بليغ حمدي اسماعيللم يفطن المستشرقون ومنهم المستخربون أيضا ما للإسلام الحنيف ومنتوجه الحضاري من قيمة إنسانية وجمالية وجدانية فضلا عن كونه دينا خصبا لم تسبر بعد أغواره حتى أوقاتنا الراهنة رغم آلاف الكتابات عنه وعن تلك النصوص المتشظية في تأويل قرآنه بغير انطفاء . فالإسلام هو دين الفطرة الإنسانية، والمنطق السليم، وهو عقيدة خالدة بمبادئها السامية والإنسانية، وهو دين مثالي في جوانبه المتعددة ؛ الروحية والأخلاقية، وفي آدابه ومعاملاته وأحكامه، وهو دين يكرس نفسه لتكوين شخصية إسلامية متكاملة . ولعل انتشار الإسلام بسرعة البرق في شتى بقاع اليابس كان نتيجة لما يتضمنه من مبادئ مثالية وقيم تتسم بالشمولية والتكامل، لقد انتشر الإسلام لما تمتع به من يسر وتسامح، وإيثار، ولما كفله للمسلم من عدالة ومساواة ورحمة مطلقة .

ولقد انتشر الإسلام الحنيف بمبادئه السامية لا بقوة السيف كما يزعم أعداء الإسلام، لقد انتشر ولا يزال ينتشر في كل أرجاء الأرض بآرائه المنطقية التي تتفق مع العقل، وصلاحية هذه الآراء والمبادئ لكل زمان ومكان، وملاءمتها لطبيعة النفس البشرية .

ويرجع أيضاً سبب هذا الانشار السريع والجميل للإسلام في العالم كله لما اتصف به رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم ) من خلق قويم، ومن إيمان شديد بما يدعو إليه، واجتهاده المستدام في نشر دعوة الحق دونما كلل أو تعب، وبما تمتع به الرسول r من ثبات عظيم وصبر لا نهاية له على ما كان يلاقيه من أذى المشركين.

يَقُول الله تعالي في كتابه العزيز: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ {7}}" (سورة آل عمران) .

والقرآن الكريم ؛ هو النَّص اللُّغوي المعجز ذي البيان والفصَاحة، وربما يبدو الاهتمام بدراسة بعض المظاهر اللغوية بالقرآن الكريم في هذه الأحايين غريباً في هذا العصر الذي نعيشه، أي في ظل مناخ عالمي مادي استطاع أن يقهر ويقمع الجوانب الروحية في حياتنا، بل وعمد إلى منع وقمع أية محاولة لمعالجة القرآن الكريم بالفهم والتأويل تحت دعاوى العلمانية والتيارات والفلسفات الإلحادية المعاصرة، وكذلك معالجة النصوص الدينية لكبار أئمتنا في تاريخنا الإسلامي الرشيق، وقد سعت المادية جاهدة في إجهاض حركة تناول تراثنا الديني لصالح أغراض استعمارية خفية.

ولقد منح الإسلام الإنسان حقوقاً منذ أربعة عشر قرنا قبل أن تنادي المنظمات والهيئات الدولية اليوم بها، فلقد منحه حق حرية العقيدة، وحق التعليم والتعلم، وحق الحياة الكريمة، وحق الأخوة والمساواة، وكما منحه هذه الحقوق وأكثر ألزمه بالعدل والإحسان والصدق والأمانة وحمل المسئولية الاجتماعية، ونهاه عن الظلم والاستبداد والكذب وخيانة الأمانة .

ولعل ثبات مصادر القيم الإسلامية هو الذي ضمن لها قدراً هائلاً من الاستقرار والديمومة والاستمرارية بغير خلل مهما تباينت ظروف المجتمعات وتوافدت مستجدات مدنية جديدة على الأسرة . وثبات المصدر أيضاً حفظ للقيم عالميتها وصلاحيتها لكل زمان ومكان بحكم أن القرآن الكريم والسنة والنبوية صالحان لكل زمان ومكان إلى أن تقوم الساعة بإذن الله تعالى .

ولقد انفردت القيم الإسلامية بسمات أخرى غير الاستقرار والثبات والديمومة من أنها حفظت استقرار الأسرة ومن ثم المجتمع، من هذه السمات تمتعها بالجانب والطابع الاجتماعي، مثل حب الخير والتعاون والمشاركة ورعاية الصغير والعطف عليه واحترام الكبير وتقديم المشورة وإسداء النصيحة،فمثل هذه القيم وغيرها ضرورة اجتماعية لأي تواجد عمراني بشري بين الأفراد، ومثل هذه القيم نراها غريبة على المجتمعات الغربية التي أعلت من قيمها المادية وأغفلت عن قصد الجوانب الاجتماعية الي تحمل في طياتها ملامح إنسانية محضة.

وما تنفرد به القيم الإسلامية أنها تقدم لأول مرة للفرد عن طريق الأسرة وهي ما تكسبها صفة السلطة الحاكمة لأنها مشتقة من مقاصد الشريعة الإسلامية الثابتة والواضحة ومقدمة عن طريق كيان اجتماعي راسخ يتمتع بسمة الاحترام المطلق .فسرعان ما تتحول هذه القيم من مجرد مبادئ مثالية تقدم من خلال قصة أو موقف مخصص أو استثمار لحادث طارئ على الأسرة إلى إلزام مطلق يسعى المرء بعد ذلك في اتباعه حينما يخرج من كنف الأسرة النواة الأولى إلى مؤسسات المجتمع بصفة عامة لاسيما وأنها مستقاة من سلطة الدين نفسها.

وقد أقر الإسلام مبدأ العدل بين الناس، وهذا من أسرار عظمته، يقول تعالى :  وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (سورة الحجرات : 9 )، أي اعدلوا، ويقول الله تعالى أيضاً في محكم التنزيل :  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ   (سورة المائدة : 8 )،  وقال رسول الله r: " اتقوا الظلم، فإنه ظلمات يوم القيامة " . ولقد أمر المسلمون بمراعاة قواعد العدل حتى مع ألد وأفجر أعدائهم، فلم يبح له تجاوزها في معاملتهم، يقول تعالى : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ  (سورة البقرة :190) . وما على أن الإسلام يريد من العدل مؤداه المطلق بقوله تكليفه الآخذين به أن يقوموا بحقه حتى حيال من يمتد سلطانهم عليه من غير المسلمين، وممن ملكت أيمانهم حتى من الحيوانات العجم أيضاً، وهنا يتجلى من سمو التعاليم والقيم الإسلامية مظهر وملمح راق لا تملك الأمم قاطبة له نظيراً حتى وقتنا الراهن.

وفضيلة العدل من صفات الله تعالى لأنه منزه عن الظلم، يقول تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً) (سورة النساء ـ 40)، وقال عز وجل : وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) (سورة الكهف ـ 49) .

فعدل الإسلام وحده هو الذي يتساوى أمامه الغني والفقير، والذليل والشريف والوضيع، ويتعادل أمام قانون الإسلام المالك والمملوك،ويتجلى في عدل الإسلام المثل الأعلى للعدالة حينما تتساوى حقوق وواجبات المسلم والكافر، والعربي والأعجمي، والأبيض والأسود  بل إن الإسلام وحده هو الذي أقر العدل في التعامل مع الحيوانات من باب الرفق بها، قال رسول الله r: " دخلت امرأة النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" .

والإسلام نادى بإقامة العدالة المطلقة، والمسلم القويم يعتقد تمام الاعتقاد بأن الله تعالى هو العدل، بل أحكم العادلين، يقول تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً  (سورة النساء : 40 )، والإسلام أمر المسلمين بإقرار العدل والعدالة في قوله تعالى :  إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً  (سورة النساء : 58 ) . وكم أهاب القرآن بنا أن نعدل فيما بيننا، وحتم علينا أن نأخذ بالعدل وقيمه ومبادئه حتى مع أعدائنا، ولعلك تجد في القرآن الكريم ما في العدل من نفع لديننا ولدنيانا .

والعدالة في الإسلام تعد مرادفاً للمساواة، ولعل من أسمى مبادئ تلك المساواة التي قد اشترعها للناس جميعاً، فالكل في الإسلام سواء، لا فرق بين أبيض أو أسود، ولا غني ولا فقير، بل إن الإسلام أقر قاعدة مفادها أن أفضل الناس أقربهم إلى التقوى، يقول تعالى : لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً  (سورة النساء :123، 124)، وقوله تعالى : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير  (سورة الحجرات : 13) .

ويؤكد الرسول r هذه المساواة المطلقة بين الناس جميعاً في قوله : " الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى " . والرسول r كان أعدل الناس وأشجعهم في إقامة العدالة وتحقيقها، ولقد اعترف بلك أعداؤه قبل أصحابه وأتباعه، وكيف لا وكان لقبه قبل البعثة الصادق الأمين، وعنه قال الربيع بن خيثم : " كان يتحاكم إلى رسول الله r في الجاهلية قبل الإسلام" . وعن الحسن : كان رسول الله r  لا يأخذ أحداً بقرف (أي بذنب) أحد، ولا يصدق أحداً على أحد، أي لا يسمع وشاية الواشين" .

وقد أمر الله ـ تعالى ـ رسوله r أن يلتزم العدل في كل أقواله وأعماله، يقول تعالى :   فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ  (سورة الشورى : 15)، بل إن الله تعالى قد أمر رسوله بالتزام العدل في الأحكام حتى مع غير المسلمين، فقد قال تعالى:  سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (سورة المائدة : 42) .

وكما أمر الله تعالى رسوله الحبيب محمداًr، بالعدل أمر الناس جميعاً بذلك، لأن كل خطاب للرسول r هو خطاب لأمته إلا في الخصوصيات المروطة بصفة النبوة، فلقد أمرنا الله ـ تبارك وتعالى ـ بالعدل في القول،يقول تعالى : وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  (سورة الأنعام : 152)، وأمرنا بالعدل في كتابة الديون بقوله تعالى :  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً   (سورة البقرة :282) .

وأمرنا الله ـ عز وجل ـ أيضا بالتزام العدل عند الإصلاح بين الناس، يقول تعالى :  وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ     (سورة الحجرات : 9) .

والقرآن الكريم حينما يحثنا ويأمرنا بالتزام العدل واتباعه في القول والفعل والسلوك وكافة مظاهر الحياة، فهو بدوره أيضاً يأمرنا باجتناب الظلم الذي هو أحط الرذائل، والظلم كما يقول الراغب الأصفهاني : " وضع الشئ في غير موضعه المختص به، إما بزيادة أو نقصان، وإما بعدول عن وقته أو مكانه، والظلم يقال في مجاوزة الحق ويقال فيما يكثر وفيما يقل من التجاوز، ولهذا يستعمل في الذنب الكبير وفي الذنب الصغير" . والمتدبر في آي الذكر الحكيم يدرك تحريم الظلم وعاقبته الشديدة، يقول تعالى : فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ    (سورة الأنعام ـ 45)، ويقول تعالى :  وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً   (سورة الكهف ـ 59) .

ولقد حرص النبي r على الترغيب في العدل والترهيب من الظلم، ولقد أمر أتباعه بتحري العدل ونهاهم عن الظلم، ومن ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه، عن جابر (رضي الله عنه) أن رسول الله r قال : " اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم" 0(صحيح مسلم ).

وعن أبي أمامه (رضي الله عنه) أن رسول الله r قال : " من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة" (رواه مسلم) .ونختتم حديثنا عن العدل في الإسلام بوصية الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) للأشتر النخعي الذي ولاه على مصر بقوله : " أنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوى على رعيتك، فإنك إن لم تفعل تكن ظالماً، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه، ومن خاصمه الله أبطل حجته، وليس شئ أدعى إلى تغيير النعمة وتعجيل النقمة من الظلم فإن الله تعالى يسمع دعوة المظلومين، وهو للظالمين بالمرصاد" .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

علي المؤمنالمرجعية الشيعية وخيارات ما بعد السيستاني والخامنئي (5)

يعتمد تصنيف المرجعيات الدينية الشيعية على عدد من المعايير، أبرزها: ما استقر عليه الرأي الحوزوي العام الذي تصنعه جماعات أهل الخبرة والضغط، وحجم المرجعیة ومساحة نفوذها الدیني وتأثيرها ونسبة مقلديها في العالم وليس في العراق أو إيران وحسب. أما الأعلمیة والعدالة و الشهرة والتصدي للشأن العام والبعد النهضوي في شخصية المرجع؛ فهي معايير نسبية لايمكن الإجماع عليها في ظل وجود موازين فرعية مختلَف عليها. ووفق هذه المعايير تكون بعض المرجعيات عليا و أخرى صف أول أو صف ثاني. وهي مصطلحات عرفية تدبيرية.

یمکن القول أن المدرستين الأبرز اللتين تتقاسمان مساحة النفوذ الدیني والتقلید منذ حوالي أربعة عقود وحتى الآن، هما مدرسة المرجعين الكبيرين السيد روح الله الموسوي الخمینی والسيد أبي القاسم الموسوي الخویی. وهما الزعیمان اللذان اقتسما المرجعیة العلیا للشیعة حتی وفاة الإمام الخمیني في العام 1989، ولا یزالان یقتسمانها في تلامیذهما و امتداداتهما.

تعود جذور مدرسة السيد الخوئي الى مدرسة زعیم الطائفة السید أبي الحسن الموسوي الإصفهاني في النجف، والتي أنجبت جميع مرجعيات النجف العليا بعد رحيله، كالسيد محسن الحكيم والسيد محمود الشاهرودي والسيد الخوئي, بينما ينتمي الإمام الخميني الى مدرسة الشیخ عبد الکریم الحائري مؤسس الحوزة العلمیة المعاصرة فی قم، والتي أنجبت مرجعيات قم العليا بعد رحيله، كالسيد محمد رضا الگلپايگاني والسيد كاظم الشريعتمداري والإمام الخميني. وبالتالي؛ فإن أغلب المرجعيات العليا ومراجع الصفین الأول والثانی هم تلامیذ الزعیمین الخوئي والخميني، و ینتمیان الی مدرستیهما، وفي مقدمتهما: السيد علي الحسيني السيستاني والسيد علي الحسيني الخامنئي، اللذان یتقاسمان الزعامة الدینیة للطائفة الشیعیة فی العالم ( الحديث هنا عن الزعامة الدينية وليس القيادة ):

1-  السيد علي الحسیني السيستاني: المرجع الديني الأعلى على مستوى العراق وكثير من المسلمين الشيعة في مختلف دول العالم، وهو إيراني من مدينة مشهد، وتعود أصوله الى أسرة مهاجرة من العراق، ويقيم في النجف الأشرف منذ أكثر من (60) سنة، و هو وريث مدرسة الإمام الخوئي وحوزة النجف، وقد تفرّد بالمرجعية النجفية العليا في اواخر عقد التسعينات من القرن الماضي، وتحديداً بعد رحيل مراجع النجف الكبار: السيد الخوئي والسيد عبد الأعلى السبزواري والشيخ علي الغروي والشيخ مرتضى البروجردي والسيد محمد الصدر والسيد حسین بحر العلوم.

2- السيد علي الحسیني الخامنئي: المرجع الديني الأعلى على مستوى ايران وكثير من المسلمين الشيعة في مختلف دول العالم، وهو إيراني مقيم في طهران منذ حوالي (40) سنة، وتعود جذوره الى أسرة عراقية هاجرت الى مدينة خامنه الإيرانية، وهو وريث مدرسة الإمام الخمینی وحوزة قم. وقد برزت مرجعيته في عقد التسعينات من القرن الماضي، ولا سيما بعد رحيل مراجع قم الكبار: السيد محمد رضا الگلپايگاني والشيخ محمد علي الأراكي والشيخ فاضل اللنكراني والشيخ جواد التبريزي والشيخ محمد تقي بهجت.

ويمكن القول أن 80 بالمائة من شيعة العراق وإيران وبلدان الخليج ولبنان وسوريا والهند وباكستان وأفغانستان وآذربيجان وروسيا وبلدان شرق آسيا ونيجيريا ومصر وباقي بلدان أفريقيا وأوربا والأمريكتين، يقلدون السيد السيستاني والسيد الخامنئي. أما الـ 20 بالمائة الباقين من الشيعة المقلدين؛ فإنهم يرجعون بالتقليد الى المراجع الآخرين، سواء مراجع الصف الأول أو الثاني. ولعل أغلب المسلمين والمتشیعین الجدد، ولا سيما في شرق آسيا و أفريقيا وأوربا، يرجعون بالتقليد أيضاً الى السید علي الخامنئي والسید علي السیستاني، وهما المرجعان الأنشط تبليغياً خارج المساحات التقليدية للشيعة.

بيد أن هناك من الشیعة من لایزال ـ بناءً علی فتوی أحد المراجع الأحیاء ـ باقیاً علی تقلید المراجع الراحلين، كالإمام الخمیني والإمام الخوئي والسید محمد الصدر والسید محمد رضا الگلپايگاني والسید محمد حسین فضل الله والشیخ محمد تقی بهجت و السید محمد باقر الصدر ( وهو أقدم مرجع ديني لایزال هناك من یقلده ).

و قد ذكرنا بأن تصنيف المرجعيات الدينية الشيعية على أنها مرجعية عليا أو مرجعية صف أول أو صف ثاني، يعتمد على عدد من المعايير الواقعية، أبرزها: ما استقر عليه الرأي الحوزوي العام الذي تصنعه جماعات أهل الخبرة والضغط، وحجم المرجعیة ومساحة نفوذها الدیني وتأثيرها ونسبة مقلديها في العالم، وليس في العراق أو إيران وحسب. وبالتالي؛ فإن تصنيف مرجعيات الصف الأول أو الثاني؛ لا علاقة له بالمُثل والإشتراطات ذات المداليل الواسعة جداً، والنسبية في تطبيقاتها، والتي يستحيل إحرازها؛ كالأعلمية، ولا هي مقولة فقهية أو علمية، ولا رتبة وظيفية؛ بل هي مقولة إجرائية واقعية عرفية، تدل على المراجع الذين لهم نفوذ ديني ومقلدين يلي نفوذ المرجعين الأعليين وعدد مقلديهم.

يبلغ عدد مراجع الصف الأول في قم والنجف حالياً ثمانية مراجع، هم:

1-  السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم، عراقي يقيم في النجف، يمثل امتداداً لمدرسة السيد محسن الحكيم وحوزة النجف.

2- الشيخ محمد إسحق الفياض، أفغانستاني يقيم في النجف، وهو امتداد مدرسة الإمام الخوئي وحوزة النجف.

3- الشيخ بشير النجفي، باكستاني يقيم في النجف، يمثل امتداداً لمدرسة الإمام الخوئي وحوزة النجف.

4- الشيخ حسين الوحيد الخراساني، إيراني يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة الإمام الخوئي وحوزة النجف.

5- الشيخ ناصرمكارم الشيرازي، إيراني يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة السيد حسين البروجردي وحوزة قم.

6- السيد كاظم الحسیني الحائري، عراقي من أصل إيراني يقيم في قم، وهو إمتداد مدرسة السید الشهيد محمد باقر الصدر وحوزة النجف.

7- السيد موسى الشبيري الزنجاني، إيراني يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة السيد حسين البروجردي وحوزة قم.

8- الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني، إيراني يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة السيد حسين البروجردي وحوزة قم.

أما مراجع الصف الثاني في النجف وقم في الحال الحاضر؛ فإن نفوذهم الديني وعدد مقلديهم يلي مراجع الصف الأول، وأبرزهم:

1- السيد محمد صادق الحسيني الروحاني، إيراني يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة الإمام الخوئي وحوزة النجف.

2- الشيخ حسين النوري الهمداني، إيراني يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة الإمام الخمیني وحوزة قم.

3- السيد صادق الحسیني الشيرازي، عراقي من أصل ايراني، يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة شقيقه السید محمد الشیرازي وحوزة کربلاء.

4- الشيخ جعفر السبحاني، إيراني يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة الإمام الخمیني وحوزة قم.

5- السيد علاء الدين الموسوي الغريفي، عراقي يقيم في النجف، يمثل امتداداً لمدرسة الإمام الخوئي وحوزة النجف.

6- الشيخ محمد اليعقوبي، عراقي يقيم في النجف، يمثل امتداداً لمدرسة السید الشهيد محمد الصدر وحوزة النجف.

إن البحث في هذه الأسماء وأحجامها المرجعية؛ أساسيٌ عند الحديث عن مرحلة ما بعد السيستاني والخامنئي؛ لأن المرجعين الأعليين القادمين في النجف وقم سيكونان من بين هذه الأسماء الأربعة عشر حصراً.

 

د. علي المؤمن

 

محمد الورداشيمنذ مدة تقارب السنتين وأنا منهمكٌ دوما في البحثِ عما يسمى "هموم المثقفين"؛ إذ كنت على يقين أن المفكرين والمثقفين يحملون هموما كبرى داخل عقولهم وأنفسهم، وهي المحركُ الأساسُ الذي يدفعهم إلى الكتابة عن هذه الهموم، عبر ترجمتها إلى إرث فكري يهدف إلى النهوض بالمجتمع، والحياة الاجتماعية، والثقافية الفكرية، والسياسية، والاقتصادية التي يعيشها المثقف باعتباره مشاركا ومنخرطا فيها من قريب أو بعيد. كما أني كنت متيقنا أن قراءتي لكتب بعض المفكرين والمثقفين، تجعلني دوما أحس نكهةَ حزنٍ خفيفةً تختلج لها نفسي، ومن ثم، خلصت إلى أن في سطور المفكرين والمثقفين حزنا وخيبةَ أملٍ كبيرين، عزّ عليهم، أي المثقفين، الإفصاحُ والإعرابُ عنهما.

وبعد، سأتطرق إلى الدافع وراء كتابة الأسطرِ أعلاه؛ وهو أني، وإلى جانب تساؤلي المعلل عن هموم المثقفين التي يمكن لك أن تعود لكتاب قيِّم بهذا العنوان للدكتور المصري زكي نجيب محمود، أتساءل عن الوسائل والآلياتِ المعتمدتين من قبلِ الدولِ للدفع بالشعوب المضطهدَةِ إلى العزوف، والزهدِ الكليِّ عن مشاكلها الحقيقية؟

للإجابة عن هذا السؤال القديم/الجديد، والذي قدْ سبق لباحثين ومثقفين كُثُرٍ طرحُهُ، ومحاولةُ الإجابةِ عنه، كان لزاما علي محاولةُ قراءةِ المعطياتِ والمؤشراتِ المتعلقةِ بالحياةِ اليوميةِ للمجتمعِ الذي أعيشُ فيه عامةً، وللأشخاصِ القريبين مني على وجه الخصوص.

أعتقدُ أن ثمةَ وسائلَ كثيرةً اُعتُمدتْ كسلاحٍ بغيةَ تدجينِ وترويض الشعوب حتى تغدو كالخاتم في إصبعِ مضطهدِيها. وهذه الوسائل متنوعة ومختلفة بناء على الفترة التاريخية المستعملة فيها، كما أن لها مفعولا مختلفا أيضا.

يعد التطهيرُ الفكريُّ، والذي لا ينفصل عن التصفية الجسدية في فترات تاريخية ماضية، وفي التاريخ المعاصر، سلاحا فعالا في يد الدول الحاكمة، حيث إنه ينصبُّ على الفئة المثقفة التي تحاول التفكير من خارج الأدلوجةِ الرسميةِ المعتمدةِ من قبل الدولة؛ بمعنى أن الفئة التي تخرج عن الأدلوجة تحليلا ونقدا، وتعديلا وتحويرا، تشكلُ خطرا كبيرا، وعوض تصفيتها جسديا، فإنها ستمارسُ عليها، أي على الفئة المنشقة، تطهيرا فكريا حتى تغدو خاضعة لرقابة جماعية- ذاتية في كل وقت وحين. وأقترح عليك أيها القارئُ اللبيبُ أن تعود إلى رواية 1984، للكاتب الإنجليزي جورج أورويل (واسمه الحقيقي هو إريك آرثر بلير: 1903-1950) طبعا إن كنت لم تقرأْها بعدُ، لتعرف نوعَ الإنسانِ الذي استشرف أورويل أن المجتمع الرأسمالي الغربي، في القرن العشرين، يريد إنتاجه وإعادةَ إنتاجه. وهذا طبعا بعيدا عن الرؤية الديستوبية؛ لأن نبوءته قد تحققت فعلا وإن عبر مراحلَ متباينةٍ. كما أني أدعوك إلى العودة إلى روايته، التي نراها واقعية، المعنونة ب" الطريق إلى رصيف ويغان"، في سياق نقده للرأسمالية والآلة، حتى تعرفَ ما قصده ب"العقل في القارورة" الذي اخترته عنوانا لهذا المقال؛ أي أن المثقف مطلوب منه أن يأخذ إجازة عن التفكير إلى الأبد في ما يعيشه داخل الحياة الاجتماعية وما يرتبط بها من سياسة واقتصاد.

ومن بين الوسائل المعتمدة، إلى جانب تجريد المثقف من سلاحه، أي من استخدام عقله، ودوره في توعية وتثقيف الشعب أو العقل الجمعي، أو الرأي العام، لترويض الشعوب نجد وسائلَ الإعلامِ سواء أكان إعلاما مكتوبا مقروءا أم مسموعا مرئيا. وفي هذا السياق، سأعود مرة أخرى إلى استحضار جورج أورويل من خلال كتابه "لماذا أكتبُ (وهو مجموعة من المقالات التي كتبها أورويل بين الثلاثينيات والأربعينيات من القرن المنصرم) لأقفَ عند مقالٍ لهُ بعنوان "الشعر والميكروفون" حيثُ انتقد بعضَ وسائلِ الإعلام التي باتت رسميةً ومسيرة من قبل البيروقراطية، وبالتالي، فإن ما تنشره وتبثه، وأورويل كان يتحدث عن المذياع آنذاك، له القدرةُ الفعالةُ على بلورةِ وتشكيلِ الوعي المنمط للرأي العام. كان أورويل قد تساءل عن السبب الذي جعلَ الرأيَ العامَّ الإنجليزيَّ ينفر من الشعر (بدعوى غموضه، وريائه الفكري...إلخ)، فتوصل إلى أن الجهاتِ المسؤولةَ ليست لها الرغبةُ في توجيه الرأي العام إلى فنِّ الشعر، ولأسباب أخرى عرضها بتفصيل لا يتسع المقامُ لذكرها.

وهكذا، نجد في المجتمعات العربية، أن وسائل الإعلام قدْ وَأَدَتْ كلَّ قريحةٍ فكريةٍ، أو رغبة في النقد والتساؤل، وإنما دأبت لسنوات طويلة على تقديم الوجبات السامة للعقل الجمعي (والذي من خصائص حامليه أن السواد الأعظمَ منهم لا يتوفر على مناعة واعية وعقلانية وعلمية) الذي يتجرعها دون أن يتساءل عن مصدرها، والغاية من ورائها. فلما كانت سياسةُ وسائلِ الإعلام والتواصل هشةً وتافهةً، كان من الطبيعي أن تبلورَ وعيا تافها خرافيا، وعقلا جمعيا ميالا إلى الضربِ صفحا عن همومه ومشاكله. لقد كنت، في أحيان كثيرة، أتساءل دوما: لمَ لا تحركُ الشعوبُ المضطهدَةُ ساكنا أمام المخططات والسياسات التدميرية التخريبية والسامة التي تُمارَسُ عليها؟ فكنت أجد عزاءً لنفسي في قولي "إن رغبةَ الشعوبِ فاترةٌ الآن، ولكنْ ستثورُ يوما" أو "إنه الصمتُ الذي يسبق العاصفة". بيد أني غدوت أكثر تطرفا لما ذهبت إلى أن السبب هو مسكناتٌ ومهدئاتٌ يتجرعها الطفلُ في الحليبِ المصنَّعِ، والمواد المعلبة منذ أنْ فتحَ عينيه.

إضافة إلى ما سبق، يمكن القولُ إن للمدرسة دورا كبيرا في ترويض الأجيال الناشئة (طبعا لا ننس جهودَ عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في هذا الصدد) من خلال المراقبة والمعاقبة (وهذا عنوان لكتاب ميشيل فوكو) التي تُمارَسُ على المتعلم في المدرسة، والسجين في السجن، والمجنون في المارستانات؛ إنها كلَّها تمثل نوعا من الرقابة الخارجية التي تغدو مع العادة والتكرار رقابةً ذاتيةً، ترافقُ المرءَ طوال مراحل نشأته وحياته. ومرة أخرى، وتأكيدا للرقابة والمراقبة، أستحضر عبارة "إن الأخ الأكبرَ يراقبك" من رواية 1984.

وفي الختام، أود القولَ إن للمثقفين قسطا مهما من تزييف وعي الشعوب المضطهدَة؛ لأنهم باتوا يمارسون نوعا من اللامبالاة واللامسؤولية في ظل هذه الفترات التاريخية الأخيرة المزرية؛ إنهم يمارسون ضربا خبيثا من التقية، أو ما أسماه أورويل، في سياق نقده ل ميللر، ب "يونس في بطن الحوت"، أي الفرار من هموم ومشاكل المجتمع، وعدم المشاركة والخوض في معاركه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية الثقافية. كما أن القسط الأعظم يقع على كاهل المدرسين والمعلمين؛ لأنهم مسؤولون عن المنتوجِ الذي يخرجونه للمجتمع. أما العبءُ الأكبرُ، فإنه كان وما يزال وصمةً في تاريخِ الحكام المضطهدِين، والمستبدين الذين يجهدون أنفسَهم للحفاظ على الدول الشمولية الاستبدادية، من خلال تقديمها في ثوب الدولة الديموقراطية. وربما ما تزال الدول تسعى إلى استعباد شعوبها من خلال التجهيل والتفقيرِ، والتشديد على الرقابةِ الفكرية، أو ما سماهُ أورويل بجريمة الفكر.

 

محمد الورداشي

 

 

عبد العزيز قريشتعليم التفكير الإبداعي موجة عالمية تعليمية:

الموجة الحالية في العالم التربوي هي برامج تعليم أنماط التفكير من خلال دورات تكوينية، التي تكسب المتعلم المهارات والكفايات المؤهلة له للفعل بإيجابية وفعالية؛ حيث حول المختصون في مختلف العلوم المتعلقة بالتربية والتعليم نتاجات الحقول المعرفية إلى مهارات وكفايات مبنية على مداخل نظرية تبني شخصية المتعلم، وفي مدد زمنية قصيرة! ولم تعد البرامج التعليمية المطولة والمفتوحة على مدد زمنية طويلة مرغوبة لديهم. فقد صاروا إلى نماذج تعليمية وتكوينية تمد المتعلم بأساسيات المجال المستهدف ضمن أغلفة زمنية محدودة وقصيرة.

ومن بين برامج تعليم أنماط التفكير، نجد برامج تعليم مختلف مهارات التفكير وفق أنواعه، ومنها مثالا لا حصرا: برامج العمليات المعرفية، وبرامج العمليات الميتامعرفية، وبرامج التعلم بالاكتشاف، وبرامج التفكير المنهجي، وبرامج التفكير المنطقي، والتفكير النقدي، والتفكير الإبداعي أو الابتكاري أو الخلاق.

ـ بيداغوجيا الإبداع والدرس المدرسي:

الدرس المدرسي هو بيداغوجيا بامتياز في البعد التطبيقي، ويرتبط بالإبداع من حيث كونه أداء منهجيا يتطلب الابتكار والخلق في كل مراحل الدرس المدرسي، ومنه كانت للإبداع بيداغوجيا تعلم المتعلم كيفية التفكير الإبداعي انطلاقا من طبيعته التي تعني: (الأنشطة والعمليات المنظمة التي يقوم بها المتعلم لأجل ابتكار أفكار أو اكتشاف أشياء تتميز بإحالتها وتفردها، [حيث] يقوم العمل الإبداعي داخل القسم على إعداد وتنظيم وضعيات ديداكتيكية تتميز بالخصائص المحددة للنشاط الإبداعي وهي: 1 ـ وضع التلاميذ في وضعية تمكنهم من إدراك مشكل والشعور بالحاجة إلى الإبداع والابتكار. 2 ـ تمكين التلميذ من تقديم أكبر قدر من الأفكار. فالفعل الإبداعي يتميز بسيولته الفكرية أي إنتاج قدر كبير من الأفكار أو سيولة لفظية أي إنتاج قدر كبير من الألفاظ والتسميات. 3 ـ مرونة النشاط حيث يتمكن المتعلم من الانتقال من مجال إلى آخر والتكيف مع معطيات جديدة. 4 ـ أصالة الإنتاج الذي يصدره المتعلم مثل الأجوبة غير المألوفة والأفكار الجديدة والخاصة. 5 ـ إعادة بناء الأشياء والأفكار في شكل جديد.

تتميز بيداغوجيا الإبداع بمجموعة من الخطوات والأنشطة يمكن أن يسلكها المدرس، وهي: 1 ـ جعل التلاميذ يواجهون مشكلا بدفعهم إلى الابتكار . 2 ـ إنتاج أفكار متنوعة ومتعددة حول الموضوع. 3 ـ تجريب وفحص الأفكار المنتجة. 4 ـ تقويم المنتوجات والاختيار الأفضل منها. وتستند هذه الخطوات حسب نموذج جيلفورد إلى ثلاثة أنماط من التفكير: أ ـ التفكير المغامر أو المتشعب وفيه تنتج أفكار وآراء متعددة ومتنوعة. ب ـ التفكير التقويمي الذي يمكن من الفحص والاختبار والتجريب. جـ ـ التفكير أو المتجمع الذي يتجه فيه التلاميذ إلى الاتفاق حول معطى واحد. وتتطلب هذه العمليات من المدرس مجموعة من المواقف مثل احترام أسئلة التلاميذ وأفكارهم الأصيلة وإبراز قيمتها وفسح الفرصة للعمل الحر وتجنب إصدار الأحكام)[1] . ومنه فالدرس المدرسي هو تفكير إبداعي من ألف إلى يائه.

ـ أهمية التفكير الإبداعي:

الإبداع عماد الحياة في عصرنا هذا، لأنه المعتمد في معالجة مشاكلنا وإيجاد الحلول المبتكرة لها فضلا عن الاختراعات والإبداعات في جميع المجالات الحياتية والعلمية للأفراد والمجتمعات الإنسانية. فهو مرتكز التقدم والتطور الإنساني والحضاري والعلمي. وتعليمه ضروري في وقتنا الحاضر في مؤسساتنا التعليمية، ومنذ التعليم الأولي. فهو تفكير يمكن المتعلم من: تعلم أفضل؛ وتحسين صحته العقلية؛ وإطلاق طاقات وإمكانات الخلق والإبداع لديه؛ وبناء الذات السوية؛ والاستقلالية الذاتية؛ والتفكير الحر والثقة في الذات؛ والتحرر من عقدة الفشل؛ والرؤية المختلفة للأشياء؛ والتحدي، والمثابرة والصبر فضلا عن قابلية التكيف والمرونة والفضول العلمي وثراء الخيال؛ والإيمان بأن لكل مشكلة أو قضية حلا؛ والقبول بالخطأ مصدرا للتطور والتحسين والتجديد؛ والحل يكمن في المشكلة؛ وتطوير العلوم والمجالات المعرفية عن دراية ومشاركة إبداعية. كما يكسب المتعلم (الحرص على الجديد من الأفكار والآراء والمفاهيم والتجارب والوسائل. والبحث عن البدائل لكل أمر والاستعداد لممارسة الجديد منها. والاستعداد لبذل بعض الوقت والجهد للبحث عن الأفكار والبدائل الجديدة، ومحاولة تطوير الأفكار الجديدة أو الغريبة، الاستعداد لتحمل المخاطر واستكشاف الجديد. والثقة بالنفس والتخلص من الروح الانهزامية. والاستقلالية في الرأي والموقف. وتنمية روح المبادرة والمبادأة في التعامل مع القضايا والأمور كلها) .[2]

ـ تعريف التفكير الإبداعي:

لا يوجد تعريف شامل جامع مانع بقدر ما توجد تعاريف متقاطعة فيما بينها، تتفق حول بعض السمات اللغوية والاصطلاحية للتعريف، ومنها:

ـ (التفكير الإبداعي نشاط عقلي مركب وهادف توجهه رغبة قوية في البحث عن حلول أو التوصل إلى نواتج أصيلة لم تكن معروفة سابقا) .[3]

ـ (عرف جيلفورد التفكير الابتكاري بأنه: التفكير في نسق مفتوح يتميز الإنتاج فيه بخاصية فريدة وهي تنوع الإجابات المنتجة التي لا تحددها المعلومات المعطاة. ويعرفه روجرز بأنه: ظهور لإنتاج جديد نابع من التفاعل بين الفرد وما يكتسبه من خبرات. ويعرفه علي الخطيب بأنه: إنتاج شيء ما على أن يكون هذا الشيء جديدا في صياغته، وإن كانت عناصره موجودة من قبل) .[4]

ـ (النظر للمألوف بطريقة أو من زاوية غير مألوفة ثم تطوير هذا النظر ليتحول إلى فكرة ثم إلى تصميم ثم إلى إبداع قابل للتطبيق والاستعمال)[5].

ـ سمات التفكير الإبداعي:

يتسم التفكير الإبداعي بعدة سمات، منها :

1 ـ الأصالة: وتعني التميز في التفكير والندرة والقدرة على النفاذ إلى ما وراء المباشر والمألوف من الأفكار، وتعني الخبرة والتفرد، وهي العامل المشترك بين معظم التعريفات التي تركز على النواتج الإبداعية كمحل للحكم على مستوى الإبداع.

2 ـ الطلاقة: وهي القدرة على إنتاج أفكار عديدة لفظية وأدائية لمشكلة نهايتها حرة ومفتوحة، ويمكن تلخيص الطلاقة في الأنواع التالية :

أ- طلاقة الألفاظ: وتعني سرعة تفكير الفرد في إعطاء الكلمات وتوليدها في نسق جيد.

ب- طلاقة التداعي: وهو إنتاج أكبر عدد ممكن من الكلمات ذات الدلالة الواحدة.

ج- طلاقة الأفكار: وهي استدعاء عدد كبير من الأفكار في زمن محدد.

د- طلاقة الأشكال: وتعني تقديم بعض الإضافات إلى أشكال معينة لتكوين رسوم حقيقية.

3 ـ المرونة: وهي تغيير الحالة الذهنية لدى الفرد بتغير الموقف وتعني القدرة على توليد الأفكار المتنوعة التي ليست من نوع الأفكار المتوقعة عادة، وتوجيه أو تحويل مسار التفكير مع تغير المثير أو متطلبات الموقف، وللمرونة مظهران هما:

أ- المرونة التلقائية: وهو إعطاء عدد من الأفكار المتنوعة التي ترتبط بموقف محدد.

ب- المرونة التكيفية: وتعني التوصل إلى حل مشكلة، أو موقف في ضوء التغذية الراجعة التي تأتي من ذلك الموقف.

4 ـ الحساسية للمشكلات: وهي قدرة الفرد على رؤية المشكلات في الأشياء والعادات، أو النظم، ورؤية جوانب النقص والعيب فيها. ويقصد بها الوعي بوجود مشكلات أو حاجات أو عناصر ضعف في البيئة أو الموقف.

5 ـ التفاصيل: وهي عبارة عن مساحة الخبرة، والوصول إلى أفكار جديدة من خبرات سابقة لدى المتعلم وهي القدرة على إضافة تفاصيل جديدة ومتنوعة لفكرة أوحل المشكلة)[6].

ـ مراحل التفكير الإبداعي:

تتنوع مراحل عملية الإبداع حسب الباحثين فيها. ونختار منها أربعا هي:

(المرحلة الأولى / الاعداد: وهو أن هناك نوع من الإعداد حيث أن القائم على حل المشكلة "العالم أو الفنان" يكتسب معرفة عن المجال، ثم يبدأ في جمع البيانات والبحث عن حل للمشكلة.

المرحلة الثانية / الاختمار: تحدث فترة من الاختمار حيث أن القائم على الحل يضع المشكلة جانباً ويقوم بعمل شيء ما آخر، وكأنما اتخذ لنفسه فترة إجازة وفى هذه المرحلة يتحرر العقل من كثير من الشوائب والأفكار التي لا صلة لها بالمشكلة، وهي تتضمن هضماً عقلياً شعورياً ولا شعورياً وامتصاصاً لكل المعلومات والخبرات المكتسبة.

المرحلة الثالثة / الاشراق : وهي الحل "أو جزء حاسم منه" حيث يحدث فيها إشراق مفاجئ تشبه الفكرة الموجودة في أفلام الكرتون التي تظهر على شكل مصباح ينير فوق رأس الفرد.

المرحلة الأخيرة / التحقق : حيث يتم فيها تصحيح للإشراق، وفي هذه المرحلة يتعين على المتعلم المبدع أن يختبر الفكرة المبدعة ويعيد النظر فيها ليرى هل هي فكرة مكتملة ومفيدة أو تتطلب شيئاً من التهذيب والصقل. وبعبارة أخرى مرحلة التحقق هي مرحلة التجريب "الاختبار التجريبي" للفكرة الجديدة "المبدعة ")[7].

ـ أسس التدريب على التفكير الإبداعي:

ويقوم التدريب على التفكير الإبداعي على أسس منهجية وبيداغوجية وعملية منها: " احترام خيال المتعلم وما يصدر عنه من أفكار وتصورات ورؤى، واحترام منظومة الأسئلة التي يطرحها المتعلم مهما كانت هذه الأسئلة من بساطة أو غرابة أو صوابية وموضوعية، وتقدير أفكارهم وإبداء قيمتها وإظهار الاهتمام بها مهما كانت، والسماح للمتعلمين بالقيام ببعض الاستجابات دون تخويف أو تهديد، والربط المحكم للتقويم ربطا بالأسباب والنتائج " .

كما أنه في بداية تدريب المتعلم على مهارات التفكير الإبداعي في المستويات الدنيا من التعليم الابتدائي وكذلك التعليم الأولي نوظف الأسس التالية: " إثارة الخيال عند المتعلم من خلال أسئلة موجهة، واعتماد موضوع أساس قابل للإضافات الإبداعية عبر أسئلة محددة، وتهيئة البيئة الطبيعية للإبداع، وتدريب المتعلم على مهارات وتقنيات الإبداع عبر حصص متفرقة تستغرق كل واحدة مهارة معينة مع توضيح متطلباتها الفكرية والأدائية واللغوية والتقنية ، واعتماد مجالات إبداعية مناسبة لميولات وحاجيات المتعلم، والانتقال من الموضوع البسيط إلى الموضوع المعقد والمركب ".

ـ معوقات التفكير الإبداعي:

للتفكير الإبداعي معوقات وعقبات عدة تقف أمامه، توجب على الأستاذ أن يعرفها ويتعرف عليها عمليا أثناء التدريس حتى يدفع بالمتعلم إلى تجاوزها، ويخلق عنده الثقة بالنفس لأن المعوقات الشخصية لها دور كبير في كبح التفكير الإبداعي. ومن المعوقات وكوابح التفكير الإبداعي التي تقف أمام المتعلم، وهو يتعاطى مع المشكلات والوضعيات من منطلق إيجاد الحلول والتدخلات الإبداعية نجد:

(صنف الباحثان اساكسن وترفنجرIsaksen&Treffinger عقبات التفكير الإبداعي في مجموعتين رئيسيين نوجزهما في ما يلي:

أولا: العقبات الشخصية:

أ ـ ضعف الثقة بالنفس: الثقة بالنفس عامل مهم في التفكير الإبداعي، لأن ضعف الثقة بالنفس يقود إلى الخوف من الإخفاق وتجنب المخاطرة والمواقف غير المأمونة عواقبها.

ب ـ الميل للمجاراة Conformity: إن النزعة للامتثال إلى المعايير السائدة تعيق استخدام جميع المدخلات الحسية، وتحد من احتمالات التخيل والتوقع، وبالتالي تضع حدودا للتفكير الإبداعي.

جـ ـ الحماس المفرط: تؤدي الرغبة القوية في النجاح والحماس الزائد لتحقيق الإنجازات إلى استعجال النتائج قبل نضوج الحالة، وربما القفز إلى مرحلة متأخرة في العملية الإبداعية دون استنفاذ المتطلبات المسبقة التي قد تحتاج إلى وقت طويل.

د ـ التشبع Saturation: يعني التشبع الوصول إلى حالة من الاستغراب الزائد الذي قد يؤدي إلى أنقاص الوعي بحيثيات الوضع الراهن وعدم دقة المشاهدات. والتشبع حالة مضادة للاحتضان Incubation أو الاختزان المرحلي للفكرة أو المشكلة.

هـ ـ التفكير النمطي: يقصد بالتفكير النمطي ذلك النوع من التفكير المقيد بالعادةHabit-BoundThinking. وقد عده الباحثان اساكسن وترفنجر من أبرز عقبات التفكير الإبداعي. ولتوضيح أثر هذه العقبة أورد ديبونو مثالا رمزيا يتلخص في أن كلبا اعتاد أن يسلك طريقا طويلا للحصول على عظمة يضعها صاحبه في نفس الموقع خلف السياج. ولما كانت أول محاولة ناجحة للوصول إلى العظمة قد تحققت بعد سلوك هذا الطريق الطويل، فقد ظل الكلب متمسكا بها وأصبحت عادة يقوم بها بصورة آلية. ولو أمكن توجيه الكلب لهذه العقبة لأصبح بمقدوره أن يتخلى عن عادته ويكتشف الطريق الأقصر لبلوغ هدفه ...)[8].

وعلى الأستاذ في هذه المنطقة أن يعلم المتعلم كيف يتجاوز المعوقات التي تعترض التفكير الإبداعي، وأن يشجعه، ويخلق لديه الثقة بالنفس، ويحفزه على التفكير الإبداعي بتقديم الجوائز المادية والمعنوية، وبالشكر وبالدرجات الإيجابية، وبمجموع الألفاظ المشجعة كأن يقول له: " إنه حل لم يسبقك أحد إليه " أنت عبقري اقترح حلا جديدا ... وعليه أن يقدم لهم النماذج التي تجاوزت تلك المعوقات وقدمت حلولا عملية إبداعية لمشكلات صعبة، ونجحت في ذلك.

ـ كيفية توظيف التفكير الإبداعي في الدرس المدرسي:

أ ـ التفكير الإبداعي الموجه أولا في بداية تعليم مهاراته:

بما أن الدرس المدرسي الابتدائي المغربي لا يحتوي مهارات التفكير الإبداعي إلا لماما ودون قصد؛ يمكن للممارس البيداغوجي أن يعلم متعلميه مهارات هذا التفكير انطلاقا من بعض الدروس التي تشكل في طبيعتها مشتلا له، من قبيل التربية التشكيلية والعلوم والرياضيات والتاريخ والجغرافيا والتربية الإسلامية واللغة العربية، التي يمكن تضمينها مشاكل وإشكاليات ووضعيات مشكلة تتطلب التفكير الإبداعي في إيجاد حلول لها. ولنأخذ الآن الدرس التشكيلي، ونستقي منه تيمة الأشكال الهندسية، وبالضبط المثلث:

1434  تربية 1

ونطرح السؤال التالي:

ـ نريد تحويل المثلث إلى رسومات متنوعة تعبر عن أشياء أو كائنات؛ فما الإضافات التي يمكن أن تضيفها من أجل ذلك؟

فهذا السؤال سيقود المتعلم إلى التفكير الإبداعي بطريقة شمولية من حيث نوع الإضافات الهندسية والشكلية التي يدخلها على المثلث لإنتاج رسم آخر يعبر عن شيء ما أو إنسان أو حيوان أو نبات ... ومنه يعد هذا السؤال الجوهري مدخلا لقيادة المتعلم إلى إضافة أجزاء معينة للمثلث من أجل إبداعات متنوعة عبر أسئلة فرعية ضمن ما يسمى مهارات التفكير الإبداعي الموجه. ولنضرب لذلك أمثلة من قبيل:

ـ نريد تحويل المثلث إلى براد شاي؛ فما الأجزاء الرئيسية التي يتكون منها البراد؟

الأجزاء هي: ـ رأس البراد أي غطاء فم البراد؛

ـ مقبض أو يد البراد؛

ـ بطن البراد أو وعاؤه؛

ـ عنق البراد أو أنبوبه الذي يفرغ منه الشاي؛

ـ قاعدة البراد.

ـ هل يمكن أن نرسم كل جزء على حدة؟ إذن؛ ارسمها وأحسن رسمها.

والآن ارسم البراد مستخدما مهاراتك التشكيلية، ومستعينا بالرسم التالي[9] الذي سيساعدك في الرسم والذي يجيب عن الأسئلة المطروحة.  

1434  تربية 2

كما يمكن أن نضرب أمثلة كثيرة، منها هذا المثال:

ـ هل يمكن أن تحول المثلث إلى بنت/ فتاة؟

ـ ما الإضافات التي يمكن إضافتها حتى يصبح المثلث جسم بنت؟

ـ الرأس والعنق؛

ـ اليدين؛

ـ الرجلين؛

ـ بعض الزينة.

ـ انجز الرسم مستعينا بالرسم التالي:

1434  تربية 3

وبعد هذا التوجيه في إطار التفكير الإبداعي الموجه، نفتح للمتعلم باب التفكير الإبداعي بناء على إثارة خياله وتحفيزه على التفكير الإبداعي؛ فنطلب منه الآن أن ينجز رسومات مبنية على إضافات مختلفة للمثلث. ولنا العديد من ذلك، حيث يمكن أن يتحول المثلث إلى: منزل ـ قبعة ـ بوق ـ قمع ـ دراجة ـ خيمة ... وإننا؛ إذا أردنا أن نؤلف كتابا للتفكير الإبداعي من خلال المثلث كأرضية للانطلاق، فسوف نفعل ذلك بكل سهولة.

ب ـ التفكير الإبداعي الحر:

ويتم عبر تقديم مشكلة أو مسألة أو وضعية ومطالبة المتعلم حلها أو مقاربتها من خلال أطروحة منهجية أو موضوعية أو أداتية مبتكرة وجديدة لم تعهد في حلها أو مقاربتها. ومثالا لذلك نقدم الوضعية التالية:

لدينا صباغة مائية ألوانها الأساسية هي: الأصفر والأزرق والأحمر، ونريد رسم لوحات للطبيعة؛ ابتكر مشاهد متضمنا فيها ألوانا تعبر عن معطى الطبيعة.

ففي هذه الوضعية يجب على المتعلم أن يعرف الألوان غير الأساسية أي الثانوية والوسطية أو المشتقة، ودرجة اللون فضلا عن معطى الطبيعة المتنوع بيئيا وجغرافيا وموضوعيا ... وهذا سيشكل مساحة كبيرة للتفكير الإبداعي عنده.

هذا؛ ويشكل الإنشاء أو الرياضيات أو العلوم ... أي مجموع الحقول المعرفية مجالا للتفكير الإبداعي نتيجة القضايا التي يطرحها. ويمكن الاستفادة من ذلك.

ـ خاتمة:

وددت أن أضع بين يدي الأستاذ/ة ـ خاصة ـ طريقة توظيف التفكير الإبداعي في درسه المدرسي مهما كان موضوعه ومجاله المعرفي، لينقل درسه من تعليم المعارف والمعلومات والشحن الذهني إلى تعليم أنماط التفكير بما فيه التفكير الإبداعي. وودت منه أن يحاول توظيفه عمليا في الممارسة الصفية حتى يناقش ويدرس هذا المقترح من باب العلم والميدان والتجربة لا من باب التنظير.

 

عبد العزيز قريش

باحث في علوم التربية

....................

المراجع

ـ ذ. عبداللطيف الفاربي وآخرون، معجم علوم التربية، سلسلة علوم التربية 9 ـ 10، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، 1994، ط1.

ـ ذ. إيهاب كمال، فكر أكثر تنجح أكثر، الحرية للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2012، ط1.

ـ د. نبيل علي، العقل العربي ومجتمع المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2009،عدد 370،ج2.

ـ د. سليمان عبد الواحد، سيكولوجية التفكير لدى المتعثرين دراسيا، مصر العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2011.

ـ د. فتحي عبد الرحمن جروان، تعليم التفكير ومفاهيم وتطبيقات، دار الفكر ناشرون وموزعون، عمان، الأردن، 1428/2007، ط3.

ـ د. طارق السويدان ونجيب الرفاعي، الإبداع والتفكير الابتكاري، شركة الإبداع الخليجي، الكويت، 1994.

ـ ذ. امال كاظم مهدي، التفكير الإبداعي، مركز تطوير التدريس والتدريب الجامعي، جامعة الكوفة، جمهورية العراق، 1436ه / 2015 م، وورد.

هوامش

[1] ذ. عبد اللطيف الفاربي وآخرون، معجم علوم التربية، سلسلة علوم التربية 9 ـ 10، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، 1994،ط1،ص.: 257.

[2] ذ. إيهاب كمال، فكر أكثر تنجح أكثر، الحرية للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2012، ط1، ص.:139.

[3] د. فتحي عبد الرحمن جروان، تعليم التفكير ومفاهيم وتطبيقات، دار الفكر ناشرون وموزعون، عمان، الأردن، 1428/2007، ط3، صص.: 76ـ 77.

[4] د. سليمان عبد الواحد، سيكولوجية التفكير لدى المتعثرين دراسيا، مصر العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2011، ط1، ص.: 67.

[5] د. طارق السويدان ونجيب الرفاعي، الإبداع والتفكير الابتكاري، شركة الإبداع الخليجي، الكويت، 1994، ص: 80.

[6] ذ. امال كاظم مهدي، التفكير الإبداعي، مركز تطوير التدريس والتدريب الجامعي، جامعة الكوفة، جمهورية العراق، 1436ه / 2015 م، وورد، ص:7.

[7] د. سليمان عبد الواحد، سيكولوجية التفكير لدى المتعثرين دراسيا، مرجع سابق، صص.:71 ـ 72.

[8] د. سليمان عبد الواحد، سيكولوجية التفكير لدى المتعثرين دراسيا، مرجع سابق،، صص. : 79 ـ 80.

[9] أتقدم بالشكر الجزيل للفنان التشكيلي والكاتب الكبير محمد كريش الذي خطط هذا الرسم، وترجم الأسئلة إلى رسم البراد.

 

 

شوقي مسلمانيالعلاقات القائمة على الخوف لا تقوم سوى على ثنائية الطاعة والعصيان. والطاعة: الولاء، التسليم، الخضوع، إلخ. والعصيان: العقوق، النشوز، الخروج، إلخ. ويقول سعيد ناشيز مضيفاً: أمّا علاقات الاحترام فهي قائمة على الاعتراف المتبادل والمتكافئ بين ذوات مستقلة.  الاحترام مثل الحبّ، إن لم يكن متبادلاً ومتكافئاً فإنّه سرعان ما يفقد معناه. الخائف من الله أو من الطبيعة أو من السلطة لا يمكنه أن يكون مواطناً بأي معنى من المعاني ولا بأي حال من الأحوال، بل يصبح مجرّد رعيّة تنقاد مع القطيع انقياداً غريزيّاً. المواطنة تقتضي أوّلاً وقبل كلّ شيء وجود ذوات حرّة، واعية، مستقلّة، تحكم نفسها بنفسها، وتمتلك حدّاً أدنى من المسؤولية، والصدق، والالتزام. أمّا ثقافة الخوف فإنّها تنتج في الحساب الأخير كائناً منافقاً يصدق عليه الحديث النبوي: "إذا أؤتمن خان، إذا حدّث كذب، إذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".

2 ـ

 الوسيلة الأكثر نجاعة، يقول شادي علاء الدين، لمحاربة تنظيم مثل "داعش"، مثالاً لاحصراً، تكمن في السخرية، وفي نوع خاصّ من السخرية، يلاحق كلّ فعل من أفعال هذا التنظيم، يلصق به قراءة ساخرة، تسلخ عن جسده ذلك الهول الذي يريد التحكّم بنا من خلاله، تحويل الهول إلى حالة كاريكاتورية فاقدة للسلطة واجب علينا، كان كتاب "إسم الوردة" ـ رواية "لأمبرتو إيكو" الذي يتحدّث عن السخرية والضحك ـ ممنوعاً منعاً باتّاً، وصل الأمر إلى حدّ تسميمه. صار الموت مصير كلّ من يطّلع عليه، الكاهن الذي قام بهذا الفعل برّر الأمر قائلاً أنّ الإيمان من وجهة نظره قائم على الفزع، وأنّ السخرية تضرب الإيمان، لأنّها تضرب الفزع، المؤسّس له بالصميم. هذا ما يحاول "داعش" صبّه على حياتنا كي يحوّلنا إلى كائنات فزع. السخرية هي السلاح الأمضى، لأنّها، إضافة إلى كونها تقضي على هالة الفزع التي يبثّها، تحمل في روحها وجوهرها طاقة فرح وعقلنة لا يستطيع هذا التنظيم ـ المتجهّم ـ العيش في ظلالها.

3 ـ

قبل نحو 1400 سنة، وفي الفسطاط ـ القاهرة، عاصمة مصر اليوم، يقول محمّد نزّال، ألقى عمرو بن العاص ومعاوية بن حديج القبضَ على إبن الخليفة الأوّل محمّد بن أبي بكر، وكلاهما ابن العاص وابن حديج مِن ولاة الخليفة معاوية بن أبي سفيان. قُتل ابن أبي بكر. التاريخ مليء بتفاصيل قتله. وضعاه في جوف حمار ميّت وأحرقوهما معاً. ما مِن مؤرّخ تقريباً أو محدّث إلا وذكر هذه القصّة، ومِنهم الطبري وابن كثير والطبراني وابن سعد ـ في طبقاته الشهيرة ـ  والنووي وابن حيّان والبلاذري.

4 ـ

كلّما انحازت الثقافة إلى الجديد ضدّ القديم، كلّما انحازت الثقافةُ إلى التغيير ضدّ الثابت، إلى النار ضدّ الرماد، إلى الحياة والحلم، أضُطهدت وأضُطهد المثقّفون، أحبّاء الحريّة والآفاق الرحبة. إنها البداهة، كما يقول مهدي عامل، في ضرورة أن يكون المثقّف ثائراً، أو لا يكون، وفي ضرورة أن تكون الثقافة للفرح الكونيّ ضدّ كلّ ظلاميّة أو لا تكون. 

5 ـ

"الأزهر"، يقول محمّد نزّال، لا يزال، ونحن في القرن الحادي والعشرين للميلاد، يُدرّس مُقرّر "الإقناع في حلّ ألفاظ أبي شجاع" ـ المُقرّر الذي يُعطى للصف الثالث السنوي، ومتنه في الفقه الشافعي، يَرِد فيه حرفيّاً أنّ: "للجائع المُضطر قتل مرتدّ وأكله ولو كان صغيراً أو امرأة، وله قتل الزاني وتارك الصلاة، وإن لم يأذن الإمام في القتل. كلّ هذا الإثم ويسألونك عن "داعش"؟.

6 ـ

جيل اليوم، جيل الشباب تحديداً، الذي باتت "تدلّس" عليه المؤسسة الدينيّة، يقول محمّد نزّال، تخفي عنه الحقائق التاريخيّة، ولعجزها عن مواجهته في تبرئة نفسها مِن "الداعشيّة" وتراثها، هذا الجيل لا تعنيه جدالات عقيمة مِن قبيل نفي التجسيم أو إثباته، أو مبحث القضاء والقدر، بل تعنيه وترهقه وتخجله أمام نفسه أولاً وأمام العالم ثانياً قضايا مثل الذبح بإسم الإسلام، الصلب والحرق وقطع الأيدي والأرجل مِن خِلاف، الحرق للأحياء والأموات، الرجم حتى الموت، وبتر الأيدي والرمي من شاهق،  أخيراً وليس آخراً القتل على "الردّة". كلّ هذا كان قبل "داعش". أليست هذه الأحكام مُقرّة عند جميع المذاهب؟. أي مذهب اليوم لا يُقرّ حدّ الردّة؟. إنّه عند الجميع، عند السُنّة والشيعة، وهذا ما يصرخ مِنه جيل اليوم. إلى متى ستُعتمد سياسة التلطي خلف الأصبع؟. ما مِن أصبع بعد اليوم مهما اتسع يمكنه مواراة "سوءة التراث" الذي انكشف وانفجر في وجه الجميع.

7 ـ

ويقول الأستاذ جميل عبدالله في كلمته حول الدولة وصراع المذاهب: لم يبرهن التاريخ السياسي الإسلامي فقط إنما برهنت جميع التجارب التاريخية للمجتمعات الإنسانية التي تبنّت الدولة فيها ديناً معيناً أنّه في اللحظة التي يتّفق فيها تحوّل السلطة الروحية للأديان الى سلطة دنيوية أو زمنية تصبح تلك الأديان نفسها الضحية الأولى لذلك التحوّل، وذلك بسبب التعارض بين دعوة الأديان لعامّة الناس الى تطبيق مثُل روحيّة عليا في دنياهم لتحقيق هدف سماوي، أي لتأمين الولوج الى جنّة الله في السماء، وبين متطلّبات حكم سياسي دنيوي تحكمه مصالح طبقيّة وفئويّة تسعى الى تأمين سيطرتها على البلاد والعباد لبناء جنّة صفوتها على هذه الأرض، ومن خلال التجارب المسيحيّة والإسلاميّة بما يخصّ تبنّي الدولة لدين ما أو تحوّل الدين من خلال تطوّر عضوي الى سلطة دنيوية ـ في حالة الإسلام ـ  ففي كلتا الحالتين أفضى فرض دين الدولة على رعاياها الى إستبداد ديني أدّى بدوره الى إستبداد سياسي، إذ إنّ إقامة السلطة السياسيّة على قاعدة دينية تجعل الحاكم حاكماً بإرادة الله وظلّه في الأرض، لا يُعصى له أمر ولا يُخالف له رأي، وفي هذه الحالة تحتجِز السياسةُ الدينَ وتوظّفه لشرعنة سلطات الحاكم.

8 ـ

ويرى سبينوزا، كما يقول حسّونة المصباحي، إن الكثير من الناس يستخدمون الدين ذريعة ليفعلوا ما يشاؤون، وفضلا عن ذلك فالإنقسام الى ملل لا ينشأ عن رغبة صادقة في معرفة الحقيقة، لأن هذه الرغبة تؤدي إلى الطيبة والتسامح، بل تنشأ عن رغبة أو شهوة عارمة للحكم.

9 ـ

بالأمس كان صدّام حسين عند بعض المفتين بطل القادسية، يقول حسن أسعد، وحتى أنّ بعض الشعراء في الكويت ألبسه ثوب النبوّة. وبعد مضي فترة وجيزة قالوا أنّه كافر بعثي. ويوجد اليوم من يقول عن ملك السعودية، ومن داخل المذهب الوهّابي، أنّه خادم الحرمين. يوجد اليوم أيضاً من أفتى بقتله. وهناك من "العراعير" من لا يعرف ألف باء القراءة أصبح بين ليلة وضحاها رمزاً من رموز الحركة الداعشية. هناك مِن ساسة لبنان من ألبس نفسه ثوب القداسة والرسالة، ويردّد قائلاً أنّ "الذي لا يريد أن يتكلّم معي هو مثل إجري". تركيّا ترى أنّ داعش أمر شرعي. وهناك في السعودية من يرى الشيء ذاته لجبهة النصرة. هناك من يقول كذا هو حال التاريخ، كلّ واحد يؤرّخ حسب ما يراه مناسباً له،  والحقيقة هي عند الذين يقرأون ويتدبّرون من دون تعصّب أو تحيّز. 

10 ـ

في قدّاس الواجهة البحرية للعاصمة اللبنانيّة بيروت كان البابا، كما يقول جان عزيز، طيلة الوقت ينظر صوب البعيد، إلى الخلف النائي ببحر البشر، كان يقلّب عينيه على موج المصلّين صفحاتِ إنجيله، كانوا يأتون من البعيد مشياً أياماً ليسمعوا المعلّم، كان يتطلّع صوب الأفق بحثاً عن نازفة من كرامتها، من حرّيتها أو إنسانيتها، في تلك الأرض المطمورة على حقوق الناس. لم ينظر أبداً إلى الصفوف الأماميّة، هؤلاء وصلوا في سياراتهم الفاخرة إلى خطوات من المذبح، لم تغبّر طريقٌ نعالَهم، لم يرطّب جباههم تعب كما في كلّ حياتهم.

11 ـ

إنّها المصالح، هي الأصل في عالم شهوة السلطة وعبادة المال والغرائز الحيوانيّة، لا دين ولا مذهب ولا من يركعون ولا من يسجدون ولا من يبكون أو يتباكون!.

12 ـ

وأخيراً قيل أنّ "الرأسمالي جاهز لارتكاب الكذب من أجل ربح بقيمة عشرة بالمئة، وجاهز لأن يخون شرفه من أجل ربح بقيمة عشرين بالمئة،  وجاهز أن ينتهك كلّ الشرائع من أجل ربح بقيمة ثلاثين في المئة، ومستعدّ من أجل الربح أن يبيعك حتى الحبل الذي قد تشنقه به".

 

شوقي مسلماني

 

ماهر حميدتوطئة: تمثل النظرية النقدية النسوية منذ نشأتها في مطلع ق19ع، إلى يومنا هذا جزءاً لا يتجزأ من علم الاجتماع الأدبي، وهذه مسألة يجب التوقف عندها للكشف عن مبادئها الأولى، ومدى ارتباطها بالواقع الاجتماعي للمرأة، ولا سيما بعد أن أصبحت في ق20، نظرية في مجال النقد النسوي للإيديولوجيا الذكورية المبني على أسس ماركسية، ثم أخذ علم الاجتماع بالاهتمام بها والعمل على تفكيك بنائها، وتحليل التجارب النسوية الخاصة بها، كونها هي البداية الحديثة والطريق المجتمعي الأسلم لتحقيق الإنجاز والخلاص بالنسبة للنساء عبر التحرر من السطلة الذكورية وتجازها(1)، والعمل على تحقيق نوع من الاستقرار الذاتي من خلال الإيديولوجيا النسوية المضادة للإيديولوجيا الذكورية ونقد سلطتها والتحرر من قيودها الاجتماعية.

النظرية النقدية النسوية:

تُعد النظريات الكلاسيكية الأساس النظري الذي تنطلق منه كل المحاولات الجديدة لتأسيس نظريات مغايرة، بعد أن تستمد منها أسسها الأولى أو ما يمكن أن نسميه (أنظمتها المعرفية) التي تمثل مبادئها الرئيسة فيما بعد .

ولهذا كانت كل المحاولات النظرية / التنظيرية للنظريات الكلاسيكية في ق19ع، تركز على تحديد إمكانية التقدم في اتجاه التنظير الإنساني، ومن هنا أصبحت النظريات النسوية منشغلة بالمشروع السياسي لتوضيح كيفية فهم الظروف الاجتماعية التي تعيشها المرأة، من أجل اتاحة الفرصة لإعادة بناء عالمهن الخاص والتقدم المحتمل في طريق الحرية والتحرر(2).

فالنظريات أي كان نوعها سواء كانت اجتماعية أم نقدية لا يمكن لها أن تأتي من فراغ، مثلها مثل الأدب، إلا إذا كانت هناك رؤى وتصورات سابقة تؤسس لها، فما أريد قوله هنا والتأكيد عليه هو أن النظرية النقدية النسوية قد استمدت مفاهيمها الأساسية من النظرية النقدية الماركسية التي كانت ولا زالت تدعو إلى العدالة الاجتماعية عبر تطبيق الأنظمة الاقتصادية العادلة وتحقيق نوع من التوازن بين البينة الفوقية والبنية التحتية، الأمر الذي يضمن لجميع الأفراد حق العيش بحرية ورفاهية، فالماركسية بدعوتها إلى العدالة والحرية والمساواة بين طبقات المجتمع وعدم التمييز العنصري والجنسي، فهي قد قدمت بهذا وغيره الوسيلة النظرية للمرأة لكي تأخذ مكانها الحقيقي في الحياة الاجتماعية.

وهنا ظهرت النظرية النقدية النسوية الماركسية التي ترى أن تبعية المرأة قائم على خدمة احتياجات الرأسمالية، حيث أن العلاقات الاقتصادية والسمات الفكرية لنمط الإنتاج الرأسمالي التي يجب أن تبحث في أبنية عدم التمييز السيئة بين الجنسين، وتعوق حياة المرأة المتعارضة مع الرجال، وحل مشكلة اضطهاد المرأة، فأن هذه القضايا وحلها يقع على عاتق تحطيم الرأسمالية، فضلاً عن أن الحرية النسوية يمكن أن ترى من خلال التحيز الجنسي(3)، وهذا هو أحد أهم الأسباب وراء حيوية النظرية الماركسية وديمومتها الفاعلة عبر العصور منذ نشأتها إلى يومنا هذا، على الرغم من النظريات التي جاءت بعدها إلا أنها لا تزال محافظة على مركزيتها النقدية في الدراسات الأدبية والنقدية على حد سواء.

ولهذا تعد النظرية النقدية النسوية نظرية للتحرر من الأفكار القمعية المقيدة للمرأة، ولكنها تؤكد على أن التقسيم الطبقي – وليس العلاقات بين الجنسين – هي أصل القمع الذي تتعرض له المرأة(4).

مثال ذلك هو مشاركة المرأة  في العمل بعد أن غاب العمال أثناء الحرب العالمية الثانية من أجل المشاركة في الحرب، بعد أن كان هناك تحيزاً جنسياً في العهود السابقة ضد عمل المرأة، وشك في قدراتها البدينة في القيام بالأعمال الموكلة إليها، وفجأة  ظهرت الحاجة الملحة إلى عمل المرأة في الصناعات الثقيلة، ولكن في حالة السلم تم استبعادها عن هذا العمل، وقدمت حينئذ الإيديولوجيا الذكورية مبرراتها بعدم مناسبة هذه الأعمال وقدرات المرأة الجسدية والنفسية وحتى العقلية، وهنا يظهر دور الإيديولوجيا الذكورية في قمع المرأة واضطهادها إنسانياً قبل اضطهادها اقتصادياً ومن ثم استغلالها جنسياً من أجل إشباع الشهوة الجنسية الذكورية.

ولذك كانت الحركة النسوية وما أنبثق منها من نظرية قائمة على مبادئ ذات رؤية واضحة وأهداف محددة تسعى من خلالها إلى "تغيير المواقف قبل تغيير الظروف القائمة . فحاولت معظم كاتبات هذه الفترة تغيير النظرة تجاه المرأة"(5)، فكان هدفهن الاعتراف العام بالحركة النسوية كحركة عالمية، ومحاولة إيجاد الشعور عبر خلق الإحساس بتاريخ المرأة الأنثوي، بل ومحاولة امتلاك هذا التاريخ وتحديده(6).

بعد هذا أصبحت المرأة تشكل عاملاً مهماً، بل ومن أعظم العوامل المؤثرة في بناء المجتمعات الإنسانية(7)، بعد أن دخلت عالم التكنلوجيا وأخذت مكانها الحقيقي إلى جانب الرجل، والسيطرة على مراكز القوة الاقتصادية لتعلن عن وجودها الإنساني أولاً، ولتثبت قدرتها على مواكبة الرجل ومسايرته في الحياة الاجتماعية ثانياً، والسعي إلى تحقيق رغباتها المكبوتة وتطلعاتها المدنية لإشباع رغباتها ثالثاً، ولا سيما الجنسية منها.

ولهذا نجد في الثقافة الأمريكية، ولاسيما في الطبقة الوسطى الصاعدة، بدأ يُنظر إلى المرأة على أنها مثال الكمال إذا استطاعت التوفيق بين العمل والأسرة، الأمر الذي يعني امتلاكها القدرة التي تجعلها أن تكون جذابة في المكتب وعند طاولة الإفطار على حد سواء، وأنها لن تكون متعبة لتحضير العشاء، والقيام بواجباتها المنزلية والاهتمام بأولادها وإسعاد زوجها جنسياً(8)، فهي بهذا تتمكن من مواكبة الرجل ومنافسته من أجل السيطرة على مراكز القوة الاقتصادية في المجتمع، وبذلك تثبت وجودها، وتحقق تطلعاتها النسوية تدريجياً على الرغم من الإيديولوجيا الذكورية وسطوتها الاجتماعية.

فالنسوية تعمل من أجل تغيير الاعتقاد الذي أشاعته الذكورية بأن الرجال متفوقون على النساء لتبرير استحواذ الذكور على مراكز القوة الاقتصادية والسياسية والمحافظة عليها، أي المحافظة على إضعاف النساء بحرمانهن من التمركز الثقافي والسيطرة في مراكز القوة الاقتصادية المسيطر عليها ذكورياً. فالمكانة المتدنية اجتماعياً التي وضعت فيها المرأة قد تكونت ثقافياً وليس بيولوجياً، ومثاله الادعاء الذكوري الذي يفترض بأن النساء يعانين من الهستيريا أكثر من الرجال، هو افتراض ذكوري وليس حقيقة(9) علمية مكتشفة من قبل الدراسات الطبية أو النفسية التي يمكن لها أن تشخصها بدقة عالية يمكن الاطمئنان إليها.

فالإيديولوجيا الذكورية لها دورها الفعَّال  في قمع تطلعات المرأة الراغبة بالانعتاق والتحرر من القيود الذكورية التي تجعل من المرأة مجرد شيء لإشباع الرغبات الجنسية الذكورية، ولهذا ينظر إليها دائماً من قبل الرجل على أنها الآخر، رافضاً في الوقت نفسه الاعتراف بعجزه عن قيادة الجنس البشري وحده، دون مساندة المرأة ومساعدتها له(10)، معتقداً بأن وجود المرأة مرهون فقط برغباته الجنسية وإشباعها.

بعد هذه النظرة الذكورية المؤدلجة للمرأة التي لم تضعها في مكانها الاجتماعي الصحيح، الأمر الذي حتم على إيجاد منهج نقدي لدراسة واقع المرأة، فلم يكن غير النقد النسوي الذي تبلورت مفاهيمه الأساسية عبر الرؤى النظرية للنسوية فأصبح منهجاً لدراسة "النصوص والتحليل الثقافي بصفة عامة"(11)، فضلاً عن أنه يهتم وبشكل كبير بالمسائل الحيوية المرتبطة بالجنوسة، وبالكيفيات التي تشكلت بها صورة المرأة، وبطبيعة والاستغلال الجنسي لجسدها، إلى جانب تركيزه على أدوار المرأة في الحياة اليومية، وعلى وعيها من حيث ارتباطه بحياتها، وعلى سيطرة الرجل في أماكن العمل، وعلى علاقاتها الجنسية وغيرها(12).

بعد هذا أصبح واضحاً هدف النظرية النقدية النسوية، وما هو الدور الذي يؤديه منهج النقد النسوي في دراسة واقع المرأة الاجتماعي وكل ما ينتج عنه من ظواهر محللاً إياها ومقدماً الحلول المناسبة لها، لكي تستطيع من خلالها المرأة مواجهة السطلة الذكورية وقيودها الإيديولوجية التي تحد من حريتها، وإلغاء وجودها الإنساني، ولاسيما بعد مصادرة دورها في الحياة الاجتماعية، والإبقاء عليها خارج مراكز السيطرة والقوة الاقتصادية؛ لغرض إشباع الرغبة الجنسية.

 

الباحث ماهر حميد

جامعة البصرة – كلية الآداب

......................

الهوامش:

1-  ظ: النظريات الاجتماعية والممارسة البحثية، فيليب جونز، ت: ياسر الخواجة:.

2-  ظ: م . ن: والصحيفة نفسها.

3- ظ: النظريات الاجتماعية والممارسة البحثية:.

4-  ظ: م . ن، والصحيفة نفسها.

5-  النسوية وما بعد النسوية، سارة جامبل ، ت: أحمد الشامي:.

6- ظ: م . ن:.

7- ظ: المرأة في عصر الديمقراطية، إسماعيل مظهر:.

8-  ظ:  النظريات النقدية المعاصرة – الدليل الميسر للقارئ، لويس تايسون، ت: أنس عبد الرزاق:.

9-  ظ: النظريات النقدية المعاصرة – الدليل الميسر للقارئ:.

10- ظ:  النظريات النقدية المعاصرة – الدليل الميسر للقارئ:، و ظ: مدخل في نظرية النقد النسوي وما بعد النسوية، حفناوي بعلي:.

11-  مدخل في نظرية النقد النسوي وما بعد النسوية:.

12- ظ: م . ن، والصحيفة نفسها.

 

 

قاسم حسين صالحللكذب سببان، اما لحماية انفسنا اومن نحب من اذى معنوي او مادي، او الحاق اذى مادي او اعتباري بآخر او آخرين.غير أن  نظرية الجينات ترى أن الرجل الذي يخون زوجته مع أخريات ولا يستطيع التوقف، مصاب بجينة وراثية اسمها "جينة الخيانة"، ما يعني أن المستقبل قد يشهد زوجة تأخذ زوجها الذي لا يكف عن خيانتها الى جراح اختصاصي في قلع جينات الخيانة ليقلعها وترتاح ويرتاح!. والمدهش ان الباحثين اكتشفوا جينات للكذب في التركيب الداخلي لجسم الانسان!.وطبعا، لن يشهد المستقبل انشاء مختبرات لقلع جينات الكذب، لأن كبار السياسيين وأصحاب الشركات ورجال الأعمال لن يسمحوا بذلك، كونهم يعيشون على الكذب القائم على الخداع وتقديم المعلومات الزائفة في صورة تبدو كـأنها حقائق.

والمشكلة أننا نكون احيانا في حيرة من أمر شخص بعينه ما اذا كان يكذب أم يصدق.ففي فضيحة الرئيس كلينتون مع مونيكا التي اطلق عليها "فضيحة العصر"..انكر كلينتون بشدة وأكد علانية " أنه لم يقم أي علاقة جنسية مع تلك المرأة". وانقسم الناس بين من تعاطف معه وبين من هاجمه بقسوة.الا ان مؤلف "جهاز كشف الكذب" أعلن أن نبرات صوت الرئيس كلينتون وهو ينطق تلك العبارة توحي بأنه يمكن أن يكون أقام علاقة معها فعلا.

والواقع أن جهاز كشف الكذب الذي "يشخّص" الكاذب،  يقوم على قياس تغيرات فسلجية ناجمة عن انفعالات نفسية تحدث في اثناء استجوابه من قبيل سرعة نبضات القلب وسرعة التنفس والتعرّق..قد لا ينجح في مهمته مع كاذب محترف يعرف "قوانين" اللعبة. وثمة مفارقة، ان هيئة النزاهة العراقية كانت قد صرّحت قبل سنوات بانها ستستخدم جهاز كشف الكذب في انتقاء الموظفين الجدد..ونصحناها في حينه ان العراقيين سيجتازونه بامتياز!.

وصفة "سحرية"

أليك تقنيتها..ان استخدمتها لن يخدعك كاذب..شرط ان لا تكون مع شريك حياتك!

* العيون.

نظرات عيون الكاذبين..دليلك لكشف كذبهم .فالشخص الكاذب يتفادى النظر اليك حتى لا تكشف عينه مشاعر القلق والخوف التي تعتريه.. لأن العين تشي بالقلب.. ولهذا نقول لمن نشك في قوله: "أشو خلّي عينك بعيني". وغالبا ما يرفض الكاذب أن يقف أو يجلس أمامك وجها لوجه، وان جلس فأنه ينظر الى الأسفل، بعكس ان تنظر الى كلب او قطة، فانهما يضعان اعينمها بعينيك لأنهما صادقين!.

* الأبتسامة

الكاذبون قليلا ما يبتسمون، واذا ابتسموا.. فعلوها بتكلّف، تكشفه عضلات الوجه الخاصة بالفرح.فملامح وجوهنا وابتساماتنا العفوية ، تظهر ما بداخلنا من مشاعر وانفعالات على الوجه كله فيما الابتسامة المصطنعة تؤثر في جانب واحد من الوجه!

* الأذن والأنف والفم

الكاذب يحك خلف أذنه وظهر عنقه، وكثيرا ما يلمس انفه.. وتفسير ذلك ان الكذب يجعل اطراف الأعصاب الدقيقة في الأنف تستشعر وخزا خفيفا يستدعي حكها بلمسة خفيفة. ولك ان تلاحظ اننا غالبا ما نغطي افواهنا،  عيوننا،  آذاننا بايدينا عندما نسمع او نرى كذبا او خداعا،  او نتكلم كذبا او خداعا. واعلم ان صاحبك اذا غطى فمه وانت تتكلم فان ذلك يعني انه يشعر انك تكذب،  واذا قام بفرك عينه وانت تتحدث اليه فهذا يعني انه لا يريد النظر الى كذبة انت تقولها.

تلك دلالات قد لا تصدق على كل الأفراد ولا في كل الحالات،  غير أنها تساعدك في التشخيص ان استخدمتها "صح".

ومع ان كل أنواع الكذب مضرّة، وكل الكاذبين قبيحون، فان اكثرها ضررا هو الكذب السياسي، وأقبح الكاذبين هو السياسي الفاسد الذي دمغ وسط جبينه ليخدع البسطاء من الناس بأنها من أثر السجود!

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

محمد كريم الساعديبعد ظهور التّقنيات الرّقمية وإزدياد الحاجة إليها فيْ بناء الوعي المعرفي الجديد، فقد يتخذ من العلوم التّقنية المتقدمة وسائلاً للبحث والتقصي، عن معلومات جديدة قد تقلل من معاناة المتلقي، في ظل الظرف الصحي الراهن الذي جعل العالم يبحث عن طرائق فعالة في التعلم والتسوق والمبادلات التجارية وغيرها، بالإضافة الى تبادل الخبرات والمعلومات الصحية وغيرها والبحث عن التواصل عن بعد الذي انتجت مصطلح التباعد الأجتماعي، بعدما كان التقارب الأجتماعي والاستخدامات الخاصة بالتعامل المباشر الذي كان موجود. لذا فأن ما يقدمه التّلقي الرّقمي، بوصفه أداة معرفة توفر المعلومة بأقلِ جهدٍ على الرغم من خطورة هذهِ المعلومة، كونها قد لا تعود إلى مصدر موثوق به، من حيث الأمانة العلمية أو الأثر الرجعي لهذهِ المعلومة، لكنه فيْ الوقت نفسه يصبح مفتاحاً مهماً للعديد من المعارف والفنون والعلوم المراد الوصول إليها، ومما يتطلب في ذلك متلقي ذات سمات ومميزات جديدة، يختلف عن المتّلقي التّقليدي  ذات النّظرة السّابقة، المستندة إلى وسائل أقل تقدماً من الوقت الحالي، كما فيْ الوسائل الورقية المعروفة من كتابٍ وصحيفةٍ ومجلةٍ، وكذلك الوسائل البصرية الأخرى، مثل السّينما والتلفاز، أو السمعية، مثل الراديو وغيرها، والتّي كانت فيْ أغلبها تعمل بشكلٍ منفصل عن بعضها البعض، أما فيْ الوسائل والتّقنيات الحديثة، فهي قد تشترك مع بعضها لبعضٍ فيْ إيصال وتوفيْر المعلومة، مما يتطلب من (المتلقي / التّلقي الرّقمي) أن يكون مستنفراً لحواسهِ كافة دفعةً واحدةً خلافاً لما كان فيْ السّابق،  أي " بعدما كان الواقع الفعلي يُتلقّى حسياً يعمل الإنسان (مبدعاً أو مفكراً) على تمثيله، (اما ذهنياً / مخيالياً)(الإبداع الأدبي)، أو عقلياً منطقياً (الفكر)، ها هو نص الواقع الإفتراضي لا يعود الا فائقاً فيْ تلقيه، أي تشترك فيْه المعرفة المسموعة والمقروءة والمرئية دفعة واحدة، وهذا يعني أن معرفة العصر الحسية تستدرج سائر الحواس مجتمعة بوتيرةٍ واحدة"(1) .

وهنا تأتي عملية التّغيير فيْ التّلقي، الذّي أصبح أكثر استنفاراً من حواس التّلقي الرّقمي، أي إن هذا النّوع من التّلقي يجب ان يتصف بالآتي :

1- التّحفيز والمشاركة للحواس لدى المتلقي، كونه يواجه نصاً جديداً، يحمل فيْ تكوينهِ العديد من وسائل الجذب، التي تحتاج إلى تعزيز الحواس من أجل متلقي واعي بطريقةٍ مغايرة عن المتلقي العادي.

2- إن هذا التّلقي يدخل فيْ جمع معلومات مشتركة، فيْها كل بعد من الأبعاد البصرية والسّمعية والحركية، لأن النّص المتلقاه لا يقتصر على الكتابة فقط، أي حروف النّص؛ بل من الممكن أن تدخل الصّورة الثّابتة والمتحركة والصّوت معاً فيْ إجتماع كلي لباث مختلف عن الطّرق التّقليدية فيْ الإنتاج الإبداعي.

3- طريقة إنتاج النّص سواء كان (مكتوباً أو مرئياً أو مسموعاً)، يحمل معه كثافةً فيْ الطرح المعرفي، لأنه نصاً ابداعياً، يحمل فيْ مضامينه أفكاراً تأخذ مدى أوسع وأعمق من النّص التّقليدي الأحادي الجانب، مع العلم إن هذا النّص فيه أبعاداً متعددة، قياساً لكثرة الوسائل المشتركة فيه بوقتٍ واحد من خلال الجهاز الإلكتروني، الذّي يُعدّ من أهم الوسائل الإلكترونية القابلة لإنتاج المعنى لهذهِ الأشكال المعرفية.

من هنا نتكلم عن النّص، الذّي يُعدّ هو المعيار الأساسي فيْ وسائل الإتصال الحديثة، وليس على كل ما يكتب؛ لأن النّص الذّي يحتوي على هذهِ الإمكانيات المعرفية، هو من يؤثر وينتج متلقي ذات مواصفات معينة، يتواصل معرفياً معه، أي ينتج طريقةً تّلقي رقّمي، تجعل من هوية المتلقي تابعةً ومنقادةً لهذهِ الطّرق الحديثة فيْ البثِ التّقني، مما يجعل التأثر أكبر لهويتهِ المحلية بما يقدم.

لذا فأن من أهم مواصفات النّص الرّقمي الذّي يصنع متلقي رقمي مغاير للمتلقي التّقليدي غير الرّقمي (التّقليدي)(2):

1- هو نصٌ مترابط يحتوي على العديد من الوسائل المتداخلة، التّي تسهم فيْ إنتاج معرفي متداخل، بين هذهِ الوسائل البصرية السّمعية الحّركية، ذات الطّابع التّقني المتشكل على طريقةِ الإتصال الرّقمية الحديثة، وعلى الأفكار المتشعبة فيْ بنياته.

2- هو ذات مفهوم (سيبرنصي)، ذات دلالات تتصل بشكل بنائهِ، إذ يعطي بعداً اعقد من النّص ذات التّلقي غير الرّقمي.

3- يستخدم فيْ إنتاج هذا النّص إمكانيات وبرامج رقمية، من روابط وصور ثنائية وثلاثية الأبعاد، وعقد وازرار مختلفة الملامح، تجعل من هذا النّص جسداً متشعباً متمرداً على كل الأنماط الخطية التّقليدية.

4- ليس لهذا النّص بدايات ونهايات، كما فيْ النّصوص التّقليدية السابقة؛ بل هو نصُ ينتجُ من مفاصلٍ ومفاتيح متعددة، لولوج فضاءات مفتوحة، فهو يقرأ ويسمع ويشاهد، وتمتزج فيْه مختلف الاشكال التّعبيرية.

أما ما يوفره النّص، فهو بوصفهِ مادةً إبداعيةً، ذات بنية تحمل العديد من الدلالات والمعاني، إستناداً لكون هذا النّص يحتوي طريقةً لتلقيه، تحمل من سماتهِ صورتها ومعناها، فهذهِ الطّريقة تسمى بالتّلقي الرّقمي؛ كون النّص وعملية تلقيه، تعتمد بشكلٍ أساسي على طبيعة هذا المعطي الفني والأدبي والإعلامي، وغيرها من الجوانب الأخرى كالسّياسة والإقتصاد والإجْتِماع وغيرها؛ لذلك فأن هذا النّص الرّقمي يعطي دوراً تفاعلياً فيْ داخل عملية التّلقي الرّقمي للقارئ / المتلقي فيْ هذهِ العملية. اذ يتميز هذا الدور بالآتي:"

1- إنه حرية التّنقل التّرابطي بين أجزاء النّص.

