قاسم حسين صالح(الحول العقلي) مصطلح جديد نحتناه في علم النفس العربي ليصف واقع الحال الذي عاشه ويعيشه العراقيون بعد 2003.. ونقصد به تحديدا، ان المصاب بهذا الحول يرى الايجابيات في جماعته ويغمض عينه عن سلبياتها، ويضخّم سلبيات الجماعة الأخرى ويغمض عينه عن ايجابياتها.. وكما يرى احول العين الواحد أثنين ولا يمكنك ان تقنعه انه واحد، كذلك احول العقل يرى ان جماعته على حق والأخرى على باطل، وان هذه الأخرى هي سبب الأزمات مع ان جماعته شريك فيها.

كنت تابعت الاحداث بعد 2003 فوجدت ان العقل السياسي العراقي منتج للأزمات وغير قادر على حل المشكلات، لأن الادمان على الازمات كالادمان على المخدرات.. ففي الحالتين يحدث للعمليات العقلية في الدماغ برمجة ثابتة تجعله يعتاد على تفكير نمطي محدد يجبره على تكراره، وأنه مصاب بالدوغماتيةDogmatism التي تعني الجمود العقائدي او الانغلاق الفكري الذي يعدّ احد أهم وأخطر اسباب الأزمات السياسية والاجتماعية، و(مرض) خالقي الأزمات من القادة السياسيين.

كان هذا الحول العقلي مقتصرا على الغالبية المطلقة من الحكّام الذين استلموا السلطة بعد 2003، لدرجة انهم كانوا(المعارضة) يرون ان العراق من حقهم فقط، والآخرون لا حق لهم فيه!.وبدءا من عام 2008 انتشرت عدوى هذا الحول لتصاب به كتل سياسية وفصائل مسلحة، كل واحدة ترى ان فكرها.. عقيدتها.. رؤيتها للأمور هي الصح والأخرى زندقة او ضلالة او غباء.. واشتد هذا الحول في 2019 ليوصل الجميع بأن الحكم للسيف لا للعقل.. فحصد السيف رقاب مئات الآلآف بينهم قادة قوم وشباب فكر وابرياء وصبايا واحداث.. وامهات وحبيبات مفجوعات.

وباستثناء ثلاث مكونات اجتماعية : المرجعية الدينية، والتقدميين الذين يمتلكون منظورا انسانيا، والمحبون للعراق وطنا للجميع، فأن غالبية العراقيين مصابون بالحول العقلي، اخطرهم اولئك الذين توزعوا على مسميات وعناوين وسلطات لا تخضع لسلطة الدولة، كل واحدة ترى انها هي الحق وهي الأصلح لحكم البلد مع انها كلها لا تصلح، لأن من يتحكم به الحول العقلي لا يستمع لنصائح علماء الدين المخلصين لدينهم ولا يأخذ بمشورة حكماء القوم، بل يتفاهم معك بالسيف ان خطّأت فكرته.

وشيوع الحول العقلي يؤدي بالسياسيين الى ان تتحكم بهم عقدة الشك المرضي بالآخر(البرنويا) وتفسير أفعال الآخرين على انها تآمر، فيما تؤدي بالناس الى التفتيش عن عيوب الاخر، فضائحه، قضم السمعة، التشهير.. واشاعة الهوس والهستيريا، والشعور بالكراهية الذي يؤدي سيكولوجيا الى الحقد وتفعيل دافع الانتقام، فيما يشيع عند آخرين موسيقى وأغان ومحبه فيختلط (الحابل بالنابل) في مشاهد لو رآها عاقل لوصفها بأنها أغرب مسرحيات ما بعد اللامعقول!

والحل.. هل لهذا الحول العقلي من علاج؟

لو كانت الأصابة به مقتصرة على جماعة محدودة لكان العلاج ممكنا، لكن ان يصيب ملايين الناس في مجتمع تتعدد فيه السلطات وتضعف فيه سلطة الدولة فان العلاج غير ممكن الآن، ما يعني ان العراقيين سيبقون يدفعون ثمن هذا الحول العقلي خيبات وفواجع الى ان تنجح القوى السليمة منه المجيء بحكومة تكون فيها السلطة للدولة فقط وليس لقادة سلطات مصابين بالحول العقلي.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

 

عصمت نصارلقد عكف الفلاسفة والمتفلسفون عبر تاريخ فلسفة الحوار على إيجاد إجابة وافية عن سؤالين ملحين فى مبحث المعرفة أولهما: لماذا نقرأ؟ وكيف نكتب؟

فذهب البعض إلى أن القراءة هى بوابة العلم ومصباح المعرفة، بينما نزع آخرون إلى أنها وقود الذهن وزاد الفكر، واتفقوا جميعًاً على أننا نكتب أو نتكلم لنعبر عن مكنون الأنا، ونتواصل مع الأغيار، ونعلم ونتعلم ونحاور وننقد ونصاول، ولن نستفيض كثيرًاً فى تبيان اجتهادات المتفلسفين وأجوبتهم حول علة القراءة وكيفية الكتابة من حيث الأسلوب وترتيب الأفكار والسياقات والأنساق، بل سننتقل إلى السياقات المعاصرة تلك التى عدلت هذين السؤالين فأضحيا كيف نقرأ؟ ولماذا نكتب؟

فالقراءة فى الفكر المعاصر تعنى التحليل والتأويل بعد الدرس والفحص، ثم إعادة ترتيب المفاهيم المستخلصة واستحالتها إلى إبداعات ومشروعات منتجة وفعالة على أرض الواقع، أي أن القراءة لم تصبح متعة ذهنية أو لذة عقلية أو وسيلة لتصنيف المعارف وتحصيل المعلومات، وأطلق على هذا الدرب من دروب القراءة «المطالعة الناقدة أو غرابيل الفهم»، ولم تعد الأعين أو الآذان هى آليات القراءة بل التفكير الناقد، فبمنأى عنه تفقد القراءة غايتها وتضيع مقاصدها.

فالفهم الصحيح والوعى الحقيقي لا يمكن إدراكه إلا عن طريق التفكير الناقد، ولاسيما عقب ظهور مصطلح «فلسفة الكذب المعاصرة»، وهى تلك التى استخدمت مؤخرًا فى ميدان الإعلام وبخاصة فى حروب الجيلين الرابع والخامس؛ فلم تعد المعارف المكتوبة والمسموعة والمشاهدة تنتمى إلى ثالوث القيم المعروف (الحق - الخير - الجمال) بل ألقيت فى سوق المنفعة وآتون المصلحة بمنأى عن أخلاقيات القلم وضمير العلم ومحبة الحقيقة.

ولا ينبغي أن ينأى بنا حديثنا بعيدًا عن توضيح الغرض أو قيمة ما نسعى إليه، ألا وهو التفكير الناقد، فنحن الآن نخوض أشرس المعارك التى تعتمد على تضليل الأذهان وتزييف الوعى والتشكيك فى الوقائع واصطناع الوهم، ذلك فضلًاً عن إثارة الشغب وتحطيم الثوابت ومغازلة المشاعر والسقوط فى ركام السفالة والقدح والفحش، وذلك كله باستخدام آلية المجتمع الافتراضي الذى خلقته التقنيات التكنولوجية المعاصرة بداية من توهم الأشياء ونهاية بافتعال الأحداث والواقعات، فقد نجحت تلك التقنيات فى خداع العقل وإيهامه بقدرة تفوق الشيطان الماكر، ومن ثم كان لزامًا علينا التسلح بسلة أكثر تطورًا من تلك التى حملها "ديكارت" ليغربل فيها الأفكار قبل ابتضاعها وتدشينها فى الذهن.

ولعلّ التفكير الناقد هو الممثل الأصلح لهذه السلة التى تفتقر إليها أقلام المثقفين والموجهين والمحاورين العقل الجمعي. وتتألف من عصبة من الأسئلة المتشابكة التى لا تكتمل إلا باجتماع كل أجزائها؛ فنبدأ - عقب القراءة - بالسؤال عن ماهية مصدر الخبر أو المعلومة، ثم نقوم بتحليل الإجابة، ونضعها فى جدول الحقائق بقيمة عددية تبين مدى دراية وخبرة ومصداقيه المصدر.

ثم يأتى السؤال الثانى عن مضمون أو محتوى الخبر ثم نقوم بتحليله أيضًا للتأكد من واقعية الخبر ومنطقه ومقوماته وتصور وجوده فى أرض الواقع، ولا ننسى عرض مفردات الخبر على ميزان التحليل اللغوي ومقارنته بثقافة المصدر من جهة ودلالات الكلمات انطلاقاً من البيئة التى لفظتها من جهة أخرى، أما السؤال الثالث فيبحث عن المقصد أو الغاية فى ظل قراءتنا للجدول السابق الذى وضعنا فيه تحليلًا لقيم الهوية والمضمون وذلك للكشف عن الهدف المباشر والمقصد المستتر؛ فالكثير من الأكاذيب والشائعات تتخفى وراء وجوه عدة، منها الوعظ والتوعية والبطولة والحرية والإصلاح والتمرد على الظلم.

وأخيرًا خليق بى ألا أهمل الإجابة عن السؤال الثانى وذلك لأن له علاقة مباشرة بالسؤال الأول، فسؤال (لماذا نكتب؟) يحمل بين طياته وجوهًاً كثيرة، فهل نكتب من أجل التوجيه والتوعية وتصحيح المفاهيم وتصويب الأفكار وتوضيح ما التبس وتفسير ما غمض، فمثل تلك الغاية تحتاج إلى دراسة هى الأخرى والإجابة عن بعض التساؤلات، أهمها: إلى من أكتب؟ وما طبيعة ثقافته؟ والثوابت التى يعتقد فى حقيقتها، وأخيرًاً ما الأسلوب أو اللغة التى يقبلها ويقنع بها، ثم البحث عن ذلك المرسل الحصيف الذى يتحدث فينصت له المتلقي ويقنع به المشاهد.

والسؤال المطروح: هل نحن نحسن القراءة والكتابة؟ أم نحن فى حاجة للتسلح بآلياتهما؟ لننجو من شراك الحرب الدائرة.

وإذا ما أردنا تطبيق التفكير الناقد على تلك الحملة المجيشة التى شنت علينا فى الأيام الماضية وعشرات الشائعات ومئات الأكاذيب، فيمكننا أن نكتشف أنه من حسن الحظ أن هناك بونًا شاسعًا بين العقل المخطط والآليات المنفذة؛ فمبتدع الشائعة أو مؤلف الأكذوبة قد وضعها بمنطق المغالطات، وهو الخلط بين مقدمات صادقة ومحمولات كاذبة، وذلك بأشكال هندسية دقيقة تؤيدها بعض الفبركات والحيل الخبرية والمشاهد والصور المصطنعة والمستندات الزائفة والاستشهادات المغلوطة.

بيد أن الآليات المنفذة أرادت وضع بصمتها على تلك المشاهد فأفسدت الواقعة برمتها، مثل البذاءات اللفظية والتهوين والتهويل وإنكار ما حاول إثباته والوقوع فى نسق التناقضات، والخروج عن النص إلى سياق العبث، وغير ذلك من مفارقات لم يوقظنا منها وعينا بل غباء أعدائنا.

والسؤال المطروح: هل نحن المثقفين نحسن اللعب فى هذا الميدان ونفلح فى إيجاد البراهين وإبراز الحقائق بمنطق المصارحة وتقديم منطق الاحتمالات على أسلوب القطع؟ وهل بيننا من ينصح الرأي العام القائد بالعزوف عن الارتجال والاستناد إلى الدقة فى العرض حتى لا يتصيد له المتصيدون؟

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. عصمت نصار

 

عبد اللطيف احرشاوتعتبر الكفايات الثقافية Les compétences culturelles، بمؤسسة المدرسة بأنها ليست من طبيعة معرفية أساسا، بل هي من طبيعة اجتماعية وأخلاقية ووجدانية، حيث يتحدث الكتاب الأبيض عن معالجة الكفايات الثقافية التي ينبغي أن "تشمل في شقها الرمزي توسيع دائرة إحساسات المتعلم أي (مشاعره وعواطفه وتصوراته) والتي يبدو أنها تستعمل هنا، بمعنى المواقف والاتجاهات أي مجال القيم ورؤيته للعالم وللحضارة البشرية وبترسيخ هويته كمواطن وكإنسان منسجم مع ذاته ومع بيئته ومع العالم" . غير أن الإشارة الضرورية هنا لتأكيد الكفاية الثقافية بالوسط المدرسي وجب أن توجه للمجتمع برمته، وبعيدا عن التقسيمات التي تختزل الفعل الثقافي في شكل أو نمط أو صورة، أو لا تعترف إلا بهذا ولا يعنيها ذاك، وحسب تعريف الخبير التربوي محمد الدريج فالكفاية الثقافية هي "مجموعة من المعارف والمهارات والاتجاهات المكتسبة والمندمجة بشكل مركب، والتي يقوم الفرد بتجنيدها وتوظيفها قصد مواجهة مشكلة ما في وضعية محددة"  فالفاعل الثقافي الحديث هو كائن يستوعب الجميع ويتبنى الصيغ التفاعلية الحديثة، ويتيح مساحة وافرة للاندماج بين مختلف الفاعلين لتبقى المدرسة مكان للإبداع الثقافي.

بالتالي فالكفاية الثقافية تهتم بهوية الشخص وثقافة مجتمعه بهدف جعله ينصهر في قيم واتجاهات هذا المجتمع، بالإضافة إلى جعله شخصا يتقبل الاختلاف والتعدد ولا تحاصره الحدود الترابية والعصبية لأنها وهمية في نظره بل يتجاوزها إلى العالم الآخر والبعيد، لذلك فهي القدرة الشخصية ومجموعة من "الإمكانات التي يكون الفرد فيها قادرا على تعبئتها بهدف مواجهة وضعية جديدة وهي مكتسبة ولا تتحقق إلا من خلال أفعال ملموسة " .

إن المتتبع للحياة المدرسية(La vie scolaire)  بالمؤسسات التعليمية بمختلف أشكالها يجدها مشتلا خصبا يمكن أن تمارس فيه مجموعة من الأنشطة الموازية المواكبة للعملية التعليمية التعلمية، مما يستدعي إذن من خلال تفعيل الأنشطة الثقافية في المؤسسات التعليمية "فتح مجال أمام المتعلمين والسماح لهم بالمساهمة والمبادرة، في لحظة أوج التغير والنمو الجسمي والنفسي، والرغبة في إثبات الذات وصناعة شخصيتهم المستقلة والحرة" ، بغض النظر عن الإجراءات الإدارية الملازمة لتنظيم هذه الأنشطة، فإن الأولوية يفترض أن تمنح للمتعلم في تفعيل مختلفها (رياضية، ثقافية، فنية، علمية، حقوقية، سينمائية).

ومن هذا المنطلق فلا يمكن الحديث عن مدرسة مفعمة بالحياة دون موجود ميكانيزمات تسعى الى "تفعيل أدوار الحياة المدرسية بإثارة بعض الجوانب التي يمكن أن تحقق التوازن المنشود بين القدرة على الاستيعاب والتعلم والتنمية الشاملة للمتعلم"  من خلال تأسيس وتنشيط مجموعة من البرامج الثقافية حسب الإمكانيات المتاحة والمتوفرة بالمؤسسة، ولضمان نجاحها واستمراريتها، فيظل الأمر رهينا ومرتبطا بمدى توفر المؤسسة على مشروع تربوي طموح، يمكن أيضا "المتعلم بانخراطه الإيجابي بأن يتعلم أيضا تكوين الملفات وإعدادها حول مواضيع كثيرة، وكذا تنظيم الورشات إنجازا وتسييرا وإشرافا ضمن عمل المجموعات، وهنا تنبغي الإشارة إلى ضرورة إجراء تشخيص لحاجيات المتعلمين الأساسية والملحة"  وبالتالي قياس مدى قابلية الطاقم الإداري والتربوي بالمؤسسة، للانخراط الإيجابي في هذا المشروع ضمن فريق تربوي منسجم ومتكامل، يسعى كل عضو فيه إلى القيام بالدور المنوط به على الوجه الأكمل إضافة إلى دور الجمعيات التربوية والتعاونيات المرتبطة بالحياة المدرسية، في خلق روح التعاون والاندماج والمؤازرة بين المتعلمين بالمؤسسة عن طريق تحقيق أنشطة ومشاريع ثقافية واجتماعية بالمؤسسة، كما أن التشخيص سيمكن فريق العمل من إعداد تصور أولي لمشروع المؤسسة، ومعرفة شمولية بالجوانب التي سيتم التركيز  عليها في تنشيط أدوار الحياة المدرسية.

لا أحد يشك في أهمية الأنشطة الموازية، في "تنشيط الحياة المدرسية وتفعيل أدوارها لتتمكن من تجاوز وظيفتها التقليدية" ، بحيث تعد الأنشطة المدرسية الموازية مجالا حيويا وإلزاميا في التعليم الابتدائي، الإعدادي، الثانوي، تسهم في النمو الجسمي والنفسي والتفتح الثقافي والفكري للمتعلم وسعيا إلى تحقيق هذه الغايات بكيفية شاملة وممنهجة بأسلاك التربية والتكوين كافة. إن الفعل الثقافي هو ذات أبعاد أخلاقية يجمع بين ما هو عضوي وما هو شخصي ثقافي، ألا وهي أن كل سلوك فهو سلوك هادف، أي أن الفعل الثقافي لبلوغ هدف أو غاية ما فإنه يختار عدة وسائل وأنماط سلوك متعارف عليها اجتماعيا، والتي تصبح بالنسبة إليه مرجعية يستعملها في مواجهة الأوضاع الجديدة وفق منهجية محددة للوصول إلى غايته، حيث يتضمن الفعل اختيار الفاعل لعدد محدود من الوسائل التي تحقق هدفه دون وسائل أخرى.

وبالتالي فإن المدرسة التي ينبغي تفعيلها هي أساسا "مدرسة القيم والفكر المبدع، مدرسة المشاركة والتنشيط والتفاعل البناء بين كل الفاعلين والمستفيدين بينهم وبين مجتمعاتهم، وإذا كان التنشيط بشكل عام وفي إطار الأندية التربوية على وجه الخصوص، والذي يشمل الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية يغطي الجوانب النفسية والتربوية والاجتماعية من حيث مساهمته في تنمية الكفايات الفعلية والمهارية وغرس القيم والاتجاهات الحميدة لدى المتعلم"  فإنه يجعل منه مواطنا ملتزما يساهم بإيجابية ومسؤولية في تغيير واقعه وتطوير مجتمعه نحو الأفضل.

في العديد من المؤسسات نجد الكثير من الأندية، لكن أدوارها قد لا تتجاوز حدود أسوار المؤسسة التي تنتسب لها، بمقابل أندية وصل صدى فعلها ومساهمتها إلى البعد الجهوي والوطني. كما أن بعض تلك الأندية تبقى إطارا مفرغا من فلسفة الأندية، يغيب عنها العنصر الرئيسي أي المتعلم وفي حالات أخرى يغيب معه التصور الاستراتيجي للعمل مع ذلك وبحكم حداثة التجارب وتحفيز عمل الأندية ومراكمة الخبرات، تكتسب الأندية أهمية أخرى باعتبارها جسر التواصل مع مكونات المجتمع التي لها علاقة بقضايا الحياة المدرسية.

لن نتمكن من الإحاطة الشاملة بجميع الوثائق الرسمية التربوية والإدارية في حديثنا عن وضع الشأن الثقافي والكفايات الثافية بالمدرسة على وجه الخصوص، والتي تلح على أهمية الأندية في بناء المدرسة الحديثة، ودورها في سيرورة الفعل التعليمي بمختلف عناصره. أمر يمكن اختزال جزء منه في مضامين الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي سبق أن شدد على تنظيم الأنشطة التربوية الثقافية والرياضية، ذلك بجعل المدرسة فضاء للحياة والدينامية، عبر تفعيل الأنشطة المندمجة والموازية التي تتوخى من "إكساب المتعلم مهارات... مصحوبة بالمعارف المرتبطة بها، قصد تعويده على الاهتمام بصحته، وبجودة الحياة، وجعله قادرا على التكيف، مع بيئات مختلفة طوال حياته" .

إن الفرق التربوية التي ينبغي إحداثها في المؤسسات التعليمية، وجب أن تحتل مبدئيا مكانة بارزة في تنظيم الحياة المدرسية وتنشيطها، من خلال برمجة مختلف الأنشطة الثقافية والاجتماعية والرياضية وتحسين الامكانيات والتدابير اللازمة لتنفيذها، وغير ذلك من الأعمال التنظيمية والتربوية. "كما ألح الميثاق الوطني للتربية والتكوين على أن تكون البنيات والتهيئات الجديدة تلائم خصائص كل وسط من النواحي المناخية والاجتماعية والثقافية"  وبالتالي اعتماد الفرق التربوية حسب الوثائق الرسمية بمختلف الأسلاك كإطار "تنظيمي وآلية منهجية وعملية، لمزاولة نوع من أنشطة الحياة المدرسية التي تنظمها المؤسسة بإسهام فاعل من المتعلمين"  من شأنه أن يقوي فرص نجاح التغيرات المرغوب فيها، ولضمان فعالياتها وانتظام أنشطتها المدرسية وسنذكر هنا مكانة المسألة الثقافية ودور المتعلم في تفعيل مختلف الأنشطة إلى جانب الطاقم التربوي من خلال بعض الوثائق الأخرى لا الحصر.

فالكتاب الأبيض هو الآخر ركز على مدخل القيم وأولاه قيمة كبرى، كما سبق للميثاق الإشارة ببالغ الأهمية وذلك بالسعي إلى تطوير المنظومة التربوية لإرساء مدرسة جديدة وبنفس جديدة، وهي المهام الموكولة للأندية التربوية أيضا ولو بشكل غير مباشر، "فالقيم كانت المدخل الرئيسي لهذه التوجيهات وذلك بالسعي إلى جعل الناشئة تنمو وفق توجهات وقيم، تستهدف إدماجهم في محيط اجتماعي تسوده روح المسؤولية والوعي بالحقوق والواجبات." ، في حين تحث الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 مؤسسة المدرسة على الاضطلاع بمهمتها في "تحقيق الاندماج الثقافي عبر جعل الثقافة بعدا عضويا من أبعاد وظائفها الأساسية على نحو يضمن نقل التراث الثقافي والحضاري والروحي...وترسيخ التعددية الثقافية والانفتاح على ثقافات الغير وضمان ولوج سلس ومنصف للثقافات بين المجالات الترابية" ، في هذا الصدد يوصي المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بضرورة توفير "فضاء من شأنه تجسيد وتنمية الممارسات الديمقراطية والمدنية داخل المؤسسات التعليمية" . أما المذكرات حول الهم الثقافي بالمدرسة المغربية، فلا حصر لها للمثال نذكر من بينها:

- المذكرة رقم 11\2002 لإحداث الأندية السينمائية.

- المذكرة رقم 17\2002 لتعميم ثقافة حقوق الإنسان.

- المذكرة رقم137\2002 حول التنشيط الثقافي والرياضي.

- المذكرة رقم 12\2004 حول استعمال الفضاء المدرسي للمؤسسات.

- المذكرة رقم 87\2004 لتفعيل أدوار الحياة المدرسية.

- المذكرة رقم 9\2008 حول تقييم عمل الأندية التربوية المختلفة.

كما يثبت دليل الأندية التربوية الصادر في غشت 2009 الأهمية القصوى للعمل بالأندية ومنحها مصداقية تأسيسا، تنظيما، وتنفيذا لمختلف الأنشطة. إذ إن المتتبع لهذه الوثائق المرجعية والمذكرات المؤطرة للأنشطة التربوية، سيجد أن أهدافها وغاياتها تؤكد الحرص على مختلف الأنشطة والبرامج التربوية، إسهاما في تحصين الناشئة بما يعزز هويتها الإسلامية ويقوي روابطها الوطنية، مع الانفتاح على القيم النبيلة التي تقوي شخصية المتعلم في السياق ذاته، وتعزيزا لدور جل مكونات المدرسة في التوعية بالقيم وتنمية روح المبادرة والإبداع لدى المتعلمين، فإن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي يوصي بتعميمها لا سيما بالمؤسسات التعليمية بالوسط القروي والمناطق شبه الحضرية لكونها:

"- تنمي حس المواطنة والانخراط في بلورة وتنفيذ مشاريع تربوية وثقافية لصالح العيش المشترك والوقاية من التعصب والتطرف

- تعتبر أحد مرتكزات الحياة الإنسانية في جانبيها الفردي والاجتماعي، لذلك تعد التربية على القيم مسؤولية متقاسمة تضطلع بها المدرسة، إلى جانب الأسرة ووسائل الإعلام، وباقي المؤسسات التي تؤدي وظائف ذات الصلة بالتربية والتثقيف والتأطير" .

يعتبر الفعل الثقافي إذن هو ذلك التساند والصراع والتوافق، فهو إحدى مقومات التنظيم الاجتماعي  لذى فعلاقة الفرد وتفاعله مع الآخرين مرتبطة بالكيانات الاجتماعية التي يتواجد بها، حيث تحدد قوة توجيه فعله الاجتماعي نحو مختلف المواقف الاجتماعية التي يواجهها، ومن ثم فإن التفاعل الاجتماعي الثقافي ليس خارج الجماعة ولا ينشأ بدونها، فالتفاعل الثقافي شبكة معقدة من الانفعالات والتفاعلات بين الأفراد، وأن جميع هذه الأفعال والتفاعلات منظمة ومدفوعة بالعضوية الجماعية، مما يترتب عنها أدوار وتوقعات يتعلمها الفرد عن طريق التنشئة الاجتماعية، وبالوسط المدرسي، فالكفاية "تعتمد على دمج للمعرفة التأديبية والتربوية وجعل المتعلم يفهم دور المدرسة كإحدى الوسائط للثقافة، وأيضا البرهنة على الوجود الفكري النقدي للمعرفة التي يتلقاها المتعلم إضافة إلى نسج الروابط بين المعرفة المدرسية وعالم المهن" .

لكن هذه الأهداف وتفعيل مثل هذه الإجراءات، كثيرا ما تعترضه في حياتنا المدرسية العديد من الصعوبات والعراقيل، والتي يمكن أن تحول التوصيات والتوجيهات في مجال التنشيط التربوي والثقافي، إلى مجرد شعارات جوفاء تضر أكثر مما تنفع.

إذن فلتفعيل الحياة المدرسية، لابد من توفير الإمكانات اللازمة والضرورية من أجل التحقيق الفعلي لحياة مدرسية، كما نص عليها الميثاق الوطني للتربية والتكوين مدرسة جديدة، ومتجددة مفعمة بالحياة والسعادة. وتعتبر الحياة المدرسية تلك الفترة الزمنية التي يقضيها المتعلم داخل فضاء المدرسة وهي جزء من الحياة العامة للمتعلم، وهذه الحياة مرتبطة بإيقاع تعلمي تربوي وتنشيطي متموج حسب ظروف المدرسة وتموجاتها العلائقية والمؤسساتية، وتعكس هذه الحياة المدرسية ما يقع بالخارج الاجتماعي من تبادل للمعارف والقيم، وما يتحقق من تواصل سيكو اجتماعي وإنساني. وتعتبر الحياة المدرسية جزءا من الحياة العامة المتميزة بالسرعة والتدفق، التي تستدعي التجاوب والتفاعل مع المتغيرات الاقتصادية والقيم الاجتماعية، والتطورات المعرفية والتكنولوجية التي يعرفها المجتمع، حيث تصبح المدرسة بهذا المعنى تعد الفرد للتكيف مع التحولات العامة بإيجابية وتعلمه أساليب الحياة الاجتماعية وتعمق الوظيفة الاجتماعية للتربية، مما يعكس الأهمية القصوى لإعداد الفرد أطفالا وشبابا لممارسة حياة قائمة على اكتساب مجموعة من القيم داخل فضاءات عامة مشتركة.

وخلاصة القول، فإن الإقبال على المدرسة يجعل الفرد ينشئ علاقات اجتماعية من التفاعل الثقافي الاجتماعي الذي يكونه مع غيره ونتيجة لهذا التفاعل تكون مجموعة من العمليات تمثل في مجملها جملة من المواقف الاجتماعية يكونها الفرد عن الأشياء التي يعيشها مع غيره وفي البيئة التي يعيش فيها وعليه ترى هذه المقاربة أن المعاني والرموز، التي يدرجها المجتمع في المنظومة القيمية للفرد، تشكل في الحقيقة المجال الاجتماعي الذي يعيش فيه الفرد وذلك من خلال الرموز والمعاني التي يعطيها الفرد للفعل الثقافي.

 

عبد اللطيف أحرشاو

......................

المراجع

1- الحسن اللحية، موسوعة الكفايات -الألفاظ والمفاهيم والاصطلاحات-، منشورات مركز حقوق الناس، الطبعة الأولى 2006، ص143.

2- العربي السليماني، المعين في التربية، مطبعة النجاح، طبعة 2009، ص84.

3- نفسه، ص84.

4- وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، "مديرية التقويم وتنظيم الحياة المدرسية والتكوينات المشتركة بين الأكاديميات"، دليل الحياة المدرسية، غشت 2008، ص17.

5- دليل الحياة المدرسية، غشت 2008، م.س.ص19.

6-  وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي "مديرية المناهج والحياة المدرسية"، دليل الأندية التربوية، غشت 2009، ص6.

7- محمد الدريج، "الأندية التربوية تفعيل وتنشيط للحياة المدرسية أم تشويش لا طائل من ورائه"، مقالة افتتاحية لأشغال الورشات التكوينية التي تنظمها منتديات دفاتر، منشورة بالجريدة الإلكترونية "تربية وتكوين الحياة المدرسية" )في 25 فبراير 2013.  (للمزيد من المعطيات راجع موقع  http://www.dafatiri.comعبر الرابط التالي:

http://www.dafatiri.com/vb/showthread.php?346358

8- محمد الدريج، "الأندية التربوية تفعيل وتنشيط للحياة المدرسية أم تشويش لا طائل من ورائه"، م.س.

9- المملكة المغربية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، دار الحرف للنشر والتوزيع، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، دط، 2006، ص47.

10- نفسه، ص61.

11- دليل الأندية التربوية، م.س.ص4.

12- الكتاب الأبيض، الجزء الأول الاختيارات والتوجهات العامة المعتمدة في مراجعة المناهج، لجان مراجعة المناهج التربوية المغربية، يونيو، 2002، ص38.

13- المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء "رؤية استراتيجية للإصلاح 2015-2030"، ص54.

14- من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء "رؤية استراتيجية للإصلاح" 2015-2030، م.س.ص56.

15- المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، التربية على القيم بالمنظومة الوطنية للتربية والتكوين والبحث العلمي، "تقرير رقم 17/1"٬ يناير2017، ص18.

