حمدي بشيرعاصر الأستاذ الدكتور محمد عثمان الخشت تيارين متطرفين ومتصارعين في نفس الوقت، وكلاهما يحمل فكر متطرفاً وتدميراً للمجتمع وتضليلاً لعقول الشباب المتطلع والمتعطش لمن يهديه إلى الفكر المستنير. التيار الأول يدعو إلى أسلمة المجتمع ويكفره وهو التيار الإخواني . والتيار الثاني يدعو  إلى الحريات المطلقة وهو التيار العلماني المتطرف.

ولذلك قدم الخشت رؤية نقدية لدحض هذه الأفكار الذائفة. وعبرت كتاباته عن موقف وسطي  يراعي الوسطية بلا إفراط ولا تفريط، وليس هذا بغريب على أكبر متخصص في فلسفة الأديان في الشرق الأوسط كما أشارت الأكاديمية كاتا موسر، الأستاذة بجامعة برن السويسرية.

ومن ثم عبرت فلسفته عن روح العصر ومشكلات المجتمع المصري المعاصر . فلم يكن الرجل بعيداً عن هذا المجتمع وإنما كان حاضراً دائماً وسط أبنائه الطلاب في الجامعة، يصلي بهم صلات التراويح ويلتقي بهم في مؤتمراته وندواته وحتى في طرق وممرات الجامعة. لم ينظر الرجل لنفسه كرئيس جامعة وإنما كأب لأبنائه لأنه يدرك حجم الخطر الذي يحيط بهم. فلا يزال التيار الإخواني في الجامعة يحاول العودة ونشر الفكر المتطرف بين الطلاب. بينما يعمل التيار العلماني المتطرف على ملء الفراغ الذي نتج عن نكسة التيار الاخواني وسقوط قناعه بعد ثورة 30 يونيو.

وفي سياق تصارع التيارين وقذائفهم الفكرية الطائشة، عمل الخشت على تقديم رؤيته الواقعية لحل مشكلات مجتمعه، وهو ما عرف بالفكر المستنير والفكر التنويري، ولم يكن مجرد مصطلح وإنما كان يحمل معنى لفكر يهتدى به في فترة كثرة فيها الأفكار الظلامية التي تعود بالمجتمع إلى ظلام العصور الوسطى.

ولذلك، لم يسلم الرجل من انتقادات هذين التيارين المتطرفين في الصحف والمجلات المصرية من أجل إبعاد الرجل أو حتى إحباطه لتغيير سياسته وطريقته داخل الجامعة، ولكنه مع ذلك استمر يواصل نشر فكره التنويري قولاً وعملاً من خلال كتاباته في جريدة الأهرام المصرية ولقاءاته المستمرة بالطلاب في الجامعة، كان حريصاً على قيادة ورفع لواء المواجهة الفكرية في مواجهة هذه التيارات المتطرفة. وكان حرصه على الصلاة مع طلبة المدينة الجامعية دليلاً على إدراكه لخطر التطرف الفكري وحاجة الشباب إلى الدعم والمساندة والحماية من هذه الأفكار  الهدامة....

 

د. حمدي بشير - باحث سياسي

 

صادق السامرائيالكلام عن المؤامرة يبدو غثيثا ومملا لأن الأمة أمضت القرن العشرين تلعلع بكلمة مؤامرة وما ينجم عنها ويتصل بها، حتى غمر فقه المؤامرة حياة أجيال وصار وسيلة أساسية للحكم المستبد المتسلط على الناس.

فلكي تحكم وتتسلط عليك أن ترفع رايات المؤامرة ليكون كل معارض متآمر ومَن ينتقدك أو ينصحك متآمر، وبإسم المؤامرة قتلوا عشرات الآلاف من أبناء الأمة، وتعبت المشانق وسوح الإعدامات وأقبية التعذيب من آهات وصراخات وأنّات المتهمين بالتآمر على الكرسي.

ويبدو أن المؤامرة لعبة حُكم يُراد بها الترويع والتحريف والتشويش، وأخذ الناس إلى حيث يريد المتسلط عليهم، والراغب بإمتهانهم وإستعبادهم ومصادرة حقوقهم والإستئثار بثرواتهم أجمعين.

وهي ظاهرة سلوكية إسقاطية المواصفات أسهمت بإغفال العرب لدورهم ودخولهم في عصرهم والمشاركة ببناء الحاضر والثقة بالمستقبل.

وهذه نظرة من عدة جوانب على المؤامرة وما لها وعليها.

أولا: الحياة مؤامرة!!

التآمر سلوك بشري معروف منذ الأزل، ولا جديد في الموضوع إلا أن العرب يحسبونه سلوكا مُعدّا ضدهم والمتسبب في ويلاتهم وتداعيات حاضرهم وضياع مستقبلهم، وما تساءلوا يوما كيف يتآمرون هم أنفسهم؟!

المؤامرة سلوك ما بين الدول والمجتمعات والفئات والأفراد، يهدف إلى تحقيق مصلحة وتدمير أخرى وإستهداف عدوّ، فهي في حقيقتها سلوك دفاعي وهجومي في غاب التفاعلات الدولية.

والمؤامرة أحد مرتكزات قوانين الغاب، فالأسود تتآمر للإيقاع بفرائسها، وكذلك كل قوي مفترس، والحروب معروفة بآليات التآمر من أجل كسبها، لكن العرب ما أعجبهم وأغربهم، عندما يصرّحون بأن سبب كل علة ومصيبة هو المؤامرة، وأنهم الأبرياء المطهرون من الدور والمساهمة في الويلات.

المؤامرة تتطور وتتعقد وفقا لمعطيات العصور، والعرب لا يزالون في أمية تآمرية مدقعة، فهم ما تآمروا يوما بذكاء ودهاء من أجل مصالحهم، وإنما يفعلونها كما تفعل الحملان في تآمرها على الذئاب، بأن تحيطها لتوفر الفرص الثمينة لإفتراسها، أو أن العرب يجلبون مفترسهم إلى ديارهم على أن يحميهم من أخيهم الذي يحيط به مفترس.

فالعيب ليس في المؤامرة وإنما في الذين ينكرونها ويؤكدونها، وكأنهم لا يدركون أن علاقات الدول لا تخلو من التآمر، فهي من النشاطات الكفيلة بتأمين المصالح والوصول للأهداف.

والأقوياء يتآمرون ويحققون ما يريدون بالتآمر، والضعفاء يتوجّعون ويتأوهون ويلعنون المؤامرة!!

فهل آن الآوان وتأكد للعرب أن عليهم مغادرة هذا النهج المريض وإدراك حقائق الحياة ومؤثراتها وعناصرها الفعالة التي عليهم أن يتعلموا آليات تفعيلها وتسخيرها لصالحهم، وأن يجابهوا المؤامرة بالمؤامرة فيرهبون أعدائهم، بدل الخنوع والتشكي الذي يمنح المتآمرين ألف فرصة وفرصة للإمعان في مؤامراتهم، لأنها أسهل الطرق للوصول إلى الأهداف.

فموضوع المؤامرة والتآمر آلية إنغرست في الوعي العربي السياسي، وأسهمت بتدمير الحياة ومنعت  الوصول إلى صياغة عقد إجتماعي نافع ومتصل بقدرات إنجاز أهدافهم وتأمين حاضر ومستقبل أجيالهم، التي أصبحت على حافات الضياع والغياب المرير.

ومن الضروري أن يركز العرب على مناهج تفكير معاصرة تحفزهم على التعاطي مع التحديات القائمة بإرادة علمية بحثية حقائقية، تؤدي لنتائج إيجابية توقد في الأجيال طاقات الكينونة والصيرورة الأرقى، وتعيد الثقة وتجدد العزيمة وتبني الإرادة المتفقة مع ما في الأجيال من طاقات وتطلعات حضارية.

فلنتآمر جميعا من أجل مصالحنا ونكون أعوانا ليعضنا لكي نحبط مؤامرات الآخرين، فالحياة مؤامرة، ومَن يتوهمها غير ذلك، فأنه يتآمر على ذاته وموضوعه ويُحسب من الغافلين!!

ثانيا: المؤامرة والمؤازرة!!

كنت في لقاء ودّي مع عدد من الأخوة من حملة الشهادات العليا، وتصدر المجلس مَن أدهشني بتركيزه على نظرية المؤامرة وتكراره لها عشرات المرات، فكل كلام يصدر من الأخوة والأخوات يعزيه إلى نظرية المؤامرة، ولا أحسبه كان يعرف ما يقول، لأنه يتجمد حيال أبسط سؤال لتفنيد ما يذهب إليه، وإحترت في أمره ولماذا هو موسوس لهذا الحد بنظرية المؤامرة.

قلت: لماذا أنت تعزو كل رأي إلى ما تراه أنت ولا تقبل بتفحص الرأي الآخر؟

قال: لأن المؤامرة لا وجود لها!!

قلت: لكن هذا تفكير متطرف ومنغلق!!

قال: كيف تقول ذلك؟

قلت: الموضوع ليس بإثبات وجود أو تفي المؤامرة، فالقِوى بأنواعها ومنذ الأزل تتصارع على أمور كثيرة، وكل قوة تفعل ما تفعل لتنال من القوة الأخرى وتحرمها من الوصول إلى الهدف، وإذا أسمينا ذلك مؤامرة فطبيعة العلاقات ما بين القوى هي التآمر، بمعنى كل قوة تريد القوة الأخرى أن تأتمر بها وتستحوذ على قدراتها وتحجّم دورها.

ففي الزمن المعاصر القوى الأرضية في محتدمات التصارع التآمري على بعضها، وهذا هو ديدن التفاعل ما بين أية قوة وقوة تنافسها، فالمشكلة ليست في نفي أو إثبات المؤامرة وإنما بين المؤامرة والمناورة.

بمعنى أن القِوى تعرف نوايا القِوى الأخرى وتناور وتبتكر الوسائل والأساليب الكفيلة بتعويقها وإحباطها، فأمريكا وروسيا في تفاعلات تآمرية وكذلك أمريكا وكوريا الشمالية، والصين واليابان، والهند والباكستان، وما شئت من الدول القوية ومنافساتها أو أضدادها ومزاحماتها على الأهداف والتطلعات المتعددة.

لكن المشكلة التي تواجه بعض الدول ومنها الدول العربية خصوصا، أنها تتخذ سبل مؤازرة المؤامرة، بل أن بعضها تتآمر مع المتآمرين على العرب وتنفذ أجنداتهم.

فإيران وتركيا تتآمران على العرب بمعنى تأكيد مصالحهما ومشاريعهما، وتجدان في العرب مَن هو أشد حماسا وعزيمة على تنفيذ تآمراتهما منهما معا، ولهذا فهما جادتان ومتواصلتان في نهج التفاعل المبرمج مع الواقع العربي، وقس على ذلك الدول الأوربية وأمريكا، فهذه القوى قد وجدت من العرب مَن يؤمن بمؤامراتها وينفذها بأخلص وأتقن ما يكون عليه التنفيذ.

أي أن الواقع العربي يؤكد بأنه واقع متآمر على ذاته وموضوعه، ويستدعي المتآمرين عليه للنيل الأشرس منه، والأمثلة متراكمة من إفتراس العراق إلى اليمن وسوريا وليبيا وغيرها من الدول، التي يتفنن العرب أنفسهم في التآمر عليها والنيل من وجودها.

ولا توجد مؤامرة ناجحة من دون مفردات في القوة المستهدَفة تساهم في تحقيق طموحات القوة الهادفة، وهذا واقع متواصل على مرّ العصور، وهو قانون أو بديهية سلوكية لا تقبل الخطأ، وما دام العرب يتآمرون على بعضهم ويستعينون بالمتآمرين عليهم للتآمر على بعضهم، فلن يكسبوا سوى المذلة والخسران المريع.

فلا تقل لي مؤامرة بل قل لي هل أنت تؤازرها أم تناورها وتنتصر عليها؟!!

لكن الآخ مضى متمترسا في خندق نظرية المؤامرة، وهذا دليل دامغ على سهولة تنميطنا وتحويلنا إلى أبواق مسوّغة للويلات والتداعيات التي تحاك وينفذها الذين تُحاك ضدهم، وتلك عاهة عربية سلوكية إدراكية متميزة وساطعة.

فتآمروا من أجل مصالحكم يا عرب إن كنتم صادقين!!

 ثالثا:التآمر بالدين!!

أخطر مؤامرة تتعرض لها البلاد العربية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر ولا تزال في ذروتها، هي التآمر بالدين، فالدين الذي فجّر الطاقات العربية وأنشأ الحضارات السامقة، يتم إستعماله للإنقضاض على العرب في كل مكان.

فالإنسان العربي يختلف عن غيره لأنه يكنز مؤهلات حضارية وإبداعية متميزة ونوعية، وقد إنطلق متسائلا عن سبب تخلفه عن ركب العصر الذي هو فيه منذ قرن ونصف، وأوجد الأجوبة والحلول والمناهج الكفيلة بتحقيق النقلة المطلوبة للتواكب مع إرادة الحياة، لكن الذي حصل أن القوى الطامعة بالعرب تمكنت من تحقيق طموحاتها ومشاريعها بواسطة الدين، الذي حوّلته إلى أدوات سياسية وإستبدادية وإستعبادية لأخذ الأجيال إلى مطبّات الضياع والهلاك الحامي.

ووفقا لذلك أنشئت الأحزاب الدينية، التي يمكن القول بأنها وبلا إستثناء ممولة، ومسخرة لخدمة أغراض خفية أدت بالأمة إلى ما هي عليه اليوم من الضعف والتأخر والهزال.

قد يقول قائل أن هذا تعميم وعدوان، لكن النتائج المتحققة تخبرنا عن طبيعة عناصرها وآليات تفاعلها، وما أنجزته الأحزاب الدينية على مدى أكثر من قرن يؤكد ما تقدم من تقييم وتوصيف، فهي لا وطنية فلا تؤمن بوطن، وإنما عقيدتها عالمية ونوازعها عولمية وتصوراتها وهمية، ومتأسنة في حنادق غابرة مطمورة تحت أنقاض الأزمان، ويمكن القول بأنها متحجرة ومندحسة بالتقليد الأعمى الذي يلغي وعاء المكان وأنوار الزمان، ويحسب الدنيا ممنوعة الدوران.

الأحزاب الدينية مضغوطة عاطفيا ومعبأة إنفعاليا، وتمتلك متاريس سميكة تتقوقع فيها وتتفسخ ولا  تريد أن تتواصل وتتجدد وتعبق من هواء العصر وتشرب من الماء الجاري، إذ يحلو لها ماء المستنقعات العفنة.

وهي أحزاب تسوّغ أبشع الجرائم ضد الإنسانية بنصوص وتأويلات تراها دينية وتتصور بأنها صاحبة الجوهر واليقين.

وقد أخطأت الدول العربية الناشئة في الإعتماد عليها في تعزيز السلطة والحكم، وفي محاربتها بالسلاح وفرض القوة عليها، وفي الحالتين إرتكبت حماقات وخطايا، لأنها أسهمت في ديمومتها وتوالدها وتناميها وتقديس رموزها، ووصولها إلى فرض هيمنتها على الوعي المجتمعي، وإعتقال الأجيال في صناديق تصوراتها وثوابتها الراسخة التي لا تقبل الإعتراض والسؤال، وإنما لابد من التبعية والخنوع والقبوع وعدم إعمال العقل، ووأده أو تعطيله ومنعه من التفاعل مع الحياة، التي تم تصويرها على أنها محكومة بإرادات وطاقات وقدرات دينية وحسب.

والحقيقة المغيبة أن الأحزاب الدينية تم تأسيسها لسحق المشاريع النهضوية العربية التي بدأت منذ قرن ونصف، وذلك لأنها رفعت شعار "الإسلام هو الحل"، وفي هذا المنطوق تكمن مصيبة أمة تم عقر عقولها وتكسيحها، وتشجيعها على إستلطاف الضعف والإنكسارات والهزائم والتبعية والخنوع وتأهيلها لكي تكون مُستعبدة ومحطمة ومنزوعة الإرادة ومصادرة المصير.

وبسبب عدم وعي دواعي الإنشاء أخطأت الأنظمة السياسية العربية التقدمية عندما واجهت الأحزاب الدينية بالقوة، وأغفلت أن عليها أن تواجهها فكريا وثقافيا وإنجازيا ومنهجيا، لتفند طروحاتها الظلامية الغابرة، وتسفهها بالحجج الدامغة المحفزة للعقل والمنمية للوعي والإدراك العربي.

ذلك أن المواجها العسكرية تم توظيفها لتأجيج العواطف والإنفعالات، وبناء حالة تجنيد وترفيد للأحزاب الدينية مما أسس لقواعد متمددة في نهر الأجيال، وهي كالصخور الكبيرة المعوقة لإنسياب الجريان في نهر الحياة الصاخب التيار.

وتقف الأمة اليوم مذهولة ومعها العالم بأسره أمام بشائع الأحزاب الدينية التي تتحكم بمصير عدد من الدول العربية، وكيف أنها كشفت على أنها حركات إجرامية متلثمة بدين، وما دينها إلا ما تمليه عليها النفس الأمارة بالسوء والفواحش والمنكر المشين.

أحزاب ضد الوطن والوطنية والعروبة والإنسانية والعلم والبناء والتقدم، إنها أحزاب تدميرية تخريبية تابعة ومنفذة لأجندات الآخرين، ولكن بإسم الدين، وبإسم قادتها المقدسين الذين لا يخطؤون ولا ينطقون عن الهوى، فكل ما يقولونه وحي يوحى، وعلى القطيع المرهون بإرادتهم أن يتبع ويكون من الخانعين، وإن سألت عن العقل، أجابوك بأنك من الكافرين، والزنادقة الأولين، وإن لم تصدقوا فتأملوا ما جرى لأبن رشد عندما دعى لإعمال العقل قبل أكثر من ثمانية قرون.

إنها الأحزاب الدينية مصيبة أمة ودين، ولن تتعافى الأمة ويتطهر الدين إلا بإزالتها من حياة الناس المساكين!!

فكيف بربك تحول دين أمة إلى مؤامرة عليها؟!!

وختاما، فما تقدم ليس رأيا، أو وجهة نظر بل قراءة تحليلية لواقع تتآكل فيه القيم الجوهرية وتتفاعل المضادات التناحرية، التي توظف أروع وأسمى ما في قلب الأمة وروحها وعقلها للنيل منها، وهي قراءة غير معنية بالخطأ والصواب، وإنما بالإقتراب الموضوعي المستند على ما يمكن وضعه في منطوق عقلاني سببي إقناعي أو تنويري لتحفيز التفكير وتوسيع آفاق النظر.

 

د. صادق السامرائي

 

 

محمود محمد عليلقد تهيأ لكتاب سيبويه من الشهرة والذيوع والانتشار ما لم يتهيأ لأي كتاب آخر من كتب هذا العلم، فاهتم الناس بنسخه وقراءته وحفظه، وتواصل الاهتمام بشرحه وشرح شواهده، ومسائلة والرد عليه وأصبح عمدة الدارسين في مجال الدرس ببغداد ومصر والأندلس والشام وبلاد المغرب، وكان "المبرد" نفسه من أوائل المهتمين به، فقد توفر علي قراءته ودرسه علي يد شيخيه "المازني" (ت: 154 هـ) و "الجرمي" (ت:  225 هـ)، وانصرف إلي تدريسه وشرح مسائله لطلبته منذ أن كان غلاماً في مجلس شيخه " المازني"، وبعد حمله معه إلي سامراء ومنها إلي بغداد حيث تصدر لقراءته وتفسير مشكلاته وشرح مسائله .

قال "ابنُ جنّي" (ت: 392هـ) فى "كتابه الخصائص" عن "المبرد": "رجلٌ يُعّدُّ جبلاً في العلم "، والحق أنَّ مدينة بغداد لم تعرف شيخاً مثل "المبرد" بعد "أبي زكريا الفراء"، ولا شهدت مجلساً كمجلسهِ، فكان لهُ أثر واضح في أن تشق المدرسة البصرية طريقها، وتظهر على نظيرتها المدرسة الكوفية، فهو الذي مكَّنَ لآراء البصريين أن تنتشر وتسود وسط زِحام المنافسين والخصوم.

ولم يكن " المبرد " متأثراً بسيبويه فحسب، بل إنه ليعد نفسه الأمين علي النحو البصري بعده، فحري به أن يترسم خطاه، ويسير علي نهجه، وبعد أن أصبح إمام العربية في بغداد، فإن عليه الوقوف بثبات أمام تحديات الكوفيين وعصبيتهم، فاستقرأ كتاب سيبويه، وتأثر به كثيراً وعمل جهده ألا يغير إلا فيما لم يستطع "سيبويه " أن يقيمه علي أمور واضحة، فالمصطلحات التي جاءت عند " سيبويه " واستقرت إلي يومنا هذا، نجد المبرد يستعملها كما كان " سيبويه " من قبل يفعل والشواهد علي ذلك كثيرة منها علي سبيل المثل لا الحصر : أنه تابع "سيبويه " في أحد قولين قال بهما في كتابه، ولم يشر إلي الآخر، فقال النحويون : إن " المبرد " خالف  " سيبويه "، من ذلك أنه جعل علة منه الصرف في الصفات مثل " عطشان" و" سكران" مشابهة " الألف والنون " لألفي التأنيث الممدودة وعدد وجوه هذا الشبه . وقال في موضع آخر بأن " النون" بدل من الهمزة، وتابعه المبرد في القول الثاني وذهب إلي أن " النون" بدل من " الهمزة" فنسبت إليه مخالفة سيبويه في القول الأول ولم ينتبهوا علي أنه متابع له في قوله هذا ، وعلي أن القولين نتيجتهما واحدة، لأن كون " الألف والنون" تقابلان "الفي التأنيث الممدودة" معناه أن " الألف " التي قبل "الهمزة "، وأن " النون" تقايل " الهمزة .

علاوة علي أن المبرد سار علي خطي سيبويه في بحوثه لعلوم العربية الثلاثة : النحو والصرف والأصوات اللغوية، فقد تحدث في كتابه المقتضب عن أبواب نحوية كثيرة، وإن لم تكن كل النحو وتحدث عن موضوعات علم الصرف كالمجرد والمزيد وأبنيتهما، وتحدث في خلال ذلك عن أبنية الفاعل والمفعول وغيرهما من المشتقات منها، وعن جمع ما يجمع من الأسماء معتلة العين أو اللام وما يحدث فيها من تغيير بقلب أو حذف أو غيرهما من صور الإعلال والإبدال، وعن غيرها من الموضوعات الصرفية . وتكلم عن الإدغام وما يتبعه من دراسات لمخارج الحروف، ومواقع الإدغام في الفعل وغيره، وفي الكلمة والكلمتين، وعلي الإبدال في الحروف الصحيحة عند الإدغام، والإعلال في الحروف المعتلة، وأنواعه، وهي عين المواضع الصرفية والصوتية التي في كتاب سيبويه .

بل لقد تابعه في بعض المصطلحات النحوية التي لم تأخذ شكلها النهائي، فسيبويه يسمي الحرف المتحرك حرفاً حياً، فيحافظ المبرد علي هذا المصطلح بالرغم من عدم صلاحيته للبقاء، فتراه يقول عن الواو في مثل (جدول، وقسورة) إنها " ظاهرة حية أي متحركة "، ويقول في موضع آخر " والمتحرك حرف حي "، وكان سيبويه يطلق علي الحال مصطلحات " الخبر، والصفة، والمفعول فيه" فاخذ منها المبرد مصطلح المفعول فيه وأطلقه علي الحال، كما عبر عن الهمزة بالألف، تماماً مثلما فعل سيبويه، كما كان يسمي اسم كان فاعلاً، وخبرها مفعولاً به، مثله مثل سيبويه .

وقد عرض لهذه الظاهرة عند المبرد الأستاذ " محمد عبد الخالق عضيمة" في مقدمة المقتضب، كما لا حظ الأستاذ "سعيد أبو العزم إبراهيم "، أن " المبرد " قد ساق بعض المصطلحات كما هي عن سيبويه، واختصر بعضها، وفاق سيبويه في تطويل مصطلحات بعض الأبواب .

وإذا كان "المبرد" وقف حارساً أميناً علي مصطلحات سيبويه ليحافظ للمصطلح النحوي وجهه البصري الذي تضافرت جهود أئمة النحو علي صناعته، وتقدمت به البصرة خطوات كبيرة، لا يزاحمها شرف هذه المسؤولية منافس، فما هو السر في عدم إقبال الكثير من أئمة النحو ودارسيه علي قراءة ودراسة كتاب المقتضب ؟

علل أبي البركات بن الأنباري هذا الانصراف عن " المقتضب" بقوله :" وكان السر في عدم الانتفاع به أن أبا العباس المبرد لما صنف هذا الكتاب أخذه عنه "ابن الرواندي" المشهور بالزندقة وفساد الاعتقاد وأخذه الناس من يد "ابن الرواندي" وكتبوه منه فكأنه عاد عليه شؤمه فلا يكاد ينتفع به ؛ في حين يري البعض أن انصراف الناس عنه إنما كان لانشغالهم بكتاب سيبويه وربما اطلع عليه بعض الدارسين فلم يجدوا فيه ما يزيدهم علماً بمسائل هذين العلمين، يقول أبو علي الفارسي نقلاً عن ابن الأنباري :" نظرت في كتاب المقتضب فما انتفعت منه في شئ إلا بمسألة واحدة وهي وقوع " إذا " جواباً في الشرط في قوله تعالي "إن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون" . ولعل لطريقته في العرض واستخدامه أسلوب الاحتجاج والمناقشة، مع مجيئه بعقب كثير من أبوابه بمسائل مشكلة أثرا في نفوس الدارسين منه وانصرافهم عنه والتزامهم بكتاب سيبويه .

واعتقد أن سبب انصرف الناس علي قراءة  المقتضب هو ما أدخله المبرد من أساليب الفلسفة والمنطق عليه، الأمر الذي انعكس علي أسلوبه في عرض المسائل النحوية، فقد أصبح أكثر إسهاباً في الجدل والإطالة في التعليل والاستطراد إلي مسائل جانبية تعرض في أثناء شرح المسألة النحوية أو الصرفية مما كان عند سيبويه، فمن أمثلة تعليلاته العقلية البعيدة عن روح تعليلات سيبويه السهلة الموضحة قوله " في باب الفاعل " :" هذا باب الفاعل وهو رفع وذلك قولك :" قام عبد الله " "وجلس زيد"  وإنما كان الفاعل رفعاً لأنه هو والفعل جملة يحسن عليها السكوت، وتجب بها الفائدة للمخاطب، فالفاعل والفعل بمنزلة الابتداء والخبر إذا قلت " قام زيد" . والمفعول به نصب إذا ذكرت من فعل به، وذلك لأنه تعدي إليه فعل الفاعل، وإنما كان الفاعل رفعاُ والمفعول به نصباً ليعرف الفاعل من المفعول به، مع العلة التي ذكرت لك،فإن قال قائل : أنت إذا قلت :" قام زيد" فليس هاهنا مفعول يجب أن تفصل بينه وبين هذا الفاعل، فإن الجواب في ذلك أن يقال : لما وجب أن يكون الفاعل رفعاً في الموضع الذي لا لبس فيه للعلة التي ذكرنا، ولما سنذكره من العلل في مواضعها فرأيته مع غيره علمت أن المرفوع هو ذلك الفاعل الذي عهدته مرفوعاً وحده، وأن المفعول الذي لم تعهده مرفوعاً . وكذلك إذا قلت " لم يقم زيد" و" لم ينطلق عبد الله "و" سيقوم أخوك" . فإن قال قائل : إنما رفعت (زيد) أولاً لأنه فاعل، فإن قلت :" لم يقم" فقد نفيت عنه الفعل فكيف رفعته ؟ قيل له : إن النفي إنما يكون علي جهة ما كان موجباً، فإنما أعلمت السامع من الذي نفيت عنه أن يكون فاعلاً . فكذلك إذا قلت :" لم يضرب عبد الله زيداً " علم بهذا اللفظ من ذكرنا أنه ليس بفاعل ومن ذكرنا أنه ليس بمفعول، ألا تري أن القائل إذا قال :" زيد في الدار " فأردت أن تنفي ما قال أنك تقول :" ما زيد في الدار " فترد كلامه ثم تنفيه ..." فأين هذا من تعليل سيبويه المختصر الدال وهو قوله :" ضرب عبد الله زيداً" فـ " عبد الله " ارتفع ههنا كما " ارتفع في " ذهب " وشغلت "ضرب" به كما شغلت "ذهب " وانتصب "زيد" لأنه مفعول تعدي إليه فعل الفاعل" .