2- الإنتقال إلى خيارٍ مفضل من مجموعةِ الخيارات.

3- الإجابة على السّؤال؛ بحيث تقرر الإجابة وجهة النّص الجديدة.

4- الطّلب من المتلقي أن يتخذ قراراً ما، عند نقطة معينة ونقله إلى جزءٍ من النّص، يتركب على ذلك القرار.

5- تمكين المتلقي من تغيير الألوان، وإختيار الخلفيْات الرسمية، وإستغلال خياراته لتوجيه النّص، وهناك إمكانيات كثيرة أخرى، يمكن للمنشئ إبتكارها لتوليد التّفاعل بينه وبين المتلقي " (3).

أما عملية إدراك المتلقي فيْ عملية التفاعل الرّقمي، فهي تنطوي على تفاعلات مختلفة الأبعاد ومنها:

1- ما يرتبط بالنّص ذاته، وآلية تشكيل المعنى المنطلق، حسب التّلقي الرّقمي لهذا النّص أو ذاك، حسب طبيعة المرسل والمستقبل، كون العملية تخضع فيْ اطارها الرّقمي للفضاء المعرفيْ بين النّص ومتلقيه.

2- لا يحكم النّص عملية التّلقي الرّقمي؛ بل ان المتلقي فيْ فضاءِ التّلقي الرّقمي، هو من تكون لديه عملية الوصول إلى المعنى المحدد، من خلال إختيار ما هو أفضل فيْ عملية الإختيار الرّقمية، التّي يتم تداولها فيْ داخل فضاء التّلقي الرّقمي مع النّص.

يفرض على مزاج المتلقي فيْ فضاء التّلقي الرّقمي، الإطار العام بآليات التّلقي،أي أن يدلي برأيهِ فيْ شكل الخلفيْات وألوانها، وتوجيه النّصوص يوفرها من يعمل على بثِ نصهِ الرّقمي، ففيْ فضاء التّلقي الرّقمي كخيارات تسهم فيْ بلورة هذا المزاجُ وطبيعة التّلقي فيْ هذا الفضاء.

ان فضاء التّلقي الرّقمي يتميز عن فضاء التّلقي التّقليدي بعددٍ من الصفات، التّي تجعل من التّلقي الرّقمي يحظى بأكبر مساحة معرفيْة من التّلقي التّقليدي، من حيث إن الفضاء فيْ التّلقي الرّقمي، يوفر مساحة افتراضية، وخزين معرفيْ بالمعلومات أوسع وأكبر حجماً من فضاء التّلقي التقليدي؛ لذلك فأن الخبرات التّي يوفر الفضاء الخاص بالتّلقي الرّقمي هي: "

1- السّرعة: فعملية النّشر الّإلكتروني، تتم فيْ وقتٍ قصير، مقارنة بالوقتِ الذّي يتطلبهُ النشر الورقي، وبالتالي توفر الزّمن وإختصاره.

2- السّهولة: تتم عملية النّشر الرّقمي بسهولةٍ ويسرٍ.

3- اختصار المسافات، وتوفيْر الجهد.

4- إتاحة الفرص أمام أكبر عدد ممكن من القراء، مهما تباعدت إقاماتهم، وتباينت وجهاتهم، وإنتماءاتهم القومية والعقدية والثّقافية ... الخ.

5- دمج النّص بالنقود الموجهة له، الامر الذّي يعطي بعداٍ آخراٍ لعمليةِ الفهم والقراءة.

6- الّتفاعل المباشر بين الكاتب / المُستَخدِم والقارئ والنّص " (4).

إنّ هذهِ الميزات التّي يوافرها التّلقي الرّقمي، من الممكن أن تصبح من الأمور المهمة فيْ التأسيس لتشكيل إنتاج المعنى، تلحق بإطار تقني رقمي قابلة لإنتاج معاني جديدة إذا ما استخدمت عملية تركيز هذهِ المزايا وتعميقها فيْ فضاء التّلقي الرّقمي؛ على الرغم من ذلك فلا بد من الابتعاد أو الوقوع بالإستغلال؛ لأن هذهِ العملية تعرض فضاء التّلقي الرّقمي إلى اللإستغلال من قبل المُستَخدِمين، فيْ إنتاج وتلقي النصوص على مختلف مستوياتها؛ لأن هذهِ العلمية قد تخضع لضوابط ومعايير؛ لكن الصعوبة فيْ متابعتها، لأن العملية تقع فيْ فضاءات تّلقي رقّمي متعددة ومتنوعة، بموجب طبيعة المُستَخدِم واغراضه من وراءِ هذا العمل، الذّي يقدمه فيْ هذا الفضاء الرّقمي.

إن الفضاء الرّقمي للتلقي لابدّ أن  يخضع للرقابة حتى يكون أساس فيْ عملية التّفاعل الرّقمي بين المرسل والمستقبل / المنتج للنص والصّانع للمعنى، وهذهِ الشروط ممكن أن تشكل ميثاق أولي ضمني من الممكن أن يكون من الركائز المهمة لضبط هذهِ العملية، وهذهِ الشّروط هي: (5)

1- الصّورة فيْ إطار غير نمطي: وهذا الفضاء الرّقمي سيحدد إطار الشكل المنتج لكونه خارج عن التّقليدية فيْ طبيعة النّص، من خلال تأليف يخضع للدلالات ذات الأبعاد الرّقمية فيْ داخل الفضاء الرّقمي.

2- التّلقي الرّقمي ودوره الفاعل: إن الفضاء الرّقمي يضمن لوجود متلقي ضمني مفترض، له دوراً محورياً فيْ إنتاج العملية النّصية ذات الأبعاد التّقنية الرّقمية، وله ميزات مهمة منها:

- الحرية فيْ إختيار النّص.

- الحرية فيْ إختيار الوقت.

- الحرية فيْ إختيار الشكل.

- الحرية فيْ التّحكم بالخلفيْات الخاصة، بطبيعة الشّكل الذّي يوجدها الباث للشكلِ، وأنواع الخطوط وألوان الخلفيْات وغيرها.

3- عدم التّقييد فيْ مديات الوصول إلى المتلقي: أي أن النّص المنتج، والوصول إليه يكون خارج أُطر التّقييد التّقليدي، أي أن النّص يكون مفتوحاً وبلا حدود ولا ضوابط تّقيد إنتشاره وجنسه، (إلا فيْ حدود الدّراسة) أو الّضوابط الأخرى، التّي تجعل من النّص يقع فيْ مجال الإبداع، ولا يصل إلى مستويات غير لائقة، بفضاء التّلقي الرّقمي الذّي يشتغل من خلاله.

إذاً، بالعودة إلى التّلقي الرّقمي، بين المفهوم والأشتغال، لا بد أن يحدد هذا المصطلح فيْ أنه فضاء إشتغال وتقديم النّص الرّقمي، وهذا النّص الذّي يحّفز حواس المتلقي، فيْ دائرة الفضاءات الرّقمية ووسائطها المتعددة، من الممكن أن يخلق طريقةً جديدةً يكون فيْها المتلقي قادراً على إنتاج المعنى، يأخذ مداه من المساحات المعرفيْة الإفتراضية الواسعة، التّي تقدمها المضامين المعرفيْة الكامنة وراء هذهِ الشّبكة العنكبوتية العملاقة، أي يتحول الفضاء الرّقمي فيْ ضوءِ عملية التّلقي الرّقمي، إلى فضاءٍ ممتد إلى حدود غير معلومة فيْ بداياتها، ولكنها تصل فيْ نهاياتها أو إمتداداتها، فيْ ضوء إتجاه معرفيْ يقصده المتلقي فيْ هذا الفضاءُ المعرفيْ، وهذا التّلقي الذّي يستفز كل حواس المتلقي، الذّي يقع فيْ دائرة المتابعة والتّركيز والإستمرار والإستدراج للوصول إلى ما يريد أن يصل إليه فيْ صورة ٍ، تحمل وسائل متعددة وآليات تحكم متنوعة، وطرق جاذبة لهذا المتلقي فيْ داخل الفضاء الرّقمي.

 

أ.د محمد كريم الساعدي

............................

الهوامش

1- عمر زرخاوي بن عبد الحميد: العصر الرّقمي وثورة الوسيط الالكتروني، جامعة تبسة، مجلة المختبر – وحدة التكوين والبحث فيْ نظريات القراءة ومناهجها، ب .ت، ص 119.

2- ينظر، جمال قاسم: النّص الادبي من الورقية إلى الرّقمية (آليات التشكيل والتّلقي)، الجزائر، معهد اللغات والادب العربي، 2009، ص 52.

3- ثائر عبد المجيد العذاري: الادب الرّقمي والوعي الجمالي العربي، بغداد : مجلة الفراهيدي، العدد(2)، السنة الأولى، ب .ت. ص 83 – 84.

4- جمال قاسم : نفسه، ص 37.

5- ينظر: حمزة قرية: المسرح التفاعلي – إشكالية البناء وأزمة التّلقي، مجلة العلامة، العدد الثاني، 2016، ص 188.

 

علجية عيشكيف يمكن تحقيق الحكم الراشد بعيدا عن المدرسة التي تعتبر العمود الفقري التي تقوم عليه الأمة، وهي في اتجاهها نحو العولمة هذه المدرسة التي تعمل على بناء مواطنا صالحا، ولذا وجب الربط بين ثلاثة عناصر أساسية هي: " المدرسة، العولمة والمواطنة" طالما الأمر متعلق بقضابا التنمية والإصلاح المؤسساتي، لقد حان الوقت للعودة إلى مدرسة النبوة التي تخرج على يديها علماء وفقهاء وعباقرة ومواطنون صالحون والعمل بنهجها وتكريس فكرة المواطنة داخل المؤسسات التربوية وجعلها مادة إجبارية في المقررات المدرسية، لأن العلم هو الطريق الةحيد الذي يوصل إلى الحضارة شرط استعماله لأغراض نبيلة، إن هذه الهبّات التي قام بها مواطنين لإنقاذ الناس من فيروس كورونا يدخل في باب المواطنة ومسايرة الأوضاع الراهنة

اعتادت الشعوب والدول أن تظهر تضامنها مع الآخر الذي في حاجة إلى دعم ومساندة مهما كانت عقيدته أو إيديولوجيته خاصة في الكوارث الكبرى كالزلازل والفيضانات أو ظهور أمراض خطيرة يستعصي علاجها ومقاومتها ، وقد شهد العالم الكثير من الحالات التي استوجبت تظافر الجميع من أقصى الأرض إلى جنوبها، وتدخل الحكومات، وضعت لها سياسات وقائية، وجندت لها جيشا عرمرم للقضاء على هذه الظواهر المرضية التي سجلت خسائل مادية وبشرية وأنهكت حتى القوى الكبرى، وقد شهد العالم كله وهو يعيش الكوارث الطبيعية والمصطنعة، ( أي التي من صنع المخربين من البشر) هبّات جماعية لإنقاذ البشرية، كل هذا يدخل في باب التعايش السلمي مع الآخر، ويدخل أيضا في باب المواطنة  la citoyennete، والمواطنة لا تعني فقط أن يكون لنا الحق في التعبير عن الرأي والمشاركة السياسية أو  تلك الحقوق التي أوردها الدستور كالسكن والشغل وحق التداوي وما إلى ذلك، وإنما ان يكون لنا الحِسُّ  الوطنيُّ تجاه الآخر أو من يحيط بنا حتى لو كان على غير ديننا ومذهبنا أو ثقافتنا تختلف عن ثقافته.

لقد صاغت المنظمة الدولية مفهوم "المواطنة" من خلال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وذلك في إطار التحول الديمقراطي الذي يعتبر وسيلة لتحقيق العديد من الأهداف السياسية، ولذا ربط الحقوقيون دولة المواطنة بحقوق الإنسان في العيش في سلام، والمشاركة في الحكم من خلال العملية الديمقراطية، و المواطنة  في  المفهوم المعاصر تعني التعبيرعن علاقة الفرد بدولته، تلك العلاقة التي يحكمها دستور الدولة والقوانين الصادرة عن سلطتها التشريعية لتنظيم تلك العلاقة، بتحديد حقوق الأفراد، وكيفية التمتع بها،  إلا أن مفهوم المواطنة لم يحدد في جانبه البيداغوجي التربوي، وكيف نغرس هذه الفكرة في أذهان الجيل الجديد، فما يعرفه العامة  عن المواطنة سوى أنها تعني أن جميع أبناء الوطن يعيشون متساوون في الحقوق بدون أدنى تمييز،  يشعر فيها المواطن بالإنتماء والولاء للوطن، وتأتي المواطنة من خلال وعي المواطن بأنه حرٌّ في بلاده وليس مجرد مقيم يخضع لنظام معين، دون أن يشارك في صنع القرارات.

في كتاب الأستاذ يحي اليحياوي من المغرب بعنوان: "العولمة في مجتمع الإعلام" كتب مقدمته المفكر المغربي مهدي المنجرة  صدر عن منشورات الزمن، تحدث عن فكرة العولمة و المواطنة هذه الأخيرة كثير من المفكرين والباحثين حصروها في مجال السوق وقالوا: لا مواطنة في زمن العولمة إلا مواطنة السوق ولا مواطنة إلا لم يملك ويتملك ولا مواطنة إلا لمن يضع القوانين واللوائح، وفي نهاية المطاف لا مواطنة إلا للأقوى ، وأهملوا الجانب الإجتماعي والتربوي في بناء المواطن الصالح، وفي مقدمته المدرسة التي تعمل على التنشئة الإجتماعية، وتسليح العنصر البشري بسلاح المعرفة، وهذا ما أفرزته مواطنة السوق للأسف من بؤس وتفقير وتهميش ولا مساواة أمام المواطنة الحقيقية، فهذه الفلسفات والسياسيات أنشأت مواطنا ماديا همّه سوى الكسب السريع، وأنشات جيلا سلبيا جعلته  إمّا متكاسلا عاطلا لا يفكر،  وإما مجرما يمتهن السرقات وتعاطي المخدرات..الخ، وبذلك فقد حدد يحي اليحياوي مفهوم المواطنة بأنها وسيلة للإندماج الإجتماعي قبل الإندماج الإقتصادي، أي وسيلة للتحسيس بالعيش في المجتمع (  une manière d’etre ensemble) وقال أن المواطنة تاريخية، ولسيت وليدة الساعة ولها علاقة بالحاكمية  والعولمة وهنا وجب حل اشكالية المواطنة بكل أبعادها ، وحلها يكمن في  تفعيل منطق التشاركية  وقيم المساهمة  ثقافيا واعلاميا حتى يمكن لها أن تصمد أمام مد العولمة، والمدرسة تعتبر الأرضية لتجسيد هذا المشروع على أرض الواقع.

والمتتبع للسيرة النبوية يقف على أن مدرسة النبوة شملت جميع  شروط  المواطنة، وحتى قبل النبيّ محمد ، ولنا في قصص الأنبياء خير مثال، النبي ابراهيم، والنبي يوسف عليه السلام والنبي عيسى علي السلام ثم خاتم الأنبياء وكيف كانوا متسامحين متعاطفين  متواضعين مع الناس، متواطنين معهم،  والرسول (صلعم) كان يمارس هذا المفهوم في حياته وفي تعامله مع الآخر، والجميع يعلم مجاورة النبي (ص)لأحد اليهود الذي كان يؤذي النبي ويضع القمامة عند بابه والشوك في طريقه، وقد زاره النبيّ لما مرض وكان يحسن إليه، فهذا السلوك يدخل  في باب التسامح والمواطنة، لقد استطاعت مدرسة النبوة  أن تعطي المثل في التعايش مع الآخر، ألا يحق الإقتداء إذن بمعلم البشرية والسير على نهجه؟، ذلك بخلق مدرسة رائدة تمتلك أسباب النجاح تقوي عزيمة الفرد والجماعة وتدفعهم نحو التضحية  والتفاني لخدمة الأمة، حيث استطاعت مدرسة النبوة أن تبعث وترقي المواطنة الحقيقة لدى الفرد المتعلم، ليصبح عنصرا فاعلا ومبادرا ومتجاوبا مع تطلعات الأمة، وهو ما نشاهده الآن من مبادرات وقوافل لنجدة الناس وإنقاذهم من الهلاك، ولذا وجب اليوم أن تدمج "المواطنة" كمادة بيداغوجية في المقررات الدراسية وتلقينها للتلاميذ بدءًا من الطور المتوسط، ليس كثقافة بل كقاعدة أساسية وجب الإلتزام بها، شأنها شأن المواد التعليمية الأخرى، لما لها من دور إيجابي ينعكس على حياة الفرد اليومية.

 كما أن إدراج المواطنة كمادة تربوية من شأنها أن تساهم في القضاء على الظواهر الخلقية الفاسدة المنتشرة ( كالتدخين وتعاطي المخدرات  في الوسط المدرسي)، كونها تعمل على اكتمال مقاصد أي عمل علمي، وتبعث في النشء الإعتزاز بالهوية وترقى به إلى مرتبة أعلى، وتمنحه القدرة على فهم الحقوق والواجبات والتكيف والعطاء والمواجهة والإستمرارية والمسؤولية وهو يتفاعل مع الآخرين، فمن هنا يبدأ مشروع بناء المواطن الصالح، المواطن الذي يحترم الخصوصيات الفردية والجماعية ، وبالتالي فإنجاح هذا المشروع يحتاج إلى من يغذي في النشء العادات الفاضلة وصفات التعاون في المجتمع الإنساني، وهنا يدخل دور "المجتمع المدني" في مواجهة العقبات وخلق بيئة مناسبة، يكون فيها المواطن مواطنا صالحا يعرف واجباته فيؤديها من تلقاء نفسه، حاضرا ومستقبلا، لكن اين هي هذه المدرسة التي اسسها النبي وصحبه في زمن كثرت فيه الإرهاصات والتناقضات والصراعات.

لقد تسيّست  المدرسة ولم تعد فضاء للتربية والتعليم والتثقيف، حيث أقحم التلاميذ في الممارسات السياسية والدليل المسيرات الشعبية التي ينظمها الطلبة  والتلاميذ وهم يجهلون ما يحدث، يكفي ان توجه لهم أوامر وتعليمات فينفذونها بتلقائية ودون شعور بالمسؤولية، ووصل ببعض المعلمين والأساتذة بأن يُحرّضوا التلاميذ على الإضراب والخروج إلى الشارع والتوقف عن الدراسة مقابل تضخيم لهم العلامة وتحسين معدلهم السنوي في نهاية الموسم الدراسي، وهذه السلوكات أدت حتما إلى التراجع في المدّ التربوي والثقافي والحضاري لهذه الوحدة الإجتماعية، وساهم هذا الوضع كذلك في نشوء ظاهرة  أخلاقية تتمثل في "الدروس الخصوصية"، فأربكت البناء التربوي، وأصبح التلميذ مشتت الأفكار، لأن ما يتلقاه في المدرسة يعكس ما يتلقاه  في الدروس الخصوصية ، لأن المنهجية والطرائق تختلف من معلم لآخر، حيث لم يستقروا على اتباع مناهج وطرائق  تضمن لهم الفهم والوصول إلى الكفاية في التعليم، وفي يوم الإمتحان يكون فكر التلميذ مشوشا، وهذا بسبب الضغوطات التي ولدها الكم من المعلومات، ووضع كهذا يبين قصور دور المدرسة، وغياب الرقابة جعلت المعلم وكذلك التلميذ منفصلان عن الوحدة المجتمعية والإجتماعية التي ينتميان إليها.

 

علجية عيش

 

 

توطئة: يواجه المجتمع الدولي تحدياً غير مسبوق يستهدف وجوده ونظامه، ولهذا كان الإهتمام منصباً لدى كثير من المؤوسسات ومراكز البحث المحترمة، حول متلازمة - أمن وإقتصاد - في زمن الكورونا، عن السبب وعن المُعطى وعن النتيجة، وقد أشار إلى هذا الباحث البارز في مجال السياسة والإقتصاد - باري بوزان -، في معرض كلامه عن سبب نشوء ظاهرة الكورونا وتكاثرها بهذا الشكل المريع، كان يتحدث في السياق الفلسفي عن الأسباب والنتائج الممكنة والمتصورة، وقد شاركه الرأي في هذا - روني ليبشتز - وهو يقدم موضوعته عن الإقتصاد كمحرك أساسي في السياسة وحفظ السلام والتوازن الدوليين .

ولم يكن البحث هنا عن المتلازمة إنتقائياً، بل كان في سياق البحث عن - الحجر الإجتماعي - الذي تعيشه الأمم والمجتمعات والدول هذه الأيام وأثر ذلك وتأثيره على الأمن والإقتصاد، والحجر في لغة العرب ثلاثية الأبعاد وتدل على المنع بصيغتيه (الطوعية والقهرية)، وفي الحالين هو: - عبارة عن منع في التصرف والحركة -، والمحفز أو الدافع لهذا المنع هو - الخوف - الذي يرتبط في أيامنا بالصحة العامة، لذلك تولى المبادرة عنه السياسي التنفيذي كجزء من شؤوناته واختصاصاته .

هذه النظرة الأولية لمعنى الحجر أعادتنا للتفكير والتركيز على أهمية السلطة التنفيذية ودورها في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، ومن هنا يكون المنع منها بمثابة القانون الواجب الإجراء و التنفيذ، هذا في سياق التعميم والتشريع وهو من أهم وسائل مقاومة إنتشار الوباء، ولذلك أعتبر الفقهاء المنع واجباً كفائياً مادام المُراد منه والمتعلق هو حفظ الحياة والناس، وقد ورد في الأثر عن النبي قوله: - إذا ما وقع الوباء بأرض قوم فلاتخرجوا منها فرارا ولا تهبطوا عليها -، وهذا بمثابة الحجر حتى لا يتكاثر وينتشر الوباء، والدولة في هذه الحالة ليست لها خيارات متنوعة، والخيار الوحيد هو في كيفية السيطرة والنظم، في أحتواء الأزمات والمشكلات والفوضى التي تنشأ بفعل عدم التوازن واللانظام ..

 معنى القدرة:

 قيل قديماً: في تعريف معنى القدرة على أنها الأداة التي تحفظ كيان ووجود المجتمعات والدول، هذا التعريف التاريخي لكوتيليا ورد في سياق مفهوم القوة المانعة للدول والمجتمعات من التفكك والإنهيار، وقد ذهب غير واحد من المفكرين إلى إعتبار قوة الدولة تكمن في:

1 - قوة إقتصادها .

2 - ووحدة شعبها .

 وهذا القول سمته الفلسفة السياسية - الواقعية السياسية -، والتي هي مزيج ما بين المذهب الطبيعي والمذهب الفلسفي، وهي على النقيض من المثالية، لأنها في العادة تقيم تصوراتها على اشياء وقضايا قريبة وملموسة، عكس المثالية التي تقيم تصوراتها في الغالب على ماهو غير طبيعي أو غير ملموس، والإتجاه الموضوعي في السلوك السياسي يميل في العادة على تغليب الواقعي على المثالي، ويعني هذا جعل المقولات والتصورات أكثر عقلانية ووضوحاً، مما يجعلها أكثر تأثيراً وإستطاعة في مجالي (دفع الضرر ورفع المانع)، ويستلزم هذا الشعور بالنتائج الإيجابية في البقاء والنفوذ .

وأختلف في شأن القول التالي: - هل الناس طبيعةً هم أعداء أم حياديين؟ -، وذلك يقودنا للقول الآتي: هل المفروض التهيء الدائم لإكتساب القوة أم الإنشغال بالحياد واللامبالاة ؟ .

وفي الجواب عن السؤال الأول يكون: باعتبار الناس أعداء طبيعةً أو عدوانيين طبعاً، وهذا يؤدي للقول بنفي فكرة - النوايا الحسنة - ونفي مقولة (.. وأما نظير لك في الخلق) الواردة في سياق معنى الأخوة البشرية أو الإنسانية، وهذا النفي السلبي ورد في كلام كثير من الفقهاء ومنهم الإمام الشافعي الفقيه المعروف، والذي أعتمد في نظرته للناس بحسب المعتقد والدين، فالناس عنده إما مؤمنين أو كفار ولهذا أباح قتل الكفار إن لم يدخلوا في دين الإٍسلام، وعلل موقفه هذا اعتماداً على خبر وهمي جاء فيه: - أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله ..!! -، وناسخاً عن قصد المعنى التشريعي لقوله تعالى: - إذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير -، وكذلك تغليبه لمعنى القتال الإكراهي، ويعني هذا تحميله لقول الله تعالى في: - (أعدوا لهم ما استطعتم من قوة) ما لا يحتمل من القول، وفي العصر الحديث مال إلى هذا المعنى (جورج دبليو بوش) في اعتبار الناس أعداء ولهذا قال وتبنى مفهوم - الحرب الإستباقية - بعد 11 سبتمبر .

وقد جرى ذلك في لسان - بسمارك - الزعيم الألماني حين عرف السلوك السياسي بأنه الشيء الصحيح الذي يقوم على القوة و القدرة .

والقوة عنصر مركب من جزئين:

الأول: قوة الاقتصاد .

والثاني: وحدة الشعب .

 فالاقتصاد القوي هو الذي يجعل من الأمن قوياً، ومنه تبدو متلازمة - أمن اقتصاد - متلازمة حيوية تكون أكثر وضوحاً في العمل و في السلوك السياسي للدول، يدلنا هذا إلى اعتبار الأمن لازماً من لوازم حياة الشعوب والأمم، والأمر نفسه يُقال عن الاقتصاد باعتباره الشيء أو الحاجة التي تعزز هيبة الدولة وتمكنها على مواجهة اعدائها المحتملين، وفي المقابل كلما ضعف الاقتصاد أو قلة قدرته ووسائل فعله، ضعف أداء الأمن وقلة قدرته في مواجهة التحديات المحتملة .

 يتحدث مورغان الاقتصادي البارع عن معنى الأمن القوي فيقول: - قوة الأمن تتجلى في الأداء وفي التأثير السياسي وفي المناورة وشعور الأخرين بذلك -، ولا ينفصل مفهوم قوة الأمن عن القدرة المتصورة في إنجاز المهام والأهداف النهائية للدولة، يقول برنار رينيه لا يجب اخضاع مفهوم الأمن والاقتصاد للأخلاقيات العامة، وكأنه يلتزم حرفياً بما قرره ميكافيلي عن معنى - الغاية تبرر الوسيلة – الذي هو في الأصل تحديد وتعريف لما يجب أن يكون .

ولنطرح المفهوم بصيغته الإشكالية: - ما هو المهم بالنسبة للدول تحقيق الأهداف العاجلة أم حماية الدولة والنظام - ؟، ولكن ما هو التعريف الأمثل للأهداف العاجلة هل هو الحسم من دون نظر للجوانب الأخلاقية ؟ أم هو اعتماد القوة في الحسم ؟، يقول توماس هوبس: - إن الجدل في الطريقة المتبعة لا يجب ان يصرف الأنظار عن دور الدولة وقوتها ورسوخها، لأن الدولة الحية هي الدولة ذات التأثير الواسع والتي تسعى دائماً للحصول على المزيد من القوة وعناصرها، وقد آمن بذلك - فردريك هيغل - أقرأ كتابنا (الأسس السياسية والمذهب الواقعي طبعة إيران ولبنان) .

يقودنا هذا لتوضيح الجدلية السائدة بين مفهوم تحقيق المنفعة الذاتية للدول ومفهوم تحقيق السلام والعدل الدولي، فالوظيفة الإجرائية لا تقتصر أبداً على ما يهم الجانب الذاتي بل يتعدآه ...

المنطق التاريخي لمفهوم الأمن:

سوف لا نتحدث عن التسلسل التاريخي لمفهوم الأمن، ولكننا سندقق فيما تحدثت عنه ديباجة معاهدة وستفاليا التاريخية، في مجموعة الافتراضات والبراهين التي اعتمدها المشرع وهو يقرر صيغ الأمن الممكنة للدولة القطرية أو القومية، تقول الديباجة: - بما الأمن لازم للدول لذا توجب ان يكون الأمن قوياً -، وهذه الملازمة بين الدولة القوية والأمن القوي ملازمة اشتراطية وجودية، وإلى ذلك إشارة النظرية السياسية الواقعية حين عرفت معنى - الدولة القوية -، ولا يخلو هذا المعنى من فهم منطقي لطبيعة الأولويات في مواجهة التهديدات الخارجية والداخلية، والمتصور أو الممكن فيها هو العامل العسكري، والذي قيل عنه (هو الوسيلة وهو الأداة) الأكثر تعبيراً في تحقيق معنى الدولة القادرة نظرياً وعملياً، ومن أجل هذا يتطلب:

أولاً: حشد كافة الطاقات والإمكانات من أجل تكريس قدرة الدولة .

وثانياً: الاستفادة من التجربة التاريخية للحروب في اظهار قدرة الدولة .

وهذه المقاربات التاريخية الواقعية أوضحت بما لا يدع مجالاً للشك هشاشة الافتراضات المثالية، على الصعيد العملي أو على صعيد معاییر السلوك الدولية، فالواقعية في مجال العمل هي التي تلتزم بالمعايير ومقولات السلوك الطبيعي، وهي ذاتها التي تمتلك من التجربة والرصيد التاريخي ما يعزز قدرتها، والتاريخ الإنساني سمح لنا في الاطلاع على كثير من التجارب والتحليل العلمي ومعطياتهما، وهذا ما يجعل فهمنا للتفسيرات التاريخية للسلوك السياسي والحكم عليه فيما لو كان واقعياً أم لا .

