد من التأكيد على أن الأسئلة الأخلاقية والمعيارية تقع في قلب العالم البشري.

لماذا ذلك كذلك؟ لننظر الى ما يتعلق بتبعية الفعل في العالم البشري. إنه لمن الصحيح يمكن تفسير الفعل البشري وأعطاء سبب حدوثه. وفي هذا السياق  لايختلف تفسير فعل ما عن تفسير أي حدث طبيعي. لكن، في حالة الفعل البشري، يمكننا طرح سؤال آخر: هل سبب الفعل هذا سبب جيد أو خير؟ فأن تقول، مثلاً، أنه سبب وجيه يعني تأييد العمل وتبريره. فلا يتم تفسير الفعل فحسب، ولكن يُبرر. وكما قلت، يتم تحقيق هذا التبرير دائمًا في ضوء فكرة ما اذا كان جيداً أو سيئأ صائباً أم خاطئا.ً 

أريد أن أخلص  الى خاتمة عامة؛ وهي: القول بأن العالم البشري يعتمد على الفعل، يعني إنه يستند إلى مجموعة معينة من الأسباب من بين عدة أسباب متاحة، وأن خيار التصرف بناءً على واحد بدلاً من الآخر يتم في ضوء فهم الشخص وحكمه على ما هو جيد أو حق في السياق. هذا الفهم يمكن تقييمه من قبل الآخرين. يمكننا أن نسأل ما إذا كان حكم الشخص على ما هو جيد  هو حكم حق وصحيح. علاوة على ذلك، فإن ما ينطبق على الفعل البشري ينطبق أيضًا على الحالة التي يتعلق بها الأمر. أي شيء ناتج عن عمل بشري موجود من بين العديد من الاحتمالات وجزء من سبب وجوده لأن الفرد أو الأفراد المعنيين قاموا به في ضوء فهمهم لما هو جيد أو صحيح. على الرغم من أن أي فعل  لا يتم تحديده دائمًا من خلال الخيًر أو الصحيح، فإنه يتم على خلفية تمييز نوعي بين الخير والشر، الصواب والخطأ.يمكن تقييم الفعل البشري والعالم الذي يخلقه بالضرورة لأن المكون المعياري جزء لا يتجزأ منه.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

علي المرهجالتطرف سلوك سيكولوجي فيه قدر كبير موروث من الوسط الأسري والاجتماعي بقدر ما فيه من الموروث الفكري، ليتحول الفكر إلى سلوك نفسي عند الفرد يرفض فيه الآخر.

لعوامل البيئة الاجتماعية الدور الكبير في تنيمة سلوك التطرف أو تقليله.

اللغة لها دور في تنمية سلوك التطرف عند الفرد، فكلما كانت تربية الفرد في وسط بيئي واجتماعي مشحون بألفاظ عُنفية نجد الفرد يختزن هذه الألفاظ لتتحول عنده إلى سلوك عدواني.

عُنف اللغة وسخف معجمية اللهجة العامية عندنا في العراق تُورَث عنفاً سلوكياً أشد وأقسى من عُنف اللهجة..

أعتقد أن استخدامنا لألفاظ قاسية في ردع تصرف للأطفال سيوَلد عندهم ولو بعد حين عُنفاً مُضاداً نجد اطفالنا يستخدمونه بقساوة قلب أشدَ منَا..

نزوعنا نحو مصادرة آرء الأبناء، واعتمادنا في التربية على نظام الوصاية الأبوية إنما هو عامل فاعل في تنمية سلوك التطرف عند الأبناء.

نمط التعليم على قاعدة التلقين إنما هو ممارسة عُنفية واستغفال لعقل التلميذ لأنها عملية تحمل في طيَاتها استخفاف بعقل التلميذ وكبت لآرائه، باعتماد على معادلة تربوية ناقصة فيها المعلم هو المُرسل والرسول، وكأن الباطل لا يأتيه لا من أمامه ولا من خلفه!، والتلميذ لا مهمة له سوى التلقي السلبي لقول (المعلم). إنه عُنف التربية..

هناك اقصاء آخر فيه نوع من أنواع (الاخصاء) فكل رجل في القبيلة أو العشيرة لا رأي له بعد رأي (شيخ القبيلة) فهو الحكيم والعالم وغير ه لا مهمة له سوى الطاعة والرضوخ والقول: كلامك ذهب يمحفوظ.

تلك الحال لها وجود وفاعلية في إدارة الدولة، فكل الشعب لا دور له، لأن صوت "القائد الضرورة" إنما هو بالضرورة صوت الشعب!!.

وفي أحزابنا هناك ممارسة عُنفية يشترك فيها السيد (قائد الحزب أو مؤسسه) وأتابعه من المُتملقين الذين يُجيدون التمجيد على قاعدة مُستعارة من مسرحية (عدل إمام) "الزعيم" (أنت الشعب والشعب أنت) و(لا زعيم إلَا الزعيم)..

في التربية الدينية هناك مرجع وآخر مُقلد ولا دور للمُقلد ولا اعتراض له على المرجع لأنه (أعلم الأولين والآخرين).

عند الصوفية هناك الشيخ والمُريد، ولا مكان لمُريد في حلقة الشيخ إذا لم يكن الهيام بمحبة الشيخ وطاعته أصل من أصول تواجده في حلقات الذكر..

في كل ما ذكرت من أنماط سبقت إنما فيها اصرار وتأكيد على أن يُسلم الإنسان عقله بيد آخر ويعترف بقصوره الذاتي!.

تلك الأنماط من التفكير هي الموَلدة للعُنف حتماً سواء باتخاذ مراجعها لهم على أنهم أدوات يُحركونها متى ما شاءوا!، فأنت تجد المُتطرف لا عقل له لأنه يُفكر بعقل غير عقله، عقل تمكن من الهيمنة عليه ليُحركه ذات اليمين وذات الشمال، وهو فرح بهكذا توجيه على قاعدة (ذبها بركبة عالم واطلع منها سالم)!.

العقل المُتطرف لا يرغب أصحابه بالتفكير لا بالعقل ولا في العقل، لأنهم وضعوا عقولهم بيد آخر يُفكر بالنيابة عنهم..

التطرف فيه أنواع: تطرف عرقي وآخر ديني و تطرف مذهبي عقائدي، وتطرف حزبي أيديولوجي، وآخر أثني فيه تمييز بين البشر على أساس اللون، وهناك تطرف طبقي فيه تمييز بين بني البشر على أساس اقتصادي!، هو تمييز بين بني البشر (النُبلاء) و (الفقراء)!.

في التطرف انبهار وتكور حول (الأنا) ورفض وتقزيم للـ (الآخر) المُختلف.

 

ا. د. علي المرهج

 

مجدي ابراهيمتنهض اللغة فينا ولا شك، وتنهض حياتها وفاعليتها على الأمم والشعوب، بمقدار نهضة الروح العربية نفسها، ولا شيء يعطي القدرة على حفظ اللغة العربية من التدهور، غير التدريب عليها بمعرفة أساليبها القديمة، وقوة التجديد بعد المعرفة على تلك الأساليب وتطورها من زمن إلى زمن، ومن عصر إلى عصر، ومحاولة الوقوف على أسرارها العربية في عيونها الأصيلة، واتصال الجديد دوماً بالقديم فيها، وحفر قنوات معرفية بين الأحقاب التاريخية المختلفة للوقوف على الروابط المشتركة بين طارق وتليد أو بين أصيل وجديد.

إن العيون التليدة في لغتنا العربية لهى مظهر تجليات اللغة فينا، والتعبير عن حقبها المتلاحقة في مواردها العربية التي كان أجدادنا يعيشون عليها في سالف الزمان ثم صرنا نحن ورثة الأجداد نعيش بروح غير الروح وفؤاد غير الفؤاد، إنما هو مسئوليتنا نحن قبل أن يكون مسؤولية أحد سوانا.

وكشف اللثام عن اتساق المعنى والقيمة والدلالة بين تلك العصور والأحقاب، وامتداد هذه القيم الفاعلة فينا كلها عبر الأزمنة المختلفة هو أيضاً تبعة مرهونُ قيامها بنا بمقدار تحملنا لها، والحفاظ عليها، واتصالنا بمصدرها، ووجوب القيام بتحمل تبعاتها مهما كانت الظروف مواتية أو معاكسة، ومهما كانت الأوضاع التي تجيء فيها تلك الظروف عاملة ناهضة أو خاملة ساقطة.

فلئن اختلفت لدينا طرائق العيش، وتطور الزمن بنا تطوراته المفروضة، فلا أقلَّ من أن نجعل من لغتنا العربية : مزية التوحُّد وفضيلة الاتصال المباشر بين الأبناء والأجداد، مادة حيوية فعالة تحفظ فينا الهوية؛ ونحن إذْ ذَاك على وعي بإرادة اللغة فينا، شئنا ذلك أم أبينا، وعي تحدوه المعرفة بالأمل في الإصلاح على كل حال، وعلى أية حال.

اللغة (أولاً) كالوطن؛ لك أن تتصور أحداً يهجر وطنه، ويعيش مجرداً عن لغته في أوطان الآخرين، لا يعرف له أرضاً تقلَّـه ولا سماء تظله؛ فهو عالة على أرض غير أرضه وسماء غير سمائه، يتكلم بلسان غير لسانه, ويشعر بالغربة الدائمة، وهو -  إنْ كان سوياً -  لا يملك القطيعة مع وطنه، ولا يستطيع، لكنه لا يلبث إلا أن يشتاق إلى هذا الوطن؛ ليتنسم آخر الأمر نسمات التَّحَرُّر من رق الاغتراب.

اللغة كالوطن؛ لا يستطيع المرء الأصيل أن يهجرها إلى غيرها، وإنْ فرضت عليه الظروف مثل هذا الهجران؛ فالعودة إليها من المؤكد من ظمأ الشوق عنده في غالب الأحوال. وليس أدل على ذلك؛ من تكتل الجاليات العربية في البلاد الأجنبية وتلاحم بعضهم مع البعض الآخر؛ فإنهم يجدون السعادة في تقاربهم حتى لو كانوا أعداءً في أوطانهم لا يمكن التأليف بين قلوبهم. أما في الغربة؛ فيجمعهم حبّ الوطن ولسان اللغة وعافية اللقاء. لم يكن حديثاً مفترى ذلك الحديث الذي كان جرى في القرن الماضي، وخاض في أمره الكتاب والمؤرخون، وأرجعوا اتصال أسباب القومية العربية إلى عِدّة أمور، منها الأرض، واللغة، والدين، والجنس والعادات والتقاليد، والتاريخ المشترك.

وإذا كانت هناك أمم في العالم كسويسرا تتكلم ثلاث لغات هى الألمانية والفرنسية والإيطالية ومع ذلك تجمعها بغير تفرقة راية واحدة، فمن باب أولى أن ينسحب ذلك على الأمة العربية التي تتكلم لغة واحدة، فتظل اللغة عنصراً قوياً من عناصر الهوية العربية والقومية العربية سواء؛ لأننا إذا قلنا قومية عربية فقد قلنا في الوقت نفسه هُوية عربية بامتياز، فإن لهذه الهوية العربية دعائم أصيلة تتأسس عليها بمقدار ما تأسس القومية العربية : على دعائم الحرية والمساواة، والخير، والعدالة، والسلام، والتسامح, وهى القيم الحضارية الكبرى في الإسلام، وهى التي غزت بها القومية العربية العالم منذ أربعة عشر قرناً من الزمان؛ ولأن اللغة لا تنفصل عن الحضارة، إذ كانت عنصراً فاعلاً من عناصر الحضارة، وكانت أعظم أداة من أدواتها؛ فلقد قامت بالدور المبهر في التوسط بين الشرق والغرب، إذ فرضته عليها مكانتها الجغرافية المتوسطة بين دول الشرق مثل فارس والهند والصين ودول غرب أوربا فكانت واسطة لنقل الحضارات وتفاعلها بين الشرق والغرب.

وكما قامت اللغة بهذا الدور الوسيط قامت به العناصر الحضارية الأخرى فيما بعد من علوم وفنون وآداب وصناعات. وهى في ذلك كله تعد لغة أدب وفن ودين وعلم، استطاعت التعبير عن كل ما يدور بخلد الإنسان : خواطر نفسه وخوالج روحه ووجدانه.

واللغة (ثانياً) هى النموذج البنَّاء، والصالح للبناء، في عقيدة المسلم، بل هى النموذج الصالح للبناء في جميع عقائد الإنسان على التعميم؛ فما من لغة على وجه الأرض إلا وفيها عقيدة تخدمها. والعلاقة بين اللغة والعقيدة كالعلاقة بين الروح والجسد، لا ينفصلان : تخدم اللغة العقيدة من جانب، بمقدار ما تخدم العقيدة اللغة من الجانب الآخر، وفي تعبيرات اللغة شيء من حياة الروح لا يعرفه إلا مجربوه. في جمال الكلمة عقيدة روحية وفكرية عجيبة، ومن هنا كانت قيمتها؛ أعني قيمة اللغة من قيمة الكلمة لأنها الطريقة الإدراكية التي يتمُّ بها التعبير عن وعي الوجدان - إحساساً وشعوراً - في الإنسان، وكلما أحكمت تلك الطريقة، كان لزاماً إحكام إدراكات الفرد على وجه العموم لأنها في المجمل إحكام لحركة الذهن وإدراك للعمليات العقلية والشعورية فيه.

واللغة والإدراك لا ينفصلان؛ لأنهما في الأصل يقفان على رؤية واحدة، وعلى همِّ واحد، لا يتباين بتباين المواقع ولا يختلف باختلاف الظروف والأحوال في جوهر الوجود الذي لا يقيد الفرد ولا يحدُّ في طريقة تفكيره الصالح للمعرفة والتثقيف والوعي والإدراك، بمقدار صلاحه لسائر الأمور التي ترتبط بالحياة الإنسانية أوثق رباط وأشمله وأعمَّه وأحكمه. ذلك أن الإحساس باللغة من الأهمية بمكان بحيث يجعل روح الإنسان صاعدة على الدوام في طريقها الواعي بكل عمليات التفكير وعمليات الإدراك.

فمن الأهمية بمكان كذلك - كيما نحافظ على الرمق الأخير من لغتنا - أن تستمر الحملة النشطة على فاعلية الكلمة المطبوعة حملة تبين خطورتها تلك؛ لتفرز الغث من الثمين والصالح من المعطوب فيُطالعها القارئ والكاتب على السواء، وتحفظها رفوف المكتبات وأجهزة الحفظ الحديثة لتكون مع الزمن عنواناً دالاً على كاتبها، بل هى من المؤكد العنوانُ الدالُ على عقول الأمة في فترة زمنية حدث فيها شد وجذب، وأخذ ورد، وانفتاح وتثوير لكل القيم الوجودية الحيوية بغير استثناء، تماماً كما حدثت فيها حروب ظالمة على الأوطان العربية أفسدت روابطها الشعورية وإحساسها بالكلمات.

وفي أزمان الحروب (ولأن الحرب تطهير) يكثر التعلق بثوابت الوجود العربي، وخاصة اللغة العربية فيه التي تدعو إلى التسامح فيما لو أحسن ورودها عليه، ويدعو إليها لو أحسنت قبولها له، وتسع ألفاظها آفاق السلام مجتمعة بكل لغات العالم.

وفي لغتنا العربية حياة حية نابضة فيها شرايين الحياة؛ إنْ في كلماتها وإنْ في إيحاءاتها ودلالاتها؛ إذْ لولا اللغة لما كانت هنالك في الحياة عموماً تلك المكانة التي يسمو إليها الكيان العربي بأسره، ويتطلع إلى الوصول إليها في كل ساعة وفي كل حين، أعني مكانة أن يكون العربي مستقلاً في الوجود وفي الكرامة مقدار استقلاله في لغته وفكره وتعبيره وتفكيره، حتى إذا ما رأيت اليوم مكانة العربي مهددة ووطنيته ممزقة وهويته غائبة وأيديولوجيته مفقودة وأمنه مضطرب؛ فاعلم أن ذلك مردود بطبيعة الحال إلى اللغة؛ لأنها عنوانٌ دالٌ على الهُويَّة فيما لو غابت هذه غابت تلك. ولِمَ لا ؟! واللغة شارة التواصل الوطني وقيم القومية العربية، لو غابت هذه تمزق الوطن العربي، وصار بلا كيان ولا وصال!

حقيقةً، يوم أن نبذنا فكرة القومية العربية ودعائمها الروحية والخلقية خارج سياق الأحداث الجارية في الوطن العربي فقدنا بالتالي هويتنا الحضارية فلم نعد ندرك لها معلماً واحداً نتعلق به، ولم نعرف لنا من القيم ما عسانا ترسو عليه ركائبنا. تقترن الوطنية العربية بأوصال هذه الفكرة القومية وتتصل بها أحكم اتصال.

واللغة (ثالثاً) روح الأمن والأمان والطمأنينة، فيما لو اتصلت بين أبنائها بروح الفكرة ووحدة المبدأ وشمول العقيدة وخلوص الاتجاه وَرُقي الأداء؛ فكل تلك المعاني "قيم من اللغة" فيما لو فُعّلت تدفع إلى التواصل والتماسك، ولا تؤدي إلى التَّفَرُّق والانقسام.

واللغة (رابعاً) هى وعاء الفكر وهى الدلالة عليه. ولا يوجد فكر جيد بغير لغة جيدة، ولا تكون لغة جيدة ولا يحملها فكر جيد. واللغة والفكر كما تقدَّم صنوان لا ينفصلان؛ فالعبارة التي تقولها مكونة من جمل، والجمل من كلمات، يقولها العربي في كل بلد لأنه عربي، هى في نفس الوقت تحمل فكرة دالة على معنى بمقدار دلالتها على هَمِّ واحد مشترك، وليس هناك في اللغة شيء بلا فكر؛ ليس هناك في العربية لغة تقول شيئاً، وفكر يقول شيئاً آخر؛ هنالك وحدة بين القول والفكر حتى هذا الذي يسمونه "إنشاءً" يجيء وقعه على قلوب الغافلين سخرية واستهزاءً. أقول؛ حتى هذا الإنشاء قائم على عصب التفكير وعنت الشعور والوجدان.  أعطيك هنا مثالاً واحداً فقط على فن صناعة الإنشاء كما رآها الشيخ محمد عبده من وجهة نظره :

لو كان الأزهر الشريف مع احترامي لكل من فيه، وما فيه، قد استمع لنصيحة الإمام محمد عبده رحمه الله ولم يضرب بها عرض الحائط؛ لأصبح حاله اليوم غير الحال، ولخرَّج أجيالاً قادرة بحكم تكوينها على اكتشاف الحق الجديد دون حاجة ماسّة إلى التقليد.

كان الشيخ مصطفي عبد الرازق يحضر دروس الإمام محمد عبده، وروى فيما رواه، أن الشيخ المفتي "محمد عبده" قال لهم يوماً في درس "دلائل الإعجاز" حيث ذكر صناعة الإنشاء، وتهاون الأزهريين بها ما يأتي:  فماذا قال؟!

"باطل ما يقولون من أن ملكة البيان سهلة التحصيل هينة الخطر، وأنهم إن شاءوا لما أعجزهم أن يقولوا فيحسنوا ويكتبوا فيجيدوا؛ لا وربك إنهم لأعجز شيء عن أدنى مراتب البلاغة، وأن أدمغتهم لمحشوة بشروح التلخيص وحواشيه وتقريراته ولكنها خلوّ من ذوق البيان، بعيدة عن فهم أسرار البلاغة. تلك علالات يخدعون بها أنفساً ضعيفة فلا تسمعوا لهم. واعلموا أن فن الإنشاء فن عزيز المنال شرف الفائدة. قضيتُ في تعلم الإنشاء خمسة عشر عاماً - هكذا يقول الشيخ محمد عبده - وما أظن ملكة كاتب تنضج في أقل من هذا الزمن مع حسن الاستعداد، والأخذ بجد في تحصيل الوسائل والإكثار من التمرين. أقرءوا - هكذا ينصح الإمام محمد عبده - كتب الأدب وأحفظوا من مختار الشعر وجيد النثر، وحركوا أفكاركم وخيالاتكم، وهزوا ألسنتكم وأقلامكم".

"إن أحدكم ليستطيع أن يجعل لكل يوم صحيفة يقيد بها ما يمر به من الخواطر والملاحظات، وما يسترعي نظره من الحوادث أو يقص فيها ما عمله في يومه، ولهذه الطريقة فوائد جمة؛ لأنها فوق نفعها فى تمرين ملكة الإنشاء تحمل الإنسان على مراقبة نفسه وتصفية حسابها في منتهى كل يوم".

هذا القول الكريم لرجل كريم هو الذي خرَّج جيل العمالقة والقمم والشوامخ في الأدب والفكر والفلسفة ممَّن كانوا استمعوا مصيخين وبإخلاص لكلمات الأستاذ محمد عبده في حين كاد الأزهريون أن يتهاونوا فيها. هذا الدّأب المتواصل على التحصيل هو الذي يخرّج الكاتب المستنير، فالتمرين والتدريب على فن البيان عمل شاق لا يأتي بين يوم وليلة، ولكنه يؤهل كاتبه لصناعة الرأي الرشيد والمعرفة السامية.

نعم! ليس هنالك في العربية لغة تقول شيئاً وفكر يقول شيئاً آخر إلا في حالة واحدة اللهم إلا إذا كان الكلام فارغاً لا يؤدي إلى معنى ولا يهدف لمضمون.

ولا يخلو تفكيرُ المفكر من لغة تنقلُه من الباطن إلى الظاهر، ومن الداخل إلى الخارج، ومن المطمور إلى الجلاء والظهور، واللغة هى الأساس الذي ينقل كل هذا، ويتعامل مع هذا كله بفكرة حرة ودلالة لا قيود عليها. فالذي يُنْشئ من العبارات كيفما يشاء له الإنشاء إنما هو ينشئ معنى يخلقه تفكيره، ويصور فكره غابت فيها قريحته غيبة التحقيق وعانت في هذه الغيبة حتى أخرجتها من ظلمة العدم إلى نور الوجود، وهو في هذا ينحت من اللغة معنى جديداً، ويظفر بالجديد في كل إنشاء جديد ويصوغ عبارة يظنها لم تعرف طريق النور إلا على سنان قلمه، ذلك القلم الوَلَّاد الذي أنشأ الجديد من الفكرة الجديدة، في لغة جديدة أحسّها وأستشعرها ولو كانت قديمة.

هنالك لا يكون التجديد تجديداً بغير تحصيل القديم، تحصيلاً يكشف عن معرفة حقيقية به، وينمُّ عن إحاطة واسعة وشمولية، تقوم على النقد البناء، تؤهل من يتصدى له لتخريج مبدع أصيل وخلَّاق يعرف باسم "المجدد". أما الذين يتخذون من التجديد ستاراً للعيِّ الذي يُلاحقهم فلا ينفكون عنه، فهم لا يُجَدِّدون بل هم يَعْبَثون، وفي كل واد إلا واد التجديد يهيمون. (وللحديث بقيّة).

 

بقلم: د . مجدي إبراهيم

 

محمود محمد علياتبع نحاة القرن الرابع الهجري نهجا جديدا في دراساتهم ومصنفاتهم النحوية، يقوم علي الانتخاب من آراء المدرستين،البصرية والكوفية جميعاً، وكان من أهم ما هيأ لهذا الاتجاه الجديد أن أوائل هؤلاء النحاة،وهو "الكسائي" رحل إليها ليذيع فيها علمه وآراءه، فقربه الخليفة العباسي الخامس "محمد المهدي" (ت: 169هـ) إليه، وجعله في حاشية ابنه "هارون الرشيد " (ت: 149هـ)، وحين آلت الخلافة إلي الرشيد ندبه لتأديب ولديه الأمين (ت: 198هـ)،  والمأمون (ت: 218هـ)، ولما مرض الكسائي، وتقدمت به السن، طلب الرشيد منه أن يختار من يخلفه في تأديب أولاده، فاختار من أصحابه " علي بن المبارك الأحمر "(ت: 194هـ)، وهكذا استطاع الكسائي أن يُمكن للمذهب الكوفي في بغداد، وحظوته عند الرشيد هي التي رفعت مقامه عند وزرائه، وهي التي فصلت في المناظرات التي عقدت في مجالسهم بينه وبين سيبويه (إمام أهل البصرة في النحو)، وبينه وبين غيره كالأصمعي (ت: 216هـ)، وأبي محمد اليزيدي (ت: 310هـ)، وتدخلت في اغتصاب الفوز له في أكثر المسائل التي طرحت على بساط البحث بينه وبين مناظريه .

وتذكر المصادر أيضاً أن من أئمة المذهب الكوفي الذين اتصلوا بقصر الخلافة  " الفراء"، فقد ذكرنا عنه في الفصل السابق أنه عهد إليه الخليفة المأمون بتأديب ولديه، وكان له عندهما منزلة عظيمة، وقد بالغا  في احترامه، وإظهار الحفاوة له، يدل علي ذلك ما قيل من أن الخليفة أطل عليه ذات يوم فرآه عندما انتهي درسه مع ولديه تسابقا في إحضار نعليه، فناداه وسأله عمن هو أعز الناس ؟ فقال الفراء : أعز الناس هو أمير المؤمنين، فقال له المأمون : بل أعزهم هو من إذا نهض تقاتل علي تقديم نعليه وليا عهد المسلمين، حتي يرضى كل واحد منهما أن يقدم له فردا .

وكان لسيطرة الكوفيين علي مجالس الدرس النحوي في بغداد أول نشأتها أسباب كثيرة دعت إلي أن يُؤثر الخلفاء العباسيون ثقافة الكوفة على ثقافة البصرة، حتي صار " أبو العباس أحمد بن يحي ثعلب الشيباني"(200-291هـ)،  وهو كوفي المذهب، وإمام النحاة فيها لعصره، يعمل جاهدا علي دعم المذهب الكوفي، ويستعين على ذلك بأنصاره، وفي مقدمتهم " أبو بكر بن الأنباري "، و" أبو بكر بن السراج " و" وأبو إسحاق الزجاج" .  وكان من أهم هذه الأسباب التي مكنت للنحو الكوفي الانتشار في العراق، أن انتقال الخلافة العباسية إلي بغداد كان من الكوفة، ومن الهاشمية بالذات القريبة منها، فتبع علماء الكوفة انتقال الخلافة وواكبوها. علاوة على أن الكوفة كانت أقرب مسافة من البصرة إلى بغداد، فهي في منتصف الطريق بين البصرة وبغداد، وربما كانت المسافة أقل من ذلك، مما جعل استقدام العلماء منها أسهل وأسرع، وهنا يقول أبو الطيب اللغوي :" فلم يزل أهل المصرين علي هذا حتي انتقل العلم إلي بغداد قريباً، وغلب أهل الكوفة علي بغداد، وحدثوا الملوك فقدموهم، ورغبوا الناس في الروايات الشاذة وتفاخروا بالنوادر، وتباهوا بالترخيصات، وتركوا الأصول واعتمدوا علي الفروع .

وقد كان لهذا أثره، كما ذكرنا من قبل، في أن  أخذ الخلفاء العباسيون يقربون الكوفيين، ويتخذون من علمائهم معلمين لأولادهم، فيكون" المفضل الضبي" (ت:168) معلما للمهدي، ويكون الكسائي معلما للرشيد، ثم جليسا ملازما له، ومعلما لولديه الأمين والمأمون، ويكون الفراء صديقا للمأمون ومعلما لأولاده، ويكون ابن السكيت (ت: 244هـ) معلما لأولاد المتوكل . وقد يرتقي المقام بواحد من علماء البصرة،فينافس زميله الكوفي في خدمة الخليفة، أو في تعليم أبنائه كما نافس المبرد ثعلبا في تعليم عبد الله بن المعتز (ت: 296هـ) .

علي أنه لما كانت أكثر هذه الخلافات شخصية، لم يقصد بها وجه العلم، فإنه من الملاحظ أن انتصار الكوفة في بغداد لم يكن انتصارا لمذهبها النحوي علي مذهب البصرة، وإنما كان نصرا سياسيا،أو شخصيا فحسب ؛ أي كان نصرا لعلماء الكوفة لا لعلمها.

بيد أن الأقدار قد شاءت أن يجئ إلي بغداد " أبو العباس بن المبرد" عائدا من سامراء بعد مقتل " أبي الفضل جعفر المتوكل (205-   247هـ )"، الذي استدعاه ولازمه بقية حياته، فاستخدم نباهته وذكاءه ولباقته وسعة علمه،وتطور منهجه في البحث النحوي، واستخدامه وسائل الاحتجاج، والاستدلال، والتعليل، والنقض،والإعادة في تدريسه ومحاضراته، فاستطاع أن يشق له طريقا وسط هذا الزحام الكوفي المتسلط علي مجالس الدرس، وأوجد له مكانا بين المحاضرين في مسجد بغداد، واستقطب إلى درسه عددا كبيرا من الدارسين، من بينهم الكثير من أصحاب " ثعلب"، وكان من أشهرهم " أبو إسحاق الزجاجي" الذي كان أول من ناظره وأعجب بطريقته في الاحتجاج، والتعليل،  والشرح، والنقاش، فلازمه مطرحا ما كان معه من كتب المذهب الكوفي قاطعا صلته بشيخه الأول ثعلب .

وفعل مثل ذلك " أبو علي الدينوري" (ت:331هـ) ختن " ثعلب"، وكثر حوله الدارسون، منهم من لازمه، ومنهم من بقي ينتقل بين حلقته وحلقة ثعلب، ليطلع علي نحو المذهبين، ومنهج المدرستين،وليوازن بين علم الشيخين، وأسلوب الدرس عندهما، فنشأت حركة علمية نحوية تقوم علي التنافس بين الشيخين، وبين أصحابهما المتعصبين لهما، وقويت هذه المنافسة واشتدت وزاد عدد المتعصبين للمبرد، وبتعبير أدق المنحازين إليه، ووجد النحو البصري على أيديهم من بعده من العناية والاهتمام ما كان يحل به شيوخه الراحلون مثل سيبويه، والمازني، والأخفش وغيرهم، ونال كتاب سيبويه حظوة عظيمة، فقد كان عليه اعتماد الدارسين في مجالس درسهم،أقرأهم المبرد إياه،وشرحه لهم وجسرهم على الخوض فيه، ومن ثم التعمق في فهمه،ونقده، والاختيار منه .

واختفت كتب النحو الكوفي إلي حد ما ؛ ولا سيما كتب " الفراء "، بعد أن انزاح أثره واطرح لاطلاعهم علي ما هو أوسع، وأشمل، وأثبت، وأصح، وهو النحو البصري ممثلا بكتاب سيبويه، وهكذا خبت سيطرة النحو الكوفي على مجالس الدرس النحوي في بغداد، بعد أن استمرت حوالي قرن ونصف وتوهجت شعلة النحو البصري بآرائه، وكتابه وشيوخه من البغداديين الذين اقتفوا أثر أستاذهم المبرد في العناية بهذا النحو الأصيل .

ونحن لا نعني بظهور هذه الطائفة الجديدة من النحويين في بغداد زوال المذهبين السابقين : البصري والكوفة، ولا نعني اندماجهما في مذهب جديد، وإنما نعني بقاء المذهبين البصري والكوفي في بغداد جنبا إلي جنب بقاء لا أثر فيه للتنافس الشخصي، أو التناحر علي النفوذ والسلطان . فلقد كانت هناك كثرة من علماء بغداد أخذت بالمذهب البصري أخذ بحث واقتناع،  لا اخذ هوى وتعصب .

وكانت هناك قلة منهم أخذت بمذهب الكوفة وناصرته، وكان ممن قال بآراء البصريين، من نحاة القرن الرابع الهجري في بغداد : أبو إسحاق إبراهيم الزجاج، وأبو سعيد السيرافي، وأبو علي الفارسي، وأبو الحسن علي بن عيسي الرماني، وأبي علي الصفار (ت 314هـ)، وأبي محمد عبد الله بن درستويه (ت 347هـ) ، وغيرهم . وكان ممن أخذ بمذهب الكوفيين "أبو موسي محمد بن أبي سليمان الحامض"    (ت 305هـ) ، و"أبو بكر أحمد بن شقير" (ت 317هـ) ، و "أبو بكر محمد بن الأنباري" (ت 327هـ)، والخليل بن أحمد السجزي (ت 378هـ) القائل :

وأجعل في النحو الكسائي عمدتي ومن بعده الفراء ما عشت سرمدا .

وكان إلى جانب هؤلاء النحويين – الذين نعدهم امتدادا لمدرستي البصرة والكوفة في بغداد – نحاة آخرون خلطوا بين المذهبين، مثل أبي محمد عبد الله بن قتيبة الدينوري (ت 276هـ) ،وأبي علي بن سليمان الأخفش (ت 315هـ) ، وأبي بكر محمد بن الخياط (ت 320هـ).

وهكذا تمثلت تلك النزعات في نحاة هذا الجيل، إذ كانوا يتمسكون بالرأي الذي يستريحون له، يغلب علي ظنهم صحته سواء أكان موافقا لرأي البصريين أم الكوفيين ؛ فلا تعصب لأحد الفريقين علي الآخر، وأحيانا نري لهم آراء جديدة وصلوا إليها باجتهادهم، وهذه هي سمات المذهب البغدادي، وقد ظهرت بشكل أوضح في القرن الرابع الهجري، فما كاد فجر هذا القرن يبزغ حتي تهيأت الأسباب لتثبيت هذا المذهب، وتوطيد دعائمه، فكانت حرية البحث مكفولة لدي العلماء لأن بغداد قد استقرت العلمية فيها، وقد ازدهرت تلك الحياة بصورة واضحة بعد هجرة علماء البصرة والكوفة إليها، بسبب فتن الزنوج والقرامطة التي اشتد خطرها علي هذين المصرين في تلك الحقبة، فهجرها العلماء، وأخذوا يفدون علي بغداد وتضافر الجميع علي النهوض بالعلم متناسين الأحقاد، وساعد علي ذلك انقراض المجتهدين من المذهبين : البصري والكوفي، فكان " المبرد "،و هو من أئمة البصريين، كما كان "ثعلب"،  هو آخر أئمة الكوفيين، ومن ثم خلا الجو للعلماء يختارون ما يرجح دليله، ويقوي برهانه، دون تحيز أو مجاملة، كما نري ذلك واضحا عند علماء المذهب البغدادي الذين ظهروا في هذه الفترة، ويُعدون بحق أئمة هذا المذهب مثل : أبي سعيد السيرافي"، و"أبي علي الفارسي"، و"أبي الحسن الرماني"، و"أبي الفتح عثمان بن جني (ت 392هـ) "، و"أبي القاسم الدقاق (ت 415هـ)" ، و"أبي الفرج علي بن ابن عيسي الربعي (ت 420هـ)" .

ولست هنا متحدثا عن قيام مدرسة بغداد، فقد ثبت ذلك وكتب عنها كثيرون في القديم والحديث، وألف كل منها بحثا مستقلا، ويكفينا ما كتبه من المحدثين الدكتور "محمد حسني محمود"  في كتابه "المدرسة البغدادية في تاريخ النحو العربي"، فقد تكفل سيادته ما يمكن أن أقوله في هذا المقام... وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

منى زيتونتكلمنا في مقال سابق عن تطور التعليم المختلط عبر العصور، وفي هذا المقال نتحدث عن خصائص ومزايا التعليم المختلط من وجهة نظر التربويين الذين يرون أفضليته على التعليم غير المختلط، وخاصة التعليم المنفصل لكلا الجنسين.

ويمكن تلخيص الأسباب التي يستند إليها أصحاب الرأي المؤيد لتطبيق نظام الاختلاط في التعليم في البلاد العربية، وذلك تأسيسًا على نتائج الدراسات التي تمت في هذا المضمار في:

1- انفصال الجنسين يؤدي إلى إثارة الفضول المبكر في مخيلة الشباب.

2- يفضل من الناحية التربوية ألا يختلف تركيب المدرسة عن تركيب الأسرة والمجتمع، لأن البنين والبنات مختلطون وسوف يختلطون في المجتمع.

3- للاختلاط دور كبير في التكيف الاجتماعي، فالاختلاط بين أفراد الجنسين ضرورة اجتماعية ونفسية.

4- طلاب الدراسة المختلطة أكثر مقدرة على التفاعل والحركة.

5- وجود البنات في المدارس مع البنين يحسن من المستوى الأخلاقي والفكري والروحي والسلوكي.

6- التعليم المختلط هو الأفضل من الناحية الاقتصادية لإنشاء نظام واحد من التعليم في المدارس.

7- الإفادة من التعامل مع الجنس الآخر.

8- إثبات الشخصية.

9- مواجهة الحياة.

10- التغلب على مشكلة الخجل وزيادة الثقة بالنفس.

11- زيادة المواظبة والحضور بين التلاميذ والتلميذات.

12- المنافسة العلمية بين الجنسين ما يساعد على ارتفاع مستوى التحصيل لديهم.

13- تنويع النشاطات المدرسية وزيادة مساهمة الجنسين فيها.

14- الاختلاط يساعد على إشباع الحاجات النفسية لكلا الجنسين، وفي الوقت نفسه يعتبر إعدادًا لهما للحياة في المستقبل ومواجهة متطلبات هذه الحياة.

15- يساعد الاختلاط على النمو الاجتماعي والانفعالي والخلقي.

16- تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص في التعليم لكل من الجنسين.

17- يساعد على إقامة علاقات اجتماعية سليمة أساسها التقبل والاحترام المتبادل بين الجنسين.

18- أيضًا يستند المؤيدون للتعليم المختلط إلى أن الاختلاط كان أمرًا عاديًا منذ القدم عند العرب فلم يمنعوا الاختلاط بين الرجل والمرأة ولم يسبق لهم الفصل بينهما، حيث كانت المرأة تتعامل مع الرجال وتتحدث إليهم بحرية، كما لم تمانع القبائل العربية من اشتراك نسائها في مجال الشعر والأدب، فكانت النساء تفدن إلى سوق عكاظ وغيره ليستمعن إلى إنشاد الشعراء وخطب الخطباء.

19- أيضًا يستند المؤيدون إلى أن التغيرات الاجتماعية السريعة التي تجتاح البلاد العربية قد أباحت الاختلاط بين الجنسين في شتى المجالات سواء بالمدرسة أو النادي أو المكتب الحكومي أو المصنع أو الشارع وفي كل مجالات العمل على اختلاف أنواعها، واعتاد الجميع رؤية الرجل والمرأة في مكان واحد، ويعتبرون ذلك مبررًا لاستمرار هذه الظاهرة في التعليم.

هذا فيما يتعلق بوجهة النظر المؤيدة للاختلاط في التعليم في البلاد العربية، والتي تبدو في صياغتها أقرب للآراء الشخصية رغم استنادها إلى دراسات! ولا تختلف وجهة النظر المؤيدة للاختلاط في التعليم في الغرب كثيرًا في الأسباب المطروحة، لكن مع رصانة ومنهجية علمية في إجراء الدراسات وصياغة النتائج، فنجدها ترتكز إلى بعض الخصائص التي تراها الأغلبية المؤيدة من الباحثين الأجانب بأن الاختلاط أفضل من الفصل في المدارس، كما تعتبر التمييز الجنسي في المدارس غير مرض، وترى أن التعليم المختلط يتميز بعدة إيجابيات أهمها التمهيد للحياة الاجتماعية والعلاقات مع الآخرين، وأن الآداب المدرسية جيدة والمناخ طبيعي وأكثر ودية، وكذلك العلاقات بين المدرسين وبينهم وبين التلاميذ ممتازة، وأن روح المنافسة الودية بين البنين والبنات تحفزهم على الاهتمام بالمواد الدراسية، وهو ما يلزم تفصيله.

خصائص التعليم المختلط Coeducation properties

1- الفعالية (الكفاية) الاقتصادية  Economic Efficiency

بمراجعة دراسة اليونسكو عن 105 دولة في العالم، يلاحظ جرينوف (Greenough, 1970) أن "التعليم المختلط الحقيقي بدأ غالبًا كنتيجة لظروف خاصة أكثر من أي مبدأ معرف واضح"، ومن ثم فالتعليم المختلط نشأ كنموذج معتاد ليس بسبب الاهتمامات التربوية وإنما لأسباب أخرى غالبًا اقتصادية.

حتى في المدارس الكاثوليكية -وبنظرة نفعية، كما يذكر دورمان (Dorman,1997,p.8)- قام المديرون التربويون الكاثوليك بدمج المدارس منفصلة الجنس أينما كانت الضرورة لتكوين مدارس مختلطة، وذلك بمقياس اقتصادي أفضل، وبهذا فإن المناقشات حول التعليم المختلط أُسست على أساس مالي أكثر من الأساس التربوي.

ويؤكد ريوردان (Riordan,1990,p.2:26) على تلك الفكرة في دراسته عن التعليم المختلط بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث ذكر أن سياسة التعليم المختلط نادرًا ما نُوقشت على أسس تربوية، وأن هذه الممارسة غالبًا نشأت على أسس اقتصادية، كما يذكر أن الملاحظات التاريخية تؤكد أن توفير الدعم الحكومي غالبًا ما كان ناقصًا لتربية الفتيات، وأن المدارس كانت منشأة خاصة لتربية البنين، وأن بعض المدن القليلة فقط هي التي أتاحت الفرصة للفتيات للالتحاق بالمدارس الابتدائية إما مع البنين أو في ساعات منفصلة؛ أي أن أغلب المدن لم تستطع تحمل تكاليف إنشاء مدرستين لذا فقد طورت نظام التعليم المختلط بحيث يتعلم الجنسان معًا.

وفي الدول النامية على وجه الخصوص يرى الباحثون أن التعليم المختلط يجب ألا يُعارض لأن تلك الدول لا تملك حلًا غيره يتيح للفتيات فرصة التعلم.

لكنني أرى أن مدارس التعليم المختلط وإن كانت قد بدأت حقيقة تحت ضغط الضرورة الاقتصادية، لكنها بقيت طويلًا بعد أن استطاعت زيادة السكان ببساطة أن تدعم المدارس منفصلة الجنس، ما يعني أنه عبر الزمن أصبح نمط التعليم المختلط نمطًا مقبولًا على أسس تربوية لدى بعض التربويين والآباء كأفضل طريقة لتربية الصغار، وإن كان هذا يصدق على الحال في الدول المتقدمة أكثر مما يصدق في الدول النامية.

2- الوضع الطبيعي The Natural Situation

يشير ديل (Dale,1969-1971-1974) إلى أنه من الشائع الاحتجاج بأن المدارس المختلطة تمد ببيئة اجتماعية تكون طبيعية بشكل أكثر لإعداد المراهقين لأخذ مكانهم في مجتمع الرجال والنساء أكثر مما تقوم به المدارس منفصلة الجنس.

ويرى ريوردان (Riordan,1990,p.40) أن كثيرًا من الآباء والمعلمين يعتقدون أن التعليم منفصل الجنس ربما يعوق تطور العلاقات الإيجابية بين الأفراد من الجنسين، إنهم أيضًا يحتجون بأن البنين والبنات يجب أن يتعلموا أن يحيوا ويعملوا سويًا، ومن هذه النقطة فالفصل بين الجنسين في المدارس يخلق وضعًا غير طبيعي.

وتشير نادين بلاتو (Nadine Plateau,1995,p.60) إلى أن التعليم المختلط يعود إلى فكرة المجتمع المختلط الذي تطور من خلال النظرة بوجوب المساواة بين الجنسين سياسيًا واقتصاديًا.

وكان يُقصد من ذلك -وفقًا لخليل ميخائيل معوض (1983، ص 335)- أن تكون المدرسة صورة مصغرة من المجتمع.

ولكنني أرى أن تلك الميزة يوفرها التعليم المختلط في المجتمعات التي يتزايد فيها الاختلاط بين الجنسين في كافة مناحي الحياة، بينما يتعارض نمط التعليم المختلط مع مبدأ الفصل بين الجنسين السائد في بعض المجتمعات الأخرى.

3- اختزال الآراء الجنسية النمطية عن الجنس الآخر Reduction of Gender Stereotypes

يذكر ريوردان في دراسته (Riordan,1990,p.42) أن مؤيدي التعليم المختلط يدفعون بأفضليته لأن البنين والبنات في المدارس المنفصلة يكونون أفكارًا عامة خاطئة عن الجنس الآخر، بينما تحرك المدرسة المختلطة النموذجية تأثيرات الاتصال بين الجنسين، ومثل تلك الظروف يمكن خلقها من خلال بعض أشكال المعالجة المدخلة.

كما ترى سارة- لافوس (Sara- Lafosse,1992,p.87) أنه بالرغم من أن المدارس المختلطة ربما تكون في بعض المراحل غير مرغوب فيها للنمو المعرفي للفتيات، وربما ترسل رسائل منهجية مختفية مدعمة لتبعية النساء، فإن التعايش بين البنات والبنين في هذه المدارس يؤدي لإنقاص خرافات الذكورة والأنوثة التي تسبب تباعد أفراد الجنسين عن بعضهم البعض، فعلى سبيل المثال فالاعتقاد بأن عمل المنزل هو بشكل كلي مهمة نسائية ينقص لدى البنين في المدارس المختلطة.

بالرغم من ذلك فالتفاعل مختلط الجنس في المدرسة أو أي مكان آخر يكون نادرًا، فنجد هارين Harein ترفض ما يدعيه مناصرو التعليم المختلط قائلة "إن مدارس التعليم المختلط هي في الواقع معزولة الجنس"، كما أنه في مراجعة للتوقعات التربوية للنساء في التعليم العالي يذكر ريوردان (Riordan,1990,p.44)  أن التفاعل الفصلي المختلط ربما يكون سالبًا للنساء، كما وجدت دراسة هول وساندلر (Hall and Sandler,1982)  أن النساء ربما تبدين متجاهلات من قبل زملائهن الذكور في الفصل.

ولا شك أن التفاعل المختلط الحقيقي والتعايش بين البنين والبنات يعطي الفرصة لأفراد كل جنس للتعرف على أفراد الجنس الآخر، ومن ثم تنقص لديهم تلك الآراء الخاطئة عن الجنس الآخر التي تساعد البيئات المنفصلة على تكوينها، وإن كان لهذا التعايش الكامل أيضًا مضارًا لا تُنكر كما سيأتي تفصيله في خصائص التعليم منفصل الجنس.

4- مساواة تطور الدور الجنسي Egalitarian Sex- Role Development

يذكر ريوردان (Riordan,1990,p.45) أن من خصائص التعليم المختلط إعداد الصغار لتمييز أقل في الأدوار الجنسية.

ويوضح طارق جودت (1995، ص ص 16 – 17) مفهوم دور الجنس على أنه تركيبات اجتماعية متعلمة بالأحرى عن كونها متصلة جوهريًا بالطبيعة البيولوجية للذكر والأنثى، فالتأثيرات الاجتماعية الثقافية تكون حاسمة في نسبة دور الجنس، ومن ثم فإن معايير دور الجنس هي السلوك الذي يعتبره المجتمع ملائمًا للفرد بسبب جنسه أو جنسها.

وحتى وقت قريب بكل معنى الكلمة كان الأطفال خارج المدرسة يشتركون بشكل أوسع في أنشطة منفصلة بين البنين والبنات، وفي هذه البيئة الثقافية يكون التعليم منفصل الجنس إحساسًا طبيعيًا، أما اليوم فقد أصبحت الأدوار الجنسية التقليدية أقل تمييزًا، وبشكل متزايد أصبح كثير من الرجال والنساء يتشاركون أعمالًا منزلية ووظائف ووقت فراغ؛ خالقين ثغرة أوسع بين التعليم المنفصل والحياة في المجتمع المتسع، ولمقابلة هذه الظروف المتغيرة أصبح البالغون بحاجة لمهارات وسمات متلازمة مع الدور الجنسي التقليدي الذكري والأنثوي.

ووفقًا لكل من روزنبرغ وسوتون سميث (Rosenberg & Suton Smith, 1972)  فإنه وبسبب التغيرات السريعة وانتشار التعليم والتقدم التكنولوجي فإن الأدوار المرسومة للذكر والأنثى قد تعرضت للكثير من التغير عبر الزمن في كثير من المجتمعات، وقد شهدت العقود الأخيرة كثيرًا من المحاولات الناجحة والضغوط لمراجعة الأدوار التقليدية المرسومة لكل من الذكور والإناث في كثير من الأطر الثقافية، ما أدى إلى حدوث تغيير واضح في هذه الأدوار وبصفة خاصة في مجالات التعليم والعمل، وهناك اتجاه لاعتبار أن الذكورة والأنوثة النفسية هي أكثر تعقيدًا وتداخلًا مع بعضها البعض، كما أنها أقل تحديدًا وتمايزًا مما كان الأمر عليه في الأجيال السابقة.

وقد توصل كولمان (Coleman, 1961, p.93) إلى أن التعليم المختلط في مرحلة المراهقة يؤثر على الذكور بحيث يقلل لديهم بعض خصائص الذكورة كالقوة والفظاظة، كما يزيد لديهم بعض خصائص الأنوثة كالرقة والأناقة، كذلك يؤثر على الإناث بحيث يقلل لديهن بعض خصائص الأنوثة كالطاعة والرقة، كما يزيد لديهن بعض خصائص الذكورة كالقوة والاستقلال والتمرد. 

ويوضح ريوردان (Riordan,1990,p.45) أن التعليم المختلط ربما يمد بتعلم أدوار جنسية غير تقليدية (عبر جنسية) بطريقتين:

الأولى: التفاعل المختلط اليومي ربما يعطي التلاميذ الفرصة لملاحظة سلوك الدور الجنسي المعاكس ولتطوير توقعات ملائمة، وبالرغم من ذلك فالمدارس المختلطة هي عادة عازلة للجنسين!

الثانية: المناهج في المدارس الخالية من التأثير الجنسي لأحد الجنسين يجب أن تكشف للتلاميذ عن مواقف ترسم أدوارًا تختلف عن القوالب النمطية الجامدة لكل من الذكور والإناث.

يضيف في (Ve,1997,p.16) بأن هناك اتفاقًا واسعًا على أن الآراء حول الدور الجنسي لأدوار الذكور والإناث في العمل والأسرة تبدأ في الأعوام الأولى من الحياة –وإن كانت تتزايد في مرحلة المراهقة-، وأن ملاحظة الأدوار الطبيعية المناسبة المشتركة لكل من البنين والبنات تُعزز من خلال المعلمين وبيئة التعلم ومن خلال ضغوط جماعة الأقران.

كما تضيف نادين بلاتو Nadine Plateau,1995,p.64)) أنه يمكننا مشاهدة أن الفتيات والفتيان يتعلمون أن يحيوا سويًا في الفصل الدراسي، ليفهموا هذا العالم الصغير، وليجدوا مكانهم فيه بناءً على فرديتهم وخبراتهم المجمعة، وأخيرًا لبنائه سويًا.

لكن لا بد وأن يكون لأنصار التعليم منفصل الجنس رأي آخر، فيذكر لي وبريك (Lee & Bryk, 1986, p.388) أن هذه الميزة للتعليم المختلط ما هي إلا ضرر واضح على كلا الجنسين؛ إذ يؤدي هذا النمط من التعليم على حد قولهما إلى تميع الحدود الفاصلة بين دور الرجل ودور المرأة، وإن كانا يعتقدان أن الإناث تتأثر بهذا الضرر أكثر من الذكور، وذلك بسبب تدخل المعلمين بشدة للحيلولة دون خروج الذكور عن أدوارهم التقليدية، بينما يظهرون تساهلًا إلى حد ما مع الإناث عندما يخرجن عن أدوارهن التقليدية، ما يؤدي –في اعتقادهما- إلى شيوع صفات أدوار الذكورة أكثر من أدوار الأنوثة لدى كلا الجنسين.

وخلاصة القول إن خاصية المساواة في تطور الدور الجنسي من أهم الخواص التي يستند إليها أنصار التعليم المختلط في الدفع بأفضليته؛ تأسيسًا على أن يكون منطلق التربية المختلطة هو الاهتمام بتربية الإنسان دون التركيز على النواحي البيولوجية التي توجد فروقًا في طريقة التربية التي تتبع مع كل من أفراد الجنسين، وذلك على العكس من منطلق التربية المنفصلة والتي تركز على تلك النواحي البيولوجية، ومن ثم تتم تنشئة أفراد كلا الجنسين بما يتناسب والدور الجنسي التقليدي لكل منهم.

5- المساواة في الفرص التعليمية  Equality of educational opportunity

يرى ريوردان (Riordan,1990,p.46) أنه نظرًا لأن النساء استبعدن من نيل فرص التعليم لقرون فقد اعتبر التعليم المختلط بالنسبة لهن خطوة على الطريق لنيل وإكمال المساواة بين الجنسين.

يضيف تياك وهانسوت Tyach and Hansot,1990,p.104)) أنه فيما مضى كانت هناك فكرة حمقاء بأن دراسة المواد الدراسية نفسها معًا سوف يجعل النساء مسترجلات وخشنات والرجال أقل قوة وشجاعة، ولكن الحقيقة أنه من خلال قدراتهم وكفاءاتهم المتممة لبعضها فالبنون والبنات سوف يحسنون شخصية وعقلية بعضهم البعض، وطبقًا لهذا فإن مقررات الدراسة للجنسين في كل المراحل التعليمية يجب أن تكون متطابقة.

ولا يتوقف الأمر عند من يطرح هذه الميزة على المشاركة في كل المقررات المعروضة وكل الأنشطة خارج المنهج، بل والمشاركة في التسهيلات المدرسية والمشاركة في الخدمات والمساعدات المالية.

بينما يرد المعارضون (في ريوردان Riordan,1990,p.46-47-11) أنه بشكل يمكن تصوره فإن المدارس منفصلة الجنس لا تنكر المنافع المتساوية للبنين والبنات، وبشكل أبعد فإن تسهيلاتها ربما تكون "منفصلة لكن متساوية"، وعلى أية حال فالتعليم المختلط لا يضمن بالضرورة المنافع المتساوية، ولعل آخر النتائج حول خبرات التلميذات في المدارس المختلطة ذات الدعم التعليمي العالي هي أن المدارس المختلطة تفشل في الإمداد بفرص تعليمية متساوية لكل من الذكور والإناث، والناقدون له يحتجون بالقول إنه متساو فكريًا ونظريًا فقط ولكنه غير متساو في فعاليته.

كما أن هناك نتيجة من بحث هاو (Howe,1984) مفادها أن التعليم المختلط لا يعني تعليمًا متساوٍ للمرأة، وأنه حتى داخل المؤسسة الواحدة يتلقى الرجال مشاركة أكبر في المصادر، وكذلك يتلقون انتباهًا أكبر.

وفي ذلك يذكر ساندلر Sandler,1996,p.65)) أن القضية هي كيف يمكننا تحسين التعليم المختلط كي يصبح حقيقة مختلطًا؛ كي يستفيد منه النساء والرجال بشكل متساو.

ولعل في نتائج تلك الدراسات الأخيرة ما يوضح أن الاختلاط لا يكون متلازمًا بالضرورة مع المساواة في الفرص التعليمية التي يتلقاها الذكور والإناث، وربما كان نمط الانفصال في بعض الأحيان هو الذي يقدم تلك المساواة المنشودة كما يذكر أنصار التعليم منفصل الجنس.

6- المكاسب الاجتماعية لكلا الجنسين في المدارس المختلطة  Social benefits for both sexes

رغم أن أغلب المناقشة في الغرب حول التعليم المختلط والتعليم منفصل الجنس قد كانت في علاقتهما بالتحصيل في الفصل الدراسي إلا أن هناك من الدراسات ما ركزت على المكاسب الاجتماعية للتعليم المختلط، على سبيل المثال، في دراسة كندية عام 1982 قام بها كوتس وشنيدر Coutts and Schnider  وجدا أن التلاميذ قد لاحظوا المدارس المختلطة على أنها أكثر اجتماعية وتركيزًا على الجماعة، وأكثر ألفة، وممتعة، وأكثر تسامحًا مع غير المطيعين، وأكثر عفوية، كما أنها أكثر قدرة على التوصيل إلى الثقة بالنفس واحترام الذات من المدارس منفصلة الجنس.

كما يذكر تياك وهانسوت Tyach and Hansot,1990,p.101:103)) أن تزامل الجنسين يجعل البنين غير المهذبين أكثر لطفًا بينما تصبح البنات أقل خجلًا وتكلفًا للابتسام  وأكثر ثقة بالنفس وقوة في الشخصية، وكما يقول هاريس Harris  فإن التطور النفسي لكلا الجنسين يفيد من تواجدهما بصحبة الجنس الآخر.

وقد استنتج ديل (Dale,1974,p.273) على أساس بحثه وجود منافع اجتماعية عديدة ومؤثرة للتعليم المختلط، وأنها لم تكن على حساب التقدم الأكاديمي.

بينما تذكر العديد من الدراسات أن تلك المكاسب الاجتماعية للتعليم المختلط والتي تؤثر في تغير السلوك نحو الأفضل إنما تعود أساسًا على البنين وليس البنات؛ على سبيل المثال فقد أظهرت نتائج دراسات عديدة أن مستويات العدوان تنقص لدى البنين في المدارس المختلطة.

وفي دراسة أمريكية قام بها جونز وتومسون (Jones and Thompson,1981) وجدا أن سوء السلوك الفصلي للبنين قد نقص بواسطة سياسة التعليم المختلط، كما وجدت دراسات أخرى أنه بمقارنة البنين في المدارس المنفصلة للبنين، والبنين في المدارس المختلطة فقد وُجد أن بنين المدارس المختلطة أكثر رضا وارتياحًا مع زملائهم في الدراسة، كما أنهم يتصرفون بشكل أفضل.

المناصرون للمدارس منفصلة الجنس احتجوا أيضًا بأن ثقافة الشباب والأساس الجنسي في المدارس المختلطة يجعلها أساسًا بيئة تعليمية رديئة، وكنتيجة لذلك فإن التلاميذ حتى في المدارس الكاثوليكية المختلطة يتعلمون أقل ولديهم مخرجات سيكولوجية واجتماعية أقل تفضيلًا.

كما تضيف نادين بلاتو (Nadine Plateau,1995,p.55)  أنه في المدارس المختلطة لا تُذكر الألفاظ وحتى الاعتداء الجسدي على الفتيات من قبل الفتيان، ما يجعل الفتيات يشعرن بأنهن أدنى مكانة اجتماعية وأن الفتيان أعلى مكانة اجتماعية.

وهنا يعود مؤيدو التعليم المختلط من أمثال كامبل وستورو (Campbell and Storo,1996a, p.6) للتأكيد على أنه بعزل الفتيات بدلًا من التعامل مع المشكلة الحقيقية فنحن نؤكد بوسائل غير تربوية مناسبة أن:

أ-المعيار المقبول في سلوك الفصل الدراسي يُحدد بواسطة الطلاب الأكثر مشاكسة!

ب-سلوك الفتيات المناسب لكي يكون موجبًا، وبناءً عليه إجابة التلميذات لمشاكسة الفتيان ليس في الرد على مضايقاتهم أو باللجوء إلى السلطة بل بالانسحاب!

كما أن مثل تلك الفصول منفصلة الجنس إنما تعزز آراءً غير علمية مفادها أن:

أ-الطالبات رقيقات وكائنات ضعيفة لا يستطعن مجابهة البيئة القاسية للعالم الحقيقي.

ب-ا لطلاب لا سبيل إلى تقويمهم أو إصلاحهم.

في مقال تالٍ إن شاء الله نتناول وجهة النظر المعاكسة للتربويين الذين يرون أفضلية التعليم المنفصل لكلا الجنسين في ضوء مجموعة من الخصائص التي تتوفر فيه وتُفتقد في التعليم المختلط.

 

د. منى زيتون

 

محمد عرفات حجازيالتنوير هو اتّجاه ثقافيّ ساد أوروبا الغربية في القرن الثامن عشر بتأثير طبقة من المُثقّفين عُرِفوا باسم المُتفلسفين، وكانوا صحفيّين وكُتّابًا ونُقّادًا ورُواد صالونات أدبيّة، ولم يكونوا أصحاب فكر بقدر ما كانوا مُروّجين لأفكار عصرهم.

واتّخذت حركة التنوير الأوروبية شعارًا بعنوان "العلم للجميع"، وكانت روح التنوير شديدة العداء للكنيسة وللسلطة مُتمثّلة في الدولة، وللخُرافة والجهل والفقر، أيضًا فقد كان شعارهم في كلّ شأن من شئون الحياة ينصّ على: "كلّ واحد حُرّ يفعل ما يشاء في تفكيره! مَشِّي حالك!".

استنادًا لما سبق، فإنّه إذا كان رُواد التنوير، عمومًا، ليسوا على ذات الدرجة العلمية أو التخصّص، فالأهمّ هنا هو استعمال النقد، النقد البنّاء، لكافة أشكال العطب المُتوغّلة في المجتمع، نقد التُراث، ونقد المُعاصرة. ومن جانب آخر، فإنّ شعار "كلّ واحد حُرّ... مَشِّي حالك" من الخطورة بمكان؛ إذ لا يُمكن أن نرفعه عاليًا في توجّهنا التنويري العربي، وهو ما يضع مسئولية أخلاقية تنويريّة جديدة على عاتق رُواد التنوير ذوي النزعة الإنسانية، الإنسانية فقط.

إنّ أصحاب الأيديولوجيات الرجعية ـ من كُتّاب وصحفيّين وإعلاميّين ورجال دين وقيادات الجماعات الدينية وفنّانين ...إلخ ـ والمُنتشرين عربيًّا كغُثاء السيل، ينفثون في العقل الجمعي العربي أفكارًا مسمومة، تخدم في النهاية مصلحة السلطة القائمة، أو توجّهاتهم الغربية المدعومة من الفكر الصهيوني، وذلك من خلال تفتيت النسيج الاجتماعي المُمزّق، وبالتالي فإنّنا أمام ضرورة مواجهة تلك الفوضى الفكرية العارمة، وهو ما يعني احتدام الجدل الفكري بيننا وبينهم، ووجوب تسلّحنا بالجرأة والشجاعة والأخلاق في آن معًا.

إنّ المُفكّر التنويريّ الأصيل، هو مُفكّر ذو نزعة إنسانيّة، ويُناط به مُمارسة التفكير الناقد لكلّ ما هو سائد، والانخراط في البحث الموضوعي بوصفه شاهدًا على الحقيقة، وتجسيد حُرّية التفكير، ومُمارسة المسئولية الأخلاقية والتخيّل الأخلاقي، ما يعني أنّه يحمل بداخله مسئولية مُركّبة تجاه وطنه..

 

محمد عرفات حجازي

باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية ـ مصر

 

حنان اوراقكثيرة هي التصورات التي ترى بأن الخطاب الفلسفي، متمايز عن الخطابات الأخرى، أولا باعتباره خطابا عقليا، منطقيا، وثانيا لكونه يتوسل البرهان والتدليل في رحلته لطرح الحقيقة.

لأن اتخاذ الفلسفة للكتابة المنضبطة الصارمة، وبعدها عن الذاتية، ثم سعيها المستميت نحو غايتها الصريحة، يحدد بشكل ما قدرتها المتفردة على كشف المعضلات والوقوف على جوهر الأمور.

تقول آريس مردوخ في كتابها "نزهة في غابة الأدب: (الكتابة الفلسفية ليست شكلا من أشكال التعبير الذاتي بل تنطوي على كبح منضبط للصوت الداخلي. بعض الفلاسفة يطيب لهم الحفاظ على نوع من الحضور الشخصي في أعمالهم (...) لكن الفلسفة في نهاية الأمر تمتاز بصوتها الصلب غير المشخصنَ)(1).

 إلا أن الجرد الدقيق لكتابات مجموعة من الفلاسفة، يشي بحضور تلوينات اللغة وتقنياتها. لهذا تعددت المقاربات التي تبحث في مستويات التداخل، أو لنقل إمكانيات التداخل ، بين القول الفلسفي وأنماط التعبير الأخرى، وصلت إلى حد إعادة الإستشكال حول:

 هل وجود جنس تعبيري تنفرد به الفلسفة، هو حديث حالم، لا يقترب من الحقيقة في شئ؟ وأن التقاطعات التي بالإمكان رصدها بكتابات بعض الفلاسفة، هي فلتات وإستثناءات يمكن الوقوف على أسبابها ودوافعها؟ أم أن الفلسفة تحتاج اعتماد الخيال أحيانا لتتميم غاياتها ؟، بمعنى آخر هل استعارة الفلسفة لآليات الخطاب الأدبي، يحيد بها عن جوهرها؟ وبالتالي يشكل خيانة للخطاب العقلاني الذي تتبناه؟ أم أنه نافذة يوازن فيها الفيلسوف بين الأفكار، وبين ما يتأجج داخله من صور ذهنية، ليقترب من مستويات فهم العامة؟

بحسب التصنيفات المأخوذ بها، تمثل كل من الفلسفة والأدب مجالين مختلفين، لا إمكانية للخلط بينهما. فالأولى تتأسس على نسق حجاجي، مجرد، ومتماسك. في مقابل الأدب الذي يمتلك مساحات شاسعة من الذاتية، والزخم العاطفي. وبرغم ما قد نستجليه من مستويات التباين هذه إلا أنه أحيانا يصعب رسم حدود واضحة، فاصلة بينهما. باعتبار أنهما معا يمثلان مظهرا من مظاهر الوجود الإنساني.

 بشكل ما، نحن مجبرون على الاعتراف بهذا الاختلاف. وأيضا الإقرار بمستويات الاقتراب .

وقد اقترح الأستاذ والباحث عبد الرزاق الدواي، إعادة التفكير من جديد في الخطاب الفلسفي، باعتباره خطابا منفتحا على المتخيل. يستخدم آليات التمثيل والتخييل، كنوع من الاستدلال لإيصال الحقيقة. فاعتبر التمثيل قدرة ذهنية عند الإنسان، مثلما ذهب في ذلك الفيلسوف كانط .إذ جاء في كتابه نقد العقل الخالص:<< إن ما يملكه الإنسان من قدرة على رسم الخطاطات الذهنية، وعلى التمثيل والتصوير والتأليف بين العلاقات والأشياء، فن خفي ومدفون في أعماق النفس البشرية. وسيبقى دائما من الصعب أن ننتزع من الطبيعة أسرار الكيفية التي تشتغل بها هذه القدرة، ونعرضها مكشوفة أمام الأعين.(2)<< فالفلسفة الكانطية على ما يبدو، وإن علّت من مقامات العقل، فقد احتوت مظاهرا للخيال، حتى وإن بدت مظاهرا خفية، ضبابية وغامضة. 

ناهيك عن أنه عن طريق المتخيل، يصير بإمكان الخطاب الفلسفي، اختزال محدودية العقل البشري اتجاه اللامحدود. بمعنى آخر أن المتخيل بمستوى ما، يتيح التفكير في عالم المعقولات والموضوعات الميتافيزيقية، بصورة قريبة للتناول .

ولعل من أبرز الفلاسفة الذين استثمروا هذه الآلية في خطاباتهم هو أفلاطون، فبرغم العقلانية التي يعرف بها نسقه الفلسفي، إلا أن هناك وجها آخر آخذه عليه تلميذه أرسطو، وهو لجوؤه للخيال كوسيلة للتدليل على أفكاره وشرحها. فمن خلال "الجهورية" مثلا، يختزل أطروحاته السياسية والاجتماعية، ومن خلال "أسطورة الكهف" يعيد إنتاج إشكالية العلاقة بين الحقيقة والواقع، والتدليل على أن فكرة حقيقة الوجود التي تنشدها الفلسفة ،هي خفية وعصية على الإدراك، كل ذلك بمزاوجة متقنة للفكر باللغة، لمستويات صارمة من التعبيرية، وأخرى إشارية بامتياز.

الواضح أن عالم المثل الأفلاطوني لم يتيسر له إلا باستخدامه أقصى درجات الخيال، بل يمكن إجمال القول في أن أهمية المتخيل هنا، تبرز في كونها رصت عناصر الفلسفة الأفلاطونية بتماسك ملفت.

ولا يمكننا مغادرة هذا السياق، دون الإشارة أيضا إلى التشبيه الديكارتي الشهير للفلسفة بالشجرة، كمحاولة منه للدلالة على ماهيتها. برغم أنه يدعو في فلسفته إلى الإقصاء التام للخيال ،و الاستناد على العقل وحده لإدراك الحقائق .

كما أن بعض الفلاسفة مثل أرسطو سبينوزا، ابن رشد وآخرون، قد عبروا عن فكرة تفاضل الناس في طرق التصديق والإدارك. بالتالي اللجوء للمتخيل لم يعد مجرد ترف لغوي، وإنما حاجة ماسة، يتمكن الفيلسوف عبرها من بسط أفكاره للعامة. ولو أن التصورات الجديدة ،التي أنتجتها الإهتمامات الأخيرة حول إشكال المتخيل في الخطاب الفلسفي، تعتبر أن لجوء الفيلسوف لهذه التقنية هو دليل على ضعف مشروعه الفكري، وعجزه عن إيصال نسقه الفلسفي ليس إلا .

إذن التداخل بين القول الفلسفي والقول الأدبي، تداخل حاصل لا يمكن إنكاره .التساؤل الذي يطرح ذاته هنا هو ما مستويات وحجم هذا التداخل ؟ فإذا كانت العبارية في الخطاب الفلسفي تمكنه من أن يكون قولا محكما، مصرحا به ، باعتبار أن القول العباري قول مبسوط ، حقيقي وجلي في آن واحد. وأن الإشارية تختزل معانيه وتثريها، باعتبار أن القول الإشاري قول مجازي المعنى مضمره. فما الدرجات التي تضمن لهذا الخطاب الفلسفي التوازن دون أن تستهدف خصوصيته وتهدمها؟

تقول ايريس مردوخ :<< ينبغي على الفيلسوف المتمرس في صنعته الفلسفية ،أن يحاول توضيح مقاصده بالضبط ، وأن يتجنب التفخيمات البلاغية الطنانة وغير المجدية(3) <<.

يميل قول الأديبة آيريس هنا، إلى أنه يجدر بالقول الفلسفي أن يميل للقول العباري ما أمكنه ،بعيدا عن كل إشارية ومجازية مبالغ بها .

ويقول عبد الباسط لكراري في كتابه "دينامية الخيال" في حديثه عن كتاب "نظرية الشعر عند الفلاسفة من الكندي حتى ابن رشد" للدكتورة ألفت محمد كمال الروبي:<< أن هؤلاء الفلاسفة وضعوا القوة المتخيلة في منزلة وسط بين الخيال والعقل(4)<<

بما يعني أنه في خطابات بعض الفلاسفة، قد تم الإعلاء من المتخيل المرتكز على نوع من الاشارية والمجاز.

في حين يتناول الكاتب عبد الرحمان طه، بالحديث المكانة البيانية للقول الفلسفي بين الأقوال الأخرى عامة. مدققا في نسب التداخل والتفاوت التي أسلفنا الحديث عنها. فيخلص إلى أن أقصى درجات العبارية هي التي تتحقق في القول المنطقي، وأقصى درجات الإشارية هي التي يحتلها القول الصوفي. وأن أجناس القول الأخرى سواء كانت أدبية أو علمية، يتفاوت فيها حضور العبارة والإشارة بنسب مختلفة ، فاصلا في ذلك بين نوعين من الفلسفة، ما سماه بالفلسفة الطبيعية، ويقصد بها الدائرة التي تجمع أهل المجال التداولي جميعا، في مقابل الفلسفة الصناعية -والتي هي لاحقة عن الأولى-، والمقصود بها هنا حين تصير الفلسفة صنعة نتيجة ارتفاع مستوى التمرس والاشتغال. بمعنى آخر نتيجة التطور الذي يحصل بالوعي الفلسفي.

هذا الفصل في الطبيعة يخلق بالضرورة تباينا في حضور العبارة والإشارة في الخطاب الفلسفي حيث تبين أن الفلسفة الصناعية، لا تحقق أي قدر من التوازن البياني، لأنها تفصل تداوليا بين كل من الإشارة والعبارة. في حين أن الفلسفة الطبيعية، فلسفة متوازنة بيانيا، لا تقر بامتياز استعمال الواحدة على الأخرى أو العكس، إنما توجب نوعا من التوازن بينهما. ليس على مستوى الكم طبعا، وإنما على مستوى التساند والتكامل في الوظائف فتغلب الاشارة حينا والعبارة حينا آخر(5).

هكذا يبدو أن القول الفلسفي في مد وجزر مستمرين، ليس قولا عباريا خالصا ولا قولا إشاريا خالصا ، وإنما هو قول جامع موازن لهما معا على وجوه مختلفة، متباينة ومتفاوتة.

تقول آريس مردوخ :<<واذا ما كان الفيلسوف أي فيلسوف، يجود في طريقة كتابته، فتلك مزيّة تحسب له بالتأكيد وستجعله على قدر كبير من الغواية، التي تدفع الآخرين لدراسته .غير أن الكتابة الفاتنة لن تجعل منه فيلسوفا أفضل(6)<< .

إذن فلربما هذا الاندساس الخفي تارة، الجلي تارة أخرى، لآليات اللغة والمجاز في ثنايا الخطاب الفلسفي، لا يحط من قدر الفلسفة، بقدر ما يمدها بنوع من الحيوية، ويضمن لها بل يجعلها ربما أكثر إشراقا.

 

تحرير: حنان أوراق

......................................

المراجــع:

(1) آيريس مردوخ، في غابة الأدب، ترجمة وتقديم لطيفة الدليمي، دار المدى، ط الأولى 2018 ، ص 23

(2) عبد الرزاق الدواي، التخييل والتمثيل في الخطاب الفلسفي ص 136

(3) آيريس مردوخ، في غابة الأدب، ترجمة وتقديم لطيفة الدليمي، دار المدى، ط الأولى 2018 ، ص 22

(4) عبد الباسط لكراري، دينامية الخيال –مفاهيم وآليات الإشتغال- منشورات اتحاد كتاب المغرب، ط الأولى 2004 ص

(5) عبد الرحمان طه، فقه الفلسفة ، الفصل الاول القول الفلسفي بين العبارة والاشارة

(6) آيريس مردوخ، في غابة الأدب، ترجمة وتقديم لطيفة الدليمي، دار المدى، ط الأولى 2018 ، ص 20ق

 

محمد عبد الكريم يوسفعندما يتغير العالم نحتاج إلى نوع جديد من القادة  . لقد تغير العالم بالفعل .

قيل الكثير وكُتب الكثير عن التغيير وأهمية القادة  أينما كانوا بهدف التكيف مع المتغيرات التي تحدث في العالم . في الحقيقة ، يتم تسليط الضوء على أن فكرة القدرة على التكيف مع التغيير هي السمة الأكثر أهمية للقيادة . يجب أن نكون منصفين إذ يحاول العديد من القادة بإخلاص إجراء التعديلات اللازمة على شخصياتهم حفاظا على مناصبهم ومواقعهم .

لكن بالنسبة للجزء الأكبر من القادة  فإن التصورات القديمة التي عفا عليها الزمن والبالية في معظم الأحيان والتي تحيط بالقيادة ترفض بعناد الرحيل . يحاول القادة الكبار إظهار الرغبة في أن التغير مع المتغيرات العالمية ليصبح أكثر سيطرة و تأكيد سلطتهم بطريقة أكثر إقناعًا من أجل ضمان قيام الموظفين  بقبولهم بالنسخة الجديدة و "التسليم" بأنهم القادة الصالحون لكل زمان ومكان. هذه إحدى طرق ووسائل وغايات التغيير  . لكن عقلية "القيادة والسيطرة" القديمة للزعماء والقادة هي ذاتها لم تتغير  . في عالم اليوم ، هذا النوع من القادة لا يصلح  وليس فعالا ويشبه إلى حد بعيد محاولة إسراف الحوت بالغطس . وهذا لا يصلح للأسف في عالم السياسة والمال والأعمال .

إن الالتباس الذي يجربه القادة في المؤسسات الحكومية  في خضم ثورة نشاز "الخبراء" الذين لا يبخلون بأحدث صيحات الموضة والبدع في مجالات الإدارة والتنمية والتطوير لن يقود إلا إلى المزيد من الإرباك والفوضى ويشبه إلى حد بعيد من يصر على تقليد سير غيره فينسى مشيته . القيادة في عالم متغير دائم التغيير تحتاج إلى عقول متغيرة ومواكبة ومقاييسها دائمة النشاط والحيوية والحركة في عالم دائم التغير .  القيادة ليست مهمة سهلة في هذا الكون الذي يشبه قرية عالمية حيث اصطدام الثقافات والمفارقات هو القاعدة. يقع  جزء كبير من المشكلة في أن هناك تأكيدًا مفرطًا على "ماذا" و"لماذا " و "كيف" تكون القيادة على حساب تعزيز فهم أعمق للبيئة المتغيرة التي تحدث فيها القيادة . وتكون نتيجة ذلك أن هذه الممارسة أصبحت منقطعة عن النظرية الأساسية للقيادة  من خلال إهمال ماهيتها وخصائصها وطريقة عملها وهذا بدوره خطير للغاية  لأننا نستخدم عن غير قصد تقنيات وممارسات قديمة في مواجهة سيل من المشكلات والتحديات الجديدة المتغيرة وهذا يقود إلى نتائج كارثية على المدى القريب والمتوسط والبعيد . ويبدو أن كل ما يتم انجازه ينتهي بنا في نهاية المطاف إلى الدوران في الدائرة المفرغة حيث الدوران مثل الطاحون في نفس المكان من دون إحداث تقدم أو أدنى تغيير . يركز هذا النوع من القادة على الإسراع في انجاز الأعمال وكأنهم في سوق استهلاكية ليس غايتها التركيز إلا على الانجاز في الوقت المحدد دون التركيز على المحتوى . وبذلك تكثر الأخطاء والمراجعات والتعديلات ويتحول العمل إلى سوق لاستهلاك الحلول السريعة . لقد غزت القوانين التي لا يمكن دحضها وكتيبات النصائح عالم القيادة وكله على حساب الأداء الجيد والحقيقي والمقبول . و نتيجة لذلك ، أصبح جزء كبير من القياديين  أحادي النظرة وخيالي لا معنى له  والأسوأ من ذلك كله يصبح  القائد منفصلا عن الواقع لا علاقة له بالآخرين .

ما الذي يحتاجه القادة  لمواجهة هذا  الاتهام؟

هناك مجالان أساسيان يحتاج أي قائد فعال إلى استكشافهما وفحصهما وفهمهما. وهذان المجالان يتطلبان العمل الدائم والمستمر   و هما :   التركيز على أنفسهم وعلى سلوكهم  .  يعرف القادة الأذكياء معنى ذلك  ويعملون عمدا وبشكل فطري  للحصول على فهم أفضل لهذين المجالين .

القيادة لا تتعلق فقط "بما تفعله" بل في "من أنت". لقد امتلكت الشخصية القيادية فعل القيادة . و ظهرت مهارات الأشخاص في اقتصاد الاتصال  في قائمة الخصائص والمهارات التي يحتاجها القادة . والقادة الذين يستخدمون القوة  في حل المشكلات  يحصلون في أغلب الأحيان على مكاسب قصيرة الأجل .في العصر الحالي لا ينجح مثل هذا النهج على المدى الطويل ، وعندما يتعرض لمزيد من التدقيق يكشف دائمًا عن عيوب متعددة إذ يشعر الموظفون بأنهم غير راضين وغير آمنين ويفتقر نظام هؤلاء القادة للابتكار والمشاركة و المرونة  والتيارات القاعدية القوية ويعج بالبيئة السامة تمامًا.  الريادة في عالم اليوم حيث تتصادم الحدود الجغرافية والثقافية والاقتصادية  ليست سهلة أو مهمة بسيطة . يعمل القادة الأذكياء بجد لفهم أنفسهم مما يعني استكشاف معتقداتهم ومبادئهم وانحيازهم وحيزهم ودوافعهم . لم تعد المناظر الطبيعية الداخلية اختيارية لقادة اليوم . صار عليهم تعلم الكثير من المهارات الخارجية وإتقانها .

كيف يمكن لقادة العالم حاليا الانخراط في هذا العالم المتغير ؟

على القادة أن يتعلموا ويدركوا كيف تغير العالم وكيف يستمر في التغيير .عليهم تطوير أنفسهم  بما ينسجم وهذا التغيير وعليهم أن يميزوا بين العصر الحديث وعصر ما بعد الحداثة . وعليهم معرفة الكثير من المصلحات الجديدة التي تحدث الارتباك لدى القائد التقليدي . ويمكن مقاربة المسألة وفقا لما يلي :

أولاً ، هناك عالم خبير  في مختبره يرتدي قميصا أبيض اللون يمثل الثقافة الحديثة ويشكك بالثقافة التقليدية السابقة التي سادت فيها سلطة رجال الدين  وتقاليدهم وطقوسهم وقواعدهم المطلقة ويشعر أنه يتفوق عليهم بقدراته وطاقاته وقادر على حسن الاختيار والفهم يقف منتصبا وفخورا وجريئا يتسم بالصبر والأناة والعقلانية ويستمتع بالتكنولوجيا وممارسة التقدم العلمي  .

يعتمد العصر الحديث على الإثبات والعقلانية والقيادة تعكس طريقة التفكير الثقافي للعصر. تعكس القيادة الفعالة والناجحة الفكر الثقافي للعصر الذي توجد فيه .

ثانيا، هناك موسيقى الروك التي تمثل ثقافة ما بعد الحداثة . والإنسان التقليدي  يشعر بخيبة أمل وشك عندما يتعلق الأمر بالعالم الحديث وكل ما يمثله . ويتعارض موقف الإنسان التقليدي مع موقف محب موسيقى الروك في كل شيء تقريبا  لكن على الإنسان أن يدرك أن عالم ما بعد الحداثة هو عالم الروك وعلى القائد أن يدرك هذه الحقيقة جليا حتى يعالج الأمور بفعالية . هناك أربعة أشياء يجب فهمها  في عالم ما بعد الحداثة .

ما بعد الحداثة تشكك في اليقين و قادتها كذلك:

اليقين الموضوعي والحقائق المطلقة يتعرضان للهجوم في سلوك ما بعد الحداثة.  وتعتقد مرحلة ما بعد الحداثة  أن اليقين ليس على شيء وأن الشك هو مصدر المعرفة والتطور والسير نحو الأمام وأن الحقائق المطلقة خرافة لا يمكن الوثوق بها بأي حال من الأحوال .

ما بعد الحداثة حساسة للسياق و قادتها كذلك:

في عالم اليوم التنوع هو القاعدة  والتنوع يخلق عددا لا يحصى من السياقات ويجب على القادة الأذكياء أن يدركوا هذه الحقيقة وعليهم قبولها والسعي لفهم هذا التعقيد . وهذه المهمة ليست سهلة لأنها تقلق راحة من يقوم بها وعلى القائد أن يتكيف مع البقع الرمادية على حساب الأبيض والأسود . 

ما بعد الحداثة تفهم "العمل الجماعي" بطريقة مختلفة وقادتها كذلك:

في هذا العالم المتنوع والمتعدد الثقافات علينا أن نفهم كيف نشكل فريق عمل جيد ومتطور ويواكب متطلبات ما بعد الحداثة . في الماضي كان تشكيل الفريق من الأمور الميسرة لأن كل أعضاء الفريق متشابهون وينتمون لنفس السياق الفكري ويعملون على نفس الموجة وكانت عبارة الفريق الناجح تطلق على الفريق المطيع الذي ينفذ ما يطلب منه من دون ضجيج . حاليا لم يعد الأمر بهذه البساطة ، وعلى القائد أن يتكيف مع المتغيرات الجديدة  وقبول التغيير والتنوع لم يعد أمرا اختياريا وحيث أن التغيير يفرض نفسه وبالطريقة التي يريدها فعلى القادة أن يكونوا على نفس المستوى من وصار بناء الفريق الفعال من الأعمال الشاقة حاليا خاصة وأن عبارة " افعلوا كما أريد " لم تعد موجودة بنفس الصدى الاستبدادي السابق . على القائد تحضير نفسه لقبول تحديات التغيير أكثر من أي وقت مضى والتدرب على المتطلبات والمهارات القيادية الجديدة وغير المألوفة . 

ما بعد الحداثة تقدر التجربة الذاتية وقادتها كذلك:

يركز تفكير ما بعد الحداثة  على "هنا والآن" أي على التجربة الحالية . كما يعتمد على التعلم التجريبي الذي يشرك الشخص في العمل على أنه بالغ الأهمية. ويحتاج القادة إلى الدخول الكامل في هذه العملية التعاونية بطريقة غير محدودة وغير خاضعة للرقابة . إن محور هذه العملية هو الفرد ، وكذلك "الجماعة" .  سوف يحتاج القادة إلى أن يكونوا رواة للقصص  وقد تصبح هذه السمة علامة فارقة للقائد أو  الرئيس التنفيذي .يدرك القادة الأذكياء أهمية سرد القصص في تحقيق التماسك التنظيمي والنجاح في المؤسسات . في فكر ما بعد الحداثة ، يُطلب من القادة الاستماع باهتمام أكبر إلى القصص والاستعداد لرواية المزيد من القصص. القصص وسيلة لتبادل التجارب وبالتالي يتكون لديهم القدرة على تقديم رؤى جديدة  وزيادة الوعي  وتعزيز الإبداع والتعامل مع المتغيرات و التعقيد وعدم اليقين.

في فكر ما بعد الحداثة يجد القادة أنفسهم يعالجون قضايا لم يفكروا فيها من قبل في مقاربة القضايا الكثيرة التي تواجههم في أعمالهم . إن تعزيز قيم ما بعد الحداثة يعزز قيم الشفافية والإصلاح المؤسساتي ويساعد القادة في استكشاف قيم ومفاهيم جديدة غير مألوفة ومعالجة الإشكاليات الطارئة بروح الفريق بحيث يأخذ كل فرد دوره الفعال في المؤسسة .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

.................................

المراجع

Global Leadership in a Changing World - ResearchGate

https://www.researchgate.net/.../256041286_Global_Leadership_in_a_Chang.

Leadership for a Changing World - Exponent Philanthropy

https://www.exponentphilanthropy.org/.../TeenPhilanthropyCafe-Leadershi...

Effective leadership in a changing world | G. Boseman ...

https://www.researchgate.net/.../305397859_Effective_leadership_in_a_chan.

Leadership in a Changing World | SpringerLink

https://link.springer.com/chapter/10.1007/978-94-009-1573-2_8

 

فارس حامد عبدالكريمقد يبدو أمراً غريباً ان يقال إن للجهل ثقافة، بل الأمر على خلاف ذلك، إذ يخطئ من يظن ان الجهل يعني ان الجاهل لا يملك من المعرفة والمعلومات إلا بحدودها الدنيا، الحال ان للجهل ثقافة هي الأخطر تأثيراً على حياة البشر ومستقبلهم ودواعي تطورهم.

بل ان ثقافة الجهل ومن خلال خزينها التاريخي تتغلب على ثقافة المعرفة في المجتمعات التي تعيش على مخلفات الماضي البالية وتمنع تحررها وتقدمها.

ومن مرتكزات ثقافة الجهل؛ تقديس العادات والتقاليد الموروثة بكل تفاصيلها دون قبول تمييز الصالح والطالح منها.

ومنها الإعجاب بمظاهر الإعتداء والنصب والإحتيال ولو نفسياً بإعتبارها موروثة من عادات الغزو والنهب والسلب وكسب الغنائم وإعتبارها مفخرة وصور من صور الشجاعة التي اعتادت عليها القبائل في مختلف الشعوب عبر التاريخ. وكم مجدت ثقافة الجهل الدكتاتورية ورموزها ذلك ان هذه الثقافة تربط الشجاعة والمجد بالجريمة والقتل والتعذيب وإرهاب الناس وكبت حرياتهم.

ومنها المعتقدات (سواء دينية او غير دينية) التي لا تستند الى حقيقة الدين ومعناه الروحي الحقيقي وتستند في اغلبها الى خرافات واساطير وأعمال شعوذة وهذه تشكل خزين ثقافي هائل تجمع عبر الزمن.

ومن مظاهرها الواضحة للعيان كثرة العرافين والسحرة ومن الغريب ان من بين من يراجعهم ويتعامل معهم من اصحاب الشهادات المرموقة!

ومن مظاهر ثقافة الجهل الخوف من كل ما هو جديد من ضروب العلم والمعرفة ومحاربته بلا هوادة

وقد استطاعت ثقافة الجهل عبر التاريخ ان تسقط خيرة الفلاسفة والعلماء والأدباء، ويحفل التاريخ بأمثلة مرة على ذلك، وتحل محلهم أرباب ثقافة الجهل من الانتهازيين والنصابين والتافهين والفاسدين .....

ومن اوجه ثقافة الجهل اعتبار ان للحقيقة وجه واحد وعلى هذا النحو هي ترفض الثقافات الإنسانية الأخرى وتمنع تلاقيها وتبادل المعارف فيما بينها.

 ولا يخفى ان لثقافة الجهل، وفي كل زمان ومكان، رجالها المؤتمنين على سيادتها وإنتشارها بما توفره لهم من نفوذ إجتماعي ومصالح ومكاسب خاصة.

ان ثقافة الجهل هي هي ثقافة البؤس والحرمان والفقر الدائم والعبودية الخفية والرضوخ للأمر الواقع.

ويبدو لي ان اول من تحدث عن ثقافة الجهل وحذر منها هو الرسول الكريم (ص) والامام علي (ع)

فقد جاء في الحديث الشريف (...وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا)*.

وقال الإمام علي (ع) (لا تربوا أولادكم كما رباكم أباؤكم فإنهم خُلقوا لـ زمان غير زمانكم).

 

فارس حامد عبد الكريم

.....................

* أصل الحديث الشريف: " إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا، وَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عِيَالًا "

 

 

عبد الرضا حمد جاسممقدمة: اليكم التالي لطفاً:

1 - المخدرات كانت وستكون مشكلة عالمية تُعقد لها المؤتمرات والندوات وتُقام لها الدراسات والحدوث وتُقدم عنها التقارير السنوية وتشارك في كل هذه الفعاليات دول ومنظمات محلية ودولية ويحضرها متخصصون وأساتذة مرموقون بكل الاختصاصات لتداخل تأثيرها. كل الحلقات المحيطة بالعراق من الأقرب الى الأبعد تعاني وتهتم بها كثيراً. والعراق ليس استثناءً ولا يمكن له ان يقاومها مطلقاً لكونها "معولمة" وتقف خلفها مافيات عجزت عن الحد من نشاطها دول كبرى...والتعكز او المقارنة بين "كان" و"صار" غباء والغباء في مثل هذه المشكلة لا ينفع انما يفاقمها فعلى الاغبياء الكف عن التدخل والتداخل بها وعنها وحولها. وهذا يدفعنا لتنبيههم وهو الغافلون بالسؤال التالي عسى ان يفيقوا ويرحموا أنفسهم والمجتمع والسؤال هو: لماذا أصبحت أفغانستان من المراكز المهمة في زراعة وتصنيع وتصدير المخدرات بعد ان كانت خالية منها تقريباً حتى نهاية السبعينات من القرن العشرين؟ وانصحهم الاطلاع على تقارير الأمم المتحدة حول المخدرات وزراعتها وانتاجها وأسواقها وطرق تجارتها ليجدوا ان العراق لم يدخل في كل تلك التقارير والأرقام وان ما يُذكر عن تفشيها فيه لا يشكل سوى رقم صغير مهمل لا يدخل في كل الحسابات بالقياس الى ارقامها في دول عظمى مستقرة مثل الولايات المتحدة الامريكية وأوربا واليابان وكوريا الجنوبية ولا دول مثل إيران والسعودية والامارات العربية المتحدة ومصر ولبنان...فاتقوا الله لعلكم ترحمون "تُعقلون".

2 - تقرير الأمم المتحدة عن المخدرات لعام 2017 وهو من 34 صفحة اعداد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لعام 2017 الذي لم ترد فيه أي إشارة او تلميح او أي شيء عن العراق سوى في التوزيع الإقليمي حيث ورد اسمه مع الامارات والأردن وإسرائيل وفلسطين وسوريا وقطر والكويت ولبنان والسعودية واليمن وفلسطين وعمان والبحرين تفضلوا بالاطلاع عليه لتتوضح لكم الصورة وتعرفون كيف تُكتب التقارير وكيف يجري البحث والتدقيق...اليكم الرابط

https://www.unodc.org/wdr2017/field/WDR_Booklet1_Exsum_Arabic.pdf

واليكم نسبة المتعاطين بالنسبة لعدد السكان في بعض الدول للمقارنة لطفاً:

*  روسيا: احصائيات مدمني المخدرات في روسيا 12% من اجمالي عدد السكان ..

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب آخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 20 ألف شخص

* أفغانستان: احصائيات مدمني المخدرات في افغانستان 12 % من اجمالي عدد السكان .. منهم 9 % من الاطفال

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب آخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 200 شخص

* إيران: احصائيات مدمني المخدرات في ايران 4 % من اجمالي عدد السكان بشكل عام ..

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 3000 شخص

* الكويت: نسبة مدمني المخدرات في الكويت 3 % من اجمالي عدد السكان ..

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 60 شخص.

* الإمارات: احصائيات مدمني المخدرات في الامارات 6 % من اجمالي عدد السكان ..

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 190 شخص

* السعودية: احصائيات المدمنين على المخدرات في السعودية 0.3 % من اجمالي عدد السكان

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 340 شخص

* لبنان: احصائيات المدمنين على المخدرات في لبنان 2 % من اجمالي عدد السكان .. 3 % من اجمالي الذكور .. و 1 % من اجمالي الاناث،

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 90 شخص

* مصر: احصائيات المدمنين على المخدرات في مصر 10 % من اجمالي عدد السكان .. 15 % من اجمالي الذكور .. و5 % من اجمالي الاناث،

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 3900 شخص

* تونس: احصائيات المدمنين على المخدرات في تونس 3 % من اجمالي عدد السكان .. 4 % من اجمالي الذكور .. و 2 % من اجمالي الاناث،

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 400 شخص

* الجزائر: احصائيات المدمنين على المخدرات في الجزائر 2 % من اجمالي عدد السكان

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 550 شخص

* المغرب: احصائيات المدمنين على المخدرات في المغرب 3 % من اجمالي عدد السكان ..

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 1100 شخص

* تركيا: إحصائيات مدمني المخدرات في تركيا 1 % من اجمالي عدد السكان ..

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 800 شخص

* السويد: نسبة مدمني المخدرات في السويد 8 % من اجمالي عدد السكان .. 9 % من اجمالي الذكور .. و 7 % من اجمالي الاناث

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 350 شخص

* المانيا: نسبة مدمني المخدرات في المانيا 14 % من اجمالي عدد السكان .. 17 % من اجمالي الذكور .. و11 % من اجمالي الاناث

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 1050 شخص

* فرنسا: نسبة مدمني المخدرات في فرانسا 22 % من اجمالي عدد السكان .. 28 % من اجمالي الذكور .. و16 % من اجمالي الاناث،

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 1400 شخص

* اسبانيا: إحصائيات مدمني المخدرات في اسبانيا 18 % من اجمالي عدد السكان .. 24 % من اجمالي الذكور .. و 12 % من اجمالي الاناث،

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 630 شخص

* هولندا: نسبة مدمني المخدرات في هولندا 16 % من اجمالي عدد السكان .. 20 % من اجمالي الذكور .. و 12% من اجمالي الاناث

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 160 شخص

* بريطانيا: نسبة مدمني المخدرات في بريطانيا 12 % من اجمالي عدد السكان .. 16 % من اجمالي الذكور .. و 8 % من اجمالي الاناث،

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 2500 شخص

* أمريكا: احصائيات المدمنين على المخدرات في امريكا 8 % من اجمالي عدد السكان .. 11 % من اجمالي الذكور .. و5 % من اجمالي الاناث

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 34000 شخص

* نيوزيلاندا: نسبة مدمني المخدرات في نيوزيلاندا 4 % من اجمالي عدد السكان ..

3 -اليكم بعض الأرقام من العراق لتقارنوا: كشفت قيادة شرطة محافظة ميسان والمنشآت، اليوم الأربعاء، عن حجم نشاطاتها وإجراءاتها لمجابهة ومكافحة انتشار المخدرات في المحافظة. وقال قائد شرطة محافظة ميسان و المنشآت اللواء الحقوقي ظافر عبد راضي المحمداوي خلال مؤتمر صحفي عقد في مقر قسم شرطة مكافحة المخدرات و المؤثرات العقلية ان "شرطة المحافظة وباقي مفارز الأجهزة الأمنية و الاستخباريه تمكنت من تنفيذ عمليات امنية مهمة في مجال مكافحة متاجرة و تعاطي المخدرات " وبين انه أوقفت مفارز شرطة المحافظة (234) متهم ، للفترة من الأول من آيار الماضي و لغاية 20 آب الحالي من المتاجرين و المتعاطين في المخدرات والمؤثرات العقلية بالمحافظة، مشيراً الى أن عدد المحكومين خلال تلك الفترة بتهمة المتاجرة و التعاطي (106) وعدد المتاجرين بالمواد المخدرة من المحكومين (28)، والمتعاطين منهم (78) و المفرج عنهم (52) و أوضح ان كميات  المواد المضبوطة وانواعها من المخدرات لتي كانت كريستال(3كغم و596 غم) و مادة الافيون (81) غرام الحبوب المؤثرة عقلياً (569 قرص) وحبوب من نوع كبتاجون (1440 قرص) وأضاف قائد الشرطة بأن عدد الانبوبات لتعاطي المخدرات التي تم ضبطها خلال تلك الفترة كانت (78) و المواد المضبوطة من الأسلحة ( 8 مسدس،5بندقية كلاشنكوف ورمانة يدوية عدد3) فيما كانت عدد العجلات التي تم ضبطها (29عجلة) و(5)دراجات نارية تستخدم للنقل و الترويج و التعاطي] انتهى ""المصدر بغداد/ الغد بريس 22/08/2019""هذه الأرقام في محافظة حدودية مع إيران وخلال مدة أربعة أشهر تقريباً!!!!

***

أعود في هذا الجزء والتاليات الى مناقشة ما ورد في مقالة أ. د قاسم حسين صالح بتاريخ 02/07/2019 /المثقف: [في العراق..المجتمع يتعاطى المخدرات و الدولة تتعاطى السرقات].

http://www.almothaqaf.com/a/qadaya2019/938048

تلك المقالة التي قال عنها أ. د قاسم حسين صالح إنها: "عرض مكثف للورقة التي طرحها في النشاطين العلميين الذي أشرف عليهما يوم 22/06/2019 "

وأبدأ بعنوان المقالة الغريب والذي يتكون من مقطعين هما: "المجتمع يتعاطى المخدرات" و "الدولة تتعاطى السرقات" لماذا نناقش هذا الطرح؟ الجواب لأنه طرح خطير وخطورته ليست في صياغته فقط وانما في الموقع العلمي لمن طرحه...كثيراً ما يُطرح قريب منه في الأماكن العامة من قبيل "كلها تحشش" او "الدولة كلها تبوك" لكن ان يُطرح في مؤتمر علمي وندوة علمية من قبل أستاذ دكتور متخصص ومعروف ويتم نشره في وسائل الاعلام الحديثة العراقية والعربية هذا يحتاج الى تدخل بشكل صريح وواضح بعيد عن المؤثرات والاعتبارات.

1 ـ المجتمع يتعاطى المخدرات.

هل يعرف أ. د قاسم حسين صالح معنى المجتمع؟ أكيد يعرف وبشكل واضح ودقيق!!!

لم يتجرأ أي باحث او ناقد او صحفي او مسؤول سياسي او موظف عمومي او دارس بأي اختصاص في كل الدول المذكورة ان طرح مثل هذا الطرح سواء في مؤتمر علمي او في ندوة او مقالة صحفية او تحليل او محاضرة.

 المجتمع العراقي يتكون من حوالي(40) مليون انسان "حسب الاحصائيات المتوفرة" لا يتعاطى المخدرات فيه حتى0.1% أي ما يقارب (40) الف شخص وفق نسبة ال(0.1%) المفترضة من قبلي فكيف اذا كان هذا العدد حسب الإحصاءات التي اوردها أ. د قاسم حسين صالح في هذه المقالة حيث ذكر: [وتفيد إحصاءات العيادات الخارجية بالمستشفيات الحكومية في العام 2009 بأن عدد المدمنين على الكحول والحبوب الطبية المؤثرة عقليا بلغ(2017 ) مصابا، يرقد منهم في المستشفيات نحو(320) شخصا، فيما تذكر إحصائية الهيئة الوطنية لمكافحة المخدرات بإن عدد المدمنين المسجلين هو( 16) الفا بينهم أكثر من ألف طفل أعمارهم بين (10-14) بمحافظة بغداد لوحدها. وبحسب آخر إحصائية للهيئة الوطنية العليا لمكافحة المخدرات، هناك أكثر من(7000) حالة إدمان في العراق] انتهى

وهنا في هذا المقطع وفيما يخص الأرقام ومصادرها أجد غرابة كيف يتجرأ شخص ليضعها في ورقة تُطرح في مؤتمر علمي وندوة علمية وينشرها بشكل واسع؟: الحقيقة لا اعرف الفرق بين الهيئة الوطنية لمكافحة المخدرات والهيئة الوطنية العليا لمكافحة المخدرات، احصائيات الأولى كانت (16) ألف في بغداد وحدها والثانية كانت أكثر من (7) آلاف مدمن في العراق؟؟؟ هل هناك هيئتين في العراق؟؟؟ هل هذه الأرقام معقولة ومقبولة لتُطرح في مؤتمر علمي من قبل بروفيسور متخصص ومهتم؟؟ انها من عجائب "القطع واللصق" دون تفكير وتدقيق والمشكلة ليست بمن طرحها المشكلة الأكبر في جموع المتلقين الذين صفقوا في ابتداء وختام المؤتمر العلمي والندوة العلمية ومن رعاهما وساهم فيهما ومعهم كل من اطلع عليها ولا يدري ما ورد فيها.

 لم يخبرنا أ. د قاسم حسين صالح بصفته المشرف على المؤتمر العلمي والندوة العلمية وبصفته من قدم هذه الورقة فيهما هل كل الأرقام أعلاه تخص عام 2009؟ ثم هل من الصحيح علمياً ان تُناقَشْ ارقام عام 2009 في عام 2019دون مقارنتها بأرقام سنوات تالية لها؟ وهنا يبرز سؤال هو: هل لدى أ. د قاسم حسين صالح ما يؤيد تلك الأرقام من مستندات او نتائج بحوث ميدانية او وثائق عراقية او دولية؟ الجواب طبعاً وكما كل السابقات هو: كلا ...كلا...كلا. وهل هذه الأرقام تخص المخدرات ام المخدرات والكحول الذي يشجعه أ. د قاسم حسين صالح واعتبر تحريمه او منعه سبب رئيسي من أسباب انتشار المخدرات حالياً في العراق وانتشاره سابقاً سبب من أسباب عدم انتشار المخدرات في العراق ؟؟؟حيث كتب التالي في مقالته: [منع الخمور الطريق الى المحظور. تحليل سيكولوجي/المثقف/27/10/2016؟

http://www.almothaqaf.com/ab/freepens-18/911096

[في 18 كانون الثاني 2012 عقدت في اربيل ورشة عمل لمناقشة مسودة مشروع قانون المخدرات في الاقليم حضرها وزيرا الصحة والثقافة في حكومة الاقليم ووفدان من وزارتي الصحة والتعليم العالي في الحكومة الاتحادية وقضاة واختصاصيون اخرون. وقد تضمن القانون مادة تقضي بمنع بيع المسكرات. وحين جاء دورنا في المداخلة قلنا ان احد اسباب عدم تعاطي العراقيين للمخدرات هو تناولهم للعرق العراقي .. وعلى حد تعبير (صاحب خبرة): لماذا يلجأ العراقي للمخدرات ولديه حليب السباع!] انتهى

وكان قد ذكرها قبل ذلك بأربعة أعوام تقريباً في مقالته: المخدرات .. حرب استهداف القيم وتفكيك المجتمع.. دراسة اجتماعية ـ سياسية/المثقف 19/01/2012

http://www.almothaqaf.com/qadayaama/qadayama-09/59916

اذن من اين اتى أ. د قاسم حسين صالح بتلك الأرقام التي تضمنتها تلك الورقة المكثفة التي طرحها في مؤتمر علمي وندوة علمية؟

الجواب هو من قناة الجزيرة/ 07/10/2010 بقلم/ علاء يوسف من بغداد. الرابط

https://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2010/10/7/%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B4%D9%81%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%85%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82

استغرب مؤتمر علمي وندوة علمية وعلماء في عام 2019 يتداولون ارقام عام 2009 ومصادرهم قناة الجزيرة التي عليها آلاف علامات الاستفهام ...أي مؤتمر علمي كان. وكيف قبل "العلميون" ان يكون في مؤتمرهم العلمي مثل هذا الطرح غير العلمي...ومع ذلك،

 من أصل: مجموع (40) مليون انسان عدد سكان العراق "حسب المتوفر من الاحصائيات" هناك هذه الأرقام التي لا يمكن ان تعتمدها أي دراسة فهي ربما الأقل عالمياً وربما لا يُعترف بها لأنها بدون ما يعززها...إن إطلاق هذ العبارة "المجتمع يتعاطى المخدرات" تَّجني على المجتمع وعلى شباب المجتمع وبالذات انه صادر من متخصصين او دُعاة تخصص وبدون ما يؤيدها...اعتقد ان هكذا طروحات تسيء للطارح ولمنزلته العلمية ولكل من يقف او وقف معه او سكت ويسكت سواء من حضور ذلك النشاط او من قرأ هذه المقالة. نعم ان خطر انتشار المخدرات قائم والعراق مستهدف ومستعد ومهيئ وهو ليس استثناءً من كل دول العالم. واعلاه تقرير الأمم المتحدة بخصوص المخدرات لسنة 2017 يتضمن انتاجها وخرائط طرق نقلها والكميات المضبوطة منها والدول الأساسية فيها يعطي القارئ صورة مجسمة عنها مع أسماء من ساهم وشارك في هذا التقرير الشامل المعتمد ومن أشرف عليه وطبعاً ليس من بينهم من شارك او ساهم في المؤتمر العلمي والندوة العلمية التي أشرف عليهما أ. د قاسم حسين صالح ويبدو ان الفعاليتين لم يتم فيهما التطرق لهذا التقرير. """حسب ما منشور عنهما"""

لقد تركت تعليق على المقالة كنت اقصد به لفت نظر أ. د قاسم حسن صالح الى خطورة ما ورد فيها...وقد اجابني برد عجيب غريب سأتطرق للتعليق و الرد لاحقاً... و تعمدت التأخر في مناقشة هذه المقالة لأكثر من50 يوم (تاريخ نشرها في 02/07/2019) لفسح المجال امام أ. د قاسم حسين صالح لتدارك الانحراف الخطير، الجريمة العلمية الذي كانت عليه كلا الفعاليتين وكذلك لإفساح المجال أمام من شارك في هذه الجريمة العلمية ليعيدوا تنظيم ما ورد فيهما او ان يتدخلوا جميعاً او فُرادا لدى المواقع والصحف والجمعيات والمنظمات التي نشرت هذه المقالة اما لسحبها او إضافة تعليق عليها يصححون فيها ما يعتقدون انه ضروري او يعتذرون عن الأخطاء الكبرى التي وردت فيها او ان يطلبوا الغاء نشرها لكن دون جدوى كما يبدو وكالسابقات!!!!!

2 ـ دولة تتعاطى السرقات: هذا الطرح والذي قبله يؤشر حالة انفعال لا يجب ان تنطلق من خبير بعلم النفس ومؤسس ورئيس جمعية طبية نفسية... يمكن ان يُطلق من غير متخصص غير واعي لكن ان يُطلق من قبل أستاذ متخصص بموقع بروفيسور فهذا مع الأسف يثير القلق. ان هذا الطرح ليس فيه حرص لا على العلم ولا على المجتمع ولا على الدولة. يعرف أ. د قاسم حسين صالح معنى الدولة... هل توجد دولة سارقة من كل دول العالم؟ الجواب لا اعرف.

والأغرب ان أ. د قاسم حسين صالح أنهى المقالة "الورقة المكثفة" بمقطع غريب ويتناقض في جزء منه مع جزء من عنوان المقالة حيث كتب التالي: [المجتمع يتعاطى المخدرات والدولة مشغولة بالسرقات] انتهى

فبعد ان كانت الدولة كما في عنوان المقالة "تتعاطى السرقات" أصبحت في ختام الورقة المكثفة "مشغولة بالسرقات" والفرق كبير حيث يمكن ان يُفسر الانشغال بالسرقة ان الدولة تعطي أهمية كبيرة لمكافحة السرقات لان السرقة أكبر وأكثر تأثيراً وأخطر من المخدرات وربما هي من نتائج تلك السرقات او شكل من اشكالها.

ماذا سيكون موقف أ. د قاسم حسين صالح لو حضر غداً مؤتمراً علمياً عالمياً عن المخدرات وعُرضت فيه هذه الورقة او اسْتُعرضت بعض فقراتها في المؤتمر وطُلب منه توضيح لذلك او سأله أحد الحضور كيف أن: المجتمع يتعاطى المخدرات والدولة تتعاطى السرقات؟ او ما الفرق بين دولة تتعاطى السرقات ودولة مشغولة بالسرقات وبالذات إذا تُرجم ذلك الى لغات عالمية؟

لو طُرح هذا الطرح أي شخص في الكثير من بلدان العالم وبالذات بموقع علمي "بروفيسور" لتعرض لحملة إعلامية كبيرة ويُطالب بتقديم ما يدعم به أقواله من وثائق مصدقة لا تشوبها أي شائبة، وتستمر تلك الحملة وربما يتقدم من يعرض هذا الطرح على القضاء او قد يُعرض على لجان في البرلمان او منظمات غير حكومية لأن أي وثيقة لا يمكن لها ان تتطرق لهذه العبارة حتى لو كان 50% من المجتمع مدمن مخدرات او يتعامل بها والسبب هو ان ال 50% الأخرى افرادها سيتقدمون باعتراضات شديدة على هذا" التعميم"...

 يمكن ان يُطرح هذا الطرح على الهامش او خلف الكواليس او همساً بين البعض او في المقاهي وقد يظهر اثناء النقاشات لكن ان يكون عنوان لخلاصة مكثفة لنشاطين علميين وبتوقيع بروفيسور في علم النفس ورئيس الجمعية النفسية العراقية وما يحمل من درجات علمية وشهادات وتكريم ومواقع فهذا خطيرو يثير علامات استفهام كثيرة ويطرح أسئلة وشكوك، فالدولة هي المسروقة اليوم وليست سارقة.

وهي مناسبة لأقول بان السيد علي التميمي تفضل بأن ترك تعليق على مقالتي :حالات الانتحار في العراق (4) تطرق فيه الى هذا الموضوع "سأحصر التعليق فيما تطرق به الى عنوان مقالة أ. د قاسم حسين صالح" حيث كتب التالي: [...الا ان الدكتور قاسم اصر على منهجه الخاطئ والذي ظهر واضحا وجليا في مقالته الاخيرة (في العراق... المجتمع يتعاطى المخدرات والدولة تتعاطى السرقات) فقد نسب تعاطي المخدرات للمجتمع العراقي وهذا تعمد واضح في تعميم الظاهرة على المجتمع العراقي حسب ما يوحيه العنوان، وايضا نسب السرقة للدولة العراقية وهذا هو الاخر تعميم واساءة للدولة العراقية، وقد رددت عليه وسجلت ملاحظاتي حول الفرق بين مصطلح الدولة والحكومة وقلت له ان الذي يسرق هو الحكومة - بعض رجالات الحكومة - وليست الدولة، لكن الدكتور قاسم لم ينشر ردي على مقالته للأسف الشديد""] انتهى

وكان جوابي على تعليق الأستاذ علي التميمي هو :[ انا اعتبر النقد كما التحية فواجب الرد عليها محبب على اقل تقدير...لا شيء يمكن تغطيته في عالم اليوم، عالم الارشيف المتواجد في كل لحظة و بأوسع مجال...اليوم ليس الامس الذي كانت المقالة او الدراسة تُنشر في صحيفة واحدة و بتدخل من هيئة التحرير و من ثم يَّطلع عليها البعض القليل و تُرْكَنْ في ارشيف الصحيفة الذي هو عبارة عن رفوف تغطيها الاتربة و تعيش عليها/فيها الجرذان بحيث لا يجازف بالمرور عليها الكثير من القراء و المتابعين واذا كانت المصادر سابقاً محدودة و صعب الوصول اليها اليوم هي من تطرق الابواب بأساليب جذابة...عليه كل شيء يُسجل مع صورة صاحبه و التاريخ بالثانية و من لم يرد ذلك يأكل من جرفه فالمد عالي و الكلام و الكتابة ليس عليها رقيب اليوم الا الضمير و الاحترام...اشارتك استاذي الفاضل الى عدم الرد لمستها من اخرين ايضاً و هذا غير مرغوب فيه . وهذا شأن بعض الصحف الملتزمة وبعض المواقع التي لم تنشر ردودي ايضاً ليس تحت طلب هذا او ذاك والاستاذ الدكتور بريء من ذلك لكنها المجاملات... كان لي تعليق على مقالة أ. د قاسم حسين صالح الاخيرة حول المخدرات] انتهى

بالمناسبة وهذا ليس في سياق موضوعة المخدرات انما في سياق ما طرحة السيد علي التميمي من تعمد أ. د قاسم حسين صالح عدم نشر بعض التعليقات  ولو ان هذا ما يسمح به النشر وله الحق في ذلك لكن أتمنى عليه ان يترك هذه غير المفيدة وبالذات عندما يكون التعليق وفق أصول التعليق و يخص ما ورد في المقالة ... يمكن له ان لا ينشر التعليق لكن عليه الاستفادة منه وحصل معي في اخر مقالة له  حيث نشر أ. د قاسم حسين صالح مقالة تحت عنوان: [مواقف المرجعية الصبر الى الإنذار المبين وحقائق محرجة]/المثقف/13/08/2019 ذكر فيها التالي: [بين خطابين للمرجعية في شهرين، تحول كبير في موقفها من الطبقة السياسية. ففي (10 مايس 2019) القى الشيخ عبد المهدي الكربلائي في اول يوم جمعة من شهر رمضان دعا فيها الى الصبر واللجوء الى الله والاعتقاد (بأن لي رب قادر وحكيم ورحيم وعطوف بي وحنون عليَّ هو سيعينني على ان اتجاوز هذه المشاكل والازمات). وفي جمعة (9آب 2019) القى الشيخ احمد الصافي خطبة فيها تساؤلات من جزع ونفد صبره...الخ] انتهى

فكتبت له تعليق ذكرت له فيه ان هناك خطأ بسيط في المقالة وهو ان الفترة بين 10 مايس 2019 و9 اب 2019 ليست شهرين انما ثلاثة أشهر كنت أتوقع أن يجيبني شاكراً او على الأقل ينشر التعليق او ان يرجو من هيئة التحرير تصحيح هذا الخطأ البسيط او يكب التصحيح في حقل التعليقات او يعالج ذلك في المواقع الأخرى التي نشر فيها بعد ذلك...لكن جوابه كان عدم الاهتمام بكل تلك الأمور فلا نشر التعليق الذي ضمنته تهاني بعيد الأضحى ولم يطلب تصحيح الموضوع... مع العلم ان المقالة كانت قد نُشرت في مواقع عديدة ولم اجد من نبه الدكتور قاسم على ذلك. وهو القائل في مقالته: العراقيون..وسيكولوجيا الاعتذار و الخلاف مع الأخر/المثقف/ 13/05/2019

 [ومشكلة السياسي العراقي أنه مصاب بـ(تضخّم الأنا) وحب الشهرة.. بمعنى أنه يرى نفسه الأجدر والأحق بالقيادة. وما لا يدركه كثيرون انه ينجم عن هذه العلّة أمراض سلوكية أخطرها (العناد العصابي).. وتعني الأصرار على الموقف حتى لو كان خاطئا، بطريقة يبدو فيها للآخرين محيّرا، وخالقا لأزمات تحدث فوضى فكرية يختلط فيها خطأ وصواب أطراف الأزمة.. وأحداث  ما بعد 2003 تثبت ذلك...] انتهى

وفي مقالته ثقافة الاعتذار/المثقف/15/04/2014 كتب: [وبالصريح، فان العراقيين يستنكفون من الاعتذار، وهم معذورون لأنهم يرون فيمن يفترض انهم قدواتهم لا تعتذر، أعني المسؤول السياسي، والمعلم، والمدرس، والاستاذ الجامعي فضلا عن الصراعات السياسية الأخيرة التي افرزت اصطفافات اشبه باصطفافات العسكر في الجبهات الكل مشحون بالهجوم على الآخر] انتهى

تعليق على التعليق: أقول نعم فيما ذهب اليه الأستاذ علي التميمي...لا نقول مطلقاً ان "مجتمع يتعاطى المخدرات" حتى على المجتمع الافغاني الذي قيل عنه الكثير او المجتمع في كولومبيا او المجتمع الأمريكي الذي تنخر به المخدرات ولا على المجتمع المصري الذي سمعنا الكثير عن موضوع المخدرات فيه...ان هذا الطرح عيب علمي/ثقافي.

ونعم حول موضوع الدولة والحكومة فالدولة "هي المسلوبة المسروقة" ويتهمها أ. د قاسم حسين صالح بأنها تسرق...هذا عيب علمي/ثقافي ايضاً...والعيب هنا هو طرح كلام غير موزون ولا يُقَّدرْ وقعه ولا يُعرف تأثيره على المجتمع...

و أ. د قاسم حسين صالح كان قد كتب في مقالته: لأن العراق أصبح اشبه ب"المنهوبة" /المثقف/15/03/2014 التالي: [وما يوجع، ان العراق منهوب ليس في ثرواته فقط بل وفي قيمه واخلاقه وسلطاته الثلاث وحاضره ومستقبله. وصار لا ينطبق عليه مفهوم الدولة الذي نجم عن غيابها أمران خطيران: تراجع مفهوم الشعور بالانتماء للوطن لصالح تقوية مفهوم الهويات الطائفية والقومية والدينية التي تفرّق المجتمع .. وانشغال النخب الحاكمة بمصالحها الشخصية وتقاسم الثروة التي تسدّ الأفواه ما دام جمعهم يتنعم] انتهى

يتبع لطفاً

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

مجدي ابراهيمشاعت في مصر منذ سنوات ثورة صُحفية على اللغة العربية بين مؤيّد ومعارض، حول كتاب كان ظهر يومها بعنوان "لتحيا اللغة العربية .. فليسقط سيبويه"! نحن لا ندري بالحقيقة: علام استقرت فيها النوايا؟! أإلى خمود ووجوم وعزوف وإعراض، ثم اعتبار هذا الذي حدث كله مثل "زوبعة في فنجان"! أم إلى تفجير طاقات العمل الجاد نحو ما ينبغي عمله إزاء اللغة التي ندين لها بالهُويَّة والمحبة والتواصل والعرفان؟!

فلئن كانت "الثورة" أسفرت عن ركود وضمور، كأن ما حَدَث لم يكن من الأصل قد كان، فهو اللعب الفارغ بالضمائر والعقول، والتسْرية التي لا موضع لها ولا ضرورة فيها في هذه المرحلة الزمنية الحرجة التي تفترض التماسك والترابط والتخلي عن الشكليات الباردة في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى حفظ الهُويَّة معصومة من عوامل التشتت والتمزق والبلبلة والتفريق.

ولئن كانت "الثورة" قد أنتجت نظاماً تجديدياً يمنح الواقع المصري قوة بعد ضعف، وتماسكاً بعد فُرقة، وإعادة بناء في العملية التربوية والتعليمية بعد قشور فارغة وسلبيات مستشرية؛ فهو المُراد بالتغيير المرجُوِّ وهو الأمل المأمول بكل تأكيد. وأغلبُ الظن عندي أن هذا الافتراض الأخير لا يمسُّ الواقع الفكري والثقافي ولا حتى الواقع الفعلي بكل ضروبه في شيء، كائنة ما كانت مثل هذه الثورات المفتعلة التي تقوم في الأغلب الأعم بغير روح مسنودة على كيفية الوعي المدرك لفكرة التغيير، بل تتكاتف فيها أنظمة التعصب والشللية البغيضة، وألاعيب صبيانية صغيرة تفترق أحياناً وتجتمع، ولكنها حين تجتمع لا تجتمع إلا على سوء ما اجتمعت عليه.

أغلبُ الظن عندي مرة ثانية؛ أن الذي حدث منذ سنوات كان "مقامرة لاهية" بين فريقين، أحدهما: لا يجد ما يقوله إذْ يعتمد على فضول القول وقشور الآراء فيما يأخذ من هنا ومن هناك مادةً قديمة لا يُعمل فيها عقله ولا فكره ولا ضميره ولا روحه، قد سبق أن أثارها الناس ولا يزالون يثيرونها بين حقبة وأخرى؛ تحت حجة التجديد المختلق وذريعة التطوير الذي تفرضه الضرورة العملية. وإنه لاضطراب يُشاع من أجل تفتيت مقومات الأمة العربية والإسلامية في أعز ما تملك، بادئ الرأي فيه سلامة النية، وباطنه على التحقيق حملة عنيفة كاسحة (أو إنْ شئت قلت: حملة كاسدة) بدأت مع طلائع حملات التبشير الذي سبق الاستعمار الغربي للبلاد العربية والإسلامية، بل استعمار الشرق كله فيما لو استطاع، يهدفُ إلى تدمير اللغة العربية، ومحاربتها بأشد صنوف المحاربة، والاعتداء على حرمتها؛ وبخاصّة إذا كانت هى لغة القرآن: لغة الدين ورمز الوحدة التي يريدون لها أن تتفرّق فلا تعود أبداً لا تعود !

هذا هو الفريقُ الذي أثار الزوبعة القديمة فقالوا عنه غافلين: إنه ألقى بحجر في مياه راكدة. وفي الحق؛ ما كانت مياه اللغة لدينا أبداً راكدة، بل نحن أبناء العربية .. نحن الراكدون!

أما الفريق الثاني؛ فهو الفريق المدافع عن اللغة الغيور عليها، وينقسم هذا الفريق إلى قسمين: الأول؛ تشتمُّ في كتاباته رائحة المجاملة على حساب الولاء للقيم وتخفيف حدة البيان المضاد الذي من شأنه إزاء الكوارث أن يشتد ويحتد ولا يعرف - من ثمّ - مثل هذه "المحسوبية" الخبيثة؛ ولو جاءت من الصديق، والعزيز، والأخ، والأستاذ. وعذر هذا القسم من ذاك الفريق أنه يحسب أن معارضة الاجتهاد غبنُ للمجتهدين، ولو فطن إلى الحقيقة لأدرك أنها فوضى من فوضى، ولها بالفوضى نسبُ عريق.

أما القسم الثاني - وكاتبُ هذه السطور منهم - فهو الذي يرفض رفضاً باتاً وقاطعاً كل محاولات المساس باللغة في قواعدها وإعرابها واشتقاقاتها، وإيحاءاتها ودلالاتها، أو تحويلها إلى عامية تافهة، ولا يعيب اللغة في ذاتها بمقدار ما يعيب المنتسبين إليها ممن صرفوا عنايتهم كلها نحو الدِّعة والاستكانة وهاموا بعيداً عن أصولهم هيام السوائم نحو ما يشتهون؛ فإذا باللغة وقد تبدَّت عندهم جوامد صخرية صلبة تحجَّرت فلم تتطور منذ أن نزل بها القرآن الكريم، الموصوف من قبيل الله تعالى باللسان العربي المبين.

كانت لغة العرب قبل القرآن هى ترْيَاقهم وحياتهم الروحية والشعورية، وهى إعجازهم وتفردهم بها بين الأمم؛ ولما أن نزل القرآن الكريم زادها إعجازاً، ونزل بالإعجاز فيما تميزوا به، ولكنه الإعجاز الذي يُعجز العاجز عن البيان أن يسيغه ويتذوقه ويتحلَّاه. ومن هنا؛ فقد أراد من أراد للغة أن يجمِّدها ويحجِّرها، نظراً للعِيِّ الذي لا يرقى قط إلى بلاغة البلغاء، ونظراً للجهل وللغفلة، ونظراً للنكوص وللتردي.

أقول؛ أراد من أراد للغة أن تتوقف وتجمد ويُسْتبُدَل مكانها، ولا تجري جريانها على الألسن والقلوب كما كانت تجري سليقة وتذوقاً يوم مهدها وعنفوانها وقوتها وحيويتها من غير أن يعيقها عائق من طبع النفس أو من سليقة الذوق والأداء، ومن غير أن يصدَّها تغرير العجز والعيّ تحللاً من القواعد والأصول.

يريدون أن يجدِّدوا فيها القوالب المتحجِّرة أو لعلهم يكسروها لو استطاعوا، ولسان حالهم يقول:"إنّ لغة القرآن ثابتة كما الحجر لا تواكب تطورات العصر الحديث بكل ما فيه من كشوفات العلم واختراعات التجارب الجديدة". ما هذا السَّفه؟! وما دخل العلم الحديث: كشوفاته واختراعاته بذوق اللغة العصرية؟!

كل شيء تريدون أن تقحموا العلم المادي فيه، كل شيء؛ فبدلاً من أن تلوموا أنفسكم الوانية، وتنعوا عليها فقدان الإحساس بجمال الكلمة العربية، تثورون من فوركم عند أقرب زوبعة عارضة على اللغة الشاعرة: ألفاظها ومعانيها، وإعرابها ونحوها وصرفها، وثراؤها اللفظي الخصيب.

كثيرون هم الذين يزعمون لأنفسهم أنهم مجددون لأنهم يغيرون الألفاظ من سياق قديم إلى سياق جديد، ويقتصرون في تجديدهم على المباني اللفظية ناسين أو متناسين أن التجديد في الواقع يقع على الروح: الروح هى التي تبدع الفكرة، الروح هى التي تحتمل أن يكون فيها التجديد لأنها هى مصدر الفكرة الخلاقة، وليس التجديد مطلقاً ينصب على المبنى، ولن يكون تجديداً وهو مُجَرَّد تغيير في طريقة التركيب اللفظي وكفى. إنّ هذه التقاليع الغريبة إنما هى كزازة طبع يعافها وعي الإنسان المضبوط بضوابط الإدراك العلوي، لا ريب أن الروح التي تنبض شاعرة بهذا الوعي لهى التي تجدِّد ثم تعطي التجديد حقه من العناية والرعاية فيما لو شاءت تلك الروح أن تعطي هذا المستوى من "إدراك القيمة" في الوعي، وفي العقل، وفي التطبيق.

وأنا بدوري في تلك الخطوط العريضة من هذه الدراسة, لست أنوي مطلقاً أن أردَّ على ما كان جاء في الكتاب السالف الذكر, فقد سبق لي الرد عليه في حينه يوم نشرت مقالاً بالأهرام المسائي بتاريخ (7/9/2004 م)، هادماً بذلك فكرة الثورة التي أثارها الكتاب (لتحيا اللغة العربية فليسقط سيبويه) يوم ذاك من أساسها؛ غير أنه كان هدماً في إطار القيم، وفي مستوى ما كانت تعالجه الفكرة المعروضة في حينها، ولكنني أنوي أن أضع خطوطاً رئيسة واضحة، نستطيع من خلالها أن نستخرج قيماً من اللغة تتحدث عن ذاتها، وترد على من يهضمها حق الرد أو حق البقاء بين شعوبها وأبنائها.

إنا لنتناول بعض الملامح التي لا يستغني عنها العربي إذا هو أراد للغته أن تنهض، بمقدار إرادته لعروبته أن تحيا في نفسه وفي نفوس الآخرين حياة طيبة مُعَافة من اللغط يحترم فيها هذه النفس ما بقى على قيد الحياة، وبمقدار ما يستشعر الضرورة الواجبة نحو لغة قومه ووطنه وبلاده، وهى ضرورة تدفعه دفعاً إلى مزيد من معرفة لغته وإلى مزيد من حرص عليها وعلى أسرارها ورفعتها بين قومه، وتطورها مع عوارض التطور الذي لا تخلو منه لغة من اللغات البشرية.

إنما اللغة تسامح؛ واللغة فكر، واللغة أدب العروبة الأصيل، واللغة علاقة حميمية بين كاتب يبدع وقارئ يتلقى على أريحية الصفاء والموافقة مثل هذا الإبداع، واللغة إدراك لكل المزايا العربية، والحفاظ عليها حفاظ في الوقت عينه على تلك المزايا في الوجدان العربي، والانخلاع عنها انخلاع في نفس الوقت عن ربقة العروبة والوطنية والدين والأصالة على التعميم.

هل تصدِّق لو قلتُ لك: إنّ ظواهر العنف ومشاكل العصبية تـُرَد في أول مقام إلى "اللغة"، وأنه كلما اتَضعت اللغة وانحط استخدام الناس لها زادت بينهم العداوة والبغضاء، وتمادوا في العنف إلى أسفل درجة، وكثرت مشاحناتهم على غير سبب معقول أو مقبول حتى ليقالُ عنهم إنهم: إرهابيون لا يعرفون الرحمة، ظلاميون لا يرون النور، جاهلون لا يأخذون بالعلم، متخلفون لا يدركون عوامل التقدم، متعصبون لا يفهمون التسامح، مستبدون لا ينشرون الحرية، ضعفاءُ لا يعرفون القوة، مرضى لا تبدو عليهم علامات العافية، فقراءُ لا يدركون الاستغناء، عجزة لا يقتدرون على البناء، مفلسون بضاعتهم الكلام، جبناءُ لا يملكون الشجاعة، مقلدون لا ينشدون التجديد، مفسدون لا يأمِّلون الإصلاح، دكتاتوريون لا يطيقون الديمقراطية، منغلقون لا يقصدون الانفتاح، متشددون لا يعرفون التسامح، انعزاليون لا يبتغون المحبة، عدوانيون لا يحققون السلام، أشرارُ لا تتقدم لديهم مقاصد الخيرية قيد أنملة !

كلُ هذا، وكثير غيره، من اللغة، وفي اللغة، يظهر!

هل تصدق لو قلتُ لك: إن العنف مرتبط بالفساد اللغوي, وإن فساد اللغة بين أهلها لهو عين مظاهر الإرهاب والظلام والجهل والتخلف والضعف والمرض والفقر والجُبن والعجز والإفلاس والتعصب والاستبداد والشرور التي قَلَّ أن يحصيها قلم أو تعددها كلمات؟

كل فساد مرهون بالتحلل من القواعد، وكل انحراف عن الجادة مرَدَّه إلى انحراف عن المعنى والدلالة والقيمة والوجود الحق والحقيقة الباقية، وكلما انحرفنا عن المعنى لم يبق لنا إلا القشرة السطحية والغلاف البرَّانيِّ، وضاق بنا الوجود تحت شمس الفكر المستنير والحرية المسئولة فألتمسناه في المضايق المتحجرة من ظلمات الجاهلية البعيدة السحيقة المتخلفة!

وليس من شك في أن مكانة اللغة لهى من مكانة الشعوب، تتخذ قوتها ونشاطها وتقدمها، وكلما اهتممنا بمكانة لغتنا فينا، اهتممنا تباعاً بمكانة وجودنا على هذه الأرض حتى إذا ما أردت أن تعرف قيمة الشعوب العربية الآن - كيما تعرف مكانتها بين الأمم -  فما عليك إلا أن تنظر إلى حال لغتها: ماذا عَسَاهَا تكون بين عقلاء أبنائها ناهيك عن وضعها بين من لا يتخذون العقل قبلة لهم وهداية؟

فإذا أنت وجدتها مُهلهلة مخلخلة تافهة ساقطة، فاعلم من فورك أن الشعوب العربية بمثل تلك الصفات من التدهور والانحلال والتفاهة السقوط وخلخلة الصفوف، وبخاصة خلخلتها في منظومة القيم، وأهمها وأقربها في هذا السياق "قيمة اللغة".

أنا لا أعقلُ أمة قوية ناهضة تمضي بعزم في طريق الأسوياء الأصحاء الناهضين، ثم تهدم أخص خصائص هُويّتها بيدها وبيد أبنائها: تهدم ماذا؟ تهدم اللغة بمقدار ما تهدم الفكر؛ ففي هدم اللغة هدمُ للفكر بكل تأكيد. ولما كان الفكرُ هو اللغة، وكانت اللغة هى وعاء الفكر؛ فلا ريب صار هدمها للغة هدماً لطريقة التفكير والتعبير، بمقدار ما هو هدم في نفس الوقت للمواطن الحيوية الفعالة في وعي الفرد ووعي الجماعة على السواء؛ إذْ بفقدان اللغة يفقدُ العربي طريقة تفكيره، ويفقد خصائص هذا التفكير وأصوله ومبادئه وثوابته التي تقوم عليها ثقافاته وحضارته، أي يفقد أيديولوجيته؛ وإذا فقدت منه أيديولوجيته، فقدت حياته الحيَّة القويَّة والمؤثرة كلها على الجملة فضلاً عن التفصيل؛ لأن فقدان الأيديولوجية معناه فقدان الهُويَّة الخاصة المميزة له دوناً عن سواه. (وللحديث بقيّة).

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

زهير الخويلدي"إذا شاورت العقل صار عقله لك"

ولد ثابت ابن قرة في حران بالشام سنة 836 ميلادي وتوفي في بغداد سنة 901 ميلادي وتتلمذ على يد بني موسى وعمل بالجماع الكبير بحران ولكنه أسس بالرقة مدرسة عليا لتعليم الفلك والفلسفة وراسل أبي القاسم عبيد الله ابن سليمان واسماعيل ابن بلبل وناقش في مؤلفاته سقراط واقليدس وساهم في تكوين عدة علماء هم البتاني وسنان ابراهيم وقرة بن قميطاء وأيوب ابن قاسم وابراهيم ابن زهرون وأسير بن عيسى.

أتقن ابن قرة الى جانب العربية اللغتين الاغريقية والسريالية وترجم الكثير من الرسائل في مجال الفلك والرياضيات وخاصة هندسة المخروطيات لأبولونيوس وأرخميدس واقليدس وبطليموس وعمل على تنقيح ترجمات حنين ابن اسحاق حول اقليدس والمجسطي والجغرافي لبطليموس وترجم رسالة أرخميدس التي يصف فيها الأجسام سباعية الأضلاع والتي بقيت مهملة الى أن تم اكتشافها وتحقيقها في القرن العشرين.

برع ثابت ابن قرة في الهندسة والعدد والموسيقى والمنطق والفلك والفلسفة والطب وكان قد حصل على وظيفة في بيت الحكمة في الزمن العباسي مكنته من ممارسة الترجمة ولذلك أسهم في اثراء المكتبة العربية بالعديد من الرسائل أهمها: كتاب المدخل الى علم العدد الذي ينسب الى نيقوماخوس الجاراسيني وكتاب مختصر في علم النجوم ومقالة في حساب خسوف الشمس والقمر وكتاب في الأنواء وكتاب في حركة الفلك وكتاب في ما يظهر من القمر من آثار الكسوف وعلاماته وكتاب في تركيب الأفلاك وكتاب في الهيئة وكتاب في الموسيقى وكتاب في تسهيل المجسطي وكتاب المدخل إلى المنطق يستعيد أرسطو وألف في الميدان الطبي كتابين الأول حول أوجاع الكلى والمثاني والثاني حول المولودين في سبعة أشهر. غير أن عبقريته بدت واضحة في مجال العدد والهندسة وكان قد ألف في الرياضيات كتاب المدخل الى اقليدس وكتاب في  المثلث القائم الزاوية وكتاب المختصر في علم الهندسة وكتاب في المربع وكتاب في المسائل الهندسية وكتاب في العمل بالكرة وكتاب في قطع الاسطوانة وكتاب في قطوع الاسطوانة وبسيطها وكتاب في مساحة الأشكال وسائر البسط والأشكال المجسمة وكتاب في تصحيح مسائل الجبر بالأدلة الهندسية وكتاب في أن الخطين المتساويين اذا خرجا على أقل من زاويتين قائمتين التقيا وكتاب في المخروط المكافئ وكتاب في الشكل المقلب في القطاع وكان له السبق في المزج بين علم العدد وعلم الفلك وأول من توصل إلى عد طول السنة الشمسية وكان تقديره 365 يوم وبعض الساعات والدقائق والثواني.

لقد أسند له لقب اقليدس العرب وذلك لجمعه بين العديد من العلوم وخاصة الجبر والهندسة وتمكنه من حل المعادلات الجبرية بالطرق الهندسية وتمهيده لقيام حساب التكامل والتفاضل وكانت له عدة اجتهادات في مجال الهندسة التحليلية قبل ديكارت بعقود وطور نظرية فيثاغورس ودرس للأعداد والأشكال وفرق بين الأعداد الفردية والأعداد الزوجية وبين العدد التام والعدد الناقص والعدد الزائد وأوجد طريقة سهلة تساعده على استخراج الأعداد المتحابة وعالج الأمراض الجلد والرأس والعيون والجنسية والقلب والكلى والمثانة.

في ناهية المطاف ترك لنا ثابت ابن قرة ثروة علمية هامة تركزت في علم الفلك والحساب على رسالة في حساب رؤية الأهلة ورسالة في سنة الشمس بالأرصاد وكتاب في آلات الساعات التي تسمى رخامات. فما تفسير إضاعة الوعي بالزمن وفقدان التقدير الكبير للساعة والتوقيت الذي برع فيه العالم ثابت ابن قرة؟

 

د. زهير الخويلدي

....................

المرجع:

 ثابن ابن قرة، ثلاثة رسائل في علم الهندسة وعلم الهيئة، اصدره فؤاد سزكين، طبع بالتصوير عن مخطوط 948 ، مكتبة كوبريلي، استنبول ، 2018، 116 صفحة.

 

كاتب فلسفي

 

جميل عودةالحقوق والحريات الدستورية في العراق

يعد حق المساواة أمام القانون من الحقوق المدنية والسياسية التي نص عليها الدستور العراقي عام 2005 في المادة (14) منه حيث جاء (العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي).

فماذا يعني حق المساواة أمام القانون للمواطنين العراقيين دون تمييز؟ وكيف يمكن أن يترجم هذا الحق على واقع المواطنين العراقيين؟

إن المساواة لغة: المماثلة والمعادلة قدرا وقيمة. ومنه قولهم: هذا يساوي قيمته درهما. أي يعادل قيمته درهما. وفي حديث البخاري قوله (ساوى الظل التلال) أي مثل امتدا ارتفاعها، وهو قدر القامة. وقال الراغب: المساواة المعادلة المعتبرة بالذرع والوزن والكيل. يقال هذا ثوب مساو لذلك الثوب، وهذا الدرهم مساو لذلك الدرهم.

وأما المساواة اصطلاحا: عدم التفرقة أو التمييز فيما بين الناس على أساس من الانتماء أو الجنس أو التمييز اللغوي والديني أو العقائدي السياسي أو الاختلاف الطبقي الاجتماعي والمالي؛ لأن البشر كلهم متساوون في التكاليف والأعباء العامة، والحقوق والحريات العامة. وتعني المساواة اصطلاحاً أيضا: أن يحصل المرء على ما يحصل عليه الآخرون من الحقوق، كما عليه ما عليهم من واجبات دون أي زيادة أو نقصان، وهي قيمة عظيمة تجعل جميع الأطراف سواء.

وبهذا المعنى يقصد بـ(المساواة أمام القانون) أن يطبق القانون على جميع المواطنين، دون تمييز أحدهم عن الآخر، ولأي سبب كان. أي عدم التفرقة بين المواطنين في تطبيق القانون عليهم، بسبب العقيدة أو اللون أو الجنس أو الأصل الاجتماعي أو اللغة أو الثروة ...

وقد نص الإسلام على المساواة بين البشر جميعا، حيث بنيت المساواة في الإسلام على مجموعة أسس متينة منها المساواة في القيمة الإنسانية، فجميع الناس سواء من حيث المنشأ، لأن أصلهم واحد (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).

وعلى المساواة في التكاليف الدينية، أي الامتثال لما فرضه الله -سبحانه- من عبادات كالصلاة، الزكاة، الصوم، الحج، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... حيث إن الخطاب الشرعي بالإسلام، جاء للناس جميعاً، العرب والعجم، البيض والسود، دون تمييز؛ لأن الله تعالى أرسل محمداً صلى الله عليه واله وسلم للناس كافة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) فالخطاب موجه للناس جميعاً دون تمييز.

وعلى المساواة في الحقوق والحريات العامة، كحق الحياة، والحرية، والتملك، والتعليم، والعمل، والأمن والقضاء...وعلى المساواة في المسؤولية والجزاء، ويقصد بها استقلال كل إنسان في تحمله للمسؤولية، ففي الحُكْم بين الناس لا يجوز التفريق بين الخصمين لأي سبب من الأسباب (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) فلا يجوز أخذ حقوق الناس بمجرد العداوة والبغضاء؛ لأن الإسلام دين العدل.

ويعد حق المساواة من أهم الحقوق التي نص عليها القانون الدولي لحقوق الإنسان، فقد جاء في المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أنه (لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أي نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أي وضع آخر...).

وفيما يتعلق بالحق في المساواة فإن المادة 7 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على أن (الناس جميعا سواء أمام القانون، وهم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حق التمتع بالحماية من أي تمييز ينتهك هذا الإعلان ومن أي تحريض على مثل هذا التمييز).

وفي الواقع؛ فان مبدأ المساواة أمام القانون لا يقتصر أبدا على وجود تشريعات وأنظمة تساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات، ولا تفرق بينهم على أسس مثل الجنس والدين أو المذهب أو اللون أو العنصر وغيره، بل لابد أن تترجم المساواة أمام القانون من الناحية الواقعية.

فيشعر المواطنون أنهم بالفعل متساوون في الحقوق والواجبات، مثل المساواة في استخدام المرافق العامة: فما دام المرفق العام نشاطاً تمارسه جهة عامة في سبيل إشباع حاجة من الحاجات التي تحقق المصلحة العامة، وطالما كان المرفق العام بطبيعة وجوده خدمة للمجتمع ولمصلحة الجميع، فمن الطبيعي لذلك أن يتساوى في استخدامه الجميع من غير تمييز أيّاً كان سببه.

وكذلك المساواة في الوظائف العامة: إذ يجب أن يتساوى الجميع في الدخول إلى سلك الوظيفة العامة في نطاق الرواتب والأجور والترقيات والعلاوات، طالما كانت مراكزهم القانونية واحدة.

وكذلك المساواة في استخدام الأموال العامة: ولأن المال العام مخصص للنفع العام فهو يُستخدم حتماً من قبل الجمهور، وهو ما يُطلق عليه اصطلاحاً تسمية الاستعمال العام للمال العام، وهو يقوم بصفة أساسية على مبدأ مساواة المنتفعين، أي المساواة بين جميع مستخدمي المال العام، ومن ثمّ فإن جميع الأفراد يجب أن يُعاملوا على قدم المساواة في هذا المجال، ما داموا قد تساووا في مراكزهم القانونية.

وكذلك المساواة في التكاليف والأعباء العامة: إن تعبير التكاليف العامة يعني كل النفقات التي تدفع ضمن مصلحة كل أفراد المجتمع، ومن ثم فإن نفقات الدولة وأعباءها تأخذ معنى واحداً في هذا النطاق، إذ تحتاج إلى موارد كافية لتغطيتها، وهذه الموارد يجب أن تُوزع على كل أفراد المجتمع على قدم المساواة، ما دامت تُدفع في سبيل مصلحتهم جميعاً، لذلك لا يجوز أن يتحملها بعض الأفراد من دون بعضهم الآخر.

انطلاقا من ذلك، فان المساواة أمام القانون المكرسة دستوريا يجب أن تكون مساواة فعلية، أي حقيقية بين أفراد المجتمع، ومتحققة أمام القضاء، وأمام التكاليف العامة، ومتحققة أمام الحقوق والحريات، لأن انتهاك مبدأ المساواة أمام القانون يؤدي إلى المخاطرة بكافة الحقوق، فإذا تفاوت خضوع الأفراد للقانون، فمعنى ذلك أن القانون يخضع له الضعفاء دون الأقوياء.

إن المقصود بالمساواة أمام القانون ليست المساواة الفعلية في ظروف الحياة العادية، بل المقصود بها أن ينال الجميع حماية القانون على قدم المساواة دون تمييز في المعاملة، أو في تطبيق أحكام القانون عليهم.

ويجمع فقهاء القانون أن هناك نوعين من المساواة أمام القانون؛ الأول يتمثل في المساواة العامة في الحقوق والالتزامات، ومن ذلك الحق في الحياة والحق في الأمن الشخصي وغيره، فمثل هذه الحقوق يجب أن يتمتع بها الناس بصورة متساوية، بينما النوع الثاني يكون في المساواة بين فئة من الناس، فالتعيين في مهنة الطب مثلاً لا يتمتع بها إلا الأطباء الذين يحملون شهادة طبية معترف بها قانوناً، فلا يجوز لشخص أن يطالب بتعيينه طبيبا دون أن يحمل شهادة الطب، وعليه إذا تقدم شخصان لشغل مهنة الطب، فينبغي تعيين الأكفاء منهم طبقاً للمعايير التي حددها القانون.

حيث يؤكد الواقع الاجتماعي حقيقة وجود فوارق بين الأفراد من الناحيتين الطبيعية والاجتماعية، يتحتم الأخذ بها والتعامل معها بصور مختلفة وموجبة في القواعد القانونية، وتبرر وضع أنظمة قانونية مختلفة، بحسب اختلاف المراكز والوضعيات القانونية.

والسؤال هنا؛ هل استطاعت الحكومات العراقية تطبيق النص الدستوري (العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي)؟ أم أن النص طبق جزئيا؟ أم بقي دونما تطبيق؟

قد يحصل التجاوز على مبدأ الحق أمام القانون من السلطة التشريعية ذاتها، وقد يكون من السلطة القضائية، وقد يكون من السلطة التنفيذية، كما قد يقع هذا التجاوز من الأفراد العاديين.

وفيما يتعلق بالسلطة التشريعية، فقد جاء في الدستور العراقي أن كل قانون يعد باطلا إذا كان يتعارض مع النص الدستوري، كون هذا الدستور هو القانون الأسمى والأعلى في العراق. والضمانات العملية لذلك أن الدستور العراقي نص على تأليف (المحكمة الاتحادية) وهي المحكمة التي تتولى مجموعة من المهمات منها تفسير نصوص الدستور والرقابة على دستورية القوانين والأنظمة والفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية، والفصل في المنازعات بين الحكومة والأقاليم أو بين الأقاليم والمحافظات، وكذلك الفصل في الاتهامات الموجهة لرئيس الجمهورية والى رئيس الوزراء وجميع الوزراء، والمصادقة على نتائج الانتخابات. وقد أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن المطالبة بعدم دستورية قانون أو نص فيه حق يمارسه أي مواطن بموجب الحريات الواردة في الدستور، مشيرة إلى أن أحكامها وقراراتها ملزمة كافة بغض النظر عمّن أقام الدعوى أمامها.

وفيما يتعلق بالسلطة القضائية؛ فلا شك أن تحقيق العدالة يقترن دائما بالقضاء، وصلة المساواة بالعدالة صلة وثيقة، إذ أنه في أحيان كثيرة يتوقف تحقيق العدالة على تطبيق المساواة بين المتقاضين. ويتحقق مبدأ المساواة أمام القضاء من خلال المساواة في اللجوء إلى القضاء، وعليه لا يكون دستوريا حينما يمنع الأفراد من ممارسة هذا الحق. والحق في إجراء محاكمة وفقا للإجراءات نفسها، طالما يوجد تماثل في مركز المتقاضين والمساواة في الضمانات المكفولة للمتقاضين.

ومن حيث المبدأ العام نجد أن القضاء العراقي ملتزم بتطبيق مبدأ المساواة بين المواطنين أمام القضاء، وأن المواطن يستطيع أن يقدم شكواه على من يشاء أمام القضاء دونما تمييز، ويستطيع أن يختار المكان والمحكمة ذات الاختصاص دونما تمييز أيضا.

ولكن يحصل دائما أن المساواة أما القضاء تخرق من طرف المحاكم العراقية في تفاصيل القضايا وجزئياتها، وتخرق من بعض القضاء الذين يقعون تحت تأثير جهات سياسية أو مالية أو دينية...، كذلك يخرق من الموظفين الإداريين الذين يتحكمون بمجريات الدعوى وسيرها القضائي. فيشعر المواطنون المتقاضون أن المحاكم لا تعدل بينهم بالسوية، ولا تحقق العدالة المبتغى.

وفيما يتعلق بالسلطة التنفيذية، فان مبدأ المساواة أمام القانون يخرق مرتين؛ الأولى من حيث تشريع أنظمة وقرارات وتوجيهات وزارية، وتعليمات وإجراءات إدارية، تكون مخالفة لمبدأ المساواة أمام القانون، ويجري تطبيق هذه الأنظمة والقرارات والتوجيهات دونما اعتراض من أحد.

والثانية من حيث تطبيق مبدأ المساواة بين المواطنين في المؤسسات العمومية، سواء في التعامل مع المواطنين أو في الإجراءات التي تأخذ طبقا لذلك. وسياسات اللامساواة التي تمارسها السلطة التنفيذية قد تكون معلنة إلى حد ما، وقد تكون خفية يمارسها المسؤولون والإداريون المقربون منهم، فيحابون هذا على حساب ذلك من حيث الجنس أو القومية أو الطائفية أو المناطقية ...

ونخلص مما تقدم الآتي:

1- إن المساواة أمام القانون تعني عدم التمييز بين الأفراد على أي أساس، فالتمييز بين الأفراد القائم على أساس الجنس أو اللغة أو اللون أو العرق أو الأصل هو إخلال بمبدأ المساواة.

2- إن المساواة أمام القانون ليست مساواة مطلقة إنما هي مساواة نسبية، أي أن تطبيق مبدأ المساواة أمام القانون على المواطنين مشروط بتوافر الشروط والضوابط نفسها عند الأفراد، فإذا كانت الشروط تتساوى بين الأفراد، فيجب إعمال مبدأ المساواة بينهم، أما إذا لم تتساوى بينهم الشروط فلا مساواة بينهم في الحقوق، أي أن المساواة لا تتحقق إلا بالنسبة للمراكز المتماثلة للأفراد.

3- يتجلى مبدأ المساواة أمام القانون من خلال التزام الجهات التشريعية والقضائية والتنفيذية بتطبيقه وتوفير الضمانات اللازمة لعدم خرقه، بحيث لا ترتكب هذه الجهات تمييزاً ومحاباة بين المخاطبين بها، وبوجوب أن تعامل كل المراكز المتماثلة بطريقة متطابقة.

4- لا يشكل النص الدستوري الذي يتعلق بالمساواة مجرد مبدأ توجيهي وتوصية، بل أنه نص أساسي ودقيق يفرض على السلطات القضائية واجب اكتشاف أن السلطات التشريعية والتنفيذية والإدارية قد راعت مبدأ مساواة جميع الأفراد، وفي حالة انتهاك هذا المبدأ تأمر هذه الجهات بان لا تطبق القوانين والقرارات والوزارية والأحكام التنظيمية الإدارية المعنية.

 

جميل عودة / مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

 

عبد الخالق الفلاحلازالت مشكلة المخدرات تثير القلق في العالم وتخيّم على الأفق. فوفقا لتقرير المخدرات العالمي لعام 2017، يعاني حوالي 30 مليون نسمة على اقل تقدير من اضطرابات ناجمة عن تعاطي المخدرات في العالم وتشكل وسيلة ربحية لبعض ضعفاء النفوس من التجار، إن التحديات المتعلقة بالمخدرات هي من أكبر المشاكل التي تواجهها المنظمة الدولية للامم المتحدة لما لها من آثار واسعة النطاق على الصحة والأسر والمجتمعات وكذلك الأمن والتنمية المستدامة. ومع الاكتشافات الطبية التي أثبتت ضرر المخدرات على جسم الإنسان، وتهديد المخدرات لحياته وعلاقاته، بدأت دول العالم تسن التشريعات التي تجرّم المخدرات تعاطيا وتجارة ويتطلب تعاونا دوليا واستجابات فعالة في مجال تطبيق القانون والعمل به بجد لوقف شبكات الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر وتجار المخدرات مع الاحترام الكامل لحقوق الإنسان ووفقا للمعايير والقواعد الدولية. وللحقيقة والتاريخ فإن بداية التجريم كانت لحماية الطبقة الوسطى، وبالتالي فإن التركيز على حظر هذه المواد لم يشمل طبقات أخرى . في العراق كان في السابق ممرا اما اليوم فهو اصبح بؤرة وانتشرت في مدنه كلنار في الهشيم والمكتشفات تبلغ الاطنان سنوياً حسب الشفافية الدولية و تروج بها قوى شريرة ومافيات فاسدة تحاول افساد المجتمع تقودها عناصر ومجموعات تعشعشت في السلطة تلعب بهذه الورقة وبدأت قوافل الشهداء من رجالات الامن تزف بيد تجارها حيث تسقط مضمخة بدم الوفاء للقيم والاخلاق، في حين هناك نفوس ضعيفة تدعم المتاجرين بالمخدرات لاسباب مختلفة منها سياسية واخرى ربحية، علما أن من اكثر المناطق التي تروج بها المخدرات هي المقاهي التي يرتادها الشباب عن طريق الاركيلة التي تنوعت اساليبها وانواعها واصدقاء السوء، بالإضافة إلى ذلك لابد ان نؤكد على فكرة غياب التوعية من قبل الجهات المختصة وتتّسم أسواق المخدرات بسرعة تطور المواد المخدرة . ووفق ما قالته المفوضية العليا لحقوق الإنسان العراقية في حزيران الماضي فان عدد السجناء يقدر ب 8 آلاف معتقل في العراق على خلفية قضايا تعاطي ومتاجرة في المخدرات واضعاف هذا العدد يتعاملون معها خارج نطاق السجون وفي مناطق مختلفة موبوءة،

ويعتقد علماء النفس انه يصبح مرض بمرور الايام ويستفحل في نفسية من يستفاد منها و يعاني الكثير منهم شعوراً متزايداً بالضياع والخوف من المستقبل فعلى هذا الاساس لابد أن تتوفر مناخات صحية لمعالجة منسجمة مع مثل هذا المرض ويخرجون من هذه الظاهرة للحياة الطبيعية، خاصة وأن اهم اسباب هذا المرض هو الفشل التعليمي الذي لو استطعنا احتواء هذا المنظومة الحيوية المضمونة من خلال تطوير العملية التعليمية دون مهابات، نستطيع من خلال ذلك أن نقفز على الحاجز العمري وردم فجوة الادمان في سن المراهقة.

الشيء الاخر التوجيه الاجتماعي والارشادي ي لمواجهة زملاء السوء في المدارس المتوسطة والاعدادية بنين وبنات وحتى الجامعات والمعاهد ومنع التدخين في هذه المؤسسات والتي تعتبر وأحدة من اهم اسباب الذهاب نحو الادمان ولابد أن يكون هناك توجيه اسري واجتماعي وثقافي وامني تشارك بها المؤسسات المختلفة بغية مراقبة الشباب وما يحيط بهم و ما يساعد على انحدارهم نحوها .ووجوب الاكثار من الحاضنات الترفيهية والملاعب الرياضية والنوادي الثقافية والاجتماعية التي تملئ وقت الفراغ والتي تنتزعهم من الاماكن الموبوءة بطرق مدروسة يشارك فيها اصحاب الاختصاص، أضف إلى ذلك فأن النموذج التربوي الذي تعتمده الاسرة هو ايضا عامل مهم في ترويض الشباب وصقل مواهبهم لابعادهم عن هذا الشبح المخيف، وفي خلاف ذلك يتحول الشباب من حالة الايجاب نحو الطاقة السلبية، ويرتهن متعاطوه في كثير من الأحيان بدوامة التهميش، مما يجعل تعافيهم واندماجهم من الناحية الاجتماعية أمراً صعباً لان هذه الظاهرة متى ما دخلت اي مجتمع اصبحت ضارة بالتنمية و ثمّة موارد ثمينة تُنهب لتحقيق مكاسب شخصية. ومن اجل ذلك نشهِد انعقاد دورات تثقيفية بين حين واخر لتنفيذ اتفاقيات الأمم المتحدة تشرف عليها لجان مختصة من المنظمات الدولية لمكافحة الفساد، التي تركز على التدابير الوقائية واسترداد الأصول .

ومما يؤسف له أن الكثير من الفعاليات الثقافية والدينية والسياسية في العراق، لا تمتلك الجرأة القوية في تناول موضوعات في غاية الخطورة ومنها المخدرات لاسباب اجتماعية وثقافية وغيرها او تغض عنها، كما ان استفادت بعض القوى المسيطرة في البلاد من هذه الحالة، وهناك من جهات تسعى دائما إلى استمرار ضعف المؤسسات النافذة للقانون، من اجل استغلال الوضع العام لتحصيل الكثير من المكاسب، لذلك لا يمكن لها ان تطرح موضوع المخدرات على المستوى العام المحلي والعالمي حسب اعتقادها بسهولة لتبتعد عن مكامن الخطراو التصفية وعلى الاقل التهديد، وبالعكس من ذلك هناك مؤسسات ومنظمات دولية متابعة لموضوع المخدرات تعمل من اجل الحد منها .

 مشكلة المخدرات من أعظم المشكلات التي تهدّد أمن وسلامة اكثر المجتمعات وخاصة الفقيرة وتعوق تقدمها الاقتصادي والاجتماعي؛ لأنها تستنفذ الكثير من موارد المجتمع وتبدّد الكثير من طاقات وقدرات أفراده، وأضحت المخدرات ظاهرة عالمية يعاني منها الكثير من الشعوب، والمخاطر الناجمة عن هذه الظاهرة تستدعي ضرورة التصدي لها ومحاربتها بمختلف السبل والوسائل، ولهذا يجب على الجميع التعاون من أجل القضاء والحد من انتشار هذه الآفة المدمّرة التي تؤدي إلى ضياع الشباب وإهلاك المجتمعات. ان ظاهرة المخدرات فيها من الخطورة تُكلّف البشرية الكثير من الأرواح بمِقدار يفوق ما تفقدُه في الحُروب العالميّة والتّعاطِي المُستمِر للمُخدّرات يُؤدي إلى الإدْمان، والذي لا تعد مُشكلة محليّة فقط، بل هي ظاهِرة موجودة بالفِعل في كافّة المُجتمعات الدّوليّة والدُول الصُغرى والكُبرى والمُدُن، والمطلوب ان تتكاثف الجهود لأجل حلِها من خلال الهيئات الدّولية والمُنظّمات العالمية وإيجاد حُلول لاستئصَال هذه المُشكلة.

ولا شك ان الوصول إلى وطن بلا مخدرات في الامكان من خلال وضع استراتيجيات وقائية استشرافية للتعامل مع اتجاهات وأنماط تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية.

لا شك ان دعوة المؤسسات الأسرية والمجتمعية إلى إعداد استراتيجيات وسياسات لمواجهة أنماط التغييرات المتوقعة في الأسر والمجتمعات المحلية من الامور المهمة، والتي قد تعمل على تقليل عوامل تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية، فضلاً عن دعوة مؤسسات المجتمع المدني الرسمية وغير الرسمية إلى الاستفادة من نتائج أبحاث استشراف المستقبل، وإدماجها في سياساتها وبرامجها لمواجهة تنامي ظاهرة تعاطي المخدرات لاسيما بين النشء والشباب. وفي العراق بين عامي 2017 و2018 شهدا ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة تعاطي المخدرات وترويجها وبيعها، بسبب الانفلات الأمني الذي يشهده البلاد وعدم وجود برنامج امني حكومي، وعدم السيطرة على السلاح وانتشار البطالة،  بالإضافة إلى عدم وجود عقوبات رادعة وضعف القوانيين، بعد ان كان قبل عام 2003 يُعدّ من البلدان النظيفة من التعاطي أو الترويج للمواد المخدّرة، لكن إبان الغزو الأمريكي للبلاد، ومع تراجع الوضع الأمني وانتشار الجماعات المسلّحة وعدم السيطرة على السلاح، بدأت تجارة المخدرات تلقى رواجاً كبيراً" وخصوصاً بين فئة الشباب لكلا الجنسين والسبب في ذلك لها اسبابها الاقتصادية والأمنية والاجتماعية التي كانت لها تأثيرات مباشرة في ارتفاع تلك النسب، مما جعلتها تؤثر على مدخولات الأسر العراقية، و استنزافها اقتصادياً، خاصةً بعد التنوّع الكبير في أنواع المواد المخدّرة، التي كانت مقتصرة على انواع محدودة وبأسعار متفاوتة. من أجل ديمومة وجود المخدرات في أيدي المتعاطين بدؤوا يقومون بأعمال إجرامية تنافي السلوك المجتمعي؛ ومنها الاعتداء على ذويهم، وكذلك قيامهم بسرقة الأموال بغية الشراء.على كل حال تمثل المخدرات اليوم احدى افرازات العولمة الجديدة وتطورها وظهور التكنولوجيا، ناهيك عن صعود الامراض النفسية والروحية والاخلاقية في العالم، وهذا نتيجة تطور التكنولوجيا وخفوت القوة العضلية لدى الانسان، وهذا واقعا ما يتبناه الكثير من علماء الاقتصاد اليوم وهم يعزون الامر لحالة الاستغناء عن الانسان كقوة قادرة على العمل والاستعانة بدلا عنه بالتكنولوجيا . يجب دراسة هذه الظاهرة والعوامل المؤدية لها وهذه العوامل بعضها تكويني وبعضها اقتصادي وبعضها نفسي ومختلف العوامل الاخرى تشترك بها مجموعة من الجهات ولعل أهمها (الحكومية الاتحادية، والمحلية، والأجهزة الأمنية، والقضائية، والدينية، والإعلامية، ومنظمات المجتمع المدني، والعشائر، والمجتمعات المحلية، والمختصين في مجال علم الاجتماع، وعلم النفس، والتربية، والتنمية، وغيرها من التخصصات) ويجب ان تكون تلك العوامل بسلة واحدة وأن تخرج بتشريع قانون متشدد واحد ومحاكم مختصة واتخاذ سياسة واضحة غير مجتزأة توقف كل تلك السلوكيات اهمها مراقبة المعابر الحدودية القانونية وتزويدها بالوسائل الحديثة والاسلحة المتطورة وبعقد الاتفاقات المحكمة مع الدول المجاورة وغلق الطرق النيسمية الحدودية البعيدة عن اعين السلطة بالتشديد الامني عن طريق الكامرات والوسائل التخصصية والطائرات المسيرة وايجاد فرص عمل تساعد في القضاء على البطالة لكي تنهي هذه الظاهرة من جذورها وتخلص العراق من شرها.

 

عبد الخالق الفلاح - باحث واعلامي

 

جودت هوشيارأشار العديد من الباحثين الذين تناولوا موضوع "السيرة الذاتية" الى أن جان جاك روسو هو أول من كتب سيرته الذاتية تحت عنوان "اعترافات" وهذا وهم ناجم عن عدم الإطلاع على تطور هذا الفن عبر تأريخ الفكر اليوناني والروماني والنهضة الفكرية في أوروبا.

يمكن اعتبار يوميات الأمبراطور الروماني السادس عشر ماركوس اوريليوس التي كتبها في السبعينات من القرن الثاني الميلادي تحت عنوان " الى نفسي" أو " بيني وبين نفسي " أول محاولة لكتابة السيرة الذاتية وهي تأملات تركز في المقام الأول على عالمه الروحي.

ولعل واحدة من اشهر السير الذاتية في العصور القديمة المتأخرة (حوالي عام 400 ميلادي) هي التي كتبها الفيلسوف والكاتب والمفكر الأسقف أوريليوس أوغسطين (354-430) تحت عنوان " اعتراف". وتحدث فيه بالتفصيل عن طفولته وشبابه وعائلته ومدرسته وهواياته. وهي من أوائل كتب السيرة الذاتية.

مَثَلُ اوغسطين في البحث عن الذات، عبر سعيه الروحي لم يقدر له الانتشار في العصور الوسطى بسبب التزمت الديني، فحراس الفضيلة كانوا بالمرصاد لكل من يجرؤ على البوح

بدخيلة نفسه على رؤوس الأشهاد، فحتى الأعترافات الدينية كانت سرية ويحظر تدوينها.

وبعد ستة قرون من نشر السيرة الذاتية لأوغسطين. كتب الفيلسوف والعالم اللاهوتي الفرنسي بيتر ابيلار (1079-1142)، مؤسس جامعة باريس، والشعلة التي الهبت عقل اوروبا اللاتينية في القرن الثاني عشر، كتب سيرته الذاتية تحت عنوان " تأريخ بؤسي". واذا كان اوغسطين تحدث عن حياته الروحية واهتدائه الى الأيمان، فأن ابيلار تحدث صراحة وبالتفصيل عن حياته الخاصة، وحبه لتلميذته ايلواز، وعن المحن التي حلت بالعاشقين التعيسين. قصة " حب ابيلار وايلواز" أصبحت واحدة من أهم قصص الحب الحزينة في الثقافة العالمية. وخلافا لـقصة "حب تريستان وايزولد " الأسطورية، وقصة "روميو وجولييت"، فان ابيلارد وايلواز كانا شخصين حقيقيين. وظلت قصتهما في ذاكرة الأجيال المتعاقبة بفضل السيرة الذاتية لأبيلار.

الإتجاهات الفلسفية لعصر النهضة الأوروبية وضعت الإنسان في قلب العالم، ورفضت فكرة الخطيئة وعدم أهمية الفرد، واخذت في تمجيد الأنسان وعقله وجماله وقوته وابداعه العلمي والفني، وليس من قبيل المصادفة ان " فن البورتريه " قد ظهر في هذا العصر تحديدا، كما شهد الشعر الغنائي تطوراً لم يسبق له مثيل، حيث سعى الناس حثيثاً في هذا العصر الى التعبير العميق عن دواخلهم الدفينة علانية، بكل ما فيها من طيبة أو خبث، وكأنهم يتطهرون من عبئها.

ومن الملفت للنظر ان الشاعر الإيطالي فرانشيسكو بترارك (1304- 1374 ) الذي يعد احد الآباء البارزين للنهضة الأوروبية، ساهم أيضا في تطوير فن السيرة الذاتية. كتب بترارك سيرته الذاتية في كتابين هما " سري الخاص "، " مشاهير الرجال " يتضمن الكتاب الأول ما سماه بترارك " رسائل الى الأحفاد " تحدث فيه عن الأحداث المؤثرة في حياته. اما الكتاب الثاني فهو على شكل حوار بين الشاعر والقديس أغسطينوس (354-430). السيرة الذاتية لبترارك تتناول حياته الروحية، ووصف تطوره الأخلاقي، وصراعه الداخلي مع نفسه.

وابتداءا من هذا العصر، عصر النهضة اصبحت الشخصية الإنسانية وعالمها الداخلي ذات أهمية كبيرة.

تعد السيرة الذاتية التي كتبها الصائغ والنحات الإيطالي الشهير بنفينوتو تشيليني من أبدع اعمال السيرة الذاتية، والتي تروي الكثير عن عصر النهضة الادبية والفنية في إيطاليا - أو عصر الانبعاث. كتب تشيليني رائعته في شيخوخته والتي تتضمن الوصف الدقيق لحياته العاصفة كلها تقريبا. وبلغة ناصعة، واسلوب شائق ومشرق : عن مغامراته العاطفية، والسنوات التي قضاها في خدمة البابا والملك الفرنسي ودوق فلورنس، وعن مآثره العسكرية وهواياته، وعن فترة سجنه في قلعة " الملاك المقدس " ورحلاته، وبطبيعة الحال عن عمله الإبداعي.

لم يلتزم تشيليني بحقيقة الأحداث أحيانا، فقد لجأ الى التباهي والمبالغة. بيد أن هذا لم يقلل من قيمة الكتاب، بل على النقيض من ذلك أسهم في رواجه وذيوعه. كتب تشيليني سيرته باللغة الإيطالية، وليس باللغة اللاتينية، كما فعل الفلاسفة والقساوسة الإيطاليون من قبل، وذلك لإتاحة الفرصة للجمهور العام لقراءة سيرته بلغة سلسة واضحة. نشر الكتاب في عام 1728، واكتسب على الفور شعبية واسعة، وترجم الى أهم اللغات الأوروبية. ولعل الأهمية البالغة للكتاب، هي التي دفعت بشاعر المانيا العظيم يوهان غوته الى ترجمته الى الألمانية بنفسه.

أسهمت السيرة الذاتية لتشيليني وشخصيته المتفردة، وعمق تصويره لمغامراته، واسلوبه المشرق، في تطور فن السيرة الذاتية.

أما السيرة الذاتية الفلسفية، فان الفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين (1533-1592) يعد الرائد الأول لهذا النوع من السير. ومونتين واحد من أكثر الكتّاب والفلاسفة المؤثرين في عصر النهضة. كتب مونتين سيرته الذاتية في سبعينات القرن السادس عشر - خلال العزلة التي فرضها على نفسه - واطلق عليها " تجارب "، ونشرت لأول مرة في عام 1580. وتحولت " تجارب " الى واحدة من اكثر الكتب مقروئية في ذلك العصر.

تكمن أهمية " تجارب " مونتين، ليس في حديثه عن نفسه وعن مصيره المتشابك مع احداث عصره، بل حقيقة أنه بخلاف من سبقوه في كتابة سيرهم الذاتية، أكد، وأمعن في التأكيد، على أنه فرد عادي. وكتب يقول : " اعرض حياتي أمام الأنظار وهي حياة عادية ليس فيها أي تميز أو تألق ". وعلى هذا النحو ظهرت لأول مرة في الثقافة العالمية الفكرة التي صاغها وهي " ان كل شخص لديه كل ما هو مميز للجنس البشري بأسره ". وافترض ان سيرته كانسان عادي يمكن ان تكون ممتعة للقراء.

كل السير الذاتية التي ظهرت في القرون اللاحقة يمكن تقسيمها الى نوعين:

النوع الأول يقتدي بسيرة تشيليني الذاتية، ويؤكد اصالة وتفرد اصحابها. والنوع الثاني يسير على هدى مونتين الى هذا الحد أو ذاك. وكان بعضهم صادقا في تواضعه والبعض الآخر تظاهر بذلك. وكانوا على ثقة بأن الحياة العادية تجذب انتباه القراء العاديين.

اعترافات "جان جاك روسو"

كانت السيرة الذاتية للكاتب والمفكر والفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو (1712- 1778) مرحلة مهمة في تطور فن السيرة الذاتية، و مصدرا للتقليد من قبل الآخرين. روسو مؤسس مدرسة الـ(سنتمنتاليزم) أو التيار العاطفي في الأدب. لعب دورا مهما في تطور الفلسفة والأدب العالمي. وكان من دعاة تقديس الطبيعة والبساطة، وتمجيد الاحساس بدلا من العقل، ومثالية الحياة البسيطة في احضان الطبيعة. وهذه كلها امور ولدت الأهتمام بالحياة الداخلية للأنسان. معظم اعمال روسو مكرسة لدراسة مشاعر الأنسان. وكان من الطبيعي أن تقوده النظرة المعمقة الى الطبيعة الأنسانية الى وصف حياته الخاصة.

بين عامي 1766، 1769 كتب روسو اعترافاته، وقام بتعرية قلبه وكشف دخيلة نفسه في بعض المقاطع. لم تكن السير الذاتية حتى ذلك الوقت تتميز بمثل هذه الصراحة المدمرة، وربما حتى يومنا هذا. فهو لم يحاول قط اخفاء نزواته وحماقاته واخطائه، بل تفاخر بها.وفي الوقت ذاته فان هذه (الاعترافات) – قصة شعرية عن الانسان وعلاقته بالآخرين، وبالمجتمع والطبيعة. وليس من قبيل المصادفة ان يكرس روسو العديد من الصفحات في للتغني بالطبيعة، وسرد مغامراته العاطفية الحميمية، التي تتناوب مع الافكار والصور المثالية. ولم يتوانى من اتخاذ اعترافاته فرصة لمهاجمة أعدائه الحقيقيين والمتخيلين.

كان صدق الاعتراف وحدة الجدال، قويان الى درجة ان الكتاب لم ينشر خلال حياة المؤلف بل بعد وفاته، حيث نشر في الفترة بين عامي 1782، 1789، في حين ان روسو نفسه اعتبر اعترافاته غير كافية فكتب في السنوات الاخيرة من حياته عدة حوارات منها " روسو يحاكم جان جاك " (1775-1776) و" نزهات حالم وحيد (1777- 1778).

تكتسب " اعترافات " روسو أهمية بالغة لانها الهمت الرجال الآخرين الرغبة في كتابة سيرهم الذاتية على غرارها. ولكن روسو كتب يقول: " أنا أفعل شيئأ لم يفعله شخص قبلي ولن يقدر شخص بعدي على تقليده "

لقد حاول روسو ان يكون صادقا، ولكنه بالغ في التذلل، حين وصف نفسه - وهو يتحدث عن حياته في مقتبل العمر - بالريفي الصغير البليد. وعندما نقارن اعترافاته بسلسلة رسائله الشخصية التي كتبها في تلك الفترة، نجد أن رسائله تنم عن ذكاء ثاقب، وعن مستوى عال من عزة النفس، مما يخلق انطباعا بأنه كتب بعض اعترافاته في اطار استعراضي.

 ليوهان غوته" الشعر والحقيقة "

لعبت السيرة الذاتية للشاعر الالماني يوهان غوته (1749-1832) المعنونة " الشعر والحقيقة في حياتي " التي كتبها بين عامي 1811، 1833 دورا لا تقل أهمية عن (اعترافات) روسو في تطوير فن السيرة الذاتية. تحدث غوتة في مذكراته عن سنوات شبابه وبداية رحلته الابداعية المرتبطة بالتيار الادبي المسمى " العاصفة والهجوم". وقد أصبحت عبارة " الشعر والحقيقة " شائعة، وهي غالبا ما تستخدم لوصف تناسب الخيال والواقع في الأعمال الأدبية. وكان غوته صادقا، عندما اطلق هذا الاسم على سيرته الذاتية "، لأن حياتنا خليط من الشعر والحقيقة، وهي أثمن ما لدينا، واحداث حياتنا مهما كانت بسيطة وعادية مهمة بالنسبة الينا، بل اكثر أهمية من أي شيء آخر في العالم، وهي التي تلهمنا المشاعر الجميلة للحظات نادرة من الكمال، وعندما لا توجد في الحياة مثل هذه اللحظات، فاننا نعمد الى خلقها، أي اننا شعراء بكل معنى الكلمة.

وكان غوته يعتقد ان المهمة الاساسية للشاعر او الكاتب الذي يكتب سيرته الذاتية هي وصف علاقته بزمنه ونظرته الى العالم والناس، وكيف انعكس كل ذلك على نتاجاته، حيث يمتزج فيها الشعر والحقيقة.

 في القرنين التاسع عشر والعشرين ظهرت سير ذاتية كثيرة، لأبرز الكتّاب والشعراء منها « قصة حياتي » لجورج صاند، و "البحث عن الزمن الضائع "لمارسيل بروست، و"صورة الفنان في شبابه " لجيمس جويس، و" حصيلة حياتي " لسومرست موم، وكَتَبَ وينستون تشرتشل سيرتين ذاتيتين، إضافة الى مذكراته في ثلاثة مجلدات.

وثمة في الأدب العربي العديد من كتب السيرة الذاتية لعل أهمها :

"الأيام" لطه حسين، و" أنا " لعباس محمود للعقاد، و" حياتي" لأحمد أمين، و" تربية سلامة موسى" لسلامة موسى، و" اوراق العمر " للويس عوض، و" ماذا علمتني الحياة " لجلال أمين".

ليس من الضروري ان يكون كاتب السيرة الذاتية شخصية عظيمة أو مؤثرة، أو نجماً شهيراً من نجوم المجتمع في السياسة أوالفن أوالأدب أو العلم. أو أن يكون قد التقى في مسيرة حياته بعض الناس المشهورين، فكل شخص في هذه الدنيا متميز، ولديه ما يستحق أن يروى.

ااشكالية الحديث عن الذات

لا شك ان كل شخص يعرف عن أحداث حياته اكثر مما يعرفه أي شخص آخر. وقد يتبادر الى الذهن ان أي واحد منا هو خير من يكتب عما يعتبره أكثر أحداث حياته أهمية ودلالة. هكذا يبدو الأمر لأول وهلة، ولكننا حين نشرع بالكتابة، نكتشف ان ثمة العديد من الصعوبات تعترض طريقنا، لأننا سنعتمد على ذاكرتنا في استرجاع الماضي، والذاكرة أداة خادعة تخزن بعض الأشياء، وتهمل أشياء أخرى جد كثيرة، وان كانت مهمة في حياتنا، ثم أن الذاكرة تصبح خاملة وكثيرة النسيان كلما تقدم بنا العمر، والناس يكتبون سيرهم الذاتية – في العادة – في سنين العمر المتأخرة.

وثمة الرقابة الذاتية التي يمارسها العقل على كل ما يسيء الينا، أو كان كريها أو غير مستحب في حياتنا. اننا نتذكر ما نرغب في استعادتها، ونودع في طيات النسيان كل ما يؤلمنا أو نخجل من التصريح به.

 مَنْ مِن الرجال يمتلك الشجاعة للحديث الصريح عن حياته الجنسية؟ ان ضرورات الاحتشام لا تسمح بذلك. ولا يوجد انسان عاقل وسوي قادر على التصريح بكل شيء عن دخيلة نفسه وعن اسراره الحميمية.

مَنْ بوسع أي انسان الاعتراف بارتكاب عمل دنيء. وهل ثمة من لم يرتكب عملا دنيئا في يوم ما ؟

كما اننا لا نستطيع قول الحقيقة كلها عن حياة اولئك الذين شاركونا الأعمال التي نصفها، خاصة اذا كانوا ما يزالون على قيد الحياة. واذا فعلنا ذلك، نخسرهم الى الأبد، او ندخل معهم في منازعات نحن في غنى عنها.

الحديث عن النفس امر غير مستساغ، الا بكياسة ولباقة بعيدا عن الاعتداد بالنفس. كما ان وصف المنجزات الشخصية، وابراز الجوانب الايجابية للكاتب، قد يعدّ غرورا مستهجناً، رغم أن ذلك ضروري لتقديم عرض متكامل لحياة صاحب السيرة الذاتية، اذا كانت الجوانب السلبية قد ذكرت.

لا يمكن لأي انسان أن يقول كل شيء عن نفسه، بصدق وشفافية ونزاهة، ويعترف بالحقيقة كاملة، مما يجعلنا نعتقد باستحالة كتابة سيرة ذاتية حقيقية.

 

 د. جودت هوشيار

 

عبد الجبار العبيديبعد سلسلة الحلقات التي نشرتها في عدة مواقع محترمة، وقد بلغت لحد اليوم أكثر من ثلاثين حلقة، ومن بينها مجلة صوت العراق، وكتابات، والمثقف، ومجلة النور.. ينبري اليوم استاذنا القدير والمفكر الفهيم الاستاذ الدكتور محمد شحرور على الشاشة العربية، ليقدم لنا خلاصة أفكاره النيرة التي نأمل ان تتحول الى حركة فكرية واعية عند الجماهير تمكنهم من الغاء الماضي الفكري في تفسير النص المقدس واستبداله بالصحيح. لعلنا نصبح امة لها فكر ناضج .. ودين يستند على تفسير صحيح للنص المقدس، مثل الأمم الأخرى التي انتجت من اديانها تاريخ...؟

ظاهرة الكاتب المفكر محمد شحرور ظاهرة جديدة قديمة ظهرت مع اصدار كتابه الموسوم (الكتاب والقرآن) وكتبه الأخرى. لو اطلعت عليها وجرى فيها الحوار لأحتاجت الى حوارات النفَس الطويل، عما جاء في تفسير النص الديني عند فقهاء المسلمين، وأرائهم التي دمرت الامة وخلقت لنا كل هذه المذاهب والفِرق الدينية المتناحرة، التي كل منها يدعي الصحيح ولا ندري اين الاسلام الصحيح؟ نتيجة الاختلافات الفقهية في حركة الاجتهادات في النص المقدس . ويقف الأزهر الشريف والحوزات العلمية في العالم العربي والأسلامي والقاعدة وداعش الأجرام في مقدمتها .

ظاهرة جديدة يقودها الدكتور شحرور في فهم النص الديني لو استمرت متابعتها وتفعيلها لصالح الامة وأدُخلت في المناهج الدراسية، لأنتجت امة تتشابه مع ما انتجته ظاهرة لوثر وكالفن لأوربا قبل حركة الاصلاح الديني الأوربية وقضت على أفكار العصور الوسطى المتخلفة المبرقعة بالدين، كون ان التفسير الجديد للقرآن يتعارض والتفسير الفقهي الترادفي الخاطىء الذي اعتمد على لغةٍ تاريخية قديمة قدم فكر الفقهاء، في وقت ان التسميات الحسية لم تكن قد استكملت في تجريدات تهدف الى كشف الحقيقة. هذا ما كنا نكتبه وننشره في المواقع العراقية والعربية، ولا زلنا تحت عنوان : حقيقة الاسلام الغائبة ....دون ان يلتفت الينا الا القليل.. لسيطرة الفكر الديني القديم المتخلف على الفكر الصحيح .

على الكُتاب والمثقفين واصحاب القلم ان يساندوا هذه الظاهرة العربية العالمية لنتمكن من تخليص الامة من هرطقة مؤسسة الدين ورجالها الباطلين ... لأسقاط حكومات التدليس والسرقة للمال العام والمحاصصة الباطلة والتدمير، والخيانة الوطنية مع الأخرين، باستخدام الاسلام الفقهي المزيف وسيلة من وسائل التخدير والتجهيل لتبقى السلطة الدينية تقف خلف السلطة السياسية في تدمير حقوق الجماهير وتخلف الامة بأسم الدين، كما دمر الوطن العربي اليوم بشكل عام وعراق العراقيين بشكل خاص .

هذا المفكر الشجاع يقدم لنا قراءة معاصرة ووجهة نظر جديدة للأسلام في كتابه، (الكتاب والقرآن)، تنطلق من خصائص اللسان العربي، وقوفاً على الأرضية الفلسفية والمعرفية للقرن الحادي والعشرين. وبهذا فهو يعرض وجهة نظر جديدة الى الوجود والتفسير والمعرفة والتشريع والأخلاق والجمال والاقتصاد والتاريخ، بعد ان فصلَ في المصطلحات القرآنية وتبنى المنهج التاريخي العلمي، واعطى لها تفسيرا جديدا يتوائم مع نظريات التطور التاريخي الحديث .

تحدث هذا الكاتب المفكر الجريء في محتويات القرآن وأسباب النزول والتنزيل، والفرق بينهما في المعنى والتثبيت، لينتقل الى القصص القرآنية التي ربطها بالوحي القرآني وقوانين الوجود وقوانين التاريخ. وضرب لنا امثلة مقنعة لهذا التوجه المحكم في تأويل القرآن الكريم. اخذاً بنظر الاعتبار شمولية الاسلام التي جاءت من نظرية التطور في التشابه والحدود.

لقد تبين لهذا المفكر المفعم بالحقيقة القرآنية، ان العمود الفقري للعقيدة الاسلامية، هو قانون تغير الصيرورة (التطور) حيث تكمن عقيدة التوحيد، وقانون تغير الأشياء (كل شيء هالك الا وجَهُهُ، القصص88) وفسر تفسيرا علميا معنى الكافر والظالم، والاستقامة والاعوجاج، ونظرية الصراط المستقيم والوصايا العشر وهي كل القرآن الكريم .

..بهذه الدراسة توصل الى وضع منهج جديد في أصول التشريع الأسلامي القائم على البينات المادية، وأجماع الاكثرية من الناس، وأكد ان حرية التعبير عن الرأي وحرية الاختيار، هما اساس الحياة الانسانية في الأسلام الحقيقي، وليس اسلام الفقهاء الذين دمروا الامة وأوقعوها في اشكاليات مؤسسة الدين الغير المعترف بها في القرآن والغير المعترف بها في اصدار الفتاوى على الناس، ولم يميزها بلباس معين أو تقديس... والتي أفرزت لنا المذاهب الاسلامية القاصرة عن تحقيق التقدم وحقوق الانسان كما جاءت في النص المقدس من الكتاب والقرآن.

وتطرق الكاتب الى جملة مواضيع رئيسة واساسية في توجيه الحياة في ظل العدالة الآلهية المتطورة، كقضيتي الردة والأرتداد، والفتوح والجهاد، والقصص القرآنية، في ظل النص المقدس الصحيح، لا في ظل التفسير الجامد الخالي من التحريك. وخاصة في موضوعات الآيات الحدية والحدودية وآيات التعليمات والقضاء والقدر والأعجاز القرآني واعطى فيها رأيا يتوافق مع المنطق المتطور والعقل السليم .

اما في نظريات جدل الكون والأنسان وعناصر المعرفة الانسانية، فقد ميز بين الروح والنفس، وكيفية التعامل معهما بأعتبار كل واحدة لها خصائصها المختلفة عن الأخرى. وتحدث عن الفرقان في التوراة والاسلام واكد انها الوصايا العشر التي منها يستمد الدستور لحماية الفرد في الدولة، وأكد على الحقوق وحلف اليمين والتزوير، وحفظ المال العام بأعتبارها قواعد لا يجوز اختراقها بالمطلق ومن يخترقها يسقط عنه التكليف.. ولاحصانة بالمرة لمن يخالف النص الصحيح.

 تكلم في العصمة والتكليف، والآرث والوصية والقوامة وقال: ان لا معصوم الا الله والقرآن الكريم، وحتى الانبياء عصمتهم بالرسالة وليس في شخوصهم كقول الحق: يا ايها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس "المائة 67"، وقد نبه القرآن الكريم الرسول (ص) في عدة مواضع كما في سورة التوبة (آية 43) يقول الحق : مخاطبا الرسول (ص) : "عفا الله عنك لم َ آذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ." هوامر موجه للرسول (ص) في خطأ التهاون في التكليف . وتكلم في حقوق المرأة التي دمرها الفقه الوضعي وجاء بنصوص في غاية الدقة في المساواة بين الذكر والأنثى ماداموا هم قد ( خلقهم الله من نفس واحدة، النساء 1) ..وفي الارث والوصية، البقرة 180 . .

ولازال يتحدث في اليوتوب والعالم العربي والخارجي عن فصل الدين عن السياسة بمعقولية التشريع، وازمة العقل العربي الحالية التي اغلقت الفكر العربي ووضعته في انفاق مظلمة صعبة الأختراق من اجل فقهاء السلطة ورجال الدين لخدمة الحكام الظلمة والسلاطين ليبقوا يظلمون كما ظلم القساوسة والكرادلة وآل بوربون للفرنسيين ..واليوم يقف ممثل المرجعية الدينية في النجف الاشرف على نفس المنوال دون تغيير.

حوارات رصينة معتمدة على كتابه الموسوم (الكتاب والقرآن) الذي ندعو لقراءته وكتبه في فقه المرأه والأيمان والتكليف وأخرى كثيرة . كتب رصينة ندعو لقرائتها بأمعان لتغيير صيرورة الزمن وعقل المثقفين الذين لا زالوا يهرولون خلف مرجعيات الدين التي لا تؤمن الا بالقديم، والتي لا يعترف القرآن بها، ولا يخولها حق الفتوى على الناس، ولا يميزها بلباس معين في التثبيت.

شكرا لهذا لكاتب الذي بكتاباته سيغير منهج التاريخ ولو بعد حين كما غير لوثر وكالفن في الكنيسة رأي الأوربيين..

 

د. عبد الجبار العبيدي

..........................

ملاحظة كل الاراء القابلة للنقاش منشورة على اليوتوب.. ولا زال المفكر الفذ يعطي لنا الكثير.

 

 

عدنان عويدإن المشروع الديمقراطي الذي يطمح إليه كل عقلاني وتنويري، هو المشروع الذي يتطلب بالضرورة، اعتماد بناء معرفي قائم على العلم والعلمانية. فالتفكير العلمي يبقى المدخل الأساس للعقلانية، والعقلانية النقدية، هي المدخل المعرفي الأساس بدورها للعلمانية التي تشكل أنموذج حياة لا يقوم به إلا الإنسان العاقل وحر الإرادة. والديمقراطية التي لا تمارس على أساس عقلاني نقدي، ستبقى ديمقراطية ناقصة ومزيفة ومشوهة، هدفها في النهاية خدمة قوى اجتماعية محددة وليس عموم الشعب. بينما الديمقراطية القائمة على المنطق والعقلانية النقدية فهي الديمقراطية القادرة في الحقيقة على تحقيق العدالة والمساواة والمشاركة في كل أشكالها أو مستوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، للفرد والمجتمع وفقاً لطبيعة المرحلة التاريخية المعيشة. أي هي الديمقراطية القادرة وفقاً للظروف الموضوعية والذاتية التي تفرض نفسها على حواملها الاجتماعية في مرحلة تاريخية محددة بغية تحقيق التوازن في بنية المجتمع الواحد دون النظر إلى أي اعتبار آخر، عشائرياً كان أو مذهبياً أو قبلياً أو أثنياً... إنها الديمقراطية التي تنظر إلى العمل والعقل وظروف الواقع كمعايير اساسية من معايير التقدم وجعل الإنسان هدفاً لها، وذلك على اعتبار (أن ما هو جذري وذو قيمة حاسمة في عالم الإنسان، هو الإنسان نفسه... إنه إنسان العمل والإنتاج والمعرفة... إنسان الخلق والإبداع والحضارة، ضد إنسان التواكل والتصوف والتأمل والحلم والامتثال والرضا والتسليم. أي العبودية.).

إذا كانت الديمقراطية هي القدرة على المشاركة في خلق التوازن داخل البنية الاجتماعية، فإن العلمانية هي المجتمع المدني في حالة سياقه التاريخي - أي في حالة التطور التاريخي الذي وصل إليه المجتمع في مدنيته - الذي يعطي الديمقراطية المجال الحيوي الذي تثبت فيه عقلانيتها وضرورتها في تحقيق التوازن الاجتماعي المطلوب في هذه المرحلة أو تلك من مراحل تاريخ المجتمع أو الدولة.. وبالتالي نستطيع القول: إن الديمقراطية والعلمانية يشكلان طرفي المعادلة في سلسلة الدولة المدنية.. أي دولة المواطنة والمؤسسات والقانون والتشاركية واحترام المرأة والرأي والرأي الاخر وحرية التعبير .. الخ.

إن مأساة الإنسان العربي في معظمه التي تحد من تقدمه وتحول كثيراً دون قدرته على إثبات ذاته، وتحقيق دولته المدنية تكمن في عبوديته، فعبودية الإنسان العربي لم تزل تكمن في خلايا عقله أولاً، وتمارس فعلها بشكل مستمر على كل تصرفاته اليومية المباشر ثانياً.

إن الإنسان العربي بعمومه، لازال يحسب حساباً للعقاب قبل الثواب أولاً.. وإن قوة النص المقدس في تفسيره وتأويله المنحدران من العصور الوسطى فهماً ومنهجاً، لم تزل تشهر سيفها في وجهه لتقيد حركته واندفاعاته نحو الأمام، حيث تحولت قوة النص هذه إلى سياج قدري فُرض عليه ليحدّ من إرادته، كي لا يتجاوز حدود ماضيه ويبقى يعيش أسيراً للكثير من قيمه ومثله السلبية في الغالب ثانياً، هذا في الوقت الذي تقوم فيه قوى استبدادية حاكمة على إعادة ترميم هذا السياج القدري الغيبي الاستسلامي وتدعيمه باستمرار، كونه يشكل حصنها الحصين هي أيضاً في استعباد شعوبها واستمراريتها في الحكم ثالثاً.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من دير الزور – سورية

 

"أخلاق المواطنة: هي الاعتراف غير المشروط بأهمية كل روح إنسانية.. ومنحها القيمة الجوهرية.. والتي لا يمكن وضع فكرة مجردة عن الخير دونها.. لأن حقيقتها تتجاوز كثيرا.. قيمة أكبر أشياء العالم.."

 لو انطلقنا من طرح تساؤلا في إمكانية الفرد أن يكون مواطنًا من دون أن يكون وطنيًا؟ وها هنا سننطلق من حقيقة أن صياغة هذه المسألة تشير إلى المعارضة المتعمدة أو اللاواعية للوطنية والمواطنة وعادة ما تكون هذه المعارضة محاولة لتبرير الفردية والأنانية النرجسية التي يفترض أن حقوقها وحرياتها ذات أولوية مطلقة في علاقتها بالمجتمع ولا تعتمد على حالة ثابتة فلا يمكن أن تتحقق حقوق الإنسان وحرياته إلا في سياق بلد معين وتقاليد ثقافية وتاريخية محددة وإذا لم تكن ذات سيادة فإن مسألة وضع المواطن لا يتم حلها بالكامل وتبرز التناقضات بين الوطنية والمواطنة في شكل غريب للهجرة الروحية، وهناك شيئا مهما آخر هو أن الاعتراف بالوطنية لا يعني الموافقة على جميع جوانب حياة الدولة والمجتمع التي تنتمي إليها، وان الوطني الحقيقي هو ذلك الشخص الذي يسعى إلى تحسين العلاقات العامة وتخليص البلاد من "القرحة الاجتماعية"، وإن المواطنة والوطنية لدى الشاب ليست صفات فطرية أو سمات شخصية ولكنها تتشكل فيهم جراء عملية التعليم والتنمية الذاتية والمجتمعية، وإن الوضع الاجتماعي الاقتصادي والسياسي والروحي في المجتمع له تأثير ضخم في النظر في مشكلة تكوين المواطنة والوطنية، وكانت إحدى عواقب الأزمات الاجتماعية السياسية هي تشويه أفكار تكوينهما باعتبارها أهم من نمط الكيانات والنماذج المتكاملة للوعي العام.

الغالبية العظمى بين الشباب تتباين وتنقسم بين مستويات التركيب المتنامي على الاستقلال الشخصي والرغبة في تحقيق فرصهم المحتملة وبين الرغبة في الرفاهية الشخصية والأنانية، ومن الواضح أن هناك أسباب موضوعية وذاتية لما يتألمون لأجله من حقيقة أن الدول قضت على حل أهم المشاكل الحيوية للشباب ولم تضمن حماية لحقوقهم ومصالحهم، كما اوجدت حالة الاضطرابات الاجتماعية العديد من الشروط المسبقة لتحقيق النجاح في الحياة من خلال الوسائل المعادية للمجتمع ومن دون الامتثال للمعايير الاجتماعية وعرقلة استخدام الأساليب التقليدية التي تقرها المجتمعات والقوانين مما اشاع البيئة الجنائية وشبه الإجرامية التي شملت وجذبت جزءًا كبيرًا من أكثر الشباب نشاطًا وناقضتهم مع المواطنة والوطنية وقربتهم لمحاولات المنهجية للتشكيك في التاريخ والثقافة المحليين، فلذا نرى انه وجوب على الدول إن تحدد سياساتها بوضوح الموقف لبناء مجتمع مدني لكن الشرط الأساسي لإنشائه يكون عبر اكتساب الناس لمركز المواطنين والوطنيين والذي يتميز بحيازة مجموعة معقدة من الحقوق والحريات الطبيعية، فضلاً عن زرع الاستعداد والقدرة بروح الشباب على تحمل المسؤولية ليس فقط لأنفسهم ولأحبائهم بل أيضاً لمصير البلد لتشكيل شخصية معنوية وشاملة بدرجة عالية وأخصائية وتنافسية لتنتج مواطن ووطني في بلده. وأن هكذا مهمة لا يمكن تحقيقها من دون بناء رأس المال الاجتماعي للشباب واستخدامه بفعالية ليمثل الفرص الحقيقية والمحتملة للشباب ويمكنهم استخدامه لتحسين نوعية حياتهم وحياة المجتمع كله ، وأهم شيء في رأس المال الاجتماعي هو أنه لم يتم إنشاؤه من خلال جهود منفصلة إنما يتم تشكيله وتراكمه تحت تأثير إدراجه في علاقات جماعية قوية وإنشاء وتنفيذ الالتزامات المتبادلة والمسؤولية والتضامن بالأعتماد على درجة الدعم المتبادل والتعاون والثقة بين المواطنين ودعم بعضهم لبعض وكلما ارتفع المستوى زادت موارد البلد والدولة، وعبر ذلك نجد إن رأس المال الاجتماعي يتترجم بمثابة نتيجة مستحدثة ومتغيرة باستمرار للعلاقات الإنسانية الجماعية والتي تسمح باستمرار تحسين نوعية حياة الناس ورفع مستواها، ومن ذلك تمثل المواطنة والوطنية أشكالًا من اندماج الشباب في المجتمع ولذلك يساهمون في نمو رأس مالهم الاجتماعي واستخدامهم له.

المتأمل في عمليات العولمة في العالم الحديث سيجد إن تكثيف المنافسة بين الدول من أجل امتلاك الموارد هي اهم سبلها غير إن ابرز أهداف المنافسة هو الإنسان والموارد الفكرية وان البلدان التي تتمتع بمزايا تنافسية كبيرة هي متلقية للهجرة الفكرية لذا يعتبر تفعيل المواطنة والوطنية بين الشباب في هذه الظروف من الطرق للحد من "هجرة الأدمغة" بالنسبة لبلادنا، وليس غريبا إن قلنا إن العولمة لم تقضي على الأخطار ولا على التهديدات العسكرية بل هي التي اظهرت تهديدات جديدة روحية وامنية نسبيا كالإرهاب الدولي وعصابات المخدرات والنزعة الانفصالية العرقية، وكل ذلك يضع متطلبات عالية على ضمان سيادة وأمن البلاد ولذا فأن من الواضح أن حماية الدولة من التهديدات العديدة يمكن أن تنفذ على نحو أكثر فعالية من قبل الناس الذين يشعرون أنهم مواطنين كاملين ووطنيين، فيبدو لذلك أنه وإلى جانب التربية المدنية فمن الضروري الحديث عن التعليم والتدريب المدني والوطني واكتساب واستيعاب شخص المعرفة عن نظام العلاقات بين الدولة والفرد وعن حقوقه والتزاماته وتطوير مهاراته العملية  في الدفاع عن حقوقه وكل ذلك يصب في تعزيز الدولة.

ولتتشكل عملية تكوين المواطنة والوطنية في سياق نشيط من الضروري حل العديد من المشاكل كتشكيل موقف مدني ووطني وتشكيل المسؤولية المدنية والوطنية وتكوين الولاء الاجتماعي وتكوين مهارات المشاركة المدنية، وإن الموقف المدني والوطني للفرد هو الموقف الذي يعلنه الشخص تجاه الدولة والمجتمع والوطن في موقف مدني ووطني تنعكس به عدة عناصر والمبادئ التي يوجه بها تقييمه للواقع الاجتماعي ووفقا للمواقف التي يحددها السلوك في مجال الحياة العامة عبر المسؤولية المدنية والوطنية والتي هي واجب واستعداد لتكون مسؤولة عن أفعالهم للدولة والمجتمع والمتمثلة في الولاء الاجتماعي والرغبة في الاستجابة للنداء المعقول الذي يتم نيابة عن الدولة، ولهذا يجب اعتبار المشاركة المدنية والوطنية كنشاط بشري لحل المشكلات الاجتماعية التي تتم بشكل شخصي أو ضمن الجمعيات العامة. ومن الواضح أن تشكيل المواطن والوطني فيما يتعلق بروحية الشباب يجب أن يتكون من عنصر التغييرات في موقف الدول تجاه الشباب والتي تم التعبير عنها في خلق الظروف لتحقيق الذات وحماية حقوقهم للحصول على استجابة مدنية ووطنية كافية في إذا ما تم الحفاظ على فهمهم لعبارات حول المواطنة والوطنية، ولذا لا يمكن أن يكون تكوين روح المواطنة والوطنية فعاليا إذا تم تنفيذه من قبل سلطات الدولة والبلدية دون مشاركة الجمهور الشاب ذاته فلذا لابد أن يعملوا مع الدول في حل مشاكلهم، ومن المهم للغاية تقديم المساعدة إلى المنظمات ذات التوجه الوطني التي تعزز التعبير عن مصالحهم وتجميعهم وتمثيلهم وتمكينهم من تصميم وتنفيذ مشاريع خاصة وعامة لهم وعلى كافة المستويات.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي