حيدر جواد السهلانييرى بولان أن السياسة ظهرت عندما اضطر أفراد إلى التعايش بعدد كبير بما يكفي ليحول دون قيام علاقاتهم على أساس فردي محض، حتى تظهر شروط الحياة السياسية وعندئذٍ ننتقل من الخاص إلى العام، من الفردي إلى النظام العام إلى المجال السياسي. أذ جميع الأنشطة الاجتماعية يمكن أن تتسم بنية سياسية أو بعامل سياسي، وقد تتسم بعض هذه العلاقات من جراء طبيعتها الخاصة، وبعضها الآخر قد يتحقق لأغراض سياسية أو تبطن بغايات سياسية، ومن الممكن دوماً تسييسها تسييساً متكلفاً إلى حد كبير أو صغير. وأن النظام السياسي مفروض على المجتمع بوصفه خيراً مشتركاً للجماعة، وبوصفه شرط وجودها وبقائها السلمي، وإن احترام هذا النظام مفروض على عدد كبير من الناس خلال حقبة طويلة، الأمر الذي يفترض إمكان، بل وحتى احتمال ظهور خلافات بين أعضاء الجماعة، ومن ثم احتمال وجود اشرار يعيشون في المجتمع ويرفضون الرضوخ لهذا النظام رفضاً كلياً أو جزئياً، ومن شأن كل نظام مفروض على كائنات قادرة على الحرية في الجماعة السياسية أن يقابل عصياناً معيناً محتملاً، ولذا فلا مناص للواقع السياسي من اختيار قوة عامة قادرة على تعريف هذا النظام أمام الجميع بقواعد عامة.  وبذلك أن السياسة هي من جوهر إنساني، أي أن الجماعة الإنسانية لاتستطيع أن تنمو بدون أن تغدو سياسية، وأن العلاقات السياسية علاقات ضرورية لوجود علاقات اجتماعية، وهذا يعني أن هوبز قد أخطأ وأصاب، لقد أخطأ على عكس ارسطو حين رفض قبول أن الإنسان حيوان مدني بالطبع، وأصاب على عكس جون لوك حين أكد أن من الممتنع بقاء العلاقات الاجتماعية مستمرة إذا لم توجد علاقات سياسية. فمادام وجود أشرار، فإن جماعة البشر، لاتستطيع الاستمرار في البقاء بدون توافر قوة جمعية تكفل بقاءها، وقد برع الباحثون في وضع شروط عقد يمكن به أن يخضع كل فرد خضوعاً حراً في لحظة تأسيس الجماعة وتشكيل القوة العامة. ويعارض بولان نظرية مكيافيلي الذي قلل من سطوة الأخلاق على السياسة بواسطة نظريته الشهيرة" الغاية تبرر الوسيلة" فيرى بولان السياسة ليست مجرد تقنية للعنف، وثمة أخلاق بدون سياسة وسياسة بدون أخلاق، أذ الأخلاق تشمل السياسة والسياسة تشمل الأخلاق، والسياسة مرتبطة بالأخلاق، أذ الأخلاق بلا سياسة وهم،(وهنا نتذكر قول مالك بن نبي الذي يقول" إذا كان العلم دون ضمير خراب الروح، فإن السياسة بلا أخلاق خراب الإنسانية") ومن الوهم أن يتصور البعض أن الأخلاق والقيم التي يتمثل بها أي إنسان في ضميره وجوهره تكونها الممارسة السياسية، لأن غاية السياسة هي الحفاظ على الإنسان، والإنسان كائن أخلاقي وحتى يتحقق مفهوم السياسة الحقيقية التي مرادها تحقيق المطالب وإتمام الحريات وإرساء القواعد والنظم الديمقراطية السلمية.  وبذلك أن السياسة بالدرجة الأولى، هي قوة عامة تكفل الوجود المشترك لطائفة كبيرة من الناس بحسب قيم وقواعد مشتركة، فالسياسة ليست  سوى غزو، أو استعمال ناجع  إلى حد كبير أو صغير للقدرة العامة ابتغاء إقامة نظام مشترك أو الحفاظ عليه. والسياسة بجوهرها هي السلام والنظام السلمي، أي النظام الذي يحظى في وضع معطى ولدى جماعة معطى، بقبول كلي للحريات العاقلة، وفي هذا الإطار تكون غاية السياسة، بلا ريب غاية ذرائعية، إنها تتضمن النجاح وتطالب به، وأن نجاحها هو ابقاء على نظام مشترك مزدهر تعيش فيه كثرة من الناس، أذ مفهوم السياسة ينضوي على علاقة أساسية هي علاقة عداء وينطبق بجوهره على ثنائية صديق وعدو، وأن استمرار قوام السياسة هي أن تزيل وضع الحرب  الذي لايمكن الاستمرار على مدى الأيام، وأن تطلب السلام وأن تنجح أحياناً في أن تكون سلاماً، ولأن كانت الوسائل السياسية في الغالب وسائل حرب، وتظل كذلك دوماً بالقوة، فإن قوام السياسة بوجه الدقة، هو السعي إلى إقامة نظام مشترك بوسائل سلمية وهي وسائل حرب عاقلة، وأن تجعلها على هذا النحو وسائل نظام سلمي. وتسعى السياسة إلى النهوض بدور يوازي دور الأخلاق، إنها تسعى إلى نوال الاعتراف بأنها عاقلة معقولة. وبذلك يعرف بولان السياسة بإنها نظرية حياة مشتركة يكفلها ويحققها، استعمال القوة، ويجب عليها أن تفرض قواعد مشتركة ومعايير يطيعها  الجميع، من أجل أن تستجيب لمطلبها الأساسي في النجاح، وعليها أن ترتقي إلى نظرية مشتركة، وأن تحظى باعتراف الجميع. ويرى بولان في فكرة الحكم التقني(التكنوقراط) تستند إلى مغالطة، أذ التقنيين هم أفضل من يستطيع حل المشكلات المتصلة بتقنياتهم، وهذا بديهي، فنحن مرغمون على الاستعانة بربان للسفينة، وبمهندس لبناء جسر، إذن ينبغي الرجوع إلى تقنيي السياسة للبت في شؤون السياسة، وهذا يعني أن السياسة كالأخلاق هي ممارسة وليست بتقنية، إنها تتصل باستعمال الحرية والحريات، وهي لا ترجع إلى علم ولا إلى تقنية تكفل تطبيقها. إن العلوم السياسية لا تتيح تكوين ساسة، في حدود وجودها وفي الحدود الأضعف التي لا تقتصر فيها على وصف أوضاع سياسية وتنجح فيا بإقامة قواعد تقنية للنجوع السياسي، العلوم السياسية تقدم منفذين سياسين، بل تقدم في أحسن الفرضيات إداريين، خداماً مدنيين، إن الربان لا يحدد إلى أي مرفأ ينبغي قيادة السفينة، والمهندس لا يقل  بضرورة بناء الجسر. وليس الإداري هو الذي يستطيع أن يقرر، ولا الذي يجب عليه أن يقرر السياسة، ولأن أسهم في السلطة فإنه يسهم بوصفه مواطناً، وليس بوصفه تقنياً.

الحرية:

الحرية هي القدرة الخاصة بالفرد الإنساني على ألا يكون استمراراً مباشراً للمعطى الخارجي، وقد كانت التقاليد الفلسفية تعتبر أن الحرية توجد حيثما يستطيع إنسان، بدون أن يعيقه عائق ولا قسر خارجي، أن ينجز ويحقق بحسب طبيعته. ويرى بولان أن الإنسان بوصفه كائناً وسطاً، ليس بالحر ولا بالعاقل على نحو مباشر، وإنما يترتب عليه أن يصبح حراً وعاقلاً بإبداع نظام معقول. إن عليه أن يصنع ذاته إما صالحاً أو طالحاً، وهذه المهمة وهي مهمة تكوين الذات وترتيبها بما تنطوي عليه من حالات الإخفاق والسقوط والعودة، ولا تنتهي إلا بنهاية الحياة. وأن قيمة حياتنا تمثل في أنها شرط ممارسة حريتنا، ولما كان في وسع البشر أن يكونوا بجوهرهم قادرون على أن يكونوا سيئين وخبثاء، وأن قوى الحرية ذاتها، هي قوى عمياء متجسدة في الأهواء وترتكس على صدف اللحظة الراهنة وتهدد دوماً بالتغلب على الإبداعات الهادفة التي تنهض بها الحرية بذاتها، والحرية الإنسانية ليست حرية للحرية، بل هي حرية لأجل نظام ولكي تظل بالرغم من ذلك حرية بالفعل، بالرغم من هذا النظام الذي تقيمه وتفرضه على ذاتها، لابد من ألا يحافظ على هذا النظام ولا يبقى له معنى إلا بالحرية، إلا إذا كان نظاماً بالحرية نظام حرية.

العدالة:

أن دخول العالم عصر التحرر، أدى إلى البحث في العلاقة بين السياسة والأخلاق إلى موضوع العدالة التي تعد من لوازم الأخلاق، ويرى بولان لا عدالة إلا بالإنسان وللإنسان، ذلك أن العدالة هي أولاً إبداع إنساني شأنها شأن سائر القيم، وهي ثانياً لايمكن أن تنطبق إلا على كائنات قادرة على أن ترغب في الحفاظ على وجودها الخاص. والعدالة لا تشتمل على جميع الفضائل وتصبح بهذا الاعتبار الفضيلة الشاملة التي تتوحد فيها جملة الخير، فالعدالة تدل من جهة أولى على النظام المبدئي والنظام الفعلي الناجع، وتدل من جهة أخرى على إرادة إقامة هذا النظام بين الناس والحفاظ عليه، وتعني كلمة العدالة جملة القيم المنظمة إلى حد كبير او صغير، وتعترف بكائنات اجتماعية قادرة على الحرية، فالعدالة نظام علاقات قيمية تعاش بالفعل، وهو نظام يسعى إلى أن يكون مدركاً إدراكاً عقلياً، ومراداً بإرادة ناجعة، إنه نظام معقد، لأنه يقود إلى تشابك طوائف كثيرة من العلاقات المتداخل بعضها ببعض، وبدون أن يقوم بينها اتساق بالضرورة، إن العدالة هي جملة منتظمة من العلاقات، إنها تتألف من علاقات تقويم متبادلة تنشأ بين عدد من مبدعي القيم، انطلاقاً من لحظة التقاء هؤلاء المبدعين بعضهم ببعض وعيشهم حياة مشتركة، فالعدالة هي القاعدة التي بدونها لاتقوم حياة مشتركة ممكنة ،وهي تعترف وتميز وتحمي داخل الجماعة حريات التربية والتعبير وممارسة الوظائف وامتلاك الخيرات، وهذا يعني أن العدالة هي على الدوام قيمة إنسانية وهي قيمة سياسية. العدالة لاتنهض بين الأفراد، بل إن الجماعة تسهم في إقامتها على أنحاء شتى، لأن العدالة لا تنمو إلا ضمن وضع جمعي من العوز والقدرة، وهي مرتبطة بالسياسة، فالعدالة تابعة لطبيعة السلطة العامة وللتناسب القائم بين القدرة التي تستطيع هذه السلطة ممارستها، وبين القدرات التي ينصرف بها الأفراد أو جماعات الأفراد في الدولة، وتتألف العدالة وتنمو في جدل الفرد مع المجتمع، والفرد لا يمكن أن يكون حراً بدون المجتمع وبدون حقه، ولكنه لا يبلغ الحرية الشخصية إلا بذاته، والعدالة تضل على الدوام قيمة نسبية وتاريخية، وليس لها معنى إلا داخل التاريخ، شأنها شأن الآثار الحرة التي تريد أن تكون مقياسها، وتحتل فكرة النظام في تعريف العدالة منزلة متقدمة، مما يجعلها تختلط في بعض الأحيان بفكرة العدالة، إن العدالة هي عدالة الكيان السياسي وهي مثله من صنع الناس الذين يعيشون مجتمعين في جملة سياسية، فالنظام العادل ليس نظاماً بحسب الطبيعة، بل هو نظام بحسب صنع الإنسان، إنه أثر مصنوع يخلقه البشر.

السلطة:

إن السلطة تدل على علاقة بالآخر، علاقة اجتماعية بجوهرها وهي تربط فردين أو أكثر، والسلطة هي طراز وجود الحرية ، وطراز وجود كائنات قادرة على الحرية بعضها بالنسبة لبعض، عبر أشارات يصنعونها لنفسهم، إن السلطة هي حرية تمارس وجودها وتتوصل إلى شكل محدد خاص من أشكال الوجود، إنها تضع ذاتها وتفرض نفسها حين تتحلى بمعنى، وتحاول السلطة فرض ذاتها على أنها قدرة شرعية، وإن السلطة تطالب لنفسها بقدرة الأمر والتنظيم والترتيب ولو بالقسر عند الاقتضاء، والسلطة حق معترف بشرعيته على كل فرد وعلى كل جماعة تسهم في الأثر على النظام، وهي مبدؤه وقوامه. ومن أجل أن تكون السلطة ذات أساس، أي أن تكون مدركة ومعترفاً به ومطاعة بالفعل، لابد من أن تكون مما يمكن فهمها على جميع مستويات الفهم الإنساني معاً، وأن السلطة من حيث هي قيمة تشكل موضوع عقيدة إن لم نقل إيمان، وأن السلطة قد تجد هنا ينبوعها الأصلي وأساسها الطبيعي في طبيعة الحرية، في هذا الطبيعة الإنسانية، طبيعة أن يصنع الإنسان طبيعته بحرية. ويرى البعض أن السلطة تستمد من الله(جل جلاله) وتنتقل إلى الملوك، ولعل قول بولس الشهير وهو يعلن أن لا سلطة إلا السلطة التي تصدر عن الله، وأن السلطات الموجودة ترجع إلى النظام الإلهي، هذا النص مهد السبيل أمام النظريات القائلة بالحق الإلهي، أما شرعية السلطة فيرى بولان أنه لاتوجد شرعية بالذات، شرعية مطلقة، مادام من المتعذر وجود قيمة موضوعية مطلقة قادرة على أن تفرض ذاتها بذاتها بإجماع كلي.

 

حيدر جواد السهلاني

........................

الهوامش:

ينظر ريمون بولان: الأخلاق والسياسة، ترجمة عادل العوا، دار طلاس، دمشق.

 

بشار الزبيديبقلم: أولرش براند

ترجمة: بشار حاتم


إن العولمة الرأسمالية وما يرتبط بها من اضطرابات اقتصادية وسياسية واجتماعية وبيئية هي في الأساس استراتيجية للدول الإمبريالية ورأس المال. ولكنها تقوم أيضًا على حساب الحياة اليومية الطبيعية لكثير من الناس في العالم الشمالي. من أجل الوصول ألى مفاهيم بعض القضايا التي يجب أن تأخذها كل من الأممية المُعاصرة والتضامن العالمي في عين الاعتبار ضد تعسف العولمة الرأسمالية، اقترحت أنا وماركوس فسن مشروع كتاب "أسلوب الحياة الإمبريالي".

أصبح أسلوب الحياة الإمبريالي هذا ممكنا بفضل حقيقة أن الشركات والموظفين في عملية الإنتاج أو القطاع العام أو الأشخاص في الحياة (اليومية) يصلون إلى الموارد والعمالة الرخيصة في مكان آخر وهذا الوصول غالبًا ما يرتبط بالمُعاناة والاستغلال والإذلال والدمار الإيكولوجي. تعني عبارة"في مكان آخر" الوصول داخل مجتمعات الشمال العالمي. بالنسبة للبعض، يخلق هذا الأمر القُدرة على العمل والازدهار المادي،وأيضًا الكافح والرغبة السياسية التي تُشكل بُنية أساسية فاعلة وخدمات ذات فائدة عامة وبالنسبة لآخرين، يعني ذلك التدمير التدريجي لسُبل عيشهم وتعزيز للعلاقات التبعية.

إن عدم تناسق الأسلوب الإمبريالي للإنتاج والعيش يكمن من ناحية في حقيقة أن الكثير من الناس يستفيدون من ذلك جزئيًا - على سبيل المثال شراء مُنتجات رخيصة وفي ذات الوقت يعانون عندما يضطرون لبيع قواهم العاملة في ظل ظروف تنافسية. من ناحية أخرى، فإن أسلوب الحياة الإمبريالي يخلق قيودًا عندما يتحتم على المرء العمل والعيش في الوقت الذي تكون فيه البدائل صعبة. أو إذا كانت حالة الاستهلاك تُشير إلى شراء مُنتجات جديدة على الرغم من عدم وجود الرغبة. وهذا الفعل يشكل تعارض ثانٍ،إذا لم يُنظر إليه كعامل إكراه.

يرتبط اسلوب الحياة هذا ارتباطًا وثيقًا بالكولونيالية والرأسمالية النامية، وعلى الرغم من جميع الاختلافات، سادت رأسمالية ما بعد الحرب في مجتمعات الشمال العالمي. ومن خلال عملية العولمة خلال السنوات الثلاثين الماضية، تم تعميق الرأسمالية بشكل أكبر من خلال زيادة الوصول إلى  القوى العاملة والموارد في الأماكن الأخرى وكذلك عن طريق الرقمنة المصحوبة بالاستهلاك العالي للموارد. يزداد وصول الناس إلى الموارد بشكل ممنهج، مثل الأجهزة التكنولوجية الحديثة، ولكن أيضًا تزداد حاجتهم إلى الملابس والسيارات والطعام وأشياء أخرى، والتي تنتج على وجه الخصوص العمالة ذات الأجور المُنخفضة في الجنوب العالمي. كثير من الناس يشهدون هذه التجربة بشكل ذاتي كما لو أنها رفاهية. لكن الانقسامات النيوليبرالية في الشمال العالمي، والتوسع في قطاع الأجور المتدنية وزيادة استخدام الموارد يعمقان أيضًا أسلوب الحياة الإمبريالي.

الوعي مقابل الدخل:

لا يعني أسلوب الحياة الإمبريالي أن جميع الناس في الشمال يعيشون بنفس الوضع. تُظهر الدراسات أن حجم الأثر البيئي يعتمد على الوعي أقل من الاعتماد على الدخل. يمكن لأولئك الذين لديهم دخل أعلى استخدام المُنتجات والخدمات التي يتم إنتاجها في ظل ظروف اجتماعية وبيئية صعبة بشكل متزايد. وكما قلت: إن أسلوب الحياة الإمبريالي كما نعيشه في بلادنا هي طريقة حياة موجهة والتي لا تُدمر البيئة فحسب، بل تقوم أيضًا على عدم المساواة الاجتماعية وتُفاقمها. تعمد الطبقات المتوسطة إلى تمييز نفسها بشكل واضح عن الطبقات الدنيا من خلال إظهار أنها تستطيع شراء سيارات وتمارس الكثير من الاستهلاك بسبب دخلها المُرتفع. ونتيجة لذلك، فإن الأشخاص الذين لديهم أموال أقل هم أكثر تهميشًا ويشعرون أيضًا بالتهميش.

هذه الطريقة في الإنتاج وأسلوب الحياة تصل بوضوح إلى الحدود البيئية العالمية. حتى في الماضي كانت هناك دائمًا مناطق محددة انهارت إيكولوجيًا. ولكن الخطر البيئي اليوم له بعدًا عالميًا. بطريقة ما، ينتصر أسلوب الحياة الإمبريالي حتى " في الموت". وفي أوقات الأزمات، ينتج تناقضًا ثالثًا وهو سياسي في حد ذاته: خاصة في الشمال العالمي، فإن أسلوب الحياة هذا له تأثير ثابت في أوقات الأزمات، لأن المواد الغذائية الرخيصة نسبيًا لا تزال تُجرف إلى المُدن عبر السوق العالمية. وفي الوقتِ نفسه تتفاقم الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية في أماكن أخرى،ومعها أسباب النزاعات والهجرة.يعتمد أسلوب الحياة الإمبريالي أيضًا على حقيقة أن ظروفه وعواقبه السلبية غير مرئية أو يتم تجاهلها.

قبل بضع سنوات، أشارت الكاتبة إيليا تروجانوف في مقال في صحيفة دير شتاندرد Der Standard النمساوية إلى دراسة أُجريت بتكليف من ٢٠ حكومة بتكليف من وكالة التسجيل الألمانية للبيانات الاجتماعية والاقتصادية. توصلوا إلى الاستنتاج التالي: إذا ارتفع متوسط درجات الحرارة العالمية كما حدث مؤخرًا، فبحلول عام ٢٠٣٠ سيموت أكثر من مائة مليون إنسان بفعل العواقب المُباشرة، مثل الجفاف ونقص مياه الشرب وفشل زراعة المحاصيل والفقر والمرض. تقول تروجانوف: "١٠٠ مليون ليس رقماً صغيراً، ١٠٠ مليون تُعتبر أكثر من ضحايا الحربين العالميتين. إذا لم تدركوا هذه الحقيقة من قبل، فلا تحزنوا فقد تم حجبها عنكم. والسبب يكمن أقل في السكون الذي نواجه به دمار العالم، لأن هوليوود وغيرها من صناعات الثقافة الشعبية قد عودتنا على تغلغلها في كل مكان منذ سنوات، وبالأحرى جعلتنا نغفل بسهولة بند ثانوي من الاستنتاج (المذكور في الأعلى): ‹بأن أكثر من 90 بالمائة من الذين سيفقدون حياتهم سيكونون من سكان الدول النامية.

يمكن أيضًا فهم السياسات اليمينية المحافظة والمتطرفة في أوروبا والولايات المتحدة بشكل أفضل عبر استخدام مصطلح أسلوب الحياة الإمبريالي. ففي أوقات الانقسام الاجتماعي والتخوف، تعلن قبل كل شيء هذه السياسات عروضها السياسية للدفاع عن مصالح أولئك الذين يعيشون في المراكز الرأسمالية من خلال الهجرة والتجارة والسياسة الخارجية، فيما يتوجب على مناطق العالم الأخرى أن تحافظ على دورها كمناطق موردة للسلع الرخيصة ويتم في المقابل رفض الأشخاص الذين يبحثون عن المساعدة. ويُظهر أسلوب الحياة الإمبريالي أيضًا أنه أصبح ديناميكياً للغاية،حتى بين سكان الجنوب العالمي،من خلال ارتقاء الدول الصاعدة مثل الصين أو البرازيل. إن هذا الأسلوب يجعل توسع الرأسمالية جذابا للكثير من الناس بشكل دائم. من الأمور الحاسمة في تدوير أسلوب الحياة الإمبريالي هي الفئات الغير متكافئة عالميًا داخل المجتمعات والتي تمتد على طول الطبقات والأنواع والأجناس وأيضًا عبر أنماط الإنتاج والاستهلاك المُعممة.

إظهار البدائل:

أتواجد في الإكوادور بين الحين والآخر. هناك رأيت مدى سرعة زيادة عدد السيارات، وخاصة سيارات الدفع الرباعي، في أوقات ارتفاع أسعار النفط والزيادات المُحتملة في الأجور وزيادة دخل النقد الأجنبي للدولة. هناك يسري أيضًا أسلوب الحياة الإمبريالي بشكل مباشر.

في الوقت نفسه، تُبقي عولمة الرأسمالية العديد من الناس في ظروف معيشية كارثية. من منظور جيوسياسي، تُزيد العولمة الاقتصادية والتوسع العالمي في أسلوب الحياة الإمبريالي من الحاجة إلى الموارد الطبيعية في بلدان جنوب العالم. وتزداد المُنافسة على الأراضي، كما على سبيل المثال في أفريقيا. وبهذا تقوي الإمبريالية نفسها وهذا تناقض رابع لأسلوب الحياة الإمبريالي "التوترات البيئية الإمبريالية". في عملية عولمة صناعة المواد الغذائية، يتم تشريد الناس من أراضيهم، التي يكسبون من خلالها قوتهم، من أجل زراعة نخيل الزيت وقصب السكر أو فول الصويا للصناعات والاستهلاك العالمي في الشمال. إذا تم إذلالهم وحرمانهم من حقوقهم مقابل أكثر بقليل من دولارين في اليوم كعمال مزارع في أراضيهم السابقة، فسيتم اعتبارهم في إحصاءات البنك الدولي على أنهم "اُنتشلوا من الفقر". يُمكننا مواجهة الواقع المرير لحياة الكثير من الناس عن طريق المُدافعين عن العولمة الذين يريدوننا أن نصدق بالإحصاءات التي تشير إلى انخفاض مستوى الفقر المادي في العالم.

يجب أن يدفعنا تحليل الديناميات الحالية إلى البحث عن التناقضات والمقاومات والبدائل لأسلوب الحياة الإمبريالي وتقويتها. أوضحنا أنا وماركوس فسن (شريكي في تأليف الكتاب)  في العديد من المُناقشات المُثيرة في ورش العمل وأثناء العروض التقديمية لكتابنا أن مصطلح أسلوب الحياة الإمبريالي يخص الكثير من مُعاناة الناس. يُشارك الشباب في كتابة ورش عمل حول موضوع أسلوب الحياة الإمبريالي من أجل فهم العالم وتغييره مع الآخرين بشكل أفضل. عن طريق رفض الميول السياسية الاستبدادية وزيادة الاستقطاب الاجتماعي وإثراء النخب. إن تطوير التضامن العالمي بسرعة يعني فهم الرأسمالية المعولمة وتغييرها من كونها علاقة سلطوية متعددة الجوانب. يبدو هذا صعبًا اليوم حيث أن الخطاب السائد حول العولمة هو إبقاء أعلام القدرة التنافسية الاقتصادية والمنافسة على المواقع الجغرافية مرفوعة عاليًا. والعهد هو "إذا تكاتفنا في مواقعنا، فسنعيش بشكل أفضل" وليس بعيدًا عن "أمريكا أولاً!".

كيف يُمكن أن تبدو بدائل الأسلوب الإمبريالي للإنتاج والحياة؟ ثمة مجموعة واسعة من المعارضات والاقتراحات، مثل كيفية الدفاع عن الحقوق الاجتماعية دون القيام بذلك على حساب الآخرين، وإنما من خلال التشكيك في القوى العظمى وعلاقات السلطات المرتبطة بها. مؤسسة روزا لوكسمبورغ وشركاؤها العالميون جزء من هذا البحث العملي عن البدائل. وقبل كل شيء  ثمة حاجة إلى إجراء تحول جذري للغاية في نموذج التنمية الشمالي المُهيمن. في "صيف الهجرة" عام 2015، أظهر العديد من الأشخاص أنهم على استعداد لمغادرة مناطق الرفاهية الخاصة بهم. إن تحويل النظام الغذائي إلى زراعة بيئية يعني اتباع نظام غذائي مختلف ونظام إنتاج غير صناعي عالمي مختلف.

إن هذا الأمر يتعلق أيضًا بإظهار أن مثل هذه التطورات لا يُمكن أن تتم بدون صراعات ونضالات. أحدى أهم التجارب الحالية الهامة هي نضال حركة " لقد طفح الكيل" للتخلص التدريجي من استخراج الفحم البني وتحويله إلى مصدر طاقة في ألمانيا. هذا النضال يجب أن يسير جنبًا إلى جنب من أجل التخلص من واردات الفحم من كولومبيا وفي أي مكان آخر يؤدي فيه استخراج الفحم إلى كوارث اجتماعية وبيئية. وهناك العديد من هذه الأمثلة.

أخيراً: ليس هناك تضامن عالمي مع «الجنوب». كما أن هناك حاجة لانتقاد أسلوب الحياة الإمبريالي للطبقات العليا والمتوسطة في بلدان الجنوب العالمي. لأن هذا النهج يُثبت جسور التسلط ويخلق التوافقات وكل ذلك يجري أيضًا على حساب الفقراء والطبيعة. أن النقد الذي لا يتم تقديمه مع بديل بيئي مُثمر مُلائم وبكبرياء من قبل أشخاص ومنظمات لهدف تحرري، لا يجب ان يقف عند هذا الحد.

 

.............................

نبذة عن الكاتب:

أولريش براند: أستاذ جامعي ألماني في السياسة الدولية يعمل في جامعة فيينا، وعضو في مؤسسة روزا لوكسمبورغ الألمانية. وهو يعمل منذ سنوات على نقد قضايا العولمة الرأسمالية والسياسات البيئية. قام بتأليف كتاب (أسلوب الحياة الإمبريالي) والذي يتحدث عن استغلال الإنسان والطبيعة في الرأسمالية العالمية بالتعاون مع الباحث الألماني ماركوس فسن. في تموز 2020 سيظهر له كتاب جديد يتطرق فيه عن أزمة أسلوب الحياة الإمبريالي وعن بدائل العولمة الاستعمارية.

 

منتهى البدرانفي ظل دخول تقنية التواصل الألكتروني التي يطلق عليها ب Social media انفتحت المجتمعات المغلقة (العربية) تحديدا على ثقافات أخرى وحضارات متنوعة في عمومها كانت صادمة للأفراد في المجتمع الشرقي مما شق الكفن عن جثامين علاقات أسرية بنيت على الزيف، أو كشفت اللثام عن أمراض وعقد نفسية كانت مخفية، إذ أذكتْ هذه الوسائل العلاقات الألكترونية العاطفية بين كثير من الرجال والنساء في الخفاء. وهذا أمر طبعي وردة فعل متوقعة للكبت الذي بنيت به تلك المجتمعات حيث لا حرية متاحة للمرأة بقدر ما هي للرجل بل أن حرية هذا الأخير مقيدة بقيود دينية تارة وقبلية تارة أخرى ولكن الكفة راجحة للذكر أكثر منها للأنثى كما هو متعارف في البيئة العربية.

ارتفعت نسب الطلاق في السنوات الأخيرة في المجتمعات العربية وكان لتهمة (الخيانة الزوجية) نصيب كبير منها، ولكن أيّ خيانة نعني؟ هل خيانة الزوج لزوجته أدى إلى أنها تطالب بالطلاق؟ أو العكس؟ وإن كانت الزوجة هي المبادرة في قضية الطلاق لمجرد كشفها خيانة زوجها لها – وهذا في حالات قليلة - هل لتقترن بزوج آخر أفضل من هذا الخائن أو مجرد استرداد لكرامتها المهدورة؟.

قبل البدء ببيان بعض ملابسات هذه الظاهرة المجتمعية بما يسمح به المقام فلنتعرف على معنى الخيانة لغة واصطلاحا ومن ثم نتطرق لفهم المجتمع لها .

الخيانة لغة كما وردت في المعجمات العربية "خان الشيء خونا وخيانة ومخانة : نقصه، يقال خان الحق، وخان العهد وفيه، والأمانة : لم يؤدّها أو بعضها.. وفلانا غدر به، وخانته عينه: نظر نظرة مريبة أو مُختَلَسة فهو خائن" .

عرّف الكفوي في كليّاته في باب الخاء مصطلح الخيانة على أنها " تقال اعتبارا بالعهد والأمانة"، ولقد حصر الكفوي المصطلح في مفهومي العهد والأمانة . ولو رجعنا إلى هذين المفهومين سنجد أن الأمانة عند أبي البقاء تطلق على "كل ما يؤتمن عليه كأموال وحرم وأسرار"، أما العهد فهو كل " ما من شأنه أن يراعى ويُتَعهد كالقول والقرار واليمين والوصية والضمان والحفظ والزمان والأمر... والإلزام " والفرق بينه وبين العقد أن الثاني "إلزام على سبيل الإحكام" . والأمانة عند ابن فارس " التي هي ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب ... يقال أمنت الرجل أمنا وأمَنَةً وأمانا، ... والعرب تقول: رجل أمَّان: إذا كان أمينا" وقال اللحياني وغيره: "رجل أُمَنَة إذا كان يأمنه الناس ولا يخافون غائلته". فلو تناولنا الخيانة الزوجية مما تقدم سنفهم أن هذه التعريفات تدل على أن الخيانة لا تنحصر في التماس الجسدي أو الزنى فحسب، وثانيا نفهم أنها لا تقتصر على جنس دون آخر فهي تخص الرجل والمرأة فقد قال تعالى: (إن الله لا يحب الخائنين ) [الأنفال : 58 ] فهو لم يقل إن الله لا يحب الخائنات وإنما جمع الجنسين في (الخائنين). والشيء اللافت هو أن الأمانة أنيطت بالرجل كما يشير إليه ابن فارس في مقاييسه، أوَليس المرأة حينما يسلمها أهلها بيد الزوج يوصونه أنها أمانة فليصنها؟ وهذا متعارف عليه عرفيا !.

ولكننا لو تفحصنا كتب الفقه الإسلامي فإننا سنجد أكثر من 99% منها تحث الزوجة على عدم الخيانة وعلى الوفاء للزوج، ولكن ماذا عن الزوج ؟ .

كما قيل بالمثال يضَحُ المقال فلنتطرق إلى مثال واحد من البحوث الدينية المعاصرة حيث ورد في كتاب (بحوث في الفقه المعاصر الجزء السادس للشيخ حسن الجواهري) : " ويجب عليها (الزوجة) العفّة وعدم خيانة الزوج في نفسها وماله، فتحافظ على زوجها وماله، كما يحافظ عليها كذلك ." هذه النبرة تجدها في مئات المؤلفات الفقهية حيث وصية المرأة وتذكيرها المتكرر بواجبها، ولا نلمح إلا نزرا يسيرا من حث الرجل على الوفاء، نلاحظ في النص التفصيل في واجب الزوجة و اختصار وإجمال في واجب الرجل وهذا النص لو حلل بلاغيا سينتج دلالات كثيرة تدور في المضمار عينه .

أراد الشيخ حسن أن يضفي على بحوثه مسحة حداثوية تواكب روح العصر ولكنه في رأيي أخفق؛ لأنه ظل يدور في حلقة عَقَدية مفرغة ونظرة دونية للآخر، نظرة المسلم لغيره من الديانات الأخرى وكذلك لم يتمكن من التحرر من ذكوريته في بيئة عربية قَبَلية وسقط في فخ النقد اللاموضوعي للمجتمعات المتمردة على عادات مجتمعه وهذا ما يؤيد كلام محمد أركون "أن الحضارة العربية ما زالت تعيش على فكر الفقه، ولم تسهم في بناء فقه الفكر اعتقادا من وعي هذه الحضارة أنها مركز الكون الإنساني"، حيث ذكر الشيخ حسن في مورد آخر من الكتاب " إنّ وضع المرأة الإنساني والحقوقي في الدول غير الإسلامية كان وضعاً شاذاً وظالماً لعدّة دهور من الناحية الاجتماعية والميدانية ومن الناحية القانونية أيضاً، ولكن عند ظهور النهضة الأُوروبية حصلت مراجعة نقدية شاملة لذلك الوضع الشاذّ وغير العادل، فتغيّرت المواقف الفكرية والأخلاقية في شأن المرأة، ومن جملتها وضع المرأة في الأُسرة والمجتمع. وتفعّلت هذه المواقف بسبب تحوّل المجتمع من الحياة الزراعية إلى الحياة الصناعية، فتسبّب في الهجرة الواسعة من الأرياف إلى المدن، فدخلت المرأة سوق العمل، فتولّدت شعارات تنادي بتحرير المرأة وحقوقها، وانتشرت بصورة واسعة نتيجة غلبة المجال العسكري للدول الأُوروبية على غيرها .وكان من الواجب العمل على إلغاء كلّ ما يرتبط بنقص المرأة عن الرجل ودونيتها في الإنسانية والكرامة، وإعطاء حقوقها في تقرير مصيرها وتصرّفاتها وأعمالها، مع الاحتفاظ بدورها في الأُسرة، والمحافظة على عفّتها وطهارتها . إلاّ أن الأمر اتجه لتحريرها من دور الأُسرة وسلب العفّة عنها، فانتقدوا عملها في البيت كزوجة وأمّ، واعتبروا أنّ مسؤوليتها في الأُسرة هو مظهر عبوديتها، ونادوا بضرورة رفع القيود الأخلاقية والقانونية التي تحكم وتنظّم علاقات الرجال والنساء . وساعدهم على ذلك نموّ الصناعة الذي جذب المزيد من اليد العاملة الرخيصة، فاجتذبت النساء إلى المعامل، وعزلت المرأة عن بيتها وأُسرتها، فلا وقت عندها لتوفير الحدّ الأدنى من السكن للزوج وللأولاد ولها أيضاً، مع اختلاط بلا حدّ بالرجال الأجانب، مع دعوة إلى تحرير الجسد من القيود الأخلاقية والدينية في المجال الجنسي .فأدّت هذه الحركات التحريرية في الغرب إلى خلط الغث بالسمين والفاسد بالصالح، فجعلت المرأة دمية للرجل يستغلها في المعمل ويستمتع بها جنسيّاً باسم التحرّر وإن حصلت على بعض حقوقها في الحياة المعاصرة من عمل وعلم ومشاركة، إلاّ أنّها فقدت قيمتها وشرفها وطهارتها وأُسرتها وسكنها، فهي زوجة ولكن لا تهتم بأُمور الأُسرة والأولاد، ولا تهتم بالسكن الذي جعله الله لها نتيجة الحياة الزوجية . كما أجازوا لها أن ترافق خليلاً معها تنجب منه الأطفال من غير زواج شرعي، وما إلى ذلك من أُمور باسم التحرّر .وعلى هذا فيمكن لنا أن نقول : لقد حوّلوا المرأة من ظلم كانت تعاني منه إلى ظلم آخر أشدّ من الأول باسم تحريرها وإعطاء حقوقها " .إذا كانت البحوث المعاصرة للمؤسسة الدينية على هذه الشاكلة فكيف بالعقل القَبَلي الذي عزّز طاووسية الذكر في المجتمع ؟ البتة لا أريد التطرق إلى قضايا أخرى تصب في ترسيخ عصر الجواري فالحديث هنا بصدد مفهوم الخيانة بين النظرية والتطبيق. وتعقيب بسيط على كلام الشيخ الجواهري أقول : كان حريا بباحثينا أن ينشغلوا في بحث الظواهر المهمة في مجتمعاتهم بدلا من الانشغال بنقد لا موضوعي لمجتمعات استقرارها الإجتماعي لم تزلزله عاصفة التقنية الحديثة كما حصل في واقعنا الاجتماعي المزري مما أدى إلى كشف عورات فكرية وأخلاقية هزيلة لم يردعها الدين بكل ترهيبه ووعيده على مرور الأعصار.

لا يخفى على الجميع حين تُمْسَك الزوجة متلبسة بالجرم العظيم وهي ترسل رسائل ألكترونية مع رجل آخر قد تحمل غراميات ما فستلاقي عقابا تتمنى لو أنها زهقت روحها وغيّبت عشرين مترا تحت الأرض أهون عليها من العار الذي سيلحقها وستكون تهتمها وتهمة الزانية التي شهد عليها شهود عيان واحدة، ناهيك عن مراسم بعض القبائل من جلسات المطالبة باسترداد الشرف المهدور من جرح كرامة الزوج وأخذ الأطفال من الأم وتشويه صورتها في عيونهم وبعد ذلك يتم الطلاق إن لم يتم تصفية الجانية جسديا. هذه حقائق نابعة من عمق الواقع الحياتي وأعيشه بكل تفاصيله وليست فانتازيا وسجلات المحاكم حبلى بمثل تلك القضايا في عالمنا العربي . ولكن هل جلس أحد مع تلك الزوجة واستفهم منها الأسباب التي جعلتها تلجأ إلى هذه الوسيلة التي عرّضت حياتها الإجتماعية للخطر؟ هل هناك من اعترف بقصوره في سد حاجات تلك الزوجة في شتى المجالات الحسية والمعنوية والتمس لها العذر فسامحها ؟ هل قامت عشيرة الزوجة او الزوج بعرض هذه الضحية على طبيب نفسي لمعرفة الأسباب ومن ثم تقديم الحلول؟ الجواب في كل ذلك كلا .

فلنأتِ إلى الزوج فهو مباح له شرعا الزواج المؤقت من عشرات النسوة غير زوجته وهنا على الزوجة أن تخرس لأنه (شرع الله) كما ساقوه لسحق هذا الكائن وكيانه، ومباح له الزواج الدائم من ثلاثة غير زوجته الأولى التي عليها أن تخرس أيضا ولا يحق لها أن تعترض على نسف مشاعرها أو التفوّه بحق من حقوقها المعنوية . علاوة على ما تقدم لو أمسكته الزوجة بعلاقة غرامية مع أخرى وحديث وصور ولقاءات فليس عليها أن تسمي ذلك خيانة، إن اعترضت فإن الجميع وهو أولهم سيجيبها (أنا رجل) والرجل لا يعيبه شيء.

يا ترى هل خلق الله الرجل مختلفا في المشاعر عن المرأة ؟

ذكر رئيس مختبر تطور الجهاز العصبي الروسي سيرغي سافيلييف في أحد مؤلفاته : "مجموعة كبيرة من الاختصاصيين في الفسيولوجيا العصبية من اسرائيل وألمانيا وسويسرا وأميركا درست بوساطة التصوير بالرنين المغناطيسي الهيكلي أدمغة (1400) رجل وامرأة وبناء على معطيات هذه الدراسة استنتج هؤلاء العلماء أن لا وجود لأي خصائص تميز الجملة العصبية المركزية عند الرجل عن مثيلتها عند المرأة وأن دماغ الفرد أيا كان هو فسيفساء من صفات مميِّزة للرجل وللمرأة".

هذه النتائج تنفي التصورات النمطية بأن الله خلق الرجل بقدرات تفوق المرأة، وهذا ينفي إباحة اللعب للرجل بمشاعر المرأة سواء أكانت زوجته أو غيرها، بمعنى أن المرأة كالرجل خلق الله فيها الوجدان والعاطفة وغرائز نفسية تحتاج إلى إشباعها وهي كنظيرها تبحث عن السعادة عبر الاهتمام والحب، فلمَ نعذر الرجل الذي يخون ونحكم على المرأة بالموت إن حاولت؟ .

النقطة الجوهرية في هذا المقال أن سلوك الرجل في الحكم على هذه المسألة يكاد يكون واحدا مهما ادعى الثقافة والوعي والتحرر، وبغض النظر إن كان اسلامويا أو علمانيا أو حتى ملحدا يكفي أن يكون عربيا لو أنك طلبت رأيه في خيانة الرجل أو المرأة فإنه سيعذر الرجل وسيطلب من الزوجة أن تسامح زوجها مهما نفرت مشاعرها منه وتلتمس له الأعذار وأن تصبر عليه لأنه رجل، ولكن لو كان الخائن هو المرأة أيا كانت أخته أو زوجته أو ابنته سترى منه وجها آخر . يقول محمد أركون "إننا ندعي أننا نطبق حدود الشرع في حين يكشف التحليل أن الأمر يتعلق بروابط خارجية تتصل بالهوية، وبشكل من أشكال التضامن الإجتماعي ".، وعليه فإن التبشير بالتعنصر للذكر هو محض جهل يفضي بالبيئة العربية إلى الابتعاد عن المنطق والعقلانية.

نافلة القول: أن الخيانة الزوجية المتمثلة بالخيانة العاطفية بشتى أنواعها (بصرية، سمعية، قولية، كتابية)، أو جسدية خارج إطار الزواج هي ذلك السلوك الذي يسحق شخصية الشريك وينسف كيانه كإنسان ويجرح كرامته ويهدر الثقة بينهما التي هي كالماء إن أهدر يصعب جمعه، مهما كانت وسيلة تلك الخيانة، صدرت من الرجل أو من المرأة على المتضرر أن يعاقِب ويحاسب الآخر بطريقة إنسانية يكتنفها الستر وتبتعد عن التشهير والتحقير مما ينسف سمعته في المجتمع فهو بذلك يبتعد عن زيف المحافظة على بيوت ظاهرها جميل لكنها من الداخل عروش خاوية تخلو من الحب وتفتقر إلى الألفة والمودة . البتة يتم ذلك بعد معرفة الأسباب التي ألجأت المرء إلى مثل هذا السلوك وإن أمكن معالجتها، وللشريك الخيار في أن يسامح أو ينسحب. أما أن يُطلب من المرأة دون الرجل مسامحة زوجها لأنه رجل في الوقت نفسه تقوم قيامة العشيرة لخيانة الزوجة لمجرد رسائل بثتها برعونة فهذا سلوك منافٍ للإنسانية وللأخلاق ولا يليق إلا بوحوش الغاب الضارية .

 

منتهى البدران - العراق

 

 

مهدي البنايمحدقاً بالصحفية التي سألته عن الحدود القصوى لبرنامج المساعدات الحكومية، لم يَرٍّف جَفن اولاف شولتز وزير المالية الالماني قائلاً (لا يوجد حد أقصى، تلك هي الرسالة الاكثر أهمية)، وأضاف واصفاً حزمة المساعدات البالغة 550 مليار يورو  بـ (مدفع البازوكا) مشيراً لطابعها الاستثنائي.. وتابع شولتز (سنلقم أسلحتنا من جديد اذا لزم الامر)!!

أقدمت المانيا على الدفع بهذه الحزمة بعد ان ضخ البنك الفدرالي الامريكي بـألفي مليار دولار في شرايين الاقتصاد الامريكي، وكندا بـ 82 مليار دولار كدفعة اولى للشركات والاسر، ودول اخرى قريبة من اطلاق حزم مماثلة، بالاضافة لتخفيض الفوائد، والمباشرة ببرامج التيسير الكمي  Quantitative easing... الخ من برامج (الانعاش)، ويتوقع للبنك الدولي وصندوق النقد أن يصدرا حزماً للانعاش غير مسبووقة تأريخياً.

حالة الانكماش Recession التي بدأت مؤشراته واضحة منذ نوفمبر الماضي، والمتوقع ان تكون مقدمة لحالة كساد Depression  ممتد، والذي تسببت به الطبيعة هذه المرة وليست صنيعة الرأسمالية غير المستقرة كما في المرات السابقة، ليست حالة دورية معتادة ضمن الدورة الاقتصادية الطبيعية، إنما قد تشكل حالة (أزمة) اقتصادية.

فمثلما حدث في الازمات الماضية، ومنذ الكساد العظيم Great Depression سيتم تنحية نظريات السوق الحرة والنيولبيرالية والمركنتيلية جانباً .. ويهرع الجميع لاتباع كينز ليدخلوا غرف الانعاش الاقتصادي لتقديم المساعدة.

فكرة التقشف في حالة الانكماش فكرة عبثية، كُذبت عدة مرات في التأريخ، وأُستعيض عنها بنقيضها تماماً، ففي كل مرة يظهر كينز منقذاً داعياً لتدخل الحكومات لاعادة وضع عربة الاقتصاد على سكة الحياة،  منذ تبني إدارة الرئيس فرانكلين روزفلت سياسة New Deal  الاتفاق الجديد او العهد الجديد القائمة على اساس الدخول في مشاريع كبرى بهدف تشغيل أكبر عدد من العمال، وبالتالي ضخ Pumping  ملايين الدولارات في شرايين القطاعات الاقتصادية المختلفة، وضمنت ودائع الشركات، ومنحت الائتمانات المصرفية بشكل واسع، مع سياسة تضخمية معتدلة، مستهدفةً رفع الاسعار بالتدريج لتقليل خسائر المنتجين والمزارعين.

لسنا واهمين لننتظر مثل هذا التدخل او الدعم الحكومي في العراق .. لسببين أساسيين: الاول إن إرتباطنا بالاقتصاد العالمي ارتباط واهٍ، وذو اتجاه احادي، نحن مرتبطين بحبل النفط السّري المغذي لحياتنا وديمومتها، فالنفط يشكل ما نسبته 92% من الإيرادات، وما نسبته 63.7% من الناتج المحلي الإجمالي بشكل عام، ويشكل 91.85% من القطاعات الإنتاجية بشكل خاص في عام 2018.  وتأثُرنا الاساس بما يحدث في اقتصاد العالم هو عبر سعر برميل النفط فقط، ولان سوق الطاقة أهم وأول المتأثرين بتراجع الطلب العالمي.. بات واضحاً أن عوائد الريع ستتأثر، وينعكس ذلك سلباً على موازنة المشغل الاكبر، وبالتالي على قدرته على التحفيز.

الثاني، دعم السوق (القطاع الخاص) بوضعه الضعيف الحالي اصلاً، وضيق قاعدته التشغيلية مقارنةً بالحكومة (ذات الخمسة ملايين موظف)، التي تمتلك 80% من الاراضي بالاضافة الى النسبة الاكبر من المشاريع الصناعية المتوقفة، وما نسبته 90% من الموجودات المصرفية، يبدو دعماً عبثيا بدون برنامج لخلق القطاع الخاص القادر أولاً !!

مؤشر الحرية الاقتصادية يشير الى ان العراق يحتل المرتبة 168 من 180 دولة !! ومؤشر مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الاجمالي لا يتعدى 25%، ومؤشر مساهمته في الصادرات السلعية أقل من 1%، بسوق للاوراق المالية لا تتعدى قيمة الاسهم المدرجة فيه 9.5 مليار دولار (بما فيها أسهم البنوك والاتصالات وشركات الاستثمار والتأمين ....الخ)، وقطاع مصرفي خاص لا زال ضعيفاً ومحدود القدرة على منح الائتمان وتقديم الخدمات المصرفية.

من هذا يتبين ان الحكومة مازالت هي المستثمر والمشغل و(المنتج) الاكبر، وهي المتأثر والمأزوم الاكبر في نفس الوقت.

فالتحفيز بماذا؟  ولمن؟

منذ 2003 اضاعت الحكومة فرصاً لا تحصى لخلق وتنمية القطاع الخاص، ببرامج واعية تعتمد نموذج تنمية اقتصادي يستهدف التخلص من النموذج الريعي . ووقفت عاجزة، فلا هي اعادت الروح لمنشآتها الصناعية الكبيرة وطورتها، ولا هي اقدمت على الدفع بالقطاع الخاص للعب دوره، وبقيت معولةً على (وهم) الاستثمار الخارجي، التي فشلت في خلق البيئة الجاذبة له، ببيروقراطيتها المتحجرة وفساد مؤسساتها، وقلقها السياسي والأمني المزمن . ربما تناثرت هنا وهناك برامج صغيرة غير متكاملة كان أساسها منح القروض والسلف (وهي الطريقة البدائية للدعم)، ويبدو إن اقتصاديينا لا يجدون الا التوزيع ذا الاهداف السياسية لكسب الولاءات واخماد الفورات الاجتماعية متى ما حصلت.

ما نتوقعه هو انخفاض في النشاط الاقتصادي مصاحب لهبوط في كلٍ من التوظيف والدخول، وبالتالي انخفاضاً في الطلب الكلي على السلع والخدمات، وانخفاض معدل التضخم الناتج عن انخفاض السيولة في أيدي الناس.. ما سنواجهه هو (اضطرار) المستثمر الاكبر الى (التقشف) Austerity، بسبب انخفاض الايراد الرئيسي بنسبة مضطردة مع الانخفاض في سعر النفط ..(لحد كتابة المقال بحدود 60%).

القسم الاكبر من التقشف (كالعادة) سيطال الموازنة الاستثمارية ! سيتم تأجيل المشاريع الجديدة، وسيطال التوقف المشاريع القائمة، ثم سيتم تخفيض المصاريف التشغيلية (السلعية والخدمية) كمقدمة لتخفيض نفقات الرواتب والتعويضات والاكتفاء بالأساسي منها ! واذا استمر التدني في اسعار النفط لمدة اطول سنصل الى المستوى (الحدي) الذي لا يمكن التقشف بعده... ومن ثم سيكون الطريق ممهداً نحو القروض والاستدانة ...!

هذه دورة ذات علاقة طردية مع اسعار النفط نعيشها منذ نصف قرن!

لم ننشئ قطاعاً خاصاً يمكن أن يلعب دوراً أساسياً في الحركة الاقتصادية لننقذه او ندعمه، وبالتالي فان الحكومة ستدعم نفسها على حساب حاجات ورفاهية موظفيها ومواطنيها.. وستفاقم حالة الركود ... حتى انتعاش اسعار النفط مرة اخرى.. وستمضي أعوام اخرى لا تعلمنا شيئ!

يمكن لسياسة الدعم النقدية أن يكون لها بعض الاثر، من قبيل خفض سعر الفائدة وضخ السيولة (ان وجدت)، واسقاط ديون الشركات او تأجيلها ....الخ، ولكن المشكلة في الطلب الكلي الذي يحتاج الى سياسة مالية توسعية قائمة على اساس خلق قطاع اقتصادي انتاجي خاص يسهم في تكوين العمالة ويخفف عبء التوظيف عن كاهل الحكومة ... وليس كما هو الحاصل منذ 2003 بالانفاق المؤدي الى خلق الطلب على السلع المستوردة، اي تنمية صناعات دول الجوار وغيرها!!

أجد ان تجربة السبعة عشر عاما الماضية تستدعي المباشرة بنموذج (الدفعة القوية) للتنمية، لكنها تستلزم إرادة قوية، وإدارة أقوى، وتكامل مفاصلها، ووضوح أهدافها . مباشرة الدولة في الاستثمار في مشاريع كبيرة ومكثفة، بدءاً بالقطاعات العقارية والصناعات التحويلة، يمكن أن تشكل برنامج التحفيز المطلوب، فلا مندوحة من استمرار انتظار المستثمر الاجنبي، كما ان عرض رأس المال (عن طريق القروض) وحده لا يستنهض المستثمر المحلي، فالمشاريع العقارية والصناعية الضخمة التي لا يقوى القطاع الخاص عليها حاليا، ستكون خالقة للطلب، الذي يحفز المستثمر المحلي والاجنبي للنهوض بمهمة تلبيته، ضمن الدورة الاقتصادية الناشطة المستهدفة.

 

كتب: د. مهدي البناي

 

بليغ حمدي اسماعيلتَحَدِّيَاتٌ مُشْتَرَكَةٌ ونَهَايَاتٌ صَادِمَةٌ

يخطئ من يظن أن الفكر الإسلامي ـ وليس الإسلام ـ لا يعاني من أزمة معرفية ويصارع معركة تفصله عن الوشائج والعلائق بتراثه المعرفي الأصيل سواء المتصل بحوادث بعينها وهي ما اتفق على توصيفه بفقه الحالة، أو التراث المعرفي الذي يحسب كونه أنموذجاً فريداً في وقته . وفي ظل معركة الفكر الإسلامي الراهن تبدو ملامح أخرى لا يمكن إقصاؤها عن تفاصيل هذا الفكر الذي أصبح مستمرئ حالة الاستقرار رهن التصنيف والتبويب والتلميح والتصريح والاستيفاء ومن ثم استلاب القارئ بعيداً عن واقعه واستقطابه صوب التنظير .

وأبرز تلك الملامح التي تعتري معركة الفكر الإسلامي وليس خطابه هو فرض حالة الإقامة الجبرية على الاجتهاد الصائب والمحمود والذي يستهدف صالح الإسلام والمسلمين، هذه الإقامة التي تجاوزت حدود الاستخدام اللغوي التداولي لتصل بغير اكتراث إلى إصدار فتاوى غير محفزة أو بالأحرى فتاوى من شأنها إحداث فتنة طائفية أو حرب أهلية بين أطياف سياسية قد لا تعي من أمر  رشدها شيئاً . واستحالت فتاوى التحريض مرطبات للفكر الإسلامي المعاصر في وقت أصبحت عبارات تجديد الفكر الإسلامي وتطوير الخطاب الديني من الشعارات الباهتة والمكرورة لأنها لا تتصل بواقع مشهود وحقيقة مجتمعية تفيد بفقر الثقافة وضعف القوة المعرفية لدى مجتمعات عربية كثيرة . رغم أن هذه الحالة تتعارض بالكلية مع المنهج الإسلامي في الإصلاح والتجديد، وتبدو أن عملية استنهاض قوى التجديد بدت خائرة واهنة.

وحالة الفكر الديني المعاصر تشبه بقدر المماثلة والمشاكلة ظاهرة الإنتروبيا، وهذا المصطلح Entropy يعني مقياس تحديد غموض الموقف، وهو مقياس عفوي أعده الفيزيائي الألماني رودلف كلاوزيوس عام 1856م حينما كان يدرس ظاهرة استحالة انتقال الحرارة من جسم أكثر برودة إلى جسم أكثر سخونة. والإنتروبيا تعني أيضاً التحول إلى الداخل، أي المنطوي على نفسه أو الموت الداخلي، وعلماء الفيزياء في الغرب ـ طبعاً ـ فسروا قانون الإنتروبيا على أنه حركة عشوائية عبارة عن طاقة مهدرة ومشتتة في أي نظام.

ومن يسع لرصد الحالة التي تعترينا من ناحية الفكر والخطاب الديني المعاصر من حيث إنها صورة من صور ظاهرة الإنتروبيا، من حيث الجمود الفكري الذي يصيب البعض منا، واحترازاً للقول القلة منا فقط، فتراه يقف عند حدود فقه عصر معين ويرفض رفضاً مطلقاً قبول فكرة الاجتهاد، رغم أن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود كان سابقاً لعصره، فقد كان رائد مدرسة الاجتهاد الفقهي.

وهذا العقم في استنهاض القوى المعرفية الدينية هو الذي أودى بحياة الكثير من ضباط الشرطة الذين بالقطع وبغير مبالغة يسهرون من أجل رفاهية آخرين لكننا مصرون أن نقف عند فاصلة مبارك التي كرست لثقافة أمنية سقطت فعلا وقت اشتعلال ثورة يناير، وهذا الفقر المعرفي في الفكر الإسلامي هو الذي أصدر الفتوى بتحريم تهنئة الأقباط بميلاد السيد المسيح الذي جاء ذكره في قرآني الذي لا يقرؤه هؤلاء المتطرفون بوعي أو بدراية كافية (إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين) .

والتكفير والتحريم في هذه الأونة صارا وجهين لعملة واحدة يمكن أن نطلق عليها عملة (الغلو)، ولعل أبلغ تشبيه للغلو في التكفير هو " الورطة"، ولقد توعد رسول الله (عليه الصلاة والسلام) بهؤلاء الذين يكفرون إخوانهم بقوله: (لا يرمي رجل رجلاً بالفسق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك). أما الآن فأصبح التكفير أسرع حكم يمكن أن يصدره إنسان على أخيه، وإذا كان التكفير قديماً سلاح خفي يستخدمه بعض المتطرفين في مواجهة خصومهم، فاليوم أصبح أداةً هجومية تستخدم قبل وأثناء وبعد الحوار مع الآخر، هذا إن كان هناك حوار من الأساس.

وإذا سألت أحد رجال الدين المستنيرين عن الغلو في التكفير لذكر لك أن المجازفة بالتكفير شر عظيم وخطر جسيم، وقد ذاقت الأمم كثيراً من ويلاتها ووبيل عواقبها، وليدرك هؤلاء قول الله تعالى في تحذير عباده من الغلو في التكفير (فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة). والمتأمل لهذا الأمر ـ الغلو في التكفير ـ يرى عواقبه التي تتمثل في استحلال الدم ومنع التوارث وفسخ عقد الزواج وتحريم إقامة الفرائض. ويدهشني كثيراً حينما أقرأ لشيخ الإسلام ابن تيمية الذي يتخذه معظم السلفيون إماماً لهم حينما يقول: فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة ويبين له المحجة وإزالة الشبهة.

وانظر إلى رأي الشيخ عبد الرحمن السديس إمام وخطيب الحرم المكي سنة 2004م حينما أكد على أنه يجب التفريق بين الفعل والفاعل والإطلاق والتعيين وتنزيل النصوص على الوقائع والأشخاص، وأن نصوص الوعيد في الكتاب والسنة ونصوص الأئمة بالتكفير والفسق ونحو ذلك لا يستلزم ثبوت موجبها في حق المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع. حتى بعض أنصار الفكر الوهابي ربما تناسوا قول إمامهم المجدد محمد بن عبد الوهاب إذ يقول: ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم.

واستسهال رمي البعض بالكفر والشرك والخروج عن الملة يذكرني بقصة طريفة، فقد جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن دم البعوضة، وعن حرمة قتل الذباب، فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: ها انظروا إلى هذا، يسأل عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله.

وأجمع المفكرون أن خطورة الفكر التكفيري تتمثل في إحداث حالة من الانفصام والانقسام والتمييز داخل المجتمع الواحد بين أبنائه، وهم بذلك أعداء للتنمية والتطوير والتجديد، وأعتقد أن المجتمع كفاه ما قد يعانيه من تمييز واستبعاد اجتماعي لبعض أفراده. هذا ولا بد من منهج واضح ومحدد الملامح لمواجهة هذا الفكر، وإحداث مناعة حقيقية لدى أفراد المجتمع ضد كل ما يسمعونه من صيحات تكفيرية، ومراجعة بعض كتب التراث التي تغذي الفكر التكفيري وتنقيتها.

وأبرز العلامات التي تلازم أزمة الفكر الإسلامي الراهنة محاربة التأويل، والتأويل في حد ذاته لم يعد حقاً يطلبه الإنسان، بل أصبح فريضة يؤديها ليل نهار على كل ما يمارسه من سلوكيات وقيم وأفكار،هذا إن يفكر من الأساس، وقراءاته هذا إن كان يقرأ في الأصل، وعلى ما يسمعه ويشاهده وأظن أنه لا يفعل ذلك أبداً، أقصد تأويل ما يسمعه. المهم أن التأويل بدلاً من أن يكون حقاً مكتسباً، صار شهوة موروثة بعلة وحجة أن صحة التأويل مرجعها الإجماع المطلق.

وعلماء الدين الأفاضل اتفقوا على ضرورة التأويل في المواضع التي تثير الشبهات فقط، وهذا يجعل الناظر (أي الذي يرى الأشياء بنظرة ثاقبة وروية) لقضية التأويل ملتبساً بعض الشئ، فكيف يقضي رجال الدين بشئ ولم يتفقوا وتجتمع آراؤهم عليه اجتماعاً وإجماعاً مطلقاً.وهذا يذكرني بما صنعه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة" حينما كفر الفارابي وابن سينا لأنهما خرقا الإجماع في التأويل، رغم كونهما من أهل الإجماع أي أن رأي الغزالي فيهما لا يعتد به شرعاً، وهما (أي الفارابي وابن سينا) أكدا على توجه التربية إلى الاهتمام بالإنسان من جميع جوانبه، وأبعاده الروحية والعقلية والجسمية وغرس الفضائل والعادات السليمة.

إذن قضية التأويل لم تكن حديثة العهد بواقعنا العربي الراهن، بل هي ضاربة في جذورنا الثقافية وكم من مفكر صارع وصرع من أجل إثبات هذا الحق للمواطن العربي قبل أن يصبح اليوم مشاعاً. وإذا راهنت نفسك بسؤال أحد الأفاضل الذين امتلكوا وحدهم حق التأويل عن شروط التأويل، وشروط القائم بالتأويل ستكسب رهانك لأنه سيسرد لك عبارات عامة عن القراءة والاطلاع والثقافة وامتلاك ناصية اللغة، ولو أن أحداً من هؤلاء بذل جهداً بسيطاً أقل مما يبذله في إعداد ما يقوله إما للصحف أو للفضائيات الفراغية لما وصل بنا الحال وبشبابنا إلى حالة الفكاك المستديمة تلك التي نعانيها منذ أمد.

ولو أنه خرج قليلاً من عباءات الضيق والجمود الفكري  التي يعاني بعضهم منه وقرأ كتاباً مهماً للقاضي ابن رشد وهو "مناهج الأدلة في عقائد الملة" لاستطاع أن يعبر بعقله أولاً ثم بعقول أبنائنا وشبابنا إلى المستقبل، وإلى خلق جيل أكثر تفكيراً ووعياً من سابقيه.فلقد حدد القاضي الفقيه ابن رشد شروطاً للقائم بالتأويل أبرزها أن يكون من العلماء أصحاب النظر البرهاني، أي الذي يبني على مقدمات يقينية، وليست فقط أن تكون مشهورة بين الناس.وفرغ ابن رشد من حديثه إلى أن الشريعة الإسلامية تؤيد التأويل وتحث عليه، بحجة أن النظر في الموجودات المصنوعة تدل على صانعها.

ونرى من العلماء الأجلاء كالرازي والآمدي وابن الحاجب وأبي الحسين البصري أنهم أكدوا على أن الأمة إذا اختلفت في تأويل آية كانوا على قولين، وأجازوا لم بعدهم إحداث قول ثالث، هذا بخلاف ما إذا اتفقوا في الأحكام على قولين فجوزوا أن تكون الأمة مجتمعة على الضلال في تفسير القرآن والحديث، وهكذا كانت سماحتهم ووعيهم الديدني بالتأويل وقبول الرأي الآخر ما لم يكن مخالفاً للشرع.

وخلاصة القول والرأي في هذا أن التأويل والحمد لله لم يعد حقاً يطالب به بنو البشر على السواء، لأنه بالرغم من أنه أصبح مشاعاً، إلا أن فئة من العلماء أصحاب العقول الراجحة الجانحة اغتصبوا هذا الحق لهم وحدهم، وتركونا منفردين على حالات ؛إما نخاف على هيبتنا واحترامنا الثقافي والفكري لأنفسنا فالتزمنا الصمت، وإما أننا أكبر من كل هذا الذي يقولونه ويبثونه بثاً فيصير هباءً منثوراً، أو نقبله كما تورد الإبل نحو الماء، فاللهم لا تجعلنا إبلاً تورد للماء طوعاً وقسراً وكراهية.

 

د.بليغ حمدي إسماعيل

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

علي المؤمنالمرجعية الشيعية وخيارات ما بعد السيستاني والخامنئي (2)

تعود جذور الحوزة العلمية القمية في ايران الى زمن هجرة قبيلة الأشعريين الكوفية العراقية الى قم في أواخر القرن الأول الهجري (القرن السابع الميلادي)، والذين أسسوا مدينة قم الحالية وحوزتها العلمية. وبذلك تعد قم ـ الى جانب الكوفة وبغداد ـ إحد أقدم ثلاث حوزات علمية شيعية في التاريخ. إلّا أن مرحلة تألق الحوزة العلمية في قم كان خلال القرن الرابع الهجري (القرن التاسع الميلادي) في عهد مرجعية زعيم الشيعة في وقته الشيخ محمد بن علي بن بابويه المعروف بالشيخ الصدوق.

إلّا أن حوزة قم ضعفت بالتدريج؛ بفعل عوامل ضاغطة؛ حتى انتقل اليها المرجع الديني الشيخ عبد الكريم الحائري في العام 1919، الذي تخرج من حوزة النجف الأشرف؛ ليعيد إليها مجدها العلمي الديني التبليغي. ثم أصبحت مركز المرجعية العليا لمرة واحدة، وذلك في عصر مرجعية السيد حسين الطباطبائي البروجردي في خمسينات القرن الميلادي الماضي، بعد وفاة مرجع النجف السيد أبي الحسن الموسوي الإصفهاني. بيد أن تأسيس الجمهورية الإسلامية في ايران في العام 1979، وحملة الإجتثاث البعثي للحوزة النجفية؛ أعطى دفعاً قوياً للحوزة القمية، وأسس لنهضة نوعية وكمية شاملة.

و تحوّلت الحوزة العلمية في قم بالتدريج الى مؤسسة علمية منظمة كبرى، تضم مئات الجامعات والمدارس الدينية ومراكز البحوث والتبليغ والإعلام والمكتبات العامة وقاعات المؤتمرات والمؤسسات الخدمية، وباتت قريبة من الهيكيليات والأنساق الأكاديمية، مع احتفاظها بنكهة الدرس المسجدي التقليدي. وهي في مضمونها تشبه أطروحة السيد محمد باقر الصدر في المرجعية الرشيدة. ومن أبرز الأنساق التي تم فرضها هي الإمتحانات الدورية والسنوية العامة للطلبة، وعدد سنوات كل مرحلة من مراحل الدراسة، وشهادات التخرج، والإختصاصات الفرعية، والدروس التكميلية، كاللغات الأجنبية والعلوم الإجتماعية والكمبيوتر. و قد تبلور هذا التحول التنظيمي الكبير في حوزة قم بعد العام 1994، عبر خارطة طريق نفّذتها جماعة مدرسي الحوزة العلمية وغيرها، بتوجيه مباشر من السيد علي الخامنئي؛ حتى أضحت أكبر مؤسسة علمية دينية منتجة في العالم، ليس على مستوى العالم الإسلامي وحسب؛ بل على مستوى الأديان كافة.

و بلغ عدد منتسبي الحوزة العلمية في قم في العام 2020 حوالي (100) ألف طالب وأستاذ. فيما بلغ عدد منتسبي حوزات مشهد و إصفهان وطهران حوالي (40) الف شخص، إضافة الى (10) ألاف منتسب في باقي مدن إيران. كما بلغ عدد المجتهدين في قم وحدها حوالي (250) مجتهداً أو من يرى في نفسه ملكة الإجتهاد، بينهم ما يقرب من (100) مجتهد يدرِّسون البحث الخارج (الدراسات العليا). أي أن هناك (100) صف للبحث الخارج تقريباً في قم، إضافة الى حوالي (30) صف للبحث الخارج في مشهد وطهران واصفهان. وهي نسبة يعتقد الإيرانيون أنها قليلة؛ قياساً بحاجة (70) مليون شيعي في ايران وحدها، فضلاً عن حاجة الدولة المتزايدة الى الدراسات الفقهية لقضاياها المتشعبة.

ومن مجموع منتسبي الحوزات العلمية الإيرانية، يوجد مايقرب من (15) ألف منتسب غير ايراني ينتمون الى حوالي (70) جنسية، وغالبيتهم من العراق وافغانستان وباكستان والهند ولبنان والبحرين والسعودية وآذربيجان. كما أن هناك أكثر من (20) ألف منتسبة من النساء، بينهنّ مجتهدات وعالمات دين معروفات.

و يبلغ عدد المجتهدين الأحياء في حوزة قم ممن نشروا رسالة تقليد عملية، ما يقرب من (40) مجتهداً، أغلبهم من الإيرانيين، إضافة الى عدد من العراقيين والأفغانستانيين والباكستانيين. ولكن المرشحين للتقليد من حوزة قم، الذين سبق لجماعة المدرسين في قم وغيرها من المؤسسات العلمية أن طرحت أسماءهم على دفعات، بعد وفاة المراجع الكبار الإمام الخميني في العام 1989 والإمام الخوئي في العام 1992 و السيد محمد رضا الموسوي الگلپايگاني في العام 1993 والشيخ محمد علي الأراكي في العام 1994، هم تسعة مراجع. و من لايزال منهم على قيد الحياة ستة فقط، أربعة منهم في قم: الشيخ حسين الوحيد الخراساني والشيخ ناصر مكارم الشيرازي والسيد موسى الشبيري الزنجاني و الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني، و واحد في طهران: السيد علي الحسيني الخامنئي، و واحد في النجف الأشرف: السيد علي الحسيني السيستاني.

و يعد مكتبا السيد علي الخامنئي والسيد علي السيستاني أهم مكتبين مرجعيين في قم. ويعمل مكتب السيد الخامنئي بشكل مستقل إدارياً ومالياً ووظيفياً عن مكتبه الرسمي في طهران؛ لأن مكتب قم هو مكتب مرجعي حوزوي، ويمارس شأناً دينياً علمياً محضاً، ويشرف على عمل المدارس والجامعات والمؤسسات العلمية الدينية التابعة له، وشؤون الوكلاء والمعتمدين المرجعيين داخل إيران وخارجها. في الوقت الذي لايزال السيد الخامنئي يقدم دروسه في البحث الخارج في حسينية الإمام الخميني في طهران، ويحضرها ما يقرب من (700) عالم دين.

أما مكتب السيد علي السيستاني في قم؛ فلعله أنشط مكتب مرجعي في العالم وأكثرها تنظيماً وتقديماً للرعاية العلمية والتبليغية والخيرية، ويشرف على المؤسسات والمكاتب الفرعية لمرجعية السيد السيستاني داخل ايران وكثير من دول العالم.

وفضلاً عن تسع جامعات وما يقرب من (200) مدرسة علمية دينية؛ فإن حوزة قم تضم أكثر من (150) مركز تبليغ وبحوث ودراسات وتحقيق ونشر وطباعة، و حوالي (50) مجلة علمية تخصصية، وعشرات المكتبات العامة، وأكثر من (20) مركز بحثي وتحقيقي كمبيوتري. فضلاً عن عدد من المؤسسات الخدمية والمالية والخيرية.

وعلى صعيد سياقات اختيار مراجع التقليد؛ فإن سياقات حوزة قم لا تختلف عن سياقات حوزة النجف؛ لكنها تحاول منذ ثلاثة عقود تقريباً مأسسة هذه السياقات، وتقنين عمل جماعات أهل الخبرة وجماعات الضغط، أي تحويلها الى جماعات علنية تمارس دورها بشفافية. وباتت هذه الجماعات تنتظم في مؤسسات علمية دينية تضم عدداً كبيراَ من المجتهدين، وتأخذ على عاتقها ترشيح المراجع الجدد الذين تراهم يتمتعون بشروط مرجعية التقليد بعد وفاة المرجع الأعلى. ولا تحدد هذه المؤسسات عادة مرجعاً معيناً؛ بل أكثر من مرجع، وتترك الخيار للناس (المكلفين) لاختيار من يرونه مناسباً بالتشاور مع علماء دين آخرين.

وأهم ثلاث مؤسسات وجماعات حوزوية قمية تتدخل في ترشيح مراجع التقليد: جماعة مدرسي الحوزة العلمية ومجلس شورى الحوزة العلمية، ومجلس شورى الحوزات العلمية في ايران. وتنبع أهمية هذه المؤسسات من كونها منظمة تنظيماً مؤسسياُ إدارياً، وتستقطب أغلبية أساتذة الحوزات العلمية وأئمة الجمعة والجماعات في البلاد وعلماء الدين والمبلغين في المناطق، إضافة الى علاقاتها الواسعة والقوية مع علماء الدين الشيعة في خارج إيران.

وعلاقة الحوزة العلمية في قم بالدولة الإيرانية هي علاقة تخادم ودعم متبادل وليست علاقة تبعية؛ إذ ظلت الحوزة محافظة على استقلاليتها بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية؛ بالرغم من نفوذ الحوزة القوي في مفاصل الدولة. وحتى قبل تأسيس الجمهورية الإسلامية، فإن العلاقة بين الدولة والحوزة كانت علاقة هادئة ومنسجمة؛ لأن الحوزة كانت تنظر الى الدولة الإيرانية كونها دولة شيعية وتحمي المذهب. وهذا لم يكن يمنع علماء الدين في ايران من توجيه النقد الشديد الى الدولة، ولكن لم يفكر أي من المراجع يوماً بإسقاطها. ولم يكسر هذه القاعدة سوى الإمام الخميني، الذي أعلن عن عدم شرعية النظام الملكي الوراثي، وفساد الحكومات الشاهنشاهية، ثم أسقطها وأقام النظام الجمهوري الإسلامي القائم على مبدإ "ولاية الفقيه العامة"

 

د. علي المؤمن

 

رحيم زاير الغانمعلاقة النص بالمتلقي علاقة محكومة بالذائقة الأدبية وبها يستمد النص ديمومته بالتلقي، فما يطرحه النص الأدبي من موضوعات تستقطب المتلقي بوصفها موضوعات ذات صلة بتطلعاته واهتماماته، وبذا نؤشر لبذار الذائقة في كينونتها الأولى فهي تنبثق بولادة النص المعبر عن الواقع المعيش وهموم العناصر البشرية الدائرة في فُلكه، وهذا لا يعني التخلي عن ذائقة القطب الثاني المتلقي، التي يمكن عدها ذائقة متحققة من جملة الخبرات وبشتى المشارب (الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية) أو ما يُنتج عن موجبات رؤيوية أو مدركات أيديولوجية (فكرية) أو أبعاد فلسفية، كلُّها مجتمعة مسهمٌ في تنمية الذائقة لدى المتلقي، كمعادل موضوعي مع ذائقة النص الأدبي، فلا ذائقة أحادية القطب، وإنما ذائقة بقطبين يُكملان بعضهما البعض فنيِّاً وجمالياً، وما الذائقة المبثوثة في النص إلّا ارتداد لما يستشعره مجسّ الذائقة (التلقي).

ومن المفيد الحديث عن مدى التأثير والتأثر فيما بينهما، أي من يؤثر في فعل أو ردة فعل الآخر، هل النص يجاري الموضوعات ذات الصلة مع واقع المتلقي؟ أم إن المتلقي دائب البحث عن النصوص التي تُطرح فيها قضاياه المصيرية؟ أم إنهما في تناغم دائم (حوار) من أجل أن يكون النتاج الأدبي ذا جدوى؟ فليس من المعقول أن يعيشَ النص ويصنع خلودَهُ بعيداً عن أجواء وتطلعات متلقيه أو أفكاره التي ترسبت إلى النص، أسئلة كُثر سيتم الإجابة عنها في ضوء عينات تمَّ فرزها من نصوص مجموعة (الهبوط إلى جهة القلب) للشاعر الدكتور مولود محمد زايد المكتوبة من العام (1990- 2000م) التي يمكن اعتبارها بوابة للبحث في تناص الذائقة بين تنوع الموضوعة وصلتها التفاعلية مع المتلقي.

(هذا ايابك .. لو شفاك اياب

هرمت.

فأحنت ظهرك الاتعاب

مازلت تضرب في الدروب...

مضمخاً بدم الجياع ...

وللعراء ثياب) ص29

في النص الشعري المنحى الفلسفي حاضر لما يطرحه من اللاجدوى في الذهاب والإياب المُضني مادام المكسب بعيد المنال لحضور الهرم، وما تداعيات انحناء الظهر والتضمخ بالدم والتعرض للعري قبالة كسوة العراء التي لا طائل منها غير ذائقة خلو الوفاض والفشل الذي هو ديدن الكثير، يقابلها ذائقة المتلقي الذي يدور في ذات الخواء، في حوارية تلقى صداها عند جمهور متلقيها، بوصفها واقعاً معيشاً.

 شاخت خطاك ..

وما انتهيت لغاية

ورجعتَ يدمي مقلتيك سراب

بلقيسك الحمقاء ..

تحسب لجة أوجاعك الظمأى..

وهن قباب!) ص30

يتكرر ذات الفهم عن علو كعب ذائقة النص على ذائقة المتلقي جاذبة إياه الى منطقتها الجمالية، ممارسة غواية الإنصات إلى صوت الروي العالي الذي فاق صوته، سردية يعبر فيها النص عن عبثية الواقع المعيش بدلالة جمل النص الشعرية (شاخت خطاك../ وما انتهيت لغاية/ ورجعتَ يدمي مقلتيك سراب) تراتبية ثبَّت فيها النص مواطن الهرم والركون للمجهول والضياع، وما تكدس منها من قباب الوجع والظمأ.

(ألهبت قيثارك ما أوجعكْ

لا شيء..

غير الريح..

تزقو معك!

خانك حتى الصمت..

من ترتجي

في عالم الاموات.. أن يسمعكْ) ص35

نلمحُ انصياع النص إلى ذائقة المتلقي، بالنزول الى منطقة وجعه، من خلال الجمل الشعرية (ألهبت قيثارك ما أوجهك، خانك حتى الصمت)، (من ترتجي/ في عالم الاموات.. أن يسمعكْ)، في غواية متلقيه وسحبه إلى منطقته، في عملية شدٍّ وجذب يحرص النص على تبادلها مع المتلقي في إذكاء للذائقة وديمومتها تفاعلياً.

(تخطو بصمت ..

تردّ الباب ..

لا أحد يرنو إليك ..

ولا كفٌ تلقّاها

قلت : (السلام ) ..!

ولكن ..

لم يجبك سوى

أصداء صوتك ..

مجّتها: آها) ص52

الرؤية حاضرة في النص الشعري وحركية إنماء الذائقة في تصاعد مع الحرص على تبادل قطبيها الأدوار، من بداية مطلع النص وفي الجمل الشعرية (تخطو بصمت ../ تردّ الباب ../ لا أحد يرنو إليك ../ ولا كفٌ تلقّاها)، الذي بدا فيه انصياعه لذائقة المتلق، وما مُورس من فعل الروي بالإنابة عن (الراوي العليم) عبَّر عن خطواته الصامتة وما يلقاه من عنت الوحدة التي تطبق عليه، حتى بلوغه منتصف الروي يمتلك زمام المبادرة والحرص على توجيه ذائقة النص بما يستجيب لأجواء المتلقي النفسية المحبطة وعبر جمله الشعرية (قلت: (السلام) ..!/ ولكن ../ لم يجبك سوى/ أصداء صوتك ../ مجّتها: آها)  وبذات التفاعلية المتصاعدة مع المحافظة على المعادل الموضوعي.

(الصمت فلسفتي ..

فلا تتغيضي

ان رحت اغرق في عباب ظنوني

يكفيك انصاتي ...

فما عادتي

أني أساوم

أو أخون يقيني) ص59

يحرص النص الشعري على جذب المتلقي وجدانياً (عاطفياً) بطرح الصمت فلسفة لما فيه من دعوة للمحبوبة إلى مجافاة الغضب حتى وإن غادر الحبيب منطقة حسن الظن إلى عباب الظنون، فليس من عاداته التحلي بهكذا سجايا مثل المساومة أو خيانة اليقين، منتظراً من متلقيه ردة فعل (الذائقة القريبة) من روحه وما يعتمل الصدور من تساؤلات، لتُحسب المبادأة في تسويق الذائقة للنص على حساب المتلقي لبثِّ النص الشعري حوار (أحادي الجانب، أحادي الذائقة).

(ما شئت.. كوني .. فما في الأفق متسعٌ

للأغنيات ...

ولا في القلب ... أوتاراُ!) ص74

تتشاكل ذائقتا النص والمتلقي لكن زمام المبادرة مناط زمامها للنص، على الرغم ممّا صرح به من اطلاق الحرية للمحبوبة في تشيئ (صنع) نفسها لقوله: (ما شئت.. كوني..)  لكنها حرية غير صالحة للنجاح للمعطيات التي تلت في الجمل الشعرية (فما في الأفق متسعٌ/ للأغنيات .../ ولا في القلب ... أوتاراُ!) التي تعمل على قتل مشيئة التكوين آنفة الذكر، ذائقة نصية تناغمت مع موضوعة اليأس في أمل (تكوين) في ظلِّ واقع معيش أفضل.

(غريباً .. سرى في وحشة الدرب.

بعضه .. تخبَّط في بعضِ..

وضاع صداه!

تنمّ به الأشياء .. حتى كأنها

مرايا .. تراءى فوقها ما تغشاه

وتهمي عليه الذكريات .. أثيمةً..

فيصفعها بالوهم..

تُدمى يداه..!!) ص78

في النص الشعري امتثال  لذائقة المتلقي لما نقرأ من سردية تعبيرية عن الواقع المتهالك، بطله الغريب ومسراه وحشة الدرب، (بعضه.. تخبَّط في بعضِ..) ماذا عساه يهبنا هذا الواقع غير تصدير لذائقة ضياع الصدى والذكريات الأثيمة التي لا مفرَّ غير مواجهتها بردة فعل توازي خرابها (فيصفعها بالوهم../ تُدمى يداه..!!) وفي الحالتين الخسران يشملهما، الواقع برفضه والانسان المُدمى اليد، كلاهما يقطر فاقةً وألماً، في إعلاء لصوت المتلقي المسهم الحقيقي في تصعيد صوت منلوج النص (الموسيقى الداخلية) وما ترتب عليه من ردة فعل تمثل بتقبل ذائقة الواقع المعيش كما صورها لنا النص الآنف بكل تفاصيله.

(في وحشة العابرين بلا ضجةٍ...

تصطلينا المنافي..

ونحن نوزع أشاءنا في الرصيد المباح..

وقد كوّرتنا الدقائق في حجم ذكرى..

حالمين..

نعانق خيبتنا..) ص82

تتكشف في النص الشعري وضوح في الرؤية يمكننا بها تحديد اتجاه بوصلة الذائقة، في تسليم مطلق لذائقة المتلقي، وعدَّها نقل لما يحدث على أرض الواقع، إذ دأب النص وعبر جمله الشعرية (تصطلينا المنافي../ وقد كوّرتنا الدقائق في حجم ذكرى../ نعانق خيبتنا..) للبوح بما يعتري الصدور من وجع وبؤس وتسليم لمرارة الواقع تسليماً يحول دون كسر نسقه الرتيب، في إعلاءٍ لصوت الراوي العليم (الراوي الأعلى) صوت الواقع المعيش مُمثلاً  بذائقة المتلقي، المُسابة في سياق النص الشعري، لتكون الغلبة هنا لفعل الواقع الذي تُرجمَ نصاً شعرياً معبراً عن وحشة الغابرين الذين لا يمتلكون شيء سوى الحلم.

 

رحيم زاير الغانم

 

عامر صالحأكدت آخر البيانات الإحصائية لحد كتابة هذا المقال أن فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19"، أصاب أكثر من657 ألف شخص فيما يقترب عدد الوفيات من 30 ألف، وعدد المتعافين يتجاوز ال 141 ألف بقليل، وتتصدر أمريكا قائمة بلدان العالم من حيث حجم الأصابة حيث بلغت أكثر من 120 ألف أصابة ثم تليها أيطاليا أكثر من 92 ألف، والصين أكثر من81 ألف، وأسبانيا اكثر من 72 ألف، ثم ألمانيا اكثر من 57 ألف، ثم فرنسا اكثر من 37 ألف وبعدها ايران اكثرمن 35 ألف وتليها بريطانيا اكثر من 17 ألف، وهكذا بالتنازل في كل بلدان العالم العالم بأختلاف رقعته الجغرافية ونظامه السياسي، فقد اصاب كورونا العالم بأجمعه، ولم يكن أنتقائيا بتوجيه اهدافة، أو كان في نيته أن يستثني دول ومجتمعات دون أخرى.

وفي ظل عدم المعرفة الدقيقة لحركة القيروس فأن الشائعات تزدهر في أجواء الخوف واللايقين، وان تفشي الفايروس يوفر الكثير منها. خلال اسابيع من الحالات المرضية، تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي بأن الفايروس كان سلاحا بايولوجيا–اما صيني هرب من المختبرات في مقاطعة وهان الصينية او امريكي اُلقي به في وهان. ومع ان مثل هذه الشائعات غير موثوقة، باعتبار ان لا الولايات المتحدة ولا الصين لديهما الحافز لتطوير أسلحة بايولوجية، لكن مع ذلك يصعب ازالة تلك الشائعات، لأن المسؤولين العسكريين في كلا الجانبين لايزالون ينظرون بالشك لكل منهما في بناء برامج الأمن البايولوجي. الثغرات في تعليمات السلامة البايولوجية الصينية تسمح للشائعات في مزيد من الانتشار، كما ان فقدان الثقة بين الدولتين كما اتضح من رفض الصين زيارة الخبراء الامريكيين لـ وهان يضعف الجهود لإحتواء انتشار الفايروس. عدم تعاون الدولتين العظمتين " الصين وأمريكا " يترك انطباعات صوب تعزيز نظرية المؤامرة، في أن كل من الدولتين يضمر للآخر لحظات فنائه. ومن السهولة الوقوع في هكذا فخ في ظل افتقاد المرونة والتنازل المشروع من قبل الدولتين صوب بقاء العالم صالح للعيش.

صحيح أن وباء كورونا العالمي مثلما وصفته منظمة الصحة العالمية، يعد من أخطر الأوبئة وأكثرها انتشارا وفتكا قياساً بالأوبئة التي ظهرت في فترات تاريخية سابقة، وهذا ما يلاحظ من حجم الحذر والحيطة التي عملت بها عدد من البلدان، ومنها البلدان المتقدمة في مجال البيئة والصحة، كالولايات المتحدة وبريطانيا وأيطاليا وفرنسا واسبانيا وبلدان الاتحاد الأوروبي، وصلت الحالة لغاية الآن إلى إعلان حالة الطوارئ في أغلب دول العالم وغلق الأجواء والمنافذ الحدودية، وتعطيل حركة التجارة، وحركة العالم اليومية في المدارس والجامعات، وغلق الجوامع ودور العبادة حتى التاريخية منها كالكعبة، والمسجد النبوي في المدينة، ومراقد أهل البيت الشيعة في مدن: النجف، وكربلاء ، ومشهد الأيرانية وكذلك اغلب الكنائس في اوربا، ثم ألغاء الشعائر والطقوس الدينية ذات التماس البشري الكبير، بل أطال حركة السياسين وتنقلاتهم واجتماعاتهم بعد اصابة العديد من الساسة البارزين في العالم.

حيث أن هذا الفيروس مثلما أكدت كل المصادر الطبية ومنظمة الصحة العالمية يعتاش على التجمعات البشرية، وتوفر له وسيلة مثالية للانتقال والانتشار إلى الآخرين بسهولة، وينتقل أيضا عبر التماس اليدوي والتنفس المباشر، وهذا لا يتوقف على أبناء البلد الواحد، وإنما التنقلات بين البلدان أيضا، وبذلك أوصت المؤسسات الصحية بحظر كل أشكال التجمعات البشرية حظراً كاملاً حتى لا تكون بيئة للقضاء على عدد أكبر من الناس، وتتحول المدن إلى مدن موبوءة بالفيروس القاتل، يتساقط فيها الناس بالشوارع والأسواق، ومن هنا نادت المؤسسات الصحية بضرورة حضر التجمعات، واتخاذ التدبير الصحية الأولية كالمعقمات والتعفير وما شابه.

ومن عجائب ما نُشر ذلك الذي روجه الإسلامويون بقولهم إن الفايروس لا يصيب المسلمين بل هو انتقام إلهي من الصين، على ما زُعموا أنه قمع للمسلمين الإيغور في مقاطعة تركستان الصينية، لكن المضحك أن هؤلاء قد عادوا بعد انتشار الفايروس في الدول العربية والإسلامية ومنع بعض الدول ومنها السعودية، العمرة وصلوات الجماعة إلى تغيير أقوالهم إلى النقيض، وادعوا أنها مؤامرة على الإسلام والمسلمين بغرض إبطال فرضي الصلاة والحج. لكن ما يدحض هذه النظريات أو الفرضيات رغم وجاهة الأفكار والشكوك التي تراود الناس، هو أن الفيروس انتشر شرقاً وغرباً ولم يوفر أحداً من الدول والأجناس، فهو لا يصيب العرق الأصفر فقط كما أُشيع، ولايستثني الأبيض أو الأسود، بل يضرب في كل مكان في الصين وروسيا وإيران والولايات المتحدة، الفايروس ليس عنصرياً، الفايروس يستوطن أينما وجد بيئة صالحة لتكاثره، وتتصدر اليوم أمريكا و إيطاليا، واسبانيا مع إيران والصين قائمة الدول الأكثر استهدفاً للفايروس، فقد انتشر فيها بسرعة كبيرة فاقت التوقعات، وأسقط الفايروس المعادلة الشيطانية الأزلية التي تقول إن كل المصائب تأتي من وراء بعض الدول أو الملل الدينية والمذهبية، فحتى اسرائيل " شعب الله المختار " لم تنجوا، فقد ضرب الوباء كيان اسرائيل، وهناك عديد الإصابات حتى بين جنود الاحتلال الذين فرض على الآلاف منهم الحجر الطبي، وقد بلغت الأصابات لديهم تقترب من 3ألف وخمسمائة أصابة بتاريخ اليوم.

ومن المؤكد أن الفيروس مخيف، فقد تصدرت أخباره نشرات الأخبار المحلية والعالمية، وبات محور أحاديث الناس، وباتت الأجواء على مستوى العالم مشحونة بالقلق والحذر والترقب بل والخوف والحزن الشديد المقترن بفقدان الأمل، وتثار عديد التساؤلات عما سيحدث غداً في ظل فرض إغلاق شامل على عديد المدن في أوروبا وآسيا خصوصاً الصين وإيطاليا  وبريطانيا واسبانيا وفرنسا وإيران وكوريا الجنوبية، وإغلاق للحدود، ومنع السفر وإعلان حالة الطوارئ، أنها حالة من الهلع والخوف المشروع في ظل عدم العثور الى الآن على لقاح او علاج لهذا الفيروس القاتل. 

 في خضم موضوعية الأحداث وجب علينا أن نعرف أن الإيمان بنظرية المؤامرة يختلف عن الإيمان بوجود استراتيجيات سياسية وخطط تتبعها كل الأمم والمجتمعات منذ فجر التاريخ لتحقيق مكاسبها ولتعزيز قدراتها، الفرق بينهم أن الأول يقودك الى إغلاق عقلك وترجيح نظرية المؤامرة على كل المواقف الخارجة عن المألوف وعدم التفكير بأي تفسير للأحداث وعدم الاطلاع على أي نوع من المعرفة وعدم بذل أي جهد في التقدم للأمام لأن كل جهد هو لصالح المؤامرة وقد يمنح كورونا فرص اعظم للبقاء والتمدد، أما الثاني يختلف لكونه يحثك على فهم حقيقة أن المواجهة تتم بالإعداد والتخطيط والتطوير وأن هذه الأمم لم تصل الى ما وصلت له إلا لأنها بذلت جهدها في مجابهة أعدائها والتقدم عليهم وتحقيق مكاسبها على كل الأصعدة، وهذا التفريق هو ما يجعلك قادراً على أن تكون جاد في عملك لتحقيق التغيير، وبالتالي نحن امام ظرف زمني مفصلي يستدعي منا يقظة العقل والابتعاد عن الانفعالات الضارة التي ترى في بعض من الدول عدو مطلق والآخر صديق وفي، فأن كورونا تعادي الجميع وتلغي بقاء العضوية الأنسانية صالحة للعيش والعطاء.

ان مدى التفاعل مع فيروس كورونا الذي ضرب العالم كله تتوقف على درجة الوعي الذي يتمتع به مجتمع دون آخر، اذ نلاحظ هنالك بعض المجتمعات تعاملت مع الوباء بحذر كبير وأدركت مدى الخطورة التي من الممكن ان تنتج عنه، وتفاديا لذلك وضعت مجموعة من الإجراءات الاحترازية وبالتالي سيطرت في منعه من التفشي. وهنا تأتي الحاجة الماسة لزرع الثقافة المجتمعية الرصينة والقادرة على السير بالمجتمع نحو بر الأمان، اذ مع افتقار هذه الثقافة سيكون المجتمع غارق في دوامة لا يستطيع الخروج منها مالم تتظافر الجهود وبجدية للخلاص منه. أن فيروس كورونا هو اختبار ليست فقط للصحة الفردية في مقارعتها لهذا الفيروس، بل انه اختبار للوعي المجتمعي في ظل صراع العالم المتعدد المصالح والتوجهات السياسية والاقتصادية، بل ويعبر عن الادراك المجتمعي لصيرورة البقاء والابتعاد عن ما يفسر الأحداث بغير مسبباتها الحقيقية. أن الوعي الأجتماعي هنا هو صمام أمان لتفادي مخاطر الفناء الشامل، وببساطة فأن التخلف في الوعي يعيد انتاج المأساة أضعافا عبر حرف الأنظار عن مما يجب ان تفعله الأنسانية الآن لتفادي كورونا بعيدا عن من هو السبب في هذا كله، ولكل مناسبة حديث، ما دام كل الأطراف المتصالحة والمتخاصمة تدعو الى التضامن والعمل المشترك للحد من هذا الوباء. 

مع انتشار فيروس كورونا الذي اجتاح العالم منذ كانون الأول/ ديسمبر 2019، وخلق حالة من الرعب وعدم الاستقرار النفسي والاقتصادي المتصاعد، انتشرت ايضاً نظرية المؤامرة وتصاعد حدة الاتهامات بين بعض الدول، فهناك من قال ان هذا الفيروس هو سلاح بيولوجي اصطناعي واتهموا دولا بالمساهمة في نشره من اجل السيطرة واسقاط الخصوم، حيث تواصلت الحرب الكلامية والاتهامات المتبادلة بين واشنطن وبكين ودول اخرى حول كورونا المستجد وقد اتهم مسؤول صيني الجيش الأمريكي بأنه قد يكون وراء انتشار فيروس كورونا في الصين، بينما ترى الولايات المتحدة بأن بكين تتعمد الدعاية لنظرية المؤامرة ضدها واستهدافها. من جانب اخر قال الخبير البيولوجي الروسي، د.ايجر نيكولن: إن فيروس (كورونا) سلاح بيولوجي بجيل جديد، وصناعة أمريكية، تستهدف دولاً بعينها. كل هذه الأتهامات لا تنمي عن مسؤولية انسانية عن ما يحصل يوميا من عدوى وموت بطيئ، وعلى الجهد الانساني ان يركز على المخرج من تلك المحنة العالمية بعيدا عن التهم المتبادلة، فالأنسان أثمن رأسمال في العرف الماركسي، صينيا وروسيا، وكذلك براغماتيا في عرف الغرب وامريكا.

أن كل النظم السياسية في العالم اليوم امام اختبار وامتحان عسير بغض النظر عن توجهاتها السياسية والاقتصادية، فهي مطالبة اليوم بأيقاف الحروب والتسلح الباطل لمحاربة عدو مفتعل لا يعني شيئ امام بقاء الانسان والانسانية جمعاء، واليوم تقف الانسانية ونظم العالم كافة امام مفترق طرق، فأما البقاء أو الفناء، وبالتالي على امريكا والصين وروسيا أن تدرك أن الغرق في بحر التفكير المؤامراتي لا يجلب للأنسانية إلا الفناء، وان المدخل السليم لأنقاذ الأنسانية هو المصالحة مع الذات اولا ومع الآخر المختلف ثانيا، وإلا فأن كل دعوات اسعاد الأنسان هي كذب ورياء أذا لم يجري التضامن والتحالف الدولي وغير المشروط للنضال من اجل وضع حد لكورونا وتداعياتها السوسيو اجتماعية والسيكولوجية.

 

د. عامر صالح

 

 

مجدي ابراهيمباسم العلم والتقدُّم العلمي نكتب سخافاتنا السوداء مدونة على صفحات التاريخ. باسم العلم والتقدم العلمي نرتكب أشنع الحماقات الإنسانية. باسم العلم والتقدم العلمي تُهْدر الحريات ويُسْتَعبد الناس ويقتلون بعضهم بعضاً بالأسلحة الفتَّاكة التي أخترعها التفوق العلمي، وفي الوقت نفسه نتبارى في نشر الثقافة العلمية وننادي بأهمية دور العلم وتطبيق المنهج العلمي في حياة الإنسان المعاصر، ولا يتنبَّه أحدنا إلى ضرورة أن تكون هنالك قواعد أخلاقية مصاحبة لكل تقدُّم علمي، وأن الثقافة العلمية التي نَشْرع في نشرها وبثهِّا والتشدُّق بها على أوسع نطاق ممكن، وبتطبيقها على جميع جوانب الحياة ينبغي أن تكون وليدة قيم وأخلاق.

ولن تتأتى منظومة القيم والأخلاق أبداً بمعزل عن حكمة العقل وثقة الضمير الإنساني المطلقة في الوعي الديني. وقديماً دار حوار بين "إديسون" وصديقه "فورد" فقال "إديسون" : " ليس في هذا الوجود مَنْ نحني له الرأس إجلالاً عن حب وتقدير إلا صُنَّاع الزاد للإنسانية. فاعترض صديقه "فورد" قائلاً :"إذن فأنت تفضِّل رجال الحقول على عُمَّال المصانع!" فضحك "إديسون" قائلاً :"لستُ أعني هؤلاء، إنما أقصد "زاد الأرواح" أقصد رُسُل الفكر من رجال الفلسفة والدين والأدب والفن والفكر".

ونحن بدورنا ما يُخالجنا الشك مطلقاً في حقيقة هذا القول من جانب ذلك المفكر الكبير؛ لأن رجال الفكر والفن والأدب والدين هم تتمِمَة للموكب الخالد وتكميل، أعني موكب الرسالات السماوية التي احتضنت الروح الإنساني : وربَّته وهذبته وأخذت بيده إلى المعاني العليا، والمثالية التي تسمو بها الحياة، أو على أقل تقدير تساهم في سموها ورقيها وتقدُّمها؛ لتكون حياة أفضل جديرة بعالم يصدر عن الله. وهل ترانا اليوم جديرين بعالم يصدر عن الله أم ترى العالم الإنساني تجسّد فيه شيطانه اللعين فدمّر نفسه بنفسه وقتل بالسُّم الهاري روحه قبل جسده؟!

فماذا عَسَاها تكون رسالة الفكر في زمن الحرب والعدوان؟ أعني الزمن الذي يستخدمُ فيه انجاز العقل البشري في قتل الأرواح وإبادة الأفراد والجماعات، ومن ثمَّ قلة الثقة في تحقيق السلام والأمان تحت راية العلم والبحث العلمي وتفوق الإنجازات العلمية، ناهيك عمَّا تشاهده دوماً من "قلة الأدب" في الفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي!

إننا بالحقيقة مفتقدون - كما قلنا فيما تقدّم - إلى ما يسمى في لغة السياسة بــ "التعايش السِّلمي". ولأجل هذا، فلقد وجَّه المفكرون المعاصرون النذير بعد إطلاق القنبلة الذَريَّة وقبلها على السواء في الحرب العالمية الثانية في أغسطس عام 1945م؛ حينما ضُرِبَتْ مدينتي هيروشيما وناجازاكي. أقول؛ وجه أولئك المفكرون المعاصرون النذير تلو النذير، فكان منهم الفيلسوف البريطاني "برتراند رسل", والمستشرق الفرنسي "لويس ماسينيون"، ومن قبلهما بسنين بعيدة كان "كانط" الفيلسوف الألماني صاحب المصنفات الفلسفية البديعة ومن أهمها في هذا المستوى كتاب "مشروع السلام الدائم"، ثم جاء بعد ذلك المُفكر الفرنسي الأستاذ "ألبير باييه" أستاذ الأخلاق والاجتماع بالسربون، فكتب قبل الحرب كتابه "أخلاق العلم"، وترجمه الأستاذ الدكتور عثمان أمين سنة 1936م، وجعل عنوانه المُعَرَّب :"دفاعٌ عن العلم"، وصدر في طبعته بنفس التاريخ؛ أي قبل الحرب العالمية الثانية بتسع سنوات، عن دار إحياء الكتب العربية (مكتبة عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة سنة 1365هـ، الموافق سنة 1936م). وقد جاء فيه تعريف لمعنى العلم حيث قال إنه :"البحثُ عن الوقائع والقوانين بحثاً بريئاً"(ص39).

عبَّر الكتاب عن وجهة نظر المفكرين المعاصرين الذين وجهوا النذير تلو النذير، ولسان حالهم يقول :" لقد آن لنا أن نتعلم كيف نعيش معاً في وفاق وأمن وسلام، وأن نعمل على تنظيم أنفسنا وضَمّ صفوفنا في مواجهة الفتنة النائمة التي لو قدِّر لها أن تستيقظ لقضت على الغالب والمغلوب على السواء" (ص33 وما بعدها).

لم يكن "ألبير باييه" مؤلف كتاب "دفاع عن العلم"، يدري إذْ ذَاَكَ أنه سيأتي اليوم المشئوم الذي تستخدم فيه أمريكا في العراق الأسلحة المحرمة دولياً، وتستخدم إسرائيل قنابل الدايم والفسفور الأبيض في حروب الإبادة الجماعية قضاءً على الأخضر واليابس، وهل كان يدرى دخول العالم التعيس في حرب بيولوجية تذله وتقهره وتبيد فيه القوى والضعيف؟

لكنه كان يوماً متوقعاً بالنسبة له لاشك فيه. ويا لها من شناعة بشعة تكشف عن قبح بغيض يتجاوز كل تصورات العقول المستنيرة، ويحيط آمالها بخيبة وخيمة تحت ستار تجليات القوة في زمن تُستغل فيه القوة أسوأ استغلال خدمة للمآرب الوضيعة والأطماع الساقطة، وإيغالاً في استخدام براءة العلم لضرب القيم والأخلاق ..!

وليس من شك في أن الجرائم التي تُستَخْدَم باسم العلم إنما هى جرائم أخلاقية في أول مقام، الأمر الذي يجزم معه العاقل بوجود تناقض ظاهر للعيان بين العلم والأخلاق، مع أن الأصل في الواقع الفكري دونه في الواقع المشهود : الأصل في الواقع الفكري هو أنه إذا غابت الأخلاق عن العلم تغيب عنه لا بمعنى التناقض ولكن بمعنى عدم كفاية المعرفة العلمية السائدة لسعادة الإنسان، وأن صداقة العلم أو عداوته للإنسان إنما هى مسألة إنسانية في صميمها، ترجع إلى قوة النفوس وحكمة العقول وأخلاق الخير والرأفة والتسامح والمحبة والإحساس بالآخرين.

هذا هو الأصل في الموضوع كله، الأصل الذي يقرِّره الواقع الفكري. ولكن هذا الأصل مع شديد الأسف قد انقلب في الواقع المشهود ليقول بأبلغ لسان : إنّ العلم قد أضحى خطراً على الأخلاق، مفصولاً عنها ومعزولاً، وأن الجرائم الأخلاقية سببها في الواقع إنجازات علمية تَدرُّ الشر كله على الجنس البشري! أية قيمة في الإنجاز العلمي إذا استخدمناه للموت والقتل والتدمير؟ وأية قيمة في الإنجاز العلمي إذا كانت غايته اللعنة الدائمة والخوف المقيم؟ وأية قيمة في الإنجاز العلمي إذا استعمله شبابنا في فساد الأخلاق وسقوط القيم وهتك الحرمات؟ وأية قيمة في الإنجاز العلمي إذا لم يستخدم لنشر ثقافة السلام والتسامح، وخَلْق رُوح المحبة، والترقي في مدارج التعاون ومعارج التضامن والإنصاف لتحقيق أبسط حق من حقوق الإنسان : (الأمان)؟

هذا كله يعني لا شيء إذا فرغت القلوب من الحكمة، وصارت مقاصد العقول مقاصد مادية لا يزكيها وجود روحي ولا يفعِّلها ضمير حييَّ. ولما كانت طبيعة عصرنا تتغلغل فيه مطالب التفكير المادي كواقع  مشهود يقدم المنافع العملية على كل قيمة روحية وخلقية، صار موصوفًاً بالمادية البغيضة، وبالواقعية المشروطة بالانعزال عن القيم الخُلقية.

ومن شأن التفكير المادي أن يُورث الفُرْقَة والتّضارب والشقاق، ويشيع لغة التمزق، ويدعو إلى الانقسام والخلاف. والانقسام والخلاف هما أساس السعي في الحياة لكنهما هما أيضاً أساس الحرب وسبب التعاسة والشقاء. والتفكير الروحي على العكس يهدف إلى الوحدة، والوحدة تعاون وتضامن ومحبة وسلام. الأول ينزع إلى الحروب. والثاني لا يعرف الحرب بل يطلب التسامح والمحبة والتعايش السلمي برضا من الله.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

 

اسعد شريف الامارةيعد الموت سنة من سنن الحياة، وأحيانًا بالموت يحيا الإنسان، وبالموت تحيا الشعوب وتزدهر وتتخلص من أقسى العبودية، فهذه الجدلية الفلسفية النفسية الإجتماعية هي جدل الوجود الإنساني بأسره، فلسفة الوجود والعدم، فلسفة  أن أموت ويحيا آخر، وهي أيضا تمركز الإنسان في جدلية الحياة والموت، وتأكيد قول الفيلسوف هيدجر أوضح إنعكاس بقوله: الوجود من أجل الموت، لذا فوفاة طبيبة تخصصت في علاج الأمراض أن تموت بالفايروس القاتل "كورونا" هو أن يموت إنسان ليحي آخر، أو الشخص الذي أهدى الحياة لمريض يرقد بجواره وهما يتقاسمان وجودهما عن طريق جهاز التنفس الذي يديم الحياة وإستمرارها، فيقول أنني كبير بالسن، ومن يرقد بجواري شاب أحق بالحياة مني فأمنحه حقي بالحياة من خلال هذا الجهاز" جهاز التنفس الاصطناعي، وكذلك المخاض وولادة آخر هي لحظات تفصل بين الحياة والموت، الغيبوبة المؤقتة  في استخدام المخدر قبل وأثناء العمليات الجراحية الكبرى هي موت من أجل الحياة، المقتول الذي يتعرض للإغتيال هو موت من أجل الحياة، يدفع ثمنه لأنه قال شيء لم يقله آخر صامت، فدفع الثمن حياته، المتظاهر السلمي الذي يتعرض للموت ليشتري الحياة، فيدفع ثمن حياته لما يريد قوله، فالمقتول من أجل قضية أو فكر، أو هدف أوسع مثل الوطن وهو يعي بذلك ، اقصد الوعي، فهو يفني نفسه من حيث أن الآخر هو نفسه، وهو ما نشاهده في ساحات الاحتجاج السلمية التي يتعرض لها المحتجون من عمليات إغتيال وتصفيات جسدية، أو من اغتيال  يتعرض لها الصحافي، والطبيب المختص، واستاذ الجامعه، وصاحب الفكر وغيرهم من الشرائح التي تمتلك الوعي،  دعونا نسبر أغوار هذه الجدلية النفسية الفلسفية من خلال ما قرأناه ومارسناه في تخصصنا النفسي العميق- أعني به علم نفس الاعماق.

حينما تشيع ثقافة القتل في أي مجتمع تفقد الإنسانية حضورها، ويحل بديلها قانون الغاب والتوحش، وكثيرًا ما دعت الأنظمة الدكتاتورية ومعظم القادة إلى هذا النهج والأسلوب كسلوك يومي لزرع الرعب الدائم بين الناس، وكانت الأنظمة، وكان القادة من الدكتاتوريين يرفعون  شعار" ومن لم يَقتل الناس يُقتل". هذا الشعار الذي يعبر عن الخوف والذعر الذي يعيشه الحاكم، أو الحزب، أو الميليشيا، أو سلطة الدين المتطرفه، فهو يعتقد بأن أسلوب العنف والترهيب والقتل يطور الحياة ويحميها ويؤمنها، أما إذا انتهى الأمر إلى أسلوب المسالمة واللاعنف وحرية التعبير فإنه سيكون مذعورًا وخائفًا وربما مهدد بوجوده، فيكون الاندافاع في عاصفة مجنونة من القتل والتدمير للآخر الذي يطرح رأيًا آخر غير رأي الدكتاتور أيًا كان نظامًا، أو مذهبًا، أو حزبًا، أو تكتلًا، أو تيارًا، أو حتى فردًا أكان صحافيا، أو سائق سيارة أجرة ،أو تكتك"دراجة نارية صغيرة" أو مدرس، أو بائع بسيط.

حينما ينتشر في المجتمع شعار" ومن لم يقتل الناس يقتل" هذا هو السائد الآن في المجتمعات التي تخوض غمار الفوضى في إدارة الدولة، وفي التعامل، وفي السلوك اليومي، حتى بات سلوك الإندفاع في عاصفة مجنونة من القتل والتدمير وإفناء الآخر هو السبيل، وينسى هؤلاء المندفعون قول "هيجل"" إن تقتل فإنما نفسك تقتل".

تذكرنا جدلية الموت والحياة في زمن فايروس "الكورونا" برواية الكاتبة الاسرائيلية" يائيل دايان" أبنة وزير الدفاع الاسرائيلي الأسبق موشي دايان، حينما كتبت روايتها الشهيرة "للموت ولدان" وتدور أحدااثها عن موت أحد الولدين في اختيار تراجيدي ويتم الاختيار أمام أنظار الاب والام وإجبارتسليم أحد الولدين للموت، وتعاد أحداث العالم من الناحية السيكولوجية في جدلية الحياة والموت في ديالكتيك لا ينتهي ويمكننا أن نطلق عليه الموت والوباء، إذن هما الكفة الراجحة على كفة الحياة والحب والعمل والسفر والإستمتاع بالحياة، والتواجد في حضرة الآخرين أو حضور أمام الآخرين، في إستمرار الشخصية بلا أنانية وإنغلاق وتمركز حول الذات.

 هل يمكننا اعتبار ما يمكن أن نطلق عليه عصاب"اضطراب نفسي" ، كينونة غامضة تتخلل الشخصية، كما تقول "نيفين مصطفى زيور" إذًا ينبغي إعتبارها طريقة في الحياة تفرض نفسها على الفرد ، وفي الحقيقة هي طريقة في التفكير، وبما انها طريقة في التفكير هي طريقة في السلوك تتأثر بالبيئة وأي بيئة؟ إنها بيئة العالم بأسره، وليس مجتمع بعينه، بخصوصيته، ألغى وضع الوباء  السائد خصوصية المجتمعات والشعوب، جمع أسلوب التفكير والمدركات البيئية والتخيلات، كلها تعمل في تنظيم متصارع لا ندري من أجل استمرار الحياة، أم من أجل مواجهة الموت في أي لحظة، أو موقف. 

سبق وإن عبر الحلاج"الحسن بن منصور" في اشعاره أفصح تعبير عن رهافة الحدود بين الحياة والموت، وعكس ذلك بكل حياته في جدلية الحياة والموت، عاش الحلاج كما لو كان يحيا ويتهيأ له، وكان يسعى سعيًا بإتجاه الموت وتهيأ كأنه ينتظره، وقوله: يا معين الفناء عليَ أعني على الفناء، كان ينتظر في كل لحظة الموت، ويعده فناء الجسد، وبقاء الحب للحياة، ويزاوج بين هذا الفناء والامتداد الروحي، ظل دائمًا يسعى نحو الموت.

كيف إذن أن نتعلم في حياتنا هذه الجدلية التي تحتم على الفرد وعلى الآخر أن يكون أمام انظار الآخرين بدون تواجد، والأمر البديهي كما تعلمناه في علم نفس الشخصية، وعلم النفس الاجتماعي هو هذا الحضور في موقف محدد يحضر لأداءه، ويتوافد النظارة لمشاهدته، إذن لا وجود للشخصية بمعزل عن الآخرين، أو في فراغ، وهذه هي الحياة على أقل تقدير، الحياة الإجتماعية، بدونها لا يمكن أن تستمر الحياة. 

 

د. اسعد الامارة

 

طلحة بشير من قال ان العلوم الاجتماعية عديمة الفائدة؟

بهذا السؤال ناقشت إحدى المواقع الفرنسية[1] مساهمة العلوم الاجتماعية وعلم الاجتماع بوجه خاص في الوباء العالمي  covid19، من خلال الإشارة إلى اسمين بارزين كانا ضمن فريق العمل الذي كلف من طرف الحكومة الفرنسية بإدارة الأزمة وتقديم المشورة العلمية، والتي ترأسها الطبيب جون فرانسو دلفرسي Jean-François Delfraissy، وضمت عالما اجتماع وانتربولوجيا وخمسة أعضاء آخرين، إضافة الى طبيب، وجميعهم مسئولون عن توفير نظرة علمية وسريعة للقضايا المتعلقة بالانتخابات البلدية في فرنسا واحتواء أزمة تفشي وباء كورونا، وتظهر أهمية هذه اللجنة العلمية المتخصصة التي سيتوسع عملها من إسداء المشورة للحكومة إلى إعداد البحوث العلمية المختلفة، وخاصة في مجالي علم الاجتماع والانتربولوجيا، وهذا ما يهمنا في هذا المقام، فكيف تم ذلك ؟ و ماهي المساهمات او وجهات النظر التي يمكن ان يقدمها هذين العالمين ؟

وللإجابة على هذين السؤالين، نقدم هذه الورقة من خلال التطرق الى التراث الفكري السوسيولوجي الذي يمتاز بغناه في تفسير الظواهر المرتبطة بالصحة والمرض والأوبئة وتأثير كل ذلك على ببنية المجتمعات وسيرورتها، بعدها نتطرق الى وجهات النظر التي تبنتها الادارة الفرنسية في تعين عالم الاجتماع والتطرق الى اهم اعماله، مصحوبا بعالمة الانتربولوجية، وليتم في الاخير ابراز مساهمات بعض الباحثين العرب الذين كان لهم السبق في طرق مثل هذه المواضيع .

مساهمات علماء الاجتماع:

الاهتمام بالقضايا المرتبطة بالصحة والمرض وانتشار الأوبئة من طرف علماء الاجتماع لم يكن وليد اللحظة، بل ارتبط بالأعمال الأولي لرواد هذا العلم، الذين كانت لهم مساهمات مباشرة اوغير مباشرة في مجالات تأثير الأمراض والأوبئة على الروابط الاجتماعية وعلى بنية المجتمعات، وهذا ما نجده لدى دوركايم في صدد حديثه عن " التضامن الاجتماعي وخاصة أثناء مناقشته لمسألة الانتحار، فالجماعات والأفراد التي تكون أكثر اندماجا وتكاملا في المجتمع تكون اقل ميلا للانتحار " [2] وتباعا بدت التركيز على نفس الفكرة واعتبار الأمراض والأوبئة ظواهر اجتماعية يمكن فهمها من خلال سياقاتها الاجتماعية والتاريخية، وهذا ما وضحه ماكس فيبر في عمله حول التاريخ والسوسيولوجيا، " كيف يمكننا تقديم تحليل مقارن بين نفس النوع من الاحداث خلال فترات تاريخية متفاوتة "[3]، وتظهر كذلك مساهمة مارسيل موس حول وحدة المجتمعات حيث أشار الى أن " من أهم طرق التحليل في الميدان هي قياس قوة وضعف التماسك الاجتماعي، عن طريق دراسة اللحظات التي تختفي فيها المخاوف، الرحيل في أوقات الحرب الرحيل الجماعي والذعر خلال الكوارث والأوبئة، كل هذه أصناف من نفس الحقيقة، وفي الغالب تظهر تأثيراتها على الجماعات والجماعات الفرعية التي تؤدي الى تفكيكها او اضمحلالها " [4]، وعلى نفس المنوال يعرض Gerard fabre[5] مساهمات علماء الاجتماع في دراستهم للأمراض المعدية والأوبئة، (نوربنت الياس، جورج بلاندي،جاك اتلاي ...الخ) والعديد فيما بعد من علماء الاجتماع التي لم تخلو أعمالهم من التطرق إلى قضايا الصحة والمرض والأوبئة والأمراض المعدية يصعب الإلمام بها في هذا العمل، نظرا لأنه هدفه ليس سرد كل مساهمات علم الاجتماع في هذا المجال .

وعليه إجمالا يمكن تحديد ثلاث مستويات علي الأقل يتم من خلالها معالجة هذه القضايا، فهي تناقش في إطار تخصصات علمية تعد فروعا لعلم اجتماع العام او علوم لها تقاطعات مع علم الاجتماع، كعلم الديمغرافيا وخاصة ديمغرافية البيولوجيا والطب  " التي تتعرض لبعض الأمراض الشائعة في المجتمع وربطها ببعض المتغيرات الأخرى كالجنس والسن والأصل الجغرافي ...الخ " [6]، فيما تناقش فروع علم الاجتماع وخاصة الصحة والمرض او الطبي قضايا المتعلقة بالمرض والصحة  ويعد " علم اجتماع الجسد من بين الميادين الجديدة، التي يتم من خلالها استقصاء الطرق والأوجه التي يتأثر فيها الجسم او الجسد البشري بالعوامل والمؤثرات الاجتماعية والحياة الاجتماعية "[7] .

المستوي الثالث الذي يتم فيه التطرق الى هذه القضايا هي المخاطر " فهو مصطلح يتم تداوله في العديد من التخصصات والميادين، بما فيها علم الاجتماع والأوبئة "[8] .

المساهمة الاولي:

بالعودة الى Daniel Benamouzig [9] الذي تم اختياره ضمن اللجنة سابقة الذكر نظرا لمساهماته  البحثية في علم الاجتماع، وهو يشغل مهمة مدير ابحاث في مركز علم اجتماع المنظمات، وعضو لجنة تقييم الاقتصاد والصحة العامة، تمحورت أبحاثه حول الاقتصاد والصحة، وتاريخ اقتصاديات الصحة في فرنسا، كما كانت اطروحته في علم الاجتماع حول " النهوض وتنمية الاقتصاد الصحي " التي نوقشت سنة 2000 وبإشراف عالم الاجتماع ريمون بودون .

هذا الجانب من اشتغاله العلمي هو الذي أهله ليكون ضمن فريق الاستشارة المتعلق بانتشار الوباء، كما توضح أعماله ولاسيما مقاله المشهور[10] حول المعهد الوطني للتميز السريري بالمملكة المتحدة، وهي وكالة تهتم بتطوير المواد الصيدلانية، تأسست سنة 1999،  تقوم بتحليل نتائج التكلفة، وتقديم الخبرة في مجال الأدوية كما اكسبتها سمعتها بعملها في الميدان قرابة عشرية سنة من امتلاك قدرات ادارية فائقة استطاعت الدخول يها للمجال الدولي .

تركزت دراسة الباحث حول ظروف نشأة الوكالة والمرتبطة بارتفاع أسعار الدواء خلال سنة 1995 والذي حتم إعادة النظر في النظام الصحي في المملكة المتحدة من خلال إنشاء الوكالة الوطنية نيس، والاضطرابات الناتجة عن المضاربة في سوق الادوية والتي أثرت حتي على القرارت العامة، واجبربتها فيما بعد على إحداث " مخطط توزيع المخاطر " والذي استمر العمل به حتي اللحظة .

تبنت الدراسة مقاربة تحليلية كيفية تقوم على رصد التفاعلات والتداخلات بين الاجتماعي والاقتصادي والمؤسسي، بدلا من التركيز على التنظيم الداخلي للوكالة وتم ذلك من خلال الرجوع الى المصادر المختلفة، سجلات الأعمال، مقالات والوثائق الإدارية والتقارير التقنية الصادرة من طرف الوكالة وتم تكملتها بإجراء مقابلات مع بعض أعوان الوكالة و الاقتصاديين العاملين في مجال الصحة البريطانية وتأخذ بعدين في تحليلها، البعد الأول هو تاريخي من خلال تحليل الوثائق والثاني تحليلى يركز على النقاط المثيرة للجدل .

المساهمة الثانية:

تمثل الاختيار الثاني في إدراج اسم الباحثة في مجال الانتربولوجيا  Laëtitia Atlani-Duault، وهي المديرة العلمية لمؤسسة ميزون لعلوم الانسان، ومديرة البحث في مركز سكان وتنمية، وحدة بحث مختلطة بجامعة باريس و مخبر الاثنولوجيا وعلم الاجتماع المقارن، وهي متخصصة في صنع وإدارة الاستجابات الإنسانية والصحية للازمات، وتندرج معظم أبحاثها في انثربولوجيا المساعدات الإنسانية، ولكن اختيارها من طرف الحكومة الفرنسية ضمن فريق العمل خلال انتشار هذا الوباء يرجع الى محور اشتغالها والمتمثل في دور وسائل التواصل الاجتماعي أثناء تفشي الوباء، كما لها العديد من المقالات، كان أهمها الدراسة التحليلية خلال انتشار انفلونزا الخنازير سنة 2009 وبينت فيها كيف أثرت الرسائل الحكومية على إدراك السكان للمخاطر وسلوكيات التحصين، من خلال مقارنة الوضع بين كيبك وفرنسا، كما درست الطريقة التي يتم بها تعيين كبش فدا على الشبكات الاجتماعية من الإنتاج المكتوب والسمعي البصري لوسائل الاعلام خلال هذا الوباء، ووقوفا عند اهم أعمالها يمكن الإشارة الى مقالها الذي تناولت فيه وباء الايبولا وعنونته ب" الايبولا واللوم المحلي على وسائل التواصل الاجتماعي: تحليل محادثات توتير وفيس بوك خلال سنة 2014 -2015 " [11]، ويمكننا تقديم ملخص أهم ما ورد في هذه الدراسة التي تحاكي الوضع الحالي الذي نعيشه، وحالات الخوف والهلع الذي أثارها وباء الكورونا

اعتبر تفشي الإيبولا 2014-2016 في غرب أفريقيا حالة استثنائية في التاريخ الوبائي، بسبب نطاقه الجغرافي ومعدلات الاعتلال والوفيات والشكوك المتعلقة بالعلاجات، فانتشاره ولد مخاوف دولية، استخدمت معظم الدراسات المهتمة بتمثيل الفئات الاجتماعية خلال وباء الإيبولا وسائل الإعلام التقليدية، ومع ذلك يتماشى هذا مع الأبحاث التي أجريت في العقد السابق، والتي أظهرت أنه خلال الأوبئة والأزمات والأمراض المعدية الناشئة، كانت وسائل الإعلام التقليدية هي المصادر الرئيسية للمعلومات العامة واعتبرت الأكثر موثوقية .

اليوم، يتم الوصول إلى الوسائط التقليدية بشكل متزايد من خلال منصات الويب ووسائل التواصل الاجتماعي، كما أن التقنيات الجديدة مثل الأجهزة المحمولة تزيد من وتيرة هذا الوصول، هناك أيضًا قدرة متزايدة على مناقشة الأحداث مع الآخرين من خلال المنتديات . ومن ثم من الضروري توسيع البؤرة التحليلية وإدراج وسائل التواصل الاجتماعي كمجموعة في دراسة الأوبئة.

يمكن فصل مجموعة الدراسات التي قامت بتحليل وسائل التواصل الاجتماعي أثناء الأوبئة إلى أربع فئات.

اولا:  تُستخدم وسائل التواصل الاجتماعي كأداة لعلم الأوبئة الرقمي متاحة للجمهور ويتم تحليل المصادر العامة للكشف عن تفشي الأمراض ومراقبتها بشكل أفضل

ثانيًا، تم تحليل وسائل التواصل الاجتماعي لاستكشاف المحتوى عبر الإنترنت الذي يتخيله المستخدمون من أجل فهم أفضل للمعلومات التي يستهلكونها، ولكن عادةً دون مراعاة للطريقة التي يتم تلقيها وتقديرها

ثالثًا، اكتشف بعض الباحثين الشائعات والمعلومات المضللة التي يتم تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وأبرزوا أهمية قيام سلطات الصحة العامة بتحليل مثل هذه المحادثات والتصدي لانتشار المعلومات الكاذبة .

الفئة الرابعة من البحث، التي تقع فيها هذه الدراسة، تعتبر تحليلات وسائل التواصل الاجتماعي أدوات مفيدة لتقييم التصورات حول قضايا الصحة العامة وتستكشف فهم المستخدمين للأوبئة، من أجل فهم افضل انشغالاتهم ومشاعرهم  وتعديل استراتيجيات الاتصال عبر الإنترنت التي تستهدف هذا الجمهور.

في سياق وباء الإيبولا كانت معظم الدراسات تقع في الفئتين الأولى والثالثة. للبدء، اقترح البعض أنه يمكن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة وبائية، مما يسمح للسلطات الصحية بالتنبؤ ورصد انتشار المرض

ثانيًا، حللت بعض الدراسات أيضًا وسائل التواصل الاجتماعي لفهم أسباب سوء تفسير مرض الإيبولا بشكل أفضل، مع التركيز على المفاهيم الخاطئة والمعلومات الكاذبة التي يتم تداولها خلال وباء الإيبولا .

لم تقم الدراسات السابقة بتحليل الفهم العام لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي لوباء إيبولا على الرغم من أهمية الدراسات الحالية، فإنها تتخلى عن المعنى النوعي المستثمر في تفشي المرض من قبل المستخدمين .

هدفت هذه الدراسة إلى المساهمة في الأدبيات حول الإيبولا ووسائل التواصل الاجتماعي من خلال تحليل الإسناد والديناميكيات المتطورة للوم على الإنترنت، كانت الأرقام الخارجية أكثر بروزًا في محادثات وسائل التواصل الاجتماعي في بداية الوباء. ومع ذلك، مع تقدم الوباء وزيادة خطر الانتشار الدولي  تحول اللوم تدريجيًا إلى أرقام محلية بشكل متزايد. في نهاية المطاف، تسلط نتائج هذه الدراسة الضوء على ديناميكية محلية للوم الحكومات الوطنية والمهاجرون المجاورون هم المسؤولون في الغالب عن انتشار وباء الإيبولا، والذي، كما سنوضح، يمكن أن يوفر إحساسًا قويًا بالقوة، ولكن أيضًا مشاعر المرارة .

وخلصت الدراسة الى مايلي:

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي معترف بها بشكل متزايد كأداة لتبادل المعلومات بين سلطات الصحة العامة والجمهور العادي، وتستخدم كمنصات لتثقيف الجمهور حول القضايا والمبادرات الصحية في سياق وباء الإيبولا .

تم تطوير حملات وسائل التواصل الاجتماعي لإعلام عامة الناس بأعراض المرض وعوامل الخطر التي يمكن أن تنتشر الإيبولا وتطور الوباء وطرق التبرع للجمعيات الخيرية ومع ذلك، لا يتم إبلاغ سلطات الصحة العامة بشكل كافٍ عن المحادثات التي يتم تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في المقام الأول كقنوات ذات اتجاه واحد لنشر المعلومات .

في الواقع، تظهر نتائجنا أن مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي يلومون الشخصيات القريبة في التعليقات المليئة بالعاطفة، ويسلطون الضوء على علاقات الإحباط الموجودة مسبقًا .

يمكن أن يساعد التحليل الاستباقي للوم المتداول في وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مفيد سلطات الصحة العامة على فهم إدراك مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي للوباء بشكل أوفى .

إن استراتيجية نشر المعرفة الطبية الحيوية ببساطة (الأعراض والانتقال والممارسات المعرضة لخطر الإصابة) بفيروس الإيبولا - وبالتالي، على أوبئة أخرى من الأمراض المعدية غير كافية لتؤدي إلى تغيير السلوك وزيادة التعبئة المجتمعية في جهود الصحة العامة.

لا يجب أن تقتصر استراتيجيات الاتصال في أوقات الأوبئة على تصحيح المعلومات الطبية الخاطئة حول المرض، ولكن يجب أن تأخذ أيضًا في الاعتبار السياسات الوطنية والمحلية والتصورات والإحباطات في فهم الوباء. علاوة على ذلك، نظرًا للتطور الزمني لأرقام اللوم، كما هو موضح في دراستنا، فإن التحليل في الوقت الفعلي والمستمر لمحادثات وسائل التواصل الاجتماعي مهم لتخصيص جهود الاتصال عبر الإنترنت وفقًا لتصورات المستخدمين. من ناحية، يمكن أن يسمح ذلك بحملات اتصال أفضل تستجيب لتصور الجمهور للمخاطر، والتي تعالج المخاوف أو عدم الثقة بطرق تعزيز التماسك الاجتماعي وتعبئة المجتمع .

هذا ملخص عن أهم ما ورد في مقال الباحثة، والتي يمكن الاستفادة منها ولاسيما في عدم إهمال ما يتم تعاطيه في مواقع التواصل الاجتماعي في مثل هذه الحالات .

لقد أظهرت الشبكات للمتتبعين مدى الخوف والهلع الذي أحدثه انتشار فيروس كورونا في المجتمعات العربية وحالات الإرباك التي أصابت المجتمع بجميع أطيافه  والتعامل اللاعقلاني مع إدارة الأزمة، وإهمال الجوانب الإنسانية والاجتماعية في التعاطي مع هذا الحدث، كما أوضحت منصات التواصل الاجتماعي غياب الخطاب العقلاني وسيادة الخرافة والنظرة التقليدية الدينية، وهذا ما يعكس في جانبه الأخر الغياب الشبه الكلي لمؤسساتنا البحثية ونخبنا العلمية في المساهمة في دراسة والتخفيف من حدة التعاطي مع هذا الوباء، ليس عجزا وإنما في بعض الأحيان تغيب عن قصد أو غير قصد، للكفاءات عن دوائر الاستشارة والإشراك في اتخاذ القرارات ولاسيما المصيرية، فهناك العديد من الدراسات في عالمنا العربي التي تطرقت الى هذه المواضيع بحكم تخصصها، ويمكن هنا الإشارة الى العمل القيم الذي قام به الأستاذ والباحث كمال كاتب في رسالته التي قدم لها بنيمين ستورا [12].

والتي تطرق من خلالها الباحث الى التاريخ الديمغرافي للجزائر خلال الفترة الاستعمارية ونقد طروحات الفرنسيين، وبين فيها ديناميكيات انتشار الأوبئة والجوائح ودور الاستعمار في ذلك وخاصة وباء الكوليرا ونقله للأهالي، وإذ نذكر بهذا العمل فإننا نذكر بقدرات العقل العربي على الإسهام في الفكر العالمي اذا ما أتيحت له الفرصة.

 

د. طلحة بشير - الجزائر

 استاذ محاضر بقسم علم الاجتماع

Mn.talha@gmail.com

........................

قائمة المراجع: 

انتوني جيدينز، علم الاجتماع، ترجمة: فايز الصياغ، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، 2005، ص 230 .

جويدة عميرة، اتجاهات نظرية في علم السكان، دار جوانا للنشر والتوزيع، القاهرة، 2014، ص 24 .

Gérard Fabre ,Épidémies et contagions L'imaginaire du mal en Occident , Presses Universitaires de France , 1998 ,  p 248 .

Daniel Benamouzig ," Nice et les interférences Pharmaceutique la Négociation de prix exorbitants" , Revue française des affaires sociales , 2018/3 | pages 181 à 201 ,   ISSN 0035-2985 https://www.cairn.info/revue-francaise-des-affaires-sociales-2018-3-page-181.htm

Kamel Kateb, Européens, "indigènes" et juifs en Algérie (1830-1962): représentations et réalités des populations; préface de Benjamin Stora Éditions de l'Institut national d'études démographiques, 2001.

Melissa Roy , Nicolas Moreau , cile Rousseau, Arnaud Mercier,  Andrew Wilson , titia Atlani-Duault ,  "Ebola and Localized Blame on Social Media:Analysis Of Twitter and  Facebook Conversations During the2014–2015 Ebola Epidemic " Cult Med Psychiatry (2020) 44:56–79 https://doi.org/10.1007/s11013-019-09635-8 ,Published online:18June2019

Youness Bousenna , "Coronavirus: qui sont les deux chercheurs en sciences sociales qui éclairent le gouvernement" ? Télérama . Publié le 19/03/2020. Mis à jour le 19/03/2020 à 17h56.https://www.telerama.fr/monde/coronavirus-qui-sont-les-deux-chercheurs-en-sciences-sociales-qui-eclairent-le-gouvernement,n6618099.php

 هوامش

[1]  Youness Bousenna , "Coronavirus: qui sont les deux chercheurs en sciences sociales qui éclairent le gouvernement" ? Télérama

[2]  انتوني جيدينز، علم الاجتماع، ترجمة: فايز الصياغ، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، 2005، ص 230 .

[3] Gérard Fabre ,Épidémies et contagions L'imaginaire du mal en Occident , Presses Universitaires de France , 1998 ,  p 27 .

[4] Ibid ; p 29 .

[5] Ibid ; p 29 .

[6]  جويدة عميرة، اتجاهات نظرية في علم السكان، دار جوانا للنشر والتوزيع، القاهرة، 2014، ص 24 .

[7]  انتوني جيدينز، مرجع سبق ذكره، ص 225 .

[8] Gérard Fabre , op ;cite , p 20 .

[9] Youness Bousenna , "Coronavirus: qui sont les deux chercheurs en sciences sociales qui éclairent le gouvernement" ? Télérama .

[10] Daniel Benamouzig ," Nice et les interférences Pharmaceutique la Négociation de prix exorbitants" , Revue française des affaires sociales , 2018/3 | pages 181 à 201

[11] Melissa Roy , Nicolas Moreau , cile Rousseau, Arnaud Mercier,  Andrew Wilson , titia Atlani-Duault ,  "Ebola and Localized Blame on Social Media:Analysis Of Twitter and  Facebook Conversations During the2014–2015 Ebola Epidemic " Cult Med Psychiatry (2020) 44:56–79

[12]Kamel Kateb, Européens, "indigènes" et juifs en Algérie (1830-1962): représentations et réalités des populations; préface de Benjamin Stora Éditions de l'Institut national d'études démographiques, 2001.

 

 

عصمت نصارلم يقف تأثر «حسين المرصفى» بالفلسفة الفرنسية بعامة، والمنهج الديكارتي بخاصة عند بسط المعانى وتوضيح المفاهيم فحسب، بل تجاوز ذلك إلى استبعاد المصطلحات التى يصعب على العقل قبولها مباشرة، وذلك لأنها تحتاج إلى مزيد من الدراسة والاستدلال المنطقي والاستنباط والاستقراء قبل قبولها ــ كبديهيات ــ أو التسليم بدلالتها.

ويتضح ذلك جليًا في حديثة المقتضب عن العدل والسياسة ولعله قصد ذلك لأن خطابه «رسالة الكلم الثمان» كان موجهًا للشباب حديثي العهد بالأمور التى تحتاج إلى ممارسة ودراسة للواقع والأنساق التى انطلقت منها، فالعدل يحمل سياقات عدة وأبعاد كثيرة، الأمر الذى يتغيّر معناه أو دلالته تبعًا للنسق السياسي أو الاجتماعي أو الأخلاقي، فنجده يعرف العدل بأنه «أن يعمل كل أحد عمله الذى يعود نفعه على الناس كاملًا، وأن يوفيه الناس قيمة ذلك العمل كاملة، فإذا لم يعمل وطلب قيمة أو عمل ناقصًا وطلب كاملًا، فقد ظلم، وإذا عمل ولم يوفه الناس قيمة عمله فقد ظلموه».

ويبدو أنه عرف العدل بدلالته الإجرائية البسيطة أو إنْ شئتَ قل بلغة المثقف البسيط.

وبنفس التوجه نجده يعرف السياسة «بأنها تحديد الأعمال وتقدير القيّم وإلزام الكل بالعمل وتوفية القيمة بما أن كلًا منهما ــ أى العدل والسياسة ــ فرض يلزم تأديته، فإنْ لم يؤده بنفسه وجب إلزامه».

ولا أستبعد إنه قد عَزَفَ عن المواطن الشائكة التى تعرض خطابه للصراع مع السلطة القائمة، تلك التى كانت تأبى الخوض في الحديث عن العدالة وأمور السياسة، وهى من الأمور التى استفاض في الحديث عنها «رفاعة الطهطاوي» في كتبه «تخليص الإبريز، والمرشد الأمين، ومناهج الألباب»، ناهيك عن تلاميذ «جمال الدين الأفغاني» من أمثال «أديب إسحاق (1856م-1885م)» في «مجلة التجارة» و«يعقوب صنّوع (189م-191م)» والعديد من الجمعيات السرية والجمعيات الأهلية مثل «جمعية الحزب الوطني (1879م)، جمعية الاتحاد والترقي التركية (1889م)» التى احترفت السياسة للدفاع عن الحرية والعدالة والمساواة ضد استبداد السلطنة العثمانية في الولايات العربية وانتهاء بالثورة العرابية وعواقبها.

أمّا حديثه عن الحرية؛ فكان أقرب إلى المعلم المدقق الرامي إلى تقويم المفاهيم السائدة وإرشاد الشباب إلى القيم المصاحبة للحرية باعتبارها حقاً إنسانياً وفضيلة أخلاقية وسلوك يقتضى الأناة والتعقل والوعى حتى لا تجنح بمعتنقيها والمدافعين عنها صوب الهمجية أو سجن التقليد والتبعية والتعصب الذى يحرم الآخرين من عين الحق الذى يدافعون عنه سواء في ميدان التساجل أو التناظر أو التفكير أو الاعتقاد.

وبالجملة؛ فقد أراد توعية الشباب بأن المطالبة بالحرية لا تستقيم مع جهل المستسلم أو حُمق المتعصب أو همجية الفوضوي.

فذهب «المرصفي» إلى أن الحرية الحقيقية هى أن يفعل المرء ما يراه حق وواجب بعد تدبر وتعقل ووعى بواجباته نحو المجتمع الذى يعيش فيه والمآلات التى سوف تترتب على اختياراته وأفعاله، شريطة عدم الاعتداء أو تجاهل حق الأغيار وحرية المخالفين في المعارضة وإلا تحول ذلك المطالب أو الممارس للحرية إلى ظالم ومستبد ومعتد، وغير ذلك من الرذائل المناقضة لفضيلة الحرية.

ويقول «الحرية معرفة وشرف وانقياد وإباء؛ فإذا لم يكن واحد من تلك الأشياء بأن كان الإنسان جاهلًا، دخل تحت أسر التعليم ومنع من الأفعال حتى يعرف ماله فعله وما ليس له فعله حذرًا من وقوع الفساد، وإبطال معنى الاجتماع التعاوني الذى قلنا إنه من ضرورة الحياة الإنسانية، أو كان خسيسًا يعرف ماله ويتجاوز إلى ما ليس له، أو منقادًا في محل الإباء أو أبيًّا في محل الانقياد، أخذ الناس على يده ومنعوه من التصرف لما فيه من العدوان والظلم والحماقة والسفه، وإذ يكون حكمه حكم البهيمة العجماء التى لا يصح في رأى أحد أن تترك تفعل أهواءها أو يكون وسطًا بين الإنسان الكامل وبين البهيمة، وحينئذ يطلب له اسمًا غير الحر، فسَمّه ما شئت.. وما يجرى على بعض ألسنة الناشئين في هذه الأوقات الحاضرة مما يوهم خلاف ذلك، فحقه التنقيح والتهذيب وإن أبوّ وجب أن تتناولهم سيّاط التهذيب».