ومن أمثلة استطراده ما جاء في أثناء كلامه علي " في " الجارة قال :" ومعناه ما استوعاه الوعاء، نحو قولك :" الناس في مكان كذا " و" فلان في الدار" .فأما ولهم :" فيه عيبان" فمشتق من ذا، لأنه جعله كالوعاء للعيبين، والكلام يكون له أصل ثم يتسع فيه فيما شاكل أصله، فمن ذلك قولهم :" زيد علي الجبل " وتقول :" عليه دين " فإنما أرادوا أن الدين قد ركبه وقد قهره، وقد يكون اللفظ واحداً ويدل علي الاسم وفعل نحو قولك " زيد علي الجبل يافتي" و" زيد علا الجبل " ومن كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين واختلاف اللفظين والمعني واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين، فأما اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين فهو الباب نحو قولك "قام" و"جلس... " .

ثم يمضي المبرد في شرح هذه الأنواع والتمثيل لها ثم يقول :" وكذلك " وجدت" تكون من "وجدان الضالة".. وفي معني "الموجدة" نحو" وجدت علي زيد " ويبدو أنه لم يكن غافلاً عن هذا الاستطراد الطويل، وإنما هو معتمد له، ولهذا يقول بعده :" فهذا عارض في الكتاب ثم نعود إلي الباب؛ ويتحدث بعده عما كان من حرفين وهو" لم" .. ويستخدم التقرير النظري العقلي أكثر من اعتماده اللغة فهو بشرح أمورا نظريا كثيرة ثم يمثل لها على خلاف ما كان واضحاً عند سيبويه وشيوخه من بناء القاعدة على المثال لا المثال على القاعدة . ومن ذلك ما ذكرناه من لجوئه إلى افتراض أمثله مطولة معقدة التركيب يمتحن بها المتعلمين بكنه مع هذا يشرحها ومن ذلك أيضا قوله "ما أعجب شئ شيئاً إعجاب زيد ركوب الفرس عمرو " ولهذا عيب المبرد على جعله هذه المسائل العويصة فى أول كتابه مما نفر الناس منه .

واتضح تأثير الفلسفة والمنطق فى شرحه مسائل النحو كما مر بنا فى كلامه على " الفاعل " واتضح فيه استخدام العلل المركبة، وذلك بالسؤال عن العلة وعلتها إلى أن تداخلت أربعة تعليلات فيه، واستخدام المحاجة فى ذلك كله . وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

اياد الزهيريعندما نذكر العشيره نعني في الواقع العائله الكبيره الممتده، فالعشيره مجموعة عوائل يربطها الدم والقرابه . فكما العائله يكون على رأسها الأب، يكون على رأس العشيره شيخها . فالعشيره هي صوره مكبره للعائله مع ذات القيم ونظام العلاقه ذات النسق الأبوي البطريركي التي تحكم أعضاءها بطريقه تسلطيه وقواعد صارمه لا تقبل النقاش،فالأمر يأتي من رأس الهرم الى القاعده، أي هناك نسقآ نازلآ فقط، أي جهه مصدره للأوامر والتعليمات وجهه متلقيه ما عليها الا السمع والطاعه . هذا النظام الأجتماعي هو نظام بدائي أنتجته ظروف غايه في القسوه حيث يعيش الأنسان حاله من القلق والتهديد والخوف من المحيط المهدد لوجوده، أي يعيش بيئه صراعيه يكون فيها البقاء للأقوى . هذه البيئه أستدعت أن يكون هناك تركيب أجتماعي قوي وصارم يصمد أمام تهديد شرس يهدد وجودها الحياتي، فتشكل نظام عشائري صارم يتميز بخضوع أفراده دون أستثناء لرأس الهرم فيه ليعم الأنضباط ويسود التماسك فيه حتى لا يجد الخصم فيه ثغره يتسلل منها العدو ويفتك بالعشيره . أذن هناك جوانب موضوعيه ساهمت في بروز هذا النسق من التنظيم الأجتماعي الذي يدعى العشيره . طبعآ الكثير يعرف وخاصه في ظروف الصحراء وبما تشتمله من قيم كثيره وواحد من هذه القيم السلبيه هو الغزو وهذه قيم يحتفي ويفتخر بها البدوي، كما يقول شاعرهم دريد ابن الصمه وفارس قبيلة هوازن  (وهل أنا الا من أن غزيه  أن غوت غويت وأن ترشد غزيهة أرشد . من المؤكد أن الغزو هو حاله حربيه تستدعي القوه والشجاعه والرجوله، وهذه المواصفات تتوفر في الرجل لأسباب طبيعيه والرجل أصبح هو ممن يلبي حاجة العشيره وطموحاتها وهو من يمثل رمز قوة العشيره وعنوان شرفها بين العشائر والقبائل الأخرى . أن التأكيد المستمر على الممارسات ذات الطابع الرجولي والقائم على عناصر القوه والممارسه الصارمه ولد أتجاهآ ساديآ لدى الرجال وأصبح من يتمتع به يحمله الى المقامات العاليه في الوسط الأجتماعي.

هذه المقدمه باتت ضروريه لمعرفة طبع أنظمتنا السياسيه بالطابع الدكتاتوري السادي بسبب أمتداده العشائري حيث أن أكثر الأنظمه العربيه تكون رجالاتها من أصول بدويه وريفيه وكلتا الحالتين تتبع المنظومه القبليه كما في السعوديه والخليج العربي والأردن وسوريا واليمن وحتى ليبيا والمغرب، وكذلك الأمر في العراق،فمثلآ كان أقسى نظام حكم العراق في العصر الحديث هو النظام البعثي الذي تميز رجالاته بالأصول العشائريه وخاصه قمة الهرم السياسي والذي يمثله صدام حسين والذي يرجع الى عشيرة ال أبو ناصر في ريف مدينة تكريت، وهي عشيره تميز رجالاتها بالقسوه والعنف، وكلنا كعراقيين نعرف سادية صدام وقسوة أبن عمه رئيس جهازه الأمني وصهره حسين كامل الذي تبوء منصب رفيع بالدوله والذي تميز بالقسوه المفرطه داعيك عن شخصية علي حسن المجيد أبن عم صدام حسين، وهو رجل أقل ما يقال عنه متوحش، ناهيك عن أخوان رأس النظام كبرزان ووطبان وكل ما ينتمي لهذه العشيره من أفراد شاركوا في السلطه، كما لو نظرنا الى خارطة من شارك بالحكم في هذا النظام لترى جلاوزة النظام ينتمون الى منظومه عشائريه ذات قيم وأعراف بدويه وذات تاريخ عنفي كعائلة السعدون مثلآ.

لو رجعنا الى العوائل التي حكمت وبعضها يحكم لحد الآن للمسنا فيها نظما ذات طبيعه عشائريه فمثلآ النظام الوراثي في تبوء المشيخه هو نفسه من يطبق في نقل السلطه بين الحكام، فمثلآ لا يمكن أن يكون ملكآ او أميرآ في المملكه العربيه السعوديه الا من عشيرة ال سعود وكذلك الأمر هو نفسه في كل دول الخليج والأردن والمغرب، وحتى في الأنطمه الجمهوريه كما في سوريا، وما سعى اليه الرئيس حسني مبارك في سعيه لتوريث أبنه جمال مبارك،وعلى نفس السياق ما سعى له القذافي في محاولته لتوريث أبنه سيف الأسلام وكذلك الحال  مع صدام الذي هيأ الأمر لأبنيه عدي وقصي، في لا ترى وجود لنظام التويث في باقي الدول التي لآ أثر فيه للنظام العشائري، وهذا ما نلاحظه حتى بدول الجوار مثل ايران وتركيا، من ناحيه أخرى أن العلاقه التي تحكم علاقة  العشيره مع شيخها هي علاقة الشيخ الآمر وفرد العشيره الخانع أي العلاقه التسلطيه الصارمه التي يكون فيها الفرد مكبوت مقهور خانع للنظام العشائري الصارم، وهو عين صفات الأنظمه الدكتاتوريه كالنظام البعثي الصدامي والذي يحمل فيه الرئيس صدام الشخصيه الفاشيه التي أتسمت بالشخصيه الساديه المتعطشه للدماء، وهي شخصيه مصابه بجنون العظمه، حتى بدأت بممارسة طقوس تقديسها وذلك بما أضافوا لها من القاب تعظيميه أقتربت بل هي نفسها صفات وأسماء الجلاله . من الملاحظ أن النسق العشائري السادي عندما دخل عالم السياسه وخاصه في التركيبات الحزبيه أنطبعت هذه الأحزاب بذات المواصفات والأعراف، وهذا ما لمسناه في أسلوب عمل حزب البعث العربي الأشتراكي حيث سياق العمل والعلاقه التنظيميه بين أفراده قائمه على أساس نفذ ثم ناقش وهو عين العلاقه بين شيخ العشيره وأفراد عشيرته . كما أن في العشيره يكون الفرد لا رأي له، هو كذلك الفرد في الدوله ذات النظام الدكتاتوري المستمد جذوره من العشيره،لا رأي له وما البرلمانات الموجدوه ليس لها الا وجودآ شكليآ ليس له غرض غير ذر الرماد بالعيون وأضفاء الشرعيه المزيفه على النظام . أغلب العراقيون ممن عاش فترة النظام البعثي الصدامي نسمع بمقولة الأب القائد والتي تطلق على صدام حسين وهي ذات المقوله التي تطلق على رأس العشيره والذي يطلق عليه الأب الأكبر لكل أفراد العشبره وهو الراعي لها والمتبني لمصالح أفراد عشيرته، وهذا هو المعروف بالنظام الأبوي، ولكن في الحقيقه أن النظام العشائري يكرس كل الأمتيازات لرئيس العشيره وعائلته متمثله بأمتلاك الأراضي وكمية المحصول ومركز الوجاهه في العشيره بينما البقيه ليس لهم الا الفتات من المحصول الزراعي والرعوي، وهذا هو الأمر في الأنظمه الدكتاتوريه، فرأس النظام هو من يملك الدوله ورعاياها وهو من يتمتع بكل الأمتيازات من مال وأملاك ومقام، فهو وأبناءه وأفراد عشيرته من له الكأس المعلى في كل شيء فترى في البلدان النفطيه الرئيس وأبناءه وحاشيته يعيش الترف والليالي الحمراء وبجانب ذلك ترى الفقر المدقع ضارب بأطنابه بين أفراد الشعب فيعيش شظف العيش والحرمان والأدله لا تحتاج الى ذكر فهي كثيره وهي ماتطبع الحياة اليوميه بوضوح، وهذا عين ما عبر عنه الشيخ الدكتور أحمد الوائلي في قصيدته بغداد حيث يقول:

يطغى النعيم بجانب وبجـــــانب          يطغى الشقا فمرفه ومضيع

في القصر أغنية على شفة الهوى    والكوخ دمع في المحاجر يلذع

ومن الطوى جنب البيادر صرع      وبجنب زق ابي نؤاس صرع

كما أن في النظام العشائري ينظر فيه الشيخ لافراد عشيرته بأنهم قاصرين وفاقدي الأهليه فهوالعقل المفكر فيها، هو نفسه ما يحدث عند الرئيس حيث الكلمه الفصل له، وهذا ما كان ينشره الأعلام البعثي لمقولة (اذا قال صدام قال العراق ) وهذا يختزل شعب بأكمله بشخص الرئيس كما يختزل الشيخ كل أصوات عشيرته بلسان رئيس العشيره،وهذا ما لاحظنا في أيام الأنتخابات البرلمانيه حيث شيخ العشيره هو من يقرر ماذا ينتخب أفراد عشيرته وغالبآ لشخص تربطه مصالح ماليه مع المتخب. فالشيخ والرئيس يعتبرون مرؤسيهم قاصرين وعاجزين وهم وحدهم من أرسلهم الله لقيادة رعاياهم، انهم يشعرون بأنهم الصفوه من البشر وغيرهم همج رعاع، فلا ينبغي صوت أن يكون أعلى من صوتهم ولا قامه أطول من قامتهم، والشعب العراقي يتذكر حادثة وزير الصحه العراقي رياض حسين الذي قدم أقتراح للرئيس العراقي بالتنحي المؤقت لكي يساعد بوقف الحرب العراقيه الأيرانيه والذي سبب بأعدامه . الشيخ والرئيس يمثلان كل منهما العشيره والدوله وهما رمزان لكياناتهما قوتآ وضعفآ، وهذه الحاله لا أثر ولا فاعليه لأتباعهما فيها، فأتباعهما لا يمثلان أكثر من قطع شطرنج، لا رأي ولا صوت لهما، فصوتهما مقموعان بعكس النظام السياسي الحديث الذي يدخل فيه الفرد بنظام تعاقدي أجتماعي مع النظام السياسي الذي يحكم الدوله ويكون النظام مسؤول أمام الشعب على كل صادره ووارده بالحر ب والسلام والبناء والسياسه العامه، أما الأنظمه التي يتصف نظامها بالقمع فالرئيس يدخل الحرب ويعلن السلام بقراره هو فقط وهذا ما يخضع لمزاجه ومصالحه الشخصيه، وهذا عين ما فعله صدام بأعلانه للحروب التي جرت على بلده وشعبه الويلات، كما هو من يجامل بأراضي بلده كما فعل مع السعوديه والأردن بترسيم الحدود، حيث منح للأردن والسعوديه في زمن الحرب العراقيه الأيرانيه أراضي أملا بتقديم العون له بالحرب، كما يتذكر العراقيون عندما وهب صدام بما لا يملك في خيمة صفوان عندما منح الكويت الكثير من الأراضي مقابل بقائه بالسلطه وعفو الحلفاء برعاية أمريكا. هكذا هو النظام البطريركي يتسم بالطاعه العمياء ولا مكان ولا حضوه في ظل هكذا أنظمه الا السمع والطاعه والا الويل والثبور وعظائم الأمور لمن يعترض على ولي الأمر فيها.

أن العقبه الكأداء لتطور منطقة المنطقه العربيه عامه والعراق خاصه هو وجود هذه الأنظمه السياسيه ذات الأنسقه العشائريه، والتي تستمد قيمها وأعرافها الحزبيه والسياسيه من قيم وعادات العشيره التي تتصل أصولها بالصحراء وقيمها الساديه .فلا تطور ولا تحديث في العراق خاصه الا بأختفاء النظام العشائري وتجاوزه وجعله شيء من الماضي والمجيء بنظام أجتماعي قائم على قيم الحوار والأنفتاح والتكافؤ، وهذا ليس بعصيب لأن في موروثنا وعقيدتنا الدينيه ما ينهض بهكذا مشروع، اليس الرسول الكريم هو القائل لذلك الأعرابي الخائف، عندما خاطبه (هون عليك فأني لست بملك..)  أي ليس بظالم ولا دكتاتور، كما في تراثنا ما يعيننا على تخطي هذا السور العشائري الحديدي في كلمة الأمام علي (متى أستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) . فالأسلام دعى مجتمعاتنا بالأنفتاح والتعاطي مع الأخر ما دام الأمر يصب في صالح تحديث نظامنا الحياتي ودليلنا قول الرسول الكريم (خالط الناس ودينك لا تكلمنه) أي لا تجرحه (والحكمه ضالة المؤمن حيث  وجدها فهو أحق بها). وهذا جدآ مهم في سياق عمليات التحديث الحضاري عندما يلتقي الموروث مع النظم الحديثه يشكل دافعآ قويأ الى الأمام بشرط فهم الموروث فهمآ منفتحأ وذكيآ لا ظاهريآ ولا متزمتأ لأن هذا هو أفة الموروث عندما يكون أسير العقليات المتخلفه، وعندما يفرض عليه أوصيا لا عهد ولا فهم لهم به.

 

أياد الزهيري

 

 

جميل عودة(العنصر) في اللغة يعني الجنس، يقال فلان من العنصر الآري السامي، أي من الجنس الآري، أو من أصل آري أو من حسب (نسب) آري. ويقال فلان من العنصر العربي، أي من الجنس العربي. وبهذا فإن اصطلاح التمييز العنصري من الناحية اللغوية يعني التفرقة وفرز الناس والأشياء على أساس أصل الحسب أو الجنس.

وقد عرفت الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري في المادة الأولى منها (التمييز العنصري) بأنه (أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفصيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الاثني، ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، على قدم المساواة، في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة).

يعد التمييز العنصري أو التمييز العرقي أو التمييز الاثني أحد أهم أنواع التمييز بين البشر، وهو التمييز المبني على الاعتقاد بوجود جماعة من الناس تنتمي وتنتسب إلى أصل واحد أو عرق واحد، وهذا الأصل أو العرق له مميزات وصفات لا تتميز ولا تتصف بها الجماعات الإنسانية الأخرى، وهذه الصفات العرقية التكوينية تعطي أفضلية اجتماعية أو قانونية لمنتسبي هذه الجماعة على حساب منتسبي الجماعات الأخرى.

في الواقع أن التمييز العنصري يوجد في كل مرة تتشبع فئة من الناس بفكرة تفوقهم على غيرهم من الأجناس، سببه التفاوت في سلالتهم وعدم اختلاطهم بأجناس أو سلالات أخرى، بل أن بعض الشعوب تنسب لنفسها نتيجة للنظرية العنصرية حق فرض آرائها وتصوراتها العنصرية على الآخرين.

مثال ذلك، هناك من يقسم الإنسانية إلى جنس قوي احتفظ بنقاوته العرقية، وجنس ضعيف اختلط مع الأجناس الأخرى، وذهب إلى وسم الجنس الآري وبالأخص الشعوب الجرمانية بالقوة والسمو وعدم مساواتها مع غيرها. وقد كانت النازية أول من قام بتقنين هذه النظرية العنصرية، كونها أكثر تعصبا، حيث يعتقد النازيون أنهم يمثلون أسمى الأعراق، فالتمييز العنصري بالنظر إلى هذه النظرية أساسه العرق.

ومما يترتب على هذا الاعتقاد أن الأفراد المنتمين إلى الأصل العريق يشعرون فيما بينهم بالفخر والعلو والتفوق، بينما يشعرون إزاء الأفراد المنتمين إلى أصل أخر أنهم أدنى منزلة وأقل شأنا. ما ينتج عنه تفريط في تحقيق العدالة الاجتماعية، وهدم المساواة بين الأفراد في الحقوق والواجبات، وهذا يؤثر سلبًا على المجتمعات المحلية ويثير النزاع الاجتماعي بين الأفراد. فعلى سبيل المثال فقد أدى التمييز العنصري في الولايات المتحدة الأمريكية الذي يمارسه البيض ضد السود إلى فصل السود والبيض في الحافلات حتى منتصف الستينات من القرن الماضي، وفي حال انتهاكهم لذلك يتعرضوا للعقوبة القانونية.

يمكن القول إن التمييز العنصري له مجموعة من الصور وهي:

الحالة الأولى: التمييز على أساس العرق أو الأصل: والعرق يعني تصنيف مجموعة بشرية بأنها مختلفة عن مجموعة بشرية أخرى على أساس الفروق في الذكاء أو القدرات الفطرية الثابتة الدائمة، أي أن أصل هؤلاء مختلف عن أصل الآخرين، حيث يتفاخر بعض الأقوام أنهم من سلالة عرق ما، يعتقدون أنه أفضل من الأصول الأخرى، ويمارسون على أساس هذا الاعتقاد تمييزا عنصريا ضد الآخرين، مثل أن يتفاخر الجنس الآري على الأجناس الأخرى أو يتفاخر الجنس العربي على الجنس الأعجمي. ويدخل في هذه الصورة التفاخر على أساس الانتساب إلى عشيرة ما والتقليل من شأن عشائر أخرى، أو الولادة من أسرة ما والتقليل من الأسر الأخرى.

الحالة الثانية: التمييز على أساس القوم: وهو أن يتفاخر مجموعة من الناس بانتسابهم إلى قوم ما، ويقللون من مكانة الآخرين؛ لأنهم ينتسبون إلى قوم من غير قومتيهم، مثل أن يتفاخر العرب على الأكراد ويقللون من شأن الأكراد، أو يتفاخر الأتراك على العرب، ويقللون من شأن العرب. ويدخل في هذه صورة تفاخر المواطنين من دولة ما على المواطنين من دولة أخرى، ويطلق على هذا تسمية (الأصل الوطنية).

الحالة الثالثة: التمييز على أساس اللون: أي لون الجسم أو لون البشرة، وفي الغالب تسمى (العنصرية ضد السود) حيث يتفاخر بعض الأقوام أن بشرتهم هي أفضل من بشرة الأقوام الآخرين، وأن الله عزل وجل فضلهم على سواهم، مثل أن يتفاخر أصحاب البشرة البيضاء على أصحاب البشرة السواء، أو أصحاب البشرة الحمراء على أصحاب البشرة الصفراء، وعلى هذا الأساس يمارسون تمييزا عنصريا بحق الذين لا يتشاركون معهم في لون الجسم أو لون البشرة. مثل التمييز العنصري الذي يمارسه البيض ضد السود في جنوب أفريقيا، والتمييز العنصري ضد السود في الولايات المتحدة الأميركية.

الحالة الرابعة: التمييز على الأساس الاثني: والأثنية هي الهوية الثقافية والمظاهر والممارسات الثقافية لمجتمع معين التي نشأت تاريخياً والتي تنزع نحو فصل الناس عن بعضهم البعض. ويقصد به -في العادة -الأصل الثقافي لقوم ما الذي يمتازون به عن الأقوام الأخرى، مثل أن يكون لهؤلاء القوم حضارة مميزة أو تاريخا عريقا، بينما لا تحظى أقوام أخرى بمثل هذه الحضارة فيتفاخرون عليهم ويميزون بين الناس على هذا الأساس.

في الواقع، لا يقتصر التمييز العنصري على ممارسة بعض الأفراد والجماعات التي تتفاخر بأصلها أو قوميتها أو لونها أو ثقافتها وعاداتها، بل يمكن أن يحدث التمييز العنصري على مستوى المؤسسات الحكومية والمجتمعية، بشكل مقصود أو غير مقصود، فأنماط السلوك والسياسات والممارسات التي تصدر عن تلك المؤسسات يمكن أن تسيء إلى مجموعة من الناس ينتمون إلى أصل أو قوم أو لون معين. مما يترك انطباعا سيئا على الأشخاص الذين يعانون من التمييز العنصري.

إلا أن من المهم الإشارة أن تفاخر بعض الناس بحسبهم ونسبهم ولونهم ولغتهم لا يعني إطلاقا أنهم يمارسون تمييزا عنصريا بحق الذين لا يتشاركون معهم النسب والحسب واللون أو اللغة، بل لابد أن يكون هذا التفاخر والتباهي مصحوبا بالإساءة اللفظية والعملية للآخرين، مثل أن يتفاخر العربي بانتمائه للعروبة وينتقص من الآخرين غير العرب. ويمكن التعبير عن التمييز العنصري بشكل علني على شكل نكات عنصرية، وافتراء أو جرائم كراهية، أو على شكل مضايقات مثل المناداة بأسماء غير محبذة، وعرض الصور أو السلوك يهين أو يسيء إلى الغير ويزعجه بسبب عرقه أو أسباب أخرى ذات صلة.

ومن المهم الإشارة أيضا، أنه لا تعتبر من قبيل التمييز العنصري أية تدابير خاصة يكون الغرض الوحيد من اتخاذها تأمين التقدم الكافي لبعض الجماعات العرقية أو الاثنية المحتاجة أو لبعض الأفراد المحتاجين إلى الحماية التي قد تكون لازمة لتلك الجماعات وهؤلاء الأفراد لتضمن لها ولهم المساواة في التمتع بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو ممارساتها، شرط عدم تأدية تلك التدابير إلى إدامة قيام حقوق منفصلة تختلف باختلاف الجماعات العرقية، وشرط عدم استمرارها بعد بلوغ الأهداف التي اتخذت من أجلها.

ونظرا لاستفحال ظاهرة العنصرية والتمييز العنصري، فقد سعى المجتمع الدولي وعبر جهود مضنية لإصدار إعلان ضد العنصرية في العام 1963، تضمن أربع نقاط رئيسية، حيث اعتبر أن أي مذهب للتفرقة العنصرية أو التفوق العنصري هو مذهب خاطئ علمياً ومشجوب أدبياً وظالم وخطر اجتماعياً، وأن التمييز العنصري هو انتهاك لحقوق الإنسان الأساسية، وإخلال بالعلاقات الودية بين الشعوب وبالتعاون بين الأمم وبالسلم والأمن الدوليين، وهو لا يقتصر على إيذاء الذين يستهدفهم، بل يمتد أذاه إلى ممارسيه، هذا من جهة.

من جهة ثانية نشطت المجتمعات الإنسانية المحلية في الحد من هذه الظاهرة ومناهضتها، لاسيما عن طريق تشريع القوانين الداخلية لحماية حقوق الأفراد الأساسية عن طريق تجريم وملاحقة مرتكبي مثل هذه الجرائم ومعاقبتهم، غير أن هذه الحماية تختلف من دولة أخرى على أساس درجة التقدم الحضاري للمجتمع وظروفه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

نخلص مما تقدم الآتي:

1- إن التمييز العنصري هو الفعل الذي يقوم على أفكار ومعتقدات يسودها وجود تفاوت بين الأعراق المختلفة، وتحاول تطبيق سياسة اجتماعية تكرس فوقية وسيطرة العرق الذي يدعي أنه أسمى.

2- إن التمييز العنصري، يعطي أفضلية للأفراد المنتمين للعرق المفضل، سواء أفضلية اجتماعية أو قانونية، وفي المقابل يؤدي إلى حرمان أفراد الجماعة العرقية الأقل شأناً من الحق بالحياة والحرية الشخصية.

3- إن التمييز العنصري قد يؤدي إلى جرائم إبادة جماعية وإلى قتل أفراد تلك الجماعة العرقية الأقل شأنا، أو إلحاق أذى بدني أو نفسي بهم والتعدي على كرامتهم وحريتهم وإخضاعهم لمعاملة قاسية ومهينة.

4- من الضرورة نتيجة ذلك، اعتبار كل نشر للأفكار القائمة على التفوق العنصري أو الكراهية العنصرية، وكل تحريض على التمييز العنصري، وكل عمل من أعمال العنف أو تحريض على هذه الأعمال، يرتكب ضد أي عرق أو أية جماعة من لون أو أصل أثني آخر جريمة يعاقب عليها القانون.

5- تعديل أو إلغاء أية قوانين ولوائح وسياسات وممارسات تتعارض مع المعايير الدولية ذات الصلة بالتمييز العنصري، واعتماد تدابير خاصة تهدف إلى تمكين الفئات المحرومة من التمتع بحقوق الإنسان والحريات الأساسية بشكل كامل وعلى قدم المساواة.

6- من الضروري تشجيع مبدأ الصدقات مع أجناس وأعراق مختلفة، فهي يمكن أن تقليل التوتر والخوف من الرفض الذي يحدث عبر المجموعات، وبالتالي فهي عامل مهم وقويّ في تقليل التحيّز والحدّ من آثاره، فوجود صديق من مجموعة أخرى يساعد على تنمية التعاطف وتقليل التحامل والتعصّب.

 

جميل عودة/مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

 

المهدي بسطيليإذا كانت بصمات التاريخ وإنتاجاته، أثبت للعديد من الدول هويتها وتاريخها العميق، مثل الدولة الصينية، الهندية، المصرية، فإن الدولة المغربية ظلت مبتورة التاريخ و الهوية، بسبب غياب تاريخ مكتوب، يعكس مسارها وتطوراتها السياسية والاجتماعية، والاقتصادية لهذا أثارت إشكالية ظهور الدولة في المغرب اهتمام الباحثين المعاصرين بمختلف مشاربهم الفكرية وتخصصاتهم. وقد كان القاسم المشترك بين هؤلاء هو اتفاقهم على أن الدولة المغربية دولة عريقة في القدم فعلى سبيل المثال يرى جرمان عياش أن المغرب له تاريخ كدولة عريقة وموغلة في القدم، في حين يرى دومو أن الدولة المغربية تتمتع بعمق تاريخي وتجذر سياسي، غير أن الاتفاق حول عراقة الدولة المغربية لم يحسم الجدال حول تاريخ نشأتها.[1] ويمكن أن نجسد هذا الجدال من خلال الأطروحات التالية:

ظهور الدولة المغربية ارتبط بحكم الأدارسة

نشأة الدولة المغربية ارتبطت بالمرابطين

هناك نشأة مزدوجة للدولة بالمغرب

الأطروحة الأولى :  ارتبط تأسيس الدولة بالمغرب مع ادريس الثاني الذي عمل على تأسيس المدينة العاصمة، حيث جعل فاس العاصمة السياسية كما أن الجذور الأيديولوجية للدولة المغربية، ارتكزت على الأسس الإسلامية مما يدفعنا للقول، أن تجربة الأدارسة هيمن فيها الجانب الديني، حيت يؤكد نور الدين الزاهي[2] أن ادريس الثاني عمل على موجهة التطبيقات غير السنية مستدعيا بذلك مفهوم البدعة، وعمل على تكريس شرعية الأسرة الحاكمة بالمغرب، على الأصول الشريفة من نسل النبي. بينما يرى العروي أن "الدولة الإدريسية كانت جد بسيطة؛ إذ كانت تتجسد في جيش يؤخذ من المنطقة ويمول من غنيمة الحروب والجزية المفروضة على غير المسلمين". وإذا كانت هذه الأقوال قد تعكس بعض الاختلاف في مواقف المؤرخين حول طبيعة حكم الأدارسة، فإنها تتفق مع ذلك على أن الأدارسة هم أول من أسس أول حكم مركزي في المغرب، وتستند هذه الأطروحة إلى الأسس التالية:

أولا: الكتابات الإخبارية المغربية التي كرست دائما المسلمة التاريخية التي تؤكد أن الدولة المغربية تبتدئ مع قيام الأدارسة

ثانيا: ربط ظهور الدولة المغربية بتأسيس مدينة فاس، العاصمة السياسية للبلاد.

ثالثا: ترسيخ الجذور الإيديولوجية للدولة المغربية، والتي تتمثل في الأسس الإسلامية-العربية- السنية، ما يتجسد بشكل خاص في التجربة الإدريسية التي تغلب فيها الجانب الإسلامي والعنصر العربي على العنصر القبلي البربري ومواجهة التطبيقات غير السنية للإسلام

رابعا: تكريس شرعية الأسر الحاكمة بالمغرب التي تستند إلى الأصول الشريفية للأدارسة وتعتبر نفسها امتدادا سياسيا لهم.

الأطروحة الثانية:

يربض مجموعة من الباحثين نشأة الدولة المغربية بقيام المرابطين،وتأسيس ما سمي بالرباط،من بينهم "محمد البزاوي" من خلال أطروحته الجامعية "دور الدعوة في نشأة الدولة المغربية"،وقد شكل من وجهة نظرهم عهد يوسف ابن تاشفين لحظة ميلاد الدولة المغربية،حيث استطاع المغرب إرساء القواعد و الهياكل الأولى للدولة المغربية في توحيد المجال الأصلي للمغرب تحت سلطة سياسية واحدة، ومنه يتم ربط نشأة الدولة المغربية بالدعوة الاسلامية،و توحيد المجال السياسي.[3]

حفلت مدينة فاس في عصر المرابطين،بعدد كبير من الفقهاء و العلماء،حيث قامت الدولة المرابطية على  أساس ديني ودعوة إصلاحية اتسمت بمسحة دينية واضحة،جعلت من الفكر الديني جوهر الدولة المرابطية وظهر للقائمين على الشأن الديني مكانة متميزة حيث تحالف الفقهاء مع المرابطين منذ قيام دولتهم . فمند أن دخل يوسف ابن تاشفين مدينة فاس سنة 462ه الموافقة  _1069م،حيث استطاع تحقيق نوع من الاستقرار السياسي و التنظيمي الإداري ترتب عنه توسعات عمرانية مختلفة، واهتم بالمساجد و الرباطات الدينية فأصبحت فاس، قبلة للعلماء و الأدباء الوافدين من الشرق، وقد حققت قدر مهم من الازدهار التجاري و الصناعات التقليدية بسبب المكانة الدينية التي باتت تحظى بها.[4]

ويؤكد الأستاد البزاوي،ن أن الـمـغـرب "قـبـل الـدعـوة الإسـلامـيـة كان يـعاني تـمـزقـا سيـاسيا وتـعددا عـقـائـديـا..."، ما عرقل تبلور سلطة مركزية مغربية. "في إطار هذا الوضع عاش المغرب طوال هذه الفترة بدون سلطة مركزية، ولم يستطع المجتمع المغربي بناء المؤسسة السياسية التي توحد مختلف أجزائه أو القيام بإنشاء دولة لها سلطة على المجال المغربي، إلا بمجيء المرابطين . لذا فانتشار الدعوة الإسلامية بالمـغرب سـاعـد عـلى تـجاوز كـل الـمعوقات التي كانت تؤخر نشوء الدولة، إذ إن الـفـتـح الإسـلامـي أدى إلى خلخلة البنيات الاجتماعية الراكدة، والتي كانت تتجسد في سيطرة النظام القبلي. والمضمون التوحيدي الذي كان يستند إليه الإسلام مهد بشكل كبير لتجاوز التعددية القبلية في المغرب وسمح، في نظر الباحث، بخلق أمة واحدة منسجمة تؤمن بالله الواحد وترتبط بمصير مشترك تتجاوز بذلك التعددية القبلية وتعدد مراكز السلطة، ما كان يتجاوب ومنحى التطور الذي كان يعرفه المجتمع في هذه الفترة.[5]

عموما يـسـتـرسـل هـذا الـطـرح فـي مصادرة كل المظاهر وكل الأشكال السياسية التي عرفها المغرب، والتي تـحـدثـت عـنـها الأدبـيـات الــتاريـخـيـة الرومـانـيـة لـيخـلـص إلى انعدام وجود أي إرهاصات أو ملامح لسلطة سياسية أو دولة مغربية طيلة هذا العهد،إلا مع المرابطين، ويؤكد الأستاد شقير أن هذا الطرح قد تبنى  مـفـهـومـا خـاصـا لـلـدولة في المغرب، يقوم بالأساس على ربط نشأتها بتجاوزها للواقع القبلي وتوحيدها للمجال المغربي الأصل. ويتضح ذلك من خلال التعريف الذي أسبغه بزاوي على الظاهرة الدولتية المغربية. (فالدولة بإضـافـة اسـم الأسرة الحاكمة تعني سلطة سياسية تتجاوز نظام القبيلة وتتحكم في بعض مناطق المغرب، وتتوفر على بعض الهياكل الإدارية والسياسية للدولة، ولكنها لم ترق إلى مفهوم الدولة المغربية لأنها لم تـستـطـع توحيد كل مناطق وأقاليم المغرب الأصل تحت سلطتها، في حين أن مصطلح الدولة المغربية سيستعمل عندما تستطيع سلطة سياسية ما - غير أجنبية - من توحيد كل مناطق وأقاليم المغرب الأصل تحت سلطتها وضمن نفوذها؛ أي إن اسم الدولة المـغـربـيـة يطابق اسم الدولة المركزية التي تؤول إليها جميع السلط داخل رقعة من الأرض، وتتحكم في جميع الأقاليم الداخلة في هذه الرقعة. وقد تتبع جاك برك ذلك، وأكد أن الدولة المغربية وليدة القرن السادس عشر وتجديدا في نصفه الثاني، بعد مجيء المرابطين  كتجربة استطاعت إرساء مفهوم الدولة مشيرا كذلك،أن ظاهرة الشرفاء، كان لها دورا سياسيا بشكل أساسي بعدما انتجتها حاجة اجتماعية للأفراد [6]

الأطروحة الثالتة:

ينطلق هذا الطرح من أن الدولة المغربية هي دولة عريقة في القدم،غير أنها تختزن ميراثا تاريخيا مزدوجـا يـتـكـون مـن تـراث سـيـاسـي إسـلامـي،وتراث سياسي أوربي. ولعل ذلك هو السبب في غموض مفهوم الدولة في المغرب. "فالدولة المغربية"، هذا المفهوم المتداول والمبتذل والذي يبدو أنه لا يطرح أي إشكال ظاهريا، هو من المفاهيم الأكثر استعمالا وفي الوقت نفسه الأكثر غموضا. لذا فالدولة المغربية المعاصرة تفصح عن إرادتها في أنها الوريثة وثمرة المنظومتين السياسيتين- المنظومة العربية - الإسلامية والمنظومة الأوربية. "وهكذا فالدولة المغربية المعاصرة تحيل دائما إلى خلفيات ثقافية ومضامين سوسيولوجية وتاريخية جد مختلفة،.بين ماهو متجدر في عمقها وماهو متمثل في ظاهرها من أشكال أجهزة إدارية .[7]

ويؤكد أصحاب هذا الطرح بصعوبة تحديد لحظة محددة لولادة الدولة المغربية، لذلك يمكن أن نعتبر مرحلتين مهمتين في تاريخ المغرب كتشخيص للدولة المغربية :

أولا  بداية القرن التاسع، مع ظهور الأدارسة الى نهاية حكم السعديين، وتتداخل في النشأة مجموعة من الأبعاد لعل ابرزها البعد الديني .

ثانيا اعتبر يوم30 مارس 1956 بعد رجوع الملك محمد الخامس من المنفى، و الحصول على الاستقلال وإعادة هيكلة الدولة المغربية بالحصول على وسائل وصلاحيات الدولة الحديثة .وكانت أمام العلويين فرصة ذهبية بإرساء مقومات الدولة الحديثة .[8]

إن صعوبة تحديد نقطة موحدة، لنشأة الدولة المغربية تحيل أنها لم تتخذ مسارا منسجما، وخطيا، ومن ثم يصعب الحديث عن عن دولة بمفهوم حديث، وأيضا لا يمكن أن ننفي أن المغرب لم يشكل بنية سياسية، ذات توجهات مركزية يوحدها شعور الانتماء، وهذا ما اتضح مع الحركة الوطنية .

إن الدلالة التي نخلص بها من خلال هذا التضارب في الأطراح هو غياب تعريف محدد ودقيق للدولة المغربية، وتجاوزا للخلط بين مفهوم النظام السياسي، حتى لا نتحدث عن الملكية كنظام ونضعها مرادف لمفهوم الدولة بالمغرب، ونبتعد عن مسار الحديث عن الدولة، وهو المفهوم الذي لم نتمكن حتى اليوم من ضبطه على ما يبدو، لذلك يحلو لي الآن أن أتساءل:

كيف يتحقق الحديث عن الدولة بالمغرب كجهاز مجهول الهوية ؟

هل يتحقق مفهوم الدولة بالمقومات و الشروط التي بني عليها  أصلا؟

هل استطاع الفرد المغربي أن يبني تصورا سليمة للدولة كجهاز يؤطره؟

"يجب أن نفهم الآن أن وعي الفرد وتمثله للدولة يترجم سلوكه اتجاهها"

 

المهدي بسطيلي

طالب باحث بسلك الماستر

...........................

[1] الدولة المغربية بين العراقة التاريخية و الادلجة السياسية ,محمد شقير مقال جريدة هسبرس

[2] الزاوية و الحزب –نورالدين الزاهي –افريقيا الشرق الطبعة التالثة 2011

[3] تطور الدولة في المغرب –محمد شقير –افريقيا الشرق -  2002

[4] حس قرةفل: أىل فاس الماؿ دالسياسة دار أبي رقراؽ، الرباط، ط2007،1ـ) ص5

[5]  محمد بزواي: دور الدعوة في نشأة الدولة المغربية (رسالة جامعية، كلية الآداب، الرباط، 1996م) ص :/296 344 .

[6] سوسيولوجيا الدولة بالمغرب اسهام جاك برك –عادل المساتي سلسلة المعرفة الاجتماعية و السياسية 2010 ص 23

[7] تطور الدولة في المغرب –محمد شقير –افريقيا الشرق -  ¹2002

[8] واتربوري، جون. أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية، ترجمة عبد الغني أبو العزم، عبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق. مؤسسة الغني للنشر، الرباط، 2013 (الطبعة الثالثة).فصل المخزن

 

 

قاسم حسين صالحتقتضي المنهجية العلمية تحديد ثلاثة مفاهيم (الأغتراب، الثقافة، الأبداع) ليكون لدينا فهم مشترك بخصوص واحدة من اخطر اشكاليات الدولة والمجتمع والفرد.. ولنبدأ بالأغتراب في خمسة تعريفات لمفكرين كبار يختلفون ايديولوجيا.

- الأغتراب هو انفصال او تنافر ينشأ بين الفرد والبيئة الأجتماعية (هيجل).

- هو تلك الحالة التي لا يشعر فيها الانسان بأنه المالك الحقيقي لثرواته وطاقاته، وخضوعه لقوى خارجية لا تمت له بصلة (اريك فروم)

- الأغتراب عن الذات أمر ناجم عن ظروف الحياة المعاشة في عالم يتسم بالعبثية واللامعنى (سارتر)

- الحضارة هي مصدر الأغتراب مع ان الانسان هو الذي اسسها دفاعا عن ذاته ازاء عدوان الطبيعة فجاءت على نحو يتعارض وتحقيق أهدافه ورغباته (فرويد)

- الأغتراب ناجم عن انفصال الأنسان عن الطبيعة عن طريق العمل والأنتاج، ومع ازدياد قدرته في السيطرة عليها فأنه يواجه نفسه كشخص غريب محاطا باشياء هي من نتاج عمله ومع ذلك تتخطي حدود سيطرته وتكتسب قوة متزايدة (ماركس).

 

 وكان روسو اول من استخدم تعبير (الغربة) حين رأى بعض النواب لا يمثلون الشعب، فوصف الهيأة النيابية بأنها أداة حكم وليس أداة للتعبير عن الأرادة العامة، وأن مجلس النواب(لا يمثلون الشعب ولا يمكن أن يمثلوه، وأن السيادة لا تمارس بالأنابة). وفي مؤلفاته (اللامنتمي، ما بعد اللامنتمي، سقوط الحضارة) توصل ممثل الوجودية الجديدة، كولن ولسن، من تحليله لأعمال كتّاب وفنانيين معروفين (ويلز، كامو، سارتر، فان كوخ، دستيوفسكي.. ) الى ان حالة الغربة التي عاشوها كانت بسبب وقوفهم ضد المجتمع ومن اجله.

وفيما يخص (الثقافة) سنعتمد تعريف منظمة اليونسكو بأنها (مجموعة من الخصائص الروحية والمادية والفكرية والأنفعالية المميزة لمجتمع او جماعة وتشمل الفن والأدب وأساليب الحياة وطرائق العيش والمنظومات القيمية والتقاليد والمعتقدات). ونضيف بأن الثقافة تعمل على تزويد الأفراد بأساليب التعامل فيما بينهم، وتمدهم بالوسائل التي تمكنهم من حل مشاكلهم وتأمين حاجاتهم.. ما يعني انها ليست ترفا او ممارسة هواية لذاتها بل انها ارقى وسيلة انسانية لحفظ بقاء الجنس البشري.

 اما الأبداع، الذي له اكثر من عشرين تعريفا، فنوجزه بانه عملية عقلية ينتج عنها عمل جديد من شخص يتحسس نواقص وفجوات ومشكلات مجتمعه، ويقدم معالجات تستهدف جعل حياة الناس امتع وأجمل.

مفارقة عكس المنطق

 أن لا تكون للمبدعين مكانة في الزمن الدكتاتوري فتلك مسألة مفهومة، ولكن أن تتراجع مكانتهم في الزمن الديمقراطي فتلك مفارقة لا تحدث الا في العراق.

 ذلك أن النظام الدكتاتوري يرغم العقل المبدع على خدمته. ولأن شخصية المبدع تنفر من الاتجاه التلسطي فأنه اما أن يستجيب دفعا للشر، أو يعيش حالة اغتراب عن نفسه والوطن قد تدفع به الى الانتحار، أو يهاجر الى بلد يحترم شخصه ويقدّر ابداعه. ومن يتأمل واقع العقول العراقية المهاجرة يجد انها أنشأت جامعات وكليات في دول عربية (الخليج، اليمن، ليبيا، الجزائر.. )، وأسهمت في تطوير دول أوربية، وقدمت لمجتمعاتها خدمات تتطلب ابداعا (الأطباء العراقيون في بريطانيا مثالا). فأنت حيثما ولّيت وجهك في بلدان العالم تجد العقل العراقي المبدع أمامك.. في كل مجالات المعرفة من الطب الى الشعر والفنون التشكيلية والفكر الانساني.. ولك أن تفترض لو أنك عدت بنصفهم الى العراق، وخصصت لهم محافظة(ميسان مثلا) لخلقوا منها.. جنّة.

 والمؤسف ان ديمقراطيتنا فشلت ليس فقط في تهيئة الأجواء لعودة المبدعين، بل أن الموجودين منهم داخل الوطن صاروا بين من أخمد صوته كاتم صوت، او من اختار ان يجاهر بالحقيقة حاملا كفنه على يديه، او من سار على خطى المهاجرين من قبله.وأنها (ديمقراطيتنا) اوصلت المثقف العراقي الى أن يعيش اكثر من محنة اوجعها اثنتان:ادراكه بأنه أصبح فاقد القدرة وعاجز عن تحقيق منجز ابداعي، واحساسه باللامعنى الناجم من رؤيته للاحداث بانها تسير على نحو غير منطقي وغير معقول، وان حياته اصبحت تافهة ولا جدوى من الاستمرار فيها.  

 الباحث المتابع لما حصل بعد (2003) يجد ان المنجز الأبداعي قد تعطل بالعراق في مجالات المعرفة العلمية والانسانية والآداب والفنون، باستثناء اربع او خمس روايات حظيت بتكريم عربي وليس عراقي، فيما الباقي من المبدعين تراجعت مكانتهم الوظيفية.فمعظم المراكز الوظيفية الرئيسة بمؤسسات الدولة تسند لا على أساس الكفاءة العقلية بل الانتماء الحزبي، لأن أحزاب الاسلام السياسي تفّضل حامل دبلوم معهد من اهل الثقة على خبير دولي حامل دكتوراه في الاقتصاد. وهذه حقيقة واقعة تؤكد (صعود اقارب المسؤولين الكبار، واغلبهم بلا كفاءات، الى شبكات ادارات الدولة التي تتحكم برقاب ومعيشة ومصائر الناس.. بتعبير الكاتب عبد المنعم الأعسم)، وأنه (تم استبدال نظام العائلة الواحدة بنظام العوائل المتعددة واستبدلنا القائد الاوحد بعشرات القادة.. بتعبير الدكتور محمد فلحي)، وان الدولة تبنى على مؤسسات رصينة حسب الكفاءة والمهنية فيما واقع الحال يؤكد بأنه (توجد لدينا حكومة بلا دولة هدفها الاستيلاء والمصلحة الخاصة وتهميش الخبرات.. بتعبير الاعلامي جاسم فرج).

 ان استبعاد المبدعين المستقلين من السلطة التنفيذية كان أحد أهم أسباب خراب الوطن وفقر الناس وتضاعف حالات الانتحار والطلاق والتفكك الأسري، وهو السبب الرئيس وراء سوء الأدارة وشيوع الفساد بأنواعه الثلاثة السياسي والمالي والأداري بحالة تثير الخجل أن يحتل العراق الديمقراطي! الأسلامي!! المراتب الأولى بالفساد بحسب منظمة الشفافية العالمية.

 والمشكلة، أن المسؤولين لا يدركون ان الابداع صار اليوم هو المعيار لتقدم المجتمعات وتفوق الدول، وأن الدولة الأكثر احتراما لمبدعيها وتوفيرا لفرص توظيف ابداعهم بخدمة المجتمع، هي الأكثر تطورا وتحقيقا لحياة كريمة لمواطنيها. وما يحيرك أن تراجع مكانة المبدعين في زمن الدكتاتورية كان أحد أسباب انهيارها، وأن الديمقراطية التوافقية لا تلتقط العبرة ولا تدرك ان المبدعين في العراق طاقة هائلة في اعمار الوطن وتطوير العقول.. بل ان النظام الديمقراطي تقصّد التضييق عليهم فهاجروا او استكانوا ليخلو الجو لأشخاص اعتبروا العراق غنيمة لهم فانشغلوا بتقاسم ثرواته وخلق الأزمات لألهاء الناس.. مصحوبة بحقيقة سيكولوجية (خفية) هي ان قادة احزاب السلطة يدركون يقينا انهم اذا منحوا الفرصة للمبدعين فأنهم سيشيعون الوعي الثقافي بين الناس ويحققون لهم حياة كريمة في وطن يمتلك كل مقومات الرفاهية لأهله.. فيفقدهم اهم وسيلتين تضمنان بقاء الطغاة والحكام الفاشلين.. الجهل والفقر.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

 

علي المرهجفي اتصال ليَ مع صديقي القديم (د.علي الربيعي) الذي أختلف معه كثيراً قبل غربته الزمانية أيديولوجياً، وأتفق معه قبل غربته المكانية وبعدها معرفياً، لا سيما في قراءاته في الفكر السياسي وفلسفة السياسة، فهو في هذين المجالين مرجع يُحتذى، ولا اتفاق لي في منشوراته السياسية و(الوعظية) في الفيس بوك، ولكنه عقل نقدي في في النظرية السياسية والفكر السياسي أفدّت منه كثيراً، وبسياق الحديث معه قُلت له أنني أكتب عن موضوع بعنون (الأنا والآخر وتنامي صراع الهويات الفرعية)، وفي خضم الحديث نصحني بقراءة كتابات (نادر كاظم) ولم أقرأ من قبل لهذا الكاتب، وبينما أنا في مكتبة (خالد حنش) أرمق بعين مُتفحصة جديد ما يستنسخه، فإذا بعيني تلتقطان كتاب (نادر كاظم) "خارج الجماعة"، وكُنت قد بحثت في فضاءات العم "غوغل" عن (نادر كاظم) فوجدَته من الكُتَاب العرب القلائل الذين انشغلوا بكتابات حول التعددية الثقافية، وهو شاب بحريني مواليد 1973، أستاذ "الدراسات الثقافية" في جامعة البحرين، تنحدر أصوله من عائلة شيعية، وليس مستغرب لمن يعرف وضع الشيعة في البحرين أن يربط بين الحال السياسي في البحرين واهتمامات (نادر كاظم) في الدفاع عن مفهوم الجماعة ودفاعه عن فكرة "التعددية الثقافية"، أو عن علاقة الفرد بالجماعة الذي يدور حوله كتابه "خارج الجماعة"، وله كتاب (استعمالات الذاكرة: في مُجتمع تعددي مُبتلى بالتاريخ).

جُلَ همَ نادر كاظم هو توكيد قيمة (الاعتراف) بـ "الآخر" بوصفه وجود مُكمل لمعنى وجود (الأنا) في هذا العالم، ليصل إلى نتيجة فحواها: "أن الاعتراف بالتعددية الثقافية هو المخرج لأغلب أزماتنا السياسية في المجتمعات المتصارعة أثنياً، فلا مناص لنا من "الاعتراف" بالتنوع، ولأنه بحريني، ونحن نعرف أن البحرين تعيش مشكلة سياسية واجتماعية بحكم التنوع الأثني (الطائفي) فيها، نجده يلجأ لتأصيل رؤيته وتجذيرها عبر الإفادة من رؤى فلاسفة "التعددية الثقافية".

يعمل (نادر كاظم) على تفعيل النظر لـ "فلسفة الاعتراف" بوصفها فلسفة تطبيقية لها فعل تأثير في تغيير مسار الرؤية في المجتمعات التي تحكمها رؤية أحادية.

ينتقد نادر كاظم تعنت الدولة وتطرفها في اقصاء التنوع وقمع رؤى التعبير الحر عن الوجود المجتمعي الذي تقتضيه طبيعة التكوين والصيرورة التاريخية لمكون مُجتمعي، ربما تكون مُتبنياتها تبدو وكأنها "خارج الجماعة"..

كل جماعة تتماهى مع تاريخها (الذاكرة الجماعية)، ولكن في تفعيل (الحرية الفردية) ضرب لهذا المفهوم ودفع باتجاه البحث عن الذات (خارج الجماعة).

العيش (خارج الجماعة) فيه نزوع نحو التحرر الفردي وبحث عن الذات المُتفردة، ولكنه في الآن ذاته يحمل بين طياته تنكر لـ "المديونية للجماعة"، وتلك هي حالة "المثقف النقدي" أو "المثقف الحُرَ" الذي يختار العيش "خارج الجماعة" ليكون غريباً، إن لم يكن منفياً، وهو في وطنه، وإن كان مثل هذا الأمر ليس سلبياً بحد ذاته، لأن فيه كشف عن "استقلاية الذات" وتحملها المسؤولية والإرادة التي تجعلها تنحو نحو الحُرية الفردية وحُرية الاختيار بتعبير الوجودية، فتجد هذا "المثقف الحُرَ" يعيش غربة داخلية وغربة مُجتمعية تضعه أمام تحد لقيم الجماعة التي تنبذ قيم النزوع الفردي الحُرَ اليت يصنعها "الإنسان السوبرمان" بتعبير نيتشه، ذلك الذي يسعى للعمل على "إنقلاب القيم" وتغييرها.

لربما يكون "المثقف العضوي" بتعبير غرامشي أحد هؤلاء الذي يسعون لقلب القيم السائدة، ولكن قلب غرامشي للقيم لا يشبه سعي نيتشه لقلبها، لأن غرامشي يعمل لتفعيل دور المثقف العضوي "داخل الجماعة"، بينما نجد نيتشه وسارتر من بعده في رؤيته للـ "المثقف المُلتزم" يسعيان لتفعيل دور المثقف كي يكون "خارج الجماعة"، أو ما سماه إدوارد سعيد "خارج المكان".

المثقف فرد له انحدارات وأصول ثقافية وعرقية وقومية ودينية، وكل هذه مؤثرات لها وجود وتأثير في كتاباته، لذا فهو في الوقت الذي يرنو فيه لأن يكون "خارج الجماعة" نجد في كتاباته ما يُمكننا نحن المُتلقين أو القُرَاء ما يجعلنا نضعه "داخل جماعة" ولنا أن نُعدد تنوعات الفهم بحسب التلقي لادراجه "داخل الجماعة" الثقافية أو "داخل الجماعة العرقية" أو "داخل الجماعة الدينية"!!.

كل مثقف "فرد" وإن كان يترنم بقيمة "الحرية الفردية" ولكنك ستجده في "المسكوت عنه" في كتاباته، ولربما في الظاهر منها ما يكشف ميله للجماعة، ونجد هذا الأمر جلياً وواضحاً عند المثقفين الذين يُصنفون داخل الدولة اجتماعياً وسياسياً على أنهم أقليات.

لم تستطع الدولة الحديثة بكل انجازاتها العلمية والثقافية والسياسية القضاء على فكرة "التعددية الأثنية"، حتى في الدول الأكثر "ديكتاتورية" وقسوة.

ولك في الشيعة في العراق والأكراد مثال، ولك في أكراد إيران أو أكراد تُركيا وسوريا أمثلة.

ما يؤكد عليه "نادر كاظم" في كتابه هذا، هو ليس الدفاع عن حرية الفرد في أن يكون "داخل الجماعة" مُنتمياً إليها، أو يكون "خارج الجماعة" والسماح له بحرية اختيار الجماعة التي يرغب بالانتماء إليها. الأمر الذي يدفعنا إلى ضرورة رفض قمع الجماعة بضرورة انتماء الفرد الذي أوجده القدر فيها، وفي الوقت نفسه ضرورة رفض قمع الدولة في حساب الفرد على جماعة شاء القدر أن يُخلق فيها، وهذا لا يعني أن الفرد رافض في أن يَحسبَ نفسه على جماعة أو ضمن جماعة، ولكن عليه أن يرفض أن يحسبه الآخرون مجتمع أو سلطة على جماعة ما من دون أن يكون هو بذاته قد قرر وأعلن أنه داخل جماعة ما.

