علي رسول الربيعيالإسلام والعلمانية وتحديات حقوق الإنسان (4)

المطلوب أن يبدأ البحث عن أسس لحقوق الإنسان من دون عرض التراث القانوني الإسلامي التاريخي كنظام شامل يتم تطبيقه إلى أقصى حد في نشر الأخلاق العالمية المستمدة من الوحي الإسلامي. ومن المناسب الأشارة هنا الى أن الوثيقة الدولية العلمانية لحقوق الإنسان لاتدعي الالتزام بأكثر من أساس غير شامل وبسيط. من المؤكد أنها مبنية على اتفاق أخلاقي متعدد الثقافات حول حقوق الإنسان، وبالتالي، فهي تعدّ مُسؤولية الناس في كل مكان، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية وخلافاتهم، عن الصلاحية المطلقة لبعض الادعاءات الأخلاقية. التي تحمي وتعزز الحريات الأساسية لجميع البشر بوصفهم بشر. لكن ما يواجهنا من تحدي هو أن المعايير الأخلاقية مستمدة من تجارب أخلاقية متمايزة تؤكد على الطابع التاريخي الخاص الذي يميًز كل شخص، وهذا هو مايجعل كل ادعاء أخلاقي واضحًا في التقاليد الثقافية التي تشرح تلك المعايير. فتظهر مشكلة هي إن مفهوم الأخلاق المشتركة المعروفة لجميع البشر، في سياق لغة حقوق الإنسان هناك من يعتبره أنه غير شامل، لأنه على الرغم من أن مفهوم الحقوق أو الواجبات الطبيعية القائمة على العقل العالمي في الفكر الغربي كان بمثابة أساس منطقي لأخلاق عالمية علمانية في الوثيقة أو الإعلان، فإن تطبيقها عبر الثقافات في سياق التقاليد الدينية المختلفة أمر مثير للجدل1. وفي الوقت نفسه، ليست هناك حاجة للإعلان أو أي وثيقة من هذا القبيل التي يحمي مضمونها ويبرر حقوق الإنسان الأساسية على أساس المذاهب الشاملة، لأن المهم هو أن المعتقدات الأخلاقية المستمدة من مصادر دينية أو غير دينية يجب أن تولد التزامًا عامًا لحماية كرامة الإنسان، وليس الأخلاق الشاملة.

يمكن للمجتمعات المسلمة أن تلائم هذا الفهم غير الشامل للأخلاق، في متناول جميع البشر كبشر، من حيث المفهوم الأكبر للقرآن للطبيعة البشرية والغرض من الخلق. وبعبارة أخرى، يمكن أن تكون المفاهيم القرآنية عن الإنسانية كمجتمع واحد تحت رعاية الله، والمساواة بين جميع البشر من خلال هبة الله ذات لطبيعة أساسية القادرة على تمييز القيمة الأخلاقية للعمل المرتبط بالوحي بشكل بديهي، بمثابة أساس الحد الأدنى حقوق الإنسان في الإسلام. يمكن لهذا الأساس أن يسد، بدلاً من تجاوز، الفجوة الفكرية والأخلاقية بين الأخلاق العالمية العلمانية والدينية غير الشاملة من أجل جعل قضية مشتركة للتربية الأخلاقية والتدريب حول الكرامة الإنسانية المتأصلة والقيمة الأخلاقية لكل شخص على هذا النحو. يمكن أن يعود اساس الحقوق الإنسانية إلى الشخص لمجرد إنسانيته، سواء قبل أو لم يقبل الإسلام كدين له، الى مفهوم الطبيعة البشرية الواحدة وهي الفطرة بوصفها النقطة الأكثر منطقية لدخول المسلمين في لغة حقوق الإنسان. إن فمفهوم الأساس الطبيعي أو الفطري للإنسان هو المذهب الأساس للقرآن الذي يؤكد إصرار على خلق الله الهادف للبشرية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.........................

 -1Gene Outka and John P. Reeder Jr., eds., Prospects for a Common Morality (Princeton, NJ: Prin ceton Uni versity Press, 1993), pp. 3-4.

 

 

عصمت نصارلقد زعم العديد من المستشرقين أن البيئة البدويّة التي نشأ فيها الإسلام بما فيها من تعصب وصراع قبلي، قد انعكست بدورها على السياسة الشرعية. إذ جعلت معيار اختيار الحاكم هو القوة والشوكة، وجعلت المستبد العادل هو الحاكم الأفضل في الحكومة الإسلامية، كما أوجبت على الرعية السمع والطاعة له باعتباره ظل الله على الأرض وخليفة النبي المنوط بنشر الدين الإسلامي طوعا أو قهراُ، كما أن السياسة الشرعية قد جعلت لذلك الحاكم اليد العليا دون شريك في تسييس البلاد واختيار الأعوان من الوزراء والقضاة والجند والشرطة.

وحسبنا هنا أن نوضح الأمر وإثبات تهافت هذه الادعاءات؛ فحديثهم عن البيئة البدوية ومنطق البقاء للأقوى هو في الحقيقة سنة، لم يخل منها مجتمع في رحلة انتقاله من طور البداوة إلى طور التمدن، ولعل اعتناق العرب للإسلام هو الذي عجّل بطور التحضر والسلام بين القبائل ثم تشييد أعظم حضارة في التاريخ.

أمّا تفضيل المسلمين في السياسة الشرعية لصاحب الشوكة؛ فإنّ هذا يتناسب مع الطور الذي نشأت فيه دولتهم، فلا يجوز أن تقام دولة بين إمبراطوريتين عظميّين "الفرس والروم" لهما تاريخ حافل في المعارك والحروب، ولا تعلن عن بأسها وقوتها العسكرية، كما أن شرط القوة أو الشوكة يأتي ضمن المعايير التي يختار بمقتضاها الحاكم أي أن القوة ليست هي المعيار الأوحد.

أما مصطلح المستبد العادل فقد استخدم في سياق إجرائي ففهم خطأ، فالمستبد في معناه  اللغوي الصحيح هو الشخص الذي يأخذ الشيء ولا يتركه إلا بعد تمامه، وليس المستبد المنفرد بالرأي الراديكالي الإيطاحي الفاشي الذي لا يحترم آراء الآخرين ولا ينصت إلا لنفسه كما هو الحال في المصطلح السياسي المعاصر، فإن مثل هذه الصفات لا تتفق مع صفة العدالة، والمراد عند الأصوليين بالمستبد العادل هو ذلك القائد الحاسم الحازم، الذي يحسم الأمر دون تباطؤ أو خوف، وقد اجتمع المتكلمون على صفات رئيسة يجب أن تتوفر في الحاكم وهي العلم والعدالة والورع وحسن التدبير في السياسة والقوة والشجاعة والرفق والرحمة بالرعية.

ولعل جمال الدين الأفغاني قد صاغ المصطلح أى (المستبد العادل) بنفس الدلالة التي أوردها المواردي وابن تيمية وابن الأزرق أي القوي الغالب ذو البأس العادل. لذا نجد ابن أبي الربيع والمواردي والغزالي وابن خلدون وغيرهم يشترطون أن يكون الحاكم مستبداً عادلاً، أي حريصاً على تحقيق العدل وافشاءه في الأمة.

ويضيف الغزالي أن الاستبداد لا يعني أبداً القمع أو الإرهاب أو إهدار كرامة المحكومين، بل أن ذلك يتعارض تماماً مع أخلاقيات الحاكم المسلم، فالحسم لا يتعارض أبداً مع النصح واللين في التوجيه، كما أن السياسة لا تعني الاستطالة أو التجبّر أو الافراط فى العنف، فالكرامة الإنسانية هي أساس ممارسة السياسة في الإسلام، عدلاً وإنصافاً، باعتبار أن الأمة هي صاحبة الشأن، والحق، والمصلحة ابتداء، ما لم يسقط المكلّف نفسه عصمته وكرامته باختياره ومحض إرادته. كما يؤكد الغزلي اننا نريد أن ينفّذ السلطان أموره بالرفق، وألا يلجأ إلى الشدّة والعنف في كل أمر يستطيع تحقيقه، فلقد دعا صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهم الطف بكل والى يلطف برعيته، وأعف عن كل والى يعفو عن رعيته".

ويضيف المواردي أن خلق الدنيا زاداً للمعاد، ليتناول منها ما يصلح للتزود، فلو تناولها بالعدل انقطعت الخصومات، ولو تناولوها بالشهوات لتولدّت الخصومات، فمسّت الحاجة إلى سلطان يسوسهم، واحتاج السلطان إلى قانون يقومهم. ويعني ذلك أن انحطاط  الأخلاق في المجتمع وفساد الرعية وتطاول المجرمين منهم هو الباب الذي يدخل منه المتجبر لإهدار كرامة الناس بغية إصلاحهم واقامة العدل فيهم والحفاظ على أمنهم.

ويؤكد ابن خلدون مع المواردي والغزالي أن إرادة المستبد العادل وقوته في تحقيق العدل لا يمكن الوفاء بها الا إذا كان المجتمع مهيئاً لذلك، الأمر الذي يترتب عليه أن نجاح الحاكم أو السّاسة أو الزعماء أو القادة وحتى الرسل والأنبياء، مرهون بصلاح المجتمع. فابن خلدون يقدم حسن التربية وغرس الأخلاق الحميدة في الأمة على الردع والعنف في إقامة العدل واستتباب الأمن.

كما يؤكد ابن الأزرق على ضرورة تولي ملك المسلمين للمستبد العادل إذ يرى أنه لا يستحق هذا المنصب إلا من تمكّن بقهر يده التي لا فوقها يد، لجباية الأموال وحماية الحدود، ونشر العلم وإصلاح المجتمع والضرب على يد الخارجين والعمل بمشورة الصالحين، والعاجز عن ذلك ناقص الملك، وأنه الكفيل بإرضاء الخلق وإنزال الساخر منزلة الراضي.

ويضيف ابن خلدون أن المجتمع والملك في حاجه إلى ذلك المستبد العادل الذي لا يذم فعله من قبل الله أو الرعية، ولا يقدح لظلمه أو غصب الرعية على اعتناق الملة، فهو مستبد في انتصاره للحق ومراعاة المصالح.

وحسبنا أن نشير إلى أن مبدأ الغاية تبرر الوسيلة الذي أستنه "الفيلسوف الإيطالي ماكيافيلي" وفصل بمقتضاه الدين والأخلاق عن السياسة، يختلف تماماً عن مبدأ أن السبل للمقاصد لا تتعارض مع مآلاتها  فى الاسلام. ويعني ذلك أنه لا يحق لولي الأمر في السياسة الشرعية الخروج عن قطعي الثبوت وقطعي الدلالة، أو الأمر بنقيض صلب العقيدة كإباحة الزنا مثلا لجلب المال أو الكذب على الشعب وخيانة الوطن وتبديد الأرض اتقاءً لقوة غاشمة أو سلطان أعظم او اهدار كرامه الأمنيين لتخويف المجرمين.

بل يمكن للمقاصد الشرعية أن تسلك مسلكاً مغايراً لطبيعتها الخيرة في الظاهر، ولكنها تنتمي إلى خيريتها في الحقيقة، مثل الشر الجزئي المتمثل في الضرب على يد القلة الباغية، فظاهر الفعل شر وسيلة، غير أن الغاية من تقتيلهم هو إستتباب الأمن ومراعاة المصالح العامة، شأن سدِّ الذرائع وجلب المصالح، ويضيف ابن خلدون أن المبدأ الأخلاقي الإسلامي هو الذي يسعى إلى خيرية الإنسان، وعليه فإن الوسائل التي يسلكها في السياسة ينبغي ألا تختلف عن ذلك المقصد، فالغاية الثابتة لها وسائل متعددة غير متعارضة، وبما أن الإنسان إلى خلال الخير أقرب، فالملك والسياسة، إنما كان له من حيث هو إنسان، لأنها خاصة للإنسان، لا للحيوان، فإن خلال "الخير" هي التي تناسب السياسة والملك.

كما أن مفهوم السيادة في فلسفة " الفيلسوف الإنجليزي هوبز" يختلف تماما عن مفهومها الإسلامي؛ إذ يجعل الأول من الحاكم ملك متجبر مطلق الأحكام وليس من حق الراعية مراجعته أو تقييمه، أما السيادة في الإسلام فتعني القوة العليا التي تسهر على تسييس أمور الدولة، لتحقيق الأمن والمصالح العامة للراعية  التي رفعت الحاكم إلى تلك المكانة. فاذا فشل فحق لها فسخ العقد.

ففزّاعة الفوضى وانعدام الأمن الذي يبرر بها "هوبز" تجبره واستبداده وجوره لا يجوز في الإسلام، إلا إذا كانت الرعية أضعف من أن تحقق النصر عليه وتطيح به وتأتي بغيره مستبداً في عدله.

وقد انتهى ابن رشد وابن خلدون وابن الأزرق إلى أن تغيير المجتمع للأفضل مرهون بأمرين، أولهما : استعدادات العقل الجمعي للتقدم وذلك بنشر القيم الأخلاقية والمثالية فيه.

والثاني : هو وجود رغبة عند الأفراد لقبول العلم وآليات النهوض، وبذلك يتلاقى العقل القائد مع العقل الجمعي السائد.

والسيادة في السياسة الشرعية هي المعنية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعبير عن مصلحة الأمة ومن ثمّ لا يمثلها العوام أو الجمهور- كما هو الحال عند (جان جاك روسّو) - ولا أصحاب الأموال - كما هو الحال عند (لوك) - بل يمثلها أهل الحل والعقد في الإسلام لما توفر فيهم من الحكمة والدربة والدراية والعلم والتقوى. وعليه فإن اعتراض العامة أو عصيانهم لولي الأمر غير جائز شرعاً وذلك لأنهم غير مؤهلين للسياسة أو تطبيق المقاصد الشريعة التي تحتاج في أحكامها السياسية إلى اجتهاد واستنباط  وتقديم المقاصد على حرفية النصوص، وذلك كله يفتقرون إليه. ويضيف الغزالي أن السيادة الشرعية المستمدة من الدستور الإلهي لا تتمكن من تسييس الدولة إلا بذلك المستبد العادل، فهو الذي يفعّل القانون ويطبّق الدستور.

لا شك فى أن غيبة القراءة النسقية للتشريع الإسلامي هي التي جعلت من كل الدعوات التي تردد مبدأ الحاكمية، والإسلام هو الحل، والحكومة الشرعية، مجرد أوهام أو شعارات جوفاء على ألسنة مردديها وخصومهم المنكرين لحقيقه السياسة الشرعية الجامعة بين اخلاقيات الدين وسياسة الدولة على حد سواء، فالحقيقة الغائبة تتفق تماماً مع الأصول الشرعية للعلاقة بين الحاكم والمحكومين.

أمّا عن حديث المستشرقين عن النزعة الاستعمارية للسياسة الشرعية باسم الدعوة للدين واستخدام القوة في ردع المخالفين فإن ذلك مردود عليه، فقد تصدّى العلماء المحدثون لهذه الفرية وبيّنوا أن الجهاد في الإسلام لا يكون واجباً إلا للدفاع وصدّ الاعتداء ونشر الدعوة وإغاثة المضطهدين ودرء الفتن والحفاظ على العهود والمواثيق وحماية النظم الإسلامية واستتباب الأمن. ودون ذلك من عنف لا يسأل عنه الإسلام بل هي مطامع الساسة وانحرافات المجترئين.

وما قدمته لا يعدو أن يكون قراءة, لتذكره  الغافلين، إن من أهم آليات الحاكم لتقويم الواقع هو قدرته على اختيار عماله، فإساءتهم للرعية  أو تجبرهم سوف ينسب لمن أوكل لهم الأمر وولاؤهم على رقاب العباد. والسؤال المطروح  هل يمكننا إدراج مفهوم المستبد العادل ضمن الأساطير والمدن الخيالية الفاضلة؟

 

بقلم : د. عصمت نصّار

 

 

مجدي ابراهيمزعماء الإصلاح في العالم العربي على اختلاف توجهاتهم ومنازعهم هم أكثر الذين نقدوا النزعات الصوفية وعدّوها من حواجز التقدّم باعتبار الفكرة الصوفية عندهم على وجه العموم كانت تمثل عائق تقدّم، وأن تخلف الأمم مرهون بالولاء لهذه الفكرة. وتقدّمها في الغالب مُقرَّر في مقاومتها ومقاومة كل من يدين لها بالولاء. ومع ذلك؛ لم يكن البعد الإصلاحي في التصوف على وجه العموم بغائب عن عناية هؤلاء الزعماء؛ لأنه قائم بين محاولاتهم الإصلاحية، قادر على مجاراة أنشطتهم الفكرية والروحية، وبخاصّة في مجال التربية والإصلاح.

ولم تكن حركة التنوير العربية التي بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي برفاعة رافع الطهطاوي (1801 - 1873م) ومن خلال ما تلاه من رموز الفكر الإصلاحي امتداداً للقرن العشرين، هؤلاء الذين قدموا لأمتهم العربية أصوب الآراء وأدق القضايا وأشدّها خطراً على المستويين : الداخلي والخارجي بالتي تتجاهل البعد الإصلاحي في التصوف على التعميم. ولم تكن كتابات جمال الدين الأفغاني (1839- 1897م)، وعبد الرحمن الكواكبي (ت 1902م), في الربط بين الفكر والسياسة، وفي مجال الإصلاح السياسي على وجه الخصوص تخلو من التبتل العميق الذي يكشف جوهر التصوف في الروح والنيّة قبل أن تكشفه في السلوك والطريق. ولم تخلو مجمل الآراء الإصلاحية التي قدّمها الشيخ محمد عبده (1849- 1905م)، أو قاسم أمين (1863-1908م)، أو محمد إقبال (1873 - 1938م)، أو الشيخ مصطفي عبد الرازق (1885- 1947م)، أو أحمد أمين (1886 - 1954م)، أو المفكر المصلح الجزائري عبد الحميد بن باديس (1889 - 1940م)، أو الأستاذ عباس محمود العقاد (1889 - 1964)، أو طه حسين (1889 - 1973م)، أو غيرهم من كبار المفكرين والمصلحين الذين يعلمون عن الإصلاح ومداخله الكثير والكثير ويدرؤون الفساد بالتفكير الدائم في قيم الثقافة والتعليم والحضارة والتقدّم وممارسة الخُلق الرفيع من نقود عارمة عنيفة للتصوف السلبي ومع ذلك يبرز فيها بعد روحي أقوى ما يكون تصوفاً وخلوصاً من ناحية النزوع إلى الإصلاح والتربية والتعليم.

فهؤلاء المصلحون هم في الواقع كانوا خيرة عقول الأمة، ولا زالت آراؤهم تنير لنا الطريق في الثقافة الإسلامية والتربية الروحية وإصلاح الباطن قبل الظاهر، والجوهر والمضمون قبل الأشكال والأعراض، وكل هذا تصوف لا غبار عليه. ونحن في هذا المقال نكشف عن بعدٍ حيوي في التصوف لا يمكن في تقديرنا إغفاله بوجه من الوجوه، هو من القيمة الحقيقية الفاعلة من قيم التصوف يلزم لرجل الروح كما يلزم للرجل الفكر سواء.

ولا جَرَمَ كانت أهداف التصوف متمثلة في الدعوة الإصلاحية؛ وهى لا تزال في الغالب هدف التصوف الأوْحَد من ناحيته الاجتماعية لدى طلابه الحقيقيين ممَّن يعرفون له قدراً واقتداراً، لا يريدون سوى الإصلاح ما استطاعوا إلى الإصلاح سبيلاً. فلن يكون هناك تصوف بالمعنى الحقيقي لكلمة تصوف ما لم يكن هدفه هو إثراء البعد الاجتماعي الذي يتجسَّد في التربية والإصلاح؛ وهذا ما قام به شيوخ التصوف الكبار على وجه الإجمال: إصلاح الإنسان في بعده الروحي : إصلاحه بالكلمة، وبالفكرة، وبالتصرُّف، وبالسلوك، من طريق الدعوة إلى الله متمثلاً قوله تعالى:" أَدْعُو إلىَ سَبِيِلِ رَبِّكَ بالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ ". فالدعوة إلى الله بالحكمة إنما هى كلمة حق تخرج من لسان صدق هادفة إلى الإصلاح والتقويم والتهذيب ولها من الغايات أجَلَّها وأقصدها حين تخلص لله في سبيلها ولا تنتظر من خلقه شيئاً قلَّ أو كثر؛ فمثل هذا الانتظار فيه "زعامة" زائفة يتطلع أصحابها من طريق الدين إلى مجد زائل ومطالب دنيوية، يبتغون من وراء الدعوة الخالصة في سبيل الله أن يكون لهم حظهم الدنيوي يتفاخرون به ويفتخرون، وهذا الأمر بعيدٌ عن حظيرة التصوف بإطلاق.

هاهنا لابد لنا من وقفة نَعْرض فيها سلبيات الداعين إلى الله من طريق أنفسهم لا من طريق الله! فإن التَّوجه إلى الله لا يُفْرَضَ بإرادة البشر فرضاً قسْرِيَّاً مُكْرهاً بما يفهمه البشر من منهج الله : فَهْمُ البشر لمنهج الله شيء، وإرادة الله لهم شيء آخر .. العناية الإلهية فوق مستطاع البشر جميعاً : فوق إرادتهم، وفوق فهمهم من تلك الإرادة .. ماذا عساهم يريدون؟ وفوق أوْهَامهم التي يتصورنها عن الله، بحيث صَوَّرَت لهم خيالاتهم الفاسدة أنهم يدافعون عن الله، وهى كذلك فوق آمالهم وظنونهم التي يتوجهون بها إلى الله. إنما الذين يطلبون "الزعامة الدينية"، يتمركزون حول ذواتهم، ويطلبون أهواءَهم من طريق الدعوة، ويريدون رؤية أنفسهم في غير ما ينظرون إلى الحقيقة من وراء تعاليم الإسلام.

إنما الإسلامُ في حِلِّ عن الأشخاص. مهما كان هؤلاء الأشخاص وأينما كانوا : أعرف الحق تعرف أهله؛ ولا تعرف الحق بالرجال؛ فإن معرفة الحق بالرجال فيها من النكوص والبطلان ما يؤخِّرها عن رتبة المعرفة الحقة؛ لاختلاف الأهواء والتَصورات ومواطن القوة لديهم، ومواطن الضعف.

لا تعرف حقاً قط على ألسنة الرجال بل أعرف الحق من الحق أولاً تعرف أهله .. وتمادي في العرفان ! ليس كل علم يستقل بالإحاطة به كل شخص، ولا كل شخص يستقلُ في نفسه بالإحاطة بالعلوم؛ وليس كل إنسان في مستطاعه أن يدرك الحقيقة المجرَّدة عن نزغةِ الهوى؛ ولا كل إنسان بمقدوره أن ينظر إلى الواقع الفكري والثقافي للعقل الدعوى نظرة الذين يفكرون ويعقلون ما هم يفكرون فيه، ولا كل إنسان بقادر على أن يكون من أولئك الذين يرون الأشياء بالله من خَلف حجاب السبب؛ لكنما هى مواهب وقدرات تتصل بتكوين العقل وإحاطة القلب بنور المعرفة في غير عوائق أو حُجُبْ.

ومن أجل ذلك، قال الإمام علي بن أبي طالب - رضى الله عنه :" لا تعرف الحق بالرجال؛ أعرف الحق تعرف أهله ".

وأهل الحق يأخذون الحق من الحق لا يحيدون عنه، ويأنفون من أخذ الباطل ولا يطيقون استطالته وطغيانه. ومن هنا؛ فينبغي معرفة الشيء في ذاته بعيداً عن خُزَعْبَلات الأشخاص، ومن هنا أيضاً، فأغلب الذين يَدْعُون إلى الإسلام اليوم - إلا مَنْ رَحمَ رَبُّكَ - ممَّن نراهم على شاشات الفضائيات؛ أو في ساحات الميادين والمنابر والطرقات، ويعقدون من أجل الدعوة أحكم المؤتمرات وأحشدها ويعبِّرون في وداعة (!!) عن "العقل الدعوى"؛ يدعون له وهم في الواقع يدعون لأنفسهم ولمصالحهم ليعبدهم الناس بدلاً من عبادة الله. إنما يريدون أن يكتسبوا المكانة الاجتماعية، وربما ما هو فوق المكانة الاجتماعية أيضاً؛ بمثل هذه الدعوات التي لا تدلُّ على الحقيقة أو تدعو إليها بل تحتكرها !

والزعامة الدينية لا تنهض دليلاً على الإخلاص في الدعوة. ومداخل الشيطان ومساربه وحظوظ الهوى ومطالبه وفتنة الدنيا وتسرب ذلك إلى نفوس الداعين إلى الله؛ أخطر وأدق من أن يتنبّه إليها أحَدُ إلا في أقل القليل النادر. واكتساب الزعامات الدينية فضلاً عن كونها تسيء إلى صحيح الإسلام فهى تقدح في نية طالبها فضلاً عن قدحها مباشرة في التوحيد، وفي وعي صاحبها بهذا الدين : رُوُحُهُ وخطابُه وتبليغه بهذه الروح وبذاك الخطاب!

وما يقال عن هدم التصوف للزعامات، يقالُ بنفس الدرجة وأقوى منها عن هدمه للكهانات.

وفي الحق؛ قد كشفت أدبيات القدماء عن مثل هذه الزعامات المتسلطة؛ إذْ كانوا يتنبَّهون إلى فعل الأهواء والمطامع والأغراض والمصالح فيها جيداً، ربما أكثر مما نتنبَّه نحن إليها اليوم، مع تطور الزمن وشدّة الادعاءات فيه. وكان الإمام أبو حامد الغزالي أحد هؤلاء الكبار الذين أفاضوا في الجزء الثالث من "الإحياء" في شرح تلك السدود والحواجز والقيود؛ ووجوب رفع تراكم الحُجُب التي تقف حائلاً منيعاً بين العبد والوصول إلى الحق؛ مما ليس ينحصر هنا تحديداً إلا في إشارات.

فهناك - كما قال - زعامة "الرياسة"، وهناك زعامة "الجاه"، وهنالك زعامة  "المنصب"، وهنالك زعامة "السلطة". لا ريب كانت هذه الزعامات يشملها جميعاً مفهوم العلو، والتعالي، المجموع في التقدير القرآني تعبيراً بقوله تعالى:" تلك الدَّارُ الآخِرَةِ نَجْعَلهَا للَّذِيِنَ لا يُرِيدُونَ عُلوَّاً فِي الأرْضِ وَلا فَسَاداً، وَالعَاقِبَة للمُتَقِينَ ".

هذا العلو هو في بعض التخريجات يعني : النظر إلى النفس. أمّا الفساد؛ فيَعني النظر إلى الدنيا، والأمن من المكر والكبر والعجب.

وأصل ذلك كله الجهل، وليس الجهل هنا بالطبع جهلاً بالعلم، لا .. فقد يكون الإنسان عالماً ولكنه في هذا الموطن بصفة خاصة هو من أجهل الجاهلين. الجهل هنا جهلُ بالنفس، ثم جهل بالله؛ مع كون الجاهلُ عالماً من حملة الشهادات البرَّاقة واللافتات العلميّة الكبرى ممّا من شأنه أن يخطف العين ويُذْهب البصر, غير أنه يعدُّ جاهلاً مادام علمه لم يتحوَّل إدرَاكِيَّاً إلى علم بالجهل. فالعلماء بالله على هذا؛ هم علماء بجهلهم؛ أي هم الذين يدركون جهل أنفسهم عن أن تصل إلى "حقيقة الحقائق"، أو حتى ما دونها، ناهيك عن احتكارها أو امتلاكها، فضلاً عن التعبير عنها بعد العلم بها. الأمر الذي ينفي صفة العلم عمَنْ يدعيه وهو على هذه الحالة.

فأمّا الذين يعلمون ويقولون مع شدة الادِّعاء إننا علماء فهم جهلاء على التحقيق. وعن الجهل يكون الكبر لا محالة وطلب العز في الدنيا، والعلو في الأرض، والتَلهُّف على السلطة والاستبداد بها، وحرمان الغير منها ولو على سبيل المشاركة.

وطلب العز في الناس هو الذي يتولد منه العُجْب. فالوصول إلى قرب الله تعالى؛ وإلى مراتب دُنوِّه كما نبَّه عليه سبحانه في الآية الكريمة، لا يكون مطلقاً لمن له حب "الزعامة": رياسة، وجاهاً، وسلطة، ومنصباً، ونفوذاً ... وأترك لك أن تعدِّدَ أنت أنواع الزعامات التي تلاقيها في نفوس البشر ممَّن يحيطون بك وألوان الاستبداد بها! وهو كذلك لا يكون مطلقاً لمن تمكن حبّ هذا كله أو بعضه من قلبه.  وإنما يكون لمن حذف هذه الآفات المُمْرضة عن قلبه ولم يباشر حظوظ نفسه وهواه، ولم يخضع لمصالحه ومطامعه وأغراضه فيما يتوجَّه به إلى خالقه، هنالك يَخُصُّه الله بالدرجات الشريفة والسعادات الدائمة فلم تعد تأتي منه إذْ ذَاكَ أفعال الخبيثين.

الدين لله لا للأشخاص والجماهير العريضة وقطاعات وفيرة منها في الغالب، تقدِّس الأشخاص الذين يتحدثون في الدين من حيث لا يشعرون بألوان الخطابات الطاعنة في الدين نفسه، شَعَروا بذلك أم لم يشعروا، وتُلْبِسَهُم أثواب القداسة لمجرد أنهم يتكلمون عن الله ورسوله؛ فيما لو مسَّت دعوة الداعي مشاعرهم، وذلك لأنها جماعات تنزع إلى المحسوس في كل ما ترى وفي كل ما تحسّ وتشعر، فتتخذ من الداعين إلى الله مكاناً للتجسيد القبيح؛ ليتسلط الداعي بعدها تسلطاً بغيضاً من حيث لا يشعر فتتحول الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة على يديه إلى سُلطة، وتتحول الموعظة الحسنة إلى سياط يعلو قلوب الناس وعقولهم لا إلى رحمة للعالمين!

إنه الإرهاب ! الإرهاب بكل ما تحمله الكلمة من وَقْعِ كريه على المشاعر الإنسانية النبيلة : إرهابُ المشاعر والأفكار، وإرهابُ الضمائر والقلوب، وإرهابُ الطمأنينة النفسية وأمان الاستقرار، وما أكثر الذين يُرْهبون الناس - بالفكر والواقع -  فيرتكبون على شاشات الفضائيات جرائم بشعة في أبواب الفتاوى تارة أو تحت ستار الفكر الإسلامي تارة أخرى، وفي عناوين وشارات كلها ترتكبُ باسم الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ والدعوة إلى سبيل الله منها براء ..!

إذا كانت الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة قاعدةً أساسيةً لا يرتاب فيها مؤمن مُصَدِّق بهذا الدين؛ فإنها تُنْتَكس - لولا أن الله يحفظ سبيله - على أيدي أولئك الذين يُعَبِّرون عن أنفسهم واتجاهاتهم وأنماط تفكيرهم وزعاماتهم من خلالها، ويريدون أن يمتلكوا الحقيقة من خلالها .. ولا حقيقة عندهم إلا فيما يقولون ويعبرون ..! إنّ الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ليست منهجاً مُغلقاً ولا هى بالأسلوب الأوحد الذي لا يعرف التغيير والتبديل وفق ظروف حياتية ومستجدات واقعية وتقلبات نفسية وتطورات معاشة في الواقع العملي، وإنما هى منهجُ مفتوحُ، ليس بجامد ولا هو بالمغلق، بَصِيرٌ بالواقع وبالناس، وبَصِيرٌ بالدنيا وبالأحداث؛ لأنه منهج قبل ذلك كله، وبعد ذلك كله، وفوق ذلك كله، بَصِيرٌ بالله، وينبغي أن يكون صاحبه على الدوام بَصِيراً بالله.

والبَصَرُ بالله إخلاصٌ لله وحده في الحلِّ والترْحَال؛ في القول والفعل؛ في الحركة والسكون؛ في النشاط والخمول، في كل شيء، في كل شيء بغير استثناء، وحقيقٌ بالبصير بالله أن يكون مخلصاً إخلاصاً لله وحده لا شريك له، ولا شيء غير ذلك؛ ففي هذا الإخلاص بصرُ بالله وبصرُ بالناس. وليس معنى البصر بطبيعة البشر أن يتخلىَ المنهج عن روحه، وعن خصوصياته، وأن يستجيب لتقلبات الأهواء البشرية، بل معناه المقصود هنا هو الاستيعاب، والاحتواء، وامتصاص السَّقطات البشرية تحت ديدن الإخلاص لله : شرط النشاط الإنساني كله. فأي تفريط في دين الله في نفس الداعية هو انتكاسة عَقَدِيِّة قبل أن تكون خُلقيِّة : انتكاسة تستوجب التوبة وتقتضي من صاحبها ضروب الحذر والتَّوَقِّي.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

سامي عبد العالتَعرّفنا سلفاً على كيفية صناعة الرعاع (السوقة والغوغاء) في جسد الثقافة ومن ثمَّ عبر تراث المجتمعات العربية. كانوا يشكِلوا ظاهرةً عصيةً على التفسير من أول وهلةٍ، لأنَّهم بمثابة الوجه الضروري لغلبة نمط السلطة واستبدادها. وبالتالي لن تُدرك أحوالَّهم ولن تضعهم بين قوسين ما لم تُدرك أولاً ماذا تفعل هي، بل كانت السلطة ستحتاج إلى تعريف ماهيتها وماذا هي بالضبط. ونحن نعرفُ أنَّ كل تعريف هو نوعٌ من التحديد، وأي تحديد سلب على طريقة هيجل، وهذا قد يخدش صورة السلطة ورموزها في مرآة الحياة.

ونظراً لكون السلطةَ في الذهنية العربية (لا تريد) إدراك ماذا تفعل، فلن تستطيع بالتبعية معرفة ماذا تترك من آثار. هذا مسارها- القديم والحديث- لدينا كعربة طائشة  crazy car (بدون كوابح) لا تلتفت إلى الوراء، ولا تعي ماذا قطعت، ولا ماذا فعلت من حيث المبدأ. السلطة حجاب يصعب الرؤية من خلاله ولا من ورائه، كأنَّها كتلة صماء بلا معالم، فقط تتحدث إلينا دون أنْ تسمع. كلُّ سلطةٍ من هذا القبيل هي التاريخ المسكوت عنه والذي يتم فيه فرزُ الناس تبعاً لتصنيفات اجتماعية يُعاد استعمالها في العلن. وتبلغ درجة التكتم على أسباب ذلك الوضع حتى يُصدق الناسُ أنَّهم هم السبب ليس إلاَّ.

الرَّعاع قد صُنعوا ثقافياً واجتماعياً وتحولوا إلى ما هم عليه (المهمشون- الفقراء – العامة- بسطاء الحال)، فلنحاول إذن معرفة طريقةِ إدارتهم، وهي المرحلة اللاحقة على المرحلة الأولى منطقياً. وربما تعد أهم منها... لأنَّ هذا الكم المهمل من البشر يحتاج إدارة سياسية لكيانهم (حيث لا يملكون غيره) في خريطة الحياة اليومية. هم من تلك الجهة يعتبر الرعاع اكتشافاً بنيوياً structural discovery بمعنى الكلمة، وعلامة بوجود خلل تاريخي في المجتمعات العربية القائمة على تباين أحوال العيش.  وضعهم مثل الصديد الذي يوجد تحت الجلد وبين الأنسجة والعضلات ويحذّر الأطباء منه مخافة أن ينتشر ويلامس العظام!!

