سليم مطرلا يمكن فهم تاريخ الاوطان، دون فهم جغرافيتها..

من ينظر الى الخرائط الطبيعية للعالم، يلاحظ ان جميع القارات والمجموعات الاقليمية والبلدان، بل حتى المدن والقرى، لم تخلقها إرادة ملوك او دول، بل ظروف الجغرافية هي التي حتمتها. 

931 سليم 1

 (طبعا لكل قاعدة استثناء، فـ(دولة إسرائيل) مثلا، خلقتها أساسا ولا زالت تحميها إرادة جماعات ودول لها مصلحة بها). 

931 سليم 2

مثلا، قارة اوربا، لولا البحر المتوسط لما تميزت عن عالم الضفة الشرقية (العالم العربي). لولا (جبال البيرنة)، لما تميزت (اسبانيا) عن (فرنسا).  لولا (جبال الالب) العملاقة الشاسعة لما تميزت وانفصلت هذه البلدان: ايطاليا وسويسرا وفرنسا والمانيا والنمسا.  لولا (الخليج العربي)، لما تميزت (ايران وإفغانستان وباكستان) عن (الجزيرة العربية). لولا مضيق (جبل طارق) لما تميزت (المغرب) عن (اسبانيا). ان (شبه القارة الهندية) التي تضم عدة بلدان، رغم اختلاف لغاتها وحتى أديانها، فانها تشترك بتاريخ سياسي وحضاري وعرقي تراثي وعاطفي. لانها جغرافيا منفصلة عن ما يجاورها، بحدود كبيرة: جبال الهملايا وجبال افغانستان وجبال الكاراكورام والمحيط الهندي وبحر العرب. (مؤرخنا ـ ابن خلدون ـ اول من ربط التاريخ بالجغرافيا).

شبه القارة العربية

931 سليم 3

تتميز جغرافيا (العالم العربي)، أي العالم الذي يقع في (الضفة المقابلة للعالم الاوربي)، ويمتد جنوبا، في القسم الافريقي الى (جنوب الصحراء وحدود افريقيا السوداء)، وفي القسم الآسيوي حيث ضفاف (بحر العرب) في الجزيرة العربية:

اولا، ليست هنالك حدود وموانع طبيعية بين بلدانه مثل (الجبال والبحار والأدغال)، بل هي اراض سهلية تتخللها بعض الانهار الداخلية (مثل دجلة والفرات والنيل) وكذلك الجبال الداخلية (مثل جبال الشام والمغرب واليمن). بالاضافة الى تشابه كبير في المناخ المعتدل والطبيعة شبه الصحراوية. كذلك ان هذا التشابه في البيئة يخلق تشابها في النباتات والحيوانات (مثال انتشار النخيل والجمال)، كذلك تشابها في التقاليد والامزجة والقدرات البدنية.

ثانيا، ان هذا (العالم العربي) منفصل بموانع طبيعية جبارة عن محيطه الآسيوي والافريقي والاوربي: عن آسيا بـ(جبال زاغاروس) و(الخليج العربي) و(المحيط الهندي). عن اوربا ـ الاناضول ـ بجبال(طوروس) والبحر المتوسط. اما عن (افريقيا السوداء) فبـ(البحر الاحمر) وجبال وادغال وسط افريقيا.

التجانس والتقارب عبر التاريخ

931 سليم 4

نتيجة هذه الوحدة الجغرافية وتجانس البيئة والمناخ، طيلة التاريخ، ظلت شعوب (شبه القارة) هذه تتنقل في هذه السهول المفتوحة وتختلط وتؤثر ببعضها البعض. يمكن اعطاء بعض الامثلة:

1ـ التأثيرات المشتركة بين اول واقدم حضارات هذه المنطقة: المصرية والعراقية والشامية. ولقد لعبت الشام دائما دور الوسيط الجغرافي الحضاري بين العراق والشام. اسطع مثال على هذا التجانس الحضاري، إنبثاق الكتابة الابجدية في (الشام) نتيجة تمازج المسمارية العراقية والصورية المصرية. كذلك إنبثاق (العرفانية) وذروتها (المسيحية) نتيجة تمازج الاديان القديمة. ليس صدفة ابدا، ان الاسلام اعتبر نفسه مكملا للاديان السابقة للمنطقة، ولم يعتبر نفسه مثلا مكملا للبوذية او الهندوسية او المجوسية او الاوربية!

2 ـ انتقال الشاميون الفينقيون (الكنعانيون) الى سواحل شمال افريقيا(منذ الالف الاخير ق.م)، وتأسيسهم اول واكبر حضارة شمال افريقية هي (الحضارة القرطاجية) (الكنعانية ـ الامازيغية)، التي بسقوطها على يد (الرومان) في القرن الثاني ق.م، سقطت آخر قلاع الدفاع امام الغزو الاوربي. وهذا التواجد الشامي الفينقي هو الذي مهد وساعد فيما بعد المسلمين في عملية تعريب شعوب شمال افريقيا. (على حد قول المؤرخ الفرنسي غوتيهE.F. GAUTIER  ـ المصدر تحت)

3ـ ان جميع شعوب المنطقة، من العراق حتى المغرب الاقصى، قبل الاسلام تبنت المسيحية وصنعت مذاهبها وكنائسها الوطنية الرافضة للكنيسة الرومانية المستعمرة: الدوناتية والآريسية في شمال افريقيا، والقبطية في مصر، واليعقوبية في الشام، والنسطورية في العراق.

4ـ ليس صدفة، الاتفاق العلمي على اعتبار اللغات السامية(في المشرق) واللغات الحامية(المصرية والامازيغية و النوبية) هي من نفس العائلة اللغوية(السامية ـ الحامية). لان اختلاط هذه الشعوب عبر التاريخ جعلها تختلط وتتشابه لغويا وثقافيا.

من اجل فهم انساني تاريخي لا عنصري!

931 سليم 5

ان الفهم (العروبي العرقي / القومي ـ البعثي) الذي ربط تقارب شعوبنا بمفهوم العروبة العرقية القبائلية، ساذج وعنصري، ويقدم خدمة كبيرة لأصحاب الطروحات العنصرية المعادية للعرب والمسلمين.  وهذا الفهم القومي هو الذي اخاف وعزل القوميات غير الناطقة بالعربية، مثل الامازيغ والاقباط والاكراد والسريان والتركمان، وغيرهم.

من الضروري الادراك بأن (التقارب الحضاري واللغوي والمصالحي) بين (أمم العالم العربي) اساسه جغرافي تاريخي، وليس قومي عرقي قبائلي. انه شبيه تماما بحال (أمم قارة اوربا)، و(قارة امريكا اللاتينية)، و(شبه القارة الهندية). كان من المحتّم ان يحصل هذا التقارب تحت راية دين آخر مثل المسيحية او الصابئية او حتى اليهودية، ولغة أخرى مثل السريانية او القبطية او الامازيغية. وان العربي، ليس بدمّه وجيناته (المفترضة) بل كل من نطق العربية وعاش في هذا (العالم العربي) الذي يستحق ان يسمّى بـ(شبه القارة العربية).

 

سليم مطر

..............

لمزيد من التفاصيل، طالع:

ـ  مقال جيد يشرح تأثير الجغرافية في نشوء الامم وتاريخها.

http://www.discoverlebanon.com/en/panoramic_views/history_geography.php

ـ كتاب تأسيسي لتأثير الجغرافيا في التاريخ: المتوسط والعالم المتوسطي/ موجود في المكتبات وفي الانترنت.

ـ عن دور الاساس الفينقي في تعريب شمال افريقيا، طالع كتاب: ماضي شمال افريقيا/ غوتيهE.F. GAUTIER / المعلومة ص 100

ـ عن تاريخ المسيحية في الشرق قبل الاسلام: https://urlz.fr/9T4g

ـ عن تاريخ قرطاجة وحضارتها طالع:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE_%D9%82%D8%B1%D8%B7%D8%A7%D8%AC

 

 

محمود محمد عليفي هذا الجزء الرابع من مقالنا غواص في كتاب سيبويه، حيث ننتقل إلى مناقشة النوع الثاني من الكلمات، وهو المصطلحات النحوية الأربعة التي قال الذاهبون بالفرضية اليونانية إنها مأخوذة عن النحو اليوناني، يقول جيرار تروبو:" ثم يجب علينا أن نتساءل، هل كان من الممكن من الناحية اللغوية أن يكون النحاة العرب القدامى أخذوا من النحو اليوناني تلك المصطلحات الأربعة التي هي : الإعراب، والصرف، والتصريف، والحركة "، ثم يرد علي التساؤل بأن يعرض لهذه الكلمات كلمة في النحو اليوناني، مبيناً ما يقابلها ومعناها واستعمالها، ثم يعرض لها عند علماء العربية،كابن جني، وسيبويه، والأنباري، وغيرهم، ويستخلص في كل منها أنها اصطلاح نحوي عربي، وينتهي إلي القول بأن " النحو اليوناني لم يستطع النحاة العرب القدامى أن يعرفوه بطريفة مباشرة، إذ إنهم كانوا يجهلون اللغة اليونانية، ولم يكن لديهم كتاب في النحو اليوناني مترجم إلى اللغة العربية، فلم يستطيعوا إذن أن يعرفوا النحو اليوناني إلا بواسطة النحو السرياني "، يضاف إلي أن النحاة السريان من جهة أخري يختلفون اختلافًا تامًا "، وأن النحو اليوناني لم يستطع أن يؤثر علي النحو العربي بواسطة النحو السرياني .

وكان أبلغ رد قال به قيامه بإحصاء المصطلحات النحوية واللغوية والصوتية والصرفية في كتاب سيبويه خارج الشواهد الشعرية والقرآنية، فوجد أن عدد ما استعمل منها في العلم بمعناه الاصطلاحي ألف وستمائة لفظ، منها ما يتعلق بالمفاهيم النحوية العامة كأقسام الكلام، وأنواع الألفاظ وأحوالها، ومنها ما يتعلق بالمفردات المختصة بتركيب الجمل وتشمل الألفاظ التي تعني بمواقع الألفاظ في الكلام ومجراها من ناحية العمل،ومنها المفردات المتعلقة بالتصريف، ومنها التي تتعلق بالأصوات،وأخيرا المفردات التي تتعلق بالمنهاج، وهي أكثرها، واستخلص من هذه الأعداد الكبيرة للألفاظ والمصطلحات المستخدمة في أصناف علم العربية الواردة في كتاب واحد هو كتاب سيبويه خطأ المستشرقين، ومن تابعهم الذين اعتمدوا على بضعة مصطلحات وصلت إلى العشرة عند الجميع ليبرهنوا علي مضارعة النظام العربي للنظام اليوناني، وقال ما معناه : فما تعني تلك العشرة بالنسبة للمئات والمئات من المصطلحات التي كانت متداولة في لغة العرب ؟ إن كل واحد من هذه المصطلحات الألف والستمائة جزء من نظام معقد ليس له معني خارج عن هذا النظام .

وهكذا استطاع "تروبو" أن يثبت أنه من المستحيل أن يكون النحو العربي القديم في نشأته، الأصيل في وجوده قد اقتبس مصطلحات معدودة لا تتجاوز أصابع اليدين عدا من النحو اليوناني، وقد أثبت ذلك بطريقة عملية علمية، ولم يكتف بهذا،وإنما كرر في ختام بحثه اعتقاده بأصالة النحو العربي وعروبته واستقلاله عن العلوم الأخرى وعدم تأثره بالعلوم الأجنبية، فقال :" وفي الختام، فأنا اعتقد أن علم النحو أعربُ العلوم الإسلامية، وأبعدُها عن التأثير الأجنبي في طوره الأول، كما حاولتُ أن أُبيِّن ذلك في ضوء كتاب سيبويه، ذلك الكتاب المشهور الذي هو أقدم كتب العرب في النحو .

ولقد ساير  "تروبو" العديد من المستشرقين والباحثين العرب، فنجد أن المستشرق الألماني "فيشر" W.Fischer،يري أن سيبويه يمثل بداية لمرحلة عربية خالصة، وقد نشر ذلك بالإنجليزية فيما بعد تحت عنوان : The chapter on Grammer in The kitab Mafatih al- ulum، in :ZAL15،(94-103) 1985. والنصوص المقتبسة تعود إلي نسخة خطية بيده مكتوبة بالعربية.

أ- يقول : " إن البحث في نشأة النحو العربي لم تحقق نجاحا كبيرا حتى الآن، ولم يدرك كثير من المعلومات الصالحة لتوضيح ما حدث فيما بين بدايات النقاش النحوي في عهد أبي الأسود وظهوره في صورة متكاملة في كتاب سيبويه ". ويقول:" نسلم بأن الحوار المحتمل بين النحاة العرب واليونان قد وقع فعلاً في بداية الأمر " . ويجعل فيشر من الخليل بن أحمد نهاية مرحلة التأثر الناجم عن هذا الحوار، فقال، :" إن موقف الخليل في تطور النحو قريب إلى حد ما من النحو اليوناني، في أن موقف سيبويه بعيد عنه " .

ب- يتضح من هذا أن "فيشر" يعد كتاب سيبويه بداية مرحلة جديدة لتنقية النحو العربي من الآثار اليونانية .قال :"ومن هنا نفهم أهمية كتاب سيبويه وأثره الباهر في تطور علم النحو في العصور اللاحقة له . إذ إن سيبويه كان النحوي الذي أبعد ما يكون في النحو العربي من آثار الفكر اليوناني، وأقام بذلك النحو العربي طريقة علمية مستقلة، وطوي النسيان كل ما كان العلماء قبله يفكرون في اللغة " .

ونفس الرأي أكد عليه كل من المستشرقين اليهوديين : رافي طلمون R.Talmon وريفيل E.J.Revell  اللذين يؤكدان نفس ما قاله "فيشر" علي أن النحو العربي قد تأثر بمؤثرات أجنبية في مرحلة مبكرة في نشأته . أما ما وصل إلينا من هذا النحو ممثلا في كتاب سيبويه فهو عربي . ويفترق فيشر عن الآخرين في أنه يرى أن التأثر باليونان قد تم بالفعل في فترة مبكرة من ظهور الإسلام، ثم انتهت فترة التأثر هذه بالخليل بن أحمد لتبدأ مرحلة أخرى بسيبويه، وهي مرحلة تخليص النحو العربي من المؤثرات الأجنبية . أما " رافي طلمون" وزميله اليهودي "ريفيل" فيذهبان إلي أن النحو العربي في صورته التي وصلت إلينا من خلال كتاب سيبويه لا تعكس تأثرا خارجيا، ولكن قبل ذلك مر بمراحل التأثر الخارجي، وهما يردان بداية هذا التأثر إلي القرن السابع الميلادي، بل إلي القرن السادس الميلادي أو قبله، وهما يفسحان المجال في كلامهما إلي تأثير عبري إلي جانب التأثير السرياني، بل يذكر أن العبريين قبل السريان في هذا الشأن ؛ يقول " إن أولي مراحله كانت قد اتسمت بتأثير أجنبي، بينما كان ما يليها خلال القرنين الإسلاميين الأوليين عبارة عن تطور إسلامي داخلي محض .

أما المستشرق ليتمان فيأخذ موقفاً وسطاً حين يقول: ونحن نذهب في هذه المسالة وسطا، ونقول بأن النحو من أبدع العرب وعلم النحو في الابتداء، وأنه لا يوجد في كتاب سيبويه إلا ما اخترعه هو والذين تقدموه‏" .‏

والحجة التي يستند إليها ليتمان  هي أنه من الناحية التاريخية يعرف الجميع أن منظِّر النحو العربي سيبويه، بعد أنهى – طبعا -كتابة مؤلَّفه "الكتاب" الذي يعد مرحلة متطورة و ناضجة من مراحل التفكير النحوي العربي. بمعنى أن سيبويه كان مسبوقا إلى هذا العلم (النحو) بعلماء قبله كأبي الأسود الدؤلي (القرن الأول الهجري)، وأبي عمرو بن العلاء (154هـ)، ويونس بن حبيب (182هـ)، وأستاذه الخليل بن أحمد الفراهيدي (175هـ)، الذي يشير إليه دائما في كتابه بقوله : "قال شيخنا رحمه الله " و هذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على أن كتاب سيبويه أُلف ـ من الناحية التاريخية ـ ما بين تاريخ وفاة أستاذه الخليل (175هـ) وتاريخ وفاته هو نفسه (180هـ)، وفي مقابل هذا لو بحثنا عن الفترة التي تمت فيها ترجمة المنطق الأرسطي إلى العربية سنجد أن حنين بن إسحاق قام بهذه الترجمة سنة 264هـ !! وهذا يبين بما لا يدع مجالا للشك بأنه لا علاقة بكتاب سيبويه بالمنطق الأرسطي .

ونحن نؤيد هذا الرأي، فكتاب سيبويه بحكم نزعته التجريبية خلا تماماً من العناصر اليونانية ؛ وبالأخص المنطق الأرسطي، بدليل أنه إذا ما نظرنا إلي العناصر المحددة التي تختص بالدرس النحوي عند سيبويه اختصاصا مباشرا، وهي أنّ التعريف عند أرسطو يختلف عن التعريف عند سيبويه ؛ حيث أن سيبويه الذي تأسس عنده منهج النحو لم يطبق التعريف الأرسطي، ولا يظهر من كتابه ما يؤكد أنه كان علي معرفة قوية به؛ " فالكتاب كله على شموله لا يخرج عن هذه الأمثلة من التعريف، وهو دليل على أنه لم يطبق المنهج الأرسطي فيه وقد يكون دليلاً علي انه لم يعرف هذا الأصل في المنطق الأرسطي معرفة كان من الجائز أن يبدو لها أثر في الكتاب قبولاً أو  رفضاً " .

فمثلا حين ننظر إلى " تعريف الاسم anoma عند أرسطو نجد أنه يعني بأنه: صوت يدلّ دلالة عرفية على معنى، ولا يدل على زمن وليس لجزئه معنى. وأما سيبويه فعرّفه في كتابه عندما ذكر أن (فرس وإنسان)، وهي من الأمثلة التي يستعملها دائما عند تقديم الأمثلة، لتأييد القول أن هناك عدم تأثّر بالفكرة اليونانية، إذ إن استعمال سيبويه للفعل في "الكتاب" يختلف عن استعماله عند أرسطو، حيث استخدم كلمة "ضرب" و "كتب" و "فعل". أما أرسطو فلم يستخدم كلمة tuptein  أي (ضرب) في بعض ما كتبه بل استخدم hugiainein (to be healthy) و  badizein (to walk) ؛ أي لا "ضَرَبَ" ولا "كَتَبَ" ولا "فَعَلَ" .

وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

عبد الرضا حمد جاسمالنموذج الثالث: [خلية ازمة الانتحار في محافظة ذي قار، كشفت عن تسجيل مناطق المحافظة(26) حالة بشكل عام منذ بداية عام 2017، فيما سجلت احصائيات العام 2016 حالة انتحار واحدة اسبوعياً، وأن معظمهم من المتعلمين] انتهى.

تعليق:

1- لم يذكر لنا أ. د قاسم من اين جاء بهذه النموذج / التصريح، هل سمعه مباشرةً من مسؤولي لجنة الازمة او نقله عن وسيلة اعلام "صحيفة، قناة تلفزيونية، موقع الكتروني" او حصل على وثيقة رسمية تضمنت ذلك او ورد في دراسة جامعية عراقية؟

2- في أي شهر صدر هذا التصريح/النموذج ليتمكن المتابع من معرفة الفترة المقصودة؟

3- ورد: [(26) حالة بشكل عام منذ بداية عام 2017] ...السؤال: ما ذا تعني "بشكل عام" هنا؟ هل تعني محاولات الانتحار وحالات الانتحار أم تعني اُناث وذكور ام تعني من كل الاعمار...أم ماذا؟

4- ورد: [سجلت احصائيات العام 2016 حالة انتحار واحدة اسبوعياً ]..السؤال: هل هذا منطق احصائي او حقيقة يتم اعتمادها؟

5.اليكم بعض ما ورد عن هذا التصريح/النموذج لتتبينوا "الدقة" عندما يُتداول في الاعلام العراقي والعربي! سأضع ما يهمنا بين قويسات(()):

# من موقع المربد 24/07/2017

https://www.almirbad.com/Details/25208

[اتخذت خلية ازمة الانتحار في محافظة ذي قار، ((اليوم الاثنين))، عدة توصيات لمواجهة تنامي ظاهرة الانتحار في المحافظة ((خلال شهر تموز الجاري))، وتسجيل مناطق المحافظة ((26 حالة بشكل عام)) منذ بداية عام 2017.ولفت الى ان ((احصائيات العام الماضي 2016 كانت تشير الى تسجيل حالة انتحار واحدة أسبوعيا))] انتهى

ملاحظات:

* يُفْهَمْ من هذه العبارة ان ظاهرة الانتحار قد تفاقمت في شهر تموز وخلية الازمة اجتمعت لاتخاذ توصيات لمواجهتها وتدارس أسباب تسجيل(26) حالة انتحار منذ بداية العام.

* هذه الصيغة تختلف عن صيغة "النموذج". هنا حدد موقع "المربد" تاريخ التصريح واسم الشهر ويمكن ان نفهم منه ان (26) حالة حصلت في الفترة الممتدة من بداية عام 2017حتى بداية شهر تموز أي النصف الأول من العام 2017 ...ثم أن هذا النص لا يتضمن عبارة:" وأن اكثرهم من المتعلمين" التي وردت في النموذج.

#. من صحيفة درر العراق الالكترونية

https://www.dorar-aliraq.net/threads/769801-26-

[اتخذت خلية ازمة الانتحار في محافظة ذي قار اليوم الاثنين 24تموز2017 عدة توصيات لمواجهة ((تنامي ظاهرة الانتحار في المحافظة خلال شهر تموز الجاري))، وتسجيل مناطق المحافظة 26 حالة ((بشكل عام)) منذ بداية عام 2017 وقال النائب الأول لمحافظ ذي قار و رئيس اللجنة عادل الدخيلي ((للمربد)) ان الخلية عقدت جلستها الدورية اليوم و اتخذت عدة توصيات...من جانبه كشف رئيس منظمة التواصل و الاخاء الإنسانية وعضو خلية ازمة الانتحار علي الناشي عن تسجيل 26 حالة انتحار منذ مطلع العام الجاري 2017وقال الناشي للمربد ان ((معظم حالات الانتحار تم تسجيلها بين صفوف شريحة الشباب و المتعلمين))، ولفت الى ان احصائيات العام الماضي 2016 كانت تشير الى تسجيل ((حالة انتحار واحدة اسبوعياً))...] انتهى

 ملاحظات:

* "درر العراق" نقلت من "المربد" ونقلت معها:" لمواجهة تنامي ظاهرة الانتحار في المحافظة خلال شهر تموز الجاري"!!!!

* من هذا التصريح عرفنا من اين جاءت "وأن اكثرهم من المتعلمين" حيث وردت بالصيغة التالية:" ان معظم حالات الانتحار تم تسجيلها بين صفوف شريحة الشباب والمتعلمين".

* "حالة واحدة أسبوعيا" تعني"52" حالة سنوياً ولو قسمنا هذا الرقم الى "نصفين"/ على"2" لظهر العدد"26" الذي يمثل عدد حالات الانتحار في النصف الأول لعام 2017 وهو عدد أسابيع النصف الأول.ماذا يؤشر هذا؟ انه قـــــــد يؤشر الى ان خلية الازمة لم تقل الحقيقة أو لا تعرفها وإنها نقلت هذا الرقم، أو ان هذا الرقم كان قد نُشر سابقاً فلا يرغبون بتغييره، ولتقول ان النصف الأول لعام2017 لم يشهد زيادة في عدد حالات الانتحار إنما بنفس العدد عن العام السابق "مجرد شك وان كل الشك حلال في مثل هذه الظروف" ربما فيه ميزة لمجلس المحافظة.

# من موقع بغداد اليوم في 24/07/2017

https://baghdadtoday.news/ar/news/8907/%D8%B8l

[كشف رئيس خلية الازمة في محافظة ذي قار عادل الدخيلي الاثنين عن تسجيل 26 حالة انتحار ((خلال الشهر الحالي)) ((مؤكدا انها النسبة الأكبر مقارنة بالنصف الأول من العام الحالي)) ((ويذكر ان خلية الازمة في ذي قار قد أعلنت في 24 نيسان 2017 ان عدد حالات الانتحار الموثقة رسميا خلال العام الماضي بلغت 52 من ((كافة الاعمار)) ومن كلا الجنسين))] انتهى.

ملاحظات:

* هنا ورد ان رئيس خلية الازمة يقول" 26 حالة انتحار خلال الشهر الحالي "أي شهر تموز، وأكد انها النسبة الأكبر مقارنة بالنصف الأول من العام الحالي. دققوا في العبارة لطفاً.

* ورد ايضاً:" ان الخلية أعلنت في 24 نيسان2017 ان عدد حالات الانتحار الموثقة رسمياً خلال العام الماضي بلغت(52) من كافة الاعمار ومن كلا الجنسين. يعني أن هناك تصريح في 24/نيسان ويعني ليس حالة واحدة اسبوعياً ويعني ليس أكثرهم من الشباب والمتعلمين وليس اغلبهم من المتعلمين. انما من كافة الاعمار ومن الجنسين.

هل هذا النموذج يمكن ان يُعتبر من الحقائق او من مصدر رسمي يتمتع بمصداقية ومنطقي؟ ماذا يقول من يطلع عليه من الأجانب المتابعين لحالة الانتحار في العراق وعندما يعرف انه ورد في انتقاد لدراسة ومن أستاذ متحصص وله خبرة في الدراسات العلمية؟؟

النموذج الرابع: [سجلت جمعية "الأمل" لحقوق المرأة في محافظة كركوك، (20) حالة انتحار خلال شهر واحد داخل المحافظة"] انتهى.

تعليق:

1- هنا يُطرح سؤال: في أي شهر وأي سنة تم تسجيل هذا العدد؟ من هي جمعية الامل لحقوق المرأة في كركوك واين بحوثها ودراساتها ووثائقها التي تفرض اعتمادها؟؟؟

2- اليكم عن مصادر هذا الخبر:

#السومرية نيوز 30/08/2017

https://www.alsumaria.tv/news/214451

[كركوك السومرية نيوز: كشفت جمعية الامل لحقوق المرأة الاربعاء عن تسجيل 20 حالة انتحار خلال شهرواحد داخل المحافظة ،داعية الحكومة الاتحادية الى اطلاق برنامج للحد من هذه الظاهرة وقالت رئيسة الجمعية سرود محمد فالح في حديث للسومرية نيوز ان كركوك شهدت في الآونة الأخيرة ارتفاعاً مخيفاً في حالات الانتحار ففي شهر واحد تم تسجيل 20 حالة انتحار توزعت مناصفة بين الرجال والنساء لافته الى ان مستشفى آزادي التعليمي امس قد استقبل في يوم واحد ستة حالات أشخاص احرقوا انفسهم ثلاثة فارقوا الحياة والاخرون مصابون بحق شديدة] انتهى

ملاحظات:

* هل الستة المحروقين من ال(20)؟ * الآونة الأخيرة ماذا تعني؟

* هل السومرية نيوز من المصادر التي تتمتع بمصداقة ام ان جمعية الامل مصدر حكومي ام ان المنطق يقول هذا؟

النموذج الخامس: [افادت وزارة حقوق الإنسان بأن أحد الباحثين أجرى في 2015 دراسة عن الظاهرة لمدة 11 شهراً سجل خلالها أكثر من 120 حالة انتحار أو محاولة انتحار في مدينة كربلاء غالبيتها بين الفتيات الشابات والمراهقات] انتهى. [مكرر]

تعليق:

* لم يخبرنا أ. د قاسم حسين صالح تفاصيل عن ال "120".. كم عدد حالات الانتحار وكم عدد محاولات الانتحار؟ كم عدد الشبان وكم عدد الشابات؟

* هل يتوقع أ. د قاسم ان "لجنة الدكاترة" لا تعرف الطريق الى مفوضية حقوق الانسان او ان المشاركين فيها من الأساتذة الممارسين لا يعرفون هذه الأرقام والتصريحات...او لم يطلعوا عليها؟

* هل من المنطق والحقيقة والمصداقية ان يُقال:(120) حالة انتحار أو محاولة انتحار؟ الدراسة واعتراض أ. د قاسم حسين صالح عليها تتكلم عن حالات انتحار وليس عن محاولات انتحار.

* كيف ورد (2015) هنا؟؟؟؟؟

* ذكر أ. د قاسم حسين صالح هذا النص بصيغة تختلف في مقالته التي ناقشتها سابقا: "انتحار الشباب "مهداة الى من يريد بناء اسيجة على جسور بغداد" حيث كتب التالي: [حصلت وزارة حقوق الإنسان على ((معلومات مؤكدة)) بزيادة حالات الانتحار بمحافظة كربلاء غالبيتها من الشباب والفتيات، وسجّل أحد الباحثين في دراسة لمدة 11 شهراً أكثر من 120 حالة انتحار أو محاولة انتحار، (الناطق باسم وزارة حقوق الانسان)] انتهى.

ملاحظات:

* في النص الأول وردت كلمة: "أفادت" وهنا وردت عبارة: "حصلت على معلومات مؤكدة". في النموذج ورد: "عام 2015" وهنا لم يُذكر. في النموذج ورد: "غالبيتها بين الفتيات الشابات المراهقات" وهنا ورد: "غالبيتها من الشباب والفتيات" أي من الجنسين.

السؤال هنا: هل أطلع أ. د قاسم حسين صالح على ما تأكدت منه وزارة حقوق الانسان عن تلك الدراسة وما ورد فيها من معلومات؟ يبدو ان أ. د قاسم حسين صالح عندما قال عن الدراسات الجامعية العراقية كأحد مصادرة اعتمد هذا القول المبهم ...هل حاول أ. د قاسم حسين صالح الاطلاع على دراسة هذا "الباحث المجهول" أو هل حضر مناقشة هذا البحث؟

# اليكم نص ما نشرته الصحيفة الحياة بتاريخ 19يناير2016تحت عنوان: "الانتحار في العراق ظاهرة تصعب دراستها"[.... الناطق باسم وزارة حقوق الإنسان العراقية، كامل أمين (أن وزارة حقوق الإنسان ((حصلت)) ((قبل أعوام))، على ((معلومات مؤكدة)) بزيادة حالات الانتحار لدى الشباب في محافظة كربلاء، وأن ((أحد الباحثين)) أجرى دراسة عن الظاهرة لمدة 11 شهراً سجل خلالها أكثر من 120 ((حالة انتحار أو محاولة انتحار، غالبيتها بين الفتيات الشابات والمراهقات)).] انتهى.

الملاحظات: * هنا ورد: "حصلت قبل أعوام على معلومات مؤكدة" لم يبين لنا أ. د قاسم معنى عدة سنوات أو أي السنوات تلك ف"عدة سنوات" مفتوح من عام النشر رجوعاً الى عام 2003؟؟؟؟ "" واليكم مثال على عدة سنوات: ["العربي الجديد" "تحت عنوان: "زيادة حالات الانتحار في العراق...احتلال وعنف وبطالة بتاريخ 26 فبراير 2016" والذي ورد فيه نص ما تفضل به أ. د قاسم حسين صالح: [سجلت محافظة المثنى جنوب العراق، 24 حالة انتحار خلال العام 2014، ليرتفع العدد بذلك إلى 188 حالة ((خلال تسعة أعوام))، ما يجعلها تتصدر ((المحافظات الأعلى في عدد حالات الانتحار في العراق))] انتهى

https://www.alaraby.co.uk/society/2016/2/26/%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%84-%D9%88%D8%B9%D9%86%D9%81-%D9%88%D8%A8%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A9

عليه فأن هذا النموذج لا يقبله المنطق ولا هو حقيقة ولا هو من مصادر حكومية. ولا هو من "تقارير تتمتع بالمصداقية. "ولا هو من الدراسات الجامعية العراقية" ولا يمكن ان يقتنع به أحد ومُعيب حين يُطرح على منظمات دولية.

 

 

منى زيتونهناك مبدأ رئيسي في السياسة يقول: (فرّق تسُد). فكيف والفُرقة قائمة أصلًا؟ ولطالما استثمر ‏السياسيون عبر التاريخ الاختلاف العقدي والتمذهب الفقهي في تدعيم دولهم.‏

منذ حدثت الفتنة الكبرى بين المسلمين، وما تلاها وصولًا إلى بغي معاوية بن أبي سفيان على سيدنا عليّ، تصدّعت وحدة المسلمين، وانقسموا إلى حزبين، ثم ظهر الخوارج وافترقوا فرقًا، وظهر تصنيف السُنة والشيعة في مرحلة تالية على خلفية الحوادث السياسية والموقف منها، ثم ظهر أئمة الإسلام وتحلّق الناس حولهم لينتفعوا بعلمهم، وأصبح لكل واحد منهم أتباعًا، ثم دَرست مذاهب بعضهم، وبقيت مذاهب آخرين، وصار البيت الإسلامي ممزقًا إلى فرق، بين كل منها والأخرى درجات من التقارب من حيث العقيدة والفقه تزيد وتقل، ليتحدد من خلالها درجة التطرف المحتملة بين أتباع كل منهما.

وبالحديث عن التطرف، سنجده ينقسم من حيث الفاعلين له، إلى تطرف عوام الناس، وتطرف كبرائهم؛ الذين هم الأمراء والعلماء. وحقيقة الأمر أن العوام لولا هؤلاء الكبراء ما تطرفوا. ولكل مذهب عقدي أو فقهي رأيه في كل مسألة، بل وأحيانًا يختلف العلماء تحت مظلة المذهب الواحد؛ ومن ثم فالتنافر بين العلماء قد يكون مفهومًا، خاصة مع نقص التسامح، وزيادة التحاسد فيما بينهم. أما بالنسبة للسياسيين، فأحيانًا يسلكون مسلك عوام الناس في التعصب لمذاهبهم، والتطرف ضد مخالفيهم، بسبب ما فهموه من مشايخهم، وأحيانًا يستغلون التمذهب لتوطيد ملكهم؛‏ فكثيرًا ما كانت تبرز الخلفيات السياسية وليست الدينية وراء دعم الخلفاء والأمراء لمذهب واضطهاد آخر. كما اختلفت أساليب السياسيين في الترويج لما يرغبون من مذاهب، ما بين أساليب تعليمية تثقيفية بإقامة المدارس وترسيم كبار العلماء لتدريس العقيدة والمذهب الفقهي، وأساليب قمعية بفرض ‏المعتقدات جبرًا، أو موالاة من يدينون بعقيدته أو مذهبه، ورأينا عبر تاريخنا أمثلة على كل أسلوب ‏منها.‏

في عهد الأمويين، اُضطهد أهل العراق باعتبار أغلبهم متشيعين لسيدنا علي –رغم أنه لم يلق منهم نُصرة حقيقية تليق بالمسمى الذي أطلقوه على أنفسهم-، وأرسل إليهم الأمويون المُبير الحجاج الثقفي حاكمًا ليُخرس أي ثورة ظنوا أنها قد تنشب من بينهم. وكانت المذاهب الدينية لم تتشكل بعد، حيث كان مسمى الشيعة مصطلحًا سياسيًا ليس له مدلول ديني. كما حارب الأمويون الخوارج، مثلما فعل كل خلفاء وملوك المسلمين بدءًا من سيدنا علي، وكانت حربهم ضد الخوارج، لتكفير الأخيرين إياهم.