إن المُهم والأهم هو في قُدرة الفرد على إنتزاع ذاته وإنسانيته من محاولات الاختزال والتحجيم لفردانيته عبر الممارسات القهرية للدولة أو الجماعة في نزع حريته وادماجها "داخل الجماعة".

 

د. علي المرهج

 

معراج احمد الندويإن التنوع ظاهرة كونية في آفاق السماء، وفي جنبات الأرض وفي الحضارات المتعاقبة على مر الزمان وفي كل أنحاء المعمورة في البشر. التنوع أصل أصيل في الكيان البشري، ولا يجوز لطائفة من البشر أن يخالفوا هذا التنوع، إن التنوع ثروة ينبغي ألا تكون مصدرًا للنزاع ونبذ الآخر بل سبيلا إلى توسيع الأرضية المشتركة التي يشترط تحققها الاعتراف بالآخر وتفهم مشكلاته ومقاصده وإدراكه على قدم المساواة وعدم استهدافه بالتمييز أو التحقير أو الإلغاء.

التنوع في الخلق يدل دلالة عظيمة على قدرة الله عز وجل في أن يخلق من الصنف الواحد ما يعجز على الإنسان حصره وتذوقه ومعرفة فوائده. البشر الذين هم جزء من هذا الكون المتميز بالتنوع والتعدد والاختلاف، فبالرغم من أنهم يتساوون في إنسانيتهم العامة، وفي خصائصهم الأولية المشتركة، فإنهم في حقيقة الأمر، يتمايزون داخل المحيط البشري بدرجة. وإنّ البشر وإن اختلفت معتقداتهم وثقافاتهم ومذاهبهم فإنّهم متقاربون في الأسس الرمزية وفي قيمهم الإنسانية النبيلة.

هذا التنوع الذي يتحدث عنه القرآن الكريم إنما هو جزء من ظاهرة كونية تشمل أصناف المخلوقات والكائنات. هناك الكثير من الآيات التي تتناول مختلف أشكال التنوع، بما في ذلك التنوع الطبقي واللغوي والديني والثقافي، وحدد طرق التعامل مع كل هذه الصور من التنوعالإنساني.

-  التنوع الجنسي: لقد أكد القرآن الكريم على الفوارق بين الذكر والأنثى، برغم هذا الاختلاف بقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ (آل عمران: 36) نجد أن للمرأة قدراً، وللرجل قدراً مختلفاً، لأن الاختلاف قائم في بعض الأحوال فقط، بين الذكر والأنثى في الأحكام، إنما ليس تقليلاً من شأن المرأة ولكنه مراعاة للفوارق الفسيولوجية والاجتماعية ،القائمة بين الرجل والمرأة.

-  التنوع العرقي: إن الوجود البشري المتنوع في أعراقه وألوانه ولغاته وثقافاته، يرجع إلى أصل واحد، كما يؤكد على ذلك القرآن الكريم، وفي الشعوب والقبائل هناك تعددية تثم التمايز الذي يدعو القرآن إلى توظيفه في إقامة علاقات التعارف بين الفرقاء المتماييزين. إن خلق الإنسان من نفس واحده وخلق زوجته أمنا حواء منه ثم خلق منهما رجالا كثيره ونساء ومنهم تكونت شعوب وقبائل عديده متنوعه في شكلها وفى ثقافتها ولونها ولغتها وتاريخها وعاداتها لآيه عظيمه من آيات الله التى تدل على قدرته وحكمته فى الخلق.

-  التنوع اللغوي: إن اللغة في حقيقتها وسيلة للتخاطب، لا للتفاضل، ولا يعكس اختلاف الألسنة وتعدد اللغات حالة تفاضل أو تفوق بين الشعوب، فليست هناك لغة تمنح التقدم للناطقين بها، أو لغة تفرض التخلف على أبنائها، وإنما اللغة وعاء وأداة تتسع وتضيق بحسب مستوى ثقافة المتحدثين بها بقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِين﴾ (سورة الروم الآية 22) هذه الآية الكريمة صريحة في كون تعدد اللغات واختلاف الألسُن يعد مظهرا باهرا من مظاهر عظمة الله وقدرته وبديع صنعه.

-  التنوع الديني: التنوع الديني سنة كونية ومشيئة إلهية، يصرح القرآن أن التعدد والاختلاف بكافة أشكاله هو محض المشيئة الإلهية كما يقول سبحانه وتعالى:﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة﴾ (هود: 118) أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون الناس مختلفين ومتنوعين فى كل شئ فى لغاتهم وأديانهم وأجناسهم وألوانهم ومشاربهم وأفكارهم وأيديولوجياتهم، والحقيقة أن كل شكل من أشكال التنوع والاختلاف في هذا الكون هو في الحقيقة آية من آيات الله ونعمة من نعمه.

-  التنوع الثقافي: مما يستدعي التفاعل المنسجم والرغبة في العيش المشترك بين الأفراد والمجموعات ذات الهويات الثقافية المتعددة والمتنوعة لما في ذلك من احترام للرأي الآخر وتفصيل لأسس التنوع الثقافي. قد وردت في القرآن الكريم نصوص متعددة تؤكد التنوع وتدعو إلى قيمه وتؤصلها، وذلك من قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (المائدة: 48)، لقد خلق الله سبحانه وتعالى البشر للتنوع والاختلاف لترسيخ قيم التوافق والتعاون والتعايش بين أتباع الحضارات والثقافات المختلفة.

 التنوع انشغال رئيسي في العصر الحاضر، له دور إيجابي في بناء المجتمع. التنوع يدل على تقاسيم الثروة التي تملكها كل ثقافة من ثقافات العالم. لقد اعتررف الإسلام الاختلاف حقيقة إنسانية وحاجة طبيعية لا يمكن قمعها. وعلى هذا الأساس خلق الله البشر في ألسن وثقافات وجنسيات مختلفة. إن نظرة الإسلام إلى الحق في التنوع الثقافي نابعة من كون القيم الروحية النابعة من مصدر ديني هي وحدها الكفيلة بتوجيه أنماط السلوك الحضاري الهادفة إلى صيانة الحضارة الإنسانية من الانحلال، وهو ما يقتضي التعرف على الآخر والاعتراف به، إذ بدون احترام الآخر في اختلافه لن يكون لقيم كالسلام والعدل والكرامة الإنسانية، ولا للتسامح والمحبة والتآخي.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

حسن خليل حسن(مجموعة تصورات ليس بالضرورة ان تكون مقنعة للجميع)

بالرغم من العالم يتجه الى دراسة تكيف الإنسان مع تغيرات البيئة الطبيعية ، ومدى تأثير التغير  في  البشر بشكل مادي ومعنوي ونفسي، الا انن كعرب مازلنا نحاول تفسير بعض الظواهر المرتبطة بالتغيرات المناخية في منطقتنا الشرق اوسطية التي اصبحت ذات بعد كارثي يحتاج الى تفكيكية وتعايش، ويشهد المناخ العالمي في عصرنا الحديث جنوحاً كبيراً واحداث تقلبية وانماط وظواهر مناخية استثنائية غير مسبوقة، وازداد تكرارها لتصبح سمة من سمات الاعوام الاخيرة، وابرز تلك الظواهر هي  ظاهرة النينو-التذبذب الجنوبي (ENSO  - EL Nino Southern Oscillation ) التي تحدث في المنطقة الاستوائية من المحيط الهادي خلال الربع الاخير من كل عام  وتتمثل بانتقال كتل هائلة من المياه الساخنة في المحيط الاستوائي من الشرق إلى الغرب تعمل على احترار سطح المياه البحرية وتؤدي الى اضطرابات حادة في حركة الغلاف الجوي كحدوث العواصف والسيول والجفاف في العالم، وعلى عكس النينو تعمل ظاهرة النينا (NINA)  التي تتبع الظاهرة الاولى من حيث التوقيت ويتعرض فيها سطح البحر لدرجات حرارة أبرد من المعتاد في المحيط الهادي الاستوائي ويرافقها تبريد وانخفاض درجات الحرارة عن معدلاتها، وتؤدي  لعدد من الاضطرابات الجوية القوية كالجفاف  وقلة الأمطار في مناطق المشرق العربي واحياناً تسبب انخفاض درجات الحرارة عن معدلاتها وقد تتسبب بحدوث الفيضانات والسيول في مناطق المغرب العربي، وهنالك ظاهرة ثالثة اشار لها بعض علماء المناخ وهي ظاهرة «ناو- NAO » وتُعرف بتقلبات شمال المحيط الأطلسي وهي مماثلة لظاهرة النينو لكنها وأخذت تزداد وضوحًا في السنوات القليلة الماضية بظاهرة  وترتبط بكل التغيرات التي تحدث في المحيط الاطلسي، بدءًا من الأمطار التي تسقط في اوربا  إلى الأعاصير الحاملة للرمال فوق الصحراء،  وتؤثر هذه الظاهرة أيضا على جريان البحار عند التخوم الشمالية للمحيط، كما أنها تترك بصماتها على شكل أعاصير حلزونية ضبابية تسود مناخ الجزء الشمالي من المحيط، إضافة إلى أنها تؤثر فعليا على معدلات الحرارة في أنحاء العالم كافة.

واذا بحثنا في الجانب البشري فهنالك فعاليات بشرية تسببت بجنوح المناخ تتمثل بتلوث الجو بغازات وابخرة صناعية تحتفظ بالحرارة في الجو وتساهم بتغير  كبير في ديناميكية الظواهر واشتدادها على نحو غير مسبوق، ويوضح الشكل (1) التأثير  المناخي لعناصر التسخين بسبب المنشأ البشري الذي اصبح يقارب التأثير الطبيعي، اذ اصبح يسبب تكرار ظواهر طبيعية غير معتادة كموجات الحر والتساقط الثلجي والمطري فوق المعدل، وهنالك يقين من بعض الباحثين الى ان استخدام الإنسان للغازات التي تساعد علي زيادة الاحتراق ورفع درجة الحرارة يعتبر عاملا‏ مساعداً في تعميق الفترات المناخية التي تمر على الارض عبر الازمنة الجيولوجية،‏ ولكنه ليس العامل الأوحد الذي يسبب بالتغيرات المناخية فوق القشرة الأرضية‏,‏.

 958 حسن 1

الشكل 1: نموذج يوضح التأثير البشري في تغير المناخ  العالمي. (عن منظمة الارصاد العالمية 2014)

 ان التداعيات الكارثية المناخية الموسمية الاخيرة تستدعي الوقوف العلمي ووضع التصورات المنطقية، وبحسب وكالة ناسا فقد هطلت أمطار غزيرة ومستمرة بشكل غير معتاد أواخر آذار وأوائل نيسان من العام 2019. على منطقة محددة في  الشرق الأوسط (العراق وإيران وسوريا وأفغانستان).  وكان الهطول  فوق معدلات الامطار الربيعية، فقد استلمت بعض مناطق ايران اكثر من 70% من معدل مجموع التساقطات المعتادة لسنة كاملة خلال ايام، في اقل المناطق شذوذاً من حيث الهطول المطري كما يوضح ذلك الشكل (2)، اذ يتضح ان اتجاه الشذوذ في المنطقة التي شهدت السيول  نحو النقصان وليس الزيادة حسب نماذج الرصد المستندة على بيانات لفترات طويلة، وعلى مستوى العراق: فبعد قصة جفاف ماكث في العراق بعد فيضانات انقطعت منذ 30 عاماً ، وفي آذار – نيسان من العام الحالي (2019) حدث ما هو غير متوقع من قبل الكثير من باحثي علوم المياه التطبيقية، انها التهاطلات المطيرة التي اترعت الانهار بمادة الحياة الاولى (الارخص والاغلى على الاطلاق..!) واصبح الربيع على غير العادة يجلب الفيضانات حتى امتلئت السدود في الموصل والسليمانية وكركوك وصلاح الدين وديالى وقارب منخفض الثرثار على الامتلاء بعد بلوغ مستويات الجفاف درجة مخيفة .

958 حسن 2

الشكل 2 : مناطق الشذوذ المطري في العالم . (عن دائرة الارصاد العالمية 2014)

 واذا استثنينا نظرية الفعل البشري في تحريف سلوك المناخ فربما يكون السبب في الحدث المناخي جزء من دورة مناخية عالمية جديدة حدثت بسبب التغيرات الفيزيائية التي تحدث حالياً في الشمس‏,‏، وانعكست على تغير المناخ بالمنطقة‏,‏ وتوافر المياه ونقصانها‏,‏ وذلك من خلال ذبذبات عالية‏,‏ وأخرى منخفضة تتخللها ذبذبات صغيرة‏، اذ يذهب بعض خبراء المناخ والجيولوجيا الذين يحاولون وضع سيناريوهات للتغيرات المناخية منذ‏10‏ آلاف سنة,‏ ان هنالك تذبذبات بين الجفاف والرطوبة‏، حتى ان وجود وانهيار الحضارات في الاودية النهرية مرتبط بهذه التغيرات، وخلال الفترة التي مرت على الارض حدثت ‏7‏ دورات مناخية هي (العصر المطيري القديم منذ‏120‏ ألف سنة، وفترة جفاف طويلة استمرت نحو‏3‏ ألاف سنة‏,‏، وعصر مطير صغير أو فيضانات وشبه فيضانات منذ نحو‏8‏ آلاف سنة‏,‏،وفترة جفاف منذ ‏4500‏ سنة، ثم حدثت فترة فيضانات منذ نحو‏2500‏ سنة، ثم فترة جفاف، أعقبها ظهور ما يسمى بالعصر الجليدي الصغير في القرون‏16,‏ و‏17‏ و‏18‏و19 الميلادية  ونتج عنه ظهور حضارات في الصحراء الإفريقية مثل السنغال والهوسا‏,‏ ثم اندثرت بسبب الجفاف، ووفقاً لهذه التصورات فمن المتوقع ان العالم مقبل على دورة مطيرة بعد فترة الجفاف الحالي‏, وبحسب بعض خبراء الارصاد فان منطقة الشرق الاوسط دخلت في العصر الجليدي الجديد في بداية عام 2014 ، واذا تحقق ذلك فهو يخالف القناعة السائدة لدى معظم الباحثين من ان التوقعات لسلوك المناخ يشير الى ان منطقتنا معرضة لاحتباس حراري خلال الفترة من عام 2000 الى 2050 وقد قلت الامطار فيها وسوف تقل اكثر،‏ بينما الظواهر الحالية تشير الى تكرار عصر جليدي صغير‏,‏ وعلامات هذه التغيرات ذوبان الجليد في الدول التي بها ثلاجات كبيرة وزيادة معدلات التلوث‏، وبحسب الخبراء فان آخر عصر جليدي شهدته المعمورة كان قبل 200 سنة، علما ان الشذوذ المناخي يحدث في بدايات العصر الجليدي،  فمثلا قد يكون شتاء قارصاً جدا يعقبه سنة او سنتين من الجفاف.

وبحسب هذا الرأي فان هنالك اشارات على بدايات العصر الجليدي الذي سيمتد لما يقارب ـ200 سنة قادمة، وسوف يشهد سنوات كثيرة في شذوذ مناخي واضح كإرهاصات قوية  تتمثل بشتاءات دافئة او قارصة جدا وغير ذلك وهي توقعات يتم اعتمادها على الموديلات الرياضية واستقراءاتها.

ولأننا نبحث في جميع الاسباب المؤدية لظروف الامطار الربيعية الاستثنائية وبعيداً عن الدورات المناخية وتنبؤات الخبراء فاين يمكن ان نضع  تدخل الارادات العالمية الكبرى في تسخير ظواهر المناخ في الجانب العسكري وتلاعب الدول بالمناخ، والحديث هنا  ليس كلاماً عابراً بل يستند على اعترافات الدول التي تستمر في ابحاثها التطبيقية في هذا المجال، اذ كانت اول تجربة تاريخية مسجلة بنجاح في هذا المجال ما تم عام 1948 على يد العالم ايرفينغ لانكمور الذي تمكّن من انشاء غيوم امطرت في اماكن مستهدفة مسبقا، وقد ظهر للعلن استخدام لتقنيات تغيير المناخ والتحكم بدرجاته للاغراض العسكرية في العام 1997  عبر بحث تم عن برنامج سُمّي حينها بــ "بينج لتعديل المناخ"، قام به  الرائد في القوة الجوية الامريكية "باري بي كوبل"، والذي اشار حينها الى هذه التقنيات اصبحت بيد البنتاغون الامريكي او السي اي أي، ومن ابرز نماذج الاسلحة المناخية على سبيل المثال لا الحصر:

1- قيام سلاح الجو الأميركي خلال حربه في فيتنام طوال 5 سنوات بمعالجة السحب والغيوم في سماء فيتنام بمفاعلات كيمياوية خصوصية تستدر الأمطار الغزيرة. والهدف هو اتلاف الحقول واغراق المسالك والممرات في لأحراش والغابات.

2- قيام الأميركيين بعمليتين في فيتنام، احداهما باسم "المحراث الروماني" والثانية "ذراع المُزارع" عن طريق اتلاف الكساء النباتي والطبقة العليا من التربة على مساحة 65 الف كيلومتر مربع. واسفر ذلك عن انتشار المستنقعات وتبدل المناخ موضعيا، وبعد هذه  العمليات التي انكشفت للعام  وضعت  الأمم المتحدة "معاهدة حظر استخدام الوسائل الحربية وغيرها للتأثير على البيئة الطبيعية".  ووقّع الإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة على هذه الإتفاقية في جنيف عام 1977 . وبالرغم من ذلك افادت وسائل الإعلام الغربية ان البنتاغون وضع مؤخرا خطط متكاملة لخوض الحرب المناخية اطلقت عليها تسمية "الطقس في مضاعفة القوة". ما جعل بعض المحللين يعتبرون تقلبات الطبيعة الناتجة عن العمليات الحربية والتجارب العسكرية سرية، فخلال الحملة الحربية الأميركية على افغانستان  تم اصطناع 3 زلازل مدمرة  على اقل تقدير، و آنذاك اعلن بعض العلماء ان تلك هي نتيجة مبرمجة لتجريب الأميركيين في هذه المنطقة سلاحا سريا للغاية.

3- في عام 1990، اطلق القائد العام لقوات الاركان الجوية الامريكية، "رونالد ار فوغلمان"، برنامجا رسميا يهدف الى تعديل الجو والتحكم بالمناخ بهدف المحافظة على التفوق الجوي الامريكي، من تهيئة الاجواء المناسبة للطلعات الجوية على اهداف عسكرية،  وتضمن البرنامج  افتعال العواصف للتشويش على العدو.

4- قيام الصين اثناء استضافتها لدورة الالعاب الاولمبية عام 2008، بتخصيص 30 طائرة شحن، و4000 صاروخ، بالاضافة الى 7000 سلاح ارضي مضاد للجو مشحونة بالمركبات  الكيميائية لاستخدامها بتشتيت الغيوم القريبة  قبل وصولها الى الملاعب، يشار الى ان الصين تستخدم هذه التقنية بما امست تسميه عملية "غسل الجو" لمحاربة التلوث الحاصل في اجواء المدن عبر التسبب بما يسمى (المطر المقصود).

5- استخدام روسيا الطائرات لزراعة الغيوم باستخدام البخار، مهيئة الجو للمطر في مناطق محددة مسبقا.

6- اعلان حكومة الامارات التعاقد مع بعض العلماء على مستوى القطاع الخاص، لتكوين 50 عاصفة مطرية، بين شهري تموز واب من عام 2010، الامر الذي تم فعلا بنجاح، العلماء اعلنوا حينها عن استخدامهم منهجية زراعة الغيوم، عبر استخدام الايونات في الجو لخلق العواصف المطرية، رغم ان النتائج لم تكن دقيقة ابدا، الا انها اتت بالنتيجة المطلوبة، مسببة حينها موجة من ردود الفعل المتفائلة حول استخدام اجهزة التأيين الجوي لتغيير المناخ.

7- من التطبيقات الاخرى الرائجة بين اوساط علماء المناخ والميتورولوجيا استخدام الليزر لتوجيه الغيوم المحملة بالبرق لتكوين الاعاصير والزوابع وتوجيهيها وصب النتروجين السائل الى البحر لإحداث زيادة حرارية في الجو تتسبب بالضغط المتولد من الماء بإحداث اعصار، واستخدام المستحضرات الكيميائية بإضافة مادة "السخام" لزيادة حرارة الجو في منطقة معينة الى حدود التسبب بالجفاف، او الدفع بتباين جوي يحدث اعاصير ايضا.

ومن المهم الاشارة الى ان مصطلح تغيير او تعديل المناخ  لا يستلزم  تغييره كلياً، انما يقصد به دفع الاجواء للتطرف او التخفيف من وطأتها على منطقة جغرافية معينة ولفترة محددة، كأن يجري اقلال  كميات الامطار او حبسها ومنعها من الهطول  في  مشهورة بالمطر، او التسبب بانهمارها في مناطق تعاني من الجفاف لفترات طويلة  الى الحد الذي ترغب فيه الجهة التي تفعل برنامج التعديل المناخي.

فمثلاً يتم استخدام هذه التقنيات، في المناطق الحارة  لرفع درجات الحرارة نحو تطرف شديد جدا، او التقليل من وطأتها، لكن هذا لا يعني ابدا تحويل الشتاء الى صيف، او العكس، ولا يعني ايضا، تحويل المناطق الصحراوية الى مطرية بشكل دائمي، بسبب التكلفة التي يستلزمها ابقاء الامطار منهمرة، وقد تمكّن بعض الباحثين من انتاج اجواء متباينة بين حارة الى باردة، والتسبب بأعاصير وزوابع وامطار وثلوج باستخدام المواد الكيميائية، تحت شروط ان تكون تلك المنطقة مخصصة لاستقبال هكذا اجواء، لتحقق هدف زيادة من التطرف الجوي فيها. وفي مدار بحثنا في امطار سيول ايران في ربيع العام 2019 ننوه الى اعصار غونو الذي حدث في خليج عُمان في اجواء لم يسبق ان عاشت اجواء الاعاصير المدارية، ونستذكر ايضاً التغيم الذي تزامن مع حرب الخليج الثانية، ولنبقى في فيضانات ايران التي نعاصرها حالياً ونحرك حالة التغافل عند البعض حول حقيقة التلاعب بالمناخ، ونتساءل  عن  برنامج ابحاث الشفق النشط عالي الترددات(The High-frequency Active Auroral Research Program)  المعروف عالمياً بالاختصار  ( (HAAR، و هذا البرنامج الحكومي الامريكي الذي كان يرجع الى وزارة الدفاع الامريكية منذ عام 1993، وانتهى انشائه بنظامه الحالي عامي 2007- 2008، وتم انفاق ما يزيد عن 250 مليون دولار امريكي، تم اغُلق مؤقتا عام 2013، بسبب مشاكل مع المتعاقدين على تطويره، ثم اعلن في عام 2014، عن نية الولايات المتحدة الامريكية، اغلاقه نهائيا كمشروع وبرنامج، بعدها انضوى في العام 2015،تحت اشراف جامعة ألاسكا فيربانكس الامريكية بسبب انتقادات تخص التكاليف العالية جداً، وقوام عمل المشروع هو اعداد نموذج متطور لـ تسخين طبقة  الأيونوسفير، ويقصد بالأيونوسفير  Ionosphere  المجال المشحون كهربائياً الذي يحيط بالجو العلوي للأرض.  الذي يمتد من 70كم الى  حوالي 1000كم  فوق  سطح البحر بسمك 930كم وسميت بالطبقة المتأينة لاحتوائها على كميات من الاوكسجين والنتروجين المتأين بفعل الاشعاع الشمسي والكوني.

958 حسن 3

الشكل 3 : مشاهد من اعصار  جونو في سلطنة عُمان

ويقوم برنامج  ((HAARP على تسخير المناخ عن طريق رفع تركيز الاشعة عن طريق الموجات الكهرومغناطيسية والاستفادة من اختراق تردداتها على سطح الارض، وتسخير النبض الكهرومغناطيسي للأجهزة النووية الحرارية في احداث تفجيرات نووية حرارية في الغلاف الجوي من شأنها أن تخلق تأثيرات كبيرة عن طريق تعتيم منطقة واسعة،  بالاضافة الى ذلك فهذه النبضات توفر  أداة لفحص جيوفيزيائي للمناطق لإيجاد رواسب النفط والغاز والمعادن على مساحة كبيرة، وبدلاً من حرب النجوم المعلن كهدف لهذا البرنامج جرى توجيهه الى اعداء امريكا الحاليين، ومن المرجّح ان ايران في مقدمة المستهدفين، بعد ان فشلت امريكا في لي عنقها نووياً، ووفقاً للبيانات العلمية أن هذا السلاح مسؤول عن ذوبان الأنهار الجليدية بشكل متسارع فأن هذا البرنامج هو المسؤول عن موجات الحر والجفاف القياسية، فضلاً عن كونه المسؤول عن معظم الأعاصير والرياح الموسمية والفيضانات والزلازل وغيرها من الأحداث المأساوية، ومن الممكن الربط بين ظواهر الاخيرة في ايران والعراق وبين هذا البرنامج، فمن الغريب ان يشهد عصرنا تسجيل سخونة اجواء غير مسبوقة في مناطق مأهولة بالسكان تقع على دوائر عرض متقاربة جداً هي الاهواز والكويت والبصرة  لتكون المناطق الأعلى تسجيلاً لدرجة الحرارة في العالم خلال عام 2016  بمعدل 54 درجة مئوية في الكويت و53 درجة مئوية في البصرة، وان تسجل الاهواز اعلى درجة في العالم خلال صيف العام 2017 بمعدل 53.7 درجة مئوية، علماً ان معدل درجة الحرارة العظمى في الاهواز والبصرة للفترة 1949-2011  كان 45 و43 درجة مئوية على التوالي، ولم تتجاوز اعلى درجة حرارة مسجلة في هذين المحطتين عتبة ال 49 درجة مئوية لنفس المدة (أي لحوالي 60 سنة ماضية)، بينما لم تعد تذكر مناطق اخرى كانت على الدوام هي الاعلى حرارة على المستوى العالمي كصحاري الربع الخالي في السعودية  وDeath Valley  (وادي الموت) بولاية كاليفورنيا الأمريكية  ووادي حلفا (السودان) ومنطقة ذا فليمينغ ماونتن في الصين  والعزيزية وغدامس في الصحراء الليبية ومنطقة قبلي في تونس، وقد كانت تُعلن عن درجات حرارة في  تلك المناطق ما بين (55 – 66 درجة مئوية) .

كما لا نستغرب ان موجة الامطار الاخيرة  في ايران وما نتج عنها من سيول كانت من ضمن برنامج مناخي مفتعل من قبل اعداء ايران، اذ ان اللافت في هطول الامطار انها تركزت في  مناطق محددة من منطقة الشرق الاوسط (ايران والجهات العراقية الشرقية المحاذية للحدود الايرانية، وفي وقت مثالي (لاستدرار الكارثة.!) انه الربيع حيث موسم امتلاء الغدران ومسامات الترب والاهم من ذلك اشباع نهم بحيرات السدود التي بالغت في ابتلاع أي قطرة، والربيع موسم نمو المحاصيل الشتوية الجاهزة للحصاد، الا يحرّض هذه الاحداث الذهن الشرق اوسطي على وجود مستفيد اكبر وممول جاهز  لوقوع الكارثة ..!!.  وقد تحقق من فيضانات ايران جزء من مسلسل ايذاءها..؟ فبحسب وكالات الإغاثة فأن التأثير الاكبر لفيضانات آذار – نيسان وقع على الاقتصاد الايراني حيث تسببت  السيول بمقتل أكثر من 70 شخصًا وتشريد حوالي 500 الف شخص في 1900 قرية شملت 26 مقاطعة إيرانية من اصل 31 مقاطعة في عموم ايران حيث شملت الامطار الفيضانية  مساحة 35000 كم2 وغمرت المياه مساحة 6000 كم2، ناهيك عن ضرر فادح في المزارع بحوالي اكثر من مليار دولار بسبب خسارة المحاصيل، وكانت المناطق الايرانية  الأكثر تضررا هي جولستان ، فارس ،خوزستان ، ولوريستان، وقد تلقّت مقاطعة جولستان 70 في المئة من الأمطار السنوية في يوم واحد، كما تضررت محافظة  شيراز، والعديد من السدود في جنوب غرب إيران لخطر الفيضان لفترة من الوقت  فضلاً عن انهيار مئات الطرق والجسور، وفي العراق كان الضرر اقل بالرغم من تضرر جهات سكنية وزراعية في  المناطق الشرقية في الوسط والجنوب العراقي.