بكلمات أوضح: يُعتبرون-  أي الرعاع- ترْساً عضوياً في عجلة المجتمع وأدواته التي تتجاوز جميع المجالات. فقد يعدهم الساسة وسيلةً لتحقيق المآرب (بعض الشعوب)، وربما يعتبرهم سواهم بيئة خصبة لنشر الفوضي، بينما يُشعل آخرون -بخلاف هؤلاء وأولئك- الغرائز والمتطلبات البسيطة لهم تحت بند الفنون الهابطة (الجماهير عاوزه كده). وبالتأكيد يبدو ذلك مُهما إذا تساءلنا عن أنظمة المجتمعات العربية من زاوية الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة وتداول السلطة والتنمية الحضارية.

القضية إذن: كيف جرى التحكم في الرعاع سياسياً في تاريخ العرب المعاصر؟ هل أفسحت لهم الأنظمة الحاكمة مجالاً؟ ماذا عن هندسة حركتهم في الشارع؟ بالطبع الافتراض الرئيس هنا: أنَّه لم تترك السلطة هؤلاء وشأنهم كما لو كانوا بطريقة (لا مفر، الله غالب)، كأنَّ الموضوعَ قضاء وقدرٌ. لكنهم شكَّلُوا مورداً سياسياً ضخماً بالنسبة للأنظمة المتعاقبة (وسأشرح ذلك بالنسبة لنظام حسني مبارك). فنظراً لاستبداد الأنظمة المتواصل من عصرٍ إلى عصرٍ اعتبرتهم السلطة مخزوناً استراتيجياً لحكم المجتمع. ثم كانوا مثالاً لمجتمع مقلوب رأساً على عقب، يتلقى ضربات قوية باعلاه (تشتيت النخب واهدار الوعي) ثم يخضع هذا المجتمع للتكوينات المهمشة بأعماقه. فهؤلاء البسطاء كانوا عينة  (شريحة slide) حقيقية لنتائج من سنوات القهر والتلاعب بمصائر الناس. وإذا لم يبق إلاَّ هؤلاء بأوضاعهم المُزرية لكانوا دليلاً على تاريخ التخلف بأصنافه الاجتماعية والسياسية.

وكلمة الإدارةُ المشار إليها بالعنوان هي نوع من الخطط التي تورطهم في عنف السلطة وجهلها  (بالمعنى السابق). تُبقيهم مرحلياً في أرصدتها الحية لوقت اللزوم، حين تحتاج إليهم أثناء التحولات السياسية (العصا والجزرة والاستعمال). لأنَّهم يؤيدون أصحابَ الصولجان بحكم قلة الوعي الذي ترسب عن قصدٍ (التجهيل). كما أنَّ الرعاع ساذجو المعرفة بما يجري نتيجة انعدام التنوير وثقافة الشفافية وضعف فرص العيش الكريم. ولهذا كانوا يقفون لدى المناطق الزلقة والناعمة من أي نظام قائم، يقايضون قوتهم السياسية وتأييد الحاكم مقابل فُتاتٍ بسيطٍ من الحياة.

من جانبٍ آخر كان الرَّعَاعُ أرضية للقُطعان والطوائف والجماعات السياسية والدينية حيث يُضافون تلقائياً لقوتهم الحسابية طالما لا يدركون الخلفيات جيداً. أي من السهولة بمكان أن يقعوا في براثن الاستخدام الضيق للمصالح. وبشتى العناوين السابقة لم تخلُو منهم دولةٌ عربية واحدة. فالطائفية – مثلاً- قد تلتهم دولةً وتتلاعب بوجودها العام كما هو حادث بلبنان وتحول الحياة اليومية إلى ساحة حرب (الحرب الأهلية). كذلك العائلات التي تعتبر نفسها أصلاً للمجتمع والدولة في بعض البيئات العربية. هذا بخلاف القبائل المالكة والأسر الحاكمة شرقاً وغرباً على خريطة العرب ذاتها.

والأرضية السالفة ما لم تكُن آخذة بتنوع عناصرها وافساح المجال للحياة المشتركة (التسامح والاعتراف المتبادل)، فإنَّها تمثل مشكلةً اجتماعيةً وسياسيةً غائرة الأبعاد. إذ تتأسس على تهميشها المقصود للفئات الدنيا أنظمةٌ حاكمةٌ من ناحيةٍ، ولا تتوانى الأنظمة– من ناحية أخرى- عن استعمالها النفعي (بطريقة المثل الشائع: لا بحبك ولا بقدر على بعدك). فزيادة رقعة الرعاعية أو تضييقها أمر مهم، وهي بذلك تخضع لسياسات نوعية طويلة الأمد.

لقد بات معروفاً أنَّ السلطة أمست "آلة خشنة" تستعمل هؤلاء في تعطيل القوانين وتضييق الحريات واعاقة التنمية وتسويف تداول السلطة وخفض مستوى التوقعات منها. إذ ذاك فقد شكلَ الرَّعَاع- بنية وتجمعاً وسلوكاً - آثاراً جانبية side effects لهذه السلطة، لدرجة أنهم لا يظهرون في فراغ سياسي. كانوا دوماً بمصطلح حديث تحت السيطرة under control، المهم أنهم بعين تحرس هذا الكتلة من علٍ (دوماً ضبابية التفاصيل)، لأنَّ الحُكم لن يخطو خطوة بدون تسويق قراراته وسط هذه الأحراش البشرية.

فعلى صعيد التعليم والمعرفة، حرصت السلطات الحاكمة على تجهيل تلك الفئات المهمشة. بل وضعتهم في قوالب عشوائية لكيلَّا تتطلع إلى أكثر من شظف الحياة. ووسط حجب الحرية كانوا هم الحامل الشعبي لقمع الدولة سواء أكان ظاهراً أم خفياً. حتى ارتهن وجودها المتلون وحركتها المتقلبة بوجود الرعاع، بل حملوا سلفاً تصنيفاتها الاقتصادية والطبقية إلى قاع المجتمع. هذا رغم الادعاءات المتواصلة بتطويرهم واتاحة فرص التعليم أمام أفرادها (كما يقال التعليم كالماء والهواء). لكن الشعار البراق شيءٌ، ودفع المهمشين- بتكريس الظروف السيئة- إلى الاختيار الأسوأ شيء آخر. إنَّ العمليات الجارية عليهم سياسياً مقننةٌ، لضمان ولائهم في نهاية المطاف (إضعاف قواهم وإخماد تطلعاتهم المشروعة).

هكذا كان الرعاع - بخلاف أي شيء آخر- نتاجاً للنظام السياسي لا الفوضى كما يُقال. فالمفترض أنْ يدخلوا ضمن هندسة اجتماعية سياسية لتطالهم التنمية والحقوق القانونية والإنسانية. لكن مكر الأنظمة أبقاهم على الحواف الشائكة التي ليست داخل ولا خارج اهتماماته. لكنه فرز ورتب قواهم العددية والاقتصادية وصولاً إلى قواهم العضلية. فليسوا في حالتهم المزرية ثقافياً إلا لكون النظام نظاماً أعمى بهذا الطابع الدكتاتوري. وبالإمكان حين نعد السلطة بالمجتمعات العربية معطى سياسياً فهي عصا لجمع الرعاع وتفريقهم (العبد يضرب بالعصى والحر تكفيه الإشارة). إن التصورات الجمعية تتمم فاعليتها في ضوء وجهي الترهيب والترغيب في الذهنية العربية. ليست الحالة حالة سياسة على شاكلة معناها المعروف في الدول المتقدمة، لكنها تشتغل على حيوانية الإنسان بالمقام الأول.

اعتبر الحاكم العربي الرَّعاع من لوازم سلطته وحواشيها الضرورية. بالمقابل هم يتشبثون به كما تتهافت الفراشات حول الضوء القوي. وقد يُخرج لهم كلامه الزلِّق إذا أراد ذلك، حينما يعطي وعوداً وراء وعود بتحسين أحوالهم المعيشة دون جدوى. ومع ذلك يضعهم كرصيد غوغائي إذا تململت الأرض تحت أقدامه. فيدفعهم لمحاربة خصومه السياسيين في الأوقات الحرجة أو يجعلهم رصيداً استراتيجياً. ونتيجة الأدوار التي اسندت إليهم يذهبون سياسياً إلى نهاية أشواط الاستعمال. لقد التصقت ببعضهم عبارات كثيرة تصف وجود الجماعات البديلة ضمن الدولة. مثل "الفُلول" في الحراك المصري ... و"الأزلام" في ليبيا... والشبيحة في سوريا... والحزام القبائلي في اليمن... ومن قبل أشبال البعث وفتواته في العراق. كانوا بدورهم يتلونون ارتباطاً بالزعيم والقائد كحال الموالي وأهل العصبية بلغة ابن خلدون.

العبارات الوظيفية مجرد سطح لخطاب سياسي تغرق تحته فئات كثيرة، فهم يعرفون مكانتهم بالتحديد. ولئن كانت السلطة تمارس عليهم تهميشاً، فإنهم يقفون تحت ظلالها الوارفة بالتبعية، على الأقل- نتيجة العوز الاقتصادي المدروس- يحتمون بأي كائن خرافي أسمه الحاكم ولو كانت الشيطان نفسه. وقد يلقون بكيانهم الهش جانباً مقابل بعض المكاسب التي ربما تنتشلهم من الوحْل الاجتماعي.

أولاً: لا تمتلك هذه الفئة إلاَّ أجسامها التي مثلت نصاً سياسياً اجتماعياً ممكن قراء تاريخ المجتمعات من خلاله. فظهرت عليها آثار الفقر والتهميش بلا حدودٍ. حتى أنَّه بالإمكان رؤية القهر محفوراً بين العروق وعلى جلود محروقة. ناهيك عن الحياة الرثة التي طالت أغلبهم.

ثانياً: يقفون تحت زناد الصمت القابل للانفجار بأي وقت. كأنهم سلاح بارود كاتم للصوت. لا يتحدثون عن المشكلات إلاَّ فيما بينهم وقد لفهم الخوف من العصى وطمعاً في الجزرة. مثلت عباراتهم المتداولة قاموساً سياسياً غاصّاً بالنكات والأغاني الشعبية والعبارات الدارجة المعبرة عن الفوارق الطبقية.

ثالثاً: لهم رموزهم السياسية والغنائية والشعرية (مطربو الاغاني الشعبية والدارجة). ويعتبرون هؤلاء بمثابة المعبرين عن حالهم ومشكلاتهم الاجتماعية (التنفيس واللهو). حتى ليمكن القول بأن رؤيتهم للعالم والتاريخ تختلف كثيراً عن باقي فئات المجتمع. ولئن انتقلنا إلى مناطق تواجدهم، لكأننا انتقلنا إلى دولة داخل دولة، وإلى قرن غابر عبر القرن الحالي.

رابعاً: تسمح أوضاعهم بتفريخ الخرافة والأوهام المزيفة. وأبلغ أوهامهم أنهم يعيشون تحت سقف الرضى بالأحوال أفضل من لا شيء. فرغم أنَّ ظروفاً صعبة قد عركتهم، إلاَّ أنهم يعتبرونها شيئاً عادياً (العبودية المختارة بعبارة كتاب إتين دي لابواسيه). كما أنهم- في حال السخط- يمثلون حاضنة لنمو الاتجاهات المتطرفة والجرائم الاجتماعية والاخلاقية.

خامساً: بوضعهم العشوائي كانوا مسرحاً لجماعات الاسلام السياسي. فنظراً لغياب الدولة (أي استعمالهم فقط)، كانت تلك الجماعات تقدم خدمات بديلة ومعها بث الأفكار المتشددة وزيادة رصيدها العددي. وعليه فقد أخذت الدولة العربية -ككيان مخابراتي- الرعاع بعين التوجس والريبة والتوظيف في آن واحد. إذن بأية طرائق أمكن التحكم في هؤلاء؟ هل لهم أدوار في مفهوم الدولة وسياجها الصلب؟ وما علاقتهم بالقوى الفاعلة اجتماعياً؟ ماذا كان يمثلون زمنياً بالنسبة لسلطة تُمدِّد بقاءها باستمرار؟

على سبيل المثال: كان حسني مبارك يستيقظ باكراً رافعاً بصره – كما أشار ذات مرةٍ في خطابة الرسمي- إلى عدد سكان مصر الذي ناهز التسعين مليوناً آنذاك قائلاً: كيف سأُطعم جميع هؤلاء الناس بوقت واحد. كيف سأوفر لهم خدمات ومرافق وتعليماً، من أين سأدفع رواتبهم!!  لنتخيل برهةً:  رئيس مصر يرى في شعبه لحماً بشرياً ليس إلاَّ. كما كان يعتبرهم عبئاً لا طاقات قادرة على العمل والانتاج وبناء المجتمع. وذلك دلالته أبعد من مجرد الهم اليومي: أنَّ  التعليم والعمل كانا يزيدان تلك الفئات المهمشة اقصاءً. فالفرص ضئيلة (مع زيادة الثراء لغيرهم)، لكون مدخلاتهم (المعرفية والاقتصادية) التي تسمح بتحسين أوضاعهم كانت شبع معدومة أيضاً.

أشير إلى نظام مبارك تحديداً، لأنه كان نظاماً رعاعياً بامتياز. إذ يتعامل مع مواطنية بهذه الطريقة الموروثة: كرعاع همج (دعهم يتسلوا ويلعبوا كما قال أيضاً بآخر سنوات نظامه) حتى بات مثالاً بارزاً على فقدان وزن المجتمع وثرواته البشرية. وكان نظامه قائماً على احتضان ثقافة الرعاع في المناصب العليا من جهة أخرى (أي تحويل المميزين وأصحاب القدرات الخاصة كأنهم رعاع لا قيمة لهم). ويصح هذا التأكيد حصراً: إذ جعل من الدولة ماكينةً لتخريج الرعاع في كافة المناحي. أصبحت حالة المجتمع المصري في عهد مبارك حالة همجية قابلة للزيادة طوال الوقت. وكأن مصر قد انقشعت عنها سنوات التحضر والمدنية التي شهدتها في العصر الحديث عائدة إلى عصر الفوضى والتخبط. والغريب أنَّ الفوضى كانت تغلي على مهلٍّ وببطء شديد حتى انكسر القدر في الخامس والعشرين من يناير ألفين وأحد عشر.

وبهذا كانت هناك أدوات النظام السياسي لتعميم الرعاعية واعادة انتاجها.

1- الجوع: الجوع الرمزي أشد خطراً من الجوع الحسي نتيجة فراغ المعدة. فالأخير قد ينتهي بتناول الطعام والاحساس بالشبع. لكن فقدان المستقبل والخوف من المجهول أسسا جوعاً نهماً هو الرغبة في الإشباع النفسي وإنْ كان لا يأتي ولو مرة. والجانب الاقتصادي للمسألة هو المظهر البادي بصدد عدم توافر الاحتياجات الأولية بينما الجانب الرمزي هو المستفحل.

ولهذا الجُوع أهمية في هرس المواطن وتعريته من الداخل أمام نفسه وأمام عائلته. وقد حدث بالفعل فأضحى المواطن مرهوناً بدخله الشهري المعدوم وبشخصيته المفقودة!! لأنَّه لا يساوي شيئاً بينما السوق الحر الموازي يلتهم أيَّة نقود. وبالتالي ظهر ولاء المواطن فقط لمن يدفع أكثر. فانتشرت الرشى وتحولت مصر إلى معدة كبيرة كلٌّ يهضم ما يجده في موقعه. كانت النتيجة على المدى البعيد:  (جَوَّع كلبّك يتبعك). هذا القانون الكلبي في السياسة قد طبقه نظام مبارك بحرفية خاصة. حلَّت المماثلة الشهيرة لدى المصريين: كلمة الحكومة كلفظ حين يُطلق على الزوجة والهيئات الحاكمة بمعناها السياسي. كأنَّ الدولة تحولت إلى عائلة بدائية تقتات بشكل أبوي وتُحكم كذلك.

والجوع بهذا غدا شبكةً دلاليةً تمرر معانيها من مجالٍ إلى غيره. لأنَّ التبادل الرمزي بين المجالات كان متاحاً بشكل ضمني. ومن ثمَّ أُطلق على مبارك تعبير "أب المصريين". والمعنى ليس خافياً بانزياح المضمون من الأب البيولوجي إلى الأب السياسي والعكس. لكن أساس الانتقال كانت أبنية الجوع بفحواه العام الذي كان يتساءل حوله مبارك: كيف سيطعم هذه الأفواه.

2- كثافة الاجسام: تعامل نظام مبارك مع الشعب ليس كأُناس لهم عقول وطاقات، القاعدة لديه تعرية الأفراد من ماهياتهم الإنسانية. فقط الابقاء على أجسام مادية ككتل متحركة بفعل الجاذبية السياسية والقصور الإنساني الذاتي وسيولة الأهواء. وأبرز مظهر للرعاع  كان هذا الطغيان للغرائز وطبائع الأجسام حتى بات الفرد كتلةً لحمية فارغةً من أيِّ مضمون.

هذا في الحقيقة نوع جديد من فيزياء الرعاع لم يكن معهوداً سابقاً، نظراً لوجود التكافل والعطف على المحتاجين والمعوزين. لأنَّ السياسية فن الممكن، وعندما تطرح الممكن كقوة في المجال العام، فإنَّها تُوقِّع الأفراد تحت تأثيرها القهري فقط. ولذلك كان الخوف (لأنه من جنس الجسد) هو المحرك الجوهري للأفعال السياسية في نظامٍ كهذا.

وتحولت الاجسام البشرية من أوزان نسبية في فضاء المجتمع إلى هواش مادي في طوابير الخبز والخدمات اليومية. حتى قيل–سخريةً- إنَّ المصريين يقفون طوابير بالسليقة حتى كانوا كذلك وهم في بطون امهاتهم!! ولكن الموضوع له بعد آخر: أنَّ البيروقراطية كانت ممزوجة باحتقار المواطنين وتمجيد السلطة. فليكن هذا المواطن أو ذاك ما يكون، المهم أنَّه سيُذل (أمام المكاتب الرسمية) في نهاية الأمر ليحصل على أقل الخدمات. الطوابير كانت اصطفافاً رعاعياً أمام المؤسسات لاستخراج الأوراق والظفر بأقل المواد الغذائية جودةً. ليس ذلك لشيء إلاَّ لأن  نظام الدولة لا يعترف بأية قيم سياسية تبقي على بقايا الإنسان. وتري في رعاياها وإمائها مجرد علب لحمية صدئة تمتلئ كعلب المياه الغازية بالأهواء والرغبات!!

تلك الوسيلة في إدارة الرعاع كانت في الحقيقة فرصة جليلة للجماعات الاسلامية، لأنهم قدّموا خدمات بديلة لما تفعله الدولة. قدموا ذلك لشراء القوى السياسية أثناء الانتخابات والحشود الوهمية. فاكتسبوا كجماعة الإخوان رواجاً زائفاً في الشارع. كانت نتيجته التالية صعود نجم الاخوان واعتلائهم صهوة السلطة. وهذا الصنيع إذا أردنا تفسيره، فهو لا يخرج عن فيزياء الرعاع التي كانت موجوده من قبل. فإذا كانت الدولة تضع مواطنيها داخل هذا الإطار بوضوح، فالجماعات الاسلامية تقود إلى الرَّعاعية ذاتها عن طريق الدين، ولكن تحت مظلة التقديس للجماعة ولسلسلة الأوثان الأخرى من المرشدين والقيادات وأمراء الجماعة والنصوص التكفيرية وطقوس التنظيمات الجهادية.

3- الركود الفكري: مجتمع بدون مناخ فكري مفتوح لهو مجتمع سيخاطب الغرائز مباشرة. لأن البدائل لحركة الأفكار كانت انكشاف الاجسام العاطلة من الابداع تكريساً للعُري الفاضح. وذلك ما حدث في الفنون البصرية والغنائية والتمثيلية بشكل عام في عهد مبارك. لم تكن أسواق الافكار لها أية قيمة بل الشعار السائد: نحن نفكر لك، لا تجهد نفسك، نحن سنشبك بصرك. وذلك ممن خلال تزوير الانتخابات وسيادة الحزب الواحد وتسييد الشخصيات الرعاعية بنمطها النخبوي هذه المرة.

حتى قيل آنذاك أنه لو ظهر شخص  (مسؤول) قادر على التفكير سرعان ما يوضع في قفص بيروقراطي اسمه المنصب. فلكي يرضى عنه المسؤول الأكبر، كان عليه خلع عقله مع حذائه خارج المنصب الذي يشغله. ذلك أن نظام مبارك نفسه لم يكن ليعبأ بأي فكرٍ مبدع ولا نقدي ولا غيرهما. حتى تحول هذا الرئيس لدى المصريين إلى مجرد تمثال فرعوني حديث يُضاف إلى المتحف المصري.

4- غريزة التكالُّب (الجري وراء الظهور): لو لم يفعل نظام مبارك إلاَّ دفْع كلِّ سياسي وغير سياسي إلى عبادة المناصب، لكان نجاحه باهراً في بث الرَّعاعية إلى غايتها. فنتيجة انسداد الآفاق السياسية وضياع فرض التغيير كان المنصب - ولو جاء صغيراً -هو الأمل الوحيد لكل شاب. حتى غدا البحثُ عن المناصب هو الطريق الفعلي للنجاة من الغرق تحت الأقدام (المصنوعة).

والتكالب يعني في دلالته سقوط أيِّ هدف آخر بجوار التزييف السياسي. لأنَّ مجتمعاً راكداً ليس إلاَّ حلبة مصارعة لدهس المساواة والعدالة وانعدام الفرص أمام الجميع. ليتحول المجال العام إلى "كروت واسطة" من مسؤولٍ إلى آخر، ومن منصب إلى غيره. ذلك بدون أية قيمة لطاقات المواطنين وقدراتهم العلمية. وفي هذا أصبحت هناك ظواهر في شخصيات رعاعية تولت مسؤوليات كبيرة في الدولة دونما قدراتٍ خاصة. فقط كانوا من بين القطعان المرضي عنها، كما أنهم لا يتوانون يومياً عن تأدية شعائر الولاء والطاعة للنظام.

5- مسخ العقول: الأنظمة السياسية العربية لا تعترف بالحرية الفردية. هي تصنع قوالب مشوهة سياسياً لنحت طرائق السلوك والرؤى كما يريد النظام القائم. والسياسة دون غيرها تغذي كافة مجالات المجتمع بالروح العامة. وبإمكانها تكريس الثقافة السائدة كما لو لم تُوجد من قبل. لقد كان جميع السياسيين بعهد مبارك يفكرون بطريقة واحدةٍ لا غير. كأنهم يتسقطون الكلمات والعبارات من خطب الزعيم ومن فمه مباشراً. وبالتالي أصبحوا قروداً بأعالي المؤسسات يتلقفون الأفكار كما يتلقف قرود الغابة الثمار والفاكهة.

كان نظام مبارك يدمر أي تميز في سياقه لو اشتم من رائحة الاختلاف والتميز. لقد أشيع وقتذاك: أنَّه لو برز شخص متفرد فسيكون مصيره الاستبعاد. لأنَّ رعاعية النخبة لا تقبل بينها أي قرد من فصيل مغاير للقطيع، أو أن تكون حتى طريقة تصرفه مغايرةً. وهذا كان سبباً قوياً لاختفاء بعض المسؤولين من المشهد العام دونما معرفة الأسباب وراء ذلك.

اختصاراً فالوضع الأكثر نكايةً أنْ تظل هذه الآليات الرعاعية التي تدير الفئات المهمشة في أحشاء الدول العربية إلى الآن رغم الأحداث السياسية العاصفة التي مرت بها المنطقة، والمؤكد أنها لن تنتهي في وقت قريبٍ!!

 

سامي عبد العال

 

حيدر جواد السهلاني"إذ أراد شخص البحث عن الحقيقة بجد، فيجب ألا يختار علماً معيناً، فالعلوم مرتبطة بعضها ببعض، ويستند بعضها إلى بعض، وليفكر في زيادة الاستنارة الطبيعية لعقله فحسب"... ديكارت

إدغار موران سيرة وفكر:

إدغار موران، واسمه الحقيقي (إدغار نعوم) عالم اجتماع وابستيمولوجي وفيلسوف فرنسي معاصر ولد عام 1921 في العاصمة الفرنسية باريس، من جذور يهودية ومن اصول يونانية، والدته ايطالية توفيت وهو في سنة العاشرة، يعتبر موران من المفكرين والفلاسفة الأحياء في القرن العشرين، وهو من كبار المفكرين الفرنسيين، حاصل على شهادة في التاريخ والقانون عام 1942، ويعد موران مفكر موسوعي تطرق في أبحاثة إلى مواضيع عدة كالتواصل والعلم والسينما والفن والإيكيولوجيا والموت والبحث السياسي والابستيمولوجيا والفلسفة. انخرط موران عام 1938 في حزب الجبهة، وهو حزب يساري كان مناهض للفاشية، وانخرط في المقاومة والقتال ضد النازية، برتبة ملازم، وفي عام 1949، أبتعد عن الحزب الشيوعي الفرنسي، وسرعان ما تحول عن الشيوعية ليؤلف كتاباً عام 1959 بعنوان نقد ذاتي، ينتقد فيه النهج الستاليني للحزب الشيوعي الفرنسي، وهذا الكتاب تعبير عن قطيعته مع الشيوعية. عمل موران في الصحافة وشغل منصب رئيس بحوث خبير في المركز الوطني للبحوث العلمية (1950- 1989)، وترأس الوكالة الأوربية للثقافة، في منظمة اليونسكو، حصل على جائزة شارل فيون الأوربية للبحوث عام 1987، وعلى الجائزة الدولية فياريجيو عام 1989، وعلى ميدالية مجلس النواب لجمهورية ايطاليا (اللجنة العلمية الدولية لمؤسسة بيومانزو)، وعلى جائزة ميديا للثقافة من جمعية الصحفيين الأوربيين عام 1992، وعلى جائزة كاتالونيا الدولية عام 1994. عرف موران بمواقفه المؤيدة لحق الفلسطينيين في إقامة دولة خاص بهم، وقد كتب مقال في صحيفة لوموند، وندد فيها بالسياسة الإسرائيلية، وفي عام 1955، كان موران من بين أربعة مثقفين فرنسيين منهم سارتر، أسسوا حركة تعارض حرب الجزائر، لكنه لم يوقع على بيان حق العصيان في حرب الجزائر المعروف ببيان (121) الذي نشر في عام 1960. موران مازال متابع عن كثب أحدث النظريات العلمية والفكرية والسياسية والأمور الصحية التي تحدث في العالم، وكأنه يقول إن الشباب العلم والبحث والتنقيب والتمحيص شباب دائم لا تقهره السنون، وموران متابع يقظ لما يحدث في العالم، فتكلم كثيراً عن الربيع العربي، وقد كتب مقال في صحيفة لوموند الفرنسية، قال فيه إن المفاهيم السياسية السائدة في العالم العربي سواء كانت بوليسية أمنية علمانية أو دينية تواجه رياح التغيير، وأن الديمقراطيات الغربية دعمت الاستبداد في العالم العربي، والعرب الذين أنهوا الاستعمار السياسي ، هم الآن بصدد إزالة الاستعمار الفكري، لتبقى عملية إزالة الاستعمار الاقتصادي. وتابع التغيير في فرنسا، وقضية كورونا وتداعياتها الصحية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. (1) وقد تأثر موران في مسيرته الفكرية بمجموعة من الفلاسفة خصص لهم كتابه الموسوم ب فلاسفتي، ونذكر أهمهم هيرقليطس الذي وجد فيه إجابه على كل تساؤلاته وتلبية لكل طموحاته، وأيضاً جان جاك روسو وسبينوزا وفولتير، ويتميز موران بمهاجمة الأفكار المبتذلة وبمقاومة ذهنية شبه بيولوجية، ولم يعمل موران على الاحتماء أي عنوان من عناوين كتبه التي تشكل في الغالب مساره الجامعي، بل بنى عملاً فكرياً اصيلاً، ويحاول أن يعطي للإنسان حياة وجسداً، ويوضعه من جديد في قلب رواية العالم الكبرى، وهنا على عكس ليفي شتراوس الذي يرى أن هدف علوم الإنسان ليس هو الكشف عن الإنسان بل تفكيكه، ويرى موران على الفكر أن يكون حوارياً، قادر على ترك التناقضات العائمة، وهي تتكامل وتتصارع، وإن الإنسان ليس فقط إنساناً عاقلاً أو صانعاً أو اقتصادياً، أن الإنسان مجنوناً كذلك. أن موران ليس فيلسوفاً فقط وإنما أيضاً مبتكر مفاهيم، والقارئ لأعمال موران سيجد خصوبة النظرية لتصوراته الموجودة في قلب التعقيد والتركيب. وقد ساهم في تجديد مقولاتنا الثقافية، وفي أحداث رؤية جديدة للعالم، لأن مصير هوية الإنسانية هو الذي أصبح محط رهان في الأزمة الكوكبية الحالية. وقد كرس حياته في البحث عن منهجية قادرة على تحدي التعقيد الذي يفرض نفسه حالياً، ليس على المعرفة العلمية فحسب، بل على مشاكلنا الإنسانية والاجتماعية والسياسية، أسس وترأس جمعية الفكر المعقد (Apc) ومن أهدافها دعم الأشكال المتنوعة للفكر التي تتيح الإجابة على تحدي التعقيد الذي يفرضه العالم، والمجتمع والكائن البشري على المعرفة العلمية والفلسفية والسياسية. (2)

- مؤلفاته، يقول موران" إني مؤلف غير خفي، واعني بذلك أنني أختلف مع أولئك الذين يختبئون وراء الموضوعية الظاهرة لأفكارهم، ويقول أن تكون مؤلفاً هو أن تتحمل مسؤولية أفكارك في السراء والضراء" (3) ومن أبرز مؤلفاته:

المنهج، يمثل كتاب المنهج بأجزائه الستة عمله الرئيسي الذي وضع فيه رؤيته الابستيمولوجية من خلال براديغم التعقيد فقد كان الهدف الأساسي من كتاب المنهج هو مساءلة المعرفة في معناها وطبيعتها وحدودها وعلاقاتها مع الواقع ومع الحقيقة وفي علاقة المعارف ببعضها ومحاولة الربط بينها استناداً إلى رؤية منهجية مركبة، الجزء الأول سنة 1977 طبيعة الطبيعة، وتبنى فيه وجهة نظر فيزيائية لدى معالجة مقولات النظام والفوضى والمنظومة والمعلومة، وفي الجزء الثاني 1980 حياة الحياة، ركز على العلاقة بين الفلسفة والبيولوجيا، اما الجزء الثالث 1986 معرفة المعرفة، عالج فيه مسألة المعرفة من زاوية أنثروبولوجية، الجزء الرابع 1991الأفكار تناول ظاهرة التعقيد في الفكر الفلسفي مركزاً على مقولات اللغة والمنطق والبردايغم، أما الجزء الخامس 2001 إنسانية الإنسانية الهوية الإنسانية، وعالج مسألة الهوية، الجزء السادس 2004 الأخلاق، يدرس فيه العلاقة القائمة بين المعرفة والواجب وبين الوعي الفكري والأخلاقي وبين الإرادة الأخلاقية والنتائج اللاأخلاقية، ويعتبر كتاب المنهج مؤسساً للفكر الحديث حاول فيه موران أن يستكشف العقل البشري المركب، وحلل عملية الوصول إلى المعرفة.

إلى أين يسير العالم ، صدر عام 2007، يحاول في هذا الكتاب التفكير من جديد في العلاقات القائمة بين الماضي والحاضر والمستقبل، من خلال التساؤل عن الجهة التي نسير فيها، وعن معنى الأزمة وعن قيمة الايديولوجية السياسية العتيقة أمام رهانات القرن الواحد والعشرون.

نحو سياسة حضارية، يعالج هذا الكتاب مشاكل نصادفها في صميم حياتنا اليومية حيث يتعلق الأمر بالاختلال والنواقص التي تعاني منها حضارتنا الإنسانية، وبالتالي كل ما يخص حاجياتنا وتطلعاتنا التي لم تعد مادية فحسب، لذا لابد من إعادة إحياء حياتنا الاجتماعية السياسية والفردية.

هل نسير إلى الهاوية، يسعى هذا الكتاب إلى وصف سيرورة العولمة ويصور أوجه التعقيد في السيرورات.

ومن مؤلفاته أيضاً، الإنسان والموت 1951، النقد الذاتي 1959، العلم بضمير 1982، التفكير في أوربا 1988، التعقيد البشري 1994، ذكاء التعقيد 1999، ربط المعرفة 1999، الحاجات المعرفية 2000، عنف العالم 2003، التعقيد المقيد والتعقيد العالم 2005، الثقافة والبربرية الأوربية 2005، الطريق لمستقبل البشري 2011، يوميات 2013، الأخلاق المعقدة 2004، علم الأزمات 2016.