في المعادلة الرياضية لفيثاغورس تشكل المقاربة التاريخية والمنطقية لمعنى - أمن اقتصاد - أن تتعادل قدرة الدولة مع قدرتها في الحفاظ على بقائها واستقلالها السياسي ووحدة أراضيها، وليس هذا من قبيل التحفيز نحو جعل - الأمن الذاتي أكثر حيوية وفاعلية بل وكذلك اعتباره الكفيل في السلامة الوطنية والضمان الاجتماعي -، من هنا يكون ما بدأناه عن متلازمة - أمن واقتصاد - حاضرة باعتبارها تقوم على التوازن والتنسيق بين المصالح والحاجات، وفي هذا المجال لا يجب البتة (تغليب مصالح الغير على المصالح الذاتية والمحلية) مهما علا هذا الغير أو قرب، ولا يجب التذكير بطبيعة التناقض والصراع الغالب في سلوكيات الدول و المجتمعات بل والافراد كذلك .

وفي الختام نقول: إن قواعد وركائز الدولة القوية هي ذاتها التي تجعل أو تؤوسس للمكانة والشأنية بين الدول، والتي تعتمد على ما تمتلكه الدولة من عناصر القوة في مجالي الأمن والاقتصاد، ولا يغرب عن البال: إن عامة الدول ميالة بطبعها للهيمنة والسيطرة والتمدد، وهذا الدافع التضمني يجعل أو يستلزم التحفز والحيطة والحذر والاعتماد على قوة الدولة في مجالي الأمن والاقتصاد، وفي هذا السياق ورد القول التالي: - (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، في صيغة اطلاق اللفظ وعموم المعنى أي في الحماية من التهديد وتحييد القوى المضادة هذا من جهة ومن جهة ثانية حفظ التوازن والأمن، ولا يكون ذلك كذلك من غير قوة اقتصادية تؤمن للمجتمع الطمأنينة والثقة بالمستقبل.

وللحديث بقية

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

اسماعيل بوطاهريتم التساؤل عادة عن الدافع إلى ممارسة فعل التفلسف، بمعنى آخر طلب معرفة الباعث على التفلسف، أو السبب الذي يقف وراء هذا الفعل. ففي مقالنا هذا سنحاول الإجابة عن سؤال: "لماذا نتفلسف؟"، صحيح أن هذا السؤال جوهري وأساسي وضارب بجذوره في تاريخ الإنسان الطويل، وتاريخ الفكر الفلسفي الكوني. أي أن هذا السؤال قد تم طرحه منذ بداية الفلسفة، ورافقها في مختلف محطاتها الكبرى، ويعاد طرحه بصيغ وأشكال مختلفة. لكن ما نود أن نؤكده اليوم/الآن هو أن هذا السؤال قد أصبح يثار بشكل كبير، سواء من طرف الفلاسفة أنفسهم، أو من طرف الذي يقبل على دراسة الفلسفة لأول مرة.

أدعوكم للتوقف والتأمل قليلا في التعريف اللغوي المأثور للفلسفة، أنها "محبة الحكمة". فالجزء الأول "محبة" أي دلالة على الوقوع في "حب شيء ما" أو "تفضيله عن شيء آخر" أو "الرغبة فيه". إن الحب رغبة، فالرغبة تعبير عن عوز ونقصان وفراغ نريد ملأه. إذن الرغبة طلب نتيجة غياب الشيء أو الموضوع المطلوب، أي غياب موضوع الرغبة. بينما الجزء الثاني من التعريف "الحكمة" فهي الاحتراس وأخذ الحيطة والحذر من الوقوع في الخطأ. بصيغة أخرى فإن الشخص الحكيم هو الذي لا يخطئ كثيرا، ويتصرف بروية وتعقل. نصل بالقول إلى أن الفلسفة في جوهرها رغبة تتملك الإنسان من أجل تخطي الوقوع في الخطأ أو المحذور أو العبث. أي رغبة الإنسان في الاتصاف بالحكمة.

إن الحاجة إلى الفلسفة تتولد نتيجة غياب موضوعات معينة، بعبارة أخرى، يمارس الإنسان فعل التفلسف سعيا وراء تحقيق رغباته اللامتناهية، مادام الإنسان يعرف بوصفه كائن دائم الرغبة، نظرا لطبيعته الفانية والمحدودة.

لقد أدرك الإنسان منذ القدم أنه محكوم بالفناء (الموت)، فتحصل له وعي بنقصه وضعفه ومحدوديته، ثم راح يبحث عن السبل التي تمكنه من تحقيق رغبته في الخلود. إذ بدأ الإنسان  بنسج وسرد وإبداع الأساطير التي تتضمن بطولات وملحمات لأشخاص خارقين يقدرون على مواجهة الآلهة وتبديل وتغيير أقدارهم. فما الأسطورة إلا محاولة يائسة من طرف الإنسان القديم بغية تجاوز وضعه المأزوم والمقلق حيال فكرة الموت. لكن الأسطورة أو الفكر الأسطوري قد ساد لفترة طويلة في المرحلة اليونانية؛ بعد ذلك تشكل وعي آخر لدى الإنسان اليوناني في شخص ثلة من المفكرين والفلاسفة، على أن الأسطورة ما هي إلا خرافة وأوهام زائفة تزيد من وضع الإنسان المحرج تأزما. لذلك لاحت رغبة أخرى في الأفق تحث على ضرورة مواجهة الفكر الأسطوري (الميثوس)، بفكر عقلاني (اللوغوس). فالأول يقوم على الخيال الذي يوظف من أجل الإمتاع. وبالتالي الإبتعاد عن التفكير في المصير أو الموت؛ لكن الثاني يحاول تقديم أفكار وطرائق عملية وواقعية من أجل تحقيق الخلاص من فكرة الفناء. فإن الأسطورة تؤسس للجهل وتكرسه. بينما الفكر الفلسفي (اللوغوس) يحارب الجهل ويؤسس للمعرفة. مادام الجهل دلالة على النقص. كما يمكننا أن نقول بأن الجهل مقبرة العقول. أما المعرفة فهي تجاوز للجهل وتخط له.

إن رغبة الإنسان في المعرفة هي التي قادته إلى التفلسف. ويمكن أن نقتبس من جان فرانسوا ليوتار عبارته القائلة " الفلسفة رغبة غير متناهية للوصول إلى الحكمة وإلى الآخر" حيث أن الإنسان يرغب في معرفة ذاته من يكون، وما المصير الذي سيلقاه بعد الموت. ورغبته أيضا في معرفة العالم من حوله وباقي الأفراد الذين يتشاركون معه الوجود والمصير، وكذا الرغبة في معرف الخالق الذي كان وراء وجود العالم وباقي الموجودات بما في ذلك الإنسان.

إن الفلاسفة الطبيعيين أو ما يعرفون بالحكماء السبع، تملكتهم الرغبة في معرفة أصل الطبيعة أو الكون (الآرخي)، أي المبدأ الأول أو المادة الأولى  التي تشكل وانبثق عنها الوجود وباقي الكائنات الأخرى. بعد ذلك نجد  سقراط قد راودته رغبة تعريف الإنسان وجعله الموضوع الأساسي الذي يجب أن تهتم بدراسته الفلسفة، وكذلك تلميذه أفلاطون.

 وبالإنتقال إلى محطة العصر الوسيط، فإن الفلاسفة ومن بينهم المسلميين والمسيحيين على حد سواء، قد انشغلوا بمحاولة تحصيل رغبة أخرى، تلك التي تتمثل في تبرير الإيمان للعقل. لأن هذه المرحلة قد عرفت أفول وزوال فكرة تعدد الآلهة التي كانت تعرفها الحضارة اليونانية، نتيجة مجيء الديانات السماوية ( اليهودية - المسيحية - الإسلام ) التي تقر بالتوحيد. ومنه تزايدت رغبة الإنسان في التدين بدين سماوي معين، فهناك من سيقبل على الدين ويرفض الفلسفة على اعتبارها مخالفة له، وفريق آخر يرى في الفلسفة تدعيم وترسيخ للإيمان الحق في نفوس المؤمنين. ستغدو الفلسفة آنذاك وسيلة لتبرير الإيمان أو الدين للعقل، أي "أفكر وبعد ذلك أؤمن" . على اعتبار الدين والفلسفة يتوافقان في كثير من النقط والأهداف.  إذا كان الدين يدعو إلى قيم العدل والخير ، الحق ، الفضيلة ، الرحمة ، البساطة ، الحوار ، التسامح ،التواضع، و الإخاء بين الناس...إلخ. فكذلك الفلسفة تدعو لنفس القيم: أي أن الدين والفلسفة يتوافقان من حيث الغاية ويختلفان من حيث الوسيلة والمنهج، لذلك نجد جميع المذاهب الفلسفية ترغب في بناء وتكريس القيم الأخلاقية داخل المجتمعات الإنسانية، ونصل بالقول إلى أن الفلسفة في العصر الوسيط كانت تعمل على محاولة تحصيل رغبة الإنسان في التدين وتدعيم معتقداته الدينية، والتوفيق بين العقل و النقل ، وتجنبه الكثير من الحيرة والشك والبلبلة، فالواقع أن الفلسفة والدين على حد تعبير ابن رشد "الحكمة هي الأخت الرضيعة للشريعة" بل إنهما أحيانا يطرحان نفس الأسئلة عن أصل الإنسان ومصيره، وعن علاقته بالكون والإله.

وبالانتقال إلى محطة عصر النهضة والعصر الحديث تزايدت رغبات الإنسان وتعددت، إذ أصبح من سمات هذه المرحلة الرغبة في الثورة على كل ما هو قديم ، حتى تمخضت عن ذلك الرغبة في "الشك في كل شيء". وسميت هذه المرحلة "بمرحلة الشك بامتياز"، نتيجة انهيار عدة حقائق كان يعتد بها. مثل نظرية باطليموس في علم الفلك، إذ تغير مركز الكون من الأرض إلى الشمس، كما انهارت صورة العالم القديم وقامت على أنقاضها صورة العالم الجديد التي تتشكل من خمس قارات، وأيضا ظهور كتاب "الأورغانون الجديد" لفرانسيس بيكون. الذي هو ثورة صريحة على "أورغانون" أرسطو. بالإضافة إلى كتاب "مقال في المنهج" لديكارت الذي يدعو لضرورة هدم المعارف السابقة والعمل على بناءها من جديد، و يقر بأن المعرفة مبناة وليست معطاة: نفهم من ذلك بأن الإنسان الحديث قد تولدت لديه رغبة في الثورة على المعارف والعلوم والفلسفات القديمة وصورة العالم القديم. وكذا العمل على بناء معارف جديدة تتصف باليقين وتتوخى توسل المنهج أثناء عملية البحث أو التأسيس، كما أن عبارة ديكارت "أعطني المادة والحركة أصنع لك العالم"، هي في جوهرها رغبة ملحة هدفها السيطرة على الطبيعة والتحكم في موجوداتها وتسخيرها لصالح الإنسان، قصد تسهيل حياته، إذ أصبح بذلك الإنسان" سيد ومالك الطبيعة". إن هذا كان تبشيرا بميلاد التقنية التي تعتبر نتيجة حتمية لتحقيق رغبة المعرفة التي تجتاح كيان وفكر الإنسان في العصر الحديث.

إذا كان الإنسان في المرحلة الحديثة قد اهتم بتحقيق رغبته في بناء المعرفة،  باتخاذ منهج سواء في نسخته التجريبية أو العقلانية، من أجل تحقيق رغبته في التحرر من هيمنة الطبيعة وتوظيفها لصالحه عبر إبداع التقنية، كما أن الإنسان في هذه المرحلة وتحديدا في القرن الثامن عشر والذي يطلق عليه "عصر الأنوار"، فإنه عمل على التخلص من "الوصاية" والتبعية الفكرية التي كانت تفرضها الكنيسة أو رجال السياسة. فمن هنا انبثق شعار هذا القرن المتمثل في الصيغة التالية " تجرأ على استخدام عقلك أنت": بمعنى أن تكون لدى الإنسان الشجاعة والجرأة على استخدام عقله دون أن يترك الفرصة والمجال لشخص آخر يفكر ويقرر بدلا عنه، أي أن يكون الإنسان مستقل الإرادة والتفكير، هذا ما يعبر عن رغبة الإنسان في الحرية والاستقلالية.

بالوصول إلى مرحلة العصر المعاصر فقد تزايد تهافت الإنسان على التقنية وتوظيفها في جميع مناحي الحياة، سواء تلك التي يتم توظيفها في المجال الحربي، أو الفلاحي، أو العلمي، أو الاقتصادي، أو المعلوماتي...إلخ ، فهذا الاستخدام المهول والمفرط للتقنية جعل الإنسان لا يستطيع الاستغناء عنها ومهووسا بها، فإذا كان الإنسان في السابق يرغب في التحرر من الطبيعة وتأتى له ذلك، فإنه قد سقط من جديد في أسر آخر، ذاك المتمثل في أسر التقنية، بمعنى أن التقنية تسيطر على الإنسان وتتحكم فيه. على إثر هذا الوضع الذي يحياه الإنسان المعاصر، ظهرت عدة فلسفات ترغب في تغيير هذا الواقع من خلال الدعوة إلى الثورة على مالكي وسائل الإنتاج، وعلى الطبقة البورجوازية التي تهدف من خلال تعميم التقنية، التحكم في الطبقة البلوريتارية  واستغلالها (الماركسية). وكذا ظهور فلسفات أخرى تدعو إلى ضرورة انتقاد العقل الحديث الذي كان وراء ظهور التقنية، أو ما يسميه الفيلسوف الألماني يورغين هابرماس " بالعقل الأداتي "، هذا الأخير الذي أدى إلى اندلاع حربين عالميتين في هذا العصر راح ضحيتها ملايين الأشخاص(مدرسة فرانكفورت).

إن هاتين الحربين كانتا بمثابة انحطاط وانتكاس عاد بالإنسان إلى حالة الطبيعة التي تقوم على الهمجية والعدوان.

الأمر الذي أدى بالإنسان المعاصر إلى فقدانه للثقة في العقل، إلا أن العديد من الفلاسفة المعاصرين سيعملون على استعادة هذة الثقة المفقودة، من خلال كتاباتهم الرامية إلى رفض الحرب والعنف بكل أشكاله، والتأسيس للقيم الأخلاقية الكونية التي من شأنها أن تجعل الناس يتعايشون مع بعضهم البعض من دون المساس بأمنهم ومصالحهم. ففي هذا العصر تعد الفلسفة رغبة إنسانية نبيلة تهدف إلى رفض كل أشكال العدوان من قبيل (الظلم، الاستعمار، الإرهاب، الدوغمائية، الإقصاء.... ).

قصارى القول أن الحاجة إلى الفلسفة كانت دائما جراء تحقيق رغبات الإنسان اللامتناهية، التي تكون نابعة من نقص يشكو منه، أو من خلال واقع متأزم يفرض عليه ضرورة البحث عن السبل الكفيلة لتخطيه، وكذا التجرد من المألوف.

يمكننا أن نقول أيضا بأن الفلسفة رغبة في انتقاد/تغيير ما هو كائن والسعي نحو التأسيس لما يجب أن يكون. ما دامت "الفلسفة توجد حيثما يوجد العنف" على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي إيريك فايل، بمعنى أنه في حالة وجود العنف، فإن الفيلسوف يرغب ويعمل على رفضه وتبديده، بهدف إحلال السلام محله، كما أن للفلسفة دور آخر يتجلى في تدبير الخلافات الإنسانية بطريقة عقلانية تقوم على الحوار وتقبل الآخر، لأن الفلسفة هي رغبة الإنسان في مد جسور التواصل البناء والهادف نظرا لاعتبارها أداة للحوار. لنصل في الأخير إلى القول:" نحن نتفلسف ﻷننا نرغب".

 

اسماعيل بوطاهر

....................

المراجع المعتمدة:

1- كتاب" لماذا نتفلسف؟".فرانسوا ليوتار.

2- كتاب" تعلم الحياة".لوك فيري.

3- كتاب" مع الفيلسوف".محمد ثابت الفندي.

4- "ما الأنوار؟" إيمانويل كانط.

 

عدنان عويدمع بداية ما سمي بعصر النهضة العربية الحديثة في الربع الأول من القرن التاسع عشر، راح بعض المفكرين العرب ممن اطلع على الثقافة الغربية وتأثر بها آنذاك، يشعر بالفارق الحضاري أو الثقافي ما بين واقع الغرب المتقدم اقتصاديا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا وعلمياً، والواقع العربي، أو المشرقي عموما، المتخلف في معظم مستوياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والعلمية، الأمر الذي دفع بعض رجالات فكر عصر النهضة العربية في القرن ذاته إلى توصيفهم واقع المشرق من خلال مقارنتهم له مع الغرب إلى القول: بأن الشرق لم يزل يعيش حياة العصور الوسطى بكل تخلفها، ونظرا لكون البلاد العربية كانت تخضع للاستعمار العثماني وسياسته المليّة من جهة، وأن مسألة التأثر بالغرب وفكره كانت في معظمها تصب في الاتجاه السياسي، بفعل تأثير أفكار الثورة الفرنسية، وأفكار عصر التنوير الأوربي من جهة ثانية، فقد لقي التأثر بالفكر السياسي الغربي قبولا ورواجا لدى مفكري ورجال سياسة عصر النهضة العربية آنذاك، وذلك استجابة لرغباتهم في التخلص من الاستعمار العثماني، وما رافقه من استبداد وسياسات مليّة عنصرية. وبالتالي من هنا كانت مسألة الحرية، والحق الطبيعي، والديمقراطية، ودولة القانون والمواطنة، وتحرير المرأة، والنظام الدستوري، والانتخابات التشريعية، وحرية الصحافة، وتشكيل الأحزاب السياسية والجمعيات الدينية والأدبية .. الخ، هي القضايا الأكثر هيمنة وحضوراً على تفكير ونشاط رجالات النهضة العربية آنذاك، والتي كان ولم يزل الصراع والخلاف يدور حولها بين رجال تيار العلمانية والليبرالية بما فيه رجال الإصلاح الديني من جهة، وبين رجال الفكر الديني الأصولي المتزمت من جهة ثانية، هؤلاء الذين كانوا ولم يزالوا أيضا يرفضون الغرب كليا، ويقسمون العالم ما بين دار إيمان ودار كفر، حيث يأتي الغرب عندهم بكل ما يحمل  من فكر وقيم  في دار الكفر بالضرورة .

في مضمار هذا المشهد من الصراع الدائر في تلك الفترة، برزت مسألة الصراع بين من اعتقد من مفكري عصر النهضة العربية، أن الديمقراطية الغربية هي الحل، وراح يطالب بضرورة تبنيها والعمل على تطبيقها في واقعنا العربي، لحل مسائل تخلفه والرقي بهذه الأمة أسوة بأمم الغرب التي كان للديمقراطية حسب اعتقادهم الدور الكبير في تحقيق ونشر العدالة والمساوة والتحرر من الاستبداد عند شعوبها، وبين من يدعو إلى  تبنى الشورى ويعمل على تطبيقها لتحقيق الأهداف ذاتها التي يدّعيها متبنو الديمقراطية، ولكي يبرهن كل فريق منهما على صحة ادعائه، أخذ يُنظر ويُقدم دفوعاته حول وجهة نظره، في الوقت الذي لم يستطع فيه الطرفان رغم كل تنظيراتهم أن يطبقا ما نظّرا له لأسباب كثيرة يأتي في مقدمتها: أن الكثير من السلطات السياسية الحاكمة منذ عصر النهضة حتى هذا التاريخ، لم تكن ترغب في تسيير أمور بلادها إلا وفق ما تراه مطابقا لمصالحها هي، وليس وفقا لمصالح رعاياها، ولا أقول مواطنيها ، ثم سيادة وانتشار الفكر اللاعقلاني وفي مقدمته الفكر الديني الامتثالي الوثوقي الاستسلامي بين صفوف الجماهير المغيبة أصلاً عن واقعها السياسي والفكري العقلاني .(1).

إذن في نطاق هذا المشهد الذي جئنا عليه، دعونا نقف قليلاً أمام موضوعة الشورى، وننظر في مفهومها وأهدافها وحواملها الاجتماعية ومرجعياتها وموقفها من الدين والدولة.. إلخ .

على العموم ، يبدو أن معظم من اشتغل على موضوعة الشورى، قد توصل إلى مفهوم أو تعريف عام لها، ينصرف إلى اعتبارها تقليب الآراء ووجهات النظر في قضية من القضايا، أو موضوع من المواضيع التي تهم حياة الناس، واختبارها من قبل أصحاب الرأي والخبرة بهدف الوصول إلى الصواب.

أما أفضل الآراء المؤدية إلى الصواب هنا كما يدعي حملة مشروع الشورى، فهي، الآراء الناتجة عن ذوي الخبرة والتجربة والجهد والبحث والدراسة والعلم، في إطار ما يتفق مع العقيدة (الدين) ولا يخالف الكتاب والسنة والأثر وما اجتمع عليه الصحابة والتابعين وتابعي التابعين.

إن نظرة أولية لهذا التعريف أو المفهوم، تُبين لنا أنه – أي التعريف - قد حدد مسألتين، تشكلان برأينا المرتكزات الأساسية للشورى وهما:

الأولى:  المواضيع التي تبحث فيها الشورى: حيث جاءت هذه المواضيع مفتوحة الدلالات في سياقها العام، (قضية من القضايا، أو موضوع من المواضيع)، إلا أن هذه المواضع، جاءت محددة أو محكومة من حيث المبدأ بالعقيدة وتفريعاتها التي أشرنا إليها اعلاه، (النص الديني المقدس) الذي لا يعطي الفرد القدرة على إبداء رأيه المخالف لأية قضية ورد فيها نص ديني من القرآن أو السنة النبوية أو أثر من جهة، أو حتى تجاه ما ‘شرع أو أُفتي فيها من قبل الأئمة السابقين، كما يقر بعض رجال الدين الأصوليين من جهة ثانية. وبذلك تكون العقيدة وفق رؤية هؤلاء، قد رسمت الأفق الأخير للشورى، التي عليها أن لا تتجاوز حدودها، وهي حدود ثابتة وخالدة غير قابلة للتغير او التعديل أو الإضافة، طالما بقي الإسلام، وبقيت شريعته. وهذا ما يقول به على سبيل المثال لا الحصر، المدرسة السلفيّة ومن  يمثلها: حيث أن (لا سياسة إلا ما وافق الشرع)، كما يقول ابن قيم الجوزية. (2).

الثانية: أصحاب الحق في التشاور: وهم هنا كما حددهم علماء السلف - الرجال فقط - ممن امتلك العلم والمعرفة والتجربة والخبرة والبحث، التي تتماشى أو تتوافق مع الكتاب والسنة والاجماع والأثر، وما عدا ذلك لا يعدّ برأيهم، أو لا يؤخذ به. هذا وقد قال الأحناف، بأنهم الأشراف والأعيان، وقال الإمام القرطبي بأنهم أهل العلم والدين ووجوه الكتاب والقراء، كما حددهم الإمام النووي بأنهم العلماء والرؤساء ووجوه الناس، والبغدادي يقول (هم اهل الاجتهاد. أو الأشراف والأعيان). أما رشيد رضا، فقد قال، بأنهم أهل البصيرة .. الخ . يضاف إلى ذلك، أن الاختلاف ظل قائما أيضا في مسألة تحديد عدد من ُتعقد عليهم مهمة التشاور في أمور الناس، وبالتالي البت فيها، فمنهم من قال أن الشورى تعقد على خمسة كما جرى في بيعة (أبو بكر)، والبعض قال تعقد بستة كما حددها (عمر)، بينما قال علماء الكوفة يمكن أن تحدد بثلاثة، وقالت طائفة باثنين ، بل يمكن بواحد إذا اقتضت الحاجة. (3)

المرجعية العقيدية للشورى ودلالاتها:

هناك آيتان وردت فيهما مسألة الشورى هما: الآية الكريمة الأولى في سورة آل عمران (159)، في قوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.). فنظرة بعض المفسرين ومنهم " الطبري"  لدلالات هذه الآية وبخاصة قوله تعالى: (فإذا عزمت فتوكل على الله)، إنما يعني الله بهذا القول النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، مخاطباً إياه:( يا أيها النبي إذا صح عزمك بتثبيتنا إياك وتسديدنا لك فيما نابك وحزبك من أمر دينك ودنياك، فامض لما أمرناك به على ما أمرناك به، وافق ذلك آراء أصحابك وما شاروا به عليك أو خالفها). وهذا يبين لنا أن تفسير آية الشورى (- عمران 159)، في سياقها العام، هو أن الشورى هنا غير ملزمة للرسول (ص) لأنه يوحى إليه من قبل الله، أما أمته فإن تشاوروا فيما بينهم فهم مستنين بفعله ذلك، بعيدا عن الهوى والتحيز . (4).

أما الآية الثانية الواردة في موضوعة  الشورى فقد جاءت في سورة الشورى الآية (38)، في قوله تعالى: (الذين استجابوا لربهم، وأقاموا الصلاة، وأمرهم شورى بينهم، ومما رزقناهم ينفقون.). فتفسير الطبري أيضا لهذه الآية جاء بقوله: (إن المشاورة معهم من قبل الرسول (صلى الله عليه وسلم) جاءت من باب تطييب قلوبهم، ليكونوا فيما يفعلونه أنشط لهم.). (5). لذلك يقول بعض المفسرين، من هنا يتعين الفصل بين ممارسة الشورى في عهد الرسول، وممارستها لما جاء بعده، على اعتبار أن شخصية الرسول شخصية رسالية يصعب التمييز بين تصرفاته الرسالية الموحى بها من عند الله، والاجتهادات الشخصية الدنيوية، ويعطوا مثالا على ذلك (صلح الحديبة)، ففي الوقت الذي تم فيه هذا الصلح بأمر من عند الله، شاور الرسول أصحابه فيه أيضا .

انطلاقا من هذا الفهم ألعقيدي لمسألة الشورى، تعددت الرؤى والمواقف الفقهية منها عبر السيرورة التاريخية للدولة الإسلامية منذ وفاة الرسول حتى هذا التاريخ، وهذا ما يدفعنا هنا إلى تحديد أهم هذه الرؤى والمواقف الفقهية من مسألة الشورى عبر السياق التاريخي لها في التالي:

أولا: رؤية فقهاء الحاكمية للشورى:

على الرغم من الموقف الخلافي حول تاريخ ظهور الدعوة إلى الحاكمية، بين من يرى أنها مرتبطة بالنص الديني ذاته، وبين من يرى أنها مرتبطة بموقف الخوارج في قضية التحكيم أثناء موقعة صفين، غير أن الموقفين معاً، ومن ضمنهما موقف "أبو الأعلى المودودي-(6). والأخوان المسلمون" .(7). قد رجعا إلى الآيات القرآنية الكريمة في اجتهادهما هذا، وهي الآية (44) من سورة المائدة التي تقول: ( ومن لم يحكم بما انزل الله، فأولئك هم الكافرون.)، وكذلك إلى الآيتين (45- 47) من السورة نفسها، اللتين تعتبران من لا يحكمون بما انزل الله هم من (الظالمون و الفاسقون) على التوالي . هذا إضافة إلى الآية الكريمة (38) من سورة الأنعام التي تقول: ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة). ثم إلى الآية (65) من سورة النساء التي تقول: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم).

إن الموقف الفقهي لأصحاب الدعوة إلى الحاكمية، يقوم على نفي الشورى والقول باستقلال الشريعة، وبالتالي سيادتها الكاملة على كل أمور المجتمع، حيث رسمت الشريعة في رأيهم حدود الشورى كما اشرنا في موقع سابق، وعليها – أي الشورى - أن لا تتجاوز حدود الشريعة ذاتها، وهي حدود ثابتة وخالدة، ففي حالة تجاوزها ستشكل خطراً على الشريعة والحكم والفقه، كونها ستكشف لنا دورها الخطير في تعميق الحريات الفردية، بمنحها الفرد وليس الحكومة أو الجماعة، الدور الأول في المجتمع، على حد تعبير المعاصرين من دعاة الحاكمية .

إذاً، إن قاعدة أو منطلق الحاكمية  وفق هذه المعطيات، هي إرادة الله الكونية الجبرية التي تتحكم في المشيئة العامة لجميع الكائنات. أي هي في النتيجة الإيمان، والإيمان تصديق يستلزم الطاعة والانقياد، والحاكمية تتبع الإيمان وجوداَ وعدماَ كما يقول دعاتها، لذلك فإن عدم الاحتكام إلى شرع الله على مستوى الاعتقاد والتصديق، يعتبر في المحصلة كفراَ، كما يعتبر الانحراف عن مقتضى الشرع في الحركة والسلوك، أو الممارسة، ظلما وفسقا . أما مقاصد الحاكمية فهي عندهم، الفصل في الخلاف بين الناس، ومنع الفساد، وتحقيق مصالح الناس، وفقاً لما أقرته الشريعة.