ان ما حدث من امطار غزيرة في الربيع قد يكون طبيعياً بسبب المناخ الجامح خلال العصر الحديث، لكن من المحتمل ان البحث الدقيق والتقصي العلمي عن حيثيات  تكرار السيول وموجات الحر في الشرق الاوسط وتكرار العواصف المطرية والغبارية في مناطق الحروب والخليج العربي بالتحديد بشكل استثنائي هو ما سيُثبت صحة وجود اسباب متداخلة لجنوح المناخ في مناطقنا.

 

د. حسن خليل حسن

........................

المراجع:

1-      U.S. global climate change weapon called HAARP(2010) http://presscore.ca/haarp-responsible-for-the-accelerated-melting-of-the-glaciers-aka-global-warming/

2-      THE COPERNICUS EMERGENCY MANAGEMENT SERVICE(2019) MONITORS IMPACT OF FLOODS IN IRAN(https://emergency.copernicus.eu/mapping/sites/default/files/files/IB%20EMSR352%20Flood%20in%20Iran.pdf).

3-      https://en.tutiempo.net/climate

http://oneiraqnews.com/index.php?aa=news&id22=435#.XMQLvLczbIU)

4-      http://www.green-kurd.org/index.php/2013-06-02-07-40-47/2013-06-02-07-53-25/112-2013-10-09-21-13-25

5-      https://reliefweb.int/disaster/fl-2019-000022-irn

6-      https://www.wunderground.com/cat6/Record-Floods-Iran-Kill-62-Cause-Over-1-Billion-Damage

7-https://directory.eoportal.org/web/eoportal/satellite-missions/t/terra

8-https://www.independent.co.uk/news/world/refugee-crisis-is-climate-change-affecting-mass-migration-10490434.html.

9-      https://www.alyaum.com/printArticle/6042145

10-https://books.google.iq/books?id=UikyCwAAQBAJ&pg=PA215&lpg=PA215&dq=0%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B7

11-https://www.facebook.com/weatherarabsat/posts/492628440897021/

12-https://library.wmo.int/pmb_ged/wmo_1130_ar.pdf

13-    https://arabic.rt.com/technology/985557- %B3-2019/

14-https://akhawat.islamway.net/forum/topic/54297-%D

15-    قناة أي آر تي  الروسية: https://arabic.rt.com/prg/telecast/19420-8%/

16-    طقس العرب https://www.arabiaweather.com/content/%D

17-    وان نيوز(2016) تقنيات المناخ –  حقائق المناخ.

18- جريدة الاهرام المصرية : http://www.ahram.org.eg/Archive/2007/9/14/INVE2.HTM

 

محمود محمد علينعود للجزء الثالث والأخير من مقالنا السابق، فنقول:  كان المعبد الأيوني في ديديما ومحفل إقليدس في ميجارا ومحفل فيثاغورس في كروتونا والمعبد الأورفي في دلفي علاوة على مدارس أفلاطون وأرسطو! كل هذه كانت محافل صغرى يتولى المحفل الأعظم إدارة وتوجيه نظم الأسرار فيها كما يسمح بتبادل الزيارات بين المحافل لضمان تقدم الأخوة الأعضاء في العلوم السرية. يقول أفلاطون في محاورة طيماوس: "إن الطامحين إلى المعرفة الصوفية قد زاروا مصر ليبدأوا حياة المريدين! وهناك قال لهم كهنة معبد سايس "إنكم أيها اليونانيون لستم سوى أطفال في نظام الأسرار"، ولكنهم سمحوا لهم بالالتحاق بغية تحصيل معارف تؤهلهم للارتقاء في سعيهم للتقدم الروحي". ومما له مغزى في هذا المقام أن اليونانيين اعتادوا النظر إلى معبد دلفي باعتباره مؤسسة أجنبية! فلم يتعاطفوا معه بل وعمدوا إلى تدميره مما يعني أنه كان شعبة تتبع نظام الأسرار المصري. والجدير بالذكر أنه بعد احتراقه في 548 ق.م فإن مريديه لجأوا إلى المعلم الأكبر أحمس ملك مصر طالبين عونه فقدم لهم من الأموال! لإعادة بنائه! ما يزيد على الحاجة ثلاث مرات!

وأما الفصل الرابع فيخصصه المؤلف لبيان أن المصريين علموا الإغريق، وذلك من خلال شهادات كبار مؤرخي اليونان، حيث نجد جورج جيمس يتحدث عن زيارات طلاب العلم من اليونانيين! فيروى لنا أن طاليس زار مصر وتتلمذ على أيدي الكهنة الذين قبلوه مريداً مبتدئاً لتعلم الفلك ومساحة الأراضي وفن القياس والهندسة وفقه الإلهيات المصري! كما أن فيثاغورس سافر عدة مرات إلى مصر وقدمه الملك أحمس ـ بناء على توصية من صديق مشترك ـ إلى الكهنة! أولاً إلى كاهن هليوبوليس ثم إلى كاهن ممفيس وأخيراً إلى كاهن طيبة. وبعد أن أدى اختبارات عديدة من بينها "الختان" أجيز له الانضمام إلى جميع أسرارهم! وتعلم مذهب التقمص الروحي الذي لامثيل له في اليونان وعلم أسرار الموسيقى وقدم فدية إلى ربات الفنون عندما شرح له الكهنة خصائص المثلث قائم الزوايا! وسافر ديمقريطس إلى مصر وقضى فيها خمس سنوات تتلمذ خلالها على أيدي الكهنة وخضع للشعيرة ذاتها "فلا أحد من المصريين سواء درس الهندسة أو بحث في أسرار الفلك تأتى له هذا مالم يجر عملية الختان" كما يقول "أوريجين" المصري!

كما يكشف المؤلف في هذا الفصل عن قضيه غزو الإسكندر الأكبر لمصر والنتائج التي ترتبت علي هذا الغزو . هذا ويقص لمؤلف علينا في هذا الفصل مسألة استحواذ مدرسة أرسطو علي مكتبه  الإسكندرية، وكيف حولوا المكتبة إلي مركز أبحاث جامعه لتعليم الإغريق الذين اضطروا إلي الاستعانة بأساتذة مصريين بسبب صعوبات اللغة ولأسباب أخري، كما يقص لنا أيضا مسألة نهب اليونانيين لمكتبة الإسكندرية وكيف استطاع البطالمة إكراه الكهنة المصريين علي الإفضاء بما لديهم من معلومات مفيدة في مجال الطب والرياضيات والفلك .... الخ

وفي هذا الصدد يقول جورج جيمس :" هكذا كان حال التلاميذ اليونانيين إلى أن جاء غزو الإسكندر لمصر فاستولوا على مكتبة الإسكندرية ونهبوا ما فيها من كتب! ومن المعتقد أن هذه هي الطريقة التي حصل بها أرسطو صديق الإسكندر على كميات الكتب الهائلة التي زعموا فيما بعد أنه صاحبها ومؤلفها. لقد حول تلامذة أرسطو المكتبة إلى مركز أبحاث وجامعة مفتوحة لتعليم اليونانيين مستعينين بأساتذة مصريين بسبب صعوبة اللغة".

وأما الفصل الخامس، فيخصصه المؤلف لدراسة مبادئ فلاسفة اليونان ومقارنتها بمبادئ نظام الأسرار المصري، وفي هذا يبين جورج جيمس أن الفلاسفة اليونانيين مارسوا عمليه الانتحال ولم يعمدوا شيئاً جديداً، كما أن مصدر تعاليمهم هو نظام الأسرار الذي حصلوا عليه من خلال الاتصال المباشر بمصر أو غير مباشر عن طريق المصريين أنفسهم . وهو يوضح لنا في هذين الفصلين حقيقه أن مصر هي مصدر التعليم العالي في هذا العالم القديم وليست اليونان ؛ حيث أنه يري أن مؤسسه النظم أو الطبقات الكهنوتية المقدسة نشأت عن نظام الأسرار المصرية ؛ حيث اعتاد الكهنة المصريون أن ينتظموا في طبقات كهنوتيه أو نظم أخويه مختلفة الدرجات والتثقيف كل حسب مرتبته،وهذا من شأنه أن جعل الكهنوتية هي القيم والحارس الأمين علي التعليم حتي فجر العصر الحديث وأوضح هذا أيضا أن الأفارقة هم أول أساتذة في التعليم العالي .

وأما الفصلين السادس والسابع، فيخصصه المؤلف لدراسة " تعليم الكهنة المصريين ومناهج التعليم في نظام الأسرار المصري "، ويذكر المؤلف أن بطليموس الأول أصدر أمره إلى كبير الكهنة المصريين "مانيتو" ليدون تاريخ الديانة والفلسفة والعلوم عند المصريين! وأنجز "مانيتو" المهمة وأصبحت مؤلفاته هي المراجع الأساسية في جامعة الإسكندرية. وبخصوص المنهج التعليمي في نظام الأسرار المصري يوضح المؤلف أنه كانت هناك ست مراتب للكهنة! كل مرتبة يتوجب على من فيها امتلاك عدد معين من كتب هرمس الـ 42! ويتعين على المراتب السابقة على مرتبة "المتنبئ" أن تعرف 36 من هذه الكتب وتشتمل على كل الفلسفة المصرية! أما الكتب الستة الباقية فيجب أن يعرفها إخوة مرتبة الباستوفوري. كان المنهج التعليمي يشتمل على:

1 - الفنون العقلية السبعة التي تشكل أساس التثقيف لجميع المبتدئين وتشمل قواعد النحو والصرف والحساب والخطابة والجدل "أي العلوم الرباعية عند أرسطو!!" والهندسة والفلك والموسيقي "أي العلوم الثلاثية عند أرسطو أيضا".

2 - علوم كتب هرمس الـ 42

3 - علوم الآثار "الأهرامات ـ المسلات ـ العمارة ـ النجارة ـ الهندسة ـ المعادن إلخ".

4 - العلوم السرية "الرموز العددية ـ الرمزية الهندسية ـ السحر ـ كتاب الموتى ـ الأساطير ـ الحكم والأمثال"

5 - النظام الاجتماعي وحمايته "فقد كان الكهنة علاوة على هذا محامين وقضاة وموظفي دولة ورجال أعمال وتجارة".

وأي منصف إذا ما قارن بين هذا المنهج وبين الموضوعات الواردة في قائمة أرسطو أو أفلاطون فسيتضح له أسبقية هذا المنهج المصري فضلاً عن احتوائه على كل ما ورد عند كل منهما.

وأما الفصل الثامن والأخير من الجزء الأول، فيخصصه المؤلف لدراسة " فقه إلهيات ممفيس " وكيف يمثل هذا الفقه الأساس الحقيقي لجميع المبادئ الهامه في الفلسفة اليونانية، وهو يوضح هذا ؛ حيث يقارن بين مبادئ الفكر الفلسفي المصري القديم، والمتمثل في نظرة متكاملة إلي الكون من حيث النشأة الأولي ونواميس تطورها وعلاقه الإنسان بالوجود والقيم النابعة من هذه النظرة الوجودية، وبين المبادئ الأولي للفكر التلفيقي عند فلاسفة الإغريق جميعا كل علي حده، وقد أوضح المؤلف من خلال هذه المقارنة التطابق بين عديد من العناصر السياسية لفكر المدارس الفلسفية الإغريقية، وبين الفكر المصري القديم، وأكد أن الفكر المصري الفلسفي أو فقه إلهيات ممفيس الذي سجلته لوحة محفوظة في المتحف البريطاني هو الأول والأكثر شمولاً، والأوسع عهداً، ومن ثم فهو المنهل والمصدر الذي روي ظمأ الفلسفة اليونانية .

يقول المؤلف أن فقه إلهيات ممفيس أساس جميع المبادئ المهمة في الفلسفة اليونانية. وفقه إلهيات مدرسة ممفيس هو نقش على حجر محفوظ الآن في المتحف البريطاني ويحتوي على آراء المصريين القدماء بشأن الإلهيات والكوزمولوجيا والفلسفة! ويرجع تاريخه إلى عام 700 ق.م ويحمل اسم فرعون مصري يقرر فيه أنه استنسخ نقشاَ لأسلافه وقد أمكن التحقق من التاريخ الأصلي لفقه إلهيات ممفيس والذي يقع ما بين 4000 - 3500 ق.م.

يتألف النص من ثلاثة أجزاء متكاملة! يستنتج من الجزء الأول أن:

أ - الماء مصدر كل شيء حي.

ب - الخلق إنجاز تحقق بفضل وحدة مبدأين خالقين بتاح وآتوم أي وحدة العقل "نوس" مع كلمة الخلق "لوجوس".

جـ - آتوم هو الصانع الأول أو الإله الوسيط في عملية الخلق.

د - المبادئ المتضادة تحكم حياة الكون.

هـ - عناصر الخلق هي النار "آتوم" والماء "نون" والتراب "بتاح" والهواء "تاتيجين".

وبذا يعتبر الجزء الأول من فقه إلهيات ممفيس المصدر الأول للفلسفيات اليونانية.

كما يستنتج من الجزء الثاني أن عملية الخلق هذه أسفرت عن:

أ - التاسوع أو وحدة الأرباب التسع في ربوبية واحدة.

ب - مبدأ الصانع البارئ

جـ - مبدأ الأرباب المخلوقة

د - مبدأ المحرك غير المتحرك

هـ - مبدأ الأضداد

و - الحضور في الكل والمعرفة المحيطة بالكل

ومن هذا يتضح من أين جاء "مبدأ خلق الأرباب" عند أفلاطون ومبدأ المحرك غير المتحرك عند أرسطو! وكذلك مبدأ العلة العاقلة أو العقل المفكر والمدبر المسئول عن حياة العالم الذي نسبته الفلسفة اليونانية إلى أناكساجوراس وسقراط وأفلاطون. ويقرر المؤلف بشكل قاطع أن مذاهب الفلاسفة اليونانيين! كل على حدة! إنما هي أجزاء من تعاليم ذلك الفقه وهو مصدرها جميعاً. ويذهب إلى أن الفروض العلمية الجديدة مثل الفرض السديمي عند لابلاس! والقول بوجود تسعة كواكب رئيسية حول الشمس منشؤهما آتوم الإله الشمسي المصري أو إله النار الذي يتطابق مع مفهوم الذرة في العلم الحديث! مما يتوجب معه طرح فقه إلهيات ممفيس للبحث العلمي الجاد! واعتبار السحر القديم مفتاحاً للتفسير والتأويل! ففي هذا الفقه أول نظرية تقول بمركزية الشمس للكون.

وفي الجزء الثاني من الكتاب والذي اقتصر على فصل واحد بعنوان "الإصلاح الاجتماعي من خلال فلسفة جديدة لتحرير إفريقيا"! يفصح المؤلف عن هدفه من الكتاب! وهو إرساء دعامة علاقات أفضل بين الأعراق عن طريق بيان حقيقة إسهام القارة الإفريقية في الحضارة الإنسانية. الكتاب إذن فلسفة وفاء وتحرير يرد الحق إلى أهله مؤكداً ذلك بالوثائق والأسانيد! ويحرر الشعوب السوداء من عقدة الشعور بالدونية كما يحرر الشعوب البيضاء من عقدة استعلاء كاذبة وهمية! ثم هو دعوة إلى الشعوب السوداء لكي تنهض تأسيساً على حقيقة تاريخها العريق واجتهاداً للحاق بركب العصر الحديث.

وجورج جيمس في هذا الجزء يتناول الفلسفة الجديدة القائلة بأن الشعب الأسود في شمال أفريقيا قد أعطي العالم الفلسفة وليس الإغريق، وأيضاً عن طريق رفض عباده العقل الإغريقي لأنه ما يجري هو عمليه تضليل تعليمي .

إن فلسفة التحرر الإفريقي الجديدة عند جورج جيمس هي المهرب وملاذ النجاة الذي لا فكاك منه للشعوب السوداء لتنجو من ورطتها الاجتماعية الناجمة عن تراث زائف خاص بها أطلقه وبعث به الاسكندر الأكبر وأرسطو ومدرسته، ثم الإمبراطور ثيورداسيوس"  و" الإمبراطور جوستنيان " إذ أصدر كل منهما مرسوما بإلغاء نظم الاسرار المصرية، أعني أعظم نظام تعليمي عرفه العالم ووضع المسيحية منافسا أبدياً له .

وفي نهاية عرضنا يمكن القول بأن كتاب التراث المسروق لجورج جيمس سياحة عقلية خالية من أي تعصب، بعيده عن أي إسفاف، مجردة من أي هوي، واعية متأنية في ذاكره تاريخ حركة الفكر الفلسفي المصري القديم، نقف من خلالها مع المؤلف علي آثار ومنجزات نظام الأسرار المصري الذي صنع هذا التاريخ وشكل بالفلسفة اليونانية .

وفي النهاية نبارك مبادرة أستاذنا الأستاذ شوقي جلال علي ترجمته لهذا الكتاب، وقد بذل بذلك جهداً كبيراً حتي يحافظ  علي النص دون أن يكون مكبلاً بالمعاني الحرفية للألفاظ، فجاءت الترجمة أمينه ودقيقه، وقد قيل بحق أن مؤلف أي كتاب ينظر من قرائه الثناء والمديح، إلا أن مترجم أي كتاب يتمني أن يتحاشى التقريظ والنقد، ولكن المترجم علي أيه حال لابد أن يضطلع بدوره، مهما كان النقد، لأنه يفتح الطريق ويمهدها، ليسهل علي اللاحقين عليه تعبيدها وتوسيعها، فليكن هذا الكتاب باباً جديدا يدخل منه الباحثون العرب إلي دراسات أوسع وبحوث أشمل لمعرفة العلاقة بين الفلسفة المصرية والفلسفة اليونانية .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

يوسف القرشيمن المألوف أن المحدد الأول للمرأة حسب التمثلات الاجتماعية السائدة هو جسدها كعالم مشبع بالدلالات والرموز، إنه على حد تعبير مصطفى حجازي «مرغوب فيه» من حيث هو وعاء للمتعة ومجال لتحقيقها، فكلما كانت المرأة أكثر جاذبية بجسدها كلما ارتفع الطلب عليها، لأن الجمال اللحمي رأسمال الجسد في المخيال الشعبي، ولا قيمة لجمال جسد المرأة وزينته إلا أمام الرجل وحضرته «هاك لغرايب لمرا مكحلا والراجل غايب»1 لأن الرجل هو الذي يضفي عليه الشرعية بواسطة صك نفسه أمام الجسد، فوجود الرجل أمامه هو ما يفسر طغيان البعد الجنسي وتحويله إلى أداة للمتعة، لأن الجسد بتعبير الأنثروبولوجيين الوسيط العلائقي بين الإنسان والعالم والحامل الرمزي لتاريخه وثقافته، فالجسد إذن «بناء رمزي وليس حقيقة في ذاتها، ومنشأ لعدد لا يحصى من التصورات التي تسعى لإعطاء معنى، وسبب طابعها الغريب والشاذ والمتناقض.»2 

وبناء على ذلك يمكن القول إن الفروق القائمة بين الرجال والنساء جاءت نتاجا لعوائد اجتماعية وموروثات ثقافية صيغت ومورست باقتناع، وفق فكر نمطي نمى على يد التنشئة الاجتماعية وكرسته الأسرة، والإعلام بشكل كبير، فتم اختزال المرأة في جسدها  كونها تقوم بأدوار تقليدانية تحيل على أن العلاقة بين الجنسين تدخل ضمن ثنائيات العقل والجسد، القوة والضعف، الأول والثاني، النعومة والخشونة، القوامة والطاعة... لأن أغلب «المواصلات الإشهارية تضع في المشهد الإعلامي رجالا ونساء مستحضرة علانية الانقسام والتراتبية التقليدية للجنسين.»3 على اعتبار أن الإعلام هو التعبير الموضوعي لعقلية الجماهير ولروحها وميولها واتجاهاتها كما عرفه «أوتوجروت» الألماني. 

يتبين ذلك جليا في كون الإعلام يظهر الذكور في المواقع القيادية والسياسية الهامة، في حين تختزل المرأة في المادة الإعلامية في دورها التقليدي كالبيت ورعاية الأطفال، بطريقة مهمشة ومتدنية بالرغم من أهمية دور الأمومة ورعاية الأطفال، لأن الإعلام يستغل نفس الحركات والأفعال والكلام المطقسن الذي نستعمله في نفس الوضعيات الاجتماعية اليومية، وبنفس الغاية من خلال جعل كل صورة أو فعل تم عرضهما إعلاميا قابل للقراءة والتأويل أو بالأحرى يسعى الإعلام إلى ترسيخ وتكريس ما كان موجودا، بغاية تحقيق كل الأهداف التي رسمها مسبقا سواء تعلق الأمر بالحصول على أكبير عدد من المشاهدات، أو البيع والشراء... 

عندما يشاهدون الأطفال شاشات التلفزيون أو الأنترنيت أن المناصب الهامة للرجال خصوصا على مستوى الوضعيات السياسية المرتبطة بالزعامة والقرار والسلطة، في حين المرأة تحصر في مواقف متدنية تسلع جسدها بغرض الترفيه والتسلية، وكذلك استعمال الجسد الأنثوي لترويج وبيع وشراء المنتجات والخدمات، واستنادا على نظرية النمو المعرفي سيتشكل لدى الأطفال بناء على ما سبق، على مستوى الإناث أن مكانة المرأة متدنية ومهمشة وقيمتها تستمدها من كونها جسد، في مقابل ذلك على مستوى الذكور أن مكانة الرجل سامية ومرتفعة في المجتمع، مما يفسر أن المادة الإعلامية تلعب دورا مهما إلى جانب القنوات التنشئوية كالأسرة باعتبارها ذاكرة المجتمع والمدرسة كعقل له، في خلق استعدادات لقبول صياغات وقوالب نمطية جنوسية حول المذكر والمؤنث في الحياة اليومية، مما يعمل على تكوين الأنماط السلوكية والأدوار الاجتماعية الجندرية المنمطة لدى الأطفال. 

والأخطر من ذلك أن الإعلام يحصر اهتمامات المرأة إعلاميا في تسويق الأغاني من خلال الفيديو كليب الذي يشوه صورة المرأة ويحصرها في كونها جسد فقط، من أجل خلق استهلاك تافه عديم القيمة كونه لا ينتمي إلى السياق الواقعي المعاش، مما يجعله يباشر عنفا رمزيا على الذكور والإناث على حد السواء، لأن فعل الإعلام المنمق بواسطة الفيديو كليب كميكانيزم للتنميط ما هو سوى طقسنة مفرطة خارج السرب المعتاد. 

إن دور الموضة وشركات صنع مواد التجميل تعمل على تنميط المرأة بشكل تسليع جسدها كمتاع نجده في المجلات النسائية، الاشهارات، المسلسلات... و عندما يغلب جانب الإشهار وتتأثر به المرأة وهو ما ينعكس في مظهرها الخارجي، هنا تكون بمثابة تلك السوق الممتازة لترويج منتجات استهلاكية، لأن أغلب النساء يعتمدن على ذوقهن على مدركات الرجال هذا ما يجعلهن مستعدات لما تروج له السينما والمحطات التلفزيونية والإشهارات، حيث يتم استعراض الجسد الأنثوي في السينما والتلفزيون اللذين يعلنان عن الملابس الشفافة والصور العارية بألوان وأشكال مغرية، وكذلك أنواع المأكولات والمشروبات التي تساعد المرأة في الحصول على الوزن المثالي ومزيلات الروائح وأصباغ الشعر وأدوات الاستهلاك المنزلية... كل هذه التمجسدات لديها القدرة على التلاعب بمظهر المرأة، مما يجعلها تلهت وراء الجديد والمبتكر لكي تغير من جلدها وشكلها ما بين الشفط والنفخ والشد والنتف، بقد جعلتها الحداثة مجرد كائن جنسي قابل للاستهواء والاستشهاء. 

وهذا يجري تنميط جسد المرأة في صورة ذلك النظام القار للاستعدادات والمواقف الذي يطلق عليه بورديو «هابيتوس» فالجسد يوجد داخل الحقل الاجتماعي وفي نفس الوقت أن الحقل الاجتماعي يكون أيضا داخل الجسد، فيصبح عند المرأة أنا أعلى سيكولوجي آخر لتجاربها الحاضرة في العالم يفرض عليها العيش وفق قالب نمطي مترسخ في العقل الذي يعكس في الجسد. 

فمن أجل أن يحقق التلفزيون أكبر عدد من المشاهدات، أصبح همه عرض الجسد الأنثوي كوسيلة لجذب المشاهدين للدعاية والإعلان، وكذلك الإغراء الجنسي، فكثيرا ما تظهر المرأة وهي عارية، وفي حالات تبرز مفاتنها ووضعيات فيها إثارة وإغراء جنسي. والأبشع من ذلك كله تجارة الجنس الرخيص الذي يمتلك إنسانية المرأة ويجعل منها مجرد سلعة للمتعة الرخيصة، وكذلك أفلام ومقاطع ومجلات «البورنو غرافي» التي تروج الدعارة على أنها ثقافة رفيعة، وبهذا أصبحت المرأة الرخيصة تسعى إلى استغلال جسدها ومفاتنها الأنثوية حسب معادلة العرض والطلب في السوق التجارية، الذي هو سوق ذكوري وأنثوي على حد السواء. 

وحين يصبح الجسد الأنثوي سلعة من السلع الثقافية يفقد مواصفاته الإنسانية ويدخل في عداد البضائع التجارية ووسيلة للاستهلاك، مادام عنصر إغراء وجذب وترويح للبضائع، مما يؤدي إلى خلق ثقافة مصنعة تجعل المرأة دمية مثيرة فحسب، لإغراء المستهلك ذكرا كان أو أنثى، وبهذا لا تصبح المرأة كما تقول سيمون دي بفوار «جوهرا أو طبيعة أبدية، وإنما تتحول إلى مجرد تاريخ.»4 

إن هذه الثقافة الموجهة نحو تهميش المرأة تعمق النظرة الدونية إليها، وتحصرها في دائرة كونها مخلوقا سطحيا وبسيطا لا هدف له سوى تلبية رغبات الرجل، كما تركز على مجموعة من الصور النمطية التقليدية المرأة التي تعكسها كمخلوق ناقص، يفتقد القدرة على التفكير العقلاني وصنع القرار والعمل القيادي، بالرغم من الإنجازات التي حققتها المرأة على أرض الواقع. 

كما أن الجسد الأنثوي يتمظهر في المادة الإعلامية كأداة رخيصة تستغلها الشركات في إنتاج بضائع منخفضة التكلفة، رخيصة الثمن، يمكنها الدخول في منافسة في الأسواق العالمية وتحقيق أرباح متراكمة، وفي ظل العولمة الليبرالية الجديدة يجرى استخدام النساء بعقود عمل مؤقتة ووفق شروط محددة، وبذلك تصبح المرأة أداة رخيصة لإنتاج أوسع. 

ونجد المرأة في وسائع الدعاية والإعلام بوصفها قوة ضاربة تتحكم في الإنتاج وإعادة الإنتاج الاقتصادي والثقافي وتوجيه مساريهما مع أن أغلب ضحاياهما النساء، وذلك لأن الإعلام يضع المرأة في صورة ثلاثية الأبعاد: «الزبون والسلعة والأداة في وقت واحد»5 فالمرأة هي الزبون الأول المستهلك للبضائع خصوصا التي تنتجها شركات التجميل، التي تقدم جميع أنواع الإغراءات، مما يجري رسم صورة للأنثى الأبدية المغرية دوما ذات الفتنة الخالدة التي لا تصيبها الشيخوخة، ويظل الإغراء فعالا ما دامت تستخدم أدوات المكياج. 