الفلسفة والعلم:

الفلسفة وإن لم تكن علماً، فإنها تنظر للعلم وتتأسس عليه في آن واحد، وهي في مسارها التاريخي تطلب دائماً من علوم عصرها النموذج النظري الذي يؤسس قضاياها، لأن الطرح العلمي تأثيره على الاتجاهات الفلسفية، ونظر للعلاقة بين الفلسفة والعلم فإن الفلسفة تصبح بهذا المعنى مرادفة لتحليل الخطاب العلمي السائد، أي تأسيس على علوم عصرها، فهي في مجملها تتشكل في ضوء المعارف العلمية السائدة وتبنى عليها. ويرى البعض أنه بدأ الانفصال بين الفلسفة والعلم منذ القرنين السادس والسابع عشر الميلاديين، أذ شهد العلم تحولات كبيرة وطفرات نوعية منذ تلك الفترة، انتهت برسم صورة آلية ميكانيكية للعالم والتي اكتملت معالمها مع صياغة نيوتن لقوانين الفيزياء والميكانيك، وقد بدأ هذا التحول مع كوبرنيكوس الذي استخدم الحسابات البسيطة في علم الفلك، وأحدث ثورة زعزعت مركزية الإنسان والأرض، وأسهمت بشكل كبير في تقدم المعرفة العلمية. وقد تحقق هذا الانفصال في أوربا بفضل جهود نخبة من العلماء التجريبيون الذين طرحوا جانب المسائل الميتافيزيقية، إلى دراسة الوقائع التي تقع تحت مشاهدة دراسة موضوعية، لكن ورغم ذلك الانفصال الذي حدث بين الفلسفة والعلم، إلا أن النقاشات الفلسفية حول العلم ما انفكت تزداد مع تطور المطرد للعلم، لا سيما بعد الثورة العلمية وما أبرزته من تحولات في طبيعة المعرفة وبنية المعرفة العلمية، وتحاول الفلسفة أن تجد موقعها بالنسبة إلى العلم، ومن جهة ثانية تحاول استيعاب هذا التحول المعرفي والتفكير فيه ومساءلته. أذ الفلسفة هي التفكير والتأمل الذهني بالنسبة إلى الفلسفة والملاحظة والتجريب بالنسبة إلى العلم، ولكن ليس معناه الاعتقاد بأن لا وجود للتفكير والتأمل الذهني في النشاط العلمي، وبأن الفلسفة تزدري مبدئياً الملاحظة والتجريب، ذلك أن السمات المهيمنة في احدهما تكون خاضعة في الأخرى والعكس بالعكس، لذا لا توجد حدود طبيعية بينهما، يضاف إلى ذلك أن العصر الذهبي لانتعاش أحدهما ونشأة الآخر، كان قرن الفلاسفة العلماء (غاليلو وديكارت وباسكال وليبنتزا). ولاحظ بوبر فعلاً أن الفلسفة والعلم مهما تباعدا يعودان إلى التقليد النقدي ذاته الذي تعتبر ديمومته ضرورية لحياة كل منهما، وحتى بعد انفصال العلم عن الفلسفة لم ينقطع التواصل بينهما، وإنما تقلص فقط، فقد كان دائماً هناك تفكير فلسفي حول العلم يتجدد مع كل جيل بطريقة مبتكرة. (4) ويوكل موران إلى الفيلسوف مهمة حاسمة في عملية التعرف على الطبيعة البشرية وينسب إليه دور قائد الأوكسترا الذي يعمل على استدعاء جميع المعارف من الفيزياء وعلم التشريح وعلوم الاعصاب إلى الميثولوجيا وديانات الخلاص والسوسيولوجيا والاقتصاد السياسي، حتى يتثقف منها ويغتني أكثر وحتى تتوفر لديه الخطة الكافية لإدماج المفاهيم والمناهج، بغية معالجة المشكل الإنسي والتمكن من الربط بين الحدث الجزئي والفكرة الشمولية وتفهم الحي في الحياة والإنساني في الإنسانية من خلال فكرة المتعقد الذي سماه معرفة المعرفة. (5)

التعقيد:

يعني التعقيد مجموعة من المفاهيم التي تحاول تفسير ظواهر لا يمكن تفسيرها استناداً إلى نظريات التقليدية الكلاسيكية، وبالتالي فإن فكر التعقيد يستند على دراسة المجموعات الديناميكية، لا عن طريق تقسيمها إلى أجزاء، ولكن من خلال متابعة تفاعلات مختلفة الأجزاء فيما بينها. ويعرف موران " التعقيد هو نسيج من المكونات المتنافرة المجمعة بشكل يتعذر معه التفريق بينها، إنه يطرح مفارقة الواحد والمتعدد، ثانياً إن التعقيد هو نسيج من الأحداث والأفعال والتفاعلات والارتدادات والتحديدات والمصادفات التي تشكل عالمنا الظاهراتي، لكن في هذه الحالة يحمل التعقيد بشكل مقلق سمات الخليط وغير القابل للفصل والاختلال والغموض واللايقين. (6) وفي نظر موران أن صعوبة التعقيد هو عدم وجود سند ابستيمولوجي للمفهوم، بسبب اهمال الفلاسفة والعلماء لهذا المصطلح، وينظر موران إلى مفهوم التعقيد لا باعتباره مفهوم يبحث عن مجال دلالي بل ينبغي أن نبحث عن حل لها، مشكلة التعقيد تحيلنا دائماً إلى الاعراب عن الاضطراب التشويش وعدم اليقين وعدم القدرة على التحديد. والتعقيد لا يمكن اختزاله في اللايقين، بل التعقيد هو ذاته اللايقين، وهذا التعقيد في نظر موران يمثل بالنسبة إلى المعرفة خطورة وفرصة، ولكن لا يكون فرصة إلا بالاعتراف به ، والمعرفة المعقدة هي بالضبط ما يؤدي إلى هذا الاعتراف، لأنها تؤدي إلى اكتشاف هذه اللايقينيات وإلى التصحيح الأخطاء، والتعقيد يروم دائماً إلى الانطلاق من البسيط إلى المركب بل من المركب إلى الأشد تركيباً وتعقيداً، كما أن التعقيد ليس توصيفاً للمعرفة العلمية ولا هو جواباً يقدمه عن المعرفة، بقدر ما هو طريقة أو منهج معرفي يسمح بدراسة مختلف الارتباطات بين مختلف المعرفة ويولد فهماً أفضل للكون، ومن ثم المضي قدماً في بناء المعرفة العلمية وتفسيرها وتحديثها للقضاء على الحالة المرضية للمعرفة الإنسانية. ويرى موران أنه مازلنا في حالة عماء اتجاه مشكلة التعقيد وهذا العماء هو جزء من همجيتنا، فمازلنا في عصر الأفكار الوحشية والعقل البشري مازال في عصر ما قبل التاريخ، إن الفكر المعقد وحد يسمح لنا بتمدين معارفنا، والتعقيد يفتح أبواب المشاركة بين العلماء وفي مختلف التخصصات، لأن التقسيم الكلاسيكي للمعرفة إلى فروع إنما هو تحريف لبنية المعرفة، والذي كان نتيجة للمبدأ الديكارتي القائم على الانفصال بين الفكر والمادة، والذي ترجم في ميدان العلم إلى التخصص، ثم إلى التخصص الدقيق في ميادين المعرفة، ولاشك أن هكذا تقسيم من شأنه أن يقف عائقاً أمام التقدم العلمي ويمنع أي تكامل بين المعارف، حيث أن الانفصال بين المعارف وانعزالها عن بعضها البعض راح يفضي إلى نشوء فراغات هائلة فيما بينها، وهو ما أدى إلى حجبنا عن إدراك عدد من الوقائع والمشاكل الأساسية والحيوية، ومن المعلوم أن العلوم لا تتقدم إلا بعد تحطيم الحواجز بينها، لأن كسر هذه الحواجز هو ما يمكن كل علم من أن يستفيد من العلوم الأخرى. وقد أخذ موران على عاتقه إصلاح الفكر انطلاقاً من بردايغم التعقيد، ويتضمن البردايغم جميع الخطابات التي تتم في مملكة المفاهيم الأساسية أو المقولات الكبرى، كما يتضمن نوع العلاقات المنطقية في التجاذب أو التنافر، أذ البردايغم ذو طبيعة دلالية منطقية إيديولوجية دلالية ويحدد البردايغم التعقل ثم يحدد المعنى منطقياً، وأن بردايغم التعقيد ينبغي أن يأخذ في الاعتبار كل ما هو موجود من أصغر الأشياء إلى أكبرها بما في ذلك الإنسان باعتباره كائن معقد، ومن ثم ينبغي على البردايغم التعقيد تجاوز ديكارت وكل مناهج وأدوات العلم الكلاسيكي، وينبغي على الفيلسوف اليوم أن يمتلك فكراً معقداً، أي غير مبسط وغير اختزالي وغير قابل للرد إلى مجموعة من العناصر الأولية، كما ينبغي عليه في الوقت أن يدرك أهمية الربط والعلاقات والتمفصلات بين مختلف الأجزاء والعناصر. أن موران يضع مفهوم التعقيد في إطار معارفه للنموذج المعرفي الذي تمت صياغته خاصة مع ديكارت ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالشك وعدم اليقين من خلال المحاور الأربعة التي يتمحور حولها التفكير المعقد وهي النظام والفوضى والتنظيم والتفاعل. ويكمن التعقيد كما يرى موران:

1- أنه الكمية القصوى للتفاعلات والتداخلات والارتدادات بين عدد كبير من الوحدات.

2- إنه هو الحوارية بين الاستقرار والاختلال والتنظيم.

3- إنه قراءة في تكامل وتصارع اليقين واللايقين، الواحد والمتعدد، الجزء والكل، الثابت والمختل، المستقر والدينامي، الحتمي والصدفوي، المعروف والممكن.

4- إن فكرته الأساسية لا تكمن في القول بأن جوهر العالم معقد وليس بسيطاً، وإنما في القول بأن هذا الجوهر غير قابل للتمثل.

5- إن أفقه هو دائماً إدانة ميتافيزيقا النظام، وميتافيزيقا رفض النظام أيضاً. (7)

وتمثل فكرة التعقيد بالنسبة لموران، أولاً التحدي لا الجواب، أذ أن موران يبحث عن إمكانية التفكير عبر التعقيد ( أي التفاعلات الارتدادية العديدة) وعبر اللايقينيات وعبر التناقضات، لأن فكرة التعقيد تشتمل على اللاكمال بما أنها تضم اللايقين والاعتراف بما لا يقبل الاختزال، وثانياً إن التبسيط ضروري ولكن يجب تنسيبه، أي قبول الاختزال الواعي كاختزال، وليس الاختزال المغرور الذي يظن أنه يمتلك الحقيقة البسيطة الكامنة وراء التعددية والتعقيد الظاهر للأشياء. (8)

ابستيمولوجيا التعقيد:

تحاول ابستيمولوجيا التعقيد إعادة رسم خريطة المعرفة الإنسانية، فإنها في الآن ذاته تحاول أن تؤسس خطاباً جديداً حولها يستند على عنصر التعقيد والتركيب، وأما من حيث نتائجها فقد أبرزت الطابع المركب والمعقد للمعرفة العلمية المعاصرة وعملت بما أبدعته من مفاهيم ورؤى على تجاوز الابستيمولوجيا الكلاسيكية التي قامت على أساس الاختزال والتبسيط مع ما نتج عنهما من عمى معرفي. ويرى موران أن الابستيمولوجية تعد أكثر من ثورة كوبرنيكية فهي تساعد على تمفصل وتنظيم جديد للمعرفة، من حيث هي تهتم بنتائج العلوم ومشاكلها المتعلقة بالمعرفة، وتتأثر بهذه المشاكل وتتعرض للأثر الرجعي للمرجعيات التي تتحكم بها والتي ستحكم بها، إن معرفة المعرفة منوطة بالمعارف العلمية العديدة والمشتتة. وقد جاءت ابستيمولوجيا موران ضمن سياق التطور العلمي، وهي بذلك فهي تعبيراً عن التطورات التي عرفتها المعرفة العلمية ومن هنا تستمد مشروعيتها من واقع الفكر العلمي، والذي شهد تشظي المعرفة العلمية وتجزئتها إلى تخصصات وفروع كثيرة حتى داخل التخصص الواحد، والابستيمولوجيا التي طرحها موران تنصب في مجملها في منحى واحد هو منحى التعقيد، وابستيمولوجيا التعقيد هي ابستيمولوجيا بناءة وخطابها متجدد ومتطور بتطور المعارف العلمية، والابستيمولوجيا عند موران منفتحة وتحاول إيجاد روابط بين كل العلوم وعلى اختلافها وبارتباطها وتكاملها ويمكنها أن تقتحم المعقد والمركب، وهي تؤمن بالبناء المستمر للعلم. وهي عكس الابستيمولوجيا الكلاسيكية التي نذرت لنقد شروط المعرفة العلمية وطرقها، إنها تفحص صلاحية أشكال الشرح ووجاهة الأشكال المنطقية للاستدلال وشروط استعمال المفاهيم والرموز، ومع أن هذه الابستيمولوجيا ترفض فحص النتائج أي المعارف العلمية بحد ذاتها، فإنها تنصب ذاتها كمحكمة خارجية وداخلية تنظر في قضية العلم وتستطيع إحالتها إلى محكمة النقض لأنها خرقت الأصول. وتهتم الابستيمولوجيا بنتائج العلوم ومشاكلها المتعلقة بالمعرفة، فإنها تتأثر بهذه النتائج والمشاكل وتتعرض للأثر الرجعي للمرجعيات التي تتحكم بها والتي بذلك ستتحكم بها. ويرى موران أن الابستيمولوجيا المعقدة، أحدثت ثورة ليس فقط كوبرنيكية بل ثورة هوبلية في الابستيمولوجيا، فلقد أظهر كابل أن الكون لا مركز له وأن الابستيمولوجيا المركبة لا أساس لها، والابستيمولوجيا المعقدة تسأل المعارف العلمية وغير العلمية، وهي تبني وجهة نظر عقلانية إلا أنها لا تستطيع رفض المعارف الغير عقلانية ونزع صفة المعارف عنها، وهي تبقى المحصلة، لأنها تبقى إشكالية الحقيقة مفتوحة على الدوام، ويترتب عليها أن تفكر في كل معرفة تظن أنها حقيقة، وفي كل مرة ادعاء يتعلق بالمعرفة وفي كل معرفة كاذبة أي في الخطأ والوهم والجهل أيضاً. (9) وتقوم ابستيمولوجيا التعقيد على ثلاثة أسس أو مبادئ وهي:

1- مبدأ السببية الدائرية، وهو مبدأ يتجه إلى طبيعة العلاقات بين مكونات المنظومات المعقدة، وطبقاً لهذا المبدأ هناك تبادل مستمر للأدوار بين الأسباب (العلل) والنتائج (المعلولات)، إنها عملية متبادلة تكون فيه التأثيرات والنتائج مسببة ومنتجة في العملية ذاتها، وتكون فيها المراحل النهائية ضرورية لتوليد المراحل الأولى أذاً أنها عملية تنتج نفسها وتعيد إنتاج نفسها.

2- مبدأ الحوارية، يعرفها موران بأنها وحدة معقدة بين منطقيين وكيانين متنافسين ومتعارضين يتغذى أحدهما على الآخر، ويكملان بعضهما لكنهما يتعارضان ويتحاربان أيضاً، وينبغي تميز هذه الحوارية عن الجدلية الهيجلية، فلدى هيجل تجد المتناقضات حلولاً لها، ويتجاوز بعضها البعض، ويلغي بعضها بعضاً داخلة وحدة عليا، أما في الحوارية تكون المتناقضات دائمة وتشكل كيانات أو ظواهر معقدة، وبذلك تختلف الحوارية عن الجدل، على اعتبار أن الجدل يوجد حل للتناقضات عن طريق المركب الذي أما أن يجمع بين المتناقضين أو تجاوز أحدهما، بينما في الحوارية يتكامل المتناقضات ويتعايشان، وبذلك أن المنطق المعاصر للعلم يرى ضرورة الحوار بين المتناقضات والاستفادة منها.

3- مبدأ الهولوغرامية، هومصطلح نحت من قبل جان كريستيان (1870- 1950) من جنوب افريقا في كتابه الكلانية والتطور عام 1929، ويؤكد هذا المبدأ على ما يسمى بالاحتواء المتبادل بين الجزء والكل، ويرى موران لا تستطيع معرفة الكل من دون معرفة الأجزاء، والنظر إلى دوائر الدائرة يتم من خلال مركز الدائرة، وكل الدوائر الأخرى هي نتاج حركة هذا المركز، أي الجزء هو الذي يحرك الكل والكل يتماهى مع الجزء.

المعرفة:

أن مسألة المعرفة هي قضية تنظيمية وهي صياغة حوار بين مختلف العلوم عبر مناهج منطقية، وأن غياب هذا التفاعل بين المعارف هو عقبة حقيقية أمام العلم المعاصر، والتفكير العلمي في مجمله، والمعرفة تقوم على مستوين، الأول المعرفة التجريبية والعلمية والتي تنتج بفضل الملاحظة والتحقيق التجريبي تقوم على البيانات الرياضية والموضوعية، وهذا المستوى يدفع إلى نظريات تعكس حقيقة الواقع. الثاني المعرفة التي تستند على المنطق والاتساق والحقيقة القائمة على تنظيم الأفكار. ويجب على المعرفة اليوم أن تمتلك الأدوات والمفاهيم الأساسية التي تتيح الربط والتجميع، لأن تحدي التعقيد يستلزم التفكير في فكر مركب يأخذ في الاعتبار عدم اليقين والاضطراب والفوضى، هذا الفكر الذي يمكنه أن يجمع كل فرع من فروع المعرفة مع غيره من الفروع الأخرى دون أن يختزل أحدهما في الآخر، ويسمح لتنظيم المعرفة بتكوين نسق الأفكار، وهذا النسق يعبر عنه موران بأنه جملة المفاهيم المترابطة بشكل عفوي، ويتم تنسيقها بواسطة الروابط المنطقية كموجب الأوليات والمسلمات. أن المعرفة الإنسانية من خصائصها أنها متطورة باستمرار وفي كل مرحلة من مراحل تطورها تفتح للفكر أفاقاً، أوسع لينتج خطاب حولها، وهو في الأغلب خطاب نقدي. وقد سعى موران إلى تحرير المعرفة العلمية من التبسيط والاختزال اللذان تسلطا على هذه المعرفة بدءاً من الفلسفة الديكارتية وحتى اكتمال معالم بناء النظرية الفيزيائية الكلاسيكية مع نيوتن، وقد جعل الاعتقاد بمعرفة كاملة وموضوعية غير أن التطورات التي شهدها العلم المعاصر تحدث هذه الصورة المبسطة الاختزالية لتحل محلها فكرة التعقيد كنتيجة من نتائج هاينزنبرك في اللاتحديد. (10) أن المعرفة ليست جزيرة نائية، إنها شبه جزيرة، ولكي تدركها لابد من ربطها بالقارة التي تنتمي إليها، ولأن كان فعل المعرفة هو في آن بيولوجي ودماغي وعقلي ومنطقي وألسني وثقافي واجتماعي وتاريخي، أذ المعرفة لا تنسلخ عن الحياة البشرية والأواصر الاجتماعية. ونحتاج اليوم إلى معرفة تفكر في ذاتها وإلى أن تعترف وتحد إمكانها وإشكاليتها، فلا معرفة دون معرفة المعرفة. والمعرفة العقلية هي المعرفة الإنسانية الخالصة، وهي الانبثاق الأقصى لتطور دماغي يكتمل فيه التطور البيولوجي للإنسنة. والمعرفة ضرورية فلا يستطيع الإنسان أن يعيش في بيئة معينة إلا بمعرفة هذه البيئة، ولا يمكن للحياة أن تكون قابلة للبقاء والعيش من دون معرفة. (11) ويسعى موران إلى أن تكون المعرفة أكثر علمية وأكثر فلسفية وأكثر شاعرية، وتكون المعرفة عند موران:

1- المعرفة تقر بان الكائن البشري الذي يدرسها هو جزء من موضوعها.

2- المعرفة لا تفصل بين الوحدة البشرية وتنوعها.

3- المعرفة تدرك جميع أبعاد الواقع الإنساني أو جوانبه المنفصلة والمقسمة في الوقت الحاضر إلى فيزيائية وبيولوجية ونفسية واجتماعية وميثولوجية واقتصادية وتاريخية.

4- المعرفة تدرك أن الإنسان ليس بعاقل أو عامل، بل هو أيضاً مجنوناً.

5- المعرفة تضم حقائق منفصلة تقصي أحداها الأخرى.

6- المعرفة تجمع بين البعد العلمي (أي التحقق من البيانات، ومبدأ الفرضية وقبول إمكانية الدحض) والبعدين الابستيمولوجيا والإدراكي.

7- المعرفة تعيد المغزى لكلمات تلاشت وبطل استعمالها في العلوم، ومن ضمنها العلوم الإدراكية مثل الروح والذهن والفكر. (12)

الفكر المركب:

أن الفكر البسيط يحل المشاكل البسيطة، أما الفكر المركب فهو لا يحل المشاكل من تلقاء ذاته، لكنه يساعد على إيجاد الاستراتيجية القادرة على حلها، وأن ما يمكن أن يقوم به الفكر المركب هو منح كل واحد من أجندة تذكرنا ب لا تنسى أن الواقع متحول، ولا تنسى أنه بإمكان الجديد أن ينبعث، وفي كل الحالات أنه ينبعث، ويشكل الفكر المركب نقطة انطلاق نحو فعل أكثر ثراء وأقل تشويهاً، أذ كل فكر بقدر ما يكون أقل تشويهاً، بقدر ما سيقل تشويهه للبشر، ويرى موران أنه يجب أن نتذكر أنواع الخراب التي أحدثتها الرؤية التبسيطية ليس فقط في العالم الفكري، ولكن أيضاً في الحياة، فكثير من المعاناة التي يخضع لها ملايين من البشر بسببها الفكر المقطع والأحادي البعد. والفكر المركب عند موران، ليس بالضرورة أن يكون نقيض الحقيقة خاطئ، بل يمكن أن يكون نقيض الحقيقة، حقيقة أخرى فالإنسان سطحي التفكير ولا يدرك أعماق المعارف، لذلك هو يعتقد أن ما لديه حقيقة وغير ذلك لا يعجبه فيقصيه، فيكون في العقل اللاواعي معيار الحقيقة، هو ما لدينا هنا من مركزية العقل الفردي وأحادي التفكير وهنا يجب نبذ ذلك والانتقال إلى الفكر المركب الذي ينفي المركزية ويبحث عن التواصل والاتصال وقبول الآخر، فالفكر المركب يروم تجاوز قصور الفكر، لكونه طاقة مبدعة وقوة عاقلة، تملك القدرة على ترجمة الواقع إلى الفكر، أو معرفة تامة يقينية، وإصلاح عطب الفكر. أن مهمة الفكر المركب هي تغيير هوية العالم، وتغيير العالم هو أساس التغيير في أدوات فهم العالم التي لا توجد في أي علم، أو لا توجد في العلوم المقطعة والمفصولة عن بعضها البعض، ومن ثمة لن يكون الفكر المركب لا الفيزياء ولا البيولوجيا ولا الكيمياء ولا علم الاجتماع، أن الفكر المركب هو مجموعة هذه العلوم وقد توحدت في أفق ومشروع واحد هو أفق التعقيد. (13)

الأزمة:

الكريزيولوجيا (Crisiologie) أو علم الأزمات، وهو مصطلح نحته موران ليكشف به عن المستنقع الذي وقع فيه البشر في نهاية القرن العشرين نتيجة الحروب والتلوث والتقدم التقني السريع وتكاثر الأمراض وتغير نمط الحياة على الأرض، وقد نبه إلى وجود خطرين يهددان حياة الإنسان هما الفوضى والنظام. (14) ويرى موران أن مفهوم الأزمة لا يظهر فقط عند حدوث انكسار داخل اتصال، أو عند حصول زعزعة داخل نسق كان يبدو ثابتاً، لكنها تظهر أيضاً عندما تتكاثر الاحتمالات وبالتالي التقلبات، إنها تظهر بفعل انقلاب التكاملات إلى عداوات، وعند تحول الانحرافات السريعة إلى نزعات وعند تسارع مسارات مهدمة ومفككة، وعند حدوث قطيعة في صلب التنظيمات، وبالتالي عند اجتياح مسارات منفعلة من كل رقابة وميالة إلى التضخم الذاتي أو إلى التصادم القوي مع مسارات عدائية أخرى تنفلت هي نفسها من كل رقابة. وأن مفهوم الأزمة قد اصبح نمط وجود مجتمعاتنا، وفكرة كون التقدم يحمل في نفسه خاصية أزماتية، أن أزمة الحضارة، وفيما يخص المجتمعات الغربية، وأزمة الثقافة والقيم والعائلة والدولة والحياة الحضرية والحياة الفردية، هي جوانب متعددة لكيان مجتمعاتنا الذي يبدو كياناً مأزوماً، وهي مجتمعات تهددها هذه الأزمة لكنها مجتمعات تتغذى منها. ومع ذلك يرى موران إن الأزمات هي التي تسبب انطلاق الحقائق من الاعماق بعد أن كانت مختبئة في الكائنات والمجتمعات ففي الأزمات تظهر بشائر التطورات المستقبلية. (15)

 

حيدر جواد السهلاني

.......................

الهوامش:

1- ينظر إدغار موران: المنهج معرفة المعرفة (أنثروبولوجيا المعرفة،ج3)، ترجمة جمال شحيد، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ص11- 12.

2- ينظر إدغار موران: إلى أين يسير العالم، ترجمة أحمد العلمي، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ص5- 7.

3- ينظر إدغار موران: الفكر والمستقبل (مدخل إلى الفكر المركب)، ترجمة أحمد القصوار ومنير الحجوجي، دار توبقال للنشر، المغرب، ص115.

4- ينظر المصدر نفسه، ص15- 16- 31. وأيضاً إدغار موران: المنهج معرفة المعرفة، ص35- 36.

5- ينظر زهير الخويلدي: تعقد الطبيعة البشرية عند إدغار موران، ضمن موسوعة الفلسفة الغربية المعاصرة، أشراف علي عبود المحمداوي، منشورات الاختلاف، الجزائر، منشورات ضفاف، بيروت، ص1406.

6- ينظر إدغار موران: الفكر والمستقبل، ص17.

7- ينظر المصدر نفسه، ص6- 7- 8.

8- ينظر المصدر نفسه، ص101- 102.

9- ينظر إدغار موران: المنهج معرفة المعرفة، ص40- 41- 42.

10- ينظر إدغار موران: الفكر والمستقبل، ص181.

11- ينظر إدغار موران: المنهج معرفة المعرفة، ص33- 44.

12- ينظر إدغار موران: النهج إنسانية البشرية (الهوية البشرية)، ترجمة هناء صبحي، كلمة، أبو ظبي، ص24.

13- ينظر إدغار موران: الفكر والمستقبل، ص83.

14- ينظر زهير الخويلدي: تعقد الطبيعة البشرية عند إدغار موران، ص1408.

15- ينظر إدغار موران: إلى أين يسير العالم، ص24- 25.

 

 

يبرز في كل ديانة سماوية نوعين من العلاقات، الأولى تلك التي تربط الأنسان بربه، والثانية تتعلق بتلك التي تربط الانسان بالإنسان الاخر.

يبرز في العلاقة الأولى البعد الروحاني بكل تجلياته، فالعلاقة هنا علاقة مباشرة بين الرب وعبده [الأنسان]، وهي لا تحتاج الى واسطة بشرية أو [غير بشرية بالبعد الميتافيزيقي للكلمة].  وفِي هذه العلاقة يتحدد حساب المنفعة البشرية ذهنياً، بحسب  مقدار الابتعاد أو الأقتراب من الخالق، ويكون المرء أمام خيارات ثلاث حسب نظرية الابتعاد والاقتراب، فاما مخلداً في الجنة أو مخلداً في النار أو بين بين.  وهذا موضوع شائك ربما  نعود اليه في بحث أخر، لانه مبحث يرتبط بموضوعة العدالة الالهية، والتي يتفرع منها موضوعة العدالة الإنسانية التي تتجسد طبيعياً في وجود الدولة.

يبرز دور [العدالة] في العلاقة الثانية، بين الانسان والانسان، بين الحاكم والمحكوم، وبين المحكوم والحاكم بصورة جوهرية، لأننا هنا أمام مجال أخر، مجال ينتفي فيه البعد الروحاني ويكون للبعد المادي دوره في بناء هذه العلاقة والمتمثل في وجود [الدولة]، وما يتفرع عنها كمفاهيم، مثل السلطة وقيادة الامة.  ويشار هنا للدولة على انها المحفز للصراع بين الانسان والانسان، بين القوة والضعف، بين الغني والفقير، بين العادل والظالم وبين السيف والفكرة.  والدولة كفكرة هنا لا تكون لها أي قيمة أو معنى الا من خلال الأنسان فهو من يعطيها قيمتها، خيراً كانت أم شراً [١].

والدولة كفكرة تعني الحكم، وهذا الأخير يعني القدرة على نسج مقومات القيادة في الدولة، من خلال أتباع مسارات متعددة تعطي نتائج جيدة في بعض الأحيان، ونتائج كارثية في أحيان أخرى.  والعدالة كفكرة أخرى مجردة، لا تستمد وجودها الا من خلال تطبيقاتها على أرض الواقع.  فما قيمة الفكرة، إذا كان الانسان يتعرض لابشع صور الاستغلال.  اذاً فالفكرة، أي فكرة بتطبيقاتها وبما تحمله من نتائج [٢].

جاء الإسلام كديانة سماوية في أعقاب ديانتين كونيتين هما اليهودية والمسيحية، وكانت الفترة الزمنية التي فصلت بين ثاني الديانات المسحية والإسلام ما يقرب ٥٠٠ عام، وهي من دون شك فترة زمنية طويلة في مسار التطور التاريخي الذي يفصل بين هاتين الديانتين.  لا تختلف طبيعة القوانين التي جاء بها الإسلام عن تلك التي سبقته، فهي في جوهرها قوانين أخلاقية عامة تنظم الحياة الاجتماعية اليومية للمسلمين، لكن سرعان ما أختلف الامر، بعد وفاة النبي محمد، فأصبح الدين بقيمه الأخلاقية أمام حالة أستنفار سياسية [الحكم] يتصارع فيها المسلمون فيما بينهم.

كان الصراع في جوهره عند المسلمين لا يتعلق فقط بفكرة العدالة المجردة وأنما يتعلق أيضاً بمن يحمل هذه الفكرة الإلهية على التطبيق؟  كان الجواب هو الخليفة.   يجمع عامة المسلمين على أن خليفة الله في الأرض يحب أن يكون عادلاً، لكن لا بأس أذا انتفت العدالة في الرجل [الخليفة]، وأن كان فاجراً، فسوف يستقيم الأمر له، لان الامة لابد لها من أمام، براً كان أو فاجراً حتى لا تنقسم الامة وتفتت [٣].

شذ في هذا الامر، الامامية حيث يرى عامة علماء الامامية العكس تماماً.  حيث يكون التركيز على مبدأ العدالة كأولوية في الحكم، على أعتبار أن مبدأ العدالة يطرح نفسه نقيضاً للفساد والظلم، وفِي هذا الصدد يعطينا محمد جواد مغنية (١٩٠٤-١٩٧٩) أحد كتاب الشيعة فكرة واضحة عما يعنيه مبدأ العدالة عند معتنقي مذهب الامامية،  "ان مبدأ التشيع يلازم الثورة على الفساد والظلم" [٤].

هذا المبدأ بالذات كان السبب الرئيس بعدم قبول الامامية بأي دولة حكمت باسم الدين وبأسم الخلافة الإسلامية، مادام الامام المعصوم غير موجود [الامام الغائب] المهدي المنتظر عند الاثنا عشرية أو الامامية.  حتى تلك الدول التي حكمت تحت راية الامامية في فترات متأخرة من الحكم العباسي كالدولة الفاطمية في مصر لم تخرج من التصنيف العام لطبيعة الدولة التي يغيب عنها الامام، وأن أدت الغرض في لحظتها التاريخية تلك.

أحتاج الشيعة الى اكثر من الف سنة بعد الغيبة الكبرى للامام الثاني عشر في سامراء الى الشمال من مدنية بغداد عاصمة الدولة الاسلامية في العصر العباسي، ليقيموا دولتهم تحت راية ولاية الفقيه [حكم رجل الدين]، في إيران بقيادة رجل الدين أية الله العظمى روح الله الخميني (١٩٠٢-١٩٨٩).  حدثت أثناء حكم الخميني المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في أيران، الحرب بين أيران والعراق والذي كان يقوده حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة صدام حسين، أستمرت تلك الحرب لثمان سنوات (١٩٨٠-١٩٨٨).

لم تستقم الأمور للخميني الذي كان يرى بوجوب قيام الدولة الإسلامية الكونية العادلة والمتمثلة بولاية الفقيه [رجل الدين النائب للامام المعصوم الغائب],  داخلياً، وأقليمياً  ودوليًا لظروف موضوعية أخذت أبعادها من طبيعة الأجواء السياسية التي عاشها العالم في تلك الفترة، فالحرب مع العراق المكلفة مادياً وبشرياً، وقوف غالبية دول الإقليم العربي الى جانب صدام حسين في تلك الحرب، والرفض شبه العالمي للثورة الإيرانية، كلها عوامل أدت الى أن تعيش إيران عزلة أقليمية، أسلامية  ودولية قاسية ساعدت فيما بعد على تحديد وتحجيم المسار التاريخي لهذه الثورة ومنعها من الوصول الى عالميتها المنشودة، فأهدرت فرصة تاريخية لاقامة دولة العدل من وجهة نظر صحاب القرار الإيراني.

على الضفة الأخرى

عاش العراق فترات عصيبة في ظل حكم صدام حسين والتي أمتدت من (١٩٧٩-٢٠٠٣)، انتهت بغزو العراق من قبل الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وسقوط بغداد وحزب البعث الحاكم في العام ٢٠٠٣.   أعدم صدام حسين في الثلاثين من كانون الأول عام ٢٠٠٦، لتطوى بذلك صفحات مظلمة قاسية أمتازت بكل التناقضات السياسية الاجتماعية والاقتصادية والتي أدت الى سقوط الدولة، لتبدا بعدها حقبة ستملئ صفحاتها هي الأخرى بكل التناقضات، كانت القيادة فيها لاحزاب الإسلام السياسي الشيعي.

ديمقراطية – حكم شيعي – غياب للعدالة؟.

قبل أن ندخل في صلب موضوعنا، أجده لزاماً علينا أن نجد تعريفاً موحداً لما نعنيه بالعدالة أو العدل كمفهوم مجرد ؟

تباينت أراء المفكرين والباحثين حول هذا المفهوم ؟ حيث ظهرت تعريفات له، أرتبطت أرتباطاً مباشراً بتفاصيل الحياة الإنسانية  الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فظهرت مصطلحات مثل [العدالة الاجتماعية والعدالة السياسية والعدالة الاقتصادية]، وهي بالمجمل ترتبط بأيجاد نوع من التوازن بين مكونات أي مجتمع من حيث علاقاتهم الاجتماعية وما يترتب عليها، وبطبيعة الفرص السياسية المتساوية أمام الجميع للمشاركة الفاعلة في صياغة القرار، وتلك التي ترتبط أرتباطاً مباشراً في توزيع الثروات على أفراد المجتمع وتوفير فرصاً عادلة متساوية للجميع في الانتفاع.

وهذه التعريفات وأن كانت منطقية ضمن المجالات الجزئية لها، الا أنها تبقى قاصرة أمام أيجاد مفهموم عام وشامل للعدالة، وهو الذي نبغيه، حتى وان صعب تطبيقة على أرض الواقع، وأن الوصول لهذا التعريف الشامل للعدالة بين البشر  يتطلب وجود "مصالح ولغة وثقافة مشتركة وجملة قيم تعاونية وعادات تفرض ألتزاما أخلاقيًا" [٥].  والتعريف الذي نبتغيه يأخذ بالحسبان كل الجوانب المؤثرة بحياة البشر، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتي تجعل منه قادراً وفاعلاً في مجتمعه.

كان وصول أحزاب الإسلام السياسي الشيعي للسلطة أمر حتمي اذا ما اخذ بالحسبان أمرين، أولهما هو الثقل الجماهيري لبعض هذه الأحزاب كالتيار الصدري وبقية الأحزاب الأخرى، ثانيهما هو الالية التي أتبعت في الانتخابات البرلمانية والتي تسهل من عملية وصول هذه الأحزاب للسلطة، والحديث هنا عن نظام الكتل المغلقة وكل ما يترتب عليها من أخفاقات.

تماشى بناء الدولة الجديدة، مع غياب تام لعوامل جوهرية تساعد في بناء هذه الدولة، فألى جانب الغياب التام للمنظومة المؤسساتية، كان لغياب المنظومة الأخلاقية ومنها بالتحديد غياب مبدأ العدل، والذي يستمد وجوده وشرعيته بحسب أدبيات هذه الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية، من خلال  جملة السلوكيات والقواعد التي ألزم المعصوم نفسه بها، من حيث كونه معصوماً من جهة، ومن جهة أخرىً تتعلق بالرسالة التي من المفترض ان يقوم بها المعصوم أتجاه الاتباع واتجاه البشرية جمعاء، والنتيجة النهائية لفعل المعصوم تنعكس أيجاباً على مسألة ترسيخ  هذا القانون العام والشامل والثابت في جوهره والمقبول في شموليته [قانون العدل] لدى الاتباع على أقل تقدير، كان لها الأثر الكبير في سير هذه الدولة نحو انحطاط مخيف.  لقد الزمت هذه الأحزاب الاسلاموية نفسها بما لا تستطيع.