ثم بزغ نجم بني العباس، وملكوا. وكان أساس دعوتهم لأنفسهم أن العم أولى من البنت؛ لذا فهم أحق بالخلافة –والتي لم تكن في حقيقتها سوى ملك-. من ثم، كان من مصلحتهم أن ينتشر علم الأئمة من غير العلويين، كي لا ترتفع أسهم العلويين لدى العامة، وربما كان للعباسيين قدم السبق في تشكيل ونحت وبلورة مفهوميّ (السُنة/الشيعة) ببعديهما الدينيين.

وفي العصر العباسي الذهبي توالى ظهور المذاهب الإسلامية السُنية والشيعية، كما عرف المسلمون عقائد المعتزلة والأشعرية والماتريدية والحنابلة وغيرها. وقد ظهر أئمة السُنة أصحاب المذاهب المتبوعة تباعًا في عهود خلفاء بني العباس الأوائل، فكان الأخيرون يطلبونهم، ويراسلونهم، ولم يكن التقليد قد فشا بين المسلمين ليُقال أنهم تمذهبوا بمذاهبهم.

وكانت لاعتقادات الخلفاء والأمراء والوزراء أثرها على العوام؛ فعندما اعتنق الخلفاء المأمون والمعتصم والواثق بعض عقائد المعتزلة، وأهمها اعتقادهم بخلق القرآن، وامتلأ بلاطهم بحاشية معتزلية، أرادوا فرض معتقدهم ذاك على عموم المسلمين؛ علمائهم قبل عوامهم. ولم يكونوا بِدعًا من الخلفاء، عندما فرضوا ما يعتقدون.

وبعد تولي المتوكل، وانقشاع محنة خلق القرآن، ساد التسنن، ودعمه خلفاء بني العباس، ثم نشأ بعد ذلك سبب آخر لدى العباسيين ليدعموا التسنن، وهو قيام كثير من الدول الشيعية حولهم، وأهمها دولة الفاطميين (296- 567ه‍)، والتي رأي فيها العباسيون أكبر خطر محدق بهم من بين كل الدول التي كانت قد بدأت تتشكل في أرض الخلافة. وقد قابلها العباسيون بعدة طرق؛ منها الطعن في نسب الفاطميين، والتشديد على شيعة بغداد، وإطلاق يد الحنابلة فيهم لترويعهم، والذي جعل بغداد مسرحًا متجددًا للفتن بدءًا من القرن الرابع الهجري.

في العصر العباسي الثاني، كانت قد ضعُفت الدولة العباسية، وأصبح منصب الخليفة منصبًا شرفيًا، حيث ظهرت دول ببعض المناطق التابعة لسلطان العباسيين، استقل بها أصحابها تحت مظلة ورعاية شرعية الخلافة، وكان لأمراء تلك الدول –بل ووزرائهم- الأمر والنهي بعاصمة الخلافة، رغم وجود الخليفة. وكان من بين ما يتحكمون فيه هو مذاهب الرعية.

لم تعرف الشيعة في القرن الرابع الهجري الاضطهاد سوى في بغداد، وكان اضطهادهم من جانب الحنابلة. أما في خارج بغداد فكانوا في أحسن حال، بالرغم من ذلك كان العداء باديًا بين صنوف الشيعة عندما سادت دولهم في القرن الرابع. وإذا أردنا تتبع القصة من أولها، فإنه في نهاية القرن الثالث الهجري ظهرت الدولة الحمدانية في حلب والموصل، تحديدًا سنة 293هـ، وكان بنو حمدان من الشيعة الإمامية، ثم تبعتها الدولة الفاطمية سنة 296هـ، حيث ظهرت في المغرب العربي، وكانوا شيعة إسماعيلية، وكان أمر القرامطة الخوارج، الذين أقاموا دولتهم في البحرين، قد بلغ من الفسق مبلغه، حتى أنهم نزعوا الحجر الأسود من مكانه، وأخذوه إلى بلادهم سنة 317هـ، وهؤلاء القرامطة كانوا قد انشقوا عن الفاطميين الإسماعيلية، وفي سنة 321هـ علا شأن بني بويه في بلاد فارس، وكانوا شيعة إمامية وفيهم اعتزال، ودخلوا بغداد سنة 334هـ، ولانشغال البويهيين بمعارك على جبهتهم الشرقية لم يتمكنوا من توسيع نفوذهم ودخول الشام، وإذا بالفاطميين سنة 358هـ يملكون مصر، ثم بعدها بعامين يملكون الشام. ولم يحدث بين هذه الدول الشيعية الأربع تحالف وتآزر، وإلا لكانوا قضوا على الخلافة العباسية، بل على العكس تناحروا، بسبب المصالح السياسية أولًا، ولأنهم لم يروا أنفسهم فريقًا واحدًا بسبب الاختلاف بينهم على الإمامة.

كانت بين البويهيين والحمدانيين صراعات، فلمَّا دخل الفاطميون دمشق في صفر سنة 360هـ، اصطلح أبو تغلب ابن حمدان مع بختيار عز الدولة البويهي، وعقد على ابنته وعمرها ثلاث سنين!! في الشهر نفسه، ثم حدثت بين الفاطميين والخوارج القرامطة حروب، واللافت هو ما حكاه ابن كثير من مساعدة البويهيين للقرامطة ليأخذوا الشام ومصر من الفاطميين أواخر سنة 360هـ. قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج15، ص327) "وكان رئيس القرامطة وأميرهم الحسين بن أحمد بن بهرام، وقد أمده عز الدولة –البويهي- من بغداد بسلاح وعُدد كثيرة". وذكر ابن كثير في البداية والنهاية (ج15، ص405) أنه في سنة 371هـ "قد سُرق شيء ‏نفيس لعضد الدولة البويهي، ولم يُعرف من أخذه. ويُقال أن صاحب مصر –الفاطمي- بعث من ‏فعل هذا!!".

ووصل العداء إلى حد الاستنجاد بالروم على بعضهم البعض. يذكر محمد جمال الدين سرور في "تاريخ الدولة الفاطمية" (ص372) أن "أبا الفضائل ابن حمدان، لمّا علِم بتوغل الفاطميين في بلاد الشام، استنجد بإمبراطور الروم باسيل الثاني؛ فأمدّه الإمبراطور بحملة"، ثم أنه بعد أن انتصر الفاطميون على حملة البيزنطيين سنة 381هـ، ثم حاصر الفاطميون حلب، "اضطر أميرها إلى الاستنجاد بالإمبراطور البيزنطي مرة ثانية".

وكان حكام كل دولة من تلك الدول الشيعية ينشرون مذهبهم بين رعيتهم، ويحاربون ما عداه، كما بدأ الشيعة أواخر القرن الثالث الهجري إنشاء مدارس للعمل على نشر علوم مذهبهم، وغيرها من العلوم. أورد ابن الجوزي في "المنتظم" (ج14، ص366) أنه في سنة 383هـ "ابتاع أبو نصر سابور بن أردشير دارًا في الكرخ –محلة للشيعة ببغداد- بين السورين، وعمرها وبيَّضها وسمَّاها: دار العلم، ووقفها على أهله –يعني الشيعة-، ونقل إليها كتبًا كثيرة ابتاعها وجمعها وعمل لها فهرستًا"أهـ. كما ذكر من ترجموا للشريف الرضى أنه قد أنشأ مدرسة لطلبة العلم ببغداد. وكذا نشر الفاطميون التشيع بمصر من خلال إسناد المناصب العليا والقضاء للشيعة، ونشر دعاة المذهب في سائر ربوع مصر، كما ذكر المقريزي في "الخطط" (ج2، ص342) أنه في سنة 395هـ "فُتِحت دار الحكمة بالقاهرة، وجلس فيها القرّاء، وجُلب الكتب إليها من خزائن القصور، ودخل الناس إليها، وجلس فيها القرّاء والفقهاء والمنجمون والنحاة وأصحاب اللغة والأطباء، وحصل فيها من الكتب في سائر العلوم ما لم يُر مثله مجتمعًا، وأُجرِي على من فيها من الخدّام والفقهاء الأرزاق السنية"أهـ. وكانت تلك طريقتهم السلمية في نشر التشيع، وإن كان لم يخل الأمر من فتن وطرق غير سلمية. وسيكون لهذه الأساليب التعليمية أثرها في نشر التشيع، وسيقابلها السُنة بعد ذلك في منتصف القرن الخامس بمشروع مضاد لنشر التسنن، بإنشاء النظاميات وما تلاها من مدارس سُنية.

منذ وطئت أقدام البويهيين الشيعة بغداد سنة 334هـ، معلنين نهاية العصر الذهبي لبني العباس، استقوى بهم شيعة بغداد أمام الحنابلة الذين كانوا قد أفرطوا غاية الإفراط في تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقًا لمفهومهم بما حوّله إلى غوغاء وفوضى. ظهر هذا الاستقواء في أجلى حالاته خاصة في السنوات الأولى للبويهيين قبل وفاة معز الدولة البويهي، وكذا في سنوات حكم عضد الدولة البويهي. وبدأت في عهد البويهيين طقوس الشيعة في النواح بعاشوراء والاحتفال بالغدير، واستمر حكمهم في العراق وما يتصل به من بلاد فارس حتى سنة 447هـ، ولكن قواهم قد ضعُفت من أواخر القرن الرابع، وكان لهذا الضعف أثره على مسرح الحوادث.

وقد غلب على الخلفاء العباسيين في العصور المتأخرة لبني العباس، الميل إلى الحنابلة، فدعموهم، وربما كان هذا من أسباب إطلاق أيدي الحنابلة على الشيعة، ولم يكن هذا اقتناعًا فقط من أغلب الخلفاء بالمعتقد بل كان أيضًا تحقيقًا لمصالح سياسية؛ بسبب تربص الفاطميين للانقضاض على الخلافة، فرأى الخلفاء العباسيون ضرورة قمع الشيعة كي لا يتواطؤوا معهم. وقد رأينا مثالًا بما حدث في فتنة البساسيري منتصف القرن الخامس الهجري؛ ومحاولة تسليم بغداد للفاطميين، ومؤازرة الشيعة لهذا التحرك. كما أن البويهيين الشيعة المائلين للاعتزال، عندما دخلوا بغداد أهانوا مقام الخلافة بما لم يحدث له نظير من قبل ومن بعد، ووصل الأمر لخلع وسجن الخلفاء –وإن كان السلاجقة السُنة أيضًا قد حدثت منهم خطوب تسببت في مقتل الخليفة المسترشد وابنه الراشد، وغيرها-؛ لذا وبناء على هذه المقدمات، فقد تعدى الأمر من مجرد الدعم الخفي من الخلفاء للحنابلة إلى أن صرّح الخليفة القادر بالله بأنه على عقيدة الحنابلة، واستقوى على البويهيين بالغزنويين من بيت سُبكتكين الذين برزوا في بلاد فارس، وكانوا سُنة كرّامية ذوي عقيدة تجسيمية، كما كتب القادر بالله محضرًا بالطعن في نسب الفاطميين سنة 402هـ، وأشهد عليه الأشراف. كذا استتاب ‏القادر بالله المعتزلة والشيعة‏ من عقائدهم، ومنعهم من تدريسها سنة 408هـ، ثم ‏كتب كتابًا عُرف باسم "العقيدة ‏القادرية"، يوافق عقيدة الحنابلة، ألزم فيه الرعية بأن هذا هو ‏اعتقاد المسلمين الصحيح. وكان ابنه القائم ‏بالله أيضًا حنبليًا، ‏وقد جاوزت مدة خلافتهما معًا خمسًا وثمانين سنة؛ وربما كانت شدة القادر والقائم على الشيعة، سببًا أساسيًا في تمرد الشيعة ومؤازرة البساسيري في فتنته، والتي استهدفت خلع القائم بالله، ومبايعة الخليفة الفاطمي.

وقد شكّلت وفاة القائم بالله خسارة كبيرة للحنابلة، خاصة في الوقت الذي دعم فيه وزير السلاجقة نظام الملك العقيدة الأشعرية. وقد دارت الأيام بعد ذلك، حتى حلّ وقت زمن سقوط بغداد في أيدي التتار، في القرن السابع الهجري، وأظهر التتر فيه التشيع بالعراق، فأمروا الخطباء أن لا يأتوا على سيرة أحد من ‏الصحابة إلا علي بن أبي طالب وولديه رضي الله عنهم، واضطروا بذلك الخطباء والفقهاء الحنابلة ‏ببغداد أن يفعلوا ما كانوا يقيمون الدنيا على الشيعة لأجله!

دخل السلاجقة بغداد سنة 447هـ، وكانوا سُنة أحناف، ولكن كان وزير السلطان ألب أرسلان، والذي وزر من بعده لابنه السلطان ملكشاه هو الوزير نظام الملك الأشعري الشافعي، واستمر بالوزارة 29سنة متصلة، لم يُنكب فيها. أنشأ في مدة وزارته المدارس النظامية ببغداد ونيسابور وبلخ وهراة وأصفهان والبصرة والموصل ومرو وطبرستان، وأجرى الرواتب على الفقهاء وطلاب العلم، وكانت تلك المدارس مخصصة لتدريس العقيدة الأشعرية والمذهب الشافعي، ورغم أن أغلب المالكية أشاعرة إلا أنه كان يُشترط لتعيين مدرس في مدرسة نظامية أن يكون شافعيًا، ثم وزر من بعده الوزير تاج الملك أبو ‏الغنائم، والذي كان قد أنشأ المدرسة التاجية أيضًا لتدريس المذهب الشافعي، فكان على نهج نظام الملك فيما يخص المذاهب رغم كونه من خصومه السياسيين –وإن كان لم تطل مدته في الوزارة فمات بعد نظام الملك والسلطان ملكشاه بشهور-، فارتفع نجم الأشاعرة ومعها المذهب الشافعي ببلاد فارس والعراق. وسبحان مغير الأحوال، لأنه قبلها بعشر سنوات، عندما وزر عميد المُلك الكندري المعتزلي للسلطان طُغرلبك السلجوقي لُعن الأشاعرة على المنابر بنيسابور وسائر بلاد فارس!

وقد أثرّت المدارس التي أنشأها الخلفاء والأمراء والوزراء في نشر بعض المذاهب، خاصة الشافعي، حيث لم يكن يتعلم بأي مدرسة إلا من أراد التمذهب بمذهب علمائها، أصولًا وفروعًا. كانت النظاميات جزءًا أساسيًا من مشروع نظام المُلك لنشر التسنن في مقابل التشيع الذي كان قد ساد بمذاهبه المختلفة في أواخر القرن الثالث وطوال القرن الرابع الهجريين. وقد أدرك حنابلة بغداد بعد فترة أنه قد نشأ لهم معارض جديد من جنسهم، فالنظاميات تنشر العقيدة الأشعرية التي تختلف اختلافًا كبيرًا عن عقيدتهم التجسيمية، وإن كانوا سُنة. وسنرى أنه عندما حدثت الخلافات بين الخلفاء العباسيين والسلاجقة، واستقوى العباسيون، ولّى الخليفة المقتفي لأمر الله الوزارة الوزير الحنبلي ابن هُبيرة، والذي حدثت في عهده الكثير من المضايقات لعلماء المدرسة النظامية ببغداد الأشاعرة.

وقد سار الزنكيون، وكانوا عمال السلاجقة في الشام على هديهم، فبنى نور الدين محمود زنكي، أكبر دار للحديث في دمشق في القرن السادس الهجري، وولّاها للحافظ الأشعري ابن عساكر، كما بنى نور الدين محمود المدارس الكثيرة للحنفية والشافعية، وبعض المدارس للمالكية والحنابلة. كما شرع نور الدين محمود في إنشاء مدرسة كبيرة للشافعية بدمشق ‏‏سنة 568هـ، فأدركه الأجل قبل ذلك، وهي العادلية الكبيرة التي عمرها بعده الملك العادل أبو ‏‏بكر بن أيوب.

وعندما ملك السلطان صلاح الدين يوسف الأيوبي مصر، كان من خدامه: عماد الدين الأصفهاني وبهاء الدين شداد الذين كانا ممن تتلمذوا في المدرسة النظامية ببغداد. وفي سنة 566هـ، عزل صلاح الدين قُضاة مصر؛ لأنهم كانوا ‏‏شيعة، وولّى القضاء بها لصدر الدين عبد الملك بن درباس الماراني الشافعي، واستناب ‏‏في سائر الأعمال الشافعية، وبنى مدرسة للشافعية، وأخرى للمالكية. واشترى ابن أخيه تقي ‏‏الدين عمر بن شاهنشاه دارًا كانت تُعرف بمنازل العز، وجعلها مدرسة للشافعية، وأوقف عليها ‏‏الروضة وغيرها. كما أمر الناصر صلاح الدين ببناء مدرسة للشافعية على قبر الإمام الشافعي ‏‏بمصر سنة 572هـ. ذكر الأخبار ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج16، ص447-519).‏ وتتابع بناء المدارس الشافعية بمصر في العصر الأيوبي حتى بلغ عددها 14 مدرسة، وبهذا وجدت العقيدة الأشعرية والمذهب الشافعي فرصة ذهبية للانتشار بين العامة في مصر والشام. كما خُصصت عشر مدارس للمالكية، وهم أيضًا أشاعرة، ومدرسة تدرس كلا المذهبين الشافعي والمالكي، وست مدارس للحنفية، وفي نهاية العصر الأيوبي بنى الملك الصالح نجم الدين أيوب المدرسة الصالحية، وهي أول مدرسة تُدرِّس المذاهب الأربعة.

وعلى ذكر مصر، يُقال إنه لم يُعرف الحنابلة بمصر إلا في عهد الأيوبيين، لأن العقيدة والمذهب الحنبليين لم يبدآ في الانتشار خارج بغداد إلا في القرن الرابع الهجري، وكانت مصر وقتها تحت الحكم الفاطمي، وإن لم ينتشر المذهب بها إلا عندما ولي القضاء للحنابلة موفق الدين عبد الله الحجاوي لما يزيد عن الثلاثين عامًا (738-769هـ)، وكان ذلك في دولة المماليك.

وكان من تلاميذ المدرسة النظامية ببغداد أيضًا عبد الله بن تومرت مؤسس دولة الموحدين، والذي عمل على نشر العقيدة الأشعرية بطرابلس الغرب وما تلاها من بلاد المغرب العربي. فسادت بها لكن مع المذهب المالكي؛ ذلك أن المعز بن باديس لمّا خلع طاعة الفاطميين في القرن الخامس الهجري، أنهى الوجود الشيعي في شمال أفريقيا، ولم يكتف بذلك، بل أصرّ على إعادة الناس إلى مذهب الإمام مالك تحديدًا من بين مذاهب أهل السُنة، وكان المذهب المالكي الأكثر شيوعًا في الشمال الأفريقي قبل ظهور الفاطميين، كما كان أغلب الأحناف بالمغرب العربي معتزلة، وهو متحول للتبعية للخليفة العباسي القائم بأمر الله الحنبلي، ابن الخليفة القادر بالله، والمذهب الحنفي لا يستقيم وهذا التغيير السياسي الذي أحدثه، فاختار مذهب مالك. يقول الذهبي في ترجمته بـ "السير" (ج18، ص140) "وكان مذهب الإمام أبي حنيفة قد كثُر بإفريقية، فحمل أهل بلاده على مذهب مالك حسمًا لمادة الخلاف"أهـ.

‏ وعودة للعقائد فنقول: إن نظام الملك قد تسبب ببنائه النظاميات في نشر العقيدة الأشعرية من أقاصي بلاد فارس شرقًا وحتى بلاد المغرب بالعلم وليس بحد السيف، كما تسبب في نشر المذهب الشافعي، وتحول كثير من العلماء والفقهاء إليه ليحظوا بفرصة التدريس بالمدارس النظامية. ولكن هذا لا ينفي أنه قد انتشرت مدارس كثيرة لتدريس باقي المذاهب السُنية بخلاف الشافعي.

ثم بأمر السلطان الظاهر بيبرس انحصرت المذاهب الفقهية السُنية المتبوعة في المذاهب الأربعة المعروفة لنا الآن فقط. وصار لأهل كل مذهب قاض، وقد يصل التعصب بينهم لحد الافتراق في الصلاة، فتُصلى الجماعة أربع مرات في المسجد الواحد، واستمر الحال إلى زماننا. وكان لحصر مذاهب أهل السُنة في تلك المذاهب قصة، تدور في جزء كبير منها حول السياسة.

روى الإمام السبكي في "طبقات الشافعية" (ج8، ص215) في ترجمة سلطان العلماء الإمام العز بن عبد السلام "ولمّا مرت جنازة الشيخ عز الدين تحت القلعة، وشاهد الملك الظاهر بيبرس كثرة الخلق الذين معها، قال لبعض خواصه: اليوم استقر أمري في الملك، لأن هذا الشيخ لو كان يقول للناس اخرجوا عليه لانتزع الملك مني".

كانت وفاة سلطان العلماء العز بن عبد السلام عام 660 هـ. وبعد وفاته بأقل من أربع سنوات، حصر الظاهر بيبرس مناصب القضاء في قضاة المذاهب السُنية الأربعة المعروفة لنا الآن، واقتصر التدريس بالمدارس على تلك المذاهب، وأبطل ما سواها. حدث هذا بمصر أواخر سنة 663هـ، ومثله حدث بالشام سنة 664هـ. قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج17، ص464): "ثم دخلت سنة أربع وستين وستمائة، استهلّت والخليفة: الحاكم العباسي، والسلطان: الملك الظاهر، وقضاة مصر أربعة. وفيها جُعل بدمشق أربعة قضاة، من كل مذهب قاض، كما فُعل في العام الماضي في ديار مصر".

وكان هذا تغييرًا سياسيًا أكثر منه دينيًا؛ إذ أنه منذ عزل صلاح الدين الأيوبي قضاة مصر الشيعة، صار من يتولى منصب القضاء في مصر في عهد الأيوبيين قاض واحد على المذهب الشافعي، وله أن يعين من ينوب عنه في الأقاليم، وكان الأيوبيون يستنيبون الشافعية في كل الأعمال، بينما وبعد قرار بيبرس لم يعد علماء الشافعية يستأثرون بأمور السلطة، ولا مقابلة العوام. وكان الغرض ألا يعلو نجم عالم من العلماء بين عموم الناس فيصير في مرتبة العز بن عبد السلام. كان هذا أول استغلال من بيبرس للتمذهب لتفريق المسلمين السُنة. سنّه بيبرس، واستخدمه من بعده مئات من رجال السياسة.

وحتى اختيار المذهب الحنبلي ليكون رابع تلك المذاهب تدخلت فيه السياسة؛ فالمذاهب الحنفية والمالكية والشافعية كانت أشهر مذاهب أهل السُنة، وأغلب الناس عليها، لكن الحنبلي اُختير معها بسبب فتاوى الحنابلة القوية فيما يخص الجهاد ومعاملة الأسرى، وكان خطر التتار لا زال قائمًا.

ثم آل الأمر للعثمانيين، واستحسن الأتراك المذهب الحنفي، حتى أصبح المذهب الرسمي للدولة العثمانية؛ والسبب هو فتوى الإمام أبي حنيفة التي أجاز فيها الخلافة لغير قريش. بل وصل الأمر إلى أن فرض العثمانيون قراءة حفص عن عاصم، لأن أبا حنيفة كان يقرأ بها. ونظرًا لطول فترة حكم الدولة العثمانية، والتي استمرت من سنة 699: 1342ه- 1299: 1924م، ولما يزيد عن ستة قرون، أصبح المذهب الحنفي هو الأكثر انتشارًا بين المسلمين.

وفي جزيرة العرب، فرض الوهابيون مذهبهم على سائر المناطق التي حكموها واستخلصوها بالسيف، ولأول مرة في تاريخ الإسلام ينفرد أهل مذهب بعينه بالإمامة والتدريس في الحرمين. وأصبحت آراء ابن تيمية وابن عبد الوهاب الفقهية دستورهم، وما عداها من علوم سائر علماء المسلمين غير ذات أهمية، فتعصبوا لهما بأكثر مما تعصب الشيعة الإمامية لأئمتهم.

في حين نشأت جمهوريات إسلامية في إيران، وباكستان، وأفغانستان، وموريتانيا، وجامبيا. وهذا عجيب لأن الجمهورية تقوم على أساس مبدأ سيادة الشعب بصرف النظر عن أي اعتبارات دينية أو أيدولوجية، بينما هذه الدول قائمة على التمييز المذهبي بين المواطنين. في إيران على سبيل المثال، يُشترط في رئيس الدولة أن يكون مسلمًا شيعيًا إماميًا. إضافة إلى أن منصبه فخريًا، والمرشد الأعلى للثورة هو رئيس الدولة الفعلي، وهو شخصية دينية اُختيرت من قبل مجلس الخبراء، وليس باقتراع الشعب؛ لذا لا نتعجب من تآكل السُنة ببلاد فارس، وأن يكون 90% من المسلمين بها من الشيعة الإمامية، خاصة بعد مجازر الصفويين من قبلهم في حق السُنة.

والأمثلة كثيرة، وصدق من قال: "الناس على دين ملوكهم". وتدخل السياسة في الدين لا يقتصر على الدول، فقد ظهرت جماعات أُسست على أساس ديني، ولكن بدا أن الغرض من ورائها تحقيق أهداف سياسية.

كانت أولى تلك الجماعات هي: جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وقد نشأت في ‏نهاية العشرينات من القرن العشرين على يد الشيخ حسن البنا، وكانت أول أمرها جماعة دينية ‏يمكن أن توصف بالوسطية، فهي لا تعادي المجتمع ولا تهدف لتغيير قيمه ولا تهجره أو تتبرأ ‏منه وتكفره، وكانت لها أنشطة اجتماعية لا زالت بقاياها في مدينة الإسماعيلية بمصر إلى يومنا هذا، ‏وكانت تكتفي بممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحسنى، ولكن حدث تحول في ‏أفكار الجماعة بدءًا من أربعينات القرن الماضي؛ فتطرفت حتى دخلت في صراع مع المجتمع؛ ‏إذ لجأت إلى العنف والاغتيالات السياسية، ثم حدث تطرف مضاد ضدها في نهاية عهد الملك ‏فاروق وطوال عهد عبد الناصر أدى إلى مزيد من العنف من قبل جماعة الإخوان والجماعات ‏الإسلامية التي خرجت من رحمها، وقد أدت النكسة إلى سقوط زعامة عبد الناصر في عيون ‏كثير من الشباب، ومن ثم وجدوا العزاء في الانضمام للجماعات الدينية، كجماعة التكفير والهجرة، وقاموا بتكفير الحاكم ‏والمجتمع ككل واعتبروه جاهليًا، ودعوا -كما دعت الخوارج قديمًا- إلى تحكيم شرع الله، ووصل ‏الأمر إلى ذروته باغتيال الرئيس السادات رحمه الله.‏

وبهذا التغيير والتحول إلى التكفير أصبح توجه الإخوان مشابهًا لتوجه الوهابية، وإعلانًا ‏لتسلف الفكر الإخواني، وإن جاهدوا لإخفاء هذا التوجه وإظهار وسطية زائفة ساهمت الحوادث ‏في السنوات الأخيرة في مصر على إبرازه.‏

وبعد انتشار السلفية، وانتشار التطرف معها، وُلدت القاعدة، وتبعها ظهور خوارج زماننا المسمون بأصحاب الدولة الإسلامية (داعش)، وكما تلقت القاعدة دعمًا من المخابرات الأمريكية، فإن داعش، ولا شك تتلقى كافة أشكال الدعم لتبقى؛ ولا يعجبنّ أحد أن يقبل هؤلاء دعمًا ممن يحكمون قطعًا بكفرهم. إنها السياسة تُطل علينا برأسها دائمًا. ولا يربح في تلك اللعبة غالبًا المتدينون بل الدجّالون؛ فينبغي أن نتذكر أنه في لعبة السياسة تكون للمصالح اليد العليا دائمًا وليس المباديء والاعتقادات، ولا مكان للتفكير في أمر المذاهب إن اقتضى الأمر التحالف مع المخالف مذهبيًا، أو اقتضى الصراع مع المتفق في المذهب، فكما ذكرنا كان هناك صراع بين البويهيين ببغداد والحمدانيين بالموصل والفاطميين بمصر، رغم كون أمراء الدول الثلاث من الشيعة. والحال ذاته بالنسبة للسُنة، فكانت الحروب على أشدها بين الغزنويين والسلاجقة.

وخلاصة القول إننا عندما نتحدث عن التطرف الديني، لا بد أن ندرك أنه قبل كل أمر، ومعه، يكون أثر السياسة ظاهرًا.‏

 

د. منى زيتون

 

مجدي ابراهيمالقرآن الكريم قانون الله في أرض الله. معرفته سهلة، ولكن العمل به عسير . والناس لا يتفاوتون كثيراً في معرفة القانون، ولكنهم يتفاوتون جدَّ التفاوت في تطبيق القانون. ووحدة القصد هى غاية الغايات من عمل الناس في رحاب هذا القانون، وهى التي يؤدي إليها كل شيء وينتهي عندها كل شيء، ولا شئ يسلم في النهاية على القصد من شرف البقاء معها على الدوام. ولا تنفصل "الحلاوة" مُطلقاً عن "وحدة القصد"، بل تكاد تشملها جميعاً؛ لأنها تشمل روح القرآن كله:

أُثر عن "الوليد بن المغيرة "؛ أنه قال حين سمع شيئاً من القرآن: "والله .. إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمغدق، وإن أسفله لمثمر، وما يقولُ هذا بشر..!".

ونحن نسأل: من أين؟ من أين لك - يا وليد - بهذه الحلاوة وبتلك الطلاوة؛ وأنت من بعدُ لم تسلم، ولم تعتقد عقيدة الرجل الذي نَزَلَ عليه هذا القول حين وصفته بالحلاوة وبالطلاوة؟ إن الوليد حينما عَبَّر عن حلاوة القرآن بهذه الكلمات اللطيفة النافذة، كان يَتَّجه مباشرة إلى"وحدة القصد" لما في القرآن من تأثير على الشعور والوجدان. وأن سليقته الجُوَّانيَّة الباطنة التي يتغلب فيها حكم الطبع لم تستطع أن تقاوم "وحدة القصد" الغلابة لوقع القرآن: وَقْعُهُ على بؤرة الضمير وعلى شغاف القلب، وَوَقْعُهُ على الشعور الدفين وعلى الإحساس بالغيب.

كلام لا ككل كلام ولا كأي كلام، كلام ألفاظه من لغة العرب بيد أن معانيه الغريبة تُمَيِّزه عن أجناس الكلام البليغ. هذا الوقع ليس شيئاً ! لا بل هو كل شيء فيه : خَاصَّة ذاتية تتجه إلى وحدة القصد بالمباشرة. ويمكن القول أن التفسير الإشاري وبخاصّة لدى القشيري قائم على تلك الوحدة القصدية : لأنه كان حرص أشد الحرص على النص القرآني، وأنه ألتزم بالنظر إليه نظرة اعتبار وتقديس؛ وكان عمل القشيري في لطائف الإشارات أشبه بمن يقتبس قطفات من الضوء من مشكاة كبيرة ينير بها الطريق أمام الأولياء والعارفين، دون أن يتورط في تعسف أو ينزلق في درب من دروب الشطط، والسبب الهام الذي يعود إليه هذا المنهج أنه سني حريص على سنيته بقدر ما هو صوفي حريص على صوفيته، فكان عليه أن يرضي أوساط أهل السنة في الوقت الذي كان عليه أن ينفع الصوفية، وأن يوضح لكلا الطرفين أن الأصول والفروع في الحالتين مستمدة من كتاب الله الكريم .

والوصول إلى وحدة القصد بالمباشرة منهج عامل ذو فاعلية وحياة، جاءت أمثلته تصور منهج القشيري في التفسير الإشاري وتعطينا نموذجاً من هذا التفسير؛ فقد نسمعه يقول في العبادات مثلاً عند قوله تعالى:" كتب عليكم الصيام"، "الصوم على ضربين صوم ظاهر وهو الإمساك عن المفطرات مصحوباً بالنية، وصوم باطن وهو صون القلب عن الآفات، ثم صون الروح عن المساكنات، ثم صون السر عن الملاحظات؛ ونهاية الصوم إذا هجم الليل، ولكن من أمسك عن الأغيار فصومه نهايته أن يشهد الحقَّ. والصوم لرؤية الهلال والإفطار لرؤيته كما يقول عليه السلام، فالرؤية عائدة على الهلال، وعند أهل التحقيق عائدة إلى الحق؛ فصومهم لله حتى شهودهم، وفطرهم لله، وإقبالهم على الله، والغالب عليهم الله".

هذه هى وحدة القصد تعتمد منهجاً فاعلاً وتتخذه طريقاً في التعبد وفي النظر على السواء، ولك أن تنظر في قوله تعالى:" والله غالب على أمره "؛ لترى وحدة القصد تتحقق بهذه "الغلبة" : نفوذ القرآن في الضمائر والقلوب، وفناء ما دونها من مظاهر الغلبة الظاهرة، تلك التي تبدو (أي الغلبة الظاهرة) وكأنها من جنس الغلبة، وهى في الحقيقة لا غلبة لها ولا سلطان.

إنما الغلبة لله في قوله وفي فعله، وفي كل صفة يتجلى بها على عباده بنسب ومراتب لا يعلمها إلا هو، لكنها على الجملة في حكم الغلبة على وجه التحقيق. الله غالب على أمره بشرف التجليات الإلهية في حضراته الخمس : حضرة الذات، وحضرة الأسماء، وحضرة الصفات، وحضرة الأفعال، وحضرة الأحكام. وكلها حضرات مباركة تعطي قوة الغلبة الظاهرة والباطنة في قوله تعالى: "والله غالب على أمره". فإذا شاء الحق تبارك اسمه أن يعطي مثل هذه الغلبة لكلمته العليا، ويمنع ما سواها أن تكون له على الحقيقة غلبة أو سلطان قال:"ما فَرَّطنا في الكتاب من شيء".

والدلالةُ فيه صارمةٌ بحكم الغلبة على احتواء القرآن على أصول العلوم والمعارف في كلمته المقدسة:"ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء"؛ ما استثنى شيء ولا فاته شيء ولكنه بيَّن كل شيء في كل شيء، وأحصى كل شيء في كل شيء، ثم إنه لهُدَى، ورحمة، وبشرى للمسلمين. فإذا وجدت وحدة القصد في شعور أحد يريد أن يعرف من تجليات المراتب والحضرات الإلهية شيئاً، كان كل ما يريد أن يعرفه من علوم ومعارف مَجْلَىَ من هذه المجالي الإلهية، وكان كل ما يطلبه من هذه المعارف والعلوم موجوداً في الكتاب :" مَاَ فَرَّطْنَا في الكتَاب من شَيء "!