وأخيرا رغم مشاهدة بعض مظاهر المقاومة المضادة للصورة النمطية عن المرأة في المادة الإعلامية على أنها جسد مثل وضع الحجاب في البرامج التلفزيونية والأفلام، التي تحمل معاني رامزة أن للمرأة كيانا يحميها وكاحتجاج على النظر إليها كمجرد أنثى أو جسد، أصبحنا نلاحظ فنون التجارة والموضة أخذت تعمل على استعادة هذا اللباس المحتشم وإفراغه من مدلوله بتحويله إلى الأكسسوارات التي تزيد المرأة أناقة وجمالية كرسالة أنها جسد ولا شيء غير الجسد، هذا ما يبين قدرة الرأسمالية المتوحشة في اختراق التمثلات والمعايير والقيم التي يعيش عليها المجتمع، ومن هنا يمكن بسط التساؤلات التالية: هل فعلا المرأة جسد كما يروج الإعلام؟ ولماذا كل هذا التعزيز للصور النمطية من طرف المادة الإعلامية؟ وهل اللحظة اليوم تستدعي ربط المرأة بالجسد؟ هل مخافة من أن تتحول المرأة من كائن مستلب إلى سلطة رمزية تخلخل السائد داخل المجتمع؟ لماذا لا يتم ترويج أن المرأة ذات حر واعية تفكر وتقرر؟ هل خوفا من أن تتقوى شخصيتها وتواجه التسلط والتسيد؟

 

بقلم: يوسف القرشي

........................

قائمة البيبليوغرافيا:

1- القرشي يوسف، المثل الشعبي وإنتاج النوع الاجتماعي، المحمدية: بحث جامعي بإشراف الأستاذة حكيمة لعلا، شعبة السوسيولوجيا، 2018.

2 - دافيد لوبروتون، أنثروبولوجيا الجسد، ترجمة: محمد عرص صاصيلا، بيروت: المؤسسة للدراسات والنشر والتوزيع، 1997.

3- دافيد لوبروتون، سوسيولوجيا الجسد، ترجمة: عياد ابلال، ادريس المحمدي، القاهرة: روافد للنشر والتوزيع، 2014.

4- جارودي روجيه، في سبيل ارتقاء المرأة، بيروت: 1982.

5- النقاش فريدة، العولمة والمرأة والإعلام، العرب: 2001.

 

عدنان عويدالثقافة الشمولية، نمط ثقافي مغلق في الغالب على نسق محدد من المعارف، تحدد طبيعته وأهدافه سلطة سياسية في دولة شمولية، وفقاً لقيم معيارية مسبقة الصنع تفرضها أيديولوجيا شعاريه وبراغماتية وحتى أسطورية، بغية التأثير على عقول وسلوك وقيم أفراد المجتمع وتحركيهم كأحجار شطرنج. وما يميز هذه الثقافة الشمولية أنها لا تُدخل في حساباتها أي مشروع إبداعي يساهم في نهضة الفرد والمجتمع أخلاقياً وفلسفياً وجمالياً إلا بما تراه وتريده السلطة الشمولية. أو بتعبير آخر هي ثقافة تشتغل عليها السلطة الشمولية مستخدمة كل وسائل الدولة المتاحة وفي مقدمتها المؤسسات الثقافية والإعلامية من أجل تهجين المجتمع وتدجينه وتوجيهه باتجاه أهداف ذات طبيعة شعاريه لا عقلانية تحت مسميات وطنية وقومية ودينية وإنسانية .. الخ، وذلك للحفاظ على وجود هذه السلطة الشمولية الاستبدادية واستمراريتها أولاً، ثم الحفاظ على مصالحها المادية والمعنوية، ومصالح أفرادها، أو حزبها، أو قبيلتها أو عشيرتها أو طائفتها. دون مراعاة حقيقة لمصالح المجتمع وتنميته ثانياً.

أمام أو في مواجهة هذا الثقافة الشمولية، نجد ثقافة تنويرية مغمى عليها بفعل قسري، يمثلها مثقفون تنويريون، مأساتهم أنهم محط إقصاء وتهميش في هذه الدولة الشمولية، بل هم دائماً محط كره وحقد من أعداء الحقيقة والحرية والإنسانية، وخاصة من قبل الانتهازيين والوصوليين والسفلة من رجال السياسة والسلطة ومثقفيها في الدولة الشمولية، كونهم يجدون في المثقف التنويري النقيض لهم فكراً وسلوكاً، لأنهم يعرفون بأن ما يمثلونه هم من قيم أخلاقية وسياسية وثقافية، هي قيم منحطة.

إن هذا الموقف العدائي من قبل ممثلي الدولة الشمولية ضد المثقفين التنويريين المدافعين عن قضايا الناس وحقوقها وحرياتها أولاً، ثم ضد مصالح بقية أفراد الشعب ثانياً، لا ينطبق أو حتى يتنافى مع فهم الدين لمسألة التنوير كما جاء في الآية التالية: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ). (179 الأعراف).

نعم إن الناس الذين لا يستخدمون عقولهم في تحليل وتركيب الظواهر الاجتماعية التي يعشون فصولها يومياً، ولا يستخدمون بصرهم في مشاهدة الحقيقة التي  تجري أمامهم، ولا يستخدمون سمعهم فيما يشتكي الناس من مظالم وفساد، سيتحولون إلى أنعام في الحقيقة، وهذا ما يشتغل عليه رجال السلطة الحاكمة في الدولة الشمولية الذين يتاجرون بالدين أكثر من غيرهم ضد شعوبهم. أي هم من يقوم بممارسة فعل التجهيل على الناس وتحويلهم إلى أنعام.

في مقابل هذه الثقافة التجهيلية التي تمارسها السلطة في الدولة الشمولية على جماهيرها، تأتي الثقافة التنويرية كما قلنا كفعل جماهيري.. كنسق فكري، في أعلى درجات مهامها أو وظائفها بعد اكتمال بنيتها وتبلور حواملها الاجتماعية، طرح التساؤلات الكبرى، والكشف عن الكثير من المسائل الملحة المتعلقة بحياة الإنسان المادية والروحية بكل مستوياتهما. وبناءً على ذلك لم تعد  (الثقافة) وفق هذا التحديد فعلاً نخبوياً فحسب، بالرغم من ارتباطها بالنخب منذ أن ظهر التقسيم الاجتماعي الكبير للعمل على ساحة الوجود الاجتماعي بين العمل الفكري والعمل العضلي. وإنما هي فعل شعبي أو جماهيري يمارسها الفرد والمجتمع معا في حياتهما اليومية المباشرة، وغالباً ما يعملان على اختزالها وتكثيفها في حكم وأمثال شعبية ومقولات فقهية وفلسفية ورؤى أيديولوجية، تفرض نفسها على سلوك الفرد والمجتمع في حياتهما اليومية المباشرة.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور- سورية

 

صالح الطائيللرموز الدينية قدسيتها، وما من دين إلا وقد اتخذ رموزا لديانته، وشعائرا لتعبده، أو أتخذ متبعوه رموزا لهم من بيئتهم ومجتمعهم، اختفى بعضها، ولا زال بعضها الآخر صامدا يفرض نفسه على الحياة اليومية لأتباع ذلك الدين، والأتباع أنفسهم ارتبطوا بتلك الرموز بعد أن شعروا من خلال وجودها بالأمن والراحة وحتى الانتصار.

فاليهودية مثلا فيها: النجمة السداسية، والمينوراه أو (المنورة)، وهو شمعدان سباعي ذو سبعة شمعات، والكباه، والميزوزة، وهو  كيس قماشي صغير مزركش يعلق على الباب الرئيس من الداخل، والهامسا وهي على شكل كف اليد، وتدل على الاسفار الخمسة أي التوراة.

والمسيحية فيها: الصليب، واللبرومة، والسمكة التي استخدمت للدلالة بشكل سري على اسم المسيح، والأيقونات، والمسبحة الوردية، والحمامة، التي تمثل عندهم الروح القدس، والراعي الصالح، كرمز للمسيح، والبيضة، التي تمثل وجود المسيح في القبر. والحرفان الأولان من اسم المسيح باليونانية، والحرفان الاول والاخير من الابجدية اليونانية، وهما (الفا واوميكا)، كرمز للمسيح الذي هو الاول والاخير؛ الذي سياتي في اخر الزمان، ورسم على شكل المرساة كرمز للوجود الدائم، وطير العقاب، وورقة الشجر الثلاثية الحافات، والديك، والفراشة، والوردتان الحمراء والبيضاء معا، وكذلك طير العنقاء الاسطوري.

وفي الديانة الاسلامية هناك: رموزا مادية وأخرى طقسية، من الرموز المادية: الهلال الذي يوضع على مآذن المساجد والهلال وفي داخله نجمة الذي استخدمته الدولة العثمانية علما لها وورثته منها تركيا التي وباكستان وشعار السيف يوضع على الرايات وكلمة الشهادة وتحتها السيف كما في العلم السعودي واللونين الاخضر والاسود. أما المعنوية فكثيرة جدا يهمنا منها في هذا الموضوع الزي الخارجي الذي تلبسه المرأة المسلمة، والمسمى "الحجاب".

وسأختار من الديانة الأولى أحد الرموز لأقارن موضوعه برمز من دين الإسلام، لأثبت من خلال ذلك أن القوى العظمى هي التي خلقت روح الكراهية بين العقائد وأتباعها. الرمز اليهودي هو الكباه أو اليارمولكة ومعناه: القبة،  وهو واحد من أهم رموز الديانة اليهودية، يرتدونه أثناء أداء عباداتهم وطقوسهم وشعائرهم، ويُبلسوه لمن يزورهم، إذا أراد الوقوف أمام حائط المبكى، سواء كان رئيسا أم مرؤوسا، حتى أنه تحول إلى رمز للديانة اليهودية يلبسه كبار رجال الدولة في زياراتهم للدول الأخرى ويلبسه ممثل إسرائيل في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وهو عبارة عن قبعة صغيرة (طاقية) بالعراقي (عرقجين) سوداء اللون، ترسم عليها عادة نجمة داود، توضع على وسط الرأس، ولم أسمع أن هناك منظمة أو مؤسسة أو دولة اعترضت على لبسه أو وضعت له قوانين تمنع لبسه في الجامعات مثلا  أو كان لها رأي فيه، بل إن الكثير من رؤساء الدول الكبرى لبسوه أو ألبس إليهم عند زيارتهم لإسرائيل منهم كلينتون وأوباما وترامب..

قبالة ذلك هناك الحجاب الإسلامي وهو أحد رموز ديانة الإسلام يجب على المرأة وفق أغلب الأقوال ارتدائه، حتى أنه تحول إلى رمز للمرأة المسلمة، ومع ذلك هناك الكثير من الدول الغربية والمؤسسات والمنظمات التي سنت قوانين تمنع ارتدائه إلى درجة أن إحدى الدول الأوربية منعت الأمهات من ارتدائه والذهاب لجلب أبنائهن من رياض الأطفال أو المدارس.

فكيف نجحت اليهودية في تحويل رمزها الخاص بها إلى رمز عالمي مقبول، ولا اعتراض عليه، وفشلنا في أن نحصل على موافقات لتلبس نساؤنا رمزها الإسلامي دون إزعاج أو اعتراض أو تهديد بالطرد أو الاعتداء؟

ألا يعني ذلك ان هناك ـ حتى مع وجود الكم الكبير من الحديث عن العدالة والمساواة والتحرر ـ تحيزا كبيرا وصل إلى حد التطرف الطائفي؟ وان على العالم أن يعيد النظر في رؤيته للوجود الإسلامي أو يعيد النظر في كل تلك الشعارات الإنسانية التي يتشدق بها.

وأنا لا أنكر أن الحجاب الإسلامي لو كان مقصورا على الرجال مثلما هي الكباه ما كانوا ليعترضوا عليه، بدليل أنهم لم يعترضوا يوما على لبس شيخ خليجي زارهم في عقر دورهم، ولذا أعتقد أن المقصود من وراء الحملة المسعورة ضد الحجاب هو التسبب في حرف نسائنا، لأن انحرافهن سيؤثر على نمط تربيتهن لأطفالهن، وأنا هنا لا أتهم اللواتي لا يلبسن الحجاب، ولكنها حقيقة يجب الانتباه لها! أما المسلمون الذين يؤيدون دعوات نزع الحجاب فهم متأثرون بتلك الدعوات المتحيزة أو موظفون لدى المشرفين عليها، أو مخدوعين بشعارات التحرر!.

 

صالح الطائي

 

محمود محمد عليإذا كانت نشأة الفلسفة قد صارت منذ عصور بعيدة، مشكلة بين المشكلات التي تدرسها الفلسفة، في محاولة للإجابة عن السؤال: أين نشأت؟ عند اليونان أم في بلاد الشرق القديم، فقد انقسم الباحثون حيالها إلي فريقين : الأول يؤيد النشأة في بلاد اليونان، ويرى أن الشرقي لم يكن سوى فكر لاهوتي من ألفه إلى يائه . أما الآخر فقد رأى أن هناك فلسفة شرقية خاصة ترتبط بالدين أحياناً وتنفصل عنه أحياناً أخرى .

ولقد كان "أرسطو" أول من ردها إلى بلاد اليونان، عندما ذهب إلى القول بأن "طاليس هو مؤسس ذلك الضرب من التفلسف" - يقصد الفلسفة الطبيعية- وهكذا جعل الفلسفة تبدأ بالمدرسة الملطية -طاليس ومدرسته في القرن السادس قبل الميلاد ؛ في حين أن "ديوجين اللايرتى"، أول من أشار إلي أن الفلسفة نشأت عند الشرقيين القدماء.

وهكذا ظهر رأيان متعارضان، انعقدت السيادة للرأي الأول طوال العصور القديمة والعصور الوسيطة، واستمر حتى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين – من "أرسطو" في القرن الرابع قبل الميلاد حتى "برتراندرسل" في القرن الماضي؛ ثم ظهرت بحوث جديدة كشفت عن حضارات مزدهرة، وأفكار جديدة مما غير الفكرة القديمة التي غيرت الفكر الديني في حضارات الشرق القديم .

ومن هذه البحوث كتاب: "التراث المسروق: الفلسفة اليونانية- فلسفة مصرية مسروقة " للباحث الأمريكي جورج جي. إم. جيمس .

صدر الكتاب عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة (بجمهورية مصر العربية) وترجمه إلى العربية الكاتب المصري "شوقي جلال"، الذي وصف كتاب جيمس بأنه صدمة لأنه يكشف "أسطورة كبرى ومؤامرة حكمت التاريخ واستبدت بفكر الإنسانية، وهي جزء من سياسة عالمية امتدت قرونا" مشدداً على أن مثل هذه الأساطير لبست ثوب الحقائق وأصبحت مرجعاً يُستشهد به ويكتسب قدسية أكاديمية؛ وخاصة أن "جميع الغزاة" ناصبوا الثقافة المصرية "العداء القاتل" ولم ينتموا إلى مصر تاريخاً أو مجتمعاً، ولهذا تعمدوا تجفيف منابع الثقافة المصرية المادية والروحية بتدميرها أو نهبها، حتى لو تخفوا وراء أقنعة أيديولوجية باسم الحضارة .

ويقول جورج جيمس في هذا الكتاب المثير للجدل:" أن فلاسفة أثينا، وعلى رأسهم سقراط وأفلاطون وأرسطو، ليسوا إلا ناقلي قشور معارف مصرية بطريقة ملئها التلفيق والتضليل". ويستند جيمس وفقاً لجريدة "الحياة" اللندنية إلى المقارنة بين فكر مدرسة منفيس المصرية التي ظهرت إلى النور قبل أربعة آلاف سنة من الميلاد، وفكر ما يسمى "المدرسة اليونانية"، الذي يعود إلى ستة قرون فقط قبل الميلاد. ويؤكد المؤلف أن سقراط "وصل إلى درجة الأستاذ والمعلم بحق، ليس لأنه قدم أفكاراً مهمة، ولكن لأنه امتثل للتعاليم المصرية في البحث عن الخلاص".

كما ذهب جورج جيمس إلى أنه "يستحيل أن يضع أرسطو وحده أكثر من ألف كتاب في شتى المعارف، في حين أن أفلاطون كان بحسب ما قيل فيلسوفاً لا علاقة له بالعلوم، فمن أين له أن يعلّم أرسطو ما لم يتعلمه هو أو يتحدث به؟.

ويرى جورج جيمس أن فيثاغورس "هو أفضل الفلاسفة الذين قدموا بعضاً من الفكر المصري في اليونان، حتى أن جميع الفلاسفة الذين أتوا من بعده عمدوا إلى محاكاة أفكاره . وفي حين يشك المؤرخون في نسبة كتاب الجمهورية الى أفلاطون، فإن جورج جيمس يرى أنه كان معروفاً قبل أفلاطون بزمن طويل، فالكتاب كان ذائع الصيت وينسب إلى بروتاجوراس الذي عاش من 481 الى 411 ق.م.، وكان تلميذاً لديموقريطس الذي لم يتحدث مطلقاً في النظام التعليمي والحكم الأبوي، ومن ثم فكتاب الجمهورية ليس لأفلاطون ولا لبروتاغوراس لكنه لمصدر آخر أصيل في ثقافته.

إن كتاب التراث المسروق" يعد واحداً من الكتب التي تحارب فكر المركزية الأوروبية القائل :" إن اليونان أصل العلوم الحديثة، وإن الغرب نشأ على فكر أسلافهم، ومن ثم فهو مركز ومحور كل المعارف والعلوم، وإن سواهم ليسوا إلا برابرة لا يحق لهم بحسب تكوينهم الطبيعي إلا أن يكونوا تابعين، ومن ثم فالمؤلف يطالب في الفصل التاسع من الكتاب وعنوانه "الإصلاح الاجتماعي" بشطب اسم أرسطو والفلاسفة اليونانيين من الكتب المدرسية، وردّ الاعتبار إلى المصريين.

وأوردت وكالة الأنباء البريطانية "رويترز" تأكيد الكاتب أن "الفلسفة المصرية غير المكتوبة والتي تمت ترجمتها إلى اليونانية القديمة هي وحدها فقط التي وجدت هذا المصير البائس. تراث سرقه الإغريق"، ويرى أن الإسكندر الأكبر الذي غزا مصر عام 332 قبل الميلاد اغتصب مكتبة الاسكندرية "ونهبها واصطنع أرسطو مكتبة لنفسه من الكتب المنهوبة. ويقول جيمس أن "التضليل في حركة الترويج للفلسفة اليونانية يبدو سافراً وفاضحاً إلى أقصى مدى عند الإشارة عمداً إلى أن نظرية المربع القائم على وتر المثلث قائم الزاوية هي نظرية فيثاغورس، وهو زعم أخفى الحقيقة قروناً عن أعين العالم...إن المصريين هم الذين علموا فيثاغورث واليونانيين الرياضيات التي عرفوها" بعد أن أُتيحت لهم فرصة التعلم من الثقافة المصرية.

ولعل من المفيد قبل عرضنا لهذا الكتاب ومحتواه – أن نشير في عجالة إلى أهم التوجهات الضابطة والحاكمة في مسيرة المؤلف الفكرية عبر فصول الكتاب العديدة.

وأبرز هذه التوجهات – في نظرنا – هو اعتقاد المؤلف بأن الفلسفة اليونانية القديمة مستمدة أصلاً من الفكر المصري القديم، وهو يدعم هذا القول بوثائق ودلائل جديدة وهي اعتراف اليونانيين القدماء أنفسهم أنهم تتلمذوا علي أيدي الكهنة، أي العلماء المصريين، إذ لم يكن هؤلاء الكهنة رجال دين اختصوا بأداء شعائر وطقوس فحسب، بل كانوا علماء لهم تخصصات متعددة: دين وقلك وطبيعيات وهندسة ورياضيات وطب .... الخ .

والتوجه الثاني : ويتمثل في أنه لم تكن نشأة الفلسفة نشأة يونانية خالصة، ولم يبدأ اليونانيون في اكتشاف ميادين الفلسفة من فراغ كامل، بل إن الارض كانت ممهدة لهم في مصر التي كانت تجمعهم بها صلات حربية وتجارية وثقافية . والتوجه الثالث : ويتمثل في أن نظام الأسرار المصري قد كان له تأثير هام في نمو كثير من المعارف الفلسفية والعلمية، وحسبنا أن نذكر هذا النظام في عمليات البناء الهائلة التي تحققت تلبية لمطالب دينية كالأهرامات والمعابد الضخمة، وكذلك الحاجة إلى تخليد الانسان والرغبة في قهر الاحساس بفنائه التى حفزتهم إلى اكتساب المقدرة الخارقة على التحنيك والايمان بالتنجيم، ومعرفة الطالع من التطلع إلى النجوم الذى أتاح لبعض الناس في تلك العهود القديمة أن يقوموا بملاحظات وعمليات رصد مرهقة أضافت إلى رصيد الإنسانية في مجال الفلسفة والعلم قيمة لا تقدر. التوجه الرابع : ويتمثل في هدم المؤلف لتلك المقولة التي استشرت في قلوب وعقول كثير من الباحثين والمؤرخين الأوربيين، وهى أن الفلسفة اليونانية خلق عبقري أصيل جاء على غير مثال، وهو يدحض هذه المقولة في أكثر من موضع من كتابه هذا الذى بين أيدينا، وذلك حين يؤكد بأن القول بأن اليونانيين قد أبدعوا فجاءة ودون سوابق أو مؤثرات خارجية حضارة عبقرية في مختلف الميادين، ومنها الفلسفة هو قول يتنافى مع المبادئ العلمية التي تؤكد اتصال الحضارات وتأثرها ببعضها البعض، بدليل شهادات فلاسفة اليونان التي لا يمكن تجاهلها، فقد شهد أفلاطون الذى كان في الوقت ذاته عالماً ورياضياً بفضل الحضارة الفرعونية؛ وهناك روايات كثيرة عرضها "جورج جيمس" في كتابه تحكى عن اتصال كبار فلاسفة اليونان وعلمائهم ومنهم أفلاطون ذاته بالمصريين القدماء وسفرهم إلى مصر وإقامتهم فيها طويلاً لتلقى العلم .

على أن هذه التوجهات قد صاحبها ثلاث نزعات للمؤلف : إحداها نفسية، والثانية أخلاقية، والثالثة عقلية .

أما الأولى من هذه النزعات، فتتمثل في أن مؤلف الكتاب الذى أيدينا أمريكي أسود ينتمى إلى أصل أفريقي، وهو يحمل هموم السود في أمريكا ومعاناتهم من أثر التفرقة العنصرية بين الرجل الابيض والرجل الأسود، وقد ظهر كتابه هذا الذى بين أيدينا في مطلع النصف الثاني من القرن العشرين، وبالتحديد سنة 1954م، أي مع مستهل الحركة العالمية للتحرر الوطني ونهضة المستضعفين من الأمم واستعادة الوعى بالذات القومية في أفريقيا وآسيا شرقاً وغرباً، بل والسود في أمريكا، واتجهت هذه البلدان جميعها إلى البحث عن تاريخها الشفاهي والمسطور، وانعقدت مؤتمرات إقليمية ودولية لهذا السبب .

كانت القضية أمام شعوب أفريقيا هي: هل حقاً لم تسهم شعوب أفريقيا في الحضارة الإنسانية التي يتربع على قمتها الآن الرجل الابيض ؟ أم أن نشاهده هو دورة ومرحلة تاريخ تطور الحضارات المتعددة الأصول والمنابع والمسارات والحوارات بكل ما انطوت عليه هذه المسارات من صراعات أخذت أحياناً صورة حروب وحشية ومحاولة إلغاء وإفناء الأخر، وأحياناً أخرى صورة تفاعلات أسهمت في الارتقاء الحضاري للإنسانية جمعاء .

ومن هنا جـَد الأفارقة السود المغتربون فى أوربا، ومواطنو أمريكا، ناهيك عن جهود الأمم الافريقية ذاتها، لاستعادة ذاكرتهم التاريخية واستكشاف روابطهم الحضارية ضمن جهودهم لتأكيد هويتهم، ومن ثم لم يكن غريباً أن يدعى "جورج جيمس" الانتساب إلى حضارة مصر، أو أن يرى الحضارة المصرية رمزاً أفريقيا، ولكن الشئ الهام، والذى يعنينا هنا أنه ضرب بمعول قوى أسطورة أوربية غرسها الرجل الأبيض في الأذهان وصدقناه وأوضحت إحدى مسلمات حياتنا الفكرية، ونعنى بذلك أسطورة أن بلاد الاغريق هي مهد الفكر الفلسفي .

أكد "جورج جيمس" على الرغم مما يشوب نهجه من حماس واندفاع، أو نزق لا يؤثر على جوهر القضية، أن الفلسفة اليونانية القديمة مستمدة أصلا من الفكر الفلسفي المصري القديم .

وأما النزعة الأخلاقية، فتبدو لنا بجلاء في مواضع عديدة من الكتاب يعزف فيها المؤلف لحن الوفاء للتراث المصري القديم الذى تنكر له الكثيرون، ومن ناحية أخرى فالمؤلف يحاول إرساء دعامة علاقات أفضل بين الأعراف عن طريق بيان حقيقة إسهام الحضارة الافريقية في الحضارة الإنسانية، فالكتاب فلسفة وفاء وتحرير، يرد إلى أهله مؤكداً ذلك بالوثائق والأسانيد، ويحرر الشعوب السمراء من عقدة الشعور بالدونية، كما يحرر الشعوب البيضاء من عقدة استعلاء كاذبة وهمية، ثم دعوة إلى الشعوب السوداء لكى تنهض تأسيساً لاسترداد حق تاريخهم العريق، واجتهاداً للحاق بركب العصر الحديث .

وأما النزعة العقلية، فتبدو واضحة من خلال وأفكاره النقدية واحتفائه بمنطق العقل في كل ما يطرحه من قضايا وإشكاليات، ويبدو هذا واضحاً في قدرته على اختبار الآراء السائدة، سواء على المستوى الشعبي العادي أو في الأوساط العلمية أو كليهما معاً بذهن ناقد وعدم انقياده وراء سلطة القدم أو الانتشار أو الشهرة ولا يقبل إلا ما يبدو له مقنعاً على أسس عقلية وعلمية سليمة، ونعتقد أن المؤلف بنزعته هذه يحقق درجات عالية من المصداقية في كل ما يقدمه لنا في هذا الكتاب، من حيث تنطلق هذه النزعة أساساً من رفضه لفكرة المعجزة اليونانية لكونها في مجملها مدموغة بالسطحية،داعمة للفكر الرجعى، داعية إلى الجمود والانغلاق، التى لن تثمر إلا تخلفاً ونكوصاً يضاعف أبعاد المسافة بينها وبين الحقيقة الموضوعية.

إن هذه النزعات وما صاحبها من توجهات قد أسهمت فى تشكيل وصياغة رؤى المؤلف وتنظيراته التي ضمنها كتابه الذى بين أيدينا .

وإذا كنا نتفق مع المؤلف في بعض رؤاه وتنظيراته ونشاركه همومه، ونصدق معه علي تشاؤمه من التفرقة العنصرية، فإننا نختلف معه في بعض آرائه التي تمثل جانباً من محتوي هذه الرؤي، وفي درجة تشاؤمه نتفق معه من منظور عام فيما نعانيه من المسلمات الفكرية التي غرسها الرجل الأبيض في محاولاته للسيطرة علي الشعوب السوداء عن طريق محو ثقافتهم وطمس تاريخهم، ونصدق معه في قوله بأن نشأة الفلسفة لم تكن نشأة يونانية خالصة .

لكننا نختلف معه في تحامله الشديد، بل هجومه العنيف علي الفلسفة اليونانية باعتبارها مسروقة من الفلسفة المصرية القديمة، فليست كل الفلسفة اليونانية فلسفة تلفيقية، وليس كل الفلاسفة اليونانيون لصوصاً. وإن المؤلف لم يضع في حسبانه ظاهرة الـتأثير والـتأثر . وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

عبد الجبار الرفاعينشر صديقي وتلميذي الشيخ مهند الساعدي مقالة سابقة لي عن الهلال مشكورًا في إحدى مجموعات الواتس اب، فأورد بعض أعضاء المجموعة ملاحظات على الأمثلة التوضيحية التي ذكرتها في المقال، فأرسل لي الأخ مهند ذلك، وكتبتُ له هذا الجواب:

لقد وسّعتُ هذا النصَّ كثيرًا، فصار الفصلُ السابعُ من كتابي الأخير: "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، وجاء في طبعته الثانية بعنوان: "الاستملاك الرمزي للهلال".