أنه الفشل التاريخي، والنكوص عن جملة المفاهيم التي تبنتها هذه الأحزاب الإسلامية في مسيرتها السياسية المتناقضة المتجسد في سعي هذه الأحزاب مبدئياً لاقامة دول العدل طبقاً للمواصفات التي أرادها أئمة الشيعة أبتداءً من الخليفة الرابع الامام علي أبن ابي طالب عليه السلام وحتى أخر أئمة أهل البيت الامام الغائب المهدي المنتظر، وواقعياً عندما أصطدمت بقوة الحكم وببريقه وما يترتب عليه، وبتأثيره على مبادئ وقيم هذه الأحزاب والتي نظرت لها في أدبياتها عبر مراحل نشوء هذه الأحزاب وتطورها في مراحل تاريخية مختلفة.

أين يقع التناقض؟.

يقع التناقض بين المبدأ أو الفكرة [دولة العدل] كفكرة دينية  بالرجوع الى المنهج الأساسي الإسلامي لأئمة الشيعة ومن بعد علمائهم الذين فرضوا على أنفسهم منهجاً متشدداً في التعامل مع قواعد الإسلام وكل بناه القيمية، وبين براغماتية زائفة لا تخضع لقواعد محددة ومعروفة، أتبعتها أحزاب الإسلام السياسي الشيعي في قيادتها للدولة عندما جاءت الفرصة لها، فضاعت الفكرة المطلقة في خضم صراع هذه الأحزاب واستماتتها للوصول للحكم.

هذا التشدد في المبدأ، الدولة والحكم والعدالة المطلقة، فرض على أئمة الشيعة وعلمائهم على أثرهم ألتزام صف المعارضة والتي تكاد تكون مستمرة عبر مراحل التاريخ الإسلامي كله  لانهم وجدوا في هذه المعارضة تأكيد لأزمة الحكم وأستبداده وأبتعاده عن روح الاسلام وقيمه الكونية المبنية على العدل والمساواة والحريّة.

لقد ألزمت الأحزاب الشيعية السياسية نفسها من حيث المبدأ [نظرياً]، وأستناداً الى مرجعيتها العقائدية، بالسعي الى تكوين الدولة العادلة، دولة الأمام الغائب لتبرير وجودها في الساحة الشيعية الضيقة والتي هي الأخرى ألزمت نفسها مبدئياً بأهمية وحتمية وجود هذه الدولة.

كان من شأن هذا التناغم المبدئي بين الأحزاب الإسلامية الشيعية وبين الجماهير الشيعية حول أهمية وحتمية قيام الدولة العادلة، أن يوفر مدخلاً لتحقيق هذه الدولة، لا سيما بعد توفر الشروط الطبيعية والموضوعية لقيامها بعد أحتلال العراق في العام ٢٠٠٣، من جهة، ومن جهة أخرى هو أعطاء المشروعية للنظام الجديد، على أعتبار أن هذا النظام هو الوحيد القادر على بسط القانون ونشر العدالة بين الناس.

أن التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها هذه الأحزاب بعد السقوط ٢٠٠٣ والتي ترتبت على ضوء أستلامها للحكم جعلها تعيش حالة النكوص عن مبادئها العقائدية التي طرحتها خلال مسيرتها في العمل قبل الوصول الى السلطة، ولتنغمس كلياً في عملية سياسية ابعادها تتمثل في السلطة  والعنف والمال والفساد، التي هددت بدورها بل انها ساعدت في تدمير ما تبقى من مقومات الدولة التي لم تطالها يد التخريب  الامريكية، هي إذاً  "جمرة الحكم" التي تحرق، إذا ما أجيز لي أستخدام مصطلح الأستاذ الكاتب (علي طاهر الحمود).

لقد تمثل فشل هذه الأحزاب الإسلامية الشيعية في العراق من خلال قيادتها للدولة في بعدين، الأول ماضوي يستحضر على الدوام من خلال الدين والمذهب والرموز التاريخية الكبيرة، لانها لم ترتقي الى مستوى هذا الاستحضار الدائم للماضي ومفرداته،  والثاني يتمثل في فشل المنهجية البراغماتية التي حاولت هذه الأحزاب أتباعها في قيادتها للدولة، لانه منهج غريب عنها وعن ادبياتها ويتصادم في بعض جوانبه مع مبادئ عقائدية ثابتة في منهاج هذه الاحزاب.

ليس أمام هذه الأحزاب خيارات عديدة، فهي قد ألزمت نفسها كما أسلفنا بأستحضار الماضي بكل تجلياته وقساوته للوصول الى حالة مثلى طالما طال انتظارها، وفشلت فشلاً ذريعاً فيه،  أو أن تستمر في نفس المنهج البراغماتي الذي قوامه الاستغلال العاطفي لجماهيرها في وضح النهار، والانغماس في كل فساد السياسة والحكم والسلطة في الليل، وهو الاخر صاحبه فشلاً كبيراً في الآونة الأخيرة، بعد أن برز على السطح وعي جديد لدى شرائح مختلفة من الجماهير العراقية التي لا تمثل القاعدة الجماهيرية الكلاسيكية لهذه الأحزاب.

ليس من السهل على هذه الأحزاب أن تعيد النظر في جملة خياراتها في الجانبين النظري والعملي، لانها بسهولة استنفذت كل طاقاتها، بل قد لا أكون مبالغاً حينما أقول، انها فقدت مبررات وجودها في الساحتين السياسية والدينية في العراق.

 

عقيل هاشم عبود

......................

المصادر

- نيتشه (هكذا تكلم زرادشت)

- جبران، خليل جبران ( النبي)

- أبو زهرة، محمد. (المذاهب الإسلامية)، ص ١٥٥

- مغنية، محمد جواد. (الشيعة والحاكمون)، ص ٢٨

- Rawls, John, “Justice as Fairness :Political not Metaphorical “, Philosophy and Public Affairs 14 (Summer 1985): 223-51

 

مصطفى غلمانالمــشهــد الصفر

مواطن أربعيني من مدن الهامش، يموت جوعا، أمام ملحقة إدارية تابعة لوزارة الداخلية، بعد انتظار معونة لم تأت.

المشهد الدراماتيكي الفجائعي، ليس سوى صورة مصغرة عن مئات الحتوف المخلة بأدنى الكرامة البشرية، تحدث كل لحظة، في الدقائق الأخيرة من نهاية أعمار تحمل أحزانها على أكف الإهانة والتقصير وسوء تدبير الأزمة.

الحلقة المفقودة في المشهد إياه، هو الوسادة التي يلتحفها الرجل، تحت إبط الإسمنت، ونيران أعين المتلصصين ممن يلتقطون صور المغدور، وهو يئن تحت رحمة آلام القصور الكلوي، الذي يعانيه..

وبين أقدام مخازنية الملحقة الإدارية، وثقل المصيبة التي هزت الرأي العام الوطني، والتي خلخلت جزءا من المسكوت عنه، في رحلة المصير المجهول، لعديد من أسر الهشاشة والضياع الاجتماعي، ينتفض فينا سؤال الاحتراق والتسويغ المر، وكتابة الفراغ :

من يتأسف على من؟ ومن يحاذر من؟ ومن يتوجع على من؟

وإلى أين المسير؟

المشـــهــد الأقــــنومــي

عشرات المواطنين يرابطون أمام بئر شحيحة في أقصى بلدة غرب الموغادور، ينتظرون أدوارهم لملء ما تجود به صنابير مطمورة واجمة، قليلة الفرشة.

يجرون بهائمهم التي يملؤون على ظهور جرارها، ما يتزودون به يوما أو بعض يوم.

عندما يسأل القوم، عن جائحة كورونا، أو طوارئها المعلقة بقوانين الإلزام والضرورة، لا تكاد كلمات الصمت تبلغ المدى، حتى تتصدع بهمهمات اليائسين من حول قطيع الحمير والأغنام المأسورة برثاء قيلولة حارة وسخيمة.

الناس هناك يبحثون عن الماء، ولا يفهمون رغبة الوباء في قطع رؤوسهم، إذا ما انزاحت الأنوف والأفواه عن استراق كمامات الوقاية من الفيروس الفتاك؟

العطش يرخي باستبدايته المهيبة، أكثر من سراب الأمل الجارف الذي يفلق القلوب والعقول.

عندما تتهجى، أو لا تكاد، تسمع أنين أطفال دوار أكشتام الواقع في نقطة مجهولة من خريطة الصويرة، في إحدى جماعاتها القروية النائية (امرامر)، وهم يستصرخونك، لأجل وَعْث من ماء مرجى، أو كلمة تسبق القرارات الرسمية العجفاء، تسمع من به صمم الضمير، فإنك لا محالة، تكتشف الميز الظاهر بالعين المجردة، بين ما تطلقه أبواق التفاهة، وما يقع على الأرض؟

المشــهــد الســـيزيفـي

  ليس هناك أخطر من إله الموت الراهن، إله الغضب، الذي فجر الحقد الاجتماعي بين ثنايا الخداع. نفسه ثاناتوس في الميثولوجيا الإغريقية، الذي استطاع خداع إله الموت ذاك، فعاقبه بحمل الصخرة العظيمة، التي تنفعل بصوارم العقل الإنساني عديم الفائدة.

هي نفسها صخرة سيزيف الأبدية التي ظلت تتدحرج تحت خطى سياسة التجويع، الممارسة على فئات عريضة من الناس.

ستظل الفئات تلك، تحمل صخور مآسيها، في راهن كورونا وما بعدها. صخورا تتدحرج إلى أسفل الأحذية، وتعود لتنتشلها من الخرس، إلى قمة العذاب الأبدي ..

هكذا سنظل، نكتب عنها، دون أن نترفع يوما عن ملامسة حقيقة ضياعنا السيزيفي الأليم؟

 

د. مـصطــفـى غـلـمــان

 

يسري عبد الغنيأهم ما يربط بين الأدب والفكر هو المضمون الفكري والفني وتحليلات النقاد وتفسيراتهم، فالمضمون الفكري معنى النص وقيمته، أما النقد والتحليل فهو قراءته، أي قراءة النص وتفسيره بحيث يغدو فني المضمون وموصول الكلم.

ويرى بعض النقاد أن مفهوم الأدب لا يتعارض مع الدور الذي يقوم به العلم في تفسير الظواهر الكونية والطبيعية والإنسانية وإنما يضاف إلى ذلك لأن العلم لا يملك التجربة الجمالية والنفسية التي يستخدمها الفن في صياغة وجدان المتلقي وفكره، ولذلك فإن مفهوم المضمون الفكري في العلم يختلف عنه في الأدب: ففي العلم ينتهي دور المضمون بمجرد استيعابه عقليًا بصفته مجرد حلقة في سلسلة طويلة ومتطورة من الأفكار والنظريات العلمية المتواصلة، أم في الأدب في المضمون الفكري من خلال تفاعله مع الشكل الفني لا يجبه مضمون تال حتى لو كان يعجل نفس القضية الإنسانية.

ومجاراة لما سبق فإن المعنى في المضمون الأدبي لا بد أن تتعدد دلالاته وإيحاءاته من متلقٍّ إلى آخر من عصر إلى عصر. ولسنا مع هذا الناقد الذي أوردنا شيئًا من أقواله حين يقول: ولا بد أن يستقل معنى العمل الأدبي عن هدف الأديب بمجرد الانتهاء من إبداعه؛ لأن الأديب إنما يبدع وهدفه هو إفادة المتلقي؛ فكيف بالله نفصل هذا الهدف عن ذاك العمل! كما يحلو لهذا الناقد.؟ ونحن نرى أن العمل الأدبي وهدف قائله لا ينفصل أولهما عن الآخر؛ لأن أي أديب إنما يعمل بأدبه وله هدفٌ يهديه للمتلقي. ولا يبعد هدف المفكر عن هدف الأديب؛ لأن الأدب صنو الفكر، والفكر صنو الأدب، فلكل منهما أهداف جديدة وإن كان الخيال قد يدخل العمل الأدبي، أما الفكر فإنه ماسك بزمام عمله ولهذا يتجنب النقاد العمل الفكري إلا فيما ندر ويبدلون ذلك بالعمل الأدبي.

على أن المتلقي لهذين العملين العمل الأدبي والعمل الفكري هو الذي يميّز بينهما في سياق الكاتب المفكر أو الكاتب الأدبي.

في رأينا أن أي عمل ثقافي هو الذي يفرض نفسه على مبدعه أو كاتبه فينقله للجمهور ولكن هناك من يرى أن المضمون الفكري حتى لو كان فكرة شائعة أو قضية يعلمها الجميع متى تفاعل مع الشكل الفني للعمل الأدبي أصبح خاصًا به وليس له امتدادٌ خارجه أو اتصال بأي شيء آخر. ولذلك فإن مضامين الأعمال الناضجة تبدو جديدة كل الجدة بالرغم من أنها مستوحاة من أفكار ومضامين العامل الفكري. ونحن نسير في هذا السياق ونؤيده؛ لأن الأديب الواعي هو الذي يجسِّد هذا التفاعل بين هذه الأفكار والمضامين وبين تطورات العصر الذي يعيشه، الذي يلقي عليها أضواء جديدة وينظر إليها من زوايا معاصرة لم تكن تتأتى لمن سبقه من الذين عالجوها وجسَّدوها في أعمالهم. الذي نقصده هنا ليس التفرقة بين الأدب والفكر بقدر ارتباط الأول منهما بالآخر وقد اهتم نقاد الأدب والأعمال الفنية بالمسرح والدراما الفنية أكثر من الحديث عن الفكر الذهني والأدب الشعوري وحتى عندما يتحدثون عن الدراما فإنهم لا يعطون ذلك إلا بالقدر اليسير، فما بالك بالحديث عن الفكر البحت والأدب الجميل وكذلك عندما يأتي الحديث عن المسرح، فإنهم ينساقون فيه ويهملون في الوقت نفسه الفكرة الأدبية والأدب الفكري، بمعنى آخر لا تجد فيما يكتبونه الثقافة والفكر والأدب إلا من زوايا خافتة.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

محمود محمد عليعرف التاريخ أحداثاً مفصلية غيرت مجراه، معارك طاحنة، ملاحم بطولية، أفكار إبداعية، اختراعات مذهلة وأناس عظام... لكننا اليوم نتحدث عن ميكروبات طُبعت في ذاكرة التاريخ، وصنعت لنفسها مكاناً في صفحات كتب التاريخ والطب على حدٍ سواء.. حولت النصر إلى هزيمة، الغنى والرفاهية إلى فقر وعنت وفي أوقات أخرى إلى العكس تماماً.. ومن انتاج وازدهار إلى عجز واندثار.

عجباً لتقلبات الزمن فمن يصدق أن أوربا والمجتمع الغربي، والذي شهد في القرن 18 عصر الحداثة، والذي استطاع أن يطرح مركزية الإنسان علي كوكب الأرض، واحترام الإنسان لأخيه الإنسان، بل إن البعض أدخل في هذا الأمر مناحي دينية غير مقبولة، لتبرز تعظيم الإنسان في عصر الحداثة.. ثم فوجئنا بعد عصر الحداثة بوجود صواريخ عابرة القارات، وبعيدة المدي، ومتوسطة، بل فوجئنا أكثر وأكثر باكتشاف الأمريكان والسوفييت لقنابل نووية، ثم توصلوهم إلي اكتشاف سلاح كيماوي، ثم سلاح بيولوجي، ثم فوجئنا بوصولهم إلي كوكب المريخ وكوكب الزهرة، بل وصلوا إلي مجموعة شمسية أخري، ومخلوقات فضائية، ثم تضع أمريكا أكثر من 20 مليار لوكالة ناسا .

كل هذا الانجاز في العلم حتي وجدنا أن كورونا تكشف وتفضح كل ذلك ؛ خاصة عندما وجدنا السياسيون يقولون "ودعوا أحبابابكم، وأنه لا توجد سراير، ولا نظم صحية، ولا أجهزة تنفس اصطناعي، ولا كمامات"..  والسؤال هنا : كيف أن الأموال الطائلة التي انفقت في الصواريخ، وسلاح نووي، وسلاح كيماوي، وبيولوجي، والوصول إلي المريخ، كل هذا وتعجز الولايات المتحدة الأمريكية عن كمامات، وكما قال أحد الكتاب عندما نشاهد الأفلام الأمريكية نتوقع لو أنه هناك غزو فضائي للمرخ، فإن الولايات المتحدة سترد علي الفور. الآن جزء كبير من الهيبة الأمريكية تراجع .. لماذا!.. لأن أيقونات أمريكا اهتزت .. جامعة هارفارد أيقونة أمريكية للأسف رئيس جامعة هارفادر أصيب بفيروس كورونا .. نيويورك أيقونة مدن العالم هي الأكثر وباءً الأن .. حاملة الطائرات فخر البحرية الأمريكية الآن مصابة .. إذن الأيقونات الأمريكية سقطت تحت عرش كورونا .. الكل يهتز، حتي حلف الناتو لأول مرة من 70 عاما يجتمع عبر الفيديو كونفرانس والفيديو.

كورونا أثبتت أن التاريخ الحديث والمعاصر هش وقابل للكسر، والانحناء نتيجة تأثير عوامل ومؤثرات عديدة ومتداخلة من ضمنها الأمراض والأوبئة والعدوى؛ ففي التاريخ الإنساني كم من بلاء ووباء أفرز تغييراً في موازين القوى السياسية، وأسقط إمبراطوريات عتيقة، وأقام ممالك جديدة. بل الأعجب من ذلك، كم (محنة) أمراض معدية شنيعة أثمرت (منحة) عظيمة وخير كثير في تطوير مهنة الطب مثلاً، أو تغيير أساليب التجارة، أو حتى التأثير على جودة الأعمال الأدبية والفنية والمعمارية.. إن الجراثيم الممرضة والميكروبات المعدية شيء مخيف، ولهذا لم تفلح محاولة عالِم الجراثيم الفرنسي المعروف "لويس باستور" في تلطيف الشعور السلبي نحوها، عندما قال (ليست الجراثيم هي من نحتاج أن نقلق منها ولكن ضميرنا الداخلي). التاريخ الإنساني مثخن بكوارث الأوبئة المميتة التي تسببت في زوال إمبراطوريات وممالك كانت يوماً ما مسيطرة ومزدهرة.

لقد فرض كورونا على النظم السياسية المختلفة امتحاناً مفاجئاً خرجت منه الديمقراطية منحنية الرأس، راسبة.. لم تستطع الولايات المتحدة بقدراتها العلمية، ونظمها الصحية، وأبحاثها الطبية، أن تواجه الوباء دون أن تفرض إجراءات توصف بالديكتاتورية لو طبقت من قبل لخرج الأمريكيون جميعاً إلى الشوارع غاضبين رافضين غير مصدقين.. لجأ الرئيس الأمريكى ترامب إلى قانون الإنتاج الدفاعى الذى يمنحه سلطات استثنائية تسمح لحكومته بتغيير السلع التى تنتجها المصانع، وتأميم الشركات ووضع إمكانياتها تحت سيطرة الحكومة الفيدرالية. ونسيت أوروبا مهبط الديمقراطية وقيم الحرية والمساواة والحقوق الإنسانية، وحرمت كبار السن من العلاج فى المستشفيات، وتركتهم يموتون فى أماكنهم.. وتذكرت بعض الدول الرأسمالية (مثل إسبانيا) جينات أجدادها القراصنة واستولت على شحنات طبية لم تكن لها وبعد أن هدد رئيس الفلبين بإلقاء تجار المخدرات من الجو، قرر إطلاق النار على كل من يخالف الحظر.. والمؤكد أن مزاج الشعوب تعكر وتغير، مما يعنى تغير اتجاهات التصويت فى الانتخابات المقبلة. وفى الوقت نفسه نجحت الصين التى لا تزال تؤمن بديكتاتورية البوليتاريا (الطبقة العاملة) فى تحجيم الأزمة وتحملت آثارها الاقتصادية.. لم تطرد الصين عاملاً واحداً، بينما خسر خمسة ملايين عامل فى الغرب وظائفهم حتى الآن، وثبت أن نظام إعانة البطالة لا يفى باحتياجاتهم، وذلك حسب قول عادل حمودة في مقاله بصحيفة الفجر المصرية بعنوان "الكورونوفوبيا".

كورونا الفايروس الذي لن ينساه الأحياء، وسوف يسجل في صفحات التاريخ كحرب عالمية ثالثة، ليس بها دول المحور والحلفاء، كل العالم تحالف لصد حرب كائن ميت لا يريد إلا الوصول إلى خنق (الشهيق والزفير) وليس لديه أفضلية في قطف الأنفس، يعامل ضحاياه بالتساوي، لا تعنيه الرتب، ينخر أي رئة تصادفه.. ومن مميزات هذه الحرب، تعرية دول عظيمة (قبل مجيئه)، حتى إذا أدام المكوث في جغرافية الدولة العظمى، برهن أن الستار الذي تقف خلفه، ستار من كرتون.. كان مروره - وما زال- العاصف، على جميع دول العالم، محل حيرة وارتباك، فطارت الألباب واحتار الجميع، ولأنها حرب عالمية، لا تزال كل دولة تحاربه من خندقها.. ولأنها حرب حقيقية: إما أن تنتصر، وإما التحفز، لدفن مواطنيك في قبور جماعية، أو منفردة، فالخسارة هي ذاتها في ظل تعرية النظام الصحي لتلك الدول.. وقد أجاد فايروس كورونا تنبيه الشعوب لما هي عليه دولهم، فالأخطار الجسيمة تفرز القوى الحضارية المتقدمة دون سواها، وتكشف مقدار استعداد الدولة في إدارة الأزمة الطارئة من خلال جميع أجهزتها، وتناسق الخطوات بين تلك الأجهزة، بحيث يكمل كل منهم الآخر.. ولأننا ما زلنا في هذه الحرب العالمية، أبصارنا معلقة بقنوات فضائية تنقل -في كل لحظة- أخبار هذه الحرب، وما يحدثه الفايروس من خسائر في الأرواح، وفي المنظومة الصحية، وفي الاقتصاد، ويكشف أيضاً وعي المواطنين بالالتزام بما تسنه الدولة من قوانين وأنظمة لمواجهة عدو شرس.. كما أن كورونا كشف أنواعاً مختلفة من الوعي الذي تحول الفرد فيها إلى جندي، لا تريد منه الدولة سوى المكوث داخل البيت، لكي تفوت على الفايروس تسجيل نقاط انتصار على الدول، وذلك حسب قول عبده خال في مقاله بعنوان حرب عالمية ثالثة.. من يفوز ؟..

كما كشفت كورونا أن للعولمة سلبياتها فنرى أن مناطق من العالم تعيش مستوى مرتفع من الرخاء والرعاية الصحية، في حين أن مناطق أخرى من العالم تعاني الفقر والتهميش، وتصبح مناطقهم تربة خصبة لتكاثر الفيروسات، ونشأة الاوبئة، ويتنقل البشر وسفرهم إلى باقي دول العالم تنتقل معهم الأوبئة، وتصل إلى البلدان الغنية التي تتمتع برعاية صحية متقدمة، وهكذا يستغل الفيروس، ويستفيد هو الآخر من حرية الحركة، والسفر بين الدول، كإحدى ميزات العولمة... "كورونا" الذي لا تتجاوز نسبة الوفاة بين مصابيه 2 %،  يشبه كلّ ألاعيب العصر من الهجمات السيبرانية، إلى حرب السوشال ميديا وخطاب الكراهية المفتعل، إلى اقتصاد الشبكات والتجارة الإلكترونية.

من المفارقات التى كشفها فيروس كورونا المستجد، أن تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات بعد التوقف الاجبارى، أصبحوا مستعدين وقادرين ومتعاونين مع التكنولوجيا، ومثلما خففت مؤسسات كثيرة الحضور لموظفيها ونجحت فى تنفيذ العمل من المنزل، نجحت خطوات التعليم عن بعد، وظهرت حلول كثيرة للدروس والمحاضرات «أون لاين»، وأصبحت تطبيقات «فيس بوك»، ويوتيوب قادرة على نقل العملية التعليمية، وليس فقط للدردشة، والنميمة، والكوميكس الذى يسخر من تطوير التعليم. وبدا أن ما كان الكثيرون يقاوموه ويهاجموه ممكناً وقابلاً للتطبيق. وفى ظل تهديد كورونا تقبل المجتمع ما كان يقاومه مختاراً، وذلك حسب قول أكرم القصاص في مقاله باليوم السابع مفارقات كورونا.. التعليم عن بعد انتصار لمشروع طارق شوقى.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

 

 

بليغ حمدي اسماعيلبالضرورة لا يمكننا فصل العلاقة المنطقية بين التطور العلمي والخطاب الديني في الوطن العربي، وربما كل مكاشفات التنويريين السابقة مثل فؤاد زكريا وعبد الله العروي وعابد الجابري ونصر أبو زيد وجابر عصفور وغيرهم تؤكد أن الضلالة العلمية التي انعكست على الحياة المجتمعية للمواطن العادي جعلته فريسة سهلة القنص والاصطياد لأمراء وشيوخ التيارات الراديكالية المتطرفة الذين ربما ـ وأعني وأقصد بربما الظنية ـ أنهم يعانون قدرا كبيرا من العقد النفسية المزمنة نتيجة ثمة عوامل وظروف شتى مجتمعة.

وهذه العلاقة بين نهضة العلم وتجديد الخطاب الديني هي ما أسفرت عنه المشاهد الإخبارية المنصرمة منذ أيام قلائل، ففي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي وإدارته الإفادة من جهود العالم المغربي منصف السلاوي لإنتاج لقاح مضاد لجائحة كورونا، أو بالأحرى تعيينه على رأس مبادرة البيت الأبيض لتطوير لقاح ضد فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19). راح علماء الوطن العربي يشيدون بجهود منصف السلاوي العلمية ومآثره المحمودة في المجال، وعلى حد قول سكاي نيوز العربية skynewsarabia " لم يقتصر التفاعل على الأوساط العلمية التي أشادت بالسلاوي وسجله الحافل، بل امتدت الحفاوة إلى المنصات الاجتماعية، فحرص المعلقون على التطرق إلى محطات من حياة العالم الذي يحمل جنسيات المغرب وبلجيكا والولايات المتحدة".

هذه الإشادة العلمية بمنصف السلاوي خارج حدود القطر المغربي تفسر حالات الإلحاد المتسارعة بالمغرب العربي نظرا لأن الجهود العلمية العربية دوما تفرخ خارج حدودنا العربية وكأننا على موعد مستدام بفرحة الوصول إلى النهائيات دونما حلم أو أمل بحصد اللقب.

واستنادا إلى التقرير الإخباري الشامل والمتكامل الذي رصدته وكالة سكاي نيوز العربية skynewsarabia عن المسارات العلمية لمنصف السلاوي، نطالع أنه ـ السلاوي ـ قرر أن ينتقل صوب بلجيكا، وهي بلد فرانكفوني، ثم درس في جامعة بروكسيل الحرة وحصل على شهادة "الإجازة" في البيولوجيا. في مرحلة موالية، نال شهادة الدكتواره في علم الأحياء الجزيئي، ثم تلقى عدة دورات في جامعات أميركية مرموقة مثل كلية هارفارد للطب وجامعة تافتس، أما في الحياة المهنية، فعمل السلاوي أستاذا بجامعة مونز البلجيكية وكتب ما يقارب مئة ورقة بحثية.

وهذا يدفعنا إلى المناخ العلمي الكفيل بتحقيق ريادة علمية حقيقية تتمثل في أبحاث جادة تتصل بواقع معاش وبحياة يأمل العلماء حقا إلى تغييرها للأفضل، بخلاف واقع علمي عربي موصوف ببحوث المكاتب أو المعامل المغلقة البعيدة عن حياة حقيقية حتى أنني وغيري كثيرون يفكرون بشأن هذه الأبحاث العلمية العربية بأنها أقرب إلى العالم الافتراضي أو بصورة تحقق رغبة اشتهاء صفة العلمية لديهم ببحوث تشارف عبارة ما ينبغي أن يكون !.

وما أقسى التقرير العلمي الذي كتبته أمل قصري بتاريخ أغسطس 2016 تحت عنوان "البحث العلمي في مصر «هواية» يمارسها محترفون!" . وأشارت الباحثة إلى المشكلة الحقيقية لأزمة البحث العلمي ليس في مصر وحدها بل في شتى بقاع الوطن العربي المهلل والأكثر فرحا باختيار منصف السلاوي رئيسا لفريق عمل أمريكي، ومن قبل فرحته بحصول الدكتور أحمد زويل على جائزة نوبل في مناخ غير عربي . وما أشارت إليه أمل قصري هو أن أزمة البحث العلمي في مصر يمكن للعاملين في المجال إدراكها وتعريفها بسهولة، بل ربما يمكن لبعضهم اقتراح حلول لها، إلا أن وضع يدهم على المشكلة ومعرفة الحلول لا يغير من الأمر شيئًا، وبالتالي تظل ممارسة البحث العلمي أشبه بهواية وليست احترافًا.

أي أن المشكلة الحقيقية للبحث العلمي في مصر بقاؤها كهواية وربما فرصة جيدة لارتقاء السلم الاجتماعي الباهت، أو السعي لاقتناص مكاسب وظيفية لا تعكس واقع المجتمع المعرفي بصورة صادقة.

وتعد المشكلة الأبرز علميا في تقرير قصري الذي يفرض نفسه بقوة ونحن نرصد حالات من التقاعس العلمي العربي لمواجهة جائحة كورونا هي على حد قولها " مشكلة الباحثين الشباب الذين أرى منهم مَن لا يدرك أساسيات البحث العلمي، ولا معنى التعاون وتبادل الأفكار بحرية وعلنية مع الغير، ويكتفون بنظرة ضيقة جدًّا حول ما يجب أن يقوموا به من عمل. وللأسف لا يجد هؤلاء في كثير من الأحيان توجيهًا مناسبًا أو دعمًا معنويًّا أو ماديًّا ممن هم أكثر خبرة، هؤلاء من المفترض أن يقودوا الاتجاهات البحثية القادمة في المستقبل القريب، ونشأتهم بهذا الضعف مؤشر على تدهور أكبر قادم" .

ومنذ إعلان صحيفة الجارديان بأن المحاولات الأولية لإنتاج لقاح لمواجهة فيروس كورونا الجائح لم تأت بتأثير أو فائدة أو نفع مبدئي وأنا أفكر في أمر البحث العلمي في مصر تحديدا أساتذة العلوم المنوط بهم البحث عن لقاح يدفع بصاحبه صوب منصة التتويج العلمي مرورا بالحصول على جائزة نوبل لكن الأمر يبدو مختلفا كالعادة لديهم .

وكنت أيضا أتوقع من هؤلاء العلماء المتخصصين في فيروسات تنقل إلينا عبر الطيور والحيوانات أن يكترثوا ولو بقدر قليل بالأمر في ظل رهبة وخشية بل وخوف مستدام نتيجة تفشي الجائحة، لكن لم يتحرك هؤلاء وأظن أنه رغم اهتمام السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي ومتابعته اليومية الدقيقة لأزمة كورونا أنهم لن يتجهوا بجدية ناحية المعامل الخالية حاليا من الطلاب .

وربما لتقاعس أساتذة العلم في إخبارنا عن الفيروس بطريقة علمية تجعلنا نفتخر بهم وبعلمهم لكنهم مثلنا يتابعون أخبار الدراما الرمضانية وأجور الممثلين والممثلات وبرامج التوك شو الإخبارية التي تستضيف الفنانين أيضا، يخبرنا العالم الحقيقي وليس أشباه علمائنا الحاصلين على درجة الدكتوراه من نفس الجامعات التي خرج منها أمثال توماس فانينج Thomas Fanning في بحثه المعنون " العثور على فيروس الإنفلونزا القاتل " بأن الإنفلونزا فيروس صغير وبسيط، مجرد كرة شحمية مجوفة بها عدد قليل من البروتينات ولا تحمل سوى ثمانية أجزاء جينية، غير أن ذلك هو كل المطلوب لكي تحفز خلايا العوائل الحية على صنع المزيد من الفيروسات . وهناك بروتين على درجة خاصة من الأهمية وهو هيمأجليوتينين (هـ أ) يسهل للفيروس دخول الخلايا . ويحدد شكله ي عائل يمكن لسلالة من سلالات فيروس الإنفلونزا أن يعديه .

ويضيف آن ريد Ann Reid أن هناك بروتينا آخر هو نيورامينيديز (ن أ) وظيفته أن يحرر الفيروسات حديثة التكوين من الخلية المعدية فهو المسئول عن مدى كفاءة انتشار الفيروس . وتساعد تغيرات ضئيلة في هذين البروتينين وغيرهما من بروتينات فيروس الإنفلونزا، تساعد الفيروس على عدوى أنواع جديدة من العوائل وعلى تجنب هجوم الجهاز المناعي، وتحدث التغيرات إما من خلال أخطاء تحدث أثناء نسخ الجينات الفيروسية، أو تكتسب في مقايضات عندما تختلط جينات سلالتين مختلفتين من سلالات فيروس الإنفلونزا أصابتا نفس الخلية .

الكارثة والفاجعة أن أساتذة العلوم في مصر يعرفون حقيقة التناسخ والتطور للفيروسات بل يظهرون بكل فرحة وبهجة على صفحات المجلات التي لم تعد تقرأ في زمن التقنية الرقمية، أو يظهرون على شاشات الفضائيات وسط نسب مشاهدة لم تتجاوز أفراد عائلاتهم فقط ليخبروننا بأن يعرفون هذه الحقائق لكن ما النتيجة ؟ لا شئ هم فقط انضموا معنا إلى مقعد المشاهد السلبي والمتابع البليد الذي ينتظر فرجا يأتي من الغرب .

هل هذا ادعاء؟ بالطبع لا، فقد نشر موقع اليوم السابع الإلكتروني القاهري ونقلت قناة الحرة خبرا يوم السبت الموافق 25 أبريل مفاده أن دراسة أعدتها إحدى جامعات سنغافورة (لم يذكر اسمها) توقيت انتهاء أزمة وباء كورونا في العديد من دول العالم، والتي أدت حتى الآن لإصابة أكثر من 2.8 مليون شخص ووفاة نحو 198 ألفا آخرين. واعتمدت الدراسة، التي نشرتها جامعة سنغافورة للتكنولوجيا أمس الجمعة، على البيانات الرسمية المقدمة من عدد من دول العالم حول الإصابات ودورة حياة الفيروس في تلك البلدان.

وكنت أتمنى أن يذكر الخبر ولو على سبيل التحفيز ودفع الطاقة الإيجابية داخل أساتذتنا بكليات العلوم والصيدلة والطب أيضا، أن هذه الجامعة قد استعانت بالأبحاث التي أجرين للتو في معامل كليات العلوم بجامعات مصر حول الطائر الذي ندعي جميعا أنه نقل لنا الفيروس، أو عن كيفية تخليقه وتصنيعه في ووهان بالصين، لكن النتائج الأولية لهذا الاهتمام تشير إلى الرقم صفر، وكل الظن أن بعضهم يقول بأن التجارب ستطول مدتها حتى الوصول إلى لقاح محلي .