ثانيا: موقف المتنورين من فقهاء العصر تجاه الشورى:

لقد استطاع بعض المتنورين الإسلاميين من رجال العصر، أن يستوعبوا التحولات الموضوعية والذاتية التي انتابت قضايانا الحياتية في هذا العصر، منطلقين من تجارب التاريخ الإسلامي ذاته، وما اتخذه رجالاته في السابق من مواقف فقهية حاولت تجاوز التفسير الحرفي والتقليدي للكثير من النصوص الدينية، كما فعل عمر ابن الخطاب (رضي الله عنه) في مسألة توزيع الغنائم، أو السرقة في عام الرمادة، وغير ذلك من مواقف فقهية جريئة، حاولت تفسير النص الديني بما يتفق وخصوصيات العصر، وسنة التغير والتبدل في أحوال الناس، منطلقين من مقولة أن الدين جاء للواقع ولم يأت الواقع للدين، لذلك قام هؤلاء وعند مختلف التيارات الفقهية السنية منها والشيعية في فتح باب الاجتهاد خدمة للإنسان وقضاياه. فهناك من قال من أهل السنة بأن الإسلام وضع قاعدة الشورى وعلى المسلمين أن يمارسوها بشرط أن تكون ملائمة في أهدافها ودلالاتها وحواملها ومؤسساتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وفقا لحاجة العصر المعاش ومتطلباته، أمثال الغنوشي، ومحمد الغزالي وشريعتي، وغيرهما الكثير . فالمجتمع الإسلامي عندهم يستطيع اليوم أن يضع القوانين والنظم والتعليمات الخاصة بالشورى بحسب ما يراه المسلمون ملائماَ لعصرهم دفعا للاستبداد بالرأي، دون اعتبار للتطبيقات التي مارسها الخلفاء أو الأمراء أو الحكام، عبر العصور السابقة، وهذه التطبيقات ليست حتمية ومطلقة في معطياتها لكل زمان ومكان. كما نرى أيضا هذه الرؤية الفقهية التجديدية عند بعض فقهاء الشيعة المعاصرين، وبخاصة عند من نظَّر لما سمي بفقه (المشروطة) وأخذ به وهو الفقه الذي طرح رؤى جديدة لتجاوز مسألتين هما: حالات الجمود في النص الديني أولا، والتعامل مع قضايا العصر بغياب الإمام المعصوم ثانيا، وهم هنا وفق هذه الفقه، يقرون بأن الله هو مصدر القانون، بينما الشعب فهو مصدر السلطات، وخاصة السياسية منها، بحيث لم يعد هناك برأيهم، بعد غياب المعصوم أية عصمة أو حصانة لحاكم، وعلى القانون أن يكون فوق الجميع، لذلك، من هذا المنطلق  انتقلت ولاية الفقيه، إلى ولاية الأمة، ممثلة بمجلس النواب، والسلطات الشعبية، وحق المواطنة. . الخ.

في الختام نقول: تظل الشورى بناءً على ما جئنا عليه أعلاه، موقفا فقهيا خلافيا منذ بداية تأسيس أو قيام ما سمي بالدولة الإسلامية حتى هذا التاريخ، وخلافية هذا الموقف نابعة كما بدا لنا عن غياب الوضوح في تحديد أهداف الشورى وآلية عملها وحواملها الاجتماعية ومضامينها منذ بداية التعامل معها لحل قضايا المجتمع، الأمر الذي جعل من مسألة طرحها في عصرنا الحالي إضافة لكونها مسألة خلافية، فهي مسألة إشكالية أيضا كما تبين معنا سابقا للأسباب ذاتها، حيث ساهمت اشكاليتها ولم تزل تساهم كثيرا في عرقلة المشروع النهضوي، بل لنقل كذلك أنها في فهم دعاة الحاكمية شكلت عقبة أمام محاولات التطبيق الديمقراطي في صيغه العصرية، حيث راح بعض من يدافع عن الشورى في حالة ضبابيتها وخلافيتها وإشكاليتها التي أشرنا إليها، يعتبر مصطلح الديمقراطية ذاته سبّه كونه غربي المصدر، هذا إضافة إلى تكفير وزندقة من يدعو إلى الديمقراطية دون وجه حق، أو دون معرفة بالشورى والديمقراطية معا.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

……………………..

(1)- راجع كتابنا إشكالية النهضة في الوطن العربي من التوابل إلى النفط – إصدار داري المدى والتكوين – دمشق 1997.

(2). إعلام الموقعين عن رب العالمين – ابن القيم الجوزية - ج4 – ص 284

(3) يراجع الأحكام السلطانية للماوردي. تحقيق احمد جاد – دار الحديث القاهرة – ص 22 .ص23. في الهوامش.

(4) - راجع موقع الرو 7 .

(5) – المرجع نفسه.

(6) –  الماوردي – تفسير الماروردي الجزء الأول – ص- 433

-الأحكام السلطانية – ص 44.

(7) – راجع موقع منتدى رياض الصالحين - تفسير سورة الشورى ايه 12 الى ايه 36 الشيخ سيد قطب .

 

مصطفى الغرافيما من شك أن واقع التعليم، كما تشهد على ذلك أوضاع المدرسة المغربية، لا يساعد على تحقيق مجتمع المعرفة بوصفه مشروعا مجتمعيا ترنو إليه القوى الوطنية الحية في هذا البلد. إذ كيف يمكن المراهنة على المدرسة لتحقيق مشروع نهضوي طموح في ظل منظومة تربوية تقف عاجزة أمام تراجع مهارة القراءة والكتابة لدى المتعلم بسبب عوامل عديدة ومتنوعة لا يتسع المجال هنا لتفصيل القول فيها. وإن كنا نستطيع أن نشير، في هذا المقام، إلى عاملين اثنين لا نتصور أن تقوم للمدرسة المغربية معهما قائمة رغم كل مقترحات الإصلاح التي يمكن أن تتعاقب على منظومة التربية والتعليم. يتعلق الأمر بالاكتظاظ في المدن والأقسام المشتركة في البوادي؛ فمن المسلم به أن تمهير التلميذ على القراءة يتطلب غلافا زمنيا ملائما يسمح بتدبير أنشطة القراءة وترسيخ مبادئها في أذهان الناشئة. إذ تتحدد وظيفة القراءة المنهجية بالتعليم الثانوي التأهيلي في كونها "إجراء ديداكتيكيا هدفه تصحيح مسار المتعلم القرائي وتنمية رصيده الثقافي وقدرته على الانتقال من فك الرموز والعلامات اللغوية إلى تحليل الخطاب وتفكيك مكوناته"[1]. وهو أمر يتعذر في كثير من الأحوال بسبب الظروف التي يشتغل فيها المدرس المغربي. إذ تسند إليه أقسام مكتظة. وفي البادية تكون معظم أقسام الابتدائي متعددة المستويات وأحيانا مزدوجة اللغة (عربية- فرنسية) وبنفس الغلاف الزمني المخصص للأقسام العادية. مما يجعل إنجاز واكتساب التعلمات أمرا صعبا ومتعذرا في بعض الأحيان. إذ يجري التركيز، في أنشطة القراءة مثلا،  على التلاميذ الذين تمكنوا من فك شفرة الحروف وإهمال التلاميذ الآخرين الذين لم ينجحوا في اكتساب مبادئ القراءة. ومما يزيد في تعميق أزمة القراءة أن الخريطة المدرسية تلزم المدرسين بإنجاح عدد كبير من التلاميذ الذين ينتقلون إلى مستويات أعلى تتطلب كفايات قرائية لا يتوفرون عليها. مما يجعل الفشل الدراسي، في هذه الحال، أمرا محتما، خاصة إذا استحضرنا غياب استراتيجية الدعم الموازي غيابا تاما في المدارس المغربية. إذ يقدم هذا الصنف من الدعم عادة للتلاميذ المتعثرين حتى يتمكنوا من اكتساب المهارات المطلوبة في متعلم المستوى الذي يتابعون به دراستهم. والنتيجة المنطقية لكل ذلك أن التلميذ يغادر مقاعد الدراسة دون أن ينجح في امتلاك مهارة القراءة والكتابة. وبذلك نكون أمام مدرسة مغربية غير قادرة على محاربة الأمية والقضاء عليها في صفوف المتعلمين. مما يجعل الدعوة إلى ترسيخ عادة القراءة والتشجيع عليها يبدو، في ظل هذا الوضع، ترفا عقليا أكثر منها حاجة مجتمعية ملحة.

من المظاهر البارزة لأزمة القراءة في المدرسة المغربية سيطرة أسلوب الحفظ والتلقين على حساب تنمية مهارات التحليل والتركيب. والنتيجة المنطقية لذلك ضمور ملكات التواصل قراءة وكتابة، وهي التي تمثل القاعدة التي تتأسس عليها مختلف البنى المعرفية لدى الصغار والكبار على حد سواء بدءا من التعليم الأولي في رياض الأطفال وصولا إلى التعليم العالي في المعاهد والجامعات.

ومن العوامل التي تعمق أزمة القراءة في المغرب عدم الاهتمام بالمكتبة المدرسية هذا إن وجدت أصلا. فهي إما مقفلة في وجه مرتاديها من التلاميذ أو أنها لا تستجيب لحاجتهم بسبب اقتصارها على كتب متقادمة لا يرى القائمون عليها ضرورة تجديدها من أجل مسايرة التحول الحاصل في البرامج والمناهج المقررة ناهيك عن التحديات الكبيرة التي يفرضها التطور الهائل في مجال المعرفة الإنسانية اليوم.

ومما يزيد في تفاقم مشكلة القراءة الاقتصار على الكتاب المدرسي وعدم الانفتاح على مصادر المعرفة الأخرى التي لا تدخل ضمن المقرر الدراسي. فقد ترسخت في أذهان الآباء وبعض المدرسين قناعة ثابتة مؤداها أن القراءة خارج المنهاج الدراسي مجرد مضيعة للوقت الذي يتعين على التلميذ صرفه في تحصيل المعرفة المدرسية التي ستكون موضوع الاختبار. وقد نجم عن ذلك ارتباط القراءة بالمدرسة وحصر الكتاب في المقرر الدراسي الذي لا يشجع على اكتساب عادة القراءة واستمرارها خارج فضاء المدرسة، لأنه في الوقت الذي تركز فيه منظومة التعليم على بناء المعرفة وتوفير المعلومة، فإنها لا تولي أي اهتمام لمتعة القراءة. إذ "يبدو وكأن هناك اتفاقا أزليا، وفي كل بقع العالم، على أن المتعة لا مكان لها في المناهج الدراسية"[2]. إذ تتركز الممارسة البيداغوجية في المدرسة على المناهج التي توظف في تحليل النصوص وتفسيرها من دون التفات في الغالب إلى الأعمال الإبداعية في حد ذاتها. مما يدفع الطلاب إلى النفور من درس القراءة لأنه لا يستجيب لانتظاراتهم وتوقعاتهم.

من أجل تشجيع التلاميذ على القراءة يتعين اختيار نصوص تثير فضولهم  وتلبي رغباتهم، لأن فعل "قرأ" لا يتحمل صيغة الأمر[3]. ومن شأن وعي الفرد بأهمية القراءة والفوائد العظيمة التي يجنيها من مرافقة الكتاب أن تمثل دافعا قويا لإدمان القراءة. يقول العقاد عن تجربته الخاصة مع الكتاب: "أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا. وحياة واحدة لا تكفيني، ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة. والقراءة دون غيرها هي التي تعطيني أكثر من حياة واحدة في مدى عمر الإنسان الواحد، لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق وإن كانت لا تطيلها بمقادير الحساب"[4].

وما من شك أن ربط القراءة بالمتعة كفيل بأن يدفع طلاب المدارس إلى الإقبال على القراءة، لأن الغاية النهائية من التواصل مع النصوص والخطابات أن يجد فيها القارئ "معنى يتيح له فهما أفضل للإنسان والعالم، وليكتشف فيها جمالا يثري وجوده، وهو إذ يفعل ذلك، يفهم نفسه فهما أفضل"[5]. ولا سبيل إلى تحقيق هذه الغاية من دون تربية التلميذ على القراءة الذاتية. ويمكن اعتبار حصة تدريس مادة المؤلفات فرصة مناسبة يتعين استثمارها من أجل تنمية الكفاية القرائية لدى التلميذ بما يقود إلى تمهيره على قراءة الكتب كاملة التي تتطلب طريقة مختلفة عن الطريقة التي يجري التعامل بها مع النصوص المجتزأة.  وبذلك يكتسب التلميذ عادة القراءة الذاتية التي تستمر معه بعد انتهاء فترة الدراسة النظامية. مما يجعل من القراءة فعلا وجوديا يساعدنا على العيش بعمق وليس مجرد سلوك معياري مقنن يقترن بالواجب المدرسي. ولذلك يتحرر منه التلميذ بمجرد مغادرته لمقاعد المدرسة التي تحولت إلى فضاء طارد ينفر منه التلميذ والأستاذ على حد سواء.

 

الدكتور مصطفى الغرافي

باحث مغربي

...........................

[1] وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي (المملكة المغربية)، التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة اللغة العربية بسلك التعليم الثانوي التأهيلي، نونبر، 2007، ص: 36

[2] دنيال بناك، متعة القراءة، تر. يوسف الحمادة، دار الساقي، بيروت، ط1- 2015ص: 72

[3] نفسه ، ص: 13

[4] عباس محمود العقاد، أنا، المجموعة الكاملة، المجلد الثاني، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1- 1982 ص: 103

[5] تزيفتان تودوروف، الأدب في خطر، تر. عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، البيضاء، ط1- 2007، ص: 15

 

 

عبد الجبار العبيديهذا حديث تاريخ وسياسة وفكر، وليس حديث دين وايمان وعقيدة، حديث اسلام وليس حديث مسلمين، حديث كاتب يعاصر القرن الحادي والعشرين، لكنه يتعايش وينتمي لخمسة عشر قرنا من الماضي السحيق أورثته التخلف والانحباس الفكري العميق، لذا فهو قد يخطأ عن غير قَصدٍ، وقد يصيب عن عَمدٍ. يُخطأ حين تركبه العاطفة، ويُصيب حين يتعايش مع العقل .

هكذا كُتب تاريخنا حين ركبت العاطفة المؤرخ، فجاءت كتابات المؤرخين على الحدس والتخمين.. وان ملكوا السَند احيانا لكن سندهُم كان بلا دليل.ففسروا الاحداث تفسيرا طوباويا لمجرد ان يرضي السلطان وحاشيته المتنعمين منذ ان ظهرت دولة فقهاء المسلمين.. كما يحدث اليوم في عراق المنهارين بخوفهم وأرتجافهم من المصيرحين سرقوا المال وقتلوا المحتجين كما قتلت "أطوار بهجت وغيرها كثير"؟ في عهد المحتلين.

ولعمري هذا ليس بتاريخ كُتبَ على الصحيح.. ولا احاديث أنبياء نقلت بأيمان العقائديين، انما هي روايات وهذيان.. كتبت بتضليل؟.وحين كتبنا منهج الدراسة رسخنا الخطأ في عقول الأجيال فاصبح نزعه مستحيل من عقولهم اليوم الا بسندٍ وبيان وبالتغيير الكلي لمجتمع ضاعت فيه القيم والانسان والمعايير.

لا ندري أهي روايات تاريخ ومؤرخين حقاً..؟ أم هي دين و سياسة.. ولا ندري من يحكمون اليوم أي دين واية سياسة بهما يؤمنون..؟ أم هي مرجعيات سياسيين.. أم هي فقهاء احاديث مزورة.. أم روايات سطنة وسلطان؟ .ان النهاية تثبت بنظرهم ان الدين والسياسة وجهان لعملة واحدة كلاهما مزورفي نظر المعتدين.. والا لصدقوا فيما يقولون.. مادام الاعتقاد عندهم يشمل المصحف والسيف معا. أما دين الحقيقة فقد ضاع مع موت صاحبه محمد(ص) الذي اراد له ان يكون دينا وسياسة عادلة لانسانية الانسان دون تفريق.. ونسينا حتى من وقف مع الامة وقاوم سياسة الخطأ منذ عصر الامويين والعباسيين.. ولم يؤخذ برأيهم فحل الخراب محل السياسة الرشيدة والدين.. "عمر بن عبد العزيز الاموي (ت101 للهجرة)، والامام جعفر بن محمد الصادق (ت 148 للهجرة) في بداية عصر العباسيين" كلاهما رفض الخلافة دون معايير.. حين قالوا: ان الخلافة هي اصلاح أمة وليست حاكمين.. لذا علينا ان نجهد في الفكر لنثبت الحقيقة الغائبة لدينا اليوم ونغير من منهج الدراسة والتاريخ برعاية حاكم صادق لا من جوقة المنافقين.. الفاسدين.. الذين يدعون بأهل البيت والصحابة كذبا وتزويرا.. كما نراهم اليوم في سلطة العراقيين.

ان الذين يرفعون الراية في تطبيق الشريعة عليهم ان يعلموا ان تطبيق الشريعة ليس هدفا في حد ذاته، بل وسيلة لغاية لا ينكرها احد من دعاة التطبيق، لاقامة دولة دينية رغم ان زمانها قد فات بمقاييس العصر المتحضرالجديد، لكن الدين لا يُستغنى عنه حين تكون المبادىء هي البديل.لقد رفعوا بالامس شعار ان الاسلام دين ودولة كما في جماعة الاخوان المسلمين، وحزب التحرير، وحزب الدعوة، وقالوا ان الاسلام وشريعته يمثل حلقة الربط بين مفهوم الدين ومفهوم الدولة وحقوق الناس كما في (محمد باقر الصدر اعدم سنة 1980)، لكن أتباعه تنكروا لمبادئه وخانوا الأمانة والدين.. أما أصحاب (الماوردي ت 450 للهجرة)، فقد آمنوا بنظرية الدين والسياسة وجهان لعملة واحدة "الأحكام السلطانية "كما نقرأ ونفهم من كتابات الغزالي( ت505 للهجرة)" الضرورات تبيح المحضورات.. أنظر كتابه الأقتصاد في الأعتقاد ص217"، لكن اتباعه، فشلوا ان يوظفوا الدين لخدمة الدولة والناس أجمعين بعد ان تأكدت لعبة العزل والحصار دعما لاستقرار الحاكم والطغيان كما في كتابه ايضاً "أحياء علوم الدين ص124".. حتى رفع الشعار المضاد ضدهم جميعا بقناعة المنطق اليوم وهو احسن شعار يمثل مؤسسة الدين الحالية بشقيها س و ش "بأسم الدين باكونه الحرامية ".

نحن حين نقرأ لا نبحث عن اهداف الحاكمين.. المعلنة، بل نبحث عن الحقيقة المطبقة حين يحكمون الدولة وكيف يطبقون.. اي الحقيقة والسياسة والمجتمع والدين وكيف يعملون، ولكن حين نتابعهم في شعاراتهم واهدافهم نرى ان لا برنامجا سياسيا ولا دينيا يعرفون ليطبقون، فلا نقرأ لهم نظرية في المجتمع، ولا نظرية في الاقتصاد، ولا في التعليم والصحة والتطور التكنولوجي الذي عاصرته الشعوب الاخرى وتقدمت به.. وهي بلا دين كما في اليابان والصين.

بل نقرأ لهم حياتان يؤمنون بهما، حياة دنيوية وحياة أخروية.. جنة ونار.. سيف وهذيان.. وكذب وبهتان.. قتل وأغتصاب لحقوق الأنسان.. وحور العين وغلمان.. وهم على الأرائك متكئون.. وما ملكت ايمانهم من النساء وحتى بدون عقد أحصان.. ووعد ووعيد لمن يخالفهم.. ولا غير.. والمصيبة ليس اليوم، بل منذ ان أسسوا دولة الامويين والعباسيين.. بعد ان مات القادة الأولين وتركها للمتخاصمين على السلطة والمال.. حتى قال قائلهم :"ما سُل سيف في الاسلام مثلما سُل على الخلافة والسطة والمال.. وها هم اليوم كما كانوا على الطبيعة نراهم يتصارعون على السلطة والمال.. حكام العرب والعراقيين مثالاً.

لقد اوجد لنا الفقهاء نظرية سَد الذرائع.. وولاية الفقيه.. والمهدي المنتظر التي بها يتحججون ويظللون الأخرين من المغفلين، وما دروا ان الحكم يقوم على فكرة العدل السياسي لا تخريفات رجال الدين.. وبدونه فهو ردة الى الوراء ليستوحوا عهد أردشيروكيف كتب في شئون الحكم والسياسة حين اصبح الاعداد الحضاري عندهم لم يسبق الحركة التاريخية ففشلوا وماتت دولتهم منذ زمن بعيد..

حين تقرأ في الثورة الفرنسية (1789) ترى انها قامت على اعداد فكري حضاري هيأ الأذهان لتصور جديد لنظام سياسي احسن.. قائم على الحرية والاخاء والمساواة بصحيح.. ورغم ان الثورة الفرنسية انتكست احيانا لكن الشعوب استيقظت وعرفت حقوقها حتى دخلت في صراع دائم لتحقيقها فحققت المستحيل. من هذا التصور يخشى من يحكم الوطن العراقي اليوم بالحديد والنار ثورة احرار تشرين1919 التي اصبحت تهددهم بصحيح فعملوا على قتل شبابها وتشويه سمعتها خوفا من نهايتهم على أيديها.. لكنهم كانوا اغبياء لم يعرفوا ولم يعوا حركة التاريخ.. التي تقول ان الاطار السياسي السليم هو ضمان كل تقدم لاقامة نظام سياسي ناجح جديد وبدونه لا يكون الا الفشل والتخريب.

ان ثورة الشباب التشرينية ثورة ذات مغزى حضاري في مجرى التاريخ قائم على الوعي في اذهانهم والتي خلقت منهم قيادة واعية اصبح من المستحيل نزع افكارها الواعية منها.. هذه القيادة الواعية للمحتجين اخذت طابع الصفوة التي تقود وتوجه وتبتكر وتبني وتنظر الى الامام وتحسب حساب الزمن الذي اهملته الطبقة السياسية الغبية التي تحكم اليوم وحسبته تهديدا لمستقبلها.. واكثر ما تخشاه ان تتحول هذه الصفوة المختارة الى فئة متميزة عن غيرها بعكس من تؤمن بها جماعة الخيانة.. ساعتها تتكون القيادة الحكيمة صاحبة المبادىء التي لا يمكن صدها.. كما في جماعة الثورة الفرنسية والكوبية حتى نجحت وحولت السلطة الى دولة القانون.

ان اول نجاح باهر حققته ثورة الجماهير العراقية اليوم هو انها ايقضت في فكر الجماهير ان من يحكمون الوطن اليوم هم جملة من الخونة والنصابين الذين جاء بهم الاحتلال ليدمروا وطن العراقيين.. وأنهم ليسوا أصلح هذا الشعب لكي يقودوه.. بعد ان ثبت ان الحكم الذي جاؤا به هو "حكم عضوض" الذي لا يرغبون بمشاركة الجماهيرفيه.. حتى تحول الوعي اليوم الى غضب جماهيري عارم لا يمكن التراجع عنه بعد ان خسروا اخوانهم الذين اشعلوا فيهم حالة الرغبة في الخلاص من حكم المغتصبين.اذن لابد من مبادىء جديدة تحكم الدولة قائمة على دستورية الحكم وسيادة القانون بصحيح.

هذه الحالة مرت بها الدولة الرومانية في القرن الخامس الميلادي على عهد الامبراطور"أفيتوس" التي سقطت سنة 456 للميلاد والتي عاش فيها امبراطور روما وظل الظلم والدولة يطبق على الشعب بلا حسيب ولا رقيب.. حتى انهارت قيم الحياة المقدسة وسلطان الضميرعندهم فأصبحوا يعيشون همجاً من الناحية المعنوية في اطار حضاري متقدم كما يعتقدون.. نعم.. التاريخ لا يعيد نفسه لكن الاحداث تأتي متشابهة في ازمان مختلفة.. لذا فأن التاريخ يقول ان العملية السياسية العراقية.. حتماً ستزول..

الدولة ليست محاصصات وظيفية وسرقة اموال ومنافع اجتماعية وامتيازات فردية وخطب فارغة وتسميات وهمية يصرح بها المسئولون الاميون في السياسة والدين وحقوق المواطنين كما في تصريحاتهم اليوم.. بل الدولة هي منطلق الجد والجدية والأعتقاد والهيبة العسكرية والاستقلال الوطني، وحقوق مواطنين.. هكذا قالتها كتب السماء وأيدتها القوانين .فالدولة قانون تحكمها، عدالة وقانون ودين يراقبها، وانسان مخلص ينفذ قوانينها في الحقوق والواجبات وليست ضيعة للحاكمين كما في عراقنا اليوم.. بعد ان مرغوها في الوحل واستغلوها خلافا للدين والقيم .هكذا سيندمون كما ندم الامبراطور الروما ني "أفيتوس" سنة 456 للميلاد وهو محاصر في دولة انهارت اركانها.. فوقف شاخصا منتحرا امام الفاتحين..؟

ان أكثر الامبراطوريات التي انهارت قبل آوانها هي تلك التي لم تدرك ان المهارات الفكرية والعملية السياسية اللازمة للخطوة التاريخية في بنائها والمحافظة عليها هي حركة بنائية سابقة للحركة التاريخية المعاشة فيها.. التي تستلزم التحول التاريخي والتنظيمات الادارية والقانونية وادراك اهمية الوحدة الوطنية وفهم آمن الدولة والنظام ككل.هذا هو الذي لم تدركه العملية السياسية العراقية اليوم لأعتمادها على اشخاص لا يملكون الكفاءة الادارية والسياسية والولاء الوطني في حكم الدولة.. واشخاص عُميت عيونهم بالامتيازات يصفقون.. ناهيك عن ضعف النفوس امام المال والسلطة.. والتبعية للأخرين.

ان هؤلاء الحكام ما كانوا يعلمون ان لاصعود ولا تقدم الا اذا كانوا متعاونين ومترابطين لمجابهة الصعاب التي يواجهون من جراء اهمال الحقوق والقانون.. ولم يدركوا ذلك الا حينما ننشأ بينهم الوعي الجماهيري الذي نبههم على الذي هم فيه والغون.. فهل لا زال وعي الضمير غائباً لم تصل اليه جماعة الحاكمين.. وهم يرون ان جملة مصاعب تحيط بهم.. أنهم اغبياء لا يدركون.

.ومهما عملوا وفكروا ووعوا اليوم.. عمل اخر لم يفكروا به يفوق الاخرين هو عامل الزمن الذي فاتهم.. لان مهما عملوا وتقدموا لايمكن الغاء عامل الزمن الداخل في حدوث التغيير، فالزمن والحدث هو التغيرالذي نسميه اليوم صيرورة الزمن او جدلية التاريخ والذي هم أهملوه لانهم اغبياء لا يفهمون.. أم الذي نقوله بلاغة افترائية عليهم، أم عجز القدرة وقدرة العجز الذي هم فيه والغون.هؤلاء الذين ما فكروا يوما بان الزمن يلعب دورا في عملية التغيير.

.لم نقرأ في التاريخ ان استهان الحاكم بالوطن مثلما يستهان به اليوم من قبل قادة العراق الجديد من احزاب اللا اخلاق واللا اخلاق بلا حدود.

.نعم ذاك زمان مضى.. كان الأنسان فيه يملك بقية من اخلاقية الانسان والدين؟.

فماذا هم اليوم يملكون..؟ فمَن يحاسب.. مَن.. في دولة ضاع فيها الوطن والانسان والدين والقانون؟ هل سيُحاسبون..؟ انها جدلية بين الانسان والدين.. نعم سيحاسبون مثل سابقيهم الذين ماتوا ندما على ما فعلوا دون تقدير..

نقول للسيد رئيس الجمهورية.. كفاية.. بيدك السلطة اقدم على حل مجلس النواب اللامنتخب والتخلص من كتل الخونة والمآجورين.. وطرد عبد المهدي الخائن المستقيل، فهؤلاء لا يعرفون حقوق الوطن والشعب لانهم غرباء عن العراقيين ووطنهم.. ولا تبالي فالشعب معك؟ أو تتنازل عن السلطة وتدع الشعب يفعل ما يريد.

نقول لمن يريد ان يكون رئيسا للوزراء.. كفاية..

لا تماطل ولا تتفاوض معهم، ولا تقبل منهم رأيا.. بل افعل لأبعادهم.. والتوجه بتحديد من قتل المتظاهرين وتقديمهم للقانون.. واجراء موعدا محددا للانتخابات بهيئة مستقلة جديدة غير ملوثة منهم.. وتختار وزراؤك من ساحات التحرير وبخلافه لا تبقى تماطل وتلف وتدور دون معرفة القانون والاصول وتقديم مؤسستك الوزارية لبرلمان كتل المنافقين.. ولا تذهب كما ذهب علاوي المتردد دون مآسوف عليه لتقصيره في الاقدام ومعرفة حقيقة التغيير.. الجبن ليس من طباع العراقيين .

كم كانوا قادة العراق بعد 2003 أغبياء حين فضلوا انفسهم والمال والسلطة والغرباء على الوطن والشعب.. فماذا لو كانوا العكس.. لاصبحوا قادة بحق وحقيقة مثل جورج واشنطن ومهاتير محمد في ماليزيا.. والوطن مثل سويسرا الشرق الاوسط.. فغدا ستهرب ايران المنهارة الراغبة في تدمير الوطن والشعب اليوم عنهم.. فلينتظروا.. لكن الفعل دوما دليل الأصل.. فكيف يصل من لا اصل له في حكم الشعوب بالقيم.. والقانون

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

بليغ حمدي اسماعيلمفهوم السلطة في الإسلام من المفاهيم التي يدور حولها الجدل العميق لا سيما بعد تحول السلطة في الإسلام من خلافة راشدة إلى ملك عضوض، أو بالأحرى من مؤسسة إسلامية ذات كيان سياسي رصين إلى ملكية وراثية، فارتبط المفهوم بالمظان العاطفية للمواطن المسلم والذمي أيضاً، وحينما يتصل الملك بالسلطة فالفساد قاسم مشترك والشهوات تظل عنواناً معبراً عن نظرية البقاء في السلطة والحرص عليها مهما كلف ذلك الكثير من مقدرات الأمة .