16- Sylvain Manseau et Olivier Dezutter, « La compétence culturelle en formation initiale des enseignants de français au secondaire : état d’une expérience à visée intégrative, Vol 33, N2, 2007, p305-320 , cet article est publié le 1 février 2007 via le lien suivant :   https://www.erudit.org/fr/revues/rse/2007-v33-n2-rse2173/017878ar.

 

 

 

بليغ حمدي اسماعيلاستمتعت لمدة يومين متتاليين بالتقرير الإذاعي الذي بثته إذاعة بي بي سي اللندنية الذي اهتم برصد الحالة التعليمية في مصر لاسيما اشتعال الحركات والائتلافات النسائية المنزلية التي دشنتها أمهات وسيدات مصر بعنوان (مناهجكم باطلة) وهي حملة تمرد وهجوم وغضب مستدام ضد السياسات التعليمية في مصر تحديدا في المرحلة الثانوية،  وما سببه النظام التعليمي الذي يتلقى سلسلة من الهجمات المتتالية من الأقلام الصحافية ومرتادي صفحات التواصل الاجتماعي الإلكتروني، من أمراض وأعراض نفسية لدى أبنائنا الطلاب، وخلال إنصاتي لهذا التقرير الإذاعي الأكثر دهشة،  كانت ثمة مشاهد أخرى متوازية تتوافق زمنيا مع حدث التمرد النسائي المنزلي  مثل ترقب نتائج زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي الأكثر تميزا ونجاحا للملكة المتحدة مؤخرا، وأصداء فوز اللاعب المصري محمد صلاح بجوائز أسبوعية كثيرة جدا رغم أنه  لم يقدم شيئا يذكر للكرة المصرية ذات الحالة المريضة المزمنة.

أو حذف الناشط السياسي محمد البرادعي الذي لم يقدم شيئا لوطنه سوى الإثارة والفتنة وتحريض الشباب للعصيان والفوضى من كتب التاريخ بحجة أنه من الصعب على التلاميذ فهم طرحه الثقافي أو القانوني أو العلمي ثم إجراء الوزارة تحقيقات واسعة لبحث مسألة حذف ذكره الخالد دون أدنى اهتمام بالمشهد التعليمي برمته.

وفي الوقت نفسه الذي استمعت فيه إلى تقرير المشهد التعليمي بمصر بإذاعة بي بي سي اللندنية تابعت بعض الصحف المصرية البائسة أو الأشد فقرا في تناول الأحداث الجارية  فوجدتها لا تخرج عن سياق الحكومة المصرية التي لا تؤدي مهامها بنفس سرعة ودقة وإتقان السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي أصبح أكثر سرعة ومهارة من الوزارات المختلفة، فجريدة ترفض هذا الوزير، وأخرى تؤيد وجود تلك الوزيرة المغضوب عليها جماهيريا، وثالثة تؤكد بأن المستشار فلان الفلاني لم تعرض عليه الوزارة أصلا وهو أحق بها وكأنها جائزة الدولة التشجيعية، ورابعة تشير بأن الدكتور العلاني رفض تولي حقيبة وزارية وكأنه يرفض تذكرة سينما حفلة منتصف الليل لفيلم زنقة ستات وليست مهمة وطنية قومية، ناهيكم عن أخبار اللاعبين المصريين المحترفين الذين يفشلون مع منتخب بلادهم بصورة مدهشة أيضًا .

لكننني أصبت بحزن شديد وعميق حينما لم أر صحيفة مصرية أو مطوية محلية أو حتى برنامجا إخباريا أو من خلال شريط الأخبار الصغير والسريع أسفل الشاشة يعلن مجددا الذكرى الماضية  التي احتفلنا فيها  بالرائعة والماتعة والأكثر تميزا حنان الحروب ! . وا أسفاه على إعلام كان ينفرد بالسبق وحده وكانت التربية صوب التميز!

حنان الحروب؟ ملايين المصريين بل والعرب أيضا لا يعرفونها وبالضرورة هم في غنى عن معرفتها أيضا لأسباب كثيرة متداخلة مقرها ومستودعا فشل المنظومة التعليمية في مختلف الدول العربية البعيدة عن أي تصنيف حقيقي، وهم بالطبع مشغولون باللمسات الكروية لمحمد صلاح الذي لا يعد سوى لاعب ضمن فريق يحظى بالنجوم لكننا نصر على وضعه تحت المجهر من أجل شغل وقت البرامج الرياضية الفكاهية،  وأخبار اعتزال المغنية الكبيرة والخطيرة والشهيرة شيرين الغناء ثم عودتها أو طلاق المغنية أصالة من المخرج المبدع طارق العريان، ولم يختلف المشهد الغنائي أصلا فلا يزال الأطفال والشباب يتراقصون على أغاني موسيقى الصفائح المعدنية الفارغة، وبرومو ألبوم الهضبة عمرو دياب الذي يبدو أنه لن يظهر للنور خلال هذا الشتاء القارس،  وأشياء أخرى طويلة وكثيرة ليست من بينها حنان الحروب التي يحتفي بها العالم كله منذ ثلاث سنوات مضت.

باختصار شديد، حنان الحروب هي الحائزة على لقب وجائزة أفضل معلم في العالم في العام 2016، ففي منتصف شهر مارس منذ ثلاثة أعوام وفي ختام فعاليات المنتدى العالمي الرابع للتعليم والمهارات، تم الإعلان عن فوز المعلمة الفلسطينية حنان الحروب، بجائزة أفضل معلم في العالم وبالضرورة تم ترشيحها للفوز بإحدى جوائز نوبل للعام نفسه أيضا، وهذه الجائزة تمنحها سنويا مؤسسة فاركي وهي مؤسسة غير ربحية تستهدف تقديم الخدمات التعليمية ومساعدة غير القادرين على مواصلة واستكمال التعليم النظامي، وذكر سوني فاركي مؤسس الجائزة عن حنان الحروب إنه يأمل أن تلهم قصة حنان الحروب أولئك الذين يتطلعون لدخول مهنة التدريس. وحنان الحروب الفلسطينية هي من مواليد الدهيشة في بيت لحم، وتعمل في مدرسة بنات سميحة خليل الثانوية في البيرة، وبرغم سنوات الفاقة والأزمة الفلسطينية التي لم تنته حتى كتابة السطور نتيجة التقاعس العربي المزمن، وأيام والتشرد والغربة التي رغم قسوتها ومرارتها كانت حافزا ودافعا قويا ومتينا لتخرج حنان عن صمت المرأة الفلسطينة صوب إحداثيات المشهد العربي القابع في الخرس وليس السكوت، أنهت دراستها الثانوية وتزوجت وأنهت دراستها الجامعية في عام 2005  من جامعة القدس المفتوحة، وهي بالمناسبة من الجامعات والمؤسسات العلمية الرصينة التي تصدر عدة مجلات متخصصة محكمة دوليا ولها تصنيف عالمي ضمن النشر العلمي الدولي . لاسيما وأن السيدة حنان الحروب نشأت داخل مخيمات اللاجئين وليس في فنادق خمسة نجوم أو في معسكرات مكيفة الهواء وسط الخضرة ومباهج الحياة .

لكن قبيل تعرف أبرز الميزات التعليمية التي جعلت حنان الحروب تتفوق وتقتنص الجائزة التعليمية البالغة مليون دولار أمريكي، وجب التنويه على بعض المتنافسين معها على الجائزة ومن بينهم من بينهم مدرسون ينحدرون من دول حققت قفزات قوية في مجال التربية والتعليم، مثل معلمين ومدرسين من بريطانيا والولايات المتحدة واليابان وفنلندا وأستراليا والهند. ومن أبرز الذين تأهلوا للمسابقة النهائية المعلمة الفلندية ماريت روسي التي طورت طريقتها الخاصة لتعليم الرياضيات، وعقيلة آصفي التي لجأت إلى باكستان من أفغانستان وأنشأت مدرسة لتعليم أطفال المخيمات، والكيني أيوب محمد الذي تقدم بمشروع للتصدي للعنف، والهندي روبن شوراسيا الذي أنشأ منظمة لتعليم المراهقين، والأسترالي ريتشارد جونسون الذي أقام معملا لأطفال مدرسة ابتدائية. يضاف إليهم كل من الأميركي مايكل سوسكيل الذي نجح في تحفيز تلاميذه بربطهم بمشروعات حول العالم، ثم الياباني كازويا تاكاهاشي الذي ابتكر طرقا جديدة لتربية النشء على قيم المواطنة العالمية، والأميركي جو فاثري الذي يعتبر من رواد التدريب على المشاريع باستخدام الطابعة الثلاثية الأبعاد وتكنولوجيا الطائرة بدون طيار وألعاب الإنترنت. ورغم ذلك استطاعت الفلسطينية الماتعة المتميزة حنان الحروب أن تنال جائزة أفضل معلم، أما في معظم البلدان العربية  فللأسف أمر يحتاج إلى ثورة تعليمية جادة تنسف كل إرث الماضي التعليمي والتربوي البائد، وكم كنت صادقا عندما واجهت بعض أساتذتي بأن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لليابان والسعي إلى نقل التجربة اليابانية في التعليم في ظل فضاءات المعرفة والمعلومات هو خير دليل على فقر التربية الراهنة في مؤسساتنا التعليمية وأن كل محاولات التطوير القائمة هي ديكور تعليمي لم يصب قرار المهنية ولم يحلق في فلك التحديث ومن ثم لابد من إجراء خطوات استباقية للنهوض بالتعليم المصري ليس فقط من أجل المنافسة بل في سبيل البقاء .

لكن ماذا صنعت هذه المرأة التي صادف فوزها شهر الاحتفال بيوم المرأة العالمي وعيد الأم وكأن المرأة على موعد مع الاحتفاء والتتويج ؟ باختزال واختصار شديدين أنها استخدمت شعار لا للعنف حيث ألفت كتابا حمل عنوان (نلعب ونتعلم) تحدثت فيه عن استخدام الوسائل التعليمية وطريقة التدريس التي تجذب الطالب وتجعله يحب العلم والمعلم . وكان طرحها التعليمي ودورها التربوي الأصيل يقوم على دور المعلم في تحرير الأطفال من العنف وثقافة التطرف وإطلاق خيالاتهم التي يمكن تجسيدها في حوارات من الواقع .

إن حنان الحروب أعلنت صباح كل يوم دراسي لها أنه يمكن لأطفالنا العرب العيش بحرية وسلام كبقية أطفال العالم .علاوة على أنها تستخدم اللعب التعليمي  بالوسائل البسيطة كوسيلة للعلم وتغيير سلوكيات الأطفال وبناء الثقة معهم وغرس الأخلاق والقيم فيهم قبل تعليمهم المعارف والمعلومات لتلاميذ الصف الثاني الابتدائي بصورة حقيقية بعيدة عن الشعارات غير القابلة للتطبيق .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

حمزة بلحاج صالح"لا فهم للفلسفة والفكر بالوكالة .. إقرأ حتى لا يقرأ لك غيرك"

  لم يمارس الحيدري نقدا فلسفيا على عمل فيلسوف كبير هو محمد عابد الجابري ومفكر وأنثربولوجي هو محمد أركون بقدر ما قدم ملاحظات قارىء في أصله فقيه وصاحب تكوين ديني يهتم بالنص الحداثي العربي ..

ليس كل ما يقال يحمل صفة الجودة والعلم والفلسفة وكل ما تقذفه النت والهوائيات والمطابع هو معرفة تستحق التثمين والتنويه...

أما علي حرب بما له وما عليه (وهو دون الفيلسوف بكثير بل مثقف وكاتب عبثي يبهر البعض بتلك العبثية) وبمبالغاته وتمترساته حول ذاته مارس نوعا من التفكيك العابث (وبعبثيته فهو يكتب عادة ليعبث بالكلمات والنصوص والحقائق) عبثي النزعة وعدمي المنزع..

لا أفهم بعض المتدينين والمنتسبين للحالة الدينية كيف يصدقون دجل من يسمون أنفسهم تنويريين وعلمانيين فيعيشون الفصام في حياتهم يفصلون بين تدينهم التعبدي وعدمية وعبثية يتبنونها ويحاكون فيها المنجز الغربي بتقليد طفيلي رهيب...

علي حرب لم يترك أحدا لم يمارس عليه نقده فليته طرح بدائل بل لقد مارس نقدا على شومسكي وبورديو وطه عبد الرحمن وبوعلي ياسين ونايف بلوز والجابري الخ كلام متهافت ينتهي عند ما يسميه تفكيكا وليس وراءه ناتج ولا حصائل بل ذهب الى ما بعد التفكيك كأنه انتهى من مشروعه التفكيكي...

التفكيك ليس منهجا ولا مقاربة منهجية بل أداة تشتيت وتفتيت للنص ونبش فيه وهي أداة ومنهجية ومقاربة أدبية وتصلح أن تقترب من المنهج في الدراسات النقدية الأدبية دون غيرها..

أما بخصوص موقف الجابري المتعلق بالعرفان فلقد ذكرت وبينت ذلك حتى لا يكون موضوع مزايدة بل إن القول ببشرية الوحي عند أركون واضحة وصارخة فهي تكفي للتشكيك في تسنن وتشيع البعض ممن يؤيدونه فيها..

و ليس هذا مسوغا ومبررا لبخس عمل ضخم جدا وثمين وعميق وإيبستمولوجي..

الجابري مارس تحليلا على التراث بأدوات تناسب كل مرحلة من مراحل تشكلات التراث وتطوره وأهم المراحل كانت التكوين والبنية والسياسة (كظاهرة وتجليات وسلوك وترسب في اللا شعور السياسي على حد ريجيس دوبري) والأخلاق ..

إن كتاب الجابري حول الأخلاق جعله يمنح للمكون العرفاني والإشراقي مكانة بهوية مغايرة قليلا بديلة هي الأخلاق وهي قراءة تفوق بكثير اشتغال أركون بجزئية محدودة سحبها على كل التراث جعلت من تجربة مسكويه الأخلاقية نموذجا يسحب على كل التراث وهوالذي ينسب في جذوره الهوياتية (النسب) إلى الفضاء الشيعي شأنه شأن التوحيدي ..

هذا تبعيض خطير وفقدان للموضوعية والعلمية وأنا أتعجب من الذين يقولون بإعدام الايديولوجيا هذه الكذبة التي تورط في وحلها كل من يزعمون الحياد والتجرد (أنظر بول ريكور في موقفه وقبوله بجرعة من الايديولوجيا في الفلسفة والمعرفة لأنها ضرورية في نظره لكي تتحول الفلسفة والمعرفة الى كائنين بهما حياة والا كانتا تجريدا)..

إن الحيدري مرجع ديني أقحم نفسه في حقل لا يوجد أي مؤشر باهت يدل على تمرسه فيه وإحترافيته ولو عصاميا فهو واضح يجهل الفكر الغربي وأسسه ونظمه والأمر جلي جدا جدا...

فشتان بين الحيدري المرجع الديني وعلي حرب المثقف أو المفكر والكاتب في قضايا الفلسفة من موقع نزعة عدمية وعبثية وشبه تفكيكية بل في اخر كتابه زعم " ما بعد التفكيكية "..

رغم انه هاو تفكيك وكلامه ككلام محمد المزوغي الذي لا يرى نقدا سليما وعلميا إلا النقد المادي ولا عقل الا العقل الإلحادي ولا مذهبية إلا اليسار

و بذلك فقد عقله وانتصر لإلحاده وشيوعيته المتطرفة فكان نيتشه عنده حطاما لأنه في تقديره ليبرالي وفيللولوجي وليس فيلسوفا ..

و أصبح أركون عنده أصوليا وهو القائل ببشرية الوحي أو المكون البشري للوحي..

و انتهى عنده هشام جعيظ إلى سلفي كما انتهت النهضة التونسية عند جعيظ الى سلفية ..الخ -- والجنون فنون --

ينبغي أن نقرأ بوافر إطلاع متعدد وعميق للفكر الغربي وأسسه البانية ...

و للتراث العربي والإسلامي ومرتكزاته وتقاطعه مع الفكر الغربي في المنعطف اليوناني مع أصول الفكر الغربي ..

و أيضا بيقظة لما يسمى اليوم تنويرا أو أصالة أو قولا فلسفيا من أي موقع كان ..

و نتعرف على خصائصه الإيبستمولوجية ..

أما وسطوة النسق تغالبنا وتطرحنا أرضا فإننا سنواصل نتحدث عن الحداثة البريق والموضة والتجريد الفارغ مجتثا من أطره وسياقاته ..

أما الزعم بأن الجابري مارس على التراث نقد أيديولوجيا تبجيليا فهو موقف عندي قبلي ايديولوجي غارق في نزعة المغالبة وغائب عن عمق منجز الجابري كما هو غائب عن عمق منجز أركون كذلك..

بل هو غالبا محصلة قراءة مجتزئة ليست كاملة لأعمال الجابري ولأعمال أركون على حد سواء فيكون حوار الطرشان ..

من اطلع على أعمل الجابري كاملة وأعماله الرئيسة " التراث والحداثة " و" تكوين العقل العربي " و" بنية العقل العربي " و" العقل السياسي العربي " و" العقل الأخلاقي العربي " او لم يكتف بقراءات حول الجابري لا أظنه يغفل عمن هو الجابري وحقيقة وأهمية مشروعه إن كان مؤهلا للقراءة العالمة والنقادة ..

فأنا الان أباشر القراءة الثالثة لأعماله حتى لا أقوم بما قام به " أنقزو" التونسي الشاب المتحمس التأويلي...

والبعض من جيل جديد يقرأ الفهارس والتلخيصات ويكون نقده من المسموع والمرئي على النت من بعض المحاضرات مبعضا ومنقوصا ..

لو نواصل ننقل ما قيل في الجابري وأركون ونعتبر ذلك هو منجز كل من الجابري وأركون ما جاز لنا أن نقول أننا كنا نمارس الفلسفة وفعل التفلسف الحقيقي والنقد الفلسفي ..

و لغبنا نحن وقرأنا وحكمنا على المفكرين بالوكالة ...

كتب عزيز العظمة عن ابن تيمية كتابا مغايرا لما هو شائع وكتب جورج طرابيشي صاحب نزعة التحليل النفسي وهو ليس صاحب فلسفة نسق ولا تمدرسية ولا شذرية عن الجابري وكتب محمد يحي حول الجابري وهو باحث ومفكر معتدل وصاحب ثقافة اصولية منفتحة على السنة والشيعة ..

ولا قيمة لمن ذكرت وغيرهم ممن كتبوا حول الجابري وأركون ما لم نقرأ ونفحص بعمق مشروع الجابري وكتابات أركون ونصوصه ...

و مثلا لا حصرا إن عزيز العظمة ليس فيلسوفا مرموقا فهو مفكر وكاتب علماني شهير بأدلوجته العلمانية المتمسك بها فإذا غيبنا هذا المعطى في قراءتنا فاتنا الكثير من الفهم العميق للنص ورغم ذلك فعزيز العظمة قال ما لم يقله عن ابن تيمية من كلام منصف كثير من التراثيين والمتمذهبين والمقاصديين كما يحلو لبعضهم وصف نفسه..

أرجو أن يقرأ الناس ممن يملكون وافر الأدوات والعقل الممنهج والنضج والتواضع مباشرة نصوص من يرغبون في نقدهم او إنصافهم ولا يضعوا الثقة في غيرهم ليقرأوا لهم وبعد ذلك يكونون رأيهم العالم والمزود بترسانة من الأدوات والمنهجيات الدقيقة..

حيث يمكنهم بعد ذلك ان ينتخبوا من يؤيدونهم ويتقاطعون معهم أو من لا يؤيدونهم وقد تجد من يؤيدك صدفة لا منهجا ومقاربة ومسارا نقديا للمقروء..

 

حمزة بلحاج صالح

كاتب ومفكر جزائري

 

جواد بشارةهل يستمر الزمن الكوني في حال توقف ساعات الأرض عن العمل؟ وهل الزمن الذي يمر على الأرض هو نفس الزمن الذي يمر على باقي الكواكب والنجوم والمجرات في الكون؟ الجواب هو بالنفي بالرغم من تعريف نيوتن للزمن الكوني بأنه زمن مطلق يتدفق بانتظام دون أن تكون له، علاقة أو يتأثر، بأي شيء خارجي على الإطلاق، فهو ثابت وغير قابل للارتداد والانعكاس والعودة إلى الوراء. في حين أكد آينشتين منذ عام 1905 في نظريته النسبية عدم وجود زمن كلي مطلق بل نسبي، وهو مرتبط بالحركة والثقالة، والشيء المطلق الوحيد في الكون المرئي هو سرعة الضوء التي تقدر بــ 300000 كلم/ثانية، وإن الزمن يتمدد ومتغير ومرتبط عضوياً بالمكان في وحدة لا تنفصم سماها الزمكان وإن الثقالة أو الجاذبية تؤثر في انحناء وتحدب المكان والزمان معاً . فالثقالة تقوم بتبطيء الزمن وكلما كانت الثقالة كبيرة كان التأثير كبيراً على الزمن كما لاحظ العلماء وأثبتوا ذلك مختبرياً وتجريبياً، وإن أكثر مكان يتأثر فيه الزمن هو بالقرب من الثقب الأسود حيث يبدو الزمن متوقفاً مقارنة بالزمن الذي يمر على مناطق بعيدة عن الثقب الأسود. وبهذا الصدد كتب آينشتين بعد وفاة صديقة ميشيل بيسو: " أننا معشر العلماء نعتقد أن الزمن وهم وإن الفصل بين الماضي والحاضر والمستقبل وهم أيضاً وإن كان وهماً مقنعاً ". و لا يوجد في نظرية آينشتين ما يمنع التفكير في إمكانية السفر عبر الزمن خاصة إلى المستقبل. بمعنى أن هناك اتجاه ملموس للزمن يسمى بسهم الزمن وهو عادة من الماضي إلى المستقبل مروراً بالحاضر . قال العالم جون ويلر ذات مرة مازحاً:" إذا سألت الذرة عن سهم الزمن فسوف تضحك عليك وتسخر منك" وهذا ينطبق على الكون المرئي برمته. وفي لحظة الانفجار العظيم قبل 13.8 مليار سنة، كان الأنتوربي entropieــ وهو مقياس الفوضى في نظام ــ منخفض جداً ومع توسع الكون وتمدده وتضخمه زاد الأنتروبي باضطراد كما يخبرنا قانون الترموديناميك الثاني، ومن هنا نشأ الشعور بسهم الزمن. و لا أحد يعرف على وجه الدقة ما إذا كان الزمن قد بدأ بالفعل مع نشوء الكون، أي إن الانفجار العظيم هو الأصل والحد الأقصى للزمن، ومن البديهي القول أن ليس هناك أحد يعرف ما إذا كان هناك زمن قبل ذلك الزمن الذي بدأ للتو مع ولادة الكون المرئي وعلى وجه الدقة في 10-32 من الثانية الأولى بعد حدث الانفجار العظيم البغ بانغ، بتعبير آخر هل كان هناك زمن قبل الانفجار العظيم البغ بانغ. ولكن على مستوى مادون الذري أي في نطاق اللامتناهي في الصغر في عالم الكموم أو الكوانتوم، تم التعاطي مع الزمن من منظور نيوتن وليس آينشتين، وهنا مكمن صعوبة الجمع والتوحيد بين النظريتين الكوانتية أو الكمومية والنسبية، والحال أن معضلة الزمن تسببت بمشاكل عويصة حتى داخل النظرية الكوانتية أو الكمومية وخلقت الكثير من التشوش والغموض، وفي حالة تطبيق نظرية الكم أو الكوانتوم على الكون الواسع أي اللامتناهي في الكبر يختفي عامل الزمن من المعادلات الرياضياتية، وأعتبر البعض أن الزمن غير موجود وهو مجرد وهم عكس ما يصر عليه العالم لي سمولن ويعتبره موجوداً ومستقلاً. وإن الزمكان الآينشتيني ما هو إلا حالة ناشئة خاصة بالكون المرئي نجمت عن الانفجار العظيم . لذا يبقى السؤال قائماً: هل الزمن واقعي وحقيقي، أي كينونة حقيقية كونية موجودة، أي جزء من المادة، أم هو وهم مختلق ومفهوم بشري ؟ وما تأثير ذلك على صورة وحقيقة وطبيعة وماهية الكون؟ ما هي المعاني الحقيقية لمفاهيم القبل والبعد، الماضي والحاضر والمستقبل، و الآن وفيما بعد؟

يخبرنا القانون الثاني للترموديناميك ، أو الديناميكا الحرارية، أنه في إطار مراحل زمنية قصيرة هناك فرص في أن يكون التغيير في الأنتروبي إيجابياً أو منعدماً في أسوء الأحوال. فلو بدأنا إعدادات خارج التوازن فهذا يعني أننا بدأنا ترتيباً أو إعداداً configuration ضعيفاً للاحتمالية، أي أنتروبي ضعيف وما سينتج على نحو محتمل من جراء هذا الإعداد هو أنه سيكون عشوائياً بفعل تصادم الذرات مما سوف يزيد من درجة الاحتمالية لهذا الإعداد وبالتالي يزداد الأنتروبي نسبياً.

وعلى ضوء ذلك فإنه إذا كان الكون في حالة توازن فهو لا يمكن إلا أن يكون معقداً ومركباً وليس بسيطاً لأن العمليات العشوائية التي تقوده للتوازن تدمر أي حالة تنظيم ولكن ذلك لا يعني أن التعقيد يمكن قياسه بغياب الأنتروبي لذلك نحن بحاجة إلى مفاهيم تتجاوز ترموديناميك أنظمة التوازن.

لو تناولنا موضوع علم الكون أو الكوسمولوجيا من منظور ترموديناميكي، وتساءلنا لماذا يبدو الكون جذاباً ويحظى باهتمامنا سيكون التعاطي أكثر حيرة ومدعاة للفضول intriguant . فمن زاوية المنظومة النيوتنية أو المفهوم والنموذج النيوتني paradigme فإن الكون يحكمه حل أو قانون solution ومعادلات لقانون ما. ويمكن مقاربة مثل هذا القانون بالجمع بين النسبية العامة ونموذج معياري لفيزياء الجسيمات، و لا أهمية للتفاصيل الأخرى. والحل أو المعطى الذي يحكم الكون ويسيره منتقى من بين عدد لامتناهي من الحلول أو القوانين أو المعطيات، ويمكن تحديده باختيار للشروط أو الظروف الأساسية الأولية التي كانت موجودة في لحظة، أو بجوار لحظة،الانفجار العظيم.