وأنا أعتقد بل أتمنى أن يصدق اعتقادي بأن بجامعاتنا الضاربة في الانتشار بطول مصر وعرضها بأن هناك علما يسمى علم الفيرولوجيا (علم الفيروسات) وهو على حد معرفتي وكما يخبرنا العالم جاري ستيكس  Gary Stix في بحثه الموسوم بـ " هجمة جديدة على الفيروس " جانبا كبيرا في مراقبة كل خطوة ضئيلة من خطوات دورة حياة الفيروس بدءا من التصاق الفيروس بخلية مناعية واقتحامه إياها إلى تناسخه وانطلاق فيروسات جديدة من الخلية العائلة، وأخيرا البحث عن خلية جديدة يفترسها .

وربما أنا أكثر حزنا حينما أجدني متخليا عن طبيعة مقالاتي التي تستهدف تجديد العقل العربي تجديد الخطاب الديني والحث على الاجتهاد والتنوير، وأجدني في الوقت نفسه متحدثا عن العلم وكيفية الخروج من أزمة كورونا، لكن كل ما أرغب في توصيله إلى الأساتذة الأكاديميين بوصفهم ينتسبون عن طريق الصدفة إلى كلمة (عالم) هو ضرورة البحث عن نقاط هادية في التعامل مع فيروس كورونا، والسعي إلى تصنيع عاجل للمقاومة بعيدا عن ارتداء الأقنعة والقفازات وتناول وصفات الحلاقين والدجالين وبائعي العطارة والبهارات، وهل يمكن لهؤلاء المنتسبين إلى العلم أن يجدوا طرقا جديدة للحفاظ على عدم نضج الفيروس مثلما كان الأمر مع (با ـ 457) العقار المثبط لنضج الفيروس الذي اكتشفه علماء جامعتي ألاباما وماريلاند، حيث اكتشف باحثون يعملون مستقلين وليس مثل أساتذتنا الذين يتقاضون رواتب ولم يجدوا وسيلة بديلة عن استخدام الكحول والديتول والكلور لمواجهة الفيروس، عن بعضهما جزئيات عضوية صغيرة تمنع العدد الوفير من مكونات الكابسيد من الاتحاد معا لصنع غلاف نهائي للفيروس .

ومفاد إجابات الباحثين والعلميين العرب إزاء الأسئلة التي قد يصفونها دوما بالاتهامات هو غياب الوعي العلمي لدى الشارع العربي، وهي إجابة كفيلة بعكس مدى المنجز الحقيقي لهؤلاء العلماء إن صح الوصف والتوصيف لهم، فحالات الغياب العلمي الجمعي لا ولن يتحقق إلا بريادة واعية ومخلصة من جانب الباحثين والأكاديميين من خلال ندوات تثقيفية بالمدارس والنوادي والجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني، وبإطلاق مبادرات جماعية وليست فردية منهم تتناول هم التثقيف العلمي لدى الناشئة والإفادة القصوى من شبكات التواصل الاجتماعي لجعلها منارات علمية أكثر تخصصا .

وأخطر ظاهرة يمكن أن يعاني منها هذا المواطن العربي هو إقرار العلماء بجهله، لأنهم مدفوعون بحكم إخلاصهم العلمي إلى تنوير هذا المواطن العربي كونه فريسة لكافة القنوات والمواقع غير المتخصصة التي جعلته في نهاية الأمر يحتفي ويهلل فرحا بنبأ اختيار منصف السلاوي على رأس الفريق الأميركي لإنتاج لقاح مضاد لفيروس كورونا.

وهذا الإقرار هو ما يرتكبه أيضا أمراء وشيوخ الفتنة الضاربين في الانتشار بعقول وأذهان وأسماع البسطاء ممن كان حظهم فقيرا من العلوم الدينية، فمثلا شاعت قيم النكوص والارتداد والتقاعس لدى علماء العرب في إنتاج لقاح حقيقي مؤثر لمواجهة الجائحة والإفادة من أبحاثهم الكثيرة والمتنوعة ومؤلفاتهم العلمية الرصينة بالقطعية أو حتى استنهاض الدافعية العلمية لدى المواطنين بإلقاء دروس إلكترونية للشباب المنتظر ساعات طويلة أمام شاشات الحواسيب الإلكترونية، شاعت أيضا قيم التخلف والراديكالية حينما تصاعد المد الظلامي وشاع عن طريق إسطوانات صوتية ومحاضرات مرئية وكتب ورقية وإلكترونية أيضا لبعض أمراء التكفير والهجرة وأنصار بيت المقدس وداعش وجبهة النصرة.. إلخ، وهؤلاء مارسوا ولا يزالوا يمارسون سطوتهم الدينية على فئات غاب عن وعيها كل محاولات التجديد.

والمشكلة الحقيقية التي تحتاج إلى مواجهة صادقة مع النفس، هي أننا نعاني من حالة ضيق في إنتاج المعرفة، العلمية والدينية، العلمية حيث إن العلماء العرب هم الأكثر بحثا ورصدا ومراقبة لمجلة Nature أو موقع New York Post على سبيل المثال، ونجتر أفراحننا وهمين بعدد الاستشهادات العلمية لبعض الباحثين العرب في أبحاثهم العربية بلغات أجنبية، وهذا كفيل بتقرير حالات الغياب العلمي الأكاديمي عن الشارع العربي الأكثر والأشد احتياجا لهذه المعرفة في الوقت الذي كاد المواطن العربي أكثر حيرة في استخدامه للكحول من أجل التطهير والوقاية وهو يواجهة غموض الجائحة الكونية كورونا، فلا يفطن إلى الفرق بين نسب تركيز الكحول من 70% إلى 75 % وصولا إلى نسبة تركيز 90 %، واستسلم لوصفات الصيدلي أو المذيع الذي يظهر أمامه على شاشات التلفاز.

ويبدو أننا بحق لا نواجه جائحة كورونا فحسب، بل نحن أمام مقاومة صلبة وصعبة مع مغناطيس الرجعية والتطرف ؛ الرجعية العلمية المتمثلة في غياب قياس الأثر والنفع العلمي العربي، والتطرف المتمثل في أفكار وأيديولوجيات التيارات الدينية التي تصر أن تجعل الدين مضطربا بعقول البسطاء .

وإذا كان علماء العرب المعاصرون لا يزالوا يعيشون أيامهم المنصرمة بتقديسهم لما شاهدوه ورأوه وعاينوه في جامعات الغرب وأميركا دون تعريب وتمصير هذه المعرفة لوطن يستحق البقاء وهو اعتقاد بالتقليد الضعيف لم يكن له أثر في أعمالهم المجتمعية الواقعية، وكذلك إسراف أمراء وشيوخ التيارات الراديكالية في دراما تقديس الماضي والسلف بغير اجتهاد وظنهم على حد التوصيف الدقيق والرائع الذي قدمه الإمام المجدد محمد عبده وكأنه يتحدث عن أمراء وشيوخ النساء والفتنة في زماننا " أن لهم سلفا صالحا تركوا الاقتداء بهم زعما أن المتأخر لا يمكن أن يكون على هدى المتقدم، وأن حظهم من سلفهم انتظار شفاعتهم فقط "، فإننا أمام معركة حقيقية ذات وجهين ؛ البقاء والصمود العلمي ومن ثم الريادة، ونفي الجهالة عن العقل الذي ارتكن للاتباع دون الإبداع وفق قواعد أصيلة.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

حسين فاعور الساعديفي هذا المقال سأقارن بين التغييرات التي طرأت على الإنسان وتلك التي طرأت على الحيوان في السنوات الأخيرة. سأعتمد في هذه المقارنة على مشاهداتي المباشرة التي تعتمد على عملي المباشر خلال الخمسين سنة الأخيرة مع قطعان البشر ومع قطعان المواشي وخصوصاً الأغنام. قد يستغرب بعض القراء هذا الكلام وقد يظن البعض الآخر أنني ألجأ إلى الرمزية أو الخيال.

كل من يعرفني عن قرب يعرف أنني طوال سني حياتي عملت موظفاً. وقبل الدوام وبعده عملت راع لما ملكت من مواشي كالبقر والماعز والغنم. أتقنت العملين كما أعتقد ولم أقدم احدهما على الآخر. وقد تعلمت من ممارستي للعملين وطبقت ما تعلمته من أحدهما لصالح الآخر دون تفرقة. مثال على ذلك: إحدى المُعالجَات في المكتب الذي كنت أشرف عليه دخلت إلى مكتبي مع الموظفة المُعالِجة بهدف تدخلي لأنها أرادت التخلص من أبنائها الثلاثة وتسليمهم لنا لوضعهم في إحدى المؤسسات التي ترعى الأطفال في خطر. كانت فتاة في مقتبل العمر ولم تنجح الموظفة في إقناعها بتغيير رأيها والحفاظ على أبنائها. استعملت أنا والموظفة كل الأساليب والنظريات التي تعلمناها في الجامعة أو التي قرأناها في الكتب لإقناعها أو لجعلها تغير رأيها وفشلنا. أصرت أنها تريد "أن تعيش حياتها". تذكرتُ أنني حججت إلى بيت الله وأصوم وأصلي فأفتيت للفتاة: "يا أختي عيشي حياتك وفي نفس الوقت حافظي على أولادك...إن ذلك ممكن". رفضت الفكرة وأصرت على موقفها فوجدت نفسي بعفوية تامة أقول لها: "إن النعجة يا أختي تنوح على ابنها أسبوعاً وأسبوعين عندما نفصله عنها للفطام وكذلك العنزة والبقرة فما بالك أنت تتنازلين عن أبنائك بهذه السهولة؟". طبعاً لم أقنعها وتركت لنا أطفالها وعاشت حياتها، وارتكبتُ إثم فتواي.(سأعد لهذه الظاهرة كمثال عندما أتحدث عما أصاب الامومة)

واليوم بعد بضع سنين من خروجي للتقاعد من الوظيفة وجدت نفسي أتشبث بالعمل مع المواشي ولم أتشبث بالعمل في مجال تخصصي مع البشر كما يفعل الكثيرون بعد تقاعدهم مع أن ذلك متوفر وممكن وأيضاً مجدي أكثر من العمل مع الماشية. فما السبب؟ ولماذا سلّمتْ تلك الفتاة أطفالها وتركت زوجها وذهبت لتعيش حياتها؟ ولماذا صار العمل مع قطعان الماشية في هذه السنوات أصعب بكثير مما كان عليه قبل ثلاثين أو أربعين سنة؟ ألأن رعاية القطيع كانت فرصة لتأليف الأغاني والمواويل والاستمتاع بالطبيعة فأصبحت مشقة ومعاناة؟.  أم ماذا؟

سأحاول الإجابة على هذه التساؤلات. فمن ملاحظاتي التي جمعتها هنالك شبه بل وتطابق بين ما حدث للمواشي وبين ما حدث للبشر.

أنا راع بارع ومحترف وأصر على ممارسة هذه المهنة التي أظن أنهم سيُدَرّسونها في الجامعات كما يُدرّسون اليوم العلاج بواسطة الحيوانات. ولا أخجل بهذه المهنة بل أعتز وأفتخر لأن معظم الأنبياء إن لم يكن جميعهم عملوا رعاة قبل بعثهم. فمحمد صلى الله عليه وسلم كان راعياً وموسى وشعيب ويعقوب وأبناؤه عليهم السلام. فالراعي يكتسب الكثير من المهارات في القيادة وفي التعامل مع القطيع. ومن هنا جاءت حكمة الله سبحانه وتعالى أن بعث رعاة رسلا إلى أقوامهم. "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" فالأب راعٍ والمعلم راعٍ والموظف راعٍ  والطبيب راعٍ. وكراع محترف فإنني سأعرض أمامكم بعض الصفات العامة والمشتركة لمختلف أنواع القطعان سواء كانت من الحيوانات أم من البشر وماذا حدث لهذه الصفات في ظل العولمة وتفشي الجشع:

أولاً: القيادة: القطيع هو مجموعة من الأفراد تعيش معاً وبسبب هذه العيشة يصبح لها أساليب وأنماط حياة مشتركة تناسبها. فالقطيع يسير باتجاه واحد وخلف القيادة المتبلورة من أفراده. هذا النمط تغير كثيراً بفعل عدة عوامل أهمها عند الحيوان أن القيادة الذاتية تلاشت بسبب تغير نظم الحياة والاعتماد على العلف أكثر من الاعتماد على المرعى فلم تعد هنالك حاجة لقيادة ذات خبرة بالمواقع الخصبة وبالتعامل والتعاون مع الراعي ولديها الجرأة في السير في المقدمة وتعريض نفسها لمخاطر الطبيعة. دائما كان للراعي دوراً مهماً في خلق هذه القيادة لسبب بسيط جداً وهو أن للراعي مصلحة في وجود قيادة في القطيع تسهل عليه التعامل معها فالتعامل مع فرد أو مجموعة أهون من التعامل مع أفراد أو مجموعات. أما عند البشر فقد كان ذلك صحيحاً حتى وقت قريب بفعل النظام البتريرخالى الذي اوجد الأب  والشيخ أو المختار. كذلك  فإن السلطة المركزية كانت تفضل التعامل مع المختار كقائد. والدول المستعمرة فضلت التعامل مع الملوك والرؤساء الذين عينتهم كرعاة للقطعان البشرية لأنها لم ترد التعامل مع القطيع مباشرة. ما حدث عند قطعان الماشية حدث عند قطعان البشر وخصوصاً بعد العولمة والفوضى الخلاقة التي حولت القطيع إلى أفراد لا مصلحة مشتركة بينهم ولا مجال للسير في اتجاه واحد لعدم وجود قيادة محلية واحدة بعد "إسقاط النظام". كل فرد صار قائد نفسه. وفي ذلك مصلحة عليا للدول المحتكرة المعنية بأسواق استهلاكية غير منتجة بعد خوفها الشديد من سقوط القيادات التي عينتها واستبدالها من قبل القطيع بقيادات تناسبه وربما لا تخدمها كما يجب.

عند الحيوان كالأغنام مثلاً حدثت تغييرات جينية بسبب تدخل الإنسان. إن الجشع دفع العلماء في الدول الجشعة إلى تهجين الأغنام البلدية بجينات من الخنازير أو الكلاب وذلك لكي تنجب الأنثى  اثنين وثلاثة وأربعة خرفان في الحمل الواحد والهدف ويادة الأرباح. ويبدو ذلك جلياً في تصرفات الأغنام المهجنة. فمن صفات الغنم البلدي الذي انقرض تقريباً أنه وقت الحر يلتصق ببعضه ليحمي نفسه من حر الشمس وإذا سار يسير باتجاه واحد وليس في كل الاتجاهات وهو قليل الحركة مما يسهل من عمل الراعي. أما الغنم المهجن فهو سريع الحركة ويذهب في كل الاتجاهات ويصعب السيطرة عليه في المرعى  وهي صفة معروفة للخنازير أو الكلاب. كما أن من ميزات الغنم البلدي ككل قطيع العودة إلى الحظيرة موطنه الثابت بمبادرته في ساعات المساء خوفاً من الظلام. بينما الغنم المهجن لا يعود، ويأنس بالظلام وهي صفة من صفات الخنازير التي لا تخرج إلا ليلاً، وليس لها موطن ثابت.

القطيع لم يعد القطيع بسبب عمليات التهجين ولم يعد مناسباً خروجه للمرعى لأنه لا مجال للسيطرة عليه. وبهذه الطريقة فقد الراعي عمله لأن الحظيرة هي ما يناسب قطعان اليوم وبذلك يمكن ضمان استهلاك الخلطات المصنعة وزيادة أرباح الشركات. في ظل النظام الرأسمالي الجشع الربح هو الهدف ولزيادة هذا الربح يتم إنتاج خلطات من الفضلات سواء فضلات الأطعمة والصناعات المختلفة وفضلات الطيور أو الحيوانات الأخرى كعلف للقطيع. هذه الخلطات المصنعة من مواد رديئة يضاف لها اللون والطعم والرائحة والمواد الأخرى التي تجعل الحيوان يدمن عليها ويستغيث عندما لا تقدم له. تماماً كإدمان الإنسان على المواد المصنعة كالكوكا كولا والسجائر. إن الكثير من المواد التي تقدم للقطعان البشرية كأطعمة تم تصنيعها بنفس الطريقة ومن مواد رديئة جداً أضيف لها اللون والطعم والرائحة ومواد أخرى تجعل الإنسان يتعلق بها ولا يستطيع الاستغناء عنها والهدف هو أن تحل هذه محل الأطعمة المحلية التي كانت الشعوب المستهلكة تنتجها. والهدف هو الربح والمزيد من الربح والسيطرة.

 

حسين فاعور الساعدي

 

جواد غلومأكاد أشبّه مثقفنا اليوم بوسطنا الإعلامي والثقافي بحالة ديك القرية المتبختر المنفوش الريش  في القصة التي أوردها هنا بهذه المقالة بإيجاز فهي تمثّل وضع رجل الثقافة وإحساسه بأهميته ودوره الذي يُخيّل اليه انه المحرّك الرئيس لعجلة الحياة الثقافية وربما السياسية؛ ولولاه لجفّ ضرع الوعي وانحسر أثر الثقافة وساد الجهل في عقولنا – أو هكذا يتوهم --، يذكّرني هذا الحال الغريب بما قاله الشاعر الالمانيّ تيودور فونتانا  من ان الديك يظنّ ان الشمس تؤذن بالشروق طيّعة مستكينة حالما تسمع صوته .

هذه قصة متداولة أسردها سريعاً يعرفها الجميع وطالما قصصناها حتى على أطفالنا عظةً وعبرةً لكن لابد من التذكير بها لأنها تتطابق تماما مع الحالة التي نعيشها الآن :

يُروى ان ديك القرية الجميل الطلعة، ذا العُرف الأحمر القاني، الشجيّ الصوت برياشه الحمر الزاهية التي نبتت في انحاء جسمه قد أصابه الغرور حينما رأى الناس تصحو على صوته اول الصباح وتشمّر عن سواعدها إيذانا بيوم جميل، وكلٌ ذاهب الى عمله نشيطا معافى يملؤه العزم على مواصلة الحياة فهذا الفلاّح امسك بأدواته وبدأ يحرث ارضه وذاك العامل تفحّص آلته للبدء بتشغيلها وبدا الطالب حازما حقيبته الملأى بالكتب والقرطاسية متجها بهمة عالية الى مدرسته لينهل العلم ويغذي عقله بالمعرفة .

أحسّ الديك بالخيلاء وقال في سرّه: لولاي لما تحرك هؤلاء الناس الى اعمالهم ومزارعهم ومعاهدهم فانا الصائح المحكي الذي يوقظهم . وقرر في اليوم التالي ان يسكت عن الصداح ظنّا منه انه سوف يشلّ حركة الجموع ويُبقي الناس نياما ولا احد سيتجه الى عمله فرحا مسرورا .

 انتظرَ حتى يجيء الصباح ولم يصدح ولكنه تفاجأ بان القوم سارعوا في النهوض كعادتهم فخاب امله حين رأى الجموع تتجه الى اعمالهم ومصالحهم كعادتهم في كل صباح جديد، فعاد كئيبا الى قِنِّهِ محاولا ان يعيد النظر بقراره الخائب .

أسوق هذه المقدمة وانا أرثي لحال أدبائنا ومثقفينا الذين يتصوّرون انهم المحرّك الأساس لنهوض ونماء ورقيّ مجتمعنا ولا يدري هذا المثقف ان صوته المبحوح قد خفتَ صفيرُه وذبلت أوتاره؛ فالحيّ لم يعد يستمع لصوته امام ألسن شيوخ القبائل وزعماء الطوائف ورجال الدين الهائجين على منابرهم ورجال السياسة المنتفخي الاوداج العازفين على اوتار الخلافات المقيتة " العقائدية والعنصرية والحزبية " والتي أقولها بكل أسف انها بدأت تطرب الحشود في مجتمعنا الواهن الفكر، وصار الملأ يمدّ الرقاب اليها فضولا ليستمع الى سيّده الشيخ وممتهن الدين وأخذت الاعناق تشرئب الى اصواتهم اصغاءً . والمضحك المبكي ان مثقفنا المسكين قد وَرَمتْ حنجرته من العويل والصياح حتى شُلّ لسانه ولا احد يسمع ما يقول حتى سكن صوته تبرّماً وتشتت سامعوه متفرقين عنه وتركوه واصطفوا الى جانب ذاك السياسي الطائفي والشوفيني القومي والقبلي الذي يشدّ الأسماع ويلهب القلوب ويهيج النفوس والعقول والقلوب .

مسكين صديقنا المثقف، ترى ما الذي سيفعله امام هذه السيول الطائفية العمياء والاصطفاف المذهبي والعشائرية التي تكتسحنا والتي اؤكد انها ستجرفنا الى هاوية سحيقة سيكون من الصعب ارتقاؤها لو دامت في نفوسنا ومشاعرنا بمثل هذا الشكل الذي نراه الان .

هل ثمة مثقف عضوي يستطيع الان الثبات في ارض آيلةٍ للخسف؟ أقولها بملء فمي: لا، على الأقلّ في الوقت الحاضر مادامت الصراعات المذهبية الفجّة قائمة وتتغذى حدّ الاشباع والتخمة من اناس يسمونهم قادة لكتل سياسية ودينية تعتاش على تلك النفايات الفكرية التي نبذتها المجتمعات المدنية المتحضّرة منذ أمَدٍ طويل والتي ما عادت تشكّل بضاعة رائجة الاّ في بلادنا المبتلية بتلك النماذج المنتفعة بآلامنا وهمومنا الكثيرة .

لو كان وزير الإعلام النازي "غوبلز" بين ظهرانينا الآن لأشارَ دون ان يتردد لحظة واحدة حينما يذكر اسم مثقفنا اللاعضوي: كلما ذكر اسم المثقف العربي لمددتُ يدي الى مؤخرتي استهزاءً وتصغيرا.

حقاً إن أخفتَ الأصوات لصوتُ المثقف طالما رهن صوته بأموال هذا السياسي او ذاك المتملق المتصيّد للمناصب وصار بوقا يزمّر لتوجهات ساسة وممولين تبعا لما يقدمون له من مال ووظيفة وجاه وحظوة تدرّ عليه ثراءً وبروزا وحينما ينتهي دوره ويعتلي السياسي مركزه الذي يحلم به  يرمي هذا المثقف في حاوية النفايات كأية سلعة بخسة انتهى استعمالها .

وقد يعيد هذا المثقف التقليدي الأخرق ترتيب نفسه ليبحث عن طريقة استجداء اخرى  وتملّق مموّل آخر او سياسي طامع ويعمل على تزويقه إعلاميا ويجهد في صقل وسنفرةِ جلده الأجرب عسى ان تناله حظوة مالية ثانية ومركز مرموق وهكذا دواليك وتراه يدور ويدور أينما كان رزقه وحيثما يجد دبقَهُ، اما هموم شعبه ومعاناة أهله ومواطنيه فلتذهب الى الجحيم وفق منظوره النفعي البراجماتي .

هذا هو المثقف التقليدي البائس عندنا وما أكثرهم الان، إذ لا يوجد مثقف عضوي في ساحتنا الثقافية وإلاّ لتخلصنا من الكثير من ساسة الصدفة التافهين وانكشف حال الانتهازيين وصائدي الفرص واللاعبين على الحبال من بهلوانيي السياسة والكومبرادوريين العملاء الذين أوهنوا اقتصادنا وحطموا الحرفية العراقية وأفقروا شعبنا الغني بخطلهم الاقتصادي وفقرهم الفكري؛ وكل ذلك بسبب مهادنة المثقف والإعلامي السافل لهؤلاء وضعفه أمام إغراءاتهم .

وكما يقال في الفنّ: هاتِ لي مسرحا راقيا متقدما أعطيك شعبا مثقفا؛ نقول هاتِ لنا مثقفين عضويين شجعان أضمن لك وعياً جماهيريا ناضجا وتغييراً سياسيا واختيارا لنخبة مبدعة كفوءة في كل ميادين النشاط الاقتصادي والتنموي وغيرها وحتما ستأخذ ببلادنا نحو مناحي الازدهار نحو الأفضل .

 

جواد غلوم

 

يسري عبد الغنييحلو للأديب أن يكون مفكرًا، والمفكر قد لا يكون أديبًا، وفي كلتا الحالتين يظهر أو يبدو الأدب والفكر في معية واحدة وفي صف واحد، إذ إن الأدب -كما هو معلوم- الأخذ من كل علم بطرف والفكر هو الذي يحرك في المثقف عقله وذهنه، ومن ثم فالمفكر أديبٌ ومثقفٌ حتى يصل إلى درجة الفيلسوف، هذا إذا كان لهذا المفكر موهبة أدبية أو شاعرية.

أما الفلسفة فمعناها محبة الحكمة، هكذا في التعريف المأخوذ عن اللغة الإغريقية القديمة، والفلسفة لها منطق جزل أو نحف ويقال: إن المنطق معناه نحو الفكر البشري.

وليس هناك مقارنات بين هذه المصطلحات بالقدر الذي يفرق، ولكن هذه المصطلحات كافة مصطلحات ثقافية ومعرفية وفنية ليس إلا. بيد أن الأدب هنا منعش لهذه الحركات الذهنية والمصطلحات الفكرية لأنه يحمل في باطنه رقاقات عاطفية وأدبيات حلوة وفنونًا جميلة.

هذه المعالم الثقافية بين الأدب والفكر والفن والمنطق والشعر والذهن لهي تعبيرات ذوقية تصل بين الذهن والفكر فيعبّر بها الأديب عمّا يعلمه لغةً وأدبًا وثقافةً. وصار لهذه الثقافة محبون خاصة في القرون الماضية وبالأخص الشعر والفن الأدبي وكان ذوو السلطة يقربون إليهم الأدباء والشعراء والفنانين أمثال الرواة والإخباريين كحماد الراوية وخلف الأحمر والأصمعي الذي كان يروي كثيرًا عن الأعراب ومثال على ذلك أنه التقى بأعرابي فقال له ما صناعتك؟ فقال الأصمعي: الأدب، فقال له الأعرابي: نعم الشيء هو فعليك به فإنه ينزل المملوك في حد الملوك!.

وتطور التاريخ في الآداب والمعارف والفنون فصار لها كتب ودواوين ومؤلفات ومجاميع كما تطور الأدب ولغته وتفكير أدبائه وشعرائه ودون كل ذلك كما في الأغاني لأبي فرج الأصفهاني والأمالي لأبي علي القالي والكامل في اللغة والأدب للمبرد وأدب الكاتب لابن قتيبة الدينوري والبيان والتبيين للجاحظ وسواها من الكتب التي وصلت العصر الحديث التي لم تصل وذهبت نهبا لهولاكو الذي دمر بغداد بما فيها من الكتب والمكتبات حتى غدا نهر الفرات ودجلة خليط الحبر والمداد.

هذه الأشياء تدلنا على الثقافة وانصياع الأديب وراءها؛ لأنها قيمته وهدفه في سبيل أعماله الأدبية التي تكون زادًا فكريًا وثقافيًا لهذه الأشياء.

والثقافة التي يضطلع بها الأديب أو الشاعر ثقافة من المفروض أن تكون واسعة؛ لأنها تشكل الحقيبة التي تحمل في ثناياها كل معنى يريد الأديب إيصاله منها لجمهوره من القراء والمتلقين، وهذا شيء مستجاد. إنما الشيء المحيِّر في موضوعنا تساؤل يقفز ليقول لنا: هل الفلسفة التي أشرنا إليها آنفًا مسألة أم مشكلة؟ وإجابة الأديب عن ذلك ليست مشكلة بقدر ما هي مفهومة لدى الجمهور؛ لأن الفلسفة لها علمها وثقافتها بالقدر الذي ازدهرت في العصور الماضية خاصة المدرسة الإغريقية في الفلسفة وما تلتها من المدارس التي كان من أبرز أعلامها الكندي والغزالي والفارابي وابن طفيل وابن رشد وابن خلدون.

أما الأدب والشعر فازهارهما وارد منذ القدم في تاريخنا العربي ويقول مؤرخو هذا الأدب: أإنه يمتد من قرن ونصف القرن من قبل هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام. فالعرب أمة شاعرة تحن للطبيعة وخالقها فتعبر عن الحق والخير والجمال شعرًا ونثرًا وفكرًا.

والبيان العربي أسلوب أدبيٌ رشيقٌ وأنيقٌ بلغته أنزل القرآن وورد الحديث النبوي وكُتب بها التراث العربي الإسلامي الذي يحمل في طياته علوم العرب وآدابها فبطبيعة الحال ازدهر الأدب بجوار الفكر وازدهر الفكر بضياء الفلسفة تجمعها كليًا الثقافة العربية والإسلامية وتراثها الفكري والأدبي والمعرفي، الذي يجمع محيطًا معنويًا وفكريًا وأدبيًا وفلسفيًا يزخر بالأفكار والقيم والمعاني والمعارف والثقافة والإعلام ووسائله القديمة والحديثة التي كانت ولم تزل تعبِّر عن أدب الأديب وشعر الشاعر ورمز المجتمع العربي الأصيل. فالشعر قديمًا هو المحور الإعلامي الذي يعبِّر عن هذا المجتمع في شؤونه وشجونه وأموره وأنشطته وسلمه وحربه، والشاعر هو بمثابة وزير للإعلام ينصر قومه ويشد من أزرهم بلا هوادة إلا الكلمة الفصحى والفكرة الإيجابية. وهذا من شأنه أن يأتي بالنصر والغنيمة والسلام لأمته وإنهاء للحروب التي تمتد سنين وشهورًا وزمانًا طويلاً.

وعندما جاء الإسلام اتخذ دينه البيان والأدب محورًا لتعاليمه التي جاء الرسول الكريم عليه الصلاة والتسليم، كما ورد في حديثه: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، فرأينا الشعراء أمثال حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وغيرهم يدافعون عن حمى الدين وبيضته، وذلك دفاعًا ضد الأعداء من المشركين والكفار والمنافقين، فغدت الأمة أمة خير ورحمة وبركة. ودخل الناس في دين الله أفواجًا.

إن الأدب الإسلامي وليد أدب حسان وابن رواحة وكعب وازدهر بفضل الله على مرِّ السنين والقرون إلى يوم الناس هذا. يتخذ من الفكرة الدينية متكأً للشعر والخطابة والأمثال الشيء الذي رضي عنه النبي عليه والصلاة والسلام وصحابته رضوان الله عليهم.

 

بقلم: د. يسري عبدالغني

 

سامي عبد العاللم يَكُّن التاريخُ ليقْصُد تعطيل المُراقبة الدينية على المؤمنين مثلما يفْعل حالياً بسبب الأوبئة، لأنَّ تاريخ المعتقدات قد كُتِبَ بطريقة المُراقبة تدخُلاً فيما لا يجب. الفقهاء والقساوسة والحاخامات والشُراح جميعهم نهضوا بفرْز الأنفاس والحركات والسكنات والأعمال الخاصة باتباع الأديان وتصنيفها. أيُّها أقرب للالتزام به وأيُّها ينبغي تركه..، ولو تمكنوا لتدخلُوا فيما يخلقُ الخالقُ، وكيف سيكُون، ولماذا لا يضع منشوراً بأسمائهم في كل عصرٍ؟! ومن ثمَّ ظهرت مذاهبُ الفقهاء واتجاهات القساوسة ورجال الدين إزاء مستجدات الحياة وفقاً لما يقّعدونه من أصول دينية إجمالاً.

المفارقةَ أنَّ كورونا أفرز نمطّاً من الحياة دون مراقبةٍ على الأفعال، هو نمط التدين بلا تدخل ديني من قبل سلطةٍ ما. غالباً بجميع الأديان كانت تأخذ طبقةُ من أصحابها متابعةَ المجال الاعتقادي وتحرسُ حدودّه دافعةً للتمسُك به وجهاً لوجه. حضور المؤمنين بالنسبة لهؤلاء كان شرطاً لضمان التعلق بخفاء الإله واليقين والثواب والتوبة الغفران. ولكن نظراً لانتشار العدوى، بَطُلّت هذه المتابعة بِفضل انعزال المؤمنين وتباعدهم. لقد أوجدَ الفيروس وضعاً هو الدين بمعناه الجوهري: " أنْ تكونَ النفوسُ حُرةً طليقةً، تُؤمنُ كما تشاءُ وتعتقدُ مثلما تريدُ وتمارسُ حياتَّها الروحيةَ بما تَخْلُص له. وإزاء كل هذا الرُكام السلطوي، أعطى للأفراد حرية التعقل والفهم ولو كانوا في مساحةٍ ضيقةٍ هي حجم الذات والبيت".

 المعنى أنَّ فيروساً قد أرجعنا فيما نفْعل إلى حياتنا الخاصة، وهذا الوضع وتَّرَ العلاقة مع مُدمني الهيمنة على الآخرين بأشكالها المتباينة. إنَّ الإقامة الفردية بالمنازل ليست إقامةً إزاء الأشياء بقدر ما هي إزاء كل ما يُؤثر علينا ولو كان بسلطةِ ما نُؤْمن. وهذا هو الشيء الخطير في المسألة: أن تُشتَّق من جانب ما نثق به ونؤمن سلطةً تاريخية تعيد توجيهنا لأغراض عامة أو خاصة أحياناً. ونتيجة التَّصحُر لعلاقةٍ قائمةٍ على شيء ثالث (أي الدين بين المؤمن ودُعاته)، فقد كنّا نحن المتفلتين بالضرورةِ من كلِّ ما يجري شكلياً ككائنات غير قابلةٍ للترويض. فموقف فرض الهيمنة الميتافيزيقية على المؤمنين يعد موقفاً خارج منطق الدين نفسه.

لأول مرة نتيجة الوباء بوضعه الكوني، ينسحب الفردُ من حركة المجتمع إلى نقيضها، إلى حياة فردية موغلة في الانعزال. أين المفر دون وجودنا الذاتي الحر حيث تخفت أصوات الدعاة؟! بعبارة واضحة أصبحنا نستوحش أية حياة اجتماعية بدلاً من عبارات الدفء والحميمية، فلقد غدت العبارات قاتلة لأنَّ نهايتها العدوى والموت.  بلغة المسيحية، عاد الفردُ إلى البريَّة ثانيةً دون سائسٍ كيوْم ولدته أمهُ وكل أم أخرى (الثقافة، التاريخ)، بعد أنْ دجنته المجتمعات والسياسة والاخلاق. حيث كان هنالك لمفتاح التدجين مَنْ يقلّه (مهام الكاهن والشامان والساحر والواعظ والخادم السياسي وحامل الاختام وحافظ الخبايا) كوظيفة كاتم الاسرار في الأساطير القديمة. وهؤلاء استولوا على كيان الإنسان لا مجرد دعوته إلى هدايةٍ ما، كورونا هو الاستثناء التاريخي بامتياز كوباءٍ أظهر أوبئة أخرى في عقر دار الحياة الإنسانية.

 الفكرة المثيرة أنَّ كورونا أبْطّل فعل السلطة الزمنية للأديان بمنع الطقوس الجماعية والحيلولة دون الشعائر في بيوت العبادة( منع الصلوات والفروض والمناسك كالعمرة والقُداس بالكنائس والأعياد بالمعابد اليهودية)، جعل التباعُد الجسدي رمياً روحياً للانفراد بالذوات دون إلزام خارجي إلاَّ من خوفٍ على الحياة. فالبيولوجيا أعادت الدين (الاعتقاد والسلوك الجسدي) مجرداً من سلطته العينية العمومية. وتلك كانت حالة التدين الأولى بالنسبة لنزول الأديان في شكل إيمان فردي(موسى- عيسى – محمد). فلم ينزل الدين جمعاً (بصيغة الاعتقاد العام)، بل كان الأنبياء هم الأفراد الذين بلَّغوا رسالتهم إلى أفرادٍ تاليين، ثم يكون انتشار الدين بوجود رجاله (الاسلام) ودعاته أو مبشريه (المسيحية).

طبعاً استشعر هؤلاء الرجال حَرجّاً في الديانات الثلاث، فأقاموا بعض الشعائر بمفردهم كقرع أجراس الكنائس دون شعب الرب أو رفع الآذان من غير مصلين دفعاً للصلاة بالبيوت وفي الرحال أو التنبيه الخاطف بصدد أيام الأعياد الدينية لدى اليهود تجنباً لاحتفال المؤمنين معاً. وهذه المظاهر تتشبث بالمهام التاريخية لحراس الديانات- فيما يعتقدون- واستعادة خجولة لوظيفتهم لدى البشر. أغلبهُم يأملون في عودة الحياة إلى سيرتها الأولى أكثر من الأطباء الذين عجزوا عن مداواة مرضاهم!!

وهناك أبعد من ذلك إذ أخذَ بعضُ كهان الدين يطُلّون عبر التلفاز بواسطة الأدعية والتذكير بمقولة (نحن هنا بالدنيا) أو حث المؤمنين على الزكاةِ وبذل العطاء للفقراء والمرضي غفرانا للذنوب (نحن هناك بالآخرة). وأخرون لا يتكاسلون عن تشغيل عجلات الدهس الأيديولوجي باسم الله وبخاصة جماعات العنف، حيث يصرون على مغالبة الفيروس لصالح فيروساتهم الأشد فتكاً. جميع الصور تعيد تنشيط الجوانب السياسية للدين مرةً أخرى، لأنَّ كلامهم وإشاراتهم تدخل الفضاء العمومي الذي يخص كل الناس. ولم يكن معناها لينفرد بفئةٍ دون أخرى، بل يتدخل في الشأن الذي يسوسهم حيث أهداف المجتمع والدولة.

 يقول عابد الجابري: "عندما يتدين الفردُ لوحدِّه، فهو يمارسُ الدين، ولكن عندما ينادي الآخرين ليتدينوا معه، فهو يمارسُ السياسةَ "... وهذا هو البُعد المفقود في فهم الدعاة ورجال الدين، من حيث إغفال لعبة السياسة (أرجوحة: مع أو ضد). فهم حتى بالنسبة لضمائر المؤمنين يمارسون تسييسها شاءوا أم أبوا، وخطورة ما يفعل هؤلاء أنهم يقيموا طبقة عازلة تدريجياً بين الفرد ونفسه. فالقرآن تحدث عن السحرة الذين يفرقون بين المرء وزوجه، كذلك قد يكون الزوج هو النفس، الذات، أي القرين كما تستعمل الكلمة في بعض الثقافة الشعبية (تحت معنى أخته).

التفرقة الأولى معروفة في الأسرة الواحدة (بين الرجل وامرأته)، أمَّا التفرقة الثانية (بين الإنسان وذاته): أنَّ رجال الدين نتيجة الخطاب الداعي للإتباع والتحريم والشعائر الظاهرية أمام الناس (بوصفها كل الدين) يحفرون فجوةً غير قابلة للردم بين المؤمن ونفسه. لأنَّه سيبادلهم صورةً بصورةٍ، شكلاً بشكلٍّ، ومراوغةً بمراوغةٍ مع تقلبات الفتاوى والأحوال الدينية والسياسية. وسينسى الإنسان الجوانب الروحية في الدين منغمساً داخل الشكليات ليس أكثر.

 سيُصبح المؤمن مسْكوناً بهواجس التتبع والمراقبة غير الذاتية، ستخبو لديه مراقبة الله لقاء حضور شيء آخر ليس من جنس الدين إلاَّ رسماً. وهواجس الخوف نفسه عادة ما تتوحد  السلطة به أو بالأحرى يتم اسثماره من الخطاب الديني وصولاً إلى نفوس المؤمنين. فالغاية القصوى داخل كل مجال سياسي هو بث الخوف في روع المواطنين (باسم القانون)، كأنَّ الدولة ليست جهازاً سياسياً رمزياً للحكم، لكنها (إله) من عجينة المراقبة والمعاقبة، وهو الأمر الذي لا يكون ممكناً إلاَّ بتجربة رجال الدين. فرجال الدين – لو نتخيل- يسبقون الدولة في المراقبة والمعاقبة بلغة ميشيل فوكو. وسيكون الخوف مما يلحق بالأفراد أبعد من الخوف من أية سلطة سواها. إنَّ فكرة الاصنام في أصولها ضرب من درء الخوف من المجهول الميتافيزيقي، فكان تجسيدها في شكل عيني أدعى لترويضه وتحديده مشخصّاً.

ولذلك، فالمسألةُ الحيوية كالتالي: هل تعد واقعة كورونا حدثاً في تاريخ الوسيط الديني؟ هل سنرى تصدُّعاً في الخطاب الديني من جهة خفوت تأثيره الجمعي؟! وهل غياب المؤمنين يغيب القائمين على رعايته بالضرورة؟ مهما تكن الإجابات، فإنَّ البشر هم من يخلقون كهانهم بأقنعة لا حصر لها، وليس الدين في ذاته هو ما يفعل ولا ما يحدد كهانه. الكاهن قابع في طرائق الحياة وسياسات البشر نحن ما هو عمومي. فالدين – حتى بنظرة مبدئية- لا يعطي زمام أمره إلى أي لاهوتٍ بشري يبتلعه تحت سقف السلطة.

 إنَّ ما فعله كورونا ليس نوعاً من التنظيم كما حاول رجال الدين تصويره والتهوين منه إذ يواصلون إزجاء النصائح الدينية للمؤمنين حتى أثناء الحجر الصحي. كإشارة أنهم لن يتركونهم إلاَّ عند باب القبر ثم إلى الجنة أو النار. إنَّه عودة إلى الأصل، التفاتة تاريخية بالغة الدلالة إلى المنابع، وهي عودة تكشف كل تاريخ استعمال الدين وحجبه وتغطية أصوله باسم الدعوة إليه. كأنَّ الفيروس يقول: إذا كان الدين تتنازعون حولة كلما التقيتم على نحو عمومي، فهو ليس لهذا الغرض بالتحديد. دوماً غرضُه بناء النفوس وتحقيق الخلاص الفردي بالدرجة الأساسية، وأنَّ رجال الدين قد يكونوا مرهونين بالأوضاع المسيّسة والمؤدلجة. بدليل أنَّ عنف البيولوجيا (الفيروس) أزالَ عنفَ الوسيط الديني بين الناس. لئن كان الإنسانُ مدنياً (أو اجتماعياً بالطبع)، فالطبيعة ترُد علينا فوراً إذ تزيل المدنية ليرتهن الفرد بثقل وجوده الذاتي، وتصبح مسؤوليته أنْ يتفرد طبيعياً واجتماعياً. أي بالمنطق نفسه عادَ الفردُ إلى بيولوجيته الذاتية التي هي المدنيّة الاجتماعية الجديدة.

 وتداعيات المفارقة لم تقف عند هذا الحد، بل كشفت طبيعة رجال الدين، فإذا كانوا تاريخياً قد ألصقوا سلطتهم بالميتافيزيقا (بالسماء)، فالتدين الخاص (الانعزالي) أبرز عودة الحق إلي صاحبه، ولم تعد لتوجد وساطة بين الله والإنسان. صاحبه من طرفي العلاقة الدينية (الله – المؤمن)، فالوسيط عادةً هو الآخذ من قوة الوجود الإلهي ومن قوة الإيمان لدى الأفراد. فعلاً هو يعتّاش على الأخذ من (الطرفين) لأجل الوظيفة القائم بها. والأخذ نوع من الحساب الربوي لمصلحة القوى المهيمنة اجتماعياً بالضرورة. الربا الذي يكاثر نفوذ السلطة القائمة استغلالاً لرمزية العلاقة بين الدين والسياسة. والوسيط بالتعريف هو ما يأخذ من (الأعلى) على أنه فعل لأجل (الأدنى)، وهذا لون من المرابحة الرمزية لا أقول الاقتصادية فقط. وإنْ كان يجري الأمر بالمرابحة المادية كنوع من العمل، حيث كان رجال الدين وحفظة الكتب المقدسة يأخذوا مقابلاً مادياً على مهامهم الاجتماعية في القرى والأرياف والمدن. ورغم الاشتغال في نطاق المقدس إلاَّ أن بعض المجتمعات العربية كانت ومازالت تكيل لهم العطايا من ثمار المحاصيل الزراعية والانتاج الحيواني والدخول المالية. فالشيوخ (حافظو القرآن) يذهبون عند جني المحاصيل للأسر الميسورة للحصول على نصيبهم منها، ويعتبرون أنَّ ذلك حق لا مناص منه!!

 المسألة ذاتها من جانب أخر شددت على علاقة حضورية خاصة بين الله والإنسان، وكأنَّ الحال يقول لا يجب أنْ يتدخل في تلك المساحة أيُّ كائنٍ من نوعٍ ما. فجاءت العلاقة وجهاً غير مباشر للتحرر بشكلٍ أو بآخر. قد يُقال إنَّ هناك اتصالاً عن بعد online في الخطاب الديني. حين يتلقى الأفراد أثناء الانعزال الصحي العظات والأحاديث والتفسيرات والقراءات الدينية الكترونياً وهذا يجدد العلاقة ولا يقطع بها. لكن المعنى هنا في صالح ضعف السلطة الدينية لا تقويتها، سيتفلت منها لا ليقويها، لأنَّ الشعائر كانت حُضوراً مباشراً حسيّاً وروحياً، ولعلَّ ذلك قد أعطّاها أثراً لا يُحد داخل المؤمنين، أمَّا التواصل الالكتروني (الافتراضي) فقد نقلها من الحضور إلى الغياب متعدد الدرجات، كما أنَّه أدمجها في معالم وآليات الوسيط الافتراضي.

غدا الخطاب الديني ألعاباً لغوية linguistic games (بمعناها الافتراضي) تدمج ذهنية المستمع في نوع من المراجعة والعقلانية التواصلية التي لن تكون لصالح مركزية السلطة بحالٍ. لأنه سيحمل معه إمكانية التفكير والنقد فيما يقال، هناك قدرات إلكترونية لنا على التأكُّد من المعلومات والأحداث وسلخها عن القداسة المعطاة لها في السابق. كما أن التنوع الخلاّق في هذا الوسيط التقني يسمح بالاطلاع على تجارب عديدة واشباع الفضول دون نهاية. وهذا لم يكن متاحاً في حالة الحضور المباشر أمام الخطاب الشفاهي، لأنَّ فائض الوعظ والارشاد الكامن فيه لا يُعطي المُتلقي فرصةً للاستفاقة من تأثيره.

 

د. سامي عبد العال

 

"توضأ بالمحبة قبل الماء، فإن الصلاة بقلب حاقد لا تجوز" - جلال الدين الرومي

هذه حكمة يتجلى فيها معنيان متباينان متضادان؛ الأول المعنى المطهّر للقلب المتجسد بالمحبة عند العرفاء والمتصوفة؛ جاء في المقطع الأول منها، والثاني المعنى المدنس أو الملوّث للقلب المتجسد بالكراهية، التي تفضي الى الحقد عند بعض العامة من الناس، ورد في المقطع الثاني منها.

قادني الفضول المعرفي للبحث المتواضع في معنى هذه الحكمة عند المتصوفة  والعرفاء، وإن كنت لستُ على اطلاع واسع على تراثهم. وليس المغزى من البحث تبني مقولة الرومي هذه بقدر ما أجد فيها معنىً جديدا للمحبة أود الخوض فيه، وقد فتح لي نافذة أطل من خلالها على باحة البحث عن معنى المحبة عند العامة سيما نحن في موسم المحبة... شهر رمضان الكريم.

المحبة مصطلح يختلف اللغويون في تفسيره، فبعض عبّر عنه بأنه أحد أسماء الحب، "المحبة أيضا أسما للحب"[1]، وبعض عبّر عنه بأنه أعم وأشمل من الحب، وبعض قال  إنه أخص من الحب الذي هو معنى شامل.

و"المحبة لغويا تعني الثبات واللزوم في الحب، أما معناها اصطلاحا فتعني الحب الطاهر، وهو ميل النفس الى ما تراه ساريا ووصولها في بعض الأحيان الى التعلق"[2].

المحبة في القرآن الكريم جاءت بثلاثة مسميات وهي المحبة والحب والمودة؛ فالمحبة وردت في الآية الكريمة (وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني)[3] والله جل وعلا هنا يخاطب فيها النبي موسى(ع)، وهي محبة من عامة الناس للنبي موسى. ووردت بعنوان الحب، كالحب المتبادل بين الله وعباده (يحبهم ويحبونه)[4]. ووردت بعنوان المودة؛ وهي خاصة بالجنسين الذي تتدخل فيه مصالح بيولوجية، وهي الحب الخاص بين الزوجين الذي يسكن صميم القلب كما ورد في القرآن الكريم (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة)[5]؛ وهو ليس محل بحثنا.

أما في السنة النبوية فقد احتلت المحبة حيّزا كبيرا وجاء على لسان الرسول(ص) الحديث القدسي" المتحابون في جلالي، لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء"، وفي موضع آخر،"والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أَوَلا أدلّكم على شيء اذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم".

ويعّرفها ابن القيم بقوله: "معاني الحب لا تعلم حقيقتها الاّ بذوقها ووجودها، وفرق بين الذوق والوجود، وبين التصور والعلم، والحدود والرسوم التي قيلت في المحبة صحيحة غير وافية بحقيقتها؛ بل هي إشارات وعلامات وتنبيهات"[6].

المحبة عند المتصوفة تعني" ميل القلوب" أو"الإيثار للمحبوب" أو"المحبة لذة في المخلوق واستهلاك في الخالق". [7]

وعرّفها ابن عربي بقوله "الحب صفة الوجود الموجود دوما في الوجود الاّ الله، فلا محب ولا محبوب الاّ الله عزوجل؛ فما في الوجود الاّ الحضرة الإلهية وهي ذاته وصفاته وأفعاله". وسئل الجنيد عن المحبة قال"كأسٌ لها وهجٌ اذا استقر في الحواس وسكن النفوس تلاشت"[8].

وفي الديانة المسيحية احتلت المحبة مركز الصدارة واعتبرت محورا لها وجاء في إنجيل يوحنا بأن "الله محبة"[9] ودعا المسيح (ع) الناس الى ممارسة المحبة حتى مع الأعداء.

المحبة أشمل من الحب، وهنا لا نعني بها الحب البيولوجي بين شخصين، بل هي أشمل وأطهر وأزكى وأسمى، وهي التي أطلق عليها ب"الحب الافلاطوني" المجرد من المصالح المادية، و "المحبة تعبر عن علاقة خالصة بين المحب والمحبوب لا يشوبها أي رغبات أو حاجات مادية بالمقابل"[10].

وهي على أنواع؛ منها محبة الله، والرسل والأنبياء، والصالحين، والأهل، والأصدقاء، و ما يكتنز به الكون من مظاهر مادية ومعنوية؛ لكن ما يهمنا هنا هي المحبة للآخر سواء المقدس أم غيرالمقدس عند المتصوفة والعوام.

النفس مركز المحبة

والنفس عند الفلاسفة لها تعريفات كثيرة نتعرّض لها باختصار؛ لأنها ليست هنا محل البحث؛ وأحد تعريفاتها أنها جوهر غير جرمي أي "ليست جسما ولا جزءا من  جسم ولا عَرَضا"[11]، وهي قابلة لإدراك الأمور العقلية والحسية بالقوة معا ثم بالفعل أخيرا على التمام و الكمال[12]،  ولها مراتب هي العقل الهيولاني[13]، والعقل بالملكة[14]، والعقل بالفعل[15]، والعقل المستفاد[16]  .

ويقسّم عالم النفس "سيجموند فرويد" النفس الى ثلاث بُنى؛ هي: الهو، والأنا، والأنا العليا. فا "الهو" الجزء الأساسي الذي ينشأ عنه فيما بعد الأنا والأنا العليا، ويتضمن جزئين هما: جزء فطري؛ وهو الغرائز الموروثة التي تمد الشخصية بالطاقة بما فيها "الأنا" و"الأنا العليا"، وجزء مكتسب؛ وهي العمليات العقلية المكبوتة التي منعها الأنا (الشعور) من الظهور. و"الهو" لا يراعي المنطق والأخلاق والواقع ويعمل بمبدأ اللذة وهو لا شعوري كلية. و"الأنا" هي شخصية المرء اعتدالا بين الهو والأنا العليا، فتقبل بعض التصرفات وتمارس الرغبات وفق قيم المجتمع والأخلاق، بينما "الأنا العليا" هي شخصية المرء في صورتها المتحفظة العقلانية، حيث أن أفعال المرء تتحكم فيها القيم الأخلاقية والمجتمعية والمبادئ مع البعد الكامل عن جميع الأفعال الغرائزية[17].

والنفس في القرآن الكريم وردت بعدة معانٍ، الأول بمعنى ذات الشيء وحقيقته ونفس الإنسان هي جملته من الجسم والروح، والثاني بمعنى الروح التي بها الحياة، والثالث بمعنى الضمير، والرابع صفة توجه الإنسان نحو الخير والشر، والخامس صفة في الإنسان ترافقه في حالة الإحساس وتفارقه في حالة النوم، والسادس بمعنى جنس الإنسان وفصيله[18]، وهي على أنواع  "النفس الأمارة"، وهي الأمارة بالسوء، وظيفتها التحريض على عمل المنكر وسيئات الأعمال(إن النفس لأمارة بالسوء)[19]؛ و"النفس اللوامة" وظيفتها اللوم وتأنيب ضمير صاحبها اذا أقدم على فعل سيء (ولا أقسم بالنفس اللوامة)[20]؛ و"النفس المطمئنة"، وهي التي هجرت المعاصي، فبلغت مرحلة الاطمئنان والراحة والطاعة التامة لله؛ و"النفس الراضية"، وهي القانعة بما قدمت؛ و"النفس المرضية" التي أرضاها الله بما قدمت من عمل الخير(يا أيها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية)[21]؛ و"النفس الملهمة" وهي التي ألهمها الله فعل الصالح والطالح؛ و"النفس الكاملة"، وهي التي سلكت سبيل الصلاح؛ فاستقرت وسكنت واستقامت.

لكن مسميات النفس عند المتصوفة هي خمسة: "الحيوانية" وهي نفس الطفل،  و"الأمارة"، وهي التي تميل بالطبيعة البشرية فتأمرها بالتدني والتسافل، و"اللوامة"، وهي المتيقظة، التي كلما أساءت استدركت وتداركت نور التنبيه الإلهي فتلوم نفسها وتؤوب الى ربها؛ و"المطمئنة"، وهي التي تنورت بنور القلب، وانخلعت  عنها الصفات الذميمة، وتوجهت بالقلب نحو الترقي الى جانب عالم القدس متنزهة عن الرجس؛ و"الملهمة"، وهي التي تفعل الخير بإلهام إلهي أو تفعل الشر بالإقضاء الطبيعي [22]؛ وأضيف اليها مسمى سادسا هو"النفس الكاملة"، وهي التي بلغت الكمال.

- حسب ظني - وأستند فيه الى الحديث القدسي الذي يخاطب فيه الله العقل(لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل فأقبلَ، ثم قال له أدبر فأدبرَ، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب الي منك، ولا أكملتك الاّ فيمن أحب، أما إني إياك آمر، وإياك أنهي، وإياك أُعاقب، وإياك أُثيب)،  فإن العقل أول مخلوقات الله، فهو المسؤول عن تبني موقف ما سواء سلبي أم إيجابي بعد تلقيه إيعازا من النفس. والنفس هي ميدان الصراع  بين المعاني المتضادة... بين الخير والشر، الحق والباطل، الصالح والطالح، الحسن والقبح، المحبة والكراهية...وغيرها الكثير، فهناك صراع الإرادات والرغبات والنزعات في داخل النفس. مثل النفس مثل المقود للسيارة، فهي القائد المتحكم والمتبصر وهي تختار الصح أو الخطأ، وظيفتها النظر والإحساس المعنوي بالشيء ايجابا أو سلبا؛ فهي تتحكم بالعقل وليس العكس؛ فتقوده نحو فعل الخير أو الشر. الصراع في داخل النفس محتدم بين المعاني المتناقضة، فإن استطاعت النفس الانتصار لصالح المعنى الإيجابي كالمحبة مثلا؛ فقد كسبت المعركة وأعطت إيعازا للعقل نحو تبنّيها، وإن انتهى الصراع لصالح المعنى السلبي كالكراهية مثلا؛ فقد قادت العقل نحو تبنّيها(ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها)[23] . فالنتيجة تنتهي بالعقل الذي به يعاقب الله وبه يثيب، وقد يكون معناه في الآية هو النفس (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها)[24].

يظهر هذه الحقيقة أبو حامد الغزالي بقوله "كل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك الاّ على وفقها لا محالة. وكل فعل يجري على الجوارح فإنه يرتفع منه أثر على القلب"[25].

المحبة عند الأنبياء

المحبة عند الأنبياء مفروغ منها، وتنتجها النفس الكاملة التي وصلت الى درجة الكمال والاتزان التام. تتجلى المحبة في نفوس الأنبياء بأفعالهم المتجلية بالطاعة المطلقة للمحبوب الذي هو الله، والتفاني من أجله؛ فالله جل وعلا اختار الأنبياء لمهمة النبوة؛ لأنه وجد في قلوبهم حبا له وتفانيا لأجله ومحبتهم مباشرة مكشوفة يحبهم ويحبونه، فالمحبة متبادلة بينه وبينهم. إذا تتبعنا سيرة بعض من الأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم لألفينا محبة الله حاضرة في قلوبهم وطاعته مطلقة، فمحبة النبي ابراهيم(ع) لله وتقديم ابنه قربانا له، هي أبرز تجلٍ لمحبة الله في نفوس الأنبياء. ومعاناة الأنبياء، وهم كثر في سبيل قيادة البشرية نحو الخير والكمال ومحبة الله، فالنبي موسى(ع)، مذ كان في المهد صبيا امتحنه الله فأوحى لأمه أن تلقيه في صندوق في النهر، وخاطبه الله بالآية الكريمة(وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني)، والمحبة التي وردت في القرآن الكريم مع النبي موسى هي محبة ملهَمة وملقاة على خَلْقه لنبيه لضرورة إلهية؛ ليكون نبيا للأمة، ومن بعدها تعرّض لأنواع من الابتلاءات، وصَبَر وهو أكثر أنبيائه ذكرا في القرآن الكريم، وغيره من الرسل والأنبياء الذين عانوا الكثير في مسيرة محبة الله، وكانوا كلهم محبين ومطيعين له كل بحسب ظرفه وزمانه.

هنا يُثار سؤال هو: إذا كان الأنبياء محبين ومطيعين لله فلماذا عصى النبي آدم ربه وهو أول أنبياء الله وأول خلقه؟، هل كان في معصيته صالح للبشرية أم طالح؟ وهل  كان ينطوي على النفس الكاملة التي انطوى عليها بقية الرسل والأنبياء؟، وهل كان يفقه المعصية التي ارتكبها، وانتهت به الى الهبوط من الجنة على الأرض؟ وهل إن أنبياء الله كانوا على نفس الدرجة من الخَلْق والخُلُق أم مختلفين حسب الزمان، وطبيعة الحياة، وتدرج وعي العقل عند المجتمعات؟

الإجابة عن التساؤلات يتطلب بحثا مطولا لكن يمكن القول إننا لا توجد لدينا معلومات مفصلة عن أول الأنبياء(آدم) وشخصه وطبيعته، والآية الكريمة أفصحت عن وضع المجتمع البشري في بدايات تكوينه (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين)[26]- حسب فهمنا – للآية إن العقل البشري سابقا كان بسيطا غير معقد، والمجتمع صغير وبدائي لا يحتاج الى تعدد النبوات والرسالات، ثم بعث الله رسله تترى كلا حسب ظروف وطبيعة مجتمعه، وزمانه، وجغرافية المكان. والتعدد ينتهي الى تدرّج في وعي وفهم ونضج عقول الناس، ومدى تقبّلهم للرسالات السماوية والمرسلين، والموضوع ليس محل بحثنا هنا.

المحبة عند العرفاء والمتصوفة

طبيعة النفس عند المتصوفة مختلفة عن نظيرتها عند عامة الناس؛ فالنفس عند المتصوفة هي ميدان جهاد، همهم إعدادها إعدادا معنويا، وهم مشغولون بها، وعن كل ما يمت بصلة للعالم الخارجي المادي. و-بحسب رأيي طبعا- فإن منطق العقل عند المتصوفة أقوى من منطق النفس؛ فالعقل يتمعن بعمق ووعي في الصراع الحاصل داخل النفس ثم اعطائها ايعازا باتخاذ موقف تجاه تبني المعنى الايجابي ونبذ المعنى السلبي، والعقل هو المسؤول عن حسم الصراع بين القوى المتضادة والمتناشزة في داخلها، لذلك ينتصر الصوفي على نفسه؛ فالعبودية عند الصوفي هي لله، وهي الأساس الذي ينفي الأنا(الأمارة بالسوء)، وحين تنفيها تبدأ النفس بالتدرج  على السلم المعنوي. النفس عند المتصوفة في سيرورة تصاعدية متدرجة، تخضع فيها لرياضات روحية، ووفقا لمحبة الله تسير النفس في مسالك الكمال حتى تبلغ مرحلة النفس الكاملة التي تؤدي بالسائر الى الطاعة المطلقة للحق تعالى، وتزيح الموانع بينها وبين نور ذاته المقدسة، فتنفصل ذات العابد وتذوب في ذات المعبود حتى تصل الى الفناء التام فيه، وتشتعل فيها جذوة محبة الله فيصبح القلب محلا لتجلي أوصاف الربوبية. و"تتلاشى الأبعاد غير الحسية التي يعبر عنها بالحجب بين الرب والمعبود، هي الطريقة التي تجعل العابد ينتقل من الحضور مع العبادة الى الحضور مع المعبود فيعبد الله كأنه يراه، ثم توصله الى مرتبة فناء العابد في المعبود، حيث يذوب بنور المحبة، فلا يبقى لنفسه شيء فيذهب المحب الفاني وتتجلى فيه أنوار المحبوب الباقي، أي يفنى عن نفسه ويبقى بربه"[27].

المتصوف أو العارف حينما يخوض تجربة السفر نحو الحق يُسمى (سالك)؛ لأنه يسلك أربعة أسفار معنوية متدرجة "يرحل السالك فيها من العالم السفلي الى العالم العلوي؛ فيسافر في قوس الصعود من عالم المادة لتنتهي رحلته الى الحق تعالى، وهي رحلة روحية ارتقائية تكاملية، يطوي فيها السالك الى الحق أربعة أسفار في مدارج تكامله المعنوي يمر عبرها بعدة منازل، ويرتقي من مرحلة الى أخرى يتصاعد من الدنيا الى ما هو أسمى وأكمل من السابقة، وهكذا حتى يصل الى غايته التي هي منتهى كل غاية وهو الحق سبحانه"[28]. فتنتهي رحلته بالفوز بساحة المحبوب؛ فينفصل السالك عن أناته وذاته ليتحد ويذوب في محبة الحق فينشغل به عما سواه. وبالطبع فإن إرادة الله تتدخل حسب طبيعة النفس، حين ترى من الصوفي رغبة جامحة في بلوغ الوصال والاتحاد بالمحبوب، فيّلبس الله قلبه بجلباب الربوبية، فيخلع عليه الصفات الجمالية استحقاقا ذاتيا له، فتسري فيه الأنوار الإلهية" النور جند القلب كما أن الظلمة جند النفس، فإذا أراد الله أن ينصر عبده أمده بجنود الأنوار، وقطع عنه مدد الظلم والأغيار"، "الأنوار مطايا القلوب والأسرار"، "ما يزال عبدي يتقرب اليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته ولئن أستعاذني لأعيذنه". وقال جل وعلا(عبدي أطعني تكن مَثَلي تقل للشيء كن فيكون). "حتى أقاموا عند باب حجرة القلب، وأخرجوا من قلوبهم كل ما سوى الله من جنة ونار، وأرواح وأجسام وغير ذلك، ليس لهم شأن سوى طلب الحق"[29].

والمحبة عند المتصوفة مكتفية بذاتها لا تأخذ ولا تعطي حسب تعبيرهم، ومفروغ منها. والمحبة لديهم هي الانقطاع التام والذوبان في حب الله والعروج في مسالك العشق والوجد الإلهي، وهو قد اختصر كل ألوان الحب والمحبة وهم أساسا مستغنون عن حب البشر أو محبتهم، فحينما "يجتمع نور العقل ونور القلب فهما مجتمعان بكلمة الله التي هي  المحبة" "الحق تعالى عندما يجعل عبدا لائقا بمقام القرب ويذيقه شراب لطف الأبد، يصفي ظاهره وباطنه من الرياء والنفاق، فلا يبقى لمحبة الأغيار في باطنه متسع، ويغدو مشاهدا للطف الخفي وينظر بعين الاعتبار في حقيقة الكون، وينظر للمصنوع الى الصانع، ويصل من المقدور الى القادر. واذ ذاك يمل المصنوعات وينشغل بمحبة الصانع. لا يبقى للدنيا خطر لديه ولا يبقى للعقبى مرور بخاطره. يغدو غذاؤه ذكر المحبوب، ويتباهى جسده بهيجان الشوق الى المعبود، ويذوب روحه في محبة المحبوب، لا وجه لديه للإعراض ولا عدة للإعتراض. وعندما يموت وتخرج حواسه الظاهرة عن دوران الفلك، تمتنع كل أعضائه عن حركة طبيعته، وهذا كله تغير للظاهر، لكن الباطن مملوء بالشوق والمحبة(أموات عند الخلق أحياء عند الرب) لدى الناس أموات ولدى الحق أحياء"[30].

يعبّر المتصوفة عن محبتهم للحق تعالى على لسان الحلاج المتصوف البغدادي:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا         نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرتني أبصرتَه              وإذا أبصرتَه كان أنا

روحه روحي وروحي روحه        من رأى روحين حلاّ  بدنا

والمعاني عند المتصوفة مُؤَوّلة لا تشبه المعاني التي نعني بها نحن العوام؛ فالصوم عندهم لا يعني الإمساك عن المفطرات، بل له رمزية تتمثل في الإمساك عن سائر الخلق، والانقطاع للمعشوق، ولها مفاهيم متعددة معبرة عن مسلكهم الروحي. والصوم هو معراج الى الحضرة الإلهية والانفصال عن كل ما سواها، الذي يضفي على قلوبهم نورانيته. "الصوم هو إشارة الى الامتناع عن استعمال المقتضيات البشرية ليتصف بصفات صمدية"[31]. و"كل ليلة للعارف بمنزلة ليلة القدر" لأن كل أيامه ولياليه وساعاته تدور حول محور محبة الحق تعالى.

المحبة عند العوام

النفس الأمارة، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة هذه الثلاث تتبادل الأدوار عند أغلب العامة من الناس. والمحبة عند عامة الناس مختلفة عن مثيلتها عند الأنبياء والمتصوفة. والمحبة كما عبرنا منجمها النفس، وهي شعور له درجات في النفس الإنسانية فبعض يبالغ بها، وبعض آخر يعتدل بها، وبعض آخر ليس بالضرورة أن يوجد حيزا لها في نفسه. والمحبة محورالصراع داخل النفس؛ فإن استطاعت أن تكسبها وتتجلبب بها فقد حسمت الصراع وتحققت سكينتها، وإن لم تحسم الصراع فقد تغلبت الكراهية على المحبة، والنفس هي في صورة النفس الأمارة " ان الخلق ليس فعل الجميل أو القبيح ولا القدرة على الجميل أو القبيح، والتمييز بين الجميل والقبيح، وانما هو الهيئة التي بها تستعد النفس لأن يصدر عنها الإمساك والبذل. فالخلق اذن هو عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة"[32].

مقولة جلال الدين الرومي "توضأ بالمحبة قبل الماء" فيها أمر بالتحلي بالمحبة، والأمر يتعلق هنا بالإرادة المتحكمة بالنفس البشرية، وهو أمر موجه بشكل مباشر الى تلامذته ومريديه. تعني المحبة التي لدى عامة الناس كأن تكون محبة لله أم لأي من خلقه، وتأخذ صورا وأشكالا مختلفة. محبة الله عند العوام يشوبها القلق والاضطراب، فهي مترددة قلقة غير ثابتة؛ تارة تكون مشوبة بالخوف والرهبة، وأخرى بالرغبة وجزيل الجزاء الأخروي على معنى محدد، يتجلى معناها في قول المتصوفة التالي: "مؤمن مضطرب! إذا صام المرء شهر رمضان كلّه باسم الله، وقدم خروفا أو عنزة كل عيد ليغفر الله له ذنوبه، واذا جاهد المرء طوال حياته ليحج الى بيت الله الحرام في مكة المكرمة، واذا سجد خمس مرات كل يوم على سجادة صلاة، وليس في قلبه مكان للمحبة، فما الفائدة من كل هذا العناء؟ فالايمان مجرد كلمة، إن لم تكن المحبة في جوهرها، فإنه يصبح رخوا، مترهلا، يخلو من أي حياة، غامضا وأجوف، ولا يمكنك أن تحس به حقا"[33].

بعضٌ من العامة تتجلى في نفوسهم محبة الله الحرة الخالصة التي لا يشوبها شيء سوى توحيد الله وتمجيده وشكره جل وعلا، ومحبة خلقه كذلك؛ وهم ممن يحملون النفس المطمئنة القارة الساكنة المستقرة. وهؤلاء محبون لله ومحبون للناس، ومحبة الله لديهم هي الشغل الشاغل. والمعاني عندهم فيها تأمل عميق. للإمام جعفر الصادق (ع) حديث عن معنى الصوم عند هذه الفئة من الناس؛ وهو"الصوم يميت مراد النفس وشهوة الطبع، وفيه صفاء القلب وطهارة الجوارح وعمارة الظاهر والباطن والشكر على النعم و الإحسان الى الفقراء وزيادة التضرع والخشوع والبكاء وجل الالتجاء الى الله وسبب انكسار الهمة وتخفيف السيئات وتضعيف الحسنات"[34].

في بعض الأحيان تكون المحبة عند بعض الناس طبعا ذاتيا للنفس وليس مكتسبا، فهي مبنية على كمال داخلي فطري، ونعني أن بعض الناس خُلقوا بالفطرة مجبولين على المحبة لمن حولهم، لكن قد تتدخل عوامل لها دور مؤثر في المحبة عند العوام؛ وهي:

البيئة الأولى: ونعني بها المنزل، فالمنزل له دور وأثر كبيران في النقش على صفحة حياة ساكنيه، خصوصا حينما يفيض عليهم معاني المحبة، والدفء، والاحتضان، والاهتمام، فيحملون أنفسا تتحلى بالشجاعة، والثقة العالية، والاتزان في شخصياتهم، وبالنتيجة ينفتح في نفوسهم حيز كبير لمحبة الآخرين.

قلب الطفل صفحة بيضاء، يستقبل العادات والأخلاق الحسنة والسيئة، ويستبطنها في وعيه وفي لا وعيه. وأهم عامل في البيئة الأولى الذي يؤسس للمحبة الكبرى هما الأبوان، فوجود أبوين محبين رحيمين يمنحان الإبن محبة كبيرة تحقق له سعادة على امتداد الحياة وتُشبع ذاته منها؛ وتمنحه قوة وشجاعة في تحقيق طموحاته ومآربه التي يريدها، ومواجهة المحيط الخارجي، وما فيه من تحديات ومخاطر ومخاوف. ويتحقق الأمان لديه نتيجة تلقيه حبا عظيما من المنزل وينشأ عليه آمنا مستقرا غير خائف ومتوجس.

وقد أكد بعض من متخصصي علم النفس أن الإحتضان والقبلة في المنزل الأول منذ الصغر لهما دور كبير في التنشئة السليمة للفرد، والقُبلة وفق تحليلهم هي أهم عوامل الإستقرار النفسي للفرد، وعلى المدى البعيد "كثير من الدراسات التي عملت بخصوص القبلة والاحتضان تؤكد أن الإنسان الذي ينشأ في بيت فيه تقبيل واحتضان يكون أصح نفسيا من الإنسان الذي ينشأ في بيت لا قبلة فيه ولا احتضان"[35].

إذا كبر الطفل وشبّ على المحبة التي تلقاها من حضنه الأول، واختزنها عقله الباطن؛ فإنها ستكبر معه، وستؤول به لتأسيس حياة آمنة قارة في المستقبل؛ فيما إذا اقترن بشريك حياة يحمل نفسا مشبعة بالمحبة، التي بدورها ستكون عامل خصب ونماء في العلاقة الاجتماعية مع باقي الأسر التي تربطهم معا جغرافية المكان. لكن كثيرا ما يقترن أحد الأبوين بشريك غير مشبع عاطفيا في طفولته، وهذا الاقتران يحدث خللا في منح المحبة بينهما، فضلا عن الطفل الذي ينشأ عليها، وستصل اليه مشوّهة وناقصة وتحدث خللا، وفراغا عاطفيا يفضي بدوره الى مشاكل على صعيد النفس أولا، والمجتمع ثانيا.

الشخص المشبع ذاتيا من حضنه الأول يستبطن المحبة في نفسه، وينفقها بسخاء على من حوله، والمجتمع كذلك؛ وإن منحها للمجتمع والحياة فإنها ضمن منظومة قيم اجتماعية ضرورية كان قد تلقّاها على بيئته الأولى؛ لتؤسس لحياة آمنة، مستقرة، متزنة. الشخص المشبع عاطفة ومحبة منذ الصغر يكون آمنا ومطمئن النفس، وسعيدا في نفس الوقت، لا يتمحور حول ذاته؛ فحبه ممنوح للناس وللمحيط، وحينما يمنح المحبة تُعَد له مكسبا مبهجا لنفسه، وليس همّا يقصد منه الأمان على ذاته أو اتقاء خطر محدق، فهو آمن ومطمئن.

إن الشخص المحروم من المحبة نتيجة خلل في السلوك الذي منشؤه إعاقة في التربية والتنشئة الأولى ينشأ ضعيف الشخصية، مهزوزا، وليس ذا ثقة عالية بالنفس، وغير شجاع، وغير مغامر، وانطوائيا يخاف الحياة. وحين يفقد المحبة في الصغر يستجديها من المحيط والناس عند الكبر بأي صورة؛ ليكون معترفا به؛ ليعوض ما فقد من محبة وأمان واحتضان في الصغر؛ فيعوضه من المحيط والمجتمع. وإذا لم يتلقَّ الشخص المحبة من حضنه الأول بشكل صحيح ويشبع ذاتيا منها، فهو لا يمكنه منحها لأحد؛ ف(فاقد الشيء لا يعطيه)، وإذا استطاع منح المحبة لمجتمع، أو لشخص بعينه فسوف تكون مشوهة، فضلا عن كونها صمامَ أمانٍ وحماية له من الأخطار الاجتماعية المحدقة؛ لأن محوره هو ذاته المنكمشة والانطواء عليها، وهو بالأحرى يعيش في سجن ذاته الذي لا يمهله فرصة عيش سعيدة تتحقق فيها الراحة والسكينة النفسية، وما زال في سجن الذات لا يستقبل المحبة الحقيقية من المحيط، ولا يمنحها ما لم يتحرر من ذاته، ويطلق سراحها، وإن تحرر فهو يحرر المحبة، والمحبة لا تقبل السجن وهي حيوية فعّالة؛ لأن المحبة من المفترض أن تكون ذات معيار واحد ومتكافئ من الطرفين. الخوف من منح المحبة من شخص محروم منها لشخص ما أو للمجتمع هو في حقيقته خوف من الفشل والضعف، أو الاستغلال من قبل بعض أفراده، وكل ذلك – حسب رأيي – هو ضعف في ذات الشخص وجبن؛ فالشجاع يعطي المحبة، والمحبة بنفسها قوة عظيمة، من الشخص ومن المجتمع على حد سواء، ويحاول ما بوسعه أن يداري شعور المحبة، ويمنحها المزيد من الجهود النفسية المضنية حتى يصل الى بر الأمان الذي هو هاجسه الدائمي مازال على قيد الحياة. توليد المحبة في القلوب الضعيفة صعب كونها تعاني نقصا منها منذ الصغر، ويكون إنفاقها للآخر صعبا، وشاقا، ومخيفا في نفس الوقت، ويعبر القرآن عن هذا الصنف من الناس بقوله (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بينهم)[36]. والألفة في الآية الكريمة تعني التأليف بين القلوب وجمعها على المحبة.

المحيط الخارجي

ونعني به الفضاء العام خارج المنزل، والمتضمن الناس والحياة وما يتعلق بهما.

في السابق كان المحيط الخارجي رحيما، وكانت الحياة تشوبها المعاني المضيئة؛ فالمحبة، والألفة، والتواد، والتضامن، وكلها تمنح الإنسان محبة لسواه وللمحيط؛ لأن إيقاع الحياة آنذاك كان مختلفا عن الزمن الحاضر؛ فالمادة ومظاهرها محدودة؛ وهو ما جعل المعاني تشرق في النفوس، وتتجلى مصاديقها العملية في حياة الناس. وبالطبع فإن المحيط إذا كان مشبعا محبة وتآلفا فإن الأفراد المتساكنين سيسود حياتهم الهدوء والسكينة والراحة؛ فإن في المحبة راحة النفوس وطمأنينتها. والناس آنذاك كانوا على قدر كبير من الشعور بالمسؤولية إزاء بيئتهم، فالمحبة هي من أولويات التساكن أولا، وهي تؤسس لحياة اجتماعية آمنة مطمئنة فهي مشتركة، ولابد أن تسودها المحبة والاحترام بعيدة عن المصالح المادية الصرفة. ومن المحبة يستمد أفراد المجتمع المتعايش القوة، وهي تكون منبع العطاء لحياة اجتماعية سعيدة، فالمحبة الحقيقية هي شجاعة، وأصالة، وحرية برغم كون المحبة تعني الألفة والوحدة التي تربطنا بالآخرين لكنها تطلق سراح الذات.

الشعارات التي يطلقها منظرو علم النفس والاجتماع، وأهل التصوف والعرفان هي موضع تأمل وتحليل، فالمعاني لا تلقّن - بنظري- في الكبر، والناس يتلقوْنها في مقتبل حياتهم وفي سنيّهم الأولى. التنظير لم يجدِ نفعا مع الكثيرين، أغلبنا يمر مرور العابرين حين نقرأ نظريات ومقولات لمشاهير في علوم الاجتماع والنفس والتصوف، وهي تلقينية مفروضة؛ لأن – حسب رأيي - النظريات في الأخلاق والقيم ما لم يعمل بها لا طائل من ورائها. بعض من متخصصي علم النفس يفعّلون مقولاتهم بالعمل، فيوجهون المرضى نحو الاندماج في المجتمع، والانخراط في العلاقات الإنسانية، لأن لها مردودا ايجابيا على الصحة النفسية للفرد؛ وقد حثّ الدكتور ألفرد أدلر "بتوجيه مرضاه النفسانيين الى الاهتمام بالناس الآخرين واندماجهم معهم ومساعدتهم، ويقول: متى فعل المريض ذلك فإنه يكون قد برئ من مرضه"[37].

ولا نخفي ما تحفل به الحياة الحاضرة من قيم مشوهة ممسوخة؛ فالمادة موجوة بإسراف، وهي حجبت عنا لذة الاستمتاع بنقاء المعاني وصفائها ونورانيتها، فضلا عن أن الاختلاف السائد بين البشر على أساس الأديان، والمعتقدات، والأفكار؛ أنتج القسوة، والحقد، والكراهية، والخداع، والمكر، والكذب، والكيد، والظلم. والإنسان اليوم حذر حينما يمنح المحبة للآخر، ومنبع الحذر والخوف هو تبدل الحياة وانقلاب موازين القيم والأخلاق، فلم تعد مقولة(أشعر بوعي كل شخص وكأنه وعيك أنت) أو(أحبب جارك كما تحب نفسك)؛ نعم كانت هذا المقولة وأمثالها سارية المفعول في الماضي، وهي اليوم صعبة عند الكثيرين، وعالمنا قائم على الحروب والشرور التي مصدرها القلوب غير المحبة، والكراهية تأتي من النفوس التي تألف الظلم، والظلم يأتي من الظلام أي السواد؛ وإذا منحت محبة لأحد فقد ارتدت قناعا كاذبا، وفيها تصنّع ونفاق يحمل بين طياته شرور الحياة الحاضرة.

وفي رأي الكثيرين أن منح المحبة بإسراف في حياتنا الحاضرة نابع من نفسٍ محبة للعبودية، فالمحب يكون فيها عبدا لشخص أو جماعة، و- نقول- لنسجن الذات في المحبة بدلا من سجنها بالكراهية، لأن المحبة تفيض على حاملها الراحة والسكينة والطمأنينة، والكراهية تجعل الذات مكبّلة بالشر، فضلا عن أن شعور الكراهية مؤلم للنفس وذو مردود سلبي عليها. والمحبة العامة للناس أيضا تنتج بدورها محبات للمحيط والطبيعة وبدورها تفرز حرصا وحفاظا عليهما. مع زيف الحياة وخدعها وحيلها فإن القلوب المحبة مضيئة، مبتهجة، ساكنة؛ بيضاء؛ والقلوب المبغضة مظلمة، متجهمة، مضطربة، سوداء.

نحو منحى جديد للمحبة

المحبة الأولى تنطلق من الله؛ فالله هو "المحبة" كما وصف نفسه، وهو نفخ المحبة في نفوس خلقه(ونفخنا فيه من روحنا)[38]؛ فهو منجم المحبة العظيمة والحرة غير المقيدة، المحبة عند الله واسعة وذات فضاء رحب وحر، لا يحدها دين، أو مسجد، أو كنيسة، أو دير، والله القائل في حديث قدسي(ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن). وهي المحبة التي ينطلق منها حب خَلق الله كيفما كانوا. والمحبة الأصلية التي تحملها القلوب المحبة لله هي المحبة العظيمة التي لا تحتمل القوالب الضيقة ولا التشييء، إذا شُيئت المحبة استحالت الى مادة للمقايضة، وخرجت من كونها معنى. هذه المحبة تجلت في إحدى جلاليات الرومي وهي"ذلك المسجد الذي انطوت عليه قلوب الأولياء هو مسجد للخلق كافة فهناك الله".

المحبة دينامية، حيوية، تتدفق من الذات الإنسانية لكل ما يحيطها من أفراد، ومجتمع، وطبيعة، وحياة، لأن منبعها الروح الأصيلة.

نحن اليوم أمام محنة حقيقية اجتاحت سكان الأرض، بعد جائحة"كورونا" التي هزّت الكرة الأرضية برمتها، ووحّدت العالم بأسره، ووضعته في حلبة صراع ومواجهة مع شيء هو ليس كائنا حيا، بعد أن نسى العالم حروبه، واختلافاته، وأعراقه، وأديانه، وانشغل في كيفية مواجهة خصمه على الأرض، فهل سيحتفل العالم بالانتصار عليه،  ويكسب المعركة، وتلتئم جراحاته التي خلّفتها الصراعات، ويلمّ شمله المشتت،  كما احتفل ثقب "الأوزون" بالتئامه فوق قطب الأرض الشمالي، والتم شمله؟

وهل يا ترى سوف تجتمع قلوب البشرية وتعيد تشييد بنى العلاقات الاجتماعية على أسس المحبة القوية التي تشدّها للأرض وللإنسانية جمعاء بعيدا عن التشرذم والاختلاف والتقاتل؟؛ وهي بارقة أمل في أن تنسى حروبها وعداواتها و(رب ضارة نافعة).

ومن هذا الذي ينطوي على نفس قوية هي منجم محبة خام نقية لها القدرة الخارقة على تكسير تكلّس النفوس واختزال كل اختلافات البشرالمتراكم عبر الأزمان نتيجة ظروف الحياة المتلونة التي اكتنفتها الانتصارات والانكسارات؟ وإذا تحلى بهذه النفس فهو الانسان ذو الروح البكْر القادر جدا على قيادة البشرية نحو شاطئ المحبة النقية والسلام والأمان ففيه الإنسانية الأصيلة.

أروع تجلٍ للمحبة الأصيلة ما ورد عن خطبة لجبران خليل جبران بلغة صوفية في كتابه "النبي" اقتطع نصا منها:

المحبة لا تعطي الاّ نفسها، ولا تأخذ الاّ من نفسها. المحبة لا تملك شيئا ولا تريد أن يملكها أحد لأن المحبة مكتفية بالمحبة. أما أنت إذا أحببت فلا تقل: إن الله في قلبي، بل قل: أنا في قلب الله.

 

بقلم: إنتزال الجبوري

...................................

[1]  ابن منظور. لسان العرب.

[2] امام، محمد علي محمد. المحبة.

[3] طه – 39.

[4]  المائدة – 54.

[5]  الروم- 21.

[6] بندق، د. صهباء محمد. الحب كيف نفهمه وكيف نمارسه. القاهرة: دار السلام، الطبعة الأولى، 2006، ص25.

[7]  أبي خزام، د. أنور فؤاد. معجم المصطلحات الصوفية. بيروت: مكتبة ناشرون، ط1، 1993، ص157.

[8] نفس المصدر والصفحة.

[9] انجيل يوحنا4:8.

[10] معجم المصطلحات الصوفية، ص157..

[11] مسكويه، أحمد بن محمد بن يعقوب. تهذيب الأخلاق. دراسة وتحقيق: عماد الهلالي. بغداد- بيروت: منشورات دار الجمل، ط1، 2011، ص238.

[12]نفس المصدر، ص239.

[13]  أي الاستعداد المحض لإدراك المعقولات بالقوة وخالية من الفعل. نفس المصدر والصفحة.

[14] أي الاستعداد لإدراك المعقولات أما بالفكر أو الحدس. نفس المصدر والصفحة.

[15] أي حضور المعقولات متى شاءت من غير طلب لحالة تكرار المشاهدات. نفس المصدر والصفحة.

[16] أي كمال النفس فالمعقولات حاصلة بالفعل مشاهدة، وشبهت بالمبادئ العالية، صائرة عالما عقليا يضاهي العالم العيني في الصورة لا في المواد. نفس المصدر والصفحة( نقلا  عن دغيم، سميح. موسوعة مصطلحات صدر الدين الشيرازي. بيروت: مكتبة ناشرون، 2004، ص934).

[17] موقع المعرفة الألكتروني.

[18] توفيق، محمد عز الدين. التأصيل الإسلامي للدراسات النفسية. القاهرة: دار السلام، ط2، 2002، ص64-65.

[19] يوسف – آية 53.

[20]  القيامة – آية 2.

[21] الفجر- الآيات 27-30.

[22]  أبي خزام، د. أنور فؤاد. مصدر متقدم، ص174.

[23] الشمس – الآيات 7-10.

[24]  الحج- 46.

[25]مبارك، زكي. الأخلاق عند الغزالي، ص133.

[26] البقرة- 213.

[27] بن أحمد، حسن. الحب ومحبة الله عند الصوفية. موقع نفحات.

[28]  الرفاعي، د. عبد الجبار. إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين. بيروت: دار التنوير، ط2، 2013، ص35.

[29] الرومي، جلال الدين.  المجالس السبعة. ترجمة وتقديم: د. عيسى علي العاكوب، دمشق: دار الفكر، 2004،ص113.

[30]  نفس المصدر، ص110-111.

[31] الجيلي، عبد الكريم. الإنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر، ج2، ص88.

[32] الغزالي، أبو حامد.  احياء علوم الدين. ج3، ص56.

[33] شمس الدين التبريزي. قواعد العشق الأربعين.

[34] خير الدين، عادل. العالم الفكري للإمام جعفرالصادق، ص169.

[35] الدريع، د . فوزية. القُبلة. منشورات الجمل، ط1، 2006، ص47.

[36] الأنفال- 63.

[37]  نجاتي، د. محمد عثمان. الحديث النبوي وعلم النفس. القاهرة: دار الشروق، ط2، 1993، ص85.

[38] الأنبياء- 91.

 

 

بليغ حمدي اسماعيلحينما بدأ الشعب المصري مشروعه القومي في التخلي عن الكتاب والقراءة بوجه عام، رافضين غير مستسلمين لمحاولات قرينة الرئيس المصري الأسبق سوزان مبارك ومجموعتها الثقافية المنتخبة لمشروع القراءة للجميع رغم أنه تضمن إصدار كتب رصينة بجانب عشرات الكتب الباهتة والتي شكلت عبئاً على عقل المواطن، كنت أعلم وقتها أن المد الثوري للفتوى لا ولن ينقطع، بل وسيصير شهوة لدى البعض من علماء الوطن العزيز .

وأصبح جملة هذا الشعب وتفصيله مؤهلين تماماً لتقبل أي ثقافة فقهية مسموعة أو مرئية أو في صورة كتيبات صغيرة لا تتجاوز الوريقات العشرة، المهم أنهم ينأون عن مغبة الكتاب الكبير والآراء الفقهية المتباينة والمسائل التي تنتظر تأويلاً وتحليلاً مضطرماً لها.

وحينئذ فقط أدركت لماذا كان يصر أصحاب هذه الآراء والفتاوى على محاربة كلمات بعينها مثل التأويل وظاهر النص وتفكيك الخطاب ؛ لأن مثل هذه العبارات والمواضعات ستحيل نتاجهم المسموع والمرئي إلى مقصلة العقل وهو ما يرفضونه أيضاً جملة وتفصيلاً .

ولأن واقعنا الديني الافتراضي نسبة إلى العالم الإلكتروني الافتراضي المعاش الآن أصبح يشبه السيرك ؛أي يقدم كل الفنون الممكنة وغير الممكنة تحت خيمة أو مظلة واحدة، ولكن مظلة الواقع المجتمعي ليست قماشية بل هي فوضوية تشبه الضباب الذي أصبح ملمحاً رئيساً من ملامح العقل المعاصر، ولن أدعي بأن كل من هب ودب على الأرض بقدميه يقدم لأنصاره فتاوى عجيبة، لا بل هناك بعض من الشيوخ ذوي العلوم الدينية الرصينة من ارتضى أن يعمل في السيرك المقام بالعقل المصري، ولكم تمنيت أن أريهم من تعليقات بعض أصدقائي العرب إزاء ما قدموه من فتاوى .

هذه الفتاوى التي طالما سمعتها تذكرت شاعر العربية الأوحد أبا الطيب أحمد المتنبي حينما قال عن مصر وأهلها: (وكم بمصر من المضحكات ضحك فيها كالبكا)، والدليل على ذلك ما طفق به بعض علماؤنا الأجلاء وشيوخنا الأبرار من آراء فقهية عقب اندلاع انتفاضة الشباب في يناير 2011  كضربات الجزاء القاتلة في الوقت بدل الضائع، مثلاً عدم جواز تزويج المصري ابنته لأي من أعضاء الحزب الوطني المنحل، لأنهم غير أمناء ومضيعون للأمانة، وأفسدوا الحياة  السياسية في مصر وساهموا في تضليل الشعب طوال ثلاثين عاماً وأنهم جميعاً قاموا بتصدير الغاز للكيان الصهيوني، وأنهم أرشدوا جمال مبارك إلى كيفية تهريب أموال المصريين إلى بنوك سويسرا.

وكم كنت  أشعر بالخجل وقتئذ وأنا أقرأ وأسمع مثل هذا اللغو وكانت مصر ساعتها تنجرف نحو هاوية سياسية، وفتنة طائفية، ومستقبل مزدحم بالاعتصامات والإضرابات والخلل الوظيفي والفساد الذي بالتأكيد تعدى الركب منذ سنين طويلة حتى تكلل هذا الانحدار بوصول جماعة الإخوان إلى سدة الحكم في مصر والسعي إلى ممارسة الاستلاب وكل صنوف التهميش والإقصاء والتمييز صوب كل من يخالف عقائد وأيديولوجيات تلك الجماعة.

والحمد لله أنني رأيت قبل الموت رجالاً يملكون صكوك رفض التوبة والغفران لخطايا لم يرتكبوها في الأصل، وأحمد الله كثيراً أيضاً أنني عرفت لماذا الخطاب الديني في مصر أصبح منعزلاً في جزيرة سرنديب أو سيلان أو بلاد تصنع من عاج الفيل الشوربة أو الحساء.

ومنهم من احترف هوس الحديث منذ سنوات حول أزمة تعيين المرأة قاضية بمجلس الدولة، وكثر الجدل واللغط حول هذه القضية التي أثيرت على صفحات الجرائد والمجلات بصورة محمومة لاسيما الصحف التابعة للتيارات الراديكالية وكذلك القنوات الفضائية الأكثر إعتاما وتعتيما، واستغلوا واستخدموا هؤلاء الأمراء وشيوخ التيارات والطوائف الدينية الضاربة في القدم مثل جماعات التكفير والهجرة والسلفية الجهادية وبالضرورة جماعة الإخوان كل الأسلحة في محاربة جواز تعيين المرأة قاضية .

فمنهم من حدد أهم المواصفات التي قام بتوصيفها المتقدمون دون المتأخرين من أمراء تيارات الإسلام السياسي  لاختيار القضاة شرط الذكورة، وهذا الشرط من أكثر المواصفات والشروط التي أثير حولها الجدل في الماضي قبل العصر الحاضر أي قبل شعارات تمكين المرأة والمواطنة وتفعيل دور المرأة في المجتمع والشراكة النسائية وغيرها من شعارات الألفية الجديدة.

وقد اختلف الفقهاء اختلافاً ضيقاً حيناً، واختلافاً واسعاً حيناً آخر، فمنهم من يرى عدم جواز ولاية المرأة للقضاء مطلقاً، وهذا هو رأي جمهور الفقهاء من العلماء المسلمين استناداً لحديث البخاري عن النبي (صلى الله عليه وسلم ): "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"  . ومنهم كابن حزم والطبري من يرى جواز ولاية المرأة للقضاء مطلقاً . وهناك فريق ثالث من الفقهاء وأغلبهم من الحنفية من يرى أن المرأة تجوز ولايتها في القضاء في غير الحدود وأحكام القصاص.

وفي مقابل هذا الرفض المطلق لقضاء المرأة، نجد فريقاً على الشاطئ الآخر مثل الفقيه المجدد ابن حزم يشير إلى تولية الفاروق عمر بن الخطاب الشفاء بنت عبد الله العدوية أمر الحسبة في السوق، وأن اختياره للشفاء جاء من باب مقاومتها المنكرات المتعلقة بالنساء في السوق . والمستقرئ لهذه الحادثة يستبين أن تعيينها جاء من باب الحسبة لا القضاء.

ولن أقول لأصحاب هذه الفتاوى العجيبة وأنصارهم قصص الصعود العلمي لإسرائيل، فسيقولون فوراً قاتلهم الله، ولن أحكي لهم حكايات الارتقاء الاقتصادي الهندي أو الماليزي أو التركي، فسيهرعون بالحكم عليهم بالعلمانية الماجنة الكافرة السافرة، لكن سأنتظر منهم رداً على حيرتي تجاه هذا التردي العلمي الحقيقي الذي نحياه ونحن بمواجهة الجائحة الكونية، وسأبقى على عجل في انتظار خطاب ديني يحترم عقلي ويشكل هويتي التي باتت مهددة بالفناء .

حقاً، سأدعي الصواب حينما سألني صديق لي عن سبب صدور مثل هذه الفتاوى فأجبت  : لقد اشترى الشعب المصري جهازاً لاستقبال القنوات الفضائية وأدار مفتاح التشغيل على قناة فضائية فراغية فظهر شيخ يصول ويجول ويكر ويفر ويدبر ويقبل من عل، وحينما طفق يبحث في ميدان التحرير وبين المعتصمين من فئات وطوائف الشعب المعترضة على أي شئ وكل شئ عن ريموت الجهاز كي يديره على قناة أخرى اكتشف أن الريموت نفسه ضاع، واستطرد الشيخ حديثه .

وإذا كان الجميع يتحدث هذه الآونة بل منذ ثمة عقود منصرمة أيضا عن التحديات التي تواجه الإسلام، لاسيما بعد حملات الهجوم عليه من بعض العناصر في الغرب، وأنه دين يدعو إلى التخلف والرجعية، وأؤكد أن الإسلام لن يعود إلى قوته المنشودة إلا من خلال جعل العبادة تتسع في معناها لتشمل بكل جدية واهتمام محاولات الكشف العلمي عن أسرار الكون كشفاً لا يقتصر على مجرد العلم في ذلته بتلك الأسرار، بل يجاوز ذلك إلى تحويل العلم إلى عمل.

ولكن بالرغم من هذا التقدم العلمي الإسلامي، نجح الاستعمار في إزكاء الثغرات الجاهلية في الأمة، كما نجح في تجزئة الوطن الإسلامي الكبير، وجعل منه كيانات صغيرة منفصلة، بهدف الحيلولة دون تماسك الأمة الإسلامية وتسخير مواردها الكلية في سبيل نهضة كلية في العالم الإسلامي.

ولم يعد خافياً على أحد من المسلمين المدركين لرسالة الإسلام في توحيد جهود المسلمين أن تمزيق العالم الإسلامي قد حال دون وشيجة إسلامية تجمع المسلمين، وبالتالي فقد حيل دون وجود وحدة اجتماعية تجمعهم، تؤازرها وحدة اقتصادية، فأدى ذلك إلى إضعافها اقتصادياً وسياسياً وعلمياً، وضياع طاقاتها البشرية، وضياع ثرواتهم في أسواق المال الأجنبية.

كذلك عمل الاستعمار على تربية الأجيال المسلمة في الأقطار الإسلامية على إبعادهم عن الإسلام، وسلخه من مفهومه الصحيح كدين شامل يعني بحياة المسلم وآخرته. وعلى هذا الأساس وضعوا سياسة التربية والتعليم في أقطار المسلمين بواسطة المستشرقين، ومن حذا حذوهم من أهل الأقطار الإسلامية نفسها، وقد رسموا سياستهم على أسس منها إضعاف الروح الدينية لدى الطلاب، والاهتمام بالمواد المدنية وتدريسها بمعزل عن الدراسات الدينية، مع العلم بأن الإسلام يدرس كل العلوم على أساس قاعدته الكلية، سواء كانت العلوم متعلقة بالمسائل الضرورية أو الحاجية. كما عمل على إشعار الطلاب منذ نعومة أظفارهم باستعلاء اللغة الأجنبية .

كما أن الأمة الإسلامية تواجه حملات التشويه والتزييف لديننا الحنيف، ومهمة هذه الحملات هدم المجتمع الإسلامي، وإقامة مجتمعات على شاكلة المجتمعات الأوروبية، وكذلك ما قام به زعماء الفتنة والتشويه من إدعاءات كاذبة مضلة بدءاً من أن القرآن الكريم من تأليف سلطة بشرية، وأن ما جاء به لا يزيد عن كونه نوعاً من الحيل.

إن دراسات المستشرقين حول القرآن الكريم لا تصدر عن العلم، بل تنحرف نتائجه عنه؛ لأنها عن هوى واعتقاد حاقد عن الإسلام، أو غير قادر عن فهمه. إن المستشرقين ينتمون إلى نوعين لا ثالث لهما؛ فالمستشرق إما أن يكون علمانياً مادياً لا يؤمن بالغيب، وإما أن يكون يهودياً لا يؤمن بصدق الرسالة الإسلامية التي أعقبت رسالته.

ويعمل الاستشراق على الحيلولة بين الشعوب وبين الإسلام، وذلك بحجب محاسن الإسلام وتشويه صورته؛ لإقناع الناس بعدم صلاحية الإسلام. هذا بالإضافة إلى فصل المسلمين عن جذورهم الثابتة الأصيلة بتشويه تلك الأصول، وعزلها عن مصادرها، والعمل على هدم الكيان الفردي والاجتماعي والنفسي والعقلي، وذلك للاستسلام أمام المستعمر وثقافته وفكره.

ومما لاشك فيه ـ ومن خلال استقراء التاريخ والواقع المشاهد ـ أن أساليب الكيد والحقد للإسلام قد تنوعت، وكثرت محاولات استئصاله عبر التاريخ قديماً وحديثاً، ولكن الحمد لله تبوء جميعها بالفشل في النهاية، لأن الله عز وجل قد تكفل بحفظ هذا الدين وأهله وأتباعه.

ومن الإدراك الواعي لهذه الأمة أن العودة إلى سياج الإسلام عقيدة ونظاماً هي مسألة مهمة، وأن الواجب الأكبر والسبيل الوحيد للإنقاذ من حياة الشتات هو أن نفهم الإسلام فهماً واعياً مشرفاً صائباً ونقياً وذلك بالتصديق الجازم بعقيدته. واستخدام الفرد المسلم الحقائق والمعلومات التي يستقيها من القرآن الكريم والسنة النبوية، ليربط بها الواقع فيصبح مفكراً إسلامياً قادراً على إيجاد الحلول الصحيحة لكافة المشكلات.

هذا بالإضافة إلى الاهتمام بالمرأة من حيث التربية الدينية والثقافة الإسلامية الصحيحة، لا تلك السائدة في الفضائيات الفراغية التي تعمل جاهدة على تلويث المرأة، وتدمير حياتها الأسرية والعملية. كما يجب أن تقوم أجهزة الإعلام برد الشبهات والدعاوى الباطلة الموجهة ضد الإسلام، وتوعية المسلمين بإخراجهم من موقف الضعف والدفاع، إلى موقف القوة والمجابهة.

وإذا كنا نعني بالتحديات التي تواجه الإسلام المعاصر، فينبغي أن نحذر المسلمين من النشاطات المعادية للإسلام والتي تتقنع في مؤتمرات ومؤسسات بأسماء مختلفة مثل نوادي الحياة، أو منتديات الصداقة. ولقد قدم الإسلام الحنيف نموذجاً أخلاقياً ثابتاً لمواجهة مثل هذه التحديات.

لقد قدم الإسلام مبادئ أخلاقية عامة تأتلف فيما بينها لتكون في مجملها نموذجاً أخلاقياً  يشكل قاعدة أساسية  لكل الممارسات العملية، ويتمثل هذا النموذج الأخلاقي في المحددات المعرفية التي تتمثل في العلم والمعرفة، كما تتمثل في المحددات السيكولوجية التي تتعلق بالإنسان والطبيعة البشرية كالإلزام والمسئولية والحرية وإرادة الاختيار.

كم يتجسدا النموذج الأخلاقي ـ أيضاً ـ في المحددات الجزائية التي تتعلق بجزاء الإنسان على أعماله من ثواب أو عقاب. أما المحددات العملية فتبين مدى اتساق سلوك الإنسان مع منظومة القيم الأخلاقية الإيجابية التي أمر الله بها من ناحية، واتساقه مع منظومة القيم السلبية التي نهى الله عنها من ناحية أخرى. فالممارسات العملية هي المحك الوحيد لاتساق سلوك الإنسان مع النظرية الأخلاقية في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

ومما لا شك فيه وجود عدد من العوامل والأسباب التي تدفعنا للتأكيد على النموذج الأخلاقي الثابت في الإسلام، من أهمها أن دراسة الأخلاق دراسة علمية دقيقة تؤدي إلى فهم أفضل لسلوك الأفراد والجماعات، وبالتالي القدرة على التعامل معه والعمل على تعديله للوصول به إلى مستوى معين أو لتحقيق أهداف محددة.

كما أن دراسة الجانب الأخلاقي في الإسلام والتأكيد عليه تنطوي على أهمية كبيرة فيما يتصل بإعادة تكوين الفرد المسلم السليم الذي بعد عن الإسلام حتى أصبح في كثير من الأحوال لا يحمل من الإسلام إلا اسمه، والذي خضع لتقاليد لا يعرف مصدرها، ولكنه يتبعها على أنها من الإسلام، وهي ليست من الإسلام في شئ.

والمستقرئ لظواهر المجتمعات العربية والإسلامية يدرك مدى تفشي ألوان متعددة ومتباينة من الرذائل، فتصور كثير من الناس، لاسيما غير المسلمين أن هذه الرذائل ترتبط بالإسلام مثل الجهل والحسد والبغضاء والطبقية والرشوة، وغيرها من الصفات الذميمة. لذا وجب على كل فرد مسلم ألا يقتصر على إبراز مبادئ الإسلام الخلقية فقط، لأن هذا لا يكفي لإعادة بناء الفرد والجماعة، بل لابد أن نجذب المسلمين إلى دائرة السلوك وفقاً لهذي المبادئ، وجذب المسلمين إلى دائرة السلوك الأخلاقي الإسلامي يحتاج إلى تكاتف القوى في المؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمعية. وهذا يحتاج إلى مرشدين ومفكرين وتنويريين قادرين على ربط المبادئ بالسلوك، أو بمعنى آخر قادرين على تضييق الهوة بين النظرية والتطبيق.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

حمزة بلحاج صالحعندما أنظر لاخواننا المشتغلين بفلسفة الدين وعلم الكلام الجديد وولعهم وهوسهم بالظاهرة الايمانية في تشاركها مع الإديان وبعض الفلسفات الايمانية. وتمسكهم بها كخلاص أوحدي يستبعد بقية الجهود أو يتفهها ويقلل من قيمتها ويتنكر لها، أراهم يقفون على سطوح المفاهيم وتشكلها دون حفر عميق وسبر لأغوارها.. وأراهم يقتبسون مثلا لا حصرا من موران الكثير من مفاهيمه دون صرامة ويقظة ايبستمولوجية في مسار وسيرورة تشكل المفاهيم عنده والحفر في جذورها ونواظمها ومرتكزاتها في كل مسارها التاريخي وتوظيفاتها ...

 رغم استبحار موران في علم الانسان والإناسة أي الانثربولوجيا وقضايا النسق والنهج وتوظيف العلوم والمعارف المتعددة في مقاربة الظاهرة المعقدة...

رغم جهوده في بعث مخابر البحث في النظم القيمية طبعا الأرضية بامتياز تطلعا لمطلق محايث وارضي وترابي...

نجد موران كفيلسوف وسوسيولوجي وإناسي قد عجز عن بناء تعريف ورؤية مستقلة للحياة ونراه في النهاية قد لخصها في التطورية-الفوضوية الباكونينية الجذور والبرودونية الإرهاص نسبة الى " برودون " باعتباره إرهاصا سابقا لفوضوية باكونين...

 كما يعتبر كروبوتكين تتويجا وتلخيصا لباكونين واستيعابا وتطويرا لنظريته التي تلاقحت مع التطورية الداروينية ومن عجز عن تلمسها في نصوصه عاد الى تلك الحوارات التي دارت بين كروبوتكين الروسي وداروين ...

ان كثيرا من العناصر البانية للمنجز الفلسفي تتعذر وتتمنع عن الظهور بجلاء في نصوص اصحابها للباحثين في ميتافيزيقا تكوين وبنية النص وأسسه ونواظمه ومرتكزاته...

وقد تفوت الباحث أن يتلقفها في منعطفات هامة كما هو الحال هنا في مراسلات بين كروبوتكين وداروين...

ولا يقوى نقد منظومات الأفكار علميا ويتمكن من النفاذ الى أسس النظم والعناصر البانية لها الا اذا استقل وتحرر الباحث من سطوة وهيمنة النسق وانفلت من قبضته...

وهذا نهجي الذي اشتغل عليه وأقوم في صمت على بناء وتشييد صرحه المنهجي وهو يقف متوسلا بكل النقود الداخلية والخارجية والهوامش والمراكز المعرفية...

إن التحرر من هيمنة النسق الفهمي السائد هي التي تحول دون الوقوف على انتظامات الفلاسفة والمفكرين داخل الأنساق كما هو الحال هنا بالنسبة لموران الذي رغم العطاء الهائل طيلة عمر طويل بقي سجين منظومة الفكر الغربي المادية وتحكمت في جميع إضافاته والتي تندرج تحت عنوان انطولوجي يمفهم الحياة تحت ناظم الفوضوية-التطورية...

أردت ايضا أن أقول لا تكفي أن تكون المشتركات عناوينا بل يجب ان تكون مفاهيما تناقش وتجدد...

واذا بقيت عناوينا كانت مجرد توافقات ومواثيق يجب أن تعمق لا علما ومعارف تحدد الوجهات الإيمانية وتعرف بالدين وبمعاني العقل والإنسان والإنسانية وتعالج الخواء الروحي...

والا فكل عنوان له إحالاته المفهومية والنظرية وأطره الانطولوجية ولا يسعفنا ان نقول انها التجربة الانسانية التي تجمعنا...

 فالتجارب الانسانية تؤطرها النظريات والفلسفات والمعارف (الأطر الإجتماعية للمعرفة - جورج غورفيتش) وتشجبها وتحرفها فلا يبقى منها الا الغلاف مشتركا...

ونحن نبحث عن الروح لا الغلاف فلاهوت غيرنا غير لاهوتنا...

التوافقات هي مواثيق للتعايش وأسقف مشتركة للسلم وليست بدائل دينية نتعبد بها لله...

ثم إن من جعلوا همهم ومركز اهتمامهم لاهوت الايمان وضعوا أنفسهم على حافة العلمانية وتبنوا كهنوتات الاديان الاخرى مبررا للنكوص فنكصوا وهم لا يشعرون...

وبات البون شاسعا بينهم وبين اسلام للحياة كلها ولسياسة الانسان في الدار الدنيا من اجل فوزه بالاخرة...

ليس هذا انغلاقا بل تحيزا تقتضيه طبيعة التدين لا يمنعنا من التعايش فقط وجب التفريق والتمييز ...

لقد تحولوا لى رهبان ألفاظ وانتزعوا العرفان من روحه وحولوه الى عرفان غنوصي شارد معلمن للدين...

وتوسلوا بعلم الكلام الجديد الذي بات لاهوتا اخر مشحونا برمزية اللاهوت الاخر الذي يبرر هذا المسعى الروحاني الخالي من بصمة الدين لمفاصل الحياة ...

 

حمزة بلحاج صالح

 

عقيل العبودتعد فكرة التداخل المطلق، أي تداخل الأجسام مع بعضها البعض، من الموضوعات المهمة في الفكر الرواقي.

ومن الضروري الإشارة هنا الى ان التداخل المطلق لا يلغي اويغير من الكيفيات بحسبهم، بل يتفاعل معها بحكم هذا النسيج الحركي من التوتر وهذا ما يميزه عن عن المركب، كونه في "حالة المركب يحدث تغيرا في الكيف، أي استحالة في الأجزاء المركبة"، المقطع الثاني السطر ٧-٨، ص٣٩

والمعنى ان كيفية العالم الذي نعيش فيه واحدة لا تحصل فيها استحالة، كما يحصل في تغيير الكيفيات اثر اختلاط الأجزاء المركبة.

والصورة هنا كما يبدو، هو ان العالم يبتدئ في تركيبته المادية على شاكلة نقطة صغيرة غير متلاشية، هي المركز ، وهذه النقطة الصغيرة تحيطها دوائر دون حدود بينها، وهكذا حتى تكبر رقعة هذا العالم بهيئة محيط كبير وفضاء شاسع متماسك، هذا الفضاء بحجمه الكبير الممتد الى نقطة المركز متداخل مع بعضه دون حدود تفصل بين إجزائه ومسمياته المتداخلة مع بعضها.

"التداخل بالنسبة الى شئ ، مهما قل حجمه، تداخل مطلق في كل الوجود. فيقول كريسفوس مثلا ان قطرة من النبيذ كافية ليس فقط لتلويث بحر بأكمله، بل ولتلويث العالم كله بأسره" السطر ٤-٧، ص ٤٠

وهذا معناه ان الأثر الذي تتركه قطرة النبيذ يشمل كل اجزاء هذا العالم ابتداء من المركز وانتهاء بالمحيط وبالعكس. وهذا التشبيه يفيد في تحليل التداخل المطلق بين الأجسام.

 

سيما وان هنالك ترجيحا للإعتقاد المادي في الأشياء والموضوعات، وذلك نابع من التصور الخاص بحركة المسميات، حيث أن مصدر هذه الحركة هو (التوتر) ما يسمى عندهم ب (التونوس). وهي عبارة عن عملية تداخلية حركية للنفوس بين المحيط والمركز حيث بحسب زعمهم انه ما دامت قضية هذا التداخل قائمة وفقا لحالة التوتر الذي يحدث في الماديات ، فإن جميع الصفات بما فيها الألوان تكون مادية، ولذلك فإن النفوس عندهم من الماديات، بما في ذلك معادلات السلوك الخاصة (بالفضائل والرذائل).

والتفسير كما يبدو لي هو ان الفضيلة عندهم والرذيلة اصلها توتر، والتوتر يخلق فعل، والفعل مصدره النفس، والنفس مادة، كونها متداخلة مع المحيط الذي تستقر فيه، وهذا المحيط هو بطبعه مادي، وعلى هذا الأساس فإن السلوك هو فعل مادي داخل محيط مادي، وبما ان الفضيلة والرذيلة من سنخ هذا النوع من الحركة، فأصلهما مادي لأنهما افعال حية ،وكل حي هو مادي إذ بحسب زعمهم. "ان كل ما يفعل فهو حي" المقطع الثاني، السطر ١٦، ص٤١

ومن المناسب هنا فإن مبدأ (الكرازيس) يعد من المبادئ التي يعتمد عليها الرواقيون في تفسير معنى التغيير في المركبات والأجسام والأخلاط والمخلوطات ذلك وفقا لهذه الصورة:

"بأن يحدث في الجسم امتداد، وذلك بذهاب النفوس من المركز الى المحيط، وان يحدث فيها تركز وتقلص بأن تعود من المحيط الى المركز" السطر ١٤-١٦ص٣٨

وهذا هو الأساس الذي اعتمده الرواقيون ليبرروا (النزعة المادية) التي آمنوا بها ذلك بإعتبار ان أي حركة من المركز الى المحيط وبالعكس تحدث انقلابا في الكيف وهذا الإنقلاب هو انقلاب مادي وأصل هذه الحركة هو التوتر الذي بسببه تحدث الحركة بين النفوس والأجسام.

"وفكرة النفوس أوالبنويماتا تلعب الدور الأكبر في تفسير الرواقيين لتكوين الأجسام ولما يحدث فيها من تغيرات. فهم يقولون إن هناك حركة جزر ومد في النفوس التي تخترق الأشياء، وهذه الحركة صفتها الرئيسية أنها على شكل توتر يسمونه باسم تونوس-...-بأن يحدث في الجسم امتداد، وذلك بذهاب النفوس من المركز إلى المحيط، وأن يحدث فيها تركز وتقلص بأن تعود من المحيط الى المركز" السطر ٩-١٦ ص ٣٨

ان الرواقيين هنا يبررون فكرة الفعل الحركي وإنتمائه الى الأجسام على انها صفة ملاصقة للنفس، وهذه الصفة هي التي تمنح ما ينتج عن هذه النفس ما يسمى بالماديات، فكل شئ مصدره النفس وهو مادي كونه متداخلا مع بعضه البعض ولا يوجد حد، اومسافة بين المتداخلات المادية لأنها تحصل بالتوتر داخل الأجسام.

فالنفس مثلا بحسب الفكر الرواقي من الماديات (والفضيلة والرذيلة) من الماديات ايضا، لأنهما من منشأ مادي، وهما نتاج هذا المنشأ الذي اصله التوتر، الذي يحصل داخل النفس والذي هو صفة ملازمة لها وبفعله يكون هنالك تكوينات جسمية مادية، وهذه التكوينات اجسام مادية. ص ٤١

حواشي:

"كما ان هذا المذهب من ناحية اخرى يفسر لنا تفسيرا واضحاً فكرة الفعل من بُعد، وهي الفكرة التي تلعب دوراً خطيراً جداً في الفيزياء منذ العصور القديمة حتى اليوم، فهم عن طريق مذهبهم في التداخل المطلق يقولون أن ليس في الواقع بُعد ، لأن الأشياء توجد توجد بعضها في بعض"السطر ٣-٧، ص ٤١

وهذا معناه ان فكرة رفض الفعل عن بُعد قائم على أساس مبدأ التداخل المطلق بين الأجسام، فالفعل عندهم جسم، وهذا الجسم غير مسبوق بجسم اخر، ولا يوجد (حد) بحسب زعمهم بين الأجسام.

مصطلحات مهمة مع المعاني:

أوالبنويماتا: النفوس وهي الفكرة التي اعتمدها الرواقيون في تفسير حركة الأجسام ومسمياتها

الكرازيس: التداخل المطلق بين الأجسام

تونوس: التوتر اوالحركة الذي بفعله يحصل التداخل المطلق (الكرازيس)

 

عقيل العبود

......................

هوامش

- دكتور عبد الرحمن بدوي، خريف الفكر اليوناني، السطر ٤-٧، ص ٤٠ فكرة الفعل عن بُعد

دكتور عبد الرحمن بدوي، خريف الفكر اليوناني، السطر ٩-١٦ ص ٣٨، فكرة النفوس عند الرواقيين

دكتور عبد الرحمن بدوي، خريف الفكر اليوناني، السطر ٣-٧، ص ٤١ ، فكرة " الفعل من بعد"

المقطع الثاني، السطر ١٦، ص٤١

دكتور عبد الرحمن بدوي، خريف الفكر اليوناني، السطر ١٤-١٦ص٣٨، فكرة النفوس عند الرواقيين

 

الطيب النقرالدكتور الترابي الذي تعقدت حياته ولم يتعقد عقله، كان من العسير أن تتحقق فلسفته التي يريد أن ينتهي إليها لعوامل عدة، أولها البون الشاسع في التفكير، فهو ما مهما تأنى في طلبه الذي يسعى إليه فلن يكون من السهل أن تتحقق بغيته التي كان ينشدها سواء في السياسة أو في النهج الديني الذي كان يرى أنه من الواجب أن يحصى ويستقصى، والشعب الذي ينحدر منه يريد أن يحيا الحياة التي عاشها أسلافهم، ولا يسلكوا طريق إلاّ الذين سبقوهم، وقد دأب هو أن ينتقد كسلهم الفكري هذا انتقاداً عنيفاً ولا يتحرج في التعريض به في فصول كتبه التي دونها، هو يريد أن يمس عقائد أهله بالتغيير والتبديل، وهم لا يريدون صيغة أخرى لتلك المسلمات التي يعتقدون فيها اعتقاداً راسخاً، كما أن حياتهم السياسية لا تعرف الإذعان، والدكتور الترابي يؤمن بأن العربي الساذج في مجاهيل الصحراء قبل البعثة كان يدرك أن الطاعة التي يذعن إليها عن رضا أو عن كره هي التي تجعل قبيلته تتوقل في معارج الشرف وأعراف المجد.

لقد كان هناك تفاوتاً كبيراً بين الطريقة التي يفكر بها الدكتور الترابي وبين غيره، فالناس كانوا يجدون شيئاً من العسر في فهم تفكير الترابي ومراميه، ونستطيع أن نذهب هذا المذهب في تأويل كل المصاعب التي واجهت الدكتور الترابي سواء في السياسة أو في الفكر أو في الفتيا، فدائماً ما يزهد الناس في بضاعة الدكتور الترابي ولا يستكثروا منها لأنهم يجهلون قيمتها ولا يعرفون من أي القمم تنحدر، ولعل هذا حظ شائع عرفناه في طبقات العلماء الذين لا يستطيع الناس أن يتوافقوا مع أحاديثهم وأفكارهم، ويروا أنها غامضة مضطربة، وبعبارة بالغة في الدقة لا تلائم كل الملاءمة لزوم حياتهم وقسوتها.

والمقام هذا يجعلنا نستحضر مقال الكاتب الصحفي الأستاذ جمال عنقرة، الذي تحدث عن جماعة من الإخوان في المحروسة كانوا ناقمين على الدكتور الترابي ولم يكتفوا بحملاتهم المحمومة ضده، فتوجهوا إلى الشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله حتى يساندهم في حملتهم الضارية على الترابي، ولكن الشيخ كشك ردهم قائلاً:" الشيخ حسن ده راجل فقيه، وأنا لست في مقام التعليق على أرائه الفقهية، وعالماً آخر من علماء المحروسة ذهبوا إليه فقال:" الدكتور الترابي يكتب إلى جيل لم يأتي بعد" ثم ألفّ الشيخ محمد الغزالي بهذه المناسبة كتاباً أسماه" دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين" ناقش فيه آراء الدكتور الترابي بجسارة فاقت كل الحدود،  ولما انتقده بعض المتشددين أصدر كتاباً ثانياً أسماه" السنة النبوية بين أهل الفقه والحديث" الأمر الذي قاد لمنعه من زيارة المملكة العربية السعودية، وتمّ حظر هذين الكتابين وبقية كتبه، وبعد مدة طالت أو قصرت فاز الشيخ الغزالي رحمه الله بجائزة الملك فيصل، فرفع الملك فهد بن عبد العزيز عن الكتب وصاحبها الحظر فذهب الشيخ الغزالي إلى السعودية واستلم الجائزة".

شيء آخر جعل الكثير من الناس لا تتصل حياتهم بالدكتور الترابي اتصالاً قوياً ولا بمؤلفاته التي أنفق فيها بياض أيامه وسواد لياليه، أن الدكتور الترابي لم تخلو حياته من خصومات متصلة وحروب تندلع حيناً وسلام ينعقد في أحايين أخرى بسبب السياسة، ولعل هذه الخصائص ليست قاصرة على الدكتور الترابي رحمه الله، فهذا هو ديدن كل الساسة وهذه هي طبيعة حياتهم، فنحن نعلم إلى أي حد أبعدت المشاحنات السياسية الناس عن شخصية الدكتور الترابي وأقصتهم عن فكره، كما أن الكثير من شيعة الترابي حتى لم يهتدوا إلى نفسه أيضاً رغم معرفتهم بأنه شخصية مهيبة الجانب، عظيمة الدراية، لأنهم أجروا حياتهم على قواف مختلفة تقبل وتدبر بحجم المنفعة التي يرتجونها، فالعوائد وحدها هي التي تتصل بأفئدتهم وليست القيم والمبادئ، وهؤلاء حال الدكتور الترابي معهم كحال المثل الذي أجراه الله وبسطه في كتابه الجليل الجامع الذي لا حشو فيه ولا ركاكة قال تعالى:"وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" سورة النحل:76.

وقد علق ابن القيم رحمه الله على هذا المثل القرآني بقوله: "إذا كان لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر على شيء وغني موسع عليه ينفق مما رزقه الله فكيف تجعلون الصنم الذي هو أسوأ حالاً من هذا العبد شريكاً لله وكذلك إذا كان لا يستوي عندكم رجلان أحدهما أبكم لا يعقل ولا ينطق وهو مع ذلك عاجز لا يقدر على شيء. وآخر على طريق مستقيم في أقواله وأفعاله وهو آمر بالعدل عامل به لأنه على صراط مستقيم فكيف تسوون بين الله وبين الصنم في العبادة" لقد تركت جماعات عديدة الشيخ القديم العهد بالحركة الإسلامية، البعيد السابقة بالاستقامة والنزاهة والورع، وانساقت وراء فئة تقف هذه الجماعات نفسها منها موقف التردد وتعلم لو أن هذه الفئة ثبت لها سند صحيح أو قريب من الصحيح في كيان الحركة الإسلامية فهي لا تتردد في القطع بأن هذه الفئة التي ناوأت الشيخ وأقصته لا حظ لها من العفة والإجادة والإتقان مثلما للشيخ،  وأن الشيخ صادق كل الصدق في حديثه عن الفساد الذي طرأ على قيادات الإسلاميين والمسؤولين، وأنه أيضاً بعيد كل البعد من إذكاء هذه النار التي بعثها القيظ، لقد تحدث الترابي عن الفساد الذي وصلت إليه أمور الدولة، وصور بأحاديثه حجم هذا الفساد من جميع نواحيه الفردية والاجتماعية، واضطر أن يضيف لهذه الأحاديث خيبة أمله في الجماعة التي انتقاها وأوكل إليها أمر قيادة البلد، كان الدكتور الترابي في أحاديثه هذه يستدل بمنهجه الجلي الواضح عن تلك المناهج التي خاضت في الكذب والتدليس، وحتى لا نطيل ولا نسرف نقول أن حظ الشيخ من التصديق والمؤازرة كان مثل حظ غيره ممن سبقوه من الثقات المخلصين الذين لا يبغضون شيئاً كما يبغضون السفاهة والفسق والضلال وحصد النزوات، فكان فمن الطبيعي أن يميل عنه الناس إلى شخص آخر بيده النفوذ والسلطة حتى لو كان عاجزاً لا يقدر على شيء.

أمر آخر جعل الناس لا تسيغ فكر الدكتور الترابي ولا تدانيه، أن سعة معارفه حببت إليه الغريب بصورة أو بأخرى وجعلته إلى حد بعيد جداً متأثراً بالمعاظلة والتعقيد في مؤلفاته التي لم يكن يبذل فيها جهداً عنيفاً، مؤلفات الدكتور الترابي التي تشابه أحاديثه التي كان يهضب بها في سوح السياسة والدين لم تكن بسيطة ولا يسيرة للكثير من أبناء جلدته، وهي خاضعة لسلطان ثقافته التي لم يتقلص ظلها رغم انغماسه في عدة نواحي، لقد تحققت إذن هذه الحكمة التي تقول "أن الناس أعداء ما جهلوا" فجلّ من لم تنشأ صلات وثيقة بينهم وبين جزالة اللغة العربية وآدابها، وقنع بتلك العامية الساذجة السمجة التي يتحدثها والتي أثرت في عقله تأثيراً عظيماً، لن يكلف بكتب الترابي ولا بصاحبها، هذه هي الأسباب التي جعلت مؤلفات الدكتور الترابي محصورة بين العلماء وبين من يبذلون جهداً مقدراً لهضم مصنفات ظلت كما هي تعيد ما تبدأ وتبدأ ما تعيد كما يقول عميد الأدب العربي، فمحاور فكر الدكتور الترابي تدور حول التوحيد وتجديد الفكر العقدي الإسلامي وقضايا المرأة والشورى والديمقراطية، كم كنا نتوق أن ننتفع بهذه العقلية المتفردة في فروع الحياة المختلفة، ونجد له مؤلفات في ميادين لا نستطيع بوجه من الوجوه أن نقرر في أمرها شيئاً، نعم كنا نريد منه أن يتحفنا برؤية متكاملة في تلك المواضيع التي يجب أن تعتمد في البت فيها على الجدال والنضال بالحجة، لا بأشياء تضطرنا إلى الصيال الذي يبلغ الرعونة و الإسفاف .

ونحن لا ندري هل كان الدكتور الترابي شديد الاعتماد على حواسه عند تأليفه لكتبه وأسفاره، فالشيء الراجح أن معظم هذه الرسائل والمتون كانت شديدة الاتصال بعقله، فالألفاظ المتينة الرصينة لا نجد عاطفة تحركها خلا النزعة الدينية التي ينتصر لها، لم يفصح الدكتور الترابي عن دخيلة نفسه فيما يكتب كثيراً، فكتاباته لا تفيض بما تفيض به النفس في العادة، فنحن نرى دائماً تقبله للقدر، وإذعانه للقضاء، دون أن نرى مجالاً للجزع أو الحسرة، لم نرى الدكتور الترابي يعود كثيراً إلى أعماق نفسه يستثير عواطفها ويدفعها دفعاً لما يستدر مآقيه رغم أن حياته حافلة بطوائف من الشجا والحزن، لم يكن الدكتور الترابي يمنح كتاباته رقة أو عذوبه لأنه لا يكترث بالصور المادية في فكره ومؤلفاته، القليل فقط من التفصيلات الدقيقة التي نجدها هنا وهناك والتي لا يستطيع أي شخص رصدها إلاّ في مشقة وجهد، ولعل عظمة مكانة العقل عند الدكتور الترابي واعتداده به هي التي حجبت الحواس الأخرى وأضعفتها في وضائعه ومجلداته، فالغاية التي يرتجيها الشيخ هو أن يقيم حجته ويثبتها ويجعلها داحضة على خصومه، وصناعة الحجة وبلورتها تستدعى العقل في الغالب الذي يصاول ويناضل، ومهما اختلفت ذائقتنا لفكر وكتب الدكتور الترابي وحواشيه، فهناك حقيقة نحسها ونشعر بها وهو الإعجاب بفلسفتها ومنطقها رغم خلوها في الكثير الأعمّ من العاطفة والرواء.

 

الطيب النقر

 

سليم جواد الفهدتأملات في الفكر السياسي الإسلامي (13)

هذا هو المحور الثالث والأخير من محاور (القرآن والعدل والمساواة) وصلنا في التأملات السابقة الى تقرير أن العدالة تقوم على قاعدة الإنصاف وهي قاعدة تقتضي من جهة حق كل شخص في (المساواة) ومن جهة أخرى قاعدة للحرية الإنسانية التي تتأسس عليها المسؤولية والحرية من أهم حقوق الإنسان العاقل وقيد العاقل هنا مهم جدا لأن المجنون فاقد للعقل ولذلك فهو لا يمتلك الإرادة ومن لا يمتلك الإرادة لا تنفعه الحرية.

الحق في الاعتقاد:

ألغى النص القرآني حق الاعتقاد بغير الإسلام على ثلاثة مستويات:

المستوى الأول: داخلي يخص المسلمين وهو حد (الردة) فمن أرتد عن دين الإسلام يخسر الدنيا والآخرة بنص القرآن ويقتل بنص الفقهاء.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (المائدة54).

(وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة217).

﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾. (النحل (106).

والنص القرآني كما هو واضح يخلو من حد القتل واكتفى بالتهديد والوعيد الاخروي إلا أن الفقهاء أجمعوا على قتل المرتد شيعة وسنة معتمدين على السنة في استنباط حكم الردة. ومن خلال مناقشاتي مع المثقفين والمتعلمين الشيعة تبين لي أنهم يجهلون التشدد والتطرف في أحكام الفقه الجعفري ويظنون أن المذهب الجعفري مذهب معتدل والحقيقة أن المذهب الجعفري له آراء متشددة ومن هذه الآراء رأيه في حكم المرتد الذي يجري تكفيره فهو أقسى وأقل رحمة من الفقه السني. ففي الفقه السني لا ينفذ حكم الردة فوراً بالمتهم حتى لو توافر الدليل القاطع ضده بل يستتاب ثلاث مرات ويترك ثلاثة أيام لا يقطع عنه الطعام والشراب فإذا أصر على كفره وارتداده عن الإسلام نفذ فيه حكم المرتد وهو (قطع الرأس) أما المذهب الجعفري الاثني عشري فيضع فروق بين المسلم بالولادة ويسمونه (الفطري) والمسلم بالهداية ويسمونه (الملي) ويعني الذي دخل الى الإسلام من ملة أخرى أما الاستتابة عندهم فهي للمرتد (الملي) فقط أما المسلم بالولادة (الفطري) فيقتل فوراً ودون استتابة.

"باب (حد المرتد): علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعا، عن ابن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن المرتد فقال: من رغب عن الاسلام وكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله بعد إسلامه فلا توبة له وقد وجب قلته وبانت منه امرأته ويقسم ما ترك على ولده". (الكافي - الشيخ الكليني - ج ٧ - الصفحة ٢٥٦).

المستوى الثاني: المشرك غير الكتابي وهذا ليس له إلا حد القتل فالمشرك الذي يمتنع عن الدخول في الإسلام يقتل بنص القرآن وتعليل ذلك أنه بلا دين يرجع إليه فلا خيار له إلا الإسلام أو القتل.

قال تعالى:( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها). (محمد 4).

(وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (36التوبة).

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾(التوبة 123).

(فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). (التوبة5).

(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ). (الانفال 12).

أحكام المشرك في التشريع الإسلامي:

1- المشرك لا يُقبل منه أي عمل مع الشرك.

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. [الزُّمَر: 65].

2- المشرك لا تحل مناكحته.

قال الله تعالى: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. [البقرة: 221].

3- المشرك حلال الدم والمال.

قال الله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. [التوبة: 5].

4- المشرك نجس لا يحل له دخول المسجد الحرام.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. [التوبة: 28].

5- المشرك لا يرث المسلم.

6- تحرم ذكاة المشرك، وتسقط ولايته ويسقط حقه في الحضانة لأنه كافر.

7- إذا مات المشرك على الشرك فإنه لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدعى له بالرحمة ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يورث لأنه كافر.

المستوى الثالث: غير المسلم الكتابي (يهود ونصارى) وهؤلاء يقسمون قسمين الأول الذين يقيمون إقامة دائمة في دولة الإسلام ويسمون (أهل الذمة) وهؤلاء وضعوا بين ثلاثة خيارات (الدخول في الإسلام أو دفع الجزية أو القتل). فما دام يدفع الجزية وهو صاغر فهو آمن على دمه وماله وعرضه والقسم الثاني المستأمنون وهم المعاهدون الذين يقيمون في دولة الإسلام دون الانضواء تحت حمايتها الدائمة ولهم ميثاق وعهد وقتي عندما ينتهي يجب أن يغادروا أو يجددوا العهد والميثاق.

 قال تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (التوبة 29).

{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85].

مسلم أم مواطن

الإيمان بهذه النصوص واعتبارها صالحة لكل زمان ومكان أي دون الإقرار بتاريخيتها يحول المؤمن بها الى كائن مسخ يعيش خارج التاريخ - وهذا ما يرده ضباع الإسلام السياسي- كمن يعيش في كهف في الوقت الحاضر والكهف الجغرافي هين إذا ما قورن بكهف النصوص لأن هذا الكهف في حقيقته أيديولوجيا أي نظام فكري شمولي نشأ في حقبة زمنية ولواقع لم يعد موجودا الآن وفي هذا العمى الإيديولوجي تكمن المصيبة فالمؤمن يرى في عقيدته صلاحية لما يقتضيه الواقع أو بتعبير أبسط يرى أن نظامه الفكري هو ما يجب تطبيقه لأنه هو الصائب باعتباره صادر من الله وأحكام الله لا تقبل التغيير والتبديل ولذلك تكون تطبيقات الأيديولوجيا الدينية ذات طابع وثوقي عند المؤمنين بها غير قابل للشك ولا يسمح لأحد بالاعتراض عليها. وفي نفس الوقت يكون المكون القيمي للأيديولوجيا الدينية عند المؤمن به مكوناً خالصاً يمثل أعلى ما يمكن أن يصبو إليه الفكر الإنساني وهذا الوعي الزائف عند المؤمن يجعله كالمصاب بالشيزوفرينيا فهو يحن الى ماضي لا يستعاد لأن الزمن لا يرجع الى الوراء وبنفس الوقت يتمسك بنصوص لا تصلح للحاضر وهذا ما يجعله بمعزل عن الواقع. واقع اليوم هو واقع المواطنة لا واقع الرعايا والراعي واقع اليوم يقول: الدين لله والوطن للجميع. واقع اليوم لا يسمح لك كمسلم عراقي أن تضطهد المسيحي العراقي وتجعله يدفع الجزية كي يعيش آمنا في وطنه هذا حق من حقوقه الطبيعية والوضعية.

الحق الطبيعي والحق الوضعي

غالبا ما يرجع الباحثون أول تمجيد للحقوق الإنسانية في الوثائق الدستورية القومية والعالمية الى نهاية القرن الثامن عشر وكان أول عمل قانوني من هذا النوع اكتسب شهرة عالمية هو (وثيقة فرجينيا) للحقوق سنة 1776 وهي عبارة عن إعلان الحقوق التي قاوم بها المستوطنون الأمريكيون مطالبة التاج البريطاني بالسلطة وهي أول دستور مكتوب يؤسس للحقوق الليبرالية الإنسانية بوصفها حقا دستوريا هذه الوثيقة كتبها توماس جيفرسون (1743- 1826). وقد نصت الوثيقة على حقوق الإنسان الطبيعية مثل حقه في الحياة والحرية وحقه في الأمن وعلى سيادة الشعب كمصدر للسلطات في المجتمع وعلى سيادة القانون كمظهر لإرادة الأمة وعلى المساواة بين جميع المواطنين أمام الشرائع والقوانين. (زكي نجيب محمود،حياة الفكر في العالم الجديد).

وبدأت الثورة الفرنسية "إعلان الحقوق الإنسانية "سنة 1789 وكان امانويل جوزيف سييس (1748- 1836) قد وضع وثيقة حقوق الإنسان تلك التي أقرتها الجمعية التأسيسية وأصدرتها كإعلان تاريخي ووثيقة سياسية واجتماعية ثورية في (26 آب/أغسطس 1789) بالاعتماد على نظريات جان جاك روسو (1712- 1778) وأنشأت دستور (1791) الذي جسد هذا الإعلان.

ومنذ ذلك التاريخ جرى تدويلها فدخلت مضامينها في ميثاق عصبة الأمم المتحدة سنة 1920 ثم في ميثاق الأمم المتحدة سنة 1945 ثم أفردت دوليا بوثيقة خاصة هي "الاعلان العالمي لميثاق حقوق الإنسان" الذي أقرته الأمم المتحدة في 10كانون الأول 1948.

"ومنذ ذلك الحين صارت الحقوق الإنسانية "القانون الدولي الإلزامي" ولاسيما في الميثاقين المتعلقين بالحقوق الإنسانية اللذين جرى الاتفاق عليهما بالإجماع في الأمم المتحدة سنة1966 وأصبحا نافذي المفعول سنة 1976 والميثاقان مترابطان قانونيا ولكن الدول الأخرى يجب أن تترك نفسها تحاكم وفقا للمعايير التي تشتمل عليها".(كريله،الحقوق الإنسانية في ميثاقي القانون الدولي للأمم المتحدة ص17).

يعرف الحق بأنه المطابقة والموافقة للواقع وشرطه ثبوت واقع معين بحيث تكون مطابقته حقا أي صدقا وموافقة وعدمها كذبا وباطلا لوضوح مقابلة الحق مع الباطل والصدق مع الكذب فلا معنى لكلمة الحق والباطل من دون واقع وراءها تعبر عنه وتحاكيه.

وقد قصدنا بالحق الطبيعي عالم الطبيعة والتكوين وما يتمتع به الإنسان من امكانات وقدرات تتناسب وطبيعته التكوينية فالحق في هذه الحالة هو السير وفق السنن التكوينية التي تنطبق على ذاته. مثل الاكل والشراب والمسكن ومما يحتاجه الإنسان من أمور تحفظ بقاءه وتضمن له الحياة فيقال مثلا أن من حقه أن يعيش وأن يبقى على قيد الحياة وهذا النوع من الحق غير قابل للجعل والاعتبار وبالتالي فإن أي تصرف أو تلاعب فيه سوف يؤدي لا محالة إلى القضاء عليه وهو عين الفساد. وقصدنا بالحق الوضعي أن يكون الواقع جعليا اعتباريا بمعنى انه خاضع لجعل جاعل واعتبار معتبر وفي هذه الحالة تكون حدود الواقع مختلفة سعة وضيقا بحسب الجعل والوضع الذي افترضه له الجاعل بمعنى أنها تابعة لنفس الجعل ومحددة بحدوده المفترضة وهذا من قبيل القوانين والتشريعات التي تضعها الدول والمؤسسات لتنظيم شؤون المنضوين تحت لوائها وسلطتها كقانون الملكية والزواج وسائر العقود والإيقاعات المرتبطة بحياتهم او سلوكياتهم.

طبعا من المفروغ منه أنه لا معنى للتصرف زيادة ونقيصة في الحق الطبيعي والعلة أن الإنسان بل كل كائن في هذا العالم مرهون لمقتضيات سنن التكوين التي لا يمكن تخطيه أو الخروج من دائرته لخروجها عن دائرة قدراته وطاقاته فمثلا لا يمكن جعل الإنسان قادرا على الطيران أو في غنى عن التنفس أو المأكل والمشرب وأمثال ذلك.

وأما الحق الوضعي فيختلف لأنه خاضعا للجعل والاعتبار يفرضه تنظيم حياة الناس فهو يتوقف على ملاكات وأسباب تصحح جعله ووضعها في معرض التنفيذ. والقاعدة الأساسية التي تحكم هذه الملاكات هي مصلحة النوع البشري على العموم سواء في بعده الفردي أم الجماعي وهو ما يرتبط ارتباطا مباشرا بالإنسان وتحقيق السعادة الحقيقية للنوع الإنساني برمته.

إن انتماء الإنسان إلى عالم الطبيعة وكونه جزء لا يتجزأ منها يدل على أن قوانين الطبيعة يجب أن تكون هي المعيار والنموذج الموجه لكل سلوكنا وأفعالنا وأن حقوق الأفراد شأنها في ذلك شأن حقوق باقي الكائنات الأخرى يجب أن تحدد من خلال نظام الطبيعة وقوانينها لأنها وحدها ثابتة ومطلقة ونحن نؤكد على أن حقوق كل كائن تتحدد من خلال الخصائص التي زودته الطبيعة بها والتي تحدد نمط وجوده وحياته تتحدد من خلال ذلك الحق وفق قانون إنساني لا يعارض الحرية الإنسانية ولا يعتدي على الحياة بحجة اي عنوان ميتافيزيقي وهذا هو جوهر القانون الوضعي الذي يؤكد على أن الإنسان كائن حر تنتهي حريته عندما تبدا حرية الناس الآخرين في توازن قانوني رائع يكفل للجميع حق الحرية الفردية ولا يكبل الإرادة الإنسانية بقيود الوهم المقدس ونقده من خلال مخالفته الصريحة للحق الطبيعي للإنسان المبني على حرية الإرادة وحق الحرية الفردية المبني على تفرد الكائن الإنساني وخصوصيته اللازمة له باعتبارها زاوية مقدسه من زوايا حياته الخاصة.

 

سليم جواد الفهد