كاظم لفتة جبرلقد داب الفلاسفة واللاهوتيين منذُ القدم في البحث عن التقارب والاختلاف بين الدين كعاطفة، والعقل كتفكير حر، العاطفة تمثل نتيجة جبرية لموقفٍ ما، كموقفنا من الإيمان بالحياة، اما العقل فهو الذي يجلب لمواقفنا حريتها، حيث يُمثل وجهة نظر الانسان العاقل اتجاه الأشياء .

اذاً الايمان حاله وسطه بين العقل والدين اذ يكون كموقف اتجاه الحياة، فالدين يُمثل الطريق السالك للحصول على السعادة المطلقة في حياة اخرى، اما العقل الانساني يمثل النشاط الفردي للبشرية في الحصول على السعادة .

فقديماً بحث الفلاسفة اليونانيّون عن السعادة في ضوء العقل وكان الوسط الذهبي الارسطي هو الذي شُيد أخلاقهم في ضل الوثنية السائدة أنذالك، بداً من سقراط (469_399 ق .م) أب الفلسفة العقلية الذي يرى تتوفر السعادة عند التوازن بين رغباتنا والشعور بالأخرين، (اندرية كريسون، المشكلة الاخلاقية والفلاسفة، ترجمة :الامام عبد الحليم محمود وابو بكر ذكرى، مطابع دار الشعب، القاهرة، 19970(ص75) . وأفلاطون (427_347ق.م) الذي سعى للتوفيق بين العلم وبعض اللذات المعقولة، وذلك تكون دعواهم الى السعادة أكثر ما تكون قريبة الى الدين الجديد في ضل وثنية يونانية، ولفرض النزوع المثالي للأخلاق الانسانية التي تجعل الانسان بعيداً عن رغباته المشروعة المادية، والحث على الإيثار وتوفير رغباته وفقاً للجماعة، مما يوفر له هذا السلوك السعادة المعقولة وهي تكون كلية وهذ هو مبدأ كل الاديان السماوية . المصدر السابق (ص86) .

الا ان مجيء أرسطو(384_322ق.م) أحدث تغيراً مهماً في العقل الانساني وسلوكياته، لما قدمة من نظرة توفيقية بين الانا والأخر، او بين العالم المعقول والعالم المحسوس، عندما أقر للإنسان فرضية احياء الذات، وهي العيش وفقاً لطبيعة الانسان والعمل هو الذي يحدد سلوكنا في السير نحو السعادة . المصدر السابق (ص 97) .هذا ما جعل ابيقور (341_ 270 ق. م ) يقر السعادة على اساس الحصول على الرغبات الطبيعية (ص107)، اما الرواقية (300 ق.م) فترى السعادة في عدم الاضطراب وهو مبدأ واحد مهما اختلفت التسميات والطرق للسعادة المصدر السابق(ص115) .

 اما مجيء الاديان السماوية اليهودية والمسيحية والاسلامية وجعل السعادة الانسانية مرتبطة بالعالم الأخر المثال الافلاطوني جعل الانسان بعيدا عن رغباته الطبيعة، ومرتبطاً برغبات الجماعة المثالية للعالم تاركاً عالمهُ الذي يعيش فيه لإسعاد الاخر. مما جعل الاديان ترفض النظرة الأرسطية وما قرتُه من فلسفة عملية للإنسان، فالكنيسة المسيحية رفضت الأرسطية بكل اشكالها النظرية والعملية الا انها وجدت مقبولية من قبل علماء الاسلام كجابر بن حيان والكندي والحسن بن الهيثم والفارابي وأن سينا والغزالي وأبن رشد (721_ 1126)، وان هذا التوفيق الفلسفي الاسلامي للأرسطية كان حافزاً للتوفيق بين الانسان والدين وواقعة اليومي والعلمي، فجعل الانسان الاسلامي متطوراً لفهمه للانا والاخر وتوفيقه بين العقل والدين، هذا التطور العلمي حفز الاوربيين لمعرفة الأرسطية من خلال التيار الارسطي المتمثل بتوما الأكويني، وذلك بعد سيادة التيار الافلاطوني الاوغسطيني(354 _430) من قبله والذي ربط السعادة بالإيمان والمثُل الافلاطونية (العالم الاخر)، اما الأكويني (1225_1274) ربط بين الدين والعقل من خلال الطبيعة الحية التي توصلنا للحصول على السعادتين، فكان العقل هو المفصل في توفير طرق السعادة كما أفاد كثيرا لما قدمه الفلاسفة المسلمين في التوفيق بينهما والذي اثمر عنة تطورا هائلاً يشهد له العالم أنذالك، فما كان الحال الان من تطور الغرب وانحدار التطور الاسلامي اذ يمثل محاربة العقل والاعتماد على الدين فقط الذي سبب صعود التيارات المتطرفة للواجهة الاسلامية، اما الغرب فكان حاربهم ضد وصايا الكنيسة، مما كان حرك العقل الانساني للحصول على السعادة . وما هذا الا دليل على تقاعس العقل العربي عن التفكير فان استخدام العقل يوفر لنا الحصول على السعادتين، كذلك اعتماد اسس الجماعة للسعادة التي تمثل الزعامة والقيد الذي جعل الفرد في مهب الانتماءات المذهبية الشائكة مع ظهور من يردد بوجود حقيقتين معتمدين على التفسير الرشدي للحقيقة .

اما الغرب فكان لهم ما يبغون من تطور علمي جعل للعقل كلمته على الكنيسة اذ اعادوا التوازن للعقل الانساني وتفرده لكي يبدع ما يمكن يجعله مخلداً، وليس انتظار الموت لكي نعيش سعادتنا، فالسعادة تكمن في العمل الذي يجعل الانسان في ما ينبغي علية ان يكون وهذا هو الدين الحقيقي الذي اراده الله لنا، والا لجعلنا الله بدون عقل لكي نؤمن به، وهذا يدل على ان العقل الاساس في الحصول على سعادة الانسان الحقيقة .

هذا ما جعل بليز باسكال(1623_ 1662) يقول للوصول للسعادة يجب الايمان (الاله المحتجب) او هو الرغبة عند اريك فروم (1900_1980) (فن الوجود) اي جعل السعادة هي الهدف من الوجود الانساني، حيث كانت (1724_1804) يرى السعادة تكمن في صورتها النقدية في التحقق من الشيء قبل الايمان به ثم العمل بإخلاص، وهذا مبدا العقل الجاد للتطور العقلي (اندرية كريسون، المشكلة الاخلاقية والفلاسفة).

مع تطور العلم اخذت مطالب السعادة ومفاهيمها تتغير وفقاً لمتطلبات كل عصر فالعصر الحالي اصبح العقل يوفر سعادة ومتع من خلال ابتكاراته الهائلة في العلم مما جعل الدين متوحداً بسبب ابتعاده عن غايات الانسان اليومية، كما انه اصبح مصدر البؤس للفرد لما له من وصايا على العقل الانساني من خلال تعدد وجهات النظر الى صورة الله فكل يري الله حسب ايديولوجيا السعادة . فتحديد السعادة الحقيقة التي تعيد الى الانسان توازنه امراً مهماً في علاج ايديولوجيا الدين، وان السبب الرئيسي يقع على القائمين علية اذ انهم يرون السعادة تقبع بعد جدار الموت لكي نحصل عليها يجب عبور هذا الجدار بسرعة، وهذه هي النظرة المتطرفة للدين لكن الحق لا يضاد الحق كما يقول ابن رشد، فان الدين الحقيقي يدعو الى التعقل ومحاولة زرع التوازن بين العقل والعاطفة والعمل وفقا للطبيعة الانسانية التي وجد الانسان من اجلها الا وهي الحياة العقلية مع اللذات الحسية المقومة لها، والتوفيق بين الأنا والأخر من حيث جعل التعامل مع الدين من الأنا، لأنه يمثل تجربة خاصة بذات الانسان والله والعقل من خلال التعامل مع الاخر، لأنه يمثل المسافة والطريق للتكامل مع الأخر وفق حريتي الذاتية، لذلك يجب على الدين ان يوفر في ضل التقدم العقلي للإنسان ليس الاجابة عن ماذا علي ان أفعل؟، وكيف يمكن ان أعيش؟، بل كيف علي ان أسعد في ضوء طبيعتي الخيرة ومتغيرات العالم .

 

كاظم لفتة جبر

 

مجدي ابراهيمتدورُ هذ الفكرةُ حول ألفاظ اللغة العربية : شاعريَّتُها ومجَازُها وموحياتها، تمهيداً لقراءة لغة الخطاب الصوفي التي هى بالأساس لغة مجازيّة تحصل من خلال التجربة، وتُسْتَفَادُ من التجربة، وتمتلئ بالمعاني التي تعطيها التجربة ويسفر عنها من ثمَّ مَذَاق العارفين؛ حتى إذا ما توصَّلنا إلى معطيات العبارة الصوفيّة كون لغتها مفتوحة غير مغلقة ولا هى بالسطحية، استطعنا أن نضع لغة الإشارة التَّصوِّفيَّة (= لغة المعنى الصرف ولغة التجربة المحضة) في مواجهة فلاسفة التحليل ممَّن دانوا بمذهب الوضعية المنطقية حين أرادوا تقييد "المعنى" بدلالته الحسيّة الواقعية وكفى، ومن ثمَّ رفض الميتافيزيقا إذْ دلت هنا على معنى غائب غير مرئي؛ فإذا الهدف من وراء هذه القراءة يجيء بعد اختيار منهجيّة المقارنة والنقد والتحليل كمُعالجة للموضوع هو رفض مقولاتهم، وقبول مقولات التّصوف في إصابة المعنى في غير ما تقع عليه الضلالات الحسية؛ بسبب أن الإدراك الذوقي الرُّوحاني في التصوف خَاصَّة من شأنه أن يُحَوِّل معطيات الحس إلى رموز وإشارات بمقدار ما يُحَوِّل أحداث التاريخ إلى قصص رمزية، وهو ما كان يفعله ابن عربي تحديداً كما يشير "كوربان" في " الخيال الخلاق عند ابن عربي".

فهنالك فرقٌ؛ وفرقٌ كبير بين انعدام المعنى بالمطلق أو قصوره على المعطيات الحسية من جهة، وصعوبة تعريف المعنى من جهة أخرى، فليس الحسّ هو المعنى تماماً كما أن الجسد ليس هو الروح.

ولتحقيق هذا الهدف، قدَّمنا بما نقصده من الدلالة الميتافيزيقية للألفاظ بما نسميه من جانبنا بميتافيزيقا اللفظ المفتوح، وأود توضيح هذه النقطة بالتحديد؛ فإذا كانت اللغة تنقسم إلى مستويين فإنني لم أقصد على التحقيق بــ "ميتافيزيقا الألفاظ المفتوحة" هنا ما اصطلحت عليه "الوضعية المنطقية" (logical positivisms) (كارناب خاصَّة) من اصطلاح "اللغة الشارحة" أو" ما بعد اللغة - (meta Language) تمييزاً لها عن اللغة الشيئية؛ أو "لغة الموضوع"، (Object-Language) على اعتبار أن اللغة الشارحة تستخدم في الكلام عن اللغة الشيئية، فمستوى هذه دون مستوى تلك. نحن لم نقصد هذا، وإنما جاء قصدنا هو الاستناد إلى قوة الشعور التي هى قوة "معنى" لا لفظ فيه؛ في المقام الأول، ثم تجيءُ الألفاظ (المباني/ الأواني) تابعة للطف المعاني، كما أشار إليه ابن الفارض، حيث قال:

ولطف الأواني في الحقيـقة تابـعٌ

للطف المعاني والمعاني بها تنمو

هذا مستوى، أما المستوى الآخر من القصد؛ فصرف ظاهر اللفظ، أعني صرف ما توحي به دلالته الظاهرة، وطلب العلم بالدلالة الباطنة، على ما قال ابن عربي في "ترجمان الأشواق":

فاصْـرِفْ الخَاطر عن ظاهرها

واطْلب الباطِــن حتى تَعْلـــمَا

ثم آثرنا أن نُوَسِّع من انعكاس الكلمة لصورة الثقافة العربية بمقدار ما تعكس ماضيها وتحيله حاضراً في عقيدة الإنسان العربي وتجربته الأصلية؛ أعني تجربة الحضور السرمدي واكتشاف ما في اللحظة ذات الأبعاد الثلاثة : الماضي والحاضر والمستقبل.  ولم يكن مجاز اللغة بالبعيد عند متناولنا من حيث كونه يدلُّ بالمباشرة لا على شاعرية اللغة العربية فحسب بل على لغة الخطاب الصوفي بالأساس؛ فكان أقرب ما يُفيدنا في بيان الدلالة المجازية في اللغة هو ما قام به المتصوفة من ضروب التفسير الإشاري للقرآن الكريم؛ كون لغة الخطاب هاهنا رمزيّة ومفتوحة يتبيَّن فيها أن المعنى غائر في أعماق التجربة؛ وأنه كلما اتّسعت الرُّؤية الشهودية ضاقت العبارة اللفظية.

بيد أن هنالك مضامين فكرية فلسفية لبعض الألفاظ المستعملة أثرنا أن نشير إليها إشارة سريعة على حَسَب ما قال الفارابي إنه يوجد من الألفاظ ما يستعمله أهل صناعة على معنى ما، ويستعمله أهل صناعة أخرى على معنى مختلف.

باعثنا إلى هذه القراءة نوجزه في نقطتين : النقطة الأولى: هى مدى ما نُلاحظه من انحطاط اللغة في العصر الحديث, إهمالاً للذوق السليم وافتقاراً للتربية الشعورية والوجدانية، تعكس فقر الفكر الديني بامتياز، حين تسيطر عليها لغة الظاهر المشحونة بالأعراف والمصطلحات، يستبد فيها بالمتلقي مثل ذلك الجري اللاهث الكسيح وراء الاصطلاحات المقيدة بمقولاتها العقلية في عزلة غريبة عن الشعور بالكلمة، والإحساس برقابة آثرها في الأعماق الباطنة، وعزلها بالجملة عن تجربة السامع والقارئ والكاتب سواء.

أمّا النقطة الثانية؛ فهى نتيجة للأولى مباشرةً تَلْزَم عنها ضرورة؛ فتجيء لتلاحظ معها شيوع "لغة التّمَزق" وانتشارها على جميع المستويات وشتى الممارسات لتكون هى هى اللغة السائدة: التمزق النفسي والاجتماعي والأخلاقي والقِيَمي؛ هذا فضلاً عن التمزق السياسي الذي يشهده عالمنا العربي في الآونة الأخيرة؛ إذْ كشفت "لغة التّمزق" عن توحش ينطوي على العُنف الدامي والإرهاب الكريه؛ تجليةً من الوهلة الأولى لشلل الحيوية الروحيّة إنْ على المستوى الفردي وإنْ على مستوى المجموع.

فإذا كان من المؤكد أن عناصر اللُّغة لا تقوم ناهضة فاعلة إلا على الوجدان والعاطفة، والفكر والرأي، والبيئة والمجتمع، والمدلولات والدَّوال؛ وأن التفكير كما كان أفلاطون يقول إنْ هو إلا كلامٌ نفسي؛ فمن المؤكد كذلك أنَّ الإبداع الفكري والأدبي يستند في الأساس على قوة الشعور وَدَفْقَةِ الوجدان، وأن السلام النفسي لمجتمعاتنا العربية المعاصرة لا يتحقق أبداً بلغة العنف والإرهاب. ومن هاهنا تأتي أهمية هذه القراءة في إطار فهم اللغة الصوفيّة خَاصَّة، وفهم معطياتها في استنباط الإشارة من العبارة عَسَانا نَقْتَرِب؛ من الوجهة الإدراكية الذوقية تحديداً، من كيفية فتح اللفظ اعتماداً على قوة الشعور فيما يتَّصل بأذواق أهل الإشارات؛ إذْ كانت هذه الأذواق مُعِينَةً لهم على فهم تلقي المعنى بمطلق الإشارة واستخراج معانٍ ودلالات للألفاظ والاصطلاحات الصوفيّة من طريق الإشارة المرموزة : استخراجها بمعنى مختلف تماماً عَمَّا تُوحي به الدلالة المباشرة للَّفظ, وأظهرها وأخَصَّها, كما قلنا فيما تقدّم؛ هو التفسير الإشاري للقرآن الكريم يقوم على ركيزتين أساسيتين: "الإيحاء" و"الاستنباط".

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

عصمت نصارأدرك «المنفلوطي» أن انتصاره للمنقول في مسألة لباس المرأة من زاوية الدفاع عن الدين والعريق من العادات لن يقبله شبيبة المفتونين بالمدنية الغربية، فراح يحتكم إلى العلم والممارسات العملية للفصل في هذه القضية فأكد أن الإفراط لا ينتج عنه إلا التفريط وأن الذين يدعون إلى ارتداء المرأة النقاب أو البرقع والتزام الحرامليك والتنازل عن كبريائها وكرامتها وحريتها إرضاءً للرجل كل ذلك الإفراط وغيره من أشكال التعصب الذكوري لا ينتج عنه سوى ثورة هوجاء، ناقمة على كل الثوابت، وعلى ذلك الاستبداد الذى حرمها من حريتها المغتصبة وأول ما تتمرد عليه تلك الثورة فضيلتى الحياء والعفة بحجة أن الحياء الذى اكتسبته المرأة من التربية الخلوقية قد انعكس في سلوكها فنجم عنه العديد من القيم السلبية مثل الجبن والخنوع والاستسلام والعبودية، وجعل الرجل لا ينظر إلى المرأة إلا بعين الشهوة فهى بالنسبة له لا ترقى إلى مقام الصديق أو الرفيق العاقل أو المُربى الفاضل حتى لو كانت أمهِ.

أما الفضيلة الثانية التى عصفت بها الثورة هى العفة، التى حُرمت من أجلها المرأة من التعليم والعمل والمشاركة الإيجابية في المجتمع.

ويوضح «المنفلوطي» خطر تلك الثورة على سلوك المرأة أولًا وسلامة المجتمع وأمنهِ ثانيًا، فإذا كانت الحرية حقً مغتصبً فمن الواجب على من يريد استردادها التأهل لها حتى لا يسقط في أخدود الرذائل ويحترق بنيران الفوضى.

ومن ثم جاءت دعوة مفكرنا للسيّر نحو تحرير المرأة بغير عجلة فلا نطالب بسفورها واختلاطها بالجنس الآخر قبل أن نسلح شبيبتنا الذكور بالنخوة والشرف والنُبل وغير ذلك من فضائل تمنعهم من تلك النظرة الجائرة التى لا ترى في المرأة إلا جسد ومتعة وشهوة وأن التواصل معها لا يكون إلا بغرض اللعب بها وعواطفها وغرائزها. كما يجب على المجتمع أيضًا توعية تلك المرأة الجاهلة التى سجنها وراء قضبان التقاليد خوفًا عليها والانتفاع بجهدها ومواهبها داخل البيت لتكون جارية أو مرضعة.

وليس أدل على إيمان وقناعة «المنفلوطي» بحرية المرأة باعتبارها إنسانًا كاملًا إلا هذه الكلمات التى جاءت في حديثه عن حقوق المرأة، تلك التى صورها فيها على أنها هرة سجينة آبت أن تعيش الحياة خلف الأبواب الموصدة.

فيقول «لا سبيل إلى السعادة في الحياة إلا إذا عاش الإنسان فيها حرًا مطلقًا، لا يسيطر على جسمه وعقله ونفسه ووجدانه وفكره مسيطرٌ إلا أدب النفس.

الحرية شمس يجب أن تشرق في كل نفس، فمن عاش محرومًا منها عاش في ظلمة حالكة، يتصل أولها بظلمة الرحم وآخرها بظلمة القبر.

الحرية هى الحياة، ولولاها لكانت حياة الإنسان أشبه شيء بحياة اللُعب المتحركة في أيدى الأطفال بحركة صناعية.... إن الإنسان الذى يمدُّ يده لطلب الحرية ليس بمتسول ولا مستجّد، وإنما هو يطلب حقًا من حقوقه التى سلبته إياها المطامع البشرية، فإن ظفر بها فلا منَّة لمخلوق عليه ولا يد لأحد عنده».

وإذا انتقلنا من توضيح مقصد «المنفلوطي» من مناشدته الداعين لتحرير المرأة ضرورة التمهل في ما ينشدون، والبرهنة في نفس الوقت على أنه من أكابر دعاة الحرية باعتبارها من أشرف الحقوق الإنسانية.

وحسبنا أن نكشف عن نهجه في تثقيف المجتمع المصري وتوعيته بضرورة الحفاظ على مشخصاته وهويته الثقافية التى لا يمكن تبديلها بين ليلة وضحاها دون إدراك إخطار ومآلات ذلك التغيّر المفاجئ، فذهب في إحدى قصصه «الحجاب» إلى أن أحد أصدقائه الذين راقهم العيش وفقًا للمدنية الأوروبية - وذلك في خلال دراسته وعمله في أوروبا -، قد جاء يشكو له جمود زوجته وتمسكها بالحجاب ورفضها الجلوس مع أصدقائه ونقضها سلوك الأوروبيات ولباسهن، فبيّن له مفكرنا أن هناك فارقا كبيرا بين الثقافتين من العبث تجاهله، فرد عليه صديقه بأنه يحلم بذلك اليوم الذى تمزق فيه كل البراقع وتصبح المرأة المصرية حرة في لباسها وسلوكها مثل المرأة الأوروبية، فرد عليه «المنفلوطي» بأن البرقع ليس حجابًا بل هو رمز لقناعات وقيم اجتماعية وخلوقية ألفتها المرأة المصرية واستراح إليها المجتمع وباتت من الثوابت الثقافية. فلم يقتنع صاحبه بحجته قائلًا «إن المرأة الشريفة تستطيع أن تعيش بين الرجال بشرفها وعفتها في حصن حصين، لا تمتد إليه المطامع». فلم يجب عليه «المنفلوطي»، وتأكد أن التجربة وحدها هى التى سوف تثبت له عكس ما ادعاه.

وراح يردد في نفسه «هذبوا رجالكم قبل أن تهذبوا نسائكم، فإن عجزتم عن الرجال فأنتم عن النساء أعجز».

وكيف تقنعون المرأة المصرية وهى بحالتها هذه في الربع الأول من القرن العشرين أن الحب أساس الزواج وأن اختيارها للزوج حقٌ مطلقٌ لها لا يشاركها فيه وليًا أو ناصحًا، وأن الزوج المرغوب يجب أن يكون دومًا هو العاشق المتيم بفتنتها والمشبع دائمًا لغرائزها وإذا عجز عن ذلك فلها أن ترغب في غيره وتبحث عن دونه بين ما يروق لها من الرجال شأن ذلك الحق الذكوري، الذى أباحه المجتمع للرجل دون المرأة.

وأن البرقع والحجاب لا يليق بالمرأة الحرة فتبرجت وخلعت مع البرقع الحياء والعفة وعرضت نفسها في سوق الجوارى بعد إدراكها ان الرجل لا يقنع إلا بمن ترضى شهواته وغرائزه، فرغب عنها المحافظون وتأفف منها المتحررون بحجة أن معاشرتها بغير زواج يؤدى الغرض والأفضل والأوفر بالنسبة له، وبذلك كله سوف تجنون عليها باسم المدنية والحرية.

وراح يصرح بقوله معقبٍ على ما كان يدور بداخله «نحن نعلم كما تعلمون أن المرأة في حاجة إلى العلم، فليهذبها أبوها أو أخوها، فالتهذيب أنفع لها من العلم، وإلى اختيار الزوج العادل والرحيم، فليحسن الآباء اختيار الأزواج لبناتهم وليجمل الأزواج عشرة نسائهم. وإلى النور والهواء تبرز لكليهما وتتمتع المرأة فيهما بنعمة الحياة، فليأذن لها أولياؤها بذلك وليرافقها رفيق منهم في غدواتها وروحاتها كما يرافق الشاه راعيها خوفًا عليها من الذئاب فإن عجزنا عن أن نأخذ الآباء والإخوة والأزواج بذلك فلننفض أيدينا من الأمة جميعها نسائها ورجالها فليست المرأة بأقدر على إصلاح نفسها من الرجل على إصلاحها».

والسؤال المطروح هل في مقدورنا تقبل هذا الرأي في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين؟ - بعدما مارسنا التجربة المناقضة لرأى «المنفلوطي» كاملة-.

فهل تحررت المرأة مما كانت تؤاسيه؟ وهل تغيرت نظرة الرجل إليها؟ وهل نجحت المحجبات منهن - في ظل الثقافة الحاضرة - في الحفاظ على حيائهن وعفافهن؟

«وللحديث بقية حول هذه القضية».

 

بقلم : عصمت نصار

 

كُلُّ شيءٍ في هذا الكَوْنِ يتَحَرَكُ . كُلُّ شيءٍ في حركةٍ دائبَةٍ ؛ فالحركةُ مَنطِقُ هذا الوجودِ ولُغَتُهِ. كُلُّ الموجوداتِ حتى التي نحسبُها جامدة، وقد اشارَ القرانِ الكريمُ الى الجبال وضخامتها، ونحنُ نحسبها راسخة ثابتةً، لاحراكَ فيها، ولكنَّ القران الكريم يؤكِدُ حركتها. يقول الله تعالى: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ). النمل: الاية:88.

كُلُّ شيءٍ في هذا الوجود يتحرك، له تردد، لهُ اهتزاز .. من اصغرِ ذَرةٍ الى اكبر مجرةٍ وقد عبَّرَ القُرانُ الكريم عن هذهِ الحركةِ بمفرداتٍ متعددةٍ، فتارةً يُعّبِّرُ عن هذهِ الحركةِ بالجريان، فالانهارُ تجري، والشمسُ تجري،والفُلكُ تجري، والقمر يتحركُ في منازلهِ، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه : (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). البقرة: الاية:25 .

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ). البقرة: الاية: 164.

(وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ). هود: الاية: 42.

(وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ). يس: الاية: 38.

واستخدمَ القُرانُ الكريم مفردةَ السباحة، كما في قولهِ تعالى:

(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ). الانبياء: الاية: 33.، واستخدم القران لفظةَ "موسعون"، للتَعبيرِ عن هذه الحركةِ، كما في قولهِ تعالى :

(وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ). الذاريات: الاية: 47.

واستخدمَ القرانُ الكريمُ مادة الاهتزاز للتعبير عن الحركة، كما في قوله تعالى :

(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). الحج : الاية: 5.

(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ). مريم: الاية: 25.

(وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ). النمل: الاية : 10.

كما استخدم القران لفظة "تُحَرِّك"، كما في قولهِ تعالى :

(لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ). القيامة: الاية: 16.

الحركة حياةً والسكونُ موتٌ، بدون الحركةِ يَتَوَقَفُ كلُّ النشاطِ الكونيِّ، وتنتهي طاقةُ الكون. والزمنُ حركةٌ، الزمنُ يُعَرِّفُهُ الفلاسفةُ بأنّهُ مقدارُ الحركةِ . بدون الحركةِ لازمان.

حركة الارض حول نفسها ينتج عنها زمان "يوم واحد "، وحركة الارض حول الشمس ينتج عنها سنة كاملة "365" يوماً .

ومن هنا اعتبر مُنَظِروا الحضارَةِ الزَمَنَ مُكَوّنٌ اساس في نشأة الحضارة .

في الحركةِ تُجَدِدُ الموجوداتِ نشاطَها، وتَستَعيدُ حيويتها، فَلَو توقفت الارضُ من الدورانِ حولَ محورها، لتوقف تعاقب الليل والنهار، وتوقفت حياتنا على الارض، ولو توقفت الارضُ من الدورانِ حولَ الشمسِ، لما كان هناك فصولٌ اربعة، لاخريف ولاشتاء ولاصيف ولاربيع، عندها تتوقف حياةُ الانسان، وكل الكائنات الحيّةِ ؛ لان الحركةَ حياةٌ، والسكونُ موتٌ .

الماءُ في حالةِ ركودهِ، يأسنُ ويتعفنُ ويكون بيئة مناسبة لنمو الجراثيم والفيروسات، وبيئة حاضنة للامراض، اما جريان الماء، فهو تجديد وحيوية، ووسيلة لحماية الماء من التعفن، وان يكون بيئةٌ حاضنةٌ للمرض .

الحركةُ الكونيّةُ منضبطةٌ لاانفلاتَ فيها ؛ لانها تدور حول محاور منضبطةٍ، وتدورُ بمداراتٍ محددة، ولو خرجت الحركة عن الدوران حول المحور، وخرجت عن مداراتها، لكانت نهاية الكون . الارض تدور حول الشمس، والشمس تدورُ حول مجرة درب التبانة، وهذه المجرة تدور ضمن مجرات اخرى . الدوران حول محور عنصر مهم في ابقاء الحركة على انتظامها ومساراتها المحددة . ليس المهم الحركة ؛ لان الحركة احيانا لو انفلتت وخرجت عن مسارتها تحولت الى حركة مدمرة .الحركة المنضبطةُ حركةُ بناء، والحركةُ المنفلتة حركةُ هدمٍ.

وفي المجالِ الاجتماعيِّ، الحركةُ مطلوبةٌ ؛ فبها يُجَددُ المجتمعُ ذاته، ويطرد كلَّ الخبث والنفايات والعوائق التي تمنعُ تقدمهُ، وتكرسُ فيهِ التخلفَ .

المجتمعات الراكدة يترسخُ فيها الجهلُ والتخلفُ والامراضُ، على عكس المجتمعات التي تعيش حالة حراكٍ، فهي مجتمعات تنقيّ نفسها، وتطرد خبثها وسلبياتها، مثل الماء الجاري الذي يطرد كلَّ خبثٍ .

ولكن نريدُ للحراكِ ان يكونَ حراكاً حولَ محور ثابت، اي قيادة محددة تجمعُ شتاتَ الجموعِ، وتؤلفُ بينَ اجزائها المبعثرة .نريد انضباطاً في الحراكِ حتى يكونَ حراكاً مُنتجاً، ولانريد حراكاً منفلتاَ يغرقُ بلداننا في الفُوضى العارمة التي تأكُلُ كُلّ شَيءٍ .