الملاحظات المذكورة تنبهتْ للأمثلة التوضيحية، ولم تلتقط ما ترمي اليه فكرةُ المقال المحورية. وقد تعلّمنا من التراث: "ألا مناقشة في المثال، فهو بالقدر الذي يقرّب من جهة، يبعد من جهة او جهات اخرى".

هذا المقالُ يفكر داخلَ نظام معرفي مشتق من فلسفة العلم وعلوم التأويل والمعارف الحديثة، أما نحن  فاعتدنا في دراساتنا الدينية أن نفكر في التراث بنظام معرفي تراثي، فالذي يفكر على وفق مكاسب الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع اليوم لا تتطابق طريقةُ تفكيره مع من يفكر داخل التراث...أظن أن  أولَ فقيهٍ في الحوزة تنبّه لضرورة دراسة "فلسفة الفقه" هو السيد محمد باقر الصدر، عندما تكلّم في مقدمة الجزء الثاني من اقتصادنا عن "عملية الاجتهاد والذاتية"، وأظن أن الشيخ مرتضى المطهري من بعده أشار إلى: "أن فتوى ابن القرية يشم منها رائحة القرية، وفتوى ابن المدينة يشم منها رائحة المدينة"... لكن أولَ من اقترح تأسيسَ هذا العلم، وأطلق تسميةَ "فلسفة الفقه" هو الشيخُ محمد مجتهد شبستري.

هذا المقالُ مثالٌ صغيرٌ على تطبيق "فلسفة الفقه" في تحليلِ مدونةِ الفقه والكشف عن المرجعياتِ التي يحيل اليها التفكيرُ الفقهي، وهو منهجٌ لا يكرّر ما تعلمناه في أصول الفقه وغيرِه في الحوزة... يذهب المقالُ الى ضرورةِ الخروج من الأسوارِ المنيعةِ للدراسات الدينية التقليدية، والسعي للتخلص من رؤيةِ الحاضر بعين الماضي، وتحريرِ العقل من استبداد علوم الأوائل وإكراهاتها للتفكيرِ الديني، تلك العلوم التي نسخت العلومُ والمعارفُ الحديثةُ كثيرًا منها، والعملِ على إعادةِ النظر في البنيةِ التحتية التي ابتنى عليها هيكلُ المعارف الدينية، وعدمِ سلوك المساراتِ القديمةَ ذاتِها، واستئنافِ النظر في ما صار بمثابة البداهات في هذه المعارف، وأعادتْ مساءلتَه وتشريحَه، بغية اكتشافِ الآفاق التاريخية التي تشكّل فيها والخروجِ منها إلى أفقنا الراهن.

في حقلِ الفقه يتكرّر القولُ في المسائل ذاتها، ويغرق الدارسُ في تفاصيل مدوّنته التي تضخّمتْ بالتدريج، وانحسرتْ تبعًا لتضخّمها معظمُ مجالات التفكير الديني الأخرى، وفرضتْ حضورَها الصارم على كلِّ ما يتّصل بأقوالِ وأفعالِ المسلم، وأخضعتْ كلَّ حياتِه لمعاييرها، بلا استحضار للقيم والمقاصد الكلية المعبرة عنها.

وذلك يفرض تدشينَ علمٍ قادرٍ على إجراءِ حفرياتٍ عميقةٍ في المدوّنة الفقهية، من خلالِ تفكيكِ الأنساقِ المولّدة للمعرفةِ الفقهية، والكشفِ عن العناصرِ المختبئةِ في عملية الاستنباط، وأثرِها البالغِ في توالدِ هذه المعرفة وتشعّبها ونموِّها وتطوّرِها. وهذه مهمةٌ يتكفّلها علمُ "فلسفة الفقه"، وهو علمٌ لا يعتمد العدّةَ المنهجيةَ والمفاهيميةَ المعروفةَ في "أصول الفقه" أو"الفقه"، بل ينفتح على فلسفةِ العلم وعلومِ التأويل والعلومِ الإنسانية والاجتماعية المختلفة، ويتوكأ على مناهجِها ومفاهيمِها، بغيةَ تحليلِ البنية العميقة للمعرفة الفقهية، وكيفيةِ إنتاجِها، والكشفِ عن العناصرِ المضمَرةِ في ذهنِ الفقيه، وأثرِها اللاواعي في توليد المواقف والآراء والفتاوى، والصلةِ العضوية بين الفقهِ والسياقاتِ التاريخيةِ المختلفةِ التي تشكّل فيها، والعلاقةِ بين المعرفةِ الفقهية وشبكاتِ السلطات الروحية والزمنية.

فلسفةُ الفقه علمٌ يُنقّب عمّا هو غاطسٌ في عملية الاستدلال الفقهي، ويعمل على عبور عناصر هذا الاستدلال المعروفة، ليصل إلى تشريح الخلفيات غير المرئية في استنباط الأحكام الشرعية، ويسعى للتعرّف على العناصر البشرية المختلفة الخفيّة المؤثّرة في إنتاج الفتوى.

فلسفةُ الفقه لا تتوقف عند السطح، بل تنشغل بالنظر إلى الأعماق، في محاولةٍ للكشف عن البنية التحتية للتفكير الفقهي، أي إن هذا العلمَ يحاول أن يتوغل بعيدًا ليكتشف الأحكامَ المسبقةَ للفقيه، وتأثيرَ رؤيته للعالم، وما هو مترسب في لاوعيه من مؤثّرات متنوّعة، توجّه تفكيرَه على وفق بوصلتها.

كلُّ خبير يدرس الفقهَ في ضوء المناهج الحديثة يكتشف أنه مدونةٌ تشريعيةٌ، ومرآةٌ ترتسمُ فيها ألوانُ تفكير فقهاء الإسلام في العصور المختلفة، وتحمل بصمةَ شخصياتهم، وتحكي كيفيةَ حياتهم، وأنماطَ العيش المتنوّعة في بيئاتهم، التي تنعكس كلُّها على طريقة تفكيرهم وما يفضي إليه من نتائج.

كذلك يعرف الخبيرُ أن قراءاتِ الفقهاء لما جاء في القرآن والسنّة من نصوص، مضافًا إلى أنها وُلدت في إطار ما فرضته شخصياتُهم وأحكامُهم المسبقةُ وآفاقُ انتظارهم وما تحفل به بيئاتُهم من جهة، وُلدت من جهة أخرى في إطار ما فرضته قواعدُ ومعاييرُ قراءة النصوص الدينية، تلك القواعدُ والمعاييرُ التي تمّت صناعتُها في عصر متأخّر عن عصر البعثة الشريفة بمدة طويلة نسبيًا، والذي بدأ في النصف الثاني من القرن الهجري الثاني، وهذه القواعدُ تمثل اجتهادات بشرية أنتجها مجتهدون كالشافعي"150-204هـ" وغيره، ثم صارت هذه القواعدُ تتجذّر وتتوسّع عموديًا وأفقيًا بمرور الزمان، حتى تسلّطت على عملية الفهم، ففرضتْ طريقةَ فهمٍ تهيمن على عمليات تلقي النصوص الدينية في الأزمنة المختلفة، بنحو تسيّدتْ فيه وتأبّدت وأضحتْ مسلماتٍ نهائية، لا مشروعيةَ لقراءةِ أيّ نصٍّ دينيّ أو ممارسةٍ لتفكيرٍ فقهي خارج أسوارها.

حاولنا أن ندرس الخلافَ حول الهلال في ضوء علم "فلسفة الفقه". والهلالُ مثالٌ تطبيقي لهذا العلم، ينشد إضاءةَ ما هو مستورٌ في النزاع على الهلال، فخلصنا إلى أن الخلافَ على الهلال يعود لمحاولة استملاكِه الرمزي واحتكارِه، بغية إثراء رأس المال المقدّس، وتبيّن لنا أن الخلافَ هو على هلالين وليس على هلال واحد، فهلالُ أكثر الفقهاء غيرُ هلال الفلكيين، هلالُهم مؤطّر بمعنى ديني، في حين أن هلالَ الفلكيين هلالٌ ماديٌّ، مجردٌ من المضمون الرمزي الديني، بوصفه ظاهرةً كونية، يكتشفها ويحدّد كلَّ شيء فيها العلمُ، وهو ظاهرةٌ محايدةٌ حيال المعنى الديني، وليست مؤطرةً بشيء ينتمي للمقدّس.

المقدّس يمثّل موقفًا حيالَ العالم، ويحدّد طريقةً خاصّة للتعامل معه، بشكل لا يتطابق دائمًا مع الدنيوي، والتعرّفُ على ذلك يتطلب دراساتٍ متنوعة، لا تكرّر ما هو موروث، بل تنفتح على المناهجِ الحديثة في الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع وتطبيقِها على فهم الدين وقراءةِ نصوصه، لتنكشف كيفيةَ توالد المقدّس، وأنماطَ صيروته وتمثّلاته وتمدده في حياة الإنسان، والصلةَ العضوية بين اتساع المقدس وتمدد واتساع السلطة الروحية ومديات نفوذها في الحياة البشرية.

ومن يرغب في تفاصيل هذا الموضوع يمكنه العودة إلى مباحث فلسفة الفقه في كتاباتي، فهناك مجموعة فصول في كتبي لها صلة مباشرة بفلسفة الفقه، منها:

1- فلسفة الفقه، فصل 3 من كتابي: مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد، طبعة 2

2- المرجعيات الكلامية للفقيه وأثرها في عملية الاستباط، فصل 5 من كتابي: الدين والنزعة الانسانية، طبعة 3

3- الاستملاك الرمزي للهلال، فصل 7 من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 2

4- تناغم القيم والقانون في الدولة الحديثة، فصل 2 من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 2

5- التدين الأخلاقي، فصل 5 من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 2

6- عندما يتجاوز الدين حدوده، فصل 5 من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 2

7- للدين حقيقته الخاصة في الهرمنيوطيقا، فصل 10 من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 2

8- أية دولة بلا حياة روحية وقيم اخلاقية، فصل 5 من كتابي: الدين والظمأ الانطولوجي، طبعة 3

9- الأخلاق والتفكير الفقهي، مقالة ستنشر لاحقًا.

10- دعوة الشيخ أمين الخولي للتجديد، رابط النشر: 

https://afkaar.center/wp-content/uploads/2019/04/%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%A3%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D9%86%D9%87%D8%A7%D8%A6%D9%8A-1.pdf

 

11- محاضرات في أصول الفقه، في مجلدين، مطبوع 10 طبعات.

 

د. عبد الجبار الرفاعي

 

منى زيتوننُسِب إلى الإمام أحمد بن حنبل أنه أبو العنف والإرهاب الإسلامي؛ لسببين: أحدهما ما نُسِب إليه من الإفراط في التكفير والتبديع، والثاني: انتساب تلك الفرقة من الغُلاة إليه، المسماة في عصرنا بالسلفية.

فيما يخص السبب الأول، أرى أن كل ما ورد عنه من أقوال بتبديع أو تكفير لأي فئة ممن خالفهم في الرأي، أو ذم لأي اعتقاد يراه مخالفًا للسُنة، كالقول بخلق القرآن أو التوقف فيه، أو ذم إنكار رؤية الله تعالى بالأبصار يوم القيامة، أو ذم الكلام، أو ذم فقه الرأي، كان من باب صدعه بما يراه الحق، وليس التحريض على معتقديه ولا على قتلهم. لو كان ابن حنبل مصدرًا للعنف، أو محرِّضًا على الإرهاب لأذاق المعتزلة الأمرّين في عهد المتوكل، وحرّض على امتحانهم وقتلهم، لكنه لم يفعل.

وكذا فإن بعضًا مما نُسِب إليه من أقوال متكلفة، من المنطقي أن نطعن في صحة تلك النسبة إليه؛ فكيف يصحّ عنه أنه كان يرى تجويد القرآن بدعة، بينما يروي في مسنده أحاديث باستحباب التغني بالقرآن وتزيين أصواتنا به؟! كما قد نسبوا إليه قوله بعقيدة الإقعاد على أنها هي المقام المحمود؛ حيث يدّعون أن المقام المحمود الذي وعد الله به نبيه صلى الله عليه وسلم هو إقعاده بجانبه على العرش يوم القيامة، بينما يروي الإمام أحمد في مسنده أحاديث تثبت أن المقام المحمود هو الشفاعة!!

وأما عن هؤلاء الغُلاة المتسمين بالحنابلة أو السلفية؛ فقد نسبت هذه الفرقة نفسها إلى الإمام أحمد بن حنبل، وجعلوه في عين من لم يعرفه شخصًا ذا عقيدة مشوهة، وفقه متشدد، وصار من كان يُشهِد الله بأنه سامح المعتصم مع كل سوط يُجلده في المحنة، مصدرًا للعنف والإرهاب! بل زعيمًا للإرهابيين!

وكان أئمتهم -من مبدئهم-، ولا زالوا أبعد ما يكونون عن شخصية الإمام أحمد المسالمة، التي لا تسعى للبطش، ولا للاتصال بالسلطان؛ فالثابت عن الإمام أحمد أنه كان يتعامل مع العُصاة باللين والرفق، فإما أنكر بقلبه وترك العاصي وشأنه، وإما نصحه بلسانه، وأقصى ما رُوي عن دعمه للإنكار باليد فيه هو استباحته إفساد الخمر دون الإناء، واستباحته كسر آلات الملاهي، فكان لا يرى في العموم أن يُطبَّق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد بشكل فردي أو مع جماعة بعيدًا عن السلطان، بل كان يرى ألا يُرفع إلى السلطان بشأن المسيء، وربما كان هذا تورعًا منه عن التسبب في أذى الناس، لأن السلطان قد يُعاقب المخطئ بعقوبة أشد مما يستحق، ولا شك أنه قد رأى أمثلة على ذلك أثناء فترة سجنه وتعذيبه في المحنة. ولم يكن يتصل بالخلفاء، ولا يقبل عطاياهم، حتى خاصم أهله لمّا قبلوا عطاء المتوكل، وطلب منه الإمام الشافعي عندما دخل بغداد المرة الثانية أن يلي قضاء اليمن، تخفيفًا عليه، لعلم الشافعي أنه يُكلف نفسه عناء السفر إلى اليمن لطلب الحديث من الإمام عبد الرزّاق، فلم يقبل الإمام أحمد تورعًا.

ولكن هؤلاء لم يخالفوه فقط في العقيدة، بل كانت سيرتهم مع العامة ومع الخلفاء على العكس منه تمامًا؛ فكانوا يجيّشون العوام للفتنة، وهو الذي لم يقبل أن يتأذى أحد بسببه في أثناء محنة خلق القرآن، ورفض أن يستتر خوفًا أن يُضار أحد من أهل بيته أو جيرانه إن طلبوه ولم يجدوه، والمقارنة بينه وبين شخص كالبربهاري تبدو غير لائقة، ولكنها ضرورية، فالأخير حوّل بغداد إلى ساحة حرب، وعندما طلبته الشرطة استتر، وجعل عوام الحنابلة يحرقون أسواق الشيعة لمّا همت الشرطة بالقبض على أحد أصحابه. وأما عن علاقتهم بالسُلطة، فقد تعفف الإمام أحمد عنها، ولم يقلدوه في ذلك، فولي ابن هُبيرة الوزارة للخليفة المقتفي لأمر الله ولابنه المستنجد، وولي الفراؤون القضاء، وكان آل البيت التميمي يُبتعثون برسائل الخليفة، وكان ابن الجوزي علّامة كبير مشتغل بالتدريس والتأليف حتى ألّف مئات الكتب، ولكنه كان يسعد بالتقارب مع الكبراء، وربما كان أقربهم لشخصية الإمام أحمد هو ابن عقيل، الذي خاصموه سنوات لأنه يحضر دروس أبي علي ابن الوليد المعتزلي، ولم يستطيعوا منعه من حضور دروس الغزالي بعدها بسنوات.

‏وقف هؤلاء السلفية موقف العداء من باقي أصحاب العقائد من المسلمين وكفّروهم وبدّعوهم بدعوى مخالفتهم ‏لعقيدة السلف، وحاولوا القضاء على كل المذاهب الأخرى، وما بُنيت علوم الإسلام إلا بجهود العلماء من كل تلك المذاهب التي أراد السلفية هدمها، وأطلقوا على أنفسهم عددًا من المصطلحات الأخيرة أهمها أهل السنة وأهل الحديث، ‏رغم أنهم هم الأقلية الذين جاءوا باعتقاد غريب لا يوافقهم فيه أحد من المسلمين.‏

وأدى التعصب المذهبي العقدي والفقهي لدى أتباع تلك الفرقة، مع غرابة معتقداتها وفقهها وتشددهما، إلى إثارة الفتن قديمًا مع الفرق الأخرى، خاصة مع تعارضها بشكل صارخ مع عقائد بعض الفرق تحديدًا كالشيعة. ولا زال هذا التعارض وذاك التعصب يشكلان رافدًا مستمرًا للفتن. والمشكلة الأكبر في تطرف السلفية أن تطرفهم كان ولا زال يخلق تطرفًا مضادًا.

 

د. منى زيتون

التحيز هو حصر الشخص نفسه في حيز ومكان مسوّر بسور متميز عن غيره، وهذا هو المعنى الحسي للكلمة، والاستعمال الشائع للكلمة هو استعمالا مجازيا خاصة في المسائل الفكرية والمعنوية، فالتحيز له حقيقة في اللغة ومجاز في الاستعمال.. وهناك علاقة بين التحيز وبين مسألة العدل والهوى، فالتحيز ينبغي أن يكون منه الممدوح والمذموم، فالممدوح هو ما وافق العدل، بحيث تكون قيمة العدل هي الدافع والحافز لتبني المواقف والآراء والأفكار، والعدل ما طابق الواقع، والحق هو ما طابقه الواقع من العدل.. وهناك فرق بين التحيز وبين الرأي الموضوعي على مستوى الواقع من جهة وعلى مستوى الأمل (ما ينبغي أن يكون) من جهة أخرى، والتحيز قد يتعارض أو يتوافق مع الرأي الموضوعي، فالرأي الموضوعي قد ينصب على الحكم على موضوع الكلام، أما التحيز فهو منشئ ذلك الرأي .

ولقد أشار الله تعالى في محكم كتابه الكريم إلى مرجعية العدالة كقيمة معيارية كمعالجة لموضوع التحيز، سواء في الحكم أو في القول أو في الموقف، مؤسسا لقاعدة عامة تعالج التحيزات بكافة أشكالها حيث قال جل شأنه في سورة المائدة آية ٨ :" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ".

والتحيز المعرفي هو مصطلح عام يستخدم لوصف العديد من الآثار الملاحظة في أداء العقل البشري، فالبعض منها قد يؤدي إلى تشويه الإدراك الحسي، والى اتخاذ حكم أو قرار غير دقيق، أو تفسير غير منطقي. هذه الظاهرة العقلية تم دراستها في العلوم المعرفية وعلم النفس الاجتماعي . 

وهناك من يشير إلى أن التحيز المعرفي يعتبر خطأ في التفكير والتقييم والتذكر، أو إدراك إجرائي يحدث أحيانا نتيجة قناعات وإيمانيات مترسخة، تجعل الفرد يلتزم بها بغض النظر عن أي معلومات مغايرة، والتي قد تكون أكثر عقلانية. مثال ذلك، التحيز التأكيدي، الذي هو ميل للبحث في المعلومات التي تتوافق مع قناعاتنا فقط، فالذاكرة هنا تؤدي غرض التحيز، بحيث أنها وبسهولة تؤثر في كيف وماذا تريد أن تتذكر، فالناس وبشكل جلي يتذكرون المواقف الممتعة وتلك التي تذكرهم بأنفسهم وكم هم مهمين.

إذا التحيز المعرفي هو خطأ في التفكير الذي يحدث عند الناس، نتيجة معالجة أو تفسير معلومة معينة بشكل خاطىء. بمعنى أنه غالبا ما تكون هذه الأخطاء نتيجة محاولتنا لتبسيط معالجة المعلومات على ضوء خبراتنا ومعارفنا التي تشغل حيزا عريضا في أذهاننا، والتي لا نعلم غيرها وفي الغالب أيضا لا نود معرفة ما يتصادم معها. إنها ببساطة تشكل قواعد أساسية في طريقة تفكيرنا، والتي من خلالها تجعلنا نصيغ ونُكَوّن أفكارنا وتصوراتنا عن العالم من حولنا بالطريقة التي ترسمها لنا، والتي تساعدنا في اتخاذ القرارات بسرعات متفاوتة، لكن مما يؤسف له أن هذه الأفكار والتصورات والتي تفرز وجهات نظر أو قرارات نقوم باتخاذها والتي تبدو لنا عقلانية ومنطقية إلا انها تكون غالبا غير صحيحة .

إلا أن إطلاق الحكم بكون التحيز المعرفي خطأ في التفكير، هو تحيزا أيضا باتجاه فكرة أحادية الجانب، كون هناك تحيزات معرفية إيجابية صحيحة، خاصة إذا تطابق التحيز المعرفي مع معيار العدالة، بالتالي يكون تحيزا للحق وهو بذاته صحيح وليس مذموما. وغالب التحيزات المعرفية وخاصة تلك المتعلقة بالعقيدة يكون سببها ذاتي في بنية الإنسان الدماغية التي تميل للتبسيط، وتبتعد عن التعقيد، بل تعود أيضا لميل الإنسان للكسل، وهروبه من البحث العميق في الأفكار وتمحيصها، فيكون الطريق الأسهل لعامة الناس هو التبسيط والتحيز، للتخلص من أي تعقيدات ذهنية تشعرهم بالاضطراب المعرفي، وتسلب منهم إطمئنانهم المتسالم عليه والمتوارث.

الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله (١٩٣٨ ـ ٢٠٠٨م) عندما استوقفته إشكالية التحيّز عند دراسته للظواهر الإنسانية، اختار المصطلح: "التحيّز"، بالرجوع إلى المعجم اللغوي العربي، وفيه: أن التحيّز يعني الانضمام والموافقة في الرأي وتبنّي رؤية ما، مما يعني رفض الآراء الأخرى. وقد اختار هذا المصطلح ليطلقه على مجال جديد لدراسة ظاهرة إنسانية من صميم المعطى الإنساني، ومرتبطة بإنسانية الإنسان، كما كان يرى، وهي ظاهرة 

وو ضع الدكتور المسيري قواعد أساسية تساعد على فهم التحيّز وتمييزه، وهي:

١ ـ القاعدة الأولى: التحيّز حتمي: وذلك بسبب المعطيات التالية:

أ ـ لأنه مرتبط ببنية عقل الإنسان ذاتها، فهذا العقل لا يسجّل تفاصيل الواقع كالآلة الصمّاء، فهو عقل فعّال، يدرك الواقع من خلال نموذج فيستبعد بعض التفاصيل ويبقي بعضها الآخر.

ب ـ التحيّز لصيق باللغة الإنسانية المرتبطة إلى حدّ كبير ببيئتها الحضارية، وأكثر كفاءة في التعبير عنها. فلا توجد لغة تحتوي كل المفردات الممكنة للتعبير عن الواقع بكل مكوّناته، فلا بدّ من الاختيار.

ج ـ التحيّز من صميم المعطى الإنساني، ومرتبط بإنسانية الإنسان، أي بوجوده ككائن غير طبيعي، لا يردّ إلى قوانين الطبيعة العامة ولا ينصاع لها، فكل ما هو إنساني يحوي على قدر من التفرّد والذاتية ومن ثمّ التحيّز.

٢ ـ القاعدة الثانية: التحيّز قد يكون حتمياً ولكنه ليس نهائياً:

فالتحيّز ليس بعيب أو نقيصة، بل على العكس يمكن أن يُجرّد من معانيه السلبية، ويصبح هو حتمية التفرّد والاختيار الإنساني.

واللغة الإنسانية رغم حدودها قادرة على تحقيق التواصل، وعلى مساعدتنا على تجاوز أشكال كثيرة من التحيّز، وعلى بناء نماذج معرفية هي نتاج تجربتنا الحضارية الخاصة، ولكنها بنفس الوقت تساعدنا على التعامل مع أنفسنا ومع واقعنا ومع الآخر. فمعنى أنه ليس نهائياً أي أنه ليس نهاية المطاف حيث يمكن تجاوزه، ولكن النهائي هو الإنسانية المشتركة والقيم الأخلاقية الإنسانية .

إلا أن قول المسيري أن التحيز حتميا يحتاج توضيحا وفق ما أفهمه للتحيزات الحتمية، كون الحتمي لا يمكن تجاوزه كما قال الدكتور المسيري، وقد يكون المسيري يقصد من الحتمية كونها أمر واقعي تكويني في الإنسان ضمن تركيبته البيولوجية التكوينية، وتجاوزه يأتي من خلال التعلم والتدريب المعرفي البحثي والممارسة البحثية على الطرح الموضوعي وكسب ثقافة الخروج من الصناديق المعرفية المغلقة، دون التنازل عن الثوابت التي تشكل حقائق ثابتة في الهوية المعرفية، فالباحث أو المثقف لابد له من أن يتحيز للحقيقة والحق، لكن ذلك لا يتم إلا بعد أن يستعرض ويستقرئ كل الآراء التي طرحت بخصوص الموضوع محل البحث، أي أن يقوم بعملية ضرب للآراء ببعضها البعض، ومن ثم يخرج بالرأي الأقرب للحق والحقيقة، وينحاز له ليطرحه ويدافع عنه، وهذا الانحياز المعرفي هو انحياز صحيح وصحي في ذات الوقت، إلا أنه مشروط بعدة شروط أهمها:

١- أن يعتمد الباحث والمثقف في فهمه للواقع واستقصائه للمعارف على مصادر المعرفة البشرية المعتمدة من المدرسة التي تنتمي هويته إليها، مضافا إلى ذلك اطلاعه على المدارس الأخرى في المعرفة.

٢- استقراء جل الآراء وأهمها المطروحة في الموضوع خاصة البحث، واستعراضها عرضا نقديا علميا، ومن ثم الخروج وفق منظوره برأي.

٣-المراجعة النقدية لما توصل إليه من رأي، واعتباره عرضة للنقد والتطوير والتراكم المعرفي من قبل الباحثين والمثفين الآخرين.

٤- التجرد من الأنماط والرغبات الإجتماعية معرفيا "الشعبوية"، والتجرد من ثقافة الإجماع السلبية ومبدأ المشهور المعرفي العلمي.

٥. والأهم من كل ما سبق هي معيارية العدالة المرجعية في تشخيص صلاح هذا التحيز المعرفي لأن العدل معيارا للحق، والانحياز للحق هو انحيازا إيجابيا، ولكي يحقق هذه المعيارية على المثقف أن يكون حرا في بحثه المعرفي.

وأغلب التحيزات المعرفية تعمد إلى حجب الحقيقة، ومن أهم مسببات التحيزات المعرفية هي:

١- البيئة والمحيط الاجتماعي والأسري، الذي يعمل على تنميط الأفكار والمنهجيات ومصادر المعرفة.

٢- مناهج التربية والتعليم التي تضعها الدولة، ويتربى عليها الطفل، ومناهج التدريس التي يستخدمها المعلم في تعليم التلاميذ.

٣- الانتماءات العصبوية بكافة أشكالها سواء القبلية أو المذهبية أو الطائفية.

٤- الأنماط الاجتماعية والإجماع السطحي القائم على الشعبوية بمعناها السلبي، فقوة الاجماع الشعبي تخلق تسالما سطحيا للمعارف، وبالتالي تصنع جوا معرفيا متحيزا بشكل غير منطقي وموجها للرأي العام، هذا الاجماع الشعبوي يستخدم فيه قوة خفية تفرض من خلالها هذه الإجماعات رأيها، وهذه القوة الخفية تتعلق بالشعور والرغبة الداخل نفسية بالانتماء للجماعة والخوف من الخروج والمخالفة، إلا أن المثقف عليه أن يتخلص من هذه المخاوف، وأن لا يخضع لهذه القوة الخفية التي يكتنزها الإجماع الشعبوي، وأن تكون نفسيا وشعوريا متخررا من الانتماء للجماعة ليصبح شعوره الأصيل الداخل نفسي هو الانتماء للحق والحقيقة، وفهم الواقع وملابساته لتعرية كل الوهم المرتكز في العقل الجمعي السلبي الأبعاد، وليناضل كمثقف وظيفته صناعة الوعي، يناضل لأجل استبدال هذا الوهم بالحقيقة.