ولعل هذه النظرة إلى مفهوم السلطة الدينية هو ما دفع الكثيرون إلى تبني وجهة نظر رافضة لأية سلطة تقبع تحت مسميات دينية لما لحفظه التاريخ من سقطات لبعض الخلفاء، والحقيقة التاريخية تؤكد أن معظم خلفاء الملك الإسلامي تحديداً قد أخطأوا التقدير في إدارة الأمصار الإسلامية.

وقد يظن القارئ أن تعرضنا لبعض أوجه القصور لدى هؤلاء الخلفاء لا يمت بصلة إلى واقعنا الحالي، لكني أرى ما صنعه هؤلاء الخلفاء هو التفسير المنطقي لشهوة الصمت والركود التي نحياها في مجتمعاتنا العربية حتى الآن رغم ربيع الثورات الذي هب علينا دونما ميعاد.

فمثلاً يحفظ التاريخ الإسلامي بعض الوقائع السياسية والاجتماعية لخلفاء السلطة الإسلامية الذين سادوا أمتهم تحت دعاية إسلامية والإسلام منهم برئ تماماً، فهذا هو الخليفة المقتدر، واسمه جعفر بن المعتضد تحكمت فيه أمه ـ وهي امرأة رومية غير عربية ـ وفي دولته وفي مصير الخلافة الإسلامية كلها، والتجربة التاريخية أثبتت أن كثيراً من النزاعات السياسية في الدولة الإسلامية كان مصدرها أم الخليفة . فكانت تولي وتعزل وتسجن، والخليفة في غفلة من أمره .

ولقد لبث هذا الخليفة على عرش خلافة الدولة الإسلامية العظيمة زهاء خمسة وعشرين عاماً تحت جناحي أمه، والأدهش أنه لم يخرج مع جيشه إلى مرة واحدة قتل فيها، و يعلل المؤرخون هذا إلى خوف أمه عليه من الخطر، كما أنه كان كثير الشراب. وأظنك عزيزي القارئ تتعجل نهايته ومصيره، فقد قامت الثورات ضده وضد خلافته التي لا تفيق، حتى ذبح بالسيف، وسلبت ثيابه وترك مكشوف العورة، إلى أن مر رجل من الأكرة به فستر عورته ببعض الحشائش.

ولأن الشعوب العربية مصابة بفقدان الذاكرة المستديم، ولوا من بعده أخاه القاهر، وبالطبع هم لم يولوه الحكم، بل سار إليه طوعاً أي بالفطرة، وكان سبب توليه الحكم أي منطق السدة أنه رجل طاعن في السن. ويكفينا فخراً وعجباً ودهشة أن يكون مبرر أجدادنا في تولي الرجال الحكم هو معيار السن والعمر.المهم أن القاهر كان أهوج، وشديد الإقدام على سفك الدماء من المسلمين والأقباط واليهود على السواء، محباً للمال لا لإنفاقه على فقراء الدولة الإسلامية بل لتبذيره وإنفاقه على المعاصي وقبائح الذنوب، وتخيل أن مؤرخي عصره كانوا يصفوه بأنه غير مفكر في عواقب الأمور، فمن الطبيعي جداً أن تسير خلافته إلى زوال قبيح، وكانت نهايته خلعه وسمل عينيه.

ولطالما أكد غيري على ضرورة إعادة قراءة التاريخ من أجل استبصار الواقع الراهن واستشراف المستقبل الآتي من خلال تأويل الحدث وإدراك تفاصيله والوعي بمشهد سالف لتخطي عقبات الحاضر المشهود، لكن للأسف هناك توجه مقصود من الشباب شارك في صنعه نظام مبارك التعليمي والثقافي لاسيما في مصر حينما سعي بقصد أو بغير إدراك إلى تجريف العقول مما جعل طلابنا وأبناؤنا في حالى عزوف مستدام عن القراءة والمعرفة والنتيجة الحتمية لهذا السير عكس الاتجاه ستكون قاسية ساعة ما نجد أنفسنا بأيدي شباب لا يدركون ماذا كان بالأمس البعيد ولا يفطنون إلى واقعهم ومن ثم فالمستقبل بالنسبة لهم مثل جائزة الصدفة تتحقق بغير جهد أو كلل أو تخطيط.

واستناداً إلى المقدمة المنصرمة فإننا نجد الكثير من ساكني مصر المحروسة يتجولون بالمنطقة الجغرافية المعروفة شعبيا بمصر القديمة تحديدا بشارع المعز دونما أدنى معرفة بالشخص وتاريخه سوى أنه فاتح مصر وتحويلها إلى دولة خلافة فاطمية، وهذا أمر تستحق عليه وزارتا التربية والتعليم والثقافة الحساب العسير والشديد ومن ثم العقاب الرادع بغير رحمة لأنهما أغفلتا حقائق بسيطة عن شخص استطاع بحكامه وولاته على مصر أن يغيروا من سمتها وطبائعها وأحوالها ونظم معيشتها، لكننا بحق نعيش أزمة في التعليم والثقافة والحقيقة أننا لا نواجهها بالقدر الذي نواجه به الإرهاب رغم أن الإرهاب نتيجة منطقية لفقر التعليم وترهله، وغياب الثقافة وترديها .

وسطور كثيرة يمكن خطها عن الخليفة المعز وهو الدور الذي ينبغي على وزارتي التربية والتعليم والثقافة القيام به من أجل التنوير وتفعل الثقافة وتثويرها أيضا، لكن الحضور الثقافي يفي بمشهد غير مرض عن الدور الثقافي التنويري الذي أصبح واجبا وفرض عين على التربية والتعليم في ظل واقع هيمنت عليه أخبار لاعبي الكرة الذين لن يصلوا إلى نهائيات كأس العالم نتيجة لخيبة رياضية محلية، أو أسعار حفلات المطربين الذين صار بعضهم وبعضهن نماذج صارخة للإسفاف والانحطاط القيمي والتردي الأخلاقي سواء على مستوى الكلمة والتأليف الموسيقى إن أدرك بعضهم هذا المصطلح وأخيرا الصوت الذي تم التعويض عنه إما بالعري والتعرية والملابس الساخنة والرقصات المتشنجة.

والمعز هو الخليفة الفاطمي الرابع كان اسمه الكامل ولقبه الإمام أبا تميم معد المعز لدين الله، وهو خليفة من طراز فريد كما سيأتي الحديث عن الحاكم بأمر الله أحد الخلفاء أصحاب الطراز الفريد الأكثر غرابة، والأول لا يمكن الاختلاف على براعته ويراعته السياسية في الإدارة والحكم وتسيير أحوال البلاد والعباد، وكما يصفه أحد أساطين التأريخ لمصر المحروسة المستشرق (ستانلي لين بول) في كتابه الماتع (تاريخ مصر في العصور الوسطى) بأنه قادر على الإلمام بشروط النجاح وعلى استغلال كل نقطة لصالحه.

والمعز لدين الله الفاطمي اختلف عن كل الذين قاموا بفتح مصر منذ الصحابي الجليل عمرو بن العاص (رضي الله عنه وغفر له) وحتى الفتح العثماني على يد سليم الأول بأنه كان يعرف قدر مصر التاريخي والجغرافي والأيديولوجي أيضا ؛ لأنه ذو ثقافة رفيعة عالية، امتهر الثقافة والمعرفة، ولقد أتقن اللغة اليونانية والبربرية وجميع اللهجات السودانية المنتشرة آنذاك، ويروى عنه أنه أتقن أيضا اللغة السلافية ليتحدث بها مع عبيده بغير وسطاء، وتذكر كتب التاريخ الإسلامي التي رصدت فترة حكمه من مثل كتاب سيرة المؤيد للشيرازي وكتاب دولة المماليك الأولى في مصر والشام لأحمد العبادي أن المعز كان يبكي سامعيه بفصاحته وهو نموذج للعدل والنبل .

وعود على ذكر المعز لدين الله الذي كان فتح مصر يمثل حلما استثنائيا له قد تحقق على يد قائده المخلص جوهر الصقلي الروماني وهو العبد المملوك من الامبراطورية البيزنطية . والشاهد يؤكد أن امتلاك المغرب لم يكن هدفا لدى المعز بل إن طموحاته توافقت مع مصر وقدرها ومكانتها، ولأن التاريخ دوما ينبئ بخفايا الماضي فمدينة القاهرة التي تم تأسيسها وتدشينها في عهد المعز جاءت تسميتها بعلة وحجة، فلقد كان كوكب القاهر في الطالع فسميت القاهرة بهذا الاسم، وقيل إن المريخ كان في الطالع وهو قاهر الفلك فسميت القاهرة وهو ما جاء في كتاب النجوم الزاهرة، وكتاب المقريزي (اتعاظ الحنفا) . وسرعان ما فكر المعز في تحويل شقاء حياة المصريين إلى حياة كريمة فأرسل سفن القمح لإنقاذهم من محنة المجاعة وسعى إلى حكم البلاد بالعدل والحكمة لضمان السلام والنظام .

هو المنصور أبو علي الحاكم بأمر الله، الشخصية الفريدة والعجيبة في تاريخ مصر وهو الابن الوحيد لأب حكيم وحاكم أمهر، أمه نصرانية تولى حكم مصر وهو ابن أحد عشر عاما حينما سقط العزيز والده ميتا في حمامه بمدينة بلبيس، وحينئذ أحضره الأمير (برجوان) وكان خصيا صقليا نشأ في بلاط العزيز واستبد بالسلطة منذ تولي الحاكم بأمر الله حتى قتل، من أعلى شجرة جميز أثناء لعبه ولهوه. وهذا البرجوان الذي تحمل اسمه حارة شهيرة بالقاهرة الفاطمية كان غارقا في الملذات الحسية وأسقطته السلطة واللذة والمجون وربما الثراء المفاجئ، وكانت نهايته على يد الحاكم الخليفة الصغير الذي بدأ عهده الفعلي لممارسة السلطة باغتياله .

وإذا أردنا أن نلقي ظلالا قصيرة على حكاية الحاكم بأمر الله العجيبة فإننا نقف طوعا مرة وكرها مرات كثيرة على ملامح رئيسة أبان فترة عهده العجيب أيضا، فهذا الرجل كما يسرد قصته ستانلي لين في كتابه كانت له طريقة مروعة في التسلل بين رعاياه الأمر الذي جعل معلمه يطلق عليه لقب (سحلية)، وكان على موعد من الغرام مع الليل والظلمة، الشأن الذي أمر مجلسه الرسمي أن ينعقد في المساء وبأمره تحول الليل إلى نهار فكانت الصنائع والحرف وكافة الوظائف تسير بالليل فقط دونما النهار ولربما تفسيرنا البسيط يشير إلى أنه رجل يخاف سطوة النهار بوضوحه وسطوعه.

والحاكم بأمر الله الفاطمي يمتلك عقدة خفية صوب النساء، هذه العقدة تمثلت في نهي المرأة عن الخروج إلى الشارع مطلقا وفرض قوانين وقيودا رادعة على النساء في عصره فقد عمد إلى حظر ظهور النساء في النوافذ، ومنعهن من ارتياد أسطح منازلهن أيضا، وبلغ به حد الحظر إلى منع الأساكفة (صناع الأحذية) من صناعة أحذية النساء .

وبرغم هذه الكراهية غير المبررة صوب النساء لجأ الحاكم بأمر الله الفاطمي إلى إعداد وتجهيز شرطة نسائية مشتملة على جملة من الجاسوسيات داخل تجمعات الحريم لجلب الأخبار والنوادر والحكايات. ومن الحكايا الطريفة في عهد الحاكم أن المصريين وضعوا مجسما ورقيا لامرأة بشكل ساخر في الطريق، الأمر الذي قابله الحاكم بنوع من القوة والتصرف الغاضب فقام بتمزيق المجسم .

وحشية الحاكم بأمر الله وبطشه المستدام وعدم رأفته بالصغير والكبير، واضطراب معاملته وتسامحه مع اليهود والنصارى تجاوزت إلى مساحات أخرى في حياته يمكن توصيفها بالاضطراب النفسي والعقد الكامنة، هذا الاضطراب رغم معاناة اللفظة كان مدعاة للسخرية والتندر حتى وقتنا الراهن، فالحاكم أولا منع الجعة وصادر الخمور وأتلف أشجار الكروم وهي أمور أسعدت المصريين المتدينين، لكنه في الوقت نفسه أحدث أمورا أخرى عجيبة ومدهشة . فلم يسمح بأكل الملوخية التي كان اسمها في الأصل (ملوكية) أي طعام لا يأكله إلا الملوك، وحظر لعب الشطرنج نهائيا وبالتالي تم إحراق كل رقعة أعدت للشطرنج، وأمر بقتل الكلاب أينما وجدت، وبلغ العجب بتصرفاته المضطربة أنه لم يسمح بذبح الماشية السالمة من العيب إللا في مناسبة واحدة فقط، عيد الأضحى .

إذن فالسلطة في دولة الخلافة الإسلامية ارتبطت بأذهان المواطن العربي إما بالفساد والقوة والبطش والقمع، أو بالضعف والانزلاق وراء الشهوات الشخصية والمصاب الوحيد هو الشعب نفسه، والذي حكم بدافع الإسلام وأحكام الدين بقواعد وشروط وضعها الخليفة وساسته وبطانته .

وهذا ما يخشاه المواطن العربي بصورة عامة والمصري بصفة شخصية، لأن مفهوم السلطة الدينية ارتبطت بمظانه الذهنية بصور بشعة قتلت باسم الاسلام مثلما حدث أبان الفتنة الكبرى وما بعدها في فترة يزيد بن معاوية وزياد بن أبيه وغيرها من الفتن التي عصفت بالأمة الإسلامية.

هذا لا ينفي في مظاننا نحن أن تكون السلطة المدنية قائمة على مرجعية دينية غير متشددة بل المرجعية الموجودة في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، ومرتكزات قوامها الشريعة الإسلامية الرصينة من اجتهاد فقهي سليم بعيد عن الغلو الذي ضايق العقل والمنطق بتشدده وفكره المغلق .

وهناك إصرار مستدام من جماعة الإسلام السياسي التي عانت عقوداً طويلة من المنع والحجب والقمع والاستبعاد الاجتماعي علي اقتناص السلطة السياسية تحت سياج ديني بغير شريك لهو أمر لابد وأن يدعوني للتفكير من جديد في آلياتها، فإصرار الجماعة علي تأسيس دولة ذات صبغة دينية وليست دينية لأن الدولة الدينية شيء والدولة ذات الصبغة الدينية شيء آخر تماماً سيحدث وسط هذه الظروف التي تمر بها البلاد حالياً دون تخطيط أو معاناة في التنفيذ ومتابعتها ومراقبتها، ومن ثم تحقيق أهدافها المنشودة، وهم بذلك أشبه بالداعين إلي إقامة دولة مدنية وترسيخ أعمدتها وأركانها فهم أيضاً سيذهبون بغير وعي نحو هذا الشرك المنصوب لهم .

فربط الدين مثلاً بالعلم بصورة مستدامة يوقعنا في إشكال خطير، نظراً لاتسام العلم نفسه بالتغير والتقدم الدائم، بل إن دعوة هؤلاء المناصرين لإقامة الدولة المدنية دون ضوابط ثابتة ستجعلهم يقدمون العقل علي ظاهر الشرع عند التعارض، وهذا بدوره يؤدي إلي تحريك الطائفية من جديد.

ولا شك أن فكرة الحوار بين أنصار كل اتجاه مدني وديني يتحرك نحو الصراع والعداء، فكلاهما يري الآخر علي باطل، أو إن شئنا التوصيف علي لغط لا يسانده الصواب، إلا أن أنصار الدولة المدنية أخف وطأة في الحكم علي الآخر، فهم يبتعدون تماماً عن التكفير الذي طال معظم من اشتغل بالتفكير والتأويل والتحليل وإعمال العقل .

وجماعات الإسلام السياسي منذ ظهورها كانت داعمة لفكرة الاستلاب الديني الأمر الذي جعل صاحبها يتطرق إلى مناحٍ سياسية بعيدة الصلة تماما عن الفكر الديني، بل جعلته يعقد وشائج الصلة مع كيانات وأشخاص مختلفين في الرؤية والرسالة، ولطالما سعت الجماعة منذ تدشينها في عشرينات القرن المنصرم على ظهورها كبديل للاتجاهات المدنية الذائعة وقتئذ، والتي قدمت نفسها للشارع المصري ـ وربما رغم حالات النفي تزال ـ المالكة لكل الحلول التي تعالج مشكلات الوطن العربي بل والعالم الإسلامي سياسيا ودينيا واقتصاديا واجتماعيا . الأمر الذي جعلها تفكر في وسيلة سريعة للاستلاب وهي الانتشار عبر الصحف والمجلات والمنشورات السرية وغير السرية والخطابة بالمساجد غير متطرقين في بداية الأمر إلى شئون السياسة وإحداثياتها، بل الاقتصار على الشأن الديني المتعلق بالبدع والانحلال الأخلاقي .

لكن فكرة الاستلاب التي هيمنت علي تفكير بعض تيارات الإسلام السياسي تفرض عليها رؤية معينة للواقع، وتجعلهم بذلك غريبين عن الممارسة الاجتماعية الحقيقية وعن وعي الواقع بشكل موضوعي، .ولا أتعجب من قصر هذه الرؤية رغم تاريخ هذه التيارات الطويل في التخطيط والتدبير السري، لأن الوصول على سبيل المثال إلى سدة الحكم في مصر أو في تونس كان وليد الصدفة، وجاء نتيجة القفز على مكتسبات الثورتين في مصر وتونس بسبب غياب قدرة الثوار الحقيقيين على إدارة موازين المشهد السياسي قبيل خلع الرئيس السابق حسني مبارك وبعد إسقاطه .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

علي المؤمنالمرجعية الشيعية وخيارات ما بعد السيستاني والخامنئي (3)

ليس من الضروري أن تكون تجربة التنظيم النسبي في حوزة قم مفيدةً للنجف، وليس من الضروري أن تكون تجربة حوزة النجف المفتوحة نسبياً مفيدةً لقم؛ فلكل حوزةٍ ظروفها وبيئتها وتراثها وخبراتها التراكمية. ولكن من المفيد جداً أن تتبادل التجربتان خبراتهما فيما يشكل مساحات مشتركة تثري البعد العلمي والتبليغي للمذهب؛ بما يليق بالحوزة النجفية الكبرى ذات الألف عام، والحوزة القمية الفتية العائدة بقوة منذ تسعين عاماً.

لقد تألقت حوزة قم العلمية في عهد مرجعية الشيخ الصدوق بعد أفول حوزة الكوفة في الربع الثاني من القرن الرابع الهجري ( القرن التاسع الميلادي). ثم أفِلت حوزة قم بعد ظهور الحوزة العلمية في بغداد في أواسط القرن الخامس الهجري مع مرجعية الشريف المرتضى ومرجعية الشيخ المفيد. ثم أفلت حوزة بغداد بعد انتقال زعيم الشيعة الشيخ الطوسي الى النجف الأشرف وتأسيس حوزتها من جديد. بعدها انتقل مركز المرجعية من حوزة النجف الى الحوزة العلمية في الحلة بظهور الشيخ ابن إدريس الحلي في أواسط القرن السابع الهجري.

وبرزت الحوزة العلمية في جبل عامل بلبنان مع مرجعية الشيخ محمد بن مكي العاملي المعروف بالشهيد الأول في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري (القرن الرابع عشر الميلادي). ثم عاد مركز المرجعية الى النجف الأشرف بعد ظهور الشيخ أحمد بن محمد المقدس الأردبيلي في القرن العاشر الهجري (القرن السادس عشر الميلادي). وخلال قرنين تقريباً؛ بقي مركز المرجعية يتنقّل بين النجف وكربلاء؛ فكان آخر مرجع كربلائي هو الشيخ محمد باقر الوحيد البهبهاني. وبعده استقرت المرجعية العليا نهائياً في النجف منذ نهايات القرن الثامن عشر الميلادي على يد السيد محمد مهدي بحر العلوم، ثم الشيخ جعفر كاشف الغطاء، وحتى الآن.

بيد أن الحوزة العلمية النجفية تعرّضت الى التدمير التدريجي الشامل بدءاً من العام 1968، بعد استيلاء حزب البعث على السلطة في العراق، وبلغ ذروته بعد العام 1979. وخلال هذا العام دخلت حوزة قم مرحلة نمو نوعي وكمي غير مسبوق، مع عودة الإمام الخميني وتأسيس الجمهورية الإسلامية، والهجرة الواسعة لعلماء الدين وطلبة العلوم الدينية من حوزة النجف الأشرف وباقي مدن العراق الى قم، وتوافد أعداد هائلة أخرى عليها من بلدان العالم الأخرى، ولا سيما لبنان والبحرين والسعودية والهند وباكستان وأفغانستان وآذربيجان وتركيا وأفريقيا وشرق آسيا.

وإذا كانت حوزة النجف تختلف عن حوزة قم في الجوانب الشكلية ذات العلاقة بالهيكيلية والتنظيم وحجم الإنتاج العلمي؛ فإنهما يتشابهان الى حد التطابق في المضامين والمحتوى، ولا سيما في مراحل الدراسة الثلاثة: المقدمات والسطوح والبحث الخارج، والمناهج الدراسية في المراحل الثلاث، ومصادر البحث والرواية والإستدلال، وشروط الإجتهاد وأساليب الوصول اليه، وشروط المرجعية، ولا سيما الأعلمية والعدالة، وأساليب إدارة المدارس الدينية التقليدية، وغيرها.

الذي تختلف فيه حوزة النجف عن غيرها من الحوزات العلمية الكبرى في الكوفة وقم وبغداد وجبل عامل والحلة وكربلاء؛ أنها لم تأفل ولم تضمحل خلال (1000) عام، أي منذ أسسها الشيخ الطوسي؛ إذ بقيت قائمة بمدراسها العلمية الفاعلة وإنتاجها العلمي؛ وإن انتقلت المرجعية العليا منها الى حوزات أخرى. بينما أختفت حوزات الكوفة منذ أوائل القرن الرابع الهجري، وقم في أواسط القرن الخامس الهجري، وبغداد في أواسط القرن الخامس، و الحلة في القرن العاشر الهجري، و سامراء في القرن الثالث عشر الهجري، كما أفلت حوزات جبل عامل و كربلاء و الكاظمية في فترات كثيرة. وبالتالي يمكن القول أن جميع الحوزات كانت موسمية غالباً، عدا حوزة النجف.

والإختلاف الثاني، هو أن النجف خلال (1000) عام متواصلة، لم تخل يوماً من مراجع الصفين الأول والثاني، عندما كانت المرجعية العليا تنتقل الى حوزات أخرى في فترات زمنية محدودة، كما حصل في الحلة في زمان ابن ادريس والعلامة الحلي والمحقق الحلي، و جبل عامل في زمان الشهيد الأول والشهيد الثاني، وكربلاء في عصر الشيخ الوحيد البهبهاني، وسامراء في زمن السيد الميرزا الشيرازي، وقم في زمن السيد حسين البروجردي. و لذلك فإن 80 بالمائة من المرجعيات العليا في التاريخ الشيعي، كان مركزها النجف الأشرف.

الإختلاف الثالث، هو أن أغلب الإنتاج العلمي الديني الشيعي، التفسيري و الحديثي والكلامي والفقهي والأصولي والرجالي، كتبه علماء النجف. أي أن الموروث العلمي الديني الشيعي هو موروث نجفي في غالبيته؛ دون بخس حوزات بغداد و قم وكربلاء والحلة وجبل عامل نتاجها وتراثها العلمي الديني المهم.

أما الحديث عن الخلاف بين الحوزتين النجفية والقمية حول مبدإ ولاية الفقيه؛ فهو حديث دعائي موجّه أو انفعالي، بعيد عن لغة العلم والواقع. وأوضح هنا أهم ما يتعلق بدائرة الخلاف:

1- إن ولاية الفقيه مقولة فقهية تخصصية، وليست مقولة سياسية أو مناطقية، و لاعلاقة لها بمتغيرات السياسة وعموم الشأن العام. أي أن بحثها ومقاربتها مهمة الفقهاء حصراً؛ شأنها شأن أي موضوع فقهي آخر يدخل في أبواب العبادات والمعاملات. وقد بحث المحدثون والفقهاء هذا الموضوع في كتب الفقه الإستدلالية منذ عصر الشيخ المفيد ( أشار اليها في كتابه المقنعة) قبل 1100 عام وحتى الآن. و من غير المجدي ولا الصحيح أن يكون موضوع ولاية الفقيه مادة صحفية أو سياسية أو دعائية خاضعة للمزايدات والانفعالات والمزاجيات الشعبوية، مآلها الفتنة بين أتباع مدرسة آل البيت. وهو ما يتسبب فيه أنصار الفقهاء القائلين بخصوصية الولاية و القائلين بعموميتها، أو المزايدين المنفعلين المناطقيين، و أغلبهم لايعي البعد الفقهي التخصصي للموضوع، ولا مساحات الخلاف ومناطاته. حتى باتت هذه الإنفعالات والمزايدات ثغرة ينفذ منها خصوم الشيعة الداخليين والخارجيين؛ لتمزيق الواقع الشيعي.

2- لا يوجد فقيه شيعي في التاريخ وفي الحال الحاضر لا يؤمن بمبدإ ولاية الفقيه ولا يطبقه، ولا يكون الفقيه فقيهاً إذا لم يكن يعتقد بمبدإ ولاية الفقيه، ولا يوجد شيعي في العالم يقلد فقيهاً وهو لايؤمن بولاية الفقيه؛ لأن مآل زعم عالم الدين بأنه مجتهد أو مرجع تقليد؛ هو تطبيق مبدإ ولاية الفقيه عملياً؛ فكل فقيه لديه ولاية تلقائية على الفتوى وعلى الحقوق الشرعية وعلى القضاء وعلى الأمور الحسبية. و المقصد الشرعي للحسبة هو حفظ النظام العام للمجتمع، ودرء المفاسد عنه وجلب المصالح له. وإذا رفض الفقيه هذه الولاية فلامعنى لاجتهاده وتقليده. أما المكلّف الشيعي؛ فإن تقليده مرجعاً دينياً يعني أنه تولاه في أموره الدينية الفقهية، وآمن عملياً بولاية الفقيه الذي يقلده، وطبّقها على نفسه في جانب الفتاوى والأحكام الشرعية، وجانب الحقوق الشرعية التي يقدمها للمرجع من خمس وغيره، وجانب التقاضي عند هذا المرجع، إضافة الى التزام فتاواه وتوجيهاته في الأمور الحسبية. وهذه كلها أجزاء لا تنفصل من ولاية الفقيه.

3- الخلاف بين الفقهاء في موضوع ولاية الفقيه خلافٌ علمي بحت، وهو ليس خلافاً في أصل مبدإ ولاية الفقيه؛ بل في مساحاته. ويعود الخلاف الى القراءات المختلفة لمصادر الاستدلال الفقهي، و وعي مقاصد الشريعة وغايات النظام الفقهي، وهو لايختلف بتاتاً عن الخلاف بين المراجع في أي موضوع فقهي آخر في أبواب العبادات والمعاملات. وأبرز مساحات ولاية الفقيه المختَلف عليها بين الفقهاء هي مساحة الحكم؛ أي الولاية على الحكم؛ فالفقهاء الذين قادتهم أدلتهم الى شمول الولاية لموضوع الحكم؛ فإنهم يعتقدون بولاية الفقيه العامة. أما الفقهاء الذين لم يقتنعوا بأن الأدلة تفيد بشمول الولاية لموضوع الحكم؛ فإنهم يعتقدون بولاية الفقيه الخاصة، أي الولاية التي تقتصر على موضوعات الفتوى والقضاء والمال الشرعي والحسبة. بل هناك خلاف بين الفقهاء المعتقدين بولاية الفقيه الخاصة، بين من يوسع دائرة الأمور الحسبية العامة وبين من يقلصها. وهناك خلاف أيضاً بين الفقهاء المؤمنين بولاية الفقيه على الحكم، بين من يقيدها بالقانون (الدستوري والدولي) وبين من يطلقها، لتكون متقدمة على القانون.

4- الخلاف بين الفقهاء حول مساحة ولاية الفقيه؛ تخصيصاً وتعميماً وإطلاقاً؛ لاعلاقة له بالنجف وقم، ولا بأية حوزة أخرى؛ فهناك فقهاء معاصرون في النجف يعتقدون بولاية الفقيه العامة، وآخرون يعتقدون بولاية الفقيه الخاصة. فمن خلال مراجعة كتاب "عقائد الإمامية" للفقيه النجفي الشيخ محمد رضا المظفر ـ مثلاً ـ؛ سنجد أنه أشار الى ولاية الفقيه العامة المطلقة منذ خمسينات القرن الماضي؛ أي قبل أن يطرحها الإمام الخميني ويفصِّلها في النجف في أواخر ستينات القرن الماضي. ومن فقهاء النجف الذين طرحوا ولاية الفقيه العامة بالمساحة نفسها التي يقول بها الشيخ المظفر: الشهيد السيد محمد باقر الصدر والشهيد السيد محمد الصدر وغيرهما. وفي المقابل هناك مراجع وفقهاء كبار أحياء في حوزات قم وطهران ومشهد لا يعتقدون بولاية الفقيه العامة. وبالتالي فإن من يقول بأن مبدأ ولاية الفقيه العامة هو مبدأ فقهي قمي أو إيراني فهو يجهل بديهيات البحث الفقهي، أو أنه يهدف الى إيجاد موضوع للخلاف بين الحوزتين لأغراض سياسية وطائفية.