ما يخبرنا به الترموديناميك هو أنه، " كل حل solution تقريباً من قوانين الفيزياء يصف كوناً يكون في حالة توازن، لأن التوازن بحكم تعريفه وبطبيعته، مكون من الإعدادات والترتيبات configurations الأكثر احتمالية". كما أن هناك علاقة تضمينية للتوازن تقول أن حلاً نموذجياً أو نمطياً solution typique لقوانين، هو بالضرورة تناظري مع الزمن، بمعنى ــ أن أية تقلبات وتخلخلات fluctuations موضعية محلية نحو حالة أكثر انتظاماً تكون محتملة بقدر احتمالية تقلبات أو تخلخلات نحو حالة أقل انتظاماً ــ لو عرضنا فيلم النظام بالمعكوس فهو سيعطينا تاريخاً محتملاً ومتناظراً من ناحية الزمن يتيح لنا القول على نحو إجمالي، بعدم وجود سهم للزمن. والحال أن كوننا لايشبه بأي حال هذه القوانين والحلول النمطية من القوانين. واليوم، وبعد مضي 13.8 مليار سنة على حدث الانفجار العظيم، لا يوجد كوننا في حالة توازن. والحل أو القانون الذي يصف كوننا هو لا متناظر من ناحية الزمن، وخصائصه غير محتملة، فيما لو أختير القانون أو الحل على نحو عشوائي أو بالمصادفة par hasard. كان أول معلم من معالم تعشق تروس الزمن في آلة الكون هو ما تم الكشف عنه مؤخراً وهو قانون النطاق loi d’échelle الذي قاد الطاقة الأولية البدئية للكون الوليد لكي تغدو بلازما من الجسيمات الأولية وهي التي بدورها أدت إلى ظهور واقعنا الذي نعيشه الآن ومن ذلك نرى كيف أن سهم الزمن لم يفحص وغيب في مخاضات نفس القانون ألا وهو قانون الترموديناميك . ولكن إذا أدركنا كيف يجري الزمن فهذا لايعني أننا نعرف طبيعته وكنهه وماهيته، والسؤال الذي يتردد هو : هل يدعم الترموديناميك ويأخذ على عاتقه كامل مفهوم الزمن ؟ لا أحد يشك بصلاحية هذه الفرضية أو النظرية وأغلب العلماء والفيزيائيين يتفقون على أنها الوحيدة التي تصيغ بوضوح مقولة الزمن الذي نعرفه وندركه، مهما كان المستوى أو النطاق، وفي كل لحظة، فإن المادة تتحول بدون انعكاس، فالأجسام تشيخ والمادة تتبعثر والكون يتوازن . وما أن ندرك ما يشبه تجربتنا بالزمن، أي التمييز بين الماضي والمستقبل، تتدخل الحرارة في عملية الإدراك. ولكن هل هذا الزمن الحراري temps thermique هو الزمن الحقيقي؟ هل هو حقاً المفهوم الكوني الشمولي والنهائي الذي يطبق منذ بداية الكون إلى نهايته وعلى كافة المستويات والنطاقات؟ لأن جوهر الترموديناميك ــ بما أننا ننطلق من نظرية للغازات ـ يصف لنا سهم زمن محلي في نظام معزول ومتجانس أو متسق، والحال أن الكون في حالة توسع وتمدد لانهائي ومليء بأنظمة دنيا فرعية غير متجانسة . فالترموديناميك يعمل بصور جيدة في أنظمة مغلقة وقريبة من التوازن الحراري . إلا أن سلوك نظام شمولي مثل الكون في حالة تمدد وتوسع دائم، أمر مختلف تماماً . وعندما يتم تعميم هذا الزمن الحراري على الكون برمته يواجه الفيزيائيون عقبة : فالترموديناميك يفترض أنه هذا النوع من الزمن بدأ جريانه مع حد أدنى من الأنتروبي، ومع إعداد أو ترتيب في غاية اللانمطية للمادة، ومع فرادة غير قابلة للتفسير. فمن جهة هناك المبدأ الثاني للترموديناميك الذي يقول أن كل نظام يتطور طبيعياً نحو حالة نموذجية أو نمطية هي الأكثر احتمالاً، وفي نفس الوقت نفترض أن الكون بدأ في حالة في غاية اللانمطية، أي شاذة وغير قياسية وغير محتملة. والمعروف أن العلماء والفيزيائيين لايحبون الفرادات المتطرفة ما يدفعهم للاعتقاد أن الطبيعة والماهية الحقيقية للزمن ما تزال خفية، وإن الزمن الحراري ليس سوى حالة خاصة، مجرد تجلي يتوافق مع مستوى إدراكنا، وبالتالي لابد من العمل على اكتشاف الجوهر الحقيقي والماهية الحقيقية للطبيعة. والحال لو وضعنا الترموديناميك جانباً، لا توجد أية نظرية أخرى للتفكير بالزمن أو تتعاطى مع الزمن penser le temps، فكل قوانين الفيزياء الجوهرية الأخرى التي تسير الكون والمادة خالية من مفهوم اللاإنعكاسية أو فكرة اللارجعة notion d’irréversibilité، هذا هو المفهوم الأساسي، المفتاح الذي يقود ظاهرة لكي تحدث في اتجاه ما وليس في إتجاه آخر، والتمييز بين الماضي والمستقبل. وكان هذا هو واقع الحال من الصياغات الرياضياتية الشكلية الأولى التي قدمها إسحق نيوتن في القرن السابع عشر حيث نعثر على مؤشر حقيقي لتطور الظواهر في الزمن ولكن لا وجود لسهم الزمن، سواء في قانون حركة الأجسام الذي أدخله نيوتن في المعادلات التي تصف انتشار الموجات الكهرومغناطيسية لماكسويل أو في غيرها من معادلاته، فالزمن متناظر على نحو غريب وكل شيء قابل للعودة والرجوع . فكل تلك الأشياء الرياضياتية تتسامى بالزمن على حد تعبير العالم الفيزيائي لي سمولن Lee Smolin. المثير للاضطراب والحيرة أكثر هو مفهوم " الحاضر " و " الآن " الكوني الذي نفهمه وندركه ونتشاركه جميعاً والذي تبخر منذ أن أعاد آينشتين صياغة ميكانيك نيوتن داخل نظريته النسبية منذ أول أبحاثة المنشورة في هذا المجال سنة 1905 حيث اختفى مفهوم التزامن simultanéité. فلا وجود لساعة كونية تشير إلى وقت وزمن واحد وموحد نسترشد به ونرجع إليه في جميع أرجاء الكون أياً كان موقعنا في الفضاء . فالتزامن وتوحيد التوقيتات يتطلب اتاصل والحال أنه لا يوجد اتصال أسرع من الضوء، ونحن نعرف أن سرعة الضوء محددة ومحدودة بــ 300000 كلم/ثانية من هنا حطم آينشتين وألغى إطلاقية الزمن مثبتاً أن قياساً للزمن يعتمد على سرعتنا في الفضاء، والزمن يختلف من مكان لآخر حسب السرعة والثقالة . فهندسة التحدب والإنحناء للفضاء تستند إلى توزع المادة وكتلتها. وكما قال آينشتين الوقت يمر أسرع فوق الجبال مما هو على الأرض المسطحة أو فوق سطح البحر حيث يغدو الفضاء ديناميك . وحتى في نظرية الكموم أو الكوانتوم، حيث يجب البحث عن الأجوبة في قلب أصغر المكونات المادية . فالكوانتوم la quantique أو الكم يؤسس الترموديناميك الذي يتحكم بالزمن الماكروسكوبي . فهناك عالم متسق متجانس، ومع ذلك فإن إحدى معادلاته الجوهرية الأساسية، وهي معادلة شرودينغر، هي تماثلية وتناظرية كما هو الحال عند نيوتن وآينشتين . أما المعادلات الكمومية أو الكوانتية الأخرى فتوحي بضرورة البحث في شكل آخر من التزامنية لوصف الظواهر، وهي المعروفة بالتشابك الكمومي أو الكوانتي intrication الذي يتحدى الزمكان الآينشتيني ويقول بوسع جسيمين أن يرتبطا ببعض لحظياً أو آنياً مهما كانت المسافة المكانية التي تفصل بينهما.أغلب العلماء يلتزم الصمت فيما يخص معضلة الزمن . فالفيزياء لا تصف ولا تشرح كيف تتطور الأشياء في الزمن بل كيف تتطور في زمنها هي فلكل شيء زمنه الخاص، وكيف تتطور تلك الأزمنة بعضها بالنسبة للبعض الآخر، كما قال العالم كارلو روفيللي في كتابه المكرس للزمن. لذلك يضطر العلماء للمغامرة خارج حدود النظريات السائدة ومحاولة استكشاف أرضيات جديدة وغير مؤكدة . فهناك من يشدد على البحث في أعماق العالم الكمومي أو الكوانتي، فصفة العكوسية أو قابلية الرجوع للعالم الميكروسكوبي ليست حالة ظاهرية، والشكلانية الكمومية أو الكوانتية تنم عن مبدأ ذا نظام عميق بوسعه توليد الزمن . البعض الآخر يقول بضرورة البحث في أسرار الثقالة والبحث عن طريق ثالث بين نيوتن وآينشتين. فالنظرية الكمومية تصف جيداً أنظمة مصغرة لكن تعميمها على النطاق الكوسمولوجي ليس بالأمر البديهي كما يقول العالم لي سمولن والحال أن القانون المهمين في المستوى الكوسمولوجي هو الثقالة وإن الزمن يختفي وراء ذلك المجهول الكبير الذي يمنع توحيد الفيزياء الكمومية أو الكوانتية مع الفيزياء النسبية الكلاسيكية والترموديناميك من هنا يمكننا القول إن أكبر تحدي أمام علماء الفيزياء في القرن الواحد والعشرين هو إعادة التفكير بمفهوم الزمن لأنه المفتاح الذي سيفتح لنا آفاقاً جديدة وجريئة على حد تعبير لي سمولن في كتابه " إنبعاث أو ولادة الزمن ثانية la renaissance du temps" والذي يصيغ نظرية تقول إن الفضاء أو المكان ولد من الزمن فهذا الأخير هو الأصل. أتباع التيار الأول وعلى رأسهم آلان كون Alain Connes و كارلو روفيللي Carlo Rovelli يقولون بأن الحقيقة الحقة في الكون لا تتمثل بمرور الزمن بل في ما يسمى بالمصادفة الكوانتية أو الكمومية aléa quantique، وهي بمثابة ضربة النرد أي المخاطرة الكمومية ويصيغون آلية متقنة رياضياتياً لإثبات أن الزمن ينبثق من المعرفة الجزئية للنظام الكمومي أو الكوانتي ما يعني أن جهلنا بتفاصيل العالم الكمومي أو الكوانتي الملازم للنظرية هو الذي يفرض علينا شكل من أشكال النظام أي الزمن. وإن هذا الزمن الكوانتي أو الكمومي ناجم عن خاصية من الخواص الكمومية أو الكوانتية المرصودة وهو غير قابل للتبدل فقياس السرعة والموقع بهذا التعاقب لجسيم أولي لا يعطي نفس النتيجة فيما لو قسنا أو حسبنا العملية بالتعاقب المعكوس أي الموقع ثم السرعة وإن الخاصية غير التبديلية هي التي تؤدي إلى ولادة الزمن الترموديناميكي عبر معادلة كوبو-مارتن-شوينغر Kubo-Martin-Schwinger علماً أن الزمن الكمومي أو الكوانتي والزمن الترموديناميكي مترابطان على نحو وثيق. فيما يقول العالم كارلو روفيللي إن النظرية الجوهرية للطبيعة يمكن أن تصاغ دون حاجة لاستخدام المبدأ المتعارف عليه للزمن في إطار نظرية الثقالة الكمومية أو الكوانتية العروية أو الحلقية la gravitation quantique à boucles في سياق مساعي توحيد النسبية والميكانيك الكمومي أو الكوانتي في الفيزياء، ويعتقد أن إدراكنا للزمن ناجم عن جهلنا الكلي لطبيعته وماهيته الحقيقية لذلك فهو، أي الزمن الحقيقي، غير موجود . وبالمقابل يشدد العالم لي سمولن على أن الزمن هو الشيء الجوهري الوحيد في الطبيعة، وهو المؤشر الأفضل لدينا عن الواقع والشيء الوحيد الواقعي في الطبيعة لذا يجب إعادة النظر كلياً في الفيزياء، وبالخصوص في النظرية الكمومية أو الكوانتية بغية جعلها قابلية للتطبيق على مستوى الكون كله أي تطبيقها في مجال علم الكونيات الكوسمولوجيا وهو يضع الزمن في مكانة قصوى فهو موجود وفي قلب كوننا وسر أسراره أما المكان، خاصة في النطاق الكمومي أو الكوانتي وما دون الذري، في اللامتناهي في الصغر، فهو ليس معطى أو مفهوم جوهري وهو الذي ينبثق عن الزمن، أي زمكان ذو هندسة كمومية متجانسة لا يظهر إلا في النماذج التي تفترض حقيقة وجود الزمن وواقعيته وبالتالي فهو يعتقد أن قوانين الطبيعة خاضعة للزمن ومأمورة ومقيدة بالزمن ويمكنها أن تتطور في أحضانه .

 

د. جواد بشارة

 

عبد الله الفيفيإنَّ النصوص الداعية إلى وأد البنات صراحةً غير قليلة في التراث العربي.  نقف عليها في شِعر (الفرزدق)، و(البحتري)، و(أبي العلاء المعرِّي)، وغيرهم.  لكنَّنا لا نقرأ تراثنا، أو نقرأه ولا نفهمه، أو نقرأه ونفهمه ونعشقه بغثِّه وسمينه؛ لأننا لا نميز الخبيث منه من الطيِّب، أو لأننا- بالأحرى- ما برحنا بعقليَّات منتجيه، وإنْ تظاهرنا بخلاف ذلك.  يقول أبو العلاء المعرِّي (1)، "فيلسوف الشعراء، وشاعر الفلاسفة!":

وإنْ تُعْطَ الإناثَ ، فأيُّ بُؤْسٍ  ...  تَبيَّنَ في وُجُوْهِ مُقَسَّـماتِ!

يُرِدْنَ بُعولةً ويُردْنَ حَـلـْيًا  ...  ويَلقينَ الخُطوبَ مُلوَّمـاتِ

ولسـنَ بدافعاتٍ يومَ حـربٍ  ... ولا في غارةٍ متَغَـشِّمـاتِ

ودَفْـنٌ والحوادثُ مُفْجِعـَاتٌ  ...  لإحداهنَّ إحْدَى المَكْرُمـاتِ

وقد يفقدنَ أزواجًا كِرامًا  ...  فيا للنِّسـوةِ المتأيـِّمـاتِ

يَلِدْنَ أعـاديًا ويكُـنَّ عـارًا  ...  إذا أمسينَ في المتهضَّماتِ

والبيت الرابع ترديد للحديث النبوي المزعوم "دَفْنُ البَنات من المَكْرُمات"، الذي ناقشناه في المساق السابق.  فهي ثقافة الأواني المستطرقة، بعضها يصبُّ غثاءه في بعض.  و"فيلسوف الشعراء، وشاعر الفلاسفة" هذا إنَّما يحذو حذو أسلافه، ويأخذ عنهم. ومنهم (البحتري)، الذي وضع عنه كتابه "عبث الوليد".  فالبحتري(2) هو الذي لم يمنعه موقف العزاء في ابنة (محمَّد بن حميد الطُّوسي) من أن يستنكر عليه الحُزن على وفاتها، فأخذ يعزِّيه بأنَّ "موت البنات لا يستحقّ البكاء" أصلًا، والبكاء عليهن ليس من شِيَم الفِتْيان، مستشهدًا بأسلافه من الجاهليِّين، ومنهم (قيس بن عاصم المنقري)، الذي كان يئِدُ كلَّ بنت تُولَد له، رغم ضرب العرب المثل به في الحِلْم، والقائل، وقد سُئل ما الحِلم؟: "أن تصل من قطعك، وتُعطي من حرمك، وتعفو عمَّن ظلمك!" (3)  بل يذهب البحتري إلى أبعد من هذا، فيستشهد تارةً بالقرآن: ﴿المَالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، (سورة الكهف: 46)- ولم يقل "المال والبنات" حسب احتجاج الفقيه البحتري- وتارةً أخرى يُشرِك الأنبياءَ في فكرته الجاهليَّة، وثالثةً يستشهد بالأسطورة- غير الإسلاميَّة- عن الخطيئة وأن حوَّاء أخرجت آدمَ من الجنَّة، حيث يقول:

أَتُبَكِّـي مَن لا يُنـازلُ بالسَّـيْـ  ...  ـــفِ مُشِيْحًا ولا يَهُزُّ اللِّواءَ؟!

والفَـتَى مَن رأى القُبورَ لِما طـا  ...  فَ بهِ من بنـاتـه أكـفـاءَ   

لَسْـنَ مِن زينةِ الحياةِ كعـَدِّ الـ  ...  ـــلّهِ منها الأمـوالَ والأبـناءَ    

قد وَلَـدْنَ الأعداءَ قِدْمًا، ووَرَّثْـــ  ...  ــــنَ التِّـلادَ الأقاصيَ البُعَداءَ

لم يئِـدْ كُـثْرَهُنَّ (قَـيْسُ تَميمٍ)  ...  عـَيْـلـةً بل حَميَّـةً وإبـاءَ      

وتَغَـشَّى (مُهَلْهِـلَ) الذُّلُّ فيهـــ  ...  ـــنَّ، وقد أُعْطِيَ الأديمَ حِـباءَ

و(شـقيقُ بنُ فـاتكٍ) حَذَرَ العـا  ...  رِ عليهِـنَّ فـارقَ الدَّهـناءَ     

وعلى غيرهـنَّ أُحْـزِنَ (يعـقو  ...  بُ) وقـد جـاءَهُ بنوهُ عِشاءَ

و(شُعَيْبٌ) من أجلهنَّ رأى الوَحْـ  ...  ـــدَةَ ضعفـًا فاستأجرَ الأنبياءَ

واستزلَّ الشيطانُ آدمَ في الجنَّــ  ...  ـــةِ لمـَّا أغـْرَى بهِ حـوَّاءَ 

وتلـفَّتْ إلى القبائـلِ، فانظـرْ  ...  أُمَّـهـاتٍ يُنسـبْنَ أمْ آبـاءَ     

ولَعـَمْري ما العَجْـزُ  عنديَ  إلاَّ  ...  أنْ تبيتَ الرِّجالُ تبكي النِّسـاءَ!

وكِلا الشاعرين، البحتري والمعرِّي، كان يتبع سنن من سبقه من الشعراء، ومنهم (الفرزدق) (4)، الذي كان بدَوره يستنُّ بسُنَّة (قيس بن عاصم)، حينما قال في وفاة امرأته، التي يفاخر بها (جريرًا):

يقولونَ زُرْ حدْراءَ، والتُّرْبُ دونها،  ...  وكيفَ بـشيءٍ وَصْـلُهُ قد تقَطَّعَا

ولستُ، وإنْ عَـزَّتْ عليَّ، بزائرٍ   ...  تُرابًا على مرْموسَةٍ  قد تَضَعْضَعَا

وأَهْوَنُ مَفقودٍ، إذا الموتُ نالـهُ،  ...  على المرْءِ مِنْ أصحابهِ مَنْ تَقَنَّعَا

يقولُ ابنُ خِنْزِيْرٍ: بكيتَ، ولم تكُنْ  ...  على امرأةٍ عَينيْ، إخَالُ، لِتَدْمَعَا

وأَهْـوَنُ رُزْءٍ لامرئٍ غيرِ عاجـزٍ،  ...  رَزِيَّـةُ مُرْتَـجِّ الرَّوادِفِ أَفْـرَعَا

وما مـاتَ عندَ ابنِ المُراغةِ مثلُها،  ...  ولا تَبِعَـتْهُ ظاعنًا حيثُ دَعْـدَعَا

وهذا برهانُ أنَّ هؤلاء القوم ورثة القِيَم الجاهليَّة، وإنْ تسمَّوا بالإسلام. وهي ثقافةٌ ممتدَّة، أكَّدتْها لي مؤخَّرًا- فضلًا عن تلك النصوص الشِّعريَّة والنثريَّة التراثيَّة، التي ناقشتُها في كتابي "نقد القيم"- بعضُ ردود الأفعال المتشنِّجة حول قصيدتي المنشورة هنا في "الجزيرة"، تحت عنوان "داعشيَّات تراثيَّة: عمُّوريَّة أبي تمَّام نموذجًا"(5).  وتلك الردود شاهدةٌ على ما في الرؤوس من حَبٍّ لم ينطحن بَعد، منذ ما قبل الإسلام حتى الآن!  وكنتُ قد توقَّفتُ في معارضةٍ شِعريَّةٍ نقديَّةٍ- على غير ما درج عليه شعراء المعارضات من مجاراة الشاعر السابق عن إعجابٍ فنِّي- أمام بعض ما جاء في تلك القصيدة الشهيرة لأبي تمَّام، التي يسمِّيها المعجبون "ملحمة"- وهي كذلك بالفعل، وإنْ لم تكن ملحميَّتها بمعنى الجنس الشِّعري المعروف. كما توقَّفتُ، من بَعدُ، في معارضةٍ شِعريَّةٍ نقديَّةٍ أخرى، بعنوان "الموءودة"(6)، مع قصيدة (البحتري) المشار إليها.

 

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

.............................

(1) (1342هـ)، اللزوميات، تحقيق: أمين الخانجي (بيروت: مكتبة الهلال، القاهرة: مكتبة الخانجي)، 1: 178. 

(2) (1977)، ديوان البحتري، تحقيق: حسن كامل الصيرفي (القاهرة: دار المعارف)، 1: 40- 41.

(3) ابن عبد ربّه، (1983)، العقد الفريد، تحقيق: أحمد أمين وآخرَين (بيروت: دار الكتاب العربي)، 2: 278.

(4) (1987)، ديوان الفرزدق، شرح: علي فاعور (بيروت: دار الكتب العلمية)، 364.

(5) انظر: الجزيرة، السبت 19 ربيع الأوَّل 1441هـ، ص16:  http://www.al-jazirah.com/2019/20191116/cm48.htm

(6) انظر: الجزيرة، المجلَّة الثقافيَّة، السبت 24 ربيع الآخِر 1441هـ، ص9:  http://www.al-jazirah.com/2019/20191221/cm40.htm

 

عدنان عويدلقد بقي برأيي مفهوم الدولة بشكل عام، والدولة المدنيّة بشكل خاص في تاريخنا العربي مفهوما إشكالياً، وذلك بسبب ضبابية تاريخ نشوء الدولة، ومرجعياتها، وآلية عملها، وحواملها الاجتماعية، وسماتها وخصائصها، وأشكال تجلياتها، وأخيراً وليس آخراً بسبب تداخلها بالحكومة، أو الخلافة أو الإمامة.

وبناءً على هذه الاشكالية، تأتي الاشكالية الأوسع، وهي تلك المحاولات أو الدراسات الحديثة والمعاصرة التي  تحاول التفريق بين الدولة المدنيّة والدولة الدينيّة، ومن هي الدولة الأكثر قدرة على تحقيق العدل والمساوة للإنسان من هاتين الدولتين. في الوقت الذي تغيب فيه الرؤى العقلانية المرتبطة بتحديد طبيعة كل دولة من هاتين الدولتين من جهة، ثم ما هي الشروط التاريخية القابلة، إما لقبول هذه الدولة أو تلك، أو إعادة إنتاجها من جهة ثانية. وهذا يطرح علينا التساؤلات التالية: هل فعلاً في وطننا العربي قد توافرت الظروف الموضوعية والذاتية لإنتاج الدولة المدنيّة، أو إعادة إنتاج الدولة الدينيّة إن وجدت تاريخياً.؟، وبالتالي وجود أو توافر الحامل الاجتماعي لهاتين الدولتين.؟.

من هذا المنطلق الاشكالي القائم على هذه المعطيات والتساؤلات التي جئنا عليها هنا، دعونا نقوم بتحليل ظاهرة الدولة في شقيها المدني والديني، لعلنا نستطيع الوصول إلى نتائج قد نفهم من خلالها الجوهر الحقيقي للدولة، وإمكانية الركون أخيراً إلى هذا الجوهرلعله يخرجنا من حالة التمترس والصراعات التي وضعنا فيها أنفسنا خلف أيديولوجيات غالباً ما تكون جموديه أو سكونيّة لا تعطي دوراً للحركة والتطور والتبدل والنسبية في ظاهرة الدولة موضوع دراستنا المتواضعة هذه.

أولاً: مفهوم الدولة لغة:

ورد في لسان العرب أن "الدَّوْلةُ والدُّولةُ: العُقْبة في المال والحَرْب"، بمعنى الغلبة والظفر بهما، والدولة والدول بمعنى "السُّنن التي تُغيَّر وتُبدَّل"، والدولة الفعل والانتقال من حال إِلى حال" و"دُولة بينهم يَتَداوَلونه مَرَّة لهذا ومرة لهذا". وفي القاموس المحيط "الدَّوْلَةُ انْقِلابُ الزمانِ". بمعنى تغيره، مرَّة لهؤلاء ومرّة لهؤلاء. (1)

ثانياً: مفهوم الدولة مجازا أو اصطلاحاً :

الدولة هي مجموعة من الأفراد يمارسون نشاطهم على إقليم جغرافي محدد، ويخضعون لنظام سياسي معين متفق عليه فيما بينهم يتولى شؤون الدولة، وتشرف الدولة على أنشطة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية بهدف تقدمها وازدهارها وتحسين مستوى حياة الأفراد فيها. وينقسم العالم إلى مجموعة كبيرة من الدول وإن اختلفت أشكالها وأنظمتها السياسية.

هذا مع ضرورة التمييز بين الدولة والحكومة، رغم أن المفهومين يستخدمان بالتناوب كمترادفات في كثير من الأحيان. فمفهوم الدولة أكثر اتساعا من الحكومة، حيث أن الدولة كيان شامل يتضمن جميع مؤسسات المجال العام وكل أعضاء المجتمع بوصفهم مواطنين، وهو ما يعني أن الحكومة ليست إلا جزءا من الدولة. أي أن الحكومة هي الوسيلة أو الآلية التي تؤدي من خلالها الدولة سلطتها وهي بمثابة عقل الدولة. إلا أن الدولة كيان أكثر ديمومة مقارنة بالحكومة المؤقتة بطبيعتها، حيث يفترض أن تتعاقب الحكومات، وقد يتعرض نظام الحكم للتغيير أو التعديل، مع استمرار النظام الأوسع والأكثر استقراراً ودواماً الذي تمثله الدولة. كما أن السلطة التي تمارسها الدولة هي سلطة مجردة غير "مشخصنة": بمعنى أن الأسلوب البيروقراطي في اختيار موظفي هيئات الدولة وتدريبهم يفترض عادة أن يجعلهم محايدين سياسيا تحصينا لهم من التقلبات الأيديولوجية الناجمة عن تغير الحكومات. وثمة فارق آخر وهو تعبير الدولة (نظريا على الأقل) عن الصالح العام أو الخير المشترك، بينما تعكس الحكومة تفضيلات حزبية وأيديولوجية معينة ترتبط بشاغلي مناصب السلطة في وقت معين. التشكل التاريخي للدولة:

الدولة وفقاً للمنهج الأنثروبولوجي، قديمة بقدم تشكل الجماعات البشرية التي أخذت تعي ذاتها كجماعة تنتمي لأورمة محددة لها مصالح مشتركة، وخاصة الجماعة التي يجمع أفرادها في البداية عرق أو جنس واحد.. وهي هنا أقرب – أي الجماعة – إلى تشكل العشيرة والقبيلة، هذا في الوقت الذي ينظم  فيه كل  من العرف والعادة حياة هذه الجماعة على البقعة الجغرافية التي تعيش عليها، بينما يقوم بإدارة شؤنها كل أفراد الجماعة التي اختارت قائداُ أو زعيماً لها ممن امتلك مؤهلات عقلية ومهاراتيه، ولا حقاً ملكية خاصة أكثر من غيره من أبناء هذه الجماعة تؤهله لهذه القيادة.

في المراحل اللاحقة بدأت تتحول هذه الدولة الجنينية من بنية العشيرة والقبيلة إلى بنية أكثر شمولاً وعمقاً ومهاماً، بحيث أن عمليات الصراع على الخيرات المادية بين الجماعات المتناثرة آنذاك، ساهمت في ضم عدة جماعات تحت سلطة جماعة واحدة بفعل عوامل الغزو والحرب، راح فيها الزعيم المنتصر يتحول شيئاً فشيئاً إلى ملك بسلطات مطلقة. كما بدأ الدين كشكل من أشكال الوعي البشري الخرافي والأسطوري، كونه هو الوعي الوحيد السائد آنذاك، بسبب جهل الإنسان لمجمل القوانين الموضوعية والذاتية التي تتحكم بآلية سير الطبيعة والمجتمع، يلعب دوراً كبيراً في ترتيب حياة هذا المجتمع الجديد (الدولة) الخاضع لسطلة هذا الملك الذي تحول مع انتشار الوعي الديني إلى إله أو ممثل للإله. وهذا ما وجدناه في دول العبودية لبلاد ما بين النهرين ومصر وغيرهما، كالدولة السومرية والبابلية والأكادية والأشورية والفرعونية.. وغيرها. ومع هذا التطور في تكوين دولة الملك أو الملك الإله، أخذت تظهر قوانين وتشريعات لها طابع ديني إلزامي يقوم الملك الإله ذاته بسنها باسم الآلهة، كما هي قوانين حمورابي على سبيل المثال لا الحصر.

من هذه الدولة التي أصبح لها قوانينها، وبالتالي كهنتها وعسكرها وميزانيتها وكوادر إدارتها، وفي المقدمة ملكها الذي بدأت لديه أحلام التوسع خارج مملكته بسبب شهوة السلطة من جهة، ثم الرغبة في الغنيمة وترف الحياة من جهة ثانية، تشكلت الامبراطوريات، التي مع تشكلها راحت تتوسع كل آليات عمل الدولة وحواملها الاجتماعيين وقوانينها، يرافق ذلك توسع لا حدود له أيضاً في سلطات الملك أو الامبراطور، الذي ظل بحاجة لتغليف سلطاته بلبوس ديني حتى مع تشكل الامبراطوريات الكبيرة كالفارسية على سبيل المثال التي تبنت السلطة فيها "الزردشتية"  والبيزنطية التي اعتنقت في القرن الثالث الميلادي الديانة المسيحية في عهد الامبراطور الاسكندر.

مع انتشار الديانة المسيحة، وتبني الأباطرة الرومان لها، وتشكل مؤسسات كنسية لخدمتها، استطاعت السلطات الكنسية ممثلة بالبابا أن تسيطر على الحياة المدنيّة والدينيّة معاً. وهنا تشكلت الدولة الدينيّة المحض تاريخياً التي راحت تفرض سلطتها على مساحات شاسعة من المعمورة في الشرق والغرب معاً قبل قيام الامبراطورية الإسلامية.

عندما انهارت الامبراطورية الرومانية وسقطت القسطنطينية على يد العثمانيين 1453، راحت السلطة الدينيّة الكاثوليكية تفرض نفسها على حياة الدول الأوربية لفترات طويلة، حتى مجيئ الإصلاح الديني لمارتن لوثر وانتشاره خلال القرنيين الخامس والسادس عشر في أواربا، حيث استطاع الاصلاح قطع سلطات هذه الدول مع سلطة البابا الكاثوليكية، وبدأت الدولة الاستبدادية بالانهيار. وأخذت تظهر ملامح الدولة الجديدة (المدنية) مع صعود الطبقة البرجوازية، هذه الدولة التي أسس مشروعها النظري مفكرو عصر التنوير، والعملي الثورة الفرنسية 1789 وما تبعها من ثورات شعبية في أوربا بقيادة الطبقة البرجوازية، التي قضت على السلطات الاستبدادية للملك وداعميه من رجال الدين والنبلاء، متخذة من العلمانية نظاماً لحكوماتها.

إذن إن توافر الظروف الموضوعية والذاتية في أوربا، مع قيام الثورة الصناعية التي خلقت جملة من التحولات العميقة في البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية داخل المجتمعات الأوربية، إضافة إلى توافر الحامل الاجتماعي وهي الطبقة البرجوازية وحليفتها الطبقة العمالية ومفكروها من مثقفي ومفكري عصر التنوير، كل ذلك قد ساهم في التأسيس للدولة المدنيّة التي أهم مفرداتها اجتماعياً وسياسياً: المواطنة، ودولة القانون والمؤسسات، وفصل الدين عن الدولة، وتداول السلطة، واحترام الرأي والرأي الاخر، وتحرير المرأة، هذا إضافة لتشكل دساتير يقرها الشعب وفقاً لعقد اجتماعي، أهم ما تضمنته هذه الدساتير، فصل السلطات، وتشكل المجالس النيابية التشريعية والمحلية، وكل ما يتعلق بعمل مؤسسات هذه الدولة بما يهم حياة الفرد والمجتمع والدفاع عن أمنهم  ضد أعداء الداخل والخارج. أو بتعبير آخر العمل على تطبيق كل ما جئنا عليه في تعريف الدولة المدنية ومهامها اصطلاحاً.

إن كل ما جئنا عليه من أسباب أو عوامل ساهمت في تشكل الدولة المدنية الحديثة في أوربا، نراه غائباً في الحقيقة عن بنية دولة المجتمعات العربية، بسبب القطع التاريخي في السياق العام لسيرورة وصيرورة هذه المجتمعات ودولها، وخاصة مع ماضي الدولة في العصور السابقة للخلافة الإسلامية، أي مع الدولة الآرامية والفينيقية والبابلية والسومرية والفرعونية وغيرها، وذلك إما بسبب خضوع هذه المجتمعات ودولها المتصارعة مع بعضها  لغزوات خارجية ألغت في الأساس فكرة الدولة في هذه المجتمعات والحقتها بدول خارجية مثل الرومان واليونان والفرس، أو بسبب سيطرة الأعاجم على الخلافة العربية الإسلامية فيما بعد كالبويهيين والسلاجقة والأتراك والعثمانيين والماليك والصفويين وغيرهم، منذ بدء ضعف هذه الخلافة مع الربع الأول للقرن الثالث للهجرة، والتي لم تكن أصلاً هذه الخلافة قد وصلت إلى تشكيل دولة في المفهوم الحديث للدولة. وهذه المسائل سوف نتعرض لها في فقرتنا التالية من هذه الدراسة وهي: (2).

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية.