ذلك هو حكم الغلبة، وذلك هو هو حكم الإعجاز الباهر الوضَّاء؛ خاصَّة ذاتية لا نملُ من تكرارها أبداً تتجه إلى وحدة القصد بالمباشرة . أين موطن"الحلاوة" فيما سمع الوليد، وأين موطن "الطلاوة" فيما شعر به من قوة هذه الوحدة القصْديَّة في ذلك القول؟ ذلك ما لم يقدر الوليد على الإجابة عنه سوى أنه قال : ليس بقول بشر..! (والله .. إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمغدق، وإن أسفله لمثمر؛ وما يقولُ هذا بشر !).

كُلُّ ما هنالك أنه استسلم لحكم السليقة فيما تصيبه السليقة من وقع على الشعور والوجدان، وأن تذوّقه الرفيع - مجرد التذوِّق - لمعاني هذا القول الغَلاَّب قد أصاب منه كوامن النفس الصَّفِيَّة وبواطن البؤرة الدفينة في منْبَت الشعور. لقد اتجه الوليد بالسليقة الذواقة والشعور الوجداني اتجاهاً مباشراً إلى وحدة القصد في القرآن. هذه الوحدة التي تشمل روح القرآن كله، وهى روح عليا : ذاتية خاصَّة له، لا توجد في سواه، روح عليا لا وصف لها عندنا ولا حدَّ سوى سرَّ قوله تعالى:"والله غالب على أمره ". لقد قدرَّ وحكم أزلاً أن تكون كلمته تعالى هى العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وبهذا التقدير الإلهي وبتلك القدرة النافذة تسري حضرات التجليات الإلهية في الكون كله على ما يشاء، وفيما يشاء الله أن يُسْريها:" قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً".

سبحان الله! الكون كله بما فيه ومن فيه عاشقُ لله بالضرورة إلا الإنسان فعشقه بمقتضى الفهم والتَّدبُّر والرويَّة ووهب التوفيق .. الله .. الله على القرآن ساعة أن ينفذ بسلطانه إلى شغاف القلوب. ويا ألطاف الله على هاته "الحلاوة" التي تخرق أسجية الضمائر وتقوِّى معادن النفوس.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

علي المرهجهي (الملاحم والفتن) في الهند القديمة أو ما أطلق عيها "أغنيات السماء" وسجل تاريخ الهند، أو (أوذيسة الهند الكبرى) وربما (إلياذتها) وقل عنا أنها (ملحمة كلكامش) عراقية بآلاف أبيات الشعر، وفيها مُشتركات في احتدام الصراع والانتصار للخير . فيها من الميثولوجيا بقدر ما فيها من ثقافة تُعرفنا بطبيعة الحياة والعلاقات الاجتماعية في الهند.

هي نص سردي ونثري مُكتنز بالمعاني الفلسفية والدفاع عن القيم الأخلاقية الخيَرة ونبذ مُضاداتها.

أعدَها المخرج البريطاني (بيتر بروك) بالتعاون مع الفرنسي (جان كلود كاريير) لتكون عرضاً مسرحياً بحلقات مُتلفزة وحوارية مُبهرة وتلخيص أخَاذ للملحمة.

ترجم هذا العمل المُترجم العراقي حسن ناصر عن مركز دراسات الكوفة، منشورات جامعة الكوفة ـ العراق ط1، 2018م، مراجعة الدكتور حسن ناظم.

ملحمة الهند الكُبرى هي "المهابهارتا"، هي ملحمة حيَةٌ لا زالت نابضة، وهي منبع الكتابات المُقدسة عند "الهندوسية". إنها روح الهند التي تسري بين سطورها، وفهمهم للكون والعالم والحياة وعلاقة الإنسان بالوجود والقيم والدين.

أبطالها مزيج من آلهة وبشر، وهي الأساس لجُلَ المُعتقدات والأساطير والتعاليم والشخصيات التي لا تزال تُحرك الحس الديني والفكري في الهند حتى يومنا هذا.

تعني كلمة "مها" في السنسكريتية الكامل والعظيم، فالـ "مهاراجا" تعني الملك العظيم. أما "بهارتا" فهو اسم أول الشخصيات التي ورد ذكرها في هذه الملحمة.

لهذا تكون الترجمة الأدق لمعنى "المهابهارتا" هو "الكامل في تاريخ البُهرة" كما يؤكد (جان كلود كاردييه) في ترجمته للملحمة بالاشتراك مع (بيتر بروك).

ترجم الملحمة عن الإنكليزية كملحمة هندية لا علاقة لها بنص (بيتر بروك) و (كاردييه) عبدالإله الملاح تحت عنوان (ملحمة الهند الكبرى)، منشورات دار الورود بدمشق، ط1، 2002.

926 المهابهارتاأشتقت من الملحمة ما كُتب عن (أفتار) وما اشتغلت عليه السينما العالمية في استلهام ما جاء في ملحمة (المهابهارتا) من معارك تُشير إلى آلات طيارة ومعرك هي أشبه بالمعرك بالسلاح النووي اليوم رغم أن تاريخ كتابة الملحمة يعود لألفي سنة قبل الميلاد، وبعض الدارسين يعتقد أنها حرب جرت في القرن العاشر قبل الميلفاء قداسة لاد، أو في القرن الخامس عشر. ولكن المهم أن أغلب الدارسين يؤكد وجود هذه الحرب وبأنها وقعت بالفعل، ولكن صياغتها ميثولوجياً واللعب على (دارامتيكية) الصراع بين (الخير والشر) واضفاء قداسة لفريق الخير مُستمدة من الآلهة، وكل ما في الفريق الثاني من شر إنما هو كامن في أنفسهم.

الملحمة تنتصر لأهل الخير حتى وإن حقق أهل الشر بعضاً من الانتصار المؤقت في قليل من الحروب.

في الملحمة انصاف للخير الذي يرتجيه الضعيف في خاتمة المطاف، فستمنحه الآلهة قوة يستمد كبرياؤه فيها من شغفه بالخير ومداد الآلهة على قاعدة "يضع سرَه في أضعف خلَقه".

الملحمة تدوين لحرب ضروس بين عائلتين من أصل واحد، (آل كورو) و (آل بانشالا) يحتدم فيها الصراع الدموي بين أبناء العم، لينتهي الصراع بين العائلتين بحرب ضروس كل فريق فيها يدَعي أنه هو من له الحق بالحُكم.

الملحمة عبارة عن تدفق معاني وحياة روحية وانسانية تبدو القيم الأخلاقية الخيَرة ناصعة بها على لسان (أرجونا) (الإنسان صاحب القيم المُثل) و(كريشنا) (الفيلسوف الحكيم الذي أدرك تجليات الصراع في الواقع، ولكنه في الوقت ذاته يستمد خيَريته وقوته من الإله (فيشنو) (إله الحُب) كي يُحافظ على هندسية ونظام الكون (الدارما) أو (الفضيلة) الذي وضعته الآلهة و(قائد المركبة).

حوَل جان كلود كارييه وبيتر بروك هذه الملحمة لعمل مسرحي ملحمي، وقد ترجمه من قبل عام 1996 ممدوح عدوان، طبع وزارة الثقافة السورية، وكُنت أتمنى على المترجم حسن ناصر أن يُبيَن أسباب ترجمته لهذه الملحمة مرة أخرى، هل في ترجمة عدوان بعض الثغرات؟ أو هل فيها بعض الضعف والارتباك على مستوى الأسلوب؟ أم فيها خلل في الأمانة العلمية؟، ولربما فيها ايجاز مُخلَ، لكن المُترجم والمُراجع لم يُشيرا لأسبقية هذه الترجمة!!.

تروي الملحمة سردية الصراع في سلالة "البهارتا"، وبعبارة مؤلفها الأول "فياسا": "إنها التاريخ الشعري لكل البشر".

رغم أن تأليفها يُنسب إلى "فياسا" أو "الفيدا فايسا" وهو من الذين نسخوا كُتب الفيدا، ومن كهنة "الفيشنو"، ويعدَه الكثير من الهندوسيين أنه من الخالدين. لكن تبقَ "المهابهارتا" من الأساطير التي ورثتها الشعوب عبر الرويَ والحكاية الشفاهية، لذلك لا يُمكن الجزم بأن ياسنا هو المؤلف الوحيد لها.

في الملحمة يبدو "كريشنا" وكأنه يُمثل شخصية "فياسا" بوصفه التجلي البشري للإله "فشنو"، وهو الذي يُسير الأحداث ويُغيَر المصائر.

يعتقد الهندوسيين أن قراءة "المهابهارتا" والتعلم منها إنما فيه صفاء للقلوب لأنها، أي، "المهابهارتا" كما يقول (فياسا): "صافية مثل الكريستال...إنها تغسل الذنوب وتشحذ العقول وتُطيل الحياة".

927 المهابهارتافي الملحمة بطولة تمثلت في إيثار وتضحية (بيشيما) ونزعة للحُب بين الإبن والأب وفق مبدأ الاعتراف بجميل التربية الذي يقتضي الإيثار والطاعة، "فمن أجل أبي الحبيب أُقسِم على أن أعيش زاهداً بكل شيء وألَا يعرف حُبَ النساء طريقاً إلى قلبي أبداً". هذا لأن أبيه أحب فتاة لم يقبل أبوها بتزويجها منه إلَا إن أصبح أولادها هم الحاكمون، فآثر (بيشيما) التضحية بالمُلك من أجل سعادة أبيه، لتصل تضحيته بعد أن يتزوج أبيه ويشب له ولد من بنت كبير الصيادين أن يُحارب بالنيابة عن كبيرهم الذي لم يكن فارساً ولا مُحارباً، وبعد انتصاره في المبارزة أهدى النساء اللواتي ربحهن لأخيه "الملك الشاب ابن أبي".

لم يكن (فايسنا) راوٍ للـ "مهابهارتا" إنما كان هو من يُمثل سبب الصراع فيها واحتدامه، لأنه تزوج من الفتاتين اللتين كسبهنا (بيشيما) في المُبارزة = (المباراة) ولأن أخيه مات قبل أن يدخل بهنَ، فأختير (فايسنا) ليكون زوجاً لهنَ، واحداهن أغمضت عينيها، حين الدخول بها، فكان الأسطورة تؤكد بأنها ستلد ولداً أعمى، والأخرى خائفة منه ولكنها ستلد ولداً آخر شاحباً!.

يبدأ الصراع بين ولديَ (فايسنا) الأعمى والشاحب، من هو الملك؟.

في حوار دراماتيكي بين باندو الشاحب وغزالة كان يرنو لصيدها:

ـ الغزالة: "الحكمة لا تدحض القدر بل القدر يدحض الحكمة.

ـ باندو: إلى ماذا ترمين أيتها الغزالة؟.

ـ الغزالة: كيف تُقَدِم يا باندو، وأنت ذو علمٍ عظيم، على قتلنا، حبيبي وأنا؟.

ـ باندو: للبشر الحق في صيد الغزلان، البشر عامة والملوك خاصة فما لومك؟.

ـ الغزالة: ألومك على جهلك بقيمة مُتعة الحُبَ.

ـ باندو: أصبتي في لحظةٍ تستلذها الكائنات جميعاً.

ـ الغزالة: وأنت تعلم أن لذَة الأناث تعلو على غيرها من اللذَات.

الملك الأعمى

في الملحمة يرد إسم (دريتاراشترا) الأعمى أخ (باندو) الذي يُقلَده (باندو) الحُكم بوضع وشاح حريري على كتفه بطريقة ملكية.

(كَانداري) زوجته المُستقبلية لم تعرف أنه أعمى، إلَا بعد أن أخبرتها خادمتها بالأمر، فتعجبت وقالت: "إذا كان أعمى فليس له أن يحكم إلَا في الليل...

الخادمة: إنه أعمى يا سيدتي.

كَانداري: لمن أصباغي إذاً، ولمن ثوبي إذا كان زوجي لا يراني، لمن ضفائري وحُمرة شفتي، لمن جسدي ولون عيني؟ أعطني وشاحي.

احتدام الصراع

في حوار (دراماتيكي) مُفعم بالأسى والحُب معاً بين (باندو) و (مادري) مع شخصيات أخرى ينتهي (فاياسا) بعد أن تذكر له أمه خبر إلقاء (مادري) لنفسها في النار بالقول: "لأن الأرض فقدت صباها يا أمي. ذلك الصبا الذي مرَ مثل حلم. كُل يوم إنما يمر بنا الآن نحو الاضمحلال والدمار.

أم (فاياسا): تُرى أي صراع رهيب ذلك الذي تتنبأ به يا ولدي؟".

تظهر شخصيتان في الملحمة هما (بيشيما) و (دورونا) وهما يبدوان مُماثليَن لشخصيتي (كلكامش) و (أنكيدو)، فكلاهما يُتقن الحرب والقتال، وكلاهما يُتقن الحُب والحكمة، ولكن اللقاء بين (بيشيما) و (دورونا) هو لقاء تعاون من أجل فض الصراع بين المُتنازعين.

الصراع يحتدم ولا خلاص منه، بين (دوريودانا) و (كارنا) كل واحد منهما يُمثل قوة من طرفي الصراع في العائلة، ورغم حكمة (دورونا) و (فاياسا) إلَا أنهما لم يتمكنا من منع القتال بين الأخوين غم اعلانهما الصداقة والاعجاب المُتبادل بينهما. ليختم (دورونا) بالقول: "القدر وحده الذي لا يُقهر".

الآلهة في الملحمة ثلاث:

ـ براهما: الخالق الذي لن نراه أبداً.

ـ شيفا المُدمر: المُشتعل الحاضر دوماً عند نهاية التاريخ.

كريشنا يظهر على هيأة بشر، وأفعاله خبيئة وسرَانية ولكنها تصبح واضحة بطريقة غامضة. يقول أن بإمكانه أن يوجد في كُل مكان هُنا وهُناك هو الماء وهو رجفة وريقة الشجر. إنه أنت في الُلبَ من كُل ذلك اللامرئي.

كريشنا يظهر في الملحمة وكأنه المُخلص للبشر من سوء أفعالهم، ليُبلغ البشر أن حياتهم في الأرض لن تكون بين حرب وسلام، بل "بين حرب وحرب". والحرب ربما تكون في داخل النفس، وربما تكون حرباً مع آخر. "دمار طريق الحق ودمار نظام العالم..ودمار الدراما العظيم، وهذا هو الأسوء"..

 

ا. د. علي المرهج

 

قاسم حسين صالحالأستماع لرأي الناس وذوي الأختصاص.. واجب وفضيلة

تنويه: كنا نشرنا مقالا بعنوان (المرجعية الموقرة مع التحية.. ما هكذا تحلل وتعالج مصائب الناس).. خلاصته ان الشيخ عبد المهدي الكربلائي دعا في خطبة الجمعة الأولى من رمضان المبارك (10 مايس 2019) الى (توظيف معطيات هذا الشهر المبارك لأجراء التغيير لاصلاح النفوس للفرد والمجتمع)، وشخّص سبب (كثرة حالات الانتحار والطلاق والتفكك الأسري بالخواء الروحي والمعنوي)، وقدم رؤيته في علاجها بأننا (نشكو في مجتمعنا من حالة الجفاف الروحي والمعنوي، نحتاج الى إغنائه، اذا قويّت الاتصال والارتباط بالله تعالى وهذا يعني انني اعتقد ان لي رب قادر وحكيم ورحيم وعطوف بي وحنون عليَّ هو سيعينني على ان اتجاوز هذه المشاكل والازمات واتخلص منها بنجاح ولا اقع في الفشل والاخفاق واليأس والاحباط وغير ذلك من هذه الامور النفسية..).. ما يعني أن فضيلة الشيخ الكربلائي، يطلب من الشاب الذي يقرر الانتحار ان يتوجه الى الله سبحانه ليحلها له أو يصبّره عليها.. في بلد نهب ثرواته (حيتان الفساد) باعتراف سابق للمرجعية، وان فيما قاله ما هو اخطر، لأن ما يفهم من كلامه انه يدعو الشباب لتفويض أمرهم الى الله سبحانه وترك الفاسدين من السياسيين يستمرون بسرقة ثرواتهم ومستقبلهم، فضلا عن ان فيه تخديرا يصرفهم عن دورهم في التغيير بتحقيق العدالة الأجتماعية التي أمر بها الاسلام، وعمل أمير المؤمنين الأمام علي على تطبيقها في خلافته واوضح تفاصيلها ومواصفات الحاكم في عهده لمالك الأشتر.

 وكنا استطلعنا رأي اكاديميين ومثقفين وقرّاء فيما قاله فانتقدت الغالبية المطلقة حلّ فضيلته وشخّصوا الاسباب في العملية السياسية وفي احزاب اسلامية محسوبة على المرجعية وفي تغير مواقف المرجعية من الطبقة السياسية.

 الاستماع لرأي الناس واجب وفضيلة

 تفترض المرجعية الموقرة أن على الناس ان تستمع لها وتعمل بما تقوله، وهذا صحيح في الجانب الديني والشرعي لأنه تخصصها المتعمقة فيه وعلى المتلقي الألتزام بما يقوله من بلغ رتبة الأجتهاد.غير انها اذا تحدثت في ظواهر اجتماعيىة (انتحار، طلاق، تفكك أسري) فان عليها ان تستمع لما يقوله علماء النفس والأجتماع، واذا تحدثت في السياسة فان عليها أن تستمع لما تقوله الناس فيما تدعو اليه.. وتلك هي مهمة هذا المقال، نورد فيه نماذج من التعليقات بشأن الحل الذي اقترحه فضيلة الشيخ الكربلائي ومداخلتنا العلمية عليه في المقال المنشور سابقا:

- الدعاء وسيلة مساعدة تمدنا بالعزيمة والاصرار للتغيير، اما ان تكون هي وسيلة التغيير الوحيدة كما تدعونا المرجعية فهذا خواء من نوع اخر يدل على حرج موقف المرجعية بعدم قدرتها على تغيير الامور وعدم قدرتها على الاعتراف بذلك حتى لا تخسر مكانتها امام الناس.

- سلمت أناملك وعقلك استاذنا الفاضل على هذا التحليل والكلام الدقيق والجريء عسى أن يلقى استجابة من مرجعتنا المحترمة.

- تحليل دقيق سيدي الفاضل ينير العقل.. ولكن لاحياة لمن تنادي

- يتحدثون عن زهد الأمام علي عليه السلام ويعيشون ترف معاويه وبني العباس.

- احسنتم دكتور قاسم. تشخيص ورؤية علمية دقيقة للوضع المرتبك والمتشابك وهذا ما يجول في خاطرنا.. وأعتقد أن الأمور اعقد بكثير مما تتصور، فوضع الخدر والكلام من فوق الابراج العاجية لا يقدم ولايؤخر شيئا .. ويبقى الحال كما هو عليه وقد ينحدر للأسوأ.

- على المرجعيه المشاركه الفعليه بادارة الامور مثل فتح مكاتب لتسجيل العاطلين عن العمل وتعين وجبة منهم كل ستة شهور.

- صراحة ودقة عالية في التشخيص وجرأة بمكانها. نعم لابد من فعل صريح للمرجعية يخيف السياسيين.

- لقد وضعت النقاط على الحروف في هذا المقال الرائع وتكلمت بدلا عن اغلب العراقيين ومعاناتهم الحقيقية.

- مقال جريء.. النفق المظلم جدا طويل، في بلد المصلحة الضيقة.

- ان تحسس المرجعية لهذه الظواهر الاجتماعية الخطيرة ليس كتحسس الاختصاصيين، ولذلك لن يشعروا بالحاجة العملية لعلاجها، فضلا عن ان كل حاجاتهم مشبعة.

- هل يحق للمرجعية الكريمة ان تصادر الاختصاصات العلمية وتجتهد في غير اختصاصها الشرعي؟وهل جميع الاحزاب الدينية الحاكمة في العراق لها ايديولوجية فكرية وطنية تعالج احوال المواطن والامور الانسانية الاخرى؟ ومتى نفهم الأدوار والحدود لكل منظمة او حزب او حتى المرجعية.. ماهي حدودها؟

- لا اذن تسمع، لانها تمس مصالحهم.اي رجل دين هذا ياخذ راتب برلماني وراتب جهادي واموال الزكاة بحوزته!. انهم يسكنون بروجا عاجية ويطلبون من فقراء القوم الذهاب الى الله وكاننا بعيدين عن الله.

 المرجعية والسياسة

 يمتد تاريخ المرجعية الى عام 448 هجرية يوم اضطر كبير علماء الشيعة الشيخ ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي النزوح من بغداد الى النجف اثر هجوم السلوجوقيين على داره واحراق كتبه لتتحول النجف الى جامعة كبرى ايضا يقصدها طالبو العلم من معظم بلدان العالم، وثّقها الرحالة ابن بطوطه بتعريف لمدارسها ونظام منح الاجازات العلمية. وكان أبرز مواقفها التاريخية هو (ثورة العشرين) حيث افتى علماؤها بالجهاد ضد هجوم الانجليز على العراق بالحرب لعالمية الاولى الذي وصفته بالتدخل السافر على الوطن.

 ما يهمنا هنا هو موقفها من السياسة بعد 2003، وحوله تختلف الأراء.فهناك من يرى ان الضرورة اقتضت ان تتدخل لأنها المرة الأولى بعد اكثر من الف عام يستلم فيها الشيعة السلطة وان عليها دعم احزابها الاسلامية الشيعية، فدعت الى المشاركة بالأنتخابات وساهمت في كتابة الدستور واصدرت فتوى الجهاد الكفائي.. ويحسب لها انها حافظت على وحدة العراق ودعت لقيام دولة مؤسسات مدنية، فيما يحسب عليها دعمها لقائمة الائتلاف العراقي الموحد في انتخابات (2005) التي ادانتها فيما بعد ووصفت قادة فيها بـ(حيتان الفساد). وهناك من يرى انه كان من الأفضل لها ان تبتعد عن السياسة لأنها لعبة لا تحكمها قواعد ولا دين ولا اخلاق، وان دخولها فيها يحتم عليها ان تلعبها لصالح الناس، الذين انتظروا ان يصدر منها موقف حاسم، لكن معظمهم اصيبوا بالخيبة لأنها غالبا ما تخرج في خطبها بتلميحات، وتعدد مواقف فسّرها كثيرون بأن السياسيين وضعوا المرجعية في (ورطة). فبعد ان (بح صوتها) من نصح (قوم كانوا يجتمعون على الباطل ويتفرقون عن الحق – بتعبير أحدهم)، اضطرت الى ان تبتعد عن السياسة، واضطرها سوء الحال الى ان تعود اليها ، وانها كانت قبل( 2010) قد التزمت الصمت ازاء الفاسدين الكبار فيما حصل في (2015) تحول صريح بمطالبتها حكومة السيد حيدر العبادي بالضرب بيد من حديد على الفاسدين بغض النظر عن أي انتماء كان.. وتلك التقلبات في المواقف كانت مآخذ عليها حتى من مقلديها.. وأحد أهم أسبابها انها ما كانت تستمع للناس وذوي الأختصاص في العلوم الأنسانية من المستقلين سياسيا.

والحل.. ؟

 علينا ان نعترف بوجود ثلاث اشكاليات، الأولى:موقف المرجعية من العملية السياسية، والثانية:موقف المرجعية من ذوي الأختصاص والمثقفين في الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي تضاعفت في زمن حكم احزاب الاسلام السياسي، لاسما: الآنتحار، الطلاق، التفكك الأسري، تعاطي المخدرات، الأنحرافات الجنسية، الألحاد، والثالثة:ازمة الثقافة والمثقفين العراقيين ووصول الناس الى (راحة) اليأس.

 وللوصول الى حلول عملية لصالح العملية السياسية والمرجعية والناس، فأننا ندعو لعقد مؤتمر تتبناه المرجعية ويشارك فيه اكاديميون ومثقفون وخبراء في علم النفس والاجتماع مستقلون سياسيا، ومنظمات مجتمع مدني.. يضع استراتيجية تنفّذ على مراحل، ويخرج بتوصيات تلزم الأطراف الرسمية والأهلية العمل بها.. وبدونها تبقى الغيبيات وتمنيات اليأس وعزاء الذات تتحكم بالناس، ويبقى الفاسدون ينهبون ما تبقى من ثروات وطن.. اعتبروه غنيمة لهم فتقاسموه، وما خافوا.. ولن يخافوا الا متى شعروا ان المرجعية والناس والمثقفين.. قد توحّدوا.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

احمد شحيمطعمر الخيام (1123- 1047م) شاعر وعالم فارسي ولد في نيسابور بخراسان. بارع في تخصصات أخرى كالرياضيات والفلك والفلسفة . تكثر الأقوال في حقه في مجال السلوك والأخلاق والعقيدة. وما يدعو إليه الخيام من الإقبال على الملذات والمجون. وبين قائل أن الخيام في ندائه من أجل الحق والحقيقة تكشف أشعاره عن الميل إلى طلب الاستغفار وإعلان التوبة من الله.

شهرته فاقت حدود فارس إلى العالم الغربي في ترجمة أشعاره خصوصا الرباعيات. فاختلف العلماء في تصنيفه من الجانب الخاص بالعقيدة الإسلامية. واتهامه من قبل أطراف بالإلحاد والزندقة . ويشهد الطرف الآخر أن الخيام مات مسلما. وكان فيلسوفا مشككا في الحقائق ولا يكتفي بالجاهز وأنه ذاق من زعاف الواقع ومرارة الدنيا ما جعله يزداد عشقا للحياة في مجون ولذة بالخمر في نشوة ابيقورية. ولذة عابرة وباقية في نسيان الهموم وأعباء الحياة وقلاقل العصر ومشاكله.

تعرضت الرباعيات للنقد بالقول أنها تحريض على المجون والزندقة ودعوة للانحلال والفسق. والحقيقة أن في كتب التاريخ لم تسجل الأقوال السلبية المغالية في القدح للشاعر عمر الخيام بل العكس أنها تنم عن ذكاء وعبقرية الرجل في الوصف والتغني. والنداء الوجودي في حالة القلق وعدم الشعور بالراحة والاستكانة . بحثا عن الذات خارج سياق الجماعة. لحظة صمت وقول في صميم الوجود الأصيل. ولحظة التعبير عن الحقيقة في مناجاة الحق وطلب الرحمة والمغفرة . قلة الإخلاص في الطاعة لله كما يقول الخيام فالرحمة الإلهية أوسع في نيل الرضا والمحبة لكل التوابين .

نفحات صوفية عميقة في شعر الخيام. لا يلمسها إلا من يتأمل في مرامي الفكرة النابعة من عمق الباطن. في صفاء القلب والفطرة التي تعني أن الخيام لم يكن كذلك بالأقوال السلبية التي قيلت عنه. لكن الخيام ابن بيئته. عبر عن ما يخالج الذات من إحساس وجمال بعظمة الحق. وما في الذات من أسرار إلهية في بلوغ الكمال. وما يعيشه داخل مجتمع يعاني الانقسام والتصدع. في نفاق وجشع وصراعات.

القلب قد أضناه عشق الجمال. ولا يهتدي العاشق إلا عندما يخفق القلب ويدق في صدق المشاعر وطيبوبة النفس. في ظل التوتر بين الذات والوجود تصبح الأنا في ولع شديد للبحث عن الحقيقة. أمل الإنسان في الغد كبير. وعمر الإنسان يقاس بالساعات واللحظات . لا نوم بعد اليوم. والحيرة شديدة بلغت حد التفكير بعمق في أسرار الوجود. وزيف العالم. في حيرة وقلق من الرتابة والوجود المزيف. والحيرة تولد التفكير في الحياة. والتأمل في معنى الوجود الانساني . هذا الانسان لم يختر الوجود بل قذف الى العالم كما تقول الوجودية . يزيد الإثم وتتعاظم الخطايا. ولا سبيل إلا بالرحيل والتفكير في الموت. وقوة الحق في رحمة أوسع واشمل. فالخيام عاش لا يشرك في وحدة الله ولا أمل إلا في التوبة والعفو عن البائسين.

في الواقع اكتب هذه الكلمات وفي أدني رنين الموسيقى والكلمات وصوت أم كلثوم في رباعيات الخيام التي ترجمها بدقة وجمالية الشاعر المصري أحمد رامي. ترفعنا الكلمات من مستوى الواقع المزيف والوجود البسيط إلى عالم السمو في الكلمات واللغة الشعرية التي تتدفق عذوبة وجمالا. صوفية عالية في كلمات تلامس المعنى والحقيقة . في عالم يكشف فيه الخيام الإدراك ومعانقة الحق بالقلب والعشق .

عاشق للحقيقة النابعة من صفاء الرجل وسريرته في مناجاة الحق. أن يقلع الرجل عن الخطايا والحياة الرتيبة التي كان الخمر واللذة من سماتها. واللجوء إلى عالم أكثر سموا في حيرة فكرية لا يرقى إليها سوى الفلاسفة وأصحاب الذوق. صوت ونداء في السحر” بالفتحة والتشديد”. صدى النداء ينزل من الأعلى في تلبية النداء والشعور بامتلاء الوجدان. وصفاء القلب في الاندفاع نحو القول والتعبير بالكلمات والجمل المفعمة بالحكمة عن الوجود الأصيل. وحالة الاغتراب والتيه الذي يعاني منه الإنسان في عصر القلاقل والصراعات.

ويمكن القول أن نفور الخيام من الناس. ومن عالمهم المزيف من العوامل التي ساهمت في شهرته على مستوى الكتابة. حتى أن الرباعيات منعت في عصره. وبقيت موجودة ومحفوظة عند تلاميذه. وزاد من شهرته في الغرب ترجمة الشاعر فيتز جيرالد للرباعيات. والى العربية ترجمت أكثر من 15 مرة علما ان جزء منها بالعربية والاخر بالفارسية . كما ترجمت من الفرنسية والانجليزية الى اللغة العربية . أحمد رامي واحد من المترجمين .

إعجاب الكتاب بالخيام فاقت الحدود والتوقعات دون أن يختزل الشاعر الفارسي في الزندقة والمجون بل في عمق الكلمات ودلالتها وحكمة تفيض معنى ضد عالم هيمنة الملل والنحل. أتقن اللغة العربية وهام بالشعر. وكتب من أعماقه شعرا عميقا. فمن بين الأبيات في سر الوجود والانهمام بالذات للتأمل في الغايات البعيدة وفي الحياة والموت.

سمعت صوتا هاتفا في السحر … نادى من الغيب غفاة البشر

هبوا املأوا كاس المنى … قبل أن تملأ كأس العمر كف القدر

صوت من السماء . في نداء الحقيقة التي لا تأتي الا بالكشف . في صيحة مفاجئة في الاقلاع عن الملذات . حياة الزهد والعلم . وحيرة العاشق الذي لا يعيش حياة العبث . بل ما وصل الينا من شعر بترجمات مختلفة الا وينطوي على قيمة هذا العالم في نسج ابيات من عشق الحياة والتفكير في الوجود والموت . قراءات متنوعة في رباعيات الخيام . هناك من وجد في عمر الخيام سوى رجل خرج عن جادة الصواب والايمان . ومن تأمل في اعماق الرباعيات ومرامي التفكير في معنى الحياة وفي زمانية الكائن وحقيقة الكينونة . ادرك المعنى بالقلب والعقل . تأملاته الفلسفية في الرباعيات تعني ان عمر الخيام كان بالفعل فيلسوفا يطرح اسئلة عن الوجود والموجود . فكتب عن سر الوجود . وعن حيرته في الكون وما صدر عن الحق .

لبست ثوب العيش لم أستشر  ***   وحرت فيه بين شتى الفكر

وسوف أنضو الثوب عني ولم  ***  ادرك لماذا جئت . أين المقر

نداء الحقيقة في تأملات الخيام عن الوجود والحياة . في ضجر العالم والشاعر من العيش واكراهات الزمان . في واقع قاتم حيث عاش الخيام في عهد السلاجقة . وفي علاقته بحسن الصباح . في الصراع على السياسة والملك . تبدو القضية في غاية الصعوبة للقول الفصل بالانفصال أو الاتصال على تنوع الآراء في ذلك . أما في المجال العلمي كثيرة تلك المواقف القائلة بقوته وذكائه في الرياضيات والفلك والفلسفة . وان المصادر التي تؤرخ لذلك تعرضت للنهب والحرق والسرقة ... وفي الحياة الخاصة للخيام . ان الانصراف نحو اللذة وشرب الخمر والميل للهو في مرحلة ما من العمر . فهذا يعني ان الاختيار لم يكن نابعا من قناعة ثابتة بل هي الدنيا التي تجر اهلها نحو افعال عرضية . وما وراء الاعراض توجد الجواهر والماهيات .

لم أشرب الخمر ابتغاء الطرب  ***  ولا دعتني قلة في الادب

لكن احساسي نزاعا الى   ***   اطلاق نفسي كل السبب

أفنيت عمري في اكتناه القضاء  ***  وكشف ما يحجبه في الخفاء

فلم أجد أسراره وانقضى   ***   عمري وأحسست دبيب الفناء

يبقى عمر الخيام شعلة تضيء طريق السلام والمحبة في رسائل الخيام. وتأملاته في الوجود والإنسان. وفي الحياة والموت وفي الاغتراب وضياع الأمل. ينير الشاعر طريق العبور والالتقاء بين الشرق والغرب. ونقطة الالتقاء بين العرب وبلاد فارس. وصلة وصل بين الامم في نشر رسالة التسامح والمحبة لما يجمع الامم في المشترك . من الانسانية والمصير . ففي ترجمة الرباعيات دليل على حسن الإنصات للشعر الذي يلامس فيه الخيام حاجتنا للسير وفق خطى القلب والعقل. وحاجة الغرب للشرق في الروحانيات والاشراق.

فالخيام وليد عصره. شعوره بالغربة في بيئته ونزعة التشاؤم ومقاومة الحياة بالانصراف نحو اللهو نوع من الهروب من الأوضاع السائدة. ومشاهدته للدسائس والتعصب المذهبي. فجاءت أشعاره انعكاسا للبيئة . وتأملاته في الحياة وغايات الإنسان في العيش. وانعكس هذا الفكر على الشعر. ليعبر الخيام عن الوجود الأصيل.

الروائي والأديب اللبناني أمين معلوف في عمله «سمرقند» ينقلنا إلى عالم الشرق. من مدينة الخيام وفي أمكنة وأزمنة مختلفة يعثر على حل للمشاكل العالقة بين الشرق والغرب. وبين الشرق ذاته في الهويات القاتلة والمدمرة للتعايش وحسن الجوار. ويستلهم في الحل شخصية عمر الخيام وأفكاره. في عملية الدمج للهوية المشتركة. في نقطة متصلة للاتقاء بين الروح الشرقية وما في الشرق من روحانية. والغرب في العقلية المادية. وفي سرديات أمين معلوف بحث عن الخيوط الناظمة في عملية التثاقف بين الشرق والغرب . وتفكيك الهويات القاتلة في مجتمعات منقسمة ومتشظية .