5- إن السبب في إنتشار مبدإ ولاية الفقيه العامة بين فقهاء قم، وانتشار مبدإ ولاية الفقيه الخاصة بين فقهاء النجف، يعود الى قضية فنية بحتة لها علاقة بالجغرافيا فقط؛ فالإمام الخوئي الذي يقول بولاية الفقيه الخاصة؛ كان يقيم في النجف، والإمام الخميني الذي يقول بولاية الفقيه العامة كان يقيم في قم. ولذلك؛ فإن من الطبيعي أن يكون أغلب تلاميذ الإمام الخوئي يقيمون في النجف، وقد ورثوا من أستاذهم القناعة العلمية نفسها، وفي مقدمهم السيد السيستاني. أما تلاميذ الإمام الخميني، فإن أغلبهم يقيم في قم، وقد ورثوا من استاذهم القناعة العلمية نفسها، وبينهم السيد الخامنئي. وبالتالي فإن موضوع الخلاف حول مساحات ولاية الفقيه لاعلاقة له بخلاف مزعوم بين حوزتي النجف وقم؛ بل برؤيتين علميتين لمدرستي الإمام الخوئي والإمام الخميني، وهما المدرستان الفقهيتان المعاصرتان الأبرز حضوراً في الوقت الحاضر.

6- إذا كان مرجع النجف السيد السيستاني يعتقد بولاية الفقيه الخاصة؛ أي عدم شمولها على موضوع الحكم؛ فإنما هو اجتهاد شخصي، وليس مبنىً نجفياً، ومن الممكن مستقبلاً صعود فقيه لموقع المرجعية العليا يعتقد بولاية الفقيه العامة، وسيكون اجتهاداً شخصياً أيضاً. ولكن ستكون له تبعاته على الشأن العام دون شك. وربما يحدث الأمر نفسه في حوزة قم. فالسيد محمد رضا الموسوي الگلپايگاني الذي تفرد بكرسي المرجعية العليا في قم بعد وفاة الإمام الخميني والشيخ الأراكي؛ لم يكن يعتقد بولاية الفقيه العامة، فضلاً عن المطلقة. كما أن أبرز مرجعين حالياً في قم، هما الشيخ حسين الوحيد الخراساني والشيخ ناصر مكارم الشيرازي؛ الأول يؤمن بولاية الفقيه الخاصة بمساحتها الضيقة كما هو مبنى أستاذه السيد الخوئي، والثاني يؤمن بولاية الفقيه العامة المطلقة كما هو مبنى الإمام الخميني. أي أن مبدأ ولاية الفقيه العامة ليس مبنىً قمياً. وبالتالي؛ فإن هذا الموضوع هو موضوع اجتهادي شخصي للفقهاء، ولا علاقة له بجغرافيا الحوزة.

ومن اجل التعرف على الموقف الفقهي للسيد السيستاني من مبدإ ولاية الفقيه؛ أعرض هنا عدداً من النصوص الفقهية للسيد السيستاني، والمنشورة على شكل استفتاءات في كتاب "الفوائد الفقهية طبقاً لفتاوى آية الله العظمى السيد علي السيستاني" المتوافر بشكل ورقي. فضلاً عن أن الإستفتاءات نفسها منشورة في موقعه الرسمي على شبكة الإنترنيت:

سؤال 93: ما معنى ولاية الفقيه؟

الجواب: (يعني نفوذ أحكامه شرعاً في موارد ثبوت الولاية له).

الفوائد الفقهية، ج١ ص٥٣.

سؤال 49: ما حدود ولاية الفقيه عندكم؟

الجواب: (الولاية فيما يعبّر عنها في كلمات الفقهاء (رض) بالأمور الحسبية تثبت لكل فقيه جامع لشروط التقليد، وأما الولاية فيما هو أوسع منها من الأمور العامة التي يتوقّف عليها نظام المجتمع الاسلامي؛ فلمن تثبت له من الفقهاء ولظروف إعمالها شروط اضافية، ومنها أن يكون للفقيه مقبولية عامة لدى المؤمنين).

الفوائد الفقهية، ج١ ص38 - 39.

سؤال 41: هل يجب اتّباع الفقيه في أحكامه التي يصدرها؟

الجواب: (إذا كان حكمه في موارد ثبوت الولاية فلا تجوز المخالفة).

الفوائد الفقهية، ج١ ص٣٥.

سؤال 43: ما حدود حاكمية الحاكم وموارد نفوذها في حق مقلِّدي الغير؟

الجواب: (تنفذ أوامر من تثبت له الولاية من الفقهاء على الجميع في الأمور الحسبية؛ بل وفي الأمور العامّة التي يتوقف عليها نظام المجتمع الإسلامي).

الفوائد الفقهية، ج١ ص٣٦.

السؤال 63: هل يجب على باقي الفقهاء الذين لايرون ولاية الفقيه العامة؛ إطاعة الأحكام الولائية الصادرة عنه لضرورة حفظ النظام الإسلامي؟

الجواب: حكم الفقيه الذي ثبتت له الولاية في موارد ثبوتها؛ لايجوز نقضه ولو لمجتهد آخر، إلّا إذا تبين خطؤه ومخالفته لما ثبت قطعاً في الكتاب والسنة.

الفوائد الفقهية، ج ١ ص 45.

سؤال 90: هل الأحکام الولائية للولي الفقيه نافذة علی جميع مسلمي العالم أم هي خاصة بمنطقة نفوذه وولايته؟

الجواب : (ولاية الفقيه فيمن تثبت له مواردها لا تتحدّد ببقعة جغرافية).

السيد السيستاني، الفوائد الفقهية، ج ١ ص ٥٣.

سؤال 146: هل يجوز تشريع القوانين استناداً الى اقتضاء المصلحة؟

الجواب: يجوز ذلك لمن له الولاية شرعاً ضمن شروط خاصة.

الفوائد الفقهية، ج ١ ص 70.

هذه النصوص كلها تؤكد أن السيد السيستاني يعتقد بولاية الفقيه إعتقاداً قاطعاً؛ كغيره من الفقهاء؛ بل أنه يوسع مساحة حفظ النظام العام الثابتة للفقيه الجامع لشروط الإجتهاد والعدالة والمقبولية العامة من المؤمنين. أما في مساحة الولاية المطلقة على النظام السياسي؛ فإنه يؤكد عدم ثبوتها لديه؛ برغم أنه يوجب إطاعة الولي الفقيه الذي قبل المؤمنون بولايته، حتى على المجتهدين الآخرين، وعلى المؤمنين خارج منطقة نفوذه الجغرافي، كما نفهم من النصوص.

 

د. علي المؤمن

 

قاسم محمد الياسريالقوه النفسيه التي تمكنك من إدارة ذاتك وبرمجة أولوياتك هي التي تحقق أهدافك ولكي تكتمل السعادة في الحياة والإنتصارعلى نواقصها فعلينا أن نضع هدفا طموحا وفق العقل والمنطق .. لكي نقاوم مخاوف النفس وأنانيتها وتردد الذات وكسلها.. فالانسان المتنورالمتعلم يعيش حياته تدفعه مشاعرالثقه العاليه بالنفس لا مشاعرالخوف والقلق والتردد وهو يفهم مايجري حوله عندما يحكم عقله بتوازن ويكون منطقي في ردة فعله واضح المعالم بعيدا عن الأنانيه ويوضح للآخرين حدودهم ولا يحمل تجاههم سوى التعاطف والحب بكل بهجه وسرورولكل من يتعامل معه بلا بغض وبلا نرجسيه.. جميع بني البشريسعى ويرغب بحياة سعيده وناجحه ولكن.. هل الجميع مستعدين لدفع الثمن لتحقيق السعاده والنجاح الذي يطمحون له؟ فاذا كان الجواب نعم ..اذا ما الذي يوقفهم؟ هل هو الخوف الذي يمنعهم؟ ومن ماذا؟ ومن هو هذا الخوف؟ هل هو المجتمع ومعتقداته أم هم من حولك يؤثرون على شخصيتك ويمنعونك من التحرر .. متى نتحررمن عبوديتنا لهذا الخوف الذي سلب حريتنا وسعادتنا.. المخاوف التي تعيش في دواخلنا كثيرة جدا ومتنوعه فكل خوف مسؤول عن واحد من العيوب الشخصية اوالقيود التي تمنعنا من الإنطلاق لتحقيق الاحلام ..فهناك الخوف من المواجهة والخوف من فقدان من نحب والخوف من الفشل في العمل او في الدراسة والخوف من الفشل في إيجاد شريك حياة مناسب عند الشباب والخوف من فشل إدارة الحياة الزوجية والخوف من الموت الذي لابد منه .. المشكل ليست سهله لان الانسان بطبعه يميل دائما وباصرار للدفاع عن أفعاله اومعتقده وبرمجته الاجتماعيه وعن حياته وبشتى الوسائل فيجد عشرات المبررات لنفسه كي يحافظ على مخاوفه ويقاوم بشتى الوسائل كل من يحاول أن ينقذه ويمد له يد العون من هذه الدوامه التي نعيش فيها وأسوا ماف الامر أننا نغلف سلوكياتنا الخاطئه بأقنعه مزيفه للفضيله والتدين مثل الخوف من المواجهه والخوف من الخساره في علاقاتنا التي تدفعنا الى المجامله الزائده والزائفه لتزيين أنفسنا كي نظهرأننا نتصرف بمظهر حضاري وراقي وإنساني بينما الواقع مانقوم به هو كبت للمشاعر السلبيه وإخفئها ونتسسبب بتراكم الشعوربالاستياء من الاخرين وبهذا تتراكم المشاعربالاستياء التي قد تتحول الى حقد بداخلنا.. والاكثر من ذالك نحن نخدع الآخرين بقبول تصرفاتهم ثم يتفاجؤا فيما بعد عندما تنفجرإنفعالاتنا من تراكم الاستياء في داخلنا.. كل هذه المخاوف وغيرها هي كالمغناطيس تجذب لنا كل ما نخاف منه فيتملكنا الخوف والرعب الذي يلازم حياتنا ويسيطرعلى مشاعرنا فيمنعنا من تحقيق طموحاتنا التي نرغب ونطمح تحقيقها فالخوف من فقدان علاقاتك مع من تحب مثلا لن يتركك بحالك إلا بعد أن تفقد علاقاتك مع جميع من تحب . اذاً أنت أيها الانسان تحتاج الى الشجاعه وتحتاج للصبروالتفائل دائما لكي تعزز ثقتك بنفسك.. فعندما تواجه مخاوفك..بتفائل وشجاعه وصبر وثقه يصبح طريقك في الحياة مفتوحا . ومقاومتك للمخاوف بهذه المميزات الاربعه تحصل على ثقه عاليه بالنفس وتنتهي مخاوفك ويعم حياتك السعاده الابديه والسلام والأمان ..

 

د- قاسم محمد الياسري

 

حمزة الشافعي

تشكل حقبة كورونا التي ارخت بظلالها على العالم منذ أواخر سنة 2019 فرصة تاريخية لمفاوضة أشكال الانتماء التقليدية   traditional forms of belonging/ness التي تسود مجموعة من المجتمعات والبلدان، والتي لا تزال ترزح تحت وطأة تأثيرات صدمة الاستعمار colonial shock/trauma. ومن شأن هذه المفاوضة، من زاوية نظر متفائلة، أن تخلخل  بنيات هذه الأشكال والصيغ (الانتمائية) التقليدية لتفرز أنماطا أكثر شمولية وإنسانية، تكون فيها سعادة ورفاهية الإنسان/الفرد إلى جانب الوطن ككل، المنطلق والغاية والمنتهى. فكلما أحس الانسان/الفرد بأهميته وقيمته، كلما زاد ولاءه وانتسابه إلى المجتمع الذي يعيش فيه، وكلما زادت رغبته في خدمة ذلك المجتمع والاحتفاظ به والتضحية من أجله أيضا. كما أن شعور الأفراد بالانتساب الوجداني الفعلي يعزز تماسك مجتمعهم، ويقوي، بشكل تلقائي، إيمانهم بضوابطه ومعاييرهregulations and norms . كما أنه  يفرز "الولاء الطوعي" له كأسمى درجات الانتماء، مما يولد لديهم، السعي الحثيث واللامشروط نحو خدمته ونهضته وصيانته، ومن ثم التأسيس، بلا شك، لانتماء أشمل، بل أهم: الانتماء الوطني الفعلي...

إن تحقيق هذه الغاية الكبرى، أي الانتماء الوطني الفعلي، يجب أن ينطلق من "مفاوضة" negociation  أشكال الانتماء التقليدية السائدة والمؤثرة في "المجتمعات والبلدان المصدومة استعماريا"colonially shocked societies and countries . وهي مفاوضة ديالكتيكية/جدلية تقوم تحت لواء "المنطق" و"الموضوعية" وكذا "المصير" الوطني المشترك. كما أن وسائل وآليات اشتغالها تنهل من النقد-ية (نقد الواقع وأشكال الانتماء التي أفرزته) والتفكيك-ية ثم التأسيس-ية أو البناء-ية، بشروط الواقع الحالي المعاش في تفاعل مع "المعاش الكوروني" المستجد، لكن دون نية النقد والمحاسبة واستنزاف الطاقة والجهد في رثاء الأطلال التي خلفتها تجارب ما قبل الجائحة. إنها مفاوضة تتسامى عن هفوات حقبة ما قبل كورونا pre-corona  condition/era، وتتفهم وتستوعب إكراهات حقبة كوروناcorona condition ، وتجتهد وتجدد وتؤوّل في سبيل حقبة ما بعد كوروناpost-corona condition/era : المستقبل برغبة "الوطن المزدهر"، وبضمير  جمعي-تكاملي-إيثاري ("نحن النحن/ We the We")... ضمير متماسك لا يستثني أي فرد داخل الوطن، بغض النظر عن العقيدة واللسان والثقافة والاثنية والمجال والطبقة الاجتماعية.

والفشل في مفاوضة أشكال الانتماء التقليدية الراهنة في حقبة كورونا، وعدم القدرة على تحليل واستيعاب نتائجها وامتداداتها تربويا وصحيا واجتماعيا ونفسيا واقتصاديا وفكريا من طرف كل مكونات البلد الواحد دون استثناء، قد يضيع فرصة تاريخية في تهيء وبناء وإنضاج الشروط الموضوعية والذاتية الملائمة للانتماء الوطني الحقيقي لحقبة ما بعد كورونا. والنتيجة قد تكون استقواء وتجدر أشكال الانتماء التقليدية التي احرجت جائحة كورونا إفرازاتها على عدة أصعدة (صحية وتربوية واجتماعية وثقافية). وخطورة تجدر تلك الأشكال التقليدية، في أغلب الظن، ستكمن في تعزيز "تقادم هشاشتها" من جهة، واحتمال تطور درجة تجدد وفتك وعنف الموجات والجائحات  الكورونية (فيروسية/وبائية) في المستقبل. فلنتصور جميعا مشهدا لا أحد منا يتمنى تحققه؛ مشهد تقوم فيه "الهشاشة المتقادمة"، كإفراز مباشر لأشكال الانتماء التقليدية رغم الدرس الكوروني البليغ-الأليم، بمجابهة كورونات  coronasمتطورة ومتجددة باستعمال وسائل بدائية وبنيات خدماتية رديئة ووعي سلوكي مزيج من التنظيم والفوضى والحجر والضبابية والغموض والانفلات والخوف والدهشة و"الفقدان" alienation... هذا المشهد لا أحد يريد أن يتكرر لتحاشي السقوط في "واقع خارب"   The Waste Realityسمته اللسع/اللدغ المتعدد والمتجدد عن "وعي/إدراك" و"ترقب/انتظار"، وبطريقة ماسوشية  masochistic  تؤذي، وقد تدمر الكل  قبل الذات ( أي بدافع سادي  sadisticموازي) sadomasochism/.

 

حمزة الشافعي - المغرب

 

مجدي ابراهيملم تكن التصورات المادية التي تقيّم الإنسان والأشياء كلها بالقيمة المادية وتقيس الحقائق الكبرى جميعها قياساً مادياً سوى صورة قبيحة لعصر مظلم يكاد يقضي على الإنسان، وينسف آخر ما تبقَّى فيه من قيم وأخلاق وحكمة، ومن حق وخير وجمال. لقد كانت هنالك نغمة سائدة ولا زالت مع شديد الأسف تسود، وكان لها في كل زمن وفي كل عصر أنصارٌ وذيولٌ وأتباعٌ، كانوا ولا يزالون أبواقاً منفِّرة لهذه المادية الكريهة التي يتفجَّر منها العنف وتطويها دعائم الإرهاب، ولا تعرف الرحمة لغيرها فضلاً عن أنفسها، وتقترن فيها القوة بالعتاد المادي، ولا ترى على الإطلاق وجهاً للقوة غير ما تراه فيما تمسَّه الأيدي وتدركه الأبصار ويقع تحت طائلة المحسوس والملموس، فإذا الشراهة المادية أثرُ من آثار تلك النزعة البهيمية، وإذا الطفاسة الحيوانية غاية المرام من وراء كل تقدّم يراه الواقعيون علامة على السيادة والقوة والإيمان بالغايات الترابية.

لقد كانت تلك النزعة نغمة سائدة في الفلسفة التي ترفض كل شيء إلا ما هو واقع تحت طائلة المحسوس، لا يعنيها أن تكون هناك روح تميزها أو توصف بها خارج الأوضاع القائمة بالفعل، وتسمِّي هذا كله نظرة علمية تقتضي من صاحبها ألا يتجاوز الأمور الواقعة .. في ماذا؟ في تصوراته وأحكامه، وفي تقيمه وتقويمه، وفي بواعثه ومناشطه، وفي إيمانه وضلاله، وفي مداركه الظاهرة وغير الظاهرة، الأمر الذي أضحت معه تصورات التفكير كلها لديها وضعية ومادية. وما على الإنسان الحق القادر على التقدُّم في مجالات العلم في عصر العلم إلا أن يسلك طريقه بمقتضى الواقع المشهود لا بمقتضى "الفكرة" فيما سواه، ولو كانت علوية؛ لتكون - من ثمَّ - نزعته في المقام الأول نزعة علمية مقبولة في العقل والمنطق، أو إنْ شئت الدقة هى بالحق نزعة مقبولة، لكنها في مدارك المحجوبين.

إنها لتبدو مفارقة غربية أن يعلم الإنسان كثيراً عن المادة، ويجهل كثيراً عن نفسه! وهل يُعقل أن يتقدَّم الإنسان في إدراك قوانين المادة وتسخيرها، ويتأخر، عمداً أو جهلاً، في معرفته بحقيقة نفسه ومسائل مصيره؟ إن طرح السؤال بهذه الكيفية والبحث عن إجابة له مقبولة ومحددة لهو من أشق الصعوبات التي تمَّ منذ القدم "تجهيل" الإنسان من أجلها : تجهيله بحقيقة ذاته، فهو لن يعرف سرَّ الحياة ولا سرّ الموت أبداً، ولم يدرك أبداً سِرَّ الرُوح الإنساني، ولن يعرف شيئاً من أسرار التكوين البشري. إن علم الإنسان بالإنسان متأخرُ جداً عن علم الإنسان بالطبيعة والفلك والكيمياء والميكانيكا والأسلحة النووية والبيولوجية. صحيحُ أن هنالك محاولات شاقة ومُضنية بُذِلتْ من جانب العقل البشري لمعرفة الحقائق الكبرى، ولكن المدى لا يزال بعيداً، والوصول إلى سرِّ الحياة يكاد يكون من المستحيلات، وذلك لأن تركيب العقل نفسه - فيما يقول برْجُسون - يتصفُ بعجز طبيعي عن فهم الحياة. فلا يعني مطلقاً تقدُّم العلم المادي معرفة الإنسان نفسه بنفسه، فتأخُّرُه في هذا المجال مقدَّمُ على تقدُّمه في العلم المادي. إنه العلامة الدكتور "ألكسيس كاريل" صاحب كتاب "الإنسان ذلك المجهول"؛ هو الذي قرَّر تلك الحقيقة الساطعة في مجال المقابلة بين تقدّم الإنسان في علم المادة وتأخره في علمه بنفسه؛ فقال في الطبعة الرابعة المُعَرَّبة من الكتاب، والتي ترجمها الأستاذ شفيق أسعد فريد، وصدرت عن مكتبة المعارف؛ بيروت سنة 1405هـ - 1985م :" إن معرفة أنفسنا لن تصل أبداً إلى تلك المرتبة من البساطة المعبِّرة؛ والتَّجرُّد، والجمال، التي بلغها علم المادة؛ إذْ ليس من المحتمل أن تختفي العناصر التي أخَّرَتْ تقدّم علم الإنسان، فعلينا أن ندرك بوضوح : أن علم الإنسان هو من أصعب العلوم جميعاً" (ص :23). ولما كان العصر الذي نعيش فيه هو عصر يسوده العلم بمعنى تنامي المعرفة العلمية واستخدام العلم والمنجزات العلمية في شتي مناحي الحياة الإنسانية وتسخيرها مؤخراً في قتل هذه الحياة وتسميمها؛ فإنّ الفلسفة المُحقة في نظر أصحابها لابد أن تضع العلم الذي لا يتجاوز "الواقع" مطلقاً في مقدمة أولوياتها، وبالتالي إذا تقدَّم العلم؛ فليس شرطاً ضرورياً أن يجيء تقدُّمه مرهوناً بتقدّم الإنسان، ليس شرطاً أن يجيء تقدم العلم على وفاق بفاعلية القيم الخُلقية وتقدّمها، بل الأخلاق كلها على الجملة نسبية متغيرة باختلاف الأفراد والجماعات وعادات الشعوب والرؤى والتصورات.

ثم زكَّت هذه الفلسفة عِوج تلك النظرة التي أنفصل فيها العلم عن الأخلاق، حتى في النظام العالمي الذي أسهمت فيه الصناعة إسهامات وصفت العصر كله في القرن الماضي بأنه عصر الصناعة فيما سبق، وعصر القنوات المفتوحة فيما هو عليه الحال الآن كنظام اتَّسَمَت به الحياة العصرية الجديدة بميسم العلم والكشوفات العلمية.

أقول؛ حتى في نظام العالم الصناعي سابقاً أو نظام القنوات المفتوحة والعقول الكونيَّة لاحقاً، استخدم العلم لا ليكون في الغالب مبعث حياة عقلية وموطن انطلاق بل ليكون وسيلة للسُّخْرية من الفكر والأدب والفن، ومدرسة لنشر الغفلة والحماقة ! الأمر الذي يدل من الوهلة الأولى على أن العلم قد اتخذ لنفسه طريقاً معوجاً عن طريقه. يُروَى أن الأديب الكبير"أناتول فرانس"، كان قد زَاَرَ ذات يوم مطبعة كبيرة، فحييّ تلك الحروف الرصاصية التي ستحمل العدالة والحق في أرجاء العالم. ووا أسفاه ..! فلقد صارت تلك الحروف الرصاصية نفسها على وجه العموم تحمل الكذب والغباء وروح البغضاء وروح الحرب، وكل هذه المادية الكثيفة التي تخنق أنفاس العالم !

لقد آن الأوان لرسالة الفكر أن تنهض من كبوتها، آن لها أن تستيقظ من غفوتها لتنشر في أرجاء هذا العالم الحيران قيمها الأصيلة وثوابتها الباقية، تعيد للعلم أشرف غايته، وتقيمه على أنبل المقاصد السامية، كما هو الأصل في ذاته : مقصدُ سامي ومطلبُ نبيل.

وإذا كان من شأن العلم أن يُسَلِّح الشعوب القوية لتفعل أفاعيل الفتك بالأمم الضعيفة، ففي مقدور الذين يطبقون إنجازات العلم أن يتسلحوا لمواجهة طغيان المادة الجارف، وأن يستخدموا التطورات العلمية استخداماً يقف حائلاً أمام الأطماع والأهواء والشهوات والفتن وجرائم الحروب. وفي منطق الضمير الإنساني - لا منطق الناس جميعاً - إنّ العالم الذي يقف ثابتاً لا يبالي أمام الجثث والأشلاء ولا يُحرِّك ساكناً إزاء التشوِّهات والجراح يبدو مشاركاً بوجه أو بآخر في عمليات القتل والدمار، بل هو أطوع خدَّام الجرائم الحربية والخلقية على الإطلاق؛ رضى بذلك أم لم يرضى.

ينبغي في منطق الرسالة الفكرية التي تعيد للعلم غاياته الأخلاقية، ألاَّ تنشر الثقافة العلمية إلا وهى مقرونة بثقافة القيمة ومطالب الأخلاق، وإلا فثورة العلم إذا هى مضت تحقق طموحها بغير ضابط، فلن تكون أولاً وآخراً إلاِّ ضد الأخلاق، وإذا هى كانت ضد الأخلاق فقد كانت كذلك ضد الإنسان.

ولك أن تتخيل إنساناً يهدم بالمعول الذي يظن فيه أنه ممسكاً به على قوة، وهو يبني ..! لك أن تتخيل ..!

 

 بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

قادة جليدإن الكوارث الطبيعية والأوبئة على مر العصور لم تكن شيئا جديدا في تاريخ البشرية، إذ تحفظ لنا كتب التاريخ أن هناك حضارات وشعوبا لم تعد لها قائمة وأصبحت أثرا بعد عين، وهذا مما جعل هذه الشعوب  في القديم تعتقد بفكرة العود الأبدي والتصور الدائري للتاريخ بحيث أنه يعود من جديد إلى نقطة البدء إذ تقوم الطبيعة بتدمير كل ما أنجزه الإنسان بعقله وجهده .

ولكن مما يثير الإستغراب اليوم والدهشة أكثر من أي عصر مضى هو أن هذا الفايروس اللامرئي فرض قوته وجبروته على أعتى الدول التي تفتخر بتقدمها العلمي والتكنولوجي مثل الولايات المتحدة الأميريكية وأوربا وباقي العالم المتقدم، إنه تحدي جديد لم يعرف له العالم المعاصر مثيلا من قبل، من حيث قوة إنتشاره وفتكه، فهل ستكون الإستجابة على قدر التحدي على حد تعبير مؤرخ الحضارات أرلوند توينبي، وبالتالي ينجو الإنسان والإنسانية من هذه المحنة، أم أن هذا التحدي وهو عامل طبيعي اليوم يكون أكبر من إمكانية الإنسان وطريقة إستجابته المحدودة فتكون الكارثة والنهاية المأساوية للعالم ؟

إن وباء كورونا المستجد وأمام دهشة الإنسان المعاصر والإنسان الغربي تحديدا الذي عجزت مخابره وعلومه على مواجهته قد أزال من الأذهان كل تلك التقسيمات التي فرضتها الرأسمالية المتوحشة والعولمة المادية التي حولت الإنسان من قيمة عليا إلى شيء مثل بقية الأشياء الأخرى وأصبح إنتشاره وتفشيه يطرح أكثر من قضية فلسفية شغلت الفلاسفة خاصة منذ عصر الأنوار وهي معنى الإنسان ووحدة الإنسانية ومصيرها في المستقبل،ألم يعتبر فلاسفة الأنوار أن الإنسان هو مركز الكون وقيمة القيم وأنه أكبر قيمة في الوجود على الإطلاق وأن الإنسان هو مستقبل الإنسان،ألم يكتب الفيلسوف الألماني كانط عن فكرة السلام العالمي وكارل ياسربرس عن مصير الإنسان في ظل التسابق على السلاح النووي، ألم يطرح الفلاسفة فكرة تأسيس دين جديد قائم على المبادئ والقيم الإنسانية الواحدة يكون فيها خلاص الإنسان بعيدا عن التعصب الديني وصراع الثقافات والحضارات، فلماذا تخلى الغرب عن إرثه الفلسفي والإنساني وحاد عن قيم الحداثة والتنوير؟

لقد إبتعد الإنسان الغربي المعاصر عن كل القيم الإنسانية التي بشر بها الفلاسفة والمفكرون والديانات الكبرى، وهاهي الطبيعة من خلال هذا الفايروس تعيد الإنسان إلى رشده وإلى ضرورة التفكير في مساراته الخاطئة المليئة بالشرور والحروب والإستغلال والظلم والمآسي وسفك الدماء في كل مكان من أجل حسابات مادية صرفة قائمة على تصور خاطئ لمعنى الحياة والوجود .

إن وباء كورونا هو إنتقام الطبيعة من هذا الإنسان الذي نصب نفسه إلاها جديدا على هذا العالم باسم القوة والتفوق العلمي والإقتصادي والعسكري في مقابل شعور هذا الإنسان بالدهشة من خلال عجزه وضعفه في مواجهة هذا الوباء المجهول الذي لم يجد له تفسيرا مقنعا أو جوابا علميا شافيا، هذا الوباء الذي يزحف على كل القارات ولا يفرق بين دين أو لغة أو ثقافة أو عرق أو جنس أو دولة متقدمة وأخرى متخلفة، إنه يستهدف النوع الإنساني برمته، أي أصل الإنسان الأول .

لقد أحيا وباء كورونا الكثير من الأسئلة الفلسفية وبشكل حاد ومأساوي، مثل مشكلة الموت وكيفية مواجهتها والإستعداد للإنتقال للعالم الآخر وما يرتبط به من قضايا ميتافيزيقية وعلاقة الإنسان بالآخر سواء داخل المجتمع نفسه أو علاقة مجتمع بمجتمع آخر وطريقة العيش ومعنى السعادة الحقيقية ومفهوم الخير والشر وقضية مصير الإنسانية ككل في غياب دواء أو لقاح لهذا الداء .

إننا نعيش اليوم وبشكل دراماتيكي صورة مصغرة ليوم القيامة أو نهاية العالم، والأكيد أنه بعد زوال هذه الأزمة التي نتمنى أن تزول في أقرب وقت سوف تتغير الكثير من المعايير والمفاهيم التي كانت تحدد نظرتنا إلى أنفسنا وإلى العالم .

 

الدكتور قادة جليد الجزائر