 

لا يُمكن تمييز القيم المركزية والقيم الفَرعية في المجتمع الإنساني، إلا بتكوين منظومة فكرية قائمة على طرح الأسئلة، وتَجميع الفرضيات، واختبارها وَفْق قواعد المنهج العِلمي، مِن أجل الوصول إلى صيغة معرفية مُتماسكة، تَكُون أساسًا منطقيًّا لبناء النظريات الاجتماعية القادرة على تفسير وَعْي الإنسان، وسُلوكه، وعلاقته بنفْسه، وعلاقته بالآخرين، وطبيعة ارتباطه بالعناصر المعرفية في داخل كيانه وخارجه .

والنظريةُ فرضية تَمَّ التحقُّق مِنها، وإثباتها بالأدلة والبراهين، فانتقل المعنى مَن أطوار الشَّك إلى حالة اليقين، وتَحَوَّلَت الأسئلة المصيرية إلى إجابات شافية، تُحدِّد معالمَ الطريق أمام الفرد والجماعة . والوصولُ إلى حالة اليقين هو التحدي الصعب في المجتمع الإنساني، لأن العلاقات الاجتماعية لا تُبنى على الشَّك، والأُسس المعرفية للحضارة تَفقد معناها في حالة غياب الثِّقة . وحالةُ اليقين هي قِمَّة الجبل، التي تتطلَّب جُهدًا هائلًا لبلوغها، لأن الطريق إليها مليء بالعقبات والصعوبات . وإذا أراد المجتمعُ الإنساني تذليل العقبات والصعوبات وتجاوزها، لا بُد أن يُفجِّر الطاقات الإبداعية في نُفوس أبنائه، ويُحرِّرهم مِن الخَوف، لأن الخوف يشلُّ قُدرة الفرد على التفكير، ويُفقِده ثقته بنفْسه، مِمَّا يؤدِّي إلى انهيار الجُزء في المنظومة الاجتماعية، وإذا انهارَ الجُزء، انهارَ الكُل تِلقائيًّا .

وفي بعض الأحيان، يخاف الإنسانُ مِن نفْسه ومُجتمعه، لأن الإنسان_في السياقات الاجتماعية الضاغطة_

يتمُّ احتكاره، والاستحواذ عليه، والسَّيطرة على أحلامه، وقمعها، ومَنعه مِن التفكير، وإقناعه بأن هناك مَن يُفكِّر نِيابةً عِنه، ويتَّخذ القرارات باسمه، فلا معنى لإعمال عقله، ولا إتعاب نفْسه في التفكير . وهذا الانهيارُ الشامل يَظهر بوضوح في المجتمع الإنساني الاستهلاكي المادي الذي سلَّع الإنسانَ، وجَعله سِلعةً مسلوبةَ الإرادة، وخاضعةً لقانون السُّوق .

والنظامُ الاجتماعي المَهووس بالاستهلاك المُتَوَحِّش، الذي يعتمد على تدمير عناصر البيئة واستنزاف موارد الطبيعة للحُصول على المُتعة واللذة والرفاهية ذات الصِّبغة الأنانية، أحكمَ قبضته على العلاقات الاجتماعية، وفرَّغ الإنسانَ مِن مُحتواه الإنساني، وحوَّله إلى كيان مُوحِش ومُتَوَحِّش، وفاقد لشروطه وجوده الحُر . لذلك، صارَ هدف الإنسان هو الوصول إلى منفعته الشخصية، وتحقيق مُتعته الذاتية، ونَيل الخلاص الفردي، دون أيِّ اعتبار آخَر، ودُون اهتمام بمصير مجتمعه . ومِن أجل تكريس هذه الأنانية المركزية، يَسحق الإنسانُ أخاه الإنسان، ويُدمِّر عناصرَ البيئة، لأنَّه صارَ يَعتبر البشر أعداء، يجب إخضاعهم وإذلالهم، من أجل التحكُّم بهم، ونهب ثرواتهم، والاستحواذ على حاضرهم ومُستقبلهم، وصار يعتبر عناصرَ البيئة عقبةً في طريق التقدُّم الصناعي والرخاء الاقتصادي، لذلك لم يَعُدْ يُبالي بطبقة الأوزون، أو الاحتباس الحراري، أو التغيُّر المناخي، أو ذوبان الجليد في القطب الشمالي أو الجنوبي، أو حرق الغابات التي تُنقِّي هواءَ كوكبنا، فالغايةُ هي بناء المجد الذاتي وتحقيق الرخاء الشخصي على حساب تعاسة الآخرين وشقائهم . وهذا مجد وهمي، وانتصار مُتخيَّل، لأن الإنسانَ لا يَحصل على الأمان عن طريق قَتْل جاره، أو تهديد سُكَّان منطقته، إو إحداث فوضى في عَالَمَه، وإنما يحصل على الأمان عن طريق الحوار الهادئ مع الآخرين، والوصول إلى صيغة توافقية تحفظ حقوق جميع الأطراف، معَ بناء منظومة تعاون مُشترك لِمَا فيه خَير الحضارة وسعادة البشرية . ومهما كان الإنسانُ ماهرًا باللعب بالنار وتهديدِ الآخرين، سيحترق بها يومًا ما، ويَدفع ثمن أنانيته، وكُل كَاسر مكسور، وقانون تداول الحضارات يَسري على الجميع، ولا يَرحم أحدًا، لذلك ينبغي أن تكون العلاقات الانسانية قائمة على التراحم والاحترام المتبادل، بدون إخضاع ولا إذلال ولا استغلال، لأن القوي لا يظل قويًّا إلى الأبد، والضعيف لا يظل ضعيفًا إلى الأبد . والدُّنيا دوَّارة، والدهر يَومان : يَوم لك، ويَوم عليك . والتاريخُ يُعيد نفْسه بأدوات عَصْره، ولا جديد تحت الشمس . الحُب هو الحُب في كل مراحل التاريخ، ولكن وسائل التعبير عنه تختلف باختلاف الزمان والمكان وطبيعة الناس. وأيضًا، الحربُ هي الحرب في كُل العُصور، ولكن الاختلاف في نوعية الأسلحة. وهذا يدل على أن المشاعر الإنسانية واحدة، سواءٌ كانت إيجابية أم سلبية، لسبب بسيط، وهو أن الحضارة تستطيع أن تخترع تقنيات جديدة، وتبتكر وسائل تكنولوجية حديثة، ولكنها لا تستطيع أن تخترع إنسانًا جديدًا، وتبتكر مشاعر وعواطف حديثة .

والإنسانُ لا يتعلَّم من التاريخ، لذلك يُكرِّر أخطاءَ مَن سَبقوه، والمشكلة أنَّ كل إنسان يعتقد أنَّه أذكى مِن الآخرين، وأنَّه الاستثناء مِن القاعدة، وما أصابَ الآخرين لَن يُصيبه، وما حَدَثَ لهم لَن يَحدث له. وهذا الغُرور قاتل، لأن الإنسان يتحرَّك في حلقة مُغلَقة مُسَيْطَر عليها، وهي مَحكومة بقانون التاريخ الذي لا يَستثني أحدًا . ومهما كان الإنسانُ ذكيًّا، لا يَقْدِر أن يَهزم التاريخَ . ومهما كان السَّباحُ قويًّا، لا يَقْدِر أن يَهزم البحرَ . وما يَنطبق على الإنسان (العُنصر الجُزئي) يَنطبق على الحضارة (المنظومة الكُلِّية ) .

وللأسف الشديد، وقعت الحضارةُ الباحثة عن المجد الوهمي، في فَخ الواحدية الفلسفية ومِصْيَدة أُحادية القُطب، أي إنَّها اعتقدت أن وجودها يستلزم نَفْيَ الآخرين وشطب تُراثهم الحضاري، وأن المكان لا يتَّسع إلا لحضارة واحدة فقط . وبالتالي، لا مجال للتعدُّد، ولا فرصة لصناعة عَالَم مُتعدِّد الأقطاب . وهذه نظرة قاصرة، لأن البشرية في سفينة واحدة، وكُل حضارة لها حُجرة في هذه السفينة، وإذا تصادمت الحضاراتُ، وحاولت كُل حضارة أن تنفي الحضارةَ الأُخرى، وتُلغي خُصوصيتها الثقافية، فإنَّ السفينة ستغرق، وتنهار المنظومة الحضارية الجَمعية برُمَّتها . وهنا تبرز خُطورة اللعبة الصِّفرية (إمَّا أنا أو أنتَ)، التي تشتمل على المبدأ الوَحْشي : " المكان يتَّسع لشخص واحد فقط". وفكرةُ الإقصاء تَقُود الإنسانَ إلى تدمير نفْسه بنفْسه، وتحطيمِ عناصر الطبيعة، لأنَّه يَدخل في صراع مستمر ودائم، يَستنزفه حتى الرمق الأخير . وهذا هو انتحار الإنسان التدريجي الذي يتم على مراحل زمنية، ويتطلَّب البحث عن أعداء جُدُد باستمرار، لإبقاء نار الحِقد مُشتعلة .

وفي رحلة البحث الجنوني عن الصِّراع والصِّدام واحتمالات الانتصار والهزيمة، يَغرق الإنسانُ في هَوس الاستهلاك، وأحلامِ السيطرة على موارد الطبيعة وعناصر البيئة، والتفكير بأساليب قَتل جديدة، قَتل الرُّوح، وقَتل الجسد . وتَتَكَرَّس مفاهيم مُتَوَحِّشَة كالاستئصال والإبادة والتَّطهير العِرقي والإلغاء الشامل . وهذا يعني أن الإنسان ابتلعَ جُرثومة الحضارة الباحثة عن المجد الوهمي، وتجذَّرت بِذرة انهيار الإنسان في داخله، لأنَّه اعتقدَ أن حياته تَستلزم مَوت الآخرين، ووجوده يتطلَّب فناء عناصر الطبيعة، وأنَّ الحضارة مشروع مادي استغلالي شخصي، يَسعى إلى تحقيق الانتصار، بغض النظر عن الوسيلة، ومهما كان الثمن . وهذا يَجعل الحضارةُ وحشًا كاسرًا، يُشكِّل خطرًا على وجود الأفراد والمجتمعات . وبدلًا مِن أن تكون الحضارةُ هي الحَل لمشكلات الإنسان، صارت هي المشكلة . وهذا يعني حُدوث مُواجهة كارثية بين الإنسان والحضارة، ينتج عنها دمار شامل. والأمرُ يُشبِه حُدوث مُواجَهة بين الرُّبَّان والسفينة، ولا يُمكن أن ينتج عنها إلا الغرق .

وهذا الانحرافُ الخطير ينبغي أن يُوَاجَه بمنهج حضاري إنساني غَير مُوحِش ولا مُتَوَحِّش، يقوم على ثنائية (أنا وأنتَ)، وليس (أنا أوْ أنتَ)، فالطريقُ يتَّسع لجميع المَارَّة، والحضارة الإنسانية إسهامات تراكمية عابرة لحدود الزمان والمكان . وكُل مَن يَعتقد أن إلغاء إنسانية الآخرين سيَجعله إنسانًا مُتَفَرِّدًا ومُمَيَّزًا، ومُستقرًّا في قلب الأحداث ودائرة الضَّوء لوَحْده، هو وَحْش، وليس إنسانًا، وسيخسر نفْسه والآخرين . ومَن يُرِدْ كُل شيء، يَخسر كُل شيء . وكما قِيل : كَسر مجاديف الآخرين، لا يَزيد مِن سُرعة قاربك .

و" البشرية في سفينة واحدة " ليس شِعارًا رومانسيًّا حالمًا لإظهار المحبة بين الناس، وصناعةِ الأُخُوَّة البشرية، وبيان وَحدة المصير الإنساني. إنَّ هذا الشِّعار هو مُلخَّص الوجود الإنساني، والحقيقة الواقعية الثابتة في عصر المُتغيِّرات . وكُل تهديد وُجودي في أيَّة بُقعة في هذا العَالَم، هو بالضرورة تهديد للوجود الإنساني بأكمله . وكُل مُشكلة صِحِّية، أو معرفية، أو بيئية، أو تكنولوجية، مهما بدت صغيرة وبعيدة، هي مشكلة لكل البشر، وقريبة مِنهُم أكثر مِمَّا يتخيَّلون، وتُؤَثِّر على حياتهم ووجودهم ومصيرهم بشكل أو بآخَر . فإمَّا النجاة معًا، أو الغرق معًا .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

بليغ حمدي اسماعيلقصة طريفة،هي قصة العالم جاليليو مع أهل زمانه، وجاليليو هذا يعد أبرز مؤسسي العلم في العصر الحديث، ولقد نظر إلى الديناميكا نظرة جديدة، فقد افترض أن السكون ليس حالة مميزة للأجسام، بل إن الحركة طبيعية شأنها شأن السكون تماماً، وهي حركة في خط مستقيم.

وقد طور جاليليو نظرته هذه في مجال الفلك، فنادى بمركزية الشمس، وكانت كشوفه تلك قد قلبت كل الأفكار الراسخة القديمة منذ أرسطو، بل لقد عكر منظاره الذي اخترعه صفو سبات القدماء الغارقين في الظنون والأفكار الواهية. وقبل أن تفكر أيها القارئ في مصير جاليليو،لابد وأن تستقرئ نتيجة أفكاره دون تحليل أو استنتاج، فلقد صدم جاليليو رجال الدين في عصره، وأدين بالفعل في جلسة مغلقة، غير أن جاليليو لم يرضخ أو يستسلم، فسيق مرة أخرى للمحاكمة العلنية، فتراجع خوفاً على حياته، ووعد بأن يتخلى عن كل أفكاره المتعلقة بحركة الأرض حول الشمس، وفعل حقاً ما أمر به من رجال الدين، لكنه هو في قفص الاتهام تمتم لنفسه قائلاً: " ومع ذلك فإنها تتحرك" . القصة انتهت.

إن ما فعله العالم جاليليو في فكر عصره نسعى أن نحققه نحن، نفكر، ونستدل، ونبحث، ونجرب، ونتهم، ثم نتراجع عما فكرنا فيه، الأدهش هو أننا حينما نشرع في التفكير نجد عشرات المتربصين بنا وبأفكارنا التي نقسم بالله أنها ليست علمانية، وأن ديننا الإسلامي حض على التفكير، وأن القرآن الكريم الذي ندعي بأننا نفهمه فهماً كاملاً، حث على استعمال العقل والمنطق والتحليل، ففي القرآن الكريم آيات تحض على النظر والتحليل والاستقراء والاستنباط مثل قوله تعالى : (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب)، أي العقول التامة الأكثر ذكاءً التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها، وفي آية أخرى (ويتفكرون في خلق السماوات والأرض)، وكثير من الآيات القرآنية التي تحض الإنسان على التفكير وإعمال العقل.

 

وما أكثر الخطب المنبرية والمقالات والكتب التي تتحدث عن وجوب التفكير وأنه فريضة إسلامية كما ذكر عباس محمود العقاد، ولكن عند أول اختبار لأصحابها يسقطون في فخ الزيغ والهوس وبطلان الحجة. وإذا سألت بعض رجال الدين عن دوره كرجل تنويري لسوف يحدثك عن فعالية التفكير والاستنباط، وعن عظمة التسامح كمحور للتنوير، وأن التسامح ينبغي أن يمتد بلا تمييز. وفي أول محك لتطبيق أفكاره سيلعن التنوير والتنويريين، وسيربط التنوير بالعلمانية، بل وربما بالمسيحية، وبالفلاسفة الملاحدة، ولهم أقول إن التنوير حركة لم تكن مرتبطة بأي مدرسة فلسفية معينة بل إن التنوير يعني العودة إلى تقدير النشاط العقلي المستقل، وبصورة أبسط  نشر النور حيث كان الظلام يسود من قبل.

ولاشك في أنني أجد سعادة وغبطة عندما أواجه هوساً موجهاً ممن يقرأون ما يكتب عن إعمال العقل، وعن مواجهة التكفيريين الجدد، الذين لا هم لهم سوى توجيه عقولنا، أو هذا الجزء الموجود بأعلى الرأس كما يريدون، ولعلهم يغفلون قول الله تعالى إذ يقول في القرآن الكريم: (وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون) .  

وعجيب ما أقرأه وأسمعه عبر القنوات الفضائية الفراغية عن قضايا دينية تثير ضحك ابنائي بدءاً من حكم الطلاق عبر المحمول والإنترنت وتفتيش الزوجة في رسائل الزوج به، أو من خلال رسائل المنتديات الإليكترونية، انتهاء بسؤال جدة طاعنة في السن عن كيفية الاغتسال من الجنابة، وحينما نوجه انتباه إخواننا من الشباب وربما بعض رجال الزي الديني يتهموننا بأننا لا نقرأ، وإذا قرأنا لن نفهم، حتى يصل بهم الأمر في النهاية إلى حد التكفير، وأقسم بربي للمرة الثانية بأنني مؤمن وموحد بالله حتى أفوت وغيري الفرصة عليهم.

إن ما فعله جاليليو منذ قرون مضت وجعلنا مضطرين لسرد قصته لأمر واضح وجلي للأفهام، إنه حاول أن يبرهن على دوران وحركة الأرض، وواجه بسبب آرائه تلك تهمة الزندقة والخروج على التعاليم الدينية، وهو ما يريد أن يفعله اليوم بعض الرجال المحسوبين على ديننا الحنيف إذا فكرنا قليلاً  فيما يقولون ويسردون من قصص لا أصل لها في تراثنا الحضاري نزعوا إلى العنف وإلى التكفير وإلى إهدار الدم، واستباحة العرض للمخالف، ولعل هذا في رأيي هو الذي أوجد فقهاً تعسفياً مغالياً، فكيف سيدعون يوماً إلى ثقافة التسمح والمواطنة والتعايش؟ .

والحديث هنا يدفعنا مرة ثانية إلى توجيه الدعوة للمؤسسة الدينية الرسمية التي بصمتها عما يحدث من مهاترات فقهية عبر القنوات الفضائية تهتز مصداقيتها عند شبابنا وتلاميذنا، فإن هذا الفكاك الذي يحياه بعض شبابنا هم مسئولون عنه بالتزامهم الصمت تجاه ما يفعله البعض، بل لقد ضقت ذرعاً بعبارة أنني أكبر من الرد على مثل هذه التفاهات والمهاترات،فإذا صمت هذا، وابتعد ذاك عن المواجهة فلا عجب من بزوغ فكر يدعو للعنف والقتل والتكفير وحجر الرأي.

ومن أعجب ما سمعت أن هناك كتابات تتناول بالحديث والجدال والحجاج والمناظرة قضية الحجاب، متغافلين بذلك كونه فرضا دينيا وليس مجالا لمزاولة فتنة النقاش العقيم، والحمد لله أنني لم أضحك من شر البلية، ولو كان ديكارت بيننا حاضراً اليوم لتنازل عن كتابه الرائد " المقال في المنهج" الذي أشار فيه إلى القواعد والإرشادات التي ينبغي أن نتبعها كيما نستخدم ملكاتنا العقلية على الوجه الأكمل.

ولست ممن يحاربون الماضي برمته، بل إننا لم نفطن حاضرنا إلا باستيعاب ما تركه لنا السابقون في مجالات التوحيد،والفقه، والحديث،والتاريخ الإسلامي، لكنني أصبحت أمقت مصطلح إعادة قراءة الماضي، وتحليل الموروث الثقافي، بل إنني أحلم بالانطلاق إلى واقعنا الحالي وما يحمله من تحديات ومعوقات تثقل كاهلنا، ولقد عجبت من قول أحد رجال الدين المعاصرين الشيخ (ص) حينما قال إن ثقافتنا الإسلامية لهي جديرة بأن تصارع ثقافة الآخرين، وأن تصرعها وتخلصها من شوائب المدنية الزائفة وأن تحولها إلى دماء صالحة.

والعجب كان فيما استخدمه ذلك الشيخ الجليل من عبارات تنتمي للعصر الأيوبي، والبصاصين المماليك من مصارعة الآخر، وصرعه، وتحويل الشوائب إلى دم، وما أفظع تلك التشبيهات، وكأنه لم يعي عصره الذي يعيشه، والذي يتسم ليس بإرادتنا بالتسامح وقبول الآخر وليس بصرعه وإراقة دمائه.

وأجدني مدفوعا للحظات لأن أكتب عن الإنسانية التي باتت غائبة في مجتمع يتسم بالتسارع في أحداثه حينا، وبالتصارع أحيانا كثيرة أخرى، تلك الإنسانية التي بحق الوقود الذي يمجد ولا يحرك فقط حياتنا لنراها جميلة وأكثر سحرا، والإنسانية حينما أفكر في مضمونها أجدها في مناطق جغرافية شتى في مصر المحروسة ؛ في النوبة بسمارها وسحرها وأناقة بيوتها وملابس أهلها، أجدها في شوارع مدينة الإسماعيلية التي زرتها مرة واحدة ولم تفارقني فتنة مناظرها، الإنسانية أجدها ويجدها غيري في شوارع مصر القديمة رغم مظاهر ومشاهد التلوث البيئي، الإنسانية بحق أجدها في أهل الأقصر الطيبين بدرجة استثنائية، وأجدها في بدو سيناء الذين يهيمون في مصر عشقا وشوقا .

وأجدها أيضا في كل مكاشفات الصوفية، هذا العالم الرحب الخصب الذي لا ينضب ولا تنتهي أسراره وكأنك في بحر عميق، وكلما اقتربت من هذا العالم وأهوى الولوج في أسراره ومكابداته أزداد لهفة في النيل من أسراره والتعمق في أغواره، وأصبح الحديث مع أصدقائي عن إنسانية هذا العالم الملئ بالجاذبية وأكتشف أن معظم من أحادثهم لا يميلون للتصوف لأسباب وعوامل شتى ؛ منها تلك الممارسات التي يرونها في موالد الصوفيين أنفسهم، أو تلك المعتقدات الخاطئة عن هذا الكون الاستثنائي، وأخيرا الرمزية المفرطة التي امتاز بها واتسم هذا النمط الإنساني في العبادة، لذا تظل المشكلة الرئيسة لأقطاب التصوف الإسلامي مع العامة هي الشيفرة اللغوية التي تقتنص الرمزية وحدها وتميل طوعا أم كرها إلى استخدام خطاب لغوي غير متحفي (نسبة إلى المتحف) أو مؤسسي تداولي، بل هي لغة تلجأ عادة إلى الاحتفاظ بأسرار دلالاتها الاستثنائية وكأنها تشكل نصا غير مواز للغة الفصيحة المؤسسية أو لغة الشارع الذي يحترف التلقي السلبي بامتياز .

 هذا ما يمكن أن نتلمسه بوضوح في الخطاب الصوفي عند محي الدين بن عربي، والحسين بن منصور الحلاج، والسهروردي، وغيرهم،ولعل هذه الأسماء وغيرها لا تبدو معروفة للكثير نظرا لمحاولات السلفيين وأمراء التيارات الدينية المتطرفة جدا لتشويه هذه القامات الإنسانية قبل الدينية،  ولعل متصوفة الإسلام ـ وحدهم ـ استطاعوا أن يتلمسوا خصائص اللغة العربية التي انفردت بها اللغة العربية من اشتقاق ونحت ومشترك لفظي، ورغم أن هذه الخصائص هي سمات ميزت اللغة العربية في استخدامها الفصيح إلا أنها لدى الصوفية شكلت مراوغة لغوية أمكنت من الفرار من شره التصنيف والقنص تارة، ومن مشاكلة الطرح الفكري داخل العقل تارة أخرى .

وأنا ألتمس لبرهة قصيرة جدا العذر لكل من رفض بل ومقت الاقتراب من عالم التصوف الذي اعتبره ملمحا إنسانيا قبل كونه مظهرا وحركة دينية محضة، لأن الاقتراب والولوج والاعتقاد بإسهامات أقطاب التصوف يحتاج إلى دراية واسعة باللغة وأسرارها وتراكيبها ويحتاج إلى تعمق لا محدود بكنه مكونات اللغة من أصوات ودلالة وتراكيب وبلاغة سياقية، وهي كلها أمور قد تستعصي على الرجل البسيط غير المتخصص . وتلك اللغة التي تبدو رمزية وغامضة معظم الوقت، وربما رمزية النظم وغموضه يعد من أسرار التصوف ؛ حيث إن الذين يعمدون الوصول إلى معارجه لا يتجرعوا مرارة الإخفاق وتعثرات النفس التي تصاحب الفشل في الحياة الاجتماعية .

 

الدكتور  بليغ حمدي إسماعيل

 

لِكُلِّ حَقلٍ معرفيٍّ مرجِعيّتُهُ التي تُشَكِّلُ الجَهَةَ الرَّسميّةَ الناطقةَ باسمِ هذا الحقلِ المَعرفيِّ .

في حقلِ الطّبِ -على سبيلِ المثالِ - الاطباء الحاذقون هم الجهة الرسميّةُ، التي يكون كلامها هو المُعَوّلُ عليهِ في حسمِ الخِلافِ، لانَّ هناكَ دجاليّنَ يعالجونَ المرضى ويبتزونهم اموالهم كالمشعوذينَ والعرافيّن والسحرة . مالم تكن هناك جهةٌ رسميةٌ ناطقةٌ باسم الطب فسنقعُ في فُوضى التطبيب، والضحكِ على الذقون. وفي مجال الهندسة، هناك مهندسون أدعياء، وهؤلاء مالم تكن هناك مرجعيةٌ يرجع اليها في تحديد ادعياء الهندسة من المهندسينَ الحقيقين، لتسبب هؤلاء بكوارث، وسقوطِ البنايات على رؤوس الساكنين فيها .

وهذا الكلامُ جارٍ في كل العلوم، سواء كانت علوماً طبيعيّةً أوعلوماً انسانيّةً، لضبط المعرفة، وعدم تقديم معرفةٍ مشوهةٍ من قبل أدعياء العلم.

وفي الحقلِ الدينيّ، هذه القاعدةُ جاريةٌ، ولايمَثّلُ الحقلَ الدينيَّ الاستثناء من القاعدة.

فلماذا يكونُ الحقلُ المَعرفيُّ في مجال الدينِ ساحةً مُستباحةً لكلِّ من هب ودب؟

وعندما نقولُ: لابدَّ من وجودِ جهةٌ رسميّةٌ لها صلاحيّةُ الحديثِ باسم الدين؛ لايعني أنّ هذهِ الجهةَ تصادرُ حقَ الاخرين في التفسير والتاويل، وانما اراء الاخرين تبقى اراء قابلة للنقاش ولكنّها لاتمثلُ المرجعيّة الرسمية، وهذه الاراء ليسَ بامكانها حسم الخلاف، بل هي تفسح المجال لاراءّ متضاربةٍ ومتنافرةٍ يضربُ بعضُها بعضاً، فلابُدَّ من وجودِ المرجعيّةِ لحسم هذه الفُوضى في التفسيرِ والتأويلِ.

القُران الكريمُ يَتَحَدَثُ عن وجودِ النص الدينيِّ مع مرجعيته، فالله تعالى لم يرسل الى الناسِ كتباً فقط، من دون ارسال مرجعية معها في تفسير هذه الكتب وتاويلِها، ولكانَ النصُ وحدَهُ كافياً دون الحاجةِ الى مرجعيّةٍ التفسيرِ والتأويلِ، لأرسلَ اللهُ الى الناسِ كُتُباً بلا رسلٍ. اللهُ تَعالى يقولُ في كتابه الكريم، مؤكداً على التَلازمِ والترابطِ الوثيقِ بين النص الدينيّ ومرجعيته.

(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ).النساء: الاية: ١٣٦ .

(تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا).الفرقان: الاية: ١ .

(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ ). النساء: الاية:١٣٦.

(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ).النحل: الاية: ٤٤ .

والايةُ الاخيرةُ تبينُ مرجعيّةَ الرسولِ في البيانِ وحقهِ الحصريّ فيه.

فالرسولُ هو الذي يُفَسّرُ النصَ الدينيَّ ويبينهُ للناس، وله حقُ التأويل.

وبعدَ رحيلِ الرسول(ص) عن هذا العالَمِ، هل هناك مرجعيةٌ بعدَ رسولِ الله (ص) في تفسير وتبيين وتأويلِ النص الدينيّ ؟ نعم، فالقران تحدث عن وجود ورثة للكتاب :

(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا).فاطر: الاية: ٣٢ .

القرانُ الكريم يتحدثُ عن وجودِ مرجعيةٍ وارثة للكتاب لها حقُ التفسيرِ والتأويلٍ والتبيين.

والقُرانُ الكريمُ تحدثَ عن اشخاصٍ مؤهلين راسخين في العلمِ، لهم حقُ التأويل:

( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ).ال عمران : الاية: 7.(على القراءة التي تقف على الراسخين في العلم).

والنبي (ص) في حديث الثقلين اكد على هذه المرجعيّة :

(كأني دُعيتُ فاجبتُ، اني قد تركتُ فيكم الثقلينِ احدهما اكبر من الاخر، كتاب الله وعترتي اهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فانهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض) . "سنن النسائي، الحديث رقم :8148" .

النصُ الدينيُّ ينتج اليات للفهم

هل نحتاجُ في فهم النص الدينيّ الى تطبيقِ مناهج غريبةٍ عن بيئةِ النص الدينيّ ولغته فرضتها استفهاماتٌ واشكالاتٌ على نصوصِ الكتابِ المقدس كمنهجيات (الهرمنيوطيقا)، (التي هي نظريةٌ في تفسير الكتابِ المُقَدَّسِ بعدَ عمليّةِ الاصلاحِ البروتستانتي عندما ارادوا تفسير الكتابِ المقدس دون الحاجةِ الى سلطة الكنيسة، هذا الامرُ حتَّمَ عليهم ان يعتمدوا على أنفسهم في تفسيرِ النصِّ الدينيِّ، وبالنظر الى تعدد التفسيرات الممكنة لاي نصٍ انجيليٍّ فقد دعتهم الحاجةُ الى تاسيسِ مباديء أومعايير للتفسير الصحيح ). نقلاً عن كتابِ ( فهم الفهم للدكتور عادل مصطفى) .

اليس النصُ الدينيّ قادرٌ على انتاجِ الياتٍ للفهم، وهذا مافعلهُ المسلمون الذين ابدعوا علم الاصول الذي هو منهج في فهم النص الدينيِّ، لانّ اصول الفقه تعني اصول الفهم، لان الفقهَ في اللغةِ هو الفهم .

اليسَ النصُ الدينيّ نصاً لُغَوِيَّاً ؟ ولابُدَّ للذي يريدُ قراءةَ النصِّ الدينيِّ ان يكونَ مُلِمَّا بعلوم اللغةِ من نحوٍ وصرفٍ وبلاغةٍ، ويعتمد اليات علم الاصول في الفهم . فلماذا تطبق مناهج غريبة على النص القراني من بيئة اخرى، ونشات في ظل ظروفٍ معينة؟ولماذا لاتكون هذه المناهج نفسها تأريخية؟ لماذا يتم التعامل معها وكأنها مناهج كونية؟ لماذا يتم انتزاعها من بيئتها وظروفها؟ ويتم تطبيق منهج التاريخية على النص القراني؟

تأريخيّة النص القراني

الذين اشتغلوا على تأريخية النص القراني، هم : نصر حامد ابو زيد، ومحمد اركون، والباكستاني فضل الرحمن مالك . ويستدلون على تاريخية النص القراني من خلال اسباب النزول، والنسخ، وفكرة التنجيم ( نزول القران منجماً) .

وجهةُ نظرٍ في تاريخيّة النص القرانيّ

الامثلةُ التي ضربها القائلون بتأريخية النص القراني، من اساب النزول، والنسخ والمكي والمدني، وفكرة التنجيم، والشخصيات والوقائع والافراد، وجهة نظري فيها انها تتعلقُ بالمصاديق لابالمفاهيم . فابو لهب وام جميل في سورة اللهب، التاريخية تتعلق بالمصاديق . فالتأريخي هو ابولهب المصداق، لا ابو لهبٍ المفهوم، وام جميل المصداق لا المفهوم، ولذلك تحدث القران عن ابي لهب المفهوم وام جميل المصداق، فابو لهب صفته المنتزعة من فعله وهذا هو مفهوم ابو لهب لا عبد العزى المصداق التاريخي، ابولهب المفهوم نموذج متكرر لكل من يحمل شعلة من نار ويحرق بها بيوت الامنين، وام جميل وصفت بحمالة الحطب، كل من تحمل حطباً من اجل احراق الاخرين، وهذان النموذجان يتكرران .

القران الكريم يتحدث عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وهذه هي المصاديق التاريخية التي لاوجود لها اليوم، ولكنّ الاية ذيلت بمفهومٍ باقٍ وغير قايل للنسخ، ولايمكن ان يكون تأريخيّا :

(مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ).المائدة: الاية: 103.

البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، هي المصاديق التاريخية، اما المفهوم في الاية : (ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب واكثرهم لايعقلون ) افتراء الكذب واللاعقلانية في التفكير هي المفهوم غير القابل للنسخ، ولايمكن ان يكون تأريخياً.

وعلى هذا الاساس لابدّ من وجودِ مرجعيّةٍ رسميةٍ في تفسير وتأويل النصّ الدينيّ

 

زعيم الخيرالله

 

عبد الحسين شعباناعتبرت أوساط هندية عديدة إصدار البرلمان قانوناً جديداً للمواطنة في 4 ديسمبر/كانون الأول 2019، تجاوزاً صارخاً لتنوع الهند وتراثها الحضاري المعقد وأسس الديمقراطية الهندية المكفولة بالدستور الصادر عام 1950، والتي تصلب عودها على مدى زاد على سبعة عقود من الزمان منذ أن نالت استقلالها عام 1947. وبموجب القانون الجديد يُسمح للحكومة بمنح الجنسية الهندية لمجاميع ثقافية مهاجرة من ثلاثة بلدان هي باكستان وبنجلادش وأفغانستان، وتم حصر ذلك بالهندوس والسيخ والبوذيين والجينز والفرس والمسيحيين، واستثناء المسلمين منه.

وركز القانون على الأفراد الذين تعرضوا للاضطهاد الديني أو الخوف من تعرضهم له في بلدانهم الأصلية، وقرر تخفيض مدة الحصول على الجنسية من 11 سنة إقامة إلى 5 سنوات، وكان ذلك تنفيذاً لوعد حزب «بهارتيا جاناتا» الحاكم في بيانه الانتخابي عام 2014 بتوفير «ملاذ آمن» للهندوس المضطهدين في دول الجوار.

وإذا كنا حتى وقت قريب نعتبر الهند من البلدان النامية التي استطاعت إدارة التنوع الثقافي على نحو «ناجح»، من خلال دستور يُقر مبادئ المساواة والمواطنة المتكافئة، فضلاً عن ممارسة سليمة جرى تطبيقها بما يوفر فرصاً مناسبة لمختلف المجموعات الثقافية العرقية والدينية والطائفية واللغوية والسلالية وغيرها، فإن مثل هذا الاعتقاد يواجه اليوم تحدياً كبيراً وقد يتعرض للتصدع إذا ما جرى الإصرار على إمرار القانون، خصوصاً أنه يولد شعوراً لدى المسلمين بشكل عام، فضلاً عن آراء حقوقية ومدنية بشأن تمييزية القانون الجديد في ظل احتدام «هوياتي» مجتمعي أصاب مبدأ المواطنة في الصميم، وهي المسألة التي ظلت الهند تتمسك بها على الرغم من كل الظروف التي واجهتها والتجاذبات الطائفية والدينية والإثنية التي تعرضت لها، ناهيك عن أعمال العنف والإرهاب التي صاحبتها.

وكنت قد عبرت في وقت سابق عن إعجابي بما أوردته سفيرة الهند في المغرب خيا باتاشاريا، بشأن فكرة التعايش الهندية، وذلك خلال ندوة شاركت فيها حين قالت: «إن لسان حال المواطن في بلدي يقول: أنا هندي، لا أذهب إلى المسجد أو الجامع أو الكنيسة أو المعبد، وإذا أردت أن تراني، فستجدني في جميع هذه الأماكن»، بمعنى أنني مواطن بغض النظر عن الدين أو الطائفة أو اللغة أو العرق، وهو ما سارت عليه الهند في إدارة التنوع والتعايش الذي وضع لبناته الأولى المهاتما غاندي؛ بل دفع حياته ثمناً لقناعاته، حيث تم اغتياله على يد متطرف هندوسي في 30 يناير/كانون الثاني 1948.

ما حصل في الهند مؤخراً من أعمال عنف منفلت من عقاله ويمكن أن يتوسع، أثار ردود فعل عديدة وقلقاً واسعاً متنامياً، فاندلعت تظاهرات احتجاجية تندّد به قابلتها السلطات الحاكمة بالقمع فسقط عشرات القتلى والجرحى فيها، وهو ما دفع 1000 عالم وباحث هندي إلى توقيع عريضة احتجاج ضد القانون؛ لأنه يضفي الشرعية على التمييز الديني حسبما ورد فيها.

جدير بالذكر أن المسلمين يؤلفون نحو 20% من سكان الهند، بمعنى أنهم يشكلون ما يزيد على 230 مليون نسمة، وهم جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي، الأمر الذي يثير قلقاً مشروعاً حول امتداد أعمال العنف والعنف المضاد، وهو ما يمكن أن يترك تأثيره في العلاقات الاجتماعية في الهند ومع جيرانها، وخصوصاً باكستان التي تتنازع وإياها على مصير كشمير منذ سبعة عقود من الزمن، والتي شهدت احتداماً كبيراً في الأشهر الأخيرة، وسيزداد الأمر تعقيداً في علاقتها مع البلدان العربية والمسلمة التي تمتلك علاقات وثيقة وقوية اقتصادية وتجارية واجتماعية وثقافية مع العديد منها.

ولم تنفع تأكيدات رئيس الحكومة مودي من أن القانون لا يستهدف المسلمين، لكن الإفساح في المجال لهجرة قد تصل بالملايين من غير المسلمين سيؤدي إلى تغيير التركيبة السكانية والواقع الديموغرافي، وهو ما يعتبره المسلمون تهديداً حقيقياً؛ بل استهدافاً مباشراً لهم، وما يؤكد ذلك مضي الحكومة في مشروعها الذي تعتبره «يتماشى مع روح القيم الإنسانية في الهند، وأنه لن يؤثر في المجتمع الإسلامي في الهند».

 

عبد الحسين شعبان

 

محمد الورداشيتمثل القيمُ عنصراً مهما في البناء الحضاري لأي شعب من الشعوب أو أمة من الأمم، لذلك ينظر إليها باعتبارها مجموع التصورات والتمثلات والاعتبارات التي يكونها الإنسان حول الأشياء والأفعال، ويصبغها بها، كما أنها تسدي خدمة كبرى للسلوك الإنساني من حيث ضبطُه وتوجيهه بناء على اعتبارات المجتمع.

ولعل هذا ما يجعلنا نفهم الأهمية الكبيرة التي توليها الشعوب والأمم لقيمها، والعمل على ترسيخها في نفوس الأجيال الصاعدة بمختلف الطرق والوسائل.

وقبل أن نتحدث عما يصطلح عليه ب "أزمة القيم" داخل مجتمعنا المغربي المعاصر، دعني أيها القارئ اللبيب أخبرك سرا، وهو أنني ترددت كثيرا في الكتابة عن موضوع القيم؛ لأن هنالك أناسا كثيرين قد تجشموا مسؤولية الكتابة عنه، تشخيصا وتحليلا، واقتراحا للحلول وسبل تنزيلها. كما أنني أدعوك إلى الانطلاق معي من الاعتبارات التالية:

1- أن القيمَ هي تمثلات وتصورات مجردة يتغير محتواها من مجتمع لآخر، ومن فترةٍ تاريخيةٍ لأخرى. ودونك مثالا عن قيمة الشجاعة في المجتمع العربي قبل الإسلام وبعده، فالشجاع هو الفارس المغوارُ الذي يحمل السيفَ في سبيل الدفاع عن قبيلته، في حين أن من يحمل سيفا، في مجتمعنا المعاصر، يعدُّ مجرما يجب ردعه ومعاقبتُه، والشيءُ نفسهُ يمكن أن تقوله عن قيمة الثأر أو الانتقام في المجتمع العربي قبل الإسلام.

2- أن القيم تطرح مشكلاتٍ كبيرةً أثناءَ محاولة تنزيلها؛ لأن لها تطبيقا يختلف من شعب لآخر، ودونك مثالا قيمة التسامح، فالشعب المنهزم في حرب ما يجد في تسامح المنتصر معه إذلالا له وشفقةً عليه.

3- للقيم خاصيةٌ أخرى، وهي توفرها على قدر كبير من المرونة والتغير حسب تغير الظروف الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والفكرية الثقافية لمجتمع ما.

وهكذا نصل إلى مأزق القيم في المنظومة التربوية...

نعم، هنالك مأزق تنزيل هذه القيم في منظومتنا التربوية؛ لأن التنظيرَ للقيم يكون مجردا مُعمما لا يراعي خصوصية كل المتعلمين واختلافاتهم، ولا طريقة تمثلهم لهذه القيم، وكذا تنزيلها في حياتهم اليومية، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، ينبغي أن تسلمَ معي، أيها القارئ العزيز، أن ثمة تحولا خطيرا في الأدوار بين المؤسسات التعليمية والمجتمع. ففي ما مضى كانت المؤسسة التعليمية هي المتحكمة في توجيه المجتمع والتأثير فيه، لكونها تقدم له فردا سويا مفعما بقيمٍ يتمثلها فيترجمها داخل المجتمع، في حين أن الأمور انقلبت، فأصبح المجتمع يتحكم في المدرسة، ويؤثر فيها إن ضمنا أو مباشرة؛ لأن المتعلم يأتي مشحونا بطباع وقيم مغايرة، إما اكتسبها داخل أسرته، وإما في الشارع، وإما في الإعلام السمعي والبصري، وهنا ينقلب دور المؤسسة من فضاء لتنزيل القيم إلى الدفاع عن حرمتها، والتصدي لحمولات المتعلم القيمية، وبين الدفاع ومحاولة التأثير في المتعلم، تُهمل القيم، ويصطدم المتعلم بازدواجية في القيم مما يولد لديه صراعا بين ما اكتسبه، خارج المؤسسة، واطمأن إليه وما تعرضه عليه المؤسسة من قيم. كما أن ثمة تصادما يقع فيه، يحضر في اختلاف القيم من مادة دراسية لأخرى.

ونقترح حلولا...

لقد قُدمت حلولٌ ومقترحاتٌ كثيرةٌ ولا تزال، لكن وضع القيم يزداد سوءً يوما بعد يوم، لهذا ارتأينا تقديم اقتراحاتنا في ما يلي:

- العمل على جعل القيم مرنةً حتى تستجيب لخصوصيات المتعلمين واختلاف طبائعهم، وبدل أن نُخضعَ المتعلمين لقيم نمطية موحدة، نراعي اختلافاتهم ونقدم لهم القيم بشكل متنوع يتلاءم مع طبيعتهم النفسية،

- إخضاع الكتاب المدرسي للتمحيص والتنقيب عن القيم الضرورية للمتعلم في عصرنا الحالي، فمثلا، نجد قصائد شعرية تصور وتنقل لنا قيم الإنسان العربي البدوي؛ كالشجاعة، والكرم، والشرف، والغيرة، والحب... إلخ، ومثل هذه القيم جديرة بالتنزيل، في حين أنها، أي القصائد، تضم أيضا: الغزل، والثأر، وحب الغلمان، والخمرة، واللهو، والمجون...إلخ، ومثل هذه القيم لم يعد المجتمع المعاصر في حاجة إليها، لذا نقترح التركيز على القيم الأولى، فضلا عن القيمة الفنية الذوقية التي ينبغي ترسيخُها لدى المتعلم حتى يتذوقَ الفنَّ الشعريَّ وغيرَه من الفنون،

- تنزيل القيم بشكل تدريجي، بحيث يتم التركيز على القيم التي تجد لها سبيلا يسيرا لنفس المتعلم في المرحلة الأولى من مساره التعلمي، الابتدائي، ثم تليها القيم التي تناسب مرحلة التعليم الإعدادي، ثم التعليم التأهيلي، فالجامعي،

- الحرصُ على المواكبة في تنزيل القيم، كأن يعمل المدرس، في المرحلة الإعدادية، على مواكبة ما رسّخه غيره في المرحلة الابتدائية، والشيء نفسه ينسحب على المراحل الأخرى،

- المزاوجة بين قيم الأصالة والمعاصرة حتى يتمَّ التخفيف من حدة الصراع بين القيم الموروثة والقيم التي يفرضها الواقع المتغير باستمرار،

- توظيف وسائل التكنولوجيا الحديثة، وتسخيرها لنشر القيم، وتنمية روح البحث العلمي في نفوس المتعلمين، ثم التعلم الذاتي،

- الانفتاح على المكتبات، والنوادي الثقافية، والمسارح، وتوظيف وسائل الإعلام السمعي والبصري، لترسيخ القيم؛ لأن المتعلمين يحتكون بها كثيرا، ولها القدرة على جذبهم والتأثير فيهم.

ويبقى الأهم...

إننا نرى أن الاهتمام بالقيم وتنزيلها ضروري لبناء فرد سوي، محب لمجتمعه وأفراده، ومساهم في ارتقائه وازدهاره، لكنا نؤكد على أهمية ترسيخ قيم الهوية العربية عامة، والمغربية خاصة؛ لأن تمثل القيم لدى المتعلم يجب أن ينطلق من هوية مغربية وعربية أصيلة، ما سيكسبُه المناعة القيمية التي تؤهله للانفتاح على قيم الحضارة الإنسانية المختلفة والمتعددة.

وتظلُّ لنا كلمة أخيرة...

يبقى هذا مجردَ اجتهادٍ شخصيٍّ أرجو ألا يرهق القارئ؛ لأن للقيم مكانةً كبيرةً في حياتنا، وأزمتها وتقهقرها يدفعان بنا إلى اقتراح الحلول أكثرَ من تشخيص الأسباب وتِعدادها؛ لأنها كثيرةٌ ومعلومةٌ لدى الجميع.

 

محمد الورداشي.

 

 

حيدر جواد السهلانيصمويل هنتنجتون (1927- 2008) يرى في السياسة هي عالم المنافسة بين القوى الاجتماعية، وان التمايز السياسي الابرز بين الدول لا يتعلق بنمط الحكم بل بدرجة هذا الحكم، وان الفرق بين الديمقراطية والديكتاتورية هي اقل من الفروقات بين الدول التي يتجسد في سياستها الاجماع والاتفاق والشرعية والتنظيم والفعالية والاستقرار، لقد ازدادت الهوة اتساعا في السياسة، كما في الاقتصاد بين الانظمة السياسية المتطورة والانظمة السياسية المختلفة وبين انظمة الحكم المدنية والانظمة الفاسدة، هذا الهوة السياسية تشبه الهوة الاقتصادية وهي متصلة بها، لكنها ليست مطابقة لها، قد تكون لدول ذات اقتصاد انظمة سياسية ذات درجة عالية من التطور، وقد تتمكن دول في المقابل من الوصول الى درجات عالية من الرخاء الاقتصادي وهي تعاني سياسيا من الاختلال في نظامها السياسي. ويرى هنتنجتون للوصول الى مستوى عال من التطور السياسي، يعتمد على قابلية الناس على توفير اشكال جديدة من الجمعيات، فاستقرار الوضع الاجتماعي من خلال المنظمات الاجتماعية يؤسس للحكم الجيد، ويرى هنتنجتون لابد في الدولة من التركيز على القيم الشمولية في الدولة، اي القيم التي تربط الطبقات والتركيز عليها، فمثلا الانتماء الى الوطن وحمل صفة الدولة يكون عام للجميع، بدلا من التركيز على العنوان الاصغر سواء كان دينيا او قبليا، فلابد في بناء الدولة من التركيز على المشتركات بين افراد الدولة، ويرى في التنمية الاقتصادية ليس هي العامل الرئيسي في انشاء انظمة سياسية مستقرة ديمقراطية، لكن توجد عوامل مهمة من اجل التقدم السياسي والاستقرار السياسي مثل التحضر ومحو الامية والقضاء على الفقر والمرض والتعبئة الاجتماعية والمؤسسات والنمو الاقتصادي. ويذهب هنتنجتون الى ان المؤسسة السياسية نشأت من التفاعل والاختلاف بين القوى الاجتماعية، ومن التطور التدريجي للإجراءات والوسائل التنظيمية لحل هذا الاختلاف، ويؤمن هنتنجتون بدولة المؤسسات ويرى هي الافضل في حل النزاع الذي يحصل في الدولة، ويقول " ان النظام السياسي الذي توجد فيه مؤسسات سياسية متعددة ومختلفة اكثر قدرة على التكيف" ويرى ان نظام المؤسسات في الدولة هو النظام الافضل، اي بمعنى توجد اكثر من مؤسسة للإشراف والمراقبة كما متعارف عليه في امريكا، لذلك عندما جاء الامريكان الى العراق ارادوا تطبيق هذا النظام، ووضعوا اكثر من مؤسسة للإشراف والمراقبة، والنظام المؤسساتي يوافق معظم العاملين في السياسة على الاجراءات التي ينبغي اتباعها من اجل حل الخلافات السياسية، اي من اجل تعين المراكز وتحديد الخطة السياسية، اذ في الانظمة المؤسساتية يوسع السياسيون ولاءاتهم من الفئة الاجتماعية الى المؤسسة السياسية، وكلما تطورت المجتمعات كلما اصبحت اكثر تعقيدا، فلابد من وجود مؤسسات قادرة على ادارة التحديث والعصرنة، اذ من اسباب اضطراب والعنف في الدول النامية، لا علاقة له بنظام الحكم، بقدر ما هو فيه جزء كبير من التغير الاجتماعي السريع وظهور مجموعات سياسية جديدة، يصاحب ذلك ببطئ تطور المؤسسات السياسية بالتزامن مع المتغيرات الاجتماعية، وبذلك هنتنجتون لايهتم كثيرا بنظام الحكم، لكن يرى من الضروري ان تكون هناك مؤسسات سياسية، ومن الضروري ايضا احلال قادة جدد محل القادة القدماء، كمؤشر لصحة الانطباع المؤسسي، فالاشخاص الجدد لهم افكار ورؤى تطابق اجيالهم.

الدولة التي يوجد فيها حزب واحد، تكون اكثر استقرارا من الدول التي تفتقده، ويعرف هنتنجتون الحزب السياسي هو التنظيم المميز للسياسة العصرية، لكنه بمعنى اخر ليس مؤسسة عصرية تماما، عمل الحزب هو التنظيم والمشاركة وتجميع المصالح، وان يشكل رابط بين القوى الاجتماعية والحكم، ويعكس الحزب بالضرورة منطق السياسة، لا منطق الفعالية. ان الحزب السياسي، لكي يتمكن من التغلب بنجاح على صعوبات العصرنة، عليه ان يجد العصرنة السياسية، اي يشجع على الاصلاح الاجتماعي والسياسي في نشاط الدولة، في هذا السياق يعني الاصلاح عادة تغير القيم وانماط السلوك التقليدية ونشر وسائل الاتصال والتعليم وتوسع نطاق الولاء، بحيث يتعدى العائلة والفردية والقبلية ليصل الى الامة، وان الانظمة السياسية تتفاوت في قدرتها على توسيع نطاق نفوذها من خلال الاستيعاب، اي من خلال تقبلها لأنماط جديدة من الجماعات والموارد السياسية، وفي المجتمعات التي ترتفع فيها مستويات المشاركة السياسية للطبقة المتوسطة، تكون هناك ميول قوية نحو عدم الاستقرار بسبب طبيعة الطبقة المتوسطة، فإن هذا المؤسسات ستواجه بعد فترة مشكلة التكيف مع توسع الطبقة العاملة في المدن والفلاحين في الريف، ويختلف دور الحزب تماما عما هو عليه في الانظمة التي تتمتع باستمرارية المؤسسات في اوضاع مماثلة، يكون التنظيم السياسي القوي هو الخيار الوحيد في النهاية لحالة عدم الاستقرار في مجتمع فاسد او جماهيري، والحزب ليس مجرد تنظيم اضافي، بل هو مصدر للشرعية والسلطة، لأنه التجسيد المؤسساتي للسيادة القومية، او للإرادة الشعبية، ويرى هنتنجتون على الافراد في الاحزاب السياسية عندما يصلون الى الحكم عليهم ان يتخلوا عن سلوكهم وقيمهم ومواقفهم خلال عملية الوصول الى السلطة عبر المؤسسات السياسية في المجتمع، وان يتخلوا عن كثير من الامور التي تعلموها في نطاق الجماعة العرفية والطبقة الاجتماعية، وان يتكيفوا مع قواعد السلوك الجديدة، فالاحزاب السياسية التي كانت وظيفتها تعزيز الاستقلال، تواجه ازمة سياسية حين يحقق هدفه، ويتوجب عليه ان يكيف نفسه مع الوظيفة الجديدة وهي حكم البلاد، وقد يجد هذا التحول الوظيفي صعبا للغاية.

السياسة لابد ان ترافق العصرنة، والعصرنة عملية متعددة الوجوه تفترض تغيرات في كافة حقول الفكر والنشاط الانساني، والعصرنة هي:

1- تفترض العصرنة السياسية عقلنة السلطة، واستبدال عدد كبير من السلطات السياسية التقليدية والدينية والعائلية والعرفية، بسلطة سياسية قوية علمانية موحدة، وهذا الحكم يعني ضمنا ان من نتاج الانسان، لا من نتاج الطبيعة ولا هبه من الله، وان مجتمعا حسن التنظيم يجب ان تتوافر فيه مرجعية بشرية هي المقرر للسلطة النهائية، وان طاعة قوانين الوضعية تفوق من حيث الاهمية سائر الواجبات.

2- تفترض العصرنة السياسية التميز بين الوظائف السياسية الجديدة وتطوير بنى متخصصة لتنفيذ هذا الوظائف.

3- تفترض العصرنة السياسية المشاركة المتزايدة في السياسة من قبل فئات اجتماعية من المجتمع ككل، وقد تسهم المشاركة الموسعة في السياسة في تعزيز سيطرة الحكم على الشعب، او انها تسهم في تعزيز سيطرة الشعب على الحكم، كما يحدث في بعض الدول الديمقراطية، لكن في كافة الدول العصرية يصبح المواطنون معنين مباشرة بشؤون الحكم وتحت تأثيرها، ان السلطة العقلانية والبنية التفصيلية والمشاركة الجماهيرية هي اذا ما يميز انظمة الحكم العصرية عن انظمة الحكم السابقة.

ومن اهم اوجه العصرنة السياسية هو بناء مشاركة فئات اجتماعية في السياسة، فوق مستوى القرية او المدينة، وتطوير مؤسسات سياسية جديدة كالاحزاب السياسية لتنظيم هذا المشاركة، والعصرنة هي التي تقضي على المعايير القديمة، العصرنة هي بالفعل احداث مزيد من الوعي والترابط والتنظيم والعمل في قوى اجتماعية جديدة كان وجودها في مستوى ادنى من وعي الهوية والتنظيم في المجتمع التقليدي، ان نظام العصرنة يكون اكثر استقرارا واقل معاناة للعنف المحلي من المجتمعات الاقل عصرية، وتختلف العصرنة في الشعوب النامية عن الشعوب المتطورة، والعصرنة تفترض تغيرا في القيم الاساسية للمجتمع، وفي بعض الاحيان تكون الدولة وصلت الى مستوى عال من التطور السياسي وفيها مؤسسات سياسية حديثة، فيما لاتزال متخلفة للغاية لجهة العصرنة.

اما الحكم الملكي عند هنتنجتون يرى ان الملكية اليوم بدأت بالميل الى العصرنة وترك الملكية القديمة، وفي الملكيات الدستورية الحديثة، يتولى الملك العرش، لكنه لا يحكم وتستمد السلطة من اتفاق الشعب عبر الانتخابات والاحزاب والهيئات التشريعية، وان مستقبل الانظمة الملكية التقليدية الموجودة اليوم مكشوف تماما، ليس امام زعمائها مجال كبير للخيار سوى محاولة تعزيز الاصلاح الاجتماعي والاقتصادي ومن اجل تحقيق ذلك عليهم ان يجعلوا السلطة مركزية. ويرى هنتنجتون في الثورة هي الحل الاكثر عنفا في وضع حد للوضع السياسي والاجتماعي، فيركز هنتنجتون على وسائل التعلم والوعي الاجتماعي والمؤسسات اكثر بإصلاح الوضع السياسي. ويرى في الديمقراطية:

1- انضمام مجموعة جديدة الى النظام السياسي من زعماء سياسين محلين من انحاء البلاد كافة.

2- تشكيل رابط مؤسساتي بين الحكومة وبين الجماهير.

3- ايجاد معادل شعبي في مواجهة هيمنه الموظفين البيروقراطين الرسمين.

4- انشاء بنية قادرة على استيعاب التوسيع اللاحق في المشاركة السياسية، وبذلك يكون التكتل الديمقراطي وسيلة لرسم اطار لبسط سلطة النظام السياسي.

اما بالنسبة للجيش فلابد ان تكون مؤسسة مترابطة مع المدنية، ولابد ان يرأس هذا المؤسسة شخص مدني، ولابد ان تكون السيطرة المدنية موضوعية تعتمد بشكل رئيسي على اخلاقيات عسكرية مستقلة ومحايدة وكفؤة مهنيا، وتحويل الجيش الى اداة بيد الدولة، ووظيفة الجيش هي تطوير السبل والوسائل لتحقيق الغايات والاهداف التي تحددها قيادة سياسية من المدنيين.

ينظر صمويل هنتنجتون: النظام السياسي لمجتمعات متغيرة، ترجمة سمية فلو عبود، دار الساقي، بيروت.

 

حيدر جواد السهلاني

 

محمد الورداشييعاني الدرسُ الفلسفيُّ إشكاليةً كبرى في العالمِ العربيِّ بالأساس، وهذه الإشكاليةُ تتمثلُ في ضعفِ حضوره داخل الجامعات العربية، وكذا الثانويات. لهذا سنحاول بحثَ إشكاليةِ الدرس الفلسفي في المغرب، محاولين تحديدَ الأسبابِ التي أدت إلى هذا التأزم، فضلا عن بعض المقترحات لتدريس الفلسفة في الجامعة والثانوية بالمغرب.

حينما نلقي نظرةً شاملةً لكل ما يُنتج سنويا في الجامعات المغربية حول الدرس الفلسفي، نجد أن هنالك تراجعا كبيرا في هذا المجال؛ فالفلسفة، في العالم العربي عامة، والمغرب خاصة، لم تعد تعاني حصرَها وتقييدَها بالمجال الأكاديمي فحسب، وإنما نجد تضييقا عليها حتى من داخل الجامعة، ناهيك عن التعليم الثانوي. إذن، ما الأسباب التي أدت إلى خفوت الفلسفة داخل المغرب؟ وكيف نعيد للفلسفة الظروفَ الملائمةَ حتى تقومَ بالأدوار المنوطة بها؟

ثمة أسبابٌ كثيرةٌ، لا يتسع المقامُ لسردها كاملة، كانتِ الداءَ الذي ينخر الفلسفةَ بشكل تدريجي، ومنها:

- تقهقر العقل الفلسفي أمام تيار العقل الديني،

- تراجع اهتمام العقل العربي بالفلسفة عامة والفكر خاصة،

- اتساع الهوة بين الفكر الفلسفي الغربي، وتلقيه من قبل العقل العربي،

- كون أغلب ما يؤلف في الفلسفة مؤلفا باللغة الانجليزية والفرنسية،

- التركيز على المضمون بدل تعلم التفكير،

- تضييق الخناق على الفلسفة، ومن ثم إبعادُها عن المجتمع وقضاياه، وحصرُها في المجال الأكاديمي،

- تعاطي أغلب الباحثين للفلسفة في برجها العاجي دون الانغماس والانخراط في هموم وتحديات الواقع،

- انعدام شبه كلي للسؤال الفلسفي، حيث إننا بتنا في زمن يكره الأسئلة.

هذه بعض الأسباب التي تبدو لنا ذات تأثير كبير على تقهقر الدرس والسؤال الفلسفيين في الجامعة، كما أنها تنسحب على الفلسفة في السلك الثانوي. ومنه، سنحاول اقتراح بعض الحلول التي قد تكون طرحت من قبل، لكنها لم تُنزَّل على أرضية الواقع، وإنما بقيت في مرحلة تشخيص المرض دون القيام باستئصاله. ومن ثم نقترح:

- تعليم التلاميذ والطلبة أن الفلسفة قمينة بالتعاطي مع مختلف المشاكل والقضايا التي يتأجج بها المجتمع المغربي. فالفلسفة لم تكن يوما عالة على العلوم الإنسانية الأخرى، وإنما يصعب أن نتصور دراسةً إنسانيةً اجتماعيةً دون حضور أسس ومرجعيات فلسفية، وبالتالي فإن الفلسفة هي القاعدة، الحاضرة المضمرة، في كل دراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية.

- جعل التلميذ والطالب وجها لوجه أمام القضايا الفلسفية، انطلاقا من تعليمهما بأن تدريس الفلسفة لا يقوم على تقديم المضامين، وإنما يتأسس على ثقافة طرح السؤال، وخلق قلق معرفي يدفع المقبل على الفلسفة إلى طرح سلسلة من الأسئلة الفرعية، ومحاولة مقاربتها تفكيرا وبحثا ومناقشة.