الحركةُ المنضبِطةُ حركةٌ تبني، وتطور، وتعيدُ الحياةَ للمجتمع، وتحاسب، وتنقد، وتطالب بالحقوق. والحركةُ المنفلتةُ حركةٌ تهدمُ وتدمرُ، وتقضي على كلِّ جميل ٍ في حياتنا .

المالُ يتحركُ في داخل المجتمع فيكون سبباً في حياته ورقيه، وحين لايتحرك، ولايتم تداولهُ يعيش المجتمع حالة ركود اقتصادي، والركود الاقتصادي موتٌ اقتصادي، احتكار المال، يعني توقفهُ وعدم حركيته، وتداوله ضمن دائرة الاغنياء يؤدي الى خلل مجتمعي . يقول القران :(مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ). الحشر: الاية: 7.

القرانُ الكريم يريد للمال ان يتحرك في قنوات متعددة، ليصل الى اليتامى والمساكين وابن السبيل، ولايريده يتحرك في قنوات الاغنياء فحسب ؛ فتخلق فوارقُ طبقية .

وكذلك الحال في النظام السياسي؛ فالانظمة الاستبدادية انظمةٌ مغلقة ويتم فيه احتكار السلطة بيد مستبد طاغية، ومعه حفنة من المنتفعين، بينما النظام الذي يتم فيه التداول السلمي للسلطة نظام فيه عافية وسلامة، نظام مفتوح، لايعيش حالة انسداد الافق السياسي.

 

زعيم الخيرالله

 

عصمت نصاريُعِرف «المنفلوطي» الوعى بأنه مدى استيعاب الفرد لما يدور حوله في المجتمع بداية من البيئة بأوسع معانيها، والثقافة بكل ما تحويه من اتجاهات ونظريات ورؤى وتصورات اجتماعية وسياسية وتربوية وأخلاقية ودينية. وعليه فقد نزع إلى نقض كل أشكال التبعية والتقليد، بداية من مسايرة الجمهور والإجماع، ونهاية بسلطة المشاهير وقادة الرأي، إيمانًا منه بأنه يجب على الفرد نقد أي فكرة قبل قبولها شأن الفيلسوف الفرنسي «رينيه ديكارت (١٥٩٦م-١٦٥٠م)»، حتى لا يقع فريسة للوعى الزائف أو التقليد العقيم.

كما نقد الاستقلال في الرأي الذى ينطلق من حب التمرد أو الاختلاف من أجل التعالي على التعلم أو الحُمق في تناول الثابت الواضح المبرهن عليه، وبين هذين الطرفين يرى أن الوعى الحقيقي لا يُحصّله إلا من قدم العقل والبرهان والمنطق على دونه من السلطات القائمة.

وقد حرص «مصطفى المنفلوطي» على توعية وتوجيه الرأي العام وإنقاذه من الأوهام التي يصورها له بعض أصحاب الأقلام وتجار الكلمة والمُفوهين من الخطباء، موضحًا أن الكذب على الرأي العام لا يخدعه فحسب، بل يقعِد الجمهور عن العمل الجاد والتفكير العقلي المُنظم لحل مشكلاته والتغلب على أزماته، كما يفل من عزائم الشباب ويصيبهم باليأس ويضعف ولاءهم للوطن ويدفعهم نحو الاغتراب والانتماء إلى ثقافة مغايره، عوضًا عن الواقع المعيش في وطننا.

فذهب في مطلع القرن العشرين إلى أن الإضرابات والتنديد بالمستعمر، وطلب الحرية والاستقلال في المظاهرات واغتيال بعض الشخصيات لن يمكن المصريين من استقلالهم وإجلاء المستعمر عن أراضيهم وإصلاح حال ملكِهم وتقييم حكومتهم، وكل ذلك لن يتأتى في ظل مجتمع جاهل وشاغل بالسُذج من المثقفين وقليلي الوعى بألاعيب الساسة والمفتونين بالمشاهير وقادة الرأي والزعامات الحزبية التي تقدم الشعارات على التفكير العقلي وإهمال دراسة الواقع والتخطيط العلمي لحل المشكلات والأزمات شأنهم في ذلك شأن بعض المستشرقين السياسيين الذين يدعون أنهم يفكرون في مصلحة مصر أكثر من منفعة بلادهم، وأن الغرض الحقيقي للاحتلال الإنجليزي لمصر هو تعليم أبنائها المدنّية والنظم العصرية ويقول في ذلك «لما كانت الجماعة على الدوام محلقة في حدود اللاشعور تتأثر بالسهولة من جميع المؤثرات وذات إحساس قوى كإحساس الأشخاص الذين لا يمكنهم الاستعانة بالعقل ومجردة من ملكة النقد والتمييز كان من شأنها أن تكون سريعة التصديق، سهلة الاعتقاد. عرفت أن تلك طبيعة الجماعات وأن ليس الذنب المجتمع المصري خاصة، بل على المجتمعات الإنسانية عامة. وكنت أعجب الرجل الذى لا بأس بلبه، ولا ظنه في فهمه وإدراكه من محام بارع، أو طبيب حاذق، أو عالم محقق، أو باحث مدقق.

 أن أراه على جلاله وعظمه منتصبًا وسط أتباع (الحزب الوطني) يضج ضجيجهم ويصرخ صراخهم، ويقول بما يقولون، ويفهم كما يفهمون، ويتقلب في أكفهم تقلب الكرة في أكف اللاعبين، ويشاركهم في تصور ما لا يتصور، وتصديق ما لا يكون، حتى قرأت في روح الاجتماع لـ«غوستاف لوبون (١٨٤١م-١٩٣١م)»، قوله أثناء الكلام على قابلية الجماعة للتصديق بالخيالات الباطلة، ولا ينبغي في رد ما تقدم الاحتجاج بمن كان بين تلك الجماعات من أهل العقل والذكاء الوافر، لأنه لا تأثير لتلك الصفة في موضوعنا، إذ العالم والجاهل سواء في عدم القدرة على التمييز ما داموا في الجماعة».

ويضيف «المنفلوطي» أن أخطر الأمور على الجماعة الوطنية هو التقليد والتبعية بمنأى عن التعقل وآليات الانضواء المتمثلة في الوعى والحرية، قبل السير في ركاب جماعة أو حزب أو اعتناق منحى أو رؤية أو مذهب.

أما الانتماء الساذج والمعتقد الموروث؛ فخطره أكبر في الدين والأخلاق والتربية والعلاقات الاجتماعية، وذلك في قوله «إن أذكياءنا ليسوا بأغبياء، وعلماءنا ليسوا بجهلاء. ولكنهم انضموا إلى الجماعة فنزلوا منها منزلة أمثالهم من أمثالها في كل زمان ومكان».

وقد أراد «المنفلوطي» بذلك توجيه شبيبة المثقفين إلى ضرورة إعمال العقل والمنطق في قراءة الخطابات المطروحة أمامهم، سواء جاءت هذه الخطابات في صورة عادات وتقاليد موروثة أو شعارات وادعاءات وتصريحات يدعو إليها قادة الرأي، فالنزعة النقدية عنده هى التى تولِد روح الثورة العاقلة في الأذهان، وهى على النقيض من التمرد والحُمق. وهى التي تُمكن النبهاء من الإبداع وتبعدهم عن التقليد والمسايرة.

وانتهى إلى أن الجماعات في كل عصر، غالبًا ما تصاب بالعديد من الأمراض الذهنية التي تحول بينها وبين الرقى والنهضة والإصلاح، وعلى رأسها عبادة الأبطال واعتناق الأوهام والاستسلام للاستبداد والخوف من المتجبر والميل للمنافع والشهوات المباشرة.

الأمر الذى يستوجب ظهور الفلاسفة وقادة الفكر والمجددين والمصلحين، فبقدر قدرتهم على التواصل مع الجمهور وتجنب الصدام مع السلطات القائمة -قبل الاستعداد له- سوف تكتب لرسائلهم النجاح.

فمن الخطأ الاعتقاد أن في الإجماع صدق الخبر وأنفع الرؤى فالأمر متوقف على ماهية ذلك الإجماع، هل هو إجماع العقلاء والمجتهدين أم إجماع العوام والجهلاء والمنتفعين، فمن اليسير تزيّيف الرأي العام واستمالة الجمهور بتأثيرٍ من العواطف أو مخاطبة الغرائز فحجيّة الإجماع ممكن أن تستمد من رأى عاقل عوضًا عن مظاهرة الأغبياء.

ويقول «لا سبيل للإنسان إلى الخلاص من خَطل الجماعات وضلالها مهما كان ذكيًا أو مفكرًا إلا إذا حبس نفسه عن الانضمام إليها أو كان له من عزيمة الرأي وصلابة النفس ما يمكنه من تربية نفسه على التجرد حتى يصير طبيعة له، فيحضرها شاهدًا كغائبٍ ومجتمعًا كمنفردٍ».

كما يضيف أنه لا يجوز للصبية والتلاميذ غير الناضجين ذهنيًا الانتماء إلى أحزاب أو جماعات سياسية أو دينية إلا بعد اكتمال شخصيتهم وتسلحهم بالعلم، الذى يمكنهم من تفعيل التفكير الناقد، ويوصلهم إلى مَلكة التجّرد التي يستطيعون بها الموازنة والمفاضلة والانضواء وليس الموالاة والانتماء، كما هو الحال في المجتمعات القبليّة، التي تقودها العَصبية والتبعية.

ولعل آراء «مصطفى المنفلوطي» في هذا السياق، تؤكد صحة ما ادعيناه بأنه فيلسوف مجدد وليس رجعيًا جامدًا، وأننا أحوج ما نكون لآرائه حول آفة التبعية وفضيلة الاستقلال في الرأي، فنحن الآن نُعانى سلطة الأصوات غير المسئولة، سواء في السياسة أو الفن أو الرياضة أو التعليم أو الدين. فالجميع ينساق للأشهر والأعلى صوتًا والأكثر اختلافًا، وليتنا نعود إلى حكم العقل كما يرشدنا مفكرنا ...

(وللحديث بقية)

 

بقلم : د. عصمت نصار

 

سامح عسكر كثير من الأصدقاء يعتب عليّ - وعلى غيري - الانشغال بالرد على الأصوليين المسلمين دونا عن غيرهم من المسيحيين واليهود,..إلخ، والسنة تحديدا دون الشيعة مما يجعل من الشك في دوافعكم مشروع وبالتالي فاصبحتم متهمين في نظر المجتمع الذي لا يعاني فعليا فقط من التطرف السني المسلم بل قد يكون هذا التطرف رد فعل على تطرف شيعي مثلا أو مسيحي أو ملحد..

وفي الحقيقة أن هذا العتاب – رغم منطقيته – لكن يعوزه الوعي التاريخي بأحوال المسلمين قبل 20 : 40 عام مثلا، وقتها لم يكن العلمانيين العرب أو مثقفيهم منشغلين بقضايا الأصولية كليا بل لديهم اهتمامات في فروع علمية مختلفة كالأدب والتجريب والفلسفة.. وغيرها، لم تكن الأصولية وقتها عظيمة وخطرة مثل الآن، وفي رأيي أنه يمكن تشبيه ذلك بالفيرس الخامل والفيرس النشط، قديما لم يكن فيروس الأصولية خطرا بهذا الشكل الذي نعيشه وبالتالي كان علاج هذه الفيرس الخامل يما يستدعيه من جرعة تليق بخموله، فهناك قضايا أولى تستحق النظر كمستقبل الفنون والاقتصاد والسلام المجتمعي وحقوق المرأة..إلخ.

أما اليوم وتحديدا منذ انفجار الأصولية المسلمة بعد 2011 وتمركزها في محور واحد هو "الصراع السني الشيعي" الذي أنتج حروب متعددة في سوريا واليمن والعراق والآن بات يهدد مجتمعات أخرى في الخليج ولبنان أصبح حريا بنا ألا نتوقف على مرحلة خمول الفيرس الأصولي القديم وأن نبصر تجلياته وتطوراته في الجسم الشرق أوسطي والإسلامي العربي بالعموم، بيد أن الفيروس الأصولي الإسلامي لم يعد خاملا بل أصبح نشطا يهدد الجسم كله، ويصيب بشكل مفزع كل خلايا وأعضاء الجسم الذي يمكن تصورهم حاليا بتأثير هذه الأصولية في الإعلام والخطابين الثقافي والسياسي، والدليل أنك إذا بحثت مثلا عن إحدى مفردات ذلك الفيرس ك "خطر الرافضة" و " سب الصحابة" لن تجده يشغل مثقفي – وحتى شيوخ – ما قبل الانفجار إلا داخل قطاع محدود ممن يعاني من ذلك الفيرس ونجح بنقله للمجتمع بعد صعود القنوات السلفية بعد عام 2005

المنطق يقول أنه إذا تم تشخيص المرض يجري تحديد نوعية العلاج ثم الجرعة المناسبة، وأعتقد أنه لا خلاف بأن الفيروس الأصولي الحالي الذي يجتاح العالم ويهدده بالإرهاب والدماء هو متعلق بمفردات من صميم مذهب السنة كالخلافة الداعشية والجهاد الكفائي والتترس وجهاد الطلب وأستاذية العالم..وغيرها من تجليات الفكر السني عند الجماعات الإسلامية، خلافا مثلا لجماعات الشيعة التي انضوت تحت لواء ما يسمى "بالمقاومة ضد الصهيونية" ولا تؤمن بنشر الإسلام عبر القتال، باستثناء ولاية الفقيه التي تعمل على تصدير ثورتها الإمامية بأساليب ليست سنية كالمنافسة مثلا في البرلمان وتكوين أحزاب وجماعات عسكرية (شعبية) تؤمن بمبدأ هذا الولي في المقاومة ضد الصهيونية، أما مفردات الغزو والفتح الجهادي والجزية ونشر الدين بالقوة لم يظهر من خطاب الإماميين ويمكن ملاحظة ذلك بعدم حضور جماعات الشيعة في تهديد أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا مثلا كما هددتهم داعش والقاعدة والإخوان.

تاريخيا يمكن توصيف الأصولية الشيعية بملمح خاص معزول عن أصولية السنة الجهادية، ولُبّ هذا الملمح أنه جاء صعودا بالتوازي مع أصولية السنة في النصف الثاني من القرن 20 وبنفس القيم تحديدا مما حمل رموزا وقتها كالشيخين كشك والشعراوي على التقريب بين السنة والشيعة ليس غراما في جوهره فقط بمبدأ التقريب..ولكن غراما بنموذج إيران الإسلامي الذي يمكن استيراده كليا أو جزئيا وتطبيق بعض نماذجه في المجتمع العربي، والسبب أن فيروس الأصولية السنية وقتها لم يكن نشطا وإلا حمل نفس الشيخين على اتخاذ مواقف عدائية من الشيعة وإيران كما هو حال الغالبية العظمى من فقهاء ومراجع السنة اليوم، فالثابت إذن أن الخوميني وسيد قطب صعدوا بزمن واحد وبأساليب متشابهة لم يكن فيه النزاع الطائفي كبيرا مما ساعد على تأسيس وتوجيه مفاهيمهم التراثية ومرجعياتهم العلمية في اتجاه غير إسلامي...خلافا لما يحدث اليوم.

مما يعني أن جوهر الأصولية في ذلك الزمن لم يكن بالخطر الذي نراه حاليا بنشاط مكثف للأصولية السنة التي زرعها في العصر الحديث حسن البنا وأساتذته وتلاميذه مع سيد قطب، وقتها كان علاج المثقفين لهذا الفيرس الخامل يتناسب مع حجم مخاطره، ومرتبط فقط بمقارنة هذا الفيروس الأصولي مع منتجات وأفكار الحداثة.. وقد جاء الدكتور فرج فودة في نفس السياق لا ينتقد موروث ذلك الفيرس كليا كما ننتقده اليوم ولا يحمل على أئمة الفقه والمسلمين بالإسم.. بل صب جام غضبه وركز جل مشروعه في مقارنة ذلك المنتج الأصولي مع منتجات الحداثة، وبرأيي أن هذا الاتجاه النقدي للدكتور فودة يتمثل بشكل صريح الآن في الدكاترة "سيد القمني وخالد منتصر" الذين يحملون نفس الاتجاه تقريبا ونفس الأسلوب عدا انشغال منتصر أكثر بالطب وترك مواضيع الفقه والفلسفة لثانويتهما.

أما القمني فهو مؤسس مدرسة نقدية علمية حداثية أكثر سعة من مدرسة فودة لها علاقة بتاريخ ونشأة الحضارات، لكنه لم يغادر بعد تلك المدرسة ليتخصص في جوانب اللغة والفقه والقرآن اللازمين لمخاطبة العوام، لذا وجدنا القمني رغم موسوعيته في كثير من العلوم لكنه أكثر من تعرض للتكفير وتهديد حياته من المعاصرين.

فجانب من جوانب التنوير إذن وحركة النقد المعاصرة تتركز فقط في الجانب الحداثي وتأويل كل منتج أصولي ديني بشكل عام على أنه منتج متخلف رجعي إذا تعارض مع حضارة الإنسان، وبرأيي أن ذلك الاتجاه مهم رغم سهولته ..لكنه في نفس الوقت خطير كونه يعرض صاحبه لخطر التكفير والقتل لحضور صورة ذهنية عند الأصوليين والعوام تقول بجهل الناقد أو إلحاده، فالعلم عند هؤلاء يتطلب العلم الديني بالفقه والتراث والسيرة واللغة والتاريخ وأحيانا علم الكلام، لذا فقد رأيت ضرورة أن تطال حركة النقد تلك الجوانب، من جهة تكون قد حققت حدها الأدنى من النقد والتغيير..ومن جهة أخرى تكون متسقة مع ثقافة المجتمع وتنزع شرعية رجال الدين منه بالتدريج.

وبما أن الفيرس الأصولي الإسلامي الآن نشط..وبما أننا اتفقنا على أن ذلك الفيرس يحمل سمات سنية من صميم فقه الأغلبية وجب علينا مقاومته كمرحلة زمنية مؤقتة يجري بعدها التركيز ونقد جميع الأصوليات كي لا تنشأ واحدة منها تستدعي حضور أصولية السنة مرة أخرى كرد فعل، أما خلاف طرق التنوير هو مطلوب..وشخصيا لا أؤمن بطريقة واحدة نقدية بل أجمع في جل أعمالي مزيج وخليط من عدة طرق جمعت بين السياسة والفقه والتاريخ والفلسفة والعلم وأحيانا اللغة، أما تسمية إحدى الأصوليات واعتبارها نظيرا للفيرس السني سيكون تنشيطا في جوهره لذلك الفيرس الذي يتمتع الآن بقوة غير عادية وحركة في الجسم بشكل دائم لا تتوقف، فإذا توهمنا بزوال خطر داعش والقاعدة يظهر لنا خطر شيوخ الأزهر الذين نراهم يوميا على الشاشات يفتون بالكراهية والتكفير وانتقاص حقوق الأقليات والمرأة والطفل دون بذل الجهد لتطوير هذا الظهور كي تناسب مع تحديات المرحلة التي نعيشها.

أذكر منذ أيام طرحت منشورا عن شيخ أزهري يظهر مع المذيعة لمياء فهمي على قناة النهار ليفتي بخيانة الزوجة التي تغضب من زوجها في حال قرر الزواج من أخرى..ليست خيانة للزوج بل خيانة لله ورسوله..وياله من حكمُ قاسٍ وتكفير صريح لا يصدر من إعلامي يفترض أنه يظهر الآن بأمر الدولة ليُجدد الدين، حصل ذلك المنشور الذي جاء بطريقة نقدية ساخرة على انتشار واسع بعدها تواصل معي هذا الشيخ على الماسينجر ليُكذّب ما قلته عليه، فرددت فورا بأن ظهوره كان يتطلب منه الهدوء والتحفظ كي لا تمس حروفه وكلماته حقوق الآخرين، وأن يجتهد في العلم بتلك الحقوق كشخص دائم الظهور في برنامج ديني ثابت وبشكل دوري، ثم أنهيت حواري معه بحذف المنشور إكراما له مع تمنياتٍ قلبية بمراجعة موقفه من المرأة ومن قصة التعدد..

هذا نموذج للفيرس النشط والمقصود الآن بتدميره للمنطقة والذي يتحتم علينا جميعا مواجهته، ونسيان ذلك الخطر بأن نطالب مثلا بالرد على المسيحيين والملحدين والشيعة يصبح في تطبيقاته انحرافا على المنهج الكلي لدرء الخطر الأصولي بالمجمل وتشتيت عن وجهة ذلك الخطر الحقيقي الذي نتفق جميعا بأنه لم يعد مقبولا الصمت عليه.

أما الأصوليين من الأديان والمذاهب الأخرى فهم يعيشون مرحلة الخمول التي عشناها قبل 40 عاما، ولديهم مثقفيهم وناقديهم القادرين على فهم تحديات مجتمعهم ودينهم وثقافتهم بشكل أزعم أنه سيكون أقوى مما نقدمه، مع طرح كلمات ومقالات نقدية بين حينٍ وآخر مشجعة لهؤلاء الناقدين مثلما طرحت عدة دراسات سابقة في نقد المهدوية الشيعية وولاية الفقيه وغيرها، لكن لم أركز على بقية التراث الشيعي لعلمي أن قضيتي المهدي وولاية الفقيه هما يمثلان صلب الوعي الأصولي الإسلامي الذي يجمع إسلاميين السنة والشيعة، أولا: من من حيث كونهما سياسة متفقة مع مبادئ الخلافة والحكم بالشريعة، ثانيا: لتعلقهما بمبدأ الجهاد المتخيل في ذهن كل الأصوليين، مع حفظ الخلاف على طريقة ذلك الجهاد هل لكونه كفائيا أم طلبا أم مجرد مقاومة لخطر قومي يهدد تلك الشعوب كالصهيونية.

شئ آخر مهم وهو أن ذلك العتاب الذي سقته في المقدمة أزعم أنه جاء عن أصولية سنية ضاربة في عمق الهوية للمعاتِب، فشعوره بالخطر على هويته دفعه للمزايدة ونسيان أن الإلحاد مثلا ليس عقيدة جهادية والمسيحية ليست دينا غازيا والتشيع في جوهره عاطفي مرتبط بطقوس وولاء لآل البيت فقط ومظالمهم بشكل كلي، لذا وعندما يوجهني أحد بذلك العتاب أطلب منه أولا بالاطلاع على تلك المعتقدات بشكل نزيه وحيادي سليم، ولعلمي أن ذلك ليس بالأمر السهل أطلب منه الانفتاح غير المحدود وكفى..فقد يتضمن ذلك الاطلاع على معتقدات الغير مشاعر وهلاوس ومخاوف وأوهام تمنع الإنسان من القراءة وتصنع بشكل دائم بعض الحواجز بينه وبين العلم، لذا فقد كان الرحالون عندي – ولا يزالون – هم من أعلم الناس لانفتاحهم على أقوام ومعتقدات كثيرة واكتسابهم العلم من مصادره دون زيف.

أخيرا: يجب في التنوير أن نتناول الأفكار لا الشخوص، وأن نتناول الناس بملامح خاصة لا أنه كنموذج يمثل كذا وكذا، فكل إنسان له شخصيته وقدراته المحدوده..أما النماذج فهي أفكار ليست محدودة في الحقيقة بل يُضاف إليها من المؤمنين بها عبر طباعهم الخاصة، مثلا فالإسلام هو نموذج فكري وتطبيقي سماته كذا وكذا..في الحقيقة هذه السمات هي سمات المؤمنين به في السابق والذين شكّلوا عقلية أحفادهم اليوم، مما يعني أن الإسلام هو نموذج بالفعل لكنه غير محدود وقابل للاتساع والضيق في أي لحظة، ويُضاف إليه ويُحذف منه كل يوم، بالتالي رؤية فلان من الناس أنه ممثل للتنوير في المقابل غير صائب..والأصح أن يُقال هذه طريقة فلان الفكرية بدلا من حمل جميع مسئوليات الإصلاح والتنوير على ذلك الشخص المحدود..

وهذا يعني أن إصلاح الدين المسيحي واليهودي والمذهب الشيعي والإلحاد مثلا وكل هذه الاتجاهات لا يمكن من شخص واحد كونه، أولا: سؤال لشخص محدود عن نموذج غير محدود أكبر من طاقة ذلك الشخص على الإحاطة به وفهم كل تنويعاته، ثانيا: هو جهل بالإصلاح الذي يتطلب درء الخطر الآني واللحظي قبل الانتقال لتطوير الفكر، فالأفكار لا تتطور ولا تتمايز ولا ترتقي في ظل الحرب والكراهية، بل في ظل السلام والحوار، ثالثا: هو جهل بتأثير الحروب في عقل الإنسان ومجتمعه، فالكراهية المتعلقة بالحروب لا تزول بمجرد فض النزاع بل تبقى آثارها وأحقادها لأجيال متعاقبة، والإصلاحي عندما يعلم تلك الأمور فهو يدعم كل داعٍ للسلام لعلمه أنه يدعو إلى الإصلاح الشامل والكلي، ويدعم كل داعٍ للانفتاح لعلمه أنه يدعو للعلم دون محاذير، ويدعم كل داعٍ للنقد دون حواجز لعلمه أن العقلية النقدية غير تابعة وغير موالية.

أما المزايدة وشخصنة الإصلاح فهو مما يليق بالعوام لا المثقفين وطالبي العلم، وتلك الآفات لا تميز بين عامي ومثقف حتى يحمل ذلك الجميع على احتقار شعوب بأكملها وأديان ومعتقدات ونماذج بشكل كلي، وتكمن أهمية الإصلاح في أنه دواءً مناسبا لمرض، فالإصلاح الاقتصادي يلزمه دواء مخصوص لا يوصف لمريض السياسة، وكذلك إصلاح السياسة يلزمه دواء مخصوص لا يوصف لمريض الاقتصاد..كذلك فإصلاح الفكر الديني يلزمه دواء مخصوص يتعلق بطبيعة هذا الفكر الذي لو كان عنيفا جهاديا فدواءه كذا وكذا، ولو كان مجرد خرافات ودروشات وطقوس تحدث بشكل سلمي فدواءه سيكون مختلف، أما الخلط بين كل هذا ووضع كل خرافات وطقوس الناس الدينية والاجتماعية في مرتبة العنف والكراهية والجهاد لهو من صفات الجهلاء الذين حُسِبوا على الإصلاحيين شكليا، ولو قُدّر لهم المناصب والنفوذ لوقعوا في ما عابوه على الخصوم..

 

سامح عسكر

 

أن الفضائيات ومواقع التواصل الطائفية تتسلل إلى بيوتنا دون أن نشعر، بينما نلاحظ بعض التبريرات غير المقنعة بحجج واهية تطرح او تمرّر، وقد يشعر البعض بالطمأنينة من خلال التفاف أفراد أسرته حولها بدلاً من البث الفضائي المتاح، بدعوى أن تلك الفضائيات ومواقع التواصل تغطي مختلف النشاط الإعلامي من الدراما والمسلسلات إلى القنوات الخاصة بالطفل والمرأة وهي ذات تأثير مباشر وغير مباشر في مجال التمدد الطائفي .

ولا يمكن إنكار الواقع الطائفي في الفضائيات ومواقع التواصل لطائفية، ومن مظاهره ارتفاع حدة التخاطب الطائفي بالشتائم والتكفير على مواقع التواصل الاجتماعي، تتسلل الفتنة الطائفية تدريجيا من الواقع لمواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات والفضائيات، وعند الوقت الذي تزداد فيه التفجيرات وعمليات القتل وتتسع رقعتها من منطقة لأخرى في المنطقة العربية، حيث يزداد معها الاستقطاب الطائفي والانكفاء المذهبي، وهذا ما يؤكد إن التطرف هو سيد الموقف حتى في الاستماع إلى الخطاب اليومي والاخبار .

لذلك نجد أن هناك الكثيرون من الذين لا يحبذون حتى متابعة القنوات المحايدة أو المستقلة غير الطائفية، بل يميلون إلى القنوات الفضائية ذات الصبغة المذهبية، والتي تتلاءم مع توجهاتهم الفكرية، فالطائفي لا يستمع الا إلى القنوات الطائفية، وبذلك يتعمق الخطاب الطائفي وينتشر بشكل مريب، فنجد العديد يتعمّدون عدم متابعة قنوات أخرى رافضة لطائفتهم بغية التحصين الفكري، وينهمك الكثير من الشباب الطائفي بشكل واسع بشعارات تدعو إلى الجهاد، ويتبادل البعض السباب والشتائم والاتهامات الطائفية، بينما نجد دولة واحدة ترعى العشرات من القنوات والمئات من مواقع التواصل التي تبث بعدة لغات أو غير العربية، والمفارقة أن معظم تلك القنوات الطائفية تبث من خلال أقمار صناعية عامة ومنها تبث عبر اشتراك مالي رمزي، في ظل تغاض واضح عن أخطار تلك الفضائيات ومواقع التواصل على شعوب الأمتين العربية والإسلامية .