وأعتقد أننا أحوج ما نكون لهذه الدلالة الإجرائية لمصطلح الحرية، ليس في ميدان السياسة فحسب بل في كل شئون حياتنا، فرب الأسرة يجب أن يكون قدوة لأبنائه في ممارسة تلك الحرية داخل نطاق العائلة وخارجها بداية من مسئوليته في التوجيه ومرورًا بإعطاء القدر المعقول لأبنائه وزوجته لممارسة تلك الحرية تبعًا لوعيهم بمنأى عن حمى التقليد والشطط والتطرف بل والعنف أحيانًا وانتهاء باهتمام قادة الفكر وأصحاب المنابر لتوجيه الرأى العام إلى أهمية القيّم المصاحبة لممارسة الحرية فالجنوح والمجون والتمرد على الواقع والتعلق بالشاذ والاجتراء على الثوابت ليست من الحرية في شيء.

ولا يعنى مفكرنا تكبيل الحرية بالقيود التى تفرضها القوانين والأعراف والذوق الجمعى والفكر السائد بل على العكس من ذلك تمامًا، فهو يرحب بإدراك الشباب للمعنى الحقيقي للحرية، بوصفها وليدة اختيار واع وإرادة مستقلة وإيمان راسخ بأن تحقيق وجوده وهويته والسمات المميزة لشخصيته مرهون بقدرته على انتقاء أقواله قبل أفعاله والارتقاء بذوقه قبل الاندفاع في ممارسة متطلبات الجسد والمنافع المادية المباشرة.

ويقول « وإني لآسف شدة الأسف، وأعجب كل العجب من حال ناس يبالغون في استحسان أمر ووصف حميد آثاره، واستقباح آخر وذكر وخيم عواقبه، ثم لا يبادرون بالأعمال الموجبة لبقاء الحمد وجميل الذكر، اعتلالًا باختلاف الآراء وشتات الأهواء وتباين الميل، وذلك يمكن أن نقول إنه قصور نظر وفتور همة ما لهم لا يحاولون وحدة الرأى واتفاق الهوى حيث كان مقصد الكل المنفعة.. وكأنى بقائل يقول إنك على ما قررت في أمر من معنى الحرية قد خصصتها بأهل المعرفة وجردت منها سواهم، فأقول إن الناس كلهم ــ كما سلف التنبيه عليه في غير موضع ــ أهل معرفة فإن أحدًا لا يجهل المنفعة والمضرة، وإن كان تفصيل جزيئات ما له وما عليه ربما خفى وجه الحكمة فيه، فهو يستند في تعريفه وتقريره إلى غيره من طائفة أرصدتها الأمة لحفظ الأحكام ومعرفة الحكم، كما يرشد إليه قوله تعالى (فأسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) فالمعرفة إما بالنفس وإما بالتبع».

وحسبي أن أوكد على أن نسقية «حسين المرصفي» وتحيّزه لمبدأ المنفعة العامة في كل ما تطرق إليه من مفاهيم أو من معاني «للكلم الثمان» لا يخرجه من زمرة المجددين بل التأكيد على أن مقصده الحقيقي هو تربية الرأى العام على نحو يدفع الشباب إلى بناء أمته ووطنه بنهجٍ يدفعها إلى الرقى والتقدم ويمنعها من الإنقسام والتشتت وتصارع طبقات المجتمع وفئاته فتنحط الأمة ويضيع الولاء والانتماء للوطن.

 

بقلم : د. عصمت نصار

 

محمد الزموريكل شيء بالمصلحة، هذا ما توصل اليه "ماكس شتيرنر" قبل قرنين من الزمن، سابقا الاقتصاديين بفرضياتهم ونظرياتهم وكتبهم وتخبطاتهم وعقمهم، تماما كما توصل الى ذلك المفكر المغربي الكبير عبد الله العروي بقوله: "ما يحرك المجتمع ليس الحق بقدر ما هو المنفعة."

داخل منظومة مبنية على المصلحة، يستحيل أن تكون تحليلاتك مغلوطة، لذلك فماكس شتيرنر وماكياڤيلي حتى وان بدو خارجين عن المعهود ونسبيا "أشرار" فذلك بسبب الارتباط غير الواقعي للأفراد مع الأخلاق، لذلك فما تحدثوا عنه أثبت صلاحيته وسيبقى كذلك لأنه مضروب عميقا داخل الطبيعة البشرية المبنية على المصلحة.

المصلحة تدخل فيها منظومة الاخلاق وكل الفضائل، والكلام المرسل بأن كل "مجتمع مبني على المصلحة هو مجتمع فاسد" يشبه الكلام بأن "الرأسمالية نظام لا أخلاقي"، على سبيل المثال مؤسسات العناية باليتامى الخاصة هي أكثر فعالية وأكثر صدقا وأكثر نجاعة من مؤسسات اشتراكية لحماية اليتامى. وحديثي هنا عن واقع الاشتراكية التحريفية السائدة اليوم.

تتزوج لتجد من يرعاك ويملأ خوائك العاطفي والاجتماعي، المصلحة يمكن أن تفسر بها حتى "الأخلاق" و"الفضائل". الحب الأفلاطوني الفاضل الأبدي مثلا، ما هو الا شكل ناجع من "التأمين ضد الوحدانية" مثل أن تقدم خدمات وعندما تحتاج المقابل تجده، أنت لا تخون لأنك لا تريد من أحد أن يخونك ...هل تظهر لك البلاغة؟ انه الواقع، والحقيقة التي يرفض العالم مواجهتها ويفضل تصديق أفلاطون.

إذا كان أحد يحتاج الى مساعدة، هل اساعده أم أتركه يواجه مصيره وحيدا؟ من باب المصلحة أن اساعده إذا توفرت لي إمكانيات المساعدة لأنه من الممكن أن أكون يوما ما مكانه، لذلك فمصلحتي تحتم على ان أكسبه الى جانبي.

مجتمع المصلحة هو مجتمع أناركي بامتياز، والأناركيين الوحيدين الحقيقيين هم الرأسماليين، أي مجتمع ينبني على الأخلاق والتعاون مصيره الفشل، فقط المجتمعات التي تبنى على المصلحة هي القوة الفتاكة. أتحدث هنا على الشق السياسي الاجتماعي، أما فرديا، فالصوفية أناركية في حد ذاتها، لأنها تبحث سبل الخلاص الروحي الفردي. أتكلم على الأنركية كمثال لمجتمع ناجح ذلك الذي يدفع التكنولوجيا باستمرار لحماية نفسه.

هل من الممكن ان نطالب بالأناركية حاليا؟ ببساطة لا يمكن، لأن التعاون والأخلاق ليسوا جزء من المصلحة، %99 من البشر مؤمنون أن الأخلاق والفضائل هي ملازمة للسلوك الاجتماعي البشري (مقصلة داڤيد هيوم) لكن في المستقبل ممكن أن تظهر مجتمعات واعية بشكل كامل أن الأخلاق هو ترف غير موجود، وهي فقط ميكانيزم للحماية مثلها مثل أي تكنولوجيا أخرى، غير ما يروج له الأنثروبولوجيين الطوباويين هداهم الله. لذلك فالأناركية تعمل جيدا داخل مجتمع رأسمالي ويستحيل أن تجد موطئ قدم لها داخل مجتمع "تعاوني أخلاقي".

الأناركية الرأسمالية غير ممكنة حاليا، ولكن نحن سائرون نحوها أبينا أم كرهنا هي نبوءة ستتحقق، بعد أن تتعلم البشرية ما كتبه "فريدريش هايك" عبر مراجعة الشق التطوري لنظرية المعرفة.

الأناركية مستحيلة التطبيق وتحتاج إلى صدمة لأن الحكومات تضعف يوم بعد يوم بشكل لا يصدق، وأصبحت تأتمر بأوامر الشركات، الحكومات قوية في المجتمعات ذات معدلات ذكاء منخفض فقط وهذا الأمر في طريقه الى الزوال. حتى نظام "دولة الرفاه" ما هو الا صدقة الشركات للفقراء لكي يغلقوا أفواههم، خدوا القليل من الرعاية الصحية، والقليل من التأمين عند البطالة، لكيلا تخرجوا وتثيروا الفوضى.

أيها المتلقي المجهول، لا تترك تحليلك السطحي يوهمك بأن الدولة تتحكم في الاقتصاد، بالعكس هي لا تتحكم في أي شيء، هي فقط تسبب الازمات للاقتصاد، تهدم وتفسد وتسبب الكوارث، وبعد أن دخلنا عصر العولمة بشكل كامل أصبحت الشركات تتحكم في الحكومات، هذا عصر الكورپوراتيزم ولله الحمد.

الليبرتارية تشكل ما يمكن تسميته بدين جديد، فالذي اعتنق الليبرتارية اقتصاديا سينجو بجلده لأنه سيتخلص من الترهات الشعبوية واليمينية ويبتعد على السياسة ويركز على البراغماتية في الأداء الحيوي.

الشركات سوف تستعبد الجميع، ولكن بشكل طوعي، الانسان أصلا قليل الادراك، فمن الاحسن والاجدر أن يكون عبدا للشركات على أن يكون عبدا للحكومات، والهدف الليبرتاري هو أن تكون صاحب الشركة وليس عبد الشركة.

النمو الديموغرافي لا يجعل الناس سواسية (نظرية المرجح) لكنه بالمقابل هو جد مفيد، فذلك يعني المزيد من الزبائن وبالتالي المزيد من القوة والأكثر من ذلك تشجيع المنافسة، فمن ينافسني في البيئة الليبرتارية سوف انسفه بالتكنولوجيا، هو سوق مفتوح المتسيد فيه هو من يبدع ويعمل ويفكر.

أول مرة استطعنا تحطيم نظرية "مالثوس" كانت يوم أطلقنا العنان لليبرتارية، كلما ازداد عدد البشر فوق الكرة الأرضية كلما ازدادت الثروة البشرية، والتنافس هنا مفتوح أمام الجميع، فاقتصاد المعرفة يؤمن بالجميع وليس فقط ملاك وسائل الإنتاج.

يوجد كتاب صغير رائع للمفكر “هانز هيرمان"، عنوانه "تاريخ موجز للبشرية" يشرح كل ما تطرقنا اليه بالتفصيل الصادم، قراءته هو مناسبة جيدة لمراجعة افكارنا العقيمة. 

 

الأستاذ/ محمد إبراهيم الزموري

باحث في الشئون القانونية والفكرية

 

ناجي احمد الصديقتطبيقا لنظريتى القوة القاهرة والظرف الاستثنائى

اجتاح العالم فى الفترة الاخيرة مرض فيروس الكورونا، ليس كفيروس السارس الذى ضرب دول شرق اسيا وتوقف وليس كمرض الايبولا الذى إذا شرق افريقيا وانتهى ولكنه تفشى فى هذه المرة وانتشر وعم العالم بأقطابه الأربعة وفرض واقعا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا جديدا، ... فرض واقعا مريرا وصادما ومزلزلا حتى اضطر الناس معه فى البقاء فى بيوتهم الى حين،وترك إعمالهم الى مدى، والنكوص مجبرين عن تنفيذ التزاماتهم القانونية الاجتماعية والسياسية والشخصية، وفى خضم هذه الجائحة برزت الى الوجود وبشكل عنيف معضلة عدم تنفيذ الالتزامات القانونية بموجب عقود ومعاهدات على مستوى الوطن والإقليم والعالم واوجد عدم تنفيذ تلك الالتزامات مشكلات قانونية بالغة التأثير وبالغة التكاليف وبالغة الخسائر مما يستدعى الوقوف برهة ومعرفة الاثار القانونية المترتبة على عدم تنفيذ تلك العقود على كل المستويات بسبب الأوضاع القانونية التى جاءت عقب إصدار الحكومات قراراتها بإغلاق الحدود ومنع التجمعات وفرض حالات الطوارئ ..

معالجة الواقع القانونى الذى فرضه فيروس الكزونا يستند على نظريتين رئيستين فى القانون وهما نظرية القوة القاهرة ورديفتها نظرية الظروف الطارئة وعلى هدى من النظر فى شروط وآثار تطبيق هاتين النظريتين نناقش الى اى مدى يمكن ان يكون فيروس الكرونا مانعا قانونيا دون تنفيذ ملايين العقود حول العالم وسببا فى تطبيق نظريتى القوة القاهرة والظروف الطارئة لحماية ملايين الأشخاص من خطر النكوص عن تنفيذ التزاماتهم القانونية الواجبة عليهم جراء إخلالهم بها نتيجة للواقع المرير الذى وضع فيه الفيروس كل العالم تحت رحمته

من الملائم بدأ هذا المقال بتعريف لنظريتى القوة القاهرة والظروف الطارئة وما يترتب عيها من اثار قانونية فى حال بروزها الى العلن بحسب ما نصت عليه القانون والفقه السودانى والمقارن

يرجع أصل مفهوم القوة القاهرة (Force Majeure) الى القانون الفرنسي وقد اقتبسه قانون الإحكام الانجليزي (Common Law) من هذا القانون وجعله سببا من أسباب استحالة تنفيذ الالتزام التعاقدي واقترن ببند تعاقدي عرف بشرط القوة القاهرة (Force Majeure close) .ويتشابه مفهوم القوة القاهرة المقتبس من نظام القانون المدني (Civil law system) مع مبدأ استحالة تنفيذ الالتزام التعاقدي (Doctrine of frustration) الذى يرجع أصله الى نظام قانون الأحكام العامة الانجليزي من حيث انه ينبغى على المدين فى كليهما ان يثبت ان تنفيذ الالتزام صار مستحيلا وليس مرهقا فقط ويعرف جانب من الفقه الانجليزى شرط القوة القاهرة بانه بند تعاقدي يوفر قدرا كبيرا من الأمان القانونى والمعالجات التعاقدية ويبقى على إمكانية تعديل الالتزام التعاقدي او إطالة مدة تنفيذه او حتى انهاء العقد فى ظروف خارجة كليا عن سيطرة المدين .

والقوة القاهرة فى ابسط تعريفاتها هى الحدث الذى ينجم عن ظرف خارجي عن الشئ نفسه كحدوث زلزال او فيضان او اى شئ اخر غير متوقع واجتبى عن الشئ نفسه ويستحيل دفعه عند وقوعه ويستحيل معه تنفيذ الالتزامات القانونية المترتبة على العقود التى تم ابرامها قبله

يتبين لنا مما سبق انه يشترط لتطبيق نظرية القوة القاهرة فى القانون الانجليزي ان تكون نتيجة لحدث عام فجائى ناتج عن ظرف خارجى لا سبيل لدفعه ولا يمكن توقعه كما انه يجعل من تنفيذ الالتزامات التعاقدية فى ظله امر مستحيلا وليس مرهقا فقط وتشمل الالتزامات اللاحقة للحدث وليست السابقة او المعاصرة له

لم يكن القانون السوداني يعرف ما يسمى بالظروف الطارئة على النحو الذي يعرفها به القانون المصري أو الفرنسي وإنما كان بوصـفه أحـد القوانين المستمدة من القانون الإنجليزي يعرف مـا يسـمى بنظريـة الاستحالة الإنجليزية ويطبقها فى أحكامه. علي أن ظـروف الحيـاة العصرية واطراد المعاملات وتشعبها وارتفاع الأسعار ونـدرة السـلع وفرض القيود على الواردات والصادرات وعدم ثبـات قيمـة النقـود والتضخم كل ذلك جعل المشرع السوداني يعمل على تشـريع نظريـة الظروف الطارئة ليستطيع أن يخفف وطأة الخسارة الجسيمة التى كـان يمكن أن تحدث لأحد الطرفين لو أجبر على تنفيذ التزاماته المنصوص عليها فى العقد فقد تم النص عليه فى قانون العقود لسنة 1971 وقانون 1974م ثم تضمنه قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م حيث نصت المادة 117 على الاتى (1\اذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن فى الوسع توقعها وترتب على حدوثها ان تنفيذ الالتزام التعاقدي وان لم يصبح مستحيلا صار مرهقا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة جاز للمحكمة تبعا للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين ان ترد الالتزام المرهق الى الحد المعقول ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك).

 الأثر المباشر لتطبيق هذا النص هو رد التزام الطرف الذي تأثر بوقوع الظرف الطارئ وصار مرهقاً للحد المعقـول ويحـدث ذلـك بتـدخل القاضي، وسلطة القاضي فى التدخل تكون فى حدود الحكم بالتعويض فقط دون تعديل شروط العقد النظرية تقرب المدين فى التنفيذ العيني من القدر الذي كان يمكن توقعه وقت العقد . مجال تعديل العقد للظروف الطارئة هـو العقـود الملزمـة للجـانبين فالمقصود من التعديل هو إعادة التوازن العقدي الـذي إختـل بسـبب الظرف الطارئ . وهذا ما يفترض التزامات على عاتق كل من طرفي العقد يقوم بينهما التوازن . على أن هنالك اتجاها فى الفقه الإسـلامي يقصر ذلك على العقود المحددة تأسيساً علـى أن العقـود الاحتمالية تفترض بطبيعتها الكسب والخسارة فى جانب كل من طرفيهـا من العقود الملزمة للجانبين يجب أن يكون هنالك فاصل زمني بين انعقاد العقد وبين تنفيذه يتخلله الظـرف الطـارئ . فإعمـال نظريـة الظروف الطارئة يقتصر على العقود المتراخية التنفيـذ وهـي تشـمل العقود الزمنية سواء كانت عقوداً مستمرة كالإيجار والعمل مـثلاً، أو كانت عقوداً دورية كالتوريد . فمثل هذه العقود تمتـد بطبيعتهـا فـى الزمن. وأيضاً العقود المتراخية التنفيذ تشمل كذلك العقود الفورية إذا ما تأجل تنفيذها بإتفاق الطرفين فمثل هذه العقود وإن لم تكن بطبيعتها تمتد في الزمن إلا أن إضافة تنفيذها إلي أجل أو آجال متعاقبة من يسمح بحدوث ظروف جديدة تجعل التنفيذ مرهقاً أثناء الآجل . أولاً : يجب أن يقع حادث استثنائي = بالحادث الاستثنائي ذاك الذي يندر حصوله بحيث يبدو شاذاً بحسب المألوف من شـئون الحياة فلا يعول الرجل العادي عليه ولا يـدخل فـى حسـبانه كالحروب والزلازل والحرائق وانتشار الأوبئة والسيول العنيفـة وغارات الجراد والتهام المحصول بالدود بشكل غيـر معهـود وفرض التسعيرة الجبرية ورفعها . إلي غير ذلك مـن النـوازل والإحداث . وليس يلزم أن يكون الحدث الاستثنائي قد وقع نتيجة فعل الطبيعة أو نتيجة أية واقعة مادية أخرى بل أنه يعتبر حادث استثنائي وينهض سبباً لتطبيق نظرية الظروف حتى ولـو كـان ناجماً

عن صدور تشريع جديد او فرض لحالة طوارئ وغيرها من الوقائع القانونية الأخرى ويجب ان يكون الحادث عاما وشاملا بحيث لا يكون مقتصرا على المدين وحده،فنظرية الظروف الطارئة كنظرية القوة القاهرة تماما لا تكون الا للأحداث التى لم تكن فى الحسبان ولم يكن فى الوسع توقعها عند ابرام العقد .

اما فيما يتعلق بنظرية القوة القاهرة فى القانون السوداني والتى يترتب عليها استحالة تنفيذ الالتزامات التعاقدية فقد نص قانون المعاملات السوداني لسنة 1984 فى المادة 130 منه على الاتى (فى العقود الملزمة للجانبين اذا انقضى الالتزام لاستحالة تنفيذه بسبب اجنبى لا يد للمدين فيه انقضت معه الالتزامات المقابلة له وينفسخ العقد من تلقاء نفسه) وعليه فان القانون السودانى قد قان بتنظيم حالات استحالة تنفيذ الالتزام لسبب اجنبى عن المدين وذلك بانقضاء الالتزام المقابل المقابل له ويعتبر العقد متفسخا من تلقاء نفه وهو مجال اخر لمعالجة الحوادث الطارئة التى تحدث بع ابرام العقد وتؤدى الى عدم التنفيذ بصورة متكاملة وليست جزئية اما اذا كانت الاستحالة فى تنفيذ الالتزام جزئيا فللدائن الخيار بين الفسخ او انقص الالتزامات المتبادلة او التعويض ان كان له مقتضى

انتشار فيروس الكورونا افرز واقعا قانونيا جديدا اثر بلا شك على تنفيذ االكثير من الالتزامات التعاقدية على كل المستويات فهل يرقى ذلك الواقع الى اعتباره قوة قاهرة او ظرف طارئ ؟ ومن ثم يمكن تطبيق شروط النظريتين وترتيب أثارهما على تلك الالتزامات ؟

من هنا فحن أمام إشكال قانونى واقتصادي حول اعتبار كورونا قوة قاهرة ام ظرف طارئ، حيث انه من المرجح ان تمتلئ ساحات المحاكم بكم هائل من الدعوى التى تستند الى النظريتين لان الشركات الكبيرة فى اقتصاديات العالم الكبرى قد بدأت تتحسب منذ الان لتلك الدعاوى فقامت باستصدار ما يسمى بشهادات القوة القاهرة لتدافع بها عن نفسها فى حال إقامة دعاوى عدم تنفيذ الالتزامات التعاقدية التى تقع على عاتقها.

الشئ المؤكد الذي يفرض علينا الوقوف على بعض مداخله الأساسية، ويقتضي منا التعامل مع كل جوانبه وآثاره الأخرى الممكنة والمحتملة بأنه ستصبح دعاوى "القوة القاهرة" معقدة، ومحل خلاف بين الأطراف في وطننا عندما لا تتسبب متغيرات كبرى في التأثير بشكل مباشر على العمل؛ وهو ما يتطلب منا اجتهادًا قضائيًّا، وفكرًا قانونيًّا في تبني حلول لأفكار مماثلة، نستشف منها من الوسائل الحمائية في علاج الحالات التي يصبح فيها الالتزام التعاقدي مستحيل التنفيذ (القوة القاهرة)، أو صعب التنفيذ (الظروف الطارئة).. وبين حالات أخرى تشبه القوة القاهرة بظروفها الطارئة؛ وذلك بمقاربة حكيمة، تضمن التوازن العقدي، وتكرس الدور الأساسي للقضاء في تحقيق الأمن القانوني والاجتماعي المنشود.

 

ناجى احمد الصديق الهادى - المحامى

 

حمزة الشافعيتقديم: يعود ظهور فيروس كورونا المستجد (2019-(nCoV‏  إلى شهر دجنبر 2019 في إحدى أسواق المأكولات البحرية والحيوانية بمدينة ووهان الصينية، قبل أن ينتشر محليا فإقليميا ثم عالميا، حيث اجتاح بشكل مهول آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية وإفريقيا، ليتم تصنيفه من طرف منظمة الصحة العالمية بالجائحة بتاريخ 11 مارس 2020.  ولا يزال المصدر الأصلي لهذا الفيروس المستجد مجهولا، ويظل الاعتقاد السائد هو أنه حيواني المصدر، لكن دون إثبات علمي لذلك، علاوة على ذلك، ولكونه فيروسا مستجدا (n=novel)، فلا يوجد أي علاج محدد له، إلى حدود كتابة هذه الأسطر.

الشهور القليلة المقبلة قد تكشف معطيات جديدة يصعب التكهن بها بخصوص هذا الفيروس المستجد الذي أربك الحسابات الاقتصادية والسياسية والخدماتية لمعظم دول العالم، كما لامس جوانب أخرى متعددة لشعوب تلك الدول (نفسية، اجتماعية، روحية-وجودية، معيشية-اقتصادية، تربوية، فكرية، صحية). فسرعة تفشي الفيروس المستجد وكيفية انتقاله ومصدره الأصلي المجهول  وغياب علاج محدد له وانعدام مؤشرات مضبوطة بخصوص مدة زواله وامكانيات تجدده أو تطوره في أي لحظة... كلها أسئلة وهواجس تؤرق بال حكومات الدول وشعوبها سواء التي عرفت تفشيا  مهولا أو خفيفا نسبيا، أو تلك التي تعيش الترقب دون أن يصلها بعد، ما دفع بها إلى أخذ جميع الاحتياطات الممكنة كإغلاق الحدود، تعطيل عجلة التبادل الاقتصادي، إعلان حالة الطوارئ، تبني خطة محاصرة بؤر الوباء عن طريق الحجر الصحي، وتعبئة كافة الموارد البشرية والمادية واللوجستيكية والإعلامية والتواصلية للتنبيه إلى خطورة تفشي هذا الفيروس المستجد ومحاصرة بؤره وعلاج ضحاياه.

ويعتبر المغرب ضمن الدول التي تفطنت إلى خطورة انتشار هذا الفيروس، حيث سارع وبشكل ملفت وشجاع إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات الاحترازية والوقائية لمنع توغل هذا الوافد المدمر الذي لا يميز بين صغير أو كبير، أو بين فقير أو غني، خاصة إذا علمنا أن دولا نموذجية في خدمات القطاع الصحي مثل إيطاليا عجزت عن احتواء الوضع الخطير، فما بالك بدول ذات منظومات صحية مهترئة ومحدودة الامكانيات (المغرب كمثال)، نتيجة عدم اعطاءها الأولوية ضمن مخططاتها التنموية وبرامجها الاجتماعية. ومن بين الإجراءات التي اتخذها المغرب لاحتواء الوضع الخطير: توقيف الدراسة بالمدارس والكليات والمعاهد إلى إشعار آخر، تطبيق الحجر الصحي وإعلان حالة الطوارئ، تقييد حركية التنقل بين المدن، تخصيص صندوق لمواجهة تداعيات الجائحة ...

قد يكون التفكير في مرحلة "ما بعد كورونا " Condition   Post-Corona فعلا سابقا لأوانه، مادام العالم ومعه مستقبل البشرية الآن مفتوح على جميع الاحتمالات في ظل غياب علاج نهائي للفيروس، ودخول بعض الدول المتقدمة في حالة شبه استسلام أمام نتائجه وتداعياته الصحية والاجتماعية والنفسية والمادية والاقتصادية. إلا أنه من باب ملاحظة وتأمل "الواقع الجديد" الذي أفرزته "مرحلة كورونا"، وما فرضه من تحديات على جميع الأصعدة، والاختلالات والنقائص في آليات وبنيات ومنهجيات وذهنيات استقبال واحتواء هذا الواقع الجديد، وهي اختلالات ونقائص لها طبعا امتدادات عضوية مباشرة مع "مرحلة ما قبل كورونا" كغياب الوعي/الثقافة الصحي(ة) لدى الأفراد، الجهل الممؤسس/المدقع/المركب، الفقر والهشاشة،  قدرات/مؤسسات/خدمات صحية/استشفائية محدودة، ودون أن نغفل المؤشرات الإيجابية كالتضامن بين مكونات الشعب والتزام نسبة مهمة من الناس بالتدابير المتخذة، فمن المشروع التفكير في المرحلة القادمة ("ما بعد كورونا" ( في إطار الاستعداد والاستباق وطرح البدائل لمستقبل يتوخى منه تجاوز تعثرات ونقائص الحاضر مع تزكية إيجابياته أيضا... مستقبل من أجل الإنسان والوطن !  فكيف يمكن لمجال للتربية والتعليم ومجال الصحة، كمدخلين أساسين ومصيريين في حياة الشعوب والأوطان، المساهمة في تحقيق ذلك؟

مدخل التربية والتعليم:

لا يمكن الحديث عن نهضة وإقلاع أي بلد دون الاستثمار في مجالي التربية التعليم. بيد أن واقع الحال في المغرب إلى حدود فترة كورونا لا ينسجم مع الطرح السالف. فإذا كانت الأنظمة التعليمية العالمية الرائدة والمتفوقة تحفز وتعطي قيمة كبيرة للموارد البشرية العاملة في التربية والتعليم، فإن الهشاشة الاجتماعية والمادية وغياب أبسط وسائل العمل الضرورية بالموازاة مع ظروف عمل مثبطة هي السمات المميزة لرجال ونساء التعليم المغربيين العاملين بالميدان، خاصة في ظل تنزيل وتطبيق نظام التعاقد غير المتوافق عليه، في المدارس العمومية. كما أن وجود نوعين من التعليم، "عمومي" و"خصوصي"، يزيد الهوة بين الطبقات الشعبية/المعدومة الإمكانات، والتي تمثل الأغلبية، والطبقات الغنية/الميسورة كأقلية، ويكرس الفوارق الطبقية بين أبناء البلد الواحد، سواء في طرق التربية وكيفية التعلم أو في إمكانات/آفاق ولوج سوق الشغل.

لا مراء أن المتعلم(ة) المغربي ليس أفضلا  حالا من الموارد البشرية التي تسهر على تدرسيه وتأطيره وتكوينه. فهو/هي أيضا ضحية لهشاشة متعددة الأبعاد، مما يؤثر سلبا على الأداء والمردودية الدراسيين، مما يجعل المجتمع والوطن ككل في أزمة حقيقية تتعلق بهدر مواردها الفكرية والمعرفية والعملية والإنسانية/القيمية/الرمزية  المستقبلية على المدى القريب والمتوسط والبعيد.  من تجليات الهشاشة لدى المتعلم(ة)، غياب الجاذبية في أغلب المدارس نظرا لغياب شروطها كاستقرار زمن التعلم (إضرابات، توقفات، طوارئ الخ)، الحياة المدرسية النشيطة، طرق التدريس الحديثة، الوسائل التكنولوجية والمختبرات العلمية، الإطعام المدرسي، النقل المدرسي في المناطق النائية، المكتبات والخزانات المجهزة، دور الأسرة والإعلام في التربية، الاكتظاظ والبنية التقليدية للفصول والفضاءات، تحفيز ومواكبة الأطر التربوية والإدارية، الرغبة في الاستثمار في أطفال المدرسة، عوامل متعلقة بالفقر والطبقية، التجديد في المناهج والمقررات التربوية، الاستثمار القيمي-الإنساني والإبداعي-الابتكاري في الأطفال واعتبارهم مجرد مشاريع مهنية-تقنية مستقبلية (سبب/جوهر وجود الأطفال في المدرسة = الإعداد/التكوين التقني للشغل/المهن)...

ومن ضمن الدروس التي يعطيها "راهن/حاضر كورونا" والتي ينبغي الاستفادة منها من أجل الإنسان بشكل عام ومن أجل نهضة الوطن بشكل خاص، واستعدادا لدخول وخوض مرحلة/تجربة "ما بعد كورونا" بثبات ويقين في الانتصار ما يلي:

- القطع مع ثنائية "تعليم عمومي" و "تعليم خصوصي"، والاقتصار على نمط تعليم عمومي مجاني مفتوح في وجه جميع أبناء الوطن؛ تعليم يضمن لكافة أطفال وطلبة المغرب تعليما جيدا وفق شروط ومعايير موحدة، لأن التمدرس الجيد لكل أطفال وطلبة المغرب استثمار واعد في طاقاته البشرية، ورهان إقلاعه في فترات الاستقرار وصمام أمانه وتماسكه في الأزمات (الجائحات والأوبئة المحتملة ما بعد كورونا مثلا).

- إيلاء الأهمية القصوى لتكوين أطر التربية والتعليم وفق مستجدات العصر التربوية، والعمل على إنصافهم رمزيا وماديا واجتماعيا إذ لا يعقل أن المفترض فيهم أن يكونوا قدوة المجتمع الأولى يعانون من الهشاشة المادية والرمزية والتكوينية والاجتماعية، نتيجة عدم القدرة المالية على مسايرة متطلبات الحياة، حتى البسيطة منها (سكن، نقل شخصي، موارد البحث الأكاديمي ...).

- الاهتمام بكل أطفال المدارس على جميع الأصعدة (نفسية-سلوكية، وجدانية-روحية، اجتماعية-قيمية، دراسية-معرفية، بدنية-ترفيهية، صحية-غذائية...)، ودون تمييز على أساس جغرافي أو طبقي أو ثقافي أو لغوي.

- إدراج مادة "التربية الصحية" ضمن المواد المدرسة منذ المراحل الأولى، حيث يتكلف بها أطر مكونة في المجال الصحي والنفسي لبناء وتكوين أجيال لها وعي صحي وتوازن شخصي/نفسي، كمادة متكاملة مع المواد الدراسية الأخرى كالتربية البدنية واللغات والعلوم التجريبية والعلوم الإنسانية والتكنولوجيا والإعلاميات...

- التركيز على الجوانب النفسية والاجتماعية والقيمية-الأخلاقية والصحية والإبداعية في المدرسة في تكامل مع أدوار الأسرة، بدل الاقتصار على تلقين وشحن المتعلم(ة) بالمعارف والدروس النظرية...

- التعامل مع كل طفل كذات إنسانية حاملة لقيم إنسانية سامية وكمشروع علمي وفكري-إبداعي قادر على الإنتاج والابتكار في المستقبل، وتسخير جميع الطاقات البشرية والمادية واللوجيستيكية في بناءه وتكوينه ومواكبته، والاستثمار في جميع الموارد البشرية على المدى المتوسط والبعيد، والقطع مع الهدر البشع للموارد والطاقات البشرية، لأن نهضة وتقدم المجتمعات والأوطان تحددها درجة بناء والنجاح في الاستثمار في أفراده.

- الارتكاز على مخططات تربوية-تعليمية عميقة ذات بعد إنساني-علمي-إبداعي وبعيدة الأمد محورها بناء/تأطير أطفال الوطن، بدل نهج سياسات تربوية متذبذبة ومتغيرة وضبابية غير مدروسة النتائج على أبعد مدى.

- تجهيز جميع المدارس في جميع ربوع المملكة بفضاءات الدراسة الملائمة واللعب والترفيه والإطعام والوسائل التكنولوجية الحديثة والمختبرات العلمية والنقل المدرسي دون تمييز بين الجهات والمجالات الجغرافية  والطبقات الاجتماعية.

مدخل الصحة:

إلى جانب التربية والتعليم، يعد الميدان الصحي إحدى المداخيل التي يجب عدم التماطل لأي سبب من الأسباب في تأهيليها وإصلاحها، لأنه مجال مرتبط بشكل كبير بحماية/وقاية وتثقيف/توعية وإنقاذ حياة/علاج الأفراد، سواء في الظروف العادية أو الاستثنائية، إلا أن الواقع الصحي المغربي الحالي تلازمه سمة الهشاشة من حيث البنيات والخدمات الاستشفائية. ويكفي لإنسان ينتمي مثلا إلى مدينة مثل تنغير بالجنوب الشرقي أن يمرض، ليجد نفسه مضطرا للتنقل بين مدن بعيدة كفاس ومكناس ومراكش والرباط وفي متاهات مصحات تجارية لا ترحم الفارين إليها، لغياب مستشفيات عمومية مجهزة في مدن الجنوب الشرقي المغربي. ولتجاوز الوضع الصحي المؤلم الذي لن تكفي عشرات المقال في رصد معاناة المرضى والأصحاء على حد السواء وهم يسردون تجاربهم التراجيدية  الشبه يومية، يجب الانكباب على القيام بما يلي:

- اعتماد مبدأ تحفيز وتشجيع الموارد البشرية؛ وذلك بجعل أطر الصحة بجميع أصنافهم إلى جانب أطر التربية ضمن أعلى الهرم الأجري والرمزي والاجتماعي نظرا لأدوارهم الحيوية في الظروف العادية، ولحاجة الوطن إلى خدماتهم وتضحياتهم وقت الأزمات والطوارئ، وإعطاءهم القيمة التي يستحقونها لتحفيزهم على المزيد من البذل والعطاء والبحث والابتكار، وتخليصهم من ضغوطات جانبية تؤثر سلبا على مردوديتهم المهنية والفكرية والعلمية (عدم القدرة على مسايرة غلاء الأسعار، عدم القدرة على تملك سكن، ظروف اشتغال مزرية، عدم قدرتهم على مصاريف التكوين الأكاديمي المستمر الخ).

- القطيعة مع ثنائية "عمومي" و "خصوصي" في مجال الصحة، ووضع نظام صحي وطني واحد يسمح لجميع المواطنين بالاستشفاء والاستفادة من الحق في الرعاية الصحة كأحد الحقوق الإنسانية الكونية دون تمييز أو أداء أو تأجيل أو تهميش.

- الاستثمار في القطاع الصحي العمومي و"عدم رفع اليد عنه" عن طريق تكوين أكبر عدد ممكن من الأطباء والممرضين وتقنيي الصحة وفي جميع التخصصات، لحاجة المواطن لخدماتهم بشكل يومي في الظروف العادية، ولحاجة الوطن لهم في الأزمات، خاصة أن العالم منفتح على حروب ومواجهات تضع تداعياتها المنظومة الصحية على المحك (نموذج إيطاليا التي انهكها فيروس كورونا رغم قوة وتطور نظامها الصحي وكونه ضمن الأنظمة الأوروبية الرائدة).

- توجيه أكبر عدد ممكن من المتعلمين والمتعلمات نحو التكوينات الطبية والتمريضية والشبه طبية، مع إنشاء كليات للطب ومعاهد للمهن التمريضية وتقنيات الصحية في كل مدينة دون تمييز مجالي ودون استثناء أي منها من هذه المؤسسات الحيوية.

- اعتماد مبدأ العدالة الصحية بين كل المناطق وبناء مستشفى خاص بكل تجمع سكاني وفق شروط جيدة وموارد بشرية متخصصة ومتعددة، والقطيعة مع مبدأ التهميش وحرمان مناطق بعينها من الخدمات الصحية (المدن المهمشة كتنغير) دون مراعاة بعدها الجغرافي عن مدن المركز وفقر ساكنتها ووعورة طبيعتها.

- إيلاء البحث العلمي مكانة عظمى عن طريق بناء وتنويع مراكز البحث والمختبرات في المجال الطبي والبيولوجي في كل ربوع المملكة وتشجيع الباحثين والخبراء على البحث العلمي المستدام.

- بناء "مدن صحية" احتياطية وتجهيزها في كل جهة تضمن الحجر الصحي بشروط أكثر أمنا، تحسبا لأي جائحة مرتقبة أو حرب جرثومية/بيولوجية محتملة في ظل (اختلال) التوازنات والتحولات والصراعات الي يشهدها العالم.

- نشر الوعي الغذائي الصحي والممارسات الاستهلاكية الوقائية بخصوص نوع الأطعمة والمشروبات التي يجب على المواطن استهلاكها، سواء عن طريق المدارس أومن خلال حملات يومية مباشرة وإعلامية وبرامج تثقيفية، والمراقبة الصارمة للمواد الغذائية المقدمة للمواطن من طرف شركات الإنتاج والأسواق التجارية لتفادي الأخطار الناجمة عن المواد المعروضة كالتسممات والأمراض ...

خاتمة:

طالما تمنى كل فرد أن يرى وطنه أولا، ينعم بالأمن والاستقرار والرفاهية في الظروف العادية، وثانيا، قويا قادرا على مجابهة التحديات والطوارئ التي تفرضها الأخطار المتعددة والأوبئة المستجدة كفيروس كورونا. لكن، وفي دول العالم الثالث التي لم تستفد/تستفق أبدا من الصدمة التي خلفها الاستعمار (الصدمة الاستعمارية Colonial Shock/Trauma)، فالهشاشة في المجالات الحيوية كالتعليم والصحة هي السائدة، نتيجة سياسات ومخططات متبعة على مدى عقود تحت تأثير الصدمة (الاستعمارية)، لتفتح الباب على مصراعيه ل"صدمة مزدوجة" بظهور جائحات/أوبئة طبيعية أو تجدد استعمار باستراتيجيات وأهداف وأنماط غزو-مقاومة مغايرة، كما هو الشأن لفيروس كورونا المستجد. ولكون الإنسان والوطن لا يستحقان أبدا أن يلدغا  في جحرهما مرتين، كان لزاما على الجميع تحمل المسؤولية التاريخية المشتركة في صون وحماية الحاضر(=الحياة)، واستشراف المستقبل (=الحياة-الوقاية-المناعة-الأمان) بنفس تحرري بآليات وإجراءات ناجعة روحها التربية واليقظة والوطنية والانتماء والتضحية والوفاء، بدل "رفع اليد عن التعليم والصحة"، واللهث وراء الثراء الفاحش عن طريق خوصصة ما يمكن خوصصته، في انتظار الخوصصة الشاملة (حتى للأكسجين)، ومن ثم ترك الإنسان والوطن فريسة سهلة للأوبئة والفيروسات والجائحات واللاقيم وفقدان الحق في الحياة....

من حقنا أن نحلم كثيرا... أحلاما جميلة... فإن تحققت، تزين الوطن وصار جميلا واحتفل. وإن لم تتحقق، أخبرنا أحلامنا أننا عرفنا بها بين أبناء الوطن، وذلك أضعف مستويات الانتماء.

 

حمزة الشافعي - المغرب

 

محمد بنيعيشمن أهم الإيحاءات والتنبيهات التي كرستها ظاهرة الوباء المستشرية في العالم، والتي بلغت ذروتها في وقتنا الراهن بتفشي "فيروس كورنا المستجد"، هو إعادة الاعتبار لدور، التاريخ والعلوم الإنسانية، والأخلاق والقيم، والدين والمعاملة،  في تهذيب حياة البشرية وحمايتها وضمان استمراريتها.

وحتى الطب والعلوم الموازية له من كيمياء وبيولوجية وعلم التغذية والوقاية وما إلى ذلك قد عاد أدراجه للبحث في أدوية الماضي وتاريخ الأوبئة ومن أين كانت تأتي وكيف قاومها  وحاصرها السلف وما هو دور الخلف ...

وكباحثين لا يليق بنا أن ننزلق مع الإشاعات والترهات ونردد ما يرد علينا،  ويوصف لنا ويزيف علينا كالببغاوات، قد أصبح لزاما علينا بأن نعالج المشكلة في إطار التخصص المحترم والمتواضع، والأقرب إلى التناول من غير عواطف ولا مداراة،  حول مسألة الحضارة وصلتها بالأوبئة ومسارها السلبي،  والذي يبدو أنه ينحدر نحو الهاوية بعدما كان في تصاعد ونشوة وهمية سرعان ما اصطدمت مع حجمها الحقيقي، ثم عادت أدراجها لتحصي أضرارها وكوارثها المتناسبة في سقوطها مع مستوى ارتفاعها !

أولا:الحضارة بين المؤشرات السلبية للصعود والهبوط

يقول ابن خلدون:" وأهل البدو وإن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم- أي أهل الحضر- إلا أنه في المقدار الضروري في الترف ولا في شيء من أسباب الشهوات واللذات ودواعيها فعوائدهم في معاملاتهم على نسبتها وما يحصل فيهم من مذاهب السوء ومذمومات الخلق بالنسبة إلى أهل الحضر أقل بكثير فهم أقرب إلى الفطرة الأولى وأبعد عما ينطبع في النفس من سوء الملكات بكثرة العوائد المذمومة وقبحها فيسهل علاجهم عن علاج الحضر وهو ظاهر وقد يتوضح فيما بعد أن الحضارة هي (نهاية العمران وخروجه إلى الفساد ونهاية) الشر والبعد عن الخير فقد تبين أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر.".

فقد يكون ابن خلدون هنا يتوافق من حيث المبدأ مع مذهب الإنجليز من جهة اعتبارهم أن الحضارة لا يعترف بها إلا إذا كانت حضارة عليا، أي من النوع الضخم الكبير الذي يؤسس للمؤسسات ويرتفع في البنايات ويجيد في الصناعات .وهذا أمر معقول ورأي سليم ولكنه لا يحتوي كل معاني الحضارة ومقوماتها وعوامل نشأتها.

بيد أن رؤية ابن خلدون هاته قد تشير إلى اعتبار أدق وأسمى من أن تكون الحضارة هي عبارة عن علو في الأرض أو فساد مادي محض، وإنما سيذهب إلى وصم المتحضرين بالحالة المرضية المتراكمة والناتجة عن التحولات والتغيرات الاجتماعية الجماعية المتسربة رويدا رويدا إلى نفوسهم وعقولهم وبالتالي النخر في أخلاقهم وطرق استهلاكهم لغاية أن يصيروا في حالة مرضية جماعية طاغية لا يكاد يوجد لها علاج ! :

وغير تقي يأمر الناس بالتقى   طبيب يداوي والطبيب مريض

لكل شيء إذا ما تم نقصان   فلا يغر بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما تداولتها أمم     من سره زمن ساءته أزمان

ثانيا:اختلال التوازن الحضاري مدخل دقيق لتفشي الأوبئة

فالسر في نهاية الشر هو النسبة المئوية من الترف ونوعية المترفين في المجتمع الحضاري، وهذه النسبة ستكون دائما في تصاعد وارتفاع كتيار نحو الأعلى وليس الأدنى، إذ الترف والرفاه والميل نحو الراحة والاستجمام غريزي عند البشر، والنفس ترنو نحو الكسل واستحلاء عمالة الخدم والحشم، وهذا يولد نوعا من الاستعلاء والاستكبار والتسخير المفرط والمتميع للثروة المتوفرة والآخر، وخاصة في جلب العمالة الخارجية واستعبادها بالمادة والسلطة وقهر الحاجة.

فأهل الدار المترفين قد يميلون دائما إلى التفرغ لما فيه لذتهم وراحة أجسامهم وأنفسهم، ولا يبذلون من الجهد إلا ما يحتاجونه من هضم ذاتي أو تفريغ للفضلات، وحتى هاته قد يحتالون للتخلص منها بأسرع الأسباب ولا يكادون يمحون أثرها أو تنظيف المكان من آثارها !

" وأهل البدو وإن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم إلا أنه في المقدار الضروري في الترف" فالمسألة هنا فيها موازنة وحساب النسبة الذي يقتضي الإحصاء .والحضارة رهينة بهذا الرصد الرياضي الدقيق في النمو أو التراجع، الإنتاج أو الاستهلاك .إذن فلا بد من المحاسبة ومراقبة التوازنات المادية وآثارها على الجانب النفسي والأخلاقي للمجتمع وإلا فما طار طائر وارتفع  إلا كما طار وقع.

ومصطلح الترف ونهاية الشر هاته عند ابن خلدون لم تأت من فراغ وإنما هي تستند على نصوص دينية ووقائع تاريخية مرصودة بامتياز.ومن بين تلك النصوص نجد في قول الله تعالى:" وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا"سورة الإسراء آية 16.  وعن أنس رضي الله عنه،  قال : كانت ناقة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسمى العضباء،  وكانت لا تسبق،  فجاء أعرابي على قعود له،  فسبقها،  فاشتد ذلك على المسلمين . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن حقا على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه " . رواه البخاري .

فالآية القرآنية قد تعتبر مرجعا رئيسيا في تحديد نشوء الحضارات وتحولها من القرية البدوية الفقيرة إلى مدينة حضرية ثرية ومترفة .كما أن الأمر هنا له دلالات معرفية وأحكام فقهية دقيقة .وذلك باعتبار أن القرية لما تتحول نحو المدينة بسبب التكاثر السكاني وتدافع المصالح والمحاصيل قد تحتاج إلى قانون ينظم علاقات أصحابها وطرق استهلاكها واستغلالها للثروة المتحصل عليها بفعل التعاون الاجتماعي والاقتصادي والزراعي، وكذلك هندستها المعمارية وطبيعتها البيئية ...وهذا يتطلب طبعا وضع حدود ومقاييس تنظم طرق هذا الاستغلال والتصرف فيه بعقلانية وتوزيع عادل للثروات، وإلا فسيكون التبذير والترف المؤدي للفسق والخروج عن الطاعة والنظام العام.

من هنا فيأتي معنى قول الله تعالى:"أمرنا مترفيها"أي أمرناهم بالطاعة والعدل فعصوا، وليس أنه أمرهم بالفسق أو المظالم التي تتعارض مع مفهوم التعاون وقيام الحضارات.كما أن معاني كلمة "أمر"  في اللغة العربية، فيما يذهب إليه بعض المفسرين، هو كثَّر.ومن هنا فإن كثرة الترف والمترفين بفعل التحضر والاستغلال المفرط للموارد، والتنطع في تغيير طبيعتها الأصلية، كما ذهب إليه ابن خلدون،  سيكون هو المؤدي إلى الشر والخروج عن دائرة الخير ووقوع طغيان كطغيان الماء الذي لا يقاومه أي سد أو ترميم.وكذلك ظهور الأوبئة المتنوعة إما من الهواء أو الغذاء أو الماء...

في حين قد يرى أنه " لما خربت تلك الأمصار وذهبت منها الحضارة، التي هي سر الله في حصول العلم والصنائع، ذهب العلم من العجم جملة لما شملهم من البداوة.واختص العلم بالأمصار الموفورة الحضارة" وإدراج مفهوم سر الله في مجال الحضارة فيه من الموضوعية والرؤية الواسعة ما يدعو إلى التأمل والربط بين التعريفات للحصول على معناه ومقاصده.فهناك الحضارة وهناك العلم والصنائع التي هي ثمرتها ونتائجها، وهذا قد يعني أن الحضارة شيء غير العلم والصناعات والعمارات، والتي في غالبيتها تكون ذات طابع مادي واستهلاكي محسوس ومفرط.

فابن خلدون ينظر إلى تعريف الحضارة من منطلق عمودي ومن نقطة نهاية الخط المكون للزاوية القائمة للمثلث كما أن الهرم المكون لها قد يكون على شكل أدراج صاعدة  ومبنية على بعضها البعض ومتلازمة بالضرورة تلازما عضويا لا يمكن أن يفكك إلا بالانهيار التام وذلك في ربطه البدو بالحضر ربطا موضوعيا وتأصيليا، بل إن شئنا قلنا ربطا رياضيا يخضع للحساب والجبر والهندسة . فروافد المدينة أو الحاضرة هو ما تجود به البادية كما أن هناك تناسب بينهما في شكل طرد عكسي، أي أنه بقدر ما كانت البادية واسعة المساحة وموفورة الخصب وقليلة السكان بقدر ما ستصير المدينة أكثر رفاها وكثافة سكانية وبالتالي أكثر مظهرا حضاريا من غيرها .كما أنه كلما تقلصت المساحة في البادية وقويت أو عظمت قبائلها وقراها بقدر ما انعكس ذلك على الحاضرة في صورة مد وجزر لا محيد عنه.فنحن إذن أمام خطاطة ورسم بياني ينبغي وضعه في الحسبان إما لبناء حضارة ما أو تقييمها على المستوى النظري والتاريخي. بحيث إن السر في الأمر كله قد يدور بين المثلث المتلازم والتسلسل في نفس والوقت وهو نسبة الانتقال من الضروري نحو الحاجي ثم تحديد التطلعات إلى الكمالي. والله الهادي إلى الصواب وهو خير حفظا.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

لم يلق نظام من التأييد والترحاب ما لا قاه نظام العولمة هذا من شعوب ومنظمات وأحزاب مختلفة، وكل هذا كان بسبب ما يحمله أو هكذا ظن الناس به من خير للإنسان كدعوته للحريات وللعدالة وللحقوق والمساواة، وكانت أكثر الشعوب توقاً و رغبة بنظام العولمة هي تلك التي أنكوت بنار الظلم و الدكتاتورية والإستبداد، وكنا وكنتم شهوداً على سنوات الحرب الباردة وماحملته من تداعيات والألام ومن ظلم وتعسف وضيق أفق ومصادرة للحريات وللحقوق، فكانت العولمة بمثابة النور الذي يشع أملاً ورجاءا لحياة جديدة و مختلفة، وكان ذلك هو الدافع وراء ذلك التأييد غير المسبوق .

لقد كانت شعوب أوربا الشرقية أكثر فاعلية وحضوراً وسعياً في ذلك الصراع ولهذا أمدته بكل عناصر القوة والتأثير، وكان - لكورباتشوف - الزعيم السابق للإتحاد السوفيتي الدور الفاعل في حسم ذلك الصراع لمصلحة الشعوب وبداية عصر العولمة الجديد، ورأينا كيف نمت وأزدهرت مظاهر الإستقلال والتحرر لدى شعوب مختلفة مؤمنة بحقها في تقرير المصير عبر الآليات الديمقراطية والإنتخاب الحر، معلنةً في الوقت نفسه عن بداية عصر جديد فكان الربيع الأوربي ذروته مع سقوط الإتحاد السوفيتي وإنهيار جدار برلين .

ويمكن القول: إن سنوات التسعين من القرن الماضي هي البداية لهذا النظام الجديد بفضاءاته المفتوحة وحركة السوق والعمل والنهضة، كان ذلك (نهاية للتاريخ هكذا قال فوكوياما)، نعم أزدهرت في ظل هذا النظام الجديد حركة السوق والتجارة والنقل وتنامت ثقافة الديمقراطية لدى قطاعات واسعة .

وفي الطرف الأخر كان الشرق يرزح تحت ظل حكومات مستبدة جاهلة، وكانت شعوبه أكثر شوقاً للتغيير فكانت - عاصفة الصحراء أو ما سُمي بحرب الخليج - تؤدي دورا مزدوجاً في (الإحتلال والإستقلال)، وتنامى في اللاوعي الجمعي مفهوم الشرق الأوسط الكبير، ضمن مفهومي السياسة والإقتصاد و قد عزز ذلك رغبة مضطردة من شعوب المنطقة التي كانت أكثر حرصاً في تغليب هذا التوجه، إيماناً منها بالتغيير وفق القيم والآليات الصحيحة، ولم يكن نمى ذلك الشعور بعد في فك الإرتباط بين مفهومي (الإحتلال والإستقلال) لا على الصعيد الفكري ولا على الصعيد الإعلامي والشعبي، نقول هذا بعدما كان الضخ الإعلامي و الدعاية والإعلام وما يصدر من بعض الأحزاب والتنظيمات يرسخ في الذهن والعقل ذلك الترابط بين تلك الثنائية، ومن وحي المعانات كان الجميع عن قصد أو بدونه راض ومقتنع بفكرة - القطب الواحد - التي كان يروج لها في الظل من قبل عناصر ومؤوسسات معروفة، وهذا الواقع هو الذي فرض نوعاً من القيم والثقافة أستسهلت وأستساغت فكرة الإحتلال على فكرة الإستقلال بل وذهب البعض بعيداً في الدفاع عنها وبحجج واهية غير مفهومة لدينا، وأنكمش دور القوى والأحزاب القومية بل وتلاشى دورها في ظل سيادة هذه النزعة في الثقافة والإعلام، رافق هذا وذاك سلسلة من الخيبات والإنتكاسات التي عاشها الإنسان المشرقي في ضميره ووجدانه رصدنا ذلك من خلال الشعارات الوهمية والتعبئة الزائفة، حدث هذا في بلادنا وفي منطقتنا بالذات، وكانت العقول والضمائر مشدودة إلى هناك وإلى ما يمكن أن تقوم به أمريكا في هذا الشأن، حتى جاءت لحظة سقوط بغداد كتتويج لمسيرة و لمرحلة، معلنة عن بداية نوع من الحكم جديد في العراق وفي المنطقة عبر الفوضى الخلاقه التي سماها الإعلام المُخاتل بالربيع العربي .

نعم لم يكن للعقل العربي خيارات عدة في مواجهة تحديات المرحلة الجديدة، ولم تكن مواجهته في الحكم ناضجة وكل ما لديه عبارة عن حكايات من التاريخ والتراث عن حكم الخلفاء والسلاطين الملوك، ولهذا فشل في الرهان وفي تأسيس الحكم الديمقراطي الصحيح، ولا ننسى كيف دخل الدين السياسي ساحة الديمقراطية ليؤوسس له مواطئ قدم هنا وهناك، فسقط مشروع التغيير أو مشروع الحلم وسادت النزعة الطائفية ونمى الإرهاب وأشتد عوده، وبرز في ظل ذلك جيل من المنافقين النفعيين والإنتهازيين وكثر النهب والسلب والفساد وسقطت هيبة الدولة والنظام، وغدى مفهوم الديمقراطية عبارة عن وهم وخيال وهرطقة، وأنساقت الشعوب من جديد بما في ذلك شعبنا العزيز، وتنادت تطالب بحريتها وكرامتها وما تبقى من سيادتها وشرفها، حين خرجت من جديد تعلن عن رغبتها وعزمها على التغيير .

لكن ومع إشتداد الأزمة وسقوط الضحايا خرج إلينا - كرونا - ذلك الفيروس اللعين فارضاً نفسه بحسب الإعلام والدعاية غير المسبوقة على الواقع، وصارت الإرشادات تأتي تباعاً من كل طرف في وجوب الإلتزام وبكيفية التعامل معه، حتى ماعادت للساحات ولا التظاهرات ولا المطالبات البريئة مكاناً في ظل هيمنته الإفتراضية، وصار العزل الإجتماعي هو الصحي في مواجهة هذا الفيروس اللعين، وبما إن الإستجابة هنا ليست طوعية بل هي في أحيان كثيرة قهرية وإجبارية ولا يستثنى منها أحد، عندها أحسسنا بأن هذا الفيروس لم يكن صناعة بريئة و لاهو هبة مقدرة، إنما جاء ليكون الفاصل بين مرحلتين من التاريخ وهو بالنسبة لنا نحن المشرقيين جرس إنذار خطير لما هو قادم، وبحدود علمنا قد سبق ذلك التحضير و التفكير لبناء عالم جديد، تتحكم به وبدرجة كبيرة الإقتصاديات الكبرى والشركات العملاقة، ولأن حدوث ذلك غير ممكن وفق آليات الواقع كان لا بد من عمل ما ولو تطلب إجراءات وأفعال من نوع صادم، وتسهيلاً للمهمة دُعيت الجيوش لمسك الأمور وقطعت الصلات بين الشعوب والدول ومنع الطيران وأشيع بين الناس وجوب عدم الإختلاط، ساهم في هذا ضخ إعلامي مبرمج ودعاية حكومية ورصد أموال طائلة وإن كانت مجرد دعاية، وما يزيد النفس ريبة ذلك الإدعاء اليومي من الحكام والمسؤولين بأن الطريق لا يزال طويلا في إيجاد صيغة علاج لهذا الفيروس اللعين، طبعاً مع تذكيرنا بأن لهذه الدول من القدرات والأمكانيات الفائقة والتقنيات العالية ومراكز البحث الرصينة، ومع ذلك يقولون لازلنا في بداية الطريق!!.

وهذا يقودنا للقول التالي: مادام الأمر كذلك فالحتمية التاريخية تقول إنه لا بد من أن شيئاً ما سيحدث ولأهمية ذلك يتطلب نوعاً من الإلهاء النفسي والمجتمعي إلى حين ترتيب الأولويات، والتي من ضمنها القبول الشعبي بما سيحدث، والإلغاء المبرمج للمشاركة العبثية من الشركات الصغيرة الحجم الضيئلة الرأسمال في حركة السوق والإنتاج، وإعطاء الأولوية للشركات العملاقة التي تعتمد التقنيات عالية الدقة والذكاء الإصطناعي الخارق .

وإلى هذا سينقسم العالم بحسب الحاجة والمصلحة إلى أثنيين أو ثلاث من المحاور الكبيرة، وبنفس السياق يجري تنظيم سياسي جديد :

يبدأ أولاً بتفكيك الإتحاد الأوربي إلى دويلات صغيرة، ومن ثم إلحاقها لهذه المحاور الكبيرة تبعاً للمصلحة والحاجة، وثانياً لم يعد مسموحاً تلك الفوضى التي رافقت العولمة في عالمي المال والإقتصاد، والخطوة التي أتخذتها بريطانيا في خروجها من الإتحاد الأوربي خطوة عبرت عن آلية نحسة، في القبول وفي التبعات المالية فكان لا بد من هزة عميقة، تفوق تلك التصورات البدائية والمعمول بها في السابق، وهنا وجد المشرع الغربي نفسه أزاء إستراتيجيات من نوع جديد، وإن كلف ذلك خسارات تطال حياة الناس وإقتصادياتهم، لكن ما يفكرون به أعمق من مرحلة زمنية ستعيش الذكرى للأرشيف البشري .

وسنذكركم بما قلناه في مقالنا الأول عن - نهاية سلطة القانون -، وكنا قاصدين المعنى واللفظ حيث نشير من غير مواربة إلى نهاية عصر السوق المفتوحة والحريات والحقوق الطبيعية للشعوب الضعيفة، ونعيد التأكيد هنا بأن - نهاية العولمة - ستكون في السياق نفسه مع الإنجرار القهري لعالم جديد تتحكم به القوى الإحتكارية الكبرى، والتي معها سوف يسود الإستبداد ولكن بنمط جديد ونوع جديد، هو سيادة عالم التكنولوجيا الذكية والتقنيات فائقة الدقة، ومعها حتماً لا مجال لمن يعيشون عصر ما قبل نهاية التاريخ ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

 

ابراهيم أبراشيبدو أن الكورونا تجاوز كونه فيروساً أو وباءً ينحصر الاهتمام به وبتداعياته على مجال الصحة والعلوم الطبية كما هو الشأن مع كل الأوبئة التي مرت على البشرية، حيث من الملاحَظ سرعة تحوله إلى جائحة أو ظاهرة تثير الرعب في كل العالم، عند الصغير والكبير والغني والفقير فارضاً عدالته على الجميع فلا فرق ما بين المواطن العادي والملوك والأمراء وسادة القوم، أو بين دول غنية وأخرى فقيرة .

لقد فرض الكورونا حضوره المرعب قسراً على كل مناحي الحياة البشرية من اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية وسياسية، وأخل بتوازنات وتواضعات كانت تحفظ للأنساق والمنظومات الاجتماعية والدولية درجة من الثبات بالرغم مما يعتريها من تفاعلات وتحولات كانت دائما تحت الضبط وفي سياق لا يخرج عما يستشرفه علم المستقبليات، وإن كان العالم في سياق تطوره بفعل أحداث جسام من ثورات واختراعات مر بالثورة الزراعية ثم الصناعية ثم عصر النهضة والحداثة وما بعد الحداثة ثم عصر العولمة فإن تحقيباً أو عصرا جديداً سنشهده يسمى عصر ما بعد الكورونا .

أربعة أشهر من الرعب والارتباك عند الناس العاديين وعند أعلى مراكز القرار السياسي والأمني والبحثي في كافة الدول دون أن يتم الحسم في أصل الفيروس ومنشئه وما إن كان برياً أم اصطناعياً ؟وتعددت التحليلات والتفسيرات التي تجاوزت ذوي الاختصاص من الأطباء والمختصين في علوم الأوبئة ليخوض في شأنه كل من دب وهب من محللين سياسيين ومنجمين ورجال دين، وأصبح الاهتمام بالكورونا سياسياً واستراتيجياً بما لا يقل عن حقيقته الطبية .

شط البعض في التحليل مستحضرا نظرية المؤامرة، دون الحسم إن كانت مؤامرة من الصين على العالم أو مؤامرة من أمريكا على الصين ودول أخرى تعتبرها معادية لها، بل وصل التفكير عند البعض باتهام الغرب بإنتاج الفيروس وهندسته أو برمجته ليُصيب ويقتل تحديداً أصحاب جينات واعراق محددة، أو كبار السن الذين يمثلون الأغلبية من السكان في الغرب ويشكلون عبئاً على المجتمع والاقتصاد الوطني، أو أنه سلاح دمار شامل جديد يرمي من أنتجه إلى كسر حلقة توازن الرعب التي تقيد استعمال الأسلحة النووية والذرية بين الدول التي تملكها .

أسباب كثيرة تقلل من قيمة نظرية المؤامرة أو تشكك بها، منها انتشار الوباء في غالبية دول العالم وزهقه أرواح الآلاف حتى عند طرفي معادلة المؤامرة – الصين وأمريكا -، ولكن هذا لا يمنع من إفساح حيز ولو محدود من التفكير بالأمر لعدة أسباب منها :

1- بالرغم من توقيع اتفاقات دولية تُحرم انتاج أو استعمال السلاح البيولوجي وأهمها اتفاقية 1972 التي حظرت استحداث وإنتاج الأسلحة البكتريولوجية (البيولوجية) والتكسينية وتدمير هذه الأسلحة، ثم اتفاقية باريس حول نفس الموضوع في عام 1993 والتي دخلت حيز التنفيذ عام 1997، إلا أن الدول وفي سياق صراعها المحموم على المصالح أو للدفاع عن نفسها ما زالت تعمل سراً على إنتاج أسلحة جرثومية وكيماوية في مصانعها وإجراء التجارب على الحيوانات وربما على البشر.

2- هيمنة السياسة الواقعية الفجة التي تهتم بالمصالح وخصوصاً مصالح الطبقات الرأسمالية المسيطرة أدى لانهيار المنظومة القيمية والأخلاقية عن الطبقات السياسية وبعض القادة، وهو الأمر الذي لا يُستبعد معه اللجوء لأية وسيلة للحفاظ على المصالح والسيطرة على العالم، ومثالاً على ذلك الرئيس الأمريكي ترامب الذي وضع الولايات المتحدة في مواجهة مع كل العالم، وأوصل العلاقات بين واشنطن من جانب والصين وروسيا وإيران في الجانب الآخر لدرجة (حافة الهاوية)، أيضا الطبقة السياسية في إسرائيل في عهد نتنياهو حيث يتم التنكر للشرعية الدولية وتجري عملية تطهير عرقي ضد الشعب الفلسطيني، ويندرج في نفس السياق الحروب غير العقلانية التي تجري في أكثر من منطقة في العالم وخصوصاً في الشرق الأوسط حيث استُعمِلت أسلحة كيماوية .

3- الأزمات الدولية المتراكمة والاستعصاءات المالية والاقتصادية التي تهدد النظام الاقتصادي الدولي بالانهيار وخصوصاً اقتصاديات الدول الرأسمالية الكبرى وهو الأمر الذي يجعل الحرب بأي وسيلة كانت أمراً مطروحاً .

4- ما تواجهه دول الغرب من تحديات بسبب توقف الزيادة السكانية الطبيعية بل وتراجعها في بعض الدول وضع هذه الدول أمام خيارين صعبين: إما استمرار الهرم السكاني المقلوب حيث زيادة أعداد كبار السن غير المنتِجين وإرهاق الدولة بالصرف عليهم مع تراجع نسبة الشباب، أو تصحيح الهرم السكاني باستيعاب ملايين المهاجرين من دول العالم الثالث الأمر الذي يهدد نمط الحياة والثقافة والهوية الوطنية وخصوصاً عندما يكون الوافدون الجدد من العالم الإسلامي، كل هذا قد يدفع بعض مراكز القرار باللجوء إلى حلول غير متوقعة وشبه انتحارية (الحل الأخير)، حتى وإن أدى هذا لإزهاق أرواح مئات الآلاف أو ملايين من السكان أو كبار السن إن كان في ذلك ضمان إعادة التوازن للمجتمع وتجديد شبابه والحفاظ على هويته الثقافية والدينية!!! .

لا نريد أن ننساق مع التحليلات التي هوَّلت من الكورونا لدرجة حديثها عن نهاية العالم وهو حديث لم يصدر فقط عن مهووسين دينياً بل أيضاً عن مفكرين وعلماء علمانيين .ولكن من الصحيح أن تداعيات فايروس الكورونا خلال أربعة شهور فقط من ظهوره، أو الاعتراف بظهوره في الصين في نهاية العام الماضي، سيجعل العالم ما بعد الكورونا مختلفاً عما كان قبله، ليس فقط في مجال الصحة والطب حيث كشف الوباء هشاشة النظام الصحي حتى في الدول المتقدمة بل أيضا في مختلف المجالات، وارهاصات هذه التداعيات ذات الأبعاد الاستراتيجية نلمسها من خلال :

1- اختلال المنظومة المالية والاقتصادية العالمية التي تم وضع أسسها مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية .

2- كشف الوباء ضعف وهشاشة المنظومات والتكتلات الإقليمية والدولية بدءاً من الأمم المتحدة وضعف تأثيرها في مواجهة الأزمات الطارئة التي تهدد البشرية، إلى الاتحاد الأوروبي الخ .

3- الكورونا أطلق رصاصة الرحمة على العولمة وما كانت تبشر به من تحويل العالم لقرية صغيرة وإزالة الحدود بين الدول، حيث مع كورونا أصبح العالم جزر منعزلة ومنغلقة على ذاتها .

4- التداعيات السياسية التي وصلت لحد اسقاط حكومات كما جرى في الكوسوفو والتوظيف السياسي للوباء في دول أخرى سواء من طرف الطبقات السياسية الحاكمة أو من طرف المعارضة .

5- ظهور نزعات وتوجهات تشكك بالديمقراطية وما أنتجت من أشكال متوحشة من الرأسمالية والنيوليبرالية وتمتدح الأنظمة الشمولية مستلهمة التجربة الصينية ونهج روسيا الاتحادية في التعامل مع الفيروس ومع الدول الأخرى المصابة به كإيطاليا .

6- بوادر انتقال مركز الثقل والتأثير في النظام العالمي من واشنطن وأوروبا بشكل عام إلى روسيا الاتحادية والقوى الاسيوية الصاعدة كالصين والهند .

7- لن يكون تأثير الكورونا على النسق الاجتماعي والسلوك البشري وأيضا في مجال الآداب والفنون والسينما بأقل من تأثيره على المجالات الأخرى، وسيكون على علماء الاجتماع والآداب والمبدعين تجديد نظرياتهم ومقارباتهم لمفهوم المجتمع ومفهوم التضامن والتعاضد الاجتماعي بعد أن تم تسجيل حالات صادمة لتخلي عائلات عن أفراد منها بسبب الإصابة بالوباء، وغلق الأبواب أمام الجيران والأحبة وأصبح حال الناس ينطبق عليه ما جاء في قوله تعالى: (يَومَ يَفرّ المَرء من أَخيه وَأمّه وَأَبيه وَصَاحبَته وَبَنيه لكلّ امرئ منهم يَومَئذ شَأنٌ يغنيه).

وأخيرا، ولأن الكورونا عابر للدول والقارات والأيديولوجيات والأديان فإن الدول الفقيرة أو دول الجنوب سينالها نصيب منه وقد حدث ذلك كما رأينا في كثير من الدول كإيران، وإن كانت الصين والدول المتقدمة تملك من الإمكانيات المالية والتجهيزات الطبية ما يمكنها من الحد من انتشار الوباء وإيجاد الدواء واللقاح للقضاء عليه أو محاصرته، فإن انتشار الوباء في الدول الفقيرة سيؤدي لكارثة تؤدي بحياة الملايين حيث تفتقر هذه البلدان ليس فقط للتجهيزات الطبية بل للمقومات العادية للحياة من مياه نظيفة وكهرباء وغذاء، ونأمل أن يتم التوصل لعلاج قبل استفحال الأمر في البلدان الفقيرة .

 

إبراهيم أبراش

 

 

الحسين اخدوش(إذا كان القرن الـ17 هو قرن الرياضيات، والقرن الـ18 هو قرن الفيزياء والقرن الـ19 هو قرن البيولوجيا، فإن القرن العشرين هو قرن الخوف)... ألبير كامو

يؤاخذ البعض على العولمة كونها سرّعت من وثيرة استحكام النزوع الاستهلاكي رغم ما لها من فوائد أخرى؛ لكن ارتكازها على اقتصاد المؤثّرات أفقد الحياة المعاصرة الثبات والاستقرار، حيث أصبح التحول الدائم في كلّ شيء مقرونا بالشعور بعدم الامن والطمأنينة. فقد غاب الاحساس بالأمن في ظل ديمومة هذا المؤقت، وبدا الإشباع الفوري طاغيا على الأذواق ممّا أفقد الحياة المعاصرة معناها الأصيل.

لقد تأثّر الوضع البشري بهذا الشرط المستجد غاية التأثّر، حيث أصبح كلّ ما في متناول اليد يستوجب الاستثمار والاستهلاك فورا مادام أنّه لا أحد يعلم ما سيقع غدا. إنّه قلق الحضارة كما سبق وأن وصفه «سيجموند فرويد»، إذ رغم تعاظم التجمعات البشرية وكبرها، ورغم كل ما تعج به الفضاءات من صخب الناس، إلا أن الخوف يتعاظم ويزداد القلق ويتمدد. فالناظر في الأحوال المعاصرة سيلاحظ أنّ لقاءات المصادفة التي تعج بها الأماكن العامة لا تسمح بتحقيق أيّ تساكن اجتماعي، بل يعمل النزوع الفرداني على افراغ اجتماعياتنا المعاصرة من أية حميمية أو تواصل حقيقي ويجعلها سطحية وقصيرة إلى أن أصبح الجميع يجهل كيفية الحديث إلى غيره.

الواقع أنّ طفرة العولمة أدت إلى تذويب الفضاءات والقيم والعلاقات والعواطف، ومن ثم تسليعها في صيغ نسبية لا نهائية من المنقولات التي يسوّق لها اقتصاد المؤثّرات – المحرّك الأبرز لهذا النزوع. لذلك، المستهلكون غالبا ما يلتقون في فضاءات استهلاكية مختلفة، كقاعات الحفلات الموسيقية وقاعات المعارض والمنتجعات السياحية ومواقع الأنشطة الرياضية والمجمعات التجارية والمطاعم، إلاّ أنهم في الواقع لا يحققون أيّ تفاعل اجتماعي أو تواصلي حقيقي. في ظل استشراء هذا النزوع، أصبح كلّ ما هو قابل للاستهلاك يقوّم بسعر الدولار، العملة المعولمة بامتياز؛ رغم أنّ نعم العولمة الرأسمالية هذه سرعان ما تحوّلت إلى وبالٍ على الجميع بفعل الجشع المتنامي.

هكذا تسيّد الخوف المشهد وسكن العقول والقلوب، حيث لا شيء أمكن فعله باطمئنان في زمن تسيّد النيوليبرالية الأمريكية، بل الكلّ يرزح تحت ضغط اللايقين جرّاء اللهاث وراء ربح دائم. أصبح العيش، بين وفرة متنوعة وأساليب عيش مختلفة، دون ضمان موثوق؛ بله تحوّل إلى ضنك محفوف بالمخاطر ويتطلب ثمنا سيكولوجي باهظا. فهل يعني هذا أنّ سلوك الخوف تحوّل إلى شرط لوضعنا البشري الراهن؟

توقّف ناقد الأزمنة المعاصرة «زيكمونت باومن» في العديد من كتبه النقدية على هذه الظاهرة الثقافية، مبرزا أنّ أهم ما يميّزهَا سيادة نوع من الخوف المستمر الناجم عن ديمومة المؤقت الذي يَسِمُ كلَّ مظاهر حياتنا المعاصرة. استعمل لتحليل ومناقشة هذه الظاهرة توصيف "السيولة" بكيفية لا تحصر دلالة هذا المفهوم في مجرّد الحركة والتنقل، نتيجة تطور وسائل الاتصال والانتقال، وإنما لإفادة معنى ميوعة المشاعر والعلاقات والمعاني المقترنة بعدم التحديد الذي جعل زمننا الحالي يعرف فيضا من التحولات المختلفة التي قاسمها المشترك هو استهلاك كل شيء. ففي كتابه "الخوف السائل"، اعتبر «باومن» أنّ البشر يعانون من القلق جراء سيادة اللايقين و"الخوف السائل" المتأتي من ثلاثة مصادر : من أجسادهم التي كتب عليها الموت والفناء والتي لا يمكنها أن تعمل من دون الألم والقلق باعتبارهما إشارتي تحذير، ومن العالم الخارجي الذي يمكن أن يصب جام غضبه عليهم بقواه التدمير الكونية الساحقة، ومن علاقاتهم ببعضهم البعض. وتبقى المعاناة التي تأتي البشر من بعضهم البعض هي الأكثر إيلاما وقساوة.

الظاهر من ذلك أنّ للخوف علاقة وطيدة بالشّر الملتصق بطبيعة الإنسان وتاريخه؛ إلاّ أنّه يبدو مقدار الشر الذي تسبب فيه إنسان الأزمنة الراهنة غير مسبوق نوعا وحجما مقارنة بشرور الطبيعة المعروفة. فخفوت تأنيب الضمير وانعدام الرحمة وتزايد الكراهية والرغبة الجامحة في إيذاء الآخرين، كل ذلك جعل وضعنا البشري المعاصر هشا للغاية. فقد تمكّنت الحضارة الإنسانية الراهنة، ولأولّ مرّة في التاريخ، من تطوير أسلحة الدمار الشامل، مستثمرة في ذلك خوف الناس والأمم من بعضها البعض. يسائل هذا الوضع حدود إمكانية مقاومة الشر المتأصل في الطبيعة البشرية، إلاّ أنّ إنسان الأزمنة المعاصر اعتقد جازما أن الشرّ معطی واقعي يمكن استثماره في تجارة مربحة للمال. وإزاء هذا الوضع، تتكشف خطورة الجهل الذي يسكن الإنسان المعاصر، أي عرضته الدائمة ليكون في خدمة الشر انطلاقا من خوفه الدائم الذي تحوّل ليصبح المحفّز الأكبر في الاستثمار في الحروب.

تحفز هذه الوضعية المحيرة للوضع البشري المعاصر الخوف المستمر بما لا تستطيع به الإنسانية الحالية إدارته ولا التحكم فيه. والبين من خلال تقنيات استدامته واستثمار أسبابه للتربّح منه أنّ تخصيب عوامله هو ما يتمّ العمل عليه عبر مراكز بحثية، وذلك حتى یکون أداة فعالة لتنشيط تجارة السلاح للردع والتخويف الاستراتيجي. الواقع أنّ الظلم المتزايد في هذا العالم - المجسد لاختلال ميزان القوي فيه- لم يعد مجرّد أثر جانبي قابل للإصلاح في منظومة سليمة، وإنّما تحوّل إلى جزء متمّم لتصور زائف لسعادة حياة بشرية متوهّمة. إنه جزء متمم لإستراتيجية استلزمها التصور النفعي للخوف كمورد للربح؛ لذلك، فإن المشكلة العويصة التي غرسها منطق الاستثمار الربحي للخوف وعي المجتمعات المعاصرة هي أنّ الحروب يصعب اجتناب وقوعها ما دامت هذه الحياة المعاصرة ذاتها تدين في قدرتها الرهيبة والانتحارية لظاهرة الخوف المعولم.

يستثمر التصوّر الاقتصادي الربحي للخوف لعض التصورات الحديثة لمشكلة الشّر بما هو محرّك عجلة التقدم، وأيضا من حيث هو خاصية إنسانية بامتياز (حنا ارندت). لذلك، فإنّه كلما زاد عزْوُ المسؤولية عن الشّر إلى البشر، كلّما تعزّز الاعتقاد بأنهم ليسوا أهلا لتحملها، ومن ثم سوف يبقي هذا الإنسان من دون اتجاه، كما لن يكون بإمكانه العودة إلى الوصاية الفكرية كخيار استراتيجي لنمط عيشه المعاصر. الخطر من كلّ ذلك هو أن آمال النضج غدت لاغية بالنسبة للنظرية السياسية الحديثة، حدث ذلك بفعل تنسيب الاخلاق وتنصيب المنفعة قيمة مطلقة، وهذا ما عمليات سيادة النزوع الاستهلاكي المتطرّف الذي انخرط فيه الأسلوب المعاصرة في العيش.

الخوف والشرّ وجهان لعملة واحدة، إذ يستدعي التفكير في الواحد منهما التفكير في الآخر، من ثم فهما غير قابلين للتجاوز والتخطّي. ولعلّ هذا ما يفضي إلى مناقشة فكرة مخاطر العولمة والتي يأتي على رأسها الخوف من الانقراض الجماعي جراء أوبئة أو مصائب الحروب الكبرى. الخوف بهذا المعنى وليد النمط الحديث للعيش، وقد استثمرته ثقافيا واقتصاديا الرأسمالية المتوحشّة التي لا تبغي عن الربح عوضا، فجعلت من صناعته الية لتأميم الحروب ونشر الإحساس بالهلع والفزع لتحقيق المزيد من الأرباح.

إنّ التفكير في الخوف ضد الخوف مهمّة مستعجلة لأيّ نقد يروم انتشال ثقافتنا المعاصرة من هوسها المرضي بتأمين الحياة ولو على حساب حياة الاخرين. ولعل الخطوة الواعدة للعلاج من هذا المرض تتمثل في الكشف عن الأسباب العميقة للخوف الذي يضرب بجذوره في جهلنا المركّب بالحقائق البسيطة لحياتنا الهشّة على الأرض.

 

الحسين أخدوش

 

 

حاتم حميد محسنتحدّث برتراند رسل (1872-1970) بوضوح عن مسألة "الانسان العملي" practical man الذي يرى الفلسفة مجرد سعي نحو المختلف الغير هام والتافه. النظر الى الفلسفة بهذه الطريقة هو نتيجة لـ "التصور الخاطئ عن الغاية من الحياة" وعن "نوع الخير الذي تسعى الفلسفة لتحقيقه".

يقارن رسل منفعة الفلسفة مع منافع العلوم الفيزيائية. الدراسات العلمية كان لها تأثير بعيد المدى على البشرية من خلال الاختراعات، بينما الفلسفة هي بالأساس تؤثر على حياة الدارسين لها، وهؤلاء يؤثرون فقط بشكل غير مباشر على الآخرين . لذلك، فان القيمة الرئيسية للفلسفة، توجد في طلابها. (رسل) يجعل القارئ يحرر ذهنه من التحيزات العملية والأحكام المسبقة. فاذا كان الانسان العملي يهتم فقط بإطعام جسده وبحاجاته المادية، فان الموقف الفلسفي يعترف ايضا بالحاجة لإطعام الذهن. ان هدف الفلسفة هو تحقيق المعرفة من خلال النقد، وهو"الذي يعطي الوحدة والنظام للعلوم ". غير ان الفلسفة لا تؤكد على معرفة محددة هامة مثلما يفعل التاريخ او الرياضيات او الفيزياء. سبب عدم التزام الفلسفة بمثل هكذا دليل هو لأنها عندما تصبح المعرفة المحددة حول موضوع معين ممكنة، فانها ستنفصل مكونة حقلا آخر. ان دراسة الكواكب او العلوم الطبيعية او ذهن الانسان نشأت في الاصل من التحقيقات الفلسفية والأن تواصل نشاطها العلمي ضمن حقول علم الفلك والفيزياء وعلم النفس. مع ذلك، جزء من عدم التأكد في الفلسفة يأتي من طبيعة الأسئلة التي تتولى الاجابة عليها. هذه الاسئلة تعالج اهتمامات الانسان الاكثر عمقا:"هل للكون اي خطة او هدف، هل هو التقاء لذرات بالصدفة ؟ هل الوعي جزء دائم من الكون بما يمنح أملا للنمو اللا متناهي في الحكمة، ام انه حادث عابر في كوكب صغير يجب ان تصبح الحياة فيه بالنهاية مستحيلة؟هل ان اهمية الخير والشر هي للكون ام للانسان فقط؟ الى جانب حجم هذه الاسئلة، فان مختلف الاجوبة التي تقترحها الفلسفة هي عادة "ليست حقيقة واضحة". ان متابعة الفلسفة ليست فقط اقتراح اجوبة لتلك الاسئلة وانما لتجعلنا اكثر تحسسا لأهميتها ولتجعلنا واعين بـ "الاهتمام التأملي في الكون"، والذي قد ننساه.

حتى لو ان بعض الفلاسفة طوروا برامج من التفكير تقدّم استنتاجات محددة حول العقائد الدينية والمعرفة الانسانية والقضايا الاخرى، فان رسل يرى ان مثل هذه المحاولات هي تصريحات دوغمائية غير حكيمة.

في الحقيقة هو يرى، ان قيمة الفلسفة تبدو في لايقينيتها. هو يكتب"الانسان الذي ليس لديه ميل فلسفي سوف يعيش حياته سجينا في التحيزات المشتقة من الفطرة العامة والمعتقدات التي اعتاد عليها في عمره او بلده او من الأعراف التي تطورت في ذهنه بدون استشارة مقصودة من عقله ". التفلسف من جهة اخرى، يسمح لنا ان نرى حتى الاشياء العادية بطريقة غير مألوفة. مع ان هذه الاعتبارات تُضعف يقيننا حول العالم، لكنها تقترح امكانات هائلة" توسّع الأفكار وتحررها من استبداد العادات". ومع اننا نفقد القليل من ثقتنا في ماهية الاشياء، لكننا نكتسب معرفة بما هي عليه. الفلسفة تطرد الدوغمائية المتعجرفة وتحرر "احساسنا بالدهشة".

التفكير الفلسفي ايضا له قيمة بفضل الأشياء التي يتأملها والتمييز بين تلك الاشياء من جهة و"الاهداف الشخصية" والمصالح الخاصة من جهة اخرى.الفلسفة. حسبما يذكر رسل، "بطريقة او باخرى، اذا كان على حياتنا ان تكون عظيمة وحرة، يجب علينا ان نهرب من سجن عالمنا الخاص".عقيدة رسل هي ان كل ما يعتمد على العالم الخاص "يشوّه هدف التأمل ويمنع اتحاد الشيء والفكر". التأمل الفلسفي يرعى هذا الهروب عبر توسيع الذات. رسل يؤمن ان القيمة الاساسية للفلسفة هي ليس في اي نوع من الأجوبة المحددة وانما هي توجد في الأسئلة ذاتها. هو يستنتج انه "من خلال عظمة الكون الذي تتأمله الفلسفة، يصبح الذهن عظيما ايضا".

 

حاتم حميد محسن