إن ما تحتاجه الفلسفة حتى تزدهر في العالم العربي عامة، والمغرب على وجه الخصوص، أمران: ثقافة طرح السؤال، ومنهجية التفكير في السؤال؛ لأن الفلسفة ليست تلقينا، وسقراط لم يكن ملقنا، من خلال ما ورد في محاورات أفلاطون، وإنما كان ينهجُ طريقةً توليديةً، ما يجعل محاوريه يتدرجون في التفكير الفلسفي، ومحاولة الجواب انطلاقا من تطور أسئلة سقراط التي تهدف إلى تعليم المحاورين كيف يفكرون.

- التخلي عن تقديم المضامين الفلسفية للفلاسفة على حساب دفع التلميذ والطالب للبحث عن طريقة تفكير أولئك الفلاسفة، ولا يتأتى هذا إلا بالإيمان أن نتاجهم لن يتم فهمُه إلا بالعودة إلى أسسهم ومنطلقاتهم،

- الاعتماد على فلاسفة حداثيين قريبين من عصر المقبل على الفلسفة، وهكذا سيكون أكثرَ استجابةً مع تفكيرهم وأفكارهم،

- التعامل، فلسفيا، مع بعض القضايا الموجودة في محيط التلميذ والطالب، وتشجيعهما على التعاطي معها عن طريق السؤال،

- الرفع من شأن الأسئلة التي توقظ الذهن أكثر من الأجوبة؛ لأن المتعلم للفلسفة، ينبغي أن يعي أهمية السؤال أكثر من البحث عن الأجوبة الجاهزة في الكتب الفلسفية.

هنالك وصفةٌ سريعةٌ للتعامل مع الدرس الفلسفي:

ينبغي على مدرس الفلسفة، سواء أكان أستاذا جامعيا أم أستاذا للتعليم الثانوي، أن يؤهل المتلقين لاستقبال السؤال الفلسفي، وذلك من خلال تبيان أهميته، وأهمية نتائجه على الفرد والمجتمع والإنسانية. ثم بعد ذلك، يطرح السؤال، شريطة أن لا يكون غامضا بل مشجعا على التفكير والتأويل، منتجا حيرة وشكا في ذهن متلقيه.

على أن ثمة أمرا مهما ينبغي التأكيد عليه؛ إذ ليس من الصحيح أن نقول للمتلقي إن هنالك جوابا قارا ينبغي أن تصل إليه، ولكن علينا أن نبين له كون الفلسفة تهدف إلى البحث عن الحقيقة، شأنها شأن باقي العلوم والأديان، بيد أن حقيقة الفلسفة تقوم على الشك والدحض، وهي نسبية بالدرجة الأساس، وهكذا يتعلم المقبل على الفلسفة قيمة النسبية في الأجوبة والنتائج الفلسفية، ومن ثم الانفتاح على الواقع ومساءلة قضاياه ومشاكله؛ لأن الفلسفة تعلمُ التفلسفَ والسؤالَ، ولا تقدمُ الحلَّ والجوابَ.

 

ذ. محمد الورداشي

 

صباح شاكر العكامإِن حقوق الانسان هي الضمان الاكيد لحياة حرة وكريمة للإنسان والتي تتضمن حق الحياة وحق الحرية سواء كانت حرية شخصية او حرية فكرية، والتي تشمل حرية الرأي و حرية التعبير و حرية المعتقد و التحرر من الرق لكون الله سبحانه وتعالى خلق الناس احراراً، وحق المساواة بين الناس مهما اختلف لونهم او معتقدهم او دينهم او قوميتهم او حق الترحال والتنقل والاقامة في اي مكان يرغب الانسان العيش فيه، وحق الملكية سواء كانت ملكية عقارية او ملكية وسائل الانتاج، وحق التعليم لجميع الافراد، وضمان حقوق المرأة وغيرها من الحقوق الاخرى وقد ضمنت هذه الحقوق التشريعات السماوية للأديان المختلفة او القوانين الوضعية المستندة على المصادر الفلسفية التي وضعها الفلاسفة عبر التاريخ على شكل افكار وتعاليم وحكم دعت الى الحق والعدل والحرية والمساواة بين البشر .

لقد خلق الله الإنسان في أحسن صورة، وجعله مكرماً خَلقاً وخُلقاً، ووهبه العقل، وفضله على جميع الكائنات الحية،وجعله خليفته في الأرض وكما جاء في الآية 70 من سورة الأسراء:

" وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" .

لقد اجتمعت في الإِمام علي(ع) كلُّ المزايا من شجاعة وكرم وفروسية وسماحة وإنسانية وعلم وفقه، والتي لا يستطيع أحدٌ أن يحصي أوصافها التي لا يدانيها أي إنسان سواء في التاريخ القديم أم الحديث بعد النبي محمد(ص)، ومن هذه المزايا وضع مبادئ حقوق الإنسان التي وردت من خلال العهد الذي أَعطاه إلى مالك الأشتر(رض) عندما ولاه على مصر . 

تكريماً لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أصدرت الأمم المتحدة في العام 2002م  تقريراً باللغة الانكليزية بمئة وستين صفحة، أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الخاص بحقوق الإنسان وتحسين البيئة والمعيشة والتعليم، إذ اتخذ المجتمع الدولي الإِمام علي (ع) شخصية متميزة ومثلاً أَعلى في إشاعة العدالة واحترام حقوق الناس جميعاً سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين، وتأسيس الدولة على أسس المواطنة والتسامح والسلام.

وقد تضمن التقرير مقتطفات من وصايا الامام علي (عليه السلام) التي وردت في نهج البلاغة، التي يوصي بها عماله وقادة جنده، فقد ذكر التقرير أنَّ هذه الوصايا الرائعة تعد مفخرة لنشر العدالة وتطوير المعرفة واحترام حقوق الإنسان.

إنّ العهد الذي كتبه الإمام عليّ (عليه السلام) لمالك الأشتر النخعي لمّا ولاّه مصر، أراد منه أن يكون توجيهاً لأحد ولاته في ممارسة ما عُهِد إليه من الأمور، حرصاً على سلامة سلوكه ومواقفه بصفه مسؤولاً و إنساناً مسلماً . وهذا ما جعل هذه الوثيقة من أهمّ المصادر التي تُستسقى منها المبادئ التي تُنير طريق الولاة في إدارة ما تَولَّوه، في كلِّ زمان ومكان .

إنَّ هذا العهد يمثل دستوراً لحكم الإمام عليٍّ عليه السلام، ولذلك قام بتبويبه وتفصيله على غرار الدساتير التي تتبنّاها البلدان في عصرنا الحاضر. ومن هذا العهد يمكن استخراج المبادئ والقيم الإنسانية في الحقلين الاجتماعي والسياسي، والاهتداء بهذه المبادئ والقيم في الحياة الخاصة والعامّة لتفعيل قيم الإنسانية والتعامل الرسالي في هذا الزمان وهذا هو المنهج الذي خطّه الإمام علي (ع) الذي عبر فيه الحدود المذهبية والدينية والعنصرية .

لقد أوصى الإمام علي (عليه السلام) مالك الأشتر، أن يكون مُحبّاً للرعية، مُحترِماً لمشاعر الناس من أي فئة كانوا، سواء كانوا مسلمين أم من أهل الأديان الأخرى . ولا يخفى أن في ذلك تثبيتاً لإنسانية الإسلام واحتراماً لمشاعر الناس، وهي تمثل أعظم نظرية تعامل إنساني عرفها التأريخ فهي تتجاهل اللون واللغة والدين والمذهب، وهذا ما نراه في قوله (عليه السلام): (وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، والْمَحَبَّةَ لَهُمْ، واللُّطْفَ بِهِمْ . ولا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً، تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ)

وأوصاه أن يعفو ويصفح عمَّن أساء واجترأ عليه، أو على خاصته عندما قال (عليه السلام): (فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِي تُحِبُّ أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وصَفْحِهِ) . 

ثمَّ دعاه إلى أن لا يميّز بين القريب والبعيد في عطاياه من بيت المال، وأن تكون المساواة بين جميع المسلمين في الحقوق المالية وأن لا يكون له ميل الى أهله وأقربائه، عندما قال (عليه السلام): (أَنْصِفِ الَلهَ وأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ ومِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ ومَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً مِنْ رَعِيَّتِكَ) .

ثمَّ ذكّره بأن يكون هدفه وغايته إقامة العدل، وإحياء الحق، وهو الغاية والهدف الذي من أجله أَرسل الله الأنبياء والرسل، حتى ينعم الناس بالعدالة والمساواة، فبالعدل فقط تَقوم الأنظمة وتستمر، وبه يصبح للحياة مفهومها ومعناها، عندما قال (عليه السلام): (ولْيَكُنْ أَحَبُّ الأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطَّهَا فِي الْحَقِّ، وأَعَمَّهَا فِي الْعَدْلِ، وأَجْمَعَهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ) .

ثمَّ أوصاه بأن يكون جلّ اهتمامه جلب رضا العامة ؛ لأنَّ رضا العامة يعني ثبات النظام، وإيجاد الدرع الواقية له من كيد الأعداء والمتضرِّرين من وجوده، ومع رضا العامة لا قيمة لسخط الخاصة، فإنّ الخاصة يمكن أن تتخلَّى عنهم، عندما قال (عليه السلام): (إِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ، ولَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَؤُونَةً فِي الرَّخَاءِ، وأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلاءِ) .

ثمَّ دعاه أن يختار مستشاريه في إدارة شؤون البلاد، أشخاصاً تتوافر فيهم الخصال الطيبة الحميدة، وأن لا يكونوا من البخلاء ولا من الجبناء ولا من الذين يحببون لك شدة الحرص بالظلم، عندما قال (عليه السلام): (ولا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلاً يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ، ويَعِدُكَ الْفَقْرَ، ولا جَبَاناً يُضْعِفُكَ عَنِ الأُمُورِ، ولا حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ؛ فَإِنَّ الْبُخْلَ والْجُبْنَ والْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ) .

ثمَّ دعاه لأن يختار لوزارته أشخاصاً جدداً ممَّن لم يخدم الأنظمة الظالمة من قبل لم يشركهم لهم في الآثام، وممَّن يثق بهم الناس، أُمناء على مستقبلهم وحياتهم، عندما قال (عليه السلام): (إِنَّ شَرَّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلأَشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيراً، ومَنْ شَرِكَهُمْ فِي الآثَامِ، فَلا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً ؛ فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الأثَمَةِ، وإِخْوَانُ الظَّلَمَةِ) .

ثمَّ بين له عليه السلام أنَّ الناس فيهم المحسن والمسيء، فلا يجوز المساواة بينها؛ لأنَّ في ذلك قطعاً لسُبُل الإحسان، وتشجيعاً للمسيئين على الإساءة ؛ لأنَّ الله يأمرُ بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، عندما قال (عليه السلام): (ولا يَكُونُ الْمُحْسِنُ والْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لأَهْلِ الإحْسَانِ فِي الإحْسَانِ، وتَدْرِيباً لأَهْلِ الإسَاءَةِ عَلَى الإسَاءَةِ، وأَلْزِمْ كُلاً مِنْهُمْ ما أَلْزَمَ نَفْسَهُ) .

ثمَّ دعاه إلى المحافظة على ما سنّه السلف الصالح من الأمة، وحذّره من نقض السُّنن الصالحة، والأُمّة تغار على دينها وسننها الصالحة، لأنَّها جاهدت وناضلت من أجل بقائها، وأن لا يحدث سنة مخالفة لما جاء به السلف الصالح، لأن وزرها سوف يكون عليه، عندما  قال (عليه السلام): (ولا تَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الأُمَّةِ، واجْتَمَعَتْ بِهَا الأُلْفَةُ، وصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ . ولا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ ؛ فَيَكُونَ الأجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا والْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا ) .

ثمَّ تعرَّض (عليه السلام) لأقسام الرعية وأصنافها، وبيّن أن كل قسمٍ منها يحتاج للقسم الآخر ومرتبط به ارتباطاً عضوياً، إذ إنَّ كل تلك الأقسام تشكِّل نظاماً متكاملاً متماسكاً، فهي بمثابة الجسد الواحد، وعيّن لكل صنف مسؤوليته ومهمته حتى لا تتداخل الأمور ومن ثمَّ تسود الفوضى، وأن الله سبحانه وتعالى أمر لكل فرد سهمه، وفرض عليه واجباته وكما جاء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، عندما قال (عليه السلام): (واعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ، لا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْضٍ، ولا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ، فَمِنْهَا جُنُودُ اللَّهِ، ومِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ والْخَاصَّةِ، ومِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ، ومِنْهَا عُمَّالُ الإنْصَافِ والرِّفْقِ، ومِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ والْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ومُسْلِمَةِ النَّاسِ، ومِنْهَا التُّجَّارُ وأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ، ومِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ والْمَسْكَنَةِ، وكُلٌّ قَدْ سَمَّى اللَّهُ لَهُ سَهْمَهُ ووَضَعَ عَلَى حَدِّهِ فَرِيضَةُ فِي كِتَابِهِ أَو سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ، عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً) .

 كما تحدَّث (عليه السلام)عن الطبقة الفقيرة وأهل العاهات والتي تشكِّل القسم الأكبر من المجتمع في كل زمان ومكان، ولهذا أوصى(عليه السلام) حماية ومساعدة هذه الطبقة مادياً من بيت مال المسلمين وقسماً من واردات غلال الارض، حتى تنهض ممَّا هي فيه وتنعم بالعدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية،عندما قال (عليه السلام): ( ثُمَّ اللهَ اللهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى، مِنَ الَّذِينَ لا حِيلَةَ لَهُمْ، مِنَ الْمَسَاكِينِ والْمُحْتَاجِينَ وأَهْلِ الْبُؤْسى والزَّمْنَى؛ فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً ومُعْتَرّاً، واحْفَظِ لِلَّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ،  واجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكِ، وقِسْماً مِنْ غَلاتِ صَوَافِي الإسْلامِ فِي كُلِّ بَلَدٍ) .

كما طلب من ولاته الاهتمام بأصحاب الاحتياجات الخاصة والجلوس إليهم وتلبية طلباتهم، عندما قال (عليه السلام) (واجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ، وتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ ) .

لقد حذر(عليه السلام) ولاته من سفك دم بغير حقٍّ، عندما قال (عليه السلام): ( إِيَّاكَ والدِّمَاءَ وسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلِّهَا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى لِنِقْمَةٍ، ولا أَعْظَمَ لِتَبِعَةٍ، ولا أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَةٍ، وانْقِطَاعِ مُدَّةٍ، مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا) . وإن حصل سفكك دماً لخطأ أو ضربك شخصاً بالسوط أو الكف فعليك أن تدفع الدية لأهله، عندما قال عليه السلام: (وإِنِ ابْتُلِيتَ بِخَطَأ، وأَفْرَطَ عَلَيْكَ سَوْطُكَ أَو سَيْفُكَ أَو يَدُكَ بِعقُوبَةِ، فَإِنَّ فِي الْوَكْزَةِ فَمَا فَوْقَهَا تَطْمَحَنَّ بِكَ نَخْوَةُ سُلْطَانِكَ عَنْ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ حَقَّهُمْ ) .

 

صباح شاكر العكام

..........................

مصادر البحث:

1- نهج البلاغة- تفسير الشيخ محمد عبدة – المكتبة العصرية – بيروت.

2- عبقرية الإِمام علي- عباس محمود العقاد – منشورات المكتبة العصرية – بيروت .

3- الإِمام علي صوت العدالة الإنسانية – جورج جرداق - ج1- دار ذوي القربى – قم .

 

حاتم حميد محسنتواجه الشركات اليوم خياراً وجوديا، هي اما ان تحتضن وبقوة "رأسمالية اصحاب المصالح" (stakeholder capitalism (1 والالتزام بالمسؤوليات المصاحبة لهذا الخيار عبر اتخاذ الخطوات الفاعلة لتحقيق الأهداف الاجتماعية والبيئية، او الالتصاق بـ النموذج القديم لـ"رأسمالية اصحاب الاسهم" shareholder capitalism الذي يفضّل الأرباح القصيرة الأجل على كل شيء آخر وفيه تبقى الشركات تنتظر العاملين والزبائن والناخبين لفرض التغيير عليها من الخارج.

هذا التقييم ربما يبدو قاسيا وصادرا من شخص ما يعتقد دائما بالدور الحيوي للشركات في الاقتصاد العالمي، ولكن في الحقيقة، لا خيار غير ذلك. التأثيرات البيئية اتسعت الى ما وراء امكانية تحمّل الارض. الانظمة الاجتماعية تتصدع. الاقتصاد لم يعد يحقق نموا عادلا. الاجيال الشابة لاتقبل اليوم بما تقوم به الشركات في تحقيق الأرباح على حساب الرفاهية الاجتماعية والبيئية الواسعة. مع ادراكنا بان اقتصاد السوق الحر ضروري لخلق تقدم اجتماعي و تنمية طويلة الأجل، ولا يجب ان نستبدل ذلك النظام، ولكن الرأسمالية في شكلها الحالي وصلت الى حدودها القصوى. وهي مالم تباشر الاصلاح من الداخل، فانها سوف لن تتمكن من البقاء.

من أصحاب الأسهم الى أصحاب المصالح

في السنة الماضية، أعلنت منظمة المائدة المستديرة، وهي منظمة تمثل العديد من الشركات الامريكية الكبرى بانها تريد الانتقال من اتجاه هيمنة أصحاب الاسهم الى اتجاه يتم فيه تبنّي مصالح كل الاطراف. انها أعادت تعريف هدف الشركة في تعزيز "اقتصاد يخدم كل الامريكيين" وليس فقط من يملك الأسهم.

الرؤساء التنفيذيون للشركات الذين وقّعوا على بيان المائدة المستديرة كانوا بمثابة التجسيد الحقيقي للرأسمالية الامريكية. كان هناك 181 رئيس شركة وقّع على البيان. هذا الإعلان جوبه بردود افعال متباينة. البعض رآه فقط كمناورة لمواجهة الضغط من اليسار الصاعد. آخرون تجاهلوه كحركة مخادعة ورمزية تفتقر للافعال الملموسة. يسأل المشككون كيف يمكن لشركة ان تدّعي انها أجرت تغييرا كبيرا اذا كانت تقاريرها الفصلية لاتزال تركز على تعظيم الارباح؟ لكن هذا الشك يسيء فهم أهمية التغيير وامكانية تحويله الى تغيير حقيقي. منذ عام 1997، كانت جميع المبادئ السابقة التي وافقت عليها المائدة المستديرة وضعت مصلحة المساهمين قبل كل شيء. التخلي عن ذلك المبدأ كان عملا ثوريا. ولكن صحيح ايضا انه ما لم تُترجم هذه الكلمات الى أفعال جماعية فان الثورة ستكون قصيرة الأجل.

ما هي الشركة؟

اذاً ماذا يجب فعله لضمان ان يكون الانتقال الى رأسمالية اصحاب المصالح حقيقي ودائم؟ للاجابة على هذا السؤال، من المفيد العودة للنظر في نظام الاقتصاد العالمي لما بعد الحرب والدور الذي لعبه عبر الشركات والحكومات والمجتمع المدني والمنظمات الدولية. البعض ربما يعتقد ان الرأسمالية الغربية وضعت اصحاب الاسهم دائما في المقام الاول.غير ان ذلك ليس صحيحا.

كان المنتدى الاقتصادي العالمي قد تأسس قبل خمسة عقود في دافوس لكي يعزز "مفهوم تعددية اصحاب المصالح" multistakeholder concept وهو النموذج الذي برز من معرفة كل من الاتجاهين الاوربي والامريكي للرأسمالية. الشركات الامريكية في فترة ما بعد الحرب سعت الى إنضاج الاعمال والادارة المالية وتحقيق النمو والارباح المثالية. انها جعلت الشركات الامريكية ومفكرو الادارة الامريكيين موضع حسد من العالم. لكن المدراء الاوربيين في ذلك الوقت كانوا ايضا في موقف صحيح. هم تميزوا بالوعي الاجتماعي الذي اتضح في الالتزام العميق تجاه عمالهم وزبائنهم ومجهزيهم. بعض المهنيين أكّدوا من خلال تجاربهم في عدة مصانع، ان العمال ذوي الياقات الزرقاء هم ذوي لياقة وقيمة للشركة مثلما هم زملائهم من العمال ذوي الياقات البيضاء او المساهمين في الشركات التي يعملون فيها.

ان فكرة رأسمالية اصحاب المصالح تجسّد بيان دافوس الموقّع عليه من جانب المنتدى الاقتصادي العالمي الجديد. افتتاحية البيان أعلنت بان "هدف الادارة المهنية هو خدمة الزبائن والمساهمين والعمال والموظفين بالاضافة الى المجتمعات، وتحقيق الانسجام بين مصالح جميع الاطراف".

بيان دافوس يعود في جذوره الى تجربة ما بعد الحرب الاخيرة، لكنه كان ايضا إستعادة لأرشيف تاريخي طويل. الشركات كانت دائما وحدات اجتماعية وكذلك وحدات اقتصادية. في الحقيقة، كانت الشركات تأسست اولا في اوربا اثناء القرون الوسطى كمحرك مستقل لتحقيق التقدم الاقتصادي ولكن ايضا لخلق الازدهار للمجتمع و بناء المؤسسات للصالح العام كالمستشفيات والجامعات وهو ما نسميه "القيمة المشتركة".

لكن هذه الرؤية للشركات لم تلق قبولا عالميا. حيث أعلن في نفس الوقت، الاقتصادي في جامعة شيكاغو ملتن فريدمن عن رؤية مختلفة كليا، "هناك فقط مسؤولية اجتماعية واحدة للاعمال لاغير"، وهي " ان تستعمل مواردها وتنخرط في فعاليات مصممة لزيادة ارباحها". عمل الاعمال، باختصار، كان عملا. فكرة سيادة المساهمين قد وُلدت. وقبل وقت طويل، كانت الفكرة احتُضنت من جانب المائدة المستديرة وقادة آخرون في الحقل.

الحقائق غير المريحة

 كانت رأسمالية المساهمين تبدو حقا متفوقة على رأسمالية اصحاب المصالح. الشركات الامريكية بسطت سيطرتها ، واصبحت هيمنة المساهمين هي العقيدة السائدة في الأعمال الدولية.لكن النمو العالي في الثمانينات والتسعينات، وفي بداية هذا القرن اخفى بعض الحقائق المزعجة. الاجور في الولايات المتحدة بدأت بالركود منذ اواخر السبعينات فصاعدا ، قوة الاتحادات تراجعت بشكل كبير مصحوبةً بتدهور في البيئة الطبيعية مع تحسن الاقتصاد. والحكومات وجدت من الصعب جمع الضرائب من الشركات متعددة الجنسية. كل تلك المشاكل اجتمعت في الازمة الحالية وان الجواب المهم الوحيد هو العودة الى رأسمالية اصحاب المصالح التي كانت استُبدلت بنموذج المساهمين.

في العقود الاربعة منذ الثمانينات، تزايدت بشكل كبير اللامساواة من كل الاشكال. في الولايات المتحدة كان نمو الدخل لدى 90% من الناس الذين هم في اسفل السلّم تقريبا صفر، بينما الدخل لدى الفئة في أعلى السلّم ارتفع خمسة أضعاف. اللامساواة في الثروة زادت بشكل كبير. كانت الميول مشابهة في كل مكان من العالم. في الستينات، كان الرئيس التنفيذي للشركة يستلم 20 مرة اكثر من راتب العمال لديه.اما اليوم، فان الرئيس التنفيذي الامريكي يستلم بمعدل 287 مرة اكثر من متوسط الرواتب.

وفي نفس الوقت، نمت الشركات الرائدة في العالم بشكل متصاعد، مما قاد الى زيادة قوة السوق وتغيير في علاقة الشركات مع الجاليات والحكومات بينما بدا ارتباط الشركات بالجاليات والذي كان عميقا في يوم ما يتضائل بمرور الزمن. وعندما استغلت الشركات بذكاء حقوق الملكية والتحويل السعري العالمي، اصبحت العديد من الشركات المندفعة بتعظيم الارباح غير موثوق بها في دفع الضرائب. ومع نمو القطاع المالي المنفصل عن النمو الاقتصادي، تبع ذلك نتائج قصيرة الاجل وأضرار في الاستدامة الطويلة المدى.

المحصلة الكلية من كل ذلك كان تدهور الروابط بين الشركات والمجتمع. اما الحكومات، التي تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية جديدة باتت غير قادرة على انجاز الاستثمارات المطلوبة، فحُرمت من العوائد الضريبية الضرورية.

اخيرا، وربما الأكثر اهمية، استمرت البيئة تعاني من الفعاليات الاقتصادية المتحفزة فقط لأجل تعظيم الارباح. في دافوس عام 1973، تحدّث الناطق عن نادي روما عن "حدود وشيكة للنمو". بيان دافوس لاحظ ان الادارة "يجب ان تفترض دور الوصي على العالم المادي لأجيال المستقبل" و"تستخدم الموارد المادية وغير المادية التي لديها بطريقة مثالية".

نحن ندرك الآن انه لو بقي استخدامنا لموارد العالم الطبيعية عند مستويات بداية السبعينات، لما واجه العالم ازمة المناخ الحالية. طبقا لشبكة البصمة العالمية Global Footprint Network (2)، كان عام 1969 العام الاخير الذي كانت فيه البصمة (تأثيرالانسان على البيئة) الايكولوجية للبشرية صغيراً بما يسمح بالاستدامة. ولكن منذ ذلك الوقت، كنا باستمرار نتجاوز هذا الحد.الآن، في عام 2020، نحن نستعمل موارد حجمها حوالي ضعف النسبة المطلوبة للاستدامة.

الفرصة الاخيرة

مع تحذير الشباب لنا في كل العالم من التأخير، حان الان وقت إصلاح الخطأ التاريخي. الطريقة الوحيدة لإنقاذ الرأسمالية هي في العودة الى نموذج أصحاب المصالح، الذي اكتشفناه ونسيناه منذ عقود. ولكن مع الموقف الاجتماعي والاقتصادي والبيئي الحالي الذي هو اسوأ بكثير مما كان، سنحتاج اكثر من اي وقت مضى لخلق تغيرات تذهب أبعد من الكلمات. ولكن كيف يمكن القيام بهذا؟

في البدء، الشركات ومساهموها يجب ان يتفقوا على رؤية بعيدة المدى حول اهدافهم وآدائهم، بدلا من جعل النتائج الفصلية للشركة تقرر كل شيء. من هنا، يجب على الشركات ان تتبنّى التزاما ملموسا لدفع أسعار عادلة، ورواتب وضرائب في الاماكن التي تعمل بها. واخيرا، يجب علينا ان ندمج المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة في انظمة المراجعة والتقارير الرسمية للشركات.

هذه الخطوات سوف تتطلب تغيرات كبرى. لكن البديل عن ذلك سيكون اصعب واكثر ألماً. الشركات ستُجبر بواسطة الاجيال الجديدة من العمال والمستهلكين والناخبين على تغيير طرقها سواء رغبت بذلك ام لم ترغب. العديد من الشركات التي ترفضها هذه المجموعات سوف تضمحل ببطء، او ان الحكومات قد تتخذ اجراءً ثقيلا في فرض العقائد الجديدة وإعادة تأكيد نفسها كمرشد ضخم في الاسواق.

اذا كانت الشركات تريد تجنّب هذه السناريوهات، فان عام 2020 سيكون عاما مصيريا. في منتدى الاقتصاد العالمي، سوف يستمر التشجيع والحث على رأسمالية المصالح مع التزام واضح وملموس لجعلها شاملة ودائمة. هذه ربما الفرصة الأخيرة لإصلاح الرأسمالية من الداخل.

 Capitalism must Reform to survive الشؤون الخارجية

 Foreign Affairs Jan/Feb 2020

 

حاتم حميد محسن

....................

الهوامش

(1) في هذا النظام تتجه الشركات لخدمة مصالح جميع الاطراف ذوي العلاقة بالشركة والذين هم المستهلكين والمجهزين والعاملين والمساهمين والجاليات المحلية. في ظل هذا النظام يكون هدف الشركة هو خلق قيمة طويلة الأجل وليس مضاعفة الارباح او تعزيز قيمة المساهمين على حساب مصالح الجماعات الاخرى. المؤيدون لرأسمالية اصحاب المصالح يعتقدون ان خدمة مصالح جميع الاطراف وليس فقط اصحاب الاسهم، هي ضرورية للنجاح الطويل الأمد لأي شركة.

(2) Global Footprint Network هي منظمة تتألف من عدد من الخبراء والباحثين المستقلين، تأسست عام 2003 في الولايات المتحدة وبلجيكا وسويسرا. هي نشأت في الاصل كمنظمة خيرية غير ربحية في كل من تلك الدول الثلاث. هذه المنظمة تضع ادوات ووسائل لتطوير الاستدامة بما فيها الاستدامة البيئية، حيث تقيس كمية الموارد التي نستعملها والكمية المتبقية لدينا. تلك الوسائل تهدف الى جلب الحدود الايكولوجية الى مركز صنع القرار.

 

مجدي ابراهيم(17)

لم تكن المقالات التي سُقْناها فيما تقدّم، وعددها ستة عشر مقالة، بالتي تخرج عن قصدنا في إطار قراءة لغة الخطاب الصوفي مقارنة بموقف الوضعية المنطقية من اللغة؛ لنبيَّن أن للألفاظ ميتافيزيقاها وأن لدلالات تلك الألفاظ مجازاً تفرضه اللغة الشاعرة كما توجبُه اللغة الرمزية للخطاب الصوفي، وأن قراءة هذه اللغة يَستلزم افتراق دلالة الإشارة الباطنة عن ظاهرها اللفظي، ويتطلب استنباط الإشارة الخفيّة من العبارة العادية. وعليه؛ يمكن استخلاص أهم النتائج من وراء كتابة هذه المقالات.

النتيجة الأولى: إذا نحن عدنا إلى ما بدأناه قلنا: ليس يكفي اللفظ أن يأتي ليحدِّد معنى، ولكنه يأتي ليشير إلى معنى محدَّد، بقدرات الفهم، والعقل، والتذوق، وبقدرات أخرى مما لا يحصى في باطن الإنسان تشترط في تحقيقها جودة إخراج "الماورائيات" المتبقية بعد إيضاح المعنى من وراء اللفظ (أعني الاستنباط).

والألفاظ المفتوحة هى المشار إليها من ممالك السماء، تتسع وتمتد حتى لكأنها تشمل الكائنات كلها، وهى من بعدُ في مزيد من الاتساع والامتداد كلما اتسع معناها وازداد.

