على ملصق في عيادة أحد الأطباء قرأت هذين البيتين من الشعر:

وإن تكــن الأرزاقُ قسماً مقدّراً     فقلةُ حرصِ المرءِ في الكسب أجملُ

وإن تكن الأموالُ للترك جمعُها     فما بالُ متروكٍ به المرءُ يبخلُ.

هذه حكمة قيل أنها منسوبة للإمام الحسين (ع) ضمن قصيدة.

كان بودي لولا الحياء أن أسأل الدكتور عن مدى سريان هذه الحكمة في حياته الشخصية.عادة الحكم تصدر عن أناس إما خاضوا تجربة ما، أو تجارب عدة واستخلصوا منها حكمة أو حكماً بليغة. وإما لم يخوضوا تجربة ويصدروا حكمهم، وهم الحكماء.. فهذا شأنهم. لكن على الدوام يوصونا العوام بأن نسأل المجرب ولانسأل الحكيم. الحكم لاتصدر جزافا، وأحسنها التي تأتي نتاج تجربة ثقيلة خاضها شخص ما. كثيرون يكتبون الحكم ولانجد على أرض الواقع أيَّ أثر عملي لها على سلوكهم و حياتهم (كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالاتفعلون).

صدرت هذه الحكمة عن سيد زهد ليس بالمال فحسب؛ بل بالدنيا وما فيها، فجاد بروحه (والجود بالنفس أقصى غاية الجود).

فحوى هذه الحكمة هو ترشيد الحرص على المال، واستخدام أسلوب الوسطية والإعتدال في إنفاقه. فالعطاء هو وجه من وجوه تصريف المال، وهو موضوعنا قيد البحث، خصوصا نحن في شهر الخير والعطاء.. شهر رمضان الكريم.

إذا تأملنا في موضوع العطاء وألقينا على أنفسنا السؤال التالي: هل العطاء منبعه مادي أم معنوي؟

أود هنا أن أعود قليلا الى بدء الحياة البشرية على الأرض، التي بدأت بصراع قوتين، هي قوة الخير الواهبة التي تستبطن المحبة والرحمة والكرم والتضحية؛ دون حساب المتمثلة بهابيل، وقوة الشر غير الواهبة .. الممتنعة، التي تستبطن الكره والقسوة والجفاء والشح المتمثلة بقابيل. هابيل قدم كل ماعنده لله، قدم كبشا، ثم روحه فداءً لربه. ويعني هذا أن عطاءه كان بلا حساب. في حين قابيل لم يقدم سوى تفاحة متعفنة لربه، وفوق ذلك قتل أخيه من أجل دنياه. المعركة التي دارت بين قابيل وهابيل فيها عدة أوجه، فهي معركة بين حب الله وحب الدنيا، والحق والباطل، والخير والشر، والفضيلة والرذيلة، والعطاء والمنع. إذن فالحياة شهدت في فجر بزوغها صراعا بين العطاء والمنع تمثل بإبني آدم (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال انما يتقبل الله من المتقين. لئن بسطت الي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي اليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين) . الخير خير هنا وهو متأصل في نفس هابيل؛ وهو العطاء الذي تسبقه الرحمة ، والشر شر هنا وهو متأصل في نفس قابيل؛ وهو المنع الذي تسبقه القسوة؛ لن ولم يلتقيا.

الموضوع الذي نتناوله هنا هو ليس أوجه العطاء، فهي كثيرة ومتشعبة، ، وتستغرق وقتا طويلا في البحث والكتابة، اقتصرت على اليسير منها. لكن أورد هنا فقط بحث منبع العطاء.

بناءً على ما تقدم فإن العطاء قيمة معنوية بحتة بالأساس، تنبع من النفس أولا؛ وإذا كان العطاء منبعه النفس، إذن يمكننا تصنيف النفوس الى صنفين هما:

أولا: النفوس المعطاءة، وهذه تنقسم الى قسمين:

1-)النفوس المعطاءة بلا حدود

2-)النفوس المعطاءة بحدود

ثانيا: النفوس غير المعطاءة(الممسكة، أوالممتنعة، أو الشحيحة)

أولا: النفوس المعطاءة، التي صنفناها الى:

1-)النفوس المعطاءة بلا حدود: المستقاة من روح هابيل.هي نفوس حباها الله بالطهر أولا؛ ثم النقاء والعصمة والمحبة والرحمة والكرم، وكرم النفس مشروط بطهارتها،لأن الكرم صفة مقدسة هي من صفات الله جل وعلا، فالطهر والنقاء والعصمة والمحبة والرحمة والكرم، هي الأحجار الكريمة لانبثاق نور الله في هذه النفوس لتشع بهالاتها على من حولها، تتحرك، تهب، تعطي؛ فقط في فضاء الصفاء الذي خلق لها. هي سعيدة بطبعها وليست بالضرورة أن تكون سعيدة على كل صعيد. انما هي سعيدة بما تترك من أثر على من حولها، لأن العطاء فيها عفوي فطري مصقول بمشيئة الله. منها اصطفى الله تعالى الأنبياء، وهم ليسوا كسائر البشر ليس من حيث خَلقهم بل من حيث خُلقهم وطبعهم  والأوصياء والشهداء، هؤلاء الثلاثة يعطون بلا حدود وبلا حساب وبلا مقايضة، هي بيعة فقط مع الله. هذه النفوس التي ينطوي عليها هؤلاء الثلاثة من أصناف الناس، هي نفوس خاصة تمنح المعاني بلا مقابل. الخلود للمعنى لديها هو الهدف والمغزى. لا يوجد في حسابها شيء مادي أو معنوي للإدخار، لأن العطاء فيها غير متناه. هدفها تصدير المعاني للبشرية، حتى لو كلفها ذلك حياتها.

وعلى حد تعبير المتصوف المعروف "محمد بن عبد الجبار النفري المولود في مدينة نفر في العراق والمتوفى عام 354هـ، وهو من أعلام التصوف الاسلامي، وأشهر كتبه (المواقف والمخاطبات)" ؛ (التباقي بالتفاني)، يعني أن تضحي بشيء من عندك من أجل بقاء شيء، فالبقاء والخلود لروحك أولا، وللمعنى الذي لأجله قدمت روحك قربانا له. يعني تنذر نفسك من أجل تخليد قيمة حياتية مهمة، فالتضحية بالنفس من أجل خلود أبدي لمعنى حياتي عميق، هو أبلغ صورة للإنفاق اللا محدود. في فضاء هذه النفوس يأتي قلة الحرص على الحياة وما فيها بالدرجة الأولى، ثم يأتي بعده الزهد، ثم الإنفاق غير المحسوب (...أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا..).، كحالة الإمام الحسين (ع)، الذي هو أبلغ تجلٍ لحالة العطاء لخلود المعنى؛ فجاد بنفسه من أجل تثبيت معنى مهم، هو الإصلاح، والإصلاح معنى حياتي خالد، يعني إصلاح وضع فاسد كان قد خيم على الحياة آنذاك.

وهكذا سار على خط العطاء غير المحدود الشهداء الذين بذلوا مهجهم من أجل إحياء المعاني الأصيلة وهي تثبيت الحق ومحو الباطل والقضاء على الفساد أينما كان.

أورد القرآن الكريم آيات حول الإنفاق اللامحدود، أذكر بعضها:

(لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون)

(.. ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)

(إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون)

وغيرها كثيرة.

النفوس المعطاءة بحدود: وهذه النفوس انبثقت بالأحرى من النفوس المعطاءة بلا حدود، و أيضا حباها الله بحب الإنفاق في دائرة محيطها فمرة يمكث العطاء بصورته المعنوية الناصعة في داخل النفس، وحتى إن لم يفعل حاملها شيئا فهو مدرسة أخلاقية متجلية بمختلف المعاني والصور. المشاعر هنا داخل النفس كريمة؛ متسلقة مثل الطحالب تنمو على جدرانها، وتتوالد وتتكاثر؛ فهي على الدوام زاحفة بسرعة؛ تغادر النفس لتحوم في محيط الحياة، فيلبث حاملها يدور بألوان سلوكية مختلفة على الآخرين وكلها تبهج قلوبهم وتسعدها. الأمثلة في ذلك كثيرة ولا حصر لها، على - سبيل المثال – مرة بالكلمة الطيبة، وثانية بإصلاح ذات البين، وثالثة بإنفاق العلم وتعليمه للآخرين، ورابعة يدور في محور حياة الناس مصلحا ومغيّرا، وخامسة بدرس أخلاقي في فصل حياتي ما؛ كتزكية أحد مثلا لمجتمع ما، أو كفالة أحد ما،على - سبيل المثال

-كفالة زكريا (ع) لمريم ابنة عمران، حين صار سجالا بين قومها أيهم يكفلها، فألقوا أقلامهم في النهر وألقى زكريا (ع) قلمه، فلم تثبت أقلامهم وثبت قلمه هو فقط، فكفلها زكريا وهو أبوها الحياتي والروحي(ذلك من أنباء الغيب نوحيه اليك وماكنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وماكنت لديهم إذ يختصمون) . تفسير الآية واضح معناه الظاهري؛ والكفالة المقصود منها هنا هي كفالة معنوية، في مرحلة حاسمة من حياة مريم (ع)، وغير ذلك من السلوكيات الايجابية التي تحقق الراحة النفسية لحاملها وللمجتمع حواليه.

العطاء هنا فضاءه هو النفس ثم منها يتحرك الى المجتمع بشكل مباشر.

ومرة أخرى يتجاوز العطاء فيها فضاء النفس، ويتحرك باتجاه فضاء الجسد، ليجد اليد مبسوطة تترجمه شيئا ماديا، فيأخذ قالبه الشيئي الملموس، الذي بدوره يتجاوز الفضاء الشخصي ليدور في فضاء أرحب وأوسع وهو الفضاء المجتمعي؛ والأمثلة في ذلك لاحصر لها، كالانفاق على الفقراء والمحرومين، أو المساهمة في مشاريع خيرية ..كبناء المدارس والمستشفيات ودور سكن الأيتام، والمحتاجين، ودور رعاية أطفال الشوارع وإعادة تأهيلهم للحياة وحمايتهم من التسول والتشرد.. الخ. عادة هذه النفوس يحملها ذوو رؤوس الأموال المحدودة، لكن روح العطاء والإنفاق لديهم عالية، وقد وضعوا نصب اعينهم الآية الكريمة(خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلّ عليهم إن صلاتك سكن لهم)  يتفوقون بها على ذووي رؤوس الأموال الكبيرة الذين في بعض الأحيان أيضا يساهمون في الإنفاق المحدود؛ فالإنفاق هنا يسبقه قلة الحرص على المادة، وهو فعال حيوي مستديم فيهم، يصعد الى السماء ويهبط أضعافه الى الأرض (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم).

،(من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم).

(من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط واليه ترجعون)

وغيرها كثيرة. هم يعلمون أن الإنفاق يوفّ اليهم وجزاءه عند الله عظيم، كما إنه يثقل نفوسهم بالكمال والرضا وتثبيتها عند الله، وهو يضفي الخير والبركة في أموالهم ويدفع الضرر والسوء عنهم، فضلا على أنه يقربهم الى الله، فيلقي الله تعالى بنوره على أرواحهم، هم فعلا عظماء، وهم سادة الخلق، وهم أعمدة نور بهم تضيء الأرض(كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها).

لشدة حب الله لهذه الفئة من الناس فإنه تعالى أراد أن يحتفظوا بالصورة الناصعة للإنفاق عندهم، لذلك حذرهم حين الإنفاق بإملاءات جميلة تعكسها الآيات المباركة التالية:

(ثم لايتبعون ماأنفقوا منّا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون)

(ياأيها الذين آمنوا لاتبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى)

الى غير ذلك من الآيات الكريمة، اقتصرت على بعضها.

تتبعتُ آيات الإنفاق في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، فوجدتها تجاوزت ال(100) آية، اخترت بعضها تجنبا للإطالة.

ثم أتحفهم الرسول الأكرم(ص) بأحاديث عن الصدقة أذكر منها: (صدقة السر تطفىء غضب الرب)(صنائع المعروف تقي مصارع السوء)(باكروا بالصدقة فإن البلاء لايتخطاها)(رب درهم سبق ألف درهم).

ثانيا: النفوس غير المعطاءة.. الممسكة أو الممتنعة أو الشحيحة: المستقاة من روح قابيل. وهذه النفوس فقيرة في العطاء المعنوي والمادي؛ تنطوي على صفات القسوة والجفاء والشح والبخل، وحتى لو فكرت بشيء من العطاء فهي مترددة خائفة من النقص الذي سيلحق بمتاعها. يصورها القرآن بالآية الكريمة(إنما يستأذنك الذين لايؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون).

جمع المال والحرص على الدنيا ومافيها ديدن أصحابها ودأبهم بحد ذاته، وهو لذة خاصة تحقق لهم راحة ومتعة، كلما ازداد مالهم ومتاعهم المادي كلما ازدادوا فرحا وبهجة، لدرجة حتى أنهم لاينفقون منه شيئا لأنفسهم خوفا من النقصان، والبعض ينفق على نفسه، لكنه شحيح على الغير. في فضاء هذه النفوس؛ البخل يسبقه شدة الحرص على المال ومتاع الحياة، ثم يأتي بعده المنع وعدم الإنفاق. فاليد مغلولة والإنفاق عندهم يساوي المشقة والألم. الله جل وعلا هو الغني، والناس هم الفقراء للإنفاق للتقرب اليه (ياأيها الناس أنتم الفقراء الى الله والله هو الغني الحميد)

الأشخاص المنطوون على هذه النفوس في الغالب يكونون قساة القلوب. عدم العطاء ومنع الإنفاق ينبع من النفوس القاسية. هذا النوع من الناس يسبب نفور الآخرين منه.

وردت آيات كثيرة حول الإمساك وعدم الإنفاق ومنها:

(الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ماآتاهم الله من فضله)

(فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون)

(الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتولّ فإن الله هو الغني الحميد)

إذن النفوس البشرية على صنفين : صنف مجبول على العطاء بكل صوره بالفطرة النقية، وصنف غير مجبول عليه بالفطرة الكدرة غير النقية. قد تحدث طفرات مثلا قد يختار الله الشهداء بمشيئته من طبقة النفوس غير المعطاءة وكثيرا ما يحصل هذا  بعد أن يجد فيهم خصائص تحمل الإنفاق غير المحسوب. أو من ذوي الانفاق المحدود، فالأخذ والعطاء يمكن أن يتم بحدود بين هذه الطبقات الثلاث من النفوس . أختتم خطابي هذا بقول بليغ للرسول الاكرم(ص):( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسطَ الوجه وحُسنَ الخُلق).

"إن كنت تملك الكثير أعط من أموالك. إن كنت تملك القليل أعط من قلبك"ـــ جلال الدين الرومي.

"وكلٌ يعطي ماعنده"

 

بقلم: انتزال الجبوري

سكرتيرة تحرير مجلة قضايا اسلامية معاصرة.

  

صادق السامرائيهل أن الإنتحار مَرض أم عَرَض؟!

هذا سؤال أمضيت أعواما أبحث عن جوابه من خلال ما قرأت وبحثت ولاحظت وعرفت وأدركت، ووجدت أنْ لا مناص من الإعتماد على الملاحظة السريرية والخبرة العلاجية، والتجارب المتنوعة في ميادين الطب النفسي.

وبعد مسيرة تفاعلية بحثية ذات منهج إدراكي ومعرفي، أخذت الحالة تتبدى على غير ما هي عليه.

فأدب الطب النفسي المتعلق بالإنتحار غزير ومتواصل منذ عقود عديدة، ولا يخرج من ذات النمطية الراسخة، التي تنص على أن الإنتحار عرض مرضي، وناجم عن أمراض أخرى كالكآبة والذهان وغيرها.

فالمصاب بالكآبة يتحدث عن الإنتحار، ويُقدِم عليه وقد ينفذه بنجاح، وليس كل كئيب يبدي نوازع إنتحارية، بينما في هذه الدنيا ينتحر شخص في كل أربعين ثانية، أي أن ثلاثة من بشر الأرض  ينتحرون كل دقيقتين.

وإذا كان الإنتحار عرضا لمرض الكآبة، ونحن ندّعي بأن قدراتنا العلاجية للكآبة  قد تطورت، وإمتلكنا أنواعا من الأدوية المضادة لها والشافية منها، وكذلك التداخلات العلاجية الأخرى، فمن البديهي أن تقل نسبة الإنتحار، ما دمنا قادرين على علاج أهم أسبابه.

لكن واقع الحال الدامغ يشير إلى أن الإنتحار لم ينقص في العقود السابقة، والتقارير والإحصاءات والبيانات تشير إلى ثبات النسبة أو زيادتها.

وهذا معناه أن علاج الكآبة لا يعني بالضرورة التقليل من الإنتحار أو منعه،  وكذلك علاج الأمراض العضوية الأخرى.

والكثير من حالات الإنتحار لا تمت بصلة لمرض نفسي أو عضوي، وإنما هي نزعة متنامية في أعماق الشخص المنتحر.

وقد يستغرب الزملاء من تكرار دعوتي ومنذ أعوام، للنظر إلى الإنتحار على أنه إضطراب سلوكي قائم بذاته، فهو أصل وليس نتيجة، ومَرض وليس عَرض.

فالتعامل مع أي مرض على أنه عَرض لحالة أخرى، يعني فشل التشخيص وإضطراب العلاج، ولكي يتم علاجه لا بد من النظر إليه على أنه مرض.

فالربو مرض وليس عرضا، وداء السكر، وإرتفاع ضغط الدم ، هذه الأمراض وغيرها لها أسباب ومؤهلات وإستعدادات، لكنها ليست أعراضا لحالة أخرى إلا فيما ندر، وهي تعبيرات عن باثولوجية العضو والجهاز الذي تشير إليه.

ومثلها الإنتحار، فهو مرض يصيب الجهاز النفسي، ويدفع إلى القضاء على البدن الذي هو فيه.

وفي هذا تكمن مشكلة متواصلة، وهي أننا لا زلنا لا نرى أن المخلوقات فيها أجهزة نفسية كباقي الأجهزة الفاعلة في الأبدان.

وبنفينا للجهاز النفسي، في أكثر تقديراتنا ننسب الأمراض النفسية إلى أجهزة أخرى،  ونحسبها أعراضا لا أمراضا.

بينما ما نسميه بالأمراض النفسية هي حالات باثولوجية تصيب الجهاز النفسي، ومنها مرض الإنتحار أو إضطراب السلوك الإنتحاري، الذي هو مثل حالة الربو التي تصيب الجهاز التنفسي، أو مثل إضطراب دقات القلب وتأزمها كما يحصل لمرضى القلب، ويمكن القياس والمقارنة مع باقي أعضاء أجهزة أجسامنا.

وبناءَ على هذه الملاحظة السريرية، والتجربة العلاجية مع المصابين بإضطراب السلوك الإنتحاري ، يمكن تلخيص الإضطراب بما يلي:

أولا: الفكرة

الإنتحار فكرة تلِج وعيَ الشخص وتسيطر على مداركه وقدراته للتفاعل مع محيطه، وتبدأ مبكرا في أعمار أقل من خمسة سنوات، وتمضي متنامية معززة متقوّية بتراكمات سلوكية وتفاعلية مع المحيط، أي أنها فكرة تبحث دوما عمّا يؤهلها للتعبير عن نفسها وتحقيق غايتها وإنجاز هدفها.

والفترة ما بين ولادة الفكرة وتنفيذها تتناسب عكسيا مع المؤثرات المحيطية بأنواعها، لكن الفكرة ما أن تلد فأنها تتواصل خفية أو علنا بالتنامي والإنبثاق، ومن أخطر معززاتها إقرانها بمعتقد أو دين، يجرّد صاحبها من المسؤولية ويحوّلها إلى طقس سلوكي حتمي.

ثانيا: محاولات التعبير عن الفكرة

الفكرة الإنتحارية حال إحلالها في الشخص، تبدأ نشاطاتها ومحاولاتها للتعبير عن ذاتها، فترى الذي إمتلكته قد دخل في صراط الخضوع لها وترجمتها، فتحصل محاولات لتلمس السلوك الذي يرضيها، فتأخذ بإظهار ما يشير إلى منهجها، كأن يفكر وهو يقود سيارته بالإصطدام بسيارة أخرى، أو عندما يقف على شرفة بناية  ينتابه شعور بالقفز منها، وفي أي مكان يجد نفسه فيه، تستحوذ عليه فكرة تعبّر عن الخطورة الكامنة في ذلك المكان.

ثالثا: التكرار الفكروي

الفكرة الإنتحارية تغلي في أعماق الشخص، وتتواصل في الغليان والتردد المتكرر، وتكاد لا تبرحه وتهيمن على أرجاء تفكيره، أو أنها تستعبده بالكامل.

ففكرة الإنتحار تتحول إلى صدى لكل عمل يقوم به وسلوك يبدو منه، وما أن يفكر بشيئ حتى يجد ما يغريه بفكرة الإنتحار، وبعد أن تستحوذ عليه الفكرة يجد نفسه في محنة قاسية، ذات خيارات متفقة ومنهج الفكرة وتطلعاتها نحو غايتها.

رابعا: الصراع الداخلي

يعيش المصاب بإضطراب السلوك الإنتحاري صراعا مريرا مع الفكرة الإنتحارية، بل أنه يدخل في حرب طويلة معها، فمعاركها لا تنتهي ودوافعها تتنامى ووسائلها تتعاظم.

وتجد المصاب قد تحول إلى كتلة إنفعالية غاضبة على نفسه، وما يجربه ويقدم على أفعال عدوانية على الذات والموضوع، ويتملكه اليأس وتسفيه قيمة الحياة ومعنى الوجود ولماذا هو جاء للدنيا، وأن ولادته خطأ ولا بد من تصحيح الخطأ بالموت، وغيرها من الأفكار التي تجذبها  الفكرة الإنتحارية الأصيلة.

خامسا: الدريئة العاطفية

يتصف المنتحر في هذه الحالة بإنقطاع إنفعالي تام عن الحياة، فيُشعرك بأنه ميت نفسيا، وكأنه يتحرك كالمُنوّم أو المبتور.

فعندما تتحدث معه لا تستشعر حرارة الإنتماء للحياة، وإنما تكتشف تثلّجا إنفعاليا وتصنّما نفسيا قاسيا، لا يمكن للمنتحر أن يتحرر من قبضته، ولا يتواصل في مسيرة ذات قيمة وتطلعات مستقبلية، لأنه أعلن الحداد على نفسه، وأودعها في تابوت رؤاه وتصوراته القابضة على مداركه والموصدة لنوافذ أحاسيسه ومشاعره.

سادسا: التلذذ بالموت

من الظواهر التي تستعصي على التفسير، أن المنتحر لديه تجربة مَوْتية مُسبقة، كأن نجا من غرق، أو مرّ بحالة إغماء أو إختناق، أو أجريت له عملية جراحية كبيرة، وغيرها من التجارب التي ينقطع فيها عن وعيه ويدخل في عوالم أخرى، ذلك أنها تمنح الشخص الذي عاناها مشاعر لذيذة خيالية التوصيف والتصور، وهي أشبه بالفنتازيا أو السرابات التي توهمه بأنه في فضاءات ندية ذات أنغام رقراقة، تضفي عليه إحساسات بهيجة وسعيدة. ومعظم أصحاب هذه الحالات يُقدمون على محاولة الإنتحار مرارا، وكأنهم أدمنوا على هذا السلوك حتى تنجح محاولة بقتلهم.

 سابعا: التشريع أو المشرعة

أي أن الشخص يبدأ بمشروعه الإنتحاري، وهو كأي مشروع أخر يتطلب الإتقان والإنجاز، وتراه يضع الخطط ويراجعها، ويُخضعها للمحاولات والتجريب حتى يتعلم منها آليات التنفيذ الصائب.

ومع توالي المحاولات والمراجعات يكتسب الشخص خبرة، ويمتلك شجاعة متراكمة للإقدام على إنجاز المشروع، فالمنتحر لا ينتحر بغتة كما نتوهم، وإنما هو ينتحر عندما يبلغ مشروعه حد التمام والنضج التام، والجاهزية القصوى للتنفيذ.

ثامنا: الإنقطاع

حالما يبلغ المشروع الإنتحاري منتهاه ويصل إلى ذروته وأوان تنفيذه، ينقطع المنتحر عن ذاته وموضوعه، فتراه في إنفصال كامل عما يحيط به، وتجده يتصرف وكأنه في عالم آخر متخيّل، لما بعد الرحيل، ويمضي في التفتيش في عالمه المتصور لأيام وربما لأسابيع وأكثر حتى ينتمي إليه ويستلطفه ويذوب فيه، ويستشعر لذته ومتعته الكبرى بولوجه والإنتهاء فيه، وعندما تبلغ لذته المتخيلة ذروتها، ينقلب إلى ميادين خياله، وما يتلذذ به من تصورات وتفاعلات فنتازية، ويحبس نشاطه في آفاق خياله وتصوراته للحظة التي سيغادر إليها ويكون فيها، وفي منتهى شعوره بالمتعة يقضي على نفسه.

تاسعا: سلوك المخادعة

المُقدم على الإنتحار، والساعي لتنفيذ مشروعه، يعد العدة الكاملة للإنجاز، فيأخذ بخداع مَن حوله، فإن كان في ردهة نفسية  فأنه يفكر بوسائل مخادعة الفريق العلاجي، بأن يظهر فرحته وسعادته، فتراه يرقص ويغني، ويتزين ويعطي إنطباعا على أنه عاشق الحياة، وصاحب مشاريع وأهداف رائعة، يوهم الذين حوله على أنها مشاريع حياة، لكنها مشاريع ما بعد الرحيل.

وهذا السلوك قد يتواصل لبضعة أيام، حتى يتحقق الإطمئنان من حوله، فتكتشف أنه قد شنق نفسه ومات.

عاشرا: الإقران بدين

هذا الإقران ينطبق على جميع الأديان، فلكي يقوّي المنتحر إندفاعه ويسوّغ مشروعه، ويمنحه قوة تنفيذية عالية لا بد من إقرانه بالدين.

 

وهذا من أخطر الإقرانات، فحالما يجد المنتحر صيغة ما للربط بين مشروعه الإنتحاري والدين، فأن ساعة الصفر قد حانت، وأن الإنتحار لا بد منه وسيكون حتميا.

وهذه من العلامات السريرية الرئيسية الحمراء التي حالما نكتشفها في الشخص نتيقن بأنه سينتحر لا محالة، وسينفذ مشروعه الإنتحاري في أقرب فرصة سانحة.

فهذا الإقران قوة هائلة ذات طاقات شديدة دافعة نحو الختام الأكيد.

ولا يمكن تفسير هذا الربط الفتاك، الذي يزيد من قوة إندفاع المنتحر وتصميمه، وصولته على نفسه بإصرار فائق.

وختاما،  فالإنتحار إضطراب سلوكي إدراكي يبدأ في سن مبكرة، ولا يمكن لفكرة الإنتحار أن تداهم الشخص بغتة من غير سوابق، ومحاولات وتعزيزات وتسويغات وتحولات إنفعالية عاطفية، ذات طاقات سلبية تتقاطع مع الحياة، وتسفّه معانيها وقيمها وما يتصل بها ويشير إليها.

 وربما تكون المشاعر السلبية والتي نسميها كآبة (عند المنتحرين)، نتيجة وليست سببا، ودوامة تفاعلية لدفع السلوك الإنتحاري إلى الإزمان والإقامة في أعماق المنتحر، وجرّه  إلى إتمام التنفيذ والقضاء على بدنه.

والإنتحار إرادة ذاتية تمتلك قدرات نمائية، وكل إرادة تتحول إلى سلوك، ومنبع الإنتحار فكرة تحلّ في وعي المنتحر وتستحوذ على آفاق مداركه، وتسخر ما فيه من أجلها، ولا يمكن القول بأن الإرادة أنتجها مرض، وإنما هي بنت فكرة متسيدة ومستبدة فاعلة في دنيا البشر.

 ويبدو أن المحاولات الإنتحارية ذات قدرات ترغيبية لأنها تزيد من حماس التكرار، والكثير من المنتحرين لديهم تجارب موت لذيذة، تشدهم إلى التخلص من قيود المعاناة اليومية، التي أسسوا  لها كوسيلة لولوج بوابات الموت، الذي حسب خبرتهم فيه متعة غير موجودة فوق التراب.

ولكي نصل إلى تداخل علاجي فعّال، لابد من إبتكار وسائل مناسبة تمنع معاودة الأعراض والعلامات الإنتحارية، وجوهر كل فعل علاجي هو الإغراء بالحياة، وتوفير آليات إنتصارها على الموت في وعي ذوي الصيرورات الإنتحارية، الطافحة بالتنامي وإستحضار ما يؤهلها للتطبيق والتحقق والإنجاز.

وأي إستهانة أو إغفال، وعدم أخذ للحالة بجدية قصوى تنتهي إلى قضاء الإنتحاري على نفسه، وفي غضون لحظات معدودات، لأنه يمتلك إبتكارات موتية لا تحصى، لا يمكن تصورها وتصديقها.

وكلما إزداد الإنتحاري ثقافة وعلما،  تعقدت وسائله وتطرّفت آليات إنقضاضه على نفسه.

وأهم أساليب التصدي للسلوك الإنتحاري تتجسد بالوعي الإنتحاري، أي أن الذين يتفاعل معهم، كالعائلة والمعلمين والمدرسين وغيرهم، عليهم أن يكونوا على دراية ومعرفة بالسلوك الإنتحاري، وعدم إغفال ما يبدر من الشخص مهما كان عمره أو علمه.

فالإنتحار ظاهرة وبائية بشرية أرضية مستوطنة، فردية أو جماعية، يتم التعبير عنها بتصرفات وتفاعلات قد تبدو على غير ما هي عليه، وفي حقيقتها، ما هي إلا مشروع إنتحاري يسعى للتنفيذ الأبشع والأقسى.

ولا بد للمجتمعات أن تدرك أهمية التثقيف على الوقاية من الإنتحار، وأن يكون في المدارس والجامعات والأندية ودور العبادات، مَن يمتلك وعيا وقدرة على إلتقاط النزعات الإنتحارية، والتفاعل مع أصحابها مبكرا لقطع حبل تواصلها ومنع تطورها وتفاقمها، فالإنتحار فكرة تبدأ مبكرا ومبكرا جدا، لتغدوَ قوة مستبدة ومستعبد لحياة المنتحر حتى تُودي به وتنهيه.