٥- الثقافة والتربية الأحادية المتوارثة دون مراجعة وتمحيص، تصنع عقلا أحادي المنهج والفكرة، وتخلق تحيزات معرفية لاغية لكل ما هو خارج هذا الصندوق المعرفي المتوارث، والمورث للاطمئنان التواضعي البسيط.

٦- التحيز المعرفي الناشئ عن أخلاقية الخضوع والانهزام النفسي أمام معارف الدول الأقوى حضاريا، و الأكثر تقدما في الانتاج المادي والمعرفي، أي هو تحيز نتيجة الفارق الحضاري والانبهار، وهو تحيزا له بعد نفسي، وله بعد معرفي. وهو من أكثر التحيزات التي يقع في شباكها المثقف.

ومن أهم ما يجب أن يلتفت إليه المثقف هو الخروج من التحيزات المعرفية التي تتعارض مع مبدأ العدالة والإنصاف، لأن وظيفته صناعة وعي واقعي قائم على أسس معرفية رصينة، وأدوات ومناهج سليمة علميا، كون التحيزات تعمل كمضادات حيوية للمعرفة والوعي، وكحُجُب موجهة للمعرفة باتجاهات محددة ومغلقة ونمطية. لذلك كان لزاما على المثقف الرسالي الذي يتصدى لصناعة الوعي، وتطوير المعارف والعصرنة والمواكبة أن يعتمد علي عملية النقد المستمر للذات، والمراجعة المستنيرة للأفكار والمناهج والمحتوى الفكري، وإلى المواكبة لكل التطورات المعرفية على الساحة الثقافية، والإلمام بمستحدثات الإشكاليات والمعارف التي تواجه المجتمعات، خاصة أن العولمة حولت المجتمعات إلى قرية صغيرة، تتناقل فيها المعارف وإشكالياتها بالعدوى المعرفية. وهو ما يستدعي المثقف للخروج المستمر من الصناديق النمطية، إلى فضاءات المعرفة المختلفة، لأن الوعي في حركة تكامل وكمال مستمر، والعقل في سيرورة و صيرورة معرفية تطورية مستديمة، لا تلغي الثوابت لكنها تحصنها بتطوير المتغيرات وفق الزمان والمكان، هذا فضلا عن اتصافه بالانصاف العلمي والمعرفي في اعتماده على مصادر معرفة متعددة، فهناك مثقفون يستبعدون مصادر معرفة بشرية كونها لا تتناسب وإيديولوجيتهم وعقيدتهم، مثل المثقف الذي يستبعد النص والعقل، ويعتمد فقط على الحس والتجربة، أو ذلك الذي ينكر دور الحس والتجربة، ويستبعدهما كمصادر ويعتمد فقط على النص والعقل مع تغليب النص وتهميش العقل وهكذا. لذلك المثقف عليه أن لا ينحاز إلا للحقيقة والحق التي تتطلبان منه أن يطلع على الآراء معتمدا على كل مصادر المعرفة، التي من خلالها يعرف الإنسان ويتعلم ويفهم.

 

إيمان شمس الدين

 

عبد الرضا حمد جاسمالنموذج التاسع: [اثار تزايد حالات الانتحار بين الشباب والفتيات في محافظة ذي قار المزيد من القلق بين الأوساط الشعبية، داعين الجهات المعنية إلى التدخل لمعالجة أسباب ودوافع الانتحار والحدّ من هذه الظاهرة الآخذة بالتزايد] (المدى) انتهى.

تعليق: لم يتفضل علينا أ. د قاسم حسين صالح ببيان معنى "تزايد" وبالمقارنة مع ماذا/من؟ ولم يتفضل علينا ايضاً بتوضيح او وصف موقف او مظهر واحد من مظاهر ذلك القلق بين الأوساط الشعبية وكيف تم رصده من قبل "المدى"؟ ولم يبين لنا من هم الذين دعوا الجهات المعنية الى التدخل لمعالجة أسباب ودوافع الانتحار؟ وهذا يفرض سؤال هو: هل تم تحديد أسباب الانتحار ليتم معالجتها؟ هل هناك دولة في العالم عالجت أسباب الانتحار حتى يقتدي بها العراق؟ أ. د قاسم حسين صالح ذكر في عدة مقالات ما قال عنها اسباب الانتحار، اليكم منها التالي:

1- تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.

2- الاكتئاب واليأس والوصول الى حالة العجز.

 وأسأل هنا: هل يتفضل أ. د قاسم حسين صالح أو يجود على العراق والمجتمع العراقي والانسانية جمعاء بخطة او اقتراح عملي يؤدي الى معالجة واحد من الاسباب وله في ذلك اجر عظيم حيث سيسجل له التاريخ أنه أنقذ حياة الألاف من البشر وربما تقتدي او تأخذ بهذه الخطة او الاقتراح "وزارة منع الانتحار البريطانية" التي اقترحتها رئيسة الوزراء للحد من الانتحار الذي قيل انه يحصد (4500) شخص في العام.

عن وزارة منع الانتحار البريطانية:

http://www.bbc.com/arabic/world-45812029

https://www.elfagr.com/3290539

 هذا المقطع يثير الكثير من الأسئلة والحيرة!! منها: من هو صاحب هذا الطرح/القول/التصريح/النموذج؟ في أي تاريخ صدر؟ في أي تاريخ نشرته المدى؟ هل "المدى" مصدر يتمتع بمصداقية حتى يعتمد الدكتور قاسم حسين صالح على "عبارة مقطوعة" ورد فيها إبهام عن موضوع خطير يخص المجتمع العراقي في هذا الوضع الصعب والحساس. وهو يناقض ما استنتجته عن انخفاض حالات الانتحار بشكل كبير في ج8 فكيف يأتي هنا ليعتمد قول غير مفهوم ويناقض نتائج تلك الأرقام؟ ايهما أصح تلك الأرقام أم هذا القول؟

النموذج العاشر: [حالة من القلق والخوف تشوب الشارع الشعبي البصري بعد تزايد حالات الانتحار في المحافظة ووصولها درجات مقلقة تقترب من الظاهرة (غوغل)] انتهى.

تعليق: هذا النموذج كَسابِقِهِ غريب ويثير الأسئلة التالية: من هو "غوغل" وكيف حصل "السيد غوغل" على هذه المعلومة؟ وهل يُعْتَمَدْ "السيد غوغل" في دراسة او مقالة او حتى نقاش عابر حول المجتمع العراقي او أي دراسة أو بحث؟ عن أي تاريخ يتكلم "السيد غوغل"؟ الغريب أني بحثت في "غوغل" عن هذا النص فلم أجد له أثر الى في مقالات أ. د قاسم حسين صالح فهل هي إشارة الى اعتماد تلك المقالات كمصدر؟؟؟

الغريب في هذا "النموذج" انه لا يتوافق مع طرح أ. د قاسم حسين صالح الذي وصف فيه مشكلة الانتحار في العراق بأنها "ظاهرة" و"كارثة" حتى ان عنوان المقالة التي اناقشها كان: [ما هكذا نقدم للعالم كارثة انتحار شباب العراق] وقد كرر في مقالتيه انها "ظاهرة" فكيف تحولت هنا الى "تقترب من الظاهرة". هل الادعاء بأنها "ظاهرة" و"كارثة" ناتج عن رغبة في تضخيم الحالة؟ أم لأننا لا نعرف معنى "ظاهرة وكارثة"؟ أم هو الاسترسال في اطلاقها كأننا غير معنيين بالدقة واختيار المفاهيم او الكلمات المناسبة؟ أفهم "تقترب من كارثة" هنا انها إشارة وتأكيد على ان مشكلة الانتحار في العراق ما كانت ولم تكن يوماً "ظاهرة" وبالتالي هي ليست "كارثة".

النموذج الحادي عشر: وسام (25) سنة خريج كلية، احرق نفسه ليلة تزوجت حبيبته من رجل ميسور!، و(س) في الثامنة والثلاثين، أنهى حياته بطلقة من مسدسه في مدينة الشطرة، و(ص) في التاسعة والثلاثين القى بنفسه من فوق منارة مسجد في مدينة البطحاء!، وعشرة شباب انتحروا بشهر واحد في ذي قار! (الشرقية 31 تموز 2017)] انتهى.

تعليق: هل "الشرقية " مصدر يتمتع بالمصداقية او ان اخبارها حقائق يدعمها المنطق مبنية على دراسات جامعية عراقية؟ هل مثل هذه الحالة غريبة أم انها جديدة على المجتمع؟ كم حالة مثل هذه الحالة حصلت قبل 2003 في العراق او قُلْ كم ألف حالة مثلها و أ. د قاسم حسين صالح كان يتابع المجتمع العراقي وأجرى بحوث ودراسات ميدانية عديدة وكان في الوسط الجامعي والوسط الصحفي والوسط العلمي وبين الناس.

هذه الحوادث حصلت وتحصل وستحصل في كل المجتمعات وبأعداد مضاعفة وربما كل يوم، وربما في نفس اليوم الذي انتحر فيه "وسام" انتحر في العالم الألاف من الشباب والشابات...هذا طرح غريب والغرابة فيه انه أثار استغراب أ. د قاسم حسين صالحة واعتمده دون أساس كحقيقة موَّثقة بختم وإمضاء "الشرقية"!!!!!

هل كلف أحد من اللذين اهتموا وتابعوا مشكلة الانتحار في العراق، نفسه في البحث عن سيرة حياة هذا الشاب او حالته الاجتماعية والصحية أو غير هذه الحالة من حالات الانتحار؟ الجواب طبعاً كلا وألف كلا...لأنهم او الكثير منهم كما بدا لي استسهل ويستسهل القطع واللصق والتزويق والنشر معتمداً على ما يجود به" السيد غوغل" في ايجازه الصحفي اليومي وما يجود به "علماء النفس والمجتمع" مراسلي بعض الصحف والفضائيات. والسبب جاهز هو: عدم تعاون اهل الضحية وان الدوائر الرسمية لا تقدم معلومات ومن يقول او يطرح هذه المبررات هو من تجد في مقالاته وتصريحاته أن المصدر الفلاني قال كذا وان المنظمة الفلانية نشرت كذا ناقلاً ذلك من "الصحافة". بحثتُ في "غوغل" عن نص هذا "النموذج" ولم أصل الى نتيجة، قد يكون القصور مني فأعتذر.

وختم أ. د قاسم مقالته بالتالي: [ختاماً نعيد التوكيد ...أن الهدف من هذه المقالة هو تصحيح الفكرة التي أخذها القارئ الأجنبي والهيئات الدولية ومنظمة الصحة العالمية والمنظمات المعنية بحقوق الانسان /بأن نسب الانتحار في العراق اقل منها عالمياً وتعريفهم بأن معدلات الانتحار بين شباب العراق تضاعفت بعد 2003 وانهم مهددون بالمزيد إن لم يتم معالجة أوضاعهم الاقتصادية بالدرجة الأولى والقضاء على الفساد الذي يؤمن القضاء على الفقر (الشعبي) في بلد يمتلك كل مقومات الرفاهية لشعبه.

تعليق: قبل كل شيء انقل لكم رد "لجنة الدكاترة " على هذا المقطع حيث كان التالي:

[ثانياً، نحن نثمن جهود جميع المنظمات والأفراد الذين يحاولون توثيق الظاهرة إلا أن من المعروف أن المجلات العلمية لن تقبل بحوثاً تشير إلى أرقام غير منشورة في مجلات محكمة ثم إننا كباحثين لن نستطيع أن نشير إلى أي دليل إلا إذا وثقنا بقوته وقدرتنا على الدفاع عنه في مرحلة التحكيم قبل النشر وفِي مرحلة ما بعد النشر. إن هذه الصرامة هي من أجل ضبط النتاج العلمي وضمان دقته وعلينا أن نرسخ هذا التقليد بدراساتنا في العراق وان لا نستسهل العملية.

 ثالثاً وهو الأهم، قدم المقال نماذج من تقارير معظمها صحفية (بعضها لحالة انتحار واحدة فقط!) قال إنها: " تؤكد أن معدلات الانتحار في العراق تضاعفت بعد 2003" والغريب بحق أنه في الأمثلة كلها التي ذكرها المقال لا يوجد مثل واحد (نعم، حتى مثل واحد!) يقدم أرقاماً قبل 2003 لكي يستطيع أن يعقد المقال مقارنة مع الأعداد بعد 2003، بل إن أقدم سنة أشار إليها في الأمثلة يعود إلى عام 2012 فكيف إذن وصل المقال إلى هذا الاستنتاج؟! إذا كان مبنياً على أنه بعد 2003 كانت هناك تغطية إعلامية أكثر من قبل الصحافة، ومن منظمات حقوقية تذكر حالات الانتحار، فإن هذا لا يعدّ دليلاً علمياً لاسيما أن التسجيل لم يحصل على أساس علمي منهجي وأن في بعض الأحيان يجري المزج بين محاولات الانتحار وحالات الانتحار ثم إننا نكون قد أغفلنا عاملاً مهماً وهو أنه قبل 2003 لم تكن هناك منظمات حقوقية مستقلة أو منابر إعلامية متعددة ومستقلة وحرة في نقل كل ما تريد. على العموم والتزاماً بالدقة العلمية نحن لا نستطيع أن نقول: إنه لا يوجد هناك زيادة او نقصان بعد 2003 لسبب بسيط هو أننا لا نملك الأرقام لكي نقارن، ولهذا لم نتناولها في البحث إطلاقاً كما توهم كاتب المقال] انتهى.

هذا رد رصين يحترم جهدهم وعلمهم وواجبهم ومواقع المسؤولية التي هم عليها لذلك رفضوا كما يبدو الحكايات التي تنشرها صحافة مرتبكة وتتناقلها فضائيات وتوزعت بشكل غريب في مقالات هنا وهناك.

لا اعرف هل تمكن أ. د قاسم حسين صالح من تحقيق الهدف من هذه المقالة الذي هو تصحيح الأفكار التي "أخذها" القارئ الأجنبي والهيئات الدولية ومنظمة الصحة العالمية والمنظمات المعنية بحقوق الانسان بما قدم من نماذج ركيكة غير علمية وغير حقيقية وبعيدة عن المنطق وغير الموثقة؟ انا أستطيع الإجابة بكل ثقة وأقول بكل تأكيد لا، لأن ما ذكره من براهين ونماذج لا تأخذ بها مثل تلك المنظمات ولا يهتم بها متابع أجنبي مهتم بموضوع الانتحار في العراق.

ثم ينهي أ. د قاسم حسين صالح مقالته الاعتراضية هذه بالتالي: [ملحوظة: سنقوم بترجمة هذه المقالة الى اللغة الانكَليزية ويُدفع بها الى المجلة الأجنبية ذاتها] انتهى

تعليق: لا أعرف هل تُرجمت المقالة واُرسلت الى المجلة العلمية ذاتها؟ يسعدني سماع انها لم تُتَرجم  و أن تُلغى فكرة الترجمة نهائياً.

الى اللقاء في التالي

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

زيد الشهيدفي تفجرها المذهل والمهول؛ وفي تسارعها  الخارق للعادة  أحدثت الثورة المعلوماتية في النصف الثاني من القرن العشرين عبر صناعة شبكة الاتصالات انقلاباً في المسار الإنساني من خلال منظومة معقدة من المعلومات وترابط تشابكي من الاتصالات اختصر التضاريس واختزل الجغرافية وقلَّص الزمن المطلوب للتواصل فقرّب الإنسان من أخيه الإنسان؛ ودفع به وهو يدخل القرن الواحد والعشرين أن يضع في حسبانه تحفيز العقل وحقنهِ بالدافع المعرفي الذي لا يعرف التوقف والركون، وليس له إلا التأجج والتواصل اللحظوي الحثيث، مثلما جعل هذا التواصل يعتمد على استخدام الإشارات (signs) كنوع من أنواع الاختزال التبادلي للحوارات المطلوبة وأصبح ثمة هامش كبير لاستخدام الشفرات (codes) كمفاتيح لمداخل هذه الحوارات التي تتكينن لتغدو نظماً تعتمد البرمجة؛ إحدى تقنيات حياتنا المستقبلية التي لا مفر منها، والتي تخضع في الوقت نفسه إلى المتغيرات المتتالية الداخلة في العمليات المعقدة للحاجة الملحة من جهةٍ وللاختراع المطلوب من جهة أخرى.

إنَّ التدفق المنطقي للمعلومات الذي يحصل الآن بفعل الثورة المعلوماتية يغدو من نافلة الاندفاع الذاتي الذي يريد من خلاله النخبة العلمية اكتشاف ما لم يُكتشف، والتحرك تقدماً باتجاه إدراك مدارات المعرفة المبهمة المتوارية خلف حجب المجهول وبناء الصرح العلمي الذي يشيد كمرحلة اكتشاف علمية تقود لمراحل لاحقة تسبر غور المحيط الذي يغرق في الإبهام.. وإذا كان على العقل العلمي أن يسعى إلى اكتشاف القوانين العلمية الهائلة في الفضاء المطلق فلابد له الاحاطة بكل ما حوله بالمدى المنظور علمياً؛ أي بحدود تواجده داخل الفضاء الأرضي؛ تلك الفقاعة الهائلة التي تحيط بنا. ومن هنا كان السعي لربط الفضاء بشبكة اتصالات عنكبوتية اقتضت التعقيد وفرضت كمّاً هائلاً من المعلومات المعرفية بغية تيسير التواصل وتبادل الخبرات. وهذا ما اقتضى ضرورة خلق عملية تلاقح حضاري  تتبادل (من خلاله الأمم التي تتخذ من الأرض ميداناً لحياتها ذات الأوجه المختلفة ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وتعبوياً) علومها وخبراتها ومنجزاتها بناءً على قاعدة المحاكاة والتفاعل والاندماج لا قاعدة الجمود والانكماش والنكوص، والخروج بواقعية جديدة تقر بحتمية المسار الواحد للبشرية صوب مرافيء الاكتشافات القصية. لقد حدث قبل اشهر إجراء عملية جراحية لمريض في صالة مستشفى في الصين يديرها طبيب من عيادته  في أمريكا. حدث ذلك بفضل عملية التواصل المعرفي والاتصال الميسور الخارق للعادة والتصور بين أمتين صينية وأمريكية ! (سنقول ذلك في الوقت الحاضر على الأقل) لأن ما تنبأ به المتنبئون بناء على معطيات علمية حتمية تقيس مسار الإنسانية وتقدمها التكنولوجي هو حتمية التمازج البشري انطلاقاً من يقينيات تقرها أيدلوجيا واحدة.

هذا التبادل المعرفي بين الأمم سيكون سائراً تقتضيه الحاجة ويتطلبه قطار الإنسانية المنطلق من محطة الأمم بهوياتها المعلنة صوب العالم الجديد الذي تنعدم فيه الهويات؛ ويغدو " الخلق العلمي " هوية توحد الجموع البشرية والمعرفة لا " الإنتاج"  أساس الثروة والقوة.

وبهذا تكون البشرية قد دخلت من باب العولمة؛ زمن التحرك التواصلي.. زمن بناء مجتمع عالمي تتداخل فيه الهويات  القومية وتختلط فتنعدم هويتها الجذرية؛ وتتلاقى فيه اللغات ثم تذوب لصالح اللغة المهيمنة. لغة الاتصالات والتبادل المعرفي السائد  بعد أن تنتفي الحاجة إلى استخدام تينك اللغات حيث سيضعف تأثيرها ثم ما تلبث أن تصبح عبئاً من الصالح تجاوزه وتركه في محطات الماضي المنسي. وبهذا تتحقق الرؤية الناحية إلى أحادية النظام المرتكز على الاقتصاد الواحد في تحركه؛ إذ تنتفي الحدود بأنواعها وأشكالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتضمحل البنى المركزية للحكومات (نظم الدكتاتوريات، وهيمنة رأسمالية الدولة) لصالح المهارات الفردية ودورها الفاعل المعتمد على ما تفرزه الحركة المتسارعة للنظم التقنية التي تقود إلى انفجارات علمية تتشظى باتجاهات مختلفة؛ فيتوجه بعضها إلى العالم الخارجي في مهمات استكشافية ولمديات تتجاوز حدود المعقول، وبعض إلى التعالق اليومي في المناحي الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والإعلامية والسياسية وإدارة شؤون المنظومات الحكومية؛ والى ما يخدم الإنسان في تعامله اليومي وهو جالس في بيته باستخدام إحدى تقنيات هذه الانفجارات العلمية. فسيشير هذا الانسان من على شاشة حاسبته وعبر شبكة الانترنيت إحدى تقنيات نظم الاتصالات الهائلة التأثير إلى مصادر تقديم الخدمات والمعلومات له ليحقق  ما يريد، وسيبقى الإنسان الأرضي منشداً إلى هذه الشاشة التي ستجعله يوماً بعد يوم يقلل من اختلاطه الإنساني وينعزل ذاتياً  كما يشير  لذلك " فوكوياما "  في تنبؤاته القريبة التي لا تتجاوز الثلاثين عاماً حيث يصبح أداء الخدمات كما يرى بين المستهلك ومركز التعامل تتم من خلال شبكة الانترنيت؛ ويصبح بالمقدور الحصول فورياً على الكثير من الحاجات ذات المنتج الرقمي (Digital) مثل المجلات والكتب الالكترونية والبرمجيات والأفلام والموسيقى؛ إضافة إلى خدمات الحجز السياحية والترفيهية والأعمال المصرفية التي تجري سواء بين الزبون والمصرف أو بين المصارف المتوزعة في أصقاع الأرض.

هيكيلية الحكومة في ظل الاتصالات

في تأثيرها الجاري على عملية تنظيم الحياة اليومية تسعى الحكومة كسلطة هرمية جاهدة لتقديم خدماتها عبر مؤسساتها المتنوعة والمتفرعة. وهي بهذا الاتجاه تتوخى الاستعانة بأحدث ما يبتكر وما ينتج لتقليص سعة تواصلها مع الأفراد. وتشير الحقائق إلى أن مصدرين من مصادر الهيكلة الحكومية كانتا تستخدمان أحدث ما يحصلا عليه من تواصل بين منتسبيها والمتعاملين معها. وهذان المصدران هما وزارة الدفاع الامريكية (البنتاغون) التي استخدمت الكومبيوتر كوسيلة اتصال لجمع المعلومات الهائلة في حقل التقنية والاستخبارات التي تفيدها في توجهاته العملية وتخزينها التخزين العلمي المبرمج، والمصدر الثاني هو المصارف التي طفقت تربط أقسامها وفروعها بشبكة اتصال تسهل لها التواصل السريع وتبادل المعلومات المصرفية.

وبفعل التطور المذهل في مجال الاتصالات والحاجة الملحة لتكون وسيلة مثلى للإنجاز بحيث تنتقل المعلومات بصورة فورية تخترق المسافات تشكلت رؤية أو شعار " الحكومة الالكترونية " وهي التي تضم دوائر حكومية يتم التعامل في ما بينها تحت ظل الحكومة الالكترونية الجامعة وقيام قواعد البيانات المخزونة الكترونياً مقام  الوثائق الورقية والملفات والارشيفات وتحقيق السرعة النموذجية والهائلة للوصول إلى المعلومات والتعامل معها. وبهذا التوجه يتحقق الاختزال المذهل لوقت واستثمار الجهد والمال ويتاح للإنسان الاتصال بالمؤسسات الالكترونية التي تقدّم خدماتها على مدار الساعة وطوال اليوم دون أن تكون هناك انقطاعات زمنية وتشمل بعض هذه الخدمات حقول الاستثمار والأعمال والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية وشؤون الهجرة والتواصل الدائم في المجال التربوي والإعلامي والاقتصادي.

ولقد تحققت هذه الرؤية وتطبَّق هذا الشعار. فصارت سنغافورة - على سبيل المثال - اليوم تمثل إحدى معالم هذه الحكومات؛ هي التي لديها (1600) دائرة حكومية يمكن الاستفادة من خدماتها باستخدام شبكة الانترنيت على أحسن وجه للاستخدام. في حين يمكن اعتبار إمارة دبي انموذجاً للواقع العربي والعالمي الذي يستخدم الهاتف النقال لتمشية وتصريف الأعمال حيث بلغ معدل انتشار واستخدام الهاتف النقال 99% متجاوزاً الاستخدامات الأوربية التي تقدر بحوالي 80% -82%.

وفي ضوء تشكل الحكومة الالكترونية يقتضي الحال توفير كافة المعلومات التي يحتاجها مواطن هذه الحكومة في الشبكة الالكترونية وتموين الشبكة بصورة فورية من اجل أن تكون ثمة فاعلية كبيرة وسريعة يستطيع المواطن من خلالها إنجاز معاملاته بالسرعة القصوى دون التلكؤ وانتظار تغذية المعلومات.

ان تكاملية تشكيل الحكومة الالكترونية ستخدم الإنسان في بلده خدمة مذهلة تنهي معاناته من الوقوف في الطوابير الثقيلة والمزعجة والتي تسبب له اهدار الوقت وتبعثره. فالتعاملات في  المنظومة الحكومة الالكترونية تنهي منظر تلك الطوابير التي نشاهدها كل يوم أمام بوابات الدوائر وداخل الفناءات والدهاليز في الأبنية الحكومية. إذ سيكون بمستطاع المواطن تمشية معاملاته على اختلاف أنواعها عبر المخاطبات السريعة عبر شبكة الانترنيت وقد يحصل على إجابات فورية. إذ لدى بعض الشبكات والمؤسسات المجيب الآلي الذي يرد على الصاحب الرسالة بصورية فورية لا تتعدى الدقيقة الواحدة. وليتصور الإنسان مقدار الاختزال الزمني  الذي يحدث في الحكومات الالكترونية حيث تختزل المراجعة إلى الدائرة صاحبة العلاقة والاستفسار أو تتبع المعاملة التي تخص المواطن ومراجعاته التي قد تتطلب العودة إلى الدائرة المختصة أكثر من مرة لمعرفة   انسيابية إنجاز المعاملة في حين يستطيع الرد الآلي أن يجيبك بمجرد أن تستفهم من خلاله عن معاملتك التي قدمت أولياتها من خلال الشبكة وقامت الجهة المسؤولة في تتبعها وإنجازها ومن ثم وضعت لك الجواب الناجز للدخول عليه في أية لحظة أو يوم تشاء.

هذا على صعيد الفرد أما على صعيد الحكومات فان الدخول في مضمار تحقيق الحكومة الالكترونية سيسرع من وتيرة التقدم العلمي مواطني تلك الحكومة والمؤسسات التي تخصهم  والتواصل مع المنظومات العلمية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتربوية وتبادل الخبرات وتحقيق التفاعل الذي يؤدي في النتيجة إلى تقدم البشرية نحو مضمار تكون فيه تقديم الخدمات باليسر المذهل والذي يخلق مجتمعات تحصد السعادة بيسر وتحقيق انتشائها وجذلها بغير ما جهود مضنية.

إن تجارب البلدان في هذا الصدد قد بلغ مراحل متطورة في الوقت الذي شرعت ثلاث دول عربية هي الأردن والأمارات ومصر بمشاريع بناء الحكومة الالكترونية انطلاقاً من إدراكها بأهمية ثورة الاتصالات التي يجب استغلال ثمارها الحضارية استغلالاً ثقافيا ومعرفياً يجعلها تنطلق في الركب الحضاري بلا تردد ولا مواربة. وهذا ما يتطلبه واقع دولنا العربية الاخرى من أجل قطع المراحل وعدم  البقاء في حالة مشاهدة للذي يحصل لا غير. بل ينبغي النظر إلى نموذج الحكومة الالكترونية والإقرار على أنه نموذج حضاري علمي متسارع لا يجب إغفاله أو التغاضي عنه. ففي هذا البرنامج الهائل نستطيع بناء دولة عصرية يكون فيها المواطن في حالة من الارتياح بحيث يتجه إلى أمام من أجل تحقيق قفزات علمية تتداخل في مسعاها مع القفزات العلمية التي تحققها الحكومات الالكترونية الأخرى , وسيعلمنا التاريخ القريب انه لن يمر الوقت الطويل الذي نرى فيه الحكومات الالكترونية وقد صارت نظاماً عالمياً يضم جميع نظم الاتصالات المكرسة لخدمة الإنسان الحضاري العصري.

 

زيد الشهيد - إعلامي وأديب