ولتوضيح ذلك، نودُّ أن نكرِر العبارة تكرار تبيان واستفهام؛ فإننا لا نستفهم ولا نَتَبَيِّنُ لها من أحكام إلاّ حينما نوضحها بمثل هذا التكرار: " ليس يكفي اللفظ أن يأتي ليُحَدِّد معنى، ولكنه يأتي ليشير إلى معنى محدَّد. هذا المعنى المحدَّد مرتبط بقدرات الفهم أو إنْ شئت قلت، مرتبط بالقدرات التي خلقت من المعاني ما خلقت، وأوجدت منها ما أوجدت، ثم سَنَّتْ لها ألفاظاً تجيءُ لتفرّغها فيها تفريغاً يتسع لمعناها المراد أو لا يتسع حسبما تتصور هى وكيفما تتوهم ما تتوهَّمَه من جنس "ربط المعاني بالألفاظ".

ومرة ثالثة، نكرِّر العبارة نفسها: ليس يكفي اللفظ أن يأتي ليحدِّد معنى، ولكنه يأتي ليشير إلى معنى مُحدَّد. والفرق بعيدٌ جداً بين القولين، أو بين قول واستدراكه في العبارة السالفة. فلئن كنتُ أقول: إنّ اللفظ يأتي ليحدِّد معنى، فكأنما أفترض أن المعاني لا توجد إلاّ بوجود الألفاظ الدالَّة عليها، وإذْ ذَاَكَ ألغي أسبقية المعاني الكامنة وراء الألفاظ، وبالتالي ألغي وجودها الميتافيزيقي. ولكن عندما أقول: إنّ اللفظ جاء ليُشير إلى معنى محدَّد؛ فكأنما أريد أن أقول إنّ اللفظ موضوع في موضعه الذي خُلق لأجله وهو تحديد المعاني التي لا تحدُّ إلاّ به في موضع التحديد، وهى مع ذلك تبقى معانٍ لو شئت لها فتح اللفظ كلما اتسعت أمامك الرؤية.

فلا أنا هنا كنتُ لاغياً لأسبقيتها ووجودها "الميتافيزيقي"، ولا أنا اكتفيتُ منها بالقشرة الخارجية والسطح البرَّانيِّ، ولا أنا عَطَّلت من مرماها ومعناها ما يمكن لي أن أتلمَّسه خارج حدود اللفظ، ضاق إنْ شاء معي اللفظ أو اتسع.

فإنّ اللفظ الموضوع في موضعه إنما هو لفظ يأتي ليحدِّد المعاني التي لا تحَدَّ إلاّ به حين يُراد من المعنى التحديد بعد الإطلاق، ولكنها (أي المعاني) تبقى "معان" ببقاء مَنْ يقدر على تلمُّس المعنى خارج حدود اللفظ ومن ورائه، أعني خلف حجاب الكلمات.

وهذا هو بالضبط ما نعنيه بميتافيزيقا الألفاظ الدالَّة على معان معقولة حسب اصطلاح الفارابي في كتاب (الحروف، بتحقيق محسن مهدي، ص 148)؛ وإنما دَلَّتْ على معانٍ معقولة أو متصوَّرَة؛ لأن الذهن يتخطى فيها ترتيب الألفاظ على اللسان إلى حيث معانيها المعقولة التي هى في النفس. فإذا كان ما يتخطى إليه الذهن عن الأشياء التي رُتبت معاني معقولة, وكانت هذه (أي المعاني المعقولة) ليس يمكن أن يُتخطى إليها بألفاظ فقط يُسبق ترتيبها، فبالضرورة يلزم أن تكون الأشياء المرتبة (أي التي ترتَّبت في الذهن) ليست ألفاظاً، لكنها معاني معقولة.

ولكل قدرة عقلية فَهَّامة للألفاظ ومعانيها أن توسِّع من الدلالات فيها ما تشاء بالطلاقة أحياناً، وبالتجوِّز والاستعارة أحياناً أخرى، فلا تقييد هناك على عقل ولا حجر على فهم إذا اتسعت أمامه المعاني يولِّدها من ذاته توليداً خلاَّقاً مُلهماً منها بمقدار ما يفهم، وبمقدار ما يعقل، وبمقدار ما يحسُّ ويشعر، وبمقدار ما اتسعت رؤيته الخاصَّة أمام قانون التأويل.

ولربما أعجزنا اللفظ في كثير من الأحيان عن التعبير عمَّا تجيش به مشاعرنا وخفايانا وضمائرنا، فلا نلبث إلاّ أن نسلِّم الأمر كلَّه للمعنى كما هو دون تقييده بلفظ محدود. والإحساس في مثل هذه الحالات يتحوّل في طوايا النفس الشاعرة إلى معنى ليس له حدُّ فيُعْرَبُ عنه ناطق بفم !

ومن منَّا لم يمر بحالات من الفرح والتَّرح ومن النشوة والسرور، ومن الغبطة والألم، ومن القبض والبسط، فلا يملك أمام هذه الحالات غير أن يردِّد بين جوانح ضميره قائلاً: "أعجزني اللفظ عن التعبير عمَّا أنا فيه". وهذه الجملة نفسها ليست بسيطة ساذجة، ولكنها "حالة نفسية" تدلُ على معنى ضخم كبير لا يحتويه اللفظ لما فيه من ثِقل المعنى؛ الأمر الذي يدعو إلى القبض، أو لما ينطوي تحته من توهج المعنى الداعي إلى البسط، كائنة ما كانت درجة ثقله أو توهجه، بين حالة ترتفع فيها النفس فتسبح عالية عن واقعها المعاش المحدود، وحالة أخرى تهبط فيها هبوط الحسرة والتألم من وقائع الأحياء، بغير استثناء واقع النفس ذاتها.

وليس أدَلُّ على ذلك من تأمل حالتين في النفس البشرية: الحالة الأولى قابضة، كما في "الموت". والحالة الثانية: باسطة، كما في "الحبّ". ولربما اختلطت الحالتان واتحدتا في لحظة واحدة، هى "لحظة الحبّ العنيف" حيث فناء التفكير والتعبير!

أما النتيجة الثانية: فتصل بنا إلى تحقيق الهدف من وراء كتابة تلك المقالات، لنلخِّصه في هذه العُجالة فنقول: ليس صحيحاً صحة مطلقة ولا حتى نسبيِّة، فيما لو وضعنا لغة الخطاب الصوفي في مواجهة ما كان يرمي إليه فلاسفة التحليل ممَّن دانوا بمذهب (الوضعية المنطقية logical positivisms)؛ من ضرورة تقييد "المعنى" بدلالته الحسية الواقعية وكفى ! إنهم ليجزمون جزم الواثق المطمئن على أن كل عبارة ميتافيزيقية هى من أحد هذين النوعين؛ فهى إمّا مشتملة على كلمة أو كلمات أتفق الناس على أن يكون لها مدلول بين الأشياء المحسوسة، أو مشتملة على كلمة أو كلمات أتفق الناس على مدلولاتها، لكنها وُضعَت في غير السياق الذي يجعلها تفيد معناها، وإذا فالعبارات الميتافيزيقية فارغة من المعنى؛ وليس لنا بدُّ من حذفها من قائمة الكلام المقبول؛ وهذا نفسه كلام غير مقبول !

لقد عرض الأستاذ العقاد لكتاب "المنطق الوضعي" للدكتور زكي نجيب محمود؛ فقال خلاصة المذهب الوضعي في بضعة سطور:  "أن المعنى لا يكون إلا لأحد شيئين: واقعة محسوسة أو عبارة من قبيل تحصيل الحاصل كإعادة المعنى بعبارتين مختلفتين، أو كقولنا 5×5= 25؛ فإن خمسة في خمسة هى بعينها خمسة وعشرون مكررة بعبارة أخرى، وما لم يكن المعنى واقعة محسوسة أو تحصيلاً للحاصل على هذا الأسلوب, فهو "لا معنى" أو هو مقابل لعبارة "الكلام الفارغ". فهذا هو مذهب المنطق الوضعي في بضعة سطور.

أمّا الرد عليه كذلك في بضعة سطور فقد استعاره العقاد من الدكتور "إريك جنجر" الذي قال إنّ المنطق الوضعي بهذا القياس نفسه "كلام فارغ"؛ لأنه لا يقوم على واقعة محسوسة ولا على تحصيل حاصل. وقول المنطقيين الوضعيين إن المعنى إمَّا أن يكون واقعة أو عبارة مكررة هو حكم فكري كسائر الأحكام الفكرية، ومنها قولنا إنّ المعاني لا تنحصر في الوقائع ولا في الحاصل المُعَاد بعبارتين متساويتين.

وزاد "العقاد" على هذا تفنيداً من عنده حين راح يقول إن الإنسان يستطيع أن يجزم بحقيقة لا صورة لها في الخارج على الإطلاق، بمعنى أنه ليس لها وجود في الواقع الحسي؛ لأنه يستطيع أن يقول "إنّ العدم مستحيل" ولا يمنعه من تقرير ذلك أن المحسوسات خلت من شيء يُسَمى العدم أو شيء يُسَمى المستحيل. ومن كان لا يجزم بأن العدم مستحيل، فعنده على الأقل أن العدم ممكن؛ ويجب عليه حينئذ أن يُفسر هذا الإمكان بالواقع المحسوس أو بتحصيل الحاصل، بل يستطيع الإنسان أن يقول إن "العدم مستحيل"، وأن ينتهي من هذه القضية إلى قضية أخرى وهى قوله:"إن الوجود أبدي لا أول له ولا أخر", وإن هناك موجوداً لم يكن معدوماً قط من الأوقات ويتقرَّر له من هذا الطريق شيء اسمه "الأبد" لا تقع عليه العين ولا يذهب الفكر إلى إدراك أوله أو آخره؛ لأن أوله لم يكن وآخره لن يكون ..!

فهاهنا فرقٌ كبيرٌ جداً بين تعريف المعنى أو الإقرار بوجوده، وذلك حين نجزم بوجود حقيقة لا صورة لها في الخارج، وبين انعدام المعنى ونفيه على الإطلاق؛ فإن المعنى؛ ولو فيما نراه نحن؛ أرفع وأسمى من أن نقصره على إشارات الواقع، فيما يشير إليه اللفظ المعين إلى شيء حسيِّ هو من دنيا الواقع ولا يزيد؛ فلا يكفي أن نحدَّ المعنى بأنه الإشارة إلى الحسّ من خلال الألفاظ المشيرة إليه، وإلا شطبنا بجرة قلم خبيثة على توجُّهات الروح الإنساني وعالم القيم ومسائل المصير. ولا يكفينا أن نحدَّه بأنه "التصوُّر الذهني" أو "المفهوم". ولا يكفينا مرة ثالثة، وهو الأهم والأخطر؛ أن نقول إن:"الجملة ذات المعنى هى التي تتضمن بطريقة مفرداتها وتركيبها، إمكان التحقق العلمي من صدْقها، وإلاّ فهى جملة بغير معنى..!!".

لا يكفينا من هذا ومن ذاك، أن نقيِّد المعنى بتلك الدلالات الواقعية ثم ننسى أو نتناسى أن اللفظ المفتوح هو ما يحمل من غرض وما يؤدِّي من وظيفة، ثم يبقى بعد هذا سياقه "المُعْنيِّ" سابحاً في توجُّهات الرُّوح الإنساني، يرتفع ما ارتفعت الأفهام والأذواق عن دنيا الواقع ومحدودية الواقعيين!

وعلى ما في الوضعية المنطقية من طرافة وجدية تصل إلى حد الصرامة المنهجية حيث تُجنِّب التفكير الفلسفي أسباب الغموض، وتدعو الفلاسفة إلى تحديد ألفاظهم وتحليل عباراتهم في محاولة تخليص العقل من أشباه المشاكل، غير أنها من جهة أخرى حين تحصر الفلسفة كلها في نطاق التحليل اللفظي والأشكال اللغوية وحدها وتستبعد قضايا الميتافيزيقا والأخلاق؛ فإنها إنما تقضي على خصوبة الفكر البشري وتنتهي في خاتمة المطاف إلى قتل الفلسفة نفسها، وحرمان التفكير الفلسفي من كل مضمونه، واستبدال قضايا الفلسفة الحيوية الهامة ببرنامج هزيل لا يؤدي إلا إلى إجداب الفكر.

ومهما اعترفنا بأهمية التحليل اللغوي فلا نستطيع, حسب نصّ الدكتور زكريا إبراهيم, أن نجبر الفكر البشري على الوقوف عند هذه التحديدات اللفظية والتحليلات المنطقية؛ لأن الفكر البشري في حاجة إلى فهم العلاقة القائمة بين نظام الأفكار وترابطها من جهة؛ ونظام الأشياء وترابطها من جهة أخرى. فليس ثَمَّة مُسَوِّغ لحرمان العقل الإنساني من التفكير في طبيعة العالم، والدلالة الموضوعية للمعرفة البشرية، والصلة بين الفكر والواقع، اللهم إلا إذا حكمنا منذ البداية بأن العالم نفسه ليس سوى مجرد تركيب عقلي أو بناء منطقي، يصطنعه كل فرد منَّا بالاستناد إلى خبرته الحسيّة. ولكن هذا بعينه هو موضع الإشكال الفلسفي؛ فليس في وسع الوضعية المنطقية أن تستبعد الميتافيزيقا، اللهم إلا إذا سَلَّمَت بنوع من "المثالية الذاتية" وكأن العالم المادي هو مجموع من البنايات المنطقية".

إنّ في اللفظة المفتوحة أجواءً تملأ النفس بنسيج المعاني "الفَوْقانيِّة"، بمقدار ما فيها من أجواء رحبة لمعانٍ خصبة من شأن من يتأمل ذاته ويستبطن دخيلته أن يدركها ويتمثّلها، وأن يقف عليها ويَسْتَكْنه حقائقها لو شاء أن يعرف ما للحقيقة من "تجريد" بغضِّ النظر عن وجودها الواقعي ممَّا من شأنه أن يُلمس باليد وينال بطرائق النظر المحسوس.

فليس الوجود الواقعي بقضِّه وقضيضه كافياً لاستجلاء الحقائق، كما هى عليه في عين وجودها واستتار جواهرها وإلاّ لكنَّا ضربنا بعالم الباطن عَرض الحوائط أجمعين، وعوَّلنا على الظاهر من الحياة والأشياء كل التعويل. وإنك لواجد من وراء اللفظ المفتوح جلالة الفكر ورحابة المطلق وأصالة الجوهر، على مقدار ما تجد أغوار الدخائل الرُّوحيَّة الباطنة تتحقق في عالمها حينما تتحقق في نفوس أهلها وقلوب أربابها القادرين على النفاذ إلى أسرارها والإمساك بزمامها كنفاذِ الحسّ وإمساك الملموس.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

رحيم الساعديجورج ديميتريوس

ترجمة: د. رحيم الشياع الساعدي

كثيرا ما أتساءل كيف يمكن تجاهل القوة النبوية أو الثاقبة للفلاسفة الإغريق القدامى، مثل إيشيلوس أو سقراط أو أفلاطون، الذين تنبأوا بدقة بصلب (المسيح) ....

(البروفيسور جورج ديميتريوس، الأستاذ الفخري بجامعة أثينا، الذي وصف افلاطون بأنه "أشعياء الهيلينية"! ..)

...................

نحن بلا شك نعيش في عصر الخلاف الكبير والإطاحة بكل القيمة الإنسانية. كل شيء هو عملية تقليل للقيمة فالعادات تتغير، وتقاليد الهلنستية تتخذ الآن طابعًا شكليا، من السيء إلى الأسوأ ... وكأن هذا لم يعد كافيًا، فان بعض العاملين في التلفاز والذين لم يترددوا في تسمية أنفسهم "مبعوثو الرب لإنقاذنا من شياطين الهيلينية الشريرة، (العبودية المستنيرة ...) ان لدى هؤلاء القدرة على تكبير الشخصيات وتعميدها على معمودية التلفزيون، مما أدى إلى السخرية من جميع أنواع البث التلفزيوني، وبالتالي، فإن النضال الذي نفعله منذ عقود من أجل حفظ الروح اليونانية، هو في خطر من أن تطغى عليه التناقضات المتنامية والتي تجبرنا على "غسل دماغ" الأطفال ودفعهم إلى مسارات أخرى .

وأتساءل كيف تتشابه برامج التلفاز النفسية بالعقاقير الروحية، وفي الوقت الذي نلاحظ فيه شبابنا، غير القادرين على مقاومة القصف التليفزيوني المستمر، من قِبل هؤلاء الأسياد، الذين تنطبق عليهم المقولة المشهور لأسلافنا: "نحن حريق ميت". ولكن دعونا نترك الأمر ودعونا نصل إلى وجهة نظرنا.

لنأتي إلى موضوعنا الرئيسي، وهو نبوءة أفلاطون، ينبغي أولاً أن نقرأ بضع كلمات عن حياة الفيلسوف اليوناني العظيم، وستكون من خلال منشورات الصبا لصديقي العزيز، أوديسيز هاتزوبولوس، والتي سنبدأ قريبًا تعاونًا جديًا الغاية منها نشر بعض الكتب من قِبل الكاتب، فهناك الكثير من المحررين الآخرين يرغبون بالحصول عليها والتي لا يمكنهم الحصول عليها:

ولد أفلاطون في 427 قبل الميلاد. في أثينا أو حسب بعض المعلومات، في إيجينا. كان والده أريستون ينحدر من جيل قديم من قبيلة إيجيس. على العكس من ذلك، تنتمي والدته إلى واحدة من أبرز العائلات في أثينا، "وقد كانت أخت هرميديس، أحد الحكام العشرة الذين وضعوا (الثلاثين )، وابن عم كريتيا، أشهر شخصيات الثلاثين والدته جاء نسبها من سولون.

ولا تشر أعمال افلاطون أبدًا إلى جيل والده، ربما لأنه لم يلعب أي من أعضاء جيل والده دورًا مهمًا في الدولة الأثينية. وبالنسبة لوالدته، فإنها غالباً ما تفتخر بأقاربها البارزين وفي الدولة.

ويقدم افلاطون إخوته أيميدمانوس وغلاجكوس، كمحاورين لسقراط، وكانا يرغبان في ابراز براعتهم وشجاعتهم ومبادئهم الأخلاقية.

كان افلاطون شخصية استثنائية لصقت بها العديد من الأساطير والمراجع فيما بعد لعدد من الكتاب كما هو حال بلوتارخ، الذي ينسب أصل افلاطون للإله أبولو.

ولدينا القليل من المعلومات المقدمة عن هذا الموضوع فقد: "قال النحوي ديونيسيوس، مدرس الأدب والشعر أن أفلاطون درس الموسيقى ولقب بأفلاطون لأنه كان واسع الصدر والجبين.

وفي سن الشباب كانت بدايته مع الشعر الملحمي (حتى كتب بعض القصائد الملحمية)، ثم كتب رباعية مثيرة، ولكنه عندما سمع تعاليم سقراط، حول 407 قبل الميلاد،، قال افلاطون انه كرس نفسه للفلسفة.

وبعد وفاة سقراط ذهب إلى ميغارا وإلى إقليدس، مؤسس المدرسة الميغارية ومن هناك سافر إلى مصر، وجنوب إيطاليا وآسيا وانتهى في اليونان العظمى وصقلية والتقى الطاغية ديونيسيوس الأكبر.

ثم أسس مدرسته الفلسفية الشهيرة الأكاديمية Academia، وسميت بهذا الاسم لأنها بنيت في منطقة مخصصة لبطل الأكاديمية. هناك كان يدرس لنحو 42 عاما متواصلة في الحياة العامة. غادر مرتين من أثينا وذهب إلى صقلية إلى الطاغية ديونيسيوس، (وهي المرة الأولى على صغر سنه) لإقناعه بتبني المثل الأعلى للنظرية السياسية، والثانية للتصالح مع ديون .

وتوفي في أثينا عام 347 قبل الميلاد ودفن في كيراميكوس، بالقرب من الأكاديمية. وقد ظل قبره حتى وقت بوسانياس.

كل من يقرأ كتابنا "يسوع المسيح: الهلنستية - المسيحية"، الذي لم يعد بعضهم يعرضه على شاشات التلفزيون، سيرى شيئًا واثقًا من أنه سيثير إعجاب العالم، حيث سنقرأ فيه بعض تعليقات المحاضر الجامعي الكبير والمتأخر ليونيداس الأول أستاذ المدرسة اللاهوتية بجامعة أثينا، والذي سيذكّرنا بادلته لأثبات القوة النبوية لأفلاطون، والتي يتحدث فيها (افلاطون) عن صلب المسيح بقوله :

"حافي القدمين في البر ... ليس في المحنة، و.... حتى الموت، يجري ظلام الحياة، وإلى البر ... فإن الرجل الصالح قد انتقد، وشوه، بحكم إنه محترق، ". [أفلاطون، الدولة B، IV-V (361 C-361 D)].

هل تريد الآن شرح وقراءة تفسير البروفيسور أعلاه؟

"على الرغم من أن الله المتوقع، الذي سيفتح للعالم اليقظة والنصح، سيكون بارًا وسيبقى غير مستقر في البر، لكنه سيعد من المعادين للشعب وسيعاني من الإذلال والموت على الخشب العالية “! ..

ماذا يجب علينا أن نقرأ حتى نتمكن من الاقناع المتعلق برؤية الفلاسفة اليونانيين القدماء؟

ملاحظة : كل ما ورد من كلمات هي أفكار خاصة بصاحب المقال (المترجم)

 

.........................

* (من موقع Sacket Angel اليوناني)

 

محمد كريم ابراهيمالمقدمة: منذ تأسس الشيوعية على يد كارل ماركس وفريدريك أنغلز وبيان أعلانهم في كتاب "بيان الشيوعي"، حلم جميع المنتمين إليه بثورة عالمية تقام على يد الطبقات الأغلبية من العاملين في الفلاحة والمصانع، ويقومون بهدم كل السلطات الحاكمة من الديكتاتورية والملكية إلى الجمهورية والديموقراطية لإنشاء السلطة الشيوعية وتوزيع منتوجات الدولة بينهم، فيتوحد العمال والفقراء بما سماهم ماركس بالبروليتاريت بين جميع الدول وينشأ حكومة عالمية جديدة على يد الفقراء وطبقات العاملة الأغلبية، يقومون بالقضاء على طبقات الغنية والحاكمة الطاغية من البورجوازية كما لقبهم ماركس.

علم كافة السامعين بالشيوعية خطورته على الحكومات القائمة وتوقع الجميع بإنها سوف تنتشر بسرعة في جميع رقع الأرض. إلا أنها لم تنتشر بشكل واسع إلا بعد موت ماركس بسنوات حيث أبدت إلى ثورة قوية وسريعة غيرت مسار السياسة والأقتصاد اينما ذهبت، كما قال براين ماغي في تاريخ الفلسفة الشرقية " لم تظهر أبداً مثل هذه –أي تطبيق نظرية وفلسفة ماركسية على الواقع- ولن يظهر بعدهُ إذا حل القول في تاريخ البشرية مطلقاً. ليست حتى أنتشار الأديان مثل المسيحية والإسلامية ولا أفكار بوذية يمكن أن يقارن بسرعة أنتشار الماركسية". وتلك سرعة كانت آتية مما كان يوعد العمال والفلاحون به.

نرى أن التاريخ كان بجانبهم لتأييدهم الطبقات الثائرة، ويد أغلبية مساندة لهم من كثرة فلاحين والفقراء، فأرتعد الدول المتطورة الاوربية من أفكارهم، لإنها ولمرة أولى يظهر حزب يكتسب الأكثرية مع استحداث أنقلابات وثورات ضد حكومتهم القائمة. بدأت عندها الأتحاد السوفيتي عام 1919 بإنشاء حركة اسمتها العالمية الثالثة أو الكومنترن (comintern بالإنكليزية وهو أختصار ل communist international  الشيوعية العالمية)،و دعت تلك الحركة لقضاء على طبقات الحاكمة والغنية البورجوازية في كل دول العالم الغربية منها والشرقية وإقامة مجتمع شيوعي يدار على يد الطبقات العاملة الأغلبية.

تابعت الأتحاد السوفيتي جميع تنظيمات الشيوعية الموجودة في العالم ودعتها إلى أنضمام للحركة، فلم يكون أحزاب الدول العربية الشيوعية أستثناء منها.

كان من الواضح لشيوعية أن تنجح في تكوين مقر لها في أراضي العربية وذلك بسبب الفقر البيئي ووجود أعداد هائلة من العاملين مقارنة بالطبقة الملكية الحاكمة. وبذلك سرعان ما ظهرت أحزاب الشيوعية على أبواب العربية في أوائل عقد الثلاثين من القرن العشرون، فبدأت أولى خلاياه في تونس وموريتانيا والمغرب أثر أحتلال الفرنسيين حيث كان مجموعة من جيوشها وضباطها تابعين للحركة الشيوعية، وشيدت أول حزب شيوعي معترف به في فلسطين، فترجموا كتب الماركسية واللينينية إلى العربية ثم طبعت ونشرت في كافة مناطق الشرق الأوسط، وأنضم إليهم عدد لا بأس به من العمال والفلاحون بل كذلك معظم المثقفين وأدباء والكتاب من طبقات الوسطى لعدة أسباب لا يتوازن ذكره هنا،واندمج معهم كثير من نساء وذلك أستجابةً لدعوة الشيوعية بحرية المرأة والعدالة والتحرر.

كانت سمعة شيوعية متعززاً قبل أن تخلق في دول العربية وذلك بعدما كشف أتحاد السوفيتي عام 1917 أتفاقية سايكس بيكو التي جرى بين أمبراطوريات الروسية والفرنسية والبريطانية لتقسيم أراضي العربية بينهم، وأعلن آنذاك تروستكي ببرائة سلطة الروسية الشيوعية جديدة من هذا الأتفاق وحق الشعوب العربية في بناء أمة خاصة بهم مستقلة عن أستعمار الغربي. لهذا السبب ولوجود حالة التمرد ضد الأستعماريين في دول العربية، وقف بجانبهم مجموعة أخرى وهم القوميون والوطنيون الذين يريدون بناء دولة مستقلة لهم وطرد المحتلين من البلاد. ثبتت أقدام الشيوعيين في دول العربية بسبب إدانتهم ومحاربتهم لاحتلال الدول الأجنبية لدول العربية وتحفيز روح الوطنية والقومية في المجتمع العربي، وفي دفاع عن العمال والفلاحين الأغلبية من طبقات السفلى حيث كان هناك كثير من ناس في طبقات السفلى مضغوطين من قبل الطبقات البورجوازية الأقلية في شرق الأوسط.

فجأةً، أصبح للحزب الشيوعية العربية صوتاً في سياسات بلاد العرب وصار مجارياً للأحزاب العريقة الأخرى فضلاً عن إزعاج الملوك والسلاطين الحاكمة، فساندها نصف العرب لصعود إلى السلطة من أجل طرد الغربيين وحكام منتصبين معاً، أنفجرت مظاهرات وثورات ضد أنظمة الحاكمة بمساندة من الأحزاب الشيوعية وحدثت أنقلابات مسلحة عدة لأخذ الحكم بالقوة. إلا أنها لم تفلح، فردت الحكومات على تلك الأصوات بقوى أكبر وبتأثير أشمل. قامت السلطات القائمة في دول العربية بسجن وتعذيب وإعدام قاداتها وأغتيال ناشطين بأسمها وبالملاحقة وطرد المتعاطفين معهم، ففي العراق تقاتلوا مع عبد الكريم قاسم، وفي مصر تنافروا مع جمال عبد الناصر، وفي سودان أصبحوا ضحية لجعفرالنميري، وقتلوا بأساليب متعددة في أيدي تلك أنظمة، منهم من قام برميهم من الأسطح والجسور، ومنهم من قام بحرق الشيوعيين، وآخر لجأ إلى أذابة بعض من قاداتها بالأحماض. يوماً بعد يوم، أزدادات ضعفهم بالعدد وبالقوى، وخملت نشاطتهم السياسية والأجتماعية، وباتت أصواتها تهمس في أذون بدلاً من العلنية الداعية. خافت أغلبية أعضاؤه من هذه العواقب الحكومية، فتلاشوا في القرى والمدن غير رئيسية أخرى أو في الجبال وصحاري أو في دول الأخرى الغربية، وسحب معظم العمال والفلاحون المتعاطفين معها أنضمامهم ورجعوا تحت سيطرة الحكومة القائمة، وحولت النساء اللاتي كانت شيوعيات بالأول إلى الليبرالية التي تضمن نفس العدالة والحرية للمرأة بدون أفكار جذرية معادية للسلطة. رجعت بذلك الحزب الشيوعي العربي إلى كونه حزب الأقلي ذات طابع خفيف وأثر مزيل.

أما اليوم، فهُم ما زالوا يحاولون إعادة أنعاش الشيوعية إلى وقتها العظيم، وإنباته من جديد لحل المشاكل الأجتماعية والسياسية والأقتصادية التي تضرب أغلبية الدول العربية، ونشر بذور الماركسية ولينينة إلى جيل جديد يأمل بالترقي إلى أفضل مما كان عليه أباؤهم وأجدادهم الشيوعيين، ثم التعلم من أخطاء قامت به المنتمين إلى الشيوعية والمطبقين له من القادات والأعضاء والمتأثرين وذلك ليس فقط تجنباً لتلك العلل والعوائق بل تحليلها وتدقيقها وأستخراج نموذج أفضل منها لنهوض بسلاسة وببراقة أكثر هذه المرة.

ما أتطرق عليه في هذه المقال هو تفسير وتحليل لسبب ضعف الحزب الشيوعي العربي آن تكونه، ولماذا لم تستلم السلطة بينما كان لها النجاح مضموناً، وكيف وصل الشيوعيون اليوم إلى ذلك الضعف في بلاد العربية. يتجزء ذلك إلى علتين كانتا ذو قوى المدمرة وهي السبب السياسي لسقوط الحزب، الخارجية منها والداخلية التي كانت السبب الأكبر في عرقلته لإستلام السلطة، والسبب الفكري الأجتماعي الصادر من فكرة الشيوعية نفسها ومؤثر على المجتمع العربي البسيط بشكل لم يكن متوقعاً عند قاداة الحزب وإدراتها بنفسها وكذلك في الأتحاد السوفيتي والكومنترن الناشرين والداعمين لها.

1- السبب السياسي

فوز الاحزاب الشيوعية في نصف دول العالم كانت ناتجة من فكر بسيط قائم في كل ايدلوجيات السياسية وهي: يجب على الحزب السياسي أي كان أن يقف دائماً مع الأغلبية، فأغلبية أصواتهم تهم في كل مجالات السياسية سواء في الأنتخابات أو في دعم مادي وفكري. وكما نرى أن ماركس ان لم يكن محقا بشأن عدة أشياء، فهو كان محقا في شيء واحد، وهو معرفة أن الطبقات العاملة سوف تزداد عدداً على طبقات الحاكمة، فالصراع بين طبقات العاملة سوف تضع الثروات بيد القلة الحاكمة وتبقى يد العاملة تزداد عدداً حتى تصبح الأغلبية العظمى مع مرور الزمن. وكان شيوعيون بلا شك بجانب أغلبية الطبقات العاملة منذ البداية. أكثرية دول العربية آنذاك كانت محكومة من قبل سلاطين أو ملوك أو أثرياء التجار والمالكين للأراضي الزراعية، والأغلبية المجتمعات العربية كانوا يعملون عندهم أما ينفذون الأوامر أو يقطفون الثمار. إذاً توقع بلدان الغربية أن فوز الاحزاب الشيوعية سوف تكون حاسمة في دول العربية (سياسياً على أقل).

الحزب الشيوعي مع الحكومات القائمة

واحد من أهداف الاحزاب الشيوعية هي إسقاط الأنظمة القائمة سواء كانت بالأنتخابات أو بالثورات أو بالأنقلابات العسكرية. علم منشئي الشيوعية ماركس وانغلز منذ البداية أن الحكومة القائمة وكذلك الطبقات الثرية لا تنهار أن كانت طبقات العاملة خاملة ومتوافقة مع الوضع الساري. فمن الواجب أن يتحد الطبقات الفقيرة والعاملة معاً لقيام بثورة كبيرة تلقي بالحكومة الجارية وطبقة الغنية جانباً ويستلم السلطة لنشر العدالة الاجتماعية وإنهاء الصراع بين الطبقات. هذا البيان الواضح والجريء أثار قلق كبيراً في حكومة القائمة آنذاك. فبدأت الحكومات من حافز الخوف من الأنقلابات ومؤامرات تتصرف بعنف ضد أحزاب الشيوعية والمتعاطفين معها، فقامت السلطات بسجن وتعذيب أعضاءها وقتل وأغتيال لكثير من قاداتها لكبت مساندتهم للثورات التي كانت تحصل في بلدان العربية ضد الحكومة. وبذلك الأثر فقدت الأحزاب الشيوعية قوتها وتشتت كثير من أعضاءها إما إلى خارج البلاد أو إلى الوديان والجبال، وأزداد مخاوف الناس في مساندتهم والتعاطف معهم من أن يسجنوا أو يقتلوا أيضاً.

زيادةً عليه، وكونهم في تلك وضع الحرج من ضغوط السلطات، قامت الأحزاب الشيوعية بحملات عسكرية ذات قوى ضعيفة بالعدد وبالمادة ضد القوى الحاكمة القوية نسبياً لها، متمنياً بتسلم السلطة بأيديهم. وحملوا تلك الحملات البدائية في شتى البلدان التي كانت في خضم أضطرابات سياسية وأمنية وأنفذهوا في عدة ثورات عربية لينتهزوا غضب الشعوب العربية على الحكومات من أجل عمل أنقلابات عسكرية.

فشلت تلك الثورات العسكرية كما كان من المتوقع لها وأنقلبت عليهم، فقامت السلطات بعمل حملات عسكرية ضدهم وبدأوا بالبحث والأقصاء عليهم من المدن العربية الكبرى.

أتخاذ الأحزاب الشيوعية تلك القرارات العسكرية وسياسية الخاطئة التي أتت في وقت غير مناسب بشأن الحكومات والأنظمة القائمة آنذاك هي التي حلت دماء قاداتها وأعضاءها بأن تسفك بيد الحكومات العربية، وضئلت من فرصة ظهور أحزاب الشيوعية إلى السلطة القيادية وقد كانت قبل ذلك لها دور مميز وجيد من نصيب الحكومة (في العراق خصوصاً).

الحزب شيوعي مع الدول الغربية

والأهم من تلك أسباب هي ضغوطات الأجنبية التي أتت من دول المعارضة للشيوعية وأهمها الأمريكية والبريطانية التي كانت في حروب دامية مع الأتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية. الشيوعية أسست أنعكاسا ومعارضتاً على الرأس المالية، وهي كانت تحرض مواطني دول الرأس المالية وخصوصا المتطورة منها الأمريكية والبريطانية والألمانية على قيام بثورات ضد تلك الحكومات القائمة. والأمر التالي كانت حداثة تكتيكات الشيوعية حول توسيع أمبراطوريتها; تكونت الأحزاب الشيوعية العربية بمساندة من الشيوعية الروسية مهدفة إلى تقديم أفكار الحديثة وثقافات وقيم شيوعية إلى الشعوب العربية، فهي بذلك تقوم بربط أمبراطوريتها من داخل البلد وليست من خارجه، أي بمعنى أن الشيوعيين لم يكونوا بحاجة إلى أحتلال البلدان بقوة من أجل تفريض أمبراطوريتها مثلما كانت تقوم به أمبراطوريات البريطانية والأمريكية. وذلك لأن السبب الأساسي في فشل الامبراطوريات القديمة والحديثة في توسيع أمبراطوريتها للدول الأخرى هي أن سكان تلك الدول لم يقبلوا الحكم من قبل دول أخرى وعارضوا سلطات الامبراطورية المفرضة عليهم، ويرجع ذلك إلى وجود أختلافات جذرية في سياسة وأقتصاد والثقافة والدين دول الأخرى عن الدولة المحتلة. ما كان يحاول الشيوعيين قيام به هو تغيير الأفكار والقيم الجذرية لتقليل من تلك الأختلافات الموجودة بينهم بعمل حملات أعلانية وأحزاب ذات قاداة عربية أصيلة تحرض على أستقلال والقومية الوطنية وطرد المحتلين الأجانب من البلاد وتضمين العدالة الأجتماعية والوعود بالنمو السياسي والأقتصادي، وهي بذلك قد قامت بخمد المقاومات التي كانت تحصل من الشعوب ضد الأجانب. عجزت الأمبراطوريات الأخرى عن القيام بذلك، فهم كانوا مكرهوين من شتى نواحي ومنبوذين من قبل سكان الأصليين للأرض على عكس الشيوعيين. قام الأمريكان بمحاربتهم من خلال التحالف مع الحكومة الداخلية وسلطات الدولية بتوفير وسائل متعددة منها تدريب قاداتهم على كيفية محاربة الشيوعية والماركسية، ثم من خلال التجسس والأستخبارات السرية لكشف خططتهم المستقبلية، بعدها أتوا بوسائل أخرى لا مجال هنا لذكرهم.

أنهيار الكومنترن والأتحاد السوفيتي

ثم بعد ذلك، أتى حدثين مهمين من الغرب التي أدت إلى هزل الحزب الشيوعي سياسياً ومادياً وإدارياً. تحلل الكمونترن عام 1943 وسقوط الأتحاد السوفيتي الروسي عام 1991.

الأولى كانت تدعم الأحزاب الشيوعية في شتى دول العالم، فهي وفرت الأموال والأسلحة للحزب الشيوعي العربي وقامت بتعليم وتدريب كبار قاداتها على كيفية قيادة الحزب وأعطت لهم الأوامر والقرارات بشأن عدة أوضاع التي كانت تحصل في بلاد الشرق الأوسط. وثانية كانت لها دوراً معنوياً كبيراً وكانت تمثل عاصمة لأمبراطورية الشيوعية، فنظرت الأحزاب الشيوعية الأخرى في بلاد عليها وحاولت تقليدها في الأمور السياسية للوصول إلى ما وصلت إليها...

توقفت تمويل الأحزاب الشيوعية العربية عند أختفاء الكومنترن (أو على أقل هذا ما قيل) وطالبت الأتحاد السوفيتي الأحزاب الشيوعية العربية بسعي نحو أستقلاليتهم والأعتماد على أنفسهم وعلى أعضاءهم وقاداتهم. ولكن كما توقعوا، وأتي المتوقع منجرفاً نحوهم، فعانى الحزب من نقص مادي محرج ولم يقدر أي من أعضاءها توفير المستلزمات المالية والعسكرية لإلباء حاجاتها، وكان هذا المتوقع لإن أغلبية أعضاء الأحزاب الشيوعية هم فلاحين وعمال وعامة الفقراء، أما الأثرياء وذو المناصب لم يشكلوا النسبة الكبيرة منهم وذلك بسبب الهدف الجوهري المضاد الذي قام به الشيوعية مع الطبقات الغنية والحاكمة. بعبارة أخرى، لم يكونوا مدعومين من قبل كبار الشخصيات وأثرياء في دول العربية مما أضاف إلى خفة أصواتهم.

مع ذهاب الأموال، قلت الحملات الأعلانية وتنويرات العلمية والثقافية، وتبرأت أعضاءها منها، ونزلت قوتها العسكرية والسياسية بشكل عام. وأنهيار الأتحاد السوفيتي لا شك أعطى إشارة سيئة للعامة بأن الاحزاب الشيوعية لا تمثل حلاً لصراع السياسي بين مكوناتها.

بالأضافة إلى ذلك، لم يقدر أغلبية جماهير الحزب الشيوعي العربي على تصرف بطريقة مفيدة حيث كان معظمهم كما قلنا فلاحون وعمال فقراء فكرياً ومادياً، الأمر الذي جعل عائقاً في تواصل بشكل واضح بين إدارة الحزب وأعضاؤها. فخفت أصواتهم وتصرفاتهم تجاه الملوك والحكام وضعفت قدرتهم أكثر على مواجهتهم في أوقات الحاسمة. جعل كثرة الجهالة والأمية المنتشرة بين أعضاء الحزب أن يقوم قاداتها بالأنتظار وقيام بتعليمهم من خلال توعيات وإنشاء مدارس وتدريبهم تدريب قيادي وعسكري لسنين طويلة حتى يصلوا إلى مستوى الواجب، وهذا واحد من أسباب فشلها وهي أنتظارها الطويل بسبب ضعف قدرة أعضاؤها وتخلفهم.

الصبر طويل

أبصر ماركس ثم الأتحاد السوفيتي أن الشيوعية سوف تكون لها فعالية أكثر في دول المتقدمة صناعياً وفكرياً لإن طبقات العاملة فيها سوف تكون بأعداد كبيرة نتيجة نشوء المعامل والصناعات والعمال العاملين فيه. بعد أن رأوا تخلف الأقتصادي وحضاري واضح في دول العربية آنذاك، قاموا بأخفاء انفسهم والانتظار لتطور البلاد. هذه نظرية هي التي أخرت وصول الاحزاب الشيوعية الى سلطة. بدلاً من قيامهم بتحركات سريعة وخلق حملات اعلانية ومواقف سامية لجلب اغلبية من شتى المدن والقرى، قاموا بدلا منها بالتركيز حملاتهم على مدن المتقدمة والمتطورة وقاوموا بالأنتظار لتقدم الدول العربية أقتصادياً لظهور طبقات المالكة البورجوازية فيه ثم تكوين ثورات وانقلابات عليهم. وكلما طال انتظارهم لذلك الفرصة، كلما ضعفت موقفهم في سياسة، وفقدوا منها بعض من أعضائهم الذين كانوا يرون خمولاً عند أحزابهم الشيوعية، وأكتسبت أحزاب المناظرة وسلطات القائمة بعض القوى في تلك الفترة لشن الهجوم عليهم.

 

الحزب شيوعي ما بين إسرائيل وفلسطين

تحولت الصراع بين فلسطين وإسرائيل إلى حالة تنازع بين أتحاد السوفيتي والأمريكان. دفع الأتحاد السوفيتي ظهور ومساندة أحزابها الشيوعية القائمة في فلسطين وكذلك في إسرائيل، إلا أن أمريكان أكتفوا بمساعدة مباشرة لإسرائيل وطردوا أو رفض فلسطينيون يد المساعدة المقدمة من أمبراطورية الأمريكية.

خطأ سياسي آخر قام به الحزب الشيوعي ما بين فلسطين والاسرائيل هي ظهورها ومساندتها للطرفين. وكان من أحرى لها الألتزام بالأغلبية، ونعلم جميعاً من هم الأغلبية في ذلك مكان، فبذلك خسرت حزب الشيوعي بطاقتها السياسية الذهبية الأولى وهي الوقوف بجانب الأغلبية بدلاً من أقلية.

وهذه العملية أعني أن يكون أغلبية الشعب بجانبك هو ميزة مساعدة جداً في حدوث ثورات الشيوعية. إلا أن أغلبية طبقات العاملة والفقيرة لم ينضم إلى الحزب، فأصبح الأحزاب الشيوعية العربية هم الأقلية مقارنة بأعضاء الأحزاب الأخرين.

2- السبب الفكري

من خلال قرائته للتاريخ وتحليله له، أستنتج ماركس أن كل الثورات والأنقلابات التي حصلت في الماضي وما تزال تحصل في يومه ضد الأنظمة الحاكمة نبعت من صراع دائم بين الطبقات الفقيرة والطبقة الغنية، بين العبيد وأسيادهم في أمريكا، بين الفلاحين ومالكي القطاع في العصور الوسطى، بين العاملين في مصانع وماليكه في يومه، وما يحصل بين الموظفين والمدراء في يومنا.

مادية الشيوعية

تاركاً الأسباب الأخرى، جعل ماركس هدف الأساسي من حزب الشيوعية هي القضاء على ممتلكات الخاصة ومحاولة توزيع الموارد المادية ووسائل الإنتاج مشتركاً بين أعضاء الشعب. فبذلك ركز ماركس على مادية الوضع الأجتماعي والسياسي وغض البصر على علل أخرى التي كان بإمكانه عمل صراع بين الطبقات. إلا أن أغلبية مواطني الدول العربية رأت آنذاك أن السبب الرئيسي لوجود هذه الأزمات السياسية والأجتماعية، وأستبداد الفقر والقمع هو مسألة دينية خالصة، أي عدم أتباع تعاليم وضوابط الإسلام للأفراد المجتمع العربي وكذلك في سياستهم وأقتصادهم هي المسبب لضعف الدولة ومكوناتها الأجتماعية والأقتصادية. بالضبط كما رأته امبراطورية روم عندما ضعفت ولقت اللوم على امبراطورهم السابقين الذين فشلوا في اتباع قواعد الرومية الاصيلة. هذه الأفكار كانت مزروعة بشكل عميق عند مجتمع العربي وأشياء مادية كانت لها يد ضعيفة في تسبب بالفقر وأستغلال. إذاً نرى هنا حدوث تناقض جذري بين ما يتصوره الشعب وبين ما ينقله الحزب الشيوعي. لكن هذا لم يمنع الشيوعيين من أخذ تلك النقطة بنظر الأعتبار، فمنذ بداية قدومهم إلى المشرق حاولوا الدمج بين تعاليم وأسس الدين الأسلامي وبين أفكار الشيوعية الماركسية بشكل خارج عن مألوف غير مبني على النصوص الأولية للدين، حيث لم ينتج ثماراً سوى خلق عدوان بينهم وبين الشيوخ الإسلاميين وأحزاب الإسلامية. كان من الأحرى لهم البقاء على مذهبهم الأساسي وتوفير حرية العقيدة بدلاً من محاولات الدمج الفاشلة. 

ماركس والأديان

أنتشار خبر موقف ماركس من الأديان كان له تأثير آخر لضعف الشيوعية في شتى بلاد الغربية منها والعربية. كارل ماركس كان فيلسوفاً معادياً للأديان كلها لا شك في ذلك، فهو إما كان معروفاً كيهودي الأصل، مما أثار ضجة كبيرة حول يد الصهاينة في الأحزاب الشيوعية كافة ونتج عدم الثقة بهم وبحزبهم في كثير من دول العربية عامةً وفلسطين خاصةً الذي كان في صراع ملحمي مع أسرائيل. أو كان يعرف ماركس كملحد لا يفضل الأديان أن يكون له يداً قاضية على وسائل الإنتاج وأمور الدولة المادية. وبذلك أتهم الأحزاب الشيوعية بالعلمانية والألحادية فتنافرت منه غالبية المتدينين، مسلمين كانوا أم غير ذلك. ثم وجود بعض قاداة يهودية الأصل في رئاسة الأحزاب الشيوعية وظهور أعداداً واسعة من اليهوديين المقيمين في روسيا واوربا المساندين للثورة البلشفية أدت الى كسر سمعة الشيوعية بالكامل. فبذلك السبب، قامت بعض الأحزاب والمؤسسات الأسلامية بنقده والتحذير من أنتشاره في شتى أقطار العربية. لم يرد قادة الشيوعيين العرب على ذاك التهمة ولربما من كسلهم أو إطاعة لأمر صادر من الأتحاد السوفيت أو خوفاً من الدخول إلى مشكلة أكبر من ذلك. لكنه كان من الأفضل تفسير تلك المعضلة بدلاً من تركها تمزق الحزب بشكل غير عادل، بمعنى آخر، كان من الممكن القول أن أفكار ماركس حول الأديان ليس له تأثير عظيم على مدرسته الشيوعية، ثم يوجد كثير من الملحدين ومعادين للاديان من السياسيون وعلماء الذين أنتجوا ثماراً للعالم من غير تأثير أديانهم على عملهم وعلمهم، فلا نرى أحداً من العرب يقاطع الشركات الأجنبية لكون مهندسيها وعلماء أو العمال العاملين فيها تابعين لدين أخر أو تاركين للدين. وتطبيقاً حاول الأحزاب الشيوعية القائمة بعدم لمس الأديان والمتدينين ومحاولة إنشاء حرية العقيدة مسالمة بقدر المستطاع بين أفرادها المحكومين. وكان أيضاً يمكن اللجوء إلى تاريخ أو حتى بالرجوع إلى ذكر أهدافهم التي كانت تحارب البورجوازية بأكملها ومن ضمنها اليهوديين من طبقات الرأس المالية. وفي الحقيقة، لم يكن الأسلام معادياً مباشراً للشيوعية، ولم يكن لها قول واضح تكفر الشيوعيين أو تنبذهم. إلا أن اشاعات والضغوطات السوفييتين على المتدينين في روسيا وكذلك الفكر الماركسي ولنيني حول الأديان أدت الى وضع حدود واضحة بينهم وبين الأسلام.

أعضاء الحزب

من أسباب الفكرية أخرى لفشل الشيوعية في دول العرب يعود إلى أعضاء الداعمين له. القضية الشيوعية تدعو إلى ثورة وانقلاب الطبقات العاملة على الطبقات الحاكمة، والأمر الواضح فيه هو من سيكون موالياً لذلك القضية، الطبقات العاملة والفقيرة بالطبع. القوى الأساسية لحزب الشيوعية كانت متكونة من أغلبية الطبقة العاملة والفقيرة، أي الفلاحين والخدامين والعمال وآخرون الضعفاء مادياً وثقافياً وعلمياً بسبب ظروفهم. هؤلاء المساندين لم يحملوا التكلفة المادية لمساعدة الحزب على أستعداد لحملاتها العسكرية أو دعم قاداتها وإدراتها، ولم يكونوا ذات طابع علمي (على أقل أغلبيتهم) لنشر فكرة الشيوعية ومساهمة في حملاتها الإعلانية. فضلاً على ذلك عدم قدرة أغلبية الداعمين على قيام بأوامر ومهام للحزب بطريقة مناسبة وبصورة كاملة أدت إلى عرقلة كثير من أهداف الحزب الشيوعية، وبالتالي أخرت وصولها إلى السلطة أو القيام بثورة وإنقلاب. في تلك الحالة، كان من الأحرى لقادة الأحزاب الشيوعية محاولة لربط علاقاتها مع الطبقات البورجوازية وتوظيف بعض من الطبقات الحاكمة لمساهمة في تسريع القضية للوصول إلى السلطة. ثم السبب التالي كانت نسيان التدقيق وتحليل حول أعضاء المنتمين اليهم وما سبب دخولهم للشيوعية. أغلبهم كما قلنا هم الفلاحين والعاملين وسبب دخولهم كان نقص في أقتصاد المادي وقلة الحرية الفكرية وكذلك كونهم مصنفين في مرتبة الطبقية الاجتماعية الدنيا، على اقل ادنى من الطبقة الراقية والنبيلة والغنية البورجوزاية. ما كان بامكان الحزب الشيوعي العربي فعله هو نزع قناع الفلاحين والعاملين وتركيز على تلك الاسباب التي ادت الى انتمائهم. فنجد كثير من افراد في الشعوب تمتلك تلك الصفات الفلاحين والعمال، فربما على أحرى كان لهم عمل حملة اعلانية عندهم واختيار أهدافهم بشكل افضل; وذلك باختيار أناس يحملون تلك الصفات،أي المراهقين والمراهقات، وكذلك الطلاب الجامعيين كانوا يعتبرون من مستويات الطبقة الدنيا، يعني ما زالوا في طريقهم الى طبقة البورجوازية، فهم دخلوا للدراسة لايجاد عن العمل ثم رقي ببطئ، والشيوعية كانت من الممكن ان يوعدهم بالسرعة التي وعدها واصدرها ماركس نفسه.

الإنتظار طويل

سبب آخر مرتبط بالسابق هو أنتظار شيوعيين العرب سنيناً لتقدم المجتمع العربي علمياً وثقافياً وخروجه من الأمية للقراءة وفهم أفكار ماركسية من أجل الأستوعاب ونقل الرسالة. قامت كثير من أحزاب الشيوعية العربية بإنشاء مدارس توعوية ودعم برامج تعليم والقراءة وكذلك مساندة حركات الطلابية وحملات تنويرية، إلا أنها باتت من دون جدوى ولم يكن رمال الأزمان بجانبهم وأدت صبرهم الطويل إلى ضعفهم يوماً بعد يوم مع مرور السنين.

القيادة زومبية

الوضع آخر الذي جعل موضع أحزاب الشيوعية مشكوكاً بعد موقفهم من الدين هي تواصلهم المستمر مع أتحاد السوفيتي في موسكو كما ذكرنا. كان كبار قادات الأحزاب الشيوعية العربية تذهب لمدة أسابيع وأشهر إلى موسكو لتعلم مختلف العلوم والإستشارة حول الوضع الأقتصادي والأجتماعي من قادات الأخرون في الأتحاد السوفيتي. فمع وجود الأستعمار الغربي وأحتلالات الأمبرالية الكولونيلة داخل المجتمع العربي وأستغلالهم للإراضي الطبيعة المشرقية ولسكان العرب نفسهم لإغراض نرجسية، أدت كل تلك العوامل الى شعور كثير من مجتمعات العربية بالاستغلال من قبل هؤلاء الغربيون. وترابط الحزب الشيوعي العربي وإدراته مع روسيا خلقت شكاً في شعوب العربية بان الأحزاب الشيوعية هي من نتاج وتكاثر السوفيتية وهي جزء من أستعمار وأحتلال للدول العربية التي كانت سائدة في ذلك وقت، إن لم تكن بدأت بالكولونية وفرض قوانين الغربية فانها تبدا من تغيير أفكار الشعوب العربية لليونة دخول السوفيت الى العالم الشرقي. من الواجب للحقيقة أن يذكر بأن أتحاد السوفيتي كانت على علاقة واضحة مع شيوعيين العرب من خلال واجهة الكومنترن وبالفعل كانت تصدر خطط وإرشادات حول كيفية إدارة الحزب بأتم صحة وكيفية تطبيق النظريات الشيوعية على الأوضاع العربية، لكن -على نقاض ما يقوله مؤرخ فائق الخفاجي- هذه القرارات والأوامر التي كانت تاتي من خارج الدول العربية كانت نظريات ونماذج فهي كانت من المتوقع ان تطبق حسب بيئة والظروف، و كان يجب ان يتغير فيه ما يحسن التغير بنحو مرن، أي إنها كانت من الواجب القياديين الشيوعيين العربيين موجودين في المقرات تنسيق القرارات العامة التي كانت تصدر من موسكو وتحويلهُ وتجميلهُ بحسب ما يرى واجباً وضرورياً وناجحاً وحسب البيئة والظروف العربية. فبذلك خسرت الحزب الشيوعي العربي بطاقتها الذهبية الأساسية وهي دعوة على طرد الأستعماريين وحكم ذات وأستقلالية وكونها داعمة للأحزاب القومية.

التقليد والغرابة

عدم الكفاءة في نقل الرسالة بصورة صحيحة وتغييرها من اجل ان تناسب بيئة العربية، هذه كانت نقطة أخرى من أسباب فشله، حيث كان أفكارهم جذرية للغاية بالنسبة لبساطة وعامة الشعب العربي ولم يفهمهم الناس بالطريقة التي أرادوها. أستخدموا آنذاك مصطلحات وكلمات غريبة عربية مترجمة لا يتصل مع واقع الأغلبية الطبقات الوسطى ولا يحفز فيهم المشاعر، فهي كانت خطوة خاطئة تماماً، لا حاجة لي سوى ذكر أغنية نشيد الأممية التي كانت مترجمة حرفياً من الروسية إلى العربية بكلمات مختارة لا يتصل مع الأشخاص البسطاء الذين كانوا الهدف من تلك الأغنية. كان من الأحرى لهم أن يقتدوا ويتعلموا من لينين بأن الأغلبية تحتاج الى كلمات بسيطة جداً وتذكير بأشياء يرونه من واقع حالهم وليست أفكار ملتوية ومعقدة التي تتطلب تفكيراً خارقاً لربط الأحداث معاً.  هذه بالطبع جاءت جزءها من أعضاء المثقفين المنتمين إليها وجزءها من ترجمة الكلمات الغربية الى عربية واستخدامها لحملات الأعلانية للحزب. كذلك الأمر بالنسبة إلى رمزهم من المنجل والمطرقة ولون علمهم الأحمر، فهي أستنساخ مقارب أن لم يكن متماثل للرمز وعلم الشيوعية الروسية.

البدء من الصفر

لحظة صعود البلشفية الشيوعية في روسيا إلى السلطة. ظهر مشكلة قديمة الجوهر حديثة الأسطح، إلا وهي الزمان والثقافات وأصول المجتمعات والترفيهيات والعلوم والتطورات والتغييرات الموجودة في بلاد. لم يأخذ الأتحاد السوفييت ذلك بنظر الحسبان. أنبثقت عدة مقاومات حادة منذ بداياتها لتغييرات والأستبدالات التي أتتها الشيوعية على المجتمع الروسي وما زالت تظهر حتى غير الأتحاد بعض من أتجاهاتها وقوانينها وأقتصادها لتناسب بعض من عادات والتقاليد التي كانت موجود في تاريخ روسي. هذا الدرس المهم كان من الواجب أن يتعلمها أحزاب الشيوعية العربية من أخطاء السوفيتيين، وكان يجب أن ياخذوا من الفابيين علماً، بإن التغير تدريجي في النظام قطعة بقطعة هو الحل الأمثل لتغييرالقديم بالجديد. وهذا الثورة الفابية الشيوعية كانت ستنجح لو رضي قاداة الشيوعيين به ولكنها طردت كحزب آخر أو كفكرة راديكالية لا تنشأ من أسس الشيوعية وما كانت تدعو إليها من أحداث ثورات وإنقلابات ثم إستلام السلطة ثم البدء بتطبيق مباشر للشيوعية أياً ما كان تلك دول وما كانت تحمل من تراث ومن تاريخ. وهذا ما كان عليه ان يفهمه الاحزاب الشيوعية في دول العربية أيضاً، بأن الثورة وتغييرات الجذرية لا تقام بقوة وبسهولة من بداية بل تحتاج الى وقت طويل لإنشاء مجتمع جديد ولتحويل الثقافات وأفكار والقوانين السياسية والأقتصادية.

عدو عديم الوجه

العامل المساعد الآخر على صعوبة أنتشار الشيوعية كان عدم وجود معامل وبنايات وقطاع خاصة سوى قليل منها، وكانت أغلبية المصادر والمنتجات تأتي من الحكومة نفسها. لذلك كان أكثر المعامل والمزارع على يد الحكومة وليست على يد المواطنين الأثرياء أو من طبقات البورجوازية. هذا العامل قام بإنشاء عدواً واحداً فقط وهي السلطة القائمة بدلاً من أن يخلق أعداء من الأغنياء ومالكي أراضي المتعددين. بسبب ذلك لم يكن صراع بين طبقات جلياً في دول العربية، وإنما ما كان واضحاً هو صراع الدائم ما بين الشيوعية والحكومات الدولية.

الخاتمة

أستنتج ماركس بأن العالم والمجتمع البشري بأكمله سوف تذهب الى الشيوعية لا محال، ولكنه أراد "تسريع من عملية الرحلة" كما قال أستاذ زيزيك. أنطلاقاً من ذلك الهدف، بنيت الأحزاب الشيوعية العربية في بدايتها لتكوين سياسة شيوعية ومجتمع شيوعي بأسرع وقت محتمل، تلك السرعة، أدت إلى دخولها في مئازق سياسية وفكرية مع النظام والمجتمع القائم، وعدم تقدير الظرف البيئي. ثم أدركوا بعده أن التاريخ لا يتغير بسرعة، وأن ما شيدت ونصبت يجب أن تهدم ببطئ ومع مرور الزمن، عندها غيروا من خططهم في أوساط قرن العشرين ليلجأوا إلى الأنتظار وأحداث تبديل ببطئ، مما أدى إلى ضعفهم وخمولهم السياسي والفكري عندما كانوا بأشد الحاجة إلى نشاطهم.

يقاتل حزب الشيوعي العربي اليوم حرباً كان من المفترض فوزها من القرن الماضي، ما تلاقتها من شدائد في الطرق السياسة، ما تحملتها من التهم واشاعات عند ألتقاء الجماعة، وما صبرت عليها من خسارات البشرية والمعنوية عبر وعورة أزمان العربية، كانت من الصالح لها أن تقيم وضعها وتوعي بتلك ضغوطات السياسية والأجتماعية المذكورة وتخطط لرد مقابل لهم وتعديل بعض من أهدافها وقيمها لتزامن مع الوضع العربي الذي كان وما زال منتصباً.

الآن نحن في قرن الواحد والعشرون لا نزال نرى ضعفاً واضحا بجانب الشيوعيين (بأستثناء الشيوعية السودان ولبنان) عندما يأتي الأمر إلى أبسط النقاط الذي يكون على الحزب القيام به، وهو حصول على أعتراف بسيط من قبل الأحزاب أخرى لحزب الشيوعي كحزب مستقل وذات عدد مقبول لتكون لها صوتاً في سياسة وفي مجتمع العربي.

هل يا ترى سوف تأتي تغير واضح في أهداف الحزب الشيوعية العربية كرد فعل على موقفهم الضعيف؟ هل سيعاد تشكيل الحزب بشكل متناسق ومتوافق مع ما تجري في تلك الدول العربية؟ أم ستصر على التعاليم القديمة والأستراتجيات السوفيتية وكومنترن حتى الخرق والوصول إلى نتيجة ملموسة داخل مجتمع عربي؟ تبقى للأحوال أن تثبت ذلك..!

 

محمد كريم إبراهيم