 

د. صادق السامرائي

 

 

علي المرهج(فصل قاط لهالدكه) مثل عراقي قديم ينطبق عليه ما تفعله زارة التعليم العالي العراقية، فهي تُطالب أساتذة الجامعات العراقية بأن ينشروا بحوثهم في مجلات (أنكلو أورو أمريكية) (سكوبس) أو مجلات ذات معامل تأثير عال (انباكت فاكتور)، وهي مجلات فصلتها مؤسسات أكاديمية تتساوق اهتماماتها البحثية مع طبيعة تأسيس تلك المؤسسات البحثية التي تعتمد نظام (الخصصة المعرفية) و (الخصصة الانتاجية) التي لا يهتم أصحابها ومؤسسوها بتقييمات تُضفي عليها الاعتراف من خارج اهتماماتها البحثية وامكانتها العلمية، فمثل هكذا تصنيفات عالمية لا تبحث جامعات رصينة ومؤسسات علمية وأكاديمية عنها ولا أظن أنها تُعير أهمية تُذكر لها، لأن مثل مؤسسات التصنيف هذه تستمد بناء رؤيتها لمفهوم الجودة والأداء من هذه المجامعات لا العكس، فجامعة مثل هارفرد أو كاليفورنيا، أو جامعة يابانية لا يشغلها بأي حال من الأحوال أن تنتهج طريقة في تفعيل البحث الأكاديمي والعلمي تسترضي به مؤسسات أو مجلات يدَعي أصحابها أن لها (معامل تأثير عالمي) لا لأنها تتنكر لقيمة البحث العلمي، بل لأنها تحترم نتاج كوادرها العلمية واقدامهم على تقديم ما هو أفضل لتصحيح مسار الفهم أو تغيير مسار النظرية العلمية، لذا فإن كل هذه المؤسسات التي يدعي مالكوها أن لهم وصاية على تقييم نتاج مؤسسة أكاديمية ما لا يتأتى من تبعية الجامعات الرصينة لمقاييسها، إنما مقاييس هذه الجامعات هي التي تكون خط سير و "مسطرة" لتقييم عمل علمي في العلوم الطبيعية أو الإنسانية.

سأروي لكم حادثة أن أخي وهو أستاذ جامعي (بروفيسير) في اللغة العربية وأدابها شارك في مؤتمر بتركيا، كان مُغريات هذا المؤتمر والمُنظمين له هي: أن كل بحوث المُشاركين فيه ستُنشر في مجلة من ضمن مجلات (سكوبس)، الاشتراك في المؤتمر هو 550دولار، وذكر لي أن عدد المُشاركين في المؤتمر في العراق يتجاوز عددهم المائة وخمسون مُشاركاً، وإذا ضربنا 550 دولار في 150 مشاركاً سيتجاوز الرقم الثمانون ألف دولار فقط قبضه مُنظمو المؤتمر من المُشاركين العراقيين، فسألته، هل هُناك حضور وحورات مُحتدمة في المؤتمر؟ فأجابني: (علي اشبيك تصعد للمنصة تقرأ بحثك وهُناك القليل من الحاضرين، لا يُصغون لما تطرحه. خويه أكلك بس من العراق أكثر من 150 باحثاً يا هو يسمعك)!!.

وفي (الانباكت فاكتور) تدفع مبلغاً بعد مطالبتك بالتعديل إن وجد، وبعدها يُنشر بحثك، هكذا ذكر لي أخي أستاذ الكيمياء المُساعد، بل أخبرني بما هو أدهى وأمرَ من ذلك، فذكر ليَ أن مجلة تصدرفي الهند في منطقة نائية حصلت على معامل التأثير (سكوبس) صدرت في عام 2017 يتم الاعتراف بأصالة البحوث التي تُنشر فيها في وزارة التعليم ولا يُعترف ببحث قيَمه أساتذة مُحترفون من جامعات عراقية تقدم به الباحث لنشره في مجلة عراقية  ـ لربما ـ عُمر اصدارها تجاوز الخمسين سنة!!.

زدَ على ذلك أنك كُلما أكثرت من جلب كُتب المشاركة في المؤتمرات باحثاً أو حاضراً تزيد نقاط تقييمك العلمي!!، وأنا يعرف الأصدقاء أنني من الناشطين  في المؤتمرات مُشاركة وحضوراً، ولكنه ليس مقياساً، ولن يكون للحُكم على علمية أستاذ جامعي، فأنا أعرف وأنتم تعرفون أن هُناك العديد من أساتذة الجامعة العلماء في اختصاصهم لا يعرضون بضاعتهم في سوق النخاسة العلمي، على قاعدة لعبة الزهر (ذب زايد تاخذ زايد) فهم لا يرتضون لأنفسهم وهم كبار في العمر والنتاج أن يعرضوا جهدهم العلمي كما يعرض (الدلَالون) والباعة المتجولون بضاعتهم!!.

ذكرتُ أمثلة لأساتذة درَسونا مثل: مدني صالح، ود.حسام الآلوسي، وعرفان عبدالحميد، وكامل مصطفى الشيبي، ود.ياسين خليل، وآخرون كباراً يعترف بهم أهل الغرب والشرق بأنهم أصحاب أصالة في افكر والكتابة البحثية ولو كانوا بيننا اليوم طبقاً متطلبات الوزراة هذه والجامعات لما حصلوا على تقدير أربعين من مجموع التقدير فـ (ما هكذا توُرد الإبل) يا وزارتنا!!.

أعرف أشخاصاً يُتقنون فن بناء العلاقة لتجدهم يكتبون في كل ما لا علم لهم ويحصدون قبولاً وتقييماً كبيراً، ولكن على قاعدة (احنه أولاد الكرية، كل واحد يعرف أخية) نعرف تمام المعرفة أن جُلهم لا يُجيدون كتابة سطراً واحداً إن طلبت منهم أن يكتبوه من دون الاستعانة بطالب أو صديق أو (قص ولصق) لنصوص مُفكرين أو فلاسفة ورصفها، والأغلب الأعم منهم فرح بما أتاحت له تعليمات الوزارة في أن يكون اسمه بمعية من نشر بحثاً من طلابه في الماجستير أو الدكتوراه، وهو من حقه أن يتقدم به للترقية!! وفق المثل القائل (ايجد أبو جزمه وياكل أبو كلاش)!!.

أُذكر (إن نفعت الذكرى) القيَمين على تحسين التصنيف في وزراة التعليم العالي والجامعات العراقية بما كتبته من قبل، إن كان فيهم من يعرفنا أو قرأ لنا من قبل: أن الغرب له مقاييسه وفق نظامه (الرأسمالي)، ونحن ينبغي أن تكون لنا مقاييسنا وفق نظامنا (الريعي)، والغرب جامعاته استثمارية وجامعاتنا استهلاكية تستجيب لمُتطلبات المُتغيرات السياسية، واتخاذ قرارات وفق المُتغيرات الاجتماعية وتبدل أحوال السلطة وتبدل قراراتها بمُجرد مجيء رئيس وزراء أو وزير جديد، لأننا لا نعمل لنبني دولة تغيير الحكومات فيها لا يعني تغيير السياسات، لأن سياسات وزارة ما يبنيها في الدول الراسخة أناس مُختصون لا تتاثر ولا تتغير وفق أهواء وزير جديد.. 

يُقبل الجميع في الكُليات!!. تُخصص مقاعداً للسُجناء السياسيين وأبناء الشُهداء في الدراسات العُليا!!. تُخصص مقاعد لأصحاب القبول الخاص من الذين يتقدمون للدراسة على نفقتهم الخاصة. لا قيمة للامتحان التنافسي في الفضيل لأن من له مُعدل كبير بحكم تميزه في البكالوريوس أو بحُكم علاقاته سيُقبل سوا نجح في الامتحان التنافسي أم لا!!.

السُجناء وأبناء الشهداء يُكرمون، وهذا حقهم، براتب مُجزي أو بقطعة أرض، ولكن (لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، فعلى الوزارة أن تتخلص من تعميماتها في الاستثناء الذي أخلَ بمستوى المؤسسات الأكاديمية وتميزها في حال مُقارنتها بمؤسسات بدول لم تكن لها دراية لا بالعلم ولا بالتعليم!!، ولكم في جامعات الخليج العربي درس وعبرة، ولكم في عُمان وقابوسها تعلم ودراية في تأصيل بناء الدولة علمياً وتربوياً، بل وحتى سياسياً، ولأ أقول دولة الإمارات التي كان يحلم الشيخ زايد يوماً ما أن تكون دولته شبيهة بما وصل له أهل البصرة من تمدن!!.

أذكر لكم من التاريخ حوادثاً تعرفونها، فالمستنصرية كانت مدرسة أهل العلم في العصر العباسي، فكان أهل الغرب يُخيطون (قاطاً) لـ (دُكمة) صنعناها نحن العرب والمُسلمين فعرفوا قيمتها في التجميل والخياطة المعرفية، ولم يكن من قبل عندهم (سكوبس) ولا (انباكت فاكتور)، لأن (اسكوبسنا) هو أحق أن يُتبع، و (انباكترنا) نموذج معرفي وعلمي يُحتذى.

(قل اعملوا فسيَر الله عملكم) و (العمل عبادة) ولكنها عبادة من نوع خاص تجعل من نفسك مثالاً يُحتذى، لأ أن تجعل من نفسك تابعاً تستجدي الاعتراف بكم مشاركات لا قيمة علمية لها... (كافي مو ملينه)!!.

لو كان علي الوردي اليوم يعيش بيننا لضحك على ما نحن فيه من بؤس وقصور تفكير، فالعلم لا يُبنى بتقليد أعمى، إنما العلم يبنيه أهله بعقل نقدي وقَاد نتحدث فيه عن تجاربنا في العلم والحياة ولا نستنسخ تجربة من مُجتمع تليق به التجربة ولا تليق بنا. لنترك دهشتنا بكل ما أنتجه الغرب، ولنكن بُناة حضارة لا أن نكون (ببغاوات) نُجيد ترديد ما يقوله الآخر، ولنتخلص من هيمنة "المثقف اللَاحوك" = (المُتفرنج) بعبارة علي الوردي، ذلك المثقف الذي لا يُتقن سوى ترديد ألفاظ واتباع لمناهج لها صلاحية توظيف بـ "تربة معرفية" أخرى، ولا صلاحية لها و نمواً ولا اخضرار لها في تربتنا. هذا لا يعني بأي حال من الأحول رفضاً لنتاج الآخر والافادة من رؤيته في خلق معارف علمية مُتقدمة، ولكن لا بنسخها كما هي، إنما بعبارة محمد عابد الجابري "تبيئتها" وفق مُقتضيات الحال وتغير الأحوال في مُجتمعاتنا بما لا يجعلنا نؤكد القول بتميز العقل الغربي على العقل الشرقي من جهة التكوين والنشأة، وكأن (التقدم) سجية في الغرب و(التخلف) يليق بأهل الشرق!!. 

على وزارة التعليم العمل بصورة جادة على الرُقي بمجلاتنا العلمية التي تُصدرها مؤسساتنا الأكاديمية، وأن يتخلص القيَمون على أمور التعليم والبحث العلمي من "التبعية" والقبول بالوصاية "الثقافية"، فما كان صالحاً للغرب لا مشروطية علمية ولا فكرية ولا ثقافية ولا اجتماعية بالضرورة أن يكون صالحاً لأهل الشرق.

(كافي مو ملينا)، سوي (بروفايل)، سوي (غوغل سكولر)، سوي ( أورسيد)، سوي (ريسيرجر كيت) ربما في كل مُنتجات الثورة المعلوماتية هذه فوائد جمَة، ولكن أن يعتمد الكثيرون هوامشاً من بحثي أو بحث آخر لا يعني أن هذا البحث مُهماً، فضع ضحكة هستيرية وانشرها ستجد آلافاً إن لم يكن ملاييناً يدخلون لمستوعبك البحثي هذا ليُشاهدوا ضحكتك، وهي ضحك على الذقون لا تعلم فيها لعلم ولا اتقان فيها لثقافة أو فنون!!.

هٌناك أغان هابطة وصلت مُشاهداتها لمئات الملايين، ولكن أغاني أم كلثوم ـ على سبيل المثال ـ لم تصل مشهاداتها لمئات الآلاف، فهل يعني هذا أن (محمد السالم) أو (نور الزين) أو (غزوان الفهد) صاحب أغنية (ودي أمك بطيارة) هُمَ أفضل من أم كلثوم لأن مشاهدات أغانيهم تجاوزت مئات الملايين!!.

كل وزير يأتي يؤكد أنه يتبى فكرة استقلالية الجامعة، ولكنه بعد حين يُلغي قرارات ويستحدث قرارات وهيأة الرأي لا حول لها ولا قوة تطبيقاً لمقولة (امحمد العريبي) في مجلس الأعيان "اموافج"، فالوزير السابق لغى نظام التحميل، وحينما باشر الوزير الجديد لغى قرار الوزير الجديد وأعاد نظام التحميل..(زين هيأة الرأي مو هي نفسها...وجميعهم رؤساء جامعات ومدراء عامون في الوزارة وهم ذاتهم من وافقوا الوزير السابق على مُقرراته، شحدى ما بدى وتغير الحال، وأي مُستجد استجد بين يوم وآخر، فتغيَر القرار)!!. هذا يعني أن لا رأي لهم!!، وهم هيأة رأي على قاعدة (شاورهم في الأمر فاذا عزمت فتوكل)، والوزير الحالي له رأي، وشاورهم  في الأمرـ ربما ـ ولكنه عزم فتوكل، وكل رئاسات الجامعات وعمادتها وأساتذتها التي لا استقلالية لهم خارج ارادة الوزير إنما مهمتهم تنفيذ ما قرره معالي الوزير من دون ابداء رأي وإن كان أغلبهم من (أهل الرأي)، هكذا يوصفون (هيأة الرأي) !!.

رغب الوزير بحُكم اطلاعه على تجارب جامعات (أنكلو أورو أمريكية) بتطبيق نظام المُقررات، ونحن قد حدَثنا نظامنا السنوي ليكون نظاماً فصلياً، ولا زلنا لم نُكمل تخريج دفعة بنظامنا السنوي المعمول به من قبل والذي تزامن معه تطبيقنا للنظام الفصلي، ولأن الوزير على دراية بأهمية (نظام المُقررات) فقد فضله على النظامين السابقين، فأمر بتطبيقه على (التو واللحظة) في السنة القادمة، ولم يكن ـ كما أظن ـ لهيأة الرأي رأي، فسارع رؤساء الجامعات بالعمل على تنفيذ أمر الوزير ودائرة البحث والتطوير في الوزارة وجهاز الاشراف والتقويم العلمي فيها أصدرتا الأوامر لتشكيل اللجان لتطبيق (نظام المُقررات) هذا، وعلى عجل أكملت اللجان أعمالها من دون دراسة لامكانية العمل بهذا النظام واقعياً، فسيُصار العمل في جامعاتنا هذه السنة بنُظم ثلاثة في الوقت ذاته: نظام سنوي يشمل المرحلة الرابعة، ونظام فصلي يشمل المراحل الثلاث، وفي السنة القادمة نعمل على المرحلة الأولى بنظام المُقررات!!.

لم يأخذ (أهل الرأي) بنظر الاعتبار عمل اللجان الامتحانية، فكل مجموعة منها تعمل على "شيتات" مرحلة بنظام مُختلف!!.

وكان بالامكان التريث بتطبيق قرار (نظام المُقررات) لسنة قادمة بعد أن تتخرج الدفعة في المرحلة الرابعة التي درست وفق النظام السنوي ليكون لدينا نظامان: نظام الكورسات، ونظام المُقررات.

وأظن ولست بجازم أن لا أحد من (هيأة الرأي) قد أوصل هذه الفكرة لمعالي الوزير، وربما أكون مُخطئاً، ويكون هُناك من تحدث مع الوزير حول اشكالات التطبيق لنظام المُقررات وفق ما شرحت ووضحت، إن كان هُناك من شرح وأبان لمعالي الوزير ولكن الوزير أصرَ على تطبيق ثلاث أنظمة دراسية في سنة واحدة، وإن كان ذلك كذلك فالمُشتكى لله وحده!!.

معالي وزير التعليم العالي المُحترم، أعرف أنك أستاذ جامعي كُل غايتك الارتقاء بالتعليم العالي ولا أشك بصدق نواياك لترصين التدريس والبحث العلمي، ولكن مقاسات أمم سبقتنا في التقدم ومحاولة اتباعها (حذو النعل بالنعل) كما يُقال إنما فيه تغييب لمقدرة العقل العراقي في الفهم المُغاير للمعرفة والوجود وعلاقة الإنسان بهذا الوجود.

ربما يُغرينا بعض المُدَعين بتقليد واتباع، ولكن التقليد والاتباع لا يخلق عقلاً يُفكر بحرية، والأمر متروك تقديره لك من قبل ومن بعد.

استعار الغرب فكر ابن سينا والغزالي ومن بعدهما ابن رشد في رؤيته الفلسفية التي أوَلها الغرب وأسس عليها تنويره في ما سُميَ بـ "الرُشدية اللاتينية" فكان ابن رُشد العربي المُسلم منارة علم وتنوير، ولنا القدرة أن نخلق لنا مستقبل أفضل خارج التقليد والاتباع وفق مقولة (فاليري) "الذئب مجموعة خراف مهضومة"، فلولا الخراف لم يكن الذئب ذئباً، ولكن الذئب ليس خروفاً، وهكذا هو الفكر، فهو هضم واستيعاب وتمثل وتأويل لأفكار سبقت وأفكار عباقرة حضرت، والناجح هو من يتمكن من هضمها وتمثلها لا اعاددة طرحها بقول مماثل لما أنتجه آخرون من ثقافة مُختلفة أو مُغايرة.

أقول قولي هذا حرصاً لا رغبة بالنقد، وإن كان في النقد تقويم ومحاولة لجعل الحياة أفضل، فكل الأمم التي نهضت وارتقت إنما كان النقد أداتها في تقييم تجاربها السابقة والكشف عن مواطن الضعف فيها.

 

ا. د. علي المرهج – الجامعة المستنصرية       

 

محمود محمد عليننتقل للجزء الثالث من حديثنا عن التفسير السوسيولوجي لنشأة وتطور الفكر السياسي الإسلامي  فنقول: يمكن أن نفسر كيف اتجه نظام الحكم فى الإسلام على عهد أبى جعفر المنصور فى مستهل الخلافة العباسية إلى صورة الملكية المطلقة، بعد الصورة الأولية "الأبوية" التى كانت على عهد الخلفاء الراشدين الأربعة، وبعد المحاولة المخفقة التى بذلها الأمويون فى دمشق، خصوصـًا ابتداءً من حــكم الوليــد، لإيجاد نظام إسلامى على غرار نظام الدولة البيزنطية، تلك الجارة التى لم يكن بد من التأثر بها: أولًا بحكم الجوار، وثانيًا بسبب التراث الإداري والتشريعي الذى خلفته وهى تولى هاربة أمام الجحافل العربية الإسلامية الظافرة فى البلاد التى كانت تبسط من قبل سلطانها عليها. وكان أمام أبى جعفر المنصور ومن خلفه من الخلفاء حتى عصر المأمون نموذجان بارزان للملكية المطلقة على أنقاضهما قامت الدولة الإسلامية، وهما: النظام البيزنطى، والنظام الساسانى والإيراني عامة. وكان طبيعيًا أن تتجه الأنظار أول الأمر إلى النظام الإيراني: أولًا لأن الذين قاموا بالثورة من أجل إيجاد الدولة العباسية كانوا من الفرس، فكان طبيعيا أن يكون للنفوذ الفارسي المكانة الأولى في التأثيرات الأجنبية في ذلك الحين؛ وثانيًا لأن الخلافة العباسية قامت في نفس البقعة التي كانت حاضرة الأمة الفارسية .

ومن هنا اتجه المتفقون والمفكرون السياسيون خلال العصر العباسي الأول إلى التراث السياسي الإيراني يستلهمونه أو ينقلون عنه المؤلفات التي يسترشد بها أولو الأمر في سياسة تدبير الملك وتدبير أمر الرعية، فقام "ابن المقفع" يترجم "كليلة ودمنة"، و"سير ملوك العجم"، فضلا عما ألفه من رسائل، مثل " الأدب الكبير " و " الأدب الصغير " وما إليهما. وكذلك أمثال ابن المقفع، كإسحق بن يزيد الذي نقل كتاب "سيرة الفرس"، المعروف بـ" اختيار نامة"، والحسن بن سهل الذي ترجم "جاويدان خرد "وعشرات غيرهم من الذين عنوا بنقل التراث الفارسي السياسي إلى اللغة العربية في أوائل عهد الخلافة العباسية .

وكان هدفهم من هذا كله تقرير قواعد نظام الحكم الجديد وبناء فلسفته السياسية، فأصبح الُكتاب حينما يعددون خصائص الأجناس ومفاخر الشعوب، إبان خصومة "الشعوبية" المشهورة في القرنين الثاني والثالث الهجريين يخصون الفرس بالتفوق في السياسة، حتى  قالوا في هذا المعرض :" للفرس السياسة والآداب والحدود والرسوم، وللروم العلم والحكمة، وللهند الفكر والروية والخفة، والسحر والأناة؛ وللترك الشجاعة والإقدام "... واستقر آنذاك عند الناس أن الفرس هم أصحاب السياسة والسبب في هذا راجع إلى اتجاه الُكتاب العالمين بالفارسية وهم المقربون عند الخلفاء العباسيين الأوائل حتى  عهد هارون الرشيد، إلى التراث الفارسي وحده .

وهكذا أصبحت القضية المحورية لدي خلفاء العصر العباسي الأوائل : هي قضية الموازنة بين عصبيات الأمة من جهة وبين (دعوة)، و(دولة) من جهة أخرى: دعوة تعتمد الجهاد لتحقيق الأمة في العالم؛ ودولة تريد قطعة محددة من الأرض تستطيع ضبطها بشروطها وعصبياتها، على أن يكون الإسلام هو السائد على هذه القطعة المحددة من الأرض؛ وهذا الأمر أثمر عن خروج المغرب العربي من قبضة الخلافة العباسية في عصرها الأول.

وإذا انتقلنا إلى العصر العباسي الثاني  فقد شهد تفكك المشرق ذاته منذ منتصف القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي؛ فظهر الصفاريون بعد الطاهريين في خراسان عام 254هـ، وظهر السامانيون في بخاري قبلهم عام 250هـ، وظهر الطولونيون في مصر  254هـ، ثم بعدهم الإخشيديون عام 323هـ؛ وظهر الزيديون في اليمن 246هـ؛ والحمدانيون في الموصل وحلب عام 317هـ. ثم البويهيون في فارس والعراق، وقد تمكنت هذه الدولة بعد استقرارها في فارس – من السيطرة على مركز الخلافة، وإخضاع الخلافة العباسية لنفوذها المباشر، وذلك في عام 334هـ/946م. وإلي جانب هذه الولايات الإقليمية الكبيرة ؛ ظهرت إمارات صغيرة، تركزت حول بعض المدن الكبيرة، كما حدث في منطقة الجزيرة الفراتية وشمالي الشام، إذ خضعت هذه المناطق وغيرها لحكم بعض القبائل المتمردة .

هذا وقد وصل التفكك السياسي للعالم الإسلامي إبان العصر العباسي الثاني مداه بإعلان الفاطميين لخلافة فاطمية في المغرب العربي حتى  استقرت في مصر والشام وإعلان الأمراء الأمويين عن خلافة أموية في الأندلس هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، فقد شهد العصر العباسي الثاني أيضًا تقهقرا عباسيا أمام الدولة البيزنطية التي كانت تمر بدور من أدوار اليقظة أدي إلى عودتها إلى قوتها مرة أخرى في هذه المرحلة. فعلى سبيل المثال سقطت حلب في أيدي البيزنطيين عام 358هـ -969م، بعد اتفاقهم مع قائد مسلم أراد أن يكون صاحب الأمر والنهي فيها يستأثر بأمرها دون سعد الدولة بن سيف الدولة الحمداني. وكان اتفاقا مجحفا نص على تسليم هذا القائد حلب للبيزنطيين مقابل وعدهم له بأن يبقوا عليه حاكمًا من قبلهم. وكانت شروطهم التي أملوها عليه وقبلها صاغرا والتي ما وضعوها إلا ليثبتوا أن أيديهم هي العليًا وليست يد المسلمين حتى  لو كان عاملها مسلما، هي أن يدفع المسلمون في حلب الجزية للروم  وأن يعفي المسيحيون فيه من دفع أي مال للمسلمين.

وثمة نقطة أخرى جديرة بالإشارة هنا شهدتها هذه الحقبة وهي أن  مرحلة انتقالية مهدت لظهور دولة المماليك في مصر والشام والحجاز؛ وهذه المرحلة الانتقالية تمثلت منذ أواخر القرن الخامس الهجري، عندما بدأت صفحة الصراع الإسلامي – المسيحي تأخذ منحني شديد الخطورة. وتمثلت خطورتها في أن الطرف غير الإسلامي فيه لم يكن هو الخصم الذي اعتاد المسلمون منازلته على مدار القرون الخمس الماضية، والذي أصابه الكبر والوهن (الدولة البيزنطية) كما أصابهم، ولكنه الآن خصم جديد له مطامع وحدت أركانه وجمعت شتاته تحت علم الصليب، فجاء ليواجه خصما منفصلة أعضاؤه منقسمة على بعضها البعض .

ويكفي للدلالة على مدى الخطورة التي شكلها الزحف الصليبي أن نمعن التفكير في معني إعفاء البابا الأسبان المسيحيين من الاشتراك في الحملة الصليبية ولكن من الوجهة الغربية (الأندلس). فالمد الصليبي على المشرق سبقه وزانه حركة استرداد مسيحي في  المغرب، وهكذا توحدت أوربا المسيحية على العالم الإسلامي المفكك وهو في  غفلة .

وإذا كان السلاجقة قد نجحوا في هزيمة حملة الجياع، وهي فئة في أول حملة صليبة على المشرق عام 1096م، تكونت من عشرات الآلاف من الجياع والفقراء والمغامرين، وكانت حملة شعبية غير منظمة فسهلت هزيمتها، فإن الأمر لم يكن بهذه السهولة مع الحملة الثانية، وهي حملة الأمراء أو الحملة النظامية التي شرعت في الزحف نحو المشرق في نفس الشهر التي هُزمت فيه حملة الجياع، وأهمية هذه الحملة أنها وضعت أسس التحالف والتعاون البيزنطي الصليبي ضد الطرف الإسلامي، فحملة الجياع أثناء مرورها بأراضي الإمبراطورية البيزنطية قامت بأعمال سلب ونهب جعلت الإمبراطور البيزنطي يندم على الدعوة التي وجهها لأوربا لطلب المساعدة، ولم يكن جنود الحملة النظامية أفضل حالا من الجوعى في الحملة الأولى، ولكن كان يمكن على الأقل بالنسبة للإمبراطور البيزنطي أن يتفاهم مع أمرائهم على صيغة للتعاون، فكان أن تم الاتفاق بينهم على أن أي أراضٍ يستعيدها الصليبيون مما فقدتها الإمبراطورية البيزنطية لصالح الدولة السلجوقية قبل "معركة ملاذكرد" ، فإنها تعاد إلى الإمبراطورية البيزنطية، أما فيما عدا ذلك فهو ملك لهم يقيمون عليه إماراتهم .

وكان إتمام هذا الاتفاق بين البيزنطيين والصليبين بمثابة توحد لأوربا الكاثوليكية مع أوربا الأرثوذكسية للهجوم على العالم الإسلامي، ولقد أثمر هذا الاتفاق آثاره؛ حيث ضمنت الدولة البيزنطية استعادة الأراضي التي فقدتها لصالح السلاجقة، وضمن أمراء أوربا إقامة دويلات خاصة بهم في الشام الذي أصبح المسرح الأساسي لأحداث الصراع بين المسيحيين والمسلمين.

وقد أخذ هذا الصراع شكلًا عجيبًا من العلاقات فيما بين المسلمين والصليبيين، فمرة يتحالف المسلمون مع الصليبين ضد بعضهم البعض من أجل أن يحتفظ بعضهم بكيان هش (دولة) ومرة أخرى يتحالفون فيما بينهم ضد الصليبين عندما يظهر لهم خطرهم مستشريًا، وهكذا كانت تدور المعارك بين المسلمين والصليبين سجالًا، أحيانًا ينتصر المسلمون وأحيانا ينهزمون، وكانوا عادة ما ينتصرون بتوحدهم في حلف جزئي، وأما هزيمتهم فكانت في معظم الأحيان لتفرقهم. ورغم بعض النجاحات الإسلامية التي كان بعضها محدود الآثار وبعضها الآخر ذا آثار عميقة، ولكن لم يقدر له أن يتوحد ليشكل حركة تحريرية كبري للغزو الصليبي .

ولذلك ظلت موازين القوى  بين المسلمين والصليبيين دون تغير كبير، فالصليبيون يحتلون أجزاء متفرقة من الأقاليم تفصل بينها إمارات ومدن إسلامية والمسلمون يشنون على الصليبيين الغارات من آن لآخر يُهزمون أحيانًا، وينتصرون أحيانًا أخرى، ويحررون بعض المدن ليستردها الصليبيون مرة أخرى عندما تتغير علاقات التحالف بين المسلمين إلى التنازع والتنافر.

وإذا كان الفكر السياسي الإسلامي يتساءل خلال القرون الأولى من الهجرة عن كيفية تحقيق الأمة الإسلامية (التي تحققت فعلًا) هو الشغل الشاغل لخلفاء بني أمية وخلفاء بني العباس الأوائل. فإن تحولا جذريًا طرأ على هذا السؤال، وبالتحديد خلال  منتصف القرن السادس الهجري، ليكون السؤال: ما السبيل لتوحيد أمة الإسلام؟ أو كيف يمكن أن تتوحد أمة الإسلام أمام خطر الصليبين الماحق؟.

لقد كانت إجابة "عماد الدين زنكي"، في الشام واضحة وحاسمة إزاء الإجابة عن هذا السؤال، وذلك بأن رأي أن استقراء خبرة التاريخ السياسي الإسلامي، توضح أن وحدة المسلمين لن تتحقق إلا إذا فُرضت فرضًا وبالقوة. فكان لزاما عليه أن يقضي على الإمارات الصغيرة المجاورة للمستعمرات الصليبية والتي كانت دائمًا بمثابة القشة التي تقصم ظهر البعير، كما كانت العقبة الكئود لأي توحد سياسي بين قوى المسلمين. وقد تم لعماد الدين زنكي ما أراد؛ حيث نجح في أن يؤسس دولة في الموصل وأن يضم حلب، ثم رفع الجهاد ضد الصليبين، لكنه اصطدم بحالة التمزق السياسي التي كانت سائدة في المنطقة، فرأى ضرورة تجميع القوى الإسلامية، وحشد طاقاتها قبل القيام بأي خطوة إيجابية لمواجهة العدوان الصليبي، فنهض يعمل على ضم هذه القوى المشتتة. وبعد أن خطا خطوات واسعة في هذا السبيل، ونجح في ضم شمالي بلاد الشام إلى إمارة الموصل، نهض ليتصدى للصليبين، ونجح في تحقيق أهم إنجازاته التي بدأ فيها صفحة جديدة في ميزان القوى بين المسلمين والصليبين في المنطقة، وهي استعادة إمارة الرها من أيديهم. وكان لهذا النصر أهميته؛ حيث أثبت قدرة المسلمين على مجابهة الخطر الصليبي، بالإضافة إلى أنه أمَّنَ حرية الاتصال بين الموصل وحلب .

وقد تبعه ابنه نور الدين زنكي (511-569هـ)، الذي ظهر كشخصية فذة؛ فقد بدأ من حيث انتهى والده، وبذل جهدًا مضنيًا في سبيل إثارة الأمة وبعث روح الجهاد والتضحية بين جميع أفرادها في مناطق الشرق الأدنى الإسلامي. ونجح "نور الدين" في اكتساب ثقة العامة وجمع كلمتهم وبعد أن وحد قسمي بلاد الشام، الشمالي المتمثل بحلب، والجنوبي المتمثل بدمشق، وبسط هيمنته على الموصل؛ انطلق يجاهد الصليبيين، ويتصدى لتوسعهم على حساب المسلمين. ولعل أهم إنجازاته هي تحقيق الوحدة الإسلامية وجهاد الصليبين، وإسقاطه الدولة الفاطمية في مصر، وإعادة هذه البلد إلى حظيرة الخلافة العباسية والمذهب السني.

وهنا أخذ المسرح السياسي يتهيأ لـ" صلاح الدين الأيوبي" (532-589هـ)، ذلك القائد التاريخي الفذ في تاريخ الإسلام السياسي الذي نجح في تحقيق ما خاف منه الصليبيون دائمًا وحاولوا منعه، وهو توحيد جبهات مصر، والشام، والعراق ضدهم (لقد كان شعار صلاح الدين نبي واحد، تعاليم واحدة، أمة واحدة، ولتحقيق هذا كان ضربه لاعتبارات الزعامة والسلطة عرض الحائط. فكان له ما أراد عن طريق خطة سياسية واضحة المعالم ووعي سياسي سليم) فكال لأعداء الإسلام والضربات الموجعة التي انتهت باسترداد بيت المقدس؛ وظل يكيل الضربات لما تبقي من مستعمرات صليبية حتى  لقي ربه مجاهدًا في سبيله، واستمر خلفاؤه في المحافظة على انتصاراته حينا وعقد معاهدات مع الصليبين أحيانًا أخرى، وبين كر وفر كانت موقعة المنصورة التي تصدي لها الملك الصالح "نجم الدين أيوب" (603-647هـ)، وانتهت بأسر "لويس التاسع عشر".

ولم يهنأ العالم الإسلامي بهذه الانتصارات حتى أتته ضربة المغول المدمرة فقضت على مركز الخلافة العباسية في بغداد، وواصلت الزحف على دمشق وباتت على أعتاب مصر. فما كان من مماليك نجم الدين أيوب إلا مواجهة المغول في عين جالوت فدمروهم وطردوا فلولهم من الشام.

وكان لمعركة عين جالوت أثر عظيم في تغيير موازين القوة بين القوى العظمى المتصارعة في منطقة الشام، فقد تسببت خسارة المغول في المعركة من تحجيم قوتهم، فلم يستطع القائد المغولي"هولاكو" (ت:1265م) الذي كان مستقراً في" تبريز"، من التفكير بإعادة احتلال الشام مرةً أخرى، وفوق هذا وذاك فقد تمكنوا من طرد الصليبين أيضًا من بلاد الشام ومصر، وتابعوهم إلى قبرص، فأخضعوا الجزيرة لسيطرتهم، ثم تعقبوهم إلى جزيرة رودس، ولولا الدعم الأوربي الصليبي الكبير للحقت رودس جزيرة قبرص في تبعيتها للمماليك .

وخضعت بلاد الحجاز للمماليك، وهي مهوى أفئدة المسلمين في كل مكان، حيث بيت الله الحرام، ومهبط الوحي، ومنطلق الدعوة، ومدينة الرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وهذا ما جعل لهذه الدولة مكانة خاصة في سائر بلاد المسلمين إضافة إلى لفٌها خلفاء بني العباس وابنائهم، وإعادة الخلافة بعد سقوطها، وهذا ما زاد من مركز دولة المماليك وهيبتها .

رابعًاً : التفسير الاجتماعي وتطور منهجية الفكر السياسي الإسلامي.

إذا كان الواقع السياسي العام في العصر العباسي وتراكماته التي أوصلتنا إلى الواقع السياسي في القرنين الثامن والتاسع الهجريين، فإن هذا الواقع قد انعكس بدوره على الفكر السياسي الإسلامي، وآية ذلك أن الكتابات السياسية التي ظهرت في تلك الحقبة الهجرية المتطاولة قد ارتبطت بهذا الواقع.

1- فمثلًا سنجد أن فترة الخلافة العباسية الأوائل (والتي يرجع التراث السياسي الإسلامي لمعظمها)، وخصوصًا فترة العباسيين الأول، فترة التراجم الكبرى، وفترة بيت الحكمة، وسنجد أن نوع الكتابات السياسية فيها يدور حول السلوك المثالي السياسي وارتباطه بالأخلاق – سلوك أمة متسعة الأرجاء، عظيمة الهيبة، تضم العديد من الشعوب، وتخضع لقيادة واحدة، ومن ثم اتخاذ هذا السلوك منطلقا لتقديم النصائح للخلافة في كيفية إدارة الأمة .

ويمكن توضيح ذلك بشيء من التفصيل: في هذا العصر قامت حركة التأليف والترجمة والتدوين على قدم وساق، وجميع ما خلفه المسلمون الأوائل يرجع تقريبًا لهذا العصر، أو إلى أصول وضعت في هذا العصر، وكان العباسيون يهتمون قبل كل شيء بتركيز دعائم ملكهم: لهذا كانت حرية الرأي على مبلغ احترامهم وعظم مكانتها في الإسلام – مستظلة إلى حد ما بلواء العباسيين؛ وقد كان للعباسيين خصوم من العرب يمثلهم بنو أمية الذين استطاعوا ابتناء ملك واسع ومجد عريض في الأندلس، يماثل إن لم يفق ملك بني عباس ومجدهم في الشرق ؛ وخصومهم من غير العرب يتزعمهم ويثيرهم ابناء عمومتهم العلويون؛ وفي ظلال الحكم العباسي تنبهت القوميات الغافية، وتحركت الأطماع في نفوس كثيرين من ابناء الأمجاد الأولى التي غلبها الإسلام؛ ولهذا رأى العباسيون أن من حقهم أن يشرفوا على توجيه البحوث ومراقبة الإنتاج الفكري في ملكهم، فعني مفكرو الإسلام في عهدهم من علوم اليونان والفرس وغيرهم من الفنون التي كانت غير معروفة لهم، وكانوا يصرفون عنايتهم إلى هذه العلوم على قدر ما يرون لها من فائدة وعلى حسب ما تمس الحاجة؛ فأقبلوا على العلوم الرياضية والطبيعية والفلسفة والمنطق بمجامع قلوبهم . وللحديث بقية !!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

مجدي ابراهيمتعددت الوسائل الشريفة لتكون رياضاً نضرة يتخذها الصالحون طريقاً لمحبة الله ومحبة رسوله؛ صلوات الله وسلامه عليه؛ ومنها محبة أهل بيت رسول الله؛ فما من أحد يزعم أنه يحب سيدنا رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه - وهو في الوقت نفسه لا يحبُّ آل بيته رضى الله عنهم وأرضاهم؛ فمن أحبه أحب أهل بيته. في هذا المقال لستُ أضيف جديداً بوجه من وجوه الجدّة المتعارف عليها، غير أني أضيف محبة ليس أكثر؛ فالذي دفعني إلى الكتابة هو الحبّ. من أجل ذلك سأركز على تلك النقاط التالية ولا أزيد.

(1)

إذا كان جوهر الإيمان الحب، وكان جوهر الحبّ الإتباع فمن المؤكد أن طريق الإتباع هذا يعني تجريد الطاقة كلها ناحية المحبة لله ورسوله وآل بيته وللمؤمنين؛ ثم اتصال هذه الطاقة كلها بمنابع الحب الشريف في أشرف وأطهر وأنقى بيوتات الشرف والمكرمة.

ولئن كانت محبة الله مجعولة في عين الإتباع لحب رسول الله، عليه السلام، فمحبة رسول الله مجعولة في حب أهل بيته رضى الله عنهم، بهم تتنزل الرحمات. وفي الحديث قوله صلوات الله عليه:" لا يحب أهل البيت إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق"؛ فقد جعل من مقومات الإيمان ومقتضياته حبّ أهل البيت بمقدار ما جعل من مظاهر النفاق وأركانه بغض أهل البيت، ولا يبغضهم إلا منافق لم يذق طعم الإيمان ولا يشتاق مطلقاً بأشواق المحبين.

وبالجملة؛ فمحبة أهل البيت فريضة على كل مسلم ذاقَ حلاوة الإيمان لا بل هى امتدادُ موصول بحب الله مادام الله قد أوجب علينا مودتهم كما في قوله تعالى:" قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى"؛ لما أن نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله مَنْ قرابتك هؤلاء الذين وَجَبَتْ علينا مودتهم؟ قال عليه السلام: علىُّ، وفاطمة، وولدهما، وأبناؤهم".

(2)

علامة حبّ الله هى محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإتباعه، كما جاء في قوله تعالى:" قل إن كنتم تحبّون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم"، وليس يخفى كذلك أن من علامات محبة رسول الله محبة آل بيته الأطهار. وفي الحديث أنه صلوات الله عليه قال:" أحبوا الله لمِا يَغْذُوكم به من نعم، وأحبوني يحببكم الله، وأحبّوا أهل بيتي بحبّكم لي". وعن ابن عمر رضى الله عنهما عن أبي بكر الصديق رضى الله عنه موقوفاً عليه أنه قال:" ارقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته". والحديث رواه البخاري موقوفاً غير مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام ومعناه: راعوه واحترموه وأكرموه فيماذا؟ في أهل بيته. ومن المؤكد إنّ إكرام أهل بيت رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ومحبتهم وبيان فضلهم، شعيرة إيمانيّة لا شك فيها ولا خلاف:" ومن يُعَظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب". وقد قال تعالى:" إنما يريد الله ليُذْهِبَ عنكم الرجس أهل البيت ويطهِّركم تطهيراً". وأهل البيت: هم بنو هاشم: وبنو المطلب لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:" إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد".

(3)

في حديث طويل رواه مسلم بسنده عن يزيد بن حيَّان أنه قال:" انطلقتُ أنا وحصين بن سبرة، وعمرو بن مسلم، إلى زيد بن أرقم رضى الله عنهم، فلمّا جلسنا إليه قال له حُصين: لقد لقيتَ يا زيد خيراً كثيراً؛ رأيتَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسمعتَ حديثه، وغزوتَ معه، وصليتَ خلفه، لقد لقيت خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال يا ابن أخي والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فما حدثتكم فأقبلوا، وما لا فلا تكلِّفُونيه ثم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيباً بماء يدعى حُمَّاً بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثني عليه، ووعظ، وذكر، ثم قال:" أمّا بعد: ألا أيها الناس؛ فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب؛ وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدي والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به "؛ فحثَّ على كتاب الله وَرَغَّبَ فيه، ثم قال:" وأهل بيتي؛ أذكِّركم الله في أهل بيتي، أذكِّركم الله في أهل بيتي". فقال له حُصَين:" ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته مَنْ حُرِمَ الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال هم آلُ عليُّ، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس؛ قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال نعم.

وفي رواية:" ألا وإني تارك فيكم ثقلين: أحدهما كتاب الله وهو حبل الله؛ أي عهده وسببه؛ من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة. والثقلان: يقال لكل عظيم الشأن خطير الأمر (ثقل)، لعله من عظم شأنه وخطر أمره على الله، وما أعظم القرآن هدى وبيان، وما أعظم قدر أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم قدراً مرفوعاً على الدوام بمقدار رفعته وبمقدار مكانته صلى الله عليه وآله وسلم في كل قلب يؤمن بالله ورسوله.

(4)

من هم أهل البيت؟

كثيرة هى اختلافات العلماء حول تحديد المقصود بأهل البيت. إذا كان زيدُ بن أرقم قد رأى أن أهل البيت هم من تُحَرَّم عليهم الصدقات بعد النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ فمن العلماء من يرى أن أهل البيت هم أولاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأزواجه، والحسن، والحسين، وكذلك علىُّ بحكم معاشرته لفاطمة الزهراء رضى الله عنها وملازمته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا رأيُ الفخر الرازي، في حين يذهب كلٌ من عطاء وعكرمة وابن عباس إلى أن أهل البيت هم زوجات النبي عليه السلام؛ استناداً إلى قوله تعالى:" إنما يُريدُ الله ليُذْهِبَ عنكم الرِّجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً"؛ اعتماداً من جانبهم على سياق الآية الوارد في خطاب الله سبحانه لنساء النبي صلى الله عليه وسلم في ست آيات. وضَعَّفَ آخرون هذا الرأي حين رأوا أن آل البيت هم: على وفاطمة والحسن والحسين وأبناؤهما. وأن الآية الكريمة قد نزلت فيهم؛ بدليل أن الخطاب فيها جاء بميم الجمع، ولم يرد بنون النسوة، وأيّدوا رأيهم هذا بحديث أم سَلَمَة رضى الله تعالى عنها حيث قالت:" نزلت هذه الآية في بيتي، فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم، علياً وفاطمة وَحسناً وحسيناً، وأدخلهم معه في كساء خيبري، وقال:" هؤلاء أهل بيتي وقرأ الآية؛ ثم قال:" اللَّهم أذهب الرِّجس عنهم وطهّرهم تطهيراً ".

تقول أم سَلَمَة رضوان الله عليها فقلت: يا رسول الله، وأنا معهم؟ قال: " أنت على مكانك وأنت على خير". وفي حديث أبي سعيد الخدريّ عن النبي صلوات الله وسلامه عليه قال: نزلت هذه الآية:" إنما يُريدُ الله ليُذْهِبَ عنكم الرِّجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً"؛ فيَّ وفي عليّ وحسن وحسين وفاطمة.

(5)

المقصود بأهل البيت في رأي آخرين من العلماء ممَّن كانوا قد اختلفوا حول تحديد من هم أهل البيت؟ هم جميع ذريّة النبي صلى الله عليه وسلم لقوله عليه السلام:" ما بالُ قوم يؤذونني في أهل بيتي؟ والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحبني، ولا يحبني حتى يَحب ذريتي". وهذا هو الرأي الذي يرجح بين جميع الآراء التي شَقَّتْ صف الأمة نصفين (سُنَّة وشيعة) وهى اختلافات موجّهة لا يعول عليها، لعبت فيها السياسة في المنشأ دوراً مهماً وَظفت المحبة لآل البيت عند بعض فرق الشيعة توظيفاً سياسيّاً.

أهل البيت هم: زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وأبناؤه وبناته، وذُريتّه بما فيهم فاطمة رضى الله عنها، وعلى كرم الله وجهه، والحسن والحسين، والسيدة زينب رضى الله عنهم وسائر ذُريَّاتهم؛ مع وجود خصيصة بلغت في قلب النبي صلى الله عليه وسلم مبلغها كانت تتجه مباشرة للحسين وإخوته، وممّا رواه أبو هريرة أنه كان عليه السلام يَدْلَع لسانه للحسين، فيرى الصبي حمرة لسانه فيهش إليه، وكان صلوات ربي وسلامه عليه هو الذي سَمَّاه؛ وسمى من قبله أخاه، قال على رضىَ الله عنه:" لمّا ولد الحسن سميته حرباً فجاء رسول الله فقال:" أروني ابني ما سميتموه؟" قلت (حرب) فقال: بل هو حسن. فلما ولد الحسين سميته حرباً، فجاء رسول الله فقال:" أروني ابني ما سميتموه؟" قلت (حرب) فقال: بل هو حسين. وكان يقول لفاطمة:" ادعي إليَّ ابنيَّ" فيشمهما ويضمهما إليه، ولا يبرح حتى يضحكهما ويتركهما ضاحكين .. صلوات الله وسلامه عليه.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

سلام جمعة المالكيالسادة والسيدات المسؤولين عن ادارة ملف شائك ومهدد من كل النواحي، ملف التعليم العالي والبحث العلمي في العراق، أعود معكم لبحث مفردة الجامعات المستحدثة وما شكّلته من أثر في مجمل أداء المنظومة الاكاديمية العراقية، وهذه المرّة من ناحية التصنيفات العالمية، وأبرزها تصنيف شنغهاي.

بادي ذي بدء، أود الاشارة الى ان لدي شخصيا كما لدى نسبة كبيرة من الرعيل المتقدم من الزملاء التدريسيين غير المسموعة أصواتهم، موقفا مغايرا لموقف الوزارة في اسلوب التوجه نحو الحصول على أي موقع ضمن مختلف التصنيفات العالمية ومنها الغث ومنها السمين ومعظمها قد تم انشاؤها وادارتها من قبل مؤسسات ربحية في آسيا واوربا ولا تعير لها الجامعات المتقدمة أهمية كبرى الا بغرض التسويق في دول آسيا والشرق الاوسط، غير ان لهذا الموضوع وقفة أخرى.

تأتي المخاطبات الرسمية تباعا من الحلقات العليا للوزارة للحضّ على العمل بل ووضع أطر زمنية لدخول الجامعات والكليات ضمن التصنيفات العالمية للجامعات،  وصار التركيز منصبا على تصنيف شنغهاي الذي يتضمن تصنيفين رئيسيين للجامعات ككل وللبرامج الدراسية "الكليات/الاقسام " كلاّ على حدة. ان قراءة سريعة لموقع ادارة تصنيف شنغهاي تدلنا على ان أساس التصنيف يعتمد بشكل كامل على النشاطات  والانجازات البحثية للملاكات التدريسية "توجد عتبة محددة للدخول اصلا ضمن التصنيف"، بضمنها حصولهم على جوائز عالمية محددة كجائزة نوبل ويوليسيس  والمسجلة ضمن مستوعبات معينة أهمها WoS لخمس سنوات سابقةـ وبنسبة صغيرة على نفس تلك النشاطات لخريجي الجامعات والكليات. أي ان كل ما عدا النشاط البحثي للملاك التدريسي، كالبنى التحتية واعداد الطلبة ونوعية الادارة وغيرها من المعايير التي تدخل ضمن تصنيفات اخرى كتصنيف QS وRUR، ليس بذي أهمية مع شنغهاي، فأين مؤسساتنا الاكاديمية منها وما علاقة الجامعات المستحدثة بالموضوع؟

مع الحركة الدؤوبة للملاكات التدريسية في مختلف الجامعات العراقية للنشر في ما تصل اليه امكاناتهم الشخصية "الضعيفة اصلا" من مجلات عالمية ضمن المعايير المطلوبة، يظل معدل تلك الحركة أقل من المطلوب وذلك لاسباب كثيرة أهمها ضعف "ان لم نقل انعدام" الدعم المؤسساتي للعملية البحثية التي يمكن ان ينتج عنها بحوثا رصينة متقدمة يمكن ان تجد ترحيبا في المجلات العلمية المتقدمة، والانشغالات الادارية والفنية الكثيرة التي تقع على كواهل الملاكات التدريسية بسبب قلة الملاكات المساعدة والتغييرات الدورية للادارات بما ينتج عنه ضعف استقرارية المؤسسات الاكاديمية، هذا اضافة لضعف او شبه انعدام المشاركة في النشاطات العلمية العالمية لاسباب كثيرة جدا. 

مع كل المعرقلات الجدّية المشار اليها اعلاه، تأتي الجامعات المستحدثة التي أخذ تأسيسها الكثير من جرف الجامعات القديمة سواء من ناحية الامكانات البشرية او الفنية والبنى التحتية حيث لم يصاحب تأسيسها اي اضافة حقيقية من سنخ تلك المتطلبات، اضافة لحداثة تجربة اداراتها المتقدمة في مؤسسات التعليم العالي، كما ورد في الاجزاء السابقة من هذه الدراسة.  ان مناقلة الملاك التدريسي "المتقدم منه خاصة" من الجامعات الام للجامعات المستحدثة قد أحدث شرخا كبيرا في منظومة استمرارية الجهد البحثي لاولئك التدريسيين حيث يتطلب العمل في المستحدثة سنوات من الجهد الاداري لوضع اللبنات الاولية لتلك المؤسسات "هذا مع فرض عدم تضييع تلك السنوات ضمن جو التقلبات والاجتهادات لقيادات غير خبيرة" ومع ضعف الارضية البحثية لدى المستحدثة "ان وجدت اصلا" فالناتج تشتيت جهود وخسارة مضاعفة حيث لا المستحدثة ستصل لأبسط متطلبات شنغهاي ولا الام ستتمكن من تجميع الحد الادنى للنقاط المطلوبة للدخول في ذلك التصنيف نتيجة تسرب طاقات منتسبيها السابقين..!!!

 فما هو المكسب اذن من الجامعات المستحدثة؟ هي تشتيت للموارد المالية بما تتطلبه من تعيين شخوص بمناصب ودرجات خاصة تصاحبها جيوش من الحمايات والسوّاق ومنتسبين بصفة "متابعة سريّة او علنية" ونفقات نثرية وخدماتية ووووو....بينما يعيش العراق منذ سنوات ظروف عسر مالي وفساد اداري يصرّح به أعلى رأس حكومي...هي تشتيت للخبرات الاكاديمية بما يفقدها زخم العمل ضمن منظومة مستقرة ومسار بحثي مترابط الاجزاء وبالتالي فاالمردود المتوقع من البحوث المنشورة ضمن مجلات رصينة سيشهد " شهد فعلا" انخفاضا ملحوظا ضمن رصيد الجامعات الام بينما تبقى انتاجاتهم ضمن الجامعات المستحدثة أقل بكثير من العتبة المطلوبة من قبل مؤسسة شنغهاي "ضمن حدود 150-200 بحث خلال خمس سنين"، وما ينتج عن ذلك بالتأكيد من انعدام فرص حصول الملاكات التدريسية على جوائز عالمية حقيقية ومعتبرة، مع افتراض "ولو مجرد افتراض" السماح لهم أصلا بالمشاركة في التجمعات العلمية العالمية الرصينة، يعني خسارة مضاعفة لجهود وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الرامية للدخول ضمن تصنيفات كتصنيف شنغهاي.

الحل الاقصر والاجدى هو التراجع عن الخطوة غير المدروسة المتمثلة بافتتاح الجامعات المستحدثة، والحاق التشكيلات الحالية بالجامعات الام ضمن الرقع الجغرافية باسرع وقت، وتثقيف الملاكات البحثية ضمنها لتثبيت اسماء الجامعات الام على واجهات بحوثهم بما يضمن رفع عدد البحوث ضمن أرصدة تلك الجامعات وبالتالي رقع فرص حصول تلك الجامعات/الكليات للشمول بمراجعات المؤسسات المسؤولة عن التصنيفات العالمية مع ينتجه ذلك الالحاق من بتر لمنفذ كبير من منافذ تسرب الموارد المالية والبشرية والخبراتية الهائلة ضمن قطاع التعليم العالي والبحث العلمي وهو الاهم حسب أراء نسبة كبيرة جدا من الملاك التدريسي للجامعات العراقية. ...و الله من وراء القصد

 

أ.د. سلام جمعه المالكي

 

يوسف القرشيتعد النظرية النسوية لما بعد الحداثة من أبرز النظريات التي اهتمت بتفسير الفروق بين الجنسين على أساس اللغة، وكون هذه الأخيرة عبارة عن سلسلة مترابطة الحلقات من القواعد والإشارات والرموز والمعاني والأدوار التي ينشأ عليها الأطفال اجتماعيا وثقافيا، فالأطفال الذكور يتوافقون مع آبائهم لأنهم يشبهونهم فيزيقيا وماديا، من خلال اللغة السائدة والأدوار التي يكتسبونها عن آبائهم مما يطور حسهم الأخلاقي، عكس الفتيات أقل حسا أخلاقيا لأنهن لا يتماثلن مع آبائهن.

واعتبر جورج هربرت ميد الأب الذي طور نظرية التفاعلية الرمزية أن «اللغة هي الأساس الذي يتعلم من خلاله الأطفال الأدوار الجندرية من خلال الاتصال والتواصل مع الآخرين.»1 وذلك عن طريق عملية التنشئة الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي مع الآخرين يتطور مفهوم الجندر الخاص بكل جنس بناء على قيم وتوقعات المجتمع، فيتعلم الأطفال كيف يرون أنفسهم وأنفسهن من خلال المحادثات والتفاعل المستمر واستخدام الرموز المناسبة للموقف.

وتؤكد شهادات النساء أنفسهن على أن الديانات السماوية قد أكرمت المرأة، وأعطتها حقها غير أن الثقافة والتاريخ من خلال اللغة قد بخساها هذا الحق، «إن موقف الدين بوصفه وحيا منزلا وبوصفه دين الفطرة يعطي المرأة حقها الطبيعي، ولكن الثقافة بوصفها صناعة بشرية (ذكورية) تبخس المرأة حقها ذاك وتحيلها إلى كائن ثقافي مستلب.»2 خصوصا على مستوى التعابير والإشارات والرموز.

وعندما جعل النظام البطريركي الرجل على رأس هرم المجتمع والمرأة في القاعدة، مما ترك النساء يقتصرن على استخدام اللغة الذكورية معا، وأدى ذلك إحلال الرجل كممثل للعقل والمرأة ممثلة للجسد، لدرجة اعتبر «التذكير في اللغة هو الأصل والتأنيث فرع من هذا الأصل تماما كالأسطورة القائلة بأن حواء فرع من آدم وهذا اعتراف دائم باستيلاب مستمر لحقوق المرأة.»3

وعندما تدخل المرأة مجال العمل الوظيفي فإنها تدخل في سياق التذكير، فهي عضو وهي مدير وهي رئيس الجلسة... وبما أن التذكير هو الأكثر أصبح الأصل، ولن يكون التذكير أصلا إلا إذا صار التأنيث فرعا، ومن هنا فإن الفصاحة ترتبط بالتذكير فيقال عن المرأة أحيانا إنها زوج فلان وليست زوجة فلان والعكس لا يقال إن كنت تتحرى الفصاحة والأصالة، وهذه مسألة تمر في الممارسات اللغوية دون ملاحظة لأنها صارت هي الطبع وهي حقيقة اللغة وضميرها المتغلغل في نسيجها وخلاياها.

يقول عبد الله الغذامي أن اللغة الإنجليزية ليس للمرأة من وجود إلا داخل مصطلح الفحولة، ولننظر في هذه الكلمات:

wo-man

hu-man

man-kind

وإذا ما تأملنا في الأمر سنجد أن المرأة مجرد إضافة لفظية إلى الرجل، ولو حذفنا كلمة«man» لضاعت وسائل المرأة من الوجود في اللغة، وكذا مصطلح «إنسان» «hu-mam» ومصطلح «بشرية» «man-kin»، بالإضافة إلى ذلك عندما نترجمة كلمة «التاريخ» إلى اللغة الانجليزية سنجدها تعني «History»، وإذا قسمنا هذه الكلمة سنجد أن بدايتها «His» تعني «هو»، و«story» تعني «قصة»، ويصبح المعنى الشامل لكلمة«History» قصته دلالة على قصة الرجل أي تاريخه كإحالة صريحة بأن التاريخ ذكوري حتى في إسمه.

وقيل إن خير الكلام ما كان لفظه فحلا ومعناه بكرا، وكتحليل لهذه المقولة باعتبارها قسمة غير متساوية، حيث يأخذ فيها الرجل أهم وأخطر مكونات اللغة وهو اللفظ الذي يعد التجسيد العملي وأساس الكتابة والخطابة، ويتبقى للمرأة المعنى الذي يوجه بدوره من اللفظ، فيفقد المعنى وجوده وقيمته خارج إطار اللفظ أو الكتابة.

وقد أدت هذه القسمة إلى احتكار الرجل للكتابة وترك الحكي للمرأة، مما أدى إلى سيطرة الرجل على الفكر اللغوي والثقافي، وبالتالي السيطرة على التاريخ، لأنه الكاتب وهذا ما جعله صانع التاريخ والثقافة، في حين بقيت المرأة في جميع ثقافات العالم مجرد معنى للغة، وبالتالي تابعة للرجل وليست فاعلة لغوية قائمة بذاتها، وبما أن لا معنى للمعنى إلا داخل اللفظ، تسبب ذلك في إعلاء صورة الرجل وأهميته وتقوية مكانته الرمزية من داخل أحضان التاريخ وفوق أراضي الثقافة، والتقليل من المرأة على مر العصور وفي جميع ثقافات العالم حتى في اللغة نفسها.

وإذا كانت اللغة عنصر أساسي فاعلا في صياغة وبناء الثقافة والهوية، فإنها تحدد موقف الإنسان من نفسه ومن الآخر، فالنساء همشن من كتب التاريخ لأن عملهن كان محصورا في البيت، وحتى وإن كتبت المرأة أجبرت على التكلم بلغة الرجل وثقافته وتفكيره، وهذا التفكير استعمر اللغة واحتل الثقافة، حتى صارت اللغة رجلا وصارت الثقافة ذكرا، لأن «المرأة في صورتها الذهنية الراسخة كائنة اندماجية وليست كائنة مستقلة فهي وسط الآخرين وفيهم ومنهم وبهم، فهي بنت فلان وزوجة فلان وأم فلان.»4

وبما أننا في مجتمع الامتلاك لا تقاسم الحياة واشتراكها، نجد أن الرجل يضع المرأة في موقع الأشياء التي يمتلكونها، فيتم اعتبارها ملكية خاصة وفق مبدأ المركزية الذكورية، وأثناء بحث قمت به  في إطار دراسة سوسيولوجية اتخذت من دوار أولاد النيفاوي مجتمعا لها، يقول أحد المبحوثين: «لمرا ملي تتزوج تولي جوهرا ديالي»، حيث تظهر تعابير لغوية واضحة دالة على امتلاك المرأة في ثقافتنا من حيث لا ننتبه، لأن الوعي يقوم بظاهرة الانتقاء، عندما نقول لها جوهرة، بهذا التعبير اللغوي تخسر المرأة بضربة قاضية واحدة آدميتها وإنسانيتها وتتحول إلى عالم الشيء والممتلكات وتدخل إلى خزانة الرجل الممتلئة بالأشياء، لأن المرأة تحضر في المجتمعات المتخلفة التي تتبنى هذه التعابير من باب الملكية الخاصة، الشيء الذي يشرعن للرجل تبرير وضعية أعلى للذكر على الأنثى باسم عنف رمزي تمارسه اللغة، وتكريس كل أشكال الدونية والطبقية.

ولا شك أن الفلسفة قد ولدت في مجتمع ذكوري متشدد في ذكوريته وفي تعاليه عن الأنوثة، لدرجة أن سيد الفلسفة الإغريقية أفلاطون كان يتأسف أنه ابن امرأة وظل يزدري أمه لأنها أنثى، وكان يرى أن «الحب الحقيقي هو ما كان بين الرجل والرجل، ويرى الجمال المبهج في الشبان، وللمجتمع أن يكافئ الرجال المحاربين بأن يمنحهم نساء جائزة لهم على شجاعتهم.»5 ولذا تراجع وجود المرأة إلى الهامش وغابت عن محاورات أفلاطون واختفت من الخطاب اللغوي المكتوب.

ويتم تتويج الذكورة والتعالي على الأنوثة في المجتمع اليوناني بما تمليه مسرحية «انطقون» لسوفوكليس، حيث يوصي كريون ابنه قائلا: يجدر بالمرء ألا تلين له قناة أمام امرأة في أي شأن من الشؤون، فلا من الأفضل له أن يطاح به من الحكم على يد رجل، وبذلك لن يسمع أحدا أن يدعي أننا هزمنا على أيدي النساء، ويأمر كريون أخيرا بدفن «أنطقون» حية لأنها المرأة التي خرجت على نظام الرجال.

وكون اللغة تعمل على نقل أنساق جاهزة من القيم إلى الإنسان، تؤدي بدورها إلى الفصل الجذري بين الجنسين وإعطاء الأولوية لصفات الذكورة على الأنوثة وتغليبها، «اللحية تسبق الظفيرة»6 هنا اللحية حسب المخيال الشعبي رمزا للرجل ذو الصفات المرتبطة بالعقل والقوة الجسدية، والظفيرة رمزا للمرأة على أنها جسد وشكل، وهذا التفضيل على مستوى اللغة راجع إلى واقعة دينية «راجل راه هو أول حتى في الخلق آدم على حواء.»7

هكذا إذن يمكننا أن نتساءل من خلال ما سبق، هل فعلا انحازت اللغة إلى الرجل؟ وهل تم تذكير اللغة تذكيرا نهائيا أم أن هناك مجالا للتأنيث؟

ورغم خروج المرأة من طور الحكي والدخول في طور الكتابة، سنجدها تكتب حسب شروط الرجل، فهي إذن تتصرف مثل الرجل، أو بالأحرى كما قال الغذامي إن المرأة تسترجل في لغتها وكتاباتها، وهذا ما نادت به مي زيادة، بقولها: «نحن في حاجة إلى نساء تتجلى فيهن عبقرية الرجال»8، ويتبين من خلال قولها أنها تطلب عبقرية الرجال لأنها لا تملك نموذجا لشيء يمكن أن نسميه بعبقرية النساء، لذلك فما السبيل لبناء وتكوين عبقرية نسائية ؟ وما هي الاستراتيجيات للخروج من هذه الرؤية اللغوية الذكورية؟ وكيف يمكن إرساء لغة خاصة بالمؤنث قادرة على زعزعة الفكر واللغة المهيمنين؟ وأخيرا كيف يمكن خلق قيم إبداعية تجعل الأنوثة مصطلحا إبداعيا بإزاء مصطلح الفحولة؟

 

بقلم الطالب الباحث: يوسف القرشي

..........................

البيبليوغرافيا:

1- عصمت محمد حوسو، الجندر: الأبعاد الاجتماعية والثقافية، عمان: دار الشروق، 2008.

2- مي زيادة، كلمات وإشارات 34، بيروت: مؤسسة نوفل، 1975.

3- لحيدري ابراهيم، النظام الأبوي وإشكالية الجنس عند العرب، بيروت: دار الساقي، 2003.

4- الغذامي عبد الله، المرأة واللغة، بيروت: المركز الثقافي العربي، 1997.

5- أفلاطون، الجمهورية، ترجمة: حنا خباز، بيروت: دار القلم للطباع والنشر، 2000.

6- لقرشي يوسف، المثل الشعبي وإنتاج النوع الاجتماعي، المحمدية: بحث جامعي بإشراف الأستاذة حكيمة لعلا، شعبة السوسيولوجيا، 2018.

7- المرجع نفسه.

8- مي زيادة، كلمات وإشارات 34، بيروت: مؤسسة نوفل، 1975.

 

 

مجدي ابراهيملتدوين المناقشات العلميّة إزاء القضايا الدينية أثرٌ بالغ الأهمية خصوصاً فيما لو كانت تلك المناقشات صادرة من عقول يُحسن الإصغاء إلى ما تفكر فيه، ولها بالطبع خصائص فكرية تشحذ الذهن وتقوي القناعات الإيجابية وتلطف الوجدان وترقق حواشي المؤمنين؛ وهى من الذكرى التي يحتفظ العقل بها على مرور الزمن فلا ينساها مع التدوين بل يذكرها؛ فيذكر اللحظة الطيبة التي أخرجتها قرائح المتحاورين.

صديقي الدكتور أشرف الدسوقي أستاذ الأدب الإنجليزي بآداب العريش (مصر) والمثقف الذي يرفض التقليد ويثور دوماً على المُقلدين، صاحب النظرات الثاقبة واللفتات البارعة ذكر تعليقاً على مقال كتبه أحدهم تحت عنوان "التفسير العلمي والتصوف"، والذي يرى فيه كاتبه أن التصوف كما يقول، في وجهة نظره، إنْ هو إلا تعبيرٌ عن عصاب نفسي يقود صاحبه للانطواء والانسحاب من العالم ومن الحياة.

شكرنا صديقنا الكريم على قراءة هذا المقال، وكان الأولى أن نشكره نحن، أن قدّم إلينا مثل هذه النوعيّة من البشر لنتعرّف على طريقة التفكير لديها، ثم قال:

"أشكركم على القراءة، أنا شخصياً (ناقل المقال وليس بكاتبه) بعد القراءة، كانت عندى بعض التساؤلات: هل فعلاً أن الصوفية يعتقدون أن حواسهم مرهفة لدرجة أنهم يستقبلون رسائل إلهيّة؟ وهل الصوفي ينظر لنفسه على أنه من أهل الخلاص، وغيره من الهالكين؟ وهل معنى ذلك أن الصوفي فى عداء مع الواقع، ومع جوانب الحياة المادية ومتعها التي أتاحها الخالق؟ وهل الصوفي يعتقد أن كبت الشهوات وتعذيب الجسد والعزلة هى الطريق لصفاء النفس؟ ألا يناقض ذلك مع الطبيعة الفطريّة للحياة التي تقوم على التواصل والتفاعل؟ وهل الصوفي له تجارب روحيّة يمكن تأكيدها عن طريق الوسائل والقياسات العلميّة حتى يقتنع الآخرون؟ " (أ. هـ).

كان يوجّه أسئلته تلك إلى الذين يهتمون بالتصوف وينتسبون إليه، ومنهم شيوخ عُرفاء فضلاء أنا شخصياً أعتز أيّما إعزاز بمعرفتهم؛ ولكن المشايخ مشغلون بما لديهم من طاقات الإيجاب التي تتوالى عليهم فضلاً من الله من جرَّاء البقاء دوماً في رحابه تعالى، فلم يتلفتوا للرد، ولم ننتظر منهم أن يردوا على آراء لم نعرف لها قيمة ولا قدراً بين أولي الرأي والتهذيب ممّا أثاره كاتب المقال، فسبقناهم إلى الإجابة على تلك الأسئلة التي جاءت استفهاماً من الصديق العزيز لا من كاتب المقال.

أما إجابتي فكانت كالآتي:

"أمّا عن أسئلتك يا صديقي، فجواب أكثرها بالنفي المُحقق، لئن كنت تثق فيما أقوله لك، فسأجيب عليها في هذه النقاط. أما كاتب المقال فله شأن آخر:

فالأولى: بالفعل، الحواس لديهم مُرهفة ومشاهداتهم أعلى وأرقى طبعاً، لأن الوعي لدى الصوفي عالي ليس بالعادي. الصوفي صاحب مجاهدات مضنية شاقة، وعن هذه المجاهدات تصدر أحوال هى ثمرة ونتيجة، وبالتالي لا تستغرب عنهم هذه الهواتف الربانيّة، ولا أشياء تصدر عنهم من هذا القبيل، وغير هذا الكثير والكثير .

والثانية: هى من الكذب والافتراء على الصوفية بحيث لا يمكن أن تمر على عقل واع. الصوفي دائماً لنفسه متّهم، شاعر بالتقصير يتوب ويستغفر، ويجعل من الاستغفار عادة له وديدناً .. فكيف يشعر أنه من أهل الخُلاص؟!

إنمّا المسلم عموماً لا الصوفي وحده (إمّا .. أو) . إمّا أن يكون عبداً مطيعاً؛ والطاعة لا تخلو من المكر. أو يكون عبداً عاصياً؛ والمعصية لا تخلو من الخذلان. فهو في الحالتين يحتاج إلى الاستغفار.

والثالثة: فيها أغاليط كثيرة، إذ الحياة الواقعية من خلق الله، والصوفي يعبد الله فكيف، بالبداهة، ينكر ما خلق ؟!

نعم .. هو على عداء، ولكن مع الفساد والشر وتغيير ما خلق الله.

والرابعة: ليس الصوفي وحده هو من يعذب جسده ويكبت شهواته، ولكن قطع الشهوات؛ كما يقول ابن رشد إمام العقلانية، شرطُ في صحة النظر. ليس قطعها بالمرة ولكن ترويضها وترقيها والتسامي بها وإعلاء ملكات النفس الباطنة. للكاتب الكبير الأستاذ عباس محمود العقاد كتاب اسمه "الفلسفة القرآنية" جاء فيه قوله في جملة مهمّة:" وممّا لا جدال فيه أن نوازع الجسد تحجب الفكر عن بعض الحقائق الاجتماعية، فضلاً عن الحقائق الكونيّة المُصفاة ".

والخامسة: المنهج والموضوع بين التصوف وغيره مختلفان، ولا يمكن إقناع الغير إلا بالتجربة الصوفية نفسها وإلاّ بالسلوك، أي بالقدوة الحسنة ومباشرة الحياة الروحيّة ذاتها في أرفع ما يمكن أن تباشره من ضروب العمل والسلوك فضلاً عن ضروب التوجُّه والاعتقاد.

أخشى ما أخشاه أنا شخصياً - نظراً لتفاهة هذا الكلام مما جاء به كاتب المقال - ألا ينظر إليه المشايخ مجرَّد نظر فقط؛ فما بالك بالتعليق عليه؛ إذ التعليق بالنسبة لهم مضيعة للوقت وللجهد في كتابة ليست حقيقة بعناء تدوينها، وهم أهل جهد مقنن ووقت محسوب. لكن يُلفت النظر حقاً ملاحظة حول كاتب المقال، وهو عندي غير جدير بالاحترام بالمرة. الاحترام لا من الناحية الخُلقية، ولكن من الناحية الفكريّة والأدبية، أنا شخصياً لا أحترم كاتب لا يعمل عقله ولا يجهد فكره فيما ينقله عن آخرين، ويكتفي بمجرّد التقليد. وهذا المقال منقول من آراء سابقة أكثر نقاطها - فضلاً عن مضمونها ومحتواها - ردّدها بعض علماء علم النفس الذين أخضعوا التصوف لمقاييسهم المادية، واعتبروه مرضاً نفسياً ومجرّد حالات غير سويّة؛ لأنهم حصروا أنفسهم في دائرة التجربة الحسيّة وحدها، وصار اختلاف المنهج من العوائق السلبية أمام فهمهم للحالات الصوفية.

المنهج مختلف يا عزيزى .. هذا يبحث في الحس والتجربة الحسيّة، وذاك منهجه الذوق والتجربة الروحيّة، والذي يقيس هذا بذاك هو من الجهالة بمكان بحيث يريد أن يقيس الشئ، وهو يجهل كيف يقاس!

ولو رجع الكاتب (المفكر!) إلى مؤلفات عالم النفس الأمريكي وليم جيمس، أو كتابات ليوبا، وباستيد، وأندرهيل، وثولس، وغيرهم من علماء النفس الديني؛ لعرف أن هذه الآراء قتلت طرحاً وبحثاً من قبل، ولكفى نفسه مؤنة التقليد الأعمى لأراء تمّ الرد عليها من قبل علماء النفس الديني أنفسهم.

أضف إلى هذا، أن المرض النفسي أو العقلي يصاحبه فقدان لشعور مستمر للأنا، والصوفي في كل حالاته لا يفقد استبصاره لذاته مطلقاً ولا شعوره بوحدته الذاتية مع الحق. الحالة الصوفية، كالبرق الخاطف لا يثبت ولا يدوم: فناء وبقاء، غيبة وحضور، سُكر وصحو، جَمْع وتفرقة، قبض وبسط، أوجاع لا حصر لها تعانيها الذات العارفة بين وصال وجذب، ونكوص وانقطاع ممّا لا يخطر على بال مخلوق سواه. ولو جعلنا من الصوفي شخصاّ مريضا،ً لجعلنا من الشاعر والكاتب والمُلهم والفنان والموسيقى وأولى الإبداع جميعاً مرضى عصابيين، لا لشئ إلا لأنهم يعانون مشاعر خاصّة تنزع بهم إلى التفرّد والامتياز، ويباشرون تجارب روحيّة ذاتية لا يعانيها غيرهم من أفراد الناس العاديين.

من يقول بنسبة التصوف إلى المرض يصطنع منهج المماثلة في دراسة حالات التصوف، وهذا خطأ في الحكم العلمي؛ لأنه لم يقم بتجربتها فيتعذر مماثلة الصوفي في حالاته الوجدانية والشعوريّة مماثلة حقيقية، وعلماء النفس الذين يعتمدون التجربة الحسيّة، ويصدرون أحكامهم على المتصوفة من خلالها، ليسوا بصوفيّة ولا هم يدرسون صوفية موجودين بالفعل، يتعاطفون معهم أو يفتقدون التعاطف معهم، وإنما يكتفون بتحليل قشور عرضيّة ممّا كان تركه قدماء الصوفية من آثار أدبية، ويقيمون عليها أحكامهم جُزافاً في غير تحقيق، الأمر الذي يعني أن دراستهم ليست دراسة تجريبيّة مُنصفة بالمعنى الحقيقي للكلمة.

التقليد يا سيدي للآراء السابقة والإيغال في ترديدها ترديد الببغاوات دون صدور الرأي تحقيقاً عن صاحبه، لا يدل على تفكير، ولا يسمح على الإطلاق بوصف قائله بالمفكر، بخساً وجوراً لصفة التفكير.

والاستناد على مغالطات منهجية وتقويم قيم الحوار على أساسها، شئ يقدح في جديّة هذا الحوار ليحيله على الفور إلى هزل أو هزال.

والتقليل من شأن معارف أثبتتها وقائع التجربة الحياتيّة على حساب علوم أخرى يُراد لها الغلبة والانتصار، هو تقليل في الوقت نفسه من شأن الإنسان: مواهبه وملكاته وقدراته؛ لأن إعلاء جانب على جانب فيه فضلاً عن كونه يفقده التوازن المطلوب ويقدح قطعاً في ميزان العدالة، فهو أيضاً يُلقيه مدحوراً في حمأة الاعوجاج.

على أن العلاقة مع الله بسيطة غاية البساطة، وهى عميقة غاية العمق: بسيطة من حيث التوجُّه والاستعداد . عميقة في الطلب والتحقق والموالاة. والتواصل مع الله استعداد مباشر بالعظمة الإلهية داخل أطواء النفس البشرية وشعورنا بالشوق إلى تلك الحقيقة الكبرى؛ فليست هى مما يحتاج إلى تفسير علمي ولا إلى قياسات نظرية؛ لأن ميدان العلم غير ميدان الذوق الباطن. والخلط بينهما خلطُ بين العقل النظري والاستبطان الشعوري. ولا يسلم العلم من إعمال قوانينه في ميدانه كما لا يسلم الذوق الباطن من استعداد يؤهله للاتصال بالحقيقة العظمى، ولو بطرق غير تقليدية، وهى على الجملة عنوانُ البساطة في التواصل مع الله والاستعداد لمعرفته.

يتحوّل الكفر البواح في بعض الأحيان إلى محض إيمان، ومن الإيمان الخالص تتراءى أشكال الكفر ظاهرة لكنها لا تمسُّ حقيقته ولا تقدح في نقائه. ولاكتشاف الطرق غير التقليدية للتواصل مع الله؛ سأحكي لك قصة مثيرة، لكن أصبر معي حتى أتمّها إلى آخرها ثم أعلق بعدها على هذا التواصل غير التقليدي. في الرواية الصوفية البديعة عن جلال الدين الرومي وشيخه شمس تبريزي" قواعد العشق الأربعون" لإليف شافاق، وترجمة خالد الجبيلي، والصادرة عن دار طوى للثقافة والنشر والإعلام في طبعتها الأولى سنة 2012م جاءت هذه القصة المثيرة لاكتشاف الطرق غير التقليدية للتواصل مع الله:

في أحد الأيام كان موسي يسير في الجبال وحيداً عندما رأي من بعيد راعياً. كان الرجل جاثياً على ركبتيه، ويداه ممدودتين نحو السماء، يصلي.

غمرت موسي السعادة .. لكنه عندما أقترب منه، دهش حين سمع الراعي يصلي بحرارة:

" يا إلهي الحبيب؛ إني أحبّك أكثر ممّا قد تعرف. سأفعل أي شيء من أجلك، فقط قل لي ماذا عَسَاَكَ تريد؟ حتى لو طلبت مني أن أذبح من أجلك أسمن خروف في قطيعي، فلن أتردد في عمل ذلك: أشويه، وأضع دهن إليته في الرّز ليصبح لذيذ الطعم".

أقترب موسي من الراعي، لينصت إليه أكثر .. " ثم سأغسل قدميك، وأنظف أذنيك، وأفليّك من القمل .. هذا هو مقدار محبّتي لك".

عندما سمع موسي ذلك، صاح مقاطعاً الراعي وقال:

" توقف، أيها الرجل الجاهل! ماذا تظن نفسك فاعلاً؟ هل تظن أن الله يأكل الرّز؟ هل تظن أن لله قدمين لكي تغسلهما؟

هذه ليست صلاة .. هذا كفرٌ محض .. هذا كفر محض".

كرر الراعي الذي أحسَّ بالذهول والخجل اعتذاره، ووعده بأن يصلي كما يُصلي الأتقياء .. فعلمه موسي الصلاة في عصر ذلك اليوم؛ ثم مضى في طريقه، راضياً عن نفسه كل الرضا، لكن في تلك الليلة سمع موسي صوتاً، كان صوت الله:

"ماذا فعلت يا موسي؟ لقد أنّبت ذلك الراعي المسكين، ولم تدرك مَعزَّتي له، إنّ قلبه صاف، ونياته طيبة. إني راضٍ عنه. قد تكون كلماته لأذنيك بمثابة كفر، لكنها كانت بالنسبة لي كفراً حلوا".

فهم موسى خطأه في الحال .. وفي الصباح الباكر من اليوم التالي، عاد موسى إلى الجبال ليبحث عن الراعي؛ فوجده يصلي، لكنه، في هذه المرة، كان يصلي له بالطريقة التي علّمه إيّاها. ولكي يؤدي صلاته بشكل صحيح، كان يتلعثم، وكان يفتقد إلى الحماسة والعاطفة كما كان يفعل سابقاً، نادماً على ما فعله له.

رَبَتَ موسي على ظهر الراعي برفق حاني، وقال:" يا صديقي، لقد أخطأت .. أرجو أن تغفر لي .. أرجو أن تصلي كما كنت تصلي من قبل، فقد كانت صلاتك ثمينة ونفيسة في عيني الله ".

تملكت الراعي الدهشة عندما سمع ذلك، لكن إحساسه بالارتياح كان أعمق، بيد أنه لم يشأ العودة إلى صلاته القديمة. ولم يلتزم بالصلاة الرسمية التي علمه موسي إيّاها .. فقد أكتشف طريقة جديدة الآن كي يتواصل بها مع الله .. بالرغم من أنه كان راضياً وسعيداً بإيمانه الساذج، فقد تجاوز الآن تلك المرحلة، أي ما بعد ذلك الكفر الذي كان يتحلّاه".

ومفادُ هذه القصة، كما ترى، يا صديقي: إننا لا ينبغي على الإطلاق أن نحكم على الطريقة التي يتواصل بها الناس مع الله؛ فلكل أمريء طريقته وصلاته الخاصّة. إن الله لا يأخذنا بكلماتنا، بل ينظر إلى أعماق قلوبنا. وليست المناسك أو الطقوس هى التي تجعلنا مؤمنين بل إنْ كانت قلوبنا صافية أم لا، هو وحده محك الإيمان ومحك الإخلاص؛ ومتى فُقد الإيمان حرارة العاطفة وحماسة الاتصال، فقد جذوته المشتعلة في قلوب المؤمنين. فالنمو الروحي يكمن في وعينا، لا بتوجّسنا من أمور معينة. يجب ألا يحول شيء كائناً ما كان بين أنفسنا وبين الله؛ لا أئمّة ولا قساوسة، ولا أحبار، ولا أيّ وصيّ آخر على الزعامة الدينية أو الأخلاقية، ولا السادة الروحيون؛ ولا حتى إيمانك.

آمن بقيمك ومبادئك، لكن لا تفرضها على الآخرين. وإذا كنت تحطم قلوب الآخرين فهما كانت العقيدة الدينيّة التي تعتنقها فهى ليست عقيدة جيدة.

ابتعد عن عبادة الأصنام بجميع أنواعها. فرّقها عن قلبك؛ لأنها تشوّه رؤيتك. ليكن الله وحده دليلك. تعلّم الحقيقة، يا صديقي، لكن أحرص على ألا تصنع من الحقائق التي تتكون لديك أوثاناً. يذكرني هذا بإشارة من إشارات الإمام الهمام أبي الحسن الشاذلي في هذا الصدد:" فرّق الأصنام عن قلبك، وأرح من الدنيا بدنك، ثمّ كن كيف شئت؛ فإن الله تعالى لا يعذّب العبد على مدّ رجليه من التعب مع استصحاب التواضع للاستراحة من التعب، وإنمّا يعذبه على تعب يصحبه الكبر".

وتفرقة الأصنام عن القلب منزلٌ من منازل المعرفة يجتازه صاحب المعراج الروحي من أدنى إلى أعلى؛ أعني من النفس، فالقلب، فالروح، فالسر؛ فكما أن النفس تحتاج إلى رياضة وسياسة ومجاهدة، فكذلك القلب بحاجة شديدة إلى تفرقة الأصنام عنه مما لحق به من سوء التسليك؛ وأهمها في هذه الإشارة البديعة: عوالق الدنيا ولواحقها ومطاردتها للقلب الذي استقرت فيه وسيطرت عليه حتى لم تعد تريه إلا حكمها، وحكمها هو حكم من اجتمعت في قلبه الأصنام والأرباب فلم يقدر على تفريقها، ولا أراد؛ فأصابه التعب الذي لا راحة فيه، وهو يظن أن سعادته في تعبه، لكنه تعب المتكبر الملهوف على الدنيا يتعذب بكبره على الدوام وهو لا ريب جدُّ تعبان!

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأن دراسة الفكر، سواء في مرحلته الراهنة، أو في أي عصر من عصور التطور، ويكون ذلك من وجهة نظر فلسفية، فإن الباحث يمكن له أن يتناول الفكر بالدراسة من منظورين مختلفين، لكنهما يكمل أحدهما الآخر بالنسبة لنا:

المنظور الأول:

هو ما نطلق عليه اسم "وجهة النظر الاجتماعية لتفسير نشأة الفكر وتطوره"، وفي هذه الحالة فإن الباحث يهتم بكل ما من شأنه أن يعمل على قيام الفكر أصلاً، وتوفير متطلباته الاجتماعية. إنها وجهة نظر تأخذ بعين الاعتبار العوامل الاجتماعية وتنظر للعلم فقط من الخارج، وفى هذه الحالة يتعرض الباحث للنظام السياسي- الاجتماعي القائم في حضارة أو دولة معينة، والذي أصبح إنتاج معرفة علمية بعينها من جراء مشروعه الثقافي. فالفكر لا يعرف طريقة التوالد الذاتي، وإنما الفكر هو في نهاية الأمر محصلة لمؤسسات بعينها ولمعدات وأجهزة بعينها، ولميزانية تمول ما هو مطلوب من أجل إنتاج معرفة معينة. إنه يحتاج إلى مناخ سياسي، واجتماعي، وثقافي معين، والمثال الواضح لذلك هو المعرفة في العالم الغربي الأمريكي اليوم على وجه التحديد .

المنظور الثاني:

ووجهة النظر المعرفية تأتى مكملة لوجهة النظر الاجتماعية، وهى وحدها القادرة على تقييم الفكر" وتثمينه" من ناحية التطور المعرفي. وهذا المنظور هو الذي يسمح للباحث بالولوج إلى داخل الفكر نفسه، كي يحلل هيكله ويتوقف على مساراته، وبنيانه، وطرق الاستدلال بداخله، وكيفية صياغة المبادئ العامة التي تعبر عن التقدم العلمي بداخله. كما يستطيع المعرفي أن يستخرج مراحل التطور الرئيسة التي سلكها هذا الفكر أو ذاك في بناء نفسه، وحتى بلوغه مرحلة  التطور المعرفي التي هو عليها في حالته الراهنة .

إنها وجهة نظر تأخذ بعين الاعتبار بناء الفكر من الداخل، وتضع جانبًا كل العوامل الاجتماعية الخارجية التي أشرنا إليها في المنظور الأول. وغنى عن البيان أن وجهة النظر المعرفي حين تكتمل لا يجد أصحابها مفراً من توسيعها لتشمل في نهاية الأمر البعد أو المنظور الاجتماعي. فكما يقول (أوجست كونت) إن الفكر هو ظاهرة اجتماعية تاريخية لم ينشأ من فراغ، أو خارج المجتمعات، وارتبط نمو الفكر وتطوره ارتباطاً وثيقاً بنمو وتطور المجتمع الإنساني، وارتبط هذا وذاك بنمو وتطور العقل الإنساني نفسه. لكننا حين ندرس وجهة  النظر الاجتماعية منفصلة عن وجهة النظر المعرفية، فإننا نفعل ذلك استجابة لحاجات الدراسة الأكاديمية وما تفرضه من تجزئة للمعرفة حتى يمكن دراستها.

وفي حالة الفكر السياسي الإسلامي – وكما سنرى في الفقرات التالية – سنجد أننا في أمس الحاجة إلى التقييم المعرفي لكي يجلو لنا ما لا يستطيع التفسير الاجتماعي أن يستوعبه أو يفسره بالنسبة إلى الظهور الفجائي لهذه الأفكار من ناحية، وبالنسبة إلى ظهورها وهى في مرحلة الصياغة النظرية للفكر من ناحية أخرى.

ونحن الآن في سبيلنا إلى تناول عوامل التفسير الاجتماعي للفكر السياسي الإسلامي عاملًا بعد الأخر، وذلك من خلال المحاور التالية:

أولاً: أصول الفكر السياسي الإسلامي:

1- الحياة السياسية في شمال الجزيرة العربية.

من الواضح تماماً أن النواة الأولى للفكر السياسي الإسلامي (وإلى حد كبير) لم تنشأ إلا بظهور الإسلام. فاللغة العربية (لغة القرآن) لا نعرف لها نظيراً في الوقت الذي ظهر فيه الإسلام، إلا لغة القرآن نفسها، كما أن العلوم الإسلامية، هي "العلوم التي اتخذت من بعض جوانب هذا الدين الجديد موضوعاً لها".

نقول هذا على الرغم من أن هذه الحقيقة لن تقف حائلًا أمامنا – خلال تطويرنا لفقرة هذا الفصل وأقسامه – من أن نحفر في تاريخ الجزيرة نفسها، أو تواريخ الثقافات المحيطة بها كي نلتمس أصولاً، أو جذوراً لمعارف يصعب على التفسير الاجتماعي تعقلها، أو تقديم شرح أو توضيح لها.

فالرأي التقليدي الذي يصف العرب قبل الإسلام بأنهم كانوا غارقين في "الفوضي، والجهالة، لا عمل لهم إلا الغزو، والنهب، والحرب في بادية الحجاز، والشام، ونجد وغيرها من بلاد العرب"،  لم يعد يعبر اليوم إلا عن جهل المرددين له؛  فالعرب كانوا على اتصال بمن حولهم ماديًا وأدبيًا، وإن كان هذا الاتصال أضعف مما كان بين الأمم المتحضرة لذلك العهد، نظرًا لموقعها الجغرافي ولحالتها الاجتماعية؛ وهذا الاتصال بين العرب وغيرهم كان من طرق عدة أهمها: التجارة، وإنشاء المدن العربية المتاخمة لفارس، والروم، والبعثات اليهودية، والنصرانية التي كانت تتغلغل في جزيرة العرب، تدعو إلى دينها وتنشر تعاليمها .

والاكتشافات الأثرية أظهرت أن شبه جزيرة العرب، كانت تقع بين أعظم مدينتين في العالم آنذاك: فارس شرقًا، والرومان غربًا، ونظرًا لهذا الموقع الوسط الذي احتله العرب بين هاتين المدينتين، كان التأثير المتبادل بينهما لا سيما التجاري منها؛ ومن خلال إلقاء نظرة فاحصة على الحياة السياسية في مراكز الحضر في الجزيرة العربية يتبين لنا ماهية فكر العرب ونظامهم السياسي ، ومدى تأثرهم بالنظام السياسي المحيط بهم، والتي تظهر بوضوح من خلال:

أ- الحياة السياسية في شمال الجزيرة العربية في بعض المراكز الحضرية، وأهمها إمارة الحيرة على تخوم الفرس .

ب- وإمارة الغساسنة على تخوم الروم ؛ إذ تكونت هذه الإمارات من عدد غير قليل من القبائل العربية التي هاجرت من اليمن عقب حادثة سيل العرم، وقد قامت هاتان الإمارتان إثر محاولة الفرس والروم إخضاع العرب لحكمهم اتقاء لغزوهم وسلبهم، ولكنهم فشلوا في ذلك... من أجل هذا رأى الفرس، والروم أن خير وسيلة لدفع شر العرب أن يساعدوا بعض القبائل المجاورة على أن يقروا على التخوم ويتحضرون، ثم يكونوا رداءً لهم يصدون غارة البدو الرحل الذين يغزون وينهبون .

ولقد كانت علاقة الحيرة ببلاد فارس، كعلاقة الغساسنة بدولة الروم، وقد اتخذ الفرس إمارة الحيرة، ولتكون حائلًا بين العراق وغارات العرب على الدولة الفارسية. كما اتخذ الروم أمراء غسان أعوانًا لهم على الفرس، ووسيلة لحكم قبائل العرب القريبة منهم، وكان للغسانيين مواقف معدودة في الجاهلية انتصروا فيها للروم على الفرس، وصدوا

عنهم ملوك الحيرة، وتأثروا بنظام الروم السياسي، كما تأثر المناذرة بنظام الفرس السياسي، ويتجلى هذا التأثر بتقليد ملك الحيرة نفسه بجميع مظاهر البلاط الفارسي، وكذلك كان الحال مع ملك الغساسنة بالنسبة إلى الدولة الرومانية الشرقية.

ومن جهة أخرى، فقد اعتنق عددًا كبيرًا من العرب الغساسنة الذين شكل الرومان منهم دولة عازلة الدين المسيحي. وكان في مملكة الحيرة معابد ورجال دين وعباد وهم المستقرون، أما الرحل فكانوا من قبائل يدين بعضها بالمسيحية. وكان لمعرفة الحيريين للغة الفرس أثرها في انتقال شيء من حضارتهم وآدابهم إلى العرب. كما كان لمعرفة الغساسنة بالثقافة اليونانية والمدنية الرومانية أثرها أيضًا في انتقال ألوان من حضارة العرب، وأهمها الأديان، والمعارف العامة،  والقراءة، والكتابة وغيرها. ولكن النزاعات والحروب المستمرة بين مملكتي الحيرة، وغسان حالت دون سيطرتهم وتوسعة نفوذهم الثقافي والسياسي على عرب الجزيرة، حتى  انتهى تاريخهما السياسي من الوجود، مع بداية القرن السابق بظهور الإسلام  .

2- الحياة السياسية في جنوب الجزيرة العربية

تتمثل الحياة السياسية في جنوب الجزيرة العربية ببلاد اليمن التي ازدهرت حينًا من الزمن، حيث كانت ملتقى الرحلات البحرية التجارية الآتية من الصين، والهند، مع الرحلات البحرية، والقوافل التي تسير بين اليمن في أقصى الجنوب، وبين الشام في شمال الجزيرة العربية، مما جعلها مركزًا حضاريًا، إذ تكونت فيه حضارات ذات قيمة كبيرة بين الحضارات العالمية القديمة، وأهم المراكز الحضارية فيها: حضر موت الواقعة في الجنوب الشرقي من الجزيرة العربية، ومملكة معين، أو مأرب، وكانت في الشمال، وسبأ جنوبها، ومملكة حمير بين سبأ، والبحر الأحمر. وهذه الممالك كانت وريثة لبعضها البعض. فعلى سبيل المثال كانت مملكة سبأ (650ق.م) وريثة لمملكة معين، ومن أشهر ملوكها الملكة بلقيس التي ورد ذكرها في القرآن الكريم والتي اتخذت من مأرب عاصمة لها، وكان لهذه الممالك نظام حكم سياسي لم يعرفه سكان البادية، فظهرت به طبقة الحكام الذين خلعوا على أنفسهم ألقابا تتناسب مع رفعة الملك، وكان الحاكم يجمع بين الملك والكهانة، وهذا النظام السياسي الملكي الوراثي لا يختلف كثيرًا عن النظام السياسي كما وجدناه عند الفرس والرومان، وكان لانهيار سد مأرب أثره في انهيار تلك المملكة. الأمر الذي أدى لهجرة عدد كبير من أهلها إلى شرق ووسط الجزيرة العربية والحجاز، وإلي شمال الجزيرة العربية، حيث أسسوا هناك عدة إمارات وممالك، أشهرها الحيرة وغسان، والتي كانت تابعة للفرس والرومان. وقد ورثت مملكة حمير (115ق.م) مملكة سبأ، ودامت أكثر من 640 سنة حتى استولي عليها الأحباش أيام أبراهة الحبشي، ثم استولي عليها الفرس بعد ذلك وطردوا الأحباش منها، أيام كسري أنو شروان (531-578م) الذي ولي سيف بن ذي يزن الحميري ولاية هذه البلاد حينا من الزمن ثم خلفه خرخسرة بن البنيجان بن المرزبان الذي عاش إلى عهد النبي ( (صلى الله عليه وسلم))، وأسلم هو وقومه على أثر ما دار بينه وبين الرسول من رسائل بشأن إسلامه .

3- الحياة الاجتماعية للنظام السياسي في وسط الجزيرة العربية:

يؤكد الكثير من المؤرخين بأن المجتمع العربي في الجزيرة العربية قبل الإسلام قد تألف من العديد من القبائل التي تعود جذورها إلى اليمن؛ ويقسم هؤلاء المؤرخون هذه القبائل إلى مجموعتين كبيرتين: القحطانيون أو العرب العاربة، والعدنانيون أو العرب المستعربة. ولقد كان القحطانيون من القبائل التي انتقلت من اليمن إلى وسط وشمال الجزيرة العربية عبر هجمات متتالية. ويبدو أن هذه الهجرات نجمت عن عدد من الكوارث الطبيعية التي أصابت الممالك العربية في اليمن؛ وأما العدنانيون فكانت من القبائل التي سكنت الجزيرة العربية، وتعود جذورها إلى إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام. وبناء على هذه المعطيات التاريخية فإن القبائل المنسوبة إلى العرب المستعربة قد تكونت عبر علاقات التزاوج بين العرب العاربة وابناء إسماعيل عليه السلام؛ فهم إذن نتاج زواج إسماعيل من جرهم، وهي قبيلة يمنية سكنت مكة بعد انتقال إسماعيل وأمه هاجر إليها.

وتمثل الحياة الاجتماعية في بلاد العرب الجبال المرتفعة وتشمل – الحجاز ونجد – النموذج الأصل للنظام السياسي للعرب في الجاهلية، وأهم المراكز الحضارية فيها مكة ويثرب. وقد تكونت من العرب المستعربة، وهم من نسل إسماعيل عليه السلام؛ وعرب اليمن بعد انكسار سد العرب، ولقد حافظ الحجاز على استقلاله منذ أقدم العصور، فلم يعبث بحريته الملوك الفاتحون في الوقت الذي عبث فيه قورش وقمبيز وغيرهما من ملوك الفرس باستقلال كثير من الأمم، كذلك ظل محافظا على استقلاله أيام الإسكندر المقدوني الذي صده العرب حين أغاروا على دارا ملك الفرس. وكان من أثر تمتع أهل الحجاز بالاستقلال طول حياتهم، أن ظهرت فيهم طبائع خاصة بهم، من حيث عراقة أصلهم وشرف آبائهم وشهامتهم التي كانت – ولا تزال – مضرب الأمثال ولغتهم التي حافظت على نقائها وصفائها .

ويطالعنا التاريخ بأن العرب قبل الإسلام كانوا على دين واحد هو دين إبراهيم، دين الحنفية ودين التوحيد الذي تجسد بالإسلام، إنما ضلوا الطريق، فعبدوا ما استحبوا ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأصنام والأوثان، وابتعدوا عن دين آبائهم وأجدادهم حتى  أعادهم الإسلام إليه، فتفشي فيهم الشرك بأشكال متعددة بفعل تطور واقعهم الاجتماعي .

ومما هو جدير بالذكر أن المجتمع العربي الجاهلي في الحجاز ونجد؛ قد عرف ديانات أخرى إلى جانب الوثنية، من أهمها اليهودية والمسيحية والصابئة. بيد أن أصحاب هذه الديانات بقوا أقليات منعزلة غير قادرة على التأثير في الثقافة السائدة، فاليهودية التي تركزت في اليمن ويثرب لم تكن قادرة على الانتشار والتأثير في الوسط العربي الوثني بعد أن اختارت الموقف المستعلى، المرتكز على فكرة " شعب الله المختار" التي كرست العزلة اليهودية في الجزيرة العربية، ولم تكن المسيحية أقل حالا عند العرب من اليهودية، فقد ارتبطت المسيحية في أذهانهم بالقيصرية الرومانية، والنزعة التوسعية التي ميزت الإدارة البيزنطية في الشام والإدارة النجاشية في الحبشة. لذلك بقيت النصرانية محصورة في منطقة نجران وفي شمال الجزيرة العربية .

وهكذا أدي نفور القبائل العربية من السلطة المركزية التي تمثلها الفرس والروم المحيطة بها إلى نفورها من الدين الرسمي لتلك القيصريات، وربط التنصر بالخضوع إلى سلطة قيصر. ومن ثم فإن ماهية الفكر السياسي للعرب في الجاهلية تحدد على ضوء هذا في أنه كان قبليًا يقوم على صلة الدم في أفراد القبيلة الواحدة؛ ذلك لأن الجزيرة العربية في الجاهلية لم تعرف وحدة الجنس، إذ كان يقطنها أجناس متعددة غالبيتهم من الساميين، ونتيجة لهذا كانت القبيلة هي الوحدة السياسية - الاجتماعية عند العرب في الجاهلية؛ ذلك لأن القبيلة هي جماعة من الناس ينتمون إلى أصل واحد مشترك تجمعهم وحدة الجماعة وتربطهم رابطة العصبية للأهل والعشيرة، ورابطة العصبية هي شعور التماسك والتضامن والاندماج بين من تربطهم رابطة الدم، وهي على هذا النحو مصدر القوة السياسية والدفاعية التي تربط بين أفراد القبيلة، وتعادل في وقتنا الحاضر الشعور القومي عند شعب من الشعوب ، وإن كانت رابطة الدم فيها أقوى وأوضح من الرابطة القومية، لأن العصبية تدعو إلى نصرة الفرد لأبناء قبيلته ظالمين كانوا أو مظلومين. وتقوم العصبية على النسب، وهي لذلك تختلف باختلاف الالتحام  بالأنساب .

وتتألف القيادة السياسية للقبيلة عادة من مجلس شيوخ القبيلة ويرأسه شيخ القبيلة، ويعرف بلقب الرئيس أو الشيخ أو الأمير أو السيد. ويشترط في رئيس القبيلة أن يكون في أعلى القبيلة نسبا، أي من أشراف الصرحاء؛ كما يشترط فيه التقدم في العمر والتمتع بالثروة والنفوذ، ويلعب مجلس شيوخ القبيلة الدور الرئيس في اتخاذ القرارات في شؤون القبيلة العامة، وفي مقدمتها فرار القبيلة من موقع إلى آخر بدواعي القحط أو لأسباب أمنية، كذلك نزع العضوية من أفراد معينين من القبيلة لمخالفتهم المتكررة تقاليدها، ويلقب الفرد الذي تم طرده من عضوية القبيلة بالصعلوك. كذلك من الأدوار التي يلعبها مجلس القبيلة إعلان الحرب على قبائل أخرى واختيار شيخ القبيلة، أما مهام رئيس القبيلة فتُحدد بإدارة مداولات مجلس الشيوخ، وإعلان القرارات التي اتخذها المجلس لأفراد القبيلة وتولي الحكم في النزاعات بين أفراد القبيلة وقيادة القبيلة في الحرب .

وقد أدى هذا النظام السياسي من تمكين القبائل العربية المختلفة من تشكيل تحالفات وائتلافات أمنية فيما بينها؛ للمحافظة على توازن القوى بين القبائل والحيلولة بين أي منها، والهيمنة على القبائل أو التجمعات القبلية المغايرة. وقد مثلت قبيلة قريش النموذج الأصل لهذه التحالفات، حيث مكنتها من احتكار التجارة البرية ومن إقامة علاقات تجارية بحرية مع الحبشة، وأكثر ما استفادوا منه، واستغلوه لدرجة أنهم كانوا يربحون للدينار دينارا حاجة الروم الماسة إلى تجارتهم وقد تمكنوا؛ وبخاصة بعد أن عقدوا معاهدات مع مختلف القوى السياسية التي كانت قائمة آنذاك، بما في ذلك القبائل العربية القادرة على تهديد طريق القوافل، من تنظيم تجارتهم بشكل ممتاز، فمثلوا دور الوسيط التجاري بين عالمين، الأوربي والأسيوي الأفريقي، وهو وسيط ماهر قدم له الروم أسواقًا تجارية كالقلزم في مصر، وغزة في فلسطين، وبصرى في الشام، كما أنهم اتفقوا مع القبائل العربية الأخرى على أشهر يحرم فيها القتال، وتقام فيها الأسواق التجارية والأدبية في مناطق عديدة من الجزيرة العربية، مثل دومة الجندل وهجر وعمان وحضر موت فعدن وصنعاء، وكانوا ينتهون من هذه الأسواق إلى عكاظ في الأشهر الحرم . للحديث بقية !!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

واحدة من القضايا الرئيسة التي أثارت الاهتمام في الآونة الأخيرة، هي موضوعة التخلّف وما تحمله من معانٍ تمثل التخلّف الاجتماعي، والتخلّف التنموي، والتخلّف التعليمي الذي بدوره يقود الأفراد إلى وضع التهميش في مجالات الحياة الأخرى، سواء كانت اقتصادية أو سياسية. يؤثر التعليم على المجتمع، والمجتمع بدوره يؤثر على التعليم، حيث إنهما يعتمدان على بعضهما البعض لكونهما مترابطان، لا يمكن الفصل بينهما، فلا يمكن لأي مجتمع حديث أن يتطور ويتحدث او حتى مجرد المحافظة على مكانته، إذا لم يكن على قدم المساواة مع المجتمعات الأخرى في التعليم. فالتعليم يلعب دوراً مهماً في تسهيل التقدم الاجتماعي، والاقتصادي من ناحية، ونقل المعرفة وتحديثها وتطويرها من جيل إلى آخر من ناحية أخرى. وبالتالي، يصبح من الأهمية بمكان أن يتعلم الأفراد ويتحسن أداؤهم خصوصا في بيئة اليوم، التي تتغير فيها المعرفة العلمية والتكنولوجية بسرعة.

لا شك إن التعليم في العراق يعاني من أزمة تخلف مزمنة، وربما يمكن القول إنها أزمة مستعصية على العلاج، بسبب كثرة العوامل والأسباب الكامنة وراء هذه الأزمة. وقبل النظر في أسباب ومظاهر التخلف التعليمي للعراق، يُنصح بالعودة إلى التاريخ القريب، ومعرفة ما كان عليه وضع العراقيين بعد نشوء الدولة العراقية الحديثة في مجال التعليم.

في ذلك الوقت، بدأ العراقيون يتطورون في جميع مجالات الحياة تقريباً، سواء كان ذلك في التعليم، أو الاقتصاد، أو في المجال الاجتماعي والسياسي، لأنهم أعطوا أهمية للتطور الفكري وأولويات البحث عن المعرفة. وبدأ اهتمامهم بالدراسة والتعلم في الولايات المتحدة، وبريطانيا وفي أنحاء مختلفة من العالم.

وكان للتغير الاجتماعي الذي أحدثه رواد العلم، والثقافة تأثير هائل على كل من التركيب الجزئي والبنية الكلية للمجتمع العراقي آنذاك. كانت التربية والتعليم آنذاك، فعالة في إحداث التغيير الاجتماعي، وكان العراقيون يتقدمون في جميع المجالات على شعوب المنطقة. ونمت الدولة العراقية باطراد في تلك الفترة اعتماداً على المتعلمين خصوصا الدارسين منهم في خارج العراق، من حيث الإدارة، والخدمات التعليمية والصحية، بل تجاوزت ذلك الى ميدان الإنتاج المادي (كمثال بناء الصناعات، والبنى التحتية... الخ).

وكمثال على مستوى التعليم آنذاك ما يتداول عبر صفحات التواصل الاجتماعي لورقة امتحانية لمادة الجغرافيا للسادس الابتدائي عام 1926 والتي قورنت مستوى الأسئلة فيها بالمستوى الإعدادي أو الجامعي في يومنا هذا، وما رافق ذلك من ملاحظات مليئة بالآهات والحسرات على ما وصل اليه التعليم من تدني.

مظاهر أزمة تخلف قطاع التعليم في العراق

التعليم في العراق موضوع مثير للجدل خصوصاً لما بعد 2003، بحيث أصبح واضحاً إنه في أزمة في ظل المناقشات الحادة، والاحتجاجات والنزاعات، ورفض الرأي العام الشعبي للسياسات الحكومية والممارسات المدرسية لها. تتمثل أزمة التعليم في العراق بعدة مظاهر منها:

1- اصبحت المدرسة محوراً للنزاعات الاجتماعية والطائفية والسياسية، وأصبح التعليم في العراق يواجه تحديات من قبل سيطرة أحزاب دينية متنفذة على بعض المدارس، وهيمنة التعليم الديني على المناهج الدراسية، وترسيخ الهوية الطائفية من خلال أساليب عديدة منها إنشاء مدارس للوقفين الشيعي والسنّي ووضع مناهج وفقاً لطائفة المدرسة.

2- مستوى التعليم في العراق متخلف بالمقارنة بالدول الأخرى في العالم. وبالرغم من عدم وجود تصنيف دولي يضم العراق لممانعته في توفير معلومات عن اقتصاده، إلا أن الدلائل تؤكد على ذلك من خلال مؤشرات تعليمية كنسبة عدد المعلمين إلى عدد الطلبة، وعدد ساعات التدريس في السنة ونسبة الأمّية، ونسبة الهدر التدريسي، وحالة المدارس، ومعدل عدد الطلاب في الصف وكفاءة المدرّس والتدريس.

3 - ضعف المناهج وطرق التدريس من تعليم الطفل وصولاً إلى المستوى الجامعي وعدم مواكبتها التطور التربوي في العالم.

4- اتساع ظاهرة الأمّية (18% من المواطنين العراقيين لا يجيدون القراءة والكتابة).

5 - كثرة المدارس الطينية (أكثر من 2000 مدرسة تقع معظمها في محافظات ذي قار والبصرة والعمارة والمثنى والقادسية والنجف) والمدارس الآيلة للسقوط (أكثر من 400 مدرسة) والمدارس المزدوجة والثلاثية الدوام، بالإضافة الى اكتظاظ الصفوف في هذه المدارس. وبحسب وزارة التربية يحتاج العراق لنحو 9000 مدرسة جديدة في عموم البلد عدا إقليم كوردستان.

6- قلة كفاءة المعلم/المدرس: من بين أكثر من 394 ألف مدرس في العراق، هناك 74% فقط مؤهلون أكاديمياً، بينما يوجد حوالي 100 ألف مدرس لديهم معرفة قديمة ويحتاجون إلى إعادة تدريب وإعادة تأهيل.

7- قلة معدل عدد أيام الدراسة في السنة: تعد السنة الدراسية العراقية واحدة من أقصر السنوات في العالم حيث يقضي الطلاب 151 يوماً فقط في المدرسة كل عام - أي أقل بنسبة 29 يوماً من الطلاب في دول منظمة التعاون الاقتصادي، والتي تصل إلى 180 يوماً في السنة بينما يقضي الطالب 210 و220 يوماً في اليابان وكوريا الجنوبية، على التوالي.

8- النسب العالية للهدر المدرسي، فوفق تقديرات الأمم المتحدة يرتاد أكثر من ثلاثة ملايين طفل عراقي المدارس بانتظام، بينما هناك مليون و200 ألف طفل هم خارج المدرسة تماماً، وهو ما يمثل انعكاساً لهدر بشري كارثي يصيب الطفولة العراقية كما يصفه الكاتب همام طه.

9- يُجبر نظام التعليم في المدارس العراقية الطلاب للحصول على مقعد في كلية مفضلة، لحفظ كتبهم المدرسية بالكامل. لقد حقق هذا النظام نتائج سيئة للغاية. على سبيل المثال، في عام 2016، كان عدد الطلاب الذين حصلوا على علامات 100٪ في اختباراتهم للدور الاول 1158، في حين بلغ عدد الطلاب الذين حصلوا على علامات ما بين 95 و100٪ مساوياً الى 11327. رسخ هذا النظام الأسلوب البائد في الاعتماد على الحفظ من أجل تحقيق علامات كاملة.

10- الفساد المالي: تعتبر مشكلة المدارس الطينية من أبرز ملفات الفساد، بالإضافة الى الفساد المرتبط بطباعة الكتب المدرسية خارج العراق والذي كما أشار اليه أحد النواب دليل واضح على "رغبة المسؤولين بإيجاد فرص لسرقة المال العام وعدم تشجيع الصناعة الوطنية".

هل يمكن الخلاص من هذا التخلف؟

أدت أزمة التعليم التي ابتدأت منذ نهاية الستينيات في القرن الماضي الى نتائج مدمّرة من جهل وعادات بالية وتقاليد، وثقافة مغايرة بدأت تغزو المجتمع العراقي. ولم تعد الحلول الترقيعية أو الإجراءات الجزئية أو القرارات الاعتباطية، وغير المدروسة تنفع في النهوض بأوضاع المدرسة كي تضطلع بأدوارها التربوية والتعليمية لبناء الإنسان العراقي. ولن تستطيع من أذابة الجمود التربوي وإزالة أسوار الحصار الداخلي والقضاء على الفساد من دون توفر رؤية ستراتيجية للإصلاح، وتكوين مدرسة مهارات وجودة وأخلاق، وهذا يتطلب قيادات نزيهة تمنع المتاجرة بالنفوذ وإساءة استغلال المنصب واختلاس الممتلكات أو تبديدها وتحافظ على المال العام، ويتطلب قيادات معرفية تعتنق التغيير، والإصلاح وتستمع للتربويين والعلماء وتتفهم أهمية العقل والانفتاح على الثقافات العالمية.

هل هذا حلم مستحيل التحقيق في عراق اليوم؟ لربما يكون ضرباً من ضروب الخيال ما لم يتم القضاء على الفساد المستفحل في مفاصل التعليم. لذا لابد أولاً من التخلص من العوامل التي تعمل علي تغذية الفساد ومنها تركيز السلطة التربوية بيد صناع القرار وهم عملياً غير مسؤولين أمام المعلمين والطلبة وعامة الشعب، والصراع الداخلي على السلطة، وعدم وجود نظام فعال للمساءلة والمحاسبة، واحتقار حرية الرأي والرأي الآخر، والعجز المعلوماتي المتمثل في انعدام الشفافية في المؤسسات التربوية، وخصخصة قطاع التعليم بصورة غير معلنة والإلغاء التدريجي لمجانية التعليم في العراق، فضلاً عن عدم استخدام معايير الكفاءة والجودة في تعيين المسؤولين، واستخدام المحاباة والمحاصصة بدلاً من ذلك، وانخفاض رواتب المدرسين، والكلف الباهظة للمدارس الأهلية، وازدياد معدلات الدروس الخصوصية، وعدم ملائمة المرافق التعليمية وكفايتها، واكتظاظ الصفوف، والتغيرات المزاجية والأيديولوجية في المناهج وانعدام الترابط بين محتوياتها، وبيع الكتب المدرسية، بالإضافة الى غياب الرقابة الكافية للحد من الرشوة في مؤسسات التعليم. من هذا يتضح إن الحل الوحيد والعملي هو إعادة بناء التعليم مرة أخرى من خلال القضاء على الفساد أولاً، وتعزيز الاستقرار وإبعاد العناصر الطفيلية والاعتماد على الخبراء، وهذا طبعاً يتطلب أولاً الإسراع بتسمية وزير للتربية يتمتع بالمؤهلات العلمية والمهنية والنزاهة وبعيداً عن المحاصصة السياسية.

 

أ.د. محمد الربيعي

 

سارة طالب السهيليلعب الوضع الاقتصادي للأسرة دورا مهما في نشأة الطفل وتكوين طبقته الاجتماعية وفي نموه العقلي والنفسي والاجتماعي، حيث يؤثر الوضع المالي للأسرة في تنشئة الاطفال على مستويات عديدة تتصل بالنمو الجسدي والذكاء والنجاح المدرسي وأوضاع التكيف الاجتماعي.

فالوضع الاقتصادي المريح  للأسرة يضمن لأبنائها حاجاتهم المادية من غذاء، وسكن، ووسائل ترفيهية من ألعاب، ورحلات علمية، وامتلاك الأجهزة التعليمية كالحاسب، والفيديو والكتب، والقصص، كما يوفر متطلبات الصغار لتنشئة اجتماعية سليمة يشعر فيها الصغير بالأمان والطمأنينة وهو الأمر الذي يسهم في تقوية ووحدة وتماسك.

بينما قد تعجز الأسر فقيرة الموارد المالية عن توفير الحاجات الأساسية للطفل خاصة فيما يتصل بامكانيات التحصيل العلمي، والمعرفي ناهيك عن ان وجود أي نقص مالي أو عوز يؤذي الصغار في مشاعرهم الداخلية وقد يتسبب في شعورهم بالحرمان والدونية، بل انه قد يدفع في بعض الاحيان بعض الصغار الى السرقة والحقد على المجتمع.

يتنامى احساس الاطفال بالنقص عندما يضطر ذويهم الى الدفع بهم لسوق العمل مبكرا لمساعدة الاسرة وهو ما يشعر الاطفال بالحرمان رعاية طفولتهم  كما يحرمهم من فرص تربوية وتعليمية وترفيهية متاحة لاقرانهم ميسوري الحال.

الطفل العربي

حظي الطفل العربي برعاية شاملة في فترات الوفرة المالية والاستقرار الامني والسياسي خاصة في دول الخليج وقبل الازمة المالية العالمية انعكست في توفر وسائل الاشباع المادي والمعنوي والترفيهي والتعليمي، غير ان اوضاع الطفل العربي قد تغيرت كثيرا مع الازمة الاقتصادية التي طالت معظم دولنا العربية، بجانب الازمة الأمنية الناتجة عن الحروب والصراعات والتي فقدت فيها كثير من الأسر  عائلها واضطر كثير من الاطفال فيها للخروج المبكر الى سوق العمل كما هو الوضع في العراق واليمن وسوريا، بينما دفعت الازمة الاقتصادية وزيادة البطالة في مصر والسودان وغيرهما الى خروج الاطفال للعمل المبكر لمساعدة الاسرة على نفقات الحياة.

وحتى الطفل في دول الخليج بدأ يعاني من تقلص الفرص والمكاسب التي محققة له، بسبب ارتفاع الاسعار والسلع وزيادة الرسوم والضرائب على الخدمات الامر الذي أثر سلبا على قدرة الاسرة على الادخار او الاستمتاع بالترفيه مما اضطر الأسر للتخفيف من نفقات كثير من احتياجات المعيشة مثل الغذاء، أو الصحة، أو التعليم، والتنزه أو الملابس.

 

توقعات مخيفة

ومع تواصل الازمة الاقتصادية التي يتوقع خبراء الاقتصاد ان تتعمق وتزاد خطورة مطلع 2020 ، فان الأجيال المقبلة ستتعرض لعلميات افقار تعرض الأطفال للخطر في حالات الركود الاقتصادي، لأنهم قد يُنتزعون من المدارس للعمل أو رعاية الأسرة أو يعانون سوء التغذية عندما تشح الأغذية، ومن ثم تؤثر سلبا على نماء الطفل وإمكانياته في المستقبل.

وفي 2014 أكد التقرير الصادر عن صندوق الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف" أن الاطفال قد تأثروا بشكل كبير من الأزمة المالية في الدول الغنية ومن تدابير التقشف التي اتخذت لمعالجة الأزمة.

و زاد عدد الأطفال الفقراء في الدول المتقدمة بالغرب وكافة أنحاء أوروبا والأميركيتين وآسيا بنسبة 2.6 مليون بين عامي 2008 و 2012، أي زيادة زيادة العدد الإجمالي ب 76.5 مليون نسمة.

وتدهور الوضع بشكل خاص في أيسلندا واليونان ولاتفيا وكرواتيا وأيرلندا، حيث ارتفعت معدلات الفقر بين الأطفال بأكثر من 10 بالمئة. وأشارت اليونيسيف إلى أن هذه المشكلة تلحق الضرر بالميزانيات الاجتماعية و"تضعف التماسك الاجتماعي".

معالجة مخاطر الفقر

وقد أثبتت الدراسات المتخصصة أن الفقر والعوز يلعبان دورا رئسيا في حدوث  الانحراف الاجتماعي. فالفشل الاقتصادي لأسرة وعدم مقدرتها في الحصول على الدخل الذي يلبي احتايجاتها المعيشية وينعكس سلبا على تنشئة أبنائها، كما يؤدي بولي الأمر غالباً الى الهروب من المسؤوليات الأسرية وفقدان الثقة بالنفس.

امام تنامي الازمات الاقتصادية في العالم، فان حكومات عالمنا العربي مطالبة بالاسراع في وضع خطط اقتصادية تنموية تستفيد فيها من تجارب بعض الدول التي حققت نهضة اقتصادية سريعة ومتطورة مثل الصين وسنغافورة، والعمل على تطوير الصناعات الصغيرة واستثمار الميزة النسبية لكل دول عربية في اية مواد خام او ثروة معدنية او زراعية او مقومات صناعية  وتطويرها في استقطاب عدد اكبر من  الايدي العاملة.

وتكتسب ايضا عملية تغير ثقافة الاستهلاك في مجتمعنا العربي بشكل جذري بحيث يعتاد الصغار من الطفولة على طلب ما تستطيع الاسرة شراءه وهو ما يتطلب غرس القناعة في نفوس الصغار ومحاورتهم بشأن الاولويات الضرورية التي يجب على الاسرة شراؤها، وهو ما يعود الطفل على المشاركة داخل الاسرة.

ولاشك اننا مطالبون بغرس مجموعة من القيم الاقتصادية داخل نفوس أبنائنا في مقدمتهم غرس قيمة الادخار وتعويد الطفل على المحافظة على المال من خلال شراء حصالة له يضع فيها مدخراته.

والأهم من كل هذا تطوير خطة اقتصادية في حكومات دولنا العربية بتوفير اساسيات الحياة من البنى التحتية ومن متطلبات الحياة الرئيسية من مأكل ومشرب و سكن و تعليم على ان يكون بمستوى يرقى للاستخدام البشري و بمتناول يد كافة المواطنين .

 

سارة السهيل

 

مجدي ابراهيمجُزافاً أحياناً يختارون عناوين موضوعات بحثيّة ليُلقوها إلى طلاّب الدراسات العليا غير مبالين بنقد ذوي الاختصاص، وما دام الأمر موكولاً إلى غير أهله، فالوجود والعدم سيّان، والحق والباطل لا يفترقان، والصحيح والزائف مقترنان : عملة رائجة يسيغها المزيفون من ذوي الأمراض العقلية والنفسيّة بل والخُلقيّة كذلك، لا لشيء إلا لأنهم أساتذة، ويجوز للأستاذ - في عرفهم - أن يضرب بسهم في كل ميدان! مع أنه ليس بمتخصّص، ولا عرف أسرار ذلك العلم الذي يتكلم عنه، ربما يكون قد حصّل منه بعض القشور القاحلة، ولكنه لم يكتب فيه إلا الحروف الواهية من حيث لا تؤهله لأن يحكم على تفاصيله الحكم السديد المسؤول.

إنه، إذا غابت فينا القيم النبيلة - ومن العجب العاجب أن أكثرها يغيب بين النبلاء ناهيك عن الحقراء، إذ ماذا عساك تراها تكون؟! - فلن تقوم بيننا حياة منتجة تستحق نظر التاريخ أو نظر المنصف الحصيف، لأن غيبة القيم في الواقع معناه غيبتها في القلوب والعقول. وتحت هذه الغيبة تصدر الأحكام مجرد مجاملات بهلوانية لا تنتسب إلى العلم قدر انتسابها إلى عادات خربة عرفتها المجتمعات البدائية المتخلفة، ولم تستطع أن تتخلّص منها لا في ماضي الناس البعيد، ولا في الحاضر المنحوس المنكوس.

هل يصلح هذا العنوان أن يكون موضوعاً لرسالة علمية، كيف وبداياته كلها تنقض العلم وتهدم السبيل إليه من الوجهة المنهجيّة، فالذي يكتب عن القيم الروحيّة مطلق القيم ومطلق الروح، لا يفرّق بين التخصص والشمول، ولا بين الرسالة العلميّة والكتاب الذي يتناول في المجمل هذه القيم، ولا بين الخاص الممنهج والعام الشامل المطلق.

لو كان الأمر بيدي أنا شخصياً لكنت مقترحاً أن تخصص كل جامعة لجنة من أساتذة متخصصين أمناء؛ لنقد الرسائل العلمية حتى بعد مناقشتها، وتكون هذه اللجنة شبه دائمة تكتب تقريرها سريّاً غير معلن وترفعه إلى الوزير مباشرة، ليتخذ هو موقفه بين من يتقدّمون للجنة العلميّة المختصة كيما لا تكون الدرجات العلمية نتيجة حصيلة زائفة من أوراق مجمّعة لا طائل من ورائها ولا فائدة.

القيم الروحيّة موضوع مفتوح عام غير محدود، لا يصلح أن يكون بحث ماجستير أو دكتوراه، ويفتقر إلى المنهجيّة التي توظف دلالاته وأبعاده، وتقف القارئ على رؤية الباحث فيما يرى، ولكن يصلح أن يكون كتاباً؛ لأنه عام لا خاص.

وما يُقال عن القيم الروحيّة، يقال في الوقت نفسه عما يضاف إليها يأتي بعدها وينعطف عليها، ولتكن القيم الجمالية، فهذه القيم الجمالية إذا هى أضيفت إلى القيم الروحية لم تعد ذات حصيلة ذوقية يفهم منها القصد المجرّد الذي يفيد الإضافة بل صارت إذ ذاك مجرد تحصيل حاصل مقدّمة منطقية تضاف إلى مقدّمة ولا تسفر في النهاية عن نتيجة يُستخلص منها دلالة مفهومة أو معقولة حتى إذا ذكرت الجماليّة كقيم تضاف إلى الروحيّة وتنعطف عليها، فليس أبخس ولا أبعد عن الإنصاف من ذكر الجمال دون الجلال، وبخاصّة إذا تعلق الأمر بعلوم الأذواق والبحث فيها بما يناسبها من منهجيّة وتحقيق.

فما يُقال عن القيم الجمالية يقالُ من حيث العنوان عن القيم الجلاليّة، فلا يمكن فصل الجلال عن الجمال في الفلسفة الصوفية، لأنها تجليات لا ينفصل بعضها عن بعض، وبالتالي ففكرة عزل القيم مستبعدة تماماً عن واقعها الفعلي، والملاحظ أن ليس لها وجود في العنوان، ولن يكون لها وجود في المضمون الذي يشمله ويقوم عليه.

هذا أولاً .. أمّا ثانياً فهب أنك أضفت شخصيات صوفية تتحدد بها تلك القيم كان تقول مثلاً القيم الروحية عند فلان وفلان أو بين فلان وفلان وليكن مثلا النفري (354ه-) من علماء القرن الرابع وابن عطاء من علماء القرن السابع، فليس هدا بمقياس يقام عليه نظر البحث السديد فلا النّفري ولا ابن عطاء ممّن يقال عنهم فلاسفة صوفيين، فالنفري صاحب تجربة روحيّة غزيرة لا علاقة بها بالتصوف الفلسفي، يعني لا علاقة لها بالنظريّة، وإنما لها كل العلاقة بالحالة، بل اتجاهه سُنيّ محافظ معتدل، والدليل أن كتابه (المنازل) مشروح من قبل ابن القيم في (المدارج) ولو ظهر عنده أدنى اتجاه فلسفي لما قام ابن القيم بشرح أعماله، وهو وأستاذه ابن تيمية من أعدى أعداء الصوفية الفلاسفة، فكيف يُقال عن تجربة النفري فلسفة صوفية .. هذا خلط غريب يدلُ على جهل وتخبّط.

ثم أن يقال أيضاً عن تصوف ابن عطاء الله السّكندري أنه فلسفي، قول ينقض ظاهره باطنه، ويهدم أوله آخره، فابن عطا الله صوفيُّ شاذليُّ سُنيُّ لا صلة له بالنزعات الفلسفية الصوفية من قريب أو من بعيد، وأي محاولة تضيفه إلى الصوفيّة الفلاسفة محاولة محكوم عليها بالفشل الذريع والعوار العلمي.

وإذا كانت الدراسة في الغالب تدعى أنها دراسة مقارنة، فمعلوم أن المقارنة كمنهج تقوم بين فكرتين مختلفتين لا يجمعهما سياق متصل حتى تتاح للباحث المقارنة، وإلا فكيف يمكن أن تكون الدراسة مقارنة وهناك اتفاق بين الشخصيتين في التوجه والاتجاه، وفي التصنيف كذلك، أي من حيث انتمائهما إلى التصوف السّني. ناهيك عن عموم العنوان الذي ليس فيه أي بعد صوفي على الإطلاق يضيف تنوعاً معرفياً ذا قيمة يذكرها الدراسون فيما بعد.

ثم إن هناك نقطة يجدر الالتفات إليها من الوهلة الأولى خاصة بتوثيق المصادر، فلابد لنا على البداهة من التفرقة بين المصادر من حيث كونها تمثّل الأسس القديمة التي تعتمد عليها الدراسة وتمسُّ مباشرة طبيعة الموضوع المدروس تأصيلاً وتأسيساً هذا من ناحية، وبين المراجع من حيث إنها إسهامات حديثة من الدراسات التي تضاف إلى تلك الأسس القديمة تحللها وتنقدها وتبدي فيها وجهات النظر المختلفة على اختلاف المناهج المتباينة.

فإذا كانت المصادر قديمة فالمراجع حديثة، ولا يمكن أن يكون المرجع من الحداثة إلا إذا تفرّد صاحبه بجديد في موضوعه من حيث إنه يضيف جديداً رؤية ومنهجاً وربما نظراً لتناوله الموضوع بهذا الشرط يعدُّ من هذه الجهة داخلاً في المصادر.

وحيث عرضتُ هذا الموضوع للطرح والمناقشة وجدتُ من الأفاضل الكرام تعليقات تثري الحوار وتفتح أبواب النقاش المفيد ومنها تعليق الدكتور صابر عليّ حيث يقول :

(نعم أستاذنا، وبما أن عالمية القرآن تقضي بانفتاح القيم الروحيّة، فهي لا تسعها ماجستير ولا دكتوراه؛ فالقيم الروحيّة المتأصلة بالكتاب والسّنة لا حدود لها؛ لأن هذه القيم الروحيّة هى كلمات الله).

ولا شك أن تلميذنا الدكتور صابر يعوّل كثيراً على حضور هذه القيم في المصدرين الكبيرين للإسلام : القرآن الكريم وسنة رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، وحيث إن هذه القيم متسعة زاخرة في الدين الاسلامي فلا شئ يمنع حضورها الفاعل سوى الجحود. وحيث يكون هذا هو شأنها فلا يمكن أن تضيق تحت منظار الباحثين لتكون موضع بحوثهم فيما يبحثون لكأنهم يستغرقون الوقت فيما هو ظاهر حاضر واضح لبصر الشاهد العيان.

ثم جاء تعليق الدكتور أبو النور حمدي الشريف ليقول :

(القيم الروحيّة تجربة معاشة، ومن يعيش هذه التجربة غير مسموح له بالإفصاح عنها؛ لأنه لو أفصح عنها لزالت عنه فهي أمرٌ بين الصوفي وربّه. والقيم الروحيّة لا يستطيع الوصول إليها إلا من خلع عن نفسه رداء الدنيا واكتسى برداء الآخرة).

ولم يكن تعقيب الدكتور أبو النور الشريف بالذي يحصر منظومة القيم الروحيّة في غير منطقتها التي تصدر عنها أو منها. إنها فوق كونها عامة مطلقة فهي كذلك لها منطقتها التي تصدر عنها فتجعل كل ناظر يعوّل عليها تعويل النظر إلى الأصول المتجذرة الباطنة في الوعي العالي لا الوعي العادي، وإذا اتصل الأمر بالوعي العالي فهو خاص إلى أبعد الخصوصيّة عام كذلك في البذرة الإنسانية.

أما تعليق الأخ الأستاذ الدكتور مهدي عبد الله فيقول :

(أستاذنا الأديب الأريب سعادة أ.د مجدي بك إبراهيم يحفظكم الله : وماذا عن القيم التربوية؟ هل ما ينطبق على القيم الروحيّة ينطبق على القيم التربوية بخصوص ما ذكرت؟ بارك الله فيكم أستاذنا).

والحق أن هذا التعليق فتح موضوعاً ذا شعب وزاويا متعددة الأمر الذي جعلني أتناوله بطريقة أخرى تصل القيم التربوية مباشرة بالقيم الروحية، فسعادة الأستاذ الدكتور الحبيب مهدي، يعلم تماماً أن القيم التربوبية الصحيحة لا تنفصل عن القيم الروحيّة، وأن صحيح التربية غير معزول بالمرة عن عطايا الروح بل هى داعمة له بكل الوجوه. ولم تكن التربية الإسلامية في أول ظهور الإسلام تخلو من تأديب النفس وتصفية الروح وتثقيف العقل وتقوية الجسم، فهي ولا شك تعني العناية البالغة بالتربية الدينيّة والخُلقية والعلميّة والجسمية من غير أن يكون هناك تضحية بجانب منها على حساب الجانب الآخر، ألم يفتدي النبي صلوات الله وسلامه عليه أسرى بدر بتعليم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، ألم تكن من وصايا عمر بن الخطاب أن يعلّم المسلمون أبناءهم السباحة والرماية؟

وإنمّا ذكرت كلمة (صحيح التربية) لأننا نعلم كما يعلم سيادته أن الغزالي والقابسي وغيرهما ممّن أخذوا نشاطهم التربوي وكتاباتهم العلميّة والتعلمية في هذا الميدان، كانوا يعتمدون بالمباشرة على توجّهات روحيّة؛ لتكون تأسيساً تربوياً خاصّة فيما يتّصل منها بالتعليم كما فعل القابسي المتوفى سنة 403 هجرية، 1112ميلادية، ومن بعده الغزالي المتوفى سنة 505 هجرية، صاحب الإحياء.

فالتعليم يقوم على الإرادة، والأخلاق تقوم على الإرادة. ولن تتأتى الإرادة إلا بتغذية الفاعل (الإنسان أو المتعلم) بالقيم الروحيّة. لقد كانت هنالك قبل ظهور الإسلام أنواع ثلاثة من التربية تتنازع السيادة في الشرق الأوسط : الأولى التربية الفارسية، والثانية التربية الإغريقية، والثالثة التربية المسيحية، وكان لكل نوع منها طابع خاص يميزها ويعتمد على روح الفلسفة الممثلة لكل منها.

على أننا لا نجهل أن الإسلام بعد انتشاره في الأمصار المختلفة قد اتسع لأدب الفرس وفلسفة اليونان وأنظمة الروم ورهبنة المسيحية، وهو مع ذلك ظل أقوى من تلك الثقافات جميعاً متغلباً عليها جميعاً بماذا؟ بقيمه الروحيّة الباقية المستمدة من فلسفته القائمة من كتابه المؤسس، القرآن الكريم وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، حتى ليصح القول : بأن التربية الإسلامية برزت على ما عداها، وأصبحت ذات خصائص واضحة المعالم بارزة السّمات، لأنها تأسست على قيم الوحي العليا، ولم تكن مؤسسة على نظرات خارجة عن المضمون الديني الإسلامي.

وإذا كانت التربية تتأسس على الفعل العملي التطبيقي بحيث يكون لها ثمرة واضحة في الفرد وفي المجموع على السواء، فليس أفعل فيها ولا أقدر من قيم الروح الباقية التي من شأنها أن تصل العمل بالمصير، وأن تربط الحاضر بالغاية البعيدة، وأن تنشد الإخلاص مع وحدة القصد.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

مجدي ابراهيملم تخل النفس الإنسانية في حظها الوفير من اهتمام القرآن؛ فمباحثها فيه أوسع من أن تحيطها مقالة أو إشارة عارضة؛ فإنّ النفس التي سواها الحق، فألهمها فجورها وتقواها، لهى هى التي حظيت بمباحث لا نستوفيها في عبارات عارضة أو إشارات مقتضبة.

يعطي القرآن ومضات لامعة لجوانب من توجُّهات النفوس، وفي كل ومضة بارقة تستطيع أن ترشدك إلى خصائص تلك النفوس على اختلاف أقدراها؛ فالضالون لهم صفات وسمات، والمؤمنون لهم صفات وسمات، والعالمون لهم صفات وخصائص وسمات، والعاقلون والمتفكرون والسامعون والموقنون وأولو النهي وأولو الألباب وأولو الأبصار، كل أولئك وما دونهم، لهم في القرآن أقدراهم وتوجهاتهم وخصائصهم وسمات نفوسهم.

وأدنى إطلاع على الآيات القرآنيّة يُوحي بالحظ الوفير الذي والاه القرآن اهتماماً بالنفس الإنسانية، وارتقاءً بها إلى حيث معرفة الخالق ومحبته وموالاته. ناهيك عن ضروب التقسيم الذي حَفيّ به القرآن بين نفس أمارة ولوامة ومطمئنة وراضية ومرضية ممّا هو معروف متاح لقارئ الكتاب الكريم؛ فلا يعوّل معوّل على الإهمال وهو معد العدة للبحث في جوانب هذا الموضوع.

غير أننا نركز هنا على الخاصّة الذاتية للقرآن كونها تجعل من تحويل النفس من حال في الحياة إلى حال آخر ، خصوصية فريدة؛ لتمضي بها إلى سواء : استقامة عادلة لا تنازع فيها ولا خطوب ولا مصارع تواتيها أو تقف دون موالاتها للحق على التحقيق.

ولم تكن النفس الإنسانية في ملكوت القرآن بالأمر المهمل الذي يسقط معه الإنسان في مستنقع الغفلات؛ فبالقدرة والإرادة يمكنه أن يغلبها فتعليه، وبالخمول والتكاسل والسلبية يسقطها ويدنيها فترديه : هو مالك لنفسه إذا شاء، وتملكه إذا لم تكن لديه مشيئة. ولا ريب في أن غلبة النفس عسيرة، ولكنها إذا جُوهدت وتيسّرت فكل شيء أمامها مغلوب.

ولمَّا كانت نفوسنا الضعيفة نفوساً خربة تشاء الكسل وتأنف من بذل المجهود، تشاء المتعة وتمتنع عن الإقلاع، تشاء الرذيلة وتمتنع عن الفضيلة، تشاء الرغبة وتمتنع عن الإحجام، تشاء الأكل الكثير والراحة والنوم وتمتنع عن الجوع والمشقة والسَّهر، تشاء إتباع الهوى والشهوة والشيطان وتمتنع عن حظيرة الله والاستقامة والإيمان.

لما كانت نفوساً هذه أحوالها في الغالب وتلك أوصافها، فلن يكون خير لها ولن يتم، ما لم يَردُّها صاحبها بعزم الأمور عن بعض ما تشاء. والأصلُ في ذلك كله هو الصبر جهاداً والتحلي تَصَبُّراً بأطيب الفضائل وأكرم الأخلاق.

وتأتي رسالة القرآن لتقول :

ما لم تتحوّل النفس عن ركامها المتراكم الدفين، إلى حياة تتلقَّاها من أعلى، ما لم ترتحل من جسد يطويها وكثافة تشملها، فإنها لن نتحقق أملها المنشود في الخُلاص. فالتغيير الذي يتمُ في الواقع لابد أن يكون قد سبقه تغيير قد تمَّ فعلاً في النفس؛ لأن الواقع لن يغير نفسه بنفسه، فلا مناص من وجود أشخاص غيروا من أنفسهم أولاً، وارتحلوا عن طباعهم ثانياً، فاستجاب لهم الواقع ثالثاً، فحققوا ما كانوا يؤملونه من نشدان الخلاص رابعاً.

وتلك هى إحْدى ركائز الذاتية الخاصَّة للقرآن : قدرة التغيير في الواقع بعد التحويل في النفس.

والتعلُّم والاكتساب في البداية هما بالطبع من أهم الصفات المؤهلة لطالب القرآن. التعلم بداية معرفة بأولوَّيات تلك الخاصة الذاتية كما قلنا؛ لأنه اجتهاد وممارسة وسلوك في إطارها يلزم عنها بالضرورة، ويجيء الاكتساب شروعاً في التطبيق لذاته لا لغيره، أي شروعاً في تحويل النفس من مكانها الذي اعتادت أن تقف عنده ولا تتجاوزه؛ ليجيء"التحويل" دليلاً على وضوح السبيل من طريق فهم القرآن :

تحويل النفس من وجهة في الحياة إلى وجهة أخرى، يُرَادُ به تنزُّل القرآن من جديد، لا على الاستماع لحروفه ونغماته كما كان يسمع بالعادة قبل أن تتحوَّل النفس، بل لكأنه يُسْمَعُ لأول مرة بعد التحويل؛ إذْ في كل ترديد لكل حرف من حروفه مكسبٌ جديدٌ من إثمار الخاصَّة الذاتية في النفس بعد التحويل، فهذا الإثمار يتأتى من طريق التذوق المعرفي بخصائص القرآن التي يُضْفِيَها على النفس بعد أن كانت تَبَدَّلت خصائصها وتغيَّرت توجهاتها في الحياة من جانب إلى جانب مناقض له، ثم انفردت بأن تعقل ما طرأ عليها من تغيير من جهة، ومن اكتمال في مراحل تطورها الروحي من جهة أخرى.

ولا شرط لهذا الاكتمال غير شرط "التَّذَوِّق": التذوق الرفيع لمدلول الآيات تذوقاً مُوَفّقاً يجيءُ معه "التحويل" إلى الأرقى والأعلى صفةً خاصَّةً لكل تدبُّر تسقط معه الغفلة ويسقط السَّهَيَان، وترتفع فيه على الإطلاق ملكات التذوق ومواهب الحضور. وفي مثل هذا الارتفاع لملكات التذوق والحضور بين يدي الله تكون "الحلاوة " هبةً وعطيةً يُذيقها الله أهل التَّقَوَى؛ فإن كلامه ربيع قلوب الأبرار، يثقل فهمه على من تَعَطَّل قلبه.

وأسوقُ لك مثالاً على تلك الدرجة التي هى بلا ريب درجة المُقرَّبين الأبرار، والتي أخبر عنها الإمام "جعفر بن محمد الصادق"، رضى الله عنه، حين قال :" والله؛ لقد تجلى الله عز وجل لخلقه في كلامه، ولكنهم لا يبصرون".

وقال أيضاً وقد سألوه عن حالة لحقته في الصلاة حتى خَرَّ مغشياً عليه، فلمّا سُرِّيَ عنه (أي أفاق من غشيته)، قيل له في ذلك، فقال:" مازلتُ أردِّد الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها، فلم يثبتْ جسمي لمعاينة قدرته ...".

من هنا ندرك أهمية التكرار لآيات القرآن كونه ذكراً، لكن هذا التكرار عمل باطني خفيّ، علاقة مع المعيّة، توجُّه، لا يكون باللسان وكفى بل بالقلب أيضاً. والتكرار القلبي يجيء بعد المجاهدة والتصفية والمراقبة والحضور بين يدي الله، فيلزم لحصوله اشتغال العبد بالأعمال القلبية.

والساعةُ التي يكون فيها "الحضور"، وتبدو فيها علامات "التحويل" لهى هى الساعة التي تأخذ من معدن النبوَّة مددها، فيقترب الذي يتذوَّقُ القرآن فهماً، بمثل ما وصفنا فيما تقدّم، على بصيرة وهدى من مشكاة النبوَّة؛ لكأنما كان فَضْلُ التنزيل الإلهي ممدوداً من عين الإتباع لسيد الخلق، صلوات الله وسلامه عليه؛ كما في قوله تعالى من سورة آل عمران:" قُلْ إن كنتم تحبّون الله فاتبعوني يحببكم الله"؛ فوحدة الشعور التي تتجلى سرَّاً من أسرار القرآن بالمعيّة الإلهيّة هى في الأصل وحدة شعور بالحقيقة المحمديِّة، فلا غرابة من بعدُ في شعور الشاعر بوحدة القصد في تجليات القرآن.

وقد قال رسول الله عليه السلام:" مَنْ قرأ ثلث القرآن أعطى ثلث النبوَّة، وَمَنْ قرأ ثلثيه أعطى ثلثي النبوة، وَمَنْ قرأ القرآن كُلَّهُ أعطى النبوة كُلُّها".

ربما كان المقصد من وراء هذا، إنْ جاز لنا أن ندرك مقاصد النبوة على الوجه الذي كانت فيه مقاصدها صاعدة إلى تحقيق فهم وإثارة وعي، هو أن قارئ القرآن يزدادُ قُرْبةً من شرف النبوة بفهمه لمعاني القرآن ومقاصدها، وليس الفهم ها هنا فهماً سكونِيَّاً مُغْلقاً للمعاني وللمقاصد مجرّدة عن لواحقها العمليّة، بل هو فهمُ مُتحرِّكُ حيُّ لواقعها في هذه الحياة : فهمُ حركيُّ مفتوح : أعني قدرة التغيير في الواقع بعد التحويل في النفس.

ولا يتمُّ رَدُّ النفس وتحويلها من حال في الحياة إلى حال إلا بعزم الأمور؛ أي بالصبر الموصوف من قبل طاووس العلماء أبي القاسم الجنيد : بتجرّع المرارة من غير تعبيس .

والصبر كله فضيلة كبيرة هو على الحقيقة "عزم الأمور". لم ترد "عزم الأمور" في القرآن الكريم إلّا في ثلاث مرات فقط، ولعَلَّ الدلالة فيها أنها عزيزة لنُدرتها وندرة من يأيتها، هى "الصبر" : نصف الدين حقيقة لا مجازاً.

الأولى : في آل عمران:" لتُبلَون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً، وإنْ تصبروا وتتقوا، فإن ذلك من عزم الأمور".

والثانية: في لقمان:" يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنْه عن المنكر واصبر على ما أصَابَك، إنَّ ذلك من عزم الأمور ".

والثالثة : في الشورى:" ولمن صَبَرَ وَغَفَرَ؛ إنَّ ذَلَكَ لمَن عَزَمِ الأمُوُرِ ".

انظر إلى هذه الآيات الكريمة وتدَبَّرها جيداً تجد الصبر في الآية الأولى، صبراً على البلاء في النفس والمال وسماع الأذى ممَّن لا يعرف رقابة الله عليه، فاحتساب ذلك كله من شئون الصبر وأمور التقوى، وتسليم الأمر كله ظاهره وخافيه لله، كل أولئك من العزائم التي لا يأتيها إلا أصحَّاء الضمائر وأصحَّاء القلوب.

وفي الآية الثانية؛ ترى الصبر مقترناً بإقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على المصائب ظاهرها وباطنها، إنمّا هو جهاد ذوي العزم ممّن تخلق بالأخلاق النبوية، فإن من يأتيها يأتي في الوقت نفسه عزم الأمور.

وفي الآية الثالثة؛ ترى الصبر مُفْرَدَاً باعتباره نصف الدين حقيقة كفيلاً وحده لمن تحقق به أن يكون ممَّن عَزَمُوا الأمور، حتى إذا أضيف إليه الغفران من أجل الله وكفى، دَلَّ ذلك من أول وهلة على أن الصبر والغفران وقلة الجزع أو عدمه من خُلق الأنبياء الذين يعرفون أن الأمور كلها بيد الله فيوكلون إليه حالهم ومآلهم ثم يَسَلِّمُون ويحتسبون.

"مصدر الأخلاق الجميلة؛ كما قال الأستاذ العقاد في كتابه (الفلسفة القرآنية) : هو "عزم الأمور" كما سَمَّاه القرآن وهو مصدر كل خُلق جميل حَثَّتْ عليه شريعة القرآن".

عزم الأمور نيةٌ في القلب خفيّة، وقدرةٌ في المنع قوية، وردٌّ للنفس عن بعض ما تشاء. وليس من شك أن مجاهدة الصابرين تورث غماً، ولكن مَا من غَمّ إلا وفي أطرافه بلاء، والبلاء ضربٌ من الحب؛ إذْ كان الحب ضرباً من تجلى المحبوب،

ولك أن تقرأ قوله تعالى : " لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعون من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور". وقوله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا أصبروا وَصَابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون"؛ لتجد في الصبر والمصابرة وفي الرباط والتقوى أمراً يتواصى بتطبيقه المؤمنون؛ لأنه فوق كونه علامة على الهمّة القوية العالية وثبات العزم من جهة، تأكيدٌ على الإيمان من جهة ثانية، ففي الصبر حبس النفس على المكاره، وجهاد الهوى من أجل العبادة. وفي المصابرة قوة تزيد الصبر حتى ليغلب بها الصابرون أعداؤهم. وفي الرباط قيام على الحدود وتأهب للجهاد. والتقوى إيمانٌ بكل هذا؛ وأصلٌ لكل هذا.

والإيمان الحق عزم لا يعرف طريقه إلى خذلان صاحبه إذا كان صاحبه على فضائل الصبر والمصابرة وعلى عزائم الرباط والتقوى، فمتى اقترن الإيمان بثبات العزيمة مقدار اقترانه بتلك الفضائل فهو الفلاح بعينه. وإنك لتجد في قوله تعالى:" وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها"؛ توكيد الأمر بالصلاة وتوكيد الاصطبار عليها طاعة للأمر. والأمر بالصلاة والاصطبار عليها هما معدن الإيمان يتأصل في الوجدان الديني بالكيفية التي يتأصل فيها الشعور بالتبعة. ولا بقاء عندنا للوجدان الديني ولا قيمة لشعور الشاعر بضخامة التبعات ما لم يكن الأصل في هذا وذاك هو يقين الإيمان بل هو حق اليقين في الإيمان.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

منى زيتونمن البداهة أن أتلقى جوابًا بالإيجاب على السؤال المطروح المعنون للمقالة، بل وغالبًا سيتعجب من يقرأ العنوان أن مثل هذا الموضوع مطروح للنقاش من الأساس! فالمفترض أن تدفعنا الإنسانية أن نسعى قدر ما نستطيع في سبيل إنقاذ الملاحدة من النار، التي نعلم حتمًا كما أخبرنا ربنا –وبعيدًا عن سفسطة المتفذلكين- أنها ستكون مصيرهم؛ لأن عملهم في الدنيا قد حبط بكفرهم. ولكن لي رأي آخر أنوي عرضه في هذا المقال لأنه أرقني حتى توصلت إليه.

وكي أكون أكثر دقة، فالملحدون الذين أعنيهم في هذه المقالة تحديدًا هم الدهريون الرافضون لفكرة وجود خالق للكون. ‏﴿‏وَقَالُوا مَا هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْرُ‏﴾‏‏ [الجاثية: 24].

يقول الله عزَ وجلَ في كتابه العزيز، في وصف حال هؤلاء الأقوام، الذين أصبحوا يُعرفون في عصرنا باسم الملحدين، مقررًا أنهم لا تُرجى هدايتهم:

‏ ﴿‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ‏﴿‏6‏﴾‏‏ خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ‏﴿‏7‏﴾‏‏‏﴾‏‏ [البقرة: 6 ،7]

‏ ﴿‏وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا‏﴾‏‏ [الإسراء: 82]

‏ ﴿‏قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى‏﴾‏‏. [فصلت: 44].

فهل ظلمهم ربهم سبحانه وتعالى –وحاشاه-؟!

يقول أصحاب القلوب الرقيقة إن هؤلاء قد أوصلتهم عقولهم القاصرة إلى تلك المواصيل، وينبغي أن نساعدهم ونكرر ونُلح لإعادتهم إلى جادة الصواب، أما أنا فأرى أنه بما أن الله تعالى قد خلق الإنسان من عقل وقلب وروح وجسد، فلا بد من التعامل معه على أنه خليط من ‏كل هذا دون تجاهل لأي مكون.

والمسيحية ركزت على القلب في التعامل مع أتباعها وبث الإيمان فيهم، ولا نجد فيها دعوة واضحة ومتكررة لاستخدام العقل؛ لأن ‏العقل لن يقبل الثالوث ولأنهم ينزهون الفضلاء عن الرغبات الجسدية، وقد تسبب هذا للغرب في ‏الوصول إلى انتشار الإباحية الجنسية من جهة وانتشار الإلحاد من جهة أخرى!

بينما الإسلام، وبالرغم من أنه يؤكد على قيمة العقل كمكون هام من مكونات الإنسان، وقد حثنا ربنا على استخدامه وميزنا به، لكن ‏الإنسان ليس عقلاً فقط من وجهة النظر الإسلامية، ولو تعاملنا بالعقل فقط لفقدنا روح الإيمان، ثم إن العقل الإنساني يتفاوت ‏حظ البشر فيه، فكم من حمقى وضعاف العقول، وكم من مفكرين وعلماء وجهابذة اختلفوا في ‏مسائل وكل كان له دليله ووجهة نظره المعتبرة، فالعقل الإنساني ناقص، والتعويل عليه وحده لا ‏يكفي.

‏ ﴿‏ …. الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ‏﴾‏‏ [الأنفال:65]

‏ ﴿‏وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ‏﴾‏‏ [الملك: 10]

ومن ثم فإنه رغم أن الملاحدة –كما أراهم ويراهم غيري من المؤمنين وكما أخبر عنهم ربنا- لا يعقلون ولا يفقهون، فإن ضعف العقل وحده ليس معفيًا لهم من عاقبة الإلحاد، ولا ملزمًا لنا بنقاشهم.

هناك بسطاء لا يدركون الله بعقولهم، ولكنهم يدركونه بأرواحهم. لن يستطيعوا أن ‏يردوا على أي تساؤل فلسفي عن الله والخلق والكون، وقد لا يفهمون صفات الله عندما تشرحها لهم ‏من وجهة نظر الأشاعرة أو المعتزلة، ولكنهم يعرفون أن لهم ربًا يدبر لهم أمورهم‎.‎

إن الطريق إلى معرفة الله سهل وميسر، والإنسان مفطور على أن يعرف ربه، والله تعالى قد بث في الملاحدة من روحه كسائر البشر، والروح هي طريقنا الفطري لتذكر الميثاق الذي واثقنا به سبحانه.

‏ ﴿‏وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ‏﴾‏‏ [الأعراف: 172]

بينما تقرير أي شريعة هي الصحيحة ليتبعها الإنسان أصعب كثيرًا من التيقن من وجود الله.

ولعل أجمل ما في حرب الإيمان والإلحاد أنني أرى المؤمنين بالله وبالخلق من أبناء الديانات السماوية يتترسون في خندق واحد، وينقلون عن بعضهم البعض.

ولكن إدعاء التعويل على العقل فقط، ثم إدعاء تعارض الإيمان مع العقل صارا من صرعات عصرنا، كما صار التعالم والحديث المتبجح عن العلوم من قبل الجهلة يسد عقدة النقص التي انتشرت لدى كثيرين؛ فالعلم يحتاج إلى مجهود وقدرات عقلية لا يملكها كثيرون، والأسهل بالنسبة لهم أن يتفلسفوا ويدعوا ‏تصديق ما لا يفهمونه من العلم الزائف مما يُشيعه رءوس الملحدين لنشر فكرة تعارض العلم مع الإيمان بوجود خالق.‏

‏‏ ﴿‏فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ‏﴾‏‏ [غافر: ‏‏83]

كما لم يعد هؤلاء الملحدين في عصرنا يستخفون بإلحادهم كما كان حال سابقيهم، بل صار الإلحاد دينًا جديدًا يبشرون به.

‏﴿‏يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ‏﴾‏‏ [الصف: 8]

ولا يتوانون عن بذل الجهد في عملية التبشير تلك بكل السبل؛ بالكذب على العلم وكتابة المقالات الزائفة التي تبث سمومهم، إضافة إلى الهرتلة والكلام الفارغ من كل قيمة ومعنى عندما تُقام عليهم الحجة في النقاش، فهم يسعون لجمع أكبر عدد معهم في ضلالهم، فربما يهدئ ذلك شيئًا ما من اضطراب نفوسهم.

‏ ﴿‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ‏﴾‏‏ [فصلت: 26]

‏ ﴿‏مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا‏﴾‏‏ [غافر: 4]

‏ ﴿‏وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ‏﴾‏‏ [غافر: ٥]

‏ ﴿‏زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا‏﴾‏‏ [البقرة: 212]

من ثم، فربما أن من ينبغي أن نكترث لهم فقط هم الملحدون حقيقة بحكم النشأة. هؤلاء ممن لم يخطر ببالهم احتمال أن الله موجود ‏حتى يناقشوه؛ فيكون علينا كمؤمنين أن نعرض عليهم ما يثير استفسارات بأذهانهم تدفعهم إلى البحث عن الحقيقة، أما المتفلسفون المبشرون بالإلحاد فقناعتي أن هؤلاء بما أنه قد ضُرب على سمعهم وعلى أبصارهم فهم لا يفقهون، بعد أن أنكرت أرواحهم معرفة ربها، فإعارتهم الانتباه يمثل إعطاء قيمة لهم لا يستحقونها، لذا قررت أن أكون ممن وصفهم الله في كتابه الكريم ﴿‏وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ‏﴾‏‏ [القصص: 55].

فإن كانوا يريدون أن يذهبوا إلى الجحيم فهذا شأنهم؛ والله سبحانه قد قطع معذرتهم بإرسال الرسل. ‏﴿‏رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ‏﴾‏‏ [النساء: 165].

والرسالات قد خُتمت بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي قال الله عنه: ‏﴿‏وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏﴾‏‏ [الشورى: 52].

وهو أحرص الخلق على هدى العباد. ‏﴿‏لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ‏﴾‏‏ [التوبة: 128].

ومع ذلك خاطبه الله عز وجل في كتابه العزيز قائلًا: ‏﴿‏إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ‏﴾‏‏ [النحل: 37].

والسموات مفتوحة، والمعلومات متاحة، وكل شخص بإمكانه الوصول للمعلومات التي يريدها إن أرادها حقًا، ومن يريد أن يصل للحقيقة لن يضل السبيل، فالله أجلّ من ألا يهدي من بحث عنه. أما من استحب العمى فلن تهديه رسالات الرسل، ولن يؤثر فيه إيضاحنا لأي شيء، حتى لو استعنا في محاولة إقناعه بالحقائق العلمية التي يدعي قيمتها بالنسبة له.

وأعتقد أن الأمر قد وصل في حرب الإيمان والإلحاد إلى منافسة في تدوين الردود على ما يسوقه الفريق الآخر، وإجابة المؤمنين على شبهات الملحدين، مع تيقن كل فريق أن كل ذلك الجهد لن يؤثر في رأي أحد من المعسكر الآخر، وأقصى ما يمكن توقعه هو أن يقلق أحد أعضاء الناديين الكبيرين مما طرحه المخالفون، موقنًا أنه سيجد إجابة لدى أعضاء ناديه إن عاجلًا أو آجلًا، ولكن دون أن يغير أحد موقعه.

 

د. منى زيتون

 

رحيم الساعديبقلم: أوليفر ليمان - جامعة أكسفورد

ترجمة د.رحيم الساعدي

***

مصطلح "الفلسفة الإسلامية" هو بحد ذاته مصطلح مثير للجدل، لأن هناك العديد من الطرق لضبطه، ومن الصعب القول إن الفلسفة الإسلامية لا يمكن أن ينفذها إلا المسلمون، فقد كان هناك الكثير من المسيحيين واليهود الذين التزموا بالتأكيد بالعديد من تقنيات ومبادئ الفلسفة الإسلامية دون أن يكونوا مسلمين.

هناك من يفضل التسمية "العربية" لأن هذه كانت بالتأكيد اللغة العلمية للعالم الإسلامي خلال الفترة الكلاسيكية، وكانت معظم الفلسفة الإسلامية مكتوبة فيها، لكن قد يكون من المضلل الإيحاء بأن معظم الفلاسفة كانوا عربًا، في حين ان الواقع، كان العكس تماما. 

نسبة عالية جدا من الفلاسفة الإسلاميين - على نطاق واسع -  كانوا ولا يزالون من العالم الثقافي الفارسي، ومن المحرج تسمية الفلسفة الإسلامية الفلسفة العربية، بالنظر إلى أن الكثير منها لا يتحدث باللغة العربية على الإطلاق.

 قد يبدو أن هذه المشكلات تتعلق باللغة فقط، ولكن غالبًا ما تُعتبر طبيعة المؤسسة ككل قضية إشكالية بمعنى أن الكثيرين يعتقدون أن الإسلام لا يحتاج إلى فلسفة، وأن الفلسفة لا تحتاج إلى الإسلام. ومع ذلك، هناك ثلاثة أنواع رئيسية من الفلسفة الإسلامية الكلاسيكية. هناك   فلسفة في التقاليد (المشائي) التي تصور نفسها كثيرا على الفكر اليوناني ومفهوم أوسع من العقلانية. ثم هناك فكرة إشراقية أو فكرية تميز نفسها عن المتصوفة وتستخدم مفهوم الضوء كأداة مفاهيمية رئيسية. أخيرًا، هناك تفكير صوفي أو وجود صوفي يفهم أن "الفلسفة" هي بمثابة استفسار ديني أساسي وتفسير للتجربة الدينية الشخصية.

وعلى الرغم من أن هذه التنوعات غالبًا ما تكون متميزة عن بعضها البعض، إلا أن العديد من الفلاسفة الإسلاميين كانوا يتابعونها بشكل مباشر، بحجة أنها كانت مناسبة لمستوى مختلف من العمل النظري.

على سبيل المثال، تعمل الفلسفة التي تسير وفق خطوات الفلسفة اليونانية من خلال التأكيد على أهمية العقل، ويمكن اعتبارها محدودة بالقياس الى التجربة الدينية، مع هذا فهي مهمة للفلسفة الصوفية.

و يمكن أن تؤخذ الصوفية لتمثيل شكل أكثر تقدماً من الفكر الفلسفي اذ شكل نموا في القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي، عندما بدأت ترجمة الأعمال اليونانية إلى العربية وأسفرت عن التزام بالمنطق والعقلانية كوسيلة لفهم القضايا النظرية، حتى مع تلك التي يعد مصدرها الدين وكان رد الفعل يأتي بأشكال الفكر الإشراقي، وقد انتقدت تلك الأخيرة المفهوم اليوناني للعقلانية، وبالتحديد التعريف، بحجة أن ذلك بحد ذاته فكرة غير مفهومة على نحو ما ، وهو تأويل سيء (للغاية) لفكرة علمية عامة  ويستبدل المفكرون الضوء وهو لغة الموضوع (او الهدف) بلغة من النور والظلام، حيث تضفي حقيقة العالم على نفسه شمولا و حيوية ودرجات من الومضات النسبية وكان مؤسس مدرسة الفكر هذه هو السهروردي ، وقد تابعه بشكل كبير العالم الثقافي الفارسي والى يومنا هذا.

أخيرًا إن الصوفية هي محاولة لرؤية الفلسفة كمؤسسة روحية وقد نجحت حتى يومنا هذا ، في حين انتهى تقليد الفلسفة إلى حد كبير في العالم الثقافي العربي بموت ابن رشد عام 595/1198 م ، على الرغم من أن النهضة الإسلامية الحديثة ، النهضة ، غالبًا ما تعتبر ابن رشد حليفها الفكري.

 

.......................

ملاحظة : الآراء الواردة تمثل وجهة نظر المفكر المُترجم له

 

علجية عيشيرى محمد إقبال أن الإنسان مطالب في هذا الوجود بأن يتعامل مع العالم، ويتكيف معه، ولا يقدر على ذلك إلا إذا غيّر ما بنفسه أولا، والإسلام في نظر محمد إقبال ليس رهبنة بل "دستورا" كليٌّا يحدد للإنسان ما له وما عليه، ويرى أنه في الوقت الذي لا يلقى الضعيف رحمة من أحد في العالم الدولي، والقويُّ وحده هو الذي ينال الإحترام، على شعوب الإسلام أن تتحرر وتستقل لتقيم دولة، ويعيب محمد إقبال  على جمهور المسلمين المتمسكين بالقديم بأنهم لم يدرسوا الفقه دراسة نقدية لأن مثل هذه الدراسة تمس الناس جميعا

لم يخلق المسلم ليكون تابعا لغيره ويندفع مع التيار ويساير الركب البشري في مساره واتجاهه، فهو خُلِقَ ليوجه العالم والمجتمع والمدنية وليفرض إرادته واختياراته عليها، لا يخضع،  بل يقوم بالثورة فيصارع  ويعارك، في حديث روحي ( مناجاة) مع الله يقول رجل الإصلاح محمد إقبال: سألني ربّي: هل ناسبك هذا العصر وانسجم مع عقيدتك ورسالتك؟ قلت: لا يا ربي، قال: فحطمه ولا تبال "، ولذا يؤكد محمد إقبال أن المسلم هو منبع التغيير والتجديد والإصلاح في التاريخ، وهو مصدر سعادة البشرية وراحتها في العالم، والمسلم والمؤمن يختلف كل واحد منهما عن الآخر، فالمؤمن يختلف عن المسلم في أنه إذا نادى الآفاق بآذانه أشرق العالم واستيقظ الكون، ويهتز له العالم المظلم فيحوله إلى نور، لأنه صاحب رسالة كبرى وأمانة عظمى هي "الخلافة" التي خصّه بها الله تعالى.

  يقول محمد إقبال: " المسلم الرّباني ليس شرقيًّا ولا غربيًّا ليس وطنيًّا دلهيا ولا أصفهانيا ولا سمرقنديا، إنما وطني العالم كله، والمسلم المؤمن عند محمد إقبال يحمل صفات الله ومتخلق بأخلاق الله، وفي ذلك يقول: "إن المؤمن هو الميزان العادل والقسطاس المستقيم، به يعرف الحسن من القبيح، وبه يعلم رضى الله وسخطه، يشتد غضبه للحق، وتشتد ثورته على الباطل،  ويشبه محمد إقبال المسلم بالشمس التي لا تغيب، فهي إن غابت في جهة طلعت في مكان آخر، والإنسان الكامل عند محمد إقبال كائن اجتماعي مرتبط بالجماعة ولا يمكنه أن يكون خارجا، ويقول: "الموجة هي موجة داخل النهر وخارجه لا تكون شيئا"، La vague est vague a l’interieur de la riviere en dehors elle n’est rien،  ولذا يرى محمد إقبال أن شخصية الإنسان الحقيقية ليست أشياء، بل سلسلة من الأفعال، وفي ذلك يقول: " وحقيقتي بتمامها في منزع تدبيري"، ثم يخاطب الأخر ( أنتَ) فيقول له ( لكَ)  فأنت لا تستطيع أن تدركني بوصفي  شيئا في مكان أو في مجموعة في تجارب في نظام زماني، بل يجب أن تفسرني، وأن تفهمني وأن تقدرني في أحكامي وفي منازعي الإرادية وفي أهدافي وآمالي".

ففكر محمد إقبال هو فكر المسلم الرافض أن يكون  المسلم المعاصر صورة الأوروبي المعاصر ورفض الإقتباس الأعمى من قبل المسلمين لفكر وعلم وثقافة الغرب الأوروبي الغازي، والتغير في العالم عنده لا يحصل بعيدا عن الإنسان، فهو الذي يحركه (اي الإنسان) للتلاؤم بين ذاته وبين مقتضيات ومستلزمات هذا التغيّر ويحرك في الإنسان دائما قوة الدفع للتغلب على ما يواجهه من ظروف ومعطيات جديدة، وفي هذا فالإنسان مطالب في هذا الوجود بأن يتعامل مع العالم، ويتكيف معه، ولا يقدر على ذلك إلا إذا غيّر ما بنفسه أولا، يقدم محمد إقبال تركيا كنموذج، باعتبارها الأمة الإسلامية الوحيدة التي  نفضت عن نفسها أسباب العقائد الجامدة واستيقظت من الرقاد الفكري، وهي وحدها التي نادت بحقها في الحركة العقلية، وهي وحدها التي انتقلت من العالم الثالث إلى العالم الواقعي، تلك النقلة التي تستتبع  كفاحا مريرا في ميدان العقل والأخلاق، أمّا باقي الشعوب الإسلامية فهي تعيش على التكرار (الإجترار) والآلية، فالتركي،  الحياة عنده تتحرك وتتغير وتنمو وتلد رغبات جديدة، وهو يدعو إلى حرية الفكر في الإسلام، يحذر  محمد إقبال في نفس الوقت من أن تكون هذه الحرية سبيلا إلى الإنحلال خاصة من فكرة القومية الجنسية السائدة في العصر الحديث، في سؤال طرحه إن كانت شريعة الإسلام قابلة للتطور أم لا؟، يستشهد محمد إقبال برأي المستشرق هورتن  الذي يرى في ظهور الفرق الدينية دليلا على مرونة التفكير الإسلامي، ويؤكد هذا المستشرق أن روح الإسلام رحبة فسيحة بحيث أنها تكاد لا تعرف الحدود، ولذا يعيب محمد إقبال  على جمهور المسلمين المتمسكين بالقديم بأنهم لم يدرسوا الفقه دراسة نقدية لأن مثل هذه الدراسة تمس الناس جميعا.

فماذا عن حرية النقد؟ والجواب أن محمد إقبال يدعو إلى ممارسة النقد، وأن يتحلى المسلم بروح نقدية لبلوغ أسمى مراتب التجديد والتطور، وبدون نقد لا يمكن أن نبلغ هذه المراتب، فكلما فتحت مسالك  جديدة للفكر، كلما أمكن الوصول إلى آراء أخرى، ويبين محمد إقبال قيمة النقد في تطوير المعرفة وبناء الحضارة وتحريك التاريخ، ولدا اهتم محمد إقبال بمشروع الإصلاح، وأراد بالإصلاح الفكر لا الدين من احل الإنتقال بحياة المسلم من حياة الركود والإنحطاط إلى جو الحركة والتقدم والإزدهار، للإشارة أن محمد إقبال كما وصفه الدكتور جيلالي بوبكر في كتابه "الإصلاح ونظرية الحضارة في فلسفة محمد إقبال" يعدُّ واحد من قادة الفكر والتجديد في العالم الإسلامي الحديث، رسم لفلسفته الإصلاحية هدفا هو إخراج الفكر الإسلامي من عالم التخلف والإنحطاط والسير به نحو النّماء والإزدهار في معترك حضاري وصراع ثقافي بين عالم متخلف فكريا وحضاريا والعالم الإسلامي جزء منه، وعالم متقدم علميا وتكنولوجيا بيده حضارة متطورة هي الحضارة الغربية التي بسطت يدها وسلطانها على العالم أجمع بفكرها وثقافتها المعارضة في العديد من الأمور، لم يكن مفكرا مصلحا فقط بل كان  ناقدا وجنديا في معركة النهضة.

و محمد إقبال من مواليد  البنجاب، عاش في مرحلة مليئة بالمتغيرات اثرت في حياته الفكرية، تلقى تعليمه عند المستشرق الإنجليزي سير طوماس أرنولد sir tomas arnold الذي مكنه من الوصول إلى الثقافة الشرقية والفكر الغربي على حد سواء، وهو الذي بعث به إلى أوروبا ليواصل دراسته، تنقل محمد إقبال بين إنجلترا وألمانيا إلى أن حصل على شهادة الدكتوراه حخول تطور الفلسفة الميتافيزية في بلاد الفرس قبل ان يعود إلى بلادهع ويستقر في لاهور، اصدر كتبا كثيرة بمختلف اللغات، الفارسين الإنجليزية والأوردية، توفي في 21 أفريل 1938 تاركا وراءه ذخيرة فكرية وثقافية، وهو يحتضر ترك مقالة شهيرة : "لماذا أخشى أن يصغرني الموت، إذا كنت أُمِيتُ ( بضم الألف وكسر الميم)  حيوانيتي من اجل أن أصيرا إنسانا"، وقد لفظ أنفاسه الأخيرة وعلى شفتيه ابتسامة مرتسمة.

 

قراءة علجية عيش

 

في العراق تشكل نسبة الفقر فيه اكثر من 30 % حسب احصاءات وزارة التخطيط، اي ما يعادل ثلث سكان العراق البالغ عددهم اكثر من 37 مليونا، ولايختلف الواقع الديموغرافي في العراق عن اية دولة اخرى في العالم من ناحية تمركز الفقر فيها وتمدّده بنسب معينة قد تكون في بعض المدن عالية جدا او تحت المستوى المسموح به عالميا، وبعض مستويات الفقر فيها تكون تحت خط الفقر والبعض فوقه، ولكن عراقيا الاختلاف يكون بدرجة جذرية عن كل تلك الدول إن تواترت نسب الفقر فيه وبشكل تقترب من خط الفقر او تحته في ظل دولة يختلف اقتصادها بشكل جذري عن تلك الدول التي تحتفظ بنسب معينة للفقر كما هي في المشهد السيوسولوجي العراقي الى الحد الذي يكون الفقر وخطّه احدى متلازمات هذا المشهد والتي ازدادت خاصة بعد التغيير النيساني، وسبب الاختلاف هو طبيعة المشهد الاقتصادي / السيوسولوجي العراقي نفسه عن غيره هو انه اقتصاد غير فقير، فالاقتصاد الفقير يصدق على تلك الدول ذات متلازمات الفقر ويعيش الكثير من مواطنيها تحت خط الفقر، ولكن العراق يختلف اذ لايوجد تطابق مابين الواقعين الاقتصادي والسيوسولوجي وهذه شيزوفرينيا لاتكاد توجد في مشهد سيوسولوجي / اقتصادي اخر غير العراق، فالعراق يشبه تلك الدول ديموغرافيا ويناقضها اقتصاديا فهذه النسب تزداد يوما بعد يوم دون معالجات حقيقية اذ تقترب الكثير من شرائح المجتمع العراقي من خط الفقر بينما الاقتصاد العراقي الريعي يزداد غنى والمجتمع العراقي يزداد فقرا .

ولتعدّد اسباب الفقر في العراق يجب ان تتعدّد طرائق معالجته او التخفيف منه فقد ادرك رئيس الوزراء عبد المهدي وهو رجل اقتصاد ان من اهم اسباب الفقر شحة السكن واضطرار الاف العوائل الى السكن إما في العشوائيات التي انتشرت على اديم الوطن او الرزوح تحت رحمة بدلات الايجار الباهظة التي تثقل كاهل المواطن البسيط وتضيف المزيد من المعاناة على حياته اليومية ناهيك عن شظف العيش وتردي الخدمات،ولان العراق يحتاج الى اكثر من ثلاثة ملايين وحدة سكنية وهو رقم مهول قياسا الى البلدان الاخرى ويكشف عن احد مستويات الفقر في العراق ومن اهمها وهو احد اسباب التصدعات التي تحصل في اغلب العوائل التي تحصل فيها خلافات تؤدي الى تشتتها بانفصال الازواج عن بعضهم لهذا السبب، لذا ارتأت الدولة توزيع قطع اراض على الفقراء وذوي الدخل المحدود لتكون الخطوة الاولى في سلّم معالجة ظاهرة الفقر ومن المؤكد انها لن تكون كافية لذلك او الاخيرة، فما زال امام الحكومة شوط طويل في هذا المضمار لان صيغة معالجة الفقر التي ترد كثيرا في البرامج الحكومية تحتاج الى اجراءات اقتصادية واسعة وطويلة الامد تبدأ من معالجة التضخم النقدي في العملة الوطنية والذي يبتلع اغلبية رواتب ومدخرات الاسر وممن يكونون اكثر تعرضا لمخاطر مناسيب التضخم التي تقربّهم من خط الفقر الذي تعرّفه الموسوعة الحرة بانه (هو حالة العوز المادي، حيث يعيش الانسان دون حد الكفاف المتمثل بسوء التغذية والمجاعة حتى الموت، وما ينتج عن ذلك من انخفاض المستوى الصحي والتعليمي والحرمان من امتلاك السلع المعمرة والاصول المادية الاخرى، وفقدان الضمان لمواجهة الحالات الطارئة كالمرض والاعاقة والبطالة والكوارث والازمات وغيرها) اما خط الفقر فهو : المستوى الادنى من حاجة العائلة، الى المأكل والملبس والرعاية الصحية والتعليمية والسكن، اما من يعيش تحت خط الفقر فهو في حالة فقر مدقع شديد ويكون في واقع معاشي مزرٍ، ولايمكن تبرئة الفساد السياسي والمالي والاداري من هذه التهمة فهو  سبب اضافي في تفشي الفقر في المجتمع العراقي لان الفساد كان وما يزال سببا في تبخر الكثير من الاموال العامة وهدر اموال اكثر الموازنات لاسيما الانفجارية منها والتي ضاعت مردوداتها في جيوب الفاسدين الذين مافتئت الاستراتيجيات الحكومية تنشط في مقارعة الاسباب التي ادت الى استفحالهم وتغولهم وافلاتهم من العقاب واسترجاع مانهبوه .

 وعلى مستوى مكافحة الفقر بشكل جدي تبقى الآمال معقودة على الاستراتيجية الوطنية للحد من الفقر وكان العراق قد أطلق عام 2010، الاستراتيجية الوطنية الأولى للتخفيف من الفقر لعامي 2010 - 2014، التي وضعت ضمن أولوياتها تحسين الواقع المعيشي والمستوى الصحي والتعليمي للمواطنين، مع توفير بيئة سكن مناسبة لشريحة الفقراء، فضلاً عن توفير الحماية الاجتماعية لمحدودي الدخل،  واطلاق الاستراتيجية الثانية للتخفيف من الفقر للسنوات 2018-2022 بمشاركة عدد من الوزارات والنواب والخبراء والامم المتحدة والمنظمات والبنك الدولي، وهذه الاستراتيجية متعددة القطاعات والاتجاهات وهي الاهم اذ هدفت الى الانطلاق نحو حقبة جديدة في النمو غايتها تقليص معدلات الفقر الى الربع بحلول عام 2022 وبمحصلة تشاركية بين جميع الوزارات مع التركيز على الشرائح الاكثر تضررا وفقرا كالنازحين والمهجرين وسكان الارياف وهي استراتيجية مكمّلة للاستراتيجيات السابقة التي كانت تهدف الى تحقيق التنمية المستدامة الا انها كانت محدود الفعالية وتأتي الاستراتيجية الثانية والتي نحن نعيش في غمارها كمحصلة لجهد اممي مشترك مع الامم المتحدة والبنك الدولي لتهدف الى تحسين مستوى الانفاق الضروري والتوجه الى زيادة انتاجية العمال وخلق فرص العمل وايصال الرعاية الصحية للفقراء وتوفير البنى التحتية والتعليم والسكن الملائم ومعالجة مشكلة العشوائيات واصلاح نظام الرعاية الاجتماعية وتهيئة وضع معيشي مناسب لمن تضرّر من الحرب ضد داعش و الهدف الأساس من هذه الاستراتيجية، يكمن في تقليص معدلات الفقر الى ادنى حد ممكن، من خلال تبنّي سياسة اقتصادية تنسجم مع الوضع المالي الذي يعيشه العراق حالياً، والناتج من انخفاض أسعار النفط عالمياً. كما تنصّ على تأسيس صندوق خاص لتمويل مشاريع الفقر، من خلال المخصصات المالية في الموازنة الاتحادية أو التبرعات التي قد تحصل عليها الحكومة، حيث تشير تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء إلى أن احتلال عصابات داعش الإرهابية أجزاء من البلاد، وانخفاض أسعار النفط العالمية، ساهما في رفع نسبة الفقر إلى 23 %، بعدما انخفضت خلال الاستراتيجية الماضية إلى 15 في المئة في النصف الأول من عام 2014 لذا يقع على استراتيجية الحد من الفقر ان تعمل على خفض مناسيب معدلات الفقر الى اقل مستوى مقبول ما يستدعي تدخل الجميع للحد من استفحال مخاطره الاجتماعية وغيرها. من ابرز اسباب الفقر تفشي البطالة وشحة فرص التعيين في الوظائف الحكومية وان كانت مناسيب تلك الوظائف قد بلغت حدودا عالمية غير مسبوقة (اكثر من ثمانية ملايين موظف مستمر في الخدمة فضلا عن ملايين المتقاعدين) ولكنْ هنالك اوجه اخرى لتشغيل الايادي العاطلة عن العمل كتنشيط القطاعات الاقتصادية الاخرى وتفعيلها كالصناعة والزراعة والسياحة بأنواعها ما يساهم في رفد الموازنات المالية العامة بواردات تكسر احتكار الريع النفطي وتزيد من الدخل القومي للفرد العراقي ما يساهم في تقليل مناسيب الفقر وتساهم ايضا في أن يغادر العراق حالة الفقر المدقع وانعدام الأمن الغذائي باتباع إجراءات تستهدف الفئات الهشة خلال مدة تنفيذ هذه الاستراتيجية  

التحديات التي واجهتها هذه الاستراتيجية تتمثل بمشكلة التمويل المالي الذي يشكّل التحدي الاول والاكبر فيبقى الامل منوطا بمساهمة المنظمات الدولية ورفد الاستراتيجية بالأموال اللازمة لتحقيقها، ولغرض الحد من مناسيب الفقر في العراق يجب ان تتضافر جميع الجهود الحكومية والدولية الاممية في برنامج حقيقي وليس ترقيعيا او مبسترا يقتصر على حل جزئي او منفرد كتوزيع الاراضي وان كان حلا مهما الا انه لايكفي وللدراسة صلة .

تتبع

 

 عباس الصباغ 

 

 

منى زيتونمما لا أنساه أبدًا أنه في السنة الأولى من أعوامي الجامعية، قص علينا دكتور من أساتذتنا قصة حدثت له وهو في أول أيامه كطالب في الجامعة. قال لنا إنه في أول سِكشن عملي لفرقته، وبعد أن انتهى المعيد من الشرح النظري توجه الطلاب –وهو من بينهم- ليشاهدوا العيّنة المطلوب فحصها تحت الميكروسكوب، وإذا بأستاذنا لا يستطيع أن يرى شيئًا بينما باقي الطلبة يدّعون أنهم رأوا العيّنة! وهو ينظر وينظر ويعيد النظر في عدسات الميكروسكوب ولا يرى شيئًا، وفي النهاية جاء المعيد الذي كان قد غادر القاعة لأمر ما ليُفاجأ بأن الطلاب –عدا دكتورنا راوي القصة- ادّعوا أنهم رأوا العينة، بينما الحقيقة أن الشريحة الميكروسكوبية كانت على الطاولة الجانبية ولم توضع على الميكروسكوب بعد!

هناك مقولة منسوبة لجون ستيوارت ميل تقول: "الخطر الرئيسي في العصر الحالي هو قلة من يجرؤون على أن يكونوا مختلفين"، ولعل القصة التي رويتها للتو تظهر إلى أي حد يمكن أن يصل الحال ببعض البشر رغبة في مسايرة من حولهم خاصة أصحاب السلطة عليهم، وكاستجابة لضغوط الأقران، ولكن من خلال خبراتي أرى أنه ربما كان هذا هو الحال في عصر ستيوارت ميل، لكن في عصرنا الحالي صار هناك خطر آخر إضافي مصدره أصحاب مدرسة "خالف تُعرف".

غالبًا سيأتيني الرد المتداول بين الشباب بتعداد الآيات التي نزلت في ذم الكثرة:

1- ‏﴿‏‏‏وَأَكثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ‏﴾‏‏‏‏

2- ‏﴿‏‏‏وَأَكثَرُهُم لاَ يَعقِلُونَ‏﴾‏‏‏‏

3- ‏﴿‏‏‏وَأَكثَرُهُمُ الكَافِرُونَ‏﴾‏‏‏‏

4- ‏﴿‏‏‏وَأَكثَرُهُم لِلحَقِّ كَارِهُونَ‏﴾‏‏‏‏

5- ‏﴿‏‏‏وَأَكثَرُهُم كَاذِبُونَ‏﴾‏‏‏‏

6- ‏﴿‏‏‏بَل أَكثَرُهُم لاَ يُؤمِنُونَ‏﴾‏‏‏‏

7- ‏﴿‏‏‏وَلَـكِنَّ أَكثَرَهُم لاَ يَعلَمُونَ‏﴾‏‏‏‏

8- ‏﴿‏‏‏وَلَـكِنَّ أَكثَرَهُم يَجهَلُونَ‏﴾‏‏‏‏

9- ‏﴿‏‏‏وَلاَ تَجِدُ أَكثَرَهُم شَاكِرِينَ‏﴾‏‏‏‏

10- ‏﴿‏‏‏وَمَا يَتَّبِعُ أَكثَرُهُم إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغنِي مِنَ الحَقِّ شَيئاً‏﴾‏‏‏‏

11- ‏﴿‏‏‏وَلَـكِنَّ أَكثَرَهُم لاَ يَشكُرُونَ‏﴾‏‏‏‏

12- ‏﴿‏‏‏وَمَا يُؤمِنُ أَكثَرُهُم بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشرِكُونَ‏﴾‏‏‏‏

13- ‏﴿‏‏‏أَم تَحسَبُ أَنَّ أَكثَرَهُم يَسمَعُونَ أَو يَعقِلُونَ إِن هُم إِلَّا كَالأَنعَامِ بَل هُم أَضَلُّ سَبِيلاً‏﴾‏‏‏‏

14- ‏﴿‏‏‏وَمَا كَانَ أَكثَرُهُم مُّؤمِنِينَ‏﴾‏‏‏‏

15- ‏﴿‏‏‏فَأَعرَضَ أَكثَرُهُم فَهُم لَا يَسمَعُونَ‏﴾‏‏‏‏

16- ‏﴿‏‏‏وَإِن تُطِع أَكثَرَ مَن فِي الأَرضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِن هُم إِلاَّ يَخرُصُونَ‏﴾‏‏‏‏

17- ‏﴿‏‏‏وَلَـكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤمِنُونَ‏﴾‏‏‏‏

18- ‏﴿‏‏‏وَمَا أَكثَرُ النَّاسِ وَلَو حَرَصتَ بِمُؤمِنِينَ‏﴾‏‏‏‏

19- ‏﴿‏‏‏فَأَبَى أَكثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً‏﴾‏‏‏‏

والحقيقة أنني لم أقتنع يومًا بهذا الرد الذي يروج له أصحاب مدارس التكفير مثلما يروج له التنويريون على السواء؛ فمقاتلو داعش أيضًا يظنون أنفسهم استثنائيين باعتبارهم الفئة الناجية، والحديث القرآني عن الكثرة والقلة حديث عام لا يساعدنا على تمييز كل فرد بحياله أو كل مجموعة بحيالها بل يصف حال عموم البشر.

وأرى أن هناك تصورًا أصبح منتشرًا للغاية خاصة بين الشباب أن من يحارب السائد بالضرورة مفكر وجريء، والحقيقة أن أغلبهم يخالف عن جهل وتعالم وليسوا بأقل ضلالًا ممن يدعون مخالفتهم فكريًا وسلوكيًا.

لكن كيف؟!!!

هناك مفهوم في علم النفس ذو حدين نسميه المسايرة/المغايرة الاجتماعية؛ فالمسايرة تعبر عن إعطاء الفرد أحكامًا واعتقاده وسلوكه وفقًا للمعايير والعادات المقبولة من الجماعة الداخلية التي ينتمي لها، ويُعبر الأفراد عن المسايرة دومًا باستجابات تكون مشابهة لسلوك الآخرين في المجتمع.

والحقيقة التي نستقرؤها بوضوح من نتائج تجارب وملاحظات علم النفس الاجتماعي أن أغلب البشر يميلون لإعطاء تلك الاستجابات المتوافقة مع معايير مجتمعهم سواء كانت صحيحة أم خاطئة، وهو ما يحفظ لكل مجتمع إنساني على حدة حدوده وتنظيمه.

بينما المغايرة على العكس من المسايرة تمامًا تعبر عن عدم انسياق الفرد وراء معايير وعادات المجتمع وتقبله لها تلقائيًا بل إخضاعها للنقد، والسلوك بشكل يختلف عن المقبول في إطارها.

وتختلف المجتمعات في قوة الضغط الذ‏ي تمارسه على أفرادها للخضوع والامتثال لمعاييرها، وعادة لا يجرؤ الأفراد في المجتمعات الصغيرة والريفية والقبلية على مجرد التفكير في الانحراف عن السلوك المرغوب اجتماعيًا أو إبداء الإعجاب بأفكار تخالف أعراف المجتمع حتى لو كانت أكثر منطقية، بينما تعطي المجتمعات الكبيرة والمفتوحة فرصة أكبر لأعضائها للانحراف عن معاييرها.

لكن ينبغي الإقرار بأنه لا يوجد مجتمع لا يطلب من أفراده مسايرة معاييره بدرجة أو بأخرى، ونخطيء حين نتصور أن المجتمعات المتقدمة في عصرنا تتيح حرية لأفرادها أكثر من المجتمعات النامية لأن القوانين التي يفرضها أي مجتمع متقدم هي جزء من معاييره التي يضغط على أفراده للامتثال لها، ويمكنني القول إن إخضاع الأفراد لقوانين المجتمع يكون أقوى في المجتمعات المتقدمة بينما إخضاع الأفراد لأفكار وقيم المجتمع يكون أقوى في الدول النامية.

وبـتأمل واقعنا المعاصر يتضح أنه في ظل الانفتاح الثقافي المتاح على العالم بأسره –وهو من أبرز صفات عصرنا- صارت هناك صرعة لدى الشباب في مجتمعاتنا العربية تحديدًا لمسايرة معايير جماعات خارجية يرونها أكثر تقدمًا في ركب الحضارة، وأنها ما تقدمت إلا ‏بوجود تلك المعايير، ومن ثم إصدار استجابات تكون غالبًا مختلفة عن سلوك الآخرين في مجتمعاتهم الأصلية.

ويمكنني إعطاء تفسيري لتلك الظاهرة بأحد أمرين.

الأول: أن الأفراد الذ‏ين يخضعون لسلوك المجتمع الخارجي إنما حدث لهم هذ‏ا نتيجة تضارب المعايير لأنهم باختصار صاروا لا يعتبرون أن المجتمع الداخلي هو فقط مجتمعهم، فاتسعت نظرتهم للمجتمع، ربما لجاذ‏بية المجتمع الإنساني الأكبر لديهم، مما جعل استجاباتهم تختلف، فظهرت مغايرة للاستجابات المقبولة في المجتمع الداخلي، ومسايرة للمعايير في المجتمعات المتقدمة.

الثاني: وهو الأنكى أن هؤلاء يغايرون فقط رغبة في إظهار الاختلاف عن ‏مجتمعنا.‏

كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في إنشاء جماعات جديدة لا يحدها مكان ينخرط فيها الأفراد من مجتمعات وبلدان مختلفة وتؤثر في خضوعهم لمعاييرها الفكرية -دون نقد!-. من ثم، يكون جُل ما حدث لهؤلاء الأفراد الذ‏ين يظنون أنفسهم مغايرين للمجتمع الداخلي أنهم خضعوا لسيطرة مجتمع آخر، ولم يكتسبوا قط القدرة على التفكير الناقد.

فتكون كل من المسايرة والمغايرة وفقًا لهذا التصور وجهين متناقضين للتعبير عن تسلط الجماعة على فكر الشخص، وتحكمها فيه، لكن مع اختلاف التفاصيل.

وقد أثبتت الدراسات العلمية أن الذ‏كاء يؤثر تأثيرًا واضحًا في درجة المسايرة الاجتماعية، لأن الشخص الذ‏كي لا يقبل كل ما يُعرض عليه ويقلده، وأضيف هنا أن ذ‏لك ينطبق على ما يعرضه أي مجتمع وليس فقط مجتمع الفرد الداخلي.

من ثم فإنني أرى أن تعريف المغايرة الاجتماعية بحاجة لمزيد من التعمق وإمعان النظر بحيث يتم التركيز على الهدف وليس السلوك الظاهر؛ لأن المفترض أن المغايرة تنبع من محاولة الأشخاص نقد واقعهم نقدًا ذ‏اتيًا، وليس مسايرة معايير مجتمع آخر، أو لرغبة في مخالفة معايير المجتمع دائمًا وأبدًا حتى لو خالفوا كل قواعد المنطق لرغبتهم في مخالفة تلك المعايير.

ولا ننكر أن لدى كل فرد درجة من المسايرة وإلا لصارت حياته عراكًا مستمرًا بينه وبين مجتمعه لا يملك أي شخص أن يحتملها، ولكن المشكلة تكمن في المسايرة المفرطة التي تفقد الفرد استقلاليته وقدرته على نقد ما يستحق النقد، فإن أفقدت المغايرة –كما نلمسها في مجتمعاتنا- الشباب حس النقد أيضًا رغبة في الحصول على التعزيز والمدح من مجتمعات أخرى فهي ليست مغايرة، وينبغي البحث لها عن مسمى آخر.

فالإنسان الحر لا يعبأ برأي الجماعة ولا يحركه إيجابًا أو سلبًا، بمعنى أن أفكاره تخرج من خلال مبادئه وقناعاته وليس من خلال رغبته في إظهار مسايرته وتوافقيته مع جماعة ما أو مخالفته لها.

يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: "لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت, وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أحسنتم، وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم"، وكلنا نعرف قصة أندرسون عن الإمبراطور العاري الذي ساير الخياط المحتال في أنه يرى الثوب الوهمي الذي لا يراه إلا الأنقياء –على حد زعم المحتال-، وسايره باقي الشعب وادّعوا أنهم يرون الثوب وأنه رائع، حتى كشفهم طفل صغير بريء وصرخ (لماذا يسير الإمبراطور عاريًا؟!).

للأسف فإن كثيرًا من الناس تافهون، يقلدون ويدعون الإيمان بمباديء حتى لا يتهموا بالجهل من جهة المتفذلكين، فيدعون المغايرة، أو على العكس يقلدون السائد في مجتمعاتهم وإن كان به ما يوجب إعادة النظر، فيؤثرون السلامة بالمسايرة، فصار مجتمعنا ينقسم بين مساير –دون وعي- ومغاير -ليس عن نقد وتمحيص- لمعاييره وقيمه، بينما المجتمع المثالي هو ذلك المجتمع الذي تتوفر فيه للأفراد القدرة على المبادرة وإبداء الرأي، كما توجد به سلطة اجتماعية واضحة المعايير والقوانين القابلة للنقد من قبل الأفراد على أسس موضوعية وليس من باب الخروج بخزعبلات تحت اسم التجديد والإصلاح.

ولنتذ‏كر أن المفكرين والمصلحين في كل عصر كانوا مغايرين حقيقة، ومغايرتهم كانت نابعة من تفكير حقيقي وعميق تم رفض السائد فيه على أسس منطقية، و-أكرر- ليس استجابة لمعايير مجتمعات خارجية، ولا رغبة في إظهار الاختلاف عن معايير المجتمع الداخلي.

أستطيع أن أفهم تأثر الشباب والمراهقين بجماعات الأقران وتحكم تلك الجماعات الفرعية وضغطها على أفرادها للاقتناع بأفكار معينة والسلوك على نحو معين، ولكن ينبغي أن أقول للشباب أنه كي تكون مفكرًا حرًا كما تزعم وترغب ينبغي أن تحرر تفكيرك من قيود المسايرة والمغايرة كليهما. والتحرر من تلك القيود يبدأ بالتحرر من التعصب لأي جماعة يمكن أن يخطيء أفرادها وتضطر أن تسير مع القطيع مدافعًا عنها دون وعي حتى تحولت مجتمعاتنا إلى مجموعات من القطعان يسهم الإعلام في توجيهها تدافع بالباطل عن أخطاء واضحة، وضاع الحق والصدق من مجتمعنا.

وإن حاول أحدهم إقناعك بأن تطبيقك لهذا سيُفقدك الانتماء تذكر قوله صلى الله عليه وسلم: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نُصْرَتُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟، قَالَ: "تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَذَلِكَ نُصْرَتُكَ إِيَّاهُ".

الإنسان الذي يضع الحق هدفًا له لن يضل إن شاء الله. لن يساير في الخطأ، ولن يكون من حزب "خالف تُعرف"، كما أنه لن يتفرنج.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]

هدانا الله وإياكم.

 

د. منى زيتون

 

 

محمود محمد علينعود إلي الجزء الثالث والأخير من حديثنا عن المفارقات المنهجية في نشأة لعتنا العربية، حيث نتحدث عن بعد آخر، وهو "البعد المنطقي" : فنقول بشأنه: هناك فريق آخر من الباحثين والمفكرين، يرون أن الروايات التي أجمع المؤرخون على ذكرها في نشأة النحو والمنسوبة إلى الإمام "علي بن أبي طالب "، تدل على احتمال وقوفه على تقسيم الكلم إلى اسم، وفعل، وحرف على المنطق الأرسطي المتداول لدى أهل العراق ؛ إذ كيف يتصور المرء أن إنسانًا مثل الإمام" علي" يستطيع أن " يجلس بمفرده، ثم يجيل النظر في محيط اللغة التي يتكلم بها قومه، وهو غير مسلح بعلم سابق باللغات ولا بمعرفة مسبقة بقواعدها، ثم تنثال عليه المعرفة ويستخرج منها بنفسه القواعد المذكورة، ثم يضع لأبوابها تلك الأسماء التي لا يمكن لأحد وضعها، (لأنها تحتاج إلى شخص لديه معرفة) بقواعد اللغات عند الأمم الأخرى، لأنها مصطلحات علمية منطقية، ولا يمكن أن تخرج من فم رجل لا علم له بمصطلحات علوم اللغة والمنطق، ولأنها ليست من الألفاظ الاصطلاحية البسيطة التي يمكن أن يستخرجها الإنسان من اللغة بكل سهولة وبساطة، حتى نقول إنها حاصل ذكاء وعقل متقد، وكيف يعقل أن يتوصل رجل إلى استنباط أن الكلمة : إما اسم،أو فعل،  أو حرف، ثم يقوم بحصرها هذا الحصر الذي لم يتغير ولم يتبدل حتى اليوم، بمجرد إجالة نظر وإعمال فكر، من دون أن يكون له علم بهذا التقسيم الذي تعود جذوره إلى قبل الميلاد، ثم كيف يتوصل إلى إدراك القواعد المعقدة الأخرى التي لم يبتدعها إنسان واحد، وإنما هي من وضع أجيال وأجيال، إذا لم يكن له علم بفلسفة الفعل، وعمل الفاعل، وما يقع منه الفعل على المفعول، وكذلك الأبواب المذكورة التي لا يمكن أن يتوصل إليها عقل إنسان واحد أبدا.

ومن هنا يمكننا القول بأنه بغض النظر عن الجهة العليا التي أشارت إلى "أبي الأسود" أن يضع مبادئ هذا العلم ؛ فإن الراوية المنسوبة إلى الإمام" علي" رواية لا تتفق مع طبيعة العلوم ونشأتها التي تبدأ بالملاحظة أولًا، لا بصياغة المصطلحات والحدود، وذلك يؤكد أن هذه الرواية موضوعة على لسان الإمام "علي"، لأن عصر "أبي الأسود الدؤلي" كان عصر ولادة النحو (أي المرحلة الوصفية)، وليس عصر نضوجه (المرحلة الاستنباطية) . بل إن المتأمل في رواية "الزجاجي" وما تلاها من روايات يجد أنها تتضمن قضايا نحوية ثلاث : فهي تتناول أولاً تقسيم الكلام إلى اسم، وفعل، وحرف، ثم تعرف كل قسم منها، ثم تتحدث ثانيًا عن أقسام الأسماء، ثم ثالثًا بذكر حروف نصب الأسماء، وبشيء من التأمل يتضح أن كل واحدة من هذه المسائل الثلاث تتطلب قدرة على التجريد والتقعيد معا، وهو ما لم يكن في عصر الإمام "علي" و"أبي الأسود"، وقد استغرق الوصول إلى مثل هذه النتائج التفصيلية أجيالاً كثيرة، حتي عصر "سيبويه" ، بل إن سيبويه نفسه الذي يفصل بينه وبين الإمام "علي بن أبي طالب " قرابة قرن ونصف قرن لم يستطع أن يصل إلى هذه الدقة من التفاصيل التي نسبت إلى "علي" وعصره.

فسيبويه في كتابه لم يعرف الاسم بما ذكر في رواية "الزجاجي" التي تقول الاسم ما أنبأ عن المسمى، ويحد سيبويه الاسم بقوله :" فالاسم رجل وفرس وحائط "، فلم يذكر سيبويه ما ذكرته هذه الرواية المزعومة عن الاسم ووظيفته، ولذلك فإنني أؤيد قول القائلين عن هذه الرواية التي رواها الزجاجي وغيره أنها " حديث خرافة، وطبيعة زمن "علي"، و"أبي الأسود" تأبي هذه التعاريف، وهذه التقاسيم الفلسفية، والعلم الذي ورد إلينا من هذا العصر في كل فرع، علم يتناسب مع الفطرة، ليس فيها تعريف ولا تقسيم، وإنما هو تفسير أية أو جمع لأحاديث ليس فيه تبويب ولا ترتيب، فأما تعريف أو تقسيم منطقي فليس في شيء مما صح نقله إلينا عن عصرهما.

فالعلوم لا تولد مكتملة النمو، بل تنشأ ساذجة مبعثرة، ثم تنمو وتكتمل، وما ذكر في هذه الرواية المزعومة من تبويب وتقسيمات منطقية لا تصح إلا بعد النمو والاكتمال، يخالف طبيعة الأشياء في النشأة والتكوين، ثم النمو والارتقاء .

نعم إنه من السذاجة تصور أن النحو العربي قد حمل في نشأته الباكرة على يد "أبي الأسود" أو الإمام "علي"، حدا من التطور فاق كل تطور حققه من بعد طوال أكثر من قرنين، لأن هذا يجعلنا نصطدم بعقبة ابستمولوجية، وهذه العقبة تتمثل في أن فصل المقال في العلم يؤدي إلى فصل المقال في المنهج ؛ الأمر الذي ينجم عنه الاصطدام بظاهرتين متناقضتين: الأولى: أن: " النحو قد نشأ متطوراً حتي إنه يناقش في مرحلة نشأته ظواهر بالغة الدقة، وقضايا غاية في التفصيل، في حين أنه – وهذه هي الظاهرة الثانية – قد جمد بعد ذلك بحيث لم يستطع أن يضيف جديدا من أبواب النحو، ولا أن يدرك مزيدا من ظواهر اللغة "  .

ولاشك أن هذا كله ضد منطق التطور الطبيعي، فليس معقولا أن ينبثق فجأة علم يتصل باللغة، متكامل المنهج، محدد الظواهر والأبعاد، دون سابق معاناة في تحديد ظواهره، وبلورة أبعاد قضاياه، وذلك لأن اللغة ظاهرة اجتماعية، وتحليل الظواهر الاجتماعية يتطلب مرحلة طويلة من المعاناة في تناول الظاهرة المدروسة، والتردد في تشكيلها طبقا لتعدد علاقاتها وتنوعها، "ومن البديهيات في تاريخ الاختراع أن المنهج الجديد يندر أن ينشأ فجأة من لا شيء، ويسبق الاختراع الفني عادة بتطورات في النظرية العلمية " .

إن العقلانية تفرض علينا بأن نؤمن بأن القواعد اللغوية لا بد من أن تمر بمرحلتين:

المرحلة الأولى : مرحلة  الممارسة العفوية أو الإدراكات التلقائية  لوجود قواعد، وهو إدراك نستطيع أن نصفه بأنه  تطبيقي أكثر منه تجريدي، أي أنه يتم من خلال استيعاب النماذج اللغوية، وليس بالبعد عنها، وهو السبب في قبول ما يقبل من هذه النماذج، ورفض ما يرفض فيها، من غير تبرير ذهني مقبول أو مرفوض، ثم هو إدراك يمكننا أن نسميه جزئيا وليس كليا، فإنه قد لا يستطيع أن يصل إلى حكم عام يشمل أحداثا لغوية متعددة، بيد أنه قادر دائمًا على التعامل مع الأحداث اللغوية المتعددة، كما حدث منها على حدة – بالتصويب أو بالتخطئة . وهو إدراك في مقدرونا أن نوسع دائرته بحيث يوشك أن يكون ( صفة للمتمكنين) من اللغة، وليس خصيصة لفريق من الباحثين فيها .

المرحلة الثانية : مرحلة  الوعي العقلي، وهي مرحلة تتميز بالرؤية التجريدية التي تحكم كل تطبيق، وهي رؤية قادرة على الإحاطة الشاملة  دون أن نتوه في خضم الجزئيات، ولكنها – في مقابل ذلك محدودة في نطاق الباحثين في اللغة، وليس صفة لكل الناطقين بها . ومرحلة الوعي العقلي لا تتسم بالقدم، كما تتسم بذلك مرحلة الإدراك العفوي التلقائي، فإن هذه المرحلة الأخيرة هي التي تحفظ للغة قدرتها على البقاء والاستمرار، وتصونها من الاضطراب، وتنأى بنشاطها عن التخبط، ولا سبيل إلى تصور لغة لا يكون لدى الناطقين بها إدراك لقواعدها، وإن كان – في مقابل ذلك – من الممكن بقاء اللغة، واستمرارها ونموها دون معرفة عقلية كاملة بقواعدها .ومرحلة الوعي العقلي بالقواعد متأخرة بالضرورة عن مرحلة الإدراك العفوي التلقائي لها، وهي مرحلة لا توجد فجأة ولا تنشأ في لحظة واحدة، ولا تتم بأساليب غيبية، فإن كل ذلك يختلف مع طبيعة المادة التي تتناولها، وهي ( اللغة) فإن محاولة الإحاطة بالخصائص اللغوية لأي مستوى من مستوياتها يتطلب قدرة على التجريد وعلى التقعيد معا.

والقدرة على التجريد تستلزم التزام منهج فكري يعتمد على كلية النظرة، حتي يستطيع أن يصدر أحكاما شاملة تتناول المادة بأسرها، دون أن يضلله عن ذلك الركام الهائل من جزئيات المادة، وصورها المشتقة المبعثرة، كما تستلزم في الوقت نفسه إحاطة دقيقة بالجزئيات، بحيث يرتكز تحليله لما بينها من علاقات على إدراك حقيقي لها . وهكذا تتسم النظرة الكلية بالشمول، وتصدر في الوقت نفسه - عن إدراك تفصيلي، فهل كانت هذه القدرة متوافرة في عصر أبي الأسود ؟ من الواضح أن المادة اللغوية التي كانت محور دراسة "أبي الأسود" محصورة في النص القرآني، والنص القرآني على أهميته الكبيرة - جزء من المادة اللغوية المستخدمة في عصر "أبي الأسود الدؤلي" نفسه، ثم دراسة "أبي الأسود" له لم تكن قائمة على أساس تحليل ظواهره التركيبية، لافتقاره بالضرورة إلى منهج محدد لهذا التحليل، وإنما اعتمدت على مجموعة من الملاحظات العامة التي لا يمكن أن تسلم إلى نتائج علمية محددة .

والقدرة على التقعيد تتطلب مقدرة على صياغة الظواهر، في تشابكها وتعددها وتنوع علاقاتها ؛ في قواعد تحيط بها وتدل عليها، دون أن تتسم هذه القواعد بالاتساع فتضلل في فهم الظاهرة بما تضيفه إليها من ظواهر أخرى دون أن تتصف بالقصور عن الإحاطة بأبعاد الظاهرة والإلمام بكل تفاصيلها، وهذا كله يستدعي نوعا من الإدراك لهذه القوانين نوعا من التناقض مع طبيعة التفكير العلمي ذاته، وإذا كان النحو العربي حتى عصوره المتأخرة قد أضاف فهم النصوص، وتفسيرها، إلى النصوص ذاتها ؛ فاعتبر ما يقدم من هذا الفهم بما يقدمه من كلمات للشرح، وهذا التفسير بما يتضمنه من عبارات للتوضيح جزءا من النص يجب أن يوضع في الاعتبار حين التقعيد، مما أدى إلى اضطراب النحاة في فهم الظواهر المختلفة للغة، ومن ثم أسلم إلى الكثير من التناقض في التقعيد لها، ألا يصبح – بعد هذا كله – تصور القدرة على الصياغة التقعيدية للظواهر اللغوية في عصر أبي الأسود نوعا من السذاجة، لا تؤيدها قضايا العلم نفسه .

والسؤال الآن : أين تستمد المرحلة الوصفية لنشأة النحو العربي مشروعيتها إذا كانت الروايات التي رويت بشأن نشأة النحو مشكوكًا في صحتها ؟.

أعتقد أن الأقوال التي قيلت بأن أبا الأسود الدؤلي كان أول من بدأ بالعمل علي وضع قواعد النحو بعد توجيهات أولية من الإمام علي (رضي الله عنه) أقوال مشكوك في صحتها، وأن الحقيقة هي أن النحو الذي وضعه "أبو الأسود" لم يصل إلينا منه شيء . فيما حفظ من التراث النحوي، سوى إشارات عامة ذكرناها فيما مر، وليس فيها رأي محدد، أو تفصيل لمسألة نحوية . ويصدق هذا الأمر أيضاً على جيلين بعد أبي الأسود، إذ لم يصل إلينا مما عملوا في النحو سوى نذر يسير، وبالتالي فإن المرحلة الوصفية لنشأة النحو تستمد مشروعيتها من خلال عملية إحداث النقط وضبط المصحف التي قام بها "أبو الأسود الدؤلي"، نتيجة وقوع اللحن في قراءة القرآن، والخوف من تزيد ذلك مع مرور الأيام، ومن حدوث التغيير والتحريف في نص القرآن ؛ حيث كان الفكر الذي كان وراء نشأة النحو فكراً إصلاحياً، كما يري بعض الباحثين، حاول أن يمنع خللا بدأ يطرأ على الألسنة فلجأ إلى أسلوب عملي مدرسي يرمي إلى إيجاد علامات مادية تساعد على القراءة السليمة من دون اللجوء إلى الاستنباط والتجريد ؛ أي أن البحث اللغوي لم يكن غاية عملية مقصودة بذاتها هنا فلسفة عملية اجتماعية والقائم به حول السماع الصوتي للظواهر الإعرابية إلى مادة مكتوبة يمكن إدامة النظر فيها وإيجاد العلاقات الكلية الجامعة إياها، ثم انتقل الدرس بعد ذلك إلى نمط من النشاط الذهني التأملي الذي يحاول تجريد المعاني المطلقة من المحسوسات إطراداً مع التيارات الفلسفية المتصاعدة مع حركة المجتمع النامية، وهو ما يمكن أن نسمي به النحو في المراحل التي وصلت إلينا نصوصا عن أصحابها ؛ أي بعد أبي الأسود بما يقرب من قرن من الزمان وإلى عصور لاحقة عديدة .

وعلي كل حال فقد كان نقط أبي الأسود الدؤلي للمصحف فاتحة النحو العربي والخطوة الأولى في نشوئه ومجسدة لمرحلته الوصفية، وكان لعمله الذي ذكرته الروايات السابقة ولعمل غيره من القراء المنتشرين في الأمصار الإسلامية أكبر الأثر في نشأة النحو العربي . وإن كانت هذه النشأة لا تزال غامضة لا يُعرف عنها الشيء الكثير، فما ذكرته الروايات من أبواب وضعها أبو الأسود الدؤلي، وهي: باب التعجب، وباب الفاعل، والمفعول، والمضاف، وحروف النصب، والرفع، والجر، والجزم  لم يصل إلينا منه شئ يمكن في ضوئه معرفة مدي ما وصل إليه البحث في زمنه أو بعده حتي زمن الخليل بن أحمد .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

زهير الخويلدي"لا تستولوا على السلطة، بل تلتقطونها عندما تتدربون في الشارع"1

بعد مرور 40 عامًا على مغادرتها للعالم بجسدها، يظهر نص غير منشور للفيلسوفة الألمانية حنة أرندت في شكل كتاب صغير عن دار بايوت Payot يتكون من 70 صفحة - ويحمل عنوان "الحرية في أن تكون حرا"   la liberté d’être libre وعنوان صغير هو "شروط ودلالة الثورة"، ونقلته من الانجليزية إلى الفرنسية الباحثة فرنسواز بويوت، ولقد تم العثور عليه في الركن الموجود في أرندت بمكتبة الكونغرس في واشنطن، وهو جزء من مشروعها الدائر حول تعميم الثورة الاجتماعية عبر معالجة الأزمة الكوبية، وإنهاء الاستعمار، وتأييد الحركات المدنية المناهضة للحروب خاصة في فيتنام والمناصرة للعدل والسلام.

فماهي الحياة الحرة؟ هل الحرية امتياز؟ لماذا لا يمكن تصور ثورة بدونها؟ ماذا يفعل المرء مع حريته؟ قراءة كتاب "الحرية في أن تكون حرا" هي أن نفهم أن التغيير السياسي ممكن فقط إذا كان هناك تغيير اجتماعي. ويتم دعوتها لاستعادة الرغبة الشديدة في المشاركة في الشؤون العامة: لمناقشة كيف نريد أن نعيش سوية، وأن نفعل على نحو مشترك. تخبرنا حنة أرندت في نصها بأن الدعاوي المتزايدة في هذه الأوقات حول الشعوبية والسيطرة والمراقبة ليست سوى كلمات فارغة وأن إرادة الحياة المشتركة ممكنة.

لقد تضمن النص أيضا جملة الأسئلة الإشكالية حول الثورة والحرية والحق والدولة والأخلاق عل غرار:

 ما معنى الثورة؟ وماهو المقصود بالحرية؟ والعلاقة بينهما؟ وهل تسبق الثورة الحرية أم الحرية قبل الثورة؟ وهل كل ثورة تعني الحرية؟ هل تنشد كل ثورة الحرية؟ وكيف تساعد على تركيزها وتدعيمها؟    وإذا كانت كل الثورة تتم باسم الحرية، فهل تحصل عليها دفعة واحدة أم هي في كل مرحلة من مراحلها؟ ومتى تولد الثورات الاجتماعية؟ وماهي عوامل ظهورها؟ وماذا يجب أن يتوفر لكي تظهر إلى الوجود؟ وهل كل ثورة تؤدي إلى الحرية بالضرورة أم يمكن أن تتسبب في عودة الشمولية والاستبداد؟ أم هل يجب أن يكون المرء حراً بالفعل، على الأقل قليلاً، ليتمكن من التفكير في الإطاحة بالدولة؟ هل الثورة تحررنا أم تمنح الحرية؟ وما الحرية؟ هل هي الحرية الأخلاقية، وحرية الملكية بالمعنى الاقتصادية، والحرية السياسية، أم الحرية الفردية في التفكير والنقد وإبداء الرأي والمحاسبة وحرية المعتقد وحرية الضمير؟

وراء هذا الفيض من الأسئلة الحاسمة، يوجد السؤال الأساسي والمربك عن وجهة التاريخ ومصير المجتمع ومستقبل النظام وحال الدولة وطبيعة القيادة وشكل السلطة والصورة التي يتم ترديده في كل انتفاضة وثورة وعصيان وتمرد وانتفاضة، ولا يخلو من تذكير بكل أشكال المقاومة والتجارب الوطنية من أجل الاستقلال والحركات العمالية للمنظمات المناهضة للامبريالية، وبالتالي يظل السؤال مطروحا بشكل دائم: أي ثورة تكون مرادفة للحرية ؟ وإذا تم إجراء كل ثورة باسم الحرية فهل السياسة تنجز التحرر التام وتغير الظروف القاسية؟ وهل كل ثورة هي في الأساس عملية تحرر اجتماعي؟ وماهي المجالات التي يشملها التحرر السياسي؟ وماذا لو تضم حركة التثوير أيضا الوسائل المستخدمة في الفعل الثوري وجهاز الحكم والبنية الرمزية للواقع المادي والأهداف المقصودة وتغير دلالة الملكية نفسها؟

لقد تصور أرندت، في هذا النص، الثورة على أحسن وجه وجعلتها تتمفصل إلى مراحل وعناصر وأقرت بتعددها بمرور الزمن التاريخي وتنوع التجارب السياسية وتغير الشعوب والمجتمعات، دون أن تقلل من قيمتها، بل اعتبرتها من أول الأشياء المدهشة: وأخبرتنا بأنها من العملات النادرة تاريخيا وأنه يصعب استكمالها وأن تكون على حقيقتها بالرغم من كونها صادرة عن قرارات الثوار وإراداتهم، لكن بالإضافة إلى ذلك، تنبه أرندت من مخاطر الارتداد عنها عندما تتمكن الثورة من استعادة، في كثير من الأحيان، النظام القديم وتفضي إلى الحكم المطلق، بدلاً من العكس وتستشهد على الثورة الفرنسية.

تجري حنة أرندت في هذا النص مقارنة بين الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية. وتساءلت لماذا فشلت الأولى تماما، مما أدى إلى نظام مطلق، هو مع أنها كانت ثورة بامتياز؟ ولماذا استطاعت الثانية أن تحقق أهدافها ويتمكن الأميركيون من تأسيس دولة مسالمة ومستقرة وصلبة بنجاح، في حين أنها ظلت واقعة "محلية" وفردوس مفقود وثورة غير معروفة في العالم؟ ماهي أسرار تفوق الثورة الأمريكية؟

تجيب أرندت  بأن الثورة كانت مرئية قبل أن تؤدي إلى نظام ديمقراطي، وتركز حرية سياسية يمارسها الجميع من أجل الجميع، وقامت بمنح مجموعة من الحقوق الأساسية للأفراد وتمجيد الفعل والتعددية والكرامة. "بالإضافة إلى هذه العناصر الثلاثة التي تكون الفعل السياسي- الهدف الذي تتبعه، الغاية التي تريدها والتي وفقها تتجه، والمعنى الذي ينكشف داخلها أثناء حدوثه، يضاف العنصر الرابع الذي... أسميه مبدأ الفعل ...نستطيع أن نقول أنها تتكون في الاعتقاد الأساسي الذي تتقاسمه مجموعة بشرية."2[2]

لقد كانت الكلمات الخفية التي ترددها أرندت تدور حول فهم معنى التاريخ والمسألة الاجتماعية وتتطلع إلى غائية الفعل السياسي ورفض تقييد الثورة بقوانين وحتميات ورأت أنها تأتي من تفكك السلطة والحلم بالحرية عند الشعوب، ولذلك افترضت ظروف الحياة وفكرة الحرية الموجودة مسبقا لتكون قادرة على المطالبة بها . كما أقرت أرندت بنظرة متفائلة إمكانية نجاح الثورات بأن تؤدي إلى بناء نظام سياسي مليء بالحرية والالتزام بالقانون والتعايش ورفضت أن تتسبب في الفوضى وتؤدي الى حرية سلبية، وغير كافية . بهذا المعنى ليست الثورة تجربة معممة وحتى تافهة في عصرنا، ولا مجرد  كلمة في المعجم وإنما  شغف جمهوري تتجلى في أفعال سياسية وحركات مقاومة وتجارب نضالية تخوضها الشعوب من أجل الكرامة، وهنا يكمن المعنى في فعل الثورة ذاته عندما تكون مرئية وتحدث ولادة أفراد حتى الآن لم يتحدوا كليًا. لكن هل نجحت حنة أرندت من خلال هذا النص في فهم أسرار الثورة بتركيزها على الحرية؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.........................

المرجع:

1- Hannah Arendt, la liberté d’être libre,traduction de Françoise Bouillot, Payot, Paris, 2019.

2-  حنة أرندت، ما  السياسة؟، ترجمة د زهير الخويلدي، سالمة بالحاج مبروك، منشورات الاختلاف، ضفاف، الجزائر، بيروت، طبعة أولى، 2014، صص125-126.