 

بقلم : أحمد شحيمط  من المغرب

 

محمود محمد عليفي الجزء الثاني من مقالنا "غواص في كتاب سيبويه"، نناقش منهجية سيبويه في الترتيب، والتبويب، والمصطلحات، حيث نلاحظ أنه علي الرغم من أن كتاب سيبويه أول كتاب وصل إلينا في النحو حاول أن ينهج النهج الطبيعي القريب إلي الإفهام والإدراك في زمانه؛ إذ كان الناس، وكانت مؤلفاتهم تعتمد علي ما يدور في مجالسهم من آراء ومناقشات، وروايات في مختلف الموضوعات . ويعتمد كل موضوع في هذه المؤلفات على أسلوب هؤلاء الشيوخ وطريقتهم في الجدال والنقاش، لذلك نجد أسلوب سيبويه في الكتاب يختلف من باب إلي آخر تبعاً للموضع نفسه، ولسهولته، أو صعوبته، ولتحديد معالمه في زمانه أو جدته عليه، لأن سيبويه عمل كتابه علي لغة العرب وخطبها وبلاغتها . ولذلك كانت ألفاظه تحتاج إلى عبارة وإيضاح لأنه ألف في زمان كان أهله يألفون مثل هذه الألفاظ فاختصر علي مذاهبهم . اتبع سيبويه في كتابه أسلوب العرض السهل السريع القائم علي الإيجاز في التعبير والإكثار من الأمثلة، فهو يعرض القاعدة ثم يمثل لها بأمثلة مستقاه من كلام العرب . مثال ذلك كلامه في باب "اللفظ للمعاني". يقول: "اعلم أن من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعني واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين، فاختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين هو نحو: جلس، وذهب. واختلاف اللفظين والمعني واحد نحو : ذهب وانطلق، واتفاق اللفظين والمعني مختلف قولك : فوجدت عليه من الموجدة، ووجدت إذا أردت وجدان الضالة وأشباه هذا كثير ". وقد يفسر ما يقوله كما نري عند كلامه على باب نفي الفعل .

فهو هنا يحاول أن يوضح أمثلته ويقربها إلى أذهان القارئين بتشبيه عبارة بأخرى أقرب منها إلى الأذهان : يفعل هذا في الأبواب البسيطة الواضحة . وقد يستشهد بآراء شيوخه أو بفصحاء العرب في المواضع الصعبة التي يرى أنه من الواجب أن يستشهد عليها بآرائهم، أو لاختلاف شيوخه في المسألة الواحدة، ولنستمع إليه في باب " ما يذهب التنوين فيه من الأسماء لغير إضافة، ولا دخول الألف واللام، ولا لأنه لا ينصرف، حيث كان القياس أن يثبت التنوين فيه، فهو ينقل هنا رأى "يونس" و"أبي عمرو" وفصحاء العرب لحاجته إلى آرائهم في هذا الموضوع ولاختلاف العرب فيه، ونجده يشير إلي صحة قول "يونس" بقوله :"وهكذا سمعنا من العرب " .

في هذه الأمثلة، وفي غيرها نجد أسلوب سيبويه سهل الفهم، قريب التناول ويعسر في بعض الأحيان فهم تعبيره لغموض العبارة واستغلاقها، مثال ذلك قوله عند كلامه في باب الأمر والنهي .

وسيبويه في طريقة بحثه يذكر القاعدة وأمثلتها، ويمزج ذلك بالتعليلات، وبيان وجه القياس، ويعرض الآراء المختلفة في الموضوع الواحد، ويفضل بعضها حسب ما يراه موافقا للصواب . ويفرض فروضا يضع لها إحكاما فيقول مثلا:" إذا سميت رجلا بأثمد لم تصرفه، لأنه يشبه اضرب .وإذا سميت رجلا بإصبع لم تصرفه لأنه يشبه اصنع .وإن سميته بابلم لم تصرفه لأنه يشبه اقتل".

وكثيراً ما نجد سيبويه يمزج أبواب النحو في صورة عجيبة، فهو ينتقل من الباب إلى غيره، قبل أن يستوفي أحكامه، فمثلاً نجد الكلام على الفاعل قد ابتدأ من الصفحات الأولى في الكتاب، ونثر الحديث عنه في صفحات الكتاب في قفزات غير منتظمة، بحسب تداعي المعاني الذي أثر على منهجه، فهو لا يحدثك عن أحوال الفاعل مع فاعله تذكيرا وتأنيثا إلا عند حديثه عن الصفة المشبهة ليقول :" إن الوصف مع مرفوعه كالفعل مع فاعله في التذكير والتأنيث "، ولكنه لا يستكمل الحديث علي تأنيث الفعل للفاعل إلا في الجزء الثاني، فضلا عما أسبغه علي الفاعل من أبواب ليس لها بها علاقة مباشرة، والحديث فيها أو لأجلها قد لا يختص بالفاعل .

وتتعجب من منهجه، وهو يقدم لك المادة النحوية، المرفوع إلى جانب المنصوب والمجرور " فعندما تحدث عن المسند والمسند إليه، كان عليه أن يستوفي أبواب المسند إليه من ابتداء، أو فاعلية، أو غيرهما ثم يعود إلى المسند ليستوفي أنواعه وأحكامه، ولكنه لم يتبع ذلك، وكثيرا ما تقول وأنت تقرأ الكتاب : ليت ذلك الباب وضع هنا، أو ليت ذلك الفصل قد انتقل إلي هناك، وقد يكون باب الإسناد أحسن حالا من باب الحال الذي لم يضع له عنوانا مميزا، بل نثر الكلام عليه هنا وهناك، فنجده ضمن أبواب المفعول، والمفعول المطلق، والتوكيد، والمصادر، والاستفهام، موزعاً مسائله في أماكن شتي تبعاً للمناسبات التي تستدعيها، فهو وإن فكر في صناعة الأبواب لمسائل النحو إلا أنه لم يستطع ضم مسائل كل باب بعضها إلى بعض، ليكون منها سلاسل متصلة الحلقات متتابعة الاختصاص، بل راح يذكر بعضها في موضع ولا يوفيه حقه من البحث إلا في موضع آخر، بحسب استدعاء المناسبة له، وكأنما برزت العلاقة بين المسألتين أو المسائل النحوية بطريق الصدفة، فأثبتها في مكانها لكي لا تنسى، ولو فكر في وضع كتابه وضعا أخيرا ونهائيا، فربما كان يجمع المتفرق إلي بعضه، ويخلص كل باب مما هو بعيد الصلة به، فيجعل حديثه عن المرفوعات أولًا حتي إذا ما انتهي منها، انتقل إلى المنصوبات، فالمجرروات، وهكذا، ولكن فكرة الأبواب لم تكن بعد قد تميزت عنده التميز الكافي شأنها شأن النحو نفسه، والذي لم يتميز عنده بعد عن غيره من علوم العربية، فكثير من الأبواب لم تتحدد معالمه.

هذا النظام في التبويب جعل سيبويه يضطر إلى وضع المسائل النحوية في صورة أبواب كبري شاملة، تندرج تحتها أبواب صغرى ومسائل متعلقة برأس الباب، فطال العنوان بالقدر الذي تضمه مسائل الباب من مشكلات، فلكي يتحدث مثلا عن الأفعال المتعدية، واللازمة، وما يعمل عملها من المشتقات عقد لها باباً من أطول عنوانات الكتاب، قال فيه :" هذا باب الفاعل الذي لم يتعد إليه فعل فاعل،  ولا تعدي فعله إلي مفعول آخر، وما يعمل من أسماء الفاعلين والمفعولين عمل الفعل الذي يتعدي إلي مفعول وما يعمل من المصادر ذلك العمل، وما يجري من الصفات التي لم تبلغ أن تكون في القوة كأسماء الفاعلين والمفعولين التي تجري مجري الفعل المتعدي إلى مفعول مجراها، وما أجرى مجرى الفعل المتعدي إلى مفعول مجراها، وما أجرى مجرى الفعل وليس بفعل ولم يقو قوته، وما جري من الأسماء التي ليست بأسماء الفاعلين التي ذكرت لك، ولا من الصفات التي هي من لفظ أحداث الأسماء، ويكون لأحداثها أمثلة لما مضي وما لم يمض، وهي التي لم تبلغ أن تكون في القوة كأسماء الفاعلين والمفعولين التي تريد بها ما تريد بالفعل المتعدي إلى مفعول مجراها، وليست لها قوة أسماء الفاعلين التي ذكرت لك، ولا هذه الصفات، كما أنه لا يقوي قوة الفعل وما جري مجراه،وليس بفعل "، ثم بعد هذا يفصل سيبويه ما أجمله هنا في أبواب كثيرة، هذا التفصيل قاده أحيانا كثيرة إلي الاستطراد، والانتقال إلى موضوعات قد لا تكون الرابطة بينها قوية، وهو واحد من المآخذ على الكتاب.

أما عناوين الكتاب فتبدو في أمور كثيرة غامضة كل الغموض، وهذا الغموض قد يصل خفاؤه إلي أن يقف القارئ أمامه لا يدرك قدرة حتي يقرأ الباب كله أو جله، ليستنتج من الأمثلة أن هذا الباب انعقد لكذا، فمثلا قوله " باب الفعل الذي يتعدى اسم الفاعل إلى اسم المفعول، واسم الفاعل والمفعول فيه لشيء واحد "، لا اعتقد أن القارئ سيفهم منه لمجرد العنوان أن سيبويه عقده للكلام علي (كان وأخواتها)، وذلك للغموض الذي يلفه باستخدام مصطلحات (اسم الفاعل، واسم المفعول) بدلا من (اسم كان وخبرها) لأن التفكير قد ينصرف أثناء قراءة هذا العنوان إلى الاسم المشتق الذي يجيئ علي وزن (فاعل) أو (مفعول) ويعمل عمل فعله (أما إطلاق اصطلاح (الفاعل) على اسم كان و( المفعول) على خبرها، فعلى المجاز لشبه الأول بالفاعل والثاني بالمفعول، ومثل ذلك غموضا وخفاء الباب الذي عقده للتنازع معنوناً له بقوله :" هذا باب الفاعلين والمفعولين اللذين كل واحد منهما يفعل بفاعله مثل الذي يفعل به "، فما حل هذه الرموز غير قوله :" وهو قولك، ضربت وضربني زيد، وضربني وضربت زيدا .

وهنا ينبري الدكتور "علي النجدي" (في كتابه عن سيبويه) يحدثنا عن منهج سيبويه، فيقول: نهج سيبويه في دراسة النحو منهج الفطرة والطبع، يدرس أساليب الكلام في الأمثلة والنصوص؛ ليكشف عن الرأي فيها صحة وخطأ، أو حسنا وقبحا، أو كثرة وقلة، لا يكاد يلتزم بتعريف المصطلحات، ولا ترديدها بلفظ واحد، أو يفرع فروعا، أو يشترط شروطا، على نحو ما نرى في الكتب التي صنفت في عهد ازدهار الفلسفة واستبحار العلوم".

ونفس الشئ أكد عليه الدكتور " حسن عون " (في كنابه تطور الدرس النحوي)، حين قال: "إننا نظلم الكتاب حينما نعتبره كتابا في النحو، كما إننا نظلم النحو نفسه حينما نفهمه بذلك المعني الضيق الذي يتعارف عليه الناس في عصرنا هذا ... كتاب سيبويه يمثل النحو في شبابه الزاهر، ويرويه لنا في صوره الخصبة الأولي " .

ومن هنا نخلص إلي أن كتاب سيبويه لم يتجاوز المرحلة التجريبية، تلك المرحلة التي تبين استحالة تأثر سيبويه بالمنطق الأرسطي بسبب منهجه التجريبي الذي اتبعه، وأهم ما يلاحظ في هذا المنهج عند سيبويه هو أنّ منهجيته في الكتاب اعتمدت علي العمل الاستقرائي المرتبط بالواقع الاستعمالي لِلُّغة، محاولا تصنيفها، وتحديد علاقاتها على أساس التماثل الشكلي، والوظيفي، وصولا إلى وضع الأحكام والقوانين العامة، بقدر المستطاع، وهذا ما جعل أسلوبه يتسم بالتباين بين الوضوح تارة، والغموض تارة أخرى ممّا استدعى في أحيان كثيرة شرح اللاحقين وتوضيحهم، في حين تميز أسلوب النحاة اللاحقين غالباً وبالأخص عند نحاة القرن السادس الهجري وما تلاها ويجسد هذا الاختلاف تحول أسلوب معالجة المسائل النحوية ؛ إذ تحوّلت من التأسيس تمثيلا لدى سيبويه إلى التأسيس صياغةً لدى النحاة اللاحقين . فلم يكن مثلاً مفهوم الكلام النحوي محدّدا عند سيبويه، ومصاغا بعبارة واضحة، في حين حُدِّد فيما بعد، وقُسِّمَ، ووضع حدٌّ لكل قسم، وفُرِّق بينه وبين الكلم، والكلمة، والقول، واللفظ.

وهذا إن دل فإنما يدل علي أنّ النظرة النحوية اللاحقة في المنهج والأسلوب قد اتّسمت في أغلبها بالتنظيم، والشمول، ومحاولة التفصيل في القضايا النحوية المطروحة، وهو الذي جرَّ النحاة– فيما يبدو– إلى إشاعة النقاشات، والحوارات، والجدل . والتي أفضت بدورها إلى إشاعة التأويل، والتعليل، والعبارات الفلسفية، والمنطقية التي تتطلّبها أصول المناقشة والجدل

فبعد سيبويه ظهر نحاة كبار ارتقوا بالدرس النحوي ومصطلحاته، فصقلوا ما نقلوا، وزادوا على ما وجدوا، وطوروا وابتكروا، ووفوا المصطلح حقه من الدقة والإيجاز والوضوح. ومنهم قطرب محمد بن المستنير (ت: 206هـ) والأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة (ت: 211هـ) وأبو عمر الجرمي صالح بن إسحاق (ت: 225)، وأبو عثمان المازني بكر بن محمد (ت: 249هـ)، وأبو العباس المبرد محمد بن يزيد، فقد استطاع هؤلاء النحاة البصريون بمناقشاتهم الخصبة أن يرتقوا بمصطلحات النحو إلى مرحلة من النضج قاربت الكمال، وفي هذا نجد الدكتور " حسن عون" (في كتابه الدرس النحوي كما ذكرنا من قبل ) قائلا :" أما النحاة بعد سيبويه فإنهم يوجهون همهم إلي صياغة القاعدة النحوية أولًا صياغة علمية منهجية تكشف عن مدي التأثر بالنظريات والمبادئ الفلسفية : تعريف ثم تقسيم للأنواع، ثم حصر للنماذج المستعملة ؛ فتراهم هنا يفرقون بين – إن – المكسورة الهمزة، و- المفتوحة الهمزة ؛ ثم يذكرون مواضع استعمال الأولي مع ذكر الأمثلة علي ذلك، ومواضع استعمال الثانية مع ذكر الأمثلة .‏

وفي هذه الحقبة نفسها ظهر نحاة الكوفة وأبرزهم " الكسائي "، و "يحيى بن زياد الفراء" و "أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب (ت: 291هـ)". وحاولوا أن يصوغوا آراءهم بمصطلحات جديدة، فلم يصيبوا إلا حظاً يسيرا من التوفيق. ودل الدرس النحوي على أن مصطلح الكوفيين للمواد النحوية مصطلح لا يتصف بالشمول والسعة. وعلى أن الكوفيين يفتقرون إلى الإحكام في مصطلحهم . وآية ذلك أن المصطلح الواحد عندهم يدل على موضوعات عدة، كمصطلح التفسير الذي يعني عندهم التمييز والمفعول لأجله. وآيته كذلك أن نحاة بغداد ومصر والأندلس في القرن الرابع الهجري، والقرون التي أعقبته آثروا مصطلح البصرة على مصطلح الكوفة فيما صنفوا، وأن "ابن يعيش "و"ابن هشام الأنصاري"، و"أبا حيان الأندلسي" و"جلال الدين السيوطي"، وأمثالهم استطاعوا أن يكتبوا بمصطلحات البصرة أضخم كتب النحو في لغة العرب. وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

 

زهير الخويلدي"روجر الثاني هو الذي استقدم الشريف الإدريسي ليصنع له شيئا في شكل صورة العالم"1[1]

عاش محمد الإدريسي من 1099 إلى 1165 م بين المغرب والأندلس وزار مصر والحجاز والشرق وانتقل إلى القسطنطينية وآسيا الصغرى و فرنسا وأنجلترا ولكي يستقر بصقلية وينتهي ذكره بعد ذلك.

لقد ولد بسبتة ودرس في جامعة القروين بفاس وبرع في الكتابة والأدب والشعر ولكنه صار عالما بالنبات والجغرافيا والفلك والمناخ والطب والفلسفة واعتبر من أول المؤسسين لعلم الجغرافيا في التاريخ ولقد قام برسم الكثير من الخرائط والصور حول البحر المتوسط وأوروبا وأفريقيا وآسيا ولقد تم اعتمادها برمتها من طرف علماء عصر النهضة الأوروبية ومثلت مادة علمية موثوقة والتي تأسست عليها فيما بعد العديد من التحولات المعرفية في النظرية والتجارب وأدت إلى تشكل العقل الحديث والقطع مع العلم القديم.

من كشوفاته تحديد وجهة الأنهار وقمم الجبال وارتفاعها ومساحة البحيرات وعمقها وحدود الدول ومنبع الوديان وكان له السبق في تفنيد الأساطير التي رددها بطليومس بأن مصدر النيل تلة في القمر ووضع نقطة تقاطع تحت خط الاستواء بين تلتقي فيها الروافد من النيل الأبيض والنيل الأزرق التي يتكون منها هذا النهر العظيم قبل دخوله إلى السودان ومصر وهي موقعه الصحيح، كما أنه اشتهر بتقديمه معلومات دقيقة على أهم المدن وعدد سكانها وموقعها من البحر وأقر بكروية الأرض قبل غيره وشبه حركتها بالبيضة ودرس موقعها في الكون ورصد حركتها في الفضاء محاطة بالمجرات وحدد مواقع الدول بدقة بالغة من خلال رسم الخرائط وإتباع خطوط العرض أو الخطوط الأفقية واستخدم خطوط الطول لكي يفسر تعاقب الفصول وأحوال الطقس ولقد أراد زيارة القطب الشمالي البارد واكتفى بوصف بحر الشمال.

كما تفطن إلى أهمية الطريق الذي تسلكه التجارة الصينية ودور التجار العرب في جلب التوابل والحرير الى أوروبا ودرس الوظيفة التي تقوم بها السفن التجاربية في حمل المعادن والأسلحة والجلود والغذاء.

قد ولع الإدريسي بالعلوم الطبيعية والرياضيات وانتقل إلى البيلق وقرطبة و بغية التحصيل المعرفي في هذا الاختصاص وتتلمذ على ارث عالم الجغرافيا الإغريقي سطراوبون ولكنه تجاوزه في عدة مسائل. 

لقد ألف سطراوبون العرب الكثير من الكتب والمخطوطات ولعل أهمها هو كتاب "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"2[2] وكتاب "روض الأنس ونزهة النفس" وكتاب "الممالك والمسالك" ولقد ذكر كتابين هما "الجامع لصفات أشتات النبات" وكتاب "أنس المهج وروض الفرج" خاص بشمال إفريقيا وبلاد السودان.

لقد اشتهرت خريطة العالم التي نقشها الشريف الإدريسي لملك صقلية على دائرة من الفضة باسم لوحة الترسيم  ووضع فيها صور عن الأقاليم السبعة وقسمها الى عشر أقسام ورسم لها صور خاصة بها وميز بين الجغرافيا والتاريخ ومن ناحية ثانية ركب الجغرافي العربي المسلم البحر في العديد من المرات وكان مولعا بمرافقة السفن التجارية في المتوسط واستكشاف المناطق البعيدة والمجهولة فيه وزياردة البلدان.

لقد غطت خريطته اليونان وآسيا الصغرى وبحر مرمره وبحر ايجه وبحر الشمال ومنطقة مقدونيا ونهر الدانوب وسواحل البحر الأسود وجزء من روسيا ومدينة سان بطرسبورج وتمكن من وصف بلاد فنلندا.

لقد كرمت وكالة النازا الأمريكية هذا العالم الجليل بأن أطلقت اسمه على جبال شوهدت في الحافة الجبلية لمنطقة سبوتنيك تلاتنوم على كوكب بلوتو، في حين ظلت جهوده العلمية في ثقافته ووطنه طي النسيان، غير أن الوافي نوحي حقق جزء من مؤلفاته ونشرها سنة 2007 ضمن منشورات وزارة الثقافة المغربية.

لقد انتصر الإدريسي في الكثير من المواقف والتصورات عن الظواهر الطبيعية في أبعادها الجغرافية والفلكية والمناخية والطبية للحجة العقلية والمنهج التجريبي على حساب الأساطير والخرافات والمرويات. فتى تعيد ثقافتنا علاقتها التأسيسية بالعلم وتتصالح مع العلماء الذين أفادوا الإنسانية بمعرفتهم واختراعاتهم؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

......................

الاحالات والهوامش:

1- صلاح الدين الصفدي، الوافي بالوفيات، دار إحياء التراث، بيروت، لبنان، طبعة 2000.

2- أبو عبد الله الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى، 2010،

 

 

محمود محمد علييعد كتاب سيبويه أول كتاب نحوي كامل يظهر للناس، فقد ضمنه مؤلفه سيبويه قوانين لغة العرب التي استقاها من لغتهم . وضمنه الأبنية التي يستعملونها في هذه اللغة، وموضوعات صرفية أخرى كالتصغير، والنسب، وتضمن الكتاب أيضاً دراسات صوتية لغوية كالإدغام، والإمالة، والإعلال والإبدال، فكان بذلك جامعاً موضوعات علم اللغة الحديث كلها : النحو والصرف، والأصوات، وكان علامة مضيئة في حركة التأليف النحوي .

وقد اتخذ كتاب سيبويه مكانة لا يضاهيه فيها كتاب قواعدَ في أمَّةٍ من الأممِ، فقد جذَبَ أعيُنَ النَّاظرين، وتنافسَ في دراستهِ المتنافِسون وشرحه سبعةٌ وثلاثون شارحا من كبار فقهاء النَّحو ومُفتيه، وصار دليلا على تمكّنِ العالمِ ورسوخِه، ولا أدلَّ على عِنايتهم بهِ أنَّ بعضَهم كانَ يسردُهُ غيباً كما يحفظُ الكتابَ العزيزَ، وجاء في بعض الروايات أنّ "عبد الله بن محمَّد الأسلمي "(نحو 430هـ) كان يختمُهُ كلَّ خمسةَ عشرَ يوما وقد عده "السكاكي" المتوفي 626هـ، ( في كتابه مفتاح العلوم) كتاباً لا نظير له في فنه، ولا غني لامرئ في أنواع العلوم عنه، ولا سيما الإسلامية، فإنه فيها أساس وأي أساس، ورآه "ابن حمزة الأصبهاني" المتوفي سنة 360هـ :" زينة لدولة الإسلام". ولشدة اعتزاز "المبرد" بالكتاب كان يقول : لم يعمل كتاب في علم من العلوم مثله "، وكان "أبو عمرو عثمان المازني "، يقول :" من أراد أن يعمل كتاباً كبيراً في النحو بعد كتاب سيبويه فليستحي مما أقدم عليه . وقيل : بل قال : فليستنجد به. وكان "صاعد بن أحمد الجياني"، من أهل الأندلس يقول في كتابه "طبقات الأمم" : لا أعرف كتاباً ألف في علم من العلوم قديمها وحديثها، فاشتمل علي جميع ذلك العلم، وأحاط بأجزاء ذلك الفن غير ثلاثة كتب . أحدها : المجسطي لبطليموس في علم هيئة الأفلاك . والثاني : كتاب أرسطاطاليس في علم المنطق. والثالث: كتاب سيبويه البصري النحوي . فإن كل واحد من هذه لم يشذ عنه من أصول فنه شيء إلا مالا خطر له . وجاء في المُزهِر للسيوطي في وصفِ كتابِ سيبويه : " الكتابُ الَّذي أعجَزَ من تقدَّم قبلَه، كما امتنعَ على مَنْ تأخَّرَ بعدهُ "، ويكفيه رفعةً أنَّهُ الكتابُ الَّذي لا عُنوانَ له، فإذا قيلَ الكتابُ انصرفَت الأذهانُ إليه لشهرتِه وشهرةِ صاحبِه، وما تلك الوعُورةُ الظَّاهرةُ في أساليبهِ إلا بُرهانٌ على عقليَّةِ سيبويه الفذَّةِ .

وهذا دليل على أن الكتاب لا يحتوي على النحو والصرف فقط، بل يبحث في مختلف فروع العربية، ويتعرض لكثير من المسائل الدينية والدراسات القرآنية، فهو كالبحر في تعدد ما يحتويه من أصناف العلوم والفنون، لذلك كان القدماء يسمونه " البحر "، أو " البحر الخضم" تشبيها له بالبحر لكثرة جواهره ولصعوبة مضايقه، وكان المبرد إذا أراد إنسان أن يقرأه يقول له :" هل ركبت البحر؟ تعظيما واستصعاباً لما فيه فكاه لن يستطيع تحمل مشاق قراءته والصبر على استخراج دقائقه وعويصه إلا من ركب البحر وتحمل أهواله، وإلا من غاص فيه واستطاع استخراج درره وجواهره .

ولم يقف إجلال الكتاب على المعجبين بسيبويه من القدماء، إنما تعداهم إلى خصومه، فكان لهم نصيب كبير في الانتفاع به وتقديره لا يقل عن نصيب المحبين، فهذا "علي بن حمزة الكسائي (ت:  189 هـ)، مع خصومته لسيبويه – يقرأ علي أبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش كتاب سيبويه ويدفع له مائتي دينار . قال أبو العباس أحمد بن يحيي عن سلمه قال : قال حدثني "الأخفش" أن "الكسائي" لما قدم البصرة سألني أن أقرأ عليه أو أقرئه كتاب "سيبويه" ففعلت فوجه إلي خمسين دينارا وقيل بل وهبه سبعين دينارا، وكان يقول : كان الكسائي يقول لي : هذا الحرف لم أسمعه فاكتبه لي فافعل .

أما "أبو زكريا الفراء" وهو من يعلم تتبعاً لأخطاء "سيبويه" ومخالفة له حتي في ألقاب الإعراب وتسمية الحروف . والذي كان زائد العصبية عليه، حتى هذا الخصم نراه لا يستغني عن كتاب سيبويه، إنما يقرأه خلسة وقد وجد الكتاب تحت وسادته بعد وفاته.

ولما كان الكتاب موضوعاً لكل عصر، وليس مقصوراً على دارس دون آخر، نجد المحدثين قد اعتنوا بدراسته وقدروه حق قدره، ولم يكن تقديرهم له أو رأيهم فيه بأقل من رأي القدماء، فالجميع رأوا الحق واتبعوه وعبروا في أقوالهم عن إعجابهم وتعظيمهم للكتاب ولمؤلفه . فهذا الأستاذ أحمد أمين (في كتابه ضحي الإسلام) يقول في معرض حديثه عن نشأة النحو: وتاريخ النحو في منشئه غامض كل الغموض، فأنا نرى فجأة كتاباً ضخماً ناضجاً هو كتاب سيبويه ولا نري قبله ما يصح أن يكون نواة تبين ما هو سنة طبيعية من نشوء وارتقاء، وكل ما ذكروه من هذا القبيل لا يشفي غليلاً " . ويقول عند كلامه علي الخليل :"... واكتفي في ذلك بما أوحي إلى سيبويه من علمه، ولقنه من دقائق نظره، ونتائج فكره، ولطائف حكمته، فحمل سيبويه ذلك عنه وتقلده، وألف فيه الكتاب الذي أعجز من تقدم قبله، كما امتنع على من تأخر بعده ". ويقول متحدثاً عن الكتاب "وحاز الكتاب ثقة العلماء وتداولوه بالشرح وإذا قالوا الكتاب  فإنما يعنونه، وكل ما ألف في النحو بعده فمبني عليه ومستمد منه".

وهذا " بروكلمان" (في تاريخ الأدب العربي)، يقول عن سيبويه وكتابه :" وكان سيبويه الفارسي أشهر تلاميذ الخليل، ومصنف أول كتاب جمع ما ابتكره الخليل إلي محصول الباحثين السابقين " ويقول في موضع آخر: " أما كتاب سيبويه فهو أقدم مصنف، جمع مسائل النحو العربي كافة، وقد زاد المتأخرون كثيراً من تحديد مقاصد النحو، وتبيين حدوده، لكنهم لم يكادوا يضيفون شيئا ذا بال من الملاحظات المهمة " .

كما تحدث عن الكتاب حديث القدر المعترف بقيمته الدكتور" أحمد أحمد بدوي" إذ يقول: " أصبح كتاب سيبويه بعد أن ظهر للناس برنامجاً لمن أراد الدراسة إلا إذا قرأ كتاب سيبويه، وصار اسم الكتاب يطلق عليه، ويفتخر الطلبة بأنهم قرأوه ... والكتاب في نظرنا مرجع من المراجع نعود إليه عندما نؤلف كتابا في القواعد العربية . وهو صور لآخر ما وصل إليه التقدم العلمي في النحو في أواخر القرن الثاني الهجري، لأن الكتاب ثمرة لهذه الجهود المتصلة في تلك المادة منذ أن بدأها "أبو الأسود"، وهو صورة لما كانت عليه دراسة النحو في ذلك الحين من التعليل، والقياس، والاستنباط، والتفريع، واستيعاب الفروض . وفي رأيي كذلك أن كتاب سيبويه كان الكتاب الأول والأخير في النحو، فالكتاب سجل لقواعد النحو، وقف العلماء عندها ولم يزيدوا عليها، وكل من جاء بعده جعل الكتاب أساس دراسته "(ينظر بحثه عن سيبوبه منشور ضمن صحيفة دار العلوم الصادرة في يناير (كانون الثاني 1984م، ص 39).

وننتقل إلى عرض وتحليل لكتاب سيبويه ؛ ولعل أول ما يلاحظ علي الكتاب أن سيبويه لم يضع له اسماً يُفرده به، وربما أعجلته وفاته عن تسميته كما أعجلته عن وضع مقدمة بين يديه، وخاتمة ينتهي بها، فليس في مقدمة الكتاب ما يشير إلي أنه بداية له، وليس في نهايته ما يشير إلي النهاية، فهو مبتور البداية والنهاية، فنحن نفاجأ في أول سطر فيه بهذا العنوان " هذا باب علم ما الكلم من العربية "، وفيه تحدث عن أقسام الكلمة، وأنها اسم، وفعل، وحرف . ونمضي معه إلى نهاية الكتاب، فنجد الحديث ينقطع عند بيان حذف بعض العرب لحروف في بعض الأبنية تخفيفاً علي اللسان، ومثل لذلك فيما مثل بقول بعضهم " علماء بنو فلان " بحذف اللام في على أي علي الماء بنو فلان . ونحس كأنه لا تزال في نفسه بقية يريد أن يضيفها للكتاب . ولعلنا لا نبعد إذا قلنا إنه لم يأخذ الفرصة الكافية كي ينقح الكتاب، ويخرجه إخراجاً نهائياً . وربما كان هذا هو السبب الحقيقي في أننا نجد عنده شيئاً من الاستطراد كأن يتحدث في بعض أبواب النحو عن مسائل صرفية، وكان يتعرض لبعض صيغ ليست من الباب كتعرضه لبعض صيغ الحال في حديثه عن النعت، وقد يتحدث عن باب في موضعين علي نحو ما صنع بجموع التكسير في الجزء الثاني من الكتاب .

وينبغي ألا نظن من ذلك أن الكتاب لم يُكفل له منهج سديد في التصنيف، فقد نسق سيبويه أبوابه وأحكمها إحكاما دقيقا، وخاصة إذا عرفنا أنه أول كتاب جامع في قواعد النحو والصرف . فقد جعله في قسمين كبيرين هما : القسم الأوّل، وهو في أبواب النحو، والقسم الثاني في أبواب الصرف والأصوات، وقد تضمن القسم الأوّل المطبوع الأجزاء الآتية : الجزء الأوّل – مقدمة الكتاب، وإسناد الفعل والجزء الثاني - إسناد الاسم وأحوال إجرائه على ما قبله، والجزء الثالث – الإسناد الذي بمنـزلة الفعل، وقد ضم : الحروف الخمسة، وكم، والنفي بلا، والاستثناء. والجزء الرابع – أحكام الإسناد مع بدائل الاسم المظهر التام المنون : المضمر، والاسم الناقص، وما لا ينصرف، والأسماء في باب الحكاية . وقد ضم القسم الثاني الذي هو في الصرف والأصوات - لما يطبع - الأجزاء الآتية : الجزء الأوّل – أعراض اللفظ  تناول سيبويه في هذا الجزء ما يقع في اللفظ من الأعراض عند النسب، والتثنية، وجمع التصحيح، وإضافة الأسماء الستة وغيرها إلى الضمائر، والإضافة إلى ياء المتكلم، والتصغير، وحروف الإضافة إلى المحلوف به (القسم)، والتنوين، والتوكيد بالنون، وتضعيف آخر الفعل، والمقصور والممدود، والهمز، والعدد، وتكسير الواحد للجمع، وبناء الأفعال ومصادرها وما يشتق منها . الجزء الثاني : تأدية اللفظ : تناول سيبويه في هذا الجزء ما يجرى في اللفظ عند التلفظ به من تغيير صوتي، وصرفي، وأبواب هذا الجزء تلفظ أمثلة الأفعال، والأسماء، نحو يفعَل من فعَل، والإمالة، وإلحاق الهاء فيما يصير حرفاً نحو : عِه، وألف الوصل، والوقف، والإنشاد . والجزء الثالث : بناء اللفظ، وقد تناول سيبويه في هذا الجزء كيفية بناء اللفظ، وعدّة حروفه، وأحواله في الزيادة، والإبدال، والتصريف، والقلب، والتضعيف، والإدغام الذي ضم خمسة وستين باباً، فهو أطول الموضوعات في هذا الجزء، وبه يتم الكتاب .

ويتضح من هذا العرض أنه يخالف في ترتيبه الترتيب التي تتبعه كتب النحو والصرف اليوم، فأول ما يلاحظ من هذا الاختلاف أن ترتيب أبواب الكتاب يختلف عما في كتب المتأخرين، فهو لا يذكر المرفوعات على حدة، وإنما يخلط بعضها بالآخر، فيذكر المسند والمسند إليه، ثم ينتقل إلي الفاعل والمفعول والحال، والحروف التي تعمل عمل ليس، وإلي المبتدأ والخبر والاستثناء. ولا يسير في ترتيب أبوابه وفصوله ترتيبا منطقيا سليما، فهو يقدم أبواباً من حقها أن تتأخر، ويؤخر أبواباً من حقها أن تتقدم، ويضع فصولاً في غير موضعها. وهو يذكر الباب العام ويتكلم عليه، ثم يعقد بابا خاصا لكل مسألة صغيرة حتى يستغرق الكلام جزئيات الموضوع الواحد ومسائله الصغيرة . ولا يذكر مسائل الباب الواحد متصلة متتابعة، بل يذكر بعضها في بعض وبعضها الآخر في موضع ثان، بعد أن يفصل بينها بأبواب غريبة عنها، وفي هذا تجزئة للموضوع الواحد، وتفرقة لمسائله في مواضع كثيرة. وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

محمود محمد عليفي هذا الجزء الثالث من مقالنا غواص في كتاب سيبويه نناقش قضية التبعية والأصالة في هذا الكتاب العظيم، حيث نجد بشهادة كثير من الباحثين أن هناك رأيان متعارضان، أحدهما يقول أصحابه بتأثر سيبويه في كتابه بالمنطق الأرسطي والنحو اليوناني . أما الرأي الثاني فيقول أصحابه أن كتاب سيبويه يمثل إبداعا عربيا أصيلاً .