دور الفضائيات ومواقع التواصل  في التمدد الطائفي:

بغض النظر عن مدى حقيقة صحة الصور ومقاطع الفيديو المنشورة، فهي مؤشر خطير على الانقسام الطائفي في عدد من المجتمعات العربية، فمن خلال البحث عن اهتمام الجمهور بالفضائية ومواقع التواصل، فنجد أن المواطن يتحيز في اختيار نوع الفضائية لصالح الانتماء الطائفي، فعلى ما يبدو أن هناك اجندة تنظم ذلك ولعلها الجهات المشرفة والمخططة لبرامج الفضائيات وما يكتب من مواضيع على مواقع التواصل، فبدلاً من أن يتّهم الناس القادة السياسيين والأجهزة الامنية بالتقصير، نجد البعض يحوّل انظارهم إلى الطائفية باعتبارها السبب الرئيس وراء كل ما يحدث، بل ليس هذا كلّ الذي يحدث كونه ناتجاً عن الفتنة الطائفية، فالصراع السياسي بين الكتل السياسية والدينية هو الذي يعزز خطاب التقسيم الطائفي للتغطية على فساد السياسيين، إضافة الى تقصير الاجهزة الامنية والإدارية، ففي احدى المواقع الألكترونية الطائفية نجد إن عدد المؤسسات والمراكز التبشيرية المرتبطة بهذا الموقع في جميع انحاء العالم يبلغ 306 مؤسسة وموقع تبشيري بعضها من دول عربية ومن دول أوربية مثل بريطانيا والمانيا وهولندا والسويد والدنمارك وامريكا اللاتينية وكذلك فنزويلا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا، كما نلاحظ من خلال الفضائيات ومواقع التواصل كالفيس بوك وغيرها من المواقع الطائفية، أنه يمكن تشخيص العشرات من برامج الفضائيات والكتابات على مواقع التواصل التي تحمل مسميّات ودعوات طائفية ومذهبية تساهم بشكل مباشر في التمدد الشيعي، وإننا يمكن ترجيح هذه الفعاليات قد تكون منظمة من قبل اجندة سياسية وإستخبارية والتي تقودها جهات حزبية او حكومية في الداخل والخارج، ويمكننا إرجاعها ايضا إلى ردود افعال تلقائية أو عفوية لما يحدث على أرض الواقع، حيث يعتبرها بعض متابعي الفضائيات ومواقع التواصل من سكان بعض المناطق أنها ذات أفعال طائفية، بينما يعتبرها الذين من اهالي مناطق اخرى هي ردة فعل، وهذا ما يؤجج الفتنة بسبب تعرض تلك البرامج والكتابات التي يعتبرونها من المقدسات والرموز الدينية، وإن كانت ذات أبعاد سياسية من حيث الموضوعات والأهداف، ولكن هذا لا يمنع بثها للعديد من البرامج الدينية الطائفية بشكل مباشر،

اي ان الفضائيات ومواقع التواصل الطائفية هي محاولة لتهميش كل الأدوار الوطنية، حيث تقوم تلك الفضائيات والمواقع بتقديم جرعة من البرامج الممجدة للطائفية التي تمهّد لما أسموه بالدولة الإسلامية العالمية، وبالتالي أن السلاح الفضائي والألكتروني الطائفي يمكن ان يكون تأثيره اشد من السلاح النووي الذي يحظى بتغطية إعلامية ومعارضة بارزة في الوقت الذي يتسلل السلاح الإعلامي الطائفي عبر الشبكات الألكترونية إلى داخل بيوتنا ليؤثر في مجتمعاتنا بمن فيهم أطفالنا ليمهد الطريق أمام التمدد الطائفي دون أن يتنبه له أحد أو يجابه بما يستحق .

 

مع تحيات

الدكتور عماد محمد ذياب الحفيّظ

 

نجيب طلالإشارة عامة: باستمرار نقف كما يقف بعضنا على سرقات أدبية / فنية / بحثية /.../ تارة من حيث اللفظ؛ أومن حيث المعنى؛ وتارة أخرى من حيث اللفظ والمبنى والمعنى. وخاصة في مجال اهتمامنا (المسرح) قضاياه وإبداعاته؛ وفي بعض الأحيان يثير أحدهم في لقاءات خاصة أن (هَذا) المنتوج المسرحي سواء نصا أو تصورا إخراجيا (إنه) منحول أو مسروق؛ ولكن يقفون هاهنا ولا يقدمون مصدره الأصلي؟ هل هو نوع من التشويه لفلان أوضغينة خاصة أو يرتبط بالعنعنة؟ وهاته الأخيرة: ما أكثرها في ساحتنا المسرحية المغربية – تحديدا- وبناء عليه فالسرقة الأدبية، ظاهرة معروفة ومشاعة في الوسط الثقافي العَربي بالدرجة الأولى، والفرع الذي يبدو في أول وهلة هو الأصل؟ قبل تمظهر وسائط التواصل والشبكة العنكبوتية، بحيث كم واحد منا وقف على تطابق سافر وفظيع بين منتوج الأصل من نصوص شعرية وقصصية ومسرحية... والأخطر في السرقات تلك البحوث الجامعية؛ التي يتم انتحالها وانتسابها لأشخاص لهم رمزيتهم الثقافية في بلدانهم، مستغلين مواقعهم وظروف عدم الانفتاح الثقافي بين الأقطار العربية، وفرض قيود الرقابة والتصدير على الكتب والدوريات وكذا غلاء رسومها الجمركية. مما يعُوق عدم خلق سوق حقيقية وفاعِلة لتبادل الكتاب والمنشورات، رغم أن بعْض المؤسسات الحكومية، كانت تسعى لخلق انتشار المنتوج الثقافي، ولكنه محدود التوزيع وفي بعْض العواصم (فقط) عِلما أن العَديد من الكتب تمْنع من التداول لأسباب سياسية صِرفة، فحتى انوجاد معارض للكتاب والدوريات هنا أو هناك، كانت ولا زالت لا تساهم في نشر الكتاب العَربي؛ وبالتالي فالعديد من الأفراد الذين يؤطرون أنفسهم (مبدعون/ باحثون/ مؤلفون /...) يختلسون وينتحلون ويسرقون أفكارا ويتبنونها كأنها عصارة جهدهم ومصدر إلهام خاص؛ ربما طمعا في الشهرة أو المال؛ فتركبهم شخصية الوهم أنهم (مبدعون) مما يظلون في ممارسة السرقة الأدبية والفنية؛ حتى أنهم يتفننون في عملية السرقة؛ نظرا لإدراكهم أن لا أحد سيكتشف سرهم؛ لأن الأغلبية تمارس نفس النوع (السرقات) أم أنهم لايقرأون؛ وهذا موضوع أثرناه (1) رغم أنه جاء بناء على موضوع أثاره الصديق والكاتب الجزائري – ياسين سليماني (2) بمعنى أن المسألة تتعلق بقطرين (المغرب/ الجزائر) ولا أحد استطاع أن يفند ما قلناه وما أثرناه؟ لا يهمنا ذلك، لأننا نحن نمارس شغبنا وفعلنا في التاريخ ، إذ الأسباب معْروفة لدينا؛ ولقد أثرناها بشكل مباشر(3)

قضية المقالة:

كما أشرنا أننا باستمرار نقف كما يقف بعضنا على السّرقات. ولكن كنا نرجئ المكاشفة وعملية الفضح في أوقات لاحقة؛ لأن هنالك أولويات ومواضيع لا يمكن إرجاؤها؛ إضافة لسؤال جوهري ما جدوى فضح السرقات في عصر (النقل واللصق/ copier-ET-coller) والأغلبية لم تعد تهتم أو تقرأ؟ إلا من آمن بمغزى القراءة والاهتمام وهناك نداء عجيب أثاره: الشاعر والمسرحي التونسي حكيم مرزوقي يدعو إلى إقامة «مرصد أدبي» يشهّر من خلاله بكل من يسطو على متاع الآخرين، وينسبه إلى نفسه في مختلف حقول الأدب والفكر والفن، أسوة بتلك المراصد التي تنشط في المجتمعات المدنية، وتتعقّب الانتهاكات الحقوقية فتفضح مرتكبيها في الدول والمؤسسات(4) إنه نداء أو دعوة هي صيحة في وادي الذئاب؛ بحيث لم يستجب لها أحد ولمناقشها أحَد. وهذا لا يفرض علينا التكاسل أو ممارسة اللامبالاة؛ بل كل منا يحاول من جهته كشف هذا النوع المهين للثقافة العربية؛ وفي سياق هذا ونحن نطلع على كتاب (المسرح العربي المعاصر)(5) ل[حكمت أحمد سمير] (6) حتى وصلنا للفصل الخامس عنوانه (المسرح السياسي العربي) وفرع عنوان الفصل [الأدب والسياسة][ص /131 إلى 149] وتعود بي الذاكرة أن هذا الفصل/الموضوع حرفيا يشبه دراسة سبق لي أن اطلعت عليها؛ لأعود للأرشيف وبعد عناء ضبطت الموضوع تحت عنوان [المسرح والسياسة] ليوسف الطالبي منشور في(7) إذ بالحرف والنقطة والفاصلة منشور في الكتاب (المسرح العربي المعاصر) بدون حياء وبدون مراجع التي أثارها – يوسف الطالبي التي وصلت إلى (62 مرجعا) عما أن الناشر يشير في بوابة الكتاب ما يَلي (حقوق الطبع محفوظة للناشر-- يمنع إعادة نشرأو طباعة أو تصوير الكتاب أو محتوياته ويمنع سحب نسخ إلكترونية من الكتاب وتوزيعها ونشرها دون إذن خطي من الناشر.                          

وأي مخالفة لما ذكر يعتبر إساءة للحقوق الملكية الفكرية للناشر والمؤلف ويعرض للمساءلة القانونية والقضائية (8) في هذا الإطار من يجب في حقه المساءلة القانونية والقضائية هل (يوسف الطالبي) أم (حكمت أحمد سمير) أم (الناشر) أم (نحن) الذين أثرنا هاته السرقة التي لا تحمل أدنى رتوشات ولا تعْديل حتى في الصيَّاغة أو الأسلوب؟؟ اللهم أن العنوان الفرعي تحول من (المسرح والسياسة) [إلى] (بين الأدب والسياسة) أما الموضوع سطرا سطرا وحرفا حرفا. بدون استحياء ولا أخلاقيات للمجهود الفكري لمن سبقه !! ويقول فقهاء القانون: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني؛ لكن جرائم السطو الأدبي استمرت وتستمر حتى بعد سن القوانين الخجولة في الملكية الفكرية التي ظلت ترفا حضاريًّا في سوريا وغيرها من البلاد العربية؛ مجرد نمر ورقيّ وبلا مخالبَ، كما غابت العقوبات إلا فيما ندر، ذلك أنّ هذه النصوص جاءت في البلاد العربية كنوع من ذرّ الرماد، والتبجّح بأننا أمة تحترم المبدعين، وتدافع عنهم....(8)

 

نـجيـب طــلال

............................

الإحالات:

1 ) هل المسرحيون لا يقرأون؟ (انظر) لصحيفة الجمهورية الجزائرية أو موقع ديوان العرب بتاريخ

18 / 06/2018

2) مسرحنا الجزائري إما مسروقا أو مهانا..!! (انظر) في فضاء المسرح ل(صحيفة الجمهورية الصادرة بوهران

بتاريخ 12/ يونيو/2018

3) فلاش باك: آفة المسرح (انظر) لصحيفة الجمهورية الجزائرية أوصحيفة الحوار المتمدن- العدد: 6040 بتاريخ 31 /10/2018

4) السرقات الأدبية مستمرة في أشكال وأقنعة جديدة.. و«حقوق المؤلف» نمر بلا مخالب - لسامر إسماعيل تحقيقات

في مجلة فيصل بتاريخ 06/11/2016

5) المسرح العربي المعاصر عن دار الجنادرية للنشر و التوزيع/ الأردن (سنة2015) وعن دار يافا العلمية للنشر

والتوزيع / الأردن (سنة 2016)

6) لم أعثر على بيبلوغرافيته؟ كل ما توصلت إليه أن له ثلاث كتب مسرح الطفل (سنة 2016) المسرح العربي

المعاصر(سنة 2016) أطفال الروضة وتربيتهم (سنة2017) مطبوعة في دار يافا العلمية للنشر والتوزيع .

7) مجلة فكر ونقد تحت عدد/68 ابريل 2005 أنذاك كان (محمد عابد الجابري) المدير ورئيس التحرير و(عبد السلام

بنعبد العالي) سكرتير التحرير و(محمد إبراهيم بوعلو) المدير الإداري

8) المسرح العربي المعاصر ص(2)عن دار الجنادرية للنشر و التوزيع/ الأردن رقم الايداع 4283 في/9/2015

9) السرقات الأدبية مستمرة في أشكال وأقنعة جديدة.. و«حقوق المؤلف» نمر بلا مخالب - لسامر إسماعيل تحقيقات

في مجلة فيصل بتاريخ 06/11/2016

 

عصمت نصارلعلّ العديد من النقاد الذين زجوا «بالمنفلوطي» في زمرة الرجعيين بنوا حجتهم وحكمهم على موقفه من حرية المرأة أو من قضية «الحجاب والسفور». التي أثُيرت بين المثقفين عقب ظهور الكتابات الداعية لحرية المرأة وسفورها واقتدائها بالمرأة الأوروبية - وذلك في أخريات القرن التاسع عشر والرُبع الأول من القرن العشرين. 

والحقيقة غير ذلك تمامًا، أي أن حكمهم عليه لم يكن خاليًا من العجلة وقلة الدراية بوجهة نظره المتكاملة حيال هذه القضية، فمن ذا الذى ينكر أن الفيلسوف الفرنسي «جان جاك روسو» (1712م-1778م)» من قادة التنوير الأوروبي الذين دعوا إلى الحرية رغم موقفه المحافظ من قضايا المرأة، إذ انتصر إلى العقل والثقافة السائدة في مناقشته لسفور المرأة وحجابها واختلاطها وعملها.

وحسبي أن أشُير في عجالة إلى مذاهب المفكرين المحدثين في الثقافة العربية حيال قضية «الحجاب والسفور».

فقد انقسم المفكرون في مصر والشام إلى ثلاثة اتجاهات: أولها الاتجاه المحافظ الرجعى وعلى النقيض الاتجاه التغريبى العلمانى وبين هؤلاء وهؤلئك، ظهر الاتجاه المحافظ المستنير.

فقد ذهب الفريق الأول إلى أن حجاب المرأة المادي والمعنوي (الزى ومكانة المرأة في المجتمع) جزءٌ لا يتجزأ من الثقافة الشرقية وأصل من أصول العادات والتقاليد العريقة، وأمرٌ من الأمور التي حث عليها الدين.

أما الفريق الثاني فنزع إلى أن حال المرأة في الشرق أقرب إلى الجمود والتخلف والنظرة الذكورية التي تسلب المرأة كل حقوقها ومن ثم يجب الإقلاع عن كل ما يجور على حريتها وإزاحة كل المعوقات التي تحرمها من المساواة الكاملة بينها وبين الرجل، ثم الاقتداء بالمرأة الأوروبية في لباسها وتصرفاتها بغض النظر عن الدين.

أما الفريق الثالث (المحافظ المستنير) فقد نظر إلى القضية نظرة عاقلة تجمع بين الأصالة والمعاصرة والمنقول والمعقول، والثابت من الهوية والمشخصات والثقافة السائدة والعلم واحتياجات المجتمع والأصول الشرعية التي حدّدت حقوق المرأة وواجباتها في الواقع المعيش.

وقد انضوى «المنفلوطي» تحت راية الاتجاه الأخير، أعنى مدرسة «محمد عبده» تلك المدرسة التي ضمت بدورها ثلاثة اتجاهات: أولها في أقصى اليمين وكان يرى أن حال المرأة الشرقية لن يتغير إلا في ركاب الإصلاح الثقافي والاجتماعي والسياسي والأخلاقي.

وأن الدعوة لسفورها ومساواتها بالرجل في الأمور العامة وإدارة شئون الحياة من الأمور المتعجلة التي يصعب تطبيقها في مجتمع يعانى من الأمية والجمود في العادات والتقاليد، وفى الوقت نفسه يشكو من انحلال ومجون الغربيات ومن سار في ركابهن من الشرقيات.

الأمر الذى يقتدى نهجًا لإعادة تربية الرأي العام بداية من الأسرة ونهاية بقادة الرأي من المنظرين والمفكرين والدعاة في الإسلام والمسيحية.

وفى أقصى اليسار نجد الليبراليين من مدرسة الأستاذ الإمام «محمد عبده» وهم الذين حاولوا الإبقاء على الثابت من الموروث الذى لا يتعارض مع الإصلاحات التي يجب القيام بها دفعة واحدة، مثل حقوق المرأة في اختيار الزوج والطلاق والخلع والاعتراض على التعدد والميراث والتعليم والعمل والمشاركة الإيجابية في شتى أمور الحياة. بالقدر الذى يتلافى الصدام مع الرأي العام القائد.

وفى الوسط نجد من يدعو إلى حقوق المرأة عن طريق إثبات أن الشرع والأصيل من العادات والتقاليد لا يمانع من استرداد المرأة الشرقية لحقوقها، تلك التي سلبتها منها قوى رجعية باسم الأعراف تارة والتأويلات الخاطئة للنصوص المقدسة (القرآن والأحاديث والإجماع والقياس) تارة أخرى.

وبيّن أنصار هذا الاتجاه أن ما جاء به الشرع أفضل بكثير مما تنادى به أوروبا، وإن الإسلام لم يكن قط ضد حرية المرأة بأوسع معانيها ولكنه حدد القيم الأخلاقية التي تحمى هذه الحرية وتمنعها من الجموح والجنوح.

ومجمل آراء «المنفلوطي» تنتمى إلى الفريق الأول، أى الذى ناقش القضية بعمقٍ وأكثر واقعية، ورغب عن نهج الوعظ والتوجيه الذى يستند إلى الأصول العقدّية والضوابط الشرعية، فذهب إلى مناقشة القضية بمنحى عقلي لا يخلو من الجِدّة والطرافة، سواءٍ في العرض أو المعالجة فلم يكتب «المنفلوطي» المقالات المسهبة التي تمدح في تقاليد وقيم المرأة المسلمة أى النصح المباشر، فلجأ إلى أسلوب القصة القصيرة التي تستمد أحداثها من الوقائع والواقعات الحياتية واتخذ من المنهج الاستقرائي الذى يستمد براهينه من التجارب الإنسانية في المجتمع المصري والممارسات اليومية سبيلًا لشرح وجهة نظره حيال هذه القضية وذلك في قصص: (الحجاب، الضحية، مذكرات مارجريت، الشرف، الحب والزواج والزوجتان).

ذلك بالإضافة إلى بعض الفقرات التي حرص على إيرادها في أحاديثه ونقداته لمفهوم الحرية غير المسئولة والتقليد الجاهل للمدنية الغربية.

إذا نحن عدنا لحديث «المنفلوطي» عن قصة صاحبه المفتون بنموذج المرأة الأوروبية وقضية حجاب المرأة المصرية وما ينبغي على المجتمع فعله تبعًا لمقتضيات الواقع والأوضاع القائمة آنذاك، فسوف نجد أن ذلك الصديق لم ينصت إلى «المنفلوطي» ولم يتعقل حجته التي لخصها في «أن كل نبات يزرع في أرض غير أرضه أو في ساعة غير ساعته، إما أن تأباه الأرض فتلفظه، وإمّا أن ينشب فيها فيفسدها».

فالثقافة الأوروبية قد أفلحت إلى حدٍ كبير في تهيئة المرأة والرجل للعيش في تلك الحياة بحرية لا قيدٍ فيها سوى الإلزام والالتزام. فالأول يمثله سيف القانون العادل الباطش بلا هوادة لكل مخالفيه، والثاني ولِد في كنف التربية والعلم والقناعات الشخصية والوعى بالمسئولية.

أما المرأة المصرية فلم تنعم بذلك ولم يظفر مجتمعنا الشرقي بهذا الذى نحلم به وصوت العقل يحذرنا من تجاهل مثل هذه الأمور.

ويكمل «المنفلوطي» حكايته فذكر أن ذات يوم من بعد ثلاث سنوات مضت - على حوارهما- رأى صاحبه يمضى مع شرطي إلى قسم البوليس لأمرٍ يجهله، فسأله «المنفلوطي» عن أهله فأجاب صديقه بأن زوجته لا يعرف أين تكون ولا علة غيابها فربما قد أصابها مكروه، فذهب معه «المنفلوطي» ليطمئن على حاله، وفى القسم أخبرنا المأمور بأنه وجد زوجة صاحبه مع رجلٍ في بيت مشبوه وزعمت أنها في ولايته وبعد لحظات دخلت المرأة علينا بصحبة من كانت معه فإذا بصاحبي يعترف بأن المرأة هى زوجته ورفيقها أحد أصدقائه، ثم أغُشى عليه من هول الصدمة فحمله «المنفلوطي» إلى منزله وترك زوجته لتنصرف إلى بيت أبيها، ولما ساءت حالته من تلك الكارثة حاول مفكرنا إفاقته ففتح الصديق عينيه على صراخ طفله الرضيع فحمله بين ذراعيه وفى وجهه ارتسمت صورة المرتاب الحزين قائلًا ردوا هذا الطفل إلى أمه فليس لى ولدٌ ولا زوجة وأخبروا أهلها بأننى بددت الأمانة وأننى نادم على ما فعلت فأنا الذى أوصلت ابنتهم إلى ذلك المصير المنحط فكانت الخجولة، الشريفة العفيفة، فأمست على يدى المرأة الخائنة اللعوب حتى حسبها الناس من صاحبات الرايات الحُمر واعتقدوا أننى قوادٌ، أما أصدقائي فكانوا يقبلون على رغبة فيها وكنت في أعينهم ديوثًا فجنيت عليها وعلى نفسى باسم المدنية، وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة جاءت زوجته لتودعه وتطلب منه الغفران والسماح وتنبئه صادقة بأن الولد من صلبه، فقد حملت به قبل أن تخلع برقع الحياء والعفة.

وبغض النظر عن حكاية «المنفلوطي» إن كانت قد حدثت بالفعل أو هى من محض خياله وقد ساقها لتعليم المتلقي وتبصير القارئ، فأحداثها ليست بالأمور الغريبة عن حياتنا الآن.

ثم ينتقل مفكرنا إلى الحديث عن آفة التقليد والتغريب مؤكدًا أن التجديد والتحديث والتمدن لا يعنى فتح النوافذ والأبواب دون ضابط أو حارس، لأن الهواء بالخارج لا يخلو من الجراثيم الضارة والأتربة المختلطة بالأمطار فتعكره وبالنسيم فتفسده، ومن ثم كان لزامًا علينا أن نهيئ أنفسنا بالعقل والعلم والحرية لنتمكن من الدفاع عن مشخصاتنا وترسيخ قواعد ثوابتنا الثقافية التي تعبر عن هويتنا ويقول: «لا يستطيع المصري، وهو ذلك الضعيف المستسلم أن يكون من المدنية الغربية إذا دنا منها إلا كالغربال من دقيق الخبز يمسك بقشره ويفلت لُبابه أو المصفاة حيال الخمر تحتفظ بعقاره وتهمل رحيقه، فخير له أن يتجنبها وأن يفر منها فرار السليم من الأجرب».

يريد المصري أن يقلد الغربي في نشاطه وخفته.... فإذا جد الجد دب الملل إلى نفسه..... يريد أن يقلده في رفاهيته فلا يأخذ منها إلا حانات الخمر.... يريد أن يقلده في الوطنية فلا يأخذ منها إلا نعيقها والطنطنة بشعاراتها، وإذا سُئل عن البرهنة عليها والعمل من أجلها أسلم رجليه إلى الرياح وهرب متملقًا..... يريد أن يقلد الغربي في العلم فلا يعرف منه إلا كلمات يرددها بين شدقيه، أما جوهر المعرفة فلا يظفر منه بما يروى إغاثة الظمآن.... يريد أن يقلده في تعليم المرأة وتربيتها، فيقنع بعلمها الذى يمكنها من كتابة في جريدة أو خطبة في محفل، ويرتضى من تربيتها التفنن في الأزياء والمقدرة على سحر النفوس واستلاب الألباب بدلالها وتبرجها.... هذا التقليد المشوه يشبه تقليد جهلة المتدينين الذين يقلدون السلف الصالح في تطهير الثياب وقلوبهم ملآى بالأقذار.... لا مانع من أن يعرب لنا المعربون المفيد النافع من مؤلفات علماء الغرب، على أن ننظر إليه نظرة الباحث المنتقد لا الضعيف المستسلم....».

وانتهى إلى أن غايتنا من تحرير المرأة يجب أن نضعها نصب أعيننا أثناء وضعنا للبرنامج التربوي والأخلاقي والتعليمي لتحريرها من حجاب الجمود والجهل والخرافة، وأن تكون توعيتنا لها توجيهًا وليس تلقينًا فتنبت أخلاقها التزامًا وليس إلزامًا ويصبح سفورها عرضًا لا يخدش كرامتها وشرفها ولا يقضى على حيائها وعفتها.

وعليه فحسبنا أن نثبت أن تجديد «المنفلوطي» لم يكن عشوائيًا أو شعارًا غير واقعي بل هو في الواقع برنامج نسقى ومشروع حضاري.

وللحديث بقيّة)

 

بقلم د. عصمت نصّار

 

في يوم صيفي حار، جلست بمقر استقبال واحدة من أولى مؤسسات رعاية أطفال الشوارع بمصر، جمعية قرية الأمل  Hope village society"، لمقابلة عدد من الأطفال في منطقة السيدة زينب، والذين تقدم لهم الجمعية خدمات متنوعة، تبدأ من استقبالهم بمقرات خاصة توجد في أكثر المناطق المعروف وجود تجمعات لأطفال الشوارع بها، وتحديدًا في مناطق: السيدة زينب، والمقطم، وروض الفرج وهو مقر خاص باستقبال الفتيات من أطفال الشوارع.

كان بصحبتي الطفل "عصفورة" ذو 13 عام، اسمه الأصلي "أحمد"، وشهرته "عصفورة"، لخفة وسرعة حركته كأنه يطير على الأرض ولا يمسها، وهو يهرب من أمين الشرطة، أو العصابات من أطفال الشارع الكبار. تركته قليلًا وذهبت للتحدث لأحد الأخصائيين الاجتماعيين، الذي أخبرني أن "عصفورة" يعد من أخطر الأطفال لتورط في أعمال انحرافيه يقع بعضها تحت طائلة القانون، وتحديدًا متخصص في النشل والسرقة. ورغم سلوكه غير المنضبط اجتماعيًا ولا قانونيًا، وأن باقي الأطفال يحسبون له ألف حساب (على حد تعبيرهم)، وكثير منهم يخاف منه، إلا أنه معروف بشهامته ومساعدته للضعيف من الأطفال، وبخاصة الجدد. وروى لي الأخصائي الاجتماعي قصة حدثت بالفعل بين "عصفورة" وأحد الأطفال، أنهم سرقوا مبلغ من أحد المارة بالشارع، وقد كان لهم مكان محدد أسفل كوبري في مدخل منطقة شبرا بالقاهرة، يقوم الأطفال الكبار منهم في المرحلة العمرية ما بين 13- 16 عام بتثبيت المارة، وخاصة في الليل. والتثبيت يعني (تهديد المارة بسكين أو أي آلة حادة للاستيلاء على نقوده، أو ما يملك من أشياء لها قيمة، كالموبايل أو ساعة أو محفظة النقود ذاتها). بعد أن قام "عصفورة" واثنان من زملاءه بأخذ النقود قسموها فيما بينهم بحسب درجة أهمية كل منهم وموقعه في جماعتهم، فتشاجر أقلهم لأنه لم يرض بنصيبه من القسمة، ودارت بينهم معركة وضربه "عصفورة" حتى أدمى شفتيه وسالت الدماء على وجهه، فجلس يبكي، شعر "عصفورة بالذنب، فذهب واشترى بكل نصيبه "كباب وكفتة"، وعاد ليصالح الطفل الذي ضربه. وبينما يكمل الاخصائي الاجتماعي حديثه معي سمعت صوت هاتفي المحمول، ولكن تعبيرات الدهشة والهلع على وجهه كانت أعلى من صوت الرنين، وسألته "ماذا حدث؟؟؟!!"، فقال لي بنبرة لوم شديد "انتي سايبة شنطتك وفلوسك وموبايلك مع عصفورة"، فاجبت بالإيجاب، فطلب مني الإسراع لإنقاذهم قائلًا "ربنا يستر".

عدتُ إلى عصفورة لأجده غارقًا في العرق، ووجهه أحمر قاني، وقال لي بصوت لاهث ضعيف، يتنافى كليًا مع روايات الاخصائي الاجتماعي عن جراءته وعدم خوفه، بل وقلبه القاسي أحيانًا، قال "تليفون حضرتك كان بيرن، وبعدين مينفعش تسيبي شنطتك مفتوحة كدة لازم تقفيلها"، فرددت "مفيش مشكلة هي في أمان معاك"، رد بنبرة كلها توسل ورجاء، وكأنه يطلق صيحة لإنقاذه من صراع يكاد يفتك به "ارجوكي اقفليها، أو خليها معاكي". كان من الواضح الصراع النفسي الذي أغرق "عصفورة" في تلك الدقائق التي انشغلت عنه فيها بالتحدث مع الأخصائي الاجتماعي، صراع ما بين ما تعود عليه لفترة تصل لست سنوات تقريبًا أو تزيد، وصارت حياته وعمله الأساسي الذي يحفظ له مكانته بين باقي الجماعات، وفي جماعته، وإلا يتم استضعافه، وبين ما به من فطرة سليمة، بدأ التراب ينفض من عليها بمساعدة البرامج والأنشطة التي تقدم بالجمعية، وقبلها بجهد مخلص من الاخصائيين الاجتماعيين والنفسيين الذين يتعامل معهم بشكل شبه يومي. فبعد أن كان يرفض "عصفورة" إلى مقر الاستقبال بالجمعية والذي يطلقون عليه "النادي"، وكان يستهزئ بالأطفال الذين يذهبون إليه، وبعد فترات طويلة من التردد على المقر ما بين الانتظام ليومين أو ثلاث، والانقطاع لأسابيع أو شهور، صار يأتي بانتظام، مما شجع كثير من الأطفال على الحضور.

لقد أصبحت ظاهرة "أطفال الشوارع" من أهم القضايا وأخطرها لتداخل أبعادها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية. ورغم ظهور مشكلة أطفال الشوارع منذ سنوات عديدة، إلا أنها تفاقمت حديثًا إلى أن أصبحت ظاهرة تؤرق العالم بأسره المتقدم والنامي. وإن كانت بدايات الخطر الناتج عنها ظهرت في بلدان العالم الغربي، وبخاصة في البرازيل وأمريكا اللاتينية، حيث شكل أطفال الشوارع فيما بعد عصابات الشوارع، مما دعا الحكومات ورجال الأعمال إلى التخلص منهم بالقتل لتهديدهم لأمن وسلامة المجتمع.

وقد سجلت ظاهرة أطفال الشارع تزايدًا ملحوظًا في العقدين الماضيين نتيجة للتغييرات الاقتصادية والسياسية، وهذا ما أكدته نتائج بعض الدراسات. وعلى الرغم من وجود بعض الجهود الفعالة للتصدي للظاهرة، إلا أنها قليلة مقارنة بحجم هذه الظاهرة والمشكلات المترتبة عليها. وهذه الزيادة في أعداد أطفال الشوارع تنتشر في دول العالم المتقدم والنامي، وإن كان من الصعب الجزم بأن هذه هي الأرقام الفعلية لحجم الظاهرة ومعدل تزايدها، بسبب صعوبة حصر أعداد أطفال الشوارع على المستوى العالمي أو المحلي بسبب تنقلهم من مكان لأخر.

وتشير المعلومات إلى أن أسباب نقص المعلومات الصحيحة الموثوق بها عن حجم الظاهرة أساسها الأسباب التالية:

- الصعوبة المتصلة بتنفيذ المسح نتيجة للحركة المستمرة لأطفال الشوارع من منطقة لأخرى بين المدن الرئيسية بالقاهرة.

- لا تشير السجلات الرسمية للمحاكم أو أقسام الشرطة للحجم الفعلي للمشكلة بمصر، بل تشير بالأكثر للعدد الكلي للأطفال الذين وصلت الشرطة إليهم وأرسلوا إلى  مؤسسات الرعاية الاجتماعية للأحداث بأمر من المحكمة.

- ما زالت هناك مشكلة تتعلق بتحديد معنى "أطفال الشوارع"، وتستخدم كل منظمة التعريف الخاص بها، بالرغم مما يبدو أنهم جميعا يتفقون على صفات أساسية لأطفال الشوارع.

إشكالية مفهوم أطفال الشوارع

ثار جدل كبير حول تحديد مفهوم ينطبق على "أطفال الشوارع" نظرا لتداخلهم مع أكثر من فئة، ومن خلال الاطلاع على البحوث والدراسات العلمية المتعلقة بأطفال الشوارع وجد أن هناك أكثر من مفهوم لأطفال الشوارع، وسوف نتعرض لإشكالية المفهوم من خلال المحاور الآتية:

1) صعوبات دراسة مفهوم أطفال الشوارع

ترتب على استخدام مصطلح "أطفال الشوارع" على المستويين الأكاديمي والرسمي وندرة المادة المطبوعة عن الموضوع، واستخدام تعاريف عديدة وبخاصة من وجهة النظر الاجتماعية والقانونية صعوبات في الوصول إلى مفهوم محدد موحد لأطفال الشوارع، ومن أهم هذه الصعوبات:

- استخدام كل منظمة التعريف الخاص بها عند تحديد مجموعتها المستهدفة، بالرغم من أنهم جميعا يتفقون على صفات أساسية لأطفال الشوارع.

- التوصيف القانوني على المستوى الحكومي، والذي يشير إلى أن أطفال الشوارع هم "أطفال معرضون للانحراف" مما يؤثر على المعرفة بالحجم الدقيق للمشكلة، ويعوق تحديد المجموعات المستهدفة للمشاريع المشتركة فيما بين المنظمات الحكومية وغير الحكومية المتعاملة مع المشكلة.

- استخدام الحكومة لتوصيف يميز أطفال الشوارع، ويثير أكثر من مجرد إشارات لدلالات لفظية بسيطة، فتوصيفهم بأنهم أطفال معرضون للجنوح، أو أطفال ضحايا للمتاعب الاقتصادية ومآسي الأسرة وسوء معاملة أفرادها أو سوء معاملة صاحب العمل، تتضافر كلها وتتجمع مع الأطفال الذين يقبض عليهم لجرائم معينة.

- من أهم العقبات التي تعوق دراسة مفهوم أطفال الشوارع، ظهور أجيال جديدة من هؤلاء الأطفال، حيث أصبحت هناك أسر كاملة من أطفال الشارع، الأم، والأب، والأبناء، كلهم نتاج حياة الشارع. كما انه لا يوجد مفهوم لأطفال الشوارع من الكبار الذين صاروا حاليا شباب. إذن فإنه صار لدينا مسميان لا يوجد لهما مفهوم تقره الأوساط التربوية او الاجتماعية، وهما "أسر الشارع"، و"شباب الشارع".

2) التداخل بين المفاهيم المرتبطة بفئة أطفال الشوارع

يخلط البعض بين مفهوم "أطفال في الشارع Children in Street "، ومفهوم "أطفال الشوارع Street Children" على الرغم من الاختلاف الكامل بين المفهومين. فالأول يشير إلى الأطفال الذين لديهم أسر ولكنهم يتخذون من الشارع مكاناً للهو والترفيه أو العمل ثم يعودون إلى الأسرة مرة أخرى، وهم في ذلك لا يبيتون في الشارع أو يتخذونه  مأوى لهم. بينما المفهوم الثاني يشير إلى الأطفال الذين يتخذون من الشارع مأوى لهم، ويمارسون به جميع أوجه الحياة وتنقطع صلتهم بأسرهم بشكل كامل. لذا فإن مفهوم "أطفال الشوارع" يعد من أكثر المفاهيم التي تشتمل على خصائص الحياة التي يحياها هؤلاء الأطفال.

مراحل تحول الطفل العادي إلى طفل شارع

تتخذ حياة الطفل مجرى آخر بعد أن  يحيط به الفشل الذي يولد مشاعر الإحباط الدائمة، وقد ينتج هذا الفشل من عدم وجود أسرة مترابطة، إضافة إلى الفشل المدرسي أو عدم الاستقرار المهني. ويحاول الطفل في هذه الحالة استعادة توازنه، فينمي بعض المشاعر العدوانية تجاه الناس ونحو البيئة التي نشأ فيها، وهذه المشاعر هي السبب الرئيسي في حالة الاضطراب التي وصل إليها. ويبحث عن مكان آخر غير المنزل يجد فيه ما يشبع حاجاته التي لم يجدها في منزله - ويكون هذا المكان في الغالب هو الشارع-  وفي البداية يكون تركه للمنزل متقطعا ولفترات قصيرة ويعود إليه مرة أخرى.

وهذا ما سوف نتناوله تفصيلا في خطوات:

1) مرحلة الانفصال عن الأسرة

نادرًا ما يبدأ الأطفال مرحلة التشرد قبل سن الخامسة، وقد أكدت دراسة أجريت على أطفال الشوارع أن سن 7 سنوات يشهد بداية دخول الطفل إلى عالم أطفال الشوارع، وأن المرحلة العمرية 5: 9 من أكثر المراحل التي يبدأ فيها الطفل بالاتجاه إلى الشارع، الذي يصبح بؤرة لتعلم الكثير من الانحرافات التي يمكن أن تهدد المجتمع. ولأن قرار الطفل بالخروج إلى الشارع ليس بالأمر البسيط، فعندما يتحول هذا القرار إلى واقع فعلي يكون بشكل تدريجي، يبدأ من فقد القدرة شيئًا فشيئًا على تحمل العنف والقسوة وسوء المعاملة أو سوء الأوضاع بالأسرة إلى أن ينتهي الأمر إلى الشارع. وفي البداية يشعر الطفل بالخوف الشديد من البقاء في الشارع، وعدم القدرة على التكيف مع واقع الحياة فيه، ويتم تحوله إلى طفل شارع بطريقة تدريجية يمكن التنبؤ بها، من خلال مراقبة التغيرات التي تطرأ على سلوكه.

قد تبدأ معاناة الطفل الفعلية في الأسرة بشكل تدريجي نتيجة تكرار سوء المعاملة والقسوة، وقد تكون بشكل فجائي اثر انهيار الأسرة، وخصوصًا عند فقدان الشخص الذي كان أكثر قربًا للطفل عاطفيًا مثل وفاة أحد الوالدين وزواج الأخر. حيث يشعر الطفل بالضياع وتزداد الأمور سوء نتيجة عدم وجود بديل يعوضه ما فقده. وهناك حالات أخرى تأخذ طابع النزاع والعداء الصريح بين الطفل وأسرته إلا إنه يبقى فيها، ولكنه يرفض تمامًا الامتثال لسلطتها، ويعيش حياة اللهو والانحراف. ويتحول البيت في هذه الحالة إلى مكان إقامة مؤقت، وتتحول العلاقات مع الأسرة إلى تباعد وغربة، وبعد الوصول إلى هذه المرحلة يحاول كل من الطرفين أن يحمل الطرف الأخر الفشل الذي آلت إليه العلاقة بينهما، ويحدث هذا غالبا في حالات النبذ أكثر من حالات الانحراف، وهؤلاء الأطفال يطلق عليهم "أطفال في الشارعChildren in the street".

2) مرحلة التنقل بين الأسرة والشارع

يتأرجح الطفل غالبًا ما بين الإقامة بالشارع والبقاء مع الأسرة، ويحاول من جانبه الموازنة بين الاثنين اعتمادا على عناصر الجذب والطرد المتاحة في كل منهما. ففي البداية يمكث الطفل خارج منزله ليلة أو ليليتين، ثم يقضى وقتًا أطول بعيدًا عن منزله، ومع مرور الوقت تزداد مساحة الزمن التي يقضيها خارج المنزل. وتتميز هذه المرحلة بالهروب المتكرر من الأسرة، والتعرض لما يسمى ب"أزمة الهوية"، بمعنى عدم الإحساس بالانتماء من جانب الفرد لجماعة معينة. ويصل الأمر إلى درجة الخطر عند حدوث صراع بينه وبين أفراد الأسرة، فيتشرد الطفل وتنقطع الصلة مع ذويه وقد ينخرط في تجارب جانحة. وليس من الضروري أن يخرج الأطفال عن القانون مباشرة في البداية، حيث أنهم يتحولون إلى أطفال منحرفون شيئا فشيئا، ومع استمرار ممارسة هذا السلوك يصبح الأطفال مصدر خطر وتهديد لأمن وسلامة الآخرين، وعندئذ يصبحون جانحين أو خارجين عن القانون.

3) مرحلة التحول إلى طفل شارع

تتميز هذه المرحلة باكتساب الطفل لمعايير وقيم ومهارات جماعة أطفال الشوارع بما يمكنه من التأقلم مع حياة الشارع والتعامل مع مشكلاته المختلفة والبقاء بعيدا عن الأسرة. وعندما يجد الطفل جماعة يتفق معها من الأطفال الذين مكثوا فترة طويلة بالشارع، يعتقد إنه يعوض عجز الأسرة عن إشباع حاجاته، عن طريق الشعور بالقوة واثبات الوجود بانتمائه لجماعة ما. ويصبح الطفل بعد انضمامه إلى تلك الجماعات في حالة من اللامبالاة نحو المجتمع، والولاء الشديد للجماعة التي ينتمي إليها، ويكتسب خصائصها ويسلك سلوكها -والذي في الغالب يكون سلوكا منحرفا- فقد يمارس السرقة أو التسول.

وربما ينتقل الطفل إلى الفعل الإجرامي وفقًا للظروف المحيطة به، والتي تدفعه إلى تبرير السلوك الذي يقوم به. حيث أن هناك الكثير من الأطفال يقتصرون على ارتكاب المخالفات الصغيرة ولا يتجاوزون حدودها في انحرافهم. ولهؤلاء القدرة على ضبط النفس تجاه الفعل الإجرامي -أحيانًا- لأنهم يدركون خطورة العواقب التي تترتب عليه بالنسبة لهم ولضحاياهم. ومع تكرار مثل هذه الأفعال يصبح نبذ الطفل صريحا من قبل أسرته، مما يؤدى إلى  تشرده وانقطاعه كليا عن المنزل، وانغماسه في حياة الشارع والانحراف.

إن تعرض الأطفال للانحراف ليس هو الخطر الحقيقي، وإنما ينذر بخطر الانخراط في عالم الجريمة مستقبلًا. ويطلق القانون على هذه الحالات اسم (الحالات شبه الإجرامية)، ويرون أن كثيرا منها في حقيقتها حالات تشرد لو وقعت من أفراد بالغين، ولكن أحكام التشرد العامة لا تسري على الأحداث. فاحتراف هؤلاء الأطفال الجريمة لا يرتبط بالعمر بقدر ما يرتبط بالخبرة التي يمرون بها في الشارع.

في نهاية  اللقاء مع "عصفورة"، وبالمناسبة هو يحب ذلك الاسم أكثر من اسمه الأصلي، حيث يعتبره ثمرة جهد وتعب ومشقة ليحصل على هذا اللقب، وليس مجرد اسم شهرة، بل بمثابة مكانة اكتسبها بعد فترة طويلة من تغليه على صعاب الحياة في الشارع، ومكانة متفردة يتمتع بها ويتفرد بها وحده. وصلتني دعوة للمشاركة في مائدة مستديرة لمناقشة وضع استراتيجية للحد من ظاهرة "الأطفال بلا مأوى" (وهو طقس سنوي تشترك فيه الجهات الحكومية والأهلية، كل عام نضع استراتيجية متكاملة مثالية على الورق، بفندق خمس نجوم بمنطقة فاخرة)، قرأت أجندة اللقاء –المتكررة- والتي تتضمن ثلاث استراحات لتناول القهوة والسناكس، وفي الختام غذاء. تذكرت آخر ما حكى لي عصفورة عن حياته في الشارع، أخبرني أنه قبل أن يتعلم كيف يحصل على النقود، اشتهى تناول دجاجة، وكيف كان يقف بالساعات أمام محلات بيع الطعام، يشاهد الدجاج المشوي يلف ويدور ببطء فوق النار، معلق بأسياخ حديد، كان يشعر وكأن معدته وقلبه هو الذي يتم شواءه على مهل من الجوع وتمني تذوق ولو قطعة صغيرة، وكيف كان أصحاب المحال يطردونه ويعاملونه بقسوة شديدة. ذات يوم كان يجلس في مكان تتجمع فيه القمامة، فرأى كيس به دجاجة كاملة، اقترب منه وفتحه، وكانت الرائحة كريهة للغاية، فقد كانت فاسدة، ومع ذلك أشعل نار من بعض المخلفات، واقترض من صاحب عربة فول بعض الملح والبهار، وأغرق به الدجاجة وجلس يشويها على النار، والتهمها بأكملها. قطع كلامه بنظرة مختنقة بدموع قد نساها من فترة، وقال "كنت عارف إن هيجي لي تسمم ويمكن أموت، بس كان نفسي جدا أكل فرخة كاملة مشوية"، واستطرد أنه أُصيب بالفعل بالتسمم، وذهب إلى مستشفى عام حكومي وعالجوه بصعوبة، لأنهم في الغالب يرفضون استقبال أطفال الشوارع.

فكرت قليلًا في تكلفة استراحات القهوة والغذاء وتكلفة الاجتماعات والمؤتمرات لمناقشة تسمية الأطفال بأطفال الشوارع أو الأطفال بلا مأوى، ونفض الجدال باستراحة جديدة من القهوة، ثم يذهب الكل لمنازله، في استعداد لمؤتمر أو مائدة مستديرة أخرى، بينما الأطفال ما زالوا يأكلون دجاج مسموم.

 

د. سوسن الشريف

 

ميثم الجنابيالقضية الكردية- أفق مغلق وبدائل محتملة (10)

وبما أن قضية الأرض في العراق هي قضية مفتعلة، بمعنى انه لا تاريخ فعلي فيها ولها، من هنا تراكم العبارة الوجدانية والأسطورية في الخطاب القومي الكردي. كما لا يعني بروزها و«تكاملها» في الوعي السياسي القومي الكردي سوى الاضمحلال شبه الكامل للرؤية الوطنية العراقية. وبلغت هذه الحالة ذروتها فيما يسمى بقضية كركوك و«الخارطة» الكردية بشكل عام وفي العراق بشكل خاص!!

فمن الناحية التاريخية والثقافية والشرعية والوطنية ليست «خارطة كردستان» و«قضية كركوك» سوى رغبات وأحلام قومية عادة ما تميز أوهام الحركات القومية الصغيرة. ومن ثم لا علاقة لها بالعراق من حيث كونه تاريخا وهوية وجغرافيا ودولة. إذ تشير هذه الأحلام والرغبات إلى طبيعة النفسية والذهنية المتحكمة في الخطاب السياسي القومي الكردي في العراق وأثره بالنسبة لآفاق تطور الفكرة الوطنية. واكتفي هنا بتحليل شعار «كركوك قلب كردستان وقدس الأقداس» بوصفه شعارا نموذجيا يمكن من خلاله تشريح أبعاد الفكرة الوطنية العراقية في الوعي القومي الكردي الحالي (وسوف اتناول أصل مدينة كركوك وتاريخها في مقال لاحق).

إننا نعثر في فكرة «قلب كردستان» على أربعة جوانب مختبئة في الوعي القومي الكردي ومتحكمة بآلية لاوعيه السياسي، الأول وهو أن كركوك ليست عراقية. والثاني أنها محتلة. والثالث أن الأكراد لا علاقة لهم بالعراق، بمعنى أن قلبهم ليس في العراق. والرابع، أن الأكراد بلا كركوك هم أشبه ما يكونوا بإنسان بلا قلب، أي بلا شريان الدم. بعبارة أخرى، إننا نرى في هذا الشعار المضمون الخفي لهاجس الأرض «الكردية» «المحتلة»، وشريان النفط الضروري لحياة الأكراد المستغل من جانب قوى غريبة عنه.

والشيء نفسه يمكن قوله عن الشطر الثاني المكمل للشعار، أي لفكرة «قدس الأقداس». إذ نعثر فيها أيضا على أربعة جوانب مختبئة في الوعي القومي الكردي ومتحكمة بآلية لاوعيه السياسي. الأول وهو أهميتها «المقدسة» بوصفها أرض «الآباء والأجداد». والثاني أنها مسروقة من قبل أقوام دخيلة هم العرب والتركمان. والثالث، أنها «كعبة» القومية الكردية الجديدة. ورابعا، أهميتها الروحية بوصفها «قدس الأقداس»!

إننا نقف أمام مجموعة من العناصر الخفية التي تنتج وتعيد إنتاج الوعي العرقي للحركات القومية الكردية في العراق. وهو وعي لا تاريخي وأسطوري وفارغ من ابسط مقومات الرؤية الواقعية والعقلانية. فمن الناحية التاريخية السياسية كان الهدف الأرقى والأعلى والأسمى للحركات القومية الكردية قبل «اقتطاع» بعض من العراق التاريخي الكائن في جسد السلطنة العثمانية المتهرئ، هو السليمانية. وقد جرى اجتزاءها في بادئ الأمر بهيئة «حكمتدارية» جرى دمجها بالعراق الحديث لاحقا. بمعنى أن الحد الأقصى للرغبات القومية الكردية قبل نشوء الدولة العراقية الحديثة لا يتعدى منطقة السليمانية. وهي رغبة محكومة بواقع سياسي وجغرافي وثقافي وديموغرافي آنذاك. إذ لم يكن للأكراد محط رجل لا في أربيل ولا دهوك. أما كركوك فإنها كانت في «غيب» الانتشار الكردي ضمن أراض العراق بوصفهم مواطنين فقط.

والقضية هنا ليست فقط في انه لا كردية في كركوك، بل والعراق بمعناه العربي (الذي كان يضم إلى جانب العراق الحالي أجزاء كبيرة من تركيا الحالية). كما لا يوجد أثر للأكراد حتى ضمن مفهوم «عراق العجم». فالأكراد من الناحية التاريخية هم قوم الجبل. ولا علاقة لهم بالمدن. والتاريخ الكركوكي (العراقي) لا كردية فيه لا بالمعنى الدولتي ولا الحقوقي ولا الثقافي ولا السياسي ولا الفني ولا المعماري على مدار آلاف السنين. أي منذ أن ظهرت إلى الوجود بوصفها مدينة عراقية. أما الانتشار الجديد للأكراد فيها زمن الدولة العراقية الحديثة فقد كان مرتبطا في اغلبه بانتقال «المساكين» الفارين والهاربين من سطوة الأغوات والفقر والقهر إلى أطراف المدن العراقية العديدة بما فيها كركوك. وهي عملية بدأ زخمها بالاندفاع منذ ثلاثينيات القرن العشرين، أي ضمن مسار وتطور الدولة العراقية. ونفس الشيء يمكن قوله عن أربيل ودهوك (وأسمها الاصلي نو هدرا الاشورية البابلية الاصل) وغيرها من المناطق والمدن العراقية. فهي مدن عراقية أصبح أسلوب الإبادة الجماعية والقتل والتشريد الهمجي لسكنتها العراقيين الأصليين (الآشوريين) بدأ من زمن بدر خان وأتباعه (أربعينيات القرن التاسع عشر) حتى منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، طريقا لتغليب العنصر الكردي فيها. ومن ثم فإن كل ما جرى بهذا الصدد هو جزء من تاريخ الدولة وليس القومية. ومن ثم فإن وجود أكراد في منطقة ما لا يعني أنها «منطقة كردية»، وإلا لانقلبت جغرافيا الأمم والأرض! فالجغرافيا القومية هي أولا وقبل كل شيء تاريخ ثقافي وحضاري ولا شيء آخر. فالإفريقي المنقول زمن العبودية إلى أمريكا لا يفترض في وعيه أن يرى في أمريكا افريقستان! انه يمكن أن يكون مواطنا أمريكيا من أصول افريقية. والشيء نفسه يمكن قوله عن الأكراد في أراض العراق. كما يمكن قوله عن أي شخص آخر بغض النظر عن أصوله القومية.

إن وجود أو انتشار الأكراد في مختلف مناطق العراق هو أول وقبل كل شيء دليل على قلب العراق الكبير ومعرفته لقيمة القدس والمقدسات في قبول البشر بغض النظر عن أصولهم العرقية والدينية. ولا معنى لتحويل قلب العراق الفعلي تجاه الأكراد والقومية الكردية إلى قلب «كردستاني» لا علاقة له بالعراق. أما مطابقتها مع «القدس» فهو اشتراك في ما لا ينبغي الاشتراك به. والقضية هنا ليست فقط في أن مضمون «قدس الأقداس» الكردية موجه ضد العرب، والقدس فلسطينية (عربية)، بل ولارتقاء مضمون القدس في الوعي القومي العربي إلى مصاف المقدس الإسلامي. أي أنها ليست قومية فقط. بمعنى أنها عربية وإسلامية. والأكراد مسلمون، فمن أين للأكراد المسلمين شهية العبارة النصرانية، وكيف يمكن الاشتراك مع يهود الصهيونية في العمل من اجل أسطورة لا توراة فيها ولا عهد قديم ولا قواسم مشتركة؟! إضافة إلى أن ما يدعوه القوميون الأكراد «بكردستان الجنوبية»، أي شمال العراق ما هو في الواقع سوى أرض عراقية آشورية تراكمت فيها منذ آلاف السنين ثقافات عراقية وعربية لم يكن للأكراد فيها أثرا ولا مأثور ولا مآثر!!

إن سيادة الرؤية الخرافية والأسطورية والدينية المزيفة عن كركوك بوصفه «قدس الأقداس» الكردية، يحتوي في أعماقه على قوى تخريبية لا تعمل في ميدان الفكر القومي إلا على صنع مختلف نماذج الغلو والانغلاق العرقي، مع ما يترتب عليه من مواقف لا تتسم بأدنى مقومات الواقعية والعقلانية والوطنية. ومن ثم لا يمكنها أن تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى مآس لا يدفع ثمنها في نهاية المطاف سوى الشعب الكردي وليس «قياداته التاريخية».

إن امتزاج الرؤية الأسطورية بالدينية المزيفة في الشعار السياسي هو الوجه الآخر لضعف الحركة القومية وانسداد أفقها التاريخي. أما النتيجة فهو انحدارها من منطق الرؤية الوطنية الثقافية إلى نفسية القومية العرقية، ومن الرؤية الواقعية والعقلانية إلى الأحلام الطوباوية واللاعقلانية. الأمر الذي نعثر عليه في التمسك شبه الوثني على سبيل المثال بما يسمى المادة 58 من «القانون المؤقت». وهو قانون لا يتمتع بأية صفة شرعية، مع ما فيه من تناقضات تنبع من فكرة «المؤقت» في «القانون»!! إضافة إلى لغته العربية الركيكة التي تدل على أن من كتبه لا يلم باللغة والقانون على السواء. أما في الممارسة السياسية فإنه عادة ما يجري اختزال كل مضمون «القانون المؤقت» إلى المادة الثامنة والخمسين (ولاحقا 140)!! وهو مؤشر على ما أسميته بهاجس وحافز الأرض والثروة، أي كل ما يتجسد في نفسية الغنيمة!! ولا تحتوي هذه النفسية على أي قدر من الأبعاد الوطنية (العراقية). أما المطالبة بإرجاع العرب إلى أماكن سكنهم الأصلية في العراق، فإنه مؤشر إضافي على هذه النفسية. والقضية هنا ليست فقط في أن كركوك لم تكن جزء من منطقة الحكم الذاتي، بل وفي حق كل عراقي العيش فيها، كما يحق لكل مواطن العيش في كل بقعة من أرض العراق بغض النظر عن أصوله القومية وانتمائه الديني. إن من حق المواطنين العراقيين الأكراد المطالبة بالرجوع إلى مناطق سكنهم التي شردتهم أو رحلتهم أو طردتهم السلطات منها، لا تحويل القضية إلى مطالب بأرض قومية لا وجود لها. إضافة لذلك أن سلوك السلطات لا يخلو من إجحاف بحق فئة ما أو بحق الأغلبية أو حتى بحق الجميع أحيانا، إلا أن هذا يبقى مجرد جزء من تاريخ السياسة وليس من تاريخ القومية. وبالتالي ليس هناك من حق لأي طرف في العراق أن يطالب بترحيل أو إرجاع أو طرد أو ما شابه ذلك من عبارات لمن كان هو نفسه ضحية السياسة المجرمة لنظام بائد. إن الحد الواقعي والرؤية العقلانية بهذا الصدد تقوم في المطالبة باسترجاع الحقوق المدنية للإفراد وليس تحويل فكرة الحق إلى مطالب قومية عرقية. إذ أن فكرة إرجاع «العرب» من كركوك إلى أماكن سكنهم الأصلية تعني بالضرورة أن كركوك ليست عراقية. وهو مطلب غير معقول. لاسيما وانه مطلب سوف يدفع بالضرورة فكرة إرجاع الآشوريين إلى أماكن سكنهم الأصلية في شمال العراق بعد موجات الإبادة الهائلة التي تعرضوا لها قبيل الحرب العالمية الأولى وبعدها وفي العراق الملكي ومن جانب الأكراد بالأخص. كما انه يمكن أن يدفع شعار إرجاع الأكراد إلى مناطق سكنهم الأصلية، أي إلى مناطق الجبال وشهرزور، أي إلى ما وراء الحدود العراقية، كما فعل صدام مرة! ولماذا يحق للحركات القومية الكردية أن تكرر باسم حق تقرير المصير تكرار نفس جرائم الصدامية؟!

مما سبق يتضح حجم الانحطاط الفعلي في الفكرة الوطنية عند الحركات القومية الكردية، وتغليب الهمّ العرقي على الهمّ العراقي. ونعثر على هذا الواقع في انتشار الشعار الأسطوري وغير العقلاني ومختلف الخرافات "التاريخية". مع أن تجارب الأمم جميعا تبرهن على أن الفوز الفعلي هو لقدس العقلانية والواقعية، أي للنظام الديمقراطي الاجتماعي والمواطنة المكفولة بقوة القانون وليس بقوة القومية المزيفة والادعاء الأسطوري عن «أرض الآباء والأجداد»، أي ممن لا وجود لهم! بمعنى أن الفوز الحقيقي يقوم في استتباب منظومة الفكرة الوطنية وليس بعث العبث القومي العرقي. لاسيما وأن تجارب الأمم الحية الكبرى، القديمة منها والمعاصرة تبرهن على حقيقة لا مجال للشك فيها ألا وهي أن الرؤية العرقية هي مصدر السلوك العنصري، أما نهايتها فهو الانحطاط القومي الشامل والهزيمة التاريخية. وهي خاتمة سوف تتحول بالضرورة إلى بديهية سياسية في العراق.

***

ميثم الجنابي

 

محمد الورداشي"ليس هناك حقائق، فقط تأويلات".

 لقد شغلت فلسفة نيتشه الباحثين لمدة طويلة ولا تزال، ويعزى هذا الاهتمام المنصبُّ عليها إلى كونها فلسفةً متعددةَ المواضيع والمجالات الإنسانية، فضلا عن المنهج الصارم في الاشتغال على القضايا الفلسفية القديمة. والمتأمل لفلسفة نيتشه، سيجد أنه لم يأت بشيء جديد فيما يتعلق بموضوعات فلسفته، وإنما تميز بطرحه الجديد وتناوله لقضايا طرحت في فترات تاريخية قبله. ومن بين القضايا التي اهتم بها الباحثون والدارسون لفلسفة نيتشه، نجد نظرية العود الأبدي، حيث إن لها جذورا لدى الفلاسفة اليونانيين، وملخصها هو أن الأحداث والوقائع التي وقعت سَتُكرر بالطريقة والكيفية نفسيهما دون زيادة أو نقصان. بيد أن نيتشه حاول تغيير الغاية من هذه النظرية، من خلال تعديلات أضفاها عليها ثم نسبها لنفسه بطريقة مضمرة. لكن، ونحن نقرأ كتابه المعنون ب "هكذا تكلم زرادشت"، مع استحضار ما قدمه في كتبه السابقة من إشارات، وضعنا تصورا أوليا، وهو أن هدفه الأساس هو بلوغ الإنسان المتفوق، في حين أن نظرية العود الأبدي لا تتفق وهذا الأمر؛ لأن ما كان يهدف إليه نيتشه هو بناء الإنسان العادي، والذي يقع بين الحيوان والإنسان الراقي، حتى يرتقيَّ إلى درجة إنسان أعلى، لكن الإنسان العادي سيستجيب لسنة العود الأبدي لا محالة. وحتى نقارب هذا التناقض، ينبغي أن نعود إلى الجزء الذي خصصه نيتشه لهذه النظرية من كتابه سالف الذكر، وذلك بالوقوف عند لغز الراعي والأفعى؛ إذ لا يمكن لقارئ الكتاب أن يفلت من الوقوع في متاهات فكه وتأويله. وهنا، سنكتفي بسؤال واحد، محاولين الوقوف عند الإجابات التأويلية التي يمكن أن نستنتجها من قراءتنا، والسؤال هو: ما الغاية من لغز الأفعى والراعي؟ هنالك تفسيرات وتأويلات كثيرة لهذه القصة الرمزية؛ لأن ثمة عددا كبيرا من الدارسين ذهبوا إلى أنها تلخص وجودية نيتشه، أي أن الإنسان يصنع قدره بنفسه بعدما يتفوق عليها، ولعل هذا ما يستنبط من ظاهر القصة. وهكذا، سنحاول عرض التأويلات التي قدمناها لهذه القصة بناءً على قراءتنا المكرورة، محاولين ترجيح أحدها تأسيسا على مؤشرات وردت في صفحات الكتاب بشكل متناثر.

- التأويل الأول:

الراعي: زرادشت،

الأفعى: العود الأبدي،

 الإنسان الذي سيصاب بهذه المصيبة: المُعرض عن العود الأبدي،

ما فات: الاشمئزاز منها،

وما سيأتي: الإنسان المتفوق.

 - التأويل الثاني: الراعي: زرادشت، الأفعى الحالكة: الوصايا القديمة لأهل الصلاح والعدل، تفل دافعا برأس الأفعى إلى بعيد: تحطيم الألواح القديمة، شهوة الضحكة: حب الحياة ورفض الموت. - التأويل الثالث: الراعي: العقل في مرحلة الجمل، الأفعى: الواجب، الصوت الآمرُ بالعضِّ: العقل في مرحلة الأسد، جلله الإشعاعُ: العقل في مرحلة الطفل.

- التأويل الرابع: الراعي: زرادشت، الأفعى: الاحتقار العظيم للإنسان الصغير، حيث ورد قول زرا: "وا أسفاه إن الإنسان سيعود، سيعود الإنسانُ الصغير دورا فدورا إلى الأبد" (ص227). الصوت الداخلي: الانتصار على الذات بإرادة القوة، ونرجح أن الصوت هما حيوانا زرادشت، أي النسر والأفعوان، حيث "صاح الحيوانان: انقطع عن الكلام... لأحد قبلك" (ص 227)، شددت عبثا: القضاء على الإنسان الصغير، ليس من عالم الإنسان، أي الأبدية. ولم يعد راعيا ولا إنسانا معناه: نبي أتى من عالم الأبدية؛ إذ جلله نور أي رسالة العود الأبدي، ومرد هذا إلى كون النسر (القوة) والأفعوان (الأبدية) هما الصوت الذي أعلن لزرادشت بأنه النبيُّ المعلِنُ تكرار عودة الأشياء إلى الأبد. فكيف أرضى الموت، أي تكرار الإعلان عن هذه الرسالة والقيام بهذه المهمة بشكل أبدي، وكذا التبشير بالإنسان المتفوق. وبعد، فإننا نرجح التأويل الأخير؛ لأن نيتشه كان يهدف إلى بلوغ درجة الإنسان المتفوق على ذاته، ومن ثم سيعمل على بناء الفرد العادي، لكن بعد تخليصه من أمور عدة تثقل كاهلَهُ، منها: الدين، والإرادة السجينة، والاعتماد على الآخر، والتحسر على الماضي؛ لأن "الزمان لا يعود أدراجه". وبهذا يتأهل الفرد لكي يستجيب لنداء نيتشه: "يجب عليك أن تصير من أنت" (ص242). ونافل القول إن نيتشه كان يرى نفسه إنسانا متفوقا على ذاته، ومن ثم صار نبيا ومنذرا بمجيء الإنسان المتفوق الذي سيتكرر عبر العود الأبدي (ثمة احتمال أن يكون قد ظهر في العصور القديمة) لأنه اعتقد أن هنالك أجيالا مبدعة ستأتي بعده، وستتشرب وصاياه وتعاليمه، وتبشر بها ثم تنذر بمجيء الإنسان المتفوق؛ أي أجيال أخرى مبدعة بعدها. وهكذا ستتم لنيتشه غايته وحلمه، وذلك لكون وصاياه الجديدة لبناء فردانية قوية ستتكرر عبر الأزمنة وبشكل أبدي. لقد أراد نيتشه أن يولد بعد موته، وهذه نبوءته من خلال وضع الإنسان الأعلى داخل دورة العود الأبدي، ولعل هذا ما جعله حيا بفكره إلى يومنا هذا، ومن ثم تتحقق نبوءته: "هنالك أناس يولدون بعد موتهم"، ففكره صمد، ولا يزال، أمام عواصف التأويل وهنا مكمن قوته ومتانته. 

 

ذ. محمد الورداشي

 

 

ميثم الجنابيالقضية الكردية- أفق مغلق وبدائل محتملة (9)

تكشف تجربة سنوات ما بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية عن تحجر وتخلف سياسي هائل للحركة القومية الكردية تجاه الفكرة الوطنية العراقية. بمعنى السير في اتجاه معاكس لمنطق الدولة العصرية وآفاق الاندماج السياسي الثقافي في العراق. ومن خلاله تقديم نموذج يمكنه أن يشكل ضمانة تكامل المنطقة والأكراد. ويستطيع العراق انجاز هذه المهمة في ظل ظروفه الحالية وآفاق تطوره الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. إلا أن السائد في أعماق الحركة القومية الكردية، كما تكشف عنه مجرى الأحداث السياسية وطبيعة مراوغتها بعد الثامن من نيسان عام 2003 وحتى اليوم، عن بقاء بل وتعمق وترسخ ضعفها البنيوي، الذي لم تستطيع التحرر منه. بمعنى إننا نقف أمام نفس «السياسة» المميزة للحركات القومية الكردية في مراحل ضعف الدولة واضطرابها الداخلي. ولا يعني ذلك في ظروف العراق الحالية سوى المساهمة الفعالة في عرقلة إمكانية إرساء أسس الديمقراطية الاجتماعية والشرعية. إذ لا معنى لأساليب الابتزاز والسرقة والغنيمة السائدة في سلوك ونفسية الحركات القومية الكردية في العراق غير ذلك. وهي نفسية تعكس مستوى التطور الاجتماعي وتقاليد الإقطاعيات المتخلفة والعائلات القبلية والأغوات. كما تعكس ضعف وتخلف البنية الاجتماعية والسياسية للحركة القومية الكردية عموما. ويجعل هذا الواقع منها عبئا ثقيلا على العراق وخطرا جديا على آفاق تطوره الحر. فإذا كان الجانب الخاص بالحركة القومية الكردية هو جزء من ذاتها القومية، ومن ثم تتحمل تبعات ما تقوم به، فإن بقاءها في العراق يجعل منها طرفا في صراعاته الداخلية. ومن ثم نقل اغلب عناصر الخلل المميز للفكرة العرقية إلى ساحة الصراع السياسي العراقي.

وهو واقع يجعل من المشروع العرقي الكردي في العراق مشروعا تخريبيا بالنسبة لبناء الهوية الوطنية العراقية. وهي نتيجة مرتبط بنفسية وفعالية «الأقوام الصغيرة» التي لم تندمج في كينونة الدولة وثقافة الأمة الكبرى، والتي عادة ما تكشف عن نفسها زمن الانقلابات الحادة وضعف المركزية. ذلك يعني أن الشيء الوحيد الذي يمكن أن تفرزه الحركة القومية الكردية الحالية في ظروف العراق المعاصرة هو:

- نفسية العرق

- وذهنية الانفصال

- وأيديولوجية الانعزال.

وهي نفسية تخريبية بالمعنى السياسي والاجتماعي والقانوني، برزت وتعمقت وترسخت وتوسعت بعد انهيار الدكتاتورية الصدامية. فمن الناحية المنطقية كان ذلك يفترض الاشتراك الاجتماعي الفعال من جانب القوى الكردية بمعايير الرؤية الاجتماعية والوطنية، إلا أننا عوضا عن ذلك نرى استفحال نفسية الغنية والاستحواذ والتقوقع. بحيث تحول العراق بالنسبة لها إلى مجرد بقرة حلوب، لعل «مطالب» الحركات القومية الكردية الحالية بعد انتخابات 2005 دليل قاطع عليها، أنها مجرد «كركوك + مناطق جغرافية + مناصفة الخزينة + زائد تعويضات + ميليشيات مدفوعة الأجر + قرار انعزالي بكل ما يمس فكرة سيادة الدولة»!!! وهي مطالب أما سخيفة أو مجافية لأبسط مقومات الرؤية العقلانية والواقعية. بل أخذنا نسمع من بعض القيادات الكردية كلاما عن فضيلة ومنة بقاءهم في العراق على العراق!

ومن الممكن العثور على هذه المفارقة في مختلف الصور والممارسات والنماذج، مثل أن نرى رئيسا كرديا للعراق ووزراء أكراد في الحكومة المنتخبة من بين الحزبين السياسيين القوميين «الحليفين»، وفي نفس الوقت يعملان على تنظيم «مظاهرة جماهيرية» في اربيل والسليمانية ودهوك تدعو للاستقلال عن العراق!! وهي «مفارقة» يمكن فهمها بمعايير الرؤية السائدة بين الأحزاب السياسية في العراق الحالي، التي لا ترى في السياسة أكثر من قواعد متنوعة للاحتيال والمراوغة والحصول على مكاسب وما شابه ذلك. بمعنى أنها لا ترى في السياسة علما مهمته بناء الدولة. وإذا كان هذا النمط من السياسة هو القائم وراء مظاهرات الدعوة للانفصال في ظل الظروف الحالية للعراق، وفي ظل هذا المستوى من مشاركة القوى القومية الكردية في السلطة، وقبيل إعلان «الدستور الدائم»، فانه أمر يشير إلى قضايا أكثر تعقيدا وعمقا مما يبدو للوهلة الأولى. بمعنى أن من الضروري البحث عنها في نوعية ونمط الذهنية السياسية والأيديولوجية للحركات القومية الكردية الحالية في موقفها من الفكرة الوطنية العراقية. وهي نوعية تكشف عنها ما يمكن دعوته بتناقض الهمّ العرقي والفكرة العراقية في الخطاب القومي الكردي.

فمما لا شك فيه، إن الخطاب السياسي للأفراد والجماعات والأحزاب والدول هو المؤشر الظاهري لحقيقة ما تستبطنه. بمعنى إننا نستطيع العثور فيه على ما تريد قوله أو إيصاله أو الإفصاح عنه. وهو أمر طبيعي أيضا بوصفه الصيغة المناسبة لإبلاغ أبعاد «الرسالة» السياسية وأهدافها المعلنة والمستترة. وتعّبر هذه الحالة عن مستوى ارتقاء الدعاية والممارسة السياسية التي تجعل من الكلمة أداة فعالة في الصراع السياسي. وعندما نطبق ذلك على أوضاع الحياة السياسية في ظروف العراق الآنية، فإننا نقف أمام حالة مزرية من تدني الخطاب السياسي تعكس بدورها انحطاط التقاليد السياسية بشكل عام والثقافة السياسية بشكل خاص. إضافة إلى تقليدية الأحزاب السياسية بالمعنى الفكري والأيديولوجي والاجتماعي.

وهو تدن له مستواه الخاص والمتميز في الحركات القومية الكردية في العراق. حيث نعثر فيه على تجزئة واضحة للفكرة القومية الجزئية (الكردية) والوطنية العامة (العراقية) تصل حد الاختلاف والصراع والتضاد أحيانا. والسائد فيه هو خلوه وفراغه من الهمّ الوطني العراقي العام. ومن الممكن فهم هذا الفراغ ضمن المسار العام الذي تعرض له العراق والدولة بعد «عاصفة الصحراء». إلا انه تعرّض إلى تحول وتغّير جديد في مجرى الانقلاب العاصف في حياة العراق السياسية، وما استتبعه من «رجوع القوى الكردية» إلى «أحضان» العراق بوصفهم قوة "قومية" منظمة لها مشروعها الخاص.

ففقدان الهمّ الوطني العراقي العام، الذي كان أيضا نتاجا لسياسة الدولة المركزية القديمة، حالما يتحول إلى طرف في الصراع السياسي، فإنه لا يمكنه العمل بمعايير «الاعتدال والبراجماتيكية»، أي يصعب عليه العمل بمعايير الرؤية الواقعية والعقلانية. بل عادة ما نراه يخضع لضغوط مقدمات أيديولوجية. وليس هناك من مقدمات أيديولوجية للحركات القومية الكردية تتعدى مضمون المشاريع الكردية و«الكردستانية». وهو أمر بدأت ملامحه تتضح بعد كل حركة «إلى الأمام» في أوضاع العراق العامة.

فقد كانت مشاركة القوى القومية الكردية بعد سقوط الصدامية وظهور ملامح الانتقال الأولى إلى الديمقراطية، ايجابية وفعالة بالنسبة لإعادة بناء «العراق الجديد». إلا أنها سرعان ما أخذت تتحول تحت تأثير الخراب الهائل للعراق وانهيار قواه الاجتماعية والسياسية وسقوط السلطة المركزية إلى مجرد سلسلة مطالب قومية. ويختلط في هذه المطالب الشرعي وغير الشرعي. ومع كل حركة «إلى الأمام» بدأت معالم المطالب السياسية تتحول شيئا فشيئا صوب الرؤية القومية الضيقة. مما يشير بدوره إلى استفحال الأبعاد العرقية المتراكمة في مرحلة «الاستقلال» القصيرة وتحولها إلى نمط عملي تجاه العراق بشكل عام. مما جعل من المواقف والممارسة السياسية الكردية شيئا اقرب إلى الرؤية النفسية منها إلى الرؤية العقلية. بمعنى غلبة المزاج والوجدان على المواقف والسلوك والمطالب، كما نراه في انتشار مختلف عبارات التهديد مثل «الرد العنيف» و«الانسحاب» و«الانفصال» وما شابه ذلك أثر كل «أزمة» مهما كان حجمها! ولم يتغير هذا النمط من الخطاب حتى الآن. ففي أحد خطب البرزاني في (21-03- 2012) بمناسبة عيد نوروز لا نسمع غير الوعد والوعيد، عوضا عن أصداح الأفراح! ووراءه تظهر ملامح برزاني طرزاني من هذا الزمان! وهو نموذج "كلاسيكي" لا يمكن تحليله بدقة إلا بمعايير ما يمكن دعوته بانتروبولوجيا الأغوات والشقاوات! 

طبعا، إن ردود الأفعال المشار إليها أعلاه ليست مجردة عن طبيعة العلاقات الكردية الكردية وصراعها الخفي، إلا أنها تشير، ضمن معايير الحياة السياسية العراقية ككل، إلى استمرار غياب الهمّ الوطني العراقي، الذي نتج عن طبيعة الشرخ القومي المتراكم في مجرى الحرب العراقية الإيرانية وبلغ ذروته بعد انتهاء «عاصفة الصحراء». إذ لم يعد الهمّ العراقي هاجسا ضروريا في الرؤية القومية الكردية. بمعنى استبدال الهمّ الوطني العراقي العام بأولوية المشروع الكردي و«الكردستاني». وهو أمر طبيعي أيضا في حال النظر إليه ضمن سياق العلاقات القومية والسياسية التي ميزت زمن الدكتاتورية الصدامية. ومن ثم يمكن النظر إلى ردود الأفعال الكردية على أنها جزء من بقايا الخلل المترسبة في الوعي السياسي القومي اثر التدمير والتخريب الذي قامت به الدكتاتورية على كافة الأصعدة وفي كافة الميادين.

غير أن استفحال الهمّ الكردي القومي على الهمّ العراقي الوطني هو الصيغة الأولية لردود الفعل المترتبة على طبيعة ومستوى الفراغ السياسي الذي حدث في العراق بعد انهيار الدولة المركزية. كما يمكن فهم هذا التحول بمعايير الانتقال المفاجئ للأقلية القومية إلى هرم السلطة. ومن الممكن رؤية هذه الحالة على مثال عشرات التجارب السياسية التي مرت بها الكثير من دول العالم المعاصر. لكنه «استفحال» وهمي لا محالة في تبدده اللاحق، وعادة ما يمر بطريق الآلام من اجل أن تتكامل الرؤية السياسية بمعايير الواقعية أو العقلانية، أو تضطر أصحابها إلى الخراب والهزيمة. وهي الحالة التي تقف أمامها الحركة القومية الكردية. بمعنى السير «إلى الأمام» في تغليب الهموم القومية الكردية على العراقية مع ما يترتب عليه من ردود فعل سياسي وقومي محتمل، أو السير صوب الاندماج الوطني العراقي بمعايير الرؤية الواقعية والعقلانية. ومن ثم العمل من اجل اجتياز مرحلة الانتقال الصعبة صوب الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني. وهما تياران يتنازعان الحركات القومية الكردية في العراق. إلا أن الغلبة مازالت فيه لحد الآن للتيار الأول، والذي أكثر من يمثله تيار الحركة البرزانية. ولكنه يتخلل بدرجات متفاوتة كافة الحركات القومية الكردية الحالية في العراق. وهو أمر جلي في اشتراك أو إجماع مختلف الحركات القومية الكردية بإشكال وصيغ متباينة على «مطالب قومية» متزايدة ومعزولة عن الهمّ العراقي العام. بمعنى خضوعها من حيث المقدمات والغايات إلى أولوية المشروع الكردي و«الكردستاني».

 لكن حالما تكون هذه «المطالب القومية» جزء من «اللعبة السياسية» في ظروف الانتقال الصعبة والخطرة إلى الديمقراطية والدولة الشرعية، فإنها لا تصبح جزء من قضية قومية كردية، بل عراقية عامة. بمعنى أنها لم تعد قضية جزئية بل قضية عامة، وذلك لما لها من أثر مباشر وغير مباشر على آفاق تطور العملية السياسية والعلاقات القومية في العراق ككل. لاسيما وأن حصيلة «المطالب القومية» الكردية لا تتعدى في الواقع غير قضية الأرض والثروة! فهما الحافزان القائمان وراء الخطاب السياسي العلني والمستتر. وهما حافزان يمكن تتبعهما في كل الممارسات «المعتدلة» و«البراجماتيكية» للقوى القومية الكردية، بما في ذلك في الموقف من الدستور. فقد قبلت القوى القومية الكردية «العلمانية» بالمواد الدينية مقابل الحصول على «جميع المكتسبات». وليس المقصود بها من حيث الجوهر سوى الإبقاء على «خلاف الأرض» في العراق!! من خلال المواد المنقولة من «القانون المؤقت» إلى «الدستور الدائم»، واقصد بذلك ما يسمى المادة 58. بعبارة أخرى إن الهمّ الباطني والوحيد للقوى الكردية «العلمانية» هو المادة 58، أي كركوك وليس غيرها، تماما كما كان الحال في الموقف من «قانون الحكم المؤقت»، أي أن الجوهري فيه بالنسبة لها هو المادة 58. وفي كلتا الحالتين لا توجد في الواقع سوى نفسية الغنيمة بالأرض، المميزة لنفسية الحركات القومية الكردية على امتداد وجودها الحديث في شمال العراق.(يتبع....)

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

بليغ حمدي اسماعيللا تزال فكرة مواجهة التطرف الفكري والديني تؤرق الأنظمة السياسية ومن بينها النظام المصري بالضرورة، لأن ظاهرة التطرف كما تفطنها أصغر بناتي تشكل معضلة وعائقا أمام عجلات التنمية والاقتصاد والحلااك الاجتماعي الإيجابي، ولهذا فكرت مصر في تشكيل لجنة وطنية لمواجهة التطرف الفكري لاسيما في جنوب مصر، والحق أقول إنني شاركت في إحدى جلساتها بمقر صندوق التنمية الثقافية منذ أكثر من شهر وقدمت خطة لا أدعي أنها تتسم بالتكامل والشمول لمواجهة الظاهرة لكنها على الأقل تفي بمواجهة التطرف الفكري في الجامعات لا عن طريق قمع الحريات أو استلاب الآراء الطلابية بقدر ما هي تسعى لتفعيل واستغلال طاقات ومهارات الطالب الجامعي بغرض إشراكه في تحريك تلك العجلات التنموية والاقتصادية والاجتماعية .

وخطورة ظاهرة التطرف الفكري تتمثل في كونها مهادًا للإرهاب الذي يعصف بالأخضر واليابس، وظاهرة الإرهاب هي بالفعل التي تقوض المجتمعات المدنية التي ترنو إلى التقدم أو التطور فيأتيها هذا الوحش الكاسر ليقضي بآمالها وأحلامها .

ولعل أبرز أسباب انتشار الراديكالية قهر الحوار وقمع الحريات، لذلك ارتبط التطرف الفكر بالعنف السياسي، وبدا إن أية محاولة للإفراط في التفكير الجانح هي خطوة رئيسة للتطرف ومن ثم الإرهاب الذي تجاوز تخوم الكلمة وحدودها إلى إرهاب الجسد والإيذاء البدني .

ولا شك أن هناك علاقة وطيدة بين التطرف الفكري وتمكين العقل، حيث إن المتطرف غالبا كما تشير كافة الدراسات النفسية والاجتماعية المتأصلة في هذا المجال إلى أنه لا يتسم بسعة الأفق بل بالضيق، وهذا ما يجعله فريسة سهلة القنص للتيارات الراديكالية التي تسعى إلى إحداث حالة من الفوضى والتمزق السياسي تحت ستار الدين غالبا، واستغلال الصراعات السياسية . والكارثة أن مجتمعا كالذي نعيش في كنفه يتسم بالثقافة والتنوير إلا أن دور المثقف نفسه صوب إحداثيات التطرف والعنف والإرهاب بات باهتا وأضعف من أن يشار نحوه بقليل من الضوء .

فالمثقف المصري لا يمتلك قدرة على استشراف الخطر بصفة عامة، وعادة ما أتعجب من أمر الذين يصرون على إلصاق أسمائهم بلقب المفكر لاسيما وأنهم تنتابهم فجأة ظهور مثل هذه الحركات والتنظيمات في الوقت الذي كان أمامهم متسع من الزمن يسمح لهم بتجديد خطابهم الثقافي وتهيئة العقل العربي لاستقبال التنوير، وظل المثقف المصري ينتظر أية إحداثيات جديدة في المشهد السياسي والديني دون أن يبدأ في حركة التثوير المرتقبة والمنتظرة منهم فكانت النتيجة ظهور تيارات مناوئة تستهدف تقويض المنطقة كلها تحت رعاية أمريكية بعدما اقتنعت الإدارة الأمريكية بعدم جدوى التدخل المباشر وخصوصاً المكابدات التي لحقت بالقوات الأمريكية في العراق وكذلك ما تكبدته من خسائر اقتصادية أرهقت ميزانيتها عقب نجاح الثورات العربية تحديداً في مصر وتونس فكان من الأفضل لديهم الالتجاء إلى تدعيم فصائل قصيرة العمر تاريخياً من أجل زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي وتفتيت القوى التي يمكن أن تناهض الكيان الصهيوني ومصالح الإدارة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

كما أن أصحاب الفكر الراديكالي بحاجة ماسة إلى مراجعات فقهية وأخرى مجتمعية، فإن أدوار المثقف والمفكر العربي اليوم أصبحت بحاجة إلى ثمة مراجعات فقهية من زاوية إعادة النظر إلى أحداث المشهد السياسي المعاصر، وليس الاكتفاء بالتعليق على الأحداث، وعلى سبيل المثال إذا كان تنظيم الدولة الإسلامية قد فكر وخطط ودبر فإن رهان نجاح هذا التنظيم مشروط بمدى مشاركة المثقفين الوطنيين في تجديد الخطاب الديني ومواجهة الفكر المتطرف بواقعية، والبقاء في حالة مشاركة مستدامة مع الحدث وليس الاقتناع بمقعد المشاهد السلبي.

وإذا حاولنا رصد الفكر المتطرف وأسباب انتشاره المتسارع فإن الرائي يدرك على الفور شيوع فكرة نظرية المؤامرة المتأصلة لدى أولئك معتنقي الفكر المتشدد، وأصحاب النظرية أنفسهم يرون ضرورة السخط على كافة الأوضاع في المجتمع بدءًا برئيس الدولة انتهاءً بأصغر موظف في الدولة يحمل بطاقة تموينية .

وما أخطر على الدولة المصرية التي تبادر إلى تثبيت أركانها بثبات المواطن نفسه من الرفد الغربي لصناعة الكيانات السرية المتطرفة، والهدف الأساسي لهذا الرفد الغربي هو تفتيت الداخل وتقويضه وزعزعة أركانه . وبمراجعة فكر بعض المتطرفين وفقا لتصريحاتهم الصحافية ولقاءاتهم الفضائية وجدت أنهم تعرضوا لمبادرات موجهة من قبل أمراء التيارات المتطرفة كان سعيها التشكيك في نصوص الفقهاء المعتدلين المتقدمين والمتأخرين على السواء، وصولا بهم إلى الاقتناع بفكرة التعالي عن كل النظريات والفلسفات والتيارات الفكرية المتباينة .

ومخطئ من يظن أن الأمم حينما تنكسر أو تنحدر قيمها الفكرية والاجتماعية وتنحسر في قوقعة الأفول يبزغ التطرف وينتشر الإرهاب والعنف، بل إن معظم الحضارات المشرقة والمتقدمة يكثر أعداؤها بصور محمومة، وتاريخنا الإسلامي كفيل بسرد حقائق تفيد أن معظم التيارات والطوائف المتطرفة تسارعت في انتشارها وقت الصعود الحضاري .

ومن أجمل وأمتع ما قرأته من توصيف لأصحاب الفكر المتطرف هو ما قدمه الدكتور طريف شوقي في مقالته الماتعة التي استهدفت بناء استراتيجية لمواجهة التطرف الفكري، فلقد قدم توصيفا لمحددات الفكر المتطرف يمكن من خلالها فعلا مواجهة هذا الفكر لآليات ومحددات واقعية فعالة . فلقد قدم ثمة محددات لأصحاب الفكر المتطرف منها ضعف التحكم الانفعالي، ونقص المهارات النقدية، وبزوغ المفهوم غير الواقعي عن الذات، وضعف الارتباط الوجداني والعاطفي، والغياب النسبي للتنشئة النقدية في الأسرة . وغير ذلك من محددات أراها وربما يراها غيري أيضا كفيلة بوضع استراتيجية لمواجهة التطرف الفكري والديني .

لكن الأهم من هذا كله ما قدمه الدكتور طريف من أساليب واقعية لمواجهة التطرف يمكن إجمالها في الانفتاح على الخبرات المتنوعة وتحليلها، وحث الفرد على البحث عن أصل المسائل الفقهية، وتدريب المواطن على عمليات المحاججة . وفي الأخيرة لقد قدمت بحثا في نهايات 2015 استهدف تدريب الطلاب الجامعيين على استخدام تقنيات الكتابة الحجاجية الإقناعية وهي نمط ضروري ومهم لمواجهة أصحاب الفكر الأحادي الذي لا يقبل الحوار ولا يعترف بالاجتهاد ولا يفطن لحقيقة الحجاجية .

والأجدى من كل هذا أيضا أطمح أن تسعى اللجنة المشكلة لمواجهة التطرف الفكري إلى تركيز الخطاب الديني الذي لم يجدد حتى لحظة الكتابة الآنية على إبراز الدور النقدي الإيجابي لدى الفرد . ولذلك هناك ضرورة لتمكين العقل وتنمية مهاراته لدى الأفراد وحث الجامعات على استحداث مقررات للتفكير الناقد والإبداعي وصولا إلى ما نسعى إليه من خلال عنوان باب المقالة الشهرية لصاحب هذه السطور ألا وهي إدراك وفطنة ما بين السطور .

