العولمة الرأسمالية: إن العولمة الرأسمالية هي فكرة رأس المال الاحتكاري العالمي لجعل التجارة حرة في العالم. أنها محاولة ترسيخ نظام التجارة الحرة لرأس المال العالمي. وبالتالي ليست العولمة الرأسمالية سوى الرأسمالية كنظام عالمي. وهي بذلك تعيد هيكلة المؤسسات المالية والاقتصادية والسياسية والثقافية والقومية بصورة عالمية. كل ذلك يجعل منها مرحلة جديدة في التطور الرأسمالي.

لم تتجه الرأسمالية بعد الحرب العالمية الثانية نحو تقسيم العالم وإعادة تقسيمه. وبعد انحلال الاتحاد السوفيتي أخذت تبرز بوضوح اشد فكرة العولمة الرأسمالية، بوصفها توسعا من خلال التشابك والترابط العالمي. وقد نجحت الرأسمالية في ذلك، واستطاعت ربح المباراة الاقتصادية مع المعسكر الاشتراكي والانتصار السياسي عليه واحتواء بقاياه في منظومتها. مما أدى إلى ظهور قوة عسكرية كونية واحدة هي الولايات المتحدة.

وتتميز فكرة وأساليب العولمة الرأسمالية بصفات خاصة. فهي الأولى من نوعها في محاولة دمج العالم في وحدة واحدة. فقد جرت محاولات عديدة في ما مضى لدمج العالم وتوحيده، إلا أنها باءت بالفشل. كما أنها جديدة في الفكر والأساليب والإمكانيات. إذ تحطم العولمة الرأسمالية دكتاتوريات عفنة وجبانة ومتهرئة وأوضاع جامدة وراكدة وأنظمة ومؤسسات بالية، وتخلق ديناميكية عالمية جديدة وإمكانيات كبيرة لزيادة الثروة. وهي بذلك تعتبر مرحلة تقدمية في تاريخ البشرية. توفر ظروفا افضل لنضال الطبقة العاملة العالمي من أجل تحسين ظروفها الاقتصادية – الاجتماعية، كما توفر إمكانية قيام يسار عالمي من اجل حياة سياسية ديمقراطية عالمية.

ثم أن حجم الرساميل المتحركة يومياً في مجال المضاربة يتجاوز قدرة البنوك المركزية على التدخل. مما يؤدي إلى أن تفلت السلطة من أيدي الدول على حد تعبير بطرس غالي. غير أن هذا الوضع يستجمع حركة عالمية مناهضة. وبهذا الصدد يقول ريمون بار ممثل النهج الليبرالي في الاقتصاد "إننا لا نقدر أن نترك العالم في أيدي عصابة من غير المسؤولين الذين لا يفكرون إلا في جمع المال". وهو واقع يمكننا التنبؤ بزواله كما زالت دكتاتوريات سابقة. وليس مصادفة أن تطلب الحكومات القومية المتآكلة (الدكتاتورية) ود الاحتكارات العالمية. وهو أمر يؤدي إلى صعوبة بناء اقتصاد متطور في الكثير من البلدان دون وجود سيادة عالمية جديدة. فالدولة العالمية المسئولة هي القادرة على وضع الأسس الدستورية – القانونية لاقتصاد عالمي، لا يمكن  للدولة القومية المتآكلة إنجازه. ألا يشير واقع تهديد الاحتكارات الألمانية لصناعة السيارات المستشار الألماني شريودر من نقلها هذه الصناعة إلى خارج ألمانيا في حال اتخاذ إجراءات مضادة لها، أو أن ترفض شخصية فرنسية الترشيح لأعلى منصب في الدولة الفرنسية، لأن خمسين لصا في العالم هم الذين يتحكمون في الاقتصاد العالمي؟ ألا يشكل ذلك دلالة على أن الدكتاتورية الجديدة لسلطات رأس المال الاحتكاري، وعلى ضرورة وإمكانية التغلب على هذه الدكتاتورية الجديدة في نفس الوقت؟!

وليس مصادفة أن نرى رأس المال الاحتكاري يسعى إلى الحفاظ على الدولة القومية والحكومات المحلية الدكتاتورية، لأنه يجد فيها أداة من أدواته في التحكم بالأوضاع المحلية. كل ذلك يجعل من الصعب العمل على الانتعاش المحلي دون الأخذ بنظر الاعتبار هذه الإشكالية الأوسع والأعمق والأكثر جوهرية بالنسبة للتطور الاجتماعي والاقتصادي على الصعيد العالمي. وإذا كنا نرى عودة للقومية في بعض مناطق العالم، فأن ذلك لا يعني انتعاش القوميات من جديد، بقدر ما أنها تشكل ظاهرة تسخرها الاحتكارات العالمية لأجل تفكيك بعض الدول وإعادة دمجها من جديد في اقتصادها الاحتكاري.

إن الولايات المتحدة تستخدم وتسخر كل قدراتها الاقتصادية لتحسين وضعها السياسي والعسكري، وتوظف إمكاناتها السياسية والعسكرية لتحسين وضعها الاقتصادي، وتسخر كل ذلك من اجل تجسيد أهدافها الخاصة على النطاق العالمي. أي أنها توظف كافة إمكانياتها في استراتيجية كونية لإعادة صياغة العالم حسب النظرة الأمريكية. إنها تحاول صنع وفرض عولمة رأسمالية أمريكية. وهي سياسة دكتاتورية خالصة، تستثير حركة عالمية ديمقراطية معارضة قادرة في نهاية المطاف على تحييد هذه الاستراتيجية والمساهمة بالتالي في حل إشكالياتها السياسية، بما في ذلك التأثير تدريجيا على كل الإشكاليات التي تثيرها العولمة الرأسمالية.

فقد كان بروز الولايات المتحدة كقوة عالمية كبرى بعد الحرب العالمية الثانية، وبالأخص بعد انهيار القوى الأوروبية التقليدية. واستطاعت الولايات المتحدة عبر احتواء أوروبا الغربية واليابان توظيف قواهم جميعا في الحرب ضد الاتحاد السوفيتي في استراتيجية كونية اقتصادية – سياسية – عسكرية – استخبارية. كما تعاملت الولايات المتحدة مع البيريسترويكا السوفيتية على اعتبار أنها تمثل لحظة تراجع وانسحاب سوفيتي من المسرح العالمي. وإن المسار العاصف للبيريسترويكا السوفيتية في انقلاب آب/91 الفاشل والقرار المتهور في حل الاتحاد السوفيتي وّفر إمكانيات إضافية للاندفاع نحو سياسة كونية متطورة للولايات المتحدة. وأخذت بتطوير استراتيجيتها وتكتيكاتها الكونية، والاندفاع نحو سياسة أكثر كونية، وإعادة صياغة الواقع السياسي والاقتصادي والعسكري للعالم أمام إغراء قوة مندفعة ومنتصرة. وكانت طريقتها في إدارة العدوان على العراق وما يزال، وفرض تسوية سياسية على الأمة العربية مرحلة جديدة وفتحا جديدا في السياسة الكونية للولايات المتحدة. كما شهدت منتصف التسعينات من القرن العشرين ولادة منظمة التجارة الحرة العالمية وتوسع الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي وتطور دور القمة السباعية للسبعة الكبار، كحكومة عالمية فعلية، وتطوير دور صندوق النقد الدولي في الاقتصاد العالمي، وتطوير سياسات اقتصادية ومالية عالمية في غياب شبه تام ليسار عالمي مؤثر في الأحداث وتطوراتها. في حين أن وجود يسار عالمي منظم ومتفق على المبادئ والأهداف الكبرى، وفي ظل استعادة أوربا المتوحدة واليابان لتأثيرهما الاقتصادي، وفي ظل التشابك والترابط العالمي، قادرة على مجابهة السياسة الأمريكية، التي تستمد قوتها الحالية ليس من مقدرتها الاقتصادية بقدر ما تستمدها من هيمنتها العسكرية.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة توجه الآن كامل ثقلها الجيوسياسي على أوروبا الغربية واليابان بعد زوال المعسكر الاشتراكي، لكي يكون بإمكانها تمرير استراتيجيتها العالمية، إلا أنها تتعرض لصعوبات جمة، سوف تعرضها إلى الهزيمة. وذلك لأن سياسة الولايات المتحدة الحالية هي تجسيد نموذجي لدكتاتورية عفا عليها الزمن. بصيغة أخرى أنها غير قادرة على إدارة العالم بصورة دكتاتورية. وهو أمر يفترض في البداية العمل من اجل دعم الإمكانيات القائمة في العولمة الرأسمالية نفسها صوب جعلها أكثر ديمقراطية، ثم تنظيم المقاومة العالمية لرأس المال الأمريكي، بالشكل الذي يكفل إمكانية فرض التراجع عليه.

فالاستهلاك الكلي في الولايات المتحدة يتجاوز نسبة 80% من الناتج القومي الإجمالي. وبالتالي، فان نسبة الادخار والاستثمار والنمو الاقتصادي منخفضة، ونفس الشيء يمكن قوله عن نسبة وإمكانية توسعها في حجم التجارة العالمية. كما يزداد الوضع الاقتصادي العالمي للولايات المتحدة سلباً مع استمرار العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي، فضلاً عن حجم المديونية الكبيرة التي على الولايات المتحدة. لهذا تسعى الولايات المتحدة إلى الاحتفاظ بمكانتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية العالمية ليس من خلال إعادة النظر بوضعها الاقتصادي والعسكري، بل عبر فرض ضغوطها المستمرة على الاتحاد الأوروبي واليابان، وصنع العقبات أمامهما وإثارة المشاكل لهما، أو التلويح بمخاطر ما زالت تهددهما. وفي المقابل  يشكل الاستهلاك الكلي في الاتحاد الأوروبي واليابان حوالي 70% من الناتج الإجمالي لكل منهما. مما يعني إمكانية ارتفاع نسبة الادخار والاستثمار والنمو الاقتصادي. وبالتالي التوسع في حجم التجارة العالمية لهما.

إن الاتحاد الأوروبي واليابان يمتلكان إمكانيات كبيرة على التوسع، تتفوقان على الولايات المتحدة في جميع المؤشرات الاقتصادية في الادخار والاستثمار والنمو الاقتصادي والتوسع في حجم التجارة العالمية وفي ميزان المدفوعات. كما انهما يلعبان دورا أساسيا في إعادة بناء الاقتصاد العالمي. فالاتحاد الأوروبي يلعب دورا كبيرا في أوروبا الشرقية وحوض البحر الأبيض المتوسط، فضلاً عن أن له برنامجا عالميا للاتحاد الاقتصادي في مختلف أرجاء العالم بما في ذلك منطقة البحر الكاريبي. أما اليابان فأنها تتميز بتأثير اقتصادي هائل في شرق وجنوب آسيا. كما تقلق السياسة الاقتصادية لكل من اليابان وألمانيا الولايات المتحدة بصورة ليست اقل عما كان يشكل خطرهما بالنسبة لها زمن الحرب العالمية الثانية. إذ يتفوق التحالف الاقتصادي الألماني – الياباني في اغلب مؤشراته على اقتصاد الولايات المتحدة. بينما يفترض إصلاح الوضع الاقتصادي للولايات المتحدة إعادة النظر في إنفاقها العسكري وفي دورها السياسي العالمي، بالشكل الذي يساهم في وضع أسس سياسة عالمية جديدة تنبع من إرادة مشتركة للقوى الاقتصادية – السياسية العالمية مجتمعة، وتساهم في ترسيخ وتطوير كونفدرالية سياسية للأمم المتحدة. أما محاولاتها فتح الأسواق الخارجية عنوة وبالتهديد وإعلان الحروب التجارية، فأنها تؤدي إلى مزيد من التدهور في المكانة العالمية للولايات المتحدة نفسها. أما محاولة تغيير الخارطة الاقتصادية – السياسية العالمية بالتفوق في مجال الأسلحة التقليدية والاستراتيجية، فأنها قد تؤثر في بعض توجهات الاتحاد الأوروبي واليابان، إلا أنها لن تستطيع تغيير الاتجاهات الأساسية في العالم. وفي كل الأحوال لن تستطيع الولايات المتحدة إدامة دكتاتورية جديدة لها على العالم في الوضع العالمي الراهن وآفاقه المرئية.

إن استمرار الاتجاهات الراهنة في الاستهلاك والادخار والاستثمار والنمو الاقتصادي والتوسع في حجم التجارة العالمية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي و اليابان، سوف يؤدي في العقود الثلاثة القادمة إلى تغييرات كبيرة في العلاقات الاقتصادية العالمية، مع ما يترتب على ذلك من نتائج اقتصادية وسياسية.

أننا نقف أيضا أمام بروز الصين فضلاً عن الاتحاد الأوروبي واليابان كقوة اقتصادية وسياسة وعسكرية متنامية. كما يتمتع العالم العربي والإسلامي بطاقة كبيرة على النشاط السياسي، فضلاً عن القدرات الهائلة الكامنة في استعادة اليسار العالمي لدوره المؤثر على اتجاهات التطور الاقتصادي والسياسي في العالم.

إضافة لذلك يمتلك الاتحاد الأوروبي قدرة كبيرة ومجالا أوسع على التأثير يفوق ما تمتلكه الولايات المتحدة، من حيث المؤشرات الاقتصادية والجاذبية الفكرية، إلا أنه ضعيف عسكريا مقارنة بما تمتلكه الولايات المتحدة. الأمر الذي يعطي للأخيرة إمكانيات اكبر في التأثير على مسار العولمة الرأسمالية. وهي حالة ليست معزولة عن نتائج الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة.

فقد كشفت السياسة الأمريكية تجاه الكثير من الدول والقارات،عن توجه دكتاتوري. إلا أن التاريخ والواقع والمعطيات تشير إلى الفشل الحتمي لهذه السياسة. فالولايات المتحدة ترغب في الحرب والنزاعات الإقليمية. وهي بحاجة لها رغم كل الشعارات الداعية إلى إقامة الأمن والسلام والنظام وما شابه ذلك. إذ تشكل هذه الحروب والقلاقل وسيلتها الوحيدة الآن في إعادة رسم مستقبل الوضع العالمي. إن هذه السياسة ليست معزولة عن المكانة المتميزة للمجمع الصناعي العسكري في الاقتصاد وتقدم صناعة الأسلحة التقليدية والاستراتيجية وكذلك انهيار القطب العسكري السوفيتي، كل ذلك يدفع الولايات المتحدة باتجاه استخدام وتسخير النزاعات والحروب الإقليمية كوسيلة في رسم خارطة عالمية وفقاً لمصالحها. وبهذا المعنى يمكن القول، بأنها تخطط لحروب ونزاعات إقليمية في إطار استراتيجيتها الكونية. إن مختلف النزاعات الإقليمية القائمة في العالم يمكن حلها بنهج التسوية السياسية – الاقتصادية في حال توفر الإرادة المشتركة.

أما أوروبا وبالأخص بعد تجسيد وحدتها الاقتصادية – السياسية، فان بإمكانها ممارسة نهج اقتصادي – سياسي عالمي قادر على حل مختلف القضايا العالمية بطريق التسوية السياسية – الاقتصادية. إن أوروبا قوة اقتصادية – سياسية، على خلاف الولايات المتحدة التي تسعى لاستخدام وتسخير قوتها العسكرية في مجال التوازنات العالمية الاقتصادية – السياسية. وهنا تختلف أوروبا عن الولايات المتحدة، التي تسعى لجعل أوروبا حليفا تابعا لها عبر تكريس استمرار القوة العسكرية في السياسة العالمية. غير أن إمكانيات أوروبا ومصالحها تفرض عليها نهج وممارسة التسوية السياسية – الاقتصادية عالميا. إذ أن إشراكها في حروب الولايات المتحدة يهدد وحدتها ويضعفها ويقلل من خياراتها الإقليمية والعالمية ويفقدها هيبتها الثقافية.

إن الوحدة الاقتصادية – السياسية الأوروبية وتوجهاتها وخياراتها الإقليمية والعالمية هي الخطر الأساسي الذي يستطيع تهديد الولايات المتحدة في مساعيها تربع قمة العولمة الرأسمالية. أما اليابان فأنها تأتي في الدرجة الثانية في حال عودتها إلى آسيويتها. أما اليسار العالمي وحركاته الإصلاحية، فان من الممكن توظيفه في حل الإشكاليات السياسية العالمية الراهنة عبر دعم كل جهود رامية إلى تطوير كونفدرالية الأمم المتحدة.

وهو أمر سوف يضع أوروبا أمام مهمة اختيار طريق تطوير الأمم المتحدة ونهج التسوية الاقتصادية السياسية للنزاعات الإقليمية، باعتباره الطريق الأفضل لتعظيم دورها في العولمة الرأسمالية، خلافاً للولايات المتحدة التي تتبع في ذلك نهجاً عسكرياً. إضافة لذلك أن الولايات المتحدة تسعى لفرض قيادتها للعولمة في الظرف الراهن، ولا تنتظر ما ستؤدي إليه التطورات الاقتصادية – السياسية اللاحقة.

واعتقد أن افضل وجهة نظر لحد الآن بهذا الصدد هي تلك التي يتبناها اليسار الأوروبي بشأن الاتحاد الأوروبي، باعتباره تحالفا ضد قوى الرأسمالية الاحتكارية الأوروبية. إذ يتمتع اليسار في أوروبا بإمكانيات كبيرة ومؤثرة في الاتحاد الأوروبي ومن ثم في العولمة الرأسمالية. وهو تأثير سوف يزداد مرارا في حالة حدوث تطورات جدية قادرة على الانتظام في يسار أممي.

إن التطورات الأكثر وضوحاً بالنسبة لرأس المال الاحتكاري العالمي والأمريكي بصورة خاصة يتمثل في تطوير منظمة التجارة العالمية وحلف الأطلسي واستيعاب تطور الاتحاد الأوروبي واعتبار القمة السباعية الحكومة العالمية الفعلية، التي تعالج مختلف القضايا العالمية في اجتماعاتها السنوية وتسعى لوضع الحلول لها من وجهة نظر مصالح الاحتكارات العالمية. بل يمكننا القول، بان أي توحيد للعملات العالمية، وهي عملية ممكنة جدا، مثل الدولار واليورو (الأوربي) والين (الياباني)، سوف تؤدي إلى تطورات اقتصادية وسياسية هائلة، بحيث يصبح من السهل رؤية طبيعة وشكل الإصلاحات الضرورية في الأمم المتحدة. فمن وجهة نظر الاحتكارات العالمية والأمريكية بشكل خاص، ليست الأمم المتحدة سوى منصة لإلقاء الخطب المؤيدة لوجهة النظر الأمريكية. وان فعالية الأمم المتحدة ممكنة فقط عندما تنسجم سياستها مع مصالح الولايات المتحدة. وهو طريق مغلق، بما في ذلك في العولمة الرأسمالية نفسها، دع عنك استثارته لردود الفعل السياسية التي لن تقبل به بتاتا.

إن المرحلة الجديدة من التوسع الرأسمالي، التي تستند إلى القوة الاقتصادية أساساً في توسعها إضافة إلى القوة العسكرية، خصوصا وبالتحديد من جانب الرأسمالية الأمريكية، خلافاً للمراحل السابقة التي اعتمدت القوة العسكرية أساساً في التوسع الرأسمالي، ستتمكن من دمج العالم وإلغاء الحدود الجغرافية – السياسية. خصوصاً وإن نخب فكرية واسعة باتت تقترب من القناعة الفعلية لما في العولمة الرأسمالية نفسها من إمكانية كبيرة للتطور الاجتماعي. وهي إمكانية فعلية تستلزم ضرورة التكيف معها والتعبير عن المصالح المختلفة ضمنها (يتبع....).

 

يوسف محمد طه

 

ابراهيم مشارة"إنني لم ألتحق بجامعة أوكسفورد ولا بجامعة كمبردج ولكنني التحقت بمقهى أثينا الجديدة فمن أراد أن يعرف شيئا عن حياتي ينبغي أن يعرف شيئا عن أكاديمية الفنون الرفيعة هذه لا تلك الأكاديمية الرسمية الغبية التي تقرأ عنها في الصحف"

جورج مور الكاتب الإيرلندي 

إذا كان هذا رأي كاتب كبير في جامعات الغرب، تلك الجامعات التي صنعت بمعية الكتاب والأكاديميين والطلبة مجد الغرب الصناعي والعلمي والثقافي والفني فكيف تكون الحال مع جامعاتنا وأكاديميينا وطلبتنا ومثقفينا؟ ولا يعني هذا البتة بخس الناس أشياءهم وإنما الإشارة إلى تفشي ظاهرة الشكلانية في مجتمعنا العربي الذي صار ينخدع بالشكل والسطح والكلمة البراقة دون المضمون والفعل والواقع، بلا شك إن السياسة ساهمت في تكريس هذا الواقع المريض، إن الاستبداد وغياب الشفافية تنجم عنه حتما أمراض لصيقة به تفاوت طبقي رهيب واهتمام مفرط بالماديات ويحل مكان الوسيلة الشريفة للغاية الشريفة الغاية تبرر الوسيلة وسط حمى تدبير المعاش، ناهيك عن تفشي الكم على حساب الكيف ولا ريب أن للأمر علاقة بالنمو السكاني إن النمو المطرد للسكان واتساع المدن وخلق مدن جديدة وتوسع الأرياف يحتم قطعا مواكبة هذا النمو بمنشآت تعليمية جديدة من التعليم الابتدائي إلى الجامعي وهذا نتيجة لغياب التخطيط في الإنجاب وخضوع الأمر للمصادفة في أغلب الأحوال يضع على عاتق الدولة توفير المنشآت وتجهيزها وتوفير الطاقم التربوي لها لكن هل يتوفر لدى هذا الطاقم التأهيل المناسب ؟ تردى التعليم العربي في كثير من الدول العربية ذات الكثافة السكانية الكبيرة مع المشاكل السياسية مثل الجزائر ومصر في حين ظل يحتفظ ببعض الاحترافية والجودة في بعض دول الخليج نتيجة الوفرة المالية والقلة السكانية والارتباط الوثيق ببعض معاهد وجامعات الغرب وربما يصدق الأمر على التخصصات العلمية البحتة والتقنية أكثر مما يصدق على الفلسفة والعلوم الإنسانية، إن ذكر مصر والجزائر مثلا ليس من عندياتنا بل هو من تقرير مؤشر "دافسو" لجودة التعليم لسنة 2019

عرجنا على ذلك لبيان أن الواقع التربوي والعلمي والأكاديمي العربي ليس متجانسا مثلما أن النمو السكاني والاقتصادي ومتوسط الدخل ليس متجانسا والحال أن هناك استقطابا للكفاءات العلمية والفكرية من عموم الدول العربية وهو في الواقع نزيف إن ما يقدمه الغرب من تشجيع ودعم مادي ومعنوي وتحفيز وحرية يسيل لعاب تلك الكفاءات – وهي معذورة- في حين تفقد البلدان العربية رساميل بشرية كلفت أموالا طائلة في إعدادها هي المعتمد في التنمية والنهضة المعرفية وكل هذا نتيجة غياب الشفافية والحرية والدعم فليس من المعقول أن تهجر كفاءة علمية وطنها بحثا عن الرفاه بالأساس بل بحثا عن الكرامة والحرية وسبل الإبداع وهو ما تفتقده في وطنها الأصلي.

في الجانب الثقافي تصاب بالصدمة حين تعلم أن كاتبا غربيا مثليا رفض جائزة عربية لأن الجائزة الممنوحة باسم الحاكم سبة فهو غير منتخب ومستبد مع أن مبلغ الجائزة مغر كثيرا والعجب أن في اللجنة المانحة كتابا كبارا وأكاديميين كبارا كذلك فأين الخلل؟ في هذا الكاتب المثلي الميول الذي رفض أن يبيع شرف الكلمة أم في أعضاء اللجنة الذين قبلوا المنصب مقابل مبالغ مالية كبيرة؟

وتزداد اليوم حمى السباق إلى الجوائز- خاصة النفطية - ومن يدقق في الأمر يجد أن هناك صلة بالتخطيط العولمي والإمبريالية الجديدة إن الغرض صرف الفكر والنظر عن محور بغداد بيروت، القاهرة ودمشق وهو محور الممانعة والرفض والتنوير والحداثة وخلق محور جديد عواصمه نفطية مضادة تماما في قيمها لما أسلفنا، إنها ثقافة الاستهلاك والسطحية والتبعية والماديات لا غير، من ينسى إن قرأ يوما كيف أخذ الماغوط جائزة نفطية نظرا لحاجته ثم شعر بالإثم فعاد يتبرأ منها متهكما بأنه يميني بالمعدة يساري بالفكر؟

من المؤسف أن فهم العربي للثقافة مازال سطحيا وساذجا إنه يعني في وعيه ولا وعيه الشهادة الكبيرة أو المنصب الكبير أو الحقيبة الدبلوماسية والكارت الشخصي وشبكة العلاقات الخاصة والشطارة والفهلوة ويعني كذلك الحديث المتقن والحفظ الواسع وربما التآليف الكثيرة بغض النظر عن قيمتها متى ندرك كعرب أن الثقافة هي بمفهومها الفلسفي الرفض للاستبداد والظلامية والهيمنة والفساد وعدم الانخراط فيه أو بالمفهوم الإيماني الديني النهي عن منكر الاستبداد والفساد؟

صحيح لا نعدم مثقفين من هذا النوع وكثيرون عانوا الاضطهاد أوالسجن أوالموت والتضييق على سبل القوت والابتزاز وما بدلوا تبديلا ولكنهم في حمى الاستهلاك والثقافة الاستعراضية صاروا قلة وربما زادت وسائل التواصل والتقنيات الحديثة في شيوع الثقافة الاستعراضية أي ثقافة الواجهة "الفترينة"

إن هذا يقودنا حتما إلى ما نحن بصدده وهو كيف همشت التربية والتعليم والجامعة خاصة باعتبارها صانعة النخبة عن أداء الدور الموكل بها فلم تعد المعاهد العلمية صانعة الحدث ولا التنوير ولا التأثير في المجتمع بل المجتمع هو الذي يؤثر فيها ويجعلها على مقاسه تردي كبير في الإبداع والترجمة والتأليف حسب مؤشرات المنظمات المختصة مقابل هياكل ومعدات لم تؤت أكلها مصداقا للمثل العربي القديم "أسمع جعجعة ولا أرى طحينا"

ربما عادت الشهادة العليا بالنسبة للكثيرين مجرد" أكل عيش" ولكنها في ذات الوقت مدعاة للتنطع والعنجهية الفارغة والاستكبار والتطاول والتفاخر بلا مردود ولا فائدة وهي حقا بالنسبة للبعض ليست شهادة جامعية تتيح الاستزادة من العلم والبحث والإضافة وإنما "قماط "أكاديمي يشل عن كل حركة وكأنه سر كهنوتي يمنح لمالكه الأسرار الأولى للخليقة والبسيطة وفي مسرحية توفيق الحكيم "الأيدي الناعمة" يعالج الحكيم قضية الإنسان المسترزق بالمجد العائلي دون أن يعمل بيديه اللتين صارتا ناعمتين فمادام يملك لقبا ورثه كما ورث لون شعره وعينيه فهو يعفيه من تبعة كل عمل شاق في دروب الحياة. ولا أدل على ذلك من هذه الشكلانية المفرطة في تمجيد الألقاب في الشارع وفي البيت وفي الجامعة وفي المسجد وفي الأستوديو والغريب أنك تحس بالراحة في الجلوس إلى فلاح أو الحديث مع شيخ طاعن في السن أو مع ولد صغير يلعب كرة في الشارع فتحس بالعفوية والانسجام مع الحياة والطبيعة وتجلس إلى الثقافة الأكاديمية فلا ترى غير التكلف والاصطناع ولوك المصطلحات والألقاب فتحس بالضيق والتبرم والرغبة في الانصراف لقد هزمت الثقافة الشعبية بصدقها وإخلاصها وعفويتها وتعلقها بالأرض والناس الثقافة الأكاديمية باصطناعها وعنجهيتها ولوكها للمصطلحات وتعلقها بالألقاب وعلية الناس كما تتوهم ومن المفيد الإشارة إلى أنك تسمع حديثا لكبار أساتذة الغرب فلا تراهم يخاطبون إلا بأسمائهم مجردة مع أنهم صانعوا الفكر والعلم والتطور إن هذه السلطة الشكلية للقب لابد أن تزول من الخطاب العام ويكون للمضمون والعمل المصداقية وحدها وخارج ذلك ليست سلطة اللقب العلمي بغير مردود حقيقي- إلا استمرارا لسلطة اللقب السياسي والديني وهي أشكال من الاستبداد والتسلط تساهم في تخلفنا وانحطاطنا العلمي والحضاري وكأنه هرم استبدادي كبير أعلى ما فيه سلطة اللقب السياسي وتحته الديني وتحته العلمي وهلم جرا لتدفع العامة-عامة الشعب- من مالها العام تكلفة أشكال الاستبداد هذه دون أن تصنع لها نخبتها السياسية والدينية والأكاديمية مستقبلا أو تبشرها بفجر وليد.

يزداد غمك حين تسمع بأشكال القرصنة والسطو والتزوير في الأطاريح الجامعية بل في فراغ مضمون كثير منها وعدم صلاحيتها لأن تكون أطاريح جامعية أصلا إنها لا تقدم شيئا جديا ولا مضمونا فكريا أو فلسفيا سوى الاجترار والوصول إلى اللقب بلا تعب ولا سهر ليتكرس "الجهل المؤسس والموضب في شهادة عليا" ناهيك عن تنمية سلوك الإمعية والاجترار عبر التحكم في التقدير الممنوح عبر سلطة أخرى هي سلطة "الاختبار" والذي يكرس واقعيا مقولة الصاحب بن عباد"بضاعتنا ردت إلينا" دون السماح بالاعتراض أو الرفض والاحتفاظ بالموقف الشخصي المناوئ لسلطة "الاختبار" أو" الامتحان" كما يسمى أيضا خاصة في العلوم الإنسانية  ولا يعني هذا غض قدر كثير من الأكاديميين الجادين والمبدعين والمضيفين إلى الفكر والفلسفة والإبداع ولكن الكثرة السطحية ردت كل فضيلة وهدمت كل محمدة وللنظر إلى تصنيف الجامعات العربية أمام جامعات الدنيا وهي تصنيفات غير مغرضة وليس لها من خلفيات إيديولوجية – وقد تعودنا على تغطية عيوبنا بتعليقها بمشجب المؤامرة الأجنبية- إنها تشير إلى وجود الجامعات العربية في آخر الترتيب وطبعا لكل ذلك أسباب موضوعية لا داعي للخوض فيها فلنرحم أنفسنا من هذه الشكلانية المفرطة ولنبحث عن العمق والمضمون ولنكن جادين مضيفين للفكر وللثقافة وللإبداع وخادمين لأوطاننا الرازحة تحت نير التخلف والهيمنة مع أن إمكانياتنا البشرية والطبيعية والتاريخية ترشحنا لاحتلال الصدارة.

وهناك ظاهرة أخرى جديرة بالوقوف عندها وهي ظاهرة المؤتمرات العلمية كما تسمى في العواصم العربية وبعضها مفيد وكثير منها ليس سوى سياحة وتبادل الصور ودفع الرسوم وتكاليف الإقامة في الفنادق إنه تربح على حساب قيم العلم وشهادات مشاركة لا تقدم ولا تؤخر سوى تقديمها للجامعة الأم لينتفع المشارك بالترقية، ترقية على ماذا؟ ولا داعي للحديث عن تفشي الرداءة والسطحية وربما الدسائس والتحالفات المشبوهة والابتزاز فيما يسمى بالمجلس العلمي للجامعة وكأنها حمى تسابق سياسي وليس علميا ولست بالمبتدع في هذا الحديث فقد تحدث أكاديميون عرب كثر عن ذلك في مؤلفات ومدونات وفي تصريحات خاصة وهي محفوظة  في درج" وشهد شاهد من أهلها".

نخلص من كل هذا إلى أن الواقع التربوي والأكاديمي والعلمي العربي مريض وموبوء للأسف الشديد ولو لم يكن غير ذلك لرأينا قفزة حضارية على شاكلة قفزة بلدان الشرق الأقصى وأمريكا اللاتينية والجنوبية بل بعض الدول الإفريقية التي لا تملك مواردنا البشرية والطبيعية ولكنها تقدم تجربة جديرة بالاحترام والتقدير.

لو طلبنا إحصائيات عربية عن عدد حاملي الشهادات التي تسمى عليا وعدد الموظفين في القطاع التربوي والعلمي والأكاديمي وعدد الهياكل العلمية ومجموع الإنفاق على ذلك لرأينا رقما لا يصدقه عقل وننظر إلى واقعنا فنراه يستعصي على كل توصيف للأسف الشديد. لكن الأمل معقود بآمال شبابية تسعى إلى التغيير والمرور إلى عصر العلم والديمقراطية والكفاءة والإنتاج الفعلي وهذه الآمال الشبابية لا يفوتها التفكير في هذه التجارب الناجحة في دول الشرق الأقصى وأمريكا اللاتينية وإفريقيا وهو ما نرجوه أن يتحقق مستقبلا من زوال كل سلطة وهمية إلا سلطة المضمون

 

بقلم الكاتب الجزائري:إبراهيم مشارة

 

عبد الله الفيفيلماذا الجوائز العربيَّة تدور في فلك الأدب، أو العلوم الإنسانيَّة، ولا توازيها جوائز كبرى في مجالات العلوم الطبيعيَّة؟

إن عدم التوازن هذا لا يعكس غياب العِلم والعلماء، أو قصور نشاطهم في الواقع العربي بالضرورة، ولكنها ثقافةٌ عربيَّةٌ ضاربةٌ بأطنابها في عالم الأدب أكثر.  وكما أقول دائمًا: أنا لست ضدَّ الجوائز الأدبيَّة، ولا يمكن أن أكون، لكنني أدعو إلى التوازن. فأين الخلل؟ أ في الأكاديميَّات العربيَّة؟ أم في عمليَّات الترشيح؟ أم في حضور العِلم والعلماء؟ تلك أسئلة يجب أن تلفتنا إلى مراجعة نصيب العِلم في حراكنا الثقافي، عبر مؤشِّر الجوائز.

من جانب آخر- ومع عدم تعميم حُكمٍ على جميع الجوائز- فإن الجائزة التي لا تقوم على معايير موضوعيَّة، تفقد قيمتها مهما بلغت. والجوائز نوعان، نوعٌ محكَّم، وآخر غير محكَّم، أو تحكيمه فيه شبهة. والجوائز التي تستأهل الإكبار- سواء من قِبل الفائز أو الجمهور- هي النوع الأوَّل، لأن الفائز بها يكون قد حظي بتقديرٍ عِلميٍّ ومعنويٍّ يفوق قيمة الجائزة الماديَّة. على أن براءة الجوائز عمومًا من أي حسابات جانبيَّة (غير عِلميَّة) مسألةٌ لا رهان عليها، إلَّا أنَّ كثيرًا من الجوائز في عالمنا العربي تكشف على الملأ أوراق حساباتها تلك، سواء بَدَت سياسيَّة أو إعلاميَّة أو إقليميَّة، وذلك من خلال مستوى الأعمال الفائزة، بما يَظهر فيها من تهافتٍ يشكِّك المتابعَ في مصداقيَّة الجائزة. وقد لا تكون الهيئة المانحة في مجملها وراء ذلك أو بعضه، وإنما تقف وراءه ثقافةُ المحكِّمين الفرديَّة ونزوعاتهم، المسيَّسة، أو المؤدلجة، أو ذات الميولات والأهداف الخاصة- فإذا هم يُقصون دون معايير عادلة ويُدنون. ولهذا كان على كل جائزةٍ تحترم نفسها أن تُوكِل أمر قراءة الأعمال والحُكم عليها إلى محكَّمين يخضع تحكيمهم نفسه إلى تحكيم، وأن تكون المعايير في جميع الأحوال صارمةً ومطَّردة.

ولقد تُلحَظ- إلى جانب اختلال الشرط العِلمي في بعض الجوائز العربيَّة- ظاهرةٌ أخرى، وهي الميل إلى إشراك غير عملٍ واحدٍ في الفوز بجائزةٍ واحدة، مع ما يظهر بين تلك الأعمال من فوارق عِلميَّة. ما يدلُّ على حضور معايير رديفة غير عِلميَّة، ومنها الحرص على استثمار مبلغ الجائزة في أعمال غير متساويةٍ في قيمتها العِلميَّة، وذلك لأن أبعادًا ومصالح ثانويَّة، ترعاها الجهةُ المانحة، تَجبُر لديها نقصَ طرفٍ ضعيفٍ، فإذا هو ينافس غيرَه من المتفوِّقين.

مهما يكن من قول، فإن تلك الملابسات، التي تحيط بآليَّات منح الجوائز ونزاهتها، تُفقِدها مكانتها حتمًا، كما تُفقِدها حافزيَّتها للتقدُّم الإبداعي والعِلمي، وتجعلها سبيلًا لطرح أسماء باهتة، والترويج لأعمال دون المستوَى، وإذ ذاك تغدو الجوائز وبالًا على الثقافة والآداب والعلوم.

ومن الأسئلة المتكرِّرة حول الجوائز: ما السبب في هجرة بعضها عن أوطان مانحيها؟

الحق أن لكلِّ جائزةٍ ظروفها. وكثيرٌ من الجوائز مرتبطٌ بمؤسَّسات ثقافيَّة أو خيريَّة، تجد مناخها الأنسب في بلدان معيَّنة. فما الضير في ذلك؟ ثمَّ لماذا نَعُدُّها هِجرة؟ ما دامت الجائزة تمثِّل واجهة ثقافيَّة، وتؤدِّي دورها المعرفي مباشرةً أو غير مباشرة. وبما أن معايير منح الجوائز ينبغي أن يكون عِلميًّا، بعيدًا عن الإقليميَّة، فمن باب أولَى أنْ لا نتوقَّف عند موطن المؤسَّسة التي تمنح الجائزة، في الداخل أو في الخارج. ذلك أنه يَحِقُّ لكلِّ صاحب مالٍ أن يستثمره كما يشاء، وفي أيِّ بلدٍ يريد، ما دام لا يخرق قانونًا مرعيًّا. ومن ثَمَّ لستُ أرى صِحَّةً في تسمية الجوائزَ السعوديَّةَ التي تتخِذ مراكز خارج المملكة بـ"جوائز مهاجرة"؛ من حيث إن الوطن العربيَّ وطنٌ واحد، والتميُّز العِلميَّ والأدبيَّ لا جنس له ولا وطن. كما يَحِقُّ لأصحاب الأموال والجوائز- في المقابل- أن يجعلوا مراكز جوائزهم داخل البلاد، ما دامت قائمةً على معايير عِلميَّة. وهذا هو الأَولى، والخليق بأن يؤدِّي هدفًا وطنيًّا، سواء أكان الفائز من داخل الوطن أم من خارجه. بَيْدَ أن موضوع ما يُسمَّى بهجرة الجوائز موضوعٌ جديرٌ بالدراسة، إنْ كان سببه نظاميًّا، وأمَّا إنْ كان متعلِّقًا بخيارات مانحي الجوائز فقط، فذلك شأنهم.

هذا، ومن الملحوظ كثيرًا- كما يقول كاتب هذا المقال أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفي- الغيابُ الإعلاميُّ عن بعض الجوائز الأدبيَّة، وغير الأدبيَّة إنْ وُجِدَت. والإعلام العربيُّ- مع الأسف- غائبٌ، على كلِّ حال، عن معظم الفعاليَّات الثقافيَّة الجادَّة، في الداخل والخارج. وحين يقترن الإعلام بالثقافة فإن مسؤوليَّته في ذلك تكون أكبر. ولستُ أرى سببًا مقنعًا لذلك الغياب، إلَّا غياب إستراتيجيَّةٍ ثقافيَّةٍ شاملة، ما يجعل الأمور تخضع للمبادرات والاجتهادات والموسميَّات. إنه القصور في تغطية الفعاليَّات الثقافيَّة كافَّة. قل لي: كم ندوة فكريَّة أو أدبيَّة بُثَّت كاملةً عن مهرجان ثقافي، كالمهرجان الوطني للتراث والثقافة بالجنادريَّة، أو مهرجان عكاظ، مثلًا لا حصرًا؟ حتى إن مَن يُشارك في تلك البرامج الثقافيَّة إنما يتولَّى بنفسه التوثيقَ الإعلاميَّ لمشاركته، إذا استطاع إلى ذلك سبيلًا، وكأنْ لا وجود لأجهزةٍ عملاقة، وقنواتٍ كبيرة كثيرة، تُنفَق عليها الأموال الطائلة، كان يُفترض أن يكون دورها البثَّ الثقافيَّ والتوثيقَ والأرشفة، ونشرَ تلك الأعمال وإعادتها، كما تُبَثُّ وتُعاد وتُكرَّر، إلى درجة الإملال، الأعمال الفنيَّة والترفيهيَّة الساذجة.  ليس ثمَّة أكثر من رسائل مقتضبة، ربما قُدِّمت في فترات ميتة من تلقي الجماهير، تدور غالبًا في النطاق الشعبي أو الفني، لكي يقال: "حدث كذا.. والسلام عليكم ورحمة الله"!

أجل، لقد ظللنا نتطلع إلى أن تكون هناك قناةٌ فضائيَّةٌ ثقافيَّةٌ أو أكثر؛ إذ كيف يمكن تصوُّر إنشاء قنوات شتَّى، وعدم إنشاء قناة ثقافيَّة؟ والثقافة أشمل وأخطر من غيرها، وفيها المجال الأرحب والأعمق لبثِّ الوعي، بما يصبُّ في مصلحة الوطن والمواطن، والوعي الاجتماعي والفكري، وترقية الذوق الثقافي العام. كان ذاك هو المتوقع منذ سنوات، ولا سيما بعد التداعيات اللاحقة بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، تلك التداعيات التي كشفت تراكمات من الاختلالات التربويَّة والثقافيَّة المزمنة. نعم، كان إنشاء قناةٍ ثقافيَّةٍ في أُولى الأولويَّات من الأحلام. فوُلدت قناةٌ ثقافيةٌ يتيمة، لم تُعمِّر طويلًا؛ بل سرعان ما وُئدت في مهدها، ومُحي اسمها محوًا، واستُبدلت به بضعة رموزٍ لاتينيَّة!

إن القضيَّة الثقافيَّة إذن- كما ترى- أبعد مدًى وأعقد حالًا من الجوائز والغياب الإعلامي عنها.

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

 

إن حل الإشكالية السياسية الوطنية في البلدان الضعيفة التطور تواجه عقبات خارجية كبيرة لم تشهدها بلدان أوربا الغربية والولايات المتحدة عندما أخذت تحل إشكالياتها السياسية الوطنية دستورياً وقانونياً. ذلك يعني أن القوى التي تقف بالضد من وضع وتطوير إدارة سياسية عالمية جديدة هي نفسها التي تقف وراء عدم حل الإشكالية السياسية الوطنية في البلدان الضعيفة التطور. وهو واقع وحقيقة يفترضان تطوير الرؤية المعرفية السياسية، القادرة على فتح أفاق جديدة بالنسبة لحل هذه الإشكالية السياسية العالمية.

وفي الإطار العام يمكننا تقسيم التشابك والترابط العالمي إلى تشابك وترابط اقتصادي وسياسي وعسكري وفكري – علمي – إعلامي. وهي تشابكات وترابطات تعمل في وحدة واحدة من الصراع والتطور. وبالتالي فإن فصلها ممكن من الناحية المجردة فقط لغرض دراستها ومعرفتها، ومن ثم لأجل فهم وحدتها الملموسة. ويتوقف نجاحنا في ذلك أو فشلنا على مدى استجابة تفسيرنا لحقيقة الوقائع المختلفة في حالاتها المنفردة والمجتمعة.

إن التشابك والترابط الاقتصادي هو أول الروابط في العالم. حيث يتجسد في حجم المبادلات التجارية والاستثمارية والمعاملات المالية وانتقال رؤوس الأموال وفي البورصات العالمية والاقتصاد النقدي. كما تشهد عناصر الترابط والتشابك الاقتصادي نمواً سريعاً وهائلاً، مما يعكس التوجهات العالمية للقوى الاقتصادية – الحالية، التي تتجاوز مجال وحدود جنسيتها الخاصة. كما يصنع هذا التشابك والترابط مصالح مشتركة بين القوى الاقتصادية المالية العالمية في إدارة عالمية للنشاط الاقتصادي، حتى في حالة اتخاذ هذه الإدارة صيغة خفية ومختفية تحت واجهة "اقتصاد السوق". ويرتبط هذا الواقع حاليا بقدرة الأوساط المالية العالمية على مثل هذه الإدارة، مما يعكس قدرتها الفعلية الآن على إدارة شؤون العالم في ظل غياب الشرعية الدستورية – القانونية. وهي حالة يمكن اعتبارها شكلا من أشكال الدكتاتورية الجديدة في العلاقات الدولية.

إذ يتجاوز حجم المعاملات المالية في البورصات العالمية 400 ترليون دولار في السنة. وهو رقم يقع تحت السيطرة التامة للشركات المالية والصناعية والتجارية العالمية. أما حجـم الناتج الإجمالي العالمي فيتجاوز 25 ترليــون دولار، يقع ما يقارب 90 % منه تحت سيطرة الاحتكارات العالمية. أما حجم التجارة العالمية فيتجاوز 8 ترليون دولار، يقع 95 % منه تحت سيطرة الاحتكارات العالمية أيضا . وفي هذا تكمن القوة العالمية للرأسمالية في مرحلة توسعها الجديد. وهي قوة هائلة ومتنامية قادرة على صياغة اقتصاد عالمي جديد، مترافقة مع رؤية استراتيجية كونية اقتصادية – سياسية وبالأخص بعد انهيار الاشتراكية الأولية، وتباطؤ نمو حركة اليسار والقوى المحلية في إعادة ترتيب أوضاعها من جديد.

إن عالمية الرأسمالية تحطم مختلف القوى المحلية والحكومات، وتحطم مختلف الحواجز الاقتصادية والسياسية والفكرية. إنه غزو جديد، ولكنه لم يواجه بعد بمقاومة كافية. وهو غزو يصنع وضعا عالميا جديدا.

ويتجلى التشابك والترابط العسكري في التوازنات العسكرية الإقليمية والعالمية، التي تكشف عن طابعها التخريبي في الأزمات. وفي الوقت نفسه كشفت عن شللها تجاه حل الإشكالية السياسية العالمية الراهنة بالقوة العسكرية، وذلك لقوة الدمار الكبرى القائمة في السلاح والعسكرة نفسها. كل ذلك يفترض أولوية وجوهرية الحل السياسي للإشكاليات السياسية، كما أن القدرة التدميرية للعسكرية العالمية الراهنة تفرض بحد ذاتها ضرورة حل الإشكالية السياسية العالمية الراهنة. ويظهر التشابك والترابط العسكري أيضاً في الأحلاف والقواعد العسكرية المنتشرة في مختلف أنحاء العالم، وكذلك في العلاقات العسكرية الثنائية وفي تطوير الأسلحة التقليدية والاستراتيجية.

ويظهر التشابك والترابط العسكري أيضاً دكتاتورية العلاقات الدولية الراهنة بأجلى صورها، باعتبارها دكتاتورية القوى المالية العالمية. وهي دكتاتورية تتعارض من حيث الجوهر مع المصالح الحيوية للدول والوجود الإنساني. إذ أن حل الإشكالية السياسية لإدارة العالم سيكشف عن الطابع المدمر لهذه الدكتاتورية. أي انه سيكشف للجميع الحقيقة القائلة، بأن العالم لا يعاني من ندرة، بل من سوء إدارة عالمية، ومن استهلاك غير ضروري وضار بالأرض. وباستثناء الولايات المتحدة، لا توجد في العالم الآن أية قوة اقتصادية – سياسية تسعى لاستخدام القوة العسكرية كوسيلة أساسية في الحياة السياسية العالمية. وهو أمر يوفر في نفس الوقت إمكانية بناء تيار عالمي يدعو إلى تحييد القوة العسكرية في الحياة السياسية العالمية.

إننا نعثر على تيارات تسعى لموازنة القوة العسكرية الأمريكية بالقوة العسكرية الروسية أو غيرها من القوى. وهي ممارسة قد تنفع مؤقتا، إلا أن الحل الجوهري يفترض تقييد النزعة العسكرية الأمريكية بنشاط سياسي عالمي تمهيداً لتحييدها ومن ثم إنهاء العسكرية في الحياة السياسية العالمية. لاسيما وإذا أخذنا بنظر الاعتبار المجمع الصناعي العسكري، الذي يلعب دوراً كبيراً في الاقتصاد الأمريكي، كما يستخدم في الترتيبات العالمية لصالح الاحتكارات الأمريكية. وهي سياسة تجد انعكاسها غير المباشر في تنامي سياسة الإنماء العسكري وهياكله بالنسبة للاتحاد الأوربي، الذي بدوره لا يخلو من تأثير الاحتكارات الأوربية نفسها في مساعيها لموازنة العسكرية الأمريكية.

كما نعثر على التشابك والترابط العالمي في ميدان الفكر والعلم والإعلام والثقافة. إذ تزداد سرعتهما ووتائر تطورهما بالارتباط مع تطور وسائل الاتصال، الذي يشكل نظام الانترنيت أحد تجلياته العملية الباهرة. وهو تحول اخذ يجعل إدارة العمليات كومبيوترية على الصعيد العالمي. وهو تحول يعكس القدرات الهائلة للعلم وإمكانياته غير المحدودة. مع إن ثورة المعلومات والاتصالات ما زالت في خطواتها الأولى. إلاّ أنها بدأت تضع أسس ومقومات "المجتمع المتشابك" و"القرية العالمية". حيث المعلومات متوفرة للجميع، إضافة إلى تنامي إمكانيات تحول الإدارة من نمطها الهرمي إلى النمط الأفقي، أي الأكثر ديمقراطية.

وبما أن للفكر الإنساني العقلاني دورا هائلا في ترسيخ أسس العقلانية والقيم الإنسانية، فإن هذا التشابك والترابط العالمي سوف يؤدي بالضرورة في حالة استغلاله السليم إلى ترسيخ إمكانية الإدارة السياسية العالمية العقلانية، وبالتالي حل الإشكالية السياسة لإدارة العالم، التي تشكل الضمانة المعقولة للتطور الأكثر الإنسانية والأقل كلفة بالنسبة للرفاهية والاستقرار والتطور.

ولعل هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والمنظمات الدولية الأخرى هي أحد التجليات المنظمة والقانونية للتشابك والترابط السياسي العالمي. فقد شهدت العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وبالأخص زمن "توازن الرعب" نشاطاً سياسياً واسعاً ومتطوراً، بالمقارنة مع الفترات السابقة في العلاقات الدولية. ومع أن هذا النشاط السياسي ما زال بعيداً عن بلوغ الحل السياسي للإشكاليات العالمية الراهنة، إلاّ أنه يحتوي على إمكانيات لتطوره قادرة على توفير الأسس السياسية لحل هذه الإشكاليات. فقد شهدت العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية قيام العديد من المنظمات والمؤسسات العالمية القادر على المساهمة في ترسيخ أسس حل الإشكالية السياسية للإدارة العالمية الراهنة.

فالانتقال المستمر والمتطور لتأثيرات الترابط والتشابك العالمي في الوضع الأمني السياسي للدول، يستدعي الحاجة لتطوير شكل العلاقات الدولية، التي تعتبر هيئة الأمم المتحدة نموذجها الأعلى في الوقت الراهن. أما التطورات التي تعرضت لها هذه الهيئة ما بعد الحرب العالمية الثانية وتأثيراتها في مختلف الميادين وعلى كافة الأصعدة وتجاه مختلف الأحداث الكبرى لحد الآن تعادل من حيث نتائجها نتائج حرب كونية ثالثة. وهو أمر يفترض تطوير المؤسسات الدولية القائمة، وبالأخص هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن لتستوعب التطورات والنتائج الحاصلة. إلاّ أن الولايات المتحدة الأمريكية تحاول تطوير استراتيجية عالمية تكون فيها الأمم المتحدة قوة ثانوية أو جهازا سياسيا يخدم مصالحها الضيقة. وهو نزوع يكشف بدره عن تخلف الجانب السياسي العالمي حالياً مقارنة بالتطورات السياسية والاقتصادية والعسكرية والفكرية.

ومن الظواهر العالمية الجديدة، التي تستحق الإشارة والدراسة وتحديد الموقف منها، نشوء السلطات الجديدة لرأس المال الاحتكاري العالمي ومحاولاتها لعب دور الفاعل الأساسي والنهائي في تقرير مصير البشرية. مما يضعف السيادة الفعلية للقوى المحلية والحكومات وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وباقي المنظمات والمؤسسات الإقليمية والدولية، وقد يؤدي إلى إلغاء هذه الهيئات والمؤسسات والدول. ولأجل إعادة السيادة لشعوب العالم لا بد من خلق سيادة عالمية جديدة بتطوير هيئة الأمم المتحدة إلى منظمة عالمية ذات سيادة فعلية على رأس المال الاحتكاري العالمي. إن ادعاء الحكومات المحلية بالسيادة، ادعاء أخرق يتستر على عوراتها ويحاول إخفاء السيادة الفعلية لرأس المال الاحتكاري العالمي التي تعتبر سلطته الفعلية شكلا من أشكال الدكتاتورية الجديدة.

كما يتجلى الترابط والتشابك السياسي في التحالفات والتجمعات الإقليمية وفي العلاقات السياسية الثنائية. إلا أنها لم تعد فاعلة، بل قد يكون من الضروري نظريا وضع مهمة تجاوزها، باعتبارها عقبة أمام نشوء إدارة سياسية عالمية تعمل في ظل شرعية جديدة من وجهة نظر مصالح عالمية للإنسانية جمعاء.

فمن الناحية التاريخية والواقعية كان هناك على الدوام مجموعة من الدول والإمبراطوريات تتقاسم إدارة العالم. إلاّ أن الرأسمالية والفكرة القومية أدتا إلى تقسيم تلك الإمبراطوريات إلى دول مستقلة عديدة. كما نشأت دول مستقلة أخرى في مجرى عملية التحرر الوطني. وهي عملية تاريخية أدت إلى تعاظم عدد الدول، وبالتالي تنوع وتضارب تأثيراتها بما يتناسب مع إمكانياتها. ومع ذلك كان يجري إلى جانب هذا التفاضل في تنوع وعدد الدول تيار يوحدها بفعل آلية وفعالية الرأسمالية والثورة العلمية التقنية. أما نتائجه المباشرة الحالية فتقوم في جلاء وقيمة التشابك والترابط العالمي. مما يؤسس بدوره لضرورة الإدارة السياسية الجديدة. وإن مصدر الحاجة لهذا الترابط والتشابك والإدارة السياسية العالمية الجديدة ينبثق من التأثيرات المتبادلة والآنية بين دول العالم. بحيث يجعل لضبطها والتحكم بها قيمة حيوية لوجود الدول والشعوب نفسها جميعا.

لقد كشف التطور التاريخي المعاصر عن أن القومية بمعناها التقليدي والدولتي ليست أبدية. فالتشابك والترابط والتأثير المتبادل بين الدول والقوميات بدأ يهدد الصيغة التقليدية للفكرة القومية ونموذجها التقليدي في الدولة الحديثة. وهو تطور اخذ يجعل من بعض جوانب القومية كفكرة ومؤسسة عقبة أمام الشعوب نفسها في إدارة ترابطهم وتشابكهم الجديد. كما انه تطور اقرب إلى الصيرورة الساحقة، التي ليس بإمكان أية قومية معاصرة الصمود أمامها. والقضية هنا ليست في "التحدي" أو "عدم التحدي" بقدر ما أنها تقوم في أن الوقوف ضدها يساهم في انعزال وتحجر الأمة والدولة، وبالتالي فإنه يتعارض مع إمكانية تطورها وازدهارها، أي مع مصالحها الحقيقية.

من المعلوم أن فكرة عصبة الأمم كانت إحدى نتائج الحرب العالمية الأولى، إلاّ أنها أخفقت في إدارة الصراعات الدولية وتجنب اندلاع حرب عالمية ثانية. وجاءت فكرة الأمم المتحدة نتيجة من نتائج الحرب العالمية الثانية وبالرغم من إخفاقها في تجنيب البشرية الكثير من الويلات والحروب الدموية، إلاّ أنها استطاعت إدارة الصراعات الدولية بصورة عامة وجنبت البشرية لغاية الآن حربا كونية ثالثة. وكانت فكرة التعايش السلمي الاستمرار السياسي لفكرة الأمم المتحدة، ومن ثم الصيغة العلمية التي جعلت الحرب الباردة تبقى ساخنة دون حريق.

وبرغم من أن هيئة الأمم المتحدة تعتبر صيغة متطورة في تاريخ العلاقات الدولية، إلا أن مواجهة التطورات الكبيرة والمتوقعة في الظرف الحالي والمستقبلي يفترض تطوير فكرة السيادة لهيئة الأمم المتحدة والجوانب التشريعية والتنفيذية في طابعها الكونفدرالي، والتفكير في المداخل والأساليب السياسية والاقتصادية في حل الإشكاليات السياسية العالمية الراهنة. ويتطلب من القوى الأكثر مصلحة في ذلك بذل جهود فكرية ونشاط سياسي يعبئ أكبر القوى الاجتماعية على صعيد العالم من أجل تطوير فكرة وإلزامية السيادة لهيئة الأمم المتحدة، والكشف في نفس الوقت عن المواقف الفعلية للاحتكارات العالمية التي تقف في وجه تطوير المؤسسات العالمية.

ومن هذا المنطلق ينبغي النظر إلى الدولة القومية كموضوع وإشكالية قديمة وتقليدية، رغم أن العديد من الدول ما زال يواجهها. غير أن مواجهاتها لها لم تعد محصورة ضمن حدودها التقليدية، بل ضمن إشكاليات عالمية تسحق الدولة بمفهومها التقليدي. الأمر الذي يثير مسألة الطريقة والكيفية التي يمكن بها إنشاء دولة عالمية عبر تطوير كونفدرالية الأمم المتحدة، وعبر الترابط والتشابك العالمي، وعبر الدور الذي تقوم به حاليا السلطات العالمية الجديدة لرأس المال الاحتكاري. بصيغة أخرى إن عالمية الدولة المشار إليها آنفا تنبع أساسا من كيفية الإدارة الجديدة لهذا الترابـط والتشـابك العالمـي، ومن كيفية تجاوز السلطات العالمية الجديدة لرأس المال الاحتكاري العالمي. أما الاتفاق على مصدر شرعية هذا الكيان العالمي الجديد، أو الشرعية الدستورية الثانوية لهذا الكيان العالمي الجديد، فانه يفترض وجود هيئة تتمتع بالسيادة على العالم على أسس تشريعية وتنفيذية، قادرة على تحقيق مهماتها، أي إدارتها في حل الإشكاليات الكبرى للبشرية عبر الاستعمال المتوازن للطوعية والإكراه أحيانا.

لكن إذا كانت مبررات هذه المهمة والهيئة واضحة للعيان، فان التعقيد الأكبر والواقعي يقوم في كيفية صنع هذه الهيئة وتجسيد مهماتها وغاياتها. وهي مهمة سوف تؤدي بالضرورة إلى مواجهات بين قوى معارضة لها وقوى مؤيدة. كل ذلك يفترض البحث عن بدائل مستقلة لقوى اليسار من جهة والعمل من اجل مساومات مع القوى المعارضة. فمن المعلوم أن الديمقراطية من حيث هي مؤسسات وأنظمة سياسية لم تحقق بعد إمكانية جعل أصوات الناس جميعا متساوية في الحقوق بشكل عام، كما أنها مازالت شديدة التعارض أحيانا مع الواقع والمعطيات على النطاق العالمي.

وعندما ننظر إلى موضوعات الفكر النظري ووسائل الإعلام المرئية والمكتوبة، فإننا نلاحظ ضعف تداول هذه الإشكالية مقارنة بتناول مشكلة الترابط والتشابك العالمي وتجاوز السلطات الجديدة لرأس المال الاحتكاري العالمي للدولة الإمبريالية. فهي إشكالية لم تحتل بعد موقعها المناسب في أولويات المناهج والندوات، كما أنها لم تصبح بعد مادة لحركة عالمية بالمستوى المطلوب تجسد هذه الأفكار.

العالم المعاصر هو شكل من أشكال الكونفدرالية السياسية الاقتصادية العسكرية، ويجري تطوره وتكييفه ضمنها. وهي عملية يمكنها أن تؤدي إلى صيغة متطورة من الفيدرالية السياسية الاقتصادية العسكرية، في حالة عدم انزلاقه إلى حالة من الفوضى، لاسيما وان العالم المعاصر لا يمتلك من إمكانيات التوازن والتشابك والارتباط والمصير المشترك والبراغماتية ما يبعده عن حالة الفوضى هذه. فالحديث الجاري عن تطوير مؤسسات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وخلق أطر أخرى عالمية جديدة، وقيام دولة عالمية، ومصير الديمقراطية في القرية العالمية، هي تعبيرات عن كونفدرالية سياسية وعن ضرورة تطوير هذه الكونفدرالية، خصوصاً من جانب القوى السياسية التي تدرك مواقع ضعفها تجاه السلطات الجديدة لرأس المال الاحتكاري.

إن تطوير الأمم المتحدة باستمرار ليواكب هذه الإشكاليات الجديدة يعتبر استحقاقا سياسيا عالميا مباشرا على جميع القوى السياسية بمختلف اتجاهاتها، لكي تتحمل مسؤولياتها تجاه المجتمع العالمي. فالإدارة الأمريكية تنتخب من قبل الشعب الأمريكي، ولكنها تسعى للتحكم بالعالم. وهي مفارقة تعبر عما أسميناه بالدكتاتورية الجديدة. ذلك يكشف عن بروز دكتاتوريات جديدة ترتبط من حيث الجوهر بسلطة رأس المال الاحتكاري. وهو واقع يستدعي ويوفر إمكانية قيام حركة ديمقراطية عالمية تسعى إلى إشاعة الديمقراطية في العلاقات الدولية وخلق سيادة عالمية تتجاوز دكتاتورية رأس المال الاحتكاري العالمي.(يتبع....).

 

يوسف محمد طه

....................

1- لقد كتب يوسف هذه الدراسة وكثير غيرها قبل وفاته بفترة طيلة نسبيا. لهذا فإن الأرقام الواردة فيها تعكس ارقام وقتها. مع إن هذه الأرقام ليست جوهرية بحد ذاتها بقدر ما هي مؤشرات.

 

 

معراج احمد الندويتعد ظاهرة الحرب والعنف من أقدم الظواهر الإنسانية كما تطلب المجتمعات البشرية الأمن والسلام ونبذ العنف وتسارع إلى الطرق اللاعنفية منذ بدايتها مثلما تسرع الطيور إلى أوكارها. وشهد العالم نظريات مختلفة وطرقا متنوعة لتحقيق السلام العالمي بعد ويلات الحروب العالمية الأولى والثانية فيما بينها نظرية السلام الديمقراطية ونظرية السلام من خلال القوة ونظرية حرية المقايضة وميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وما إلى ذلك.

أما ما يتميز الإسلام عن غيره من النظريات، فإن الإسلام لا يعتبر السلام بالمعنى المحدود البسيط الذي ترنو إليه هذه النظريات المختلفة، وهو تجتب العنف والقتال. أما مبادئ الإسلام وأسسه لتحقيق السلام العالمي تقوم على العدل والمساواة والحرية، وضمانات الحياة القانونية والمعيشة، ومنع البغى وإزالة الظلم والعدوان، وتحقيق التوازن الاجتماعي، والتكافل والتعاون، وإزالة أسباب الخصام والنزاع بين الأفراد وبين الجماعات، ومنع التمييز حسب اختلافهم في الأجناس والطبقات والألوان والأماكن. ومن أبرز ميزة يتميز بها الإسلام عن غيره من الأديان والأيدولوجيات أن الإسلام يبذل جهوده لتنمية شعوب التعاون والتضامن في المجتمع بتعاليمه.

الإسلام يتصور الحياة بوحدة إنسانية غايتها التعارف والتعاون بين الجميع، ولا يتصورها صراعا بين الطبقات، ولا حربا بين الشعوب، ولا عداوة بين الطبقات، ثم يخطو الإسلام خطوات كبيرة لتحقيق هذا الهدف النبيل بتقربه لحقوق الإنسان وبتمسكه بالآداب النفسية والقيم الاجتماعية وتوجيهاته لبناء مجتمع ينمو فيه الحب والتعاطف والتعاون وتشريعاته لضمان الأمن والسلام في الحياة البشرية.

الوحدة هي التي تربط بين المجتمع البشري رغم كل اختلاف وتنوع بسبب دينه وشكله ولونه. تكونت فكرة الوحدة والسلام في الإسلام وترسخت به لتصبح فكرة أصيلة وعميقة. تشمل جميع جوانبه سواءا في الكون الإنسان والوجود والطبيعة بحيث تجتمع عقيدة وتشريعاته وتوجيهاته ومبائه ونظمه إلى السلام والأمن. يدعو الإسلام إلى الوحدة الكبرى في هذا العالم المختلف أنواعه وأشكاله وأساليبه. تبدأ خطوات الإسلام لترسيخ السلام من سلام الفرد إلى سلام الأسرة، وإلى سلام المجتمع وإلى سلام العالم في نهاية المطاف. يشتمل تعاليم الإسلام على أنظمة وأساليب متميزة لتوطيد علاقة الفرد بالفرد، وعلاقات الأفراد بالجماعة، وعلاقة الأفراد بالحكومة وعلاقات الدول بالدول الأخرى.

التفاعل السلمي سيمنح المسلمين نوعًا من التحفيز الثقافي والتنوع في الخبرات التي لابد من امتلاكها إن شاؤوا السير في طريق التقدم كما يساعد التفاعل مهمة الدعوة على نطاق واسع. وستكون النتيجة الطبيعية لهذا التفاعل الواسع بين المسلمين وغير المسلمين بدء حوار حول الإسلام في كل مكان رسميًا كان أم غير رسمي. إن الإسلام دين سلام،  فلو كان دين عنف لما كان له أن يكون أبديًا. فبالنسبة للأزمنة الحديثة، نُبِذ طريق العنف كليًا من التفكير المعاصر. والآن، فقط النظام الذي يستحق التقدير والقبول هو الذي يقوم على السلام واللاعنف.

لقد نبذ التفكير الحديث الشيوعية، وكان أحد الأسباب الرئيسية هو أنه كان لزامًا على الشيوعية أن تدوم عن طريق العنف. فمهما كانت الظروف، لا يمكن للعنف أن يكون مقبولاً للعقل الحديث. وبعد انهيار النظام الشيوعي في عام 1991م الذي كان جزءا كبيرا من العالم، وما يزال، يواجه خواء إيديولوجيًا. وهذا الخواء لا يمكن ملؤه إلا بالإسلام وحده. لقد أصبحت الدول المتطورة في العالم الحاضر قوى عظمى، اقتصادية أو عسكرية، لكن المكان شاغر من قوة عظمى إيديولوجية، وهي تعود إلى الإسلام من جديد بشكل كامن.

السلام في مبادئ الإسلام أعمق من أن يكون رغبة يدعو إلى تحقيقها في الحياة، وإنما هو أصل في عقيدة وعنصر في عناصر تربيته في بناء المجتمع المثالي. وبعد أن يسكب في ضمير الفرد الأمن والسلام يحاول الإسلام بناء المجتمع في ضمائر الأفراد وأعماقهم، ولتحقيق هذه الغاية يأخذ المسلمين بالآداب النفسية والآداب الاجتماعية على نشر إشاعة المودة والمحبة في النفوس والقلوب. يدعو الإسلام إلى إشاعة الكلمة الطيبة بين الناس كما يدعو إلى افشاء السلام في مكل مكان ولكل إنسان. ويمنع الإسلام عن الأعمال التي تثير الأحقاد وتورث الضغائن في النفوس.

الإسلام دين الطبيعة، وقد كبح العنف باعتباره غير مقبول منذ البداية. فالإسلام داعم للسلام، وليس للعنف من يومه الأول. في الماضي، لعب الإسلام دورًا عظيمًا في تطوير الإنسانية، ونتيجة لذلك ولج التاريخ الإنساني عصرًا جديدًا من التقدم والتطور. وقد آن الأوان اليوم لكي يلعب الإسلام دورًا بناء عظيمًا، فيقود التاريخ الإنساني مرة أخرى إلى عصر جديد من التقدم.

 

د. معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

 

أنتم ايها المصلحون تريدون أن "تحولوا" الدولة من أداة للقمع والاستبداد وانتهاك الحقوق إلى وكالة تعاونية لدعم الأهداف العامة للبشر، بينما يريد الأناركيون أن يلغوا الدولة . بما أن الأناركيين لا يعارضون أية وكالات تعاونية أو مؤسسات تقوم على التعاون كما تصفون، فمن الواضح أن الدولة لا تعني بالنسبة لكلينا نفس الشيء . يعود هذا الاختلاف في الأصل إلى طريقتي تفكير مختلفتين في النظر إلى العلاقات بين البشر . أحدها جماعية والأخرى أناركية . واحد يحاول تنظيم المجتمع والآخر يريد تحريره . أولها يبحث عن شكل معين للتنظيم، والآخر عن جملة مبادئ . إذا كان غرض المجتمع هو اكتشاف نمط ما من التنظيم يجب الالتزام به، لا بد عندها من وسائل أو أدوات لفرض التطابق مع ذلك الشكل . فرض الالتزام بتنظيم ما يعني الإكراه والتعدي، أما الدفاع عن جملة مبادئ فهو بعيد عن أي تعد أو انتهاك . في مجتمع حر تكون الأشكال المختلفة من التنظيم ممكنة . ليست الأناركية إذن مبدأ لتنظيم معين للمجتمع . إنها تعني مجتمعا يقوم على الاتفاق الحر، حتى المؤسسات المكلفة بالدفاع عن مبادئه يجب أن تكون طوعية . إني مضطر للقول هنا أن الحكومة (التي تعني الاعتداء والتعدي على الحريات الفردية – المترجم) والدفاع (عن هذه الحريات) هي أشياء متناقضة، تعني الحكومة التطابق والتماثل الذي إما أن يكون مفروضا أو طوعيا، وبالتالي من دون التمييز بين الدفاع والانتهاك أو التعدي لا يمكن أن يوجد علم للمجتمع . لكن قد يكون ما أعنيه غير واضحا بشكل كاف ومن الأفضل أن أحاول شرح أصل هذين الموقفين المختلفين تجاه المجتمع . في الحياة البدائية كان العيش في جماعات ضروريا للفرد كي يتمكن من النجاة . كان على البشر أن يتنظموا معا لصالح المجموعة . خضع صالح الفرد لصالح الجماعة، لدرجة التضحية بالفرد عند اللزوم . تشكل عندها ما نسميه اليوم "غريزة القطيع" . ما يمكن تسميته اليوم بفلسفة ال"نحن". جوهر هذه الغريزة هو الوحدة . القوانين العشائرية والقرارات الصارمة لكل الجماعة كانت ضرورية وقتئذ . كان الاختلاف أو الفرقة كارثة . اذكر أيضا أنه كلما عاد بنا الزمن إلى الأزمان البدائية كلما كانت العضويات الحية أكثر تشابها، كما نشاهد اليوم بين النمل والنحل الذين يبدون لنا دون أية تمايزات أو فردانية . رغباتهم هي نفسها ما يمكن أن يعبروا عنها بالقول "نحن" . لكن تطور العضويات الحية ينزع نحو ظهور ونمو الفردانية أي الاختلاف . مع نمو المعرفة الإنتاجية وظهور تقسيم العمل أصبح البشر أكثر قدرة على أن يتوحدوا بشكل أكثر حرية – بدأوا بالسير على الطريق نحو ظهور إمكانية حقيقية لاستقلال الفرد، الذي يعني في الحياة العملية حرية الفرد والترابط المتبادل الذي يعنيه الاختيار الحر ويعتبره أفضل مما سواه . يمكن للبشر أن يفترقوا أو يختلفوا الآن دون أن يعني هذا أنهم سوف ينتهون أو ينقرضون . ومع نمو الفردانية (التمايز) يصبح أفضل طريقة لحل الخلافات هو الافتراق أو الانفصال – تحرير كل فرد من التدخل المتبادل أو التطابق الإلزامي مع نمط حياة واحد . عندما خطرت هذه الفكرة لأول مرة على ذهن الإنسان، ولدت فلسفة الأناركية . ربما كان ماكس شتيرنر أول من قال بجرأة أن الفرد هو المهم، لا الجماعة، وأنه عندما يدرك الفرد منزلته ككائن بشري فإنه سينحي جانبا كل القيود الخرافية التي تحرمه من حريته، أما بالنسبة الجماعات، عندها ستتشكل هذه الجماعات من بشر أحرار . بعده أعلن يوشيا وارن اكتشافه أن الافتراق بين هذه الآراء المختلفة هو سر الانسجام لا المزج بينها واٌلإصرار على توحيدها . كان برودون قد قال أن الاجتماع ليس "قانونا اجتماعيا" وأن البشر الذين يبحثون عن أنظمة للمجتمع طوباويون . وصرح بعده هربرت سبنسر أن مبدأ الحرية المتساوي الذي يهدف لإعطاء الفرد أكثر ما يمكن من حرية يتوافق مع مبدأ الحرية المتساوية . باختصار، يسير التطور من الشيوعية باتجاه الفردانية، من حالة الأمر الواقع إلى حالة التوافق والتعاقد، من السلطة باتجاه الحرية . لكن "غريزة القطيع" ما تزال موجودة . ما نزال نسمع أشخاصا يتكلمون عن "نحن" كما لو أن عقول البشر ورغباتهم وحاجاتهم موحدة أو متطابقة . هذا هو الأصل الذي ترجع إليه النزعات الجماعية، القومية، الدولتية (الداعية لتأسيس حكومات ودول – المترجم) . تقريبا كل البشر الذين يلجأون إلى (مثال) الدولة هم مشبعون بغريزة القطيع هذه . ونتيجة كل هذه الخطط المعدة سلفا بشكل جيد هو أنا ستؤدي حتما إلى الشمولية (الحكم الشمولي) – وأن الفرد سيصبح صفرا (لا شيء) نتيجة لها .

سبتمبر أيلول 1937

 

ترجمة مازن كم الماز

..........................

نقلا عن

https://ia600800.us.archive.org/33/items/AnarchoPessimismTheCollectedWritingsOfLaurenceLabadie/Anarcho-Pessimism%20-%20The%20Collected%20Writings%20of%20Laurence%20Labadie.pdf

لورانس لابادي (1898 – 1975) أناركي فرداني، "أميركي" .. يوشيا وارن (1798 – 1874) أناركي ورسام وموسيقي "أميركي" .. بيير جوزيف برودون (1809 – 1865) أناركي، اقتصادي، جماعي أو تبادلي، "فرنسي" ..

 

جوتيار تمريثير مفهوم كل من الوطنية والقومية جدلاً واسعاً بين الاوساط الثقافية العامة، وعلى الرغم من الصعوبات التي تعتري طريق اي باحث للوصول الى مفهوم حتمي ومطلق لكل من الوطنية والقومية، الا ان السياقات العامة لشرح وتفسير وتوضيح معالم المفهومين تساهم ولو بشكل نسبي الى فرض ايديولوجية مقننة ومقنعة الى حد ما عنهما، مع الاعتراف بعدم التعميم والفرض القسري لذلك، لان حالة الاختلاف في الاراء وحتى الدراسات الاكاديمية لم تستطع ان تفرض ذلك اجمالاً.

تُقر الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية اثناء تعريفها لمفهوم القومية على تنوع واختلاف الاراء والدراسات والبحوث حول مفهوم القومية، الذي يعتبر من المفاهيم التي برزت الى الوجود مع عصر النهضة، بعد ان اضحت الدول القومية هي الوحدات السياسية الفاعلة مع المحيط الدولي، وعلاقاته المتصارعة، اذا لم تفلح جهود الباحثين التي بذلت خلال قرن كامل في دراسة القومية والتي هي حسب راي بويد شيفرد" نوع من الولاء للجماعة، يحرك الانسان ويحفزه الى ابعد حد ممكن"،  في الوصول الى تعريف دقيق مقبول لها، فضلاً عن ذلك فقد ظهرت حول القومية العديد من النظريات التي اوضحت اراء مختلفة حول سبب الخلاف بشأنها وبذلك لا يوجد اتفاق قطعي مطلق ايضاً بشأن اسباب الاختلاف حول مفهوم القومية.

اما ما قد يتفق عليه بصورة عامة، هو ما يمكن ان يكون حول شكل القومية النسقي تاريخياً باعتبارها تقدم اولوية لادعاءات الولاء الفردي والسيادة الكاملة كهدف دائم لبرنامجها السياسي، وعن ذلك يذهب ميستشافيك نيناد في نص له حول نظرية القومية وتعريفها وانواعها وعن الجدل الاخلاقي حولها، الى انه يستعمل لفظ القومية عموما لوصف ظاهرتين، الاولى: موقف اعضاء أمة ما حين يهتمون بهويتهم القومية، والثانية: الحراك الذي يتخذه اعضاء امة ما في السعي لتقرير المصير او الحفاظ عليها، تتجه الظاهرة الاولى الى مفهوم الهوية الوطنية والتي يقول عنها ميستشافيك بانها تعرف غالبا باعتبار الاصل المشترك او الاثنية او الروابط الثقافية، وخصوصا عما اذا يجب اعتبار عضوية الفرد في وطن ما ارادياً ام غير ارادي، اما الظاهرة الثانية فتثير اسئلة عما اذا يجب فهم تقرير المصير على انه يتضمن امتلاك دولة معترف بها مع سلطة كاملة على القضايا الداخلية والخارجية، ام ان المراد شيء اقل من هذا الاعتبار.

تلك الاشارات تحيلنا الى اهمية البحث عن تعاريف اخرى للقومية، لادراك مدى التفاوت والتعارض بين الرؤية المقدمة حولها من قبل الاكاديميين والمختصين، فالقومية عند البعض هي فكرة سياسية، وجهة نظر فلسفية ترى انه توجد لكل شعب قومية هوية مشتركة، ويوجد لها حق في ان تكون لها دولة خاصة بها، وبذلك فانها – القومية – مجموعة ذات خصائص متجانسة ومميزة، تتطلع الى تجسيد حقها في تقرير المصير ضمن دولة سيادية وفي رقعة ارض محددة، وذلك بخلاف بعض المجموعات الاثينة التي لاتتطلع الى اقامة دولة خاصة بها.

وهنا يتم اثارة العديد من التساؤلات التي يمكن استنباطئها من التعريف السابق لاسيما فيما يتعلق بالتقسيم الحاصل حول الجماعات الاثنية، الاولى الساعية لتحقيق حق المصير، والثانية التي لاتتطلع لتحقيق ذلك، حيث تفرض علينا البحث عن الرؤية الاجمالية التي تعطي الحق للبعض في المطالبة بحق تقرير المصير والبعض الاخر عدم الحق، وهذا ما يتوقف في الاصل على المجموعات الاثنية التي توجد لها اسس انتمائية فقط فان للقومية اسس انتمائية ومكتسبة ايضاً، يمكن للهوية المشتركة لابناء القومية الارتكاز الى اساسين: اثنية ثقافية وسياسية مدنية اي اسس اثنية واسس سياسية، وبذلك تشير احدى الدراسات ان القومية ترتكز على اساسين: الاول هو الاعتراف والرغبة في العيش المشترك لابناء القومية "الاعتراف والوعي"، والثاني الرغبة في اقامة دولة ذات سيادة لابناء القومية، والاساسين في حالة الشرق تكاد تكون معدومة تماماً، لانه لايوجد في الاصل اية ادعاءات نابعة من القيم الاخلاقية البعيدة عن التسلط والقسرية حول امكانية العيش المشترك عبر الاعتراف بالاخر ووعي وجوده بعيداً عن الاستغلال والتهكم والسخرية والتنقيص من اهمية وجوده باعتباره كيان اثني تاريخي متزامن مع وجوده او في الاصل سابق لوجوده في منطقة استيطانه الاصلي غير المكتسب مثل المتسلط، وهذا ما يحيلنا بالتالي الى مفهوم اخر وهو ما يتعلق بالوطن الذي يتعلق بقضية القومية في شكلها العام وذلك عبر تحديد معالم الفضاء بين المجال الاثني – الثقافي ويشمل الجماعات الاثنية الثقافية او الامم، وبين مجال التنظيم السياسي،حيث تعتمد الاسس الاثنية- الثقافية على مقومات الاصل، اللغة، الثقافة والتاريخ واحيانا على الدين المشترك ايضاً، حيث ان هذه المقومات هي ما تميز قومية عن مجموعة اخرى.

وبالتالي فان ادراك معالم القومية ضمن الاطر المتاحة لاتتم عبر اثارة المفاهيم الوطنية واقعياً، انما عبر اشكاليات اخرى من وعي وتقبل حق الاخر في اقرار مصيره طبعاً وفق منطق الرغبة في تحقيق ذلك، وهذا ما يمنحنا فسحة للبحث عن مجموعة اطروحات نافذة تخدم الرؤية والمفهوم والتي تؤكد عليها الدراسات الاكاديمية حول القومية ومفاهيمها، ومن تلك الاطروحات ماتذهب الى الطرح من منطلق القيمة الداخلية، اي اللغة والعادات والتقاليد والى غير ذلك، ومن ثم الطرح من منطلق الازدهار، وهذا يتوقف على المجتمع الاثنوغرافي ومدى قابليته للتطور والازدهار، ومن ثم الطرح من منطلق الهوية والفهم الاخلاقي لاسيما فيما يتعلق بقيم المساواة والعدالة وكذلك من منطلق التنوع اي الاندراج ضمن المساهمة الفعلية للثقافة العالمية، والى غير ذلك من الاطروحات التي تساهم بشكل واخر لفرض رؤية واضحة حول الاشكاليات التي تمنح كل من القومية والوطنية مسارات متباينة وفق تداعيات واضحة المعالم لاسيما فيما يتعلق بالمرتكز القائم على الاثنو-ثقافي، وليس القومي-السياسي.

لانه اذا ما ارتكزت هوية دولة ما بصورة رئيسية على اسس اثنية مشتركة مثل التاريخ والثقافة واللغة والاصل او حتى الدين احيانا فاننا نطلق عليه اسم دولة قومية اثنية ثقافية، في حين اذا ما ارتكزت على اسس سياسية مشتركة، مثل القيم، المبادئ والولاء للدولة القومية السياسية، فاننا نطلق عليها اسم دولة قومية سياسية.

وعلى هذا الاساس فان معرفة  انواع القوميات التي يتفق عليها مجموعة من الاكاديميين والباحثين بشأن قضايا القومية والقوميات الاثنية، لربما تساهم في فتح اعين بعض الدول ذات السيادة القمعية للاثنيات المطالبة بحق تقرير المصير، ومن تلك الانواع،القومية الكلاسيكية : وهي البرنامج السياسي الذي يرى بان الخلق والحفاظ على دولة ذات سيادة كاملة ملك لجماعة اثنية – شعب أو امة – كواجب أولي لكل اعضاء الجماعة، كما ان الالتزام بالثقافة الاثنو قومية المتعارف عليها في كل القضايا الثقافية هي من الواجبات الضرورية,والنوع الاخر القومية الكونية: وهي البرنامج السياسي الذي يدعي بأن على كل جماعة اثنية قومية ان تمتلك دولة شرعية وعليها تعزيز مصالح تلك الدولة، اما النوع الثالث القومية التخصيصية: هو البرنامج السياسي الذي يدعي بأن يجب على امة اثنية قومية ما ان تحصل على دولة خاصة بها، دون ان يشمل الادعاء نفس كل الامم الاثنية.

وعند النظر الى السياقات العامة لطرح انواع القوميات فاننا بصدد رؤية واضحة حول ما يحدث مثلاً  للكورد ضمن الدول التي تسيطر اولاً على الموطن الاصلي "للقوم"، ومن ثم حول السياسة التي تمارسها هذه الدول تجاه رغبة الكورد كأنموذج عام للقوميات والاثنيات في الشرق الاوسط في تحقيق حق تقرير المصير، لاننا اعلامياً نجد بأن غالبية هذه الدول تؤمن بهذه المفاهيم وهذا التقسيم حول انواع القوميات وقد تفرض دراستها في مناهجها الاكاديمية، ولكنها في الحقيقة تمارس بحق الاثنيات – القوميات الاخرى التخصيص، حيث تعطي لنفسها حق الحذف او الازالة، وذلك بعدم السماح لها بالمطالبة بحق تقرير المصير، كما حدث مع الكورد في العراق بعد مطالبة الكورد بحق الاستقلال عبر اجراء استفتاء استقلال كوردستان في 25-9-2017، وبالطبع هذا الرفض نابع من اولويات مقننة سابقة تاريخياً حيث تعطي السلطات الحاكمة " الدكتاتورية " الحق لنفسها باستبعاد جماعة اثنية عن حق المطالبة بانشاء كيان مستقل، واعطاء جماعة اثنية اخرى الحق في انشاء كيان مستقل، كما حدث بعد مؤتمر سيفر ولوزان المعروفين للعالم، كسابقة تاريخية حيث اعطي للحجاز العربي وللارمن الحق واستبعد الكورد من المعادلة " الحق " في اقامة كيان مستقل والحقت الكورد بمنظومة القوميات الجائرة.

وفي السياق التاريخي الذي تتبناه السلطوية القومية العرقية القبلية الشرقية، فانها تستند في جملة اعمالها على تلميحات ومواقف وحوداث مكتسبة عبر تخالطها مع اوروبا، حيث قامت بانشاء رؤيتها على البقايا التي افرزتها التجارب الاوربية سابقاً فيما يخص اقامة دول قومية لقومية واحدة على ارض دولة قومية، فالشرقيون استفادوا من الممارسات الاوربية باعتبارهم اسياد الديمقراطية وقاموا باسقاط تلك الاحكام على الجماعات الاثنية التي تعيش وفق المنطق التاريخي في اماكنها الاصلية، ولكنها وفق منطق الدولة القومية السياسية خاضعة لسيطرة قوميات اخرى احتلت او استوطنت ارضها لاحقاً، وهذه القوميات الغالبة تقوم بفرض سلطتها وفق ما يتطلب حماية مصالحها " القومية " دون اية اعتبارات فعلية وليست قولية للاثنيات الاخرى صاحبة الحق، ومن المصادر التي تستقي منها التشريعات الشرقية من الغربية ما يحدث للباسك والكتالون في اسبانيا حيث الاخيرة غير مستعدة لتتنازل عن ارض لها ليقوم الباسك باقامة دولة اثنية على تلك الارض، وكل من تركيا وايران وسوريا والعراق ايضاً لايتنازلون عن ارض الحقت بدولهم بعد تقسيمات مصلحوية اجريت دون اشراك اصحاب الحق " الكورد " فيها بعد الحرب العالمية الاولى بالذات وضمن اتفاقيات مسبقة، لايتنازلون للكورد باقامة دولة اثنية على تلك الاراضي.

اجمالاً لايمكن في الغالب والدائم احالة اسباب فشل تلك القوميات لتأسيس كيان مستقل الى ذلك السبب لوحده، الا انه لايمكن التغاضي عن كونه الاهم والابرز، لان هناك جملة اسباب اخرى تشير اليها الدراسات الاكاديمية، ساهمت في فشل تلك القوميات في اقامة دولة لهم، مثل الهجرة المتزايدة التي ادت الى دمج الشعوب، ومن ثم اهمية ادراك ماهية الفصل بين القومية والمواطنة، نظراً لان مواطني الدولة هم ابناء قوميات مختلفة او ابناء مجموعات اثنية مختلفة، حتى ان كانت هناك قومية مهيمنة واحدة.

وعلى ضوء ذلك تثير احدى الدراسات سؤالاً مهماً وهو، هل تتطلب السيادة السياسية داخل قُطر أو عليه اقامة دولة او شيئا اقل بأسا من الدولة، وتضيف بان الجواب التقليدي هو ان الدولة مطلوبة، اما الجواب الاكثر تحرراً فهو بأن شكلاً من اشكال الاستقلال السياسي يكفي، ولكن بالطبع يكون كافياً اذا ما كانت الدولة واعية للقيمة الفعلية للعنصر الاثني الاخرـ لاسيما في العدالة والمساواة والشراكة الفعلية الديمقراطية في الوطن، وكما يقول " معقل زهور عدي " يقدم المفهوم الديمقراطي حلا للعلاقة بين الوطنية القطرية والقومية، فالانتقال من الوطني نحو القومي على الصعيد السياسي لا يمكن ان يكون قسريا بل لا بد ان ينبع من ارادة شعبية ديمقراطية، والمؤسسات الديمقراطية التي تتيح ذلك الانتقال هي وحدها القادرة على حمايته وتصويبه،

وفي مقال منشور في مجلة ثوت كو الثقافية ترجمها أنس ابو عريش بعنوان لماذا يكون الانتماء للوطن اكثر اهمية وجدوى من الانتماء القومي قدم تعريفاً مقنعاً الى حد ما للوطنية : فعرفها على انها الشعور بحب الوطن، واعتبر اظهار الوطنية امراُ ضرورياً للمواطن الصالح من وجهة النظر النمطية وقد يعتبر الشعور المشترك بين المواطنين بالارتباط والوحدة هو عنصر اضافي، وهذا الارتباط يحدث عبر العِرق المشترك، او الثقافة المشتركة، او المعتقدات الدينية او التاريخ، وهذه التشخصيات الواضحة غائبة تماماً عن التشكيلات الاثنية والقومية في الشرق الاوسط بالذات، بل تكاد تكون معدومة اذا ما نظرنا اليها بعيداً عت الصيغة الشعاراتية للافكار التي تطرحها الجهات ذات السيادة السياسية المطلقة والتي تخشى انفلات الاثنيات الاخرى من تحت سلطتها، وفي السياق ذاته قدم رؤية واضحة حول الفرق بين الوطنية والقومية، واعتبر ان كل منهما يستند على قيم ومشاعر مختلفة، حيث الوطنية تستند الى قيم ايجابية حول حب الوطن مثل الحرية والعدالة والمساواة ويشعر الشخص الوطني بنظام التعاون المشترك بين المواطن والحكومة من اجل حياة افضل في دولتهم، ولااعتقد بان مثل هذا المفهوم يمكن ان يسود في اية دولة شرق اوسطية بالذات لاستنادها على القيم التي تذهب الى اثارة وادارك المخاطر التي تنجم عن استغلال مفهوم الوطنية، حين تصبح عقيدة سياسية الزامية، وعندما تستخدم من اجل اثارة مجموعات سكانية ضد مجموعات اخرى بما يقود الى تقويض القيم الاساسية للدولة، كما يحدث في السودان والجزائر والعراق وسوريا وتركيا وايران، على النقيض من القومية التي تستند الى الشعور بالتفوق العرقي على الاخرين – النظرة القبلية والعصبية القومية للاتراك والاعراب والفرس -، كما تستند على عدم الثقة بالامم الاخرى، وعدم الموافقة على الانضمام لها، بما يقود الى الافتراض بان الدول الاخرى او الاثنيات الثقافية الاخرى هي منافس لها، وهذا الى حد ما وصف دقيق للحالة العامة للاثنيات التي تعيش في الشرق الاوسط بصورة عامةـ حيث انها تعيش ضمن دائرة المخاطر الوطنية، والقومية، وليس ضمن دائرة المواطنة العادلة والمتساوية بالحقوق والواجبات، وذلك ما يفرض علينا الايمان بالتناقض والتعارض والاختلاف بين مفهومي الوطنية والقومية.

يشير كمال غبريال في مقال له بعنوان بين الوطنية والقومية الى الاختلاف الواضح بين المصطلحين الوطنية والقومية ويشير الى كيفية استغلال العروبيون  -كانموذج لمقالنا هذا - لهذا المصطلح كما لو كان حد الوطنية مستغرقا في حد القومية بلغة المنطق، بمعنى اخر ان القومية العربية بنظرهم تشمل اوطاناً عدة، بما يؤدي بالتبعية الى انتفاء التعارض او التضاد بين المفهومين باعتبار ان الوطنية جزءاً من كل هو القومية، ولكن المتتبع للواقع العياني ضمن الاطار العام في العالم العربي سيدرك بان سعيهم لفرض الايديولوجية الوطنية هي ليس الا غطاء لفرض الهيمنة السياسية القومية على الاثنيات الاخرى داخل دولهم والتي وبحسب المفاهيم الدولية يحق لها المطالبة بحق تقرير المصير واقامة دول اثنية لها لما تملكه من مقومات اثنو-ثقافية من جهة، ومن رغبة في اقامة دولة مستقلة، كالامازيغ في الجزائر، والفور في السودان، والكورد في العراق وما حولها، وعلى الرغم من ان المفهومين يشتركان في كليهما عبارة عن شعور واعي لدى الفرد بالانتماء الى كيان اكبر من الذات، الا ان ذلك لاينفي الاختلاف الكبير بينهما، فالوطنية  بحسب غبريال، شعور متوهم " واعي " لدى الفرد بالانتماء الى امتداد جغرافي بكل ما يضمنه من معالم جغرافية وبشر، تربط بينهم منظومة من العلاقات على اساس الملكية المشتركة لهذا الكل المسمى وطن، وذلك عبر مفهوم المساواة في الحقوق والواجبات، ليس من قبيل المثل الاخلاقية العليا او التقوى، انما بتطبيق قاعدة المساواة واعتبار ان اي خلل في تطبيق تلك القاعدة هو خلل في ابناء الوطن. في حين ان القومية تعني انتساب الفرد الى كيان اكبر هو "القوم " اي الى مجموعة من البشر يربط بينهم رباط محدد، كالعِرق او الدين او امتلاك الموطن بالوراثة، او ما يمكن ان نقول عنه استيطان، وهي ليست علاقة مواطنة. في السياق ذاته يؤكد على الفرق بين مفهومي الوطن والمواطن، ففي حين يكون انتماء الفرد للحيز الجغرافي في حالة وطن، فان علاقة الفرد بالموطن تكون علاقة غير مباشرة، بل قابلة للتغير مادام سيظل برفقة القوم  ومثال ذلك، ضمن الاطار التاريخي العالمي المهاجرين الى امريكا الذين تحولوا من بريطانيين كانموذج الى امريكيين وساهموا في حروب الاستقلال، وفي الاطار الشرقي الانتماءات المذهبية اقصد الولاء المذهبي، فعلاقة هولاء مرافقة لمصدر المذهب وليس للدولة.