وسبيلنا الآن هو عرض آراء هذين الفريقين، ثم نذكر رأينا، وذلك علي النحو التالي:

الرأي الأول: الأصل اليوناني للمنهج عند سيبويه:

نبدأ بالرأي الأول، والذي يمكن أن نطلق عليه  الأصل اليوناني للمنهج عند سيبويه؛ حيث نجد أنه قد ثبت في أذهان كثير من الباحثين في النحو العربي اليوم سواء في الشرق أو الغرب، بأن المنطق الأرسطي أمد علماء النحو العرب بكثير من أساليب البحث، ووضع بين أيديهم تجربة غنية في الدرس اللغوي، أفادوا منها إفادة مباشرة في جانب، وغير مباشرة في جانب آخر، وقد اطمأنوا في كثير من الجزم إلى أن ما انتهجه نحاة العربية من استخدام القياس والعلة، وما اصطنعوه في تقسيم الكلام إلي اسم وفعل وحرف، إنما يرجع في أصله إلي المنطق الارسطي، وإلي الثقافة اليونانية عامة .

وقد بدأت هذه النزعة في دراسة المستشرق الألماني " مركس " والذي زعم أن مفهوم سيبويه للحرف يشبه ما جاء في كلام أرسطو عن الرباط Syndesmos . ثم توالي بعده المستشرقون ومعظمهم يجمع علي أن كتاب سيبويه أول كتاب مدون وصلنا في النحو العربي ؛ حيث يلاحظون أن سيبويه قد جعله معرضا لآراء أستاذه الخليل المتأثرة بالمنطق والفلسفة الكلامية، وكذلك لأفكاره الخاصة التي تبدو فيها النزعة العقلية.

علاوة على أن سيبويه كما يرى هؤلاء الباحثون أول ما يطالعنا به في "الكتاب" من الموضوعات هو ذلك التقسيم الثلاثي للكلام إلى اسم وفعل وحرف، حيث يقول "سيبويه": الكلم: اسم وفعل وحرف جاء لمعني ليس باسم ولا فعل"؛ وهذا التقسيم يقول عنه أنصار هذا الرأي مأخوذاً عن التقسيم الأرسطي إلى اسم Onoma، وفعل Fhema، وأداة Sundesmos، وإن كان أرسطو يعمد إلى التحديد المنطقي الصارم، في حين أن سيبويه يلجأ إلى ذكر الأمثلة،  فمثلاً عرف سيبويه الاسم فقال عنه هو " رجل وفرس وحائط "، على أن هذا التمثيل ليس بعيداً جداً عن كتابات أرسطو، لأن لفظتي "إنسان" و"فرس" من الألفاظ التي استعملها دائما عند تقديمه  الأمثلة .

والموضوع الثاني الذي يقف عنده دعاة هذا الرأي من الباحثين معتبرين إياه أثراً من آثار منطق أرسطو في "الكتاب"، هو الحديث عن المسند والمسند إليه، يقول سيبويه " هذا باب المسند والمسند إليه وهما مما يغني واحد منهما عن الآخر، ولا يجد المتكلم منه بدًا "، وهنا يلاحظ بعض الباحثين أن مصدر سيبويه يرجع إلي أرسطو؛ حيث إن قضية الإسناد هي قضية الموضوع والمحمول، كما وردت في كتاب " العبارة "، و" التحليلات الأولي". يقول روبنـز (في كتابه علم اللغة) "لقد نظر المناطقة القدامى إلي المسند والمسند إليه باعتبارهما مكونين جوهريين لكل الجمل التامة ... ومن هنا فإن التطابق بين المسند النحوي في الجملة والموضوع المنطقي في القضية ليس مستغرباً".

وإذا انتقلنا إلي موضع آخر من الكتاب، وهو "باب اللفظ للمعاني" فإننا نجد سيبويه يعالج قضايا "اختلاف الألفاظ لاختلاف المعاني، واختلاف الألفاظ والمعني واحد، واتفاق اللفظيين واختلاف المعنيين " وهذه القضايا متجمعة في نظر بعض الباحثين تطرح قضية أعم، وهي قضية الصلة بين الألفاظ والمعاني، من حيث الدلالة الوضعية . ولقد بحث أرسطو هذه القضايا في كتبه المنطقية، ومن المعروف أن إحدى تقسيمات مباحث التصورات " في نسبة الألفاظ إلي المعاني "، وهذا التقسيم وإن كانت تغلب عليه النزعة الرواقية إلا أنه في جوهره أرسطوطاليس .

وهناك أمثلة كثيرة تبين مدي الصلة بين منطق أرسطو والنحو العربي عند سيبويه، ونذكر منها الدراسة التي أعدها المستشرق الفرنسي "مركس" Merx في كتابه " تاريخ الصناعة النحوية عند السريان Historia Artis: Grammaticae Apud Syros Merx، حيث حاول أن يثبت تأثر سيبويه بالمنطق الأرسطي، وذلك في المواضع الآتية: مفهوم الجنس (التذكير والتأنيث) – مفهوم الحال – مفهوم الظرف- تقسيم أزمة الفعل – مفاهيم الفعل والفاعل  والمفعول .

بل إن البعض من المؤيدين لهذا الرأي قد أعلن أنه لا يضير كتاب سيبويه كتاب في شئ في أن تتضافر عوامل شتي في تكوينه، وأن يُسهم منطق أرسطو في التوجيه إليه، ويكفي أن نشير إلى ذلك الفصل الذي عقده في الجزء الرابع من الكتاب وعنوانه " باب اطراد الإبدال في الفارسية "، حتى يتضح أن سيبويه لم يكن مغمض العينين عن أمثال تلك المؤثرات .

الرأي الثاني - الأصل الإسلامي للمنهج عند سيبويه:

إذا كان بعض الباحثين من الغربيين والعرب قد مالوا إلى القول بتأثر سيبويه في درسه النحوي بالمنطق الأرسطي والنحو اليوناني، فإن فريقاً آخر من المستشرقين والباحثين العرب قد رفض هذا القول، وهنا بدأوا يوجهون انتقاداتهم للمستشرق "مركس" الذي زعم أن النحو العربي مؤسس وفق منطق أرسطو. فلم يأخذ أحد من المستشرقين كلام "مركس" بعين الاعتبار لسببين اثنين. الأول: وفاة الخليل وسيبويه قبل نقل منطق أرسطو إلى العربية . والثاني: قلة التشابه، بل انعدامه، بين النحو العربي والنحو اليوناني. فأقسام الكلم عند العرب ثلاثة (اسم وفعل وحرف) وعند اليونان ثمانية، ولا يوجد أدنى تشابه في علم الصرف وسائر علوم اللغة بين اللغتين.

بيد أن المستشرق الهولندي "كيس فيرستيج"، (في كتابه نشأة  الفكر اللغوي بين اليونان والعرب)، قد حاول التوفيق بين كلام "مركس" والواقع التاريخي، فبين أن مركس كان يخلط في كلامه بين علوم اللغة أيام الخليل وسيبويه من جهة، وعلوم اللغة أيام "ابن جني" الذي يبدو تأثير الفقه الإسلامي والمنطق اليوناني جليا في كتابه الشهير "الخصائص"، من جهة أخرى. ولما استحال إثبات التأثير اليوناني المباشر على النحو العربي، افترض بعضهم التأثير غير المباشر عليه، أي عن طريق السريان الذين اتصلوا قبل العرب باليونان   وعلومهم .

ويكفينا هنا ما قاله المستشرق الفرنسي "جيرار تروبو" G.Troupeau، الذي نشر بحثا في الرد علي القائلين بالفرضية اليونانية والسريانية لنشأة النحو العربي، وهذا البحث سماه " نشأة النحو العربي في ضوء كتاب سيبويه "، ذهب فيه إلي أن القائلين بالفرضية اليونانية والسريانية يرون أن العرب قد اقتبسوا في دراساتهم النحوية أربعة مصطلحات عن المنطق اليوناني هي: الإعراب، والصرف، والتصريف، والحركة، وأنهم اقتبسوا عنهم أيضاً التقسيم الثلاثي للكلمة إلي اسم، وفعل، وحرف، ويقابلها في النحو اليوناني ثمانية، وهي (الحرف، والمجموع، والرباط، والفاصلة، والاسم، والكلمة، والرقعة، والقول)، ثم يأخذ كل كلمة من هذه الثماني،ويقابلها بالتقسيم الثلاثي العربي، وذلك على النحو التالي:

1- ليس لقِسْم الحرف اليوناني قِسْم يقابله في النظام العربي، لأنَّ "سيبويه" لم يجعل حروف الهجاء قسماً مستقلاً في تقسيمه، كما فعل أرسطو. وكذلك ليس لقسم المجموع اليوناني قِسْم يقابله في النظام العربي، لأن مفهوم المجموع المركّب من حرف غير مصوَّت وحرف مصوَّت، مفهوم صوتيّ يختلف عن مفهوم الحرف الساكن والحرف المتحرك الذي نجده عند "سيبويه".

2- أما قسم الرباط اليوناني فإنه لا يقابِلُ إلا جزءً من قسم الحرف العربي؛ ونجد فرقا بينهما، لأنّ الرباط عند أرسطو لفظ خالٍ من المعنى، بيد أن الحرف عند "سيبويه"  لفظ له معنى .

3- يشتمل قسم الفاصلة اليونانيّ على آلة التعريف، والاسم الموصول، وهما عند "أرسطو" لفظان خاليان من المعنى؛ فليس لهذا القسم قسم يقابله في النظام العربي، لأنّ "سيبويه"  يرى أن الاسم الموصول اسمٌ غير تامّ، يحتاج إلى صلة، فيدخله في قسم الاسم، كما أنه يرى أن آلة التعريف لفظ له معنى، فيدخله في قسم الحرف .

4- أما قسم الاسم اليوناني فإنه يقابِل قسم الاسم العربي، غير أننا نجد فَرقاً بين القسمين، لأن الاسم عند " أرسطو" لفظ له معنى يدل على شيء، بيد أن الاسم عند "سيبويه"  لفظ يقع على الشيء، فهو ذلك الشيء بعينه .

5- وكذلك يقابل قسمُ الكلمة اليونانية قسمَ الفعل العربي؛ فالكلمة عند "أرسطو" لفظٌ له معنى يدلّ على زمان، والفعل عند "سيبويه"  مثال أخذ من لفظ حدث الاسم، فيه دليل على ما مضى وما لم يمض؛ غير أننا نجد فرقا بين القسمين، لأن الصيغة غير المبيَّنة aparemphatos مضمَّنة في قسم الكلمة اليوناني، بيد أن المصدر مضمَّنٌ في قسم الاسم العربي، كما أن الصيغة المشتركة metochikon مضمَّنة في قسمي الاسم والكلمة معاً في النظام اليوناني؛ بيد أن اسم الفاعل مضمَّن في قسم الاسم فقط في النظام العربي .

6- وأخيراً، فليس لقسم الوقعة اليوناني قسم يقابله في النظام العربي، لأن مفهوم الوقعة التي تحدث في آخر الاسم أو في آخر الفعل، مفهوم غير موجود عند "سيبويه" ؛ وكذلك قسم القول، الذي هو عند "أرسطو" مركَّب من ألفاظ لها معنى، ليس له قسم يقابله في النظام العربي، لأنّ سيبويه لم يجعل من القول قسما مستقلاً في تقسيمه .

وينتهي بعد هذه المقابلة إلى أنه من الناحية اللسانية يظهر لنا أنه من المستحيل أن يكون التقسيم العربي منقولاً عن التقسيم اليوناني، لأن عدد الأقسام ومضمونها يختلف في النظامين اختلافاً تاماً .

وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

 

عبد اللطيف احرشاوتطرح قضية الثقافة وعلاقتها بالمجتمع غموضا، لا سيما ما يتعلق منها بدور الذات العربية في ظل العلاقة الديناميكية بينهما ومهام الوساطة الملقاة على عاتق الكائن العربي، فسرعان ما تشتعل بين الفينة والأخرى وبإلحاح شديد مسألة المثقف، لنخلص دائما إلى نتيجة مؤداها أن المثقف العربي في أزمة ومحاط بشروط جعلت من أزمته مرتعا للانتعاش.

لا توجد مؤسسة أكثر غموضا للمثقف من التي تدعي تعريفه، قول يشير إلى القلق الناشئ الذي يحيط بالكلمة لإضفاء الطابع الرسمي عليها وبأي طريقة تكون منطقية وغير موضع شك في الوظيفة الملقاة عليه. فالمثقف العربي بالهوية المضطربة سياسيا، يجده ذاته أيضا يصارعها التحدي المعرفي الذي يتمثل في عنف وإدراك رمزي.  كيف ذلك؟ يجب أن يكون على الرغم من ذلك هو الممثل الذي يفكر في الشيء، وفي نفس الوقت الذي يعترض فيه الكائن المفكر من هذا الشيء.

تستخدم كلمة مثقف للإشارة إلى مجموعة النخبة الفكرية في المجتمع، فنفر من الكتاب يرون بأن هذا المصطلح استعمل لأول مرة من قبل الروس في عام (1860) أي النخبة التي لها نظرة نقدية للأوضاع القائمة (المادية والمعنوية). بمعنى وجود نخبة تختلف عن طبقة المثقفين بشكل عام، في حين تذهب العديد من الروايات حول الموضوع إلى القول بميلاد لفظ المثقفين  في البداية داخل التربة الفرنسية، مع صدور (بيان المثقفين) سنة 1898 وهو البيان الذي وقعه مجموعة من الكتاب والمبدعين والمفكرين الفرنسيين(1) الكبار أمثال إميل زولا ومارسيل بروست ولوسيان هير وآخرون، تضامنا مع ألفريد دريفوس (الضابط الفرنسي ذي الأصول اليهودية) بعد اتهامه من طرف السلطات الفرنسية بالتجسس لصالح ألمانيا، عقب حدث احتلال الألزاس واللورين الفرنسيتين، من طرف ألمانيا بذريعة أغلب سكان تلك المنطقتين يتكلمون باللسان الألماني.

فكان لعائلة دريفوس أن عبأت الرأي العام الفرنسي للدفاع والنضال قصد إعادة محاكمته، بعد إثبات زيف الأدلة والوثائق التي توبع إثرها الضابط الفرنسي، فأصبحت هذه المسألة بمثابة المرجعية التاريخية لهذا المفهوم فأضحى ينظر للمثقف بذلك الشخص المدافع عن القضايا الإنسانية في مستوياتها ومجالاتها المختلفة. ففرنسا منذ الأزل كانت قادرة على تلبية نداء الشعب ومفكريها، إذ لا تعتبر المثقفون مجرد فئة بسيطة من المجتمع، ولكن أيضا في وقت سابق كقادة أخلاقيين وسياسيين، وفي هذا الصدد يقول سان سيمون "كان انتصار قوة العقل على قوة البيروقراطية الأرستقراطية".

إن استخدام لفظ المثقف خصوصا في العالم العربي، تمت ترجمته من حيث الذكاء أي ما هو مرتبط بأنشطة الدماغ والأشخاص الذين لهم مستوى معين من التعليم، لتمييزها عن تلك الشريحة التي تقوم بالأنشطة اليدوية لكن بعد ذلك هذا اللفظ سيأخد معنى اجتماعي وسياسي في الفكر الشيوعي، فعلى حد قول إدوارد سعيد بأنه التفكير الناقد مع الوعي الاجتماعي والسياسي الجيد، بالمقابل ما خلق زوبعة ذهنية أثناء كتابتي لهذه المقالة هي إحدى أقوال المفكر الماركسي الإيطالي غرامشي في دفاتر السجن بأن الجميع مفكر، ومن ناحية أخرى ليس للجميع حق الحصول على وظيفة المفكر!!!

إن الخطاب حول وظيفة المثقف في المجتمع هو موضوع متكرر بشكل مدهش، ومثل هذا التكرار للموضوع مرتبط بلا شك بحرج لا يمكن إنكاره، ما يستدعي نقاشات نظرية يحضر فيها عموما البعد الأخلاقي لوظيفة المفكر كمحور للجدال وتفضيلا عن استدعاء نوعية مساهمة المثقف في مجتمعه، أليس من المفترض أن يصاحب التطور ويحلل التناقضات بكل صرامة، وهو ما سيرمي بنا إلى توضيح الرؤية عند الكثيرين وإزالة الخلط لديهم حول الفرق بين المثقف والأنتلجنسي كي نحد هذا الغوغاء.

إذن فالأنتلجنسيا يا معشر العاقلين ليس كما يتباذر للذهن للوهلة الأولى، وكما يشير لها معناها القاموسي "مجموع المثقفين في بلد ما" لكن ما الأنتلجنسيا بفهمها الصحيح هي الشريحة الحاملة للوعي الثوري، وأداة العمل الثوري أيضا (2). وبالتالي فالمثقف لا يمكن أن ينضوي تحت لواء الأنتلجنسيا إلا حينما يعمل على ممارسة النقد للواقع وصولا إلى تغيير الوضع القائم، أي -عندما يحمل مفاهيم وتصورات رافضة وداعية في نفس الآن إلى تعديل جذري- أما إذا كان غير ذلك فهو ينطبق عليها فقط ما يقال في الأوساط الفكرية الفرنسية "كلاب الحراسة" للوضع السائد، لا لشيء إلا أنه حامي نير الديكتاتورية دون القيام بالمهام التاريخية الملقاة عليه. وهنا نستطيع التمييز بين المثقف والأنتلجنسي هذا الأخير ليست مهمته تبرير الوضع وإضفاء الشرعية الأيديولوجية عليه، وإنما ممارسة النقد الجذري الثوري لما هو كائن التزاما بما ينبغي أن يكون.

لقد فهمنا إذن المشكلة والتي تكمن في القرب المفرط والتداخل في البداية، وأن تفكيك المفاهيم يجعلنا نميز عناصر المعادلة وبدونها يضمر الفهم ويصبح النهج عشوائيا وخلطا غير مبرر، فالمشكلة معقدة بشكل لا نهائي عندما يتعلق الأمر بالتحقيق في وظيفة المثقف داخل سياقاته الاجتماعية. صحيح أن المثقف شخص موهوب في مجال المعرفة شريطة أن يكون لهذه المعرفة تأثير على الشؤون العامة، لهذا فالأنتلجنسي هو شخص يفكر وينقل في نفس الآن أفكاره إلى الآخرين، فهو في المقام الذي يتوجب عليه خيط روابط وبناء جسور بين الأفكار والواقع، وخلق علاقات بين المجال الخاص والمجال العام، ما يجعله بذلك ذاتا تفكر في المجتمع وتعتبره أيضا الجماهير شخصا مبدعا لهم.

إن المتتبع للوضع الثقافي بالمنطقة العربية، يستطيع أن يرصد بكل بساطة ودون جهد متعب التيارات والتوجهات الفكرية السائدة، وكذلك الأيديولوجية المهيمنة والتناطح الموجود بين مختلف الرؤى، ما يبين المفارقة الواضحة بين التنظير الفكري والتنزيل العملي ليبين في المجمل السفسطائية العربية بين الفئات الاجتماعية وانتماءاتها الأيديولوجية تنظيرا وعمليا، وما يزيد من تفاقم حدة الأزمة  والإقرار بها في الوطن العربي، تاريخيا منذ عصر النهضة الأوربية، نجد خير مثال لها يتمثل في هامشية المثقفين العرب وتخبط مواقعهم، الأمر الذي يتطلب بالضرورة تكثيف الجهود من قبل النخبة الواعية عن طريق التحليل الموضوعي لا الأيديولوجي فقط، هذه المقاربة الموضوعاتية  سألخص طرحها في ثلاثة أبعاد.

بعد المثقف وثقافته العربية: من الأمور المسلم بها أن الواقع العربي يعيش تشوها في أوضاعه المادية، هذا إلى جانب غياب مؤسسات للثقافة لمأسسة المشهد الثقافي العربي، وهو ما نتج عنه تشتتت المثقفين العرب وظهور صراعات على المستوى الأيديولوجي والسياسي وانتهائهم بالارتماء في أحضان التبعية للغرب، كل هذا انعكس على المثقف العربي وظهرت أزمته في تعاطيه مع ثقافته العربية، وكان مجمل ذلك ظهور مذاهب فكرية مختلطة في الساحة العربية، فترى الفكر التنويري بجانب الفكر المثالي، وكذا سلفي تقليدي بجانب حداثي معاصر، والمحافظ بمقابل الراديكالي كل هذا شكل هويات هجينة وخليط من الخطوط الفكرية التي يصعب عليها تفسير الواقع بمسلمات وبديهيات تقدمية طلائعية، ولم يبلغ هذا ال أيضا حتى اليوم مرحلة توفيق التراث مع النهضة الحضارية، فلا هو حداثي المرجعية ولا هو تقليدي التراث، مما ساهم بشكل كبير في أزمة المثقف العربي الذي تشرب من الثقافة الغربية في تحصيله الأكاديمي ولكنه كان دائم الحنين لثقافته وتراثه العربي فيحدثنا أحيانا عن التحرر، المساواة، العدالة، الكرامة وفي أحيان أخرى يمجد العرب ورجعيتهم يسعى إلى تحليل الواقع بتفسيرات لا هوياتية أو قدرية مثالية تطلق شعارات غير مؤمنة بها لتدعيم النظام القائم، تبحث في الهوية والتراث وتناقش الحاضر تنقل عن الغرب وتقدس الموروث. فهل المثقف العربي تقدمي التصور أم رجعي التفكير أم يجمع الإثنين عملا بالحل الوسط؟

من هنا فإن العمل على تجاوز الأزمة يتطلب ليس فقط توحيد الأنماط الأيديولوجية، بقدر ما هو غياب المنحى الجدلي الذي يضع الوحدة العربية أفقها المنتظر وأيضا تقديم نقد موضوعي للتاريخ وقراءة الحاضر به وتشوفا لتصور مستقبلي، يمزج بين التراث والحداثة عبر أخذ ما هو صالح لزمن تقني بامتياز يمكن من صياغة رؤية تجمع في مجملها البعد التاريخي والحداثي في تحليل وتفسير واقع المرحلة، وبالمقابل إغفال البعدين السالفين الذكر حتميا هو وقوع في أحبال التبعية ونخلص إلى القول بأن أزمة المثقف فهو حتمي وخارج عن إرادته فهو ترجمة فقط لمظاهر التشوه والتخلف بالمنطقة العربية، ما جعل مثقفي الشرق يعيشون على هامش المجتمع مغتربين عن واقع مجتمعهم فكثرة الأيديولوجيات السائدة وأيضا الازدواجية في المواقف، والخلط بين الفكر والمعرفة في حد ذاته نتاج البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها المثقف، فمنطقيا إذا كان العالم العربي يحيا فيه التخلف والتشوه فالنتيجة بذلك سيصبح فيها المثقف تعبير واضح عن أزمة المجتمع تدور فيه معارك منذ قدم التاريخ حول المسلمات الأساسية والواقع المعاش، ويتسم بالتناقض بين الفكر والواقع. ولكي نوضح هذه المسألة أكثر يمكن استحضار دور المثقفين العرب تجاه قضايا الاستعمار والتبعية فعند جلوسنا ومحاورتنا للتاريخ العربي، نستخلص اتجاهات ورؤى للمثقفين خاصة في مرحلة ما يسمى بالنضال السياسي ضد المستعمر الأجنبي، فإحداهما سلفي تقليدي يرفض كلية إقامة علاقات مع الغرب الكافر واعتبرها بأن سبب انحطاط وتراجع الأمة الإسلامية، ونمط آخر وليكن ليبراليا يرفض الفكر التقليدي ويدعوا إلى محاكاة الغرب سياسيا دون الإهتمام بقضايا الإقتصاد والمجتمع. أما النوع الثالث فقد رحب بالعقلانية الفيبرية المنادية بالتنظيم الرأسمالي ورفض السياسة الليبرالية، والأخير الماركسي الاشتراكي فقد ٱهتم بترديد الشعارات الرامية للتغيير والرافضة لوحش الرأسمالية والتذكير بالتاريخ الغربي وحداثة فكره (3) دون موضعة المجتمع العربي ومحاولة نقد الأوضاع من داخله، انسجاما وشروط المنطقة باختصار كان انتقال المفكر العربي كله منصب على دراسة الفكر الغربي، لكن في مرحلة الكفاح المسلح من أجل الاستقلال شهدت الشعوب العربية وحدة لم تعرفها من قبل وٱلتحم مثقفيها بالجماهير، فتم تكوين مجموعة من الأحزاب الوطنية (حزب الاستقلال بالمغرب، الحزب الدستوري بتونس مثلا) إلا أن الأمر سيتغير فيما بعد، كما سيتضح استبدال المواقع حسب موازين القوى وتضارب المصالح الوطنية وتغليب مصلحة الأفراد على مصلحة الجماهير، وهذا إن برهن على شيء فلعله خير برهان على أزمة المثقف والشخصية العربية. مجمل القول فكل التناقضات تعبر عن التفسخ والتشردم الثقافي بالمنطقة العربية، إذ أصبح الحاكم هو المتحكم في الثقافة ومساراتها المختلفة، وأصبحت بذلك مغتربة عن واقعها مرتبطة بالآخر المتقدم الذي يمتلك كل وسائل الانتاج الثقافي، فالمرحلة اليوم أصبحت تعرف بحرب الثقافة والاحتلال الثقافي للشعوب المغلوبة على أمرها، تطاحنات ثقافية غيرت منحى سير الشعوب وخلقت استعمارا جديدا أشد حدة من الحروب المادية، إن الإنسان العربي يعنف ثقافيا بل إن الغرب يلوي كل من الحاكم ويحول المثقف إلى مجرد خادم مطيع، هذا غير منعرج الأزمة إلى البناء الداخي، وأصبح الاغتراب والانفصال عن الواقع هو السمة المميزة للمثقف العربي، فتركت جماهير هذه الشعوب تعيش الأزمة الخانقة، حائرة بين الرومانسية والأدب والواقعية المغتربة، يعيش في جور وظلم الرأسمالية والسلعنة والتشييء ويحلق في أوهام الميتافزيقا والرجعية والخيال.

بعد المثقف والسلطة السياسية: تتولد علاقة المثقف بالسلطة والنظام السياسي منذ القدم، بضرورة تاريخية مسعاها تنظيم مؤسسة المجتمع، يلعب فيها المثقف دور الوسيط المفكر في الجوانب الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية، الثقافية كما يتعهد الحاكم تثبيت ركائزه ومشروعيته من باب المعرفة التي يمتلكها المثقف، إذن العلاقة في الأصل والمجمل ذات طبيعة تشاركية تحتم على المثقف عدم الانحياز لطرف أو مؤسسة على حساب أطراف أخرى، وألا تكون هذه الطبيعة تسلطية أو إقصائية خصوصا من جانب الراعي ضد رغبات وطموحات الرعية، على أساس عقد اجتماعي يخضع له الجميع، ولكن تاريخيا أيضا نستثني المنطقة العربية من كل هذه الشعارات التي كانت تربتها أوربية بالأساس، فالحاكم العربي كان دائما صاحب التشريع والتنفيذ ومارس وصايته التقليدية ورقابته الأمنية على كل الأصوات الحرة المنادية بالتغيير، ما جعل العديد منها يعانون في صمت جراء التهميش أو كان السجن جزاء لهم على نقد البيئة الحياتية للإنسان العربي، باعتبار المثقفين العرب الذين أخذوا على عاتقهم مناههضة الوضع وتسلطية الأنظمة، فمن خلال استقراء مجموعة من التجارب كنا دائما ما نصطدم بحقائق مرة إما التعذيب والتنكيل بهم وإما التزام الحياد قدر الإمكان، والذي كان كافيا في تشويه فكرهم وهناك آخرون مناصرين للسلطان ولو مؤمنين بفساده، فكان لهم أن شاركوا الحاكم في لعبته السياسية لإضفاء الشرعية على حكمه، وعملا الإثنين بالجدل الماكيافيلي فالحاكم يناصر دينا ولو أنه معتقدا بفساده، إلا أن المثقف العربي استبدل الدين بالحاكم العربي فأصبح يناصر الأنظمة العربية ولو أنه متيقنا من ديكتاتوريتها .ما جعل الكثير منهم يتميز بالتناقض بين فينة وأخرى، والسبب في ذلك يعود لتغيير موقع المثقف فإن كانت مهامه إحداث ضجيج للسلطة لكن أين يمكن إرجاع ذلك الضجيج هل لمصلحة عامة أم مصلحة خاصة؟ والتي غالبا ما تنتهي بتحصين الموقع وكذلك تغيير الموقف، فهو صراع قديم قائم على الشك والتناقض، وفي عالمنا العربي وضعت للمثقف حدود خطابية ومسافة نقدية بين السلطان وحاشيته، لتبقى النتيجة تحصيل حاصل للطرفين معا ويظل الجمهور كالمعتاد الحلقة المنسية في الصراع في مرحلة تفرض عكس ذلك، وبالتالي وجب موقعة الشعب كقنطرة تجمع بين الجانبين أي موضعة الجمهور كأساس في معادلة المثقف والسلطة، علاقة ستجعل المثقف يحمل هموم الشعب بمختلف مكوناتهم الثقافية، عوض الجلوس في الأبراج العالية والمكاتب المكيفة، وفي هذا السياق يسير المفكر إدوارد سعيد الذي طالب بضرورة استقلال المثقف عن السلطة، فالمثقف يطالب بقيم عالية كالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وليس القيام بمهام أدلجة الشعب وإضفاء الجمهور لشرعية غير قصدية على الأنظمة العربية، ومرد ذلك في الأخير هو الدور الغير الأخلاقي للمثقف في زمن التخاذل والنكران والرداءة.

بعد المثقف والقضايا الاجتماعية: عندما يطرح هذا الموضوع في الأوساط الفكرية العربية، غالبا ما يتم استحضار تجارب الجغرافيات الأخرى، والدور الذي لعبه فيها المثقف إبان الثورات والانتفاضات الشعبية (الثورة الفرنسية، الثورة الثقافية بالصين) ما يجعل الكثيرين منهم يدافعون على مأساوية العرب وتخلف شعوبها، فنجد التنويري يتطاول على الليبرالي وهذا الأخير يحاول خندقة اليميني، ويبقى الحديث بذلك خارج الشعب الذي نحن له دوما أن يكون موضوع المرافعات النظرية والمناقشات الفكرية، في وقت كان فيه العالم بالمعنى التقليدي للكلمة في وسطها العربي، يدرج ضمن الخاصة فإذا كان أغلبية العلماء والمفكرين والفلاسفة ينتمون اجتماعيا إلى فئات من العامة، وإلى ما دون الخاصة فهذا لا يعني أن أصناف المعرفة المتباينة التي كانت تمثلها الأقلية الخاصة لها نفس العلاقة والمسافة مع العامة، وهنا يمكن استحضار قول علي بن أبي طالب من أن "الناس ثلاثة فعالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق".

لا ننكر أن الجمهور العربي بقي حبيس البحث عن قوته اليومي ناسيا ومتناسيا أو متحالفا مع أصحاب القرارات وطبيعة الأنظمة التبعية، المسؤولة أولا عن تجويع وتهميش وتنكيل شعبها، فظل المثقف هو الآخر إما مقدما تحليل وتفسير للأوضاع فقط دون نقدها وتقديم تصور مستقبلي وتغيير الوضع القائم، وهناك من ارتكن في مراكز البحوث والجامعات ناهجا سياسة الحياد والاغتراب حتى ييتعد عن الاتهامات المجانية وصفة التخوين التي باتت لصيقة الشريحة المثقفة أو (الحاملين لهذه الصفة بهتانا وزورا) أكيد من مسؤولية المثقف حشد الجماهير واستقطابها وتأطيرها أخذا بعضوية غرامشي وبروزا لما يسمى بالمثقف الملتزم، لكن على غرار ذلك مع مرور الزمن تزداد فقط الفجوة وتتسع شيئا فشيئا مع تقادم الأيام، فيهدم جسر التواصل ويعود ذلك لانغماس المثقف في مصلحته الخاصة، باعتباره الذات والموضوع في هذه المسألة، ولم يكتب له الانخرط والتوغل وسط الجماهير لإدراك إشكالاتهم والوعي بقضيتهم ومعاناتهم، ما جعل الجمهور يبادل المثقف نفس الاهتمام بأنه شخص يطفوا في المثالية وفي أعالي مدينته الفاضلة وعالمه الوهمي.

ونحن على مشارف الختم، إن المثقف العربي عشق الهامش ووجد ضالته فيه، ففي كتابات عدة كان مطالب بالدعوة إلى القيام بدوره التاريخي، والأخذ على عاتقه مسؤولية نقد مستويات البنية التحتية والفوقية في الوطن العربي، وتحديد موقعه والابتعاد عن السكيزوفرينية والازدواجية في المواقف، أو الحياد والاغتراب. هذا الأسلوب النقدي والتعبير الحر سيجعل المجتمع يفصل ويميز في وطنه العربي بين المزيف والحقيقي، وبين الخيال والواقع كفيلا بقيام ثورة ثقافية واعية وواقعية، وليست مغتربة عن القضايا الجوهرية، فالنقاش المدار منذ الأزل يضعنا أمام إشكالية تحديد المثقف الذي نتحدث عنه قبل الحديث عن مهامه، فمثقف العرب خليط هو الآخر من أيديولوجيات كثيرة ومواقف متضاربة، وتصورات متناقضة كواقعه. من سيقود مبادرة التغيير في الوطن العربي؟ خصوصا وأن الأصوات الحرة تعاقب بسنوات من الاعتقال وأحيانا الاغتيال، وهو ما سيحيلنا إلى التساؤل هل هناك بالفعل جماهير تحمي هذا المثقف أم فقط البعض يقدم ضريبة فكره ووعيه وآخرون بجهالتهم ينعمون في الفتات؟

رحم الله أبو الطيب المتنبي في قوله:

ذُو العَقْلِ يَشْقَى فِيْ النَّعيم بِعَقْلِهِ

وأَخُو الجَهَالَةِ فِي الشَّقَاوةِ يَنْعَمُ

 

عبد اللطيف أحرشاو

....................

المراجع

1 - جمال علي زهران، تأثير الأوضاع المجتمعية على دور المثقف العربي، مجلة الوحدة، العدد 40، يناير 1988، ص34.

2 - جورج طرابيشي، من المثقفين إلى الأنتلجنسيا، مجلة الوحدة، العدد 40، يناير 1988، ص62.

3- أحمد مجدي حجازي، المثقف العربي والالتزام الأيديولوجي، مجلة الوحدة، العدد 40، يناير 1988، ص29.