 

د. بليغ حمدي إسماعيل

 

 

محمد الورداشيإن الغاية التي كان يطمح لها نيتشه هي بلوغ درجة التفوق بالفرد الإنساني عامة، والفرد الألماني على وجه الخصوص. وهذه الغاية اقتضت منه أن يمر بمراحل عدة متتالية؛ لأن هذه النقلة لا تقتضي القفز على الإنسان العادي وصولا للإنسان المتفوق، بل إنها تتطلب بناء الإنسان العادي ليرتقي إلى المنزلة المتفوقة حسب نيتشه. إذن، كيف عمل نيتشه على بناء الفرد العادي؟ لقد نهج نيتشه مجموعة من المراحل التي تؤهل الإنسان من درجته الحالية إلى درجة أسمى وأرقى: لقد اعتبر نيتشه المسيحية حجر عثرة في طريق الإنسان إلى التفوق، لهذا اعتبر أن الإله قد مات، بل كل الآلهة قد ماتت ولم تبق من غاية للبشرية سوى بلوغ الإنسان الراقي. ومن هنا، يأتي النقد اللاذع الذي وجهه للمسيحية لكونها تقدم " فعل الرأفة تجاه جميع الفاشلين والضعفاء"(1)، فضلا عن كونها تحارب في الإنسان كل الغرائز التي تحبب إليه الحياة باعتبارها" غريزة تنام، وبقاء، وتجميع للقوة، وغريزة اقتدار"(2). وهكذا حاول نيتشه أن يخلص الفرد من السيطرة الكنسية المسيحية، وجعله قادرا على قول كلمة لا في وجه كل الواجبات التي يراها سلاسل وأغلالا، ومن ثم يجب التفوق عليها، وكذا رد الاعتبار إلى الجسد وملذاته وشهواته التي تحبب الحياة. فعوض البقاء على إرادة الحق التي يدعو إليها الكهنة ويعملون على إخضاع الفرد لها، يدعو نيتشه إلى إرادة القوة المبدعة والخلاقة لقيم جديدة منحوتة على ألواح جديدة، ومن هنا نقده للأخلاق المسيحية التي يراها أخلاقا للعبيد والحثالة من الناس، وقضاء على الأخلاق الأرستقراطية القوية التي هي أخلاق السادة الأقوياء. فالمساواة، مثلا، التي جاءت بها المسيحية قد قضت على النبالة والأرستقراطية، وعلى كل كريم موجود على وجه البسيطة. كما أن نيتشه يريد أن يحقق للفرد خلاصا أرضيا لا خلاصا أخرويا كما تعد بذلك الديانات السماوية عامة، والمسيحية خاصة. - إن الخطوة الثانية لبلوغ الإنسان الراقي، هي نقد الحداثة المريضة التي أنتجت إنسانا مريضا، وسلاما متعفنا وتسوية جبانة، حسب نيتشه. وبالتالي فإنه مطالب بتخليصه منها عبر فكر فلسفي يقيم للفرد اعتباره ويرد له إنسانيته التي فقدها في فترات تاريخية معينة. - كما أنه صنف المجتمع إلى طبقات، بحيث يحتل المسيطرون عقليا الطبقة الأولى، ثم يليهم المتصفون بالرجولة الجسدية، وأخيرا عامة الناس "الشاندالا" والأراذل الذين لا يتوقون إلى الترقي والتفوق. ولعل تقسيم نيتشه لطبقات المجتمع، نجد له شبيها لدى صاحب المدينة الفاضلة. حيث قسم أفلاطون، قبل نيتشه، سكان المدينة الفاضلة إلى فلاسفة وحراس وعمال. إذن فما الدور المناط بكل طبقة عند كل من أفلاطون ونيتشه؟ لقد كان أفلاطون يشدد على ضرورة بقاء كل طبقة في حدودها الخاصة مقدما لكل واحدة شروطا معينة. فالذين يحكمون، حسب أفلاطون، هم الفلاسفة الحكماء، في حين أن نيتشه يرى أن في الطبقة الثانية ملكا وحراسا و... مطالبون بتنفيذ أوامر الراقين عقليا" الذين يرون الواجب امتيازا؛ لأنهم يستخفون الأحمال التي تسحق الآخرين"(3)، كما أنهم اليد اليمنى للملك. إذن فمهمة المسيطرين عقليا هي التفكير والتوجيه، والأقوياء جسديا ينفذون فحسب. لكن لدى أفلاطون نجد أن الفلاسفة اختصوا بالحكمة، والحراس بالشجاعة، والعمال بالتحكم في النفس، أي أن على الحكماء والحراس كبح شهوات وجماح غرائز العمال، بيد أن نيتشه يرفض كل دعوة إلى كبح الشهوات وقمع الغرائز التي تحبب الحياة للفرد على وجه الأرض، وهنا نقطة الاختلاف الأولى مع أفلاطون. كما أن هذا الأخير، وفي ظل تأكيده على استقلال الطبقات، يدعو إلى الجمع فيما بينها لتحقيق ما يسمى بالعدالة. بيد أن نيتشه يرى أن "الفصل بين الطبقات الثلاث ضروري لحفظ المجتمع، ليكون ممكنا قيام أفراد راقيين، ووجود رقي"(4)، فضلا عن كونه لا يقيم اعتبارا للطبقة الثالثة" طبقة المستعبَدين"، وإنما يجعل من واجب المسيطرين عقليا تقديم يد العون والمساعدة للمتوسطين؛ لأن هذه الطبقة منها أيضا: التجارة والفن و...، وأصحابها هم أواسط القدرة والرغبات، و"حضارة رفيعة مشروطة بالأواسط"(5)، وذلك لكونهم شرطا وضرورة لتواجد الراقين المتفوقين. لكنّ ثمة سؤالا يطرح نفسَه هنا: ما موقع الكهنة من تصنيف نيتشه لطبقات المجتمع؟ يجيب نيتشه قائلا: "الكاهن هو طبقتنا المنحطة "الشاندالا" ويجب أن يكون مبعدا محظورا، ميتا من الجوع، منفيا إلى أي قفر كان"(6). ومن ثم يبدو لنا جليا أن نيتشه يقصي كل عقيدة في بنائه للفرد الراقي؛ لأن العقيدة (الدوغما) حسب تصوره، هي سجن وحجر عثرة أمام تأسيس الفرد لعقيدته الذاتية الراسخة القائمة على الشك المتحرر المدقق. فالنظر إلى العقائد وإقصاؤها من دائرة الأخلاق، قد دعا إليه فلاسفة كثيرون قبله، نذكر منهم جان لورن دالمبير، الفيلسوف الفرنسي الذي رأى أن المسيح هو واعظ أخلاقي، والعقيدة قد أسسها آباء الكنيسة، لهذا دعا إلى تأسيس دين إنساني عقلاني، تكون فيه الأخلاق هي أسّ الدين لا العقيدة. وهكذا يؤسس نيتشه قيمه وأخلاقه الذاتيتين على العقيدة الذاتية المشدودة إلى حب الأرض وعلى خلاص أرضي، لا على عقيدة دينية ما. في كتابه "عدو المسيح" نجده يقدم نقدا لمفكرين من أمثال روبسيير وسان سيمون، ومنه فإن الاختلاف بين هذين الفيلسوفين ونيتشه، يتجلى في دعوة روبسيير إلى عبادة الكائن الأسمى، وسان سيمون في المسيحية الجديدة. فهؤلاء الفلاسفة قد آمنوا بضرورة التمسك بسلطة روحية، وكذا ضرورة ممارسات طقوسية تعبدية مشتركة، وهذا ما ينتقده نيتشه الذي يدعو إلى عقيدة ذاتية وخلاص أرضي. وعلى سبيل الختم، يمكن القول إن نيتشه فيلسوف أخلاقي حتى وإن كانت منهجيته تقوم على الهدم والتقويض للسائد في عصره، ولكن ذلك يعزى إلى كون كل بناء جديد يسبقه تقويض وهدم للقديم. حيث قال: " كم سيستحيل علينا آنذاك أن نحيا دون أن نضع قيما"(7). كما أنه سعى إلى تخليص الإنسان الأوربي من وسواس المرض المسيحي "الذي يصيب أولئك الأفراد الوحيدين الذين يعذبهم الأحاسيس الدينية والذين سيستحضرون دائما آلام وموت المسيح"(8).

 

ذ. محمد الورداشي

.....................

(1)عدو المسيح ص 26 ت جورج ميخائيل ديب.

(2) نفسه ص 30.

(3) نفسه ص 168.

(4) نفسه ص 169.

(5) نفسه ص 170.

(6) نفسه، ص 190 "البند الخامس" ضد المسيحية.

(7) إنسان مفرط في إنسانيته، ت محمد الناجي، ص 36.

(8) نفسه ص 46.

 

باسم عثمانلم يكن أبو حيان التوحيدي صوفيا بالمعنى الدارج للكلمة، وهي مسألة ينبغي ألا تعد معيارا للحكم على مصداقية ومشروعية رؤيته الصوفية معرفيا وقيميا، ان الغفلة عند التوحيدي لا تعني العدم المعرفي المحض، وانما حضورا معرفيا إزاء الموضوع، لكنه حضور الجهالة والغياب والعجز عن ادراك الحقيقة، او ادراكها إدراكا وهما زائفا ينطوي على الشبهة والضلالة والمخايلة، بمعنى ان الموضوع يستتر محتجبا بظاهره الخارجي المموه والذي يستلب الوعي ويغيبه عن لب الموضوع وحقيقته الخفية الكامنة في عمقه، وكونه حجابا على الحقيقة وان كان يومئ اليها من طرف خفي بوصفه احد إمكانات الوجود.

يقول التوحيدي:" أيها الغائص في الدهشة، اما لك من صرعتك نعشة؟ يا هذا...دع عنك ما جنا عنه عاجل عيانا، اما تمتعض من وقوعك في فخ الهوى وحبالة الشهوة، وشرك الشيطان بسبب ظاهري لا ثبات له، وزبرج لا صنعة فيه، وعارض لا غيث معه؟ لكنك في سكرتك عامه، وفي صحوتك من خمارك والهْ، والندامة والحسرة يجتمعان في العواقب.... يا صريع الشهوات في الشهوات، يا خائضا في الشبهات على الشبهات، معتقلا في الجهالات بعد الجهالات، متى يكون انتباهك؟.. اسأل نفسك، من هذا العاجل المحشو بالتمويه، ولا تجنح في كل ما تراه عينك الى ظاهره، بل غص على خفيته ودفينته، فهناك اللب والحقيقة".

من الواضح ان النزعة الأخلاقية الكلاسيكية ذات الطابع الديني تسيطر على النص، حيث يتبلور مفهوم الغفلة المعرفي في سياق السقوط القيمي للإنسان، حيث يغيب عن حضوره الروحي الخالد، أي ينحاز انحيازا مطلقا لطبيعته المادية، حيث تستسلم الروح وتخضع خضوعا مطلقا لهيمنة الجسد فتنحسر داخل حدوده وقوانينه، قوانين اللذة والالم و الاحتياج المادي المحض، قوانين الضرورة المقيدة، بل التغير والزوال والعدم بالمعنى العبثي، حيث لم يبزغ فجر الوعي ولا التحديد الذاتي الذي يعبر عن القرار الارادي الحر للفرد المتميز، انها لحظة الانزلاق، اذ يسقط المرء في عمق ظلمة الجسد مستعبدا لهواه، مملوكا لشهوته الدنيوية، اسيراً لشياطينه القارة في اعماقه، لاهثاً وراء المتع العدمية اللحظية، مغترباً عن مملكة الروح حيث معانقة الوجود في حضوره الأصيل و المنطوي على العلو والحرية والخلود.

حصار الروح...

ان حصار الروح داخل قبضة الجسد يعني اختزال إمكاناتها وطاقاتها المعرفية والقيمية المتميزة والخلاقة، وفقا للتصور الكلاسيكي الوسيط، الذي يعتبر الروح (النفس الناطقة العاقلة)، أي مركز الوعي والادراك، وبذلك، ينحسر الوعي فاقدا فضاءاته البرحة عقليا وخياليا وحتى حسيا، لان اسير ظلمة الغفلة لا يعي ذاته الإنسانية كمعنى وجودي كلي الحضور، أي: لا يتحقق معرفيا بكونه فضاء جامعا للحقائق الوجودية( الإلهية بالأصالة)، او بوصفه مختصرا وجيزا او انسانا كليا جامعا فيما ارتأى (اخوان الصفا)، وتابعهم بصورة ما (التوحيدي)، ثم الصوفية من المتأخرين (كابن عربي) ومن تلاه.

بالطبع، إذا كان الوعي يختزل حضوره الذاتي في الفضاء المادي، فانه لا يبتذل ذاته فحسب، بل يبتذل كل الكائنات من حوله، ومجموع العلاقات التي تربطه بها، وهنا، الوعي يتمثل ذاته داخل فضاء الضرورة المقيدة ولا يستثني من هذا علاقته بالمطلق.

وهذا يعني، حصر الوعي داخل حدود الاستخدام او في ظل علاقات عارضة متغيرة وزائلة، تنتهك حضور الذات كما تختزل حضور الأشياء والاخرين اختزالا مؤذيا، ومن ثم، فضاء الغفلة هو فضاء للاستنفاذ العدمي النفعي، حيث تنتفي إمكانات الجدل الحيوي الخلاق معرفيا وقيميا بين الذات وذاتها، ما يقود الى امتلاء الذات بالفخاخ التي ترصد المرء فتخدعه وتغيب وعيه غيابا تاما عن ادراك الحقيقة في مختلف تجلياتها، وهو نمط من أنماط إعادة انتاج القمع والاذلال، لذلك، الوعي المنتهك حضوره دوما تستبيحه الذات، نافية له ومدمرة لهيمنته، اذ تسعى لاقتناصه كفريسة سهلة وتضلله، وتهيمن عليه فلا تمنحه حقيقتها او تتكشف له، بل تخايله دافعة به الى أعماق الغفلة والجهالة.

ولعل التوحيدي حين وصف الغافل بالمغيب المصروع، أراد ابراز مدى ما أصاب الذات من تدهور وانهيار، فغدت وجودا عدميا مبتذلا، فاقد الإرادة والعقل والمسؤولية، ومن ثم الحرية والكرامة، ويطلق التوحيدي على هذه الحالة تعبيرا كاشفا هو:" فسولة النفس".

هذا الوعي الغافل واليائس ينطوي على نوع من انواع القلق السلبي، قلق القدر والذي هو مركب من الضرورة والصدفة، وهو يعني سيطرة قوى عمياء بلا قانون او نظام او غاية، تلقي بالذات في حمأة العالم و بهرجته، لتفقد هويتها وتفر من مواجهة مصيرها، انها حالة السقوط في اللامبالاة واوهام الأمان في أحضان اليومي وتفاصيله المشتتة. وتستسلم هذه الذات اليائسة والقلقلة للاندراج داخل حدود القطيع، وتغدو رقما لا شخصية متفردة ومتميزة، وتخضع تماما لمعايير القطيع وقيمه دون مناقشة، ولعل معايشة هذا الإيقاع المتغير لعلاقات هذا الفضاء اللاإنساني هو ما يمنح الذات امانها الزائف، اذ تواجه الياس والقلق القارين في داخلها دون ان تعيهما، او مواجهة التهديد بالتهديد دون وعي مأساوي للمسالة، حيث انه وعي عبثي لا يعي قدر عبثيته، والتوحيدي يعبر عن هذا بقوله:" وحين يبلغ العجز اخره.... ويسترق الياس ظاهره وباطنه، أي لا رأي لمكذوب؟ إرادة مشوبة.... وعلاقات متهمة... وطمأنينة زائفة."

فضاء الغفلة وسقوط الذات...

اذا كان فضاء الغفلة هو فضاء التشيؤ والابتذال والياس والقلق اللاواعيين، فانه كذلك فضاء الوحشة المطلقة والاغتراب الحاد، حيث الهلاك والغرق في مساحات عدم التواصل وسوء الفهم المتبادلة بين الذات وذاتها، فحين تغيب الذات عن معناها الإنساني فأنها تغترب عن حقيقتها الوجودية الاصلية، وعن مراياها العاكسة والكاشفة للحقائق الكونية والالهية بوصفها فضاء جامعا لهذه الحقائق، حيث تسقط الذات في الرؤية الجزئية المنغلقة، فتتشظى مراياها المعرفية ولا تستطيع التقاط ذلك المعنى الكلي المتجلي في الجزئيات الكونية،

وهكذا، تغترب الذات عن ذاتها، لأنها لا تمتلك الوعي القادر على التقاط حقيقتها الذاتية والكلية الكامنة، وبلغة الصوفية:" تعجز الذات حين تسقط في الغفلة عن قراءة الموجودات من حيث هي مجال للحقائق الإلهية الخلقية، بمعنى رموز واشارات لا بد ان تخضع للتأويل"، او كما يقول التوحيدي: "رمز وراءه رمز، واشارة فوقها إشارة.".

في هذا السياق، يلتهم العجز المعرفي والسقوط اللاواعي في عمق المحدود والجزئي إمكانات الذات المعرفية، وتنحصر علاقاتها بالحقائق الإلهية والكونية في إطار حدود الضرورة التشريعية بالمعنى السلبي لها: كعبد السوء، الذي يرجو مباهج الربوبية ونعيمها، ولكنه يضيق بأوامرها ونواهيها، ويتحايل عليها مساوما بالعبادة الزائفة، مقايضا على الاخرة، " مقايضة عبيد الدرهم والدينار"، كما يطلق عليهم " ابن عربي".

ينطوي فضاء الغفلة على مفارقة أساسية تكمن في كونه فضاء للانتهاك، وهو دعوة لممارسة الحرية والانفلات والتمرد خارج إطار وحدود المعايير والقيم السائدة، ومن خلال وضعيتها اللاواعية والعبثية الى حد كبير، تمارس لذة الانتهاك كلذة وهمية زائفة تحول صاحبها لأضحوكة ومثارا للتهكم والسخرية ما تجعله مصدرا للتهديد الفعلي للأخر وقيمه ومعاييره المستقرة والثابتة.

يحكي لنا (اخوان الصفا) في رسالتهم ما يلي:" ذكروا انه كان رجلا من ارباب النعم متدينا، وكان له ابن متجاهر بالسكر، وكان الرجل كارها لذلك فيه، فقال له يوما، يا بني:" انته عن السكر حتى اعطيك شطرا من مالي وعقاري، وافرد لك دارا وازوجك بحسناء من احدى بنات ارباب النعم".

قال ابنه:" يا ابت، وماذا يكون؟؟!"

قال الاب:" تعيش فرحا مسرورا ملتذا ما بقيت".

قال ابنه:" ان كان الغرض هو هذا، فهو حاصل لي".

قال الاب:" كيف ذلك؟؟!"

قال ابنه:" لأني إذا سكرت، وجدت نفسي من الفرح واللذة والسرور، حتى اظن معه، ان ملك كسرى كله لي، واتخيل في نفسي من العظمة والجلال حتى أرى العصفور مثلا قدر البعير".

قال الاب:" ولكن ان صحوت لا ترى ذلك حقيقة!!"

قال ابنه:" اعود فاشرب ثانية، حتى أسكر، فأرى مثل ذلك".

وهكذا تمارس الذات سقوطها وغيابها بلا توقف، مندفعة اندفاعا عبثيا نحو الهاوية المظلمة، وتحيا غفلتها ملتذة بالوهم الذي هيمن عليها، فأصبحت أسيرة في قبضته يستلبها كيفما يشاء.

ان مخلوقات الوهم المنفلت خارج اطار القوانين الواقعية والعقلية هي إمكانية مفتوحة للا نهائي الحضور ولا قيود تحدها، انها رهن ارادتنا الجموح وشططنا المستحيل، حيث تتحقق كل احلامنا بيسر شديد داخل هذا العالم السحري اللذيذ. ان لذة الوهم هي لذة امنة وفضاءاتها مليئة بالوعود الجميلة غير المكلفة، لكن الاستغراق فيها الى درجة الاستغناء بها عن اللذة الواقعية، انما يدل على تعبير نزعة عبثية يائسة وان كانت لا تعي يأسها واحباطها.

ان فتح باب الممكنات الذاتية دون إرادة فاعلة وواقعية لتحقيق هذه الممكنات، هو نفي لحضور الذات وإعلان لعدمها، وبل يمكننا القول: انه نفي وسلب لحضور موضوع الرغبة، اذ يدمج الموضوع في الوعي ويفقد حضوره وشرطه الخاص ككيان مستقل مفارقٍ ومغوٍ وواعدٍ ولكنه مهددٍ في ان واحد،

لذلك، لا بد لنا ان نميز بين أوهام القطيع اليائس وسيطرة الوهم المضلل الزائف من ناحية، وبين الحلم الواعد للخيال المتمرد والخلاق والكامن في عمق تجربة الانتهاك، بوصفها تجربة تمرد إيجابي ابداعي الطابع من ناحية أخرى.

 

د. باسم عثمان - كاتب وباحث

 

ميثم الجنابيالقضية الكردية: أفق مغلق وبدائل محتملة (8)

لقد حاولت البرهنة في المقال السابق، على أن تقييم مواقف الحركة القومية الكردية من العراق والانتماء الوطني، يكشف عن أنها لا تتعدى في الواقع أكثر من «تكتيك» الرؤية «المعتدلة» والرياء «النفعي» المميزة للنزعة الانفصالية الكردية. وهي نتيجة يمكن رصدها في التربية الدفينة للحركات القومية الكردية وبروزها «السياسي» في عبارات الابتزاز الفارغة التي تملأ مواقف الحركة البرزانية وخطابها السياسي على امتداد عقد من زمن "الرجوع إلى العراق". وتبرز هذه المواقف بوضوح مع كل «انتصار» و«تقدم» صغير في «تجسيد الأحلام الكردية». واكتفي هنا بالإشارة إلى موقف واحد من بين عشرات المواقف المشابهة التي تصب في نفس الاتجاه، ألا وهو القول، بأن ما «يمنع» الأكراد عن الانفصال عن العراق هو «الظروف غير المناسبة»، التي يكررها في "كل مناسبة" غير مناسبة!! فقد قال مسعود بارزاني في لقاء جمعه بعدد من ممثلي الطلبة والشباب بمنتجع صلاح الدين، بأن السبب القائم وراء عدم إقدامه على إعلان الدولة المستقلة هو انتظار ما تفرزه التطورات اللاحقة التي «قد تقلب الموازين والوقائع»! وقال بهذا الصدد «أود أن أبلغكم هنا وكونوا على ثقة بأننا نتطلع إلى اليوم الذي نعلن فيه من داخل البرلمان الكردستاني دولتنا المستقلة ليتحقق حلمكم هذا»! لكنه استدرك لاحقا بالقول «إذا عدنا لما قبل عشر سنوات سنجد أن ما تحقق الآن قد لا يكون الإنسان حلم به، ولا ندري ماذا سيحدث بعد عشر سنوات من الآن من تطورات قد تقلب الموازين والوقائع». و«أن ما تحقق في الدستور العراقي لنا كشعب كردي تعتبر مكاسب كبيرة رغم أنها لا تلبي جميع طموحاتنا. وما تحقق كان بفضل من دعم الولايات المتحدة والدول الأوروبية المتحالفة معها وكذلك بدعم الأمم المتحدة». و«أن هذه المكاسب مثبتة في الدستور، وهي أضمن لنا من إعلان دولة مستقلة قد لا تحظى بهذا الدعم الدولي الموجود الآن وبالتالي قد نجازف في أمر نفقد من خلاله ما تحقق لحد الآن من الدعم الدولي». وفي مجال تحالفاته السياسية اللاحقة، فإنه ربط ذلك بما اسماه بموقف «الكتل والقوى من الفدرالية والديمقراطية والتعددية والمطالب الكردية في المناطق المتنازع عليها مثل كركوك وخانقين والسنجار وغيرها».

إننا نقف أمام صيغة «كلاسيكية» للنزعة الانفصالية المراوغة والمليئة بنفسية المغامرة والمقامرة والمؤامرة، باختصار بكل الرذائل السياسية التي لا مخرج لها من حيث الجوهر سوى الخيانة الفعلية للفكرة الوطنية. فالعراق بالنسبة لهذا النمط من التفكير السياسي العرقي هو أما مجرد بقرة حلوب، وأما أداة لبلوغ أهداف خاصة وأما «شريك» للسرقة!! وفي مجملها تعكس حقيقة الموقف غير الوطني للتيار البرزاني الذي اتصف تاريخيا بالاستعداد للاتفاق مع مختلف الأطراف الأجنبية والخارجية في صراعها مع العراق وضد مصالحه الوطنية العليا. وذلك لأن القوة الوطنية الحقيقية ينبغي أن تضع على الدوام فرقا بين صراعها وحتى عداءها للسلطة السياسية القائمة وبين المصالح الوطنية الكبرى للدولة والوطن. إلا أن عبارات البرزاني تكشف حقيقة نوايا ونمط تفكير هذا التيار. ففيها نقرأ فقدان الرؤية الوطنية العراقية، بل ومعاداتها في عبارته القائلة:«وما تحقق كان بفضل من دعم الولايات المتحدة والدول الأوروبية المتحالفة معها وكذلك بدعم الأمم المتحدة». وفيما لو أزلنا كلمة «الأمم المتحدة» بوصفها عبارة دبلوماسية، وكان بإمكانه أن يقول «إسرائيل» لولا الفضيحة، فإن ذلك يعني ليس فقط تجاهل العراقيين العرب وغيرهم في الصراع ضد الأنظمة الدكتاتورية من اجل صنع عراق ديمقراطي يتمتع به الجميع بحقوق متكافئة، بل واستهجان لهم أيضا. ويعبر هذا الاستهجان عن نفسية الغنيمة وليس الشراكة الوطنية. وهي فكرة جلية في ما اسماه باشتراط التحالف مع القوى التي تستجيب لمطالبه «بالفدرالية والديمقراطية والتعددية والمطالب الكردية في المناطق المتنازع عليها مثل كركوك وخانقين والسنجار وغيرها». لكنه لم يوضح مقابل أي شيء؟ وقد تكون الإجابة مقابل «البقاء في العراق»! إذن لماذا كل هذا الضجيج والدعوة لإقامة الدولة المستقلة. أم أن ذلك يفترض الحصول على «الأراضي المتنازع عليها» بوصفه اليوم الذي يمكنه أن يكون «يوم إعلان الدولة المستقلة من داخل البرلمان الكردستاني»! إذن لماذا هذه المطالب؟ أم إننا نقف أمام نموذج "كوردي" متميز في فهمه للاعتدال والنفعية؟ وهو اعتدال ونفعية مهمتها البرهنة «للحلفاء» الجدد (الأمريكيين) بالاستعداد الدائم لخدمة مصالحهم. كما تعكس هذه النفسية طبيعة الذهنية السياسية للحركة البرزانية التي كان اغلب تاريخها السياسي زمناً للارتماء بأحضان القوى الخارجية. ونعثر على هذه النفسية المستبطنة في عبارة البرزاني القائلة «قد تقلب الموازين والوقائع»، التي تجعل من الممكن «إعلان الدولة المستقلة». وهي عبارة تسقط كل معنى «الاعتدال والنفعية» وفكرة «نحن وطنيون عراقيون» وليس «انتحاريين قوميين».

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام خليط غير متجانس من الأفكار والمواقف يعكس بمجمله خلل الفكرة الوطنية العراقية في الفكر القومي الكردي المعاصر، والذي تمثله بصورة نموذجية الأبعاد الدفينة لكلمة «قد تقلب الموازين والوقائع». ويمكن فهم المعنى الباطني لهذه العبارة في الفكرة المباشرة التي طرحها البرزاني مرات عديدة في الفترة الأخيرة والقائلة، بأن الأكراد سوف يعلنون استقلالهم في حال نشوب حرب أهلية بين العرب في العراق. وفيما لو أهملنا شرارة «الحرب القبلية» المحترقة تحت غطاء البرزانية والطالبانية بين الأكراد، أي استحالة الاتفاق على «دويلة واحدة» بين الأكراد أنفسهم، دع عنك كل الجوانب الأخرى، فإن مضمونها الفعلي يشير إلى طبيعة النقص الجوهري في الفكرة الوطنية عند الحركات القومية الكردية الحالية.

وتعكس هذه «الفكرة» المزاج الدفين للتيار البرزاني. حقيقة أن ذلك ليس معزولا عن الصراع الدفين بين التيار الطالباني والبرزاني، إلا انه يشير من الناحية الموضوعية إلى طبيعة الخلل الفعلي في الرؤية الوطنية العراقية، وصعود الرؤية العرقية والمزاج القومي المشوه، أي كل ما وجد انعكاسه في الاعتقاد القائل، بإمكانية أن تكون الحرب الأهلية في العراق وسيلة بلوغ «الدولة المستقلة» للأكراد. وهو مزاج يعبر عن طبيعة «الاعتدال والبراجماتيكية» البرزانية بصدد الفكرة الوطنية العراقية.

إن ربط إمكانية ما اسماه بالحرب الأهلية بين الشيعة والسنّة، هو تعبير عن نفسية دفينة تعكس النزعة القبلية السائدة في التيارات القومية الكردية الحالية في العراق. بمعنى إننا نعثر فيها على تحريض ومساومة من نوع فاحش. والقضية هنا ليست فقط في عدم معرفة ماهية وحدود «العراق» و«الاستقلال» و«الدولة الكردية» في عبارة البرزاني، بل ولما فيها من جهل بماهية الحرب الأهلية وخصوصيتها وأثرها المحتمل في العراق والمنطقة، ومن ثم بالنسبة لمصير «الدولة الكردية». فالحرب الأهلية، كما هو معروف، هي أولا وقبل كل شيء حرب بلا قواعد. من هنا يصعب تحديد مداها الزمني وحدودها الجغرافية. كما يصعب تحديد أثرها وأساليبها، وذلك لأن آلية فعلها تفتقد لأية معايير عقلانية وواقعية. أنها محكومة بقواعد الثأر والانتقام. ومن ثم لا تصنع في مجرى اندلاعها سوى قوى همجية غير عقلانية. والحرب تنتهي بالضرورة، ومن ثم فالأكراد بحاجة إلى قوى للاتفاق معها. وعندما تلتقي قوى لا عقلانية من الطرفين فإن النتائج المحتملة هي «حرب حتى الرمق الأخير» وما يرافقه بالضرورة من تدخل خارجي دولي وإقليمي بالأخص. وهو تدخل لا يرحم الأكراد أو أي كيان آخر. فالطبيعة لا تحب الفراغ، والمصالح الاقتصادية والسياسية للدول الإقليمية هي اشد عنفا في الظروف التاريخية الحالية من الطبيعة، لأن الأخيرة لا تعرف الهمجية، لكنها تعرف "الثأر". بينما الدول الإقليمية تعرف الثأر والهمجية بقدر متساو. وهي نتيجة تجعل من المستحيل بالنسبة «للدولة الكردية» المعلنة الابتعاد عن آثارها، بما في ذلك عن آثار الصراع «السني الشيعي». والقضية هنا ليست في ما يسمى بالانتماء السنّي للأكراد، لأنه في الأغلب غطاء دعائي يستعمل عند الحاجة. لكن «الحاجة» في الحرب الأهلية عادة ما تكون لكل شيء. لهذا سوف تستهلك بالضرورة كل شيء بما في ذلك الصواب والخطأ والحقيقي والدعائي. فالحرب الأهلية آلة خشنة لا يمكنها التهام السنّة والشيعة العرب، بل والبرزانيين والطالبانيين "السنّة" الأكراد أيضا. أما النتيجة فهي إشراك الجميع في حروب بلا قاعدة، والقاعدة الوحيدة فيها ستكون لنفسية وذهنية «القاعدة» الزرقاوية سابقا وأشكالها المتنوعة الآن وآخرها "داعش"، أي لهمجية بلا حدود.

إن همجية بلا حدود تعني في ظروف العراق الحالية همجية عراقية عامة، أي حرب أهلية في عموم العراق. ولا يمكن حينها الاختباء وراء خطوط «المناطق الآمنة». إذ لا أمان آنذاك لأي كان، كما انه لا مصدر لتمويل الأمان والميليشيات واحتياجات الناس العاديين للعيش البسيط من «نفط مقابل غداء». وعندما تتلاشى معادلة النفط والغذاء، فإن المعادلة البديلة هنا هي الشحن العنيف للصراع والمواجهة الإقليمية. ولابد وأن ينتهي هذا الصراع بشكل ما من الأشكال. أما بفوز طرف على آخر أو بطريقة «التوافق»، بمعنى الاتفاق. ففي حالة فوز احد على آخر، فإن الفائز يكون بالضرورة مستكبرا وغاضبا ومتلذذا بالانتصار، تحدوه الرغبة الجامحة في القضاء عل كل «خصم» و«غدار» و«خائن» وما إلى ذلك من صور سوف يجري صنعها وتصنيعها وتسويقها بصورة سريعة. وفي حال التوافق والمساومة بين «السنّة والشيعة» العرب، فإن الأكراد سوف يكونوا الطرف الوحيد في «الغدر» و«الخيانة» و«العداء». الأمر الذي يؤدي أما إلى حرب «أهلية» على مستوى قومي، وهو ما لا تعارضه القوى الإقليمية. على العكس قد تكون أكثر استعداد لتشجيعه ودعمه. كما أنها الرغبة التي سوف تتحمس لها اغلب «الأقليات الكردستانية» إن لم يكن جميعها. وسوف تجعل هذه الحالة من الأكراد القوة الأضعف والأكثر محاصرة. فضعفها التاريخي هو الأشد قسوة في الظروف الحالية من كل تاريخهم الحديث. وذلك لأن «التشتت» السابق في المنطقة وصراعاتها الداخلية كان يجعل من الأكراد عموما «ورقة ضغط» أو «ورقة لعب». وتحول بعد الاحتلال الأمريكي للعراق إلى ورقة في أيدي أمريكية أمينة! وهو تحول من الشرذمة في المصالح إلى وحدة متينة في الإستراتيجية. ولا علاقة جوهرية بين المصالح الكردية والأمريكية إلا من حيث استعدادها على خدمة «المصالح الحيوية» للولايات المتحدة. وبما أن القوة الكردية ضعيفة بحد ذاتها، وقوية نسبيا في معترك المصالح الإقليمية المتناحرة، فإن وضعها كاملة في قبضة المصالح الأمريكية كان يعني إضعافها آلاف المرات قياسا بالسابق. فالولايات المتحدة قوة جبارة، وبالتالي فإن ضعف القوى الكردية هو أيضا الوجه الآخر لهذه المعادلة التعيسة.

مما سبق يتضح، بأن الآفاق البعيدة المترتبة على فكرة الحرب الأهلية هي إضعاف شنيع للأكراد وإفقادهم شبه التام لأي إسناد فعلي. مما يجعل منهم قوى قابلة للالتباس بزي «القوى الانفصالية» مع ما يترتب عليه من عنف مركب ضدهم ونشاط إقليمي مشترك للقضاء عليهم. لاسيما وأن الحركات القومية الكردية قد «نجحت» فعلا في استعداء دول المنطقة. ولم يبق في الواقع ملجأ لها غير العراق. وفي العراق حرب أهلية! غير أن هذه الصورة المكثفة أعلاه، أي الأقل دموية ومأساة مما سيجري في الواقع في حال نشوب حرب أهلية، كان ينبغي لها أن تثني رجلا عاديا من الحديث بفكرة مثل تلك التي أطلقها البرزاني. فالعاقل يصاب بالدهشة لتصريحات من هذا القبيل. ومن يسعى لبناء دولة ينبغي أن يكون على الدوام حذرا للغاية في الهواجس والوساوس، دع عنك في الكلام والعبارة. وأن يكون متحررا تماما من ثقل المفاهيم المبشرة بالحرب الأهلية. وهو تحرر يفترض الارتقاء من مقارنات السياسة المبتذلة والأحداث التاريخية القديمة والمعاصرة إلى آفاق المصالح الواقعية والعقلانية الوطنية العامة. وذلك لأن «كردستان» ليس كوسوفو، والعراق ليس يوغسلافيا، والشرق الأوسط ليس وسط أوريا.

إننا نعثر في الأفكار المبشرة بالحرب الأهلية، التي تقدم وقت الضرورة على أنها تحذيرا منها!! هو الوجه الآخر للانحدار والانحطاط العرقي للحركات القومية الكردية. مع ما يترتب عليه من نفسية الابتزاز والحصول على غنيمة. وبالتالي الاضمحلال الفعلي للفكرة الوطنية العراقية فيها.

طبعا أن هذا الانحدار ليس معزولا عن مكونه الذاتي القائم في ضعف التكامل القومي للأكراد. فالأكراد قوم وليس قومية، أي أنهم لم يمروا بعد بتجربة الصيرورة التاريخية المعقدة لفكرة الشعب ثم القومية ومن بعدها للأمة، إضافة إلى غياب أو انعدام الدولة وتاريخها الثقافي المستقل. بمعنى عدم وجود قومية دولتية لها تاريخها الخاص المؤثر والفعال في بلورة تقاليد سياسية وثقافية مستقلة وطويلة الأمد على المستوى الإقليمي. وهو ضعف جلي على خلفية كون الأكراد هم من سكان المنطقة ولهم جذور متداخلة مع الفرس والأتراك وقواسم دينية ولحد ما ثقافية مع العرب. ووجد هذا الضعف انعكاسه أيضا في البنية الاجتماعية القبلية والجهوية الراسخة بما في ذلك في الوعي القومي والسياسي المعاصر. وهو ضعف حصل على امتداده في التجزئة السياسية للأكراد في دول عدة من جهة، وتجذر التجزئة الذاتية في «منظومات» مغلقة من جهة أخرى. مما أدى بدوره إلى بلورة اغلب عناصر الاستلاب الثقافي المميز للحركات القومية الكردية الحالية تجاه ارثهم المشترك مع الفرس والأتراك والعرب. وهو نقص متجذر بصورة عميقة في الوعي القومي السياسي الكردي بهيئة عناصر عرقية تصعب معها الفكرة الثقافية للاندماج السياسي، أو الفكرة السياسية للاندماج الثقافي. وفي هذا تكمن عناصر الخلل في الفكرة الوطنية الكردية تجاه العراق.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

عبد السلام فاروقكلام قديم جديد: حول عقم النخبة المثقفة عن أن "تلد" فكراً جديداً يواكب موجات التطور الهادرة التى تجتاح العالم من أدناه إلى أدناه. وعن حاجة تلك النخبة إلى أن " تئد" أفكارها القديمة وتعيد تقديم ذاتها بفكر مغاير مواكب لما هو قادم من تغيير . أو أن تفسح المجال لمن يستطيع!

 منذ أواخر القرن العشرين، ومع تحولات السياسة العالمية فى أعقاب حرب العراق والتهاب الأوضاع فى منطقة الشرق الأوسط، وانحسار اليسار أمام عنفوان التيار الليبرالى الهادر. بدأت مناقشات جدلية بيزنطية تدور فى دوائر وحلقات مفرغة من النقد والنقد المضاد حول ما يُدعَى "موت الأيديولوجيات" و"نهاية المثقف"، والسبب هو تداعِى دور المثقف وانهيار ثقة الجماهير فى النخبة الفكرية التى تتقدم الصفوف دون أن تقدم شيئاً.. تبلورت تلك المناقشات والأفكار فى عدة إصدارات مهمة كان أولها كتاب "صور المثقف" لإدوار سعيد، وكتاب "أوهام النخبة" لمؤلفه "على حرب" وكلاهما صدر فى عام 1997، وأثار الكتاب الأخير ردوداً واسعة من طوائف المثقفين والنخبويين المدافعين عن مواقعهم كقادة للرأى والفكر، حتى بعد ثبوت خواء مشروعهم الفكرى وانعدام قدرته على طرح حلول واقعية أو حتى نظرية مقنعة للناس.

 اليوم تعود المناقشات بشكل تدريجى وعلى استحياء، لكنها أقوى وأشد وقعاً من سابقتها التى اقتصرت فى السابق على منتديات الخاصة من المثقفين، بينما هى الآن تدور فى عقول أصحاب القرار، بل وعلى ألسنة العامة !

فلماذا تعود تلك الفكرة للظهور الآن؟ وما مآلاتها؟ 

انهيار الإيديولوجيات ..

أثبتت التجربة أن النضال الفكرى تجاه أباطرة الكربوقراط والرأسمالية الموجَّهة تحت غطاء صاروخى نووى نضال عبثى لا يفيد فى قليل أو كثير . وأن قوة الفكر تفتقر إلى فكر القوة، والقوة هنا هى قوة المادة والإمكانية والمنتَج والثروة. لهذا نرَى كيف أن التنين الصينى لا يعتمد فى مواجهة الإمبريالية الغربية والفكر المهيمن على الأسواق العالمية لدى الشركات الأمريكية العابرة للقارات سوى فكرة الطفرات الاقتصادية بمشاريع عملاقة كمشروع طريق الحرير الذى سيغير وجه التجارة والاقتصاد فى العالم كله. والحرب التجارية التى يشنها ترامب ضد الصين ليست إلا إرهاصات ذعر مستقبلى من هذا المشروع التجارى العملاق!

 السؤال الذى يعاود فرض نفسه بإلحاح: ما دور المثقف العربي فى هذه المعمعة ؟

دور المثقف باعتباره قارئ متحقق مدقق لا للواقع وللفكر الحديث فقط، بل هو قارئ بالأساس للمستقبل ومتنبئ بالأخطار المحدقة بمجتمعه استناداً لمعارفه الواسعة وقراءاته المتجددة، إنه يلعب دور أجهزة الاستشعار المناخية والجيولوجية، لكنها قراءة لجيولوجيا السياسة ومناخ الفكر الاجتماعى والاقتصادى والتنموى. مثل هذا الدور أين هو الآن فى بيئتنا الثقافية العربية المنشغلة بالنظر خلفها أو تحت قدميها ؟ أين المهتمون باستقراء الواقع انطلاقاً منه نحو الغد بدلاً من المهتمين بجيوبهم وأحوال ذويهم تحت شعار “أنا ومن بعدى الطوفان"؟!!

 الانفصال الذى حدث بين الطليعة والجمهور لم يحدث من فراغ، ولا حدث فجأة بين يومٍ وليلة. بل هو تدهور تراكمى مرجعه أن الجمهور لم يعد يثق فى رؤية النخبة ولا فيما تقدمه من أفكار مستهلكة بالية أو سريالية مغرقة فى الخيال والوهم. وفى خضم الواقع الاقتصادى الضاغط يكون من الطبيعي جداً أن يتخلى الجمهور عن نخبته الطليعية، لأنها بادرت بالتخلى عنه وعن متطلباته وتطلعاته.

القدامَى والجدد.. لا يوجد كشف نهائى!

قد يتبادر سؤال مُلحّ لدى المنتمين للثقافة وهم ليسوا من النخبة: مَن يمتلك كشف تعيين المثقفين النخبويين؟ وهل النخبوية هنا مصطلح أكاديمى أم بيروقراطى أم براجماتى؟ وهل يمكن للنخبة أن تعيِّن نفسها بنفسها وتكتسب صفة النخبوية قسراً فتفرض نفسها على الواقع الثقافى فرضاً؟ وكيف يحدث هذا؟ وما السبيل لإجراء عملية "إحلال وتجديد" لهذه النخبة؟!!

إن شجرة الثقافة العربية العتيقة لم تعد كالسابق، اختنقت الشجرة الأم وكادت ثمارها تنعدم وسط شبكة معقدة شديدة الالتفاف والتشابك من نباتات متسلقة دخيلة . وانقسمت الصورة إلى جيل قديم يحن إلى زمن سابق لعبت فيه مصر دوراً ريادياً فى مجال الثقافة، جيل يكاد يختنق ويأفل أمام جحافل المتسلقين وأشاوس المنتفعين الراغبين فى هدم كل ما هو جميل ليبقوا هم وما يقدمونه من قبح وخواء. والخطورة تكمن لا فى كونهم يمثلون صورة خاطئة ومغلوطة عن الثقافة المصرية، مجرد واجهة زائفة لحقيقة تستحى أن تعلن عن نفسها . لكن مكمن الخطورة الحقيقية أن النخبة الثقافية المهيمنة على الساحة الفكرية بإمكانها التحكم فى قنوات التدفق الفكرى بحيث تغلق جميع المنافذ التى تهدد وجودها . ما يعنى أن المنافسة غائبة بالضرورة، لأن الغث هو الذى يسود فوق ما هو أشد ضحالة، إنها منافسة بين أشباه المثقفين وأدعياء الفكر، حيث لا يبقَى فى الواجهة إلا ما يؤكد وجودهم وأحقيتهم فى هذا الوجود، وأنهم البديل الوحيد للفكر والثقافة . والسبب أنهم حجبوا أى بديل حقيقي ليبقوا هم .

غير أن الواقع الثقافى المفكك المتداعِى يشى بأن الأرض باتت قابلة لانغراس بذور جديدة جيدة وخصبة عساها بشئ من الإصرار والجهد المخلص أن تنمو وتثمر كأشجارٍ سامقة عالية القمة لا تعبأ بكمأة اللبلاب المتسلق المتهالك.

مناورات النخب

العقبة الكبرى التى واجهت محاولات تخليق نخبة ثقافية بديلة هى أن شيوخها ورموزها من أساطين التفلسف وكهنة الفكر امتلكوا أدوات الالتفاف وأسلحة المناورة ضد أى محاولة لزحزحتهم عن الساحة .

فبينهم مَن تمرَّس على الجدليات النضالية الفلسفية التى تبدأ من حيث تنتهى! باستطاعته أن يثبت الشئ وعكسه بسهولة ويسر ليثبت وجهة نظره ويؤكد خطأ الآخرين، ولديه من مفردات القاموس الفلسفى المغرق فى التعقيد ما يجعله قادراً على الدوران بالأفكار فى دوائر مفرغة تنهك مَن يقع فى شرَك الجدل معه!

صنف آخر من النخبة يبدو كالدب الشرس المدافع عن حماه والمتحفز ضد أى عدو يهدد منطقة نفوذه..وله فى ذلك المنحَى أسلحة وأنياب ومخالب. مبدؤه العام الإقصاء درءاً للمتاعب وإيثاراً للسلامة، لا يخاطر بالدخول فى أى منافسة من شأنها أن تكشف ضعف منطقه وزيف موهبته وضحالة ذاكرته المعرفية. يروج لسلعته الثقافية مهما كانت كاسدة بكل وسيلة، ويذود عن مكتسباته ومكانته بكل ما يملكه من قوة عقلية وبدنية. مثل هذا الصنف لا يمكنه السماح بوجود منافسين أو مناهضين لمشروعه الثقافى المزعوم، ولا يمكن مناقشته فى إمكانية وجود تنوع فى الحقل الثقافى لإحداث التوازن، مثل هذا الصنف هو الأسوأ والأكثر انتشاراً والأشد مقاومة لأى محاولة لتغيير بنية الهيكل الثقافى.

إن أسوأ خصال النخبة المثقفة أنها نخبة نرجسية متعالية تنظر للعامة والدهماء نظرة احتقار رغم ادعاء الدفاع عن الحريات والحقوق والمبادئ العليا. فهم الطليعة المختارة المصطفاة، وهم صفوة الصفوة وخاصة الخاصة، يرون أنفسهم أنبياء هذا العصر المبشِّرين بالعدل والقيم والحرية، العارفين بأسرار الحقيقة ومجاهلها، المدركين لمصالح الجماهير الكادحة أكثر من الجماهير أنفسهم! فهم الأعلم والأقدر والأوعَى والأسبق. إنها كذبة كبرى وفرية عظمى تنغمس فيها النخبة حتى الثمالة، يعيشونها فيصدقونها ويتلبسون بها!

لا تنتظر من المثقف النخبوى مناقشة موضوعية أو قدرة على تغيير ذاته ومراجعة نفسه وإعادة تدوير أفكاره الآسنة. لأنه مقتنع وموقن بأفضليته ونخبويته التى تجعل من مناقشته إياك انتقاصاً لمكانته!

إعادة بناء المجتمع الثقافى

عالم نجيب محفوظ الروائى زاخر بحكايات مصرية تراثية جسدت الشخصية المصرية البسيطة بكل ما فيها من مزايا وعيوب. غاصت رواياته فى دروب القاهرة وأحيائها، وغصّت بنماذج اجتماعية شتّى . واستأثر نموذج حرافيش القاهرة بالنصيب الأوفر من الوصف والإضاءة والتركيز، لأنه يمثل تجليات الشخصية المصرية بكل تناقضاتها وتعقيداتها المتراكمة عبر التاريخ .

المجتمع المصري يتميز تاريخياً بأنه مجتمع هاضم لكل الثقافات، حتى الثقافات الاستعمارية التى قامت باحتلاله لعدة عقود، هضمتها الشخصية المصرية وأعادت إفرازها وإنتاجها فى شكل فنون وأدبيات متباينة منوعة الاتجاهات والمشارب.

المُلاحَظ اليوم أن المجتمع المصري يعيد اكتشاف وتدوير نفسه بدءاً من القاع. فالفنون الشعبية الآن هى الأكثر رواجاً وانتشاراً، واللغة الشبابية المرنة هى الأكثر تداولاً أو "تلاسناً"، والعامية فى الأدب والرواية هى الأشد قَبولاً والأكثر مبيعاً. ما يبدو فى أنظار البعض فوضَى وارتباك هو عَين الانتظام والترتيب. فالمجتمع يقوم بعملية هضم جديدة يلوكُ فيها كل ما هو جديد، ليطرد ما لا يستساغ ويُبقِى ما يحب.

ومن بين المهام التى يقوم بها المجتمع اليوم مهمة الإزاحة الذكية والنبذ الهادئ للمجتمع النخبوى. بدأ الأمر منذ نحو عقد من الزمان مع ازدياد الوعى وانخراط الناس فى الواقع والأحداث. بدأ أولاً بسلاح التجاهل والانصراف عن الاستماع للخطاب الثقافى المكرر. ثم أتت موجة الأدب العامى والفن الشعبوى كتعبير عن رفض العامة للأدب النخبوى. إنه إعلان صامت له مغزى وصدى وتأثير. مفاده أن المجتمع يبحث عن أدب جديد وفن مختلف وطرق أخرى للتعبير لا يملك المثقفون المحنطون القدامَى شيئاً من أدواتها وآلياتها.

حرافيش القاهرة هم اليوم بناة المجتمع الثقافى النخبوى . أذواقهم الفنية والأدبية هى التى تفرض كلمتها على الساحة الثقافية الفارغة من أى مضمون الخالية من أى رؤية أو مغزى أو هدف. هؤلاء الحرافيش هم الأقدر على إزاحة النخبة المثقفة ونبذها على الطريقة المصرية.

نكون أو لا نكون..تلك هى المعضلة

مخطئ مَن يتصور أنه البديل المناسب للنخبة . فالحل الأمثل لإزاحة النخبة هو هدم مبدأ النخبوية من الأساس . لأنه مبدأ عنصري يخلق فروقاً طبقية بين أفراد المجتمع الواحد فيحوّل مجتمع الصفوة إلى ملائكة وأنبياء وبشر فوقيون يعيشون فى بروجهم العاجية بعيداً عن العامة والغوغاء. فيتحوّل الجمهور بالتبعية إلى قطيع يُساق .

مجتمع بلا نخبة هو مجتمع يعترف بالاختلاف والتنوع ويبغض التمايز والطبقية. واعتراف المثقفين أنهم لا يحتكرون الحقيقة ولا يملكون صولجان المعرفة ولا مفتاح الخلاص والنجاة هو بداية الطريق إلى خلق نخبة من صفوف الجماهير أنفسهم، حيث تصير النخبة والجمهور شيئاً واحداً لا تمايز فيه ولا اختلاف.

ثمّة أسس خمسة لبناء مجتمع ثقافى جديد سليم الرؤية والنزعة والاتجاه.. تلك الأسس هى:

1- المثقفون القُدامَى: عليهم أن يتحلوا بالشجاعة الأدبية من أجل الاعتراف بفشلهم الذريع فى إنتاج رؤية فكرية يبتلعها الجمهور وينقاد لها. ومن منطلق هذا الاعتراف يعيدون تقديم أنفسهم بإسهام جديد وثوب عقلى وفكرى مواكب للتغيرات الجذرية المجتمعية المعاصرة.

2- المثقفون الجدد: لديهم الحق فى ملء الساحة الثقافية لإزاحة النخبويين القُدامَى.. هذا حقهم، فالجيل القديم لا يريد أن يسلِّم الراية للجيل الجديد من المثقفين، وعلى الجيل الجديد أن ينتزع الراية انتزاعاً. ثم ينضم للجمهور وينطلق معه نحو بناء مجتمع ثقافى سليم الجسد والعقل.

3- المسئولون: لديهم الفرصة السانحة لتحقيق إرادة جمهور يئس من نخبته الثقافية الهشة ويتطلع لظهور وجوه جديدة وإنتاج أفكار متطورة مسايرة للعصر. المسئولون وحدهم قادرون على تحويل الفوضى الفكرية والمجتمعية إلى منظومة متكاملة فاعلة.

4- المفكرون والنقاد: من غير النخبة، لا بد لهم من الانخراط فى خلق حالة من النقاش الجاد حول تلك القضية الحيوية. والاستعداد للاشتباك الفكرى مع النخبة المثقفة التى لا بد أنها ستدافع عن مكتسباتها بكل قوة.

5- الجمهور: قادر دائماً على أن يكون رقماً ثقيلاً كبيراً فى معادلة الفاعلية والتأثير. ولا بد أن يختار الجمهور مَن يمثله ثقافياً فى مرحلة فارقة من تاريخ الأمة.

 

عبد السلام فاروق

 

 

ميثم الجنابيالقضية الكردية: أفق مغلق وبدائل محتملة (7)

إن «صعود» الفكرة القومية الكردية في ظروف العراق قبيل وبعد سقوط الدكتاتورية الصدامية لم يكن في الواقع سوى صعودا للفكرة العرقية، أي سقوطا غير مباشر. وتلازمت هذه النتيجة بدورها مع الانحراف الذي ميز تاريخ الدولة العراقية الحديثة. لكنه يعكس في الوقت نفسه واقع الانحطاط الفعلي في مواقف الحركات القومية الكردية من الوطنية العراقية.

بعبارة أخرى، إن صعود الفكرة العرقية هو الوجه الآخر لسقوط الفكرة القومية الكردية نفسها. ويجد هذا الانحدار تعبيره وانعكاسه في ضعف أو انحطاط الفكرة الوطنية (العراقية) فيها. وتشير هذه الحالة إلى طبيعة ومستوى الخلل الفعلي في الفكرة الوطنية العراقية بشكل عام عند الأغلبية. 

إن انحدار الفكرة القومية الكردية صوب المكونات والنماذج العرقية هو أيضا النتاج الملازم للجهل بطبيعة الفكرة الثقافية في الفكرة الوطنية العراقية. من هنا ليس بإمكان الفكرة العرقية القومية أن تؤدي بعد مائة سنة من «النضال المرير» إلا إلى مرارة شبيهة بتلك التي تذوقها عرب العراق من صدامية «ثورية» «علمانية» «قومية» «تحررية» «وحدوية». وهي نتيجة يصعب الآن تصورها من جانب أولئك الذين يمرون بمرحلة الطفولة أو المراهقة القومية. إلا أن التاريخ يجبر بما في ذلك اشد الناس جرأة وحرية على الخضوع للفكرة القائلة، بأن من الممكن تجاهل التاريخ ونتائجه والشك بإمكانية التعلم من عبره، لكنه سوف يعاقبهم على فعلتهم هذه بالضرورة!! ولا تعني استعادة تجارب الفشل أو إعادة تجربتها من جديد سوى عدم الاستفادة من تجارب الماضي وهو عين الغباء، أو الاستفادة منها لمصالح جزئية وعابرة وهو عين الحماقة. أما البقاء ضمن دوامة الغباء والحماقة، فإنه لا يصنع حكمة!! ويمكننا العثور على هذه الحالة عند اغلب القوى السياسية "العراقية" بأشكال ومستويات متباينة. مما يشير بدوره إلى عدم النضج السياسي والوطني. وعموما يمكننا القول، بأن كثرة الغباء ليست مؤشرا على أصالة، لكنها تحتوي دون شك على بلادة متأصلة. وهي البلادة الناتئة في جهل مختلف القوى القومية لطبيعة الهوية العراقية وقيمتها الفعلية بالنسبة لرقي القوميات فيه جميعا، بما في ذلك بالنسبة للأكراد.

غير أن دراما القضية الكردية في العراق، اعرق من ذلك بسبب لا عراقيتها من جهة، وبسبب ضعفها الذاتي من جهة أخرى. وفيهما تراكمت تاريخيا مقدمات الانحراف صوب العرقية، وكذلك بفعل السياسية الهمجية التي اتبعتها السلطات المركزية على امتداد عقود طويلة تجاه الأقليات القومية، وبالأخص في زمن التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية.

وإذا كان نصيب الأقلية الكردية أكثر شهرة فلأنها مازالت الأكبر من بين الأقليات القومية في العراق. فعندما نقوم باستقراء تاريخ العراق الحديث، فإننا نرى بأن «القضية الكردية» كانت إحدى قضاياه الملتهبة وقت السلم والحرب والصعود والهبوط. إلا أنها تستفحل بشكل أشد مع كل انعطاف حاد وانقلاب مفاجئ في تاريخ الدولة والمجتمع. وتشير هذه الظاهرة إلى أن القضية الكردية اقرب إلى «المرض» منها إلى قضية حيوية بالنسبة لتنشيط عمل الدولة ومؤسساتها. غير أن ذلك لا يعني مسئولية الأكراد الذين جرى حشر بعض منهم بصورة اصطناعية (واقصد بذلك الجزء الشرقي من شهرزور التاريخية، أي منطقة السليمانية. مع ان لهذه القضية تعقيدها التاريخي والسياسي والجغرافي الخاص أيضا) في بلد لا علاقة صميمية لهم به بالمعنى التاريخي والثقافي والقومي. لكن هذا الحشر الذي شكل بمعنى ما التعبير الطبيعي عن ضعف الأكراد التاريخي والقومي قد أدى إلى نتائج إيجابية كبرى بالنسبة لهم في مجال الحياة القومية والمدنية. بمعنى الاشتراك النشط نسبيا في الحياة المدنية، ومن ثم الانتقال من ثقافة الجبل إلى ثقافة السهل، ومن البداوة إلى المدينة. ويمكن مشاهدة نتائجها العديدة في مختلف مجالات الحياة، بما في ذلك انتشارهم في المدن العراقية حتى أقصاها جنوبا، وارتقائهم التدريجي من مهن الفئات الرثة إلى مختلف المهن الرفيعة ومراكز الدولة. ويعكس هذا الانتقال والتحول أولا وقبل كل شيء الاندماج التدريجي والصعب بالحياة المدنية المعاصرة. وهو اندماج يعود الفضل التاريخي فيه للعراق كدولة. وهو أمر جلي في حال إجراء مقارنة سريعة بين واقع الأكراد قبل «دخول» الدولة العراقية والآن، وبين حالهم في العراق من حيث مستوى الرقي الثقافي والمدني وتطور الوعي القومي مقارنة بمناطق سكنهم الأصلي في إيران وجزئيا في تركيا الحالية.

ولا يفترض هذا الواقع مطالبة الأكراد بتعويض يقابله، انطلاقا من أن كل ما جرى في تاريخ العراق الحديث هو جزء من تاريخ الدولة. لاسيما وأن تاريخهم في العراق الحديث لم يكن سلسلة انتصارات، بل وهزائم أيضا، وليس مجرد كتلة هائلة من السعادة، بل ومن التعاسة أيضا، كما انه يحتوي على قدر كبير من العزة القومية والمهانة التي تماثلها. وتعكس هذه الحالة واقع وتاريخ العراق الحديث يوصفهم جزء ممن فيه. إلا أن هناك جملة من الوقائع المتكررة في هذا التاريخ توصلنا إلى ما يمكنه أن يكون حقيقة من حيث أبعادها السياسية، ألا وهي «انتفاض» و«مشاكسة» القوى القومية الكردية مع كل انعطاف أو ضعف في الدولة العراقية. مما يشير إلى أن الأكراد لم يندمجوا في بنية الدولة العراقية. بحيث يرتقي هذا التكرار إلى مصاف «القانون». ولعل الأحداث التي لازمت انهيار التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية، التي فسحت المجال للمرة الأولى في تاريخ العراق المعاصر أمام إمكانية بناء أسس الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي بوصفهما الضمانة الكبرى لحل كافة المشاكل على أسس اجتماعية سياسية، تبرهن من جديد على طبيعة الخلل الوطني (العراقي) في الحركة القومية الكردية. ويبرز هذا الخلل بوضوح في سياسة المغامرة والمؤامرة والابتزاز، التي بلغت ذروتها في سيادة نفسية الغنيمة والاستيلاء على الأرض، مع أن مضمون الحركة الاجتماعية الديمقراطية يفترض الارتقاء إلى مصاف تأسيس فكرة الشرعية والمواطنة. فهي الفكرة التي تضمن للجميع حقوقا متساوية، باعتبارها الغاية النهائية من كل نضال حقيقي وإنساني.

لكننا نقف أمام ظاهرة بقاء الحركة القومية الكردية في العراق ضمن شروط تكونها التاريخي الضيق، الذي يدفعها أكثر فأكثر صوب التجوهر العرقي. ويشير هذا بدوره إلى قضيتين:

- الأولى وهي هيمنة البقايا العرقية في الفكرة القومية الكردية، وضعف بل وانعدام التأسيس العقلاني للفكرة القومية الكردية،

- والثانية هي ضعف الاندماج السياسي والثقافي والاجتماعي بالعراق.

وقد تكون الأساليب التي جرى تجريبها في انتخابات 2004 واستعمال نتائجها كما هو جلي في «قائمة المطالب» الكردية تعكس تفاعل هاتين القضيتين في «تكتيك» و«إستراتيجية» النخب القومية الكردية. فعوضا عن العمل بمعايير الدولة الشرعية الديمقراطية والمجتمع المدني، نرى «إنذار» المطالب «التي لا يمكن التنازل عنها» مثل تقاسم الثروة والحصول على مدن عراقية وأراضي وما شابه ذلك، بمعنى بروز المضمون الفعلي والدفين لنفسية الغنيمة. وهي مواقف اقرب ما تكون إلى نفسية الشحاذين منها إلى سلوك سياسي لنخبة وطنية. وبالأخص حالما يجري الحديث عن «مناصفة» بالثروة!! بين 13%  (او أقل من ذلك) مع البقية الباقية 87%. (أو أكثر). ولا يقبل بهذه المناصفة عقل سليم ولا فطرة سليمة ولا ما دعاه البارازاني في «مقالته» المنشورة بعد أشهر من ذلك في الواشنطن بوسط من «أن الأكراد براغماتيون ومعتدلون»!! إذ تتسم هذه الصيغة بقدر كبير من الفجاجة في التعبير عن «روح» الاعتدال والنفعية "للأكراد البراغماتيين والمعتدلين"، كما لو أننا نقف أمام شعب فوق التاريخ ومتوحد ومتكامل في كل شيء!! أما في الواقع فإنها تشير إلى نفسية «أهل الجبل»، بمعنى الطيران بعيدا عن إشكاليات وتعقيدات المسار التاريخي لحياة الدولة ورهانات المستقبل. إضافة إلى ما فيها من ابتعاد عن ابسط مقومات الاعتدال والنفعية اللتين تفترضان ليس «المطالبة» و«الأخذ» بل والعطاء أيضا. أما العبارة التي قالها بهذا الصدد «نحن نعلم بأن لدينا حقوقا، ولكننا نفهم أيضا بأن لدينا مسؤوليات. نحن وطنيون، ولسنا قوميين انتحاريين»، وأن اتهامهم بالانفصال هو نتاج «النظرة الشوفينية التي ترى الشرق الأوسط منطقة متجانسة، وترفض قبول التنوع الموروث»، فإنها لا تعني شيئا بمعايير الرؤية الوطنية العراقية الفعلية، وذلك لأنها جزء من ممارسة اللعبة «البراجماتيكية».

إن الرؤية الوطنية الحقيقية هي من طراز أرفع وأسمى مما في مقاييس الرؤية النفعية أيا كان مستواها. وذلك لأن المعايير النفعية تبقى في أفضل الأحوال جزء من معترك الصراع السياسي الجزئي وليس الوطني. ولا معنى لفكرة البارازاني مما اسماه «بإعادة ربط كردستان بالعراق» بوصفه دليلا على هذه الرؤية الوطنية. فقد كانت «كردستان» مكبلة بالعراق وليس مربوطة به. بمعنى إن «استقلالها» كان مربوطا بالحبل السري العراقي. وفيما لو تركنا الجدل العلمي الدقيق حول مضمون هذه العبارات وغيرها مثل ما اسماه البارازاني بضرورة أن يستوعب «الشرق الأوسط جميع سكانه ولغاته وأديانه»، بوصفها مغازلة خفية لإسرائيل (وهذه ليست فرضية بل موثقة بما في ذلك فيما نشرته الموساد والدعاية الإسرائيلية أيضا)، فإننا نقف أمام تضخيم يتصف بالسذاجة للدور الكردي في المنطقة. وتتحدد اغلب مقومات هذه السذاجة بالضعف الفعلي للأبعاد الوطنية العراقية في الفكرة القومية الكردية المعاصرة وسلوكها العملي. كما نراها في قوله «لقد اخترنا طريق الالتزام بالتعهدات لأننا، مثل الولايات المتحدة(!!)، نريد أن ينجح العراق في تجنب عودة رعب الماضي. لذلك كنا منهمكين في السياسات الوطنية العراقية». أو أن يقول بأن «رؤية بوش للديمقراطية» التي تعطي للجميع «الكرامة والحرية» هي الفكرة والطريقة التي «يشاطره فيها الأكراد». وأن «الولايات المتحدة لم تتردد أبدا في مساعيها لمساعدة العراقيين على بناء ديمقراطية تؤدي إلى الاتفاق في الرأي والإجماع. لقد دفع الشعب الأمريكي السخي دوما ثمنا مأساويا، حياة أفضل رجالهم ونسائهم، من اجل رفع راية الحرية والديمقراطية، وهي التضحية التي نشعر بامتنان عميق لها». هكذا وبكل اختصار!! إننا نقف أمام تجاهل مطلق للشعب العراقي وتضحياته، بما في ذلك من سياسة اللعبة الأمريكية على امتداد عقود طويلة، والحرب العراقية الإيرانية، والعراقية الكويتية، وقمع الانتفاضة الشعبانية والحصار والغزو الأخير، التي جلبت للعراق وبنيته التحتية والروحية خرابا مأساويا. لقد تحولت الولايات المتحدة بين ليلة وضحاها من شيطان مارد إلى مصدر الحرية والكرامة والديمقراطية والنزاهة وتقديم أغلى أرواح أبناءها من اجل حرية العراقيين والديمقراطية والكرامة فقط! ولا شيء آخر!! وهي رؤية «معتدلة وبراجماتيكية» تتصف بقدر هائل من الرياء السياسي والعبودية المجانية. والقضية هنا ليست فقط في أن الإمبراطوريات لا تحب المنافسين ولا الأكفاء فحسب، بل ولا تمنح حبها للآخرين إلا بوصفهم تابعين أو عبيدا، أي تبدي "الكرم" المسروق من جهود وثروة الآخرين، والممزوج بالازدراء! والإمبراطوريات عموما لا تحب ولا تحترم غير نفسها ومصالحها. بما في ذلك أكثرها وأكبرها ديمقراطية. وإن مجرد إلقاء نظرة على تاريخ الولايات المتحدة وسياستها الواقعية يوصلنا إلى إدراك هذه الحقيقة. أما الارتقاء إلى مصاف «الحليف»، فإنه يفترض الارتقاء إلى مصاف القدرة العلمية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية القادرة على جعل الدولة تقول أحيانا كلمة «لا» أو «كلا» أو حتى «نعم». أما الحركة القومية الكردية فإن ما يراد منها هو مجرد الإيماء بآيات الإجلال والتعظيم. وهو شيء يشم المرء رائحته «الزكية» من هذا السيل العارم لكلمات المديح والإطراء المتناثرة في «اعتدال وبراجماتيكية» الأكراد الذين يمثلهم خطاب البارازاني( يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنانبي

 

بليغ حمدي اسماعيلمَدْخَلٌ اضْطِرَارِيٌّ: أسرع طريقة للتحرش بالنص الصوفي غير القابل للاستطراد لأنه بالفطرة نص اختزالي مكثف هو مباغتته بطرح الأسئلة التي يمكن من خلالها تفكيك النص وتفتيت عناصره إلى مكونات أولية يسهل من خلالها اقتناص مضامين ومعاني هذا الطرح الديني الذي يغلب على إحداثياته الرمز والإشارات والتنبيهات. هذا هو المدخل الطبيعي في التعامل مع الصوفي الأشهر الحسين بن منصور الحلاج شخصية ونصاً على السواء، فسرعان ما تحول تاريخ الحلاج وطرحه الصوفي ومناجاته الاستثنائية من وجع شخصي إلى حكاية شعبية يمكن توظيفها سياسياً واجتماعياً، الأمر الذي جعل من قصة الحسين بن منصور الحلاج أيقونة مستدامة للرمزية .

وثمة علامات تبدو ذات أهمية ونحن بصدد الحديث عن الحلاج شخصاً ونصاً لأنها تمثل مفاتيح طرحه الصوفي الذي لايزال يلقى رواجاً بالدرس والتحليل والاطلاع العام، منها أنك تتناول ذاتاً إنسانية ومشاعرها وأحلامها وأمنياتها غير الطامعة في الإحباط، وأن هناك تقنيات صوفية لم يمتلكها كثيرون من الذين قرروا الإبحار في التصوف، لكن بقي الحلاج وحده الذي استطاع أن يمتلك شفرة التعبيرة عن حالات الحب والوجد الصوفي وخير من أجاد في التعبير عن قلق التصوف في الوصول إلى يقين مستقر .

وبعين الطائر تستقرئ اتساعاً لرؤية العالم في نصوص الحلاج، وهي نصوص تضطرك طوعاً إلى التسليم بقدرة النص على التشكل وامتصاص العديد من أشكال التعبير، بل إنه بات ضرورياً اعتبار سرديات الحلاج المصدر الأصيل لما عرف بشعر الحداثة في العالم العربي . ومخطئ من يتناول نص الحلاج قاصراً على كونه أحد أقطاب التصوف الإسلامي فحسب، بل من ضرورات تلقي مثل هذه النصوص الاستثنائية الوعي التام ببراعة التركيب الفني التي تشير إلى إحالات ذاتية .

باختصار وقبيل الولوج إلى أكوان وعوالم الحلاج ينبغي التنويه إلى أننا بصدد رجل واحد ونص مركب يستنطق من خلاله بؤر الحياة التي تتقاطع أشعتها الكاشفة، وهو نص بتوصيف الإنسانية يمارس حق التطلع إلى قدر التحقق الأمر الذي جعل من الحسين بن منصور الحلاج شخصية أسطورية .

الحَلاَّجُ .. سِيْرَةٌ ذَاتِيَّةٌ:

هذه سيرة رجل استحق أن يملأ الدنيا ويشغل الناس أكثر مما افتتنوا بأخبار وحكايا شاعر العربية الأمجد أحمد ابي الطيب المتنبي،فهو أبو المغيث الحسين بن منصور الحلاج البيضاوي، لقب بالحلاج لأسباب تستدعي التأويل وإدهاش التفكير، فيقال إنه كان يكتسب قوته بحلج الصوف صنعة أبيه، ويقال إنه قعد على دكان حلاج وبه مخزن قطن غير محلوج، فذهب صاحب الدكان لحاجةٍ فرجع فوجد القطن كله محلوجاً، فاشتهر بذلك . أما صاحب اللقب نفسه فيقول مؤولاً إنه يعني " حلاج الأسرار " لدرايته بها واطلاعه عليها .

وَوُلِدَ الحلاج في بلدة طور، وهي بلدة تقع شمال شرق مدينة البيضاء في بلاد فارس، وزعم كثيرون أنه من نسل الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري، وارتحلت أسرته إلى العراق ثم استقرت في مدينة واسط على نهر دجلة، وهنا نشأ الحلاج بالعراق متعلماً للعلوم والمعارف الدينية خاصة علوم القرآن الكريم . ويكفي للحلاج أنه تتلمذ على يد سهل التستري وأبي عمر المكي وأبي القاسم الجنيد وهم أبرز أقطاب التصوف الإسلامي على مر عصوره وفتراته .

ولقد تعددت أسفار الحلاج متنقلاً من خراسان إلى العراق ثم إلى مكة المكرمة، ثم جاء إلى بغداد لينشر فكره وطرحه الصوفي نثرا وشعرا في كل بقاعها بغير كلل أو ملل، وكثرت الحكايات والأسمار وطرائف القصص عنه فترة إقامته في بغداد، منها ما ذكره ابن الوردي بقوله: " قدم الحلاج بغداد متزهدا متصوفا، يخرج للناس فاكهة الشتاء في الصيف وبالعكس، ويمد يده في الهواء ويعيدها مملوءة دراهم أحدية يسميها دراهم القدرة، ويخبر الناس بما أكلوه، وما صنعوه في بيوتهم " .

هكذا الحلاج سيد الصوفية بحوادثه وإحداثياته الأكثر دهشة وغرابة، حتى اختلف الناس فيه واعتقد كثيرون الحلول فيه، ونال من التأويل ما لم ينله متصوف آخر، وما أقرب الاختلاف حول شخصه كالاختلاف في السيد المسيح ( عليه السلام ) لذا تعددت الأحاجي عنه فقيل هو ولي الله، وقيل: هو ساحر، وقيل إنه كان يجمع ثلاثين يتيما ويصنع لهم أجود طعام ويطعمهم في في بيته ويكسوهم .

والحلاج نفسه يتعرض لاتهام الناس له بالكفر قبل أن يؤخذ قهرا وكرهاً إلى القتل والصلب، فها هو يحدث إبراهيم بن فاتك حينما استمع الأخير إلى مناجاته لربه سراً في خلوة له ويقول: " يا بني، إن بعض الناس يشهدون علي بالكفر، وبعضهم يشهدون لي بالولاية، والذين يشهدون علي بالكفر أحب إلي وإلى الله من الذين يقرون لي بالولاية " . فقال ابن فاتك: يا شيخ ولم ذلك ؟ . فقال: " لأن الذين يشهدون لي بالولاية من حسن ظنهم بي، والذين يشهدون علي بالكفر تعصباً لدينهم، ومن تعصب لدينه أحبّ إلى الله ممن أحسن الظن بأحدٍ " .

وابن سريج يقول في الحلاج مبرئاً إياه من تهمة الكفر: " أما أنا أراه حافظاً للقرآن عالماً به، ماهراً في الفقه، عالماً بالحديث والأخبار والسنن، صائماً الدهر قائماً الليل، يعظ ويبكي، يتكلم بكلام لا أفهمه، فلا أحكم بكفره " .

وإذا كان المتصوفة يشتهرون بمصنفاتهم فإن الحلاج وحده طاقة كتابة، وتبدو من الصعوبة حصر مصنفاته، إلا أن ابن النديم في كتابه الفهرست والكردي في كتابه الانتصار، أوردا بعضا من مصنفاته في التصوف وعلم الحرف والسيمياء والكيمياء والطلاسم والعزائم والرقى، ومنها كتاب طاسين الأزل والجوهر الأكبر والشجرة الزيتونة والنورية، والأحرف المحدثة والأزلية والأسماء الكلية، والظل المدود والماء المسكوب والحياة الباقية، وحمل النور والحياة والأرواح، والأبد والمأبود، وسر العالم والمبعوث، والغريب الفصيح، والنقطة وبدء الخلق، وموائد العارفين، والذاريات ذروا، والكبريت الأحمر .

تَكَلَّمَ الحلاجُ .. فأفَاضَ وَجْداً:

يشير جوزيبي سكاتولين في كتابه التجليات الروحية في الإسلام إلى أن الحسين بن منصور الحلاج تكلم في العديد من الموضوعات الصوفية مثل ميثاق الأزل وعنصر المحبة بين الله والإنسان المخلوق، ومن خلال طرحه استطاع الحلاج أن يؤصل لحقيقة هي أن الطريق الصوفي هو مسيرة نحو الله من خلال مراحل صوفية متعددة تبدأ بالتوبة وهي في دستور التصوف حال ومقام والزهد حتى أعلى الدرجات الروحية . ويرى الحلاج أن المحبة هي أعلى تلك الدرجات وهي القوة التي تدفع الإنسان في مسيرته الصوفية من أولها إلى آخرها موجهة إياه نحو الله .

ويرى الحلاج أن أعلى درجات المحبة تحصل عندما يترك الإنسان ذاته بالكلية فيفنى عن ذاته في محبوبه الأعلى، حتى لا يرى لنفسه وجوداً مستقلاً عنه، بل لا يرى في الوجود إلا الله، وهذا ما جسده شعراً بنظمه:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا * نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرتني أبصرته * وإذا أبصرته أبصرتنا

وسئل عن أسماء الله فقال: " أسماء الله من حيث الإدراك اسم، ومن حيث الحق حقيقة "، وحينما استخبر عن المعرفة ومقامها أوجز العبارة بقوله: " إذا تخلص العبد إلى مقام المعرفة أوحى الله إليه بخاطره، وحرس سره أن يسنح فيه غير خاطر الحق " .

والحلاج في نصوصه الشعرية والنثرية يحتاج إلى معجم استثنائي خاص ينبغي على المستقرئ لتلك النصوص أن يستعين به لفك شفراتها التي غالبا تتسم بالغموض اللغوي والدلالي، وأغلب التأويلات التي تعرضت لنصوص الحلاج لاسيما قبيل قتله وصلبه أفادت القارئ بأنه ناظم شعري لنفسه وناثر لغوي لذاته، وربما يصدق عليه قول الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش " وكن نرجسياً إذا لزم الأمر " وهو ما يفسر حضور الأنا بشهود وقوة في نصوصه، وربما إذا اتفق رجال التصوف الإسلامي بأن المناجاة النرجسية تسمى الحضرة الشخصية، فإن أصدق ما ينطبق على حالات الحلاج يسمى المرآة، لأنه يوحي لمستعرض نصوصه الذاتية بأنه يواجه ذاته لا الآخر . يقول الحلاج:

لبيك، لبيك، يا سري ونجوائي * لبيك لبيك، يا قصدي ومعنائي

أدعوك، بل أنت تدعوني إليك فهل * ناديت إياك أم ناديت إيائي

يا عين عين وجودي يا مدى هممي * يا منطقي وعباراتي وإيمائي

ويقول الحلاج أيضاً متفرداً بصيغة حضور الأنا ما أورده إبراهيم بن فاتك عنه حينما دخل عليه يوماً في بيت له على غفلة منه ورآه قائماً على هامة رأسه يقول: " يا من لازمني في خلدي قرباً، وباعدني بعد القدم من الحدث غيبا، تتجلى علي حتى ظننتك الكل، وتسلب عني حتى أشهد بنفيك، فلا بعدك يبقى، ولا قربك ينفع، ولا حربك يغني " .

ويورد علي بن مردويه قول الحسين بن الحلاج مناجياً ربه بعد فراغه من الصلاة: " اللهم، أنت الواحد الذي لا يتم به عدد ناقص، والأحد الذي لا تدركه فطنة غائص، وأنت في السماء إله وفي الأرض إله، أسألك بنور وجهك الذي أضاءت به قلوب العارفين، وأظلمت منه أرواح المتمردين، وأسألك بقدسك الذي تخصصت به عن غيرك، وتفردت به عمن سواك أن لا تسرحني في ميادين الحيرة، وتنجيني من غمرات التفكر، وتوحشني عن العالم، وتؤنسني بمناجاتك، يا أرحم الراحمين " .

وبحجم ومسافة حضور وشهود الأنا والذات في نص الحلاج بقدر ما واجه من انتقادات فقهية لشطحاته المدهشة المُغرِبة على حد وصف جوزيبي سكاتولين و ماسينيون، فكثير من نصوصه اغرورقت في الحلول والاتحاد والامتزاج بين اللاهوت والناسوت، ورغم المقاربات النقدية التي دافعت عنه وعن نصوصه مبرئة إياه من تهمة الحلول والاتحاد والكفر إلا أن النصوص تبقى شاهدة على تحول قصته من وجع صوفي شخصي إلى حكاية شعبية تتداول بين الناس في شتى بقاع الأرض .

وفي الشطح سطور وصحف طويلة ضاربة في القدم، ولا يمكننا أن نعتبر الشطح حالاً أو مقاماً، لكن يمكن توصيف الشطح بأنه هيئة، فالشيخ أبو نصر السراج يقول في سؤال الشطح: ما معنى الشطح ؟ فيقال: معناه عبارة مستغرقة في وصف وجد قام بقوته، وهاج بشدة غلباته، وبيان ذلك أن الشطح في لغة العرب هو الحركة " .

والشطح كما يقول ابن الساعي في كتابه أخبار الحلاج هو نقطة مأخوذة من الحركة لأنها حركة أسرار الواجدين إذا قوي وجدهم فيعبرون عن وجدهم ذلك بعبارة يستغربه سامعها فمفتون هالك بالإنكار والطعن عليها إذا سمعها، وسالم ناج يرفع الإنكار عنها .

والشيخ الأكبر محي الدين بن عربي سلطان العارفين يقول في معرفة الشرح في كتابة الفتوحات المكية:

الشطح دعوى في النفوس بطبعها * لبقية فيها من آثار الهوى

هذا إذا شطحت بقول صادق * من غير أمر عند أرباب النُّهى

ويقول الحلاج في بعض من شطحاته في سوق القطيعة ببغداد باكيا يصيح:

" يا أيها الناس أغيثوني عن الله (ثلاث مرات)، فإنه اختطفني مني وليس يردني عليّ، ولا أطيق مراعاة تلك الحضرة، وأخاف الهجران فأكون غائبا محروما، والويل لمن يغيب بعد الحضور، ويهجر بعد الوصل " .

ويزيد من الشطح وجداً قائلاً ما ذكره عبد الكريم بن عبد الواحد الزعفراني عنه: " لو ألقي مما في قلبي ذرة على جبال الأرض لذابت، وإني لو كنت يوم القيامة في النار لأحرقت النار، ولو دخلت الجنة لانهدم بنيانها "، ثم أنشد يقول:

عجبت لكلي كيف يحمله بعض * ومن ثقل بعضي ليس تحملني أرضي

لئن كان في بسط من الأرض مضجع * فقلبي على بسط من الخلق في قبضِ

حَدُّوتَةُ الحَلاجِ:

تنبع شهرة الحلاج حتى أيامنا الراهنة من سخونة وتسارع نهاياته، ويظل مشهد النهاية بالنسبة للحلاج مصدراً ورافداً خصباً وثريا على مستويات متعددة بدءاً من التفسير والتأويل مروراً برصد الواقع الثقافي من زاويته التأريخية انتهاءاً بتأثير مشهد النهايات على الذائقة الأدبية المبدعة والتي يمكن الإشارة إلى ذروة وجودها الإبداعي في مسرحية الشاعر المصري صلاح عبد الصبور الموسومة بـ " مأساة الحلاج " . بل إن معظم النقاد العرب يؤكدون ليل نهار بأن الحلاج ونصوصه هما رافدا شعر الحداثة شرقاً وغربا بامتداد الوطن العربي كله .

ومخطئ من يظن بأن الحلاج سار إلى حتفه الأخير مباشرة أول مرة، فأخبار الحلاج تفيد بأن دعوته أثارت مقاومة شديدة سياسية ودينية وصوفية أيضاً، فقصر الخلافة اتهمه بالتآمر على الدولة والدعوة سراً إلى مذهب القرامطة المرفوض آنذاك . ورجال الدين رأوا أن أفكاره تعد خروجاً سافراً عن أحكام السنة والجماعة بل ومنهم من أعلن بأن الحلاج نفسه يمثل خطراً على المسلمين . أما الصوفية وهو فيهم فأخذوا عليه أنه أفشى السر الصوفي إلى العوام وهم في نظرهم وقتئذ لا يفقهون رمزية التصوف ولا الخطاب الصوفي لأنه نص استثنائي خاص .

وبناء على ذلك وبطلب شخصي من الوزير ابن الفرات أصدر الفقيه ابن داوود الظاهري فتوى ضده بالقبض عليه سنة 297 هـ، لكن الحلاج كما تروي أخباره نجح في الهروب إلى الأهواز، لكنه بعد ثلاث سنوات قبض عليه وأمر الوزير علي بن عيسى ترك الكثير من الحرية في التعامل مع الناس، لكن بعد سبع سنوات طلب الوزير حامد من القاضي المالكي أبي عمر بن يوسف فتوى أخرى ضده، وبعد محاكمة طويلة أحل دمه وحكم عليه بالإعدام، وفي ظل حكم الخليفة المقتدر تم تنفيذ الحكم، وفي يوم 24 من ذي القعدة سنة 309 هـ حمل الحلاج إلى باب خراسان من بغداد حيث تم قطع يديه ثم صلب فضرب عنقه ثم حرقت أشلاؤه وألقي رمادها في نهر دجلة وكانت تهمته أنه ادعى حلول اللاهوت في ناسوته في كثير من عباراته ومن أشهرها قوله: أنا الحق .

والمقتدر هو جعفر بن المعتضد الذى تولى الخلافة وهو صبى فى الثالثة عشرة من عمره، وحينما تم اختياره قيل عنه: هو صبى لا يدرى أين هو ، وأول ما فعله هذا الصبى هو ذبحه لأحد القضاة لأنه أطاع ضميره حين قالوا له: تبايع للمقتدر، فقال: هو صبى ولا تجوز المبايعة له.

ولأن الخليفة الإسلامى صبى صغير تحكمت فيه أمه ـ وهى امرأة رومية غير عربية ـ وفى دولته وفى مصير الخلافة الإسلامية كلها، والتجربة التاريخية أثبتت أن كثيراً من النزاعات السياسية فى الدولة الإسلامية كان مصدرها أم الخليفة. فكانت تولى وتعزل وتسجن، والخليفة فى غفلة من أمره، ولقد لبث هذا الخليفة على عرش خلافة الدولة الإسلامية العظيمة زهاء خمسة وعشرين عاماً تحت جناحى أمه، والأدهش أنه لم يخرج مع جيشه إلى مرة واحدة قتل فيها، ويعلل المؤرخون هذا إلى خوف أمه عليه من الخطر، كما أنه كان كثير الشراب. وأظنك عزيزى القارئ تتعجل نهايته ومصيره، فقد قامت الثورات ضده وضد خلافته التى لا تفيق، حتى ذبح بالسيف، وسلبت ثيابه وترك مكشوف العورة، إلى أن مر رجل من الأكرة به فستر عورته ببعض الحشائش.

والحقيقة أن تاريخ التصوف الإسلامي لم يعرف نهاية مثيرة للجدل حتى وقتنا الراهن لإحدى شخصياته كما في قصة الحسين بن منصور الحلاج، فمنذ أن قتل وصلب وحرق اشتعلت نيران الاختلاف والاتفاق حول فكره وحول مشهد النهايات الأكثر إثارة ودهشة وأعمق تأويلاً ورصداً .

مَشْهَدُ النَّهَايَاتِ:

إن مشهد نهاية الحسين بن منصور الحلاج هي التي دفعت الكثير من المهتمين بالشأن الصوفي إلى البحث في البدايات واللهاث حول أخباره والحكايات التي تروى عنه وجمع نصوصه وكتبه المتنوعة، وإذا كانت بدايات الحلاج هي وجع صوفي وحالات ومقامات تخص صاحبها، فإن النهايات استحالت حكاية شعبية تروى وتقص في مناسبات مختلفة لمآرب شتى. ولعل المستقرئ لنصوص الحلاج قبيل قتله يدرك على الفور أنها خلاصه تجربته الروحية الصوفية، لأنه أدرك أنه بلا شك مفارق، وأنه بذلك لا يسع سوى أن يسجل تجربته التي بدأها في بغداد بمقولته التي أثارت حفيظة السلطات وقتها والتي أعلن من خلالها حبه الفائق لله ودعاه بأن يجعل من حياته آية حبه له بين الناس، لدرجة أنه رأى أن موته سيكون لصالح أمته، ولم يكن يعلم ان بموته اشتعلت فتن التأويل وتأججت نيران توصيف موقف حتفه .

والحلاج في مشهد النهايات يبوح بغير تلميح لأول مرة، فهو وقت التصريح والمكاشفة، هذا ما نلمحه من خلال بوحه الأخير، ومما ذكره قاضي القضاة أبو بكر بن الحداد المصري من قول سمعه من الحلاج في الليلة التي قتل في صبيحتها أن الحلاج قام واستقبل القبلة متوشحاً بردائه قائلاً: "نحن بشواهدك نلوذ وبِسَنَا عِزَّتِكَ نَسْتَضِئ لِتُبْدِى لَنا مَا شِئْتَ مِنْ شَأْنِكَ وأنْتَ الذِى فِى السَّماءِ عَرْشُكَ وأَنْتَ الذِى فىِ السَّمَاءِ إلَه وفِى الأرضِ إِلَه.. تَجَلَّى كَمَا تَشَاء مِثْلَ تَجَلِّيكَ فىِ مَشِيئتِكَ كأَحْسنِ صُورَةٍ والصُّورَةُ هِىَ الرُّوحُ النَّاطِقَةُ الذِى أفْرَدْتَهُ بالعلمِ (والبيَانِ) والقُدرَةِ وهَؤَلاءَ عِبَادُكَ قَدْ اجْتَمَعُوا لِقَتْلِى تَعَصُّباً لدِينكَ وتَقَرُّباً إليْكَ اغْفرْ لَهُمْ ! فإنكَ لَوْ كَشَفْتَ لَهُمْ مَا كَشَفْتَ لِى لما فَعَلُوا ما فَعلُوا ولَوْ سَتَرْتَ عَنِّى مَا سَترْتَ عَنْهُمْ لما لَقِيتُ مَا لَقِيتُ فَلَكَ التَّقْديرُ فِيما تَفْعَلُ ولَكَ التَّقْدِيرُ فيِما تُرِيدُ " .

ولما كانت ليلته قال له خادمه أبو العباس الرازي: أوصني، فقال الحلاج: " عليك بنفسك، إن لم تشغلها شغلتك " .

 

د.بليغ حمدي إسماعيل