وبذلك تكون القومية قائمة على مفهوم مغاير للوطن، ويستبدله بادعاء القوم امتلاك الموطن، ذلك المكان الجغرافي الذي يستوطنه دائما افراد او مجموعات لايندرجون تماما ضمن تعريف القوم المهيمن على الموطن، تماما كما يحدث في كل من السودان والجزائر والعراق وتركيا وسوريا، وهذا ما يؤكد نقص الوعي الشرقي – العربي – بما يخص الديمقراطية، بخلاف الوعي السياسي الاوربي وسويسرا كانموذج التي تجتمع اربع قوميات كبرى على الاقل يعيشون في اندماج وتوافق كامل، بينما في الشرق الاوسط " القومية " تتبع نهج التضييق على الجماعات الاثنية الاخرى، بل ان محاولات اضطهادهم و ابادتهم  عرقيا قائم ومستمر كما هو الحال الكورد في كل من العراق وتركيا وسوريا وايران، وفي من غير الكورد في جنوب السودان وغربه، ومن خلال طمس معالم هويتهم الاثنية والثقافية –الامازيغ - في الجزائر .

 

جوتيار تمر / كوردستان

 

يكشف الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للرأسمالية العالمية الحالية عن توجه لاعقلاني أكثر من أي وقت مضى. إذ تقف مصالح رأس المال عقبة أمام ترتيب الإمكانيات الاقتصادية والسياسية الهائلة للعالم بطريقة عقلانية جديدة. وبذلك يدخل رأس المال مرحلة نوعية جديدة، تتميز بتناقض داخلي عميق يقوم في تفاؤل راس المال بحكم وضعه السياسي الاقتصادي وعبثه وتشاؤمه في نفس الوقت. وهو تناقض يتجسد حاليا بهيئة إشكالية عالمية هي إشكالية سياسية، يشكل حلها المقدمة الضرورية لإعادة صياغة المجتمع العالمي وفق فكرة بديلة. فهي المقدمة الضرورية لإجراء إصلاحات شاملة. ويتطلب ذلك تجاوز مصالح رأس المال، إضافة لعقبات أخرى. فاتفاقية الغات، على سبيل المثال، ليس بإمكانها في ظل الوضع السياسي الراهن حل المشاكل الاقتصادية العالمية، أي ما لم تحل الإشكالية السياسية العالمية فإن من الصعب توقع حلول شاملة للوضع الاقتصادي العالمي.

فالعقوبات الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة ضد كوبا وإيران وليبيا والعراق وغيرها تتعارض مع تحرير التجارة العالمية. كما أن مساعي الولايات المتحدة زعزعة استقرار العملات الأوروبية والين الياباني يتعارض مع تحرير التجارة العالمية. وفي نفس الوقت تمارس الولايات المتحدة عملا تخريبيا دائما ضد الاحتكارات الأوروبية واليابانية لصالح احتكاراتها. وهو فعل يتعارض أيضا مع تحرير التجارة العالمية.

إن رأس المال يعطل استثمار المعادلة الاقتصادية الاجتماعية للأرباح في العالم المعاصر بطريقة نفعية ضيقة خالصة. في الوقت الذي يتيح فيه الوضع العالمي الراهن اقتصاديا إمكانية كبيرة للعقل الإنساني بحساب أدق العمليات الاقتصادية بصورة رياضية.

إن الركود المديد الراهن للرأسمالية يشير إلى درجة اللاعقلانية الاجتماعية التي بلغتها الرأسمالية. ويقتضي ذلك بالضرورة استثارة أهمية العامل السياسي وتفعيل دوره لإنهاء دور رأس المال في النشاط الاقتصادي من اجل صنع شروط إدارة  المجتمع لنفسه. لاسيما وان هناك أقساما لا يستهان بها جديدة من أوساط الفئات السياسية في أوروبا والولايات المتحدة أخذت تدرك اكثر فاكثر ضعفها الذاتي تجاه الاستبداد الجديد لرأس المال الاحتكاري العالمي.

فالرأسمال الاحتكاري العالمي لن يصطدم تلقائيا بتدهور معدل الربح. لذا فان من الضروري أن يصطدم المجتمع برأس المال الاحتكاري العالمي، بسبب اللاعقلانية الاجتماعية للأخير. كما يفترض ذلك ضرورة قيام تحالف اجتماعي عالمي مناهض لتحكمه في مصير البشرية. وهو تحالف له قدراته الذاتية الهائلة وبالأخص في الميدان السياسي. فالصوت السياسي للبشرية أقوى حاليا من "صوتها" الاقتصادي. بينما الصوت السياسي للاحتكارات العالمية أضعف من "صوتها" الاقتصادي. وإذا كانت الاحتكارات توظف بصورة ناجحة إمكاناتها الاقتصادية، فإن المعارضة العالمية المجزأة حاليا لم تتقن بعد توظيف صوتها السياسي بالشكل الذي يخدم بصورة عملية ناجحة أهدافها الكبرى. ذلك يعني إن الوضع العالمي من الناحية السياسية ليس لصالح الاحتكارات العالمية. وفي نفس لوقت لم تتبلور بعد حركة سياسية عالمية بمستوى الاحتكارات العالمية من حيث رؤيتها وأسلوبها العملي في المواجهة. من كل ذلك نستطيع الوصول إلى الاستنتاج القائل، بإن الأوضاع العالمية الحالية توفر فرصة كبيرة لنجاح نشاط سياسي عالمي قائم على عقلانية اجتماعية قوامها مختلف المجتمعات المحلية تقف بوجه حفنة محدودة من الاحتكارات العالمية والدكتاتوريات المتخلفة.

هناك حالياً خمسمائة شركة عالمية تنتج نصف قيمة السلع المادية في العالم، أي أن البشرية بحاجة إلى خمسمائة شركة عالمية. بينما سيقلل التمركز والتركيز هذا العدد. وفي هذه "الحالة السيئة" حسنة تقوم في أنها تبرهن على إمكانية اكتفاء البشرية من حيث حاجاتها الضرورية. والاقتراب من هذه الحالة "المثالية" سيوفر شرطا يصعب تجاوزه من الناحية المنطقية والإنسانية بالنسبة للحسابات الاقتصادية المتعلقة بساعات العمل الضرورية لإعادة إنتاج المجتمع، وما هو عدد الساعات الضرورية لإعادة إنتاج رأس المال الثابت ورأس المال المتغير. ولن يكون الاقتصادي بحاجة إلى ضغوط وتوترات السوق والبورصة لتوزيع الموارد الاقتصادية. وعند بلوغ النشاط الاقتصادي نظام المرونة الكاملة، فإن عقلنة الإنتاج وإعادة الشفافية إليه تستلزم تجاوز همجية رأس المال.

إن منظمة التجارة العالمية غير كافية لمواجهة القضايا الاقتصادية والإشكاليات السياسية الراهنة للبشرية، التي تنتجها العولمة المعاصرة. وذلك يتطلب مشروعية جديدة تتحمل المسؤولية الكاملة تجاه القضايا الكبرى والأساسية للبشرية. إذ لا تعني منظمة التجارة العالمية الحالية سوى حرية رأس المال الاحتكاري العالمي في ترتيب الاقتصاد العالمي وفقاً لمصالحه وإرادته، وكذلك حريته التامة بالنسبة لتحديد "مجاله الحيوي". إذ تسعى منظمة الغات إلى توليد نظام عالمي لتجارة رأس المال الاحتكاري. لهذا فإنها ليست قادرة على إيجاد حل للإشكاليات السياسية العالمية الكبرى، بل أنها غير معنية بذلك. ويمكن القول، بأنها قد تكون وسيلة لأجل الالتفاف على مثل هذا الاستحقاق السياسي العالمي. ثم إن منظمة الغات نفسها ليست قادرة على أن تكون إطاراً كافياً وملائماً لحل صراعات رأس المال الاحتكاري العالمي نفسه.

وفيما يتعلق بالعالم العربي، فانه ليس من مصلحته الانضمام بصورة آلية لمنظمة التجارة العالمية. بل بإمكانه تطوير وضعه الاقتصادي السياسي خارج هذه المنظمة. والعمل على إيجاد مساومات قادرة على صنع إدارات سياسية عالمية تأخذ على عاتقها مسؤولية إدارة الوضع العالمي. وهي حالة تفترض إسنادها ثقافيا من خلال اعتماد حصيلة الثقافة الإسلامية رصيدا روحيا أو مرجعية ثقافية كبرى قادرة على توسيع قاعدتها الاجتماعية ومحيطها السياسي. وفي حالة عجز العرب عن تحقيق ذلك، فإن العولمة الرأسمالية في هذه الحالة، تعتبر حالة تقدمية بالنسبة للعالم العربي المعاصر أيضا، استنادا إلى أن العالم العربي والإسلامي سيشكلان في أي عولمة ديمقراطية قوة سياسية كبيرة.

إن تحرير التجارة العالمية يقتضي قيام "دولة عالمية" تتحمل مسؤولية كبرى أمام البشرية. وبما أن الإشكاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي تواجه منظمة التجارة العالمية اكبر من أن تحلها بمفردها، لذا يصبح من الضروري وجود إطار سياسي أكبر وديمقراطي حقاً، قادر على حل مشاكل الهجرة والقوانين الاجتماعية والممارسات التجارية والبيئة وغيرها من المشاكل الصعبة التي تواجه منظمة التجارة العالمية.

الأشكال السياسية للعولمة الرأسمالية

السؤال الذي يبرز للوهلة الأولى عندما نتناول قضية الأشكال السياسية للعولمة الرأسمالية هو كيف ولماذا نشأت الإشكالية السياسية للترابط والتشابك العالمي العاصر؟ والجواب يبدو للوهلة الأولى بسيطا للغاية. انه يقوم في إدراك الحقيقة القائلة، بان هذه الإشكالية مرتبطة ببلوغ الترابط والتشابك مداه الأقصى والمباشر من حيث الآلية والتأثير. فما يحدث في آسيا يؤثر في أمريكا وما يحدث في أوروبا يؤثر في آسيا وأمريكا، وما يحدث في الاقتصاد يؤثر في السياسة، والعكس صحيح. إن ما يحدث في أي مكان في العالم يؤثر في بقية أنحاء العالم وبصورة فورية وآنية، وما يحدث على الأرض يؤثر في الغلاف الجوي للأرض، وما يؤثر في الغلاف الجوي للأرض يؤثر على الحياة الإنسانية على الأرض. وتنتقل هذه التأثيرات بصورة سريعة وآنية مؤثرة على الأوضاع الآنية السياسية.

وجعل هذا الواقع الجميع يدركون النتائـج الكارثية لحرب كونية ثالثة. فضلاً عن أن الحرب الكونية غير قادرة على حل هذه الأشكال السياسية للترابط والتشابك العالمي. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ما زالت تسخر القوة العسكرية لمصالح احتكاراتها الخاصة، وعلى الرغم كذلك من  توفر إمكانيات جديدة على النطاق العالمي لتقيد النزعات العسكرية في الحياة السياسية، إلاّ أن ذلك يتطلب نشاطاً عالمياً من قبل القوى السياسية التي يهمها تقييد النزعة العسكرية في الحياة السياسية العالمية تمهيداً لتحييدها وإنهاء دورها.

والحل الوحيد الممكن هنا ينبغي أن يعتمد على حل إشكاليات الترابط والتشابك العالمي بالطرق السياسية والاقتصادية. فالعالم المعاصر يمتلك قدراً كبيراً من البراغماتية في السياسة الدولية. كما تمتلك منظمات دولية كثيرة قدرات يمكن تطويرها بالشكل الذي يجعلها اكثر فاعلية على استيعاب وحل هذه الإشكالية السياسية.

فمن الناحية العلمية المتعلقة بكيفية النشوء البشري والعمران ندرك بان التجمعات البشرية البدائية نشأت بصورة منفصلة ومنعزلة، وأن الصلات بين هذه التجمعات البدائية نشأت بصورة لاحقة، وبالأخص بعد تطور وسائل الاتصال. وقد كان تطور هذه الصلات بطيئاً للغاية في المراحل المبكرة. ولكنه اخذ بالتطور تبعا لأسباب عديدة ومختلفة تبعاً للحالة الملموسة. وشكلت الثورة الصناعية والرأسمالية قفزة كبرى بالنسبة لتطوير وتعميق هذه الصلات والروابط. ولعبت الثورة التكنولوجية والثورة المعلوماتية والاحتكارات العالمية دورا هائلا في توسيع وتعميق الترابط العالمي، بحيث جعلت منه في نهاية المطاف إشكالية سياسية. كما يزداد هذا الدور اطراداً. إلاّ أن الاحتكارات العالمية تتلكأ في إنجاز حل الإشكالية السياسية للترابط والتشابك العالمي. فقد كان رأس المال يهدف موضوعيا للتوسع الداخلي والخارجي. ومنه وفيه يظهر الترابط السياسي، الذي يبدو ظاهريا أقل من الترابط الاقتصادي. وهو الأمر الذي يجد تعبيره في تخلف وغياب الجانب التشريعي للترابط والتشابك العالمي.

إن استعراض مظاهر التشابك والترابط العالمي، التي تتطور باستمرار يعكس الحاجة إلى إدارة سياسية عالمية جديدة، وإلى شرعية جديدة. بحيث يجعل بدوره من الضروري البحث عن وسائل فكرية وعملية جديدة للتعامل مع هذه الحالة. وكذلك تطوير ما هو موجود، لكي يستوعب هذه التطورات الجديدة. أي العمل على إيجاد صيغة قادرة على توليف الإمكانية والحاجة والفكرة للإدارة الشرعية العالمية الجديدة عبر تذليل العقبات وفضح القوى العالمية الجلية منها والمستترة، التي تدعي العالمية وتسعى لأجلها (بصورة ضيقة)، ولكنها تقف فعليا بالضد من تجسيدها في تشريعات ومؤسسات عالمية.

ليس هذا الوضع جديداً في التاريخ السياسي. فإذا كان حل الإشكالية السياسية الوطنية بصورة دستورية وقانونية استلزم تضحيات هائلة، فإن حلها على النطاق العالمي بصورة قانونية ودستورية من خلال تطوير المؤسسات الدولية القائمة، سوف يتطلب فيما يبدو تضحيات أكبر (يتبع....).

***

يوسف محمد طه

 

ابراهيم مشارةليس هناك من مجتمع تميعت فيه لفظة "ثقافة" مثل المجتمع العربي بل إن الأمة العربية هي الأمة التي تعرف فوضى المصطلحات وتضخم معاني المفردات وعدم دلالة اللفظة على المعنى الحقيقي لكأن اللغة تورمت مفرداتها عندنا ويمكنك أن تجد عشرات المفردات لذلك ولعل أهم مفردة شديدة الصلة بحياتنا هي كلمة ثقافة ومثقف ومثقفون فلا تجد لغة عالمية لم تضبط المصطلح مثل الأمة العربية فهو تارة يعني من يحمل شهادة عليا وتارة أخرى المسئول الكبير في هيئة ثقافية ومرة مؤلف الكتب الكثيرة بغض النظر عن مستواها الحقيقي وكرة أخرى الحافظ لأسماء الكتب وللأشعار ولتاريخ الأحداث السياسية وحينا آخر مجيد الكلام الفصيح والجاذب للمستمعين وبالرغم من أن مصطلح ثقافة في الفكر الغربي يعرف تعريفات متباينة لكن بكل تأكيد لا علاقة لها بالمعاني التي تطرقنا إليها والمتعلقة بواقعنا العربي وشيوع هذه المعاني في حياتنا وإيماننا الراسخ بها وكلمة ثقافة صارت مثل مصطلح "مسحوق الديب" الذي أشرت إليه في مقالتي "اللغة والوعي هيمنة أم تحرير" إن الناس بمن فيهم من يسمون بالمثقفين يتداولون كلمة هلامية فضفاضة مائعة لا تدل حقيقة على المعنى الحقيقي لما تدل عليه لفظة ثقافة ولذا تحت فوضى معنى مصطلح الثقافة تسلل إليها جيش ممن صاروا يسمون اليوم بالمثقفين وهم حملة الشهادة العليا حتى ولو كانوا في تخصصات علمية بحتة وأساتذة الجامعة والمتنفذون في الهيئات وقصور الثقافة ومولفو الكتب التجارية ومحسنو الكلام وغيرهم باختصار جيش كبير يسمى بالمثقفين ولو تم تدقيق مصطلح ثقافة ودلالته لخرج ذلك الجيش وصار عدد المثقفين حقيقة يعد على الأصابع إن لفظة ثقافة تعرضت للاغتصاب وانتهاك شرفها وسط لا مبالاة عربية بتدمير معاني الثقافة وانتهاك حرمة القاموس كما دمرنا معنى الشرف ذاته واختصرناه في غشاء العذرية فإتقان العمل والوفاء بالوعد ومناهضة الظلم والصدق في القول معاني لا تدخل في الشرف والشرف هو فقط غشاء البكارة فاعجب لأمة كيف تدخل التاريخ من باب الابتكار والإبداع والصناعة وهي لا تعرف الشرف إلا في غشاء العذرية؟

لا يمكن أن نعرف الثقافة إلا في الكفاح من أجل وضع أفضل للإنسان في كل مكان وزمان،  الإنسان هذا المخلوق البديع سيد الكون كما يسمى والذي مسخته قوى الشر والطغيان،  الطغيان السياسي والديني والثقافي، الإنسان صورة الله وخليفته ابتذلته آلهة الأرض وهي آلهة من لحم ودم مثله بمراسيم سياسية واقتصادية ودينية وثقافية . فالمثقف هو الرافض للتطبيع مع الرداءة وأن يكون قطعة غيار في ماكينتها غير الإنسانية والاستبدادية والقمعية هو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ولا معروف أفضل من تحرير الإنسان من عبودية الإنسان بهذا الفهم الحقيقي وهذه المصفاة كم يمر من خلال الثقوب الدقيقة لغربال النقد والفحص من جحافل من يسمون بالمثقفين؟ وكم سنندهش حين نرى رجالا آخرين ونساء لا يحملون شهادات عليا ولا هم حفظة أشعار ومسامرات ولا هم مؤلفو كتب تجارية يحملون حقا صفة مثقف؟ لقد قال أحدهم مرة إن العالم العربي متخلف لأن من يسمون بالمثقفين اختاروا قصور الثقافة على السجون وهو يعني هنا التطبيع مع الاستبداد لحساب المصالح الضيقة ولكن هؤلاء حقا مثقفون ؟ كنت مرة قد أشرت إلى موقف خوان غويتسلو الروائي - مثلي الميول الجنسية- كيف رفض جائزة عربية مغرية لأن مانحها شخص مستبد وتعجبت كيف يشرف على الجائزة من يسمون بالمثقفين وفيهم الروائي والأكاديمي هل هؤلاء حقا مثقفون ؟ لقد كان رفض خوان للجائزة بمثابة صفعة للحاكم وللجنة ولكن يبدو لا حياة لمن تنادي . نخلص من هذا إلى أن الثقافة فعل وليست مصدرا إن الثقافة هي نضال وكدح نحو الأفضل للإنسان .

يحلو لي كثيرا العودة إلى المخيلة الشعبية والرسمية لاستنطاقها عن تصوراتها للمثقف فلا أراه غير شخص رشيق مهندم ناعم الملمس يحمل حقيبة دبلوماسية وعنده كارت شخصي وشهادة كبيرة أو هو شخص يأتي إلى الأستوديو يحسن الكلام ويحفظ الأشعار ويحكي كثيرا عن الماضي وله بلاغة عجيبة أو شخص له شبكة من العلاقات والمعارف والوساطات وبإمكانه السفر إلى أي مكان في العالم ومقابلة الشخصيات النافذة إنه يملك خاتم سليمان ويحل كل المشاكل وهو أشبه بالبهلوان يقفز من الأدب إلى السياسة وإلى التجارة بخفة ورشاقة فيغدو وزيرا أو رئيس حزب أو شركة اقتصادية ... هذه تصورات الثقافة الشعبية للمثقف ويزيد عليها تصور آخر وهو التصور الأكاديمي وهو نموذج لتمثال محنط يتكلم بالمصطلحات وينظر إلى الناس نظرة دونية فهم القطيع الذي لا يعقل وهو مشغول بمحاضراته وندواته ولقاءاته التلفزية ومواعيده مع الساسة ولم تسمع منه مرة واحدة ما أدخلناه في دائرة الأمر بالمعروف.

يحتاج الساسة المستبدون إلى أمثال أولئك من يسمون بالمثقفين بل يحتوونهم ويضمونهم إلى حريمهم ويغدقون عليهم ويقدمونهم على أنهم صورة البلد الثقافية مادامت عبقريتهم الثقافية تمخضت عن:

لا خلاص للعرب ولا أمل لهم بدخول التاريخ من جديد والمساهمة فيه إلا بالتطبيع مع إسرائيل وقبول كل شيء منها لأنه منطق العصر ومنطق التاريخ وقد سمعنا من يكتب ويحاضر في ذلك ولم نسمع منه إدانة للاستبداد ورهن مصائر الشعوب وقمع الحريات وغياب العدالة الاجتماعية. وهذا النموذج يمثل أفضع الخيانات إنه محاولة للشهرة ونيل الجوائز والسمعة بأرخص السبل.

مشكلة العرب هي مشكلة جنسية بالدرجة الأولى يجب التخلي عن محاصرة "غشاء البكارة" وضرورة منح الحرية الجنسية للرجل والمرأة ة والكف عن تسمية اللواط شذوذا بل هو مثلية جنسية إن العرب لا يبدعون لأنهم مقموعون جنسيا بعانون نقصا في الإشباع الجنسي والعلاج هو الحرية الجنسية مع أننا لا ننكر أن المشاكل الجنسية هي مشاكل حقيقية ولكنها ليست الأولى في سلم الأولويات كمن يحاصر احمرارا في الساق وينسى تورما في الدماغ وهذه العبقرية ممن يسمون بالمثقفين لم تندد يوما بغياب الشفافية في الممارسة السياسية ولم تنادي يوما بحرية الإنسان أمام القمع السياسي خاصة الذي هو رأس البلاء وبيت الداء لأن كل الثآليل المتورمة في الدين والثقافة والاقتصاد والحياة الاجتماعية هي امتدادات للورم السياسي.وكل أشكال السلطة التي نندد بها وبانتهاكاتها من سلطة اللقب إلى سلطة الرأسمال إلى سلطة التاريخ إلى سلطة الميديا هي ناتج طبيعي للسلطة السياسية.

والدين كما تراه وتنتقده طقوس وممارسات بائدة واختراع إنساني وهو تارة رسن وتارة قيد وتارة أخرى أفيون ولا أدل على ذلك من هذه العادات غير الإنسانية كذبح الخراف في العيد ووو وسبيل التقدم هي التحرر منه وإنكاره وكأن العالم المتقدم ليس عنده دين .

إنك تسمع العجب من لدن من يسمون بالمثقفين ولا ترى منهم رفضا للظلم وإدانة للاستكبار ونهب المال العام وتزوير إرادة الشعوب ورهن مصالح الشعوب الضعيفة للاستعمار العالمي.

ومن الإنصاف القول أنه بالمفهوم الحقيقي للمثقف لا نعدم مثقفين من هذا الطراز ولكنهم قلة وسط جحافل المنتسبين وفوضى الكلمات والمعاني والممارسات .

 

ابراهيم مشارة

 

قاسم حسين صالحتحدثنا في الحلقتين السابقتين عن ما امتازت به تظاهرات الفاتح من تشرين اول/اكتوبر2019، وثقافة التظاهر وسلوك الاحتجاج. في هذه الحلقة نحلل عقل وشخصية من كان السبب.. أعني الحاكم العراقي.

اللافت ان الحياة السياسية في العراق لم تفرز بعد التغيير قائدا سياسيا بمستوى رجل دولة. ومع ان المحللين السياسيين يعزون ذلك الى ان التغيير في العراق جاء بتدخل اجنبي، فاننا نرى ان القوى السياسية العراقية كانت اشبه بفرق عسكرية متجحفلة في خنادق، لكل خندق عنوان وقائد.. يجمعها هدف واحد هو التخلص من النظام، وتفرّقها مصالح حزبية وطائفية وقومية.. ولأن ما يجمعها ينتهي بانتهاء النظام، فان المصالح تتولى اذكاء الخلاف فيما بينها على حساب المصلحة العليا الخاصة بالوطن.. وهذا ما حصل، فالشخصية السياسية العراقية اعتمدت بعد التغيير العزف على الوتر الطائفي لترويج نفسها بين طائفتها تمهيدا لفوزها بالانتخابات.. ومنها تحديدا نشأ ما اصطلحنا على تسميته :(البرانويا السياسية) التي كانت احد اهم اسباب الكارثة العراقية بعد التغيير، وأكدت لنا نحن المعنيين بالاضطرابات النفسية ان في القادة السياسيين العراقيين من "الأفندية" و"المعممين" فرقاء مصابون بـ(البرانويا) التي تعني بمصطلحات الطب النفسي اسلوبا او شكلا مضطربا من التفكير يسيطر عليه نوع شديد وغير منطقي ودائم من الشك وعدم الثقة بالاخر، ونزعة ثابتة نحو تفسير افعال الاخرين على انها تهديد مقصود.ولهذا فأنه يحمل ضغينة مستديمة لمن يخالفه الرأي(العلماني مثلا) ويرفض التسامح عما يعدّه اهانة اعتبار جسّدها المتظاهرون باهزوجات موجعة( الله واكبر ياعلي الأحزاب باكونه - ما نريد حاكم ملتحي نريد حاكم يستحي..)، وانه على استعداد للقتال او المقاومة والاصرار بعناد على التمسك بالسلطة بغض النظر عن الموقف.. تجسّد ذلك في (احتجاجات تموز ر 2018)، وفي تراجيديا تظاهرات الفاتح من تشرين اول/اكتوبر 2019.

وللتذكير، ان تظاهرات (2011) طالبت بمحاسبة الفاسدين، فحماهم السيد نوري المالكي بمقولته الشهيرة التي ستدينه تاريخيا (لديّ ملفات للفساد لو كشفتها لأنقلب عاليها سافلها)، وواصل حمايتهم بتخدير بالوعود خلفه السيد حيدر العبادي الذي وعد بضربهم بيد من حديد وما فعل.ولأن المتظاهرين هتفوا في شباط 2011 (باسم الدين باكونه الحراميه).. فأن الفاسدين أضمروا لهم العقاب بمزيد من الأهمال.. ولكم ان تستعيدوا ما جرى من التعامل الشرس والمهين مع المحتجين في انتفاضة تموز 2018.

 وللتوثيق، اننا من عام (2010) كنّا شخصنا العقل السياسي الفاسد في السلطة بمصطلح جديد ادخلناه في علم النفس العربي هو (الحول العقلي).. وهو عملية ادراكية ناجمة عن تعصب طائفي تجبره على تصنيف الناس الى مجموعتين:(نحن) و(هم).. يحّمل الجماعة الأخرى مسؤولية ما حدث من أذى أو أضرار ويرى انها على باطل، ويرى جماعته انها على حق مطلق حتى لو كانت شريكاً بنصيب اكبر في أسباب ما حدث.وقلنا بالصريح ان شخصا بهذه الصفة المرضية لا يصلح أن يكون قائدا لمجتمع تتنوع فيه الأديان والمذاهب والقوميات.

وبالمقابل، تولّد لدى العراقيين اقتران شرطي بين السلطة والظلم، ناجم عن تكرار السلطات المتعاقبة لممارسة الظلم على الناس. ومع ان النظام العراقي بعد التغيير يوصف بانه نظام ديمقراطي بحسب الدستور، فان اقبح ما ارتكبته السلطات الرئاسية الثلاث فيه انها انتهكت مبدأ العدالة الاجتماعية في الديمقراطية، فاستأثرت بالثروة وتركت اكثر من خمسة ملايين عراقي يعيشون تحت خط الفقر، فيما هم ينعمون بالرفاهية وتبذير الثروة .مثال ذلك، ان عدد الحمايات لأعضاء مجلس النواب كان 14800 منتسبا يتقاضون 156 مليار دولارا من اصل 316 مليار دولارا للموازنة المالية لعام 2014، بموجب المذكرة التي قدمها النائب (الراحل) مهدي الحافظ الى رئيس مجلس النواب طالبا فيها تخفيض عدد الحمايات الى النصف.

 وعقدة اخرى هي ان العقل السياسي الفاسد مصاب بالدوغماتية Dogmatism التي تعني الجمود العقائدي او الانغلاق الفكري الذي يفضي الى تطرف ديني، مذهبي، قومي او قبلي، وتعدّ بحسب دراسات علمية انها – الدوغماتية- احد اهم واخطر اسباب الأزمات السياسية والاجتماعية، وانها (مرض) خالقي الأزمات من القادة السياسيين.. ما يعني ان العقل السياسي العراق مأزوم سيكولوجيا ومنشغل فكريا بالماضي، فيما عقل الشباب منفتح ومنشغل بالمستقبل، وان الفجوة بينهما هي التي جعلتهما جبلين لا يلتقيان.وللتوضيح .. بسخرية، فان تحشيدهم للشباب في مسيرات للطم والنواح يعدونه انجازا كبيرا وأهم، عندهم، من توفير فرص عمل لهم!

 ومن عام 2008 كتبنا عبر (المدى والحوار المتمدن والمثقف) وقلنا عبر الفضائيات ان قادة العملية السياسية العراقية لن يستطيعوا ان يتحرروا فكريا من معتقدات ثبت خطؤها، ولن يستطيعوا ان يجدوا حلّا او مخرجا لما هم فيه، بل انهم سيعرّضون ملايين الناس الى مزيد من الأذي، وقد حصل ما كنّا حذرنا منه في تظاهرة تموز 2018.. وزادوها بشاعة وقبحا وعارا بتظاهرات الفاتح من تشرين اول 2019 في سابقة ما حصلت في تاريخ العراق السياسي.. ناجم في احد اسبابه عن وجود خصومة بين الحاكم العراقي وعلماء النفس والأجتماع، ولأنه اعتاد على ان يحيط نفسه باشخاص يقولون له ما يحب ان يسمعه!.

 ويبقى التساؤل: الى اين نحن ماضون؟

 والجواب تؤكده حقيقة سيكولوجية، ان الحاكم الذي يسقط اعتباريا واخلاقيا في عيون شعبه يتحول الى مستبد يفهم ان قمع التظاهرات هي الوسيلة الوحيدة لبقائه في السلطة.. وان تظاهرات الشباب وضعت العراق امام بديلين: اما ثورة تطيح بالفاسدين، او حربا تبدأ بين شيعة وشيعة يكون مشهدها الثاني حربا بين اميركا وايران.. لمن يكون فيها العراق؟

 

 أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

الرئيس الفخري للعلماء والمفكرين العرب

 

إذا كان الجذر فاسدا فالطلعُ فاسد.. قاعدة حياتية مهمة يؤمن بها الجميع..  لكن حين تطبيقها في الموقف من التراث الديني يخرج الصياح والتكفير متهمين المفكر أنه يبغض ويحقد على السلف الصالح، برغم أن مشاعر البغض والحقد لا مكان لها الآن بعد وفاة هؤلاء ب 1400 سنة، فما الذي يدفع مفكر عاش في عصر الصواريخ والإنترنت والتكنولوجيا وأجهزة التكييف أن يحقد على من كان يعيش في عصر الجِمال والحمير والتطهر من البراز ببضع حصوات.. !

هنا كان التحدي بالبحث في أصول الصراع الإسلامي وعلاجه إن أمكن، ليس فقط لعدم استدعائه ومرادفاته في حاضر المسلمين ولكن لفك الاشتباك الطائفي القديم والحديث وفهم التاريخ كما يجب أن يكون وليس كما نريد حسب الهوى والرغبة، فأحداث السقيفة مثلا لا زالت هي الغائب الحاضر عن واقع المسلمين.. غابت كليا حين يريدون ترويح وإشاعة مفاهيم السلف الصالح وخيرية القرون الأولى.. لكنها حضرت في الحروب والفتن الطائفية الجارية منذ 15 عاما ومن قبلهم في حرب الثمانينات بين العراق وإيران، لاسيما أنه والبحث الصادق المتبرئ من الهوى يصل المسلمون لتصورا تاريخيا معقولا لتلك الفترة التي أعقبت موت الرسول وإصباغ الخلاف بين الصحابة كعادته حينها بلون القبائل والتفاخر بالنسب والأسبقية في الإسلام. 

فالمهاجرون مثلا احتجوا بأسبقيتهم في الدين وقربهم عشائريا من الرسول بينما احتج الأنصار بنصرتهم للدعوة في وقت كان فيه النبي في خطر، ولأن الحُجتين بينهما تكافؤ معنوي وأخلاقيّ لكن معايير العرب وقتها رجّحت منطق المهاجرين العشائري وإن لم يظهر كما ينبغي له أن يكون بولاية الهاشميين.. إنما بطون أخرى من قريش وقفت خلف الستار العشائري مما صنع أول بذرة للخلاف السني الشيعي طوال 14 قرنا لا زال ساريا يقتل الملايين ويهدد المستقبل بإفناء المسلمين جسدا وعقلا، والمتأمل في فكر وواقع الحضارة المعاصرة يرى زيادة في رقعة الإلحاد واللادينية ليس لأنهما مروقا فقط عن الإسلام ولكن لأنهما يمثلان ثورة على هذا الصراع العشائريّ الغبي.

إن إقرار السلطة في قريش وجعلها أمرا دينيا وفريضة من الله فرغت الإسلام من معناه الإصلاحي إلى مجرد حكومة عشائرية دينية تمثل جوهر الفكر السني والشيعي بالعموم، لذا فما حدث في السقيفة وإقرار قرشية الخلافة بعد ذلك هو الحدث الإسلامي الأبرز والأول في التاريخ .. بما يتضمن في فحواه روح القبيلة والنسب والتعصب المناطقي وفقدان الأهلية.. مما رفع من مشاعر الظلم والعدائية والغُبن لا زال المسلمون والعرب تحديدا يدفعون ثمنه إلى الآن، لاسيما أن حادثة مقتل "سعد بن عبادة" زعيم الأنصار والمنافس الأول لأبي بكر لا زالت تمثل لغزا في التاريخ الإسلامي، وكل ما ألغز معناه يفتح مئات الأبواب من التفسيرات المتشددة وغير المنطقية أحيانا، مما يعني أن ترويج وإشاعة حادثة مقتل سعد بهذا الشكل وأن العفاريت هي من قتلته لم يحسم القضية وظلت تحقيقات الجريمة تشهد بواقع مأساوي نخشى أن نعترف به.

كذلك في تحويل تلك السلطة العشائرية إلى دولة بالمنطق العربي السائد وقتها وهو (السيد والعبد أو الآمر والمطيع) فأبي بكر وبرغم افتتاح عهده بكلمة ليبرالية قوية وهي "قد ولّيت عليكم ولست بخيركم" لكن قيامه بحرب مانعي الزكاه وتجاوز صلاحياته كوكيل عن الأمة أحدث فرقا بين المسلمين حين عارضه الصحابي "عمر بن الخطاب" في ذلك، ولا زالت أخطاء تلك الحرب تمثل بقعة سوداء ظلامية من شبابيك التراث التي نخشى من رؤيتها بعين مفتوحة، وهكذا حتى وصلت السلطة العشائرية لبني أمية فاحتكروها لأنفسهم وضاعت قيم العدالة وتمثيل الشعب بصدق مدة 90 عاما حتى انتهت الدولة الأموية بفجيعة وجرائم السفاح.

كانت الدولة الأموية طوال تاريخها ممثلة لأقسى وأجهل أنواع الدول، من ناحية تمددها بالغزوات وتشريع أفعالها بفتاوى السلطان، حتى أن الدواعش عندما يريدون غزو الدول الآن يضعون نموذج الأمويين الأول نبراسا وهاديا لهم بيد أن أكبر توسع عسكري حدث في تاريخ المسلمين كان في عصر تلك الدولة ، وبرغم أن مدة حكمها 90 عاما لكنها استطاعت حكم ثُلث أو نصف العالم حتى بعد اكتشاف الأمريكتين، ناهيك عن إشاعة قيم الجبر والتواكل ونفي الأسباب والإرادة الحرة للإنسان، ساهم ذلك في تجهيل المسلم وإعادة برمجته ليصبح عبدا ذليلا خاضعا للسلطان أيا كان وضعه ، بخلاف الملاحقات التي حدثت لآل البيت واضطهادهم وذبحهم بهدف قطع نسل الهاشميين للأبد، ولنا في كتاب "مقاتل الطالبيين" للأصفهاني معرفة كيف كان الأمويين.. وكيف أحدثوا تلك الجرائم البشعة إنسانيا وفكريا في حقبة زمنية حساسة صنعت فكرا إسلاميا معيبا ومشوّها لعدة قرون.

لك أن تعلم أن الأمويين هدموا الكعبة مرتين وعاثوا فسادا في الحرم ضد أنصار "عبدالله بن الزبير" وبرغم ذلك عُدّت فترتهم صالحة قاضية بالعدل وكتاب الله زورا، ولولا البحث والتنقيب من العقلاء في تاريخ هذه الحقبة من كتب المؤرخين نفسهم ما استطعنا الوصول لتلك الحقائق المخفية بفعل فاعل.

حتى فترة "عمر بن الخطاب" والتي أكثر المؤرخون في نقل أخبارها القاضية بعدالة عمر وجرأته في نقد من سبقه وعدم إيمانه بحرفية الكتاب المقدس الأول للمسلمين وإعادة النظر في مفاهيم الحدود والعقوبات ومتع الحج والزواج وسهم المؤلفة قلوبهم وغيرها.. شوهت تلك الفترة بمقولة " أخرب الله مصر في عمران المدينة وصلاحها" والمعنى أن مصر حينها لم تكن دولة وشعب محترم في وجهة نظر الخليفة بل عبيد ومصدر للطعام والفئ لإثراء العرب، حتى المصريون لا يتحرجون من ذكر تلك الروايات وعدّها فضيلة لعُمر.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.. !.. كذلك لا يتحرجون من ذلك قافلة ابن العاص التي أولها في مصر وآخرها في المدينة كتعبير عن ثراء مصر وقتها بالخيرات والنعم، بينما المدقق في التاريخ سيجد أن هذه الرؤية هي نفس رؤية المستعمِرين الفرس واليونان والرومان والأتراك.. إلخ إلى مصر بوصفها بلد النيل والزراعة.

إن فترة فتوحات عمر جرى تلميعها من المؤرخين القدامى والإسلاميين المعاصرين لأسباب تتعلق بفعل وعدالة الصحابي في الفقه، فلم يقولوا مثلا أن مصر والشام كانوا مستعمرات بيزنطية وقتها، ولم يكن حق التجنيد متوفرا لأصحاب الأرض، بالتالي فحرب الغزاة العرب في الشام ومصر كان مع البيزنطيين بوصفهم مستعمرين ولا دخل للسكان بالقصة، بالتالي فإشاعة رضا المصريين والشوام عن الفتح العربي ما هو إلا أكاذيب لفقدانهم حق الاعتراض والقبول من أصله، وهي نفس الدعاية التي تطلقها داعش والإخوان وأمثالهم عن رضا المصريين والشوام بهم ضد الجيشين المصري والسوري، وأن السكان استقبلوهم بالورود ورضوا بحكم الشريعة.. نفس الادعاء مع اختلاف الزمن ولو صلح الأوائل لصلح الدواعش والإخوان

فتح مصر بالذات لم يأخذه الإسلاميون ولم ينشروه كما هو مدوّن في الكتب، فالمؤرخون الأوائل كانوا أكثر نزاهة وبرغم نقلهم لأكاذيب عن رضا المصريين بالغزو لكن نقلوا أيضا رفضا وثورات لخصتها الكاتبة "سناء المصري" في موسوعاتها "هوامش الفتح العربي لمصر وحكايات الدخول ورحلة الانصهار" وفيها روايات من فتوح مصر لابن عبدالحكم وغيره لم تعرض وغير قابلة للعرض نظرا لمساسها بالصورة المقدسة للفتح العربي في مخيلة المسلمين، بينما لا زال المسيحيين يتذكرون تلك الحقبة بالسوء، ومنها كتاب "الرواية السريانية في الفتوحات الإسلامية" لتيسير خلف

إن المصلحة العامة لشعوب الشرق الأوسط تقتضي إعادة تعريف أنفسهم من جديد كحل أولي لعلاج مشكلة الجذور هذه التي يعانون منها دون ذنب، فالمصريون ليسوا عَربا كلهم بل تشكلوا كشعب خليط من عدة أعراق قوقازية ويونانية وتركية وعربية وشمال أفريقية، بالتالي فهوية المصريين لم تكن تهتم بهذا الصراع العشائري العربي الإسلامي منذ البداية ، وإلى الآن لم يهتم المصريون سوى بعد اكتساح السلفية الوهابية وإحيائها لقيم العرب القديمة ولعصر الغزوات والجهاد من جديد، ولولا فشل الإخوان في حكم مصر لتم استنساخ نظام الخلافة الأموي العربي في مصر بحذافيره، وبالطبع سيتضرر أول من سيتضررون هم خصوم تلك الخلافة الأولى وهم المسيحيين والشيعة إضافة لأصحاب التوجه الليبرالي والعلماني في الأحزاب، مما سيدفع الإخوان لبرمجة مصر لمذهبهم الوهّابي وإعادة إنتاج غزوات ابن عبدالوهاب ضد العالَم من جديد.

إن المسلم الحالي كي يعالج مشكلة جذوره عليه أن يخلع قداسة تاريخه ويحاكم أصحابه بميزان العدل السائد، لا تبرير أفعال السابقين بثقافة زمانهم.. فالتاريخ وبرغم أنه ملئ بالجبابرة والطغاه لكنه يحكي نماذج صالحة وعادلة في المقابل حتى لو كانت أقلية أو استثناءً من المنطق العام، وقد يؤدي هذا العلاج المقدس لعقلنة حكايات الماضي وترك الأساطير المُكبّلة للذهن والتي نسجت خيالا إسلاميا أعور ومشوّه لحد السذاجة وصنعت مسلما مهما كان ناجحا في عملة لكن تقيده بالتراث والماضي يجعله رجلا أبله في نظر العقلاء مُخرّفا ومتشددا فظيعا.

على المسلمين أن يعتذروا عن تاريخهم والإيمان بأن غزوات العرب القدامى لم تكن أفضل حالا من غزوات الهكسوس والمغول.. فقط إذا أرداوا عدم إنتاج داعش أخرى، فالقول بجهاد الطلب ونشر الإسلام بالغزو هو جوهر فكرة داعش وشريانها المهم في استقطاب الشباب وخداع بعض العقلاء أحيانا ممن خصعوا لتأثير الماضي، في المقابل يجري الاعتزاز بالثقافة المحلية ونشرها وإعادة الاعتبار للحضارات القديمة التي تشوّهت بادعاء كفرها وهي التي وصلت لأوج حضارتها في وقت لم يكن فيه بدو العرب لا يعرفون الكتابة ولم نجد أثرا واحدا يحكي أنهم كانوا قُرّاء وكتبة لاسيما أن المنطقة المحيطة بهم كانت تعج بأفضل حضارات البشر وقتها كالمصرية والفينيقية والكوشية والحبشية واليمنية والفارسية والسريانية والرومانية.. إلخ، فليس من المنطقي إذن أن نثور على مفاهيم كل تلك الحضارات ونعيد الاعتبار لثقافة البدو العشائرية التي لم تعرف في حياتها منطقا أفضل وأنزه من منطق الغزو والسلب والنهب للأمم الأخرى كحل وحيد للهرب من وحل العيش في الصحراء والبقاء على قيد الحياة. 

المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده

 

للكاتب سامح عسكر

 

محمود محمد علينعود مرة أخري للحديث التفسير السوسيولوجي لحروب الجيل الرابع في هذا المقال السابع؛ حيث نكمل كلامنا عن الطبيعة السياسية لحروب الجيل الرابع، وفي هذا يمكن القول: إن حروب الجيل الرابع كانت ناتجاً طبيعيا لظروف استراتيجية وفرتها تطورات سيكولوجية والثورة العلمية في الاتصالات والمعلومات والتقدم في أدوات إدارة العلاقات الدولية ومتطلبات الحد من التدخل العسكري المباشر "حتي لا تتعرض القوات المسلحة للدول الكبرى لخسائر مادية، أو بشرية، أو عسكرية فهي إذن حرب وسائل أخري تسمح بتحقيق الأهداف الاستراتيجية والعسكرية بأقل قدر من التكلفة والخسائر .

إنها حرب تدار علي الدولة المستهدفة في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والثقافية والعسكرية والأمنية، فهي لا تقتصر علي المسرح التقليدي للحرب بأبعاده البرية والبحرية والجوية . إن حروب الجيل الرابع تختلف بصورة جذرية عن الجيل المعروف للحروب سواء من حيث الهدف منها أو أدوات تنفيذها أو طرق إدارتها؛ إذا كانت الجيوش تقود الحرب بصورة مباشرة وفق أهداف سياسية، فإن في "حرب الجيل الرابع يتراجع دور القوات المسلحة ليحل مكانة قوات أخري تستطيع إدارة مثل هذه الحروب عن بعد، إنها حرب بالوكالة وبالقيادة من خلف تعمل علي اسقاط الدولة المستهدفة دون حاجة الي التدخل العسكري الخارجي المباشر.

وربما كانت في بداية الإعلان عن هذا النوع من الحروب بشكل تنظيري  من محاضرة ماكس ماينورج الأستاذ بالكلية التابعة للجيش الأمريكي عندما كان يشرح لطلابه كيف يمكن غزو الدول عن بعد ؟ عن طريق زعزعة الاستقرار بصورة متعددة ينفذها مواطن الدولة نفسها تمهيدا لفرض واقع جديد يضمن تحقيق مصالح الخصم، ولا يرتكز هدف هذه الحروب في تحطيم المؤسسة العسكرية أو القضاء علي قوة الدولة المستهدفة بالقوة العسكرية، بل العمل علي إنهاء هذه الدولة ببطء بعد نشر الفوضى فيها، حيث يمكن تطويعها بحيث يمكن السيطرة عليها . إن هذا الجيل من الحروب يهدف إلي تفتيت مؤسسات الدولة الأساسية والعمل علي انهيارها أمنياً واقتصادياً وتفكيك وحدة شعبها من خلال الإنهاك والتآكل البطيئ للدولة ولنظامها السياسي، ولفرض واقع جديد علي الأرض لخدمة مصالح الخصم بأقل قدر من التكلفة المادية والعسكرية، مع تجنب المشكلات التي تنشأ عادة بعد الحروب التقليدية، من حيث نشر الروح العدائية وضد الدولة المعتدية، بل في هذه النوعية من الحروب ربما يحدث العكس، حيث "يتعاطف المجتمع مع الدولة الخارجية لتصبح بمنزلة المنقذ للظلم والاستبداد والقهر.

لذلك إن الهدف الاستراتيجي من حروب الجيل الرابع، هو الوصول للدولة المستهدفة إلي حالة من الفوضي، أو الانهيار الداخلي التي تؤدي، إلي أنماط تفكيكها ومن ثم انقسامها أو إضعافها إلي الحد الذي يسمح بالسيطرة عليها .

وتنقسم أدوات الحروب الخاصة بالجيل الرابع إلي داخلية وخارجية، حيث تعمل الأدوات الداخلية علي زعزعة الاستقرار، وإنهاك قوي الدولة وإسقاطها من الداخل، بينما تكون الأدوات الخارجية بالعمل علي حرمان النظام الحاكم من الاستفادة بأي مساعدة من المساعدات الخارجية، أو الإقليمية، أو الدولية عن طريق "تشوية صورة نظامه السياسي من ناحية وإضعاف موارده المالية والاقتصادية من ناحية أخري لما يؤدي إلي اتهامه بتدهور المستوي المعيشي وتفشي البطالة والفقر، الأمر الذي يعزز عدم الاستقرار والأمن الداخلي ويعجل بإضعاف الدولة وتفتيتها وإسقاط نظامها السياسي.

هذه تشبه الأدوات الداخلية الأتية: أولاً: الأدوات السياسية حيث يتم اثارة المجتمع، حول القيم باحتجاجات وتظاهرات حاشدة، من خلال تأجيج مشاعر الغضب، من الأوضاع السياسية، والمعيشية، والاقتصادية، وانتشار العمليات الإرهابية، ودفع الأقليات، والاثنيات، والعرقيات للمطالبة بالحكم الذاتي، أو بالانفصال، وإقامة كيانات خاصة بهم، بزعم تعرضهم للاضطهاد، ومنعهم من ممارسة حقوقهم المشروعة، مع التركيز علي مطالب الديموقراطية، وحقوق الإنسان، والحريات، والمساواة بين الجنسين، وفي ظل تعزيز دور منظمات المجتمع المدني، للوقوف ضد الدولة، واتخاذ مواقف حادة في معارضة سياستها . ثانياً: الأدوات الثقافية : حيث يعمل الإعلام الموجه من داخل الدولة وخارجها، علي تناول القضايا المثيرة للرأي العام، بصورة حادة ومنحازة وغير موضوعية، وتركز فقط علي السلبيات، ونقط الضعف في أداء الدولة ومؤسساتها، فضلاً عن بث الشائعات، والمعلومات المضللة، التي تشكك في شرعية نظام الحكم، ومدي وطنية أجهزته ومؤسساته المختلفة . ثالثاً: أدوات المخابراتية: حيث تقوم أجهزة المخابرات المعادية باختيار بعض الشخصيات غير المعروفة، خاصة من فئات الشباب، والتي يسهل استقطابها في الدولة المستهدفة واعدادهم وتدريبهم، للقيام بالأدوار المطلوبة، في إثارة الرأي العام للدخل، وحثه علي الاحتجاجات وفق خطط واضحة ومحددة، ودعم مالي كبير، يتم تحت ستار منظمة متكاملة من منظمات، مثل مراكز الفكر الاستراتيجي التي تزعم نشر الديموقراطية، والمناداة بالحريات، وحماية حقوق الإنسان، والإصلاح السياسي . رابعاً: أدوات الحرب الإلكترونية؛ حيث "يوفر الفضاء الإلكتروني القدرة علي إدارة هذا النوع من الحروب عن بعد، عن طريق شبكات الإنترنت، وشبكات التواصل الاجتماعي، التي تسمح ببث الوسائل السلبية، ونشر الشائعات، وتبادل الاتصالات العابرة للحدود، وجعل وسائل الإعلام العالمي منفذاً، لنشر التقارير المسيئة والمسموعة والمرئية، تتسم بالسلبية لما يجري داخل الدولة، ويقوم بها بعض أبناء الوطن سواء من التي جري تداولها، أو وسائل التواصل الاجتماعية، التي يبعث بها بعض من سبق، وتم إعدادهم للقيام بهذه المهمة داخل الدولة، لإثارة الرأي العام العالمي والوطني، ضد نظام الحاكم من ناحية، وتشجيع باقي عناصر المجتمع علي الاحتجاج والمظاهرات من ناحية ثانية، والاستجابة للدعوات المناهضة للحكم من ناحية أخري، وعادة ما يصعب علي كثير من الدول متابعة هذا النوع من الحروب الإلكترونية.

وإذا انتقلنا إلي الوسائل الخارجية لشن حروب الجيل الرابع نجدها تشمل الآتي:

أولاً: علي المستوي الدولي: العمل علي الاستفادة من مجلس الأمن الدولي من خلال استصدار قرارات، لفرض عقوبات دولية علي الدولة المستهدفة ونظامها الحاكم، دون النظر إلي تداعيات العقوبات علي الشعب في تلك الدولة، وكذلك تطبيق البند السابع الذي يضفي الشرعية الدولية علي استخدام القوة عند الحاجة ضد الدولة المستهدفة، بزعم حماية الأقليات والتدخل الإنساني .

ثانياً: علي مستوي العلاقات بين الدول: نجد أن الحصار الاقتصادي الاستراتيجي والعزل، من أهم أدوات إضعاف النظام الحاكم في الدول المستهدفة، وقد يتم ذلك بصورة فردية، أو من جانب الدول التي تشن هذا النوع من الحروب، أو بصورة جماعية من خلال التنسيق مع الدول المتحالفة معها، أو التابعة لها . ثالثاً: دور إدارة الحرب عن بعد : باستخدام الطائرات دون طيار والحرب بالوكالة والقيادة من الخلف، لذلك فإن هناك الكثير من "الأمثلة والنماذج الواهية التي تدل علي نجاح هذا النوع من الحروب، لتحقيق أهدافه، وقد نختلف أو نتفق علي أسبابها ونتائجها، إلا أنها تظل شاهداً موجوداً في حروب الجيل الرابع" .

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة وهي إذا كانت حروب الجيل الرابع قد نشأت داخل مراكز الأبحاث الأمريكية، فذلك لتفسير وتبرير الصعوبات التي تواجهها القوات الأمريكية وحلفاؤها في مواجهة الحركات المقاومة ( التي يصفونها بالإرهابية)، وتتميز بأنها حروب غير نمطية، تعتمد علي المعلوماتية والقوي الناعمة، ومن حيث كونها حروباً طويلة المدي، تنشب بين الدول وبين الجماعات (من غير الدول) صغيرة الحجم، مرنة التنظيم، محدودة الإمكانيات البشرية والمادية، تستخدم تكتيكات حروب العصابات لتحقيق أهدافها . والفاعل الرئيسي في هذه الحرب هو الدول والأنظمة العالمية الكبرى ( وعلي رأسها الولايات المتحدة الأمريكية)، وذلك في إطار سعي الأخيرة لنشر الفوضى وزعزعة الاستقرار في المنطقة، بحيث "تستمر في زعامتها للعالم من دون معوقات، ومن دون أن تضطر لخوض حرب فعلية.

كذلك  إذا كانت حروب الجيل الرابع قد مرت عبر ثلاث مراحل رئيسية، وهي زعزعة استقرار الدولة المستهدفة، والمرحلة الثانية إفشالها، وأخيراً تفكيكها وتقسيمها، وخلق واقع جديد علي الأرض، يخدم مصالح الأنظمة المتداخلة، فلا شك في أن هذا النوع من الحروب تم تطبيقه بنجاح في العديد من الحالات، مثل السودان، وسوريا، والعراق، فضلاً عن أفغانستان زمن الاحتلال السوفيتي؛ حيث تم تصوير المقاومة وقتها علي أنها "نوع من الجهاد ضد المحتل السوفيتي بمساعدة الولايات المتحدة، بينما كان الأمر في حقيقته عبارة عن خطة أمريكية لتحطيم الاتحاد السوفيتي، وإعداد جيل من الجهاديين لنشرهم في كل أنحاء العالم، واستغلالهم في الحرب الأمريكية التالية علي العالم العربي والإسلامي.

أما عن الوسائل التي تستخدمها الولايات المتحدة وحلفاؤها لتنفيذ هذا المخطط، فبينا بأنها تشمل " الميديا الجديدة"، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، والإعلام الفضائي والالكتروني، ومؤسسات المجتمع المدني، كما تُستخدم في إطار هذا النوع من الحروب "الآليات النفسية، مثل بث الشائعات، ونشر مشاعر الإحباط والغضب علي نطاق واسع، واستثارة الأقليات، وإثارة الحساسيات العرقية والدينية، وتعبئة الشباب بأفكار سلبية ضد الدول العربية ومؤسساتها، ونشر البلبلة والتشكيك في المشروعات القومية، كما يتم توظيف الورقة الدينية من خلال إشعال حروب الفتاوي، فضلاً عن استخدام العملاء الناشطين السياسيين .

والهدف النهائي من وراء هذا النمط من الحروب هو التقسيم الداخلي للدول المستهدفة، وتفكيكها وإفشالها، وتدعو من ثم المواطنين إلي التكتل خلف قيادتهم السياسية، لكسر وإفشال هذه السيناريوهات عبر التصدي لممثليها في الداخل، وما يتفرع عنها من تنظيمات إرهابية في الخارج. وفي إطار ذلك اعُتبرت ثورات الربيع العربي البوابة التي تم من خلالها تسريب هذا المخطط، فمن خلال "إسقاط حكام المنطقة، وخلق جيل جديد من الحكام من الإسلاميين، أصبحت الأمور مرشحة للفوضى؛ حيث فقد الناس ثقتهم في هؤلاء الحكام، ومن ثم توالت الأزمات السياسية ووصلت حالة الاحتقان ذروتها، وهكذا فإن المؤامرة كانت أمريكية الصنع، محلية التنفيذ.

وهناك أهداف كثيرة متعددة ومتنوعة لحروب الجيل الرابع، من بينها أهداف سياسية، وأهداف اقتصادية، وأهداف اجتماعية، وأهداف ثقافية، وأهداف أخري كثيرة ومتعددة، وهي تُشن بمكر ودهاء لفرض تأثيرها وأثرها علي كل شئ، وهو ما جعل للأهداف طبيعة ارتكازية متمحورة يستفاد من تحققها، وبالتالي تتحول نتائجها لمدخلات جديدة لتحقيق أهداف أخري، وهو ما جعل لتفاعلات اللحظة اعتبارات امتدادية مؤثرة، خاصة في إعداد الدولة المستهدفة لتكون فريسة سهلة لحروب الجيل الرابع، وهو ما يعطي مدلولاً خاصاً، إذ إن هناك حدوداً لحركة القوي الفاعلة في حروب الجيل الرابع، حيث تنهض وتقوم أجهزة المخابرات بالدور الأكبر منها، سواء في القيام بالحركة، أو في تفاعلاتها، وهو ما يحدد شكل الارتباط بالأهداف الموضوعة، حيث تقتضي فواعل المؤامرة السرية استخدام بعض الأدوات والوسائل الاختراقية المؤثرة علي تحقيق أهداف التفتيت والتشتيت والاقتتال بين أبناء الوطن الواحد، واقتراف الجرائم المتعددة، بما فيها إزالة كيان الدولة، وإحلال الفوضى، وضمان الهروب بالأموال، والمكاسب، والمصالح للخارج .

إن هذا يتم إدراكه وفقاً للطبيعة الخاصة لحروب الجيل الرابع، حيث إن هناك أنواعاً عديدة من الأهداف، بعضها طويل الأجل استراتيجي، وبعضها متوسط الأجل سياسي، وبعضها لحظي قصير الأجل تكتيكي، وهي مرتبطة أيضاً بالطبيعة التنفيذية الخاصة لحروب الجيل الرابع؛ من حيث تحقيق أهداف عامة إجمالية، أو من حيث تطبيق أهداف خاصة جزئية، وبالتالي تتحدد طبيعة المشاركة من جانب القوة التنفيذية لتحقيق هذه الأهداف .

لقد ساعدت اتفاقيات الحروب السابقة علي جعل أهدافها محركة ومؤثرة، خاصة في جني المكاسب والأموال، وفي الحصول علي هذه الأموال في إطار علاقات ما بعد الحرب، لكن حروب الجيل الرابع هي حروب تمتاز باتصالها المستمر للحصول علي العوائد والمكاسب والمصالح المستمرة، حيث تسعي الفرق المتعددة للحصول علي ما يستطيع الوصول إليه، وتحويله الي الخارج، خاصة سرقة الموارد الطبيعية، وأموال الشعب وإيداعاته، في البنك المركزي والبنوك الأخري، وما هو محتفظ به خارج الجهاز المصرفي .

إن هذا يوضح أن الأهداف شاملة ومتكاملة، وهي تعمل علي خدمة هدف رئيسي قائم علي تخطيط ماكر لتحقيق الأهداف .

كما أن لحروب الجيل الرابع أهداف اقتصادية، وسياسية، واجتماعية، وثقافية، وإنسانية، وهي تعمل علي إحداث أوضاع غريبة وقاسية، وهي تعبر عن هذه العقلية المجرمة التي دبُرت وخُططت لهذه الحروب؛ حيث لكل حرب أهداف اقتصادية، أهمها تعطيل مسيرة التنمية الاقتصادية، وإرهاق وإرباك الدول الأخرى، وجعلها تترنح تحت ضغوط الفقر، والعوز، والإهانة، والمهانة، وإزلال الحاجة للعمل، وتعطيل سبل الاستثمار، وجعل الشعب يرزح تحت نيران العطالة والبطالة ولا سبيل أمامه سوي حرفة القتال، والاستيلاء، والغضب، والاجبار علي الخنوع، وإلا فلا سبيل إلا الموت أو الهجرة، حيث يتم تحقيق ذلك فضلاً عن الديون، والمساعدات، والهبات المزلة بشدة.

كما أن لحروب الجيل الرابع أهدافاً سياسية قائمة علي إزالة كيان الدولة، وإلغاء البرلمان، وإلغاء القوي السياسية المتواجدة في الدولة، وإعدام وقتل السياسيين، وإبعادهم عن مواقع التأثير في الأفراد، وإجبار هؤلاء الأفراد علي الانصياع، والتخاذل، والتنازل عن كافة حقوقهم السياسية مقابل حق الحياة .

وتعمل حروب الجيل الرابع علي تدمير النسق الاجتماعي السائد، وتفكيك قطاعاته، والارتداد إلي القبيلة، والفُرقة، والتنازع، والتضاد، وإشعال الحروب بين الأشقاء، وجعل النسيج الاجتماعي مهترئاً، ومزعزعاً، ومقطعاً، وجعل زعماء العشائر والقبائل منقطعين، والعمل علي حرمان الأفراد من حقوقهم الاجتماعية، بل وتدمير هذه الحقوق في غيابات عمليات القتل الجماعي والفردي، لإيجاد عقيدة الثأر المتبادل في تدمير كافة العلاقات الثقافية السائدة، ومنع سبل التواصل الثقافي بين أفراد الشعب الذي يصبح صريع ثقافة الاقتتال والثأر المتبادل.

إن هذه الأهداف يُدفع من أجل تحقيقها إعلاميون من جانب عدو عتيد في الإجرام، عدو أدمن استخدام المؤامرة، لتحقيق أهدافه، ونشر ثقافة الاستهلاك، وثقافة المتعة اللحظية، وثقافة الارتزاق، وثقافة التدني إلي درجة إفقاد الحياة والموت للخلاص.. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

محمد فتحي عبدالعالوفي رحلتنا مع الابجدية لابد وأن نتوقف عند حضارة اليمن الخصيب وأن نطوف بإكبار عبر دروب أبجدية المسند الحميري تلك الأبجدية العربية الجنوبية القديمة المرتبطة بالحضارة اليمنية الحميرية وقد سميت بالمسند بحسب القدماء مثل القلقشندي لأنها تستند إلي هود عليه السلام وبحسب المعاصرين لأن الحروف فيها هندسية الشكل تتخذ أشكال خطوط مستندة للأعمدة بجماليات تكوين أقرب للمرحلة التصويرية في الهيروغليفية وكانت تكتب نقشا بأدوات حادة على الأحجار والبرونز .

كانت نشأة هذه الابجدية في اليمن ثم انتقلت إلى العراق في عهد المناذرة، حيث تعلمها أهل الحيرة، ثم أهل الأنبار، ثم انتقلت إلى الحجاز كما وجدت لها أمثلة في مصر واليونان وتدل النقوش المتفرقة علي الصخور والمغارات والقلاع أن هذا الخط من الخطوط الرسمية في الجزيرة العربية حيث اكتشف (البرت. جام) عام 1962م حروفا قديمة في منطقة العبر شمال شبوة، رأى أنها من أقدم الشواهد على خط المسند فيما يری العالم الألماني "هرمن فيسمن" أن أقدم كتابة يمنية قديمة (كهلم) و التي عثر عليها في "هجر بن حميد" من وادي بيحان والموسومة ب"مونو جرام (طغراء) هجر بن حميد" ويعود تاريخها إلى القرن العاشر قبل الميلاد. لقد كانت حروف المُسند بمثابة السفير الذي حمل علی عاتقه مهمة نشر الإرث الثقافي والتراثي اليمني داخل وخارج الجزيرة العربية ولعل في رسالة رسول الله إلی ملوك حمير والمنشورة علي غاليكا ( Gallica)، المكتبة الرقمية التابعة للمكتبة الوطنية الفرنسية والمكتوبة بحروف المسند ومرجعها (Cohen (D.), «Un manuscrit en caractères sudarabiques d'une lettre de Muhammad», in GLECS, 1971, pp. 103-109). -إن صحت نسبتها للرسول -ما يقطع بقوة تأثير هذه اللغة ودرجة إجادتها في داخل الجزيرة العربية أما من خارجها فقد تأثرت الحبشة إلی حد كبير بالأبجدية المسندية فأشتقت منها اللغة الأمهرية اللغة الرسمية في أثيوبيا وتحتوي المتاحف الأثيوبية والارتيرية على الكثير من النقوش المُسندية .

تتألف ابجدية المسند من تسعة وعشرين حرفاً أبجديا ، أي بزيادة حرف على الأبجدية العربية وهو ما بين السين والشين ويدعى سامخ. تتسم حروف المسند بأنها منفصلة غير متصلة وعند التشديد يكتب الحرف مرتين فيما يوضع خط عمودي للفصل بين الكلمات فضلا عن خلوه من التنقيط والحركات وعلامات الترقيم.أما طريقة الكتابة ففي المرحلة القديمة كانت الكتابة بطريقة المحراث فتكون الكتابة في السطر الأول من اليمين إلی اليسار و العكس في السطر التالي وهكذا حتي نهاية النقش.أما في المرحلة الحديثة فقد استقرت الكتابة لتصبح علي شاكلة اللغة العربية من اليمين إلی اليسار.

وكتابة المسند إما بارزة أو غائرة والكتابة البارزة عادة ما تكون من نصيب الأعمال العظيمة أما الكتابة الغائرة للاعتيادية ومواد كتابة المسند كانت الحجارة والصخر والخشب والمعادن.

أما عن الأصل في أبجدية المسند فقد شهدت خلافا بين الباحثين ففيما ذهب البعض إلی إشتقاقها من السينائية الأولية فقد زعم أخرون كونها أول أبجدية عرفها التاريخ وهي الأصل الذي اشتق منه الفينيقيون لغتهم حيث يری المستشرق الألماني (مورتينز) أن الفينيقيين اعتمدوا في كتابتهم على العربية اليمنية ، ثم أخذ اليونانيين بدورهم الكتابة عن الفينيقيين وعنهم أخذها الرومان، وبالتالي العرب اليمنيون هم أول من أهدی الكتابة إلی العالم.

أما العلاقة بين اللغة العربية والمسند فقد شهدت هي الأخری خلافا فيری المؤرخون العرب في المسند المصدر الذي انحدرت منه الأبجدية العربية وسمي الخط العربي بالجزم لأنه جزم او اقتطع منه وغالبا ما نجد لهذه الأراء صدى في كتب الأدب العربيّ فيما تبدو أساطير من المنظور العلمي في نظر الغربيين فمثلا قال ابن هشام: أوّل من كتب الخط العربي حمير بن سبأ علمه مناما!! .

لكن الحقيقة أن حديث النبي بطمطمانية حمير في قوله «ليس من امبر امصيام في امسفر» أي "ليس من البر الصيام في السفر". ربما تحمل إلی حد ما دلالة علی الاتصال بين الدولة الحميرية وعرب الشمال ومدی تغلغل خصائص لغة حمير إلی العربية..

لقد أسدت أبجدية المسند للإنسانية إسهاما جليلا عبر رحلتها للتحول الحضاري لا يمكن إنكاره .

 

د. محمد فتحي عبد العال

 

عدنان عويدالمجتمعات التقليدية، هي المجتمعات التي لم تزل فيها قوى الانتاج وعلاقات الانتاج في حالة من الهجانة والتداخل بين الرعي والزراعة والحرفة والتجارة، والتي غالباً ما يغلب على اقتصادها سمات اقتصاد السوق الصغيرة والاقتصاد الريعي، بغض النظر عن حالة الهجانة ودرجة التداخل بين أنماطها الانتاجية السائدة، إلا أن ما يمنحها صفة التشابه هو طبيعة العلاقات الاجتماعية والفكرية السائدة أو المهيمنة، هذه العلاقات التي يغلب عليها في السياق العام المرجعيات التقليدية ممثلة بالعشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب التي اخترقت حتى بنى أحزابها العلمانية، إضافة إلى ضحالة وهشاشة واضحة في البنية الفكرية، حيث يسود فيها وينتشر العقل الامتثالي القائم على النقل والرضوخ والرضى والاستسلام ووالتخيل والحدس الفردي..الخ، إضافة إلى النفاق المضخم للتراث وما يحمله هذا التراث عند أبناء هذا المجتمعات التقليدية من قيم غالباً ما أعطيت صفة المثالية والقداسة، على اعتبارها الفردوس المفقود، وهي بعيدة عن ذلك تماماً.

لا شك أن هذه المجتمعات التقليدية بكل بناها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية أخذت تتعرض اليوم لهزات عنيفة، بدأت تكشف ضعف هذه البنى والحوامل الاجتماعية المعبرة عنها، وبخاصة الجهل في رؤية هذه الحوامل تجاه ما يحيط بها على المستوى المحلي والاقليمي والدولي من أحداث راحت تبين كيف أن سوسة الحداثة بدأت تنخر في أساس بناها القائمة.

إن رغبة ورهان بعض القوى الساسية في عالمنا العربي في هذه المجتمعات التقليدية، على استمرارية وجود هذه البنى والاشتغال عليها سياسياً واجتماعيا وثقافياً، هو رهان على الحصان الخاسر أمام زحف الحداثة وتأثيرها الفاعل في خلخلة بنى هذه المجتمعات وتهديمها من الداخل، وبالتالي فإن أي محاولة من القوى السياسية الحاكمة إعادة صياغة أو ترميم هذه العلاقات المفوّته حضارياً، بغية الحفاظ على الدولة القائمة، هي محاولة فاشلة لن تحقق النتائج المرجوة منها، ولن تكون هذه المحاولات أكثر من حالات إعلامية هزيلة، وكرنفاليه مرتبكة في الشكل والمضمون، تهدف إلى إشعار الخارج الاقليمي والدولي بأن وضع هذه المجتمعات ودولها بخير، علماً أن أهلها أنفسهم أدرى بشعاب ضعفها وبدء سقوط ليس أوراقها فحسب، بل أغصانها وتلف جذورها أيضاً. خاصة وأن أكثر زعماء هذه العشائر والقبائل قد هاجروا من ديارهم ولم يستطيعوا حماية أنفسهم من أبناء عشائرهم وقبائلهم الذين انضووا تحت راية داعش والنصرة وغيرهما، في الوقت الذي وجدنا فيه بعض رؤساء هذه العشائر والمشايخ قد ارتموا بأحضان الخارج وسلموا أمرهم لسيولة البترودولار.

لذلك نتساءل هنا ومن حقنا هذا التساؤل: أي عشيرة أو قبيلة أو طائفة او مذهب في عالمنا العربي اليوم، بقيت متماسكة وتلعب دوراً في تثبيت وجودها ووجود من يعوّل عليها من القوى السياسية الحاكمة أو الطامحة إلى السلطة؟، بل أي حزب من الأحزاب العربية الحاكمة المنخورة تنظيمياً بهذه المرجعيات التقليدية، استطاع ليس الدفاع عن نظامه الحاكم فحسب، بل مقراته أيضاً التي تركها وهرب أمام قوى الارهاب والمعارضة معاً.؟.  فما سمي بثورات الربيع العربي على سبيل المثال، قد اثبتت انهيار البنية التقليدية لهذه العشيرة أو القبيلة والأحزاب الحاكمة ومن يمثلها من مشايخ ورجال سياسة. وهذا يدفعنا للتساؤل، ماذا عملت اجتماعات عشائر العراق لنظام البعث وصدام حسين الذي عوّل عليها الكثير للوقوف معه ضد من عمل على إسقاط حكمه وحكم البعث في العراق من الداخل والخارج مثلاً. وكذا الحال بالنسبة للقذافي وزين الدين العابدين، ومبارك والبشير.. وكل الأنظمة العربية التي انهارت بعد تعويلها أو اتكائها على العشيرة والقبيلة والطائفة والحزب الحاكم المستهلك فكراً وتنظيماً؟.

نعم إن الحداثة وما حققته من تطور في التعليم والتكنولوجيا، وحصول مئات الألاف من أبناء هذه المجتمعات التقليدية على الشهادات العليا، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وتعميم أو التبشير بمفاهيم الدولة المدنية ومفرداتها مثل الديمقراطية والعلمانية والمواطنة ودولة المؤسسات والتشاركية وظهور التنظيمات الحزبية الجديدة وغير ذلك، قد ساهم في تحطيم سيادة سلطة شيخ العشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب والحزب الحاكم، وتأثيرها الفاعل على قيادة المجتمع. فالدكتور والمهندس واستاذ المدرسة والجامعة ورئيس الدائرة، أصبح يشعر بدوره ومكانته في المجتمع، وبالتالي استقلالية شخصيته وتفردها بقرارها، وإن وجد هناك أي تنظيم سياسي له تأثيره وحضوره الجماعي الفاعل في مجتمعاتنا ودولنا اليوم، فهو التنظيم القائم على العقيدة الدينية، كون العقلية المفوّتة حضارياً التي قمنا بتوصيفها أعلاه تتناسب في جوهرها مع عقلية الكثير من أفراد هذه القوى التقليدية. وهذا الالتزام بالعقيدة، نجده في أعلى درجات قوته لدى من انتسب إلى التنظيمات الدينية الجهادية، حيث وجدنا غياباً واضحاً لدور ومكانة سلطة شيخ العشيرة والقبيلة والحزب الحاكم أمام سلطة مسؤولي قادة هذه التنظيمات وتأثيرها اللامحدود على من ينضوي تحت رايتها أو قيادتها.

لقد رأينا بأم أعيننا الداعشي أو من ينتمي للنصرة وغيرهما من الفصائل الجهادية، كيف يقوم بقتل ابن عشيرته وقبيلته وقريته ووطنه وابن مذهبه إذا اختلف معه في الرؤية الدينية، أو المصلحية، بل إن بعض أبناء هذه التنظيمات قام  بقتل أمه أو أبيه عندما خالفاه في الرأي، أو حالا بينه وبين معتقداته، وهذا ما يدفعنا للتساؤل المشروع أيضاً، أين هو تأثير شيوخ العشائر والقبائل والطوائف والأحزاب الحاكمة على أبناء عشائرهم وقبائلهم وطوائفهم في أزمات ما سمي بثورات الربيع العربي؟.

نعم لقد أسقطت الحداثة، والعقيدة السياسية الدينية، سلطة شيخ العشيرة والقبيلة والطائفة والأحزاب الحاكمة وفاعليتها وتأثيرها على المكون الاجتماعي التابع لها. لذلك نقول إن كل من يحاول الاشتغال اليوم على ورقة العشيرة والقبيلة وحتى الفكر الديني في صيغته (المدخلية) من أجل الحفاظ على الدولة واستقرار المجتمع هو يراهن على الحصان الخاسر، مع احترامي الشديد وتقديري لكل الأخوة من رموز العشائر والقبائل والطوائف والمذاهب.

إن الحل الوحيد لعودة استقرار الدولة واللحمة الاجتماعية، هو التوجه نحو الشعب بكل مكوناته، وليس قيم العشيرة والقبيلة والطائفة... التوجه نحو قيم الحاضر والمستقبل، وليس قيم الماضي المفوّت حضاريا. إن الحل يمكن في تعميق دور المواطنة، والتعدديّة السياسية والمشاركة في السلطة وتداولها.. إن الحل في العلمانية والديمقراطية والتأسيس للدولة المدنية، ونشر الفكر العقلاني التنويري والمشاركة الشعبية في قيادة الدولة والمجتمع، وبالتالي، فكل ممارسة خارج هذه القيم الحداثوية، هي ممارسة خارج التاريخ ومآلها الفشل .. هذا هو منطق التاريخ، فلا تعاندوا سيرورة التاريخ وصيرورته. اتركوا الشعوب تقرر مصيرها، ولا تجعلوا من أنفسكم أوصياء على الشعب.. قد تخطئ هذه الشعوب في مسيرتها السياسية بسبب غيابها الطويل عن الفعل السياسي العقلاني التنويري، ولكنها في المحصلة ستتعلم وتعرف طريقها الصحيح حتى ولو دفعت الثمن، ولا شيء عقلاني في السياسة يأتي بدون ثمن.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

 

نبيل عودةفي كتابه المثير للتفكير، "الثقافة والامبريالية"، يطرح المفكر الفلسطيني (الأمريكي الجنسية) د. ادوارد سعيد، رؤيته المتميزة والجديدة فكريا ونقديا، بمجمل الفكر الإنساني، حول العلاقة بين الثقافة والامبريالية، مقدما تصوره بأن الثقافة جاءت بالأساس لخدمة الاستراتيجية الإمبريالية، لذلك هي متشابكة ومتواطئة مع المجتمع الذي انتجها، وهي شكل من أشكال الاستعمار (الثقافي) الإستعلائي.

يقول د. سعيد في مقدمة كتابه: "ان معظم محترفي العلوم الإنسانية، عاجزون عن ان يعقدوا الصلة بين الفظاظة المديدة الأثيمة لممارسات مثل الرق، والاضطهاد الاستعماري والعنصري، والاخضاع الامبريالي من جهة، وبين الشعر والرواية والفلسفة التي ينتجها المجتمع الذي يقوم بمثل هذه الممارسات من جهة أخرى".

يوضح د. سعيد فكرته حول اندماج الثقافة الكلي مع امبرياليتها بنموذج الامبراطوريتين الاستعماريتين السابقتين، فرنسا وانكلترا، وخاصة إنكلترا، التي كانت تقف في طبقة امبريالية خاصة بها، أكبر وأفخم وأشد مهابة من أي امبراطورية استعمارية أخرى، وفرنسا التي كانت على مدي قرنين، بتنافس مباشر مع إنكلترا، لذلك كما يقول د. سعيد :"ليس من المفاجئ في شيء ان فرنسا وانكلترا تمتلكان تراثا غير منقطع من الكتابة الروائية، لا نظير له في أي مكان آخر، وأن أمريكا التي بدأت تصبح امبراطورية امبريالية في اثناء القرن التاسع عشر، لم تحذُ حذوهما إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، وبعد فكفكة استعمار الامبراطوريتين فرنسا وانكلترا".

الكتاب مثير في طروحاته وربما يحتاج الى كتاب آخر لعرض مواضيعه الفكرية المثيرة التي تعتبر فاتحة في الفكر الإنساني كله. فهو الى جانب ذلك مليء بالفكر النقدي والتحليلي المبدع، خاصة حول مفاهيم مثل الثقافة ودور المثقفين.

الكتاب اثار لدي الاهتمام المجدد بموضوع طرح ويطرح اليوم أيضا بأشكال عدة، ويتعلق بموضوع علاقة المثقف مع السلطة. ان المثقف ليس مواطنا عاديا، ليس من ناحية الحقوق الاجتماعية والسياسية، إنما من ناحية التأثير الفكري، وقدرات المثقف على خلق مواقف لها أثرها في تكوين مفاهيم اجتماعية كثيرة والتأثير الفعال على الراي العام، ليس بجانبه الثقافي فقط، إذ يقول ان المثقفون أيضا هم نتاج النظام الاجتماعي والسياسي (السلطة) فما هي قواعد العلاقة، بين المثقفين والنظام الاجتماعي والسياسي؟ هل هي علاقة انتقائية من المثقف او من السلطة؟ ام هي علاقة تفرضها السلطة حسب نهجها وفكرها ومصالحها؟ المثير هنا هل يمكن الافتراض ان السلطة هي التي تخلق مثقفيها؟ وانه لا مجال تاريخيا لوجود مثقفين خارج النهج الرسمي للدول الامبريالية؟ طبعا القصد ليس عصرنا المتحرر، عصر العولمة الذي أصبحت حدوده ما بعد السماء، بل عصور النهضة الاستعمارية في بداياتها وتطورها إذا صح تعبير النهضة لوصف الاستعمار الاستبدادي؟

من الطرح السابق يتضح انه من العبث الرؤية بأن الثقافة مسالة عليا، لا يربطها بالقضايا السياسية والتاريخية أي رابط. ان الثقافة في كل زمان ومكان، كانت بارتباط وثيق بالسياسة. الثقافة هي المعيار الذي يشمل كل المنتوج الاجتماعي، الاقتصادي، العلمي الفني والأدبي. لذلك لا يستطيع المثقف ان يكون منعزلا عن السياسة، لا راي له لما يجري حوله من تطورات واحداث هو في التلخيص الأخير نتاج لها.

هل يستطيع المثقف مثلا ان يكون بلا راي من قضية الديموقراطية؟ من العلاقة بين الدين والدولة؟ من الصراع بين العلمانيين والمتدينين؟ او من قضايا التنمية؟ او من قضايا سياسية دولية ملتهبة مثل العدوان، الاحتلال، جرائم ضد الإنسانية وخطر الحرب المدمرة بشكل عام؟

هل يستطيع المثقف ان يتجاهل قضايا اجتماعية متنوعة كمسالة مساواة المواطنين؟ تحرير المرأة ومساواتها في الحقوق؟ قضايا البيئة؟ او من المفاهيم الجمالية للإبداع الأدبي والفني؟ مثلا المفكر الماركسي البارز أنطونيو غرامشي (1891-1937) حذر من الهيمنة على الثقافة كوسيلة للإبقاء على الحكم في المجتمع الرأسمالي.

عن دور المثقف يقول ادوارد سعيد في كتابة "الآلهة التي تفشل دائما"، على المثقف ان يكون واع لكل التعميمات التي تحدت والافكار التي تطرح من قبل وسائل الاعلام، المرئية، المسموعة والمقروءة، التي لا بد ولها توجهات وايدولوجيات معينه وافكار ربما تكون هدامه. على المثقف ان يفهم هده الافكار ويتنبه لها، وان يتصدى لما يراه منها ضار بالمجتمع وان يتكلم عنها وينبه لها، وان يكون البوصلة الحقيقية للمجتمع التي تسهم في اعاده توجيهه نحو الوجهة الصحيحة".

اذن الثقافة قطعت مرحلة تاريخية، من كونها نتاج الامبريالية، الى القوة المحركة للقضاء على كل اشكال الاستعمار والاستبداد.

 

نبيل عودة

 

تقديم: لقد ترك لي الفقيد يوسف محمد طه مخطوطة هذه الدراسة عن العولمة وإشكالاتها. وها أنذا اقدم صيغتها الأخيرة بعد تنقيجها وتدقيقها وتحقيق مصطلحاتها. ومع ذلك تبقى في نهاية المطاف هي من انتاجه الفكري الخاص. فقد كان يوسف متمكننا في علم الاقتصاد. وترك كلية الاقتصاد في بغداد عندما كان في السنة الأخيرة للدراسة، بسبب حملات الاعتقال التي شنتها الأجهزة القمعية لدكتاتورية البعث الصدامية. بينما كان اهتمامه باشكاليات العولمة والرياضيات والذكاء الطبيعي والعقل من صلب توجهه الخاص والدقيق. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن مقدرته الفائقة، بل الهائلة في علم الرياضيات. ولولا اشتراكه المبكر في الحياة السياسية والحزبية (الشيوعية) لكان بامكانه أن يكون عالما رياضيا كبيرا. وهي حالة لاحقت أيضا ودمرت قدرات الكثير من شباب تلك المرحلة. بل دمرت حياة أجيال.

هذه الحلقات هي وحدة واحدة للدراسة. وانشرها وفاءا لذكراه.

ميثم الجنابي

..........................

إن أي بحث جدي عن إشكاليات العولمة المعاصرة وآفاق البدائل السياسية بالنسبة للعالم العربي والإسلامي يفترض الانطلاق من إدراك الترابط العالمي المعاصر. وبالتالي انتقال التأثيرات بين أجزائه بهذه السرعة. وهو تأثير يؤدي بحد ذاته إلى توليد إشكالياته الخاصة في العلاقات السياسية والأمنية في العالم، أي أننا نقف أمام ترابط متعمق باستمرار، مما يستدعي بدوره الحاجة لحل هذه الإشكالية السياسية - الأمنية التي تولدها زيادة الترابط العالمي.

فمن جهة نرى توسع وترسخ الوحدة الأوروبية رغم نزاعاتها وخلافاتها. وذلك لأن الاتجاه العام فيها يخضع لمهمة توسيع وترسيخ مسيرة الاتحاد الأوروبي. والشيء نفسه يمكن قوله عن الولايات المتحدة، بمعنى توسع قوتها على الصعيد العالمي. كما نرى سياسة حثيثة من جانب الإدارات الأمريكية المتعاقبة على علاج نقاط ضعفها. وفي نفس الوقت يجري داخل الولايات المتحدة صراع من أجل تحويلها إلى قوة عظمى دائمة تقرر الوضع العالمي. وتحاول أن تبني سياساتها هذه على تسخير قدراتها الاقتصادية والعلمية والعسكرية.

كما نرى توسع وقوة منظمة التجارة العالمية المتعاظمة، التي أخذت الاحتكارات العالمية المترابطة المصالح التي تستحوذ على معظم الإنتاج والتجارة العالمية تتحكم بنشاطها سواء عبر صياغة قواعد نموها أو آلية حل خلافاتها ونزاعاتها. وهي قوى هائلة الإمكانيات وذات قدرات فعلية على النمو والتوسع. وليس هناك من قوة معاصرة اقتصادية قادرة على الوقوف أمام توسعها. وهي قوى لها أجهزتها السياسية والعسكرية والإدارية المنظمة مثل قمة الدول السبع الكبار وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وحلف الأطلسي. كل ذلك يمكنه على المدى المنظور أن يؤدي عبر ترسيخ وتعميق الاتجاهات الآنفة الذكر إلى ولادة عملة عالمية واحدة من الدولار (الأمريكي) واليورو (الأوربي) والين (الياباني).

وتتداخل في هذه العملية اتجاهات متناقضة ومتصارعة مثل التطورات في المنظمات العالمية والإقليمية القائمة، والجهود المبذولة لتطوير فعالية مجلس الأمن الدولي وهيئة الأمم المتحدة باعتبارها شكلا من أشكال الكونفدرالية السياسية العالمية، وسعي الاحتكارات العالمية لتأجيل قيام إطار سياسي عالمي يعرقل نشاطها الاقتصادي.

فالعولمة الاقتصادية تجري بوتيرة سريعة خلاف العولمة السياسية. وهي عولمة رأسمالية محضة لا حظ ليسار عالمي فيها. الأمر الذي يفسر سيادة العنصر الاقتصادي في العولمة وغياب البدائل السياسية الديمقراطية فيها، أي أنها لم ترتق بعد إلى ما يمكن دعوته بالعولمة السياسية.

والمقصود "بالعولمة" هو مجموع التطورات المشار إليها أعلاه. وهي عولمة رأسمالية، استنادا إلى القوى القائمة وراءها. ولم تعد مجرد فكرة، بل باتت واقعا يمكن استشراف آفاقه وتطوره. وتجدر الإشارة هنا إلى أن العولمة الرأسمالية خطوة تقدمية في تاريخ البشرية، إلا أنها ليست الفكرة النهائية ولا المرحلة الختامية في تاريخ البشرية. على العكس أن إمكانياتها وطاقاتها الهائلة تضع بالضرورة أمام الفكر النقدي مهمة مواجهتها والعمل من اجل نقلها إلى عولمة اجتماعية.

فالتطورات الجارية ذات أبعاد عالمية. وتضع بالتالي أمام قوى اليسار على النطاق العالمي والمحلي مهمة إعادة النظر باستراتيجياتها وتكتيكاتها. وهو أمر يعني أيضا ضرورة البحث عن شكل جديد من أشكال بلورة يسار عالمي جديد لمواجهة التطورات الجديدة في العولمة الرأسمالية. فهي القوة الوحيدة القادرة بعد ضم كل القوى الإصلاحية الحقيقية من اجل إدخال تغييرات جوهرية على العولمة الرأسمالية بالشكل الذي يسهم على المدى البعيد في تغيير طابعها الرأسمالي.

رأس المال والعولمة الرأسمالية

من المعلوم إن العمل هو مصدر القيمة. وهي حقيقة نضعها في منطلق تحليلنا للعولمة الرأسمالية. ومن خلالها نحاول تتبع وملاحظة التغيير في محتوى العمل ونتائجه المختلفة. فتغير التناسب بين العمل العضلي والفكري، ودورهما ونتائجهما أديا إلى تقليص أهمية النشاط العضلي وتزايد دور وأهمية الفكر، بحيث اخذ يصبح المصدر الرئيسي للنمو الاقتصادي.

فإذا كان العمل الحي مصدر الزيادة في القيمة، فإن الفكر مصدر الزيادة في إنتاجية قوة العمل. وتزايد إنتاجية قوة العمل مرتبط بصورة مطلقة بالفكر والثورة العلمية. وتؤثر زيادة الإنتاجية المطلقة لقوة العمل على وقت العمل الضروري اللازم لإعادة إنتاج قوة العمل ورأس المال الثابت، وبالتالي على رأس المال الكلي والوقت اللازم لإعادة إنتاج المجتمع برمته. ذلك يعني أن الوقت الضروري لإعادة إنتاج المجتمع يتناقص مع زيادة إنتاجية قوة العمل. ومن ثم تغير التناسب بين العمل الحي والعمل المتجسد.

إن فائض القيمة النسبي الذي يعبر عن العلاقة بين وقت العمل الضروري ووقت العمل الفائض هو فائض مطلق. حيث يتعاظم باستمرار نتيجة لزيادة إنتاجية قوة العمل. فكلما زادت إنتاجية قوة العمل، قل وقت العمل الضروري لإعادة إنتاجها.

وفي نفس الوقت يبادر رأس المال بصورة دائمة إلى تطوير إنتاجية قوة العمل. والنتيجة النهائية الحاصلة عن كل زيادة في إنتاجية قوة العمل تعني نقصانا في وقت العمل الضروري لإعادة إنتاج المجتمع. كما أن تعاظم رأس المال الثابت يقف وراء نقصان وقت العمل الضروري لإعادة إنتاج المجتمع. حيث تتجسد زيادة إنتاجية قوة العمل في رأس المال الثابت. كل ذلك يؤدي إلى تقليص وقت العمل الضروري نفسه لإعادة رأس المال الثابت نفسه مع زيادة إنتاجية العمل. ذلك يعني أن فائض القيمة الإضافي يعود لزيادة إنتاجية قوة العمل وليس لعمل غير معروف. أما وقت العمل الفعلي فانه يأخذ في التطابق مع وقت العمل الضروري اجتماعياً. والنمو في النهاية يعود لزيادة إنتاجية قوة العمل.

ويؤدي تطور إنتاجية قوة العمل المطلقة إلى زيادة ساعات العمل الفائضة وتقليص ساعات العمل الضروري لإعادة إنتاج رأس المال الثابت والمتغير.  بالتالي فإن معدل الربح يتعاظم. كل ذلك يوفر لرأس المال مرونة كبيرة في السياسة ومواجهة البطالة وإعالة جيش العاطلين والركود واستيعاب قوة العمل. ثم أن رأس المال ليس عقيماً. وقدرة الرأسمالية على المواجهة لا تنحصر في ميدان الاقتصاد، بل تتعداه إلى ميادين الفكر والسياسة والعلاقات الدولية.

إننا نقف أمام واقع جلي يقول بتعاظم قدرات رأس المال في التحكم بالأزمة والدولة والمجتمع. ومن السذاجة مواجهة رأس المال اقتصاديا فقط عبر تحليله ودراسته ونقده، بل لابد من مواجهته على صعيد الفكر والسياسة والعلاقات الدولية. وذلك عبر كشف بربريته ولا ديمقراطيته الجلية في تحكمه "الاستبدادي" بالمجتمع والدولة، وتحكم بضعة مئات من الأشخاص بمصير الأغلبية المطلقة من البشرية.

فالتحليل التقليدي الماركسي لحتمية الثورة البروليتارية، بسبب ميل معدل الربح للانخفاض، الذي يؤدي إلى إملاق نسبي ومطلق للطبقة العاملة لم يتحقق. على العكس أننا نقف أمام ظاهرة تنامي إمكانيات رأس المال وتهميش المجتمع وتحكم شبه تام بالدولة، إضافة إلى الإمكانيات الهائلة في توجيه نشاطه الفكري - السياسي الفعال ضد معارضيه.

وهي ظاهرة غاية في التناقض. فمن جهة نقف أمام إمكانات هائلة ومتعاظمة للبشرية اليوم (ما لم تؤد ظروف المنافسة والصراع إلى فناء البشرية) مع تقلص ساعات العمل. إذ يمكننا القول، بان توزع ساعات العمل الضروري على عدد القادرين عليه، من اجل إعادة إنتاج المجتمع العالمي، تكفي لتشغيل الجميع. وهو مطلب لا ينبغي عده من الأحلام الخيالية، بقدر ما انه يحتوي على حاجة ضرورية للإنسان والأرض والحياة. إن ما يحول دون تحقيق هذه الإمكانية هو لا عقلانية رأس المال. لاسيما وان الإحصاء الاقتصادي للحاجات ووقت العمل الضروري اللازم لتلبيتها يمكن تحديده كمياً بدقة رياضية. كل ذلك يفترض بدوره ضرورة إقامة تحالف عالمي ضد بربرية رأس المال. ويستحيل تحقيق ذلك دون هيكلة المجتمع العالمي اقتصادياً – سياسياً بصورة عقلانية ترمي الجوانب المدمرة فيه.

إن إمكانية إدخال تغييرات على مسار العولمة الرأسمالية هي إلى جانب واقعيتها تشكل إشكالية عالمية وسياسية. ولا يمكن إيجاد حل محلي مثالي لها. فقد استطاع رأس المال العالمي استحواذ اليسار المحلي وتطويق إمكانياته الفردية، وبالتالي تحجيم أفعاله إلى الدرجة التي جعلت كل محاولاته الفردية تسير في طريق مسدود.

كل ذلك يجعل من الضروري بالنسبة لليسار المحلي إدراك حدود إمكانياته، وبالتالي العمل من اجل التحول إلى يسار عالمي. فهو الطريق الوحيد القادر على مواجهة رأس المال العالمي والانتصار عليه. ومن ثم فأن تحول اليسار المحلي إلى يسار عالمي هو بداية طريق الانتصار على رأس المال العالمي وإجراء تغييرات في العولمة الرأسمالية عبر التأثر عليها في البداية وتحويل مسارها الاجتماعي لاحقا.

فالتجربة التاريخية ومعطياتها الواقعية والعلمية تكشف عن خطأ التصورات الماركسية التقليدية بصدد الطريق المسدود للرأسمال وانهياره الحتمي نتيجة لتدني معدل الربح والإملاق النسبي والمطلق للطبقة العاملة وحتمية الثورة. بل يكشف الاستعراض التاريخي لمسار الرأسمالية عن تعاظم إمكانيات رأس المال الاقتصادية والسياسية. ولكنه تعاظم يكشف في نفس الوقت عن بربريته تجاه العمل والمجتمع والدولة والطبيعة. مما يستدعي التصدي السياسي والإداري له، وتوفير المستلزمات الفكرية السياسية للبدائل، بمستواها الإصلاحي المباشر ضمن حدود مجال العولمة الرأسمالية أو بمستوى البديل الشامل لها.

إن العلم يجدد الرأسمالية والمجتمع، وبالقدر نفسه يستنفد الفكرة الرأسمالية. فتطور إنتاجية العمل تقلص وقت العمل الضروري لإعادة إنتاج المجتمع ويوفر قدرة متنامية لتلبية الحاجات الجديدة للإنسان. والقيمة بوصفها ساعات العمل الضرورية اجتماعياً لإنتاج سلعة معينة تتغير تبعاً لتغير إنتاجية قوة العمل. والفكر مصدر هذا التغيير. وبما أن القيمة اللازمة لإعادة إنتاج أي مجتمع تنقص كلما ازدادت إنتاجية قوة العمل، كذلك تقل ساعات العمل الضروري لإعادة إنتاج قيمة إعادة إنتاج المجتمع. والسلعة بهذا المعنى جزء من وقت العمل الضروري لإعادة إنتاج المجتمع. وبالتالي فانه كلما تطورت إنتاجية قوة العمل ازدادت قدرة القوى المهنية على التوسع ومواجهة التحديات. وكلما تطور الفكر وتجسد مادياً في أنظمة الإنتاج تقلصت ساعات العمل الضرورية لإعادة إنتاج المجتمع، وازدادت بالتالي قدرات التوسع والتطور الاجتماعي. كل ذلك يوصلنا إلى الاستنتاج القائل، بان نتائج تطور الفكر تفوق مستلزمات تطوره.

فقد بدأ ماركس في نقده لرأس المال من نقد البضاعة – القيمة وتحققها، حيث لا يجري استبدال ساعات عمل ثابتة اجتماعياً، بل يجري دائماً وأبداً التبادل بين ساعات عمل تختلف من حيث إنتاجية قوة عملها. وتستحوذ القطاعات الرأسمالية الرائدة على الفائض الاجتماعي وتلعب هذه القطاعات دور القاطرة في توسع الفكرة الرأسمالية واستمرارها، حيث تخرج هذه القطاعات بعد كل أزمة أكثر قدرة على التحكم في الأزمة والسوق.  وليست هناك في الواقع من قيود اقتصادية على توسع واستمرار الفكرة الرأسمالية. والعقبة الوحيدة أمام استمرار الفكرة الرأسمالية هي عقبة سياسية وليست اقتصادية.

فنشاط القطاعات الرأسمالية الرائدة التي تستولي على الفائض الاجتماعي هو الذي يؤدي إلى نقصان ساعات العمل الضروري لإعادة إنتاج المجتمع. وكلما زادت إمكانيات هذه القطاعات تمركزاً وتركيزاً زادت قدرتها على التحقق الاجتماعي بإنتاجها المادي. ولا تستنفد الفكرة الرأسمالية إمكانياتها على الاستمرار إلا في حالتين، الأولى وتقوم في بلوغ إقصاء العمل الحي عن ميدان النشاط الاقتصادي حالة قصوى. بحيث يصبح استبعاد رأس المال للمجتمع والدولة والتحكم بهما غاية في الوضوح والجلاء، يؤدي إلى استثارة الرفض الاجتماعي والسياسي لها.

والحالة الثانية هي بلوغ النشاط السياسي للمجتمع وضعا يمكنه من إعادة بناء المجتمع وفقا لفكرة بديلة أو بلوغ الإصلاحات الاجتماعية – الاقتصادية الوضع الذي تتجاوز فيه هذه الإصلاحات الفكرة الرأسمالية نفسها. وفي كل الأحوال فان من الصعب توقع إمكانية تجاوز الرأسمالية وتذليها استنادا فقط إلى ما يسمى بميل معدل الربح. إضافة إلى ذلك إن بناء المواقف السياسية والفكرية من الرأسمالية ومصيرها استنادا إلى ميل معدل الربح للانخفاض وحتمية انهيار الرأسمالية يؤدي إلى شل وإضعاف النشاط السياسي العالمي المناهض للعولمة الرأسمالية، الذي توفره  إمكانيات الوضع العالمي الراهن نفسها. إن الشيوعية المتزمتة تقف عقبة أمام قيام حركة شيوعية عالمية إصلاحية جديدة في الوضع العالمي الجديد. بينما بات المجتمع العالمي بحاجة لحركة إصلاحية عالمية تضم ليس قوى اليسار التقليدي بل واليميني أيضا. وهي عملية يسهل استسخافها بأحكام التصورات المباشرة ولكنها غاية في الضرورة والتعقيد في الظرف الراهن وتحتاج أيضا إلى جهد فكري سياسي متميز.

فالاحتكارات العالمية الآن هي التي تخلق السوق، وتحدد مقدماً تحقيق الجانب الاجتماعي لمنتوجاتها. كما أن حسابات العقل (الاجتماعي) من حيث إمكانياتها أصبحت أدق من حسابات السوق العفوية. إذ بإمكان العقل الإنساني الآن حساب كل الحاجات الإنسانية الضرورية وحساب الموارد وتوزيعها بدقة. فضلاً عن حصر قوة العمل الضرورية وتوزيع ذلك وفق الحاجة والعمل. كما أن بإمكانه الآن عقلنة كافة أشكال النشاط الاجتماعي من إنتاج وتوزيع وتبادل واستهلاك. كما أن بإمكانه استبدال أي نظام سياسي عالمي بنظام آخر اكفأ منه اقتصاديا وروحيا وملائما للبيئة، بحيث يكفل خطر الكوارث الكونية.

فمن المعلوم أن زيادة إنتاجية قوة العمل لا تتعارض مع مصالح رأس المال، بل هي وسيلته الأساسية لتحديد رأس المال وتطور قدراته المادية. ومن غريب الأمر أن يجعل ماركس من تطور إنتاجية قوة العمل السبب في استنفاد الفكرة الرأسمالية لدورها الاقتصادي. كل ذلك يجعل من الضروري استبدال الأولوية في الفكرة الماركسية من خلال إدراج أولوية الفكرة السياسية في الموقف من الرأسمالية. بصيغة أخرى، إن الفكرة الرأسمالية تستنفذ دورها من حيث الفكر والسياسة وليس من حيث الاقتصاد. فإقصاء رأس المال للعمل من ميدان النشاط الاقتصادي لن يلغي دور العمل السياسي في المجتمع والنشاط من اجل إعادة صياغة المجتمع وفق فكرة جديدة.(يتبع....)

***

يوسف محمد طه

 

حيدر جواد السهلانيمصطلح العلمانية ترجمة لكلمة (Secularism) ويعد جون هوليك (1817- 1906) اول من نحت المصطلح عام (1851)، والعلمانية في العربية مشتقة من مفردة العالم، ومن يقول انها اشتقت من العلم ويراد بها أن العلم هو من يسير أمور الناس السياسية والاجتماعية والدينية.وعرفت العلمانية بأكثر من تعريف ومن التعاريف الاكثر شيوعآ (هي فصل الدين عن الدولة)، وعرفتها دائرة المعارف البريطانية (حركة اجتماعية تتجه نحو الاهتمام بالشؤون الدنيوية بدلآ من الاهتمام بالشؤون الاخروية، وهي تعتبر جزءآ من النزعة الانسانية التي سادت عصر النهضه الداعية لأعلاء شأن الانسان) ويعرفها بيتر بريغر (1929- 2017) (العملية التي يتم بواسطتها نزع وفصل قطاعات المجتمع من سيطرة الرموز والمؤسسات الدينية) وعرفها محمد حسين فضل الله (العلمانية تعتبر الدين حالة روحية لاعلاقة لها بالحياة) وعرفها محمد البهي (هي نظام من المبادئ والتطبيقات، وترفض كل صوره من صور الايمان الديني) وعرفها محمد عمارة (مصطلح العلمانية فأنه عني ويعني اولئك الذين رفضوا تدخل الكنيسة اوسيطرتها، ورفضوا ايضا تدخل اللاهوت المسيحي ومعاييره في شؤون الدولة ومؤسساتها وفكرها الدنيوي). (1) وعرفها محمد احمد خلف الله (العلمانية حركة فصل السلطة السياسية والتنفيذية عن السلطة الدينية، وليست فصل الدين عن الدولة) (2)

العلمانية هي نظام حكم طرح بديلآ عن حكم الدين الذي كان سائدآ في الغرب، وهو احد الانظمة التي طرحت للتخلص من حكم الدين الجائر في وقتها، والحقيقة ان العلمانية دفعت الكثيرمن الدماء والثورات، (ولانتناسا موقف غاليلو عندما قال بحركة الارض، اذ كانت هذه الفكرة تتعارض مع مايؤمن بها المسيحي في الكنيسة، اذ كان يؤمن بأن الارض مسطحة وهي مركز الكون، فتعرض غاليلو الى محاكمة وفي نهاية المحاكمة اقره قصرآ بأن الارض لاتدور، وعندما خرج من المحكمة ضرب الارض بساقه وقال مع ذلك هي تدور، وحادثة العالم جوردانو برونو (1548- 1600) وحرقة لانه خالف معتقدات ماتؤمن به الكنيسة، ويقام له اليوم تمثال في مكان حرقه، ومن الطرافه الكاهن اورجل الدين بالمسيحية عند اختراع التلسكوب، لم يكن ينظر بالتلسكوب خوفآ من ان تتبدد الحقائق التي آمن بها)

العلمانية هي مجموعة من المعتقدات التي تشير الى أنه لايجوز أن يشارك الدين في المجالات السياسية، وهي النظام الذي يرفض كافة الاشكال الدينية من خلال فصل المسائل السياسية عن الدين، اذ كانت الكنيسة لها السيطرة على الدولة، وكانت الغالبية العظمى من الروم، وكانوا على درجة كبيرة من الضحالة الفكرية نتيجة للخضوع المستمر لسلطة الكنيسة، وفي عهد حكم الكنيسة ساد كثير من الانغلاق الفكري والتخلف سائر في انحائها، وقد تمثل هذا الحكم بممارسة الكنيسة في حق الفرد والاسرة بصورة مباشرة، اما في حقل المجتمع والمؤسسة السياسية فكانت تمارس سلطتها بشكل مباشر من خلال شبكة العلاقات القائمة بين نظام الاقطاع وهو مايمثل السلطة السياسية والمدنية واجهزتها الادارية، وبين الجهاز الكنسي من جهة اخرى، حيث كان للكنيسة في حقل المجتمع ومؤسساته السياسية الدور الكبير. (3) ومن اهم الاسباب التي أدت الى ظهور العلمانية، هو طغيان الكنيسة في كافة المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، اذ كانت تسيطر على جميع مفاصل الدولة، فكانت تبيع الاراضي وتعطي صكوك الغفران بمبالغ كثيرة ويبعون المناصب في الدولة، ومن الاسباب ايضآ هو انحراف المسيحية، اذ اعطوا الحق فقط لرجل الدين ان يفسر الانجيل ولايجوز ايضا ترجمته ( علمآ ان هذا التعاليم الجائرة ادت ليس فقط لثورة المفكرين على الكنيسة، لكن من الكنيسة من ظهر ونادى باصلاحها مثل مارتن لوثر (1483- 1546) الذي قام بحركة اصلاح في الكنيسة وقد ظهرت على يده البروتستانتية، كرد فعل على الكنيسة وقام بترجمة الكتاب المقدس الانجيل ورأى ان الحصول على الخلاص أو غفران الخطايا هو هديه مجانية ونعمة من الله من خلال الايمان بيسوع المسيح، ورفض السلطة التعليمية للكنيسة الكاثوليكية، وكانت المدارس تسمى السكولائية Scolastique اي فلسفة المدرسة وتطلق على فلسفة المدارس الكاتدرائية في العصر الوسيط، واعطى لكل امرئ الحق في التفسير، والكتاب المقدس هو المصدر الوحيد للمعرفة المختصة بأمور الايمان وعارض سلطة الكهنوت، وسمح للقس ان يتزوج) ومن الاسباب ايضا تطور العلم ومعارضته من قبل الكنيسة، اذ كانت الكنيسة تعارض العلم، لأن الكنيسة قد تبنت الكثير من النظريات العلمية القديمة وربطتها مع الدين، واعطت للنظرية صبغة دينية فلا يجوز معارضة النظرية، لذلك أنشأت الكنيسة محاكم التفتيش (من أشهر من وقف في محاكم التفتيش غاليلو وبرونو، اما كوبرنيكوس (1473- 1543) صاحب كتاب (حركات الاجرام السماوية) فلم ينشر كتابه الا بعد وفاته)

تعددت الاسباب والتعاريف في نشأة العلمانية، فمنهم من راى أن لها جذور مع الفلسفة اليونانية، ومنهم من راى أنها تعود الى القرن الثالث عشرالميلادي، لكن الاكيد أن ثمرة العلمانية حصلت تدريجيآ من القرن السابع عشروتعالت الصيحات بعد الثورة الفرنسية (1789) . وقد دعا جون لوك (1632- 1704) الدولة الى التسامح، وعلى الدولة أن تتسامح مع جميع اشكال الاعتقادات الدينية، وراى توماس جيفرسون (1743- 1826) أن الاكراه في مسائل الدين، أو السلوك الاجتماعي هو خطيئة واستبداد، وأن الحقيقة تسود اذا ماسمح للناس بالاحتفاظ بأرائهم وحرية تصرفهم، ويذهب سبينوزا (1632- 1677) الذي راى بالدين يحول قوانين الدولة الى مجرد قوانين تأديبية، وأن الدولة هي كيان متطور وتحتاج دومآ للتطور والتحديث عكس شريعة ثابته موحاة. وكان المصطلح في البداية لايتسم بأي نوع من انواع الشمول، اذ تمت الاشارة الى علمنة بعض ممتلكات الكنيسة (أي نقلها الى سلطات غير دينية)، ومن ثم اتسع المفهوم في الخطاب السياسي والاجتماعي والفلسفي الغربي، فعرفت العلمانية الايمان بأمكانية اصلاح حال الانسان من خلال الطرق المادية، دون التصدي لقظية الايمان سواء بالقبول او الرفض (4) وقد مرت العلمانية بعدة مراحل، مرحلة العلمانية المعتدلة وهي تدعو الى أن تكون سلطة الدولة معتدلة، ومرحلة العلمانية المادية وظهرت في القرن التاسع عشر واعتمدت على الغاء كلي للدين وليس فصل الدين عن الدولة، واعتبار الاشياء المحسوسة هي الموجود بشكل حقيقي

ومن اهم خصائص العلمانية، هو الفصل بين الدين والدولة، والمساواة بين الجميع سواء كان رجل دين أو غير ذلك، والحرية الدينية للأشخاص سواء اختار الالتزام بالدين أو التحرر منه، الاعتماد على الديمقراطية والانصاف بين المواطنين بغض النظر عن انتمائهم الديني، وايضآ حرية التعبير عن الرأي.

العلمانية مفهوم سياسي اجتماعي، نشأ ابان عصر النهضة والتنوير في اوربا، عارض ظاهرة سيطرة الكنيسة على الدولة وهيمنتها على المجتمع، وراى أن من شأن الدين أن يعني بتنظيم العلاقة بين البشر وربهم، ونادى بفصل الدين عن الدولة. ومع ذلك يرى بعض الغربيون، ان العلمانية لم تشبع رغبات الانسان الغربي، فعادوا يحتمون بالدين مرة اخرى بعد ان جرفتهم العلمانية بعيدآ عنه، أن جعل الدين امرآ اخرويآ مقطوع الصلة بالواقع، ادى الى تفسخ المجتمعات وحلول الامراض وكثرة اللقطاء والمخدرات الايدز، ادت العلمانية الى ظهور النازية والفاشية والى عمليات ابادة في البوسنه. (5)

ويبدو لنا ان العلمانية هي ليست فصل الدين عن الدولة، بدليل أنهم يعتمدون في القضاء واداء القسم للرئيس، لكن انظمة الحكم في الغرب هي انظمة مهنية (تكنوقراط) قانونية، اما في مجتمعاتنا العربية وبعد تطور الغرب عن العرب ظهرت عدة تيارات لمعالجة الوضع المتأخر عن الغرب (من اهم المشاكل التي طرحت في الفكر العربي هي مشكلة الاصالة والمعاصرة) منها، التيار السلفي الذي ينادي بالرجوع الى السلف الصالح لكي نتماشا ونتطور مثل الغرب، والتيار التوفيقي الذي يرى علينا أن ناخذ من الماضي والحاضر، والتيار التقدمي التحرري والذي يرى بأن علينا التخلص من الماضي، وقد يرى البعض بأن العلمانية حققت انجازات عظيمة في اوربا الحديثة، ذلك أن فصل الدين عن الدولة والالتجاء الى القانون كان من شأنه تعزيز سلطة الدولة من ناحية، واشاعة التسامح بين اصحاب العقائد المختلفة، وقيام المجتمع المدني المستقل، وتحقيق حرية الافراد بعيدآعن سلطان الدين ومؤسساته من ناحية ثانية، هذه التجليات العلمانية مكنت من اوربا أن تعيش في اجواء صحية، معتبرين العلمانية (ملة) مطهرةمن كل شائبة ومنزه عن كل غلط، وذهب البعض الى حد اعتبار أن الجمود والشر كامن في الثقافة الاسلامية، بينما الخيروكل الخير موروث في العلمانية التي تتسم بالتسامح.ومن يرى في العلمانية هي تهتم بالامور الدنيوية، وتبتعد عن الدين، وهي تعني المادية بكل اشكالها. ويبدو أن سبب مزامنة العلمانية للالحاد، ورؤية كثير من المفكرين الغربين والعرب هي من جاءت بالالحاد، لأنها دعت للتخلص من الكنيسة وصورت الدين على أنه الحل الاسوء في تمشية الامور السياسية والاجتماعية، لذلك نلاحظ بعد حركة العلمانية ظهر الكثير من الفلاسفة يجهر بالقول والفعل بالالحاد، ويبدو أن المفكرون تصوروا أن الدين هو ماموجود بالكنيسة وهذا خطأ، مثلما نتصور اليوم في عالمنا العربي أن العلمانية هي الحل الانجع في حل مشاكلنا، لأننا اخطأنا في تصور الدين الاسلامي هو ماموجود من مذاهب وطوائف تتقاتل فيما بينها، علينا مراجعة الدين الاسلامي ونرى كيف الرسول (ص) اتخذ من قوله تعالى (لكم دينكم ولي ديني) شعار للعيش بسلام مع كل الطوائف. وفي الحقيقة أن مصطلح العلمانية خضع لعمليات تشويه ليس في الفكر العربي فقط لكن في الغرب ايضآ، اذ خضع للتأويل والتفسير والاتساع، في بادئ الامر نشأت العلمانية للحد من سلطة الكنيسة الجائرة في وقتها، ولم يدعو الى اقصاء الدين، بل راى انه من اهم مصادر التشريع لقانون الدولة، اضافه الى الحرية والمساواة بين جميع الطوائف، وفي الحقيقة هذا موجود عندنا، اذ نحن نطبق جزء من العلمانية بما تعرف بالمعتدلة، لكن في مجتمعاتنا العربية يوجد لدينا حب التعالي ونرى في انفسنا اسيادآ (قديمآ ابن خلدون فسر عدم اهتمام العرب كثيرآ بالعلم، اذ معلوم ان اكثر العلماء هم من غير العرب، اذ يرى ابن خلدون بعد استلام السلطة بعد الرسول والسيطرة على العالم اهتم العرب بأمور السيادة، وهذه الحقيقة التي يرفضه كثيرمن مفكرينا، وان كان العلماء ليس عربآ الا انهم يحملون الثقافة العربية ولعل رأيهم صحيح) وايضا لاتوجد لدينا ثقافة التنازل للمصلحة العامة، اذ نرى كثيرآ ما يحترق الشعب ويموت الالف ولم يقدم الوزير او الرئيس على الاستقالة، واخير وأن كنت اؤمن بأن العلمانية موجوده بجزئها المعتدل في مجتمعنا، وان الرسول (ص) طرح هذا المفهوم قبل تسميته ومعرفته، اذ عاش وساواة بين المسلمين وغيرهم (ولاننسى أن جار الرسول (ص) كان يهوديآ وقصته مع اليهودي معروفة للجميع) لكن المشكلة ليست في العلمانية تطبق او لاتطبق، المشكلة هي القانون يحتاج الى التطبيق وكيف نطبقه، ونحن الروح البدوية متجذرة فينا (البدو كانوا يؤمنون بأن الرجل الحق هو من يأخذ حقه بيده، لذلك كانوا يسمون الاعمال بالمهنة (أي المهانة) وكانوا يؤمنون بأن السؤال عيب ولو أين الطريق) مثل ماراى رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده سابقآ عندما رأوا في الديمقراطية هي الحل لكن لابد من ان يروض لها المجتمع لاتأتيه دفعة واحدة (علينا ان نروض مجتمعاتنا على التنازل والتسامح وحب القانون)

 

حيدر جواد السهلاني

......................

الهوامش

1- ينظر انعام احمد قدوح: العلمانية في الاسلام، ص10- 18.

2- ينظر عبدالوهاب المسيري وعزيز العظمة: العلمانية تحت المجهر، ص63.

3- ينظر انعام احمد قدوح: العلمانية في الاسلام، ص20.

4- ينظر عبدالوهاب المسيري وعزيز العظمة: العلمانية تحت المجهر، ص11- 12.

5- ينظر فهمي هويدي: المفترون (خطاب التطرف العلماني في الميزان)، ص243- 244.

 

 

 

محمود محمد علينعود مرة أخري للحديث التفسير السوسيولوجي لحروب الجيل الرابع في هذا المقال الخامس ؛ حيث نكمل كلامنا عن الطبيعة السياسية لحروب الجيل الرابع، وفي هذا يمكن القول: إن أهم خصائص حروب الجيل الرابع عدم التناظر أو اللاتماثل بين الأطراف المتقاتلة في إطارها، بمعني وجود تباين شاسع في القدرات والمنطلقات والأهداف بين الأطراف، فهي حروب بين جيوش وجماعات مقاتلة من غير الدول . هذه الجماعات المقاتلة قد تكون عابرة للقوميات، والأغلب ألا تكون ذات انتماءات قومية أصلاً؛ فهي لا تُعرف نفسها من خلال" الانتماء لدولة معينة، ولكن بكونها جزءاً من تكوينات تقوم علي أساس فكري أو ايديولوجي معين يوظف أساليب جماعات التمرد وحروب العصابات" .

ومن المعتاد أن تضم هذه الجماعات المقاتلة تكوينات من المتطوعين المدنيين ممن يحملون جنسية الدولة الخصم نفسها، كما أن "المقاتلين هنا لا يلتزمون بزي رسمي، ويصعب تمييزهم في كثير من الأحيان من المدنيين، كما يصعب تمييزهم عن بعضهم البعض من حيث الهرمية، وبشكل عام لا توجد قيادات ثابتة لهذه التكوينات المقاتلة، وإنما هناك سيولة ومرونة كبيرة تعوق الخصم عن استهداف رموز هذه الجماعات " .

وتستخدم هذه الجماعات وسائل غير تقليدية في القتال، ولا تلتزم في إطاره بالاتفاقيات أو الأعراف المعمول بها بين الدول والجيوش المتحاربة؛ إذ تعمد إلي استخدام كافة أشكال الضغط علي الخصم، من خلال ضرب أهدافه السياسية والاقتصادية والهجوم المباشر علي رموزه الثقافية (علي اعتبار أن الثقافة هي الوقود الحقيقي الذي يغذى هذا النوع من الحروب)، كما قد تستهدف المدنيين (لإرغامهم علي ممارسة ضغط علي حكوماتهم لوقف القتال)، وذلك علي امتداد المجتمع الذي يصبح بأكمله ساحة للمعارك.

وتتميز الجماعات المهاجمة في إطار هذه الحرب بأنها ليست ذات كثافة عددية، ولكنها تكتيكية وسريعة، الأمر الذي يضمن لها القدرة علي المناورة والتحرك بسهولة وسرعة علي الأرض، كما يحرم خصومها من الاستفادة من زيادتهم العددية وقدرتهم علي الحشد .ولا تعتمد هذه الجماعات عن أي دعم (إمداد وتموين) مركزي، وإنما علي الإمدادات اللوجستية التي يمكنها حملها حتي ساحة المعارك .

أيضاً ستضمن هذا النوع من الحروب استخداماً واسعاً لأساليب الحرب النفسية والتلاعب الإعلامي والتدخل المعلوماتي، لتوجيه الرأي العام في اتجاهات بعينها، ولهذا افترض البعض أن شاشة التلفاز قد تكون أكثر تأثيراً من الوحدات المدرعة في إطار هذا النوع من الحروب .

ومن ناحية المدي الزمني تعد حروب هذا الجيل طويلة المدي، ومن ثم لا يمكن حسمها من خلال ضربات استباقية أو مركزة، لعدم وجود مراكز لقوة الخصم. وإذا كان الاستراتيجي الشهير " كلاوزفيتز" قد "افترض أن الطرف المهاجم عليه ان يرد باستهداف مراكز قوة الخصم، لإخراجه عن توازنه وكسر شوكته، فإن المشكلة في حروب الجيل الرابع أنها مصممة بحيث تحرم الطرف المهاجم من أن يجد مركزاً يستهدفه بضرباته المضادة" .

ولقد أطلقت علي حروب الجيل الرابع عدة مسميات نذكر منها: إنها الحرب حرب المخابرات حرب الذكاء والدهاء والمكر والخديعة حرب الخداع والمؤثرات والدسائس، حرب استنزاف الطرف الآخر، وإفقاره، وإهانته، وتحقيره، وجعله شحاذاً يستجدي الآخرين بعد أن كان غنياً عن العوز والحاجة، حرب تدمير الكبرياء وتدمير الكرامة، وتدمير الإرادة، حرب تحويل الفاعلين إلي مفعول بهم وجعله مغلوباً علي نفسه، حرب التفتيت والانقسام التي يمكن إدارتها من الخارج ومن الداخل، حرب الانقسام علي درجة تجزئة المجزأ، وتقسيم المقسم، حرب إرباك وإزالة الدولة، حرب الكراهية السوداء والحقد الأسود الدفين، حرب إثارة النعرات واستخدام الحيلة والخديعة بأساليب مختلفة ومتطورة لبث الفرقة وروح الانقسام، واستخدام كافة صور الإرباك والطغيان والاستبداد والظلم بكافة أشكاله وطرقه وأساليبه . حرب المخابرات !! حرب استخدام المعلومات والبيانات التي تم جمعها وإعدادها وتحليلها طوال سنوات طويلة عن الطرف الآخر، واستخدامها لإحداث المعرفة لدي متخذي القرار، واستغلال الحاكم الظالم من تغييب دور الدولة، ومن أجل إنهاء سيطرة الدولة، واستخدام المنظمات المتعددة للتقسيم وتغييب الإرادة.. إرادة التنمية الآملة فيها، وجعل الهاجس الأمني، هو كل شئ، حيث الهلع والرعب من كل شئ .حرب التوجس، والخيانة، والشك، وعدم اليقين من أي شئ، بل استسهال الانقلاب علي كل شئ .حرب استخدام الدولة بكامل مؤسساتها،خطورة حروب تدمير الدولة ذاتيا، حروب استخدام أبناء الوطن الواحد لتدمير هذا الوطن، استخدام الخونة والجواسيس والعملاء. "استخدام علم المخابرات بأبشع صوره، مع تغييب جميع أجهزة الأمن، أجهزة حماية الدولة، وإشغال هذه الأجهزة عن متابعة الخونة والجواسيس والعملاء، وترك الميدان أمامهم مفتوحا وهو ما يحتاج إلي فهمه وعلمه والتحذير منه .

حرب تستخدم فيها الكلمات أقوي من الرصاص، وتستخدم فيها الأكاذيب أقوي من المدافع، وتستخدم فيها المؤامرات أقوي من البوارج والطائرات، وتستخدم فيها الدسائس أقوي من أسلحة الدمار الشامل . حرب استخدام كافة القوي المتصاعدة التى أمكن تجنيدها، واستخدام المصالح والمكاسب الشخصية من أجل إحكام الصراع الذي يدمر البلاد، ويوجد الحقد والحقد المتبادل بين الطرفين، حرب الانقسام والتفتيت والتشتيت وضياع الحقوق - ضياع حق الحياة الآمنة – ضياع ما أحدثته البشرية من إنجازات وحضارة – حرب الدمار الشامل لكل شئ حيث لا يتبقي شئ- حرب تدمير الجهاز المصرفي وتدمير عقل وقلب الأمة – حرب المكر والدهاء – حرب تدمير العقول والخبرات – حرب تدمير الولاء والانتماء –حرب تدمير النظم وتدمير الوعي الإدراكي الشامل لدي قطاعات البنك المعنية، وجعل البنك غير مترابط فاقد الإدراك بأهمية التمويل المصرفي، والذي تحول إلي عجز مصرفي، وتحولت القدرة التمويلية إلي فاقد تمويلي، وغابت القدرة التمويلية إلي فاقد تمويلي، وغابت عن رؤية البنك الفرص الاستثمارية في مشروعات متكاملة .

إنها حرب التجنيد والزرع من أجل تدمير الطرف الآخر والسيطرة علي مقدراته وإلحاق أقصي وأشد الأذى به، وجعل شعبه يقتتل وجعل شعبه يقاتل بعضه بعضاً قتالاً ليس من أجل الحياة، بل سلب هذه الحياة . إنها حرب الاصطياد .. اصطياد من لديه استعداد للخيانة، وتعهده بالتدريب والإعداد، حرب التجنيد والزرع للخونة والمغفلين والمصدقين لدعاوي الحرية وسط الاستبعاد.. والديمقراطية وسط الاستبداد .. حرب امتلاك الإرادة وسط طغيان السلطة.. إنها حرب ضد كل ما يحبه البشر ضد الحقد الأسود الدفين الذي تم زرعه وإيجاده بدهاء ومكر وخبث في وسطهم .

كما توصف حروب الجيل الرابع كذلك بأنها حرب تأجيج الثورات تحت شعار الاستبداد والفساد؛ لقد أدي طغيان الاستبداد والتطاحن والحقد والضغائن ونشر الفساد المنظم واستخدام الرشوة والتزوير والجهل والتزوير والتزييف وإشاعة العطالة والبطالة والفاقد في ربوع الاقتصاد إلي سيادة أوضاع شديدة القسوة .. أدت إلي اشتياق الأفراد لنسيم الحرية والديمقراطية وامتلاك الإرادة.. امتلاك الوعي الإدراكي الشامل بحرية الإنسان، والعمل في إطار تجسيد إرادة التنمية الشاملة وصنع المستقبل واقتسام العائد .. الحلم باقتصاد السعادة. إن هذا قد وضع للثورة معايير، وأوجد لها نظام، وأوجد مقاييس .. فعلاقات الارتباط القوية ما بين أوضاع الإرباك المصنوعة لإيجاد وتنمية أوضاع الفوضى العامرة، وزيادة الحنق والضيق في العديد من الدول التي أدت إلي الثورة . فقد هانت اعتبارات فقد الحياة علي اعتبارات الحياه في حجم من الذل والمهانة ومحاولات كسر الإنسانية .. إن هذا الطغيان قد أدي إلي انتشار الثورة .. انتشار قوة الإرادة الشعبية علي قوة الاستبداد المدعم بالسلاح .. فإرادة السلطة الفاحشة عمياء عن أن تنظر إلي الشعب.. سوي نظرة السلب والنهب والسرقة.. واستخدام أسلحة القتل والاعتقال لمن يجرؤ علي مجرد الحديث العابر. إن هذا هو البداية الحقيقية للثورة.. إن الثورة ليست عملاً منظماً .. بل عمل فوضوي شديد القوة .. كفيضان مدمر لا يقف أمامه شئ .. لكن بعد أن يمكن من قتل من كانوا في السلطة يعيد تنظيم نفسه، ويعيد توازنات أفكاره وقواه.. وعندئذ تبدأ الثورة تحت شعار ضد الظلم وضد الطغيان وضد الاستبداد والوقوع في فخ الإفساد والفساد بأشكاله وطرقه وأدواته المختلفة .

وتستخدم حروب الجيل الرابع الدعاية ضد الخصم بالإضافة إلي استخدام وسائل أخري لها طابع النشاط الحزبي أو الاقتصادي أو السياسي علي النحو الذي يكون مكملاً لنشاط الدعاية وإذا أخذنا في ذلك أن الحرب النفسية هي لون من النشاط الدعائي الذي استجد بعد الحرب الكونية الثانية. وتوجه الحرب النفسية لشل معنويات العدو وتقليل عزيمته علي القتال وإلقاء الرعب في قلبه ودفعه إلي الاستسلام .والحرب النفسية حرب شاملة توجه إلي القوات المسلحة وتمتد إلي الجبهة الداخلية، إلي الشعب كله عسكريين ومدنيين، وهي حرب متصلة ومستمرة في زمن الحرب والسلم علي السواء ..إنها تشن قبل الحرب الفعلية لتحطيم معنويات العدو، وتتغلغل الحرب النفسية في جميع شؤون ونواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

وتقوم حروب الجيل الرابع علي الهجوم والدفاع في وقت واحد وتستخدم أوسع نطاق الحرب الخاطفة ؛ فحروب الجيل الرابع هي تحطيم قوة الجيش وانهزامه عن طريق نفسه، وإن الحرب النفسية أقل كلفة من الحرب المادية، وباستطاعة أي جيش أن ينتصر بواسطة الحرب النفسية بأقل عدد، فهي وسيلة لإضعاف معنويات الأعداد العسكريين والمدنيين وتقوية معنويات القوات الضاربة والجبهة الداخلية .

وتعد حروب الجيل الرابع من أخطر أنواع الحروب لأنها تستهدف في الإنسان عقله وتفكيره وقلبه لكي تحطم روحه المعنوية وتقضي علي إرادة القتال والمواجهة لديه تقوده نحو الهزيمة كما أن الحرب النفسية هي أخطر الحروب التي تواجه الحركات الثورية والإصلاحية في كل زمان ومكان فهي تحاول أن تصيب الأفكار والتعاليم الناهضة وتحول بينها وبين الوصول إلي العقول والرسوخ في القلب وهي تعمل علي بذر بذور الفرقة والانقسام بين أبناء الشعب أو المجتمع الواحد وتضع العقبات أمام مسيرة التقدم والتطور وتعمل في الظلام وتطعن من الخلف .

كما تلجأ حروب الجيل الرابع إلي تشويش الأفكار وخلق الأقاويل والإشاعات المغرضة ونشر الإرهاب وإتباع وسائل الترغيب والترهيب مما يجعل هذه الحرب أشد خطورة من حرب المواجهة العسكرية في ميادين القتال .كما تفعل إسرائيل الآن في الشارع الفلسطيني من حرب نفسية تعتمد علي بث الإشاعات التي يقف وراءها الطابور الخامس وخفافيش الظلام بهدف خلق البلبلة في المجتمع الواحد وشق الصف الوطني ووضع العقبات أمام مسيرة البناء والتقدم الاجتماعي مستخدمة كل ما تستطيع من أدوات كعمليات غسيل للدماغ ودعايات وإشاعات وغيرها من أدوات الحرب النفسية.

وتوجه الحرب النفسية لشل معنويات العدو وتقليل عزيمته علي القتال وإلقاء الرعب في قلبه ودفعه إلي الاستسلام والحرب النفسية حرب شاملة توجه إلي القوات المسلحة وتمتد علي الجبهة الداخلية، إلي الشعب كله عسكريين ومدنيين، وهي حرب متصلة ومستمرة في زمن الحرب والسلم علي السواء .

وتدخل حروب الجيل الرابع ضمن ما يُطلق عليه " نظرية الحرب بلا قتال"، حيث لكل جيش في العالم مصدران للقوة معنوي ومادي، والمصدر المعنوي أهم بكثير من المصدر المادي لإحراز النصر بتوجيه ضربات نفسية قوية إلي معنويات العدو لأنها مصدر القوة لديه وأفضل سلاح لتوجيه الضربات النفسية للعدو هي الحرب النفسية التي تستهدف عقل وتفكير قلب المقاتل بهدف تحطيم معنوياته والقضاء علي رغبته وقدرته علي القتال لأن الشخصية هي ميدان الحرب النفسية، لأن الحرب المادية ليست العامل الوحيد ولا الأول في كسب الحرب .

لذلك تعد حروب الجيل الرابع هي عبارة عن "استراتيجية تم وضعها خصيصاً لإفشال الدول، ويتم تنفيذها ببطء عبر العمل على إنهاك الدول المستهدفة، والنخر فيها من الداخل إلى أن تتآكل وتصاب بالعجز، وينتهي بها الأمر إلى الركوع والخضوع لإرادة وهيمنة الدولة المستهدفة".

لذلك حرب الجيل الرابع يعرفها الخبراء، بأن من ضمن أهدافها،" إشعال الفوضى في الدولة المستهدفة، لتتحول إلى دولة فاشلة، يسهل زعزعة استقرارها، وإن حرب الجيل الرابع لا يمكن إشعالها إلا باستخدام وكلاء محليين، ويكون ذلك إما بترتيبات للتعاون مع قوى خارجية، سواء عن وعي بما تريده هذه القوى، أو أن تكون المنظمة الإرهابية جاهلة بالهدف الحقيقي للجهات الأجنبية، وغافلة عن أن ما تفعله، يخدم في النهاية هدفاً استراتيجياً أعم وأشمل، وأن هذه المنظمات مجرد أدوات للتنفيذ".

كذلك توصف حروب الجيل الرابع بأنها تمثل حرب اللاعنف وهي حرب يراد بها إسقاط الأنظمة بلا سلاح مباشر عبر المظاهرات، والإضرابات، والاعتصامات، والعصيان المدني، وتعطيل سير الحياة اليومية، وإقامة حكومة بديلة، ومحاصرة المقرات السيادية للدولة واحتلالها سلمياً، هي "حرب سياسية محضة ليس فيها جانب عسكري، حرب نجحت في أوروبا الشرقية، وابتدأت في النجاح في الدول العربية التي قامت فيها ثورات، لكن الأنظمة الدكتاتورية استطاعت تحويل وجهة هذه الحروب إلى الجيل الرابع (حروب الإرهاب والحروب الأهلية) " .

ويعد الإعلام أهم أسلحة حروب الجيل الرابع على الإطلاق، وذلك باستخدام أجهزة الإعلام التقليدية مثل قناة الجزيرة أو تجنيد الإعلاميين أنفسهم لقيادة الرأي العام والتأثير عليه وغيرها من القنوات وأجهزة الإعلام الجديدة، مثل "مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف تشتيت الرأي العام، وتوجيهه والسيطرة عليه، والتجسس عليه ولاكتشاف من يمكن تجنيدهم كعملاء من خلال أفكارهم التي يطرحونها على مواقع التواصل، وقد تم تجنيد العديد من منظمات المجتمع المدني، والمعارضة، والعمليات الاستخبارية، لتشمل جميع الأدوات التي من شأنها زيادة النفوذ الأمريكي في أي بلد، لخدمة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وسياسات البنتاجون" .

ولذلك تستخدم وسائل الاتصال المختلفة كإحدى أدوات حروب الجيل الرابع وما تلاه من أجيال، وتعمل الدول المُحاربة على تجنيد أكبر عدد من إعلاميي وصحفيي الدول المستهدفة، وممن يمتلكون القدرة على التأثير في الجمهور وصناع القرار،وأصبح صناعة الخبر وبث الشائعات والفتن وتضخيم أحداث بعينها في مقابل تجاهل خبر آخر أمراً يسيراً، "ويستغل الإعلام في التأثير على مواطني الدولة المستهدفة وكسب تعاطفهم مقابل التنفير من الحرب والنظام الحاكم، الأمر الذي من شأنه زعزعة أركان الدولة وجعل الإعلام أداة أكثر فتكاً من الجيوش العسكرية" .

وازدادت الأهمية التي تلعبها شبكات التواصل الاجتماعي في هذا الصدد، لتميزها بسهولة الاستخدام وسرعة الانتشار ومساهمتها في نشر الأفكار عالمياً، وتوفير مادة معلوماتية – كتابة، أو صوتاً، أو صورة، أو فيديو – والتي قد تكون مغلوطة ومفبركة لتوجيه الأذهان، نحو قضية ما وكسب التعاطف، لصالح طرف بعينه، استغلت ولازالت تستغل الولايات المتحدة الأمريكية سيطرتها على الإنترنت وجميع وسائل التكنولوجيا الحديثة في "إحكام قبضتها على العالم ومحاصرة من يعارض مصالحها، فأهم وأغلب محركات البحث، وشبكات التواصل الاجتماعي، والتطبيقات الالكترونية، ومشغلات الهواتف الذكية أمريكية الجنسية.

من كل ما تقدم يمكن القول بأن موضوع حروب الجيل الرابع يثير من الجدل والأسئلة أكثر مما يؤدي إلي اتفاق أو توافق أو يوفر إجابات، حيث يصعب الفصل بين أجيال الحروب المختلفة لأنها لا تأتي بصورة متعاقبة؛ بمعني أن الجيل الجديد من الحروب لا يكون إذن حتماً بانتهاء الجيل السابق فكل جيل من الحروب جاء ليعالج سلبيات الجيل السابق والاستفادة من دروسه وخبراته؛ حيث "يمثل الجيل الرابع من الحروب نوعيه جديدة وصوره مختلفة عن أجيال الحروب المتعارف عليها، إلا أنها لا تلغي وجود الحروب التقليدية واستمرار الحروب غير المتماثلة بأشكالها وأبعادها المختلفة" .... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

ميثم الجنابيإن تجربة ما بعد الصدامية وما آلت إليه الأحداث اليوم، بما في ذلك رد الفعل الجماهيري العارم في وسط العراق وجنوبه، تكشف عن حقيقة جلية، ألا وهي عدم إقناع النظام السياسي الحالي للمجتمع. وان نقطة الضعف الجوهرية فيه هي منظومة الحصص الحزبية الضيقة، التي لا تختلف من حيث الجوهر ووظيفتها عن "النظام البائد" من حيث تأديته إلى نفس المآل- الأزمة والتحلل والانحطاط..

لقد كشف نظام المحاصصة والدستور الداعم له، من انه نظام بدائي ومتخلف. وهو في الأغلب نتاج افرازات "الأقلية الكردية" المنتعشة بتقاليد المحاصصة القبيلة والحزبية التي جرى تجريبها وتهذيبها في "الإقليم" قبل سقوط الصدامية. الأمر الذي أعطى لهذه الظاهرة طابعها المدمر، وتغليب فكرة الأقلية المستفحلة، رغم خوائها المادي والمعنوي، وضعفها البنيوي وفسادها الشامل بالنسبة لفكرة الهوية الوطنية العراقية وفكرة النظام السياسي الحديث.

ولم يكن ذلك معزولا عن الاحتلال وضعف المجتمع العراقي العربي وقواه الاجتماعية. فقد كان الجميع يعاني من ضعف جلي في تأسيس فكرة الدولة الشرعية وفكرة الوطنية العراقية. مما جعل من آلية "المحاصصة" كما ظهرت في أول تشكيل "شرعي" لإدارة "مجلس الحكم" نتيجة حتمية لهذا الضعف. وفي هذا يكمن أحد الأسباب الجوهرية لنفسية المؤامرة والمغامرة في نشاط اغلب الحركات السياسية المعاصرة. وهي نفسية ملازمة لضعف تقاليد الشرعية والديمقراطية السياسية. من هنا إنتاجها لبيئة المتسلقين والمتملقين، التي عادة ما ترافقها نفسية المؤقتين، الذين تشكل بالنسبة لهم فكرة "انتهاز" الفرص الأسلوب الوحيد للتعويض عن انعدام أو ضعف الاحتراف. فالعراق ما قبل انهيار الدكتاتورية كان يفتقد للنخبة والاحتراف. بينما هي القوة الوحيد القادرة على اللمعان في سمائه وأرضه في ظروفه الحالية.

وليس اعتباطا أن تكون فكرة ونموذج "مجلس الحكم المؤقت" هي الصيغة الوحيدة الممكنة بالنسبة للنخب السياسية التي تحولت بين ليلة وضحاها من قوة مغتربة ومشردة إلى عمود الصنعة الجديدة للسلطة. وتعكس هذه الحالة طبيعة وحجم الشذوذ الهائل الذي رافق زمن الدولة، أي افتقادها لتاريخها الذاتي فيما يتعلق ببنية المؤسسات الشرعية، وتداول السلطة، وتراكم الخبرة، والكفاءة الضرورية للسلطة والمعارضة.

فعوضا عن أن يكون مجلس الحكم الانتقالي مرحلة منفية في الوعي السياسي للأحزاب والنخب السياسية، نراه يتحول تدريجيا إلى أسلوب لتأسيس فكرة المؤقت من خلال تفريخ مختلف ظواهر الحزبية الضيقة والطائفية والعرقية والجهوية في بنية الدولة ومؤسساتها وأساليب عملها. فعندما نتأمل تاريخ ظهور "مجلس الحكم الانتقالي" وكيفية فعله على الساحة العراقية والعربية والدولية، فإننا نقف من جديد أمام اغلب الإشكاليات الكبرى وبالأخص إشكالية الوعي السياسي الوطني والاجتماعي للأحزاب في مواجهة المصير المأساوي الذي تعرض له. ولعل أهم عوارض ومظاهر هذه الإشكالية تقوم في سيادة نفسية وذهنية المؤقت المشار إليها أعلاه. من هنا تعمق واتساع مدى الانحسار الفعلي لهذه القوى عندما ننظر إليه بمعايير الرؤية المستقبلية والعقلانية. وهو انحسار جلي في تناقض ادعائها الأيديولوجي بتمثيل "الشعب العراقي" وتعارضه شبه التام مع سلوكها العملي في كل شيء! وهو تعارض يستعيد في الكثير من عناصره الخطر الكامن بالنسبة لتدمير الشخصية الوطنية، واقصد بذلك إمكانية انتقال الأطراف إلى المركز، وصعود الهامشية إلى هرم السلطة، واستحواذ الأقلية على مقاليد الأمور. فهي الظاهرة التي تفسد في نهاية المطاف الجميع وتجعل من الدولة والمجتمع ضحية حماقات يصعب تفسيرها بمعايير المنطق والأخلاق! وتعادل هذه النتيجة من حيث رمزيتها فعل الأعاصير والزلازل والجراد. بمعنى إننا نرى صورة الجحيم دون إدراك مغزى العقاب فيه!

وعندما نتأمل تجربة ما بعد الصدامية وحتى اليوم فإننا نقف أمام ضعف الإدراك السياسي والتاريخي لماهية الوطنية العراقية وحقيقتها من جانب القوى والأحزاب السياسية المكونة "لمجلس الحكم الانتقالي". من هنا انتشار وتوسع وترسخ الحزبية والعرقية والقومية الضيقة والجهوية والطائفية في كل ما تقوله وتفعله. وهو سلوك يعبر عن انغماسها العميق في بقايا ومكونات البنية التقليدية. مما يعني بدوره، أنها لم تستفد شيئا من تجربة القرن العشرين، وأنها مازالت من حيث الجوهر خارج إدراك حقائق التاريخ العراقي ومعاناته الفعلية. الأمر الذي حدد مفارقة تعامل "مجلس الحكم الانتقالي" مع حالة الانتقال أو المؤقت في وجوده السياسي. أما "الاتفاق" السياسي حول ضرورة إلغائه فقد كان تعبيرا معقولا عن إدراك قيمة المؤقت والعابر فيه.

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام ظاهرة تقول، بأن ظهوره وزواله يمتلكان نفس القيمة "التاريخية". وهي قيمة زهيدة للغاية. والمأثرة الايجابية الوحيدة الممكنة التي يمكن الحديث حولها بهذا الصدد كانت مرهونة في حال تحولها إلى فعل سياسي عقلاني يؤسس لقيام الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي. وفي هذا التأسيس فقط كان يمكن "لمجلس الحكم الانتقالي" أن يحتل موقعه التاريخي في حياة الدولة والمجتمع بوصفه الحلقة الضرورية (والأضعف أيضا) في إرساء أسس وقواعد الانتقال السلمي والحقوقي للسلطة. وبالتالي التأسيس لإمكانية إعادة إرساء أسس الوحدة الوطنية.

غير أن ما جرى هو إلغاء "مجلس الحكم المؤقت" وبقاء نفسية وذهنية المؤقت!! بينما الجوهري بالنسبة لإلغاء فكرة المؤقت لا تقوم في "حل النفس"، بقدر ما تقوم في تأسيس وإرساء أسس الثبات الديناميكي في بنية الدولة والنظام السياسي والحياة الاجتماعية. وهو فعل لم يكن مميزا للقوى السياسية التي شكلت عناصر "مجلس الحكم الانتقالي". وهي عناصر مختلفة جدا، إلا أن ما يوحدها بهذا الصدد هو نفسية وذهنية المؤقت. فعندما نتأمل"المأثرة التاريخية" لمجلس الحكم الانتقالي، فإنها لا تتعدى في الواقع أكثر من محاولة إرساء أسس المؤقت من خلال ترسيخ وتأسيس فكرة المساومة الحزبية الضيقة، والإلغاء التدريجي لفكرة القانون والشرعية والمضمون الاجتماعي المتنور بمعايير المصالح الوطنية العليا.

طبعا إن ذلك لم يكن معزولا عن النقص الفعلي المرتبط "باستحقاقات" ظهوره واستلامه السلطة. إلا انه واقع لا يفسر كل حيثيات الظاهرة. وذلك لأن "مجلس الحكم الانتقالي" كان يعاني من ضعف بنيوي يبرز في التعامل مع النفس ومع الإشكاليات الكبرى التي واجهت وما تزال تواجه العراق وبالأخص ما يتعلق منها ببناء الدولة الشرعية والمجتمع المدني، بوصفها أساس الفكرة الوطنية السليمة. الأمر الذي وضعه من الناحية التاريخية أمام مفترق طرق، أما السير صوب تحقيق فكرة الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي وإما السقوط في هاوية الانقراض السياسي. وذلك لأن معاداة ومحاربة الدكتاتورية الصدامية بحد ذاته ليس ضمانة لترسيخ أسس الديمقراطية، كما أنها لا تحتوي بالضرورة على إدراك لقيمة الدولة والشرعية والمجتمع المدني. وهو واقع كان يمكن رؤيته بوضوح على مثال تنامي ضعف الحس السياسي الديمقراطي، وتنامي ضعف الشفافية في المناقشة والقرارات، والانزواء المتزايد صوب "الاتفاقات" الحزبية الضيقة والجزئية، وتعاظم ميوعة الخطاب السياسي والاجتماعي والوطني وعدم وضوحه واقتضابه المزيف وانعدام المسئولية أحيانا فيه. وهي ظواهر لها أسباب عديدة منها ما يتعلق بضعف التجربة السياسية العلنية وتقاليدها الديمقراطية والكفاءة الشخصية والنزعة الأبوية والوراثية الناتئة أحيانا عند أغلبية الأحزاب والحركات السياسية، إلا أنها لا تبرر ما أسميته بالنقص البنيوي في النظام السياسي ككل.

ولعل تجربة ما يقارب العقدين من الزمن ما بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية، يكشف عن الضعف البنيوي في النظام السياسي الحالي. لقد بقي النظام السياسي "الديمقراطي" و"الدستوري" من حيث الجوهر هو نفس نظام "مجلس الحكم الانتقالي". الأمر الذي يضع مهمة تهديمه من اجل إرساء أسس البناء الضرورية للثبات في الدولة والنظام السياسي والتكامل الاجتماعي والوطني.

إذ لا يمكن بلوغ حالة الثبات الديناميكي في العراق من خلال إعادة بناء الدولة والنظام السياسي الحالي، بل عبر إعادة تأسيس شامل لهما. فقد كشفت تجربة ما بعد الصدامية بأن النظام السياسي الحالي ليس بديلا إصلاحيا للماضي بل استكمال له. الأمر الذي يفترض تحقيق البديل المنظومي الشامل بهذا الصدد من خلال

- إرساء أسس نظام سياسي محكوم بالدستور الثابت

- إلغاء الدستور الحالي، بعد تبين حجم وآلية الخلل فيه، وكتابة دستور جديد يتمثل حصيلة التجربة العراقية منذ تأسيس الدولة الحديثة ولحد الآن.

- إعادة توحيد العراق على أسس وطنية (عراقية) متجانسة وشرعية

فهي الشروط الضرورية لإعادة تحرير العراق من التدخل الأجنبي أيا كان شكله ومحتواه وقواه. كما أنها المقدمة الضرورية لإعادة بناء نظام اجتماعي اقتصادي فعال وحديث يعتمد على برنامج ينفي بصورة جذرية وتدريجية كل نمط الحياة الاقتصادية والاجتماعية السائد لحد الآن فيه. وهي مهمة لا يمكن للقوى السياسية الحالية القيام بها وانجازها، وذلك لأنها عاجزة عقليا وأخلاقيا وعمليا عن تنفيذ هذه المهمة. إنها مهمة القوى المستقبلية التي نرى بعض ملامحها وعناصرها في بركان الاحتجاج المتنامي. وما جرى ويجري لحد الآن هو مجرد ترامي حممه وليس رغوته النهائية التي ينبغي أن تكتسح ما هو عابر وعالق وطفيلي، مع الإبقاء على أرضية الدولة والوطن. بمعنى العمل بمعايير الإصلاح الثوري وليس بمعايير الراديكالية الثورية. 

أنها قوى الإرادة الشعبية الآخذة في النمو. والمهمة تقوم في أن تتكامل بذاتها في تيار سياسي اجتماعي بديل يكنس طبقة الحراشف الطفيلية التي نمت على أرضية وخلفية الانحطاط الموروث من زمن السلطة الدكتاتورية والأيديولوجية البعثية التي لم تبعث غير الموت والدمار.  

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

عبد الحسين صالح الطائيبعد تصاعد حدّة المواجهة بين اسلوب السلطة العنفي الدموي والإصرار الجماهيري على سلمية التظاهرات التي انطلقت في الأول من أكتوبر 2019، تتوج المشهد السياسي الثقافي العراقي، بإنتفاضة اكتوبر، رغم معرفة الجميع بأن هذه الإنتفاضة لا تسقط النظام، بل هي جرس إنذار يمهد لإنتفاضات مستقبلية تهز عرش النظام من جذوره، هذه الإنتفاضة الشبابية العفوية عكست واقع الوعي الجماهيري الباطني، لشريحة إجتماعية واسعة من الشباب الذين تفتحت عيونهم على نماذج من السياسين الفاسدين العابثين بأموال الوطن، مصحوبة بقراءة واعية لتوجهات السلطة بكل أذرعها ومؤسساتها الأمنية. هذه المعادلة البعيدة عن كل القيم الأخلاقية، جعلت بعض الأطراف الإقليمية والدولية تقف إلى جانب الجماهير العراقية وتنبذ العنف، ناهيك عن دور المثقف العراقي، الذي كان في سبات طويل، أصبح في حالة حراك وصيرورة مع مجتمعه ومحيطه الإنساني، حيث أكدت الأحداث حقيقة موقف المثقف المنحاز لشعبه بأنه، يملك القدرة على تغذية الحراك الجماهيري بالتصورات والأفكار. ومهما تعقدت الأحداث يبقى المثقف المنحاز لشعبه، غير خاضع لأية سلطة، يمثل قوة محركة اجتماعية، تعكس معاناة الشعب، تكشف زيف المتسترين بغطاء الدين، ويتفاعل بالعمل بين الشباب لإعادة ترتيب الأمور بشكل منظم.

لقد ميزّ المفكر الإيطالي غرامشي (Gramshi)، نوعين من المثقف، المثقف العضوي والمثقف التقليدي، وفي تحديده لمفهوم المثقف تخطى جدلياً وتاريخياً المفهوم، الذي كان سائداً في القرن التاسع عشر الأوروبي، الذي يمييز بين العمل الفكري والذهني، والعمل اليدوي، حين قال أن كل البشر مثقفون، مستدركاً في الوقت عينه، ولكن ليس لكل البشر لديه وظيفة المثقفين في المجتمع.‏ المثقفون العضويون هم على علاقة أكثر مباشرة بأجهزة الدولة، وبالطبقة الإجتماعية المهيمنة، وبالبنية الاقتصادية الخاصة بمجتمعهم، ويعطي المثقف العضوي طبقته انسجاماً وادراكاً لوظيفتها في كل المجالات السياسية والإجتماعية والإقتصادية.

والمثقف كما عرفه غرامشي من أن كل إنسان مثقف، وإن لم تكن الثقافة مهنة له، فاتسع مفهوم المثقف ليشمل العلماء والمفكرين والأدباء والكتاب والمبدعين والفنيين والأطباء والمهندسين والمديرين ورجال القانون والموجهين والإعلاميين والصحفيين والطلبة وما أشبه ذلك. بهذا التعريف أرجع غرامشي العناصر المكونة لمفهوم المثقف إلى نقطتين، الأولى بأن المثقف يعّرف من منطلق المكانة الوظيفية والدور الذي يقوم به داخل البنية الإجتماعية، والثاني بأن كل طبقة اجتماعية تفرز وتنتج شرائح من المثقفين لا يقومون بوظيفة تمثيلها فقط بل يرتبطون بها عضوياً.

فالمثقف الحقيقي هو القادر على بلورة الواقع الإجتماعي والتأثير المباشر في قيمه وتغيره نحو الأفضل، وأينما تتبلور مفاهيم الحرية الخلاقة، تتبلور الثقافة الحقيقية المنسجمة مع الواقع الإجتماعي، والاختلاف في الرأي تجسيد لحقيقة الحرية، ولهذا تتجسد مهمة المثقف بشكل أساسي على إظهار الأفكار الداعية إلى التغيير والتنوير. وما يميزه هي وظيفته كفاعل أخلاقي لا يتقيد بحالات الانتماء لهذا الموقف أو ذاك، وبالتالي وضعه المميز داخل المجتمع يفرض عليه انتمائه إلى مبادئ الإنسانية.

 ويشير الباحث د. محمد عابد الجابري بأن وظيفة المثقف تتجسد في تحرير المجتمع من هيمنة السلطات المستبدة، سواءً أكانت سياسية، دينية، ايديولوجية. ومن ثم تحرير الثقافة من هيمنة السياسة، أي تحقيق استقلال مجالات الحياة الإجتماعية وتكاملها، ولا يوجد تكامل دون استقلال، الثقافة وحدها لها هذه القيمة التحريرية، حين تكون ثقافة ذات محتوى إنساني وعقلاني وعلماني وديمقراطي بالتلازم الضروري بين هذه الصفات. ولكي نعطي المسألة الثقافية أهميتها نحتاج إلى المزيد من التطلعات الحضارية أو إلى كشف أزمة العقل والتفكير. إن نقد العقل جزء أساسي وأولي من كل مشروع للنهضة، لا يمكن بناء نهضة بعقل لم يقم بمراجعة شاملة لآلياته ومفاهيمه وتصوراته.

فمن خلال التعاريف المتعددة، يتبين أن المثقف يتميز عن غيره في نواح عديدة، وهناك أصناف متباينة، المثقف رفيع الثقافة، متوسط الثقافة، ذو ثقافة دنيا. فنقول فلان مثقف، وفلان ذو ثقافة عالية، وآخر ذو ثقافة سطحية. وكذلك يتميز في حدود معرفته وخصائصه عن الآخرين، وبالتأكيد ليس كل متعلم  أو يحمل شهادة سواء جامعية أو عليا هو مثقف، فالمجتمع فيه الكثير من حاملي الشهادات وهم أنصاف متعلمين. وبما أنه ليس أي مثقف يستطيع أن يفعل ويؤثر في حركة تطور المجتمع، فقد شخص الباحث خزعل القاسمي ثلاثة أنواع من المثقفين: مثقف رسمي، حكومي، يعمل دائماً ما تمليه عليه الدولة وسلطة الحاكم، ومثقف واع، مناهض للسلطة، يناضل دفاعاً عن الحقيقة بكل قواه، ومثقف يخضع لمحاولات السلطة الاحتوائية.

لقد أشار أكثر من باحث بأن حدث التاسع من نيسان 2003، قد وضع مقدمات نظام سياسي جديد يختلف عن الأنظمة التي تعاقبت على حكم العراق في العهدين الملكي والجمهوري، هناك تغيير جذري في طبيعة السلطة، والمشروع السياسي والإجتماعي، والقوى الفاعلة في مجريات العملية السياسية. نظام قائم على مفاهيم مغايرة لمفهوم الوطنية، تغلبت فيه الهويات والإنتماءات الفرعية، جاءت هذه المفاهيم منسجمة مع التركة الثقيلة للنظام السابق، الذي كرس الطائفية والتخلف الإجتماعي، لاسيما الاعتماد على القيم القبلية، والانتماء الحزبي وشبكة كبيرة من الديون، التي أفقرت المواطن والمجتمع.

إن الثقافة العراقية اليوم مبنية على مفاهيم المذهب، القبيلة، العائلة، المنطقة، الحزب، وغيرها من المفاهيم التي تسهم في ضياع الثقافة الوطنية وقيمها ومفاهيمها الأخلاقية والإنسانية، كالحرية والعدالة الإجتماعية والشعور بالمسؤولية واحترام الحقوق العامة والخاصة للمواطنين، وغيرها من القيم التي تشكل الهوية الثقافية لمجتمعنا العراقي الذي يواجه تحديات كبيرة وخطيرة على مختلف الأصعدة، جرى التعبير عنها بحركات احتجاجية ذات طابع شعبي شبابي، جاءت في اعقاب الهبات الجماهيرية، التي حصلت بأكثر من بلد عربي عام 2011،  إنهارت على آثرها الكثير من الأنظمة العربية، ونتج عنها بروز لأحزاب الإسلام السياسي المتطرف، وتدخلات فاضحة للدول الكبرى في رسم خريطة تلك البلدان.

كل المؤشرات تشير إلى ضرورة تفعيل دور المثقف الواعي لمطاليب شعبه، بأن يساهم في المطالبة بتحقيق المزيد من المنجزات والخدمات التي تصب في مواجهة معوقات تقدم العراق، وتقع عليه مهمة تشخيص ونقد السلبيات والتوعية بضرورة التمسك بالهوية الوطنية وتغليبها على الهويات الفرعية، الحد من التكوينات القبلية والعشائرية، تقوية الترابط الإجتماعي، وتعزيز ثقة الأفراد بالدولة ومؤسساتها الإدارية والوظيفي.

وأخيراً، لابد من التأكيد بأن المثقف الواعي ومدى تأثيره على الواعين من افراد المجتمع له الدور المميز في عملية التغيير أو الإصلاح التي تهدف إلى الخلاص من نظام المحاصصة الطائفية والاثنية، وتنقية الأجواء السياسية بتشكيل حكومة تكنوقراط وطنية ديمقراطية على أساس المواطنة والكفاءة والنزاهة والعدالة الإجتماعية، وحماية حقوق وحريات المواطنين في إطارالدستور، ومن الطبيعي أن يكون إصلاح الإقتصاد الوطني من بين الأولويات مصحوباً بتعزيز قطاعي الصناعة الزراعة ومختلف المجالات الأخرى، مع رقابة مشددة لعمل مؤسسات الدولة الخدمية والوزارات الأساسية كالتعليم والصحة والبيئة وغيرها لكي تنهض بمهامها بما يخدم قطاعات المجتمع كافة.

 

د.عبد الحسين صالح الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في  بريطانيا