 

علي المرهجقراءة في مشروع طيب تيزيني

خسر العرب وأهل الشام اليوم (الجمعة 17 -5 – 2019م) الدكتور طيب تيزيني (1934ـ 2019) صاحب "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي" أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق. درس الفلسفة في بريطانيا وألمانيا، ينتمي للتيار اليساري الماركسي مع تبني لفكرة القومية العربية. أختير في خواتيم القرن المنصرم واحداً من أهم مائة فيلسوف في العالم

يؤمن طيب تيزيني بأن حركة التاريخ العربي تسير وفق جدلية الصراع بين المثالية والمادية من جهة، وبين الدين والعلم من جهة أخرى. حاول في أغلب كتاباته تطبيق المنهج الجدلي المادي (الماركسي)، ورغم تأثر الفكر الفلسفي العربي والإسلامي بالفلسفة اليونانية إلَا أن تيزيني يعتقد أن هذا التأثر والتأثير هو من باب التفاعل الحضاري لا النسخ للتجربة ولا تعني التبعية الفكرية.

حاول أن يقرأ التاريخ العربي منذ الجاهلية مروراً بتحولات المجتمع في الرسالة الإسلامية بما فيها النص القرآني المُقدس وصولاً للنهضة الفلسفية في العصر الوسيط وفق المنهج الجدلي (الماركسي) وتطبيقاته وفق (المادية التاريخية).

لا ينظر تيزيني للإسلام بوصفه ديناً فقط، إنما هو هو "رؤية دنيوية" فيها معالجة لمشكلات الواقع والحياة الاجتماعية مؤكداً على ما أسماه "التربية الجماهيرية الاشتراكية" التي من خلالها يُمكننا تحقيق "العدالة الاجتماعية"

إن النظر للإسلام نظرة مثالية يعني جعله مجرد فكر تجريدي يخدم أصحاب رأس المال والطبقة البرجوازية والاقطاعية. أما النظرة المادية للإسلام بوصفه فكر تحرري إنما يدفع باتجاه بناء إنسان واع، حر، لأن الإسلام في فترته الكفاحية الأولى كان ضد "الذي جمع ماله وعَدده".

ينظر للقرآن لا بوصفه نصاً دينياً مُقدساً، إنما يتعمل معه تيزيني بوصفه "ترلث حقوقي وأخلاقي واقتصادي واجتماعي".

في تراث الإسلام الكلامي كان المعتزلة الذين دخلوا للنص من باب العلم والأخذ بمعطيات العقل ومن ثم التأكيد على "وحدة النظر والعمل"، ومن هنا جاء ابرازهم لموقع "الإنسان" والتأكيد على أهميته في فهم الكون والعالم وترتيب العلاقة مع الذات الإلهية، لأن الإنسان حُرَ، وهذه الحرية هي التي جعلت العقل المُسلم فيما بعد يتصدر مشهدية الحضور في الثقافة والفكر والعلم في القرنين الثالث والرابع الهجري بل وحتى الخامس الهجري على ما فيه من محاولات لقمع التفكير الحر وتكفير الفلاسفة من قبل الغزالي.

ركز تيزيني على قدرة العقل الإسلامي على "التثاقف" أو "التلاقح الحضاري" والافادة من علوم الغير، تلك الدعوة التي تبناها الفلاسفة وظهرت جليَة وواضحة في كتابات الكندي وابن رشد تصريحاً، وفي كتابات الفارابي وابن سينا وابن باجة وابن طفيل تبنياً في كتابيه "من التراث إلى الثورة" و"مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط".

ما يؤكد عليه تيزيني مراراً وتكراراً أن هذا التأثر و"التثاقف" لا يعني بأي حال من الأحوال تبعية العقل العربي الإسلامي للعقل اليوناني كما يذهب لهذا الرأي بعض المستشرقين أمثال رينان الذي يؤكد على أن "الفلسفة الإسلامية هي فلسفة يونانية كُتبت بحروف عربية"!.

فتيزيني يرى فيما طرحه المفكرون والفلاسفة العرب والمسلمين إنما هو معالجات لقاضاي في "تراثنا الثقافي"، فمع الكندي كان "التثاقف" محاولة لتبرير فكرة "الخلق من عدم" فلسفياً، وبالتالي فهي محاولة "لتأطير الدين باطار فلسفي" كما يرى تيزيني، ومع الفارابي كانت "الملَة" في خدمة "الحكمة" لأجل تنقية "الملة" ومعالجة الفهم المغلوط لعلاقة ما في الأذهان لما في الأعيان.

في الفلسفة المغاربية نزوع نحو تفلسف عقلاني فيه تطوير لتوظيف الفهم المادي لعلاقة الإنسان بالله، وتلك رؤية نجدها واضحة في كتابات ابن طفيل في فصل الشريعة عن الحكمة رغم التلاقي في خاتمة المطاف، فالطرق إلى الله "بتعدد أنفاس الخلائق" كما يقول ابن عربي.

وقمة العقلانية تمثلت في ابن رشد سواء في تبنيه للفلسفة الأرسطية ودفاعه عن أرسطو على أنه "الرجل الذي كمل عنده الحق" أو في دفاعه عن المعرفة العقلانية المتأتية من طلب الإنسان للتدرج في التعلم وفق قاعدة الضرورة أو التلازم بين العلَة والمعلول، الأمر الذي يقتضي سعي الإنسان لتنمية معارفة فيما يُسمى اليوم بـ "نمو المعرفة العلمية" التي يحصل عليها الإنسان بالتأمل والنظر والافادة من عقول أصحاب الفكر.

ولم يخرج ابن خلدون عن مقتضى هذه الرؤية ولكن وفق رؤيته الاجتماعية لا الظانطولوجية، فهو فيلسوف اجتماعي شغوف بالكشف عن عوامل النهوض والأفول في الحضارة وفق رؤية فلسفية مُستمدة من فهم حركة التاريخ مُنتقداً اعتماد التفسير الميتافزيقي للوجود وعلاقة الإنسان بالطبيعة والحياة.

وهذه رؤية يتشارك بها محمد عابد الجابري مع تيزيني على ما بينهما من اختلاف في الرؤية والمنهج.

يؤمن تيزيني بمفهوم غرامشي "المثقف العضوي" يكون فيه المثقف مُشاركاً في التغيير الثوري اجتماعياً وسياسياً مُبتدءاً بضورة استخدام "المنهج الجدلي" لغرض تفعيل ما أسماه "فن المُحادثة" الذي هو أحد معاني الجدل. لذلك هو يرفض ظاهرة "الثقافة للثقافة"، ويدعو لأن ينتظم المثقف في حزب سياسي يُحقق فيه أهداف سامية تنفع المجتمع وتخلصه من "التبعية" و"التخلف" و"الاستبداد".

إن مهمة المثقف هي "التثقيف النظري بالواقع" وكشف عيوب هذا الواقع سياسياً واجتماعياً وثقافياً.

ينظر تيزيني لكل الأديان السماوية والوضعية بوصفها نمطاً من أنماط التفكير الجدلي لا سيما الأديان في الشرق الأقصى مثل: البوذية والكونفشيوسية والتاوية، فهي جميعها "رأت أن العالم في صيرورة وتبدل دائم" وتلك كانت رؤية الفيلسوف اليوناني "هرقليطس" (فيلسوف التغيَر والصيرورة)، وكان السفسطائيون من أوائل الفلاسفة الجدليين حينما وجدوا في الجدل أداة ومنهج للوصول للحقائق وفق رؤية ذاتية معيار صحته النفع الشخصي.

وفي فلسفة افلاطون حول "الجدل الصاعد" و"الجدل النازل" تأسيس معرفي لأهمية هذا المنهج في فهم طبيعة النفس وعلاقتها مع العالم الطبيعي من جهة والعالم المثالي من جهة أخرى.

مع هيجل تحول الجدل إلى فلسفة لها منطلقاتها ومُتبنياتها، فصار مبدأ "التناقض" فيه حجر الزاوية.

"أنت أنت بقدر ما تكون هو، وهو هو بقدر ما يكون أنت" هذه مقولة يعتمدها تيزيني كتعبير عن فرؤيته لمفهوم الجدل بوصفه نظرية وللتناقض بوصفه المبدأ الأساس الذي يتأسس عليه الجدل.

تحقيق "النهضة" وتجاوز حالة "التخلف" في مجتمعنا مهمة المثقف والعالم على حد سواء، وذلك باعتمادهما على مبادئ ثلاث هي: الحقيقة الموضوعية، والحرية العلمية، والالتزام السياسي، وهذه مابدئ ينبغي أن يتحصن بها ويقتدي "الباحث العربي الثوري".

لا يستسيغ تيزيني الفصل بين ما هو فلسفي وماهو أيديولوجي، لأنه ينظر لكلا التوجهين بكونهما موقف من العالم والحياة، بل وهما في ذات الوقت دفاع عن موقع" بعبارة أستاذنا (مدني صالح)، وفق هذه الرؤية في تضاد المثالية مع المادية، أو تضاد المادية مع المثالية، إنما هو ليس تضاداً معرفياً فقط بقدر ما يحمل بين طيَاته سعي للازاحة و"التحيز" الذي هو سمة من سمات الأيديولوجيا.

ينصر تيزيني للفلسفة المادية لأنها "تكتسب طابعاً علمياً أمق فأعمق (من المثالية)، وذلك بتوحيدها لوظيفتها "المعرفية" بو ظيفتها "الأيديولوجية" توحيداً عملياً جدلياً دقيقاً".

الفلسفة المادية تفهم العالم كما هو، بينما الفلسفة المثالية تفهم العالم وفق "المُتمنى"، لأنها تشتغل في عوالم "التجريد" وتلجئ للمُخيلة والتفسيرات الغيبية المُعتمدة على "الوثوقية المُطلقة" بقدرة العقل بذاته للوصول للحقيقة، لأن المثالية بشقيَها (الموضوعي) و(الذاتي) تنطلق من الإيمان بأسبقية وأولوية الوعي على المادة.

النظرية الاشتراكية الثورية هي "فلسفة الجماهير"، وانتصار الطبقة "العاملة"، مهمتها "تغيير العالم" لا تفسيره بحسب ما يقول ماركس، فكل الفلسفات السابقة كان همها تفسير العالم، بينما في الفلسف الاشتراكية سعي علمي وثوري لتغيير العالم، توحد بين "المادية" و"الديالكتيك" اللذان يتأسسان بصورة صحيحة وفق الوعي الاجتماعي والوجود الاجتماعي، و"الوجود الاجتماعي هو الذي يُحدد الوعي الاجتماعي، كما تُحدد "المادة" الـ "الوعي".

الفلسفة عنده، إذن، هي "شكل من أشكال الوعي الاجتماعي...تؤدي وظيفة اجتماعية وفكرية.

 

ا. د. علي المرهج – أستاذ فلسفة

 

عدنان عويدظهرت فكرة الحداثة كمفهوم واسع الدلالات وكمشروع ضخم ارتبط بانطلاق الثورة الصناعية في أوربا، وظهور الطبقة البرجوازية كطبقة تقدمية تعي ذاتها من خلال التعبير عن مصالحها ومصالح الطبقة العمالية المرتبطة بها، هذه الطبقة التي ظهر معها الكثير من المفكرين الذين راحوا يعبرون عن مصالحها وطموحاتها بفكر عقلاني تنويري مشبع بتفاؤلها ونزعتها المركزية العقلانية. ولكن شيئاً فشيئاً راح يغلب على هذه العقلانية روح (العقلانية الأداتية)، أي ذلك النمط من التفكير الذي إذا ما تعرف على مشكلة ما، سعى لحلها مباشرة دون التساؤل عن أهداف هذه الحلول وغاياتها إن كانت إنسانية أو معادية للإنسان. هذا وقد فرضت هذه العقلانية الأداتية آنذاك أسلوب آليات التبادل المجردة في المجتمع الرأسمالي حتى في القيم، بعد وصول الطبقة البرجوازية إلى السلطة. فتبَادل السلع في عالم هذه الطبقة بعد أن تحولت إلى طبقة إمبريالية احتكارية، يعني تساوي الأشياء المُتبادَلة كسلع ، فما يهِم في السلعة إن كانت جهد العامل المنتج، أم المادة المنتجة للتسويق ليس قيمتها الإبداعية وما تتضمنه من قيم إنسانية معدة لتامين حاجات الناس الاستعمالية المتعينة، وإنما ثمنها المجرد وما تحققه من ربح لمالكها. وإذا كانت أفكار التنوير قد جاءت مع ظهور الطبقة البرجوازي كطبقة تقدمية في بداية ظهورها تعمل على محاربة الظلم والاستعباد، وقيم النبالة والعقلية الكنيسة الغيبية وما تمارسه من تخدير وتغييب لوعي الشعب عن مآسيه، الأمر الذي جعل  أفكار التنوير تشكل أنموذجاً حياً لطموحات هذه الطبقة، وتعبيراً هادئاً عن مشروع الحداثة بكل ما يحمله هذا المشروع من مفردات تعبر عن الحرية والعدالة والمساواة، وعن المواطنة والحقوق الطبيعة والقانونية ودولة المؤسسات وحرية الرأي واحترام الآخر فكراً وعقيدة،  إلا أن أفكار التنوير بعد وصول الطبقة البرجوازية إلى السلطة وتحولها إلى طبقة برجوازية إمبريالية إستعمارية، راحت تقمع شعوبها وشعوب العالم، ومع هذا القمع أخذت أفكار التنوير ذاتها تتحول من أفكار تحريضية للثورة ضد الظلم والاستغلال، إلى أفكار يغلب عليها الطابع (التبشيري) بسبب إفراغ الطبقة البرجوازية لهذه الأفكار من محتواها وتحويلها برمتها إلى شعارات براقة يتغنى بها الإعلام الغربي ومؤسساته الدستورية ودساتيره، بينما الواقع يقول غير ذلك. فالمواطن الذي غنت له شعارات الحداثة مع فكر فلاسفة عصر التنوير، وبيانات حقوق الإنسان ومضامين دساتير هذه الدول عن الحرية والعدالة والمساوة ودولة القانون والمواطنة وغير ذلك، راح هذا المواطن الذي بدأ يُستلب ويُشيئ ويُغرب بفعل آلية عمل السوق القائمة على الربح، يعيش اضطهادا وتهميشا تحجبه غشاوة السعادة التي خرجت من معطف الحرية الفردية والاجتماعية وصناعة التسلية والترفيه وثقافة الاستهلاك والإعلام المنمذج والتركيز على غرائز الإنسان أكثر من عقله. الأمر الذي جعل اغتراب الإنسان واستلابه وتشيئه في النظام الرأسمالي، يحول الكثير مما هو إنساني، ويعبر عن القيم النبيلة للإنسان، إلى قيم وسلوكيات حيوانية في العالم الرأسمالي.

إن انتصار العقل الأداتي وسلطته السياسية والاقتصادية للطبقة البرجوازية على أفكار التنوير العقلانية النقدية، أسفر عن جملة من المغالطات والتعسفات كانت أساسا لولوج الحداثة مرحلة الأزمة. وبالتالي بدء ظهور فكر وعالم ما بعد الحداثة الذي يعبر خير تعبير عن عالم الطبقة الرأسمالية الاحتكارية وعالم القطب الواحد.

مع تحول الطبقة البرجوازية إلى طبقة إمبريالية احتكارية تمارس الظلم على شعوبها وشعوب العالم، تبدأ مسيرة الحداثة بالتراجع، وتبدأ معها قيمها النبيلة بالتراجع أيضاً لتحل بدلاً عنها قيم التذرير والتفكيك والنهايات. أي موت القيم في الفن والأدب والفلسفة والأيديولوجيا وكل ما يمت لحياة الإنسان من قيم نبيلة.

إذن مثلما للحداثة ما قبلها، لها ما بعدها أيضاً، ثم أن عبارة  (ما بعد الحداثة) تفيد التجاوز والبعدية وتشير إلى تتابع زمني يأتي فيه واقع جديد ووضع جديد خلفا لآخر أصبح مستنفدا ومتجاوزا ومدمراً كما يقر فلاسفة ومفكرو عالم ما بعد الحداثة.

إن النقد الحاد الذي مورس على قيم الحداثة من قبل مفكري وفلاسفة ما بعد الحداثة، المعبرين عن طموحات الطبقة الرأسمالية الاحتكارية، يقدم نقطة انطلاق هامة للحظة ما بعد الحداثة للمضي أشواطا بعيدة في تجذير هذا النقد وتعميقه، إذ لا يجري نقد الحداثة فقط بل نفيها وتدميرها. وهذا ما يدفع البعض للقول: إن لحظة ما بعد الحداثة تمثل نوعا من الانفجار الذي سوف يؤدي بالحداثة وبعقلانيتها وموضوعاتها إلى التشتت والتفكيك والتذرير، ولهذا يظهر مفهوم ما بعد الحداثة كنبش في الأسس وكسر للقوالب وخروج على النماذج، وتفجيرا للأشكال وخروجا عن خط الصيرورة التاريخية للحداثة، وتدميرا لأنساقها القيمية النبيلة على نحو خارق ومدهش.

من هنا ينضبط عالم ما بعد الحداثة داخل خريطة مفاهيمية تقوم أساسا على النفي والتدمير والتجاوز والافتتان "بأخلاقيات الموت" والتحرر ودرامية النهاية. فعلى نفس الوتر تماما يشتغل فلاسفة ومفكرو عالم ما بعد الحداثة، حيث يقومون بحصر ظاهرة ما بعد الحداثة على المستوى الفكري في عدد محدد من المبادئ والأسس وهي: موت الفن، وموت النزعة الإنسانية والعدمية، ونهاية التاريخ. وعلى هذا الأساس جاء طرح "ميشل فوكو" و"جاك دريدا"، وهما من البنيويين الجدد، عدة مصطلحات تتجلى فيها أوجه التوصيف لعالم ما بعد الحداثي بوضوح مثل: التفكيك، والاختلاف، والتشتيت، واللااستمرارية، والنهايات، وبالتالي الموت.

واخير نقول : لقد ساير مصطلح ما بعد الحداثة” عند ظهوره وانتشاره ـ العديد من المفاهيم والمعايير الرؤيوية الغربية ومنها مفاهيم (الما بعدية)، مثل ما بعد الصناعة، ما بعد العلم، ما بعد الفلسفة.. الخ.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور- سورية

 

محمود محمد علينعود ونكمل الجزء الرابع والأخير من حديثنا عن التفسير السوسيولوجي لنشأة وتطور الفكر السياسي الإسلامي  فنقول: أعطى مفكرو الإسلام جانبًا من عنايتهم إلى ما نُقل لهم من سياسة أفلاطون وأرسطو، التي تم ترجمتها إلى العربية، منذ يوحنا بن البطريق (ت- حوالي 180هـ) الذي ترجم كتاب السياسة لأرسطو، وأسماه " سر الأسرار: كتاب السياسة في تدبير الرياسة. وكذلك حنين بن إسحق (ت: 262هـ) الذي ترجم الجمهورية والنواميس (القوانين) لأفلاطون، وكذا كتاب السياسة لأرسطو، كما قام  بترجمة مقالتين ونسبهما لأرسطو: الأولى تحمل عنوان (وصية أرسطاطاليس للإسكندر)، والثانية تحمل عنوان (رسالة أرسطاطاليس إلى الاسكندر في السياسة).

- كما سنجد أن تلك الكتابات التي تلي تلك الفترة (فترة تفكك الأمة) تدور حول وحدة الأمة الإسلامية، والسبل المؤدية إلى ذلك؛ لتبلغ تلك الكتابات ذروتها عند الفارابي  في كتابه " آراء أهل المدينة الفاضلة"، والتي يركز فيها على قضية السعادة وهو يقسم الكتاب إلى قسمين: قسم يبحث فيه الفارابي نظرية الوجود ونرى فيها التمييز بين الممكن والواجب، القسم الثاني خاص بالمدينة وآراء أهل الجماعة الفاضلة القسم الأول يقابله القسم الثاني والمدن المضادة للمدينة الفاضلة. يبني الفارابي المدينة على غرار الوجود بأسره، فكما للوجود مبدأ أعلى، كذلك المدينة الفاضلة لها مبدأ أعلى وهو الرئيس. والفارابي يقول أن القصد في المدينة الفاضلة الإبانة عن الجماعة التي تسود فيها السعادة والمدينة الفاضلة هي التي يطلب جميع أهلها السعادة والمدن المضادة يطلب فيها أهلها أشياء مضادة. السعادة عند الفارابي مرتبطة بتصوره للتركيبة الإنسانية والنفس الإنسانية والسعادة تكون عندما تسيطر النفس العاقلة (وفضيلتها الحكمة) على النفس الغضبية (وفضيلتها الشجاعة) والنفس الشهوانية (وفضيلتها العفة) فيصل الإنسان للسعادة. المدينة الجاهلة: عكس المدينة الفاضلة، يطلب أهلها السعادة الآتية من النفس الغضبية والشهوانية. المدينة الفاسقة: هي التي عرف أهلها المبادئ الصحيحة وتخيلوا السعادة على حقيقتها ولكن أفعالهم مناقضة لذلك. المدينة المبدلة: أيضًا مضادة للمدينة الفاضلة ويكون السلوك فيها فاضل ثم يتبدل. المدينة الضالة: ويعتقد أهلها في الله والعقل الفعال آراء فاسدة واستعمل رئيسها التمويه والمخادعة والغرور ويصّور الله والعقل الفعال تصويرًا خاطئًا، وكانت سياسته خداع وتمويه. وجعل الفارابي مجموعة سمات مميزة لأهل المدينة الفاضلة: معرفة السبب الأول وصفاته (أي الله) معرفة العقول والأفلاك معرفة الأجرام السماوية معرفة الأجسام الطبيعية معرفة الإنسان يعرفون السعادة ويمارسونها أي معرفتهم كاملة بالوجود وبكل الموجودات وعلى رأس المدينة الفاضلة يضع الفارابي الرئيس مثلما للوجود رئيس هو الله وللإنسان رئيس هو القلب. والذي يقول على المدينة الفاضلة (الرئيس) له صفات: تام الأعضاء جودة الفهم والتصور جودة الحفظ جودة الذكاء والفطنة حسن العبارة في تأدية معانيه الاعتدال في المأكل والمشرب والمنكح محبة الصدق وكراهية الكذب كبر النفس ومحبة الكرامة (أي تقدير الذات) الاستخفاف بأعراض الدنيا محبة العدل بالطبع وكره الجور قوة العزيمة والجسارة والإقدام ويتوج هذه الصفات بالحكمة والتعقل التام جودة الإقناع جودة التخيل القدرة على الجهاد ببدنه.

ولم يقف الفارابي عند هذا الحد بل إننا نجده في كتابه " تحصيل السعادة " يربط بين السياسة والأخلاق؛ مبينًا أن الغاية النهائية منها هي تحقيق السعادة للأمم البشرية. لذلك نراه يحدد موضوع العلم المدني في كتابه هذا بأنه " الفحص عن الغاية في وجود الإنسان وهي الكمال ثم الفحص عن الوسائل التي ينال بها ذلك الكمال وهي الخيرات والفضائل "، ويقسم الفارابي الفضائل أربعة أجناس: الفضائل النظرية، والفضائل الخلقية، والفضائل الفكرية، والفضائل العملية، ثم يحدد الفضيلة الواجبة لكل فئة من فئات المجتمع، فمثلا الجيش لا بد أن يركز على فضيلة القوة الفكرية مع القوة البدنية، ويركز على دور الملك على تربية أمته، ورعيته، على الفضيلة حتى تتحقق  السعادة .

-  كما سنجد أن فترة القرن الخامس ستأخذ الكتابات السياسة فيها طابع الهجوم على الباطنية، التي كانت أحد الأسباب في تقويض دعائم الخلافة الإسلامية لتصل تلك الكتابات ذروتها عند "أبي حامد الغزالي" (ت:505هـ)؛ وذلك في كتابه المعروف "فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية"، والذي كان قد قدمه إلى الخليفة المستظهر بالله، وترجع أهمية هذا الكتاب في أنه يلقي الضوء  على إحدى الفرق الهدامة، وهي الباطنية تلك التي أسرفت في القتل والفتك، وسموا بالباطنية؛ لأنهم يدعون - كما قال الغزالي -: أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجري في الظاهر مجرى اللب من القشر، يحدد الغزالي في فضائح الباطنية أقاويل الحركة الشيعية، لكي يناقشهم في أخذهم بها، وفي مصدر تمسكهم واعتقادهم بها. وهكذا يرجع الغزالي معتقدات الباطنية إلى هذه المبادئ: ـ إنكار القيامة؛  قدم العالم، إنكار بعث الأجساد، وإنكار الجنة والنار. ثم يلاحظ الغزالي أن هذه المعتقدات الباطنية هي نفسها المعتقدات التي يكفر فيها الفلاسفة المسلمين، في كتاب تهافت الفلاسفة .

وقد عُرفت الباطنية أيضًا بالإسماعيلية، وغير ذلك من الألقاب، وظهرت هذه الطائفة إلى الوجود، واستفحل أمرها أيام حكم السلطان "ملك شاه"، ثم صاروا يتحركون على نطاق واسع، فقتلوا عددًا كثيرًا من الناس، ولم يميزوا بين العامة والخاصة، حتى قتَلوا العلماء والزهاد، والصلحاء والأمراء والوزراء؛  قال شمس الدين الذهبي: "قتلوا بأصبهان قاضي القضاة عبدالله بن أحمد الخطيبي، وقتلوا هناك أيضًا أبا العلاء صاعد بن محمد البخاري، وقيل: النيسابوري الحنفي المفتي، أحد الأئمة، عن خمس وخمسين سنة، وقتلوا فخر الإسلام أبا المحاسن عبدالواحد بن إسماعيل الروياني، شيخ الشافعية، وصاحب التصانيف، وشافعي الوقت ، ولم يسلم من بطشهم حتى الوزير نظام الملك، فقتلوه طعنًا في قلبه، ثم بعده قتلوا ابنه فخر الملك وكان أكبر أولاده، وهو وزير السلطان سنجر بنيسابور، وكان صائمًا، فقتله باطني(، وبعد القتل والسلب والنهب والرعب، استولَوْا على قلاع كثيرة، منها: أصبهان، ألموت، وهي عاصمتهم، شاه ذر، خالنجان، تون، قاين، زوزن، خور، خوسف، شمكوه، استوناوند، أردهاب، جركوه، قلعة الناظر، قلعة التنبور، وقلعة خلادخان في فارس ، لقد زعزعت هذه الحركاتُ الباطنية كيانَ الدولة الإسلامية، وأنهكتها ؛ فقد كانت تهدد كل من لم يوافقها بالفتك، وانتهى الحال إلى الأمراء، ما بقي منهم مَن يجسر أن يمشي حاسرًا إلا بدرع تحت   ثيابه .

ومما تجدر الإشارة إليه أن الغزالي لم يكن وحده من بين الفقهاء الذين واجهوا تلك الحركات السياسة الهدامة، بل إن جميع الفقهاء المسلمين الأصوليين، قد واجهوا تلك الحركات وغيرها على طول التاريخ السياسي للمسلمين، هذا بالإضافة إلى أن الغزالي لم يكن وحده أيضًا من بين الفقهاء الذين شددوا على أهمية السياسة وضرورتها للمجتمع الإسلامي وللحياة البشرية. بل إننا نجد أغلب الفقهاء المسلمين قد شددوا على ضرورتها وأهميتها، ومن بين هؤلاء نذكر كل من "أبو الحسن الماوردي"  (364-450هـ / 974 - 1058 م)، وأبو بكر الطرطوشي الفقيه الأندلسي المالكي السكندري (451-520هـ).

أما "أبو الحسن الماوردي"، فهو أحد الأعلام المشهود لهم في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي. ولولا أن المسلمين المعاصرين يمرون حالياً بفترة ضعف ثقافي وفكري، لكان من حقه عليهم أن يتدارسوا فكره السياسي، فضلاً عن أن يتبنوه، لكى ينقلوه من إطاره المحلى إلى آفاق الفكر السياسي العالمي. ويرجع السبب فى ذلك إلى أمرين: الأول؛ أنه اتجه بصورة مباشرة وصريحة إلى إنشاء مجموعة من المؤلفات السياسة التى تتناول نظام الحكم فى الدولة الإسلامية التي ينشدها. والثاني؛ أن الكثير من آرائه ونظرياته تتجاوز حدود العصر الذى عاش فيه، لكى تصبح مبادئ وأسسا لنظام حكم رشيد فى أى زمان ومكان .

أما مؤلفات الماوردي السياسية فهي: الأحكام السلطانية، التبر المسبوك فى نصيحة الملوك، أدب الوزير والوزارة، النكت والعيون، تسهيل النظر وتعجيل الظفر: (فى أخلاق الملك، وسياسة الملك).

وأما بالنسبة لأبي بكر الطرطوشي صاحب كتاب سراج الملوك، وهذا الكتاب يمثل محاولة في فلسفة السياسة، يشتمل على مسائل السياسة الشرعية، وقضايا الحكم في الإسلام، وفلسفة الاجتماع البشري، وتحديد شرائط السياسة، ورسم هرم السلطة، وأركان الدولة، وسياسة الرئاسة، وعلاقة الراعي بالرعية، وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الأمم. ومحتوى الكتاب يؤكده الطرطوشي بنفسه، إذ يقول عن كتابه: "سراج الملوك والخلفاء ومنهاج الولاة والأمراء وتدبير الملك والدول، مقتضب من كتاب الله تعالى  العزيز، وأخبار الأنبياء عليهم السلام، وسياسات ملوك العرب والعجم والروم والفرس والهند والسند هند ومستحسن أخلاقهم وأخبارهم ونوادر كتابهم ورؤساءهم".

وقد قسمه إلى أربعة وستين بابًا، وقد اشتملت على مسائل السياسة الشرعية، وقضايا الحكم في الإسلام، وفلسفة الاجتماع البشري، وتحديد شرائط السياسة، ورسم هرم السلطة، وأركان الدولة، وسياسة الرئاسة، وعلاقة الراعي بالرعية، وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الأمم. إن الطرطوشي رحمه الله من الفقهاء السباقين إلى بحث وتبويب موضوعات القانون العام، وعلى وجه الخصوص القواعد الدستورية للسلطة والسلطان. ففي هذا الكتاب قواعد ملزمة لتحديد السلطة وضبطها لكي تنهج تصرفاتها نهجاً دستورياً مسؤولاً، وأنه كلما ابتعدت الدولة والرعية عن التمسك به والالتزام بمقتضياته كانت النتيجة تضعضع الدولة وسقوطها واختلال موازينها. هذا الكتاب فيه فكر سياسي يحكمه منطق الشرع، وفكرة المقاصد، وميزان الترجيح بين المصالح والمفاسد. وفي هذا الكتاب رد على من يدعي قصور الدين الإسلامي عن ترتيب أمور الحكم والراعي والرعية بما لم تصل إليه الحضارة الغربية بنظرياتها الخاوية، والتي يمارس من خلال ديموقراطيتهم الكاذبة أقسى أنواع الظلم وأعتى ألوان الاضطهاد.

وقد رتب المؤلف أبواب كتابه هذا ترتيباً حسناً، ثم ختمه بباب مشتمل على حكم منثورة، فجاء يزهو في أبهى حلة. ولما رأت دار المنهاج هذه المعاني السامية الموجودة في هذا الكتاب القيم.. أرادت أن تبثها للناس في هذا الزمن، ولا سيما في ظل الظروف الاجتماعية والسياسية الراهنة، ولعل الله ينفع به الأمة جميعها حاكماً ومحكوماً.

-  كما سنجد أن  الكتابات السياسة  في القرنين السادس والسابع الهجريين ستتخذ من مفهوم الجهاد محورًا لها ونقطة انطلاق من جهة وتوجيه الحكام إلى تنظيف الجسد السياسي للأمة مما علق بها من أدران المذاهب الباطنية من جهة أخرى؛ ولعلنا نجد تطبيق هذا واضحًا عند صلاح الدين الأيوبي الذي أعاد للمذهب السني هيبته ومكن له في مصر والشام، بعد أن عاث الفاطميون فسادًا بمذهبهم الشيعي الباطني على مدى أكثر من قرنين في بلاد الإسلام.

وهنا انبرى كثير من المفكرين المسلمين في تلك المرحلة مذكرين قادة الأمة بضرورة توحيد الصف الإسلامي تحت قيادة واحدة، وقيمة الجهاد وضرورته، وتناول قضاياه بالشرح والتحليل، نجد ذلك واضحًا في العديد من المؤلفات السياسية في تلك الفترة، فمنها على سبيل المثال ما يلي : كتاب "تهذيب الراعي في إصلاح الراعي والرعية" لابن الحاج (ت598هـ)، وله أيضًا "لطائف السياسة في أحكام الرياسة". وقد ألف ابن الحاج الكتاب الأول وأهداه إلى الناصر صلاح الدين. وكذلك كتاب "المنهج المسلوك في سياسة الملوك" لابن نصر (ت:597هـ) وقد ألفه وأهداه إلى الناصر صلاح الدين. وكذلك كتاب "الشفاء في مواعظ الملوك والخلفاء" لابن الجوزي (ت:597هـ).

وهذه المؤلفات جميعها قد بدأت بتذكير السلطان بأهمية وحدة المسلمين وما جاء به الإسلام في التأكيد على تلك الوحدة وضرورتها وأهميتها، وأهمية أن تكون الولايات الإسلامية تحت قيادة واحدة وشرف الولاية وخطرها وأهمية العدل وخطورة الظلم وما ينبغي للسلطان استعماله في تعامله مع مختلف أنواع الرعية، كما تناولت هذه المؤلفات كذلك قضايا الجهاد وعرضا لسير الخلفاء الراشدين وبعض ولاة الأمور المجاهدين، واختتمت بالتأكيد على أهمية وعظ الملوك ونصحهم ودعوتهم للزهد والتقرب من الصالحين.

- وأخيرًا سنجد أن الكتابات السياسة ستبلغ ذروتها في القرنين الثامن والتاسع الهجريين لتتخذ من مفهوم الإصلاح السياسي منطلقًا وركيزًة لها. ولا شك أن هذا الإصلاح هو غاية الغايات لهذه الكتابات السياسية على مدى الحقب المتطاولة للقرون الهجرية حتى  القرن التاسع الهجري.

وهذا ما نلاحظه في الكتابات السياسية في هذا القرن، ومن هذه الكتابات كتاب "الفخري في الآداب السلطانية والدولة الإسلامية" لمحمد بن على بن طباطبا، المعروف بابن الطقطقي (ت:709هـ)، وقد قدم هذا الكتاب إلى فخر الدين عيسى عامل السلطان المغولي (غازان) على الموصل (ت:701هـ، وهذا الكتاب يتناول موضوعات: الخصائص والخصال التي تصلح لمن يقود الدولة، مركزًا على العدل الذي تُستغزر به الأموال وتُعمر به الأعمال، وتُستصلح به الرجال، يعرض للكرم، والشورى، وحقوق الملك على الرعية، وحقوقهم عليه، وأصناف الرعية، واختلاف السياسات الخاصة بكل صنف، وأنواع السياسات من سياسة المنزل إلى سياسة القرية والمدينة والجيش والملك 

ومن كتب الفكر السياسي الهامة التي شهدتها هذه المرحلة وبالذات في النصف الأول من القرن الثامن الهجري: كتاب "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية" لابن تيمية  (ت:728هـ)، الذي أراد أن يصلح به حال مجتمعه، وأن يستنفذه مما تردى فيه من فساد وانحلال، إثر ما أصاب الأمة الإسلامية في حروبها المدمرة مع الصليبيين وغارات التتار. ومن كتب الفقه السياسي في هذه المرحلة كتاب "تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام" للقاضي بدر الدين بن جماعة (ت:733هـ)، وأيضًا كتاب "السبيل المبين في حكم صلة الأمراء والسلاطين" لمحمد بن يحي اليعمري المعروف بـ"ابن سيد الناس" (ت:724هـ)، وأيضًا كتاب "المقدمة الزهراء في إيضاح الإمامة الكبرى "لمحمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله التركماني المصري (ت:748هـ)، وأيضًا كتاب "عين الأدب والسياسة وزين الحسب والرياسة". وأيضًا كتاب "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية" لابن القيم الجوزية؛ وأيضًا كتاب "تحفة الترك فيما يجب أن يعمل به في الملك" للقاضي نجم الدين إبراهيم بن على بن أحمد الطرطوسي (ت:758هـ)؛ وكذلك  كتب عبد الرحمن بن خلدون في المقدمة والعبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر... وغيرها من الكتب . ونكتفي بهذا القدر من التفسير السوسيولجي لنشأة وتطور الفكر السياسي الإسلامي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

على ملصق في عيادة أحد الأطباء قرأت هذين البيتين من الشعر:

وإن تكــن الأرزاقُ قسماً مقدّراً     فقلةُ حرصِ المرءِ في الكسب أجملُ

وإن تكن الأموالُ للترك جمعُها     فما بالُ متروكٍ به المرءُ يبخلُ.

هذه حكمة قيل أنها منسوبة للإمام الحسين (ع) ضمن قصيدة.

كان بودي لولا الحياء أن أسأل الدكتور عن مدى سريان هذه الحكمة في حياته الشخصية.عادة الحكم تصدر عن أناس إما خاضوا تجربة ما، أو تجارب عدة واستخلصوا منها حكمة أو حكماً بليغة. وإما لم يخوضوا تجربة ويصدروا حكمهم، وهم الحكماء.. فهذا شأنهم. لكن على الدوام يوصونا العوام بأن نسأل المجرب ولانسأل الحكيم. الحكم لاتصدر جزافا، وأحسنها التي تأتي نتاج تجربة ثقيلة خاضها شخص ما. كثيرون يكتبون الحكم ولانجد على أرض الواقع أيَّ أثر عملي لها على سلوكهم و حياتهم (كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالاتفعلون).

صدرت هذه الحكمة عن سيد زهد ليس بالمال فحسب؛ بل بالدنيا وما فيها، فجاد بروحه (والجود بالنفس أقصى غاية الجود).

فحوى هذه الحكمة هو ترشيد الحرص على المال، واستخدام أسلوب الوسطية والإعتدال في إنفاقه. فالعطاء هو وجه من وجوه تصريف المال، وهو موضوعنا قيد البحث، خصوصا نحن في شهر الخير والعطاء.. شهر رمضان الكريم.

إذا تأملنا في موضوع العطاء وألقينا على أنفسنا السؤال التالي: هل العطاء منبعه مادي أم معنوي؟

أود هنا أن أعود قليلا الى بدء الحياة البشرية على الأرض، التي بدأت بصراع قوتين، هي قوة الخير الواهبة التي تستبطن المحبة والرحمة والكرم والتضحية؛ دون حساب المتمثلة بهابيل، وقوة الشر غير الواهبة .. الممتنعة، التي تستبطن الكره والقسوة والجفاء والشح المتمثلة بقابيل. هابيل قدم كل ماعنده لله، قدم كبشا، ثم روحه فداءً لربه. ويعني هذا أن عطاءه كان بلا حساب. في حين قابيل لم يقدم سوى تفاحة متعفنة لربه، وفوق ذلك قتل أخيه من أجل دنياه. المعركة التي دارت بين قابيل وهابيل فيها عدة أوجه، فهي معركة بين حب الله وحب الدنيا، والحق والباطل، والخير والشر، والفضيلة والرذيلة، والعطاء والمنع. إذن فالحياة شهدت في فجر بزوغها صراعا بين العطاء والمنع تمثل بإبني آدم (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال انما يتقبل الله من المتقين. لئن بسطت الي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي اليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين) . الخير خير هنا وهو متأصل في نفس هابيل؛ وهو العطاء الذي تسبقه الرحمة ، والشر شر هنا وهو متأصل في نفس قابيل؛ وهو المنع الذي تسبقه القسوة؛ لن ولم يلتقيا.

الموضوع الذي نتناوله هنا هو ليس أوجه العطاء، فهي كثيرة ومتشعبة، ، وتستغرق وقتا طويلا في البحث والكتابة، اقتصرت على اليسير منها. لكن أورد هنا فقط بحث منبع العطاء.

بناءً على ما تقدم فإن العطاء قيمة معنوية بحتة بالأساس، تنبع من النفس أولا؛ وإذا كان العطاء منبعه النفس، إذن يمكننا تصنيف النفوس الى صنفين هما:

أولا: النفوس المعطاءة، وهذه تنقسم الى قسمين:

1-)النفوس المعطاءة بلا حدود

2-)النفوس المعطاءة بحدود

ثانيا: النفوس غير المعطاءة(الممسكة، أوالممتنعة، أو الشحيحة)

أولا: النفوس المعطاءة، التي صنفناها الى:

1-)النفوس المعطاءة بلا حدود: المستقاة من روح هابيل.هي نفوس حباها الله بالطهر أولا؛ ثم النقاء والعصمة والمحبة والرحمة والكرم، وكرم النفس مشروط بطهارتها،لأن الكرم صفة مقدسة هي من صفات الله جل وعلا، فالطهر والنقاء والعصمة والمحبة والرحمة والكرم، هي الأحجار الكريمة لانبثاق نور الله في هذه النفوس لتشع بهالاتها على من حولها، تتحرك، تهب، تعطي؛ فقط في فضاء الصفاء الذي خلق لها. هي سعيدة بطبعها وليست بالضرورة أن تكون سعيدة على كل صعيد. انما هي سعيدة بما تترك من أثر على من حولها، لأن العطاء فيها عفوي فطري مصقول بمشيئة الله. منها اصطفى الله تعالى الأنبياء، وهم ليسوا كسائر البشر ليس من حيث خَلقهم بل من حيث خُلقهم وطبعهم  والأوصياء والشهداء، هؤلاء الثلاثة يعطون بلا حدود وبلا حساب وبلا مقايضة، هي بيعة فقط مع الله. هذه النفوس التي ينطوي عليها هؤلاء الثلاثة من أصناف الناس، هي نفوس خاصة تمنح المعاني بلا مقابل. الخلود للمعنى لديها هو الهدف والمغزى. لا يوجد في حسابها شيء مادي أو معنوي للإدخار، لأن العطاء فيها غير متناه. هدفها تصدير المعاني للبشرية، حتى لو كلفها ذلك حياتها.

وعلى حد تعبير المتصوف المعروف "محمد بن عبد الجبار النفري المولود في مدينة نفر في العراق والمتوفى عام 354هـ، وهو من أعلام التصوف الاسلامي، وأشهر كتبه (المواقف والمخاطبات)" ؛ (التباقي بالتفاني)، يعني أن تضحي بشيء من عندك من أجل بقاء شيء، فالبقاء والخلود لروحك أولا، وللمعنى الذي لأجله قدمت روحك قربانا له. يعني تنذر نفسك من أجل تخليد قيمة حياتية مهمة، فالتضحية بالنفس من أجل خلود أبدي لمعنى حياتي عميق، هو أبلغ صورة للإنفاق اللا محدود. في فضاء هذه النفوس يأتي قلة الحرص على الحياة وما فيها بالدرجة الأولى، ثم يأتي بعده الزهد، ثم الإنفاق غير المحسوب (...أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا..).، كحالة الإمام الحسين (ع)، الذي هو أبلغ تجلٍ لحالة العطاء لخلود المعنى؛ فجاد بنفسه من أجل تثبيت معنى مهم، هو الإصلاح، والإصلاح معنى حياتي خالد، يعني إصلاح وضع فاسد كان قد خيم على الحياة آنذاك.

وهكذا سار على خط العطاء غير المحدود الشهداء الذين بذلوا مهجهم من أجل إحياء المعاني الأصيلة وهي تثبيت الحق ومحو الباطل والقضاء على الفساد أينما كان.

أورد القرآن الكريم آيات حول الإنفاق اللامحدود، أذكر بعضها:

(لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون)

(.. ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)

(إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون)

وغيرها كثيرة.

النفوس المعطاءة بحدود: وهذه النفوس انبثقت بالأحرى من النفوس المعطاءة بلا حدود، و أيضا حباها الله بحب الإنفاق في دائرة محيطها فمرة يمكث العطاء بصورته المعنوية الناصعة في داخل النفس، وحتى إن لم يفعل حاملها شيئا فهو مدرسة أخلاقية متجلية بمختلف المعاني والصور. المشاعر هنا داخل النفس كريمة؛ متسلقة مثل الطحالب تنمو على جدرانها، وتتوالد وتتكاثر؛ فهي على الدوام زاحفة بسرعة؛ تغادر النفس لتحوم في محيط الحياة، فيلبث حاملها يدور بألوان سلوكية مختلفة على الآخرين وكلها تبهج قلوبهم وتسعدها. الأمثلة في ذلك كثيرة ولا حصر لها، على - سبيل المثال – مرة بالكلمة الطيبة، وثانية بإصلاح ذات البين، وثالثة بإنفاق العلم وتعليمه للآخرين، ورابعة يدور في محور حياة الناس مصلحا ومغيّرا، وخامسة بدرس أخلاقي في فصل حياتي ما؛ كتزكية أحد مثلا لمجتمع ما، أو كفالة أحد ما،على - سبيل المثال

-كفالة زكريا (ع) لمريم ابنة عمران، حين صار سجالا بين قومها أيهم يكفلها، فألقوا أقلامهم في النهر وألقى زكريا (ع) قلمه، فلم تثبت أقلامهم وثبت قلمه هو فقط، فكفلها زكريا وهو أبوها الحياتي والروحي(ذلك من أنباء الغيب نوحيه اليك وماكنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وماكنت لديهم إذ يختصمون) . تفسير الآية واضح معناه الظاهري؛ والكفالة المقصود منها هنا هي كفالة معنوية، في مرحلة حاسمة من حياة مريم (ع)، وغير ذلك من السلوكيات الايجابية التي تحقق الراحة النفسية لحاملها وللمجتمع حواليه.

العطاء هنا فضاءه هو النفس ثم منها يتحرك الى المجتمع بشكل مباشر.

ومرة أخرى يتجاوز العطاء فيها فضاء النفس، ويتحرك باتجاه فضاء الجسد، ليجد اليد مبسوطة تترجمه شيئا ماديا، فيأخذ قالبه الشيئي الملموس، الذي بدوره يتجاوز الفضاء الشخصي ليدور في فضاء أرحب وأوسع وهو الفضاء المجتمعي؛ والأمثلة في ذلك لاحصر لها، كالانفاق على الفقراء والمحرومين، أو المساهمة في مشاريع خيرية ..كبناء المدارس والمستشفيات ودور سكن الأيتام، والمحتاجين، ودور رعاية أطفال الشوارع وإعادة تأهيلهم للحياة وحمايتهم من التسول والتشرد.. الخ. عادة هذه النفوس يحملها ذوو رؤوس الأموال المحدودة، لكن روح العطاء والإنفاق لديهم عالية، وقد وضعوا نصب اعينهم الآية الكريمة(خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلّ عليهم إن صلاتك سكن لهم)  يتفوقون بها على ذووي رؤوس الأموال الكبيرة الذين في بعض الأحيان أيضا يساهمون في الإنفاق المحدود؛ فالإنفاق هنا يسبقه قلة الحرص على المادة، وهو فعال حيوي مستديم فيهم، يصعد الى السماء ويهبط أضعافه الى الأرض (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم).

،(من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم).

(من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط واليه ترجعون)

وغيرها كثيرة. هم يعلمون أن الإنفاق يوفّ اليهم وجزاءه عند الله عظيم، كما إنه يثقل نفوسهم بالكمال والرضا وتثبيتها عند الله، وهو يضفي الخير والبركة في أموالهم ويدفع الضرر والسوء عنهم، فضلا على أنه يقربهم الى الله، فيلقي الله تعالى بنوره على أرواحهم، هم فعلا عظماء، وهم سادة الخلق، وهم أعمدة نور بهم تضيء الأرض(كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها).

لشدة حب الله لهذه الفئة من الناس فإنه تعالى أراد أن يحتفظوا بالصورة الناصعة للإنفاق عندهم، لذلك حذرهم حين الإنفاق بإملاءات جميلة تعكسها الآيات المباركة التالية:

(ثم لايتبعون ماأنفقوا منّا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون)

(ياأيها الذين آمنوا لاتبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى)

الى غير ذلك من الآيات الكريمة، اقتصرت على بعضها.

تتبعتُ آيات الإنفاق في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، فوجدتها تجاوزت ال(100) آية، اخترت بعضها تجنبا للإطالة.

ثم أتحفهم الرسول الأكرم(ص) بأحاديث عن الصدقة أذكر منها: (صدقة السر تطفىء غضب الرب)(صنائع المعروف تقي مصارع السوء)(باكروا بالصدقة فإن البلاء لايتخطاها)(رب درهم سبق ألف درهم).

ثانيا: النفوس غير المعطاءة.. الممسكة أو الممتنعة أو الشحيحة: المستقاة من روح قابيل. وهذه النفوس فقيرة في العطاء المعنوي والمادي؛ تنطوي على صفات القسوة والجفاء والشح والبخل، وحتى لو فكرت بشيء من العطاء فهي مترددة خائفة من النقص الذي سيلحق بمتاعها. يصورها القرآن بالآية الكريمة(إنما يستأذنك الذين لايؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون).

جمع المال والحرص على الدنيا ومافيها ديدن أصحابها ودأبهم بحد ذاته، وهو لذة خاصة تحقق لهم راحة ومتعة، كلما ازداد مالهم ومتاعهم المادي كلما ازدادوا فرحا وبهجة، لدرجة حتى أنهم لاينفقون منه شيئا لأنفسهم خوفا من النقصان، والبعض ينفق على نفسه، لكنه شحيح على الغير. في فضاء هذه النفوس؛ البخل يسبقه شدة الحرص على المال ومتاع الحياة، ثم يأتي بعده المنع وعدم الإنفاق. فاليد مغلولة والإنفاق عندهم يساوي المشقة والألم. الله جل وعلا هو الغني، والناس هم الفقراء للإنفاق للتقرب اليه (ياأيها الناس أنتم الفقراء الى الله والله هو الغني الحميد)

الأشخاص المنطوون على هذه النفوس في الغالب يكونون قساة القلوب. عدم العطاء ومنع الإنفاق ينبع من النفوس القاسية. هذا النوع من الناس يسبب نفور الآخرين منه.

وردت آيات كثيرة حول الإمساك وعدم الإنفاق ومنها:

(الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ماآتاهم الله من فضله)

(فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون)

(الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتولّ فإن الله هو الغني الحميد)

إذن النفوس البشرية على صنفين : صنف مجبول على العطاء بكل صوره بالفطرة النقية، وصنف غير مجبول عليه بالفطرة الكدرة غير النقية. قد تحدث طفرات مثلا قد يختار الله الشهداء بمشيئته من طبقة النفوس غير المعطاءة وكثيرا ما يحصل هذا  بعد أن يجد فيهم خصائص تحمل الإنفاق غير المحسوب. أو من ذوي الانفاق المحدود، فالأخذ والعطاء يمكن أن يتم بحدود بين هذه الطبقات الثلاث من النفوس . أختتم خطابي هذا بقول بليغ للرسول الاكرم(ص):( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسطَ الوجه وحُسنَ الخُلق).

"إن كنت تملك الكثير أعط من أموالك. إن كنت تملك القليل أعط من قلبك"ـــ جلال الدين الرومي.

"وكلٌ يعطي ماعنده"

 

بقلم: انتزال الجبوري

سكرتيرة تحرير مجلة قضايا اسلامية معاصرة.

  

صادق السامرائيهل أن الإنتحار مَرض أم عَرَض؟!

هذا سؤال أمضيت أعواما أبحث عن جوابه من خلال ما قرأت وبحثت ولاحظت وعرفت وأدركت، ووجدت أنْ لا مناص من الإعتماد على الملاحظة السريرية والخبرة العلاجية، والتجارب المتنوعة في ميادين الطب النفسي.

وبعد مسيرة تفاعلية بحثية ذات منهج إدراكي ومعرفي، أخذت الحالة تتبدى على غير ما هي عليه.

فأدب الطب النفسي المتعلق بالإنتحار غزير ومتواصل منذ عقود عديدة، ولا يخرج من ذات النمطية الراسخة، التي تنص على أن الإنتحار عرض مرضي، وناجم عن أمراض أخرى كالكآبة والذهان وغيرها.

فالمصاب بالكآبة يتحدث عن الإنتحار، ويُقدِم عليه وقد ينفذه بنجاح، وليس كل كئيب يبدي نوازع إنتحارية، بينما في هذه الدنيا ينتحر شخص في كل أربعين ثانية، أي أن ثلاثة من بشر الأرض  ينتحرون كل دقيقتين.

وإذا كان الإنتحار عرضا لمرض الكآبة، ونحن ندّعي بأن قدراتنا العلاجية للكآبة  قد تطورت، وإمتلكنا أنواعا من الأدوية المضادة لها والشافية منها، وكذلك التداخلات العلاجية الأخرى، فمن البديهي أن تقل نسبة الإنتحار، ما دمنا قادرين على علاج أهم أسبابه.

لكن واقع الحال الدامغ يشير إلى أن الإنتحار لم ينقص في العقود السابقة، والتقارير والإحصاءات والبيانات تشير إلى ثبات النسبة أو زيادتها.

وهذا معناه أن علاج الكآبة لا يعني بالضرورة التقليل من الإنتحار أو منعه،  وكذلك علاج الأمراض العضوية الأخرى.

والكثير من حالات الإنتحار لا تمت بصلة لمرض نفسي أو عضوي، وإنما هي نزعة متنامية في أعماق الشخص المنتحر.

وقد يستغرب الزملاء من تكرار دعوتي ومنذ أعوام، للنظر إلى الإنتحار على أنه إضطراب سلوكي قائم بذاته، فهو أصل وليس نتيجة، ومَرض وليس عَرض.

فالتعامل مع أي مرض على أنه عَرض لحالة أخرى، يعني فشل التشخيص وإضطراب العلاج، ولكي يتم علاجه لا بد من النظر إليه على أنه مرض.

فالربو مرض وليس عرضا، وداء السكر، وإرتفاع ضغط الدم ، هذه الأمراض وغيرها لها أسباب ومؤهلات وإستعدادات، لكنها ليست أعراضا لحالة أخرى إلا فيما ندر، وهي تعبيرات عن باثولوجية العضو والجهاز الذي تشير إليه.

ومثلها الإنتحار، فهو مرض يصيب الجهاز النفسي، ويدفع إلى القضاء على البدن الذي هو فيه.

وفي هذا تكمن مشكلة متواصلة، وهي أننا لا زلنا لا نرى أن المخلوقات فيها أجهزة نفسية كباقي الأجهزة الفاعلة في الأبدان.

وبنفينا للجهاز النفسي، في أكثر تقديراتنا ننسب الأمراض النفسية إلى أجهزة أخرى،  ونحسبها أعراضا لا أمراضا.

بينما ما نسميه بالأمراض النفسية هي حالات باثولوجية تصيب الجهاز النفسي، ومنها مرض الإنتحار أو إضطراب السلوك الإنتحاري، الذي هو مثل حالة الربو التي تصيب الجهاز التنفسي، أو مثل إضطراب دقات القلب وتأزمها كما يحصل لمرضى القلب، ويمكن القياس والمقارنة مع باقي أعضاء أجهزة أجسامنا.

وبناءَ على هذه الملاحظة السريرية، والتجربة العلاجية مع المصابين بإضطراب السلوك الإنتحاري ، يمكن تلخيص الإضطراب بما يلي:

أولا: الفكرة

الإنتحار فكرة تلِج وعيَ الشخص وتسيطر على مداركه وقدراته للتفاعل مع محيطه، وتبدأ مبكرا في أعمار أقل من خمسة سنوات، وتمضي متنامية معززة متقوّية بتراكمات سلوكية وتفاعلية مع المحيط، أي أنها فكرة تبحث دوما عمّا يؤهلها للتعبير عن نفسها وتحقيق غايتها وإنجاز هدفها.

والفترة ما بين ولادة الفكرة وتنفيذها تتناسب عكسيا مع المؤثرات المحيطية بأنواعها، لكن الفكرة ما أن تلد فأنها تتواصل خفية أو علنا بالتنامي والإنبثاق، ومن أخطر معززاتها إقرانها بمعتقد أو دين، يجرّد صاحبها من المسؤولية ويحوّلها إلى طقس سلوكي حتمي.

ثانيا: محاولات التعبير عن الفكرة

الفكرة الإنتحارية حال إحلالها في الشخص، تبدأ نشاطاتها ومحاولاتها للتعبير عن ذاتها، فترى الذي إمتلكته قد دخل في صراط الخضوع لها وترجمتها، فتحصل محاولات لتلمس السلوك الذي يرضيها، فتأخذ بإظهار ما يشير إلى منهجها، كأن يفكر وهو يقود سيارته بالإصطدام بسيارة أخرى، أو عندما يقف على شرفة بناية  ينتابه شعور بالقفز منها، وفي أي مكان يجد نفسه فيه، تستحوذ عليه فكرة تعبّر عن الخطورة الكامنة في ذلك المكان.

ثالثا: التكرار الفكروي

الفكرة الإنتحارية تغلي في أعماق الشخص، وتتواصل في الغليان والتردد المتكرر، وتكاد لا تبرحه وتهيمن على أرجاء تفكيره، أو أنها تستعبده بالكامل.

ففكرة الإنتحار تتحول إلى صدى لكل عمل يقوم به وسلوك يبدو منه، وما أن يفكر بشيئ حتى يجد ما يغريه بفكرة الإنتحار، وبعد أن تستحوذ عليه الفكرة يجد نفسه في محنة قاسية، ذات خيارات متفقة ومنهج الفكرة وتطلعاتها نحو غايتها.

رابعا: الصراع الداخلي

يعيش المصاب بإضطراب السلوك الإنتحاري صراعا مريرا مع الفكرة الإنتحارية، بل أنه يدخل في حرب طويلة معها، فمعاركها لا تنتهي ودوافعها تتنامى ووسائلها تتعاظم.

وتجد المصاب قد تحول إلى كتلة إنفعالية غاضبة على نفسه، وما يجربه ويقدم على أفعال عدوانية على الذات والموضوع، ويتملكه اليأس وتسفيه قيمة الحياة ومعنى الوجود ولماذا هو جاء للدنيا، وأن ولادته خطأ ولا بد من تصحيح الخطأ بالموت، وغيرها من الأفكار التي تجذبها  الفكرة الإنتحارية الأصيلة.

خامسا: الدريئة العاطفية

يتصف المنتحر في هذه الحالة بإنقطاع إنفعالي تام عن الحياة، فيُشعرك بأنه ميت نفسيا، وكأنه يتحرك كالمُنوّم أو المبتور.

فعندما تتحدث معه لا تستشعر حرارة الإنتماء للحياة، وإنما تكتشف تثلّجا إنفعاليا وتصنّما نفسيا قاسيا، لا يمكن للمنتحر أن يتحرر من قبضته، ولا يتواصل في مسيرة ذات قيمة وتطلعات مستقبلية، لأنه أعلن الحداد على نفسه، وأودعها في تابوت رؤاه وتصوراته القابضة على مداركه والموصدة لنوافذ أحاسيسه ومشاعره.

سادسا: التلذذ بالموت

من الظواهر التي تستعصي على التفسير، أن المنتحر لديه تجربة مَوْتية مُسبقة، كأن نجا من غرق، أو مرّ بحالة إغماء أو إختناق، أو أجريت له عملية جراحية كبيرة، وغيرها من التجارب التي ينقطع فيها عن وعيه ويدخل في عوالم أخرى، ذلك أنها تمنح الشخص الذي عاناها مشاعر لذيذة خيالية التوصيف والتصور، وهي أشبه بالفنتازيا أو السرابات التي توهمه بأنه في فضاءات ندية ذات أنغام رقراقة، تضفي عليه إحساسات بهيجة وسعيدة. ومعظم أصحاب هذه الحالات يُقدمون على محاولة الإنتحار مرارا، وكأنهم أدمنوا على هذا السلوك حتى تنجح محاولة بقتلهم.

 سابعا: التشريع أو المشرعة

أي أن الشخص يبدأ بمشروعه الإنتحاري، وهو كأي مشروع أخر يتطلب الإتقان والإنجاز، وتراه يضع الخطط ويراجعها، ويُخضعها للمحاولات والتجريب حتى يتعلم منها آليات التنفيذ الصائب.

ومع توالي المحاولات والمراجعات يكتسب الشخص خبرة، ويمتلك شجاعة متراكمة للإقدام على إنجاز المشروع، فالمنتحر لا ينتحر بغتة كما نتوهم، وإنما هو ينتحر عندما يبلغ مشروعه حد التمام والنضج التام، والجاهزية القصوى للتنفيذ.

ثامنا: الإنقطاع

حالما يبلغ المشروع الإنتحاري منتهاه ويصل إلى ذروته وأوان تنفيذه، ينقطع المنتحر عن ذاته وموضوعه، فتراه في إنفصال كامل عما يحيط به، وتجده يتصرف وكأنه في عالم آخر متخيّل، لما بعد الرحيل، ويمضي في التفتيش في عالمه المتصور لأيام وربما لأسابيع وأكثر حتى ينتمي إليه ويستلطفه ويذوب فيه، ويستشعر لذته ومتعته الكبرى بولوجه والإنتهاء فيه، وعندما تبلغ لذته المتخيلة ذروتها، ينقلب إلى ميادين خياله، وما يتلذذ به من تصورات وتفاعلات فنتازية، ويحبس نشاطه في آفاق خياله وتصوراته للحظة التي سيغادر إليها ويكون فيها، وفي منتهى شعوره بالمتعة يقضي على نفسه.

تاسعا: سلوك المخادعة

المُقدم على الإنتحار، والساعي لتنفيذ مشروعه، يعد العدة الكاملة للإنجاز، فيأخذ بخداع مَن حوله، فإن كان في ردهة نفسية  فأنه يفكر بوسائل مخادعة الفريق العلاجي، بأن يظهر فرحته وسعادته، فتراه يرقص ويغني، ويتزين ويعطي إنطباعا على أنه عاشق الحياة، وصاحب مشاريع وأهداف رائعة، يوهم الذين حوله على أنها مشاريع حياة، لكنها مشاريع ما بعد الرحيل.

وهذا السلوك قد يتواصل لبضعة أيام، حتى يتحقق الإطمئنان من حوله، فتكتشف أنه قد شنق نفسه ومات.

عاشرا: الإقران بدين

هذا الإقران ينطبق على جميع الأديان، فلكي يقوّي المنتحر إندفاعه ويسوّغ مشروعه، ويمنحه قوة تنفيذية عالية لا بد من إقرانه بالدين.

 

وهذا من أخطر الإقرانات، فحالما يجد المنتحر صيغة ما للربط بين مشروعه الإنتحاري والدين، فأن ساعة الصفر قد حانت، وأن الإنتحار لا بد منه وسيكون حتميا.

وهذه من العلامات السريرية الرئيسية الحمراء التي حالما نكتشفها في الشخص نتيقن بأنه سينتحر لا محالة، وسينفذ مشروعه الإنتحاري في أقرب فرصة سانحة.

فهذا الإقران قوة هائلة ذات طاقات شديدة دافعة نحو الختام الأكيد.

ولا يمكن تفسير هذا الربط الفتاك، الذي يزيد من قوة إندفاع المنتحر وتصميمه، وصولته على نفسه بإصرار فائق.

وختاما،  فالإنتحار إضطراب سلوكي إدراكي يبدأ في سن مبكرة، ولا يمكن لفكرة الإنتحار أن تداهم الشخص بغتة من غير سوابق، ومحاولات وتعزيزات وتسويغات وتحولات إنفعالية عاطفية، ذات طاقات سلبية تتقاطع مع الحياة، وتسفّه معانيها وقيمها وما يتصل بها ويشير إليها.

 وربما تكون المشاعر السلبية والتي نسميها كآبة (عند المنتحرين)، نتيجة وليست سببا، ودوامة تفاعلية لدفع السلوك الإنتحاري إلى الإزمان والإقامة في أعماق المنتحر، وجرّه  إلى إتمام التنفيذ والقضاء على بدنه.

والإنتحار إرادة ذاتية تمتلك قدرات نمائية، وكل إرادة تتحول إلى سلوك، ومنبع الإنتحار فكرة تحلّ في وعي المنتحر وتستحوذ على آفاق مداركه، وتسخر ما فيه من أجلها، ولا يمكن القول بأن الإرادة أنتجها مرض، وإنما هي بنت فكرة متسيدة ومستبدة فاعلة في دنيا البشر.

 ويبدو أن المحاولات الإنتحارية ذات قدرات ترغيبية لأنها تزيد من حماس التكرار، والكثير من المنتحرين لديهم تجارب موت لذيذة، تشدهم إلى التخلص من قيود المعاناة اليومية، التي أسسوا  لها كوسيلة لولوج بوابات الموت، الذي حسب خبرتهم فيه متعة غير موجودة فوق التراب.

ولكي نصل إلى تداخل علاجي فعّال، لابد من إبتكار وسائل مناسبة تمنع معاودة الأعراض والعلامات الإنتحارية، وجوهر كل فعل علاجي هو الإغراء بالحياة، وتوفير آليات إنتصارها على الموت في وعي ذوي الصيرورات الإنتحارية، الطافحة بالتنامي وإستحضار ما يؤهلها للتطبيق والتحقق والإنجاز.

وأي إستهانة أو إغفال، وعدم أخذ للحالة بجدية قصوى تنتهي إلى قضاء الإنتحاري على نفسه، وفي غضون لحظات معدودات، لأنه يمتلك إبتكارات موتية لا تحصى، لا يمكن تصورها وتصديقها.

وكلما إزداد الإنتحاري ثقافة وعلما،  تعقدت وسائله وتطرّفت آليات إنقضاضه على نفسه.

وأهم أساليب التصدي للسلوك الإنتحاري تتجسد بالوعي الإنتحاري، أي أن الذين يتفاعل معهم، كالعائلة والمعلمين والمدرسين وغيرهم، عليهم أن يكونوا على دراية ومعرفة بالسلوك الإنتحاري، وعدم إغفال ما يبدر من الشخص مهما كان عمره أو علمه.

فالإنتحار ظاهرة وبائية بشرية أرضية مستوطنة، فردية أو جماعية، يتم التعبير عنها بتصرفات وتفاعلات قد تبدو على غير ما هي عليه، وفي حقيقتها، ما هي إلا مشروع إنتحاري يسعى للتنفيذ الأبشع والأقسى.

ولا بد للمجتمعات أن تدرك أهمية التثقيف على الوقاية من الإنتحار، وأن يكون في المدارس والجامعات والأندية ودور العبادات، مَن يمتلك وعيا وقدرة على إلتقاط النزعات الإنتحارية، والتفاعل مع أصحابها مبكرا لقطع حبل تواصلها ومنع تطورها وتفاقمها، فالإنتحار فكرة تبدأ مبكرا ومبكرا جدا، لتغدوَ قوة مستبدة ومستعبد لحياة المنتحر حتى تُودي به وتنهيه.

 

د. صادق السامرائي

 

 

علي المرهج(فصل قاط لهالدكه) مثل عراقي قديم ينطبق عليه ما تفعله زارة التعليم العالي العراقية، فهي تُطالب أساتذة الجامعات العراقية بأن ينشروا بحوثهم في مجلات (أنكلو أورو أمريكية) (سكوبس) أو مجلات ذات معامل تأثير عال (انباكت فاكتور)، وهي مجلات فصلتها مؤسسات أكاديمية تتساوق اهتماماتها البحثية مع طبيعة تأسيس تلك المؤسسات البحثية التي تعتمد نظام (الخصصة المعرفية) و (الخصصة الانتاجية) التي لا يهتم أصحابها ومؤسسوها بتقييمات تُضفي عليها الاعتراف من خارج اهتماماتها البحثية وامكانتها العلمية، فمثل هكذا تصنيفات عالمية لا تبحث جامعات رصينة ومؤسسات علمية وأكاديمية عنها ولا أظن أنها تُعير أهمية تُذكر لها، لأن مثل مؤسسات التصنيف هذه تستمد بناء رؤيتها لمفهوم الجودة والأداء من هذه المجامعات لا العكس، فجامعة مثل هارفرد أو كاليفورنيا، أو جامعة يابانية لا يشغلها بأي حال من الأحوال أن تنتهج طريقة في تفعيل البحث الأكاديمي والعلمي تسترضي به مؤسسات أو مجلات يدَعي أصحابها أن لها (معامل تأثير عالمي) لا لأنها تتنكر لقيمة البحث العلمي، بل لأنها تحترم نتاج كوادرها العلمية واقدامهم على تقديم ما هو أفضل لتصحيح مسار الفهم أو تغيير مسار النظرية العلمية، لذا فإن كل هذه المؤسسات التي يدعي مالكوها أن لهم وصاية على تقييم نتاج مؤسسة أكاديمية ما لا يتأتى من تبعية الجامعات الرصينة لمقاييسها، إنما مقاييس هذه الجامعات هي التي تكون خط سير و "مسطرة" لتقييم عمل علمي في العلوم الطبيعية أو الإنسانية.

سأروي لكم حادثة أن أخي وهو أستاذ جامعي (بروفيسير) في اللغة العربية وأدابها شارك في مؤتمر بتركيا، كان مُغريات هذا المؤتمر والمُنظمين له هي: أن كل بحوث المُشاركين فيه ستُنشر في مجلة من ضمن مجلات (سكوبس)، الاشتراك في المؤتمر هو 550دولار، وذكر لي أن عدد المُشاركين في المؤتمر في العراق يتجاوز عددهم المائة وخمسون مُشاركاً، وإذا ضربنا 550 دولار في 150 مشاركاً سيتجاوز الرقم الثمانون ألف دولار فقط قبضه مُنظمو المؤتمر من المُشاركين العراقيين، فسألته، هل هُناك حضور وحورات مُحتدمة في المؤتمر؟ فأجابني: (علي اشبيك تصعد للمنصة تقرأ بحثك وهُناك القليل من الحاضرين، لا يُصغون لما تطرحه. خويه أكلك بس من العراق أكثر من 150 باحثاً يا هو يسمعك)!!.

وفي (الانباكت فاكتور) تدفع مبلغاً بعد مطالبتك بالتعديل إن وجد، وبعدها يُنشر بحثك، هكذا ذكر لي أخي أستاذ الكيمياء المُساعد، بل أخبرني بما هو أدهى وأمرَ من ذلك، فذكر ليَ أن مجلة تصدرفي الهند في منطقة نائية حصلت على معامل التأثير (سكوبس) صدرت في عام 2017 يتم الاعتراف بأصالة البحوث التي تُنشر فيها في وزارة التعليم ولا يُعترف ببحث قيَمه أساتذة مُحترفون من جامعات عراقية تقدم به الباحث لنشره في مجلة عراقية  ـ لربما ـ عُمر اصدارها تجاوز الخمسين سنة!!.

زدَ على ذلك أنك كُلما أكثرت من جلب كُتب المشاركة في المؤتمرات باحثاً أو حاضراً تزيد نقاط تقييمك العلمي!!، وأنا يعرف الأصدقاء أنني من الناشطين  في المؤتمرات مُشاركة وحضوراً، ولكنه ليس مقياساً، ولن يكون للحُكم على علمية أستاذ جامعي، فأنا أعرف وأنتم تعرفون أن هُناك العديد من أساتذة الجامعة العلماء في اختصاصهم لا يعرضون بضاعتهم في سوق النخاسة العلمي، على قاعدة لعبة الزهر (ذب زايد تاخذ زايد) فهم لا يرتضون لأنفسهم وهم كبار في العمر والنتاج أن يعرضوا جهدهم العلمي كما يعرض (الدلَالون) والباعة المتجولون بضاعتهم!!.

ذكرتُ أمثلة لأساتذة درَسونا مثل: مدني صالح، ود.حسام الآلوسي، وعرفان عبدالحميد، وكامل مصطفى الشيبي، ود.ياسين خليل، وآخرون كباراً يعترف بهم أهل الغرب والشرق بأنهم أصحاب أصالة في افكر والكتابة البحثية ولو كانوا بيننا اليوم طبقاً متطلبات الوزراة هذه والجامعات لما حصلوا على تقدير أربعين من مجموع التقدير فـ (ما هكذا توُرد الإبل) يا وزارتنا!!.

أعرف أشخاصاً يُتقنون فن بناء العلاقة لتجدهم يكتبون في كل ما لا علم لهم ويحصدون قبولاً وتقييماً كبيراً، ولكن على قاعدة (احنه أولاد الكرية، كل واحد يعرف أخية) نعرف تمام المعرفة أن جُلهم لا يُجيدون كتابة سطراً واحداً إن طلبت منهم أن يكتبوه من دون الاستعانة بطالب أو صديق أو (قص ولصق) لنصوص مُفكرين أو فلاسفة ورصفها، والأغلب الأعم منهم فرح بما أتاحت له تعليمات الوزارة في أن يكون اسمه بمعية من نشر بحثاً من طلابه في الماجستير أو الدكتوراه، وهو من حقه أن يتقدم به للترقية!! وفق المثل القائل (ايجد أبو جزمه وياكل أبو كلاش)!!.

أُذكر (إن نفعت الذكرى) القيَمين على تحسين التصنيف في وزراة التعليم العالي والجامعات العراقية بما كتبته من قبل، إن كان فيهم من يعرفنا أو قرأ لنا من قبل: أن الغرب له مقاييسه وفق نظامه (الرأسمالي)، ونحن ينبغي أن تكون لنا مقاييسنا وفق نظامنا (الريعي)، والغرب جامعاته استثمارية وجامعاتنا استهلاكية تستجيب لمُتطلبات المُتغيرات السياسية، واتخاذ قرارات وفق المُتغيرات الاجتماعية وتبدل أحوال السلطة وتبدل قراراتها بمُجرد مجيء رئيس وزراء أو وزير جديد، لأننا لا نعمل لنبني دولة تغيير الحكومات فيها لا يعني تغيير السياسات، لأن سياسات وزارة ما يبنيها في الدول الراسخة أناس مُختصون لا تتاثر ولا تتغير وفق أهواء وزير جديد.. 

يُقبل الجميع في الكُليات!!. تُخصص مقاعداً للسُجناء السياسيين وأبناء الشُهداء في الدراسات العُليا!!. تُخصص مقاعد لأصحاب القبول الخاص من الذين يتقدمون للدراسة على نفقتهم الخاصة. لا قيمة للامتحان التنافسي في الفضيل لأن من له مُعدل كبير بحكم تميزه في البكالوريوس أو بحُكم علاقاته سيُقبل سوا نجح في الامتحان التنافسي أم لا!!.

السُجناء وأبناء الشهداء يُكرمون، وهذا حقهم، براتب مُجزي أو بقطعة أرض، ولكن (لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، فعلى الوزارة أن تتخلص من تعميماتها في الاستثناء الذي أخلَ بمستوى المؤسسات الأكاديمية وتميزها في حال مُقارنتها بمؤسسات بدول لم تكن لها دراية لا بالعلم ولا بالتعليم!!، ولكم في جامعات الخليج العربي درس وعبرة، ولكم في عُمان وقابوسها تعلم ودراية في تأصيل بناء الدولة علمياً وتربوياً، بل وحتى سياسياً، ولأ أقول دولة الإمارات التي كان يحلم الشيخ زايد يوماً ما أن تكون دولته شبيهة بما وصل له أهل البصرة من تمدن!!.

أذكر لكم من التاريخ حوادثاً تعرفونها، فالمستنصرية كانت مدرسة أهل العلم في العصر العباسي، فكان أهل الغرب يُخيطون (قاطاً) لـ (دُكمة) صنعناها نحن العرب والمُسلمين فعرفوا قيمتها في التجميل والخياطة المعرفية، ولم يكن من قبل عندهم (سكوبس) ولا (انباكت فاكتور)، لأن (اسكوبسنا) هو أحق أن يُتبع، و (انباكترنا) نموذج معرفي وعلمي يُحتذى.

(قل اعملوا فسيَر الله عملكم) و (العمل عبادة) ولكنها عبادة من نوع خاص تجعل من نفسك مثالاً يُحتذى، لأ أن تجعل من نفسك تابعاً تستجدي الاعتراف بكم مشاركات لا قيمة علمية لها... (كافي مو ملينه)!!.

لو كان علي الوردي اليوم يعيش بيننا لضحك على ما نحن فيه من بؤس وقصور تفكير، فالعلم لا يُبنى بتقليد أعمى، إنما العلم يبنيه أهله بعقل نقدي وقَاد نتحدث فيه عن تجاربنا في العلم والحياة ولا نستنسخ تجربة من مُجتمع تليق به التجربة ولا تليق بنا. لنترك دهشتنا بكل ما أنتجه الغرب، ولنكن بُناة حضارة لا أن نكون (ببغاوات) نُجيد ترديد ما يقوله الآخر، ولنتخلص من هيمنة "المثقف اللَاحوك" = (المُتفرنج) بعبارة علي الوردي، ذلك المثقف الذي لا يُتقن سوى ترديد ألفاظ واتباع لمناهج لها صلاحية توظيف بـ "تربة معرفية" أخرى، ولا صلاحية لها و نمواً ولا اخضرار لها في تربتنا. هذا لا يعني بأي حال من الأحول رفضاً لنتاج الآخر والافادة من رؤيته في خلق معارف علمية مُتقدمة، ولكن لا بنسخها كما هي، إنما بعبارة محمد عابد الجابري "تبيئتها" وفق مُقتضيات الحال وتغير الأحوال في مُجتمعاتنا بما لا يجعلنا نؤكد القول بتميز العقل الغربي على العقل الشرقي من جهة التكوين والنشأة، وكأن (التقدم) سجية في الغرب و(التخلف) يليق بأهل الشرق!!. 

على وزارة التعليم العمل بصورة جادة على الرُقي بمجلاتنا العلمية التي تُصدرها مؤسساتنا الأكاديمية، وأن يتخلص القيَمون على أمور التعليم والبحث العلمي من "التبعية" والقبول بالوصاية "الثقافية"، فما كان صالحاً للغرب لا مشروطية علمية ولا فكرية ولا ثقافية ولا اجتماعية بالضرورة أن يكون صالحاً لأهل الشرق.

(كافي مو ملينا)، سوي (بروفايل)، سوي (غوغل سكولر)، سوي ( أورسيد)، سوي (ريسيرجر كيت) ربما في كل مُنتجات الثورة المعلوماتية هذه فوائد جمَة، ولكن أن يعتمد الكثيرون هوامشاً من بحثي أو بحث آخر لا يعني أن هذا البحث مُهماً، فضع ضحكة هستيرية وانشرها ستجد آلافاً إن لم يكن ملاييناً يدخلون لمستوعبك البحثي هذا ليُشاهدوا ضحكتك، وهي ضحك على الذقون لا تعلم فيها لعلم ولا اتقان فيها لثقافة أو فنون!!.

هٌناك أغان هابطة وصلت مُشاهداتها لمئات الملايين، ولكن أغاني أم كلثوم ـ على سبيل المثال ـ لم تصل مشهاداتها لمئات الآلاف، فهل يعني هذا أن (محمد السالم) أو (نور الزين) أو (غزوان الفهد) صاحب أغنية (ودي أمك بطيارة) هُمَ أفضل من أم كلثوم لأن مشاهدات أغانيهم تجاوزت مئات الملايين!!.

كل وزير يأتي يؤكد أنه يتبى فكرة استقلالية الجامعة، ولكنه بعد حين يُلغي قرارات ويستحدث قرارات وهيأة الرأي لا حول لها ولا قوة تطبيقاً لمقولة (امحمد العريبي) في مجلس الأعيان "اموافج"، فالوزير السابق لغى نظام التحميل، وحينما باشر الوزير الجديد لغى قرار الوزير الجديد وأعاد نظام التحميل..(زين هيأة الرأي مو هي نفسها...وجميعهم رؤساء جامعات ومدراء عامون في الوزارة وهم ذاتهم من وافقوا الوزير السابق على مُقرراته، شحدى ما بدى وتغير الحال، وأي مُستجد استجد بين يوم وآخر، فتغيَر القرار)!!. هذا يعني أن لا رأي لهم!!، وهم هيأة رأي على قاعدة (شاورهم في الأمر فاذا عزمت فتوكل)، والوزير الحالي له رأي، وشاورهم  في الأمرـ ربما ـ ولكنه عزم فتوكل، وكل رئاسات الجامعات وعمادتها وأساتذتها التي لا استقلالية لهم خارج ارادة الوزير إنما مهمتهم تنفيذ ما قرره معالي الوزير من دون ابداء رأي وإن كان أغلبهم من (أهل الرأي)، هكذا يوصفون (هيأة الرأي) !!.

رغب الوزير بحُكم اطلاعه على تجارب جامعات (أنكلو أورو أمريكية) بتطبيق نظام المُقررات، ونحن قد حدَثنا نظامنا السنوي ليكون نظاماً فصلياً، ولا زلنا لم نُكمل تخريج دفعة بنظامنا السنوي المعمول به من قبل والذي تزامن معه تطبيقنا للنظام الفصلي، ولأن الوزير على دراية بأهمية (نظام المُقررات) فقد فضله على النظامين السابقين، فأمر بتطبيقه على (التو واللحظة) في السنة القادمة، ولم يكن ـ كما أظن ـ لهيأة الرأي رأي، فسارع رؤساء الجامعات بالعمل على تنفيذ أمر الوزير ودائرة البحث والتطوير في الوزارة وجهاز الاشراف والتقويم العلمي فيها أصدرتا الأوامر لتشكيل اللجان لتطبيق (نظام المُقررات) هذا، وعلى عجل أكملت اللجان أعمالها من دون دراسة لامكانية العمل بهذا النظام واقعياً، فسيُصار العمل في جامعاتنا هذه السنة بنُظم ثلاثة في الوقت ذاته: نظام سنوي يشمل المرحلة الرابعة، ونظام فصلي يشمل المراحل الثلاث، وفي السنة القادمة نعمل على المرحلة الأولى بنظام المُقررات!!.

لم يأخذ (أهل الرأي) بنظر الاعتبار عمل اللجان الامتحانية، فكل مجموعة منها تعمل على "شيتات" مرحلة بنظام مُختلف!!.

وكان بالامكان التريث بتطبيق قرار (نظام المُقررات) لسنة قادمة بعد أن تتخرج الدفعة في المرحلة الرابعة التي درست وفق النظام السنوي ليكون لدينا نظامان: نظام الكورسات، ونظام المُقررات.

وأظن ولست بجازم أن لا أحد من (هيأة الرأي) قد أوصل هذه الفكرة لمعالي الوزير، وربما أكون مُخطئاً، ويكون هُناك من تحدث مع الوزير حول اشكالات التطبيق لنظام المُقررات وفق ما شرحت ووضحت، إن كان هُناك من شرح وأبان لمعالي الوزير ولكن الوزير أصرَ على تطبيق ثلاث أنظمة دراسية في سنة واحدة، وإن كان ذلك كذلك فالمُشتكى لله وحده!!.

معالي وزير التعليم العالي المُحترم، أعرف أنك أستاذ جامعي كُل غايتك الارتقاء بالتعليم العالي ولا أشك بصدق نواياك لترصين التدريس والبحث العلمي، ولكن مقاسات أمم سبقتنا في التقدم ومحاولة اتباعها (حذو النعل بالنعل) كما يُقال إنما فيه تغييب لمقدرة العقل العراقي في الفهم المُغاير للمعرفة والوجود وعلاقة الإنسان بهذا الوجود.

ربما يُغرينا بعض المُدَعين بتقليد واتباع، ولكن التقليد والاتباع لا يخلق عقلاً يُفكر بحرية، والأمر متروك تقديره لك من قبل ومن بعد.

استعار الغرب فكر ابن سينا والغزالي ومن بعدهما ابن رشد في رؤيته الفلسفية التي أوَلها الغرب وأسس عليها تنويره في ما سُميَ بـ "الرُشدية اللاتينية" فكان ابن رُشد العربي المُسلم منارة علم وتنوير، ولنا القدرة أن نخلق لنا مستقبل أفضل خارج التقليد والاتباع وفق مقولة (فاليري) "الذئب مجموعة خراف مهضومة"، فلولا الخراف لم يكن الذئب ذئباً، ولكن الذئب ليس خروفاً، وهكذا هو الفكر، فهو هضم واستيعاب وتمثل وتأويل لأفكار سبقت وأفكار عباقرة حضرت، والناجح هو من يتمكن من هضمها وتمثلها لا اعاددة طرحها بقول مماثل لما أنتجه آخرون من ثقافة مُختلفة أو مُغايرة.

أقول قولي هذا حرصاً لا رغبة بالنقد، وإن كان في النقد تقويم ومحاولة لجعل الحياة أفضل، فكل الأمم التي نهضت وارتقت إنما كان النقد أداتها في تقييم تجاربها السابقة والكشف عن مواطن الضعف فيها.

 

ا. د. علي المرهج – الجامعة المستنصرية       

 

محمود محمد عليننتقل للجزء الثالث من حديثنا عن التفسير السوسيولوجي لنشأة وتطور الفكر السياسي الإسلامي  فنقول: يمكن أن نفسر كيف اتجه نظام الحكم فى الإسلام على عهد أبى جعفر المنصور فى مستهل الخلافة العباسية إلى صورة الملكية المطلقة، بعد الصورة الأولية "الأبوية" التى كانت على عهد الخلفاء الراشدين الأربعة، وبعد المحاولة المخفقة التى بذلها الأمويون فى دمشق، خصوصـًا ابتداءً من حــكم الوليــد، لإيجاد نظام إسلامى على غرار نظام الدولة البيزنطية، تلك الجارة التى لم يكن بد من التأثر بها: أولًا بحكم الجوار، وثانيًا بسبب التراث الإداري والتشريعي الذى خلفته وهى تولى هاربة أمام الجحافل العربية الإسلامية الظافرة فى البلاد التى كانت تبسط من قبل سلطانها عليها. وكان أمام أبى جعفر المنصور ومن خلفه من الخلفاء حتى عصر المأمون نموذجان بارزان للملكية المطلقة على أنقاضهما قامت الدولة الإسلامية، وهما: النظام البيزنطى، والنظام الساسانى والإيراني عامة. وكان طبيعيًا أن تتجه الأنظار أول الأمر إلى النظام الإيراني: أولًا لأن الذين قاموا بالثورة من أجل إيجاد الدولة العباسية كانوا من الفرس، فكان طبيعيا أن يكون للنفوذ الفارسي المكانة الأولى في التأثيرات الأجنبية في ذلك الحين؛ وثانيًا لأن الخلافة العباسية قامت في نفس البقعة التي كانت حاضرة الأمة الفارسية .

ومن هنا اتجه المتفقون والمفكرون السياسيون خلال العصر العباسي الأول إلى التراث السياسي الإيراني يستلهمونه أو ينقلون عنه المؤلفات التي يسترشد بها أولو الأمر في سياسة تدبير الملك وتدبير أمر الرعية، فقام "ابن المقفع" يترجم "كليلة ودمنة"، و"سير ملوك العجم"، فضلا عما ألفه من رسائل، مثل " الأدب الكبير " و " الأدب الصغير " وما إليهما. وكذلك أمثال ابن المقفع، كإسحق بن يزيد الذي نقل كتاب "سيرة الفرس"، المعروف بـ" اختيار نامة"، والحسن بن سهل الذي ترجم "جاويدان خرد "وعشرات غيرهم من الذين عنوا بنقل التراث الفارسي السياسي إلى اللغة العربية في أوائل عهد الخلافة العباسية .

وكان هدفهم من هذا كله تقرير قواعد نظام الحكم الجديد وبناء فلسفته السياسية، فأصبح الُكتاب حينما يعددون خصائص الأجناس ومفاخر الشعوب، إبان خصومة "الشعوبية" المشهورة في القرنين الثاني والثالث الهجريين يخصون الفرس بالتفوق في السياسة، حتى  قالوا في هذا المعرض :" للفرس السياسة والآداب والحدود والرسوم، وللروم العلم والحكمة، وللهند الفكر والروية والخفة، والسحر والأناة؛ وللترك الشجاعة والإقدام "... واستقر آنذاك عند الناس أن الفرس هم أصحاب السياسة والسبب في هذا راجع إلى اتجاه الُكتاب العالمين بالفارسية وهم المقربون عند الخلفاء العباسيين الأوائل حتى  عهد هارون الرشيد، إلى التراث الفارسي وحده .

وهكذا أصبحت القضية المحورية لدي خلفاء العصر العباسي الأوائل : هي قضية الموازنة بين عصبيات الأمة من جهة وبين (دعوة)، و(دولة) من جهة أخرى: دعوة تعتمد الجهاد لتحقيق الأمة في العالم؛ ودولة تريد قطعة محددة من الأرض تستطيع ضبطها بشروطها وعصبياتها، على أن يكون الإسلام هو السائد على هذه القطعة المحددة من الأرض؛ وهذا الأمر أثمر عن خروج المغرب العربي من قبضة الخلافة العباسية في عصرها الأول.

وإذا انتقلنا إلى العصر العباسي الثاني  فقد شهد تفكك المشرق ذاته منذ منتصف القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي؛ فظهر الصفاريون بعد الطاهريين في خراسان عام 254هـ، وظهر السامانيون في بخاري قبلهم عام 250هـ، وظهر الطولونيون في مصر  254هـ، ثم بعدهم الإخشيديون عام 323هـ؛ وظهر الزيديون في اليمن 246هـ؛ والحمدانيون في الموصل وحلب عام 317هـ. ثم البويهيون في فارس والعراق، وقد تمكنت هذه الدولة بعد استقرارها في فارس – من السيطرة على مركز الخلافة، وإخضاع الخلافة العباسية لنفوذها المباشر، وذلك في عام 334هـ/946م. وإلي جانب هذه الولايات الإقليمية الكبيرة ؛ ظهرت إمارات صغيرة، تركزت حول بعض المدن الكبيرة، كما حدث في منطقة الجزيرة الفراتية وشمالي الشام، إذ خضعت هذه المناطق وغيرها لحكم بعض القبائل المتمردة .

هذا وقد وصل التفكك السياسي للعالم الإسلامي إبان العصر العباسي الثاني مداه بإعلان الفاطميين لخلافة فاطمية في المغرب العربي حتى  استقرت في مصر والشام وإعلان الأمراء الأمويين عن خلافة أموية في الأندلس هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، فقد شهد العصر العباسي الثاني أيضًا تقهقرا عباسيا أمام الدولة البيزنطية التي كانت تمر بدور من أدوار اليقظة أدي إلى عودتها إلى قوتها مرة أخرى في هذه المرحلة. فعلى سبيل المثال سقطت حلب في أيدي البيزنطيين عام 358هـ -969م، بعد اتفاقهم مع قائد مسلم أراد أن يكون صاحب الأمر والنهي فيها يستأثر بأمرها دون سعد الدولة بن سيف الدولة الحمداني. وكان اتفاقا مجحفا نص على تسليم هذا القائد حلب للبيزنطيين مقابل وعدهم له بأن يبقوا عليه حاكمًا من قبلهم. وكانت شروطهم التي أملوها عليه وقبلها صاغرا والتي ما وضعوها إلا ليثبتوا أن أيديهم هي العليًا وليست يد المسلمين حتى  لو كان عاملها مسلما، هي أن يدفع المسلمون في حلب الجزية للروم  وأن يعفي المسيحيون فيه من دفع أي مال للمسلمين.

وثمة نقطة أخرى جديرة بالإشارة هنا شهدتها هذه الحقبة وهي أن  مرحلة انتقالية مهدت لظهور دولة المماليك في مصر والشام والحجاز؛ وهذه المرحلة الانتقالية تمثلت منذ أواخر القرن الخامس الهجري، عندما بدأت صفحة الصراع الإسلامي – المسيحي تأخذ منحني شديد الخطورة. وتمثلت خطورتها في أن الطرف غير الإسلامي فيه لم يكن هو الخصم الذي اعتاد المسلمون منازلته على مدار القرون الخمس الماضية، والذي أصابه الكبر والوهن (الدولة البيزنطية) كما أصابهم، ولكنه الآن خصم جديد له مطامع وحدت أركانه وجمعت شتاته تحت علم الصليب، فجاء ليواجه خصما منفصلة أعضاؤه منقسمة على بعضها البعض .

ويكفي للدلالة على مدى الخطورة التي شكلها الزحف الصليبي أن نمعن التفكير في معني إعفاء البابا الأسبان المسيحيين من الاشتراك في الحملة الصليبية ولكن من الوجهة الغربية (الأندلس). فالمد الصليبي على المشرق سبقه وزانه حركة استرداد مسيحي في  المغرب، وهكذا توحدت أوربا المسيحية على العالم الإسلامي المفكك وهو في  غفلة .

وإذا كان السلاجقة قد نجحوا في هزيمة حملة الجياع، وهي فئة في أول حملة صليبة على المشرق عام 1096م، تكونت من عشرات الآلاف من الجياع والفقراء والمغامرين، وكانت حملة شعبية غير منظمة فسهلت هزيمتها، فإن الأمر لم يكن بهذه السهولة مع الحملة الثانية، وهي حملة الأمراء أو الحملة النظامية التي شرعت في الزحف نحو المشرق في نفس الشهر التي هُزمت فيه حملة الجياع، وأهمية هذه الحملة أنها وضعت أسس التحالف والتعاون البيزنطي الصليبي ضد الطرف الإسلامي، فحملة الجياع أثناء مرورها بأراضي الإمبراطورية البيزنطية قامت بأعمال سلب ونهب جعلت الإمبراطور البيزنطي يندم على الدعوة التي وجهها لأوربا لطلب المساعدة، ولم يكن جنود الحملة النظامية أفضل حالا من الجوعى في الحملة الأولى، ولكن كان يمكن على الأقل بالنسبة للإمبراطور البيزنطي أن يتفاهم مع أمرائهم على صيغة للتعاون، فكان أن تم الاتفاق بينهم على أن أي أراضٍ يستعيدها الصليبيون مما فقدتها الإمبراطورية البيزنطية لصالح الدولة السلجوقية قبل "معركة ملاذكرد" ، فإنها تعاد إلى الإمبراطورية البيزنطية، أما فيما عدا ذلك فهو ملك لهم يقيمون عليه إماراتهم .

وكان إتمام هذا الاتفاق بين البيزنطيين والصليبين بمثابة توحد لأوربا الكاثوليكية مع أوربا الأرثوذكسية للهجوم على العالم الإسلامي، ولقد أثمر هذا الاتفاق آثاره؛ حيث ضمنت الدولة البيزنطية استعادة الأراضي التي فقدتها لصالح السلاجقة، وضمن أمراء أوربا إقامة دويلات خاصة بهم في الشام الذي أصبح المسرح الأساسي لأحداث الصراع بين المسيحيين والمسلمين.

وقد أخذ هذا الصراع شكلًا عجيبًا من العلاقات فيما بين المسلمين والصليبيين، فمرة يتحالف المسلمون مع الصليبين ضد بعضهم البعض من أجل أن يحتفظ بعضهم بكيان هش (دولة) ومرة أخرى يتحالفون فيما بينهم ضد الصليبين عندما يظهر لهم خطرهم مستشريًا، وهكذا كانت تدور المعارك بين المسلمين والصليبين سجالًا، أحيانًا ينتصر المسلمون وأحيانا ينهزمون، وكانوا عادة ما ينتصرون بتوحدهم في حلف جزئي، وأما هزيمتهم فكانت في معظم الأحيان لتفرقهم. ورغم بعض النجاحات الإسلامية التي كان بعضها محدود الآثار وبعضها الآخر ذا آثار عميقة، ولكن لم يقدر له أن يتوحد ليشكل حركة تحريرية كبري للغزو الصليبي .

ولذلك ظلت موازين القوى  بين المسلمين والصليبيين دون تغير كبير، فالصليبيون يحتلون أجزاء متفرقة من الأقاليم تفصل بينها إمارات ومدن إسلامية والمسلمون يشنون على الصليبيين الغارات من آن لآخر يُهزمون أحيانًا، وينتصرون أحيانًا أخرى، ويحررون بعض المدن ليستردها الصليبيون مرة أخرى عندما تتغير علاقات التحالف بين المسلمين إلى التنازع والتنافر.

وإذا كان الفكر السياسي الإسلامي يتساءل خلال القرون الأولى من الهجرة عن كيفية تحقيق الأمة الإسلامية (التي تحققت فعلًا) هو الشغل الشاغل لخلفاء بني أمية وخلفاء بني العباس الأوائل. فإن تحولا جذريًا طرأ على هذا السؤال، وبالتحديد خلال  منتصف القرن السادس الهجري، ليكون السؤال: ما السبيل لتوحيد أمة الإسلام؟ أو كيف يمكن أن تتوحد أمة الإسلام أمام خطر الصليبين الماحق؟.

لقد كانت إجابة "عماد الدين زنكي"، في الشام واضحة وحاسمة إزاء الإجابة عن هذا السؤال، وذلك بأن رأي أن استقراء خبرة التاريخ السياسي الإسلامي، توضح أن وحدة المسلمين لن تتحقق إلا إذا فُرضت فرضًا وبالقوة. فكان لزاما عليه أن يقضي على الإمارات الصغيرة المجاورة للمستعمرات الصليبية والتي كانت دائمًا بمثابة القشة التي تقصم ظهر البعير، كما كانت العقبة الكئود لأي توحد سياسي بين قوى المسلمين. وقد تم لعماد الدين زنكي ما أراد؛ حيث نجح في أن يؤسس دولة في الموصل وأن يضم حلب، ثم رفع الجهاد ضد الصليبين، لكنه اصطدم بحالة التمزق السياسي التي كانت سائدة في المنطقة، فرأى ضرورة تجميع القوى الإسلامية، وحشد طاقاتها قبل القيام بأي خطوة إيجابية لمواجهة العدوان الصليبي، فنهض يعمل على ضم هذه القوى المشتتة. وبعد أن خطا خطوات واسعة في هذا السبيل، ونجح في ضم شمالي بلاد الشام إلى إمارة الموصل، نهض ليتصدى للصليبين، ونجح في تحقيق أهم إنجازاته التي بدأ فيها صفحة جديدة في ميزان القوى بين المسلمين والصليبين في المنطقة، وهي استعادة إمارة الرها من أيديهم. وكان لهذا النصر أهميته؛ حيث أثبت قدرة المسلمين على مجابهة الخطر الصليبي، بالإضافة إلى أنه أمَّنَ حرية الاتصال بين الموصل وحلب .

وقد تبعه ابنه نور الدين زنكي (511-569هـ)، الذي ظهر كشخصية فذة؛ فقد بدأ من حيث انتهى والده، وبذل جهدًا مضنيًا في سبيل إثارة الأمة وبعث روح الجهاد والتضحية بين جميع أفرادها في مناطق الشرق الأدنى الإسلامي. ونجح "نور الدين" في اكتساب ثقة العامة وجمع كلمتهم وبعد أن وحد قسمي بلاد الشام، الشمالي المتمثل بحلب، والجنوبي المتمثل بدمشق، وبسط هيمنته على الموصل؛ انطلق يجاهد الصليبيين، ويتصدى لتوسعهم على حساب المسلمين. ولعل أهم إنجازاته هي تحقيق الوحدة الإسلامية وجهاد الصليبين، وإسقاطه الدولة الفاطمية في مصر، وإعادة هذه البلد إلى حظيرة الخلافة العباسية والمذهب السني.

وهنا أخذ المسرح السياسي يتهيأ لـ" صلاح الدين الأيوبي" (532-589هـ)، ذلك القائد التاريخي الفذ في تاريخ الإسلام السياسي الذي نجح في تحقيق ما خاف منه الصليبيون دائمًا وحاولوا منعه، وهو توحيد جبهات مصر، والشام، والعراق ضدهم (لقد كان شعار صلاح الدين نبي واحد، تعاليم واحدة، أمة واحدة، ولتحقيق هذا كان ضربه لاعتبارات الزعامة والسلطة عرض الحائط. فكان له ما أراد عن طريق خطة سياسية واضحة المعالم ووعي سياسي سليم) فكال لأعداء الإسلام والضربات الموجعة التي انتهت باسترداد بيت المقدس؛ وظل يكيل الضربات لما تبقي من مستعمرات صليبية حتى  لقي ربه مجاهدًا في سبيله، واستمر خلفاؤه في المحافظة على انتصاراته حينا وعقد معاهدات مع الصليبين أحيانًا أخرى، وبين كر وفر كانت موقعة المنصورة التي تصدي لها الملك الصالح "نجم الدين أيوب" (603-647هـ)، وانتهت بأسر "لويس التاسع عشر".

ولم يهنأ العالم الإسلامي بهذه الانتصارات حتى أتته ضربة المغول المدمرة فقضت على مركز الخلافة العباسية في بغداد، وواصلت الزحف على دمشق وباتت على أعتاب مصر. فما كان من مماليك نجم الدين أيوب إلا مواجهة المغول في عين جالوت فدمروهم وطردوا فلولهم من الشام.

وكان لمعركة عين جالوت أثر عظيم في تغيير موازين القوة بين القوى العظمى المتصارعة في منطقة الشام، فقد تسببت خسارة المغول في المعركة من تحجيم قوتهم، فلم يستطع القائد المغولي"هولاكو" (ت:1265م) الذي كان مستقراً في" تبريز"، من التفكير بإعادة احتلال الشام مرةً أخرى، وفوق هذا وذاك فقد تمكنوا من طرد الصليبين أيضًا من بلاد الشام ومصر، وتابعوهم إلى قبرص، فأخضعوا الجزيرة لسيطرتهم، ثم تعقبوهم إلى جزيرة رودس، ولولا الدعم الأوربي الصليبي الكبير للحقت رودس جزيرة قبرص في تبعيتها للمماليك .

وخضعت بلاد الحجاز للمماليك، وهي مهوى أفئدة المسلمين في كل مكان، حيث بيت الله الحرام، ومهبط الوحي، ومنطلق الدعوة، ومدينة الرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وهذا ما جعل لهذه الدولة مكانة خاصة في سائر بلاد المسلمين إضافة إلى لفٌها خلفاء بني العباس وابنائهم، وإعادة الخلافة بعد سقوطها، وهذا ما زاد من مركز دولة المماليك وهيبتها .

رابعًاً : التفسير الاجتماعي وتطور منهجية الفكر السياسي الإسلامي.

إذا كان الواقع السياسي العام في العصر العباسي وتراكماته التي أوصلتنا إلى الواقع السياسي في القرنين الثامن والتاسع الهجريين، فإن هذا الواقع قد انعكس بدوره على الفكر السياسي الإسلامي، وآية ذلك أن الكتابات السياسية التي ظهرت في تلك الحقبة الهجرية المتطاولة قد ارتبطت بهذا الواقع.

1- فمثلًا سنجد أن فترة الخلافة العباسية الأوائل (والتي يرجع التراث السياسي الإسلامي لمعظمها)، وخصوصًا فترة العباسيين الأول، فترة التراجم الكبرى، وفترة بيت الحكمة، وسنجد أن نوع الكتابات السياسية فيها يدور حول السلوك المثالي السياسي وارتباطه بالأخلاق – سلوك أمة متسعة الأرجاء، عظيمة الهيبة، تضم العديد من الشعوب، وتخضع لقيادة واحدة، ومن ثم اتخاذ هذا السلوك منطلقا لتقديم النصائح للخلافة في كيفية إدارة الأمة .

ويمكن توضيح ذلك بشيء من التفصيل: في هذا العصر قامت حركة التأليف والترجمة والتدوين على قدم وساق، وجميع ما خلفه المسلمون الأوائل يرجع تقريبًا لهذا العصر، أو إلى أصول وضعت في هذا العصر، وكان العباسيون يهتمون قبل كل شيء بتركيز دعائم ملكهم: لهذا كانت حرية الرأي على مبلغ احترامهم وعظم مكانتها في الإسلام – مستظلة إلى حد ما بلواء العباسيين؛ وقد كان للعباسيين خصوم من العرب يمثلهم بنو أمية الذين استطاعوا ابتناء ملك واسع ومجد عريض في الأندلس، يماثل إن لم يفق ملك بني عباس ومجدهم في الشرق ؛ وخصومهم من غير العرب يتزعمهم ويثيرهم ابناء عمومتهم العلويون؛ وفي ظلال الحكم العباسي تنبهت القوميات الغافية، وتحركت الأطماع في نفوس كثيرين من ابناء الأمجاد الأولى التي غلبها الإسلام؛ ولهذا رأى العباسيون أن من حقهم أن يشرفوا على توجيه البحوث ومراقبة الإنتاج الفكري في ملكهم، فعني مفكرو الإسلام في عهدهم من علوم اليونان والفرس وغيرهم من الفنون التي كانت غير معروفة لهم، وكانوا يصرفون عنايتهم إلى هذه العلوم على قدر ما يرون لها من فائدة وعلى حسب ما تمس الحاجة؛ فأقبلوا على العلوم الرياضية والطبيعية والفلسفة والمنطق بمجامع قلوبهم . وللحديث بقية !!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط