إن البُنية الرمزية للظواهر الاجتماعية تُحدِّد مساراتِ الخيال الذي يتم إسقاطه على الواقع . وهذا الخيالُ ليس كُتلةً هُلامية سابحة في الفراغ الفكري والعدم الاجتماعي، وإنما هو كُتلة مركزية ذات أبعاد واقعية، قابلة للتطبيق على الأرض . وكُل الأحداث الواقعية هي نتيجة حتمية للخيال، لأن الأفكار تنشأ في الذهن ثم تنزل إلى الواقع، تمامًا كالسفينة التي تُصنَع على اليابسة ثم تنزل إلى البحر . ولا يُمكن للخيال أن يتكرَّس كواقع محسوس إلا إذا تحوَّلت الرموزُ الذهنية إلى أشكال للأخلاق الاجتماعية، وتحوَّلت الإشاراتُ الفكرية إلى ثقافة منهجية توازن بين طموح الفرد ومصلحة الجماعة . وعندئذ، سيقتنع الفردُ بأهمية الخيال كمشروع للخلاص الواقعي، وخطوة أُولى لا بُد مِنها من أجل تأسيس ظواهر اجتماعية عقلانية، تُقدِّم حُلولًا عملية لمشكلات المجتمع .

2

يُمثِّل الأساسُ الاجتماعي للخيال تجسيدًا حقيقيًّا لحياة الفرد روحيًّا وماديًّا . وهذه الحياةُ المتشعبة لا تتحرَّك وفق نظام خطَّي بسيط،وإنما تتحرَّك وفق أنظمة متوازية ومتقاطعة شديدة التعقيد. والفردُ في سباق مع الزمن من أجل أن يجد نَفْسَه الحقيقية في الزِّحام، ويجد صوته الخاص في الضجيج . وكلما اقتربَ الفردُ مِن عوالمه الداخلية، اقتربَ مِن فلسفة الظواهر الاجتماعية . وهذا الأمر ليس غريبًا، لأن الفرد ظاهرة اجتماعية قائمة بذاتها، وهو مندمج بالكُلِّية مع تراكيب المجتمع المادية، وتقاطعاتِ بُنية المشاعر والأحاسيس . وفي ظل هذه الأنظمة المعرفية المتشابكة، يَصنع الفردُ تاريخَه الشخصي، ويبني أُسطورته الخاصة، ويؤسِّس ملحمته الحياتية الذاتية، ويُوصل معنى وجوده إلى عناصر البيئة المُحيطة به . الأمرُ الذي يَجعل الفردَ أيقونةً متفردة، وهُوية متميزة . وكُل فرد _ مهما كانت مكانته الفكرية والاجتماعية _ يخوض معركةً يوميةً حقيقيةً داخل جسمه وخارجه، فهو يُقاتل على الجبهة الداخلية التي تتمثل في المشاعر المختلطة، والأحاسيس المُبعثرة، والأفكار المتناقضة، والصراعات الفكرية . ويُقاتل أيضًا على الجبهة الخارجية المتمثلة في تناقضات السلوك الإنساني، وتشظِّي الهُوِيَّات، وتحدِّيات الأصول والمنابت، والخوف الإنساني من المستقبل المجهول . وينبغي على الفرد أن يتعلَّم مِن الرُّبَّان الذي يَقُود السفينةَ في بحر هائج . إنه يُواجه العناصرَ الطبيعية غير المُتوقَّعة، ويتصادم مع الأحداث المُفاجئة، ويُسيطر على حركات البَحَّارة، ويرى المَوْتَ بأُم عينيه.ومع هذا، لا يَستسلم،ولا يندب حظَّه،ولا يُعلِّق أخطاءه على القضاء والقَدَر.وإنما يُقاتل حتى النهاية، ويَقتحم قَلْبَ الخوف. وأفضل وسيلة للتخلص من الخوف أن تقتحمه .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

جاءت الشريعة الإسلامية لتنظم حياة الإنسان بشكل يشعر معه بهويته الشخصية، ويحثّه على اكتشاف ذاته، وليس ما يجعله يرى نفسه مجرد رقم  في هذا الوجود، يشعره بصغر حجمه، فتصغر في عينه الدنيا ويتسلل الضعف الى نفسه، وينهار أمام ظروف معيشته وكثرة احباطاته وعجزه عن تحقيق أي نجاح يزوده بطاقة إيجابية ..

لقد أدّى التدين السياسي لأنظمة الحكم في عالمنا العربي الى هذه النتائج التي لا يشكّل فيها المواطن إلا رقماً في سجلات النفوس وصناديق الإقتراع، وآلة تعمل لديمومة البقاء البشري في مجالي التغذية والتكاثر، بلا مضمون روحي يعطيها جمالاً وأهمية، فما بين حجم البطالة الكبير في صفوف الشباب الى نسب الطلاق المرتفعة، الى كثرة أعداد الأرامل والأيتام بسبب سياسات الأنظمة وتعثرها وانحسار فرص العمل .. كل هذه السلبيات ضيّعت الطريق الطبيعي الصحيح على بعض الشباب فتاهوا في دروب الإلحاد والفوضى والإنتحار والعبث، ما أبعدهم عن التدبّر والتفكير في انفسهم واكتشاف هوياتهم الشخصية وبناء الذات بناءً إيجابياً تزدهر معه الدنيا وتحلو، فهي (حلوة خضرة) في قول رسول الله صلى الله عليه وآله الذي اورده اليعقوبي في تاريخه (الدنيا حلوة خضرة والله مستعملكم فيها فانظروا كيف تعملون)، وهي مهبط أولياء الله ومسجد ملائكته وهي الطريق الى الآخرة كما اخبرنا الإمام علي عليه السلام ولطالما دعا الناس ليتفقهوا ويتدبروا ويعقلوا دنياهم ليصحّحوا مساراتهم فيها كي يضمنوا سلامة الوصول في نهاية الطريق ..

ان شبابنا اليوم مدعوون الى إعادة النظر في واقعهم من حيث انهم يشكلون نبض حياة هذا الواقع وحكمة المستقبل ..

ان غياب وعي السلطة وافتقار العاملين فيها الى المسؤولية مكّن أدوات الفكر الهدّام من العمل بكثافة عبر القنوات الفضائية ووسائل التواصل الإجتماعي والأعمال الدرامية الهابطة والبرامج الترفيهية المبتذلة، على إستهداف الشخصية العراقية خصوصاً والعربية بشكل عام، تارة عن طريق استدرار عواطف الناس للتغرير بهم أو ابتزازهم أو الضحك عليهم أو إضحاكهم وتسليتهم، تحت مسميات – كاميرا خفية، برامج تسلية، مسابقات وجوائز ينالها من يأكل اكثر عدد من حبات البرتقال أمام منافس له، أو من يستطيع مدّ لسانه ليصل الى قطعة حلوى معلقة بالقرب منه، أو .. أو ..

ان ثنائية الدين والدولة تؤثر تأثيراً بالغاً في حياة المجتمعات، وما حالات التردّي والتدهور والإنهيار فيها إلاّ جرّاء اتساع الفجوة بين الدين والدولة، فقد كانا - الدين والدولة - كياناً واحداً يمثلّه النبي القائد، وما ان انقطع الوحي برحيل النبي عن الدنيا، وحصل ما حصل بعده، واجه المجتمع ثنائية الدين والدولة واتساع الهوّة بينهما..

عاملان قادا كثيرين الى الإحباط، هما قلّة وعي الجماهير وتلبّس الدولة بلباس الدين، وهو ما جعل الشاب يقف مذهولاً، متحيراً امام التناقض بين لسان الدولة وسياستها .. بين ظاهرها الإسلامي وباطنها المادّي ..

 استخدمت السلطة في كثير من ممارساتها قوانين تخويفية أكثر منها تثقيفية، انْ على مستوى فقه السلطة او سياسة النظام، فحين اتسعت الفجوة بين الدين والدولة لجأ بعض المشتغلين في مجال الدين الى القبول بسلطة الحاكم الجائر المبسوطة يده النافذة قوّته، مادام يسمح للمسلمين بممارسة طقوسهم وعباداتهم، وهو ما جعل الهدف من الإسلام ينحرف تدريجياً عن الإنسان، ليذهب باتجاه المحافظة على الوجود الشكلي للدين عبر أعداد المسلمين، وليس عبر هوياتهم، وهي حين تقوم بهذا، فهي لاتظهر انها تدعو الى عزل الدين عن الدولة أو الى تهميش الدين وإحلال القانون الحديث مكانه، بل هي تخترق كل ذلك باسم الدين وباسم التجديد في الدين والدعوة الى اعادة قراءة التراث بشكل معاصر .. وهي ليست دعوة صادقة في مضمونها بقدر ماهي لتمكين السلطة من توجيه الدين في المجتمع بما يخدم استمرارية وجودها في الإدارة وصناعة القرار، وربما استخدمت هذه العناوين الكبيرة الجذاية لدّس افكارٍ ملوثة سيئة تُطرح ضمن سياقات الحرية الفكرية وتبادل الآراء والأفكار ليبدو الطرح  مقبولاً لدى عموم الناس، أو هو في موضع صمتهم لقلة وعيهم ومعرفتهم، واذا مرّ وقت على هذا الصمت، فإنه سيصبح نوعاً من الرضا عندما تطالعه الاجيال القادمة، وقد بيّن عدي بن حاتم الطائي هذه الفكرة حين اقسم عليه معاوية ان يبدي رأيه بزمانه  فقال له : عدل زمانكم هذا جور زمانٍ قد مضى وجور زمانكم هذا عدل زمان ما يأتي ... وهي إشارة واعية الى خطورة تغييب وعي الجماهير واطالة امد الظلم في حياة المجتمع دون موقف آني مضاد له ..

الناس في كثير من الأحيان يجاهدون أنفسهم، فهم يرون واقعاً سيئاً ويعيشون أيّاماً غادرتها الرحمة والبركة وحلّت محلّها المادّية والأنانية، ومع ذلك لا يزال المجتمع العربي المسلم يمتلك طاقة روحية تدفعه للمواجهة والتدخل بشكل متحضر، إذ لا يزال الدين ينبض في وجدان الناس على الرغم من الهجمات المكثفة للفكر الهدّام، سواء من أنظمة حكم أو من قوى أخرى مستفيدة من طمس معالم الهوية الشخصية للعربي المسلم والتي بدأت ملامحها تتشكل مع أول أسرة استحوذت على السلطة في العالم الإسلامي في عهد الأمويين، فقد ظهر تنظيم جديد لأمور القضاء وصار الخليفة يتدخل، بل هو السلطة العليا في نفس القاضي.. واذا كان عليٌ عليه السلام قد عاب على القاضي مناداته له بأبي الحسن أمام خصمه اليهودي في قضية الدرع المشهورة، فإن سطوة الحاكم فيما بعد جعلت القاضي، وفي كثير من الأحيان،  يغازل في حكمه هوى الخليفة لينال رضاه ويتمتع بعطاياه ..  وحاول العباسيون اول عهدهم جعل الشريعة الإسلامية مصدر القانون في الدولة، لكنهم لم يحققوا تطابقاً بين القول والفعل، ما جعل الفجوة تكبر بين الدين والدولة، وصار القضاء بيد السلطة تتصرف به وفق ما يضمن بقاءها، فقد فرض أبو جعفر المنصور الإقامة الجبرية على أبي حنيفة النعمان لنشاطاته في دعم ثورة زيد بن علي بن الحسين، ورفضه تولي منصب قاضي القضاة الذي عرضه عليه، وكذا موقفه من احمد بن حنبل، ومع كل هذا الإستهداف السياسي للدين من قبل السلطة يبدو انها تمكنت فقط في الجانب المرتبط بتسييس الناس لصالح بقائها وطاعتها بأي شكل يخدم ديمومة احتفاظها بالسلطة، فقد كتب المنصور الى الإمام جعفر الصادق يقول له: لم لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس ؟، فأجابه الإمام: ليس لنا ما نخافك من اجله، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له، ولا انت في نعمة فنهنئك، ولا تراها نقمة فنعزيك بها، فما نصنع عندك ..

فكتب اليه المنصور: تصحبنا لتنصحنا..

فكان ردّ الإمام : من اراد الدنيا لا ينصحك، ومن اراد الآخرة لا يصحبك..

حافظ الدين على حيويته في الجانب الإجتماعي الشخصي، حاضراً في عقول ونفوس وتصرفات الناس، يشغل مساحات واسعة في نطاق توافقه مع أعراف اجتماعية أخلاقية، حتى عندما اخترق الإستعمار والإحتلال نسيج المجتمع  وتطورت وسائل الاحتلال من العسكري الى السياسي الى الاقتصادي الى الثقافي، الى احتلال العقول، واحتلال الإرادة، ومصادرة الهوية، وتفريغ الشخصية من حتواها وإعادة تعبئتها بمحتوى صناعي بديل .. تارة باسم الإنفتاح واخرى باسم التطور والحداثة، وأخرى باسم العالم الافتراضي والتقنيات الرقمية، واخرى باسم القطب الواحد  في العالم، وهو ما دفع انظمة السلطة في العالم العربي الإسلامي الى الإعتراف بتأثير الغرب وعملت على مجاراته لضمان الإحتفاظ بالمناصب والمكاسب، مؤطرين هذا التناقض بأطر دبلوماسية يظهر فيها الرئيس الغربي مع نظيره الشرقي أمام الكاميرات ووسائل الإعلام على انهما نظيران يتبادلان سبل التعاون المشترك بين البلدين واقامة علاقات ثقافية وتجارية ومال الى ذلك ..

 يظهر تأثير استهداف الشخصية في المجتمع  واضحاً في طبقة الشباب من خلال توسيع فجوة فاعليتهم وتفاعلهم مع المجتمع بصناعة أزمات البطالة والإنحراف والإنحلال، أو الإسهام ولو يشكل غير مباشر في تفعيلها من خلال الإهمال وغياب بعد النظر، ما أدّى الى تفشي بعض الظواهر السلبية وتصديرها على انها تقليعات حديثة للتفكير والأزياء، حتى تدنت قيمة الذات وتغيرت معها السلوكيات والطباع والأذواق الى حدّ ما، ففي احدى السنوات التي تلت سقوط داعش، طرحت احدى دور عرض الأزياء، ملابس وديكورات لداعش كزي يستخدمه الطلبة في حفلات التخرج الجامعية، وأقدمت بعض المطاعم على عرض مأكولات بمسميات مثل (همبرغر لغم)، و(سندويج رعب)، وأخذ بعض الشباب يتقبل الأمر دون ان يترك ذلك أثراً سيئاً في شخصية الشاب، ربما لأنه لم يعد يشعر بها في ظل ديمومة الظلم والفوضى وفقدان الأمل في وجود حل لهذه المشاكل، فصار يطلب سندويج الرعب في المطعم مكتفياً بتبرير قبوله بالطعم اللذيذ للسندويج متجاوزاً الأثر اللفظي والمعنوي للكلمة في نفسه .. وفي احد الفديوهات على اليوتيوب، يقدم احد المطاعم وجباته في أواني يشبه تصميمها مقاعد الحمامات.. وفي مقطع آخر كيكة معمولة على شكل طفل صغير، ويأخذ احدهم السكينة ليبدأ بتقطيع -الطفل الكيكة- وتقديمها للضيوف وهم يشاهدون عملية التقطيع محتفلين فرحين بمناسبتهم .. ومقطع آخر يقدم تصميماً للكيك على شكل حذاء!!!

وأخذت حالات عنف غريبة تظهر داخل الأسرة  وصلت في بعضها حدّ القتل مقابل أمر تافه لا يتجاوز القليل من المال أو لمجرد انفعال، مثلما كنّا نستغرب ونحن نسمع الإرهابي في جلسات التحقيق عبر وسائل الإعلام حين يقول انه تقاضى اجراً في حدود 50 الف دينار او 50 دولاراً مقابل كل عملية قتل أو ذبح يرتكبها بحق مخطوف أو طفل أو امرأة أو أسير، وبعضها يندرج ضمن السلوكيات البشرية الشاذة..

واسهم الدور الخطير للإعلام المضاد في إظهار هذه السلبيات والعمليات الإجرامية، وربّما تضخيم احداثها، لتبدو مرعبة في عيون واسماع الناس بحيث تترك فيهم احساساً بعدم الأمان يوثقه الدور البارد لإدارات البلاد في التعاطي مع هذه الأزمات والحالات الإجتماعية المستحدثة بفعل ما تعيشه البلاد في عهد الإحتلال الأمريكي ..

وكان للعالم الإفتراضي دوره وهو يفتح نوافذه عبر شاشات الآيباد والآيفون والحواسيب والموبايلات، دون رقابة مسؤولة واعية من قبل الجهات الرسمية وكثير من الناس، للأخذ بنظر الإعتبار اختلاف مستويات المتلقين حيث الطفل، والمراهق، والمرأة، ومحدود المعرفة .. الى الحد الذي باتت فيه الحياة الجديدة مصدر قلق كبير لكثير من الآباء والأمهات الذين كانوا يتوقون لرؤية وجه جديد للبلاد ينعم فيه ابناؤهم بالحرية والتطور والإستقرار بعد ان انهكتهم سنوات الإنقلابات والمؤامرات والدكتاتورية، فهم اليوم يعيشون عهد صناديق الإقتراع وحرية الكلام والتعبير لكن أدوات هذا العهد الجديد مخيفة مرعبة هددت سكينة الأسرة، وصار الخطر قاب قوسين او ادنى منها، ولعله دخل البيت على علم اهله به وجهلهم بمخاطره، كونها تفرض نفسها من ضرورات الحياة اليوم، فإن شكلاً من أشكال الأزمة ظهرت بين الآباء والأبناء، وهو ما الجأ الأبناء الى الإغتراب المعنوي، فالشاب يعيش مع اسرته في جوّ يظهرون فيه كأشخاص يجمعهم مكان واحد، بعد ان كانت الأسرة، ولا يزال كثير منها لحد الآن، تعيش كأنها كيان واحد موزع في عدة أشخاص، فالجميع يعيش حالة فرح ومرض وحزن احدهم، والواحد منهم يعيش احساسه بالمسؤولية  تجاه الجميع  ..

واذا كانت هذه الأزمات قد جعلت الأهل في حالة قلق مزمن، فإنها جعلت الشباب في حالة من الضعف واللاتوازن، يقابلها الحاجة الداخلية الملحة عليه  في اثبات ذاته وصناعة شخصيته ..  أفرز هذا الصراع أشخاصاً انفعاليين، سريعي التأثر، لا يعطون لنصيحة الآخرين حضوراً في واقعهم، يحملون في ذواتهم شيئاً من التمرد على الواقع الأسري والإجتماعي والديني والاخلاقي، ما دفع البعض الى القيام بسلوكيات غريبة يحاول من خلالها اثبات ذاته، والإيحاء لنفسه بأنها موضع انظار الآخرين دون الأخذ بنظر الإعتبار إيجابية أو سلبية تلك الأنظار، فأصبح الشاب مقحماً في تفاصيل حياته بوضعيات معينة يفرضها واقع الحال من خلال مسميات عليه تقبلها، فظهرت امواج من الملابس والأكلات وقصات الشعر والأفكار، في بعضها خروج فاضح واضح على الذوق العام والحدود المألوفة للتعبير عن الأفكار والنوازع الداخلية والرغبات، فصار الشاب يرتدي ثياباً ضيقة ويحمل أفكاراً ضيقة ويأكل ساندويجاً ملغوماً ويشترك في مجاميع الكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي يتبادل الأحاديث مع آخرين عن العنف والإلحاد والهروب من الواقع والعيش في فضاء الأحلام والخيالات والامنيات الوردية، تاركين واقعهم تعبث به جهات وأشخاص لا يشغلهم سوى المصلحة الخاصة فردية كانت او جهوية، ما أسفر عن سبعة ملايين عراقي يعيشون تحت خط الفقر و70% بطالة في صفوف الشباب واكثر من 160 الف حالة طلاق في السنة وارتفاع معدلات الأمية حتى 35% وكثرة الأمراض المفاجئة وتقلص حجم الحكومة  الى الحد الذي دفع مرضى السرطان الى الخروج بتظاهرة يطالبون فيها بتوفير علاجهم في مستشفيات الدولة، وامتد الإنحراف ليصل الى الأسرة في سلوكياتها، فصرنا نسمع عن (حفلات الطلاق) و (الطلاق العاطفي) و (الغش الجماعي في الإمتحانات العامة )، وتغييب الإنسانية في المهن الطبية واستحواذ الأنانية والمادية على طريقة التعامل مع المريض من قبل بعض الأطباء والصيادلة ومختبرات التحليلات المرضية ..

هددت هذه الإشياء ركناً مهماً في الحياة وهو الثقة ..  ثقة الشخص بنفسه وبمحيطه وبدينه وتاريخه، ولعله تصدّع لدى البعض مما ادّى الى ظهور شخصية الشاب المنفعل، قليل الحكمة، سريع الاندفاع، قليل الصبر، قليل الخبرة، غير جاد في حياته، متحير، غير مستقر، تحتل المادية أجواء تفكيره، فصرنا نسمع عن حيل وأساليب خطيرة تقوم بها الأسرة كي تضمن تفوق ابنها في الإمتحانات العامة من اجل الظفر بكلية من كليات التعيين المركزي، وحيث فشل ادارات البلاد في احتواء الأزمات ومنع تحولها الى اوبئة وامراض مزمنة يعانيها المجتمع ويصارعها أو يألفها كما هو الحال مع البعض ..

مع كل هذا التهديد الخطير المحيط بالشباب، لايزال في كثير من المشاهدات والتجارب متماسكاً صابراً يتلوى ويعاني حدّ الاختناق لكن دون ان يموت ..

ان الحديث عن مسؤولية وصول الحال الى هذه الدرجة من التدهور لا يكاد يخفى، ولسنا نريد الوقوف عنده قدر ما نريد ان نعالج وندرك ما بين ايدينا خشية فوات الأوان، ولأن التصحيح والإصلاح في خضم الفوضى التي نعيشها في البلاد يحتاج الى قوى كبرى وامكانات تفوق حدود الأمل والرغبة  في العيش الآمن والسليم، فإن الوعي هو السبيل  الى النهضة التي يراد بها بناء البلاد، فحين يصبح المجتمع على درجة عالية من الوعي سيتمكن من احتواء الأزمات، والحيلولة دون ان تصبح اشكاليات تهدّد سلامته..

وحين يضع الشاب في اعتباره ان الدين يبحث عن الإنسان من حيث هو كيان وهوية، ومن حيث هو وعي له بصمته الخاصة بكل شخص كما لبصمة ابهامه، أكثر منه شخص يراد منه ممارسة طقوس وعبادات، لا شك ان رؤية جديدة مشرقة ستشغل تفكيره ..

وحين يضع الشاب في اعتباره ان السياسة تنظر اليه كياناً فاعلاً مشاركاً حقيقياً في بناء الدولة، وليس موضع استغفال اصحاب الأجندات الخاصة والمصالح العابرة للإنسانية والكرامة والحقوق.. لا شك ان رؤية جديدة مشرقة ستشغل تفكيره، تأخذه بعيداً عن وساوس الاستغلال، أو اليأس من تحقيق التغيير الإيجابي على مستوى الذات الشخصية وعلى مستوى المسؤولية الجماعية ..

وحين يضع الشاب في اعتباره ان العلم يصنع الحياة السعيدة، ويذلل العقبات، وليس وسيلة للحصول على الشهادة الجامعية الموقوفة على التعيين والوظيفة المجزية من حيث المرتب واعتبارات المظهر فقط، بل هو للإرتقاء من مرحلة البشرية الى مرحلة الانسانية، حيث التفكير والتأمل وصناعة الوعي .. حيث العقل مصدر التغيير الإيجابي في المجتمع والذي يحتاج الى التأمل الذي يوفر له اجواء التحكم بالأفكار والهواجس والخواطر التي تمر على الإنسان وتلح عليه حسب ظرفها الزماني والمكاني وطبيعة الحدث ..

ربما يخبرك التأمل انك سبب من أسباب المشاكل التي تعيشها، واذا قبلت من عقلك بهذه النتيجة وفكّرت بها جيداً ستبدأ مرحلة التغيير الإيجابي معك خطواتها الأولى..

ان نوع التفكير يؤدي دوراً مهمّاً في صناعة الشخصية، فالقبول بفكرة (الحظ والنصيب) والإستسلام لها ينتج شخصية غير قادرة على التغيير، أو هي لا تبحث عنه ولا تفكر به، أو تتحاشاه مع المتغيرات والظروف التي يتقبلها العقل كونها اكبر من قدرة مواجهتها أو التحكم بها، لذا فالإستسلام لها مع بعض الحرص والحيطة من الوقوع  في الأسوء سيكون هو حال تلك الشخصية، أما العقل الذي يخبر صاحبه ان تجربته خاضعة لإرادته، وانه يملك الإختيار ويملك تفعيل اختياره، وانه لا يخوض تجربة ما، لأنها مفروضة عليه، أو وجد نفسه داخلها، بل يخوضها لأنه يعرف ماذا يريد ان يستنتج من تلك التجربة، مثل هكذا شخصية تفكّر بالتغيير الإيجابي كونه التجربة التي عليه خوضها للخروج من الإشكاليات والمشاكل التي يتعرض لها..

أن تكون رقيباً على أفكارك، وان تكون انت من يصنعها، فلن تكون كمن يبرر افعالاً سيئة صدرت عنه، بانّها جاءته من هنا وهناك ودارت في خلده فوجد نفسه منصاعاً لها ..

نعم قد يحدث هذا، وهنا يأتي دور القلب ليسهم الى جانب العقل في معرفة قيمة ما نفكر به أو نتأمله من أفكار..

في حالات الغضب تجد افكارك وقراراتك لا تتفق مع افكارك وقراراتك في حالات الرضى، مع ان العقل نفسه، والقلب نفسه في الحالين، فربّما اوكلت قرارك الى مشاعرك في لحضة غضب،  وربما اوكلتها الى عقلك في لحضة تأمل وراحة .. ولعل من مخاطر العيش فترة طويلة مع وجود الخطأ، مع وجود الظلم، مع وجود الباطل، مع وجود الإنحراف، يقسّم الانسان في داخله الى قسمين لا يتفقان مع بعضهما ، وهو ما يسمونه (انفصام الشخصية) أو (إزدواجية الشخصية) أو (إضطراب الشخصية) أو الشخصية غير السوية.. فقد ظهر هتلر على الرغم من قساوته ووحشيته بالقرب من الأطفال يقدم لهم اللعب، وفعلها كثير من الحكّام في عالمنا العربي الإسلامي ممن وصفوا بالدكتاتورية والظلم، وظنها البعض انسانية القائد التي لم يتخل عنها على الرغم من مسؤولياته  وقساوة الظروف التي يواجهها وهو يزج بعشرات الآلاف من المقاتلين الى الموت المحقق في سوح قتال انتجتها عنجهيته، أو تزمته، أو محدودية تفكيره، أو ولاءاته، أو أفكار سيئة صاغها ذهنه في أجواء ملوثة .. وهنا يأتي دور العقل في نهي النفس عن الهوى، وقد اعطى الإمام علي عليه السلام انموذجاً حيّاً لهذا النوع من الإنسان، فقد كان يعيش اجواء الحرب بما تحتمله من تشنجات وانفعالات وشدّة واندفاع دون ان يخلع  قلبه وعقله قبل نزول الميدان، بل حملهما معه ليكونا معه وهو يخطو خطواته حتى اذا ما بصق عمر بن ود حال سقوطه، انصرف عنه الإمام ولم يعاجله بضربة، ثم عاد اليه بعد حين فقتله ..

 لقد كان العقل والقلب في حالة اتخاذ قرار خلال هذه الخطوات التي مشى بها الإمام بعيداً عن ابن ودّ، ولمّا سألوه كان جوابه يفصح عن قوة الشخصية وتوازنها في اجواء مشحونة بالإضطراب والشدّة، فقال خشيت ان قتلته حينها ان اكون انتقمت لنفسي بينما انا خارج في سبيل الله ..

يعرف كلّ شخص نوع المشاعر التي يعيشها إزاء حدث ما أو فكرة ما، ان كانت جيدة أو سيئة، فالذي يرتضي النجاح بواسطة الغش هو يعلم انه يرتكب خطأً لكنّه يبرر فعله الخطأ هذا على انه سلوك مشاع في المجتمع، مثلما نشمئز اليوم ونلعن ذلك السيئ الذي انتزع الأقراط من أذن طفلة في حدود السابعة من العمر في  معسكر الحسين  حتى اذا ما عوتب على قبح عمله برره بأن غيره كان سيفعل ذلك ان لم يكن فعلها هو .. هذه هي الخطورة التي نتحدث عنها والتي نواجهها اليوم، فنحن نشكو من تعثر الحكومة في ادارة البلاد، ونشهد احداثاً سيئة وافعالاً غريبة وسلوكيات مرفوضة  لكن كثيرين يبررون لأنفسهم عجزهم عن تغيير الواقع أو استسلامهم للأمر المفروض ..

ان الإحباط واليأس والغضب والكره والأنانية تفقد الشخص شعوره بالسيطرة على تصرفاته، فالأب الذي ضرب ابنته، وهي في عامها الدراسي الأول، ضرباً مبرّحاً لأنها لم تتعلم الكتابة كما يعلمها، وماتت قبل وصولها المستشفى، انه يعيش الخطورة التي نتحدث عنها، فهو يبدو سوياً الى ان حرّك بطء استجابة الطفلة، القسم الثاني السيء في شخصيته  والذي لا يتفق مع القسم الأول فيه،  فانهال عليها بالضرب دون وعي منه الى الحد الذي لم يعد يقوى على نهي نفسه عن الإستسلام لهذه الأفكار السلبية وبالتالي اصبح جسمه وحواسّه أدواتاً تنفذ إملاءات تلك المشاعر الخشنة والقسوة المفرطة والتي لا تستجيب لنداءات القسم الثاني بالدعوة الى المصالحة وتمالك النفس والسيطرة على الأعصاب ..

يغلب على كثير من هذه الأحداث غياب الحكمة بحيث تضطرب علاقة التناسب الطردي بين العقل والقلب،  فالفكرة الجيدة لا يصدر معها سلوك سيء، والجمال لا يتوافق مع القبح ..

يحتاج  بناء الذات الى الإيجابية في الأفكار والمشاعر، الذات المنتجة الجذابة، وليس الذات الباردة، أو الذات الرقمية التي هي موضع تحرك وتحكم من قبل قوة خارجية..  ويحتاج قراراً داخلياً يصنعه الشخص في نفسه سواء كان إيجابياً أو سلبياً .. يتدخل في صناعة مثل هذا القرار مستوى الوعي الذي يصل اليه الشخص ومستوى الإدراك ..

أدت ظروف البلاد السياسية والاقتصادية  الى فرض أو تهيئة أجواء التفكير السيء لدى كثيرين  بسبب النتائج السلبية التي افرزتها مرحلة التغيير والفوضى التي جاء بها الإحتلال ومارستها أحزاب السلطة المنتخبة، وبدا ذلك واضحاً في كلام بعض طلبة المراحل الدراسية المنتهية  في تقرير تلفزيوني  سئلوا فيه عن أسباب صعوبة الأسئلة الوزارية ، حين قالوا: انها عملية مدبّرة ومؤامرة تشترك فيها وزارة التربية ووزارة التعليم بتمويل من رؤوس اموال هدفها توسيع منافذ الكسب والربح بغض النظر عن الوسيلة، فتقام مشاريع التعليم الأهلي والكليات الأهلية على خلفية شيوع فكرة انحسار فرص التعيين واقتصارها على بعض المهن، ما يجعل الأهل ينفقون اموالاً طائلة لتعليم ابنائهم في مدارس وكليات اهلية ضماناً لحصولهم على احدى المؤهلات المضمونة التعيين حال تخرجهم، ان تفكيراً سيئاً كهذا، وان كان واقعاً يعيشه المواطن اليوم، من شأنه ان يؤسس مستقبلاً لأفكار مادية وانتهازية وانانية، الأمر الذي يستدعي استحضار مناهج سيئة لتحقيق تلك الأفكار السيئة بعيداً عن المكاشفة .. في المستقبل لن تتوقف الجامعات عن تخريج الطلبة، لكن نوعيات خطيرة من الإزدواجية ستنتشر في المجتمع، تهدد سلامته وتضرب البراءة والعفوية والجمال الفطري للأخلاق في الصميم بشكل غير مباشر وربّما بشكل مباشر حتى ..

واليوم نشهد ظهور مثل هذه الأشباه البشرية، فالطبيب الانتهازي لا يخبر مريضه بأنه يستغفله حين يطلب منه تحليلات لا علاقة لها بحالته المرضة، كما انه لا يخبره انه على اتفاق تجاري مع الصيدلية حين يكتب له شامبو للشعر وهو مصاب بالتهابات جلدية، لأن المذخر يحتفظ بكميات كبيرة من ذلك النوع من الشامبو واوشك تاريخ نفاذ الصلاحية على الاقتراب، ولتفادي الضرر المالي، استغفل المريض..

طبيب آخر لا يطلب اجوراً عالية، لكنه يعمد الى  التكرار الإلزامي للمراجعة، وان كانت لا توجب ذلك، لكن المريض لا يملك تقرير وجوب المراجعة من عدمها وان تحسنت حالته، وسيبدو الطبيب مثالاً رائعاً لو أخبر مريضه ان عليه ان يدفع اجرة المعاينة بين زيارة واخرى وليس في كل مرّة ... وهكذا ... ومع الأسف تجذب هذه الأفكار السيئة مثيلاتها، وتضطر الآخرين في حقل العمل الى تقبلها على مضض مبررين افعالهم بأنها لا تدخل في إطار إيذاء المريض صحياً، والأجور العالية واقع حال معمول به لدى كثير من العيادات والصيدليات والمذاخر والمستشفيات ما جعل هذا الوباء ينتقل الى اصحاب الأملاك فصار ايجار العيادة مكلفاً وايجار الصيدلية ملكفاً قياساً بمثيلاتها من الاماكن المشغولة لمهن اخرى مختلفة.. وشيئاً فشيئاً يجد المواطن نفسه أمام طبيب متعاطف مع حالته دون ان يقدم له العون وصيدلي متعاطف مع حالته دون ان يعطيه العلاج بكلفة أقل مما هو مطلوب، سيصبح الكل محكوم ببعض ..

ومع كل هذه الأفكار السيئة والممارسات السلبية تشخص حالات على النقيض تماماً مما ذكرنا .. لكن المساحة التي يشغلها السوء اكبر من تلك التي يشغلها الخير، لذا تشيع الاخبار السيئة على حساب الاخبار الجيدة، إلا ان واقعنا يحفل بكثيرمن اصحاب الوعي الذين يتصدون من مواقع اعمالهم لهذا المدّ الخطير الذي يهدد الشخصية ..

الوعي هو البصمة التي لا يمكن تزييفها او استنساخها، وبوجوده تتوفر سبل متعددة تخفف عن الانسان وطأة الضعف الذي يتعرض له، إذ يسعفه بأفكار جيدة من قبيل الالتجاء الى شخص موثوق برجاحة عقله وسلامة تفكيره للإستئناس برأيه، او من قبيل استذكار مواقف ايجابية مرّت تركت اثراً عميقاً في الذاكرة يستشف من اجوائها روح الصبر والتفاؤل .. أو من قبيل استحضار قول مأثور وحكمة بالغة من رصيد الذاكرة تسهم في اضافة لمسة مهمة على واقع الحال قد تخفف من وطأته أو ترشد الى تجاوز الأزمة .. أو من قبيل استحضار لحظات النجاح والفرح التي مرّت سابقاً وتقمصها من جديد لدفع النفس وتحفيزها لتجاوز حالة الوهن أو الأجواء السيئة التي تمر بها ..

ان افضل بيئة ينشأ فيها الوعي هي السلام، وفكرة السلام تندرج ضمنها أفكار جيدة كالمحبة والتعاون والانسانية والخير والكرامة والإيثار والعفة والأخلاق الحميدة ..

يمرّ الانسان خلال حياته بمراحل متنوعة تحكمها ظروف صعبة تارة ومرنة اخرى، وهذه بمجموعها تكوّن عنده افكاراً يتدخل الوعي لاستخلاص الجيد منها وصياغتها على شكل تجربة ونصيحة تكون عند حاجة الآخرين ان حاضراً أو مستقبلاً..

يختلف الشخص الواعي عن غيره في انه لا يحتاج المرور بتجربة جديدة كي يستخلص نفعها من ضررها، فوعيه يؤهله للسير في احوال واخبار الماضين ما يجعله متمكناً من قراءة واقعه وفق ذلك الرصيد من خبرة الأقدمين فنسمع عن فلان انه توقع ان عاقبة هذا الأمر هي كذا ثم يصادق الواقع على توقعاته، وهو ما يسمونه الحدس او قراءة ما بين السطور وبلسان العوام هو من (اهل البركة والكرامة)، لأنه (يعرف صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره) وهي النتيجة التي استفادها الإمام علي عليه السلام من اطلاعه على اخبار السلف اطلاعاً وجد معه انه كأحدهم، وهذا النمط المعرفي يمنح الحاضر امتداداً يتخطى به الأمس فلا يكون نسخة عنه كما هو حاله عند كثيرين ممن لا يتعلمون من تجربة حتى يقعوا فيها وان كان هناك من سبقهم الى مثلها وهؤلاء من يتساوى عندهم الامس واليوم ..

كثير من الناس لديهم الرغبة في التغيير ويبحثون عن الطريق التي يغيرون بها واقعهم الى الأفضل ولكن هذا الدافع وحده لا يصنع تغييراً، انه بحاجة الى فكر التغيير، فالطريقة الملائمة للتغيير تأتي بعد القناعة والإيمان بضرورة التغيير ..

في لقاء مع أكاديمي يعمل في مجال النقد الفني أشار الى واحدة من أفكار الإدارات السلبية حين انتقد نشاطاً إدارياً في إقامة جزرات وسطية مصممة لتكون مزهرة بالأوراد مسوّرة بسور سميك من الإسمنت يحول دون الوصول الى تلك الأوراد، فكان تعليقه على ذلك ان من حق المواطن على الدولة ان يشعر بانجازاتها بلا حواجز، وانه على الحكومة ان تتوقع من المواطن ان يعبث بتلك الأوراد وهذا مهم كي يتعرف عليها خارج بيته، وعلى الجهات المعنية ان تعيد تأهيلها اكثر من مرّة حتى ينمو عند المواطن شعوره بضرورة محافظته عليها بنفس القدر الذي يحافظ به على اوراد حديقة بيته..

 اذا امتلك الحالمون من الشباب وعياً كافياً، فإنهم سيسهمون بشكل مميز في تغيير واقعهم وتحديثه، وتنمية ثقافة مجتمعهم،  فالشخص الحالم هو بشكل او بآخر يريد أجواءً أو يبحث عن أجواءٍ أجمل من تلك التي يقدمها الواقع، فهو يمتلك مشاعر جيدة وافكاراً جيدة لكنه يصطدم بالواقع السيء فيلجأ الى التخيل ليضع نفسه في أجواء جيدة ومواقف مفرحة، فإذا تمتع  بالوعي الإيجابي سيجد نفسه مندفعاً يمتلك الحافز لتحديث الواقع وتغيير السيء فيه الى خير يتناغم مع الأحلام الوردية والرومانسية التي يتخيلها .. 

في كتاب امالي الطوسي، يقول نبي الرحمة لأبي ذر (يا أبا ذر حاسب نفسك قبل ان تحاسب فإنه أهون لحسابك غداً، وزن نفسك قبل ان توزن ..)

والحساب يأتي من طرح الإستفهامات، كيف فعلت هذا ولماذا لم افعل كذا ولم لم اقل كذا وماذا سيكون لو انني فعلت كذا ..؟

وتأتي مرحلة اعطاء النفس قدرها بقوله زن نفسك، ووزن النفس باعطائها قدرها الذي يتأتى من وعي الانسان بنفسه، ولكي يجد طريقاً صحيحاً الى ذلك قال الإمام الكاظم عليه السلام:

(ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل خيراً استزاد الله منه وحمد الله عليه، وان عمل شيئاً شراً استغفر الله وتاب اليه..)، فأهل البيت هم القدوة في معايرة الافعال والسلوكيات ومدى اقترابها من افعال وسلوكياتهم عليهم السلام، وتعتمد الدراسات النفسية على قاعدة محاسبة النفس في بناء الشخصية والنجاح، اذ تفيد الدراسات بأن من عوامل واسرار النجاح ان تراجع ما حدث لك في يومك قبل ان تنام وتفكر بتلك الأحداث وتبحث عن التصرف الأفضل الذي كان ينبغي ولم يسعفك الوقت او التفكير للقيام به فاستبدله في ذاكرتك بالأفضل وفكّر بأنك ستقدم الأفضل اذا مرّ بك موقف كهذا، ثم نم متوكلاً على الله سبحانه وتعالى وكلمة (منّا) في قول الإمام الكاظم عليه السلام هي من مفاتيح الارتقاء بالشخصية والوصول بها الى مواصفات ما كان يتمتع به اهل البيت عليهم السلام، ثم تأتي مرحلة (الاستغفار) من الاهمية بمكان في اعادة ترتيب وتنظيم التفكير والاعمال والسلوكيات فقد يفكر البعض في عمل الخير ويستعد لذلك لكنه وبحكم محدودية معرفته واطلاعه وخبرته ووعيه قد لا يعرف ان ما يعتقده صحيحاً، هو فعلاً كذلك .. ولعله سيستغرق وقتاً حتى يرى مصدراً موثوقاً يعتمده في اكتساب معرفته واطلاعه وتنمية خبرته ورسم ملامح ثقافته ..

 يروى ان رجلاً سأل الإمام الصادق عليه السلام: ادعو فلا يستجاب لي؟ فقال له الإمام لعلك لا تستغفر ..

استغفر الله كل يوم في اخره مئة مرّة مدّة سنة .. ويقال ان رسول الله صلى الله عليه واله، كان يستغفر الله كل يوم سبعين او مئة مرّة .. ويقول المولى جل شأنه في سورة نوح: (وقل استغفروا ربكم انه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم باموال وبنين ويجعلك لكم انهارا) ..

الاستغفار في اللغة هو طلب المغفرة والعفو من الله سبحانه، وهو كلمة السر التي تفتح للمرء نافذة الى تصليح اموره، وقد لا يلق ذلك اهتماماً كبيراً لدى كثيرين، لأنه مرتبط بأمور معنوية وروحية وايمانية، بينما غلب على الانسان تيقنه بالأمور العينية والحسية والمادية، لكن سياق الآية الكريمة يفصح عن كثير من المكافآت التي تنتظر المستفغر ..

ارتبط المال بأفكار سيئة عند كثير من الناس فهو مصدر الفتنة والمتعة والشر، فبالمال باع عبيد الله بن العباس قيادته لجيش الإمام الحسن وتسبب في كسر همم المقاتلين ..

وبالمال ساهم عدد من العراقيين في دعم وجود القوات الامريكية ..

وبالمال غدرت زوجة الإمام الحسن ودسّت له السمّ ..

يقابل هذا، تخلي زهير بن القين عن امواله واملاكه ليلتحق بركب الحسين مع علمه بأنه لن يرجع بعد انتهاء المعركة ..

قصص كثيرة، منها المثير للدهشة ومنها المحزن .. منها الغريب والسيء والقبيح، وفيها الإفراط والتجاوز و.. و..

استخدم المال كما في السابق ليكون سلاحاً فعالاً في تحطيم بنية المجتمع وسلامته، فمثلما اشترى عبيد الله بن زياد سيوف فرسان قبيلة هاني بن عروة بالمال بعد ان كانوا مصدر تهديد له ولمن معه، فتفرقوا على الرغم من مكانة هانئ في قومه ..

كذلك استخدم الاحتلال المال لشراء ذمم وارواح كثيرين بعد ان صدّرت لهم فكرة الدولة الإسلامية عبر أشخاص برمجت عقولهم على التكبير عند ذبح الأسرى والاطفال واغتصاب النساء وإقامة الحد الشرعي الذي اعتقدوه كما حدث بالأمس مع الخوارج، وكما سوّق ابن زياد لجيش الشام ليلوث الجو العام في الكوفة فيستنشقه الضعفاء من اهلها فيحدثون ضوضاء تربك الخط العام وهو ما حصل..

 كذلك حصل بعد اكثر من الف عام على ذلك التاريخ الدامي المظلم، فقد كان خليفة دولة الخرافة يصلي بجنده ثم يمضون لقتل الناس وتهديم قبور الأنبياء والآثار وتغيير أخلاق الناس وإرغامهم على تقبل المنهج الجديد وتعليمهم القرآن بلغة السياط وجرّهم الى المساجد للصلاة ورجم المتأخرين عن حضورها ..

الحياة حلوة خضرة كما ذكرنا في حديث لنبي الرحمة، وان يريد الشعب الحياة، فهو بداية طرق الوعي  في جو نقي وفطرة سليمة توجه هذه الإرادة باستحضار الأفكار الجيدة عن الحياة، عندها ستكون مطالب الجماهير موضع استجابة القدر كما في قصيدة ابي تمام :.

اذا الشعب يوماً ارادد الحياة   فلا بد ان يستجيب القدر

برزت الدوافع الانفعالية في كثير من تظاهرات الشارع العراقي وكانت آنية أو تراكمية اندفاعية، وعلى الرغم من التقصير الواضح لادارات الحكومة إلا انها تمكنت من احتواء التظاهرات او الالتفاف عليها، عن طريق الوعود او ارسال ممثلين عنها الى ساحات التظاهر والتعرف على مطالب المتظاهرين ورفعها في مذكرات رسمية الى الجهات المسؤولة للنظر فيها وتحقيقها، هكذا ضاعت كثير من مطالب الجماهير وسجلت في دفاتر النسيان، او وجدت في سلات المهملات في مكاتب كثير من المسؤولين كما صرح بعضهم، فبقي الحال على ما هو عليه، وربما يزيد الأمر سوءً، فلعلنا نغفل فاعلية الزمن في ذلك، فكلما مرّ الوقت على حالة سيئة في المجتمع غدت وضعاً اعتيادياً، وهو غاية الخطورة، ولعل رد فعل بعض المسؤولين البارد إزاء معاناة الناس هو اولى علامات تلك الخطورة، فعندما تمر تظاهرة مرضى السرطان المطالبين بتوفير علاجهم في مستشفيات الدولة، مروراً عاطفياً على مسمع ومرأى المعنيين واصحاب القرار بحيث تبقى الجهود متلكئة بطيئة في تجاوز هذا التقصير، على وعي الناس ان يبدأ مفعوله ..

  ان الفكرة الجيدة تجلب افكاراً جيدة اخرى داعمة لها، وحضورها مطلوب من كلا الطرفين، الجماهير والحكومة، لكن المشهد العراقي لا يشير الى هذا الحضور، فالعملية آخذة في اتجاه الفعل ورد الفعل، كلما تجاهلت الحكومة تظاهرة واغفلت مطالب جماهيرها أو اهملتها أو تماهلت عنها، او ارجأتها الى وقت بأعذار وتبريرات، فإن التظاهرة اللاحقة شهدت مواقف عنف ابداها متظاهر هنا ومتظاهر هناك تجاه الحكومة، الفاظ قاسية تنم عن غيظ كبير وبركان يكاد ينفجر بالناس ويفجر الوضع، ظهرت بعض علائمه في التجاوز على ابنية تشغلها بعض دوائر الحكومة واحراقها، قابلها استهجان مسؤول وتلفظه بالفاظ سيئة بحق متظاهرين هتفوا ضده، ما يجعل الهوة تكبر بين المواطن والمسؤول، لكن المهم في كل هذا الوضع السيء ان الجماهير لم تفقد فكرة الخير في داخل النفوس تجاه بعضهم وان ابدوا غيره تجاه الحكومة، فقد سجلت الأحداث كثيراً من المواقف المشرفة الإنسانية قام بها مواطن تجاه آخر تناولت بعضها  وسائل الإعلام، على ان غير المعلن عنه كثير، وهو ما يشجعنا على الخوض في موضوعة صناعة الوعي، لإعتماده  كثيراً على وجود مثل هذه الخصلة الجيدة.. لكي لا يتساوى يومنا بالأمس، فنصبح مغبونين وفق قول الإمام علي عليه السلام ) من تساوى يوماه فهو مغبون)..

مغبون تعني مظلوم، ولطالما كانت هذه الحالة  موضع رفض الانسان في مختلف العصور والازمنة والعهود، فقد كان الشعور بالظلم حافزاً قوياً دفع العبيد والفقراء للإلتفاف حول نبي الرحمة مع علمهم بضآلة قوتهم العددية والعضلية أمام قوة أسياد مكة، لكنهم تحسسوا ذواتهم قرب النبي، وشعروا انهم معه يكتشفون شخصياتهم التي كانت موضع ابتذال وإذلال اسيادهم، فوقفوا الى جانب الدعوة، فانقلبت الأمور وتغيرت الأحوال وسادت الكرامة ومكانة الإنسان على قوة المال وظلم المجتمع وغلبة الانا  ..

ان وصف تساوي الأمس واليوم بالغبن فيه دعوة قوية للتفكير في الحاضر بوعي، من اجل تحديثه ..

 

عدي عدنان البلداوي

 

عدنان عويدالاحتكار في التعبير الاقتصادي، أوفي اقتصاد السوق بشكل عام وبأبسط صوره، هو العمل على إخفاء سلعة أو عدّة سلع من قبل تاجر أو مجموعة تجار أو شركات تجارية من التداول في السوق حتى يزداد الطلب عليها من قبل المواطنين، ثم عرضها للبيع من جديد بغية تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح لعدد قليل ممن يتحكمون بالسوق ويفرضون إرادتهم عليه. وإذا كان هذا هو دأب الاحتكار بالنسبة للحياة الاقتصادية، فإن للحياة السياسية أيضاً احتكاراتها، والتي يأتي في مقدمتها احتكار الحقيقة السياسية، ممثلة بـ (السلطة) بكل تجلياتها.

في المجتمعات أو الدول التي وصلت في علاقاتها السياسية والاجتماعية إلى مرحلة الحداثة، أي إلى مرحلة متقدمة من حياة المجتمع المدني.. المجتمع الذي تقوم علاقاته على أسس ديمقراطية وعلمانية، سوف تتناسب فيه هذه الأسس إلى حد ما مع درجة تطوره وقبول قواه السياسية بكل فصائلها أو مكوناتها المشاركة في إدارة الدولة والمجتمع، واحترام الرأي والرأي الآخر، وتداول السلطة والايمان بالمواطنة ودولة المؤسسات، سوف تغيب فيه مسألة احتكار الحقيقة السياسية إلى حد كبير.

أما في المجتمعات والدول التي تفتقد إلى أرضية أو معطيات المجتمع المدني التي جئنا عليها هنا، فهي المجتمعات والدول التي يهيمن فيها على الحقيقة السياسية واحتكارها قوى اجتماعية أو سياسية، حزبية كانت أو عشائرية أو قبلية أو طائفية محددة، تشعر بأن تواجدها في هرم السلطة لا يمكن أن يقوم وبالتالي يستمر إلا بالسيطرة المطلقة على السلطة، أي على الحقيقة السياسية، التي على أساسها تُدار أمور الدولة والمجتمع وضبط حركتهما وتوجهاتهما.

إذن، إن احتكار الحقيقة السياسية لا يتحقق  بشكل واضح وفاضح معاً. إلا في الدول الشمولية التي تُحكم من قبل حزب وحيد أو قبيلة أو عشيرة أو طائفة. فمثل هذا التفرد بالسلطة لا يسمح إلا بخلق آلية عمل سياسي قادرة على إيجاد مؤسسات لها طابعها السلطوي مادياً وفكرياً، تستطيع عبرها – أي المؤسسات - أن تعيد إنتاج السلطة الشمولية دائماً، وخاصة بعد أن تُوصل المجتمع إلى حالة من الرضوخ والرضا بهذه السلطة، والاقتناع بأنها قدرها، أو هي وحدها السلطة القادرة على قيادة الدولة والمجتمع، وبدونها سينهار المجتمع والدولة معاً. هذا ويأتي في مقدمة هذه المؤسسات التي تعتمد عليها هذه السلطة الشمولية :

1- المؤسسة الأولى العسكرية وعلى رأسها الأجهزة الأمنية التي تتعدد أشكالها، وتستطيل مفاعيل عملها لتمارس تدخلها في معظم مسامات حياة الفرد والمجتمع.

2- المؤسسات الثانية وهي الثقافية والإعلامية والدينية، حيث تمارس هذه المؤسسات نشاطها أيضاً في صياغة وعي المواطن ونمذجته وفقاً لما يخدم مصالح القوى الحاكمة واستمراها، وليس وفقاً لمصالح المواطن وتكوين شخصيته الإنسانية النامية.

إن السلطة المحتكرة للحقيقة، تهدف من نشاطها الرئيس قبل أي  شيء آخر، تحقيق مصالحها هي، وبالتالي هذا يتطلب منها طمس الحقيقة وليس نشرها وتعميمها. فالحقيقة التي تقر بضرورة نشر العقلانية والتنوير بين أفراد المجتمع، تقابلها السلطة بتجهيل أفراد المجتمع وسد كل سبل المعرفة السياسية العقلانية التنويرية بشكل خاص أمامهم.

إن الحقيقة التي تقر بضرورة نشر حرية الرأي واحترامه، تقابلها السلطة المحتكرة للحقيقة بإقصاء هذا الرأي الآخر، بل والعمل على تخوينه في أحيان كثيرة، واعتبار أي رأي لا يتفق مع مصالحها واستمرارها في السلطة، هو خيانة للوطن والمواطن ويجب على صاحب الرأي الآخر أن يدفع الثمن بأي طريقة كانت وفقاً لأساليب الترهيب والترغيب التي تتبعها هذه السلطة المحتكرة. وإن الحقيقة السياسية العقلانية التي تطالب هذه السلطة المطلقة بالعمل على توسيع هامش الديمقراطية بكل مستوياتها، تقابلها هذه السلطة بالعمل على تفصيل ديمقراطيات على مقاساتها هي، مدعية بأن الشعب لم يزل غير قادر على فهم الديمقراطية ولا كيفية ممارستها، وبالتالي تقوم السلطة الشمولية هنا باسم الديمقراطية المشروطة بمصالحها، على تسويق نوع من التسويات بين مكونات المجتمع الدينية والأثنية والعشائرية والقبلية وحتى السياسية إن وجدت، وذلك من خلال مشاركة بعض أفراد هذه المكونات في السلطة وفقاً لشروط ومعايير دقيقة يجب أن يخضع لها من يتم اختياره للمشاركة فيها، وفي مقدمة هذه الشروط أو المعايير، يأتي ولاء المشارك أو من يتم اختياره للمشاركة لطبيعة النظام ومن يقوده، وغالباً ما تقوم الأجهزة الأمنية الفاعلة بالمشاركة في هذه الاختيارات من خلال تقويم أصحابها وفقاً لمعايير توضع لها من قبل أصحاب القرار.

أما مسألة العلمانية التي تنادي بها السلطة المطلقة  - الشمولية - محتكرة الحقيقة والداعية لممارسة هذه العلمانية في الدولة والمجتمع، فهي ليست العلمانية التي تجسد روح المواطنة والانتماء للوطن والدولة. بل هي علمانية شكلية لا تتجاوز الخطاب الإعلامي. لذلك فكل من يقوم بتبني هذه العلمانية في فهمهما الحقيقي القائم على تجسيد المواطنة ودولة القانون وتداول السلطة، تقوم السلطة المحتكرة للحقيقة بمحاربته وإقصائه أو تهميشه حتى ولو كان من صلب هذه السلطة. فبدلاً من نشر الفكر العقلاني التنويري القائم على المناهج العلمية في التفكير والممارسة، وهي مناهج تعتمد على البرهان والتحليل والمنطق باستدلالاته واستنتاجاته، نراها تقوم على نشر الفكر الغيبي ولامتثالي والعرفاني الصوفي الذي يعتمد على الوعظ والارتجال والذاتية والحدس. وبدلا من تقديم الولاء للوطن والمواطنة، تعمل على تقديم الولاء للحزب والقبيلة والطائفة والزعيم والأمير والملك.

إن سلطة احتكار الحقيقة تعمل وبشكل ممنهج على دعم الحرية الاقتصادية والانفتاح الاقتصادي، في الوقت الذي تحارب فيه الانفتاح السياسي، وإن اضطرت لمارسته، فهي تفتحه للقوى السياسية التي تغرد لها أو بإسمها.

إن احتكار الحقيقة في نهاية المطاف هو تعبير عن حالة سياسية لقوى اجتماعية أو حزبية، أو كاريزمية محددة، تعمل على عرقلة سير تاريخ مجتمعاتها ودولها نحو الأمام، والعمل بكل ما يتاح لها من وسائل (قمعية) مادية كانت أو معنوية، على تثبيت حالة تخلف وجهل هذه المجتمعات وتهجينها، بما يخدم بقاء هذه السلطة واستمراريتها، دون أن تدرك بأن ما تقوم به هو عكس حركة التاريخ، فالمجمعات ليست مكونات عضوية تعيش وتتفاعل بغرائزها كخلية النحل، أو يمكن أن تهجن حتى النهاية وتدرب كحيوانات السيرك وفقاً لما تريده السلطات المحتكرة للحقيقة، بل إن المجتمعات قوى بشرية تمتلك قدرات من الوعي قادرة من خلالها أن تميز بين مصالحها ومصالح من يعمل على استغلالها وتهجينها، وهي في نهاية المطاف سوف تعبر عن حالات قهرها واستلابها بتمردها على واقعها تحت مسميات ثورية عندما تتاح لها الفرصة، وربما تكون حالات التمرد هذه فاقدة إلى حد كبير لمقومات نجاحها في تحقيق ما تريد، بسبب فقدانها الأساليب والمعارف التي تمارس فيها الثورات ضد القوى الحاكمة المحتكرة للحقيقة، أو لجوئها إلى تبني أيديولوجيات دينية سلفية هي أقرب إلى وعيها الجاهل والمجهل معاً، وذلك بسبب ما مارسته عليها سلطاتها من تجهيل وتغريب وتجهيل واحتكار للحقيقة عبر سنوات طويلة، لذلك غالباً ما تفشل هذه الشعوب في أول حركة تمرد لها ضد السلطة الشمولية في تحقيق ما تطمح إليه من تغيير في بنية الدولة والمجتمع، وسيكون لفشلها نتائج مدمرة على الدولة والمجتمع معاً. بيد ان هذا الفشل ليس نهاية التاريخ للشعوب او السلطات المطلقة. بل هي بداية لوعي ثوري ستتعلم الأجيال القادمة منه كيف تتمرد وكيف تثور لتحقيق ما تريد من تغيير.

ملاك القول هنا:

إن التاريخ لا يعود إلى الوراء، وهو أيضاً لا يمكن أن يقف عند حدود زمانية معينة تريدها هذه القوى الحاكمة أو تلك. .. فالتاريخ في المحصلة هو حركة تسير دائماً إلى الأمام .. هو سيرورة وصيرورة دائمة.. فإذا كانت القوى الحاكمة تعتقد بأنها قادرة على التحكم بحركة التاريخ وتوجيهه لمصلحتها فهي واهمة، فتجارب التاريخ تشير وتبين غير ذلك.. (فالناس يصنعون تاريخهم بأيديهم إلا أنهم لا يصنعونه على هواهم)، وهنا تكمن حقيقة التاريخ وأوهام من يعملون على لي عنق التاريخ لمصالحهم الأنانية الضيقة.

إن ما نريد قوله والتأكيد عليه هو، ضرورة أن تدرك هذه السلطات الشمولية، بأن التاريخ لا يمكن أن يقف عند رغباتها ومصالحها فقط.، فالتاريخ سيرورة وصيرورة  كما بينا أعلاه ولا بد لمكونات المجتمع أن تساهم فيه، والتاريخ الذي يصنعه الملوك والقادة والأمراء وكل من يدعي بأنه قادر على تغييب الشعب واسقاط حق مشاركته في قيادة نفسه، لم يثبت التاريخ صحته ونجاعة نهجه، وكل من يعاند حركة التاريخ التقدمية سيلغيه التاريخ ويقصيه وربما يدفعه الثمن غالياً.

ترى هل نتعلم من تاريخنا المعاصر بأن الأنظمة المحتكرة للحقيقة قد انتهى دورها التاريخي؟. وأن مصير نظام صدام حسين والقذافي والسادات وحسني مبارك وميرسي وزين العابدين في عالمنا العربي دليل على صحة قولنا؟.

ملاحظة: أنا لا أنكر أن الظروف الموضوعية والذاتية للمجتمعات والدول تفرض نفسها بهذه الصيغة السياسية أو تلك على حياة مجتمعاتها ودولها. وإن هذه الشعوب المتخلفة لا بد لها من رموز كبيرة (كاريزما) تشكل محطة أنظار لها كي تقودها نحو التقدم والنمو وتجاوز تخلفها. . ولكن الشعوب لن ترحم من تطغى عليه شهوة السلطة.. يذكرنا التاريخ بالقائد السياسي والحكيم اليوناني "صولون"، الذي طلب منه شعب أثيكا (أثينا) أن يستلم السلطة فيها من أجل حل صراعاتها الداخلية وتحقيق العدالة بين أبناء الشعب. فتسلم السلطة واستطاع بتعاونه مع من هم أهل لقيادة الدولة ومؤسساتها أن يوصل أثيكا إلى بر الأمان. وبعد أن أنهى مهمته وانتهت فترة حكمه، طلب منه الشعب أن يكون قائداً مدى الحياة. إلا انه رفض قائلا: (إن الدكتاتورية مقام جميل، ولكن طريق النزول منه غير معروف النتائج.)

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحت من – ديرالزور- سورية

 

 

ابراهيم أبراشلأن التطور سنة من سنن الحياة والكون، فإن المعرفة والعلوم بكل تفرعاتها ومنها علم السياسة تتطور أيضاً .فالمعرفة السياسية عند المجتمعات القديمة كاليونانية والفرعونية والهندية الخ ليست هي معرفة عصر النهضة والثورة الصناعية، والمعرفة السياسية في القرن العشرين التي تحولت إلى علم له مدارسه وقوانينه ومناهجه التحليلية ليست هي المعرفة السياسية وعلم السياسة في القرن الواحد والعشرين الذي شهد توسيعاً لتكنولوجيا المعلومات والثورة المعلوماتية.

إن قدرة علم السياسة على الانفتاح على العلوم والمجالات المعرفية الأخرى غير محدودة، حيث لا يمكن للسياسة إلا أن تؤثر وتتأثر ليس فقط بالمجالات والعلوم الاجتماعية والإنسانية بل أيضاً بما يطرأ من تطورات علمية .ومن المعلوم أنه كلما تزايدت نقاط الالتقاء والتفاعل بين علم السياسة والمجالات المعرفية الأخرى وتراكمت المقاربات والنظريات بهذا الشأن كلما ظهرت الحاجة لفرع جديد لعلم السياسة .

مبكراً تفاعل علم السياسة مع الاقتصاد وظهر علم الاقتصاد السياسي، ومع المجتمع وظهر علم الاجتماع السياسي، ومع الجغرافيا فظهرت الجغرافيا السياسية أو الجيوبولتيك Geopolitics والجيوستراتيجي Geostrategy، ومع القانون فظهر علم الاجتماع القانوني، ومع الدين فظهر علم الاجتماع الديني، ومع علم النفس فظهر علم النفس السياسي، ومع البيئة ظهر علم البيئة السياسية Political ecology، ومع تراكم المعرفة السياسية حول الانتخابات ظهر علم الانتخابات الخ، وفي القرن الواحد والعشرين ومع الفضاء الالكتروني أو السيبراني مطلوب إعادة نظر لتجديد المرتكزات التقليدية لعلم السياسة وظهور تفرعات جديدة له .

التطور التكنولوجي والثورة المعلوماتية لم تقتصر على مناحي الحياة المادية والعلوم الطبيعية بل تركت بصماتها على العلوم الاجتماعية بما فيها علم السياسة .فلم تترك الثورة المعلوماتية informational revolution مجالاً في حياة البشر إلا وأثرت فيه ايجاباً من خلال تسهيل الوصول إلى المعلومة ومراكمتها وتحليلها بدقة أكبر، وإن كان تأثير هذه الثورة أكثر بروزاً في العلوم الحقة أو الطبيعية Natural science لأن الظواهر الطبيعية والمادية أكثر تطويعاً وتجاوباً من الأتمتة Automation والتكميم أو لغة الرياضيات Accuracy Quantification والتجاوب مع الفضاء السيبراني cybernation، إلا أن العلوم الاجتماعية بما فيها علم السياسة تأثر وتفاعل مع الثورة المعلوماتية ولا يمكنه إلا أن يتأثر، الأمر الذي حول علم السياسة من علم نظري واهن وضعيف إلى علم دقيق يستعمل لغة الرياضيات ومناهج التحليل اعتماداً على ما توفره الثورة المعلوماتية من كم هائل من قاعدة بيانات ومناهج تحليل علمية تستعمل لغة الإحصاء و الرياضيات وتتجاوز المكان والزمان وتستشرف المستقبل من خلال ما يتم مراكمته من معلومات وسهولة توصيلها .

وهكذا مع ثورة تكنولوجيا المعلومات ظهر فضاء جديد وهو الفضاء أو المجال السيبراني أو الالكتروني الرقمي الذي بدأ من الانترنت (الشبكة العنكبوتية) وما أحدثته من انقلاب في مختلف مناحي حياتنا بما فيها المجال السياسي والدولي من خلال ما أتاحه من قوة جديدة بيد الدول الأكثر قدرة على توظيفه وفي نفس الوقت من مخاطر غير مسبوقة نتيجة سهولة اختراق المجال والأمن القومي وخصوصيات الناس بأدوات خارج ما هو متعارف عليه في المفهوم التقليدي للسيادة.

نظرا لقوة تأثير الانترنيت والفضاء السيبراني على مفهوم وواقع القوة والسيادة والأمن والحرب والإرهاب والجيوسياسة والاقتصاد والحريات الشخصية الخ اشتق المختصون في هذا المجال مصطلحات جديدة مثل الأمن السيبراني  Cyber-Security والحرب السيبرانية الباردة Cyber Cold War أو سباق التسلح السيبراني Cyber arms race، وقد لمس الجميع قوة تأثير هذا المجال في مجال التجسس بين الدول وفي مفهوم الحرب وأدواتها سواء الحروب العسكرية أو الاقتصادية أو النفسية وفي سباق التسلح، ومن أحدث تأثيراتها التوترات الأخيرة بين الولايات المتحدة والصين، وبين الأولى وروسيا الاتحادية بخصوص التأثير على الانتخابات الأمريكية، واستعمال المجال السيبراني في المواجهة بين أمريكا وإيران، وفي الجدل الدائر بين أنظمة الحكم ومستعملي وسائط التواصل الاجتماعي وخصوصا أثناء الحراكات والثورات الشعبية، وسيكون تأثيرها ودورها حاسما في الحروب والمواجهات المستقبلية حيث من غير المستبعد أن تحل القنابل الالكترونية محل القنابل التقليدية والذرية .

القوة السيبرانية كما يعرفها جوزيف.س ناي Nye.S Joseph وهو أبرز المهتمين بالقوة السيبرانية هي: "القدرة على الحصول على النتائج المرجوة من خلال استخدام مصادر المعلومات المرتبطة بالفضاء السيبراني، أي أنها القدرة على استخدام الفضاء السيبراني لإيجاد مزايا للدولة، والتأثير على الأحداث المتعلقة بالبيئات التشغيلية الأخرى وذلك عبر أدوات سيبرانية". وارتباطاً بذلك ظهر ما يسمى بالأمن السيبراني الذي أصبح جزءاً من الأمن القومي للدول .

هذه الثورة المعلوماتية والمجال السيبراني بما أتاحا من كم هائل من المعلومات والقدرة على توصيلها للجميع بسهولة واختراقهما للحدود والحواجز التي فرضتها السيادة التقليدية للدول حولا الشأن السياسي من شأن محلي منعزل عما يجري في العالم يقتصر على دراسة وتحليل النظريات من منظور تاريخي ومتقوقع على أيديولوجيات وبراديغمات محصنة بالمقدس أو بالجهل الخ حولاها إلى فضاء العولمة السياسية الخارقة للحدود، هذه الأخيرة التي قربت بين المفاهيم والمصطلحات وساعدت على التوصل لنماذج لأنظمة الحكم المُثلى الملتزمة بمبدأ الحِكامة أو الحكم الرشيد Good Governance ووضعت تحت تصرف شعوب وحكام الدول النامية خلاصة تجارب وخبرات الدول المتقدمة في مجال النظم والحياة السياسية، كما أحدثت تغييراً في مفهوم ومصادر الثقافة السياسية والتنشئة السياسية، هذا ناهيك عن تغيير أدوات العمل السياسي الوطني من خلال استعمال نموذج الحكومة الالكترونية ودور وسائط التواصل الاجتماعي في نشر الوعي السياسي وفي التأثير في العملية الانتخابية الخ .

إن كل هذه التطورات التي تؤكد أن العالم نظام أو نسق يعتمد على التفاعلية والتبادلية بين مكوناته مع تزايد ملحوظ لقوة تأثير التكنولوجيا والثورة المعلوماتية على بقية أجزائه، جسرت الهوة ما بين النظري والتطبيقي أو العملي في الشأن السياسي وأدخلت السياسة في العالم الافتراضي وجعلت فكرة الخيال السسيولوجي التي تحدث عنها تشارلز رايت ملز عام 1959 أقرب للواقع والملموس من خلال المجال الالكتروني أو السيبراني .

وضع الثورة المعلوماتية تحت تصرف الباحث والعالم السياسي إمكانيات هائلة للمفاضلة بين بدائل متعددة والقدرة على التواصل لأن السياسة ليست مؤسسات ونظريات فقط بل ومجال للتواصل مع الآخرين، كما أعادت النظر في الابستمولوجيا Epistemology أو نظرية المعرفة وفي الاساليب البيداغوجية للتعليم ومناهج البحث وأدوات التحليل والقدرة على الوصول للمراجع والوثائق .

كل ذلك يتطلب ظهور علم سياسي جديد يعكس هذا التطور المعرفي ومخرجاته ويستوعبه ويوظفه بما يجعل علم السياسة أكثر قدرة على الإحاطة بالظواهر السياسية من خلال توظيفه لتكنولوجيا المعلومات، ونقترح تسمية هذا العلم بـ (علم السياسة السيبراني) أو (السيبرانية السياسية) .

 

إبراهيم ابراش

 

علي محمد اليوسفآلية تشكيل المجلس السياسي الاعلى لانقاذ العراق ومهامه الوطنية للمرحلة الانتقالية (حالة الطوارئ)

ملاحظة هامة هذه الورقة كنت نشرتها في شباط 2017على صفحات موقع المثقف ومواقع اخرى خارج العراق وجدتها بعد تظاهرت الانتفاضة التشرينية للشباب 2019 ممكنا الاستفادة منها بعد ان قمت بتشذيبها بما يتلائم ومستجدات المرحلة السياسية التي يشهدها العراق، واذ احيي يطولة وتضحيات المنتفظين شباب شرائح العراق ومكوناته الوطنية اقدم هذه الورقة السياسية عربونا لتضحياتهم في انقاذ العراق الحبيب.. وهي الاجابة عن التساؤل كيف تخرج التظاهرات بحل سلمي ديمقراطي مع الحكومة الحالية التي باتت مستقيلة واعادة الوطن لشعبه من دون الانزلاق نحو فراغ حكومي ربما يرافقه انفلات امني وفوضى تهدد العراق بالدمار الشامل.

مقدمة

على قدر اطلاعي على مجريات الوضع السياسي والامني والاقتصادي والعسكري في عراقنا الحبيب وسط تجاذب وتناحر القوى السياسية في الرئاسات الثلاث منذ عام 2003 ولحد الان، حيث وصل ببعضهم الصلف مصادرة وتغييب مصالح العراق العليا في عمالتهم للاجنبي ودول الجوار الاقليمية ونهب اموال الدولة، وتكريس الطائفية وخطابها الاعلامي التقسيمي المشبوه . وتصرف شخصيات سياسية وقيادات كتل حزبية وكأنها تمثل دولا مستقلة لا علاقة لها بحكومة بغداد المركز سوى بالتمويل وقبض الرواتب والامتيازات وسرقة المال العام وتجويع الشعب العراقي، والعيش الدائم خارج العراق مع عائلاتهم، هذه وغيرها من السلوكيات السياسية المنحرفة اللاوطنية التي ألغت هيبة الدولة العراقية وسيادتها الوطنية المستقلة في خرق واضح متعمد للدستورالمليء بالالغام التي زرعها بريمر وأقرتها القوى والاحزاب الانتفاعية الفاسدة التي جاءت على ظهور الدبابات الامريكية، واستغلال عجز الحكومة من ايقاف ومحاسبة اصحاب هذه السياسات من الفاسدين سراق المال العام التي الحقت الكوارث الخطيرة بالعراق، وباتت تهدده كدولة وسلطة وقوانين غير قادرة على محاسبة المفسدين الحيتان المستخفين بالحكومة وبأمكاناتها القاصرة على وضع الامور في نصابها الصحيح.

وجدت نفسي كعراقي يجب ان اقول كلمة صادقة في حب وطني العراق بعد ان كنت هجرت الكتابة في السياسة لاكثر من عامين مضت .كلمة منزهة عن جميع النوايا السيئة والاغراض المنحازة لطائفة او حزب سياسي وكتبت هذه المقترحات كورقة اصلاح سياسي هي اولا واخيرا تمثل رأيي الشخصي الوطني، بمسؤولية وطنية، وحرية التعبير عن الرأي المكفولة لي وللعراقيين دستوريا وقانونيا.. .ولا أدعي لها الكمال الا بعد أغنائها بملاحظات ومناقشات سداد الرأي والصواب.. ان ما اطرحه هو آلية تشكيل مجلس سياسي أعلى، وحكومة انقاذ وطني لمرحلة انتقالية واعلان حالة الطوارئ. عل وعسى تجد لها آذانا صاغية وتجد ضالتها الوطنية عند اصحاب النخوة والغيرة والضمائر الحية. الذين من المفروض بهم، انهم لم ولن يبخلوا بكل شيء من اجل العراق وتأمين مستقبل اجياله. كما اطرح هذه المقترحات-الورقة- على جميع ابناء الشعب العراقي الاصلاء ليقولوا كلمتهم الموقف.

بقي القول ان اقتراحي تسمية اعضاء من المكونات العراقية الوطنية لاسماء أكثر من (60) شخصية عراقية، متوخيا خلق نوع من التوازن في تمثيل المجلس السياسي الاعلى المزمع تشكيله لانقاذ العراق، بعيدا عن التهميش والمحاصصة البغيضة والطائفية، وعدم استبعاد تمثيل المكونات والاقليات، وكلي ثقة أن تتعامل هذه الشخصيات بروحية الفريق الواحد، وتغليب عوامل الوحدة الوطنية بدلا من المناكفات السياسية غير المجدية، في جعل هذه المبادرة الوطنية موضع الاهتمام والالتزام بوضعها قيد التنفيذ الوطني بعيدا عن المصالح الحزبية والطائفية والمناطقية التي اوصلت البلد الى شفير الهاوية بانتظار المنقذ المخلص الذين هم ساسة البلد المضحين المجتمعين في تكاتفكم الوطني، لأنقاذ بلدهم العراق العظيم.وهم جديرون بتحمل هذه المسؤولية الكبيرة اذا خلصت النوايا، وكانت مصلحة البلد هي العليا. وفي ظل التجاذبات السياسية والصراعات على النفوذ السياسي بمختلف الوسائل والاساليب، وفي اجواء الطروحات المتباينة والمتاجرة بشعارات الاصلاح دونما نتائج يعتد بها، او ذات جدوى في غياب الرغبة الحقيقية للاصلاح، وانعدام التنفيذ في اصلاح وتخليص العملية السياسية، مما ينخرها من فساد مالي واداري، وتنظيف ما علق بها من ادران الصراع الطائفي، والمحاصصات الحزبية والتوافقات الانتفاعية الفئوية. التي اوصلت البلد الى مهاوي السياسة المتخبطة، وشبح الافلاس المالي اقتصاديا .واستطيع القول وبالحكم القاطع جازما، ان ماطرح تحت عناوين الاصلاح السياسي من قبل جهات سياسية مشاركة في ادارة الدولة لأكثر من (16) عاما، كانت بالنتيجة تمثل عمليات التفاف، وافراغ لمفهوم الاصلاح من مضامينه الحقيقية التصحيحية، ومحاولة كسب امتيازات ومنافع سياسية لامشروعة. وكذا الحال ذاته مع طروحات المصالحة السياسية والمجتمعية، واوراق تسوية الخلافات بالاستعانة بالامم المتحدة ودول الجوار، مثلت استهانة بقدرات العراقيين واستخفاف بمشاعر الشعب العراقي الوطنية وطموحاته في حياة كريمة. والابقاء على دوامة الصراعات السياسية التي تشغل الناس عن حقيقة غياب معالجة الفساد ومحاكمة رؤوس الفساد الذي ينخر العملية السياسية ومرافق الحياة المجتمعية برمتها. ودوام انعدام الثقة بالآخر والرغبة في اجتثاث الارهاب وحل الخلافات.

أعرض هذه الورقة امام الشعب العراقي العظيم ليقول كلمته الموقف في سداد الرأي والصواب، بما يخدم اهدافه الوطنية المشروعة النبيلة، مطالبا الفئات الوطنية المخلصة، ، والجماهير وشرائح المجتمع العراقي كافة، ومنظمات المجتمع المدني الفاعلة، من اخذ دورها المؤمل المنتظر منها، في الضغط بكل السبل والوسائل على الحكومة والاحزاب والكتل السياسية فيها، لجعل مضامين هذه الورقة قيد التنفيذ بمقدار ما تحتويه من آراء يمكن ان تشكل الخطوط العامة العريضة في تحقيق اصلاح حقيقي يلبي طموحات الشعب العراقي بكل مكوناته واطيافه المجتمعية، ويضع العملية السياسية على طريق بناء دولة المؤسسات الديمقراطية المدنية الحديثة .

اولا: يقوم السيد رئيس الوزراء او رئيس الجمهورية او رئيس مجلس النواب بدعوة الذوات المختارين المدرجة اسمائهم ادناه، الحضور ببغداد في المكان والزمان المعينين، للاجتماع ومناقشة التصويت على ورقة الاصلاح السياسي، ومقترح تشكيل المجلس السياسي الاعلى للمرحلة الانتقالية، لمدة حالة الطوارئ التي سيعلنها المجلس الاعلى الوطني المؤقت .واذا تعذر قيام رئيس الوزراء بالمهمة، يضطلع بمسؤولية الدعوة رئيس مجلس النواب، او رئيس الجمهورية، وفي حال أعتذارهما، يحقق الاجتماع اربعين عضوا من الذوات الحضور في التشكيلات المقترحة الاتية:

- دعوة مالا يقل عن عشرين عضوا من الجنسين ممثلين عن التظاهرات في بغداد والمحافظات الجنوبية ليس من بينهم من المنتمين لاحزاب السلطة وليس من الذين عملوا في دوائر الدولة بدرجات وظيفية خاصة بعد التغيير عام 2003.واستبعاد كل شخص منتمي لاحزاب السلطة او المليشيات او من اعضاء مجلس النواب والوزراء السابقين منذ 2005.

- دعوة ما لايقل عن عشرين عضوا من الكفاءات الوطنية والمهنية من المستقلين حصرا غير المنتمين ولا العاملين في اجهزة الدولة منذ عام 2003. من مؤسسات الدولة المختلفة مثل ممثلين عن النقابات والناشطين المدنيين وكفاءات علمية وسياسيين مشهود لهم بالنزاهة والوطنية الحقة.

- دعوة ما لايقل عن عشرة اعضاء عسكريين من المستقلين الذين ثبت ولاءهم للوطن ولا ينتمون لاحزاب السلطة ولا يأتمرون باجندات الاحزاب المليشياوية والطائفية المشاركة بالحكم..

- اختيار عشرة اسماء من شيوخ العشائر المشهود لهم بالوطنية العراقية والذين يؤمنون بالعراق الموحد المستقل عن كل وصاية اجنبية عليه، وليس عليهم علامات استفهام او شبهة تعاونهم مع الاحزاب وميليشياتها او لهم علاقات بدول جوار العراق..

ثانيا: يتولى اكبر الحضور سنّا ادارة الجلسة الافتتاحية، بعد تحقيق النصاب بحضور اكثر من(35) مدعوا من مجموع اسماء المدعوين فقط، ويسقط حق اي مدعو من اكتساب عضوية المجلس، في حال الغياب لاي سبب كان.ولايحق لأي شخص يحمل الصفة الرسمية في الدولة اوغيرالرسمية من حضور جلسة تاسيس المجلس السياسي الاعلى من غير اسماء القائمة المدعوة للاجتماع من المذكورين اعلاه.

ثالثا: يجري تنبيه الحضور انه بعد قراءة ورقة الاصلاح كاملة وفقراتها كافة يجري التصويت عليها من الحضور بالرفض او القبول بالاغلبية البسيطة، وفي حال تمرير ورقة الاصلاح يكون تشكيل المجلس السياسي الاعلى لانقاذ العراق مكتسبا الصفة القانونية ممثلا عن الشعب العراقي ويباشر تنفيذ اعماله بالتزام ما ورد من فقرات في ورقة الاصلاح .ويغادر الجلسة المصوتين بالرفض .

رابعا:  يباشر المجلس الاعلى اعماله كمؤسسة سياسية عراقية تتولى حكم البلاد لمدة ثلاث سنوات، هي مدة حالة الطوارى قابلة للتمديد او التقليص، لمرحلة انتقالية يعلنها المجلس .ويلتزم المجلس الاعلى تمثيل العراق بكافة قومياته واديانه ومكوناته الديموغرافيه الاجتماعية، وفي التمهيد لاجراء انتخابات عادلة شفافة ونزيهة تحت اشراف الامم المتحدة، بما يحفظ استقرار العراق ووحدته وسيادته وامنه وتوفير العيش الكريم لابنائه . وبعد اطلاع وتصويت الحضور على ورقة الاصلاح وتمريرها بقبول الاكثرية البسيطة يؤدى اليمين الوطني من قبلهم .

خامسا: -قراءة نص ورقة الاصلاح، ولايجوز مقاطعة ادارة الجلسة بالتعليق او المناقشة الا بعد ان يتم التصويت عليها من قبل الحضور، بالرفض او القبول . كما تنص عليه هذه الورقة.

سادسا: يعلن المجلس حالة الطوارئ في البلاد لمدة ثلاث سنوات قابلة للتمديد او التقليص، كمرحلة انتقالية، حسب مقتضيات المصلحة العامة للعراق، والظروف الامنية والسياسية، ريثما ينهي المجلس السياسي الاعلى مهامه خلال مدة حالة الطوارئ.

سابعا: يجمّد العمل بالدستور الحالي النافذ، وتشكل لجنة خبراء اختصاص من ذوي الوطنية العراقية الصادقة، من رجال القانون والقضاة والمحامين ذوي الكفاءة، ويحق للجنة الاستعانة بخبرة دولية اذا ما اقتضت الحاجة ذلك.مهمتها مراجعة الدستور النافذ العمل به حاليا، ويجرى توقيف العمل به مدة حالة الطوارئ، وتبديل او تعديل فقراته وابوابه وبنوده كافة اذا ما اقتضت الضرورة والمصلحة الوطنية، بما تجده يلبي مستجدات الوضع السياسي للبلد في جميع ميادين الحياة، ويؤسس لقيام نظام ديمقراطي حقيقي، ودولة مؤسسات مدنية حديثة. . ويعرض الدستور الجديد لاستفتاء الشعب عليه.قبل اعلان انتهاء مدة حالة الطوارئ. ويوصي المجلس تضمين الدستور الجديد فقرة ان النظام السياسي في العراق رئاسي وليس نيابيا كما هو في السابق، لما في هذا التغيير من نفع عام وتصحيح لمسارالعملية السياسية الديمقراطية.

ثامنا: بعد تمرير مشروع تشكيل المجلس الاعلى لحكم البلاد في المرحلة الانتقالية المؤقتة بالتصويت، تقدم الرئاسات الثلاث استقالاتها للمجلس السياسي الاعلى، رئيس الوزراء، ورئيس الحمهورية، ورئيس مجلس النواب، ولا يحتفظون بحق الترشيح لأي منصب يعلن المجلس عنه لاحقا، وفي حال مقاطعتهم لجلسة تاسيس المجلس الاعلى لأي سبب كان، يكونون مقالين من مناصبهم، بعد حصول المجلس على اصوات الغالبية واتمام تشكيلته الرسمية القانونية.ومباشرة اعماله باسم الشعب.

تاسعا: الغاء الاتفاقية التوافقية والمحاصصة الطائفية التي تشكلت بموجبها الحكومات السابقة بعد 2003 واعتبارها مستقيلة ويبطل الالتزام بكافة بنود وفقرات تشكيلها، لأنها تكريس للطائفية والتقسيم والمحاصصة.والفساد والتجاوز على الدستور وعدم الالتزام بمصالح العراق العليا وانجاح العملية الديمقراطية.وعدم تحقيق المطالب المشروعة للشعب العراقي.واعتبارها حكومة تصريف اعمال مستقيلة لحين تشكيل وزارة المرحلة الانتقالية طيلة مدة سريان حالة الطوارئ في البلاد.

عاشرا: يكلف المجلس تشكيل لجنة باسم (المالية والاقتصاد) تحت اشراف نخبة اقتصادية مختارة مشهود لهم الكفاءة والنزاهة من المستقلين، مهمتها تصحيح وتنظيم القطاع المالي والاقتصادي والتجاري للبلد، وتخويله من قبل المجلس صلاحية اقالة واعفاء كل مقصر غير كفوء في انجاز عمله، واحالة ملفات السرقات والتلاعب والفساد بكل اشكاله، وهدر اموال الدولة باي شكل من اشكال الفساد للقضاء الاعلى. ولها صلاحية تدقيق اي صفقات مالية والتاكد من نظافتها، ولها صلاحية الاطلاع على عمل البنك المركزي، وديوان الرقابة المالية، وعمل المصارف الحكومية والاهلية، وغيرها من الدوائر والمؤسسات المالية والتجارية، وتنفذ توصياتها وبالزام من قبل مجلس الوزراء، والجهات ذات العلاقة.

احد عشر: تجري معالجة الغاء جميع امتيازات الرئاسات الثلاث ورواتبهم واقتراح سلم رواتب موحد ينصف الشرائح المحرومة من متقاعدين وموظفين صغار وعمال، كما يصار الى احالة على التقاعد العديد من الذين تجاوزتهم اعمارهم السن القانوني لفسح المجال امام تعيين الشباب من اصحاب الشهادات والاختصاصات المهنية وايجاد صيغ ووسائل استيعاب الشباب من العاطلين عن العمل. وتخصيص رواتب للعوائل التي لا تمتلك معينا لها.

اثنا عشر: ترفع الحصانة الدبلوماسية عن جميع مسؤولي الدولة العراقية داخل وخارج العراق، وكافة موظفيها وتشكيل هيئة نزاهة جديدة ليس على اساس توافقي بل على اساس الكفاءة والمواطنة الحقة.وتقديم جميع المدانين بالفساد الى القضاء في مقدمتهم حيتان الفساد الكبار الهاربين ومزدوجي الجنسية داخل وخارج العراق واعادة الاموال المسروقة منهم بكل الوسائل المتاحة وبالتعون الدولي.

ثلاثة عشر: يفتح رئيس الجلسة الاكبر سنا باب الترشيح لانتخاب رئيس ونائب رئيس للمجلس السياسي الاعلى لانقاذ العراق، ويكون فوز المرشح بالاغلبية البسيطة من اعضاء النصاب الكامل، ويتمتع الرئيس المنتخب اضافة لمهامه في المجلس القيام بواجبات رئيس الجمهورية طيلة مدة المرحلة الانتقالية (حالة الطوارئ).ولايعمل بالمحاصصة او التوافق في الترشيح والانتخاب.ويكون الاقتراع السري هو الفيصل.

اربعة عشر: يتولى تكملة اعمال المجلس الرئيس المنتخب الجديد بدلا من العضو الاكبر سنا ويفتح باب الترشيح لانتخاب رئيس وزراء جديد للمرحلة الانتقالية خلفا لحكومة عادل عبد المهدي المستقيلة، ولا يراعى في الترشيح والانتخاب معايير الدين او الطائفة او التمثيل القومي والاثني .بل معايير المواطنة الحقة.ويكون الاقتراع السري الفيصل.

خمسةعشر: يقوم السيد رئيس الوزراء المنتخب بتشكيل حكومة انتقالية تتمتع بكافة الصلاحيات القانونية في ظروف الطوارئ، وان يكون المرشح قديرا وجريئا في اتخاذ القرارات المصيرية الهامة وان يتحمل المسؤولية بجدارة وان لاتأخذه في الحق ومصالح الشعب العراقي لومة لائم، وبما يؤمن ويحفظ للعراق امنه وسيادته ووحدة اراضيه . ويراعى في تشكيلة الوزارة الجديدة ان تكون وزارات كل من الدفاع والداخلية والخارجية والمالية والنفط من ذوي الخبرة والكفاءة والنزاهة ومن اصحاب القرار الوطني الشجاع غير المساوم على مصالح الشعب تحت اية ضغوطات . وتكون الكابينة الوزارية من التكنوقراط المستقلين حصرا.

ستةعشر: يحتفظ رئيس الوزراء بمنصب القائد العام للقوات المسلحة.ويصبح رئيس الجمهورية هو القائد العام للقوات المسلحة، او من ينوب عنه تكليفا من قبله بعد انتخابه من اعضاء المجلس، وتعديل نظام الحكم بالعراق من نيابي الى رئاسي.وانتهاء المرحلة الانتقالية، حالة الطوارئ.

سبعةعشر: محاسبة جميع الضالعين في جرائم ضد المواطنين الابرياء جرائم الارهاب وجرائم قتل وجرح المتظاهرين وجرائم سبايكر وسجن بادوش والرمادي وتكريت ونينوى واحالتهم الى القضاء . وكذلك الذين ساهموا بسقوط الموصل والانبار وتكريت وغيرها من المناطق بيد الارهاب . وكذلك تحذير المشاركين في مؤتمرات مشبوهة عقدت وتعقد في تركيا وقطر والاردن وغيرها من اماكن وبلدان جوار العراق . والتقوا بمطلوبين للقضاء العراقي والدولي ومن الساعين لتقسيم العراق، ودعموا حواضن الارهاب. انه في حال استمرارهم على هذا النهج السياسي المنحرف يحالون الى القضاء.

ثمانيةعشر: باشراف من رئيس الجمهورية القائد العام للقوات المسلحة يصار الى اعادة هيكلة التشكيلات العسكرية والامنية والحشد الشعبي ومتطوعي العشائر المخلصة، وتولي القادة المضحين الشجعان مسؤولية هذه الهيكلة الجديدة من قيادات ومراتب وجنود وشرطة واجهزة استخبارية وامنية ممن ثبت على الارض وساحات القتال تفانيهم في خدمة العراق، ومن ضمنهم ابناء الاقليات الغيارى كالتركمان والشبك والمسيحيين والازيدية والكرد المؤمنين بوحدة مصير العراق . وابعاد جميع القيادات والمراتب الذين ساهموا او كانوا سببا في نكسات وهزائم الجيش العراقي والقوات الامنية ومحاسبتهم قضائيا، ويشمل ايضا القيادات والمراتب التي عليها مؤشرات ادانة وتخاذل وهروب من المواجهة مع العدوالارهابي، وعدم تنفيذهم الاوامر العسكرية باخلاص من الذين لديهم ولاءات سياسية موجهة من الداخل والخارج نحو التقسيم وتاجيج الفتنة الطائفية .

تسعةعشر: يلتزم المجلس السياسي الأعلى، ويلزم الحكومة المنتخبة من بعده، بعد انقضاء مدة حالة الطوارئ الى بذل اقصى الجهود، وتسخير كل الامكانات وبالتنسيق مع جميع دول العالم لاعادة اعمار العراق من الدمار والخراب الذي تركه داعش الارهابي، وعمليات التحرير العسكرية، وبما يؤمن لجميع النازحين والمنكوبين العودة الى مناطق سكناهم، وتشكيل لجان مهمتها نشر الوعي الوطني باهمية التسامح المجتمعي والتعايش الاخوي، والتخفيف عن المتضررين بكل السبل المادية والمعنوية الممكنة.

عشرون: يولي المجلس اهتماما استثنائيا، باستحقاقات الشهداء والارامل، من الجيش والشرطة والحشد الشعبي والقوى الامنية الاخرى باعطائهم كافة حقوقهم التقاعدية وضمان مستقبل عوائلهم .وتوفير العيش الكريم لهم.

واحد وعشرون: حصول الحكومة الجديدة على تأييد كل دولة تقف مع العراق في معاركه المصيرية وتتفهم مصالح العراق الحيوية وتامين مستقبل اجياله . كما يكون من المهم جدا اعلان المرجعية الدينية في النجف الاشرف والمرجعية الدينية السنية تأييدهما واعترافهما بالحكومة الجديدة وتفهمهما ظروف العراق العصيبة وموجبات اعلان حالة الطوارئ الانتقالية في توخي وضع الامور في نصابها الصحيح تمهيدا لاجراء انتخابات ديمقراطية جديدة بعد تطهير اراضي العراق من الارهاب،

اثنان وعشرون: يعرض رئيس الوزراء المنتخب خلال فترة اسبوعين اعضاء حكومته من الوزراء على المجلس الاعلى الوطني للمصادقة عليها، والتصويت على كل وزير منفردا لوحده لنيل الاغلبية البسيطة من الاصوات، ويستبدل من لايحصل على الاصوات المطلوبة، ويحق لرئيس الوزراء المنتخب استيزار وزراء تكنو قراط من المستقلين حصرا، وكذلك من اعضاء المجلس السياسي الاعلى .ولايحتكم بمعايير قبول ترشيح الوزير غير المواطنة الصادقة، والخيرة والكفاءة والنزاهة.

اثنان و عشرون: يعلن المجلس حل مجلس النواب الحالي لحين انتهاء مدة حالة الطوارئ في البلاد .وتشكيل لجنة تقوم بمعالجة وتصفية متعلقات ورواتب اعضاء مجلس النواب المنحل .ولا يحق للنواب الترشيح في انتخابات ما بعد المرحلة الانتقالية.على ان لايتجاوز اعضاء مجلس النواب الجديد اكثرمن(150)عضوا في الانتخابات الدورية العادية.

ثلاثة وعشرون:تحتفظ السلطة القضائية بهيكليتها الحالية وتقوم بمهامها الموكلة لها .ومن حق مجلس الرئاسة الاعلى اعفاء او استبدال اي مقصر من اداء واجبه على الوجه الاكمل في المؤسسة القضائية ودوواينها والمحاكم والمؤسسات والدوائر التابعة لها بالتصويت.

اربعة وعشرون:يلتزم المجلس تنفيذ الموازنة العامة للعام 2020، بالصيغة التي يرفعها مجلس الوزراء الجديد، وتشرف لجنة من المجلس على تنفيذ بنود ومواد الموازنة في ضغط الانفاق والتأكد من عدم هدر اموال الدولة، والتأكيد على ادخال موارد جديدة اخرى للموازنة لتعضيد الريع النفطي الوحيد.

خمسة وعشرون: تعديل النظام الانتخابي المعمول به في الدورات السابقة الى نظام انتخابي جديد اكثر شفافية وعدالة وتمثيل حقيقي لارادة الناخبين من الشعب العراقي، بما يمنع التزوير والتلاعب بالانتخابات في صعود اعضاء لايمثلون الشعب حقيقة، بعد ان اصبحت العضوية في الرئاسات الثلاث وسيلة ارتزاق سياسي ونهب المال العام.عليه يتم التأكيد في القانون الانتخابي الجديد على ايصال طاقات نوعية وكفاءات شابة قديرة لتقديم خدمة للبلد بانتخابات ديمقراطية نزيهة.

ستة وعشرون:حل المفوضية العليا للانتخابات وتشكيل اخرى بديلة عنها تمهد لاجراء انتخابات جديدة بعيدا عن المحاصصة والتواقفية والتمثيل الحزبي .تلتزم تنفيذ نظام انتخابي عادل ومنصف.ويستفاد من خبرة بعض اعضاء المفوضية المنحلة، من الكفوئين النزيهين عند الحاجة ويكون بمشورة ومساعدة الامم المتحدة.

سبعة وعشرون: يلتزم المجلس الاشراف على تنقيذ القرارات الصائبة والنزيهة التي اتخذها مجلس النواب منذ تشكيلته ولحد انهاء مهام عمله في الدورة المنحلة.كما يقر المجلس تنفيذ جميع الاتفاقات المبرمة مع حكومة العراق والدول العربية والاجنبية الاخرى في حال تمثيل تلك الاتفاقات مصالح الشعب العراقي، وعدم التفريط بحقوقه السيادية .

ثمانية وعشرون: تنبثق عن المجلس لجان أختصاص بضوء مستجدات ومعالجات المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية والثقافية .وتمنح صلاحيات معالجتها ورفعها للمجلس للمصادقة عليها، ويحق لاعضاء المجلس المشاركة حسب الخبرة والاختصاص في عمل هذه اللجان، مثل لجنة كتابة الدستور الجديد، ولجنة القطاع المالي، او الزراعي، او الصناعي ..الخ.

تسعة وعشرون: اجتماعات المجلس السياسي الاعلى اسبوعية، فاعلة في حال اكتمال النصاب، وتتخذ القرارات من دون حق الطعن بها من قبل الاعضاء الغائبين .وقراراته في اي جلسة مكتملة النصاب ملزمة للجميع .ويعفى العضو من المجلس في حال تكرار غيابه لاربع جلسات متتالية .

ثلاثون: يحق للمجلس الاعلى الانتقالي اقالة حكومة الطوارئ وتشكيلها من جديد في حالات الضرورات الوطنية، وتقصير مجلس الوزراء في اداء مهامه على الوجه الاكمل، ويكون اسناد تشكيل وزارة جديدة بالانتخاب، وكذا الحال مع اقالة الوزراء واستبدالهم .

واحد و ثلاثون: يحق للمجلس اقالة اي عضو من اعضائه في تصويت الاغلبية البسيطة في حالات عدم الالتزام بالنهج الوطني ومقررات المجلس السياسي الاعلى، سواء كان ذلك بالتصريحات الاعلامية اوالمكتوبة ضد العملية السياسية الانتقالية او بغيرها من الاساليب، ويحال للقضاء من يتعمد عرقلة عمل المجلس السياسي الاعلى باية وسيلة من وسائل عدم الاخلاص للعراق كقيمة عليا، وعدم وضع مصالح البلد فوق كل اعتبار، ولا يجوز لعضو المجلس ان يكون اداة للتدخلات السياسية الخارجية في شؤون العراق الداخلية باي شكل من الاشكال ويحاسب قضائيا.

اثنان وثلاثون: تحل جميع مجالس المحافظات والابقاء على المحافظين الاكفاء فقط في ادارة محافظاتهم، ومن صلاحية المحافظ تعيين ثلاثة اعضاء كمجلس محافظة في حالة الطوارئ، ولايزيد عدد اعضاء مجلس المحافظة على(5)عضوا من ضمنهم المحافظ في الانتخابات الاعتيادية الدورية، وتتولى لجنة خاصة تنظيم العلاقة مع المجلس في شؤون واحتياجات المحافظات وحل المشاكل باسرع وقت ممكن، وتعيين المحافظين الاكفاء في المحافظات الشاغرة، بعد اقالة غير الكفوئين.ومن صلاحيات المجلس في ظروف الطوارئ تعيين حكام عسكريين في المحافظات التي تشهد توترات امنية وعدم استقرار من قبل بقايا الارهاب.

ثلاثة وثلاثون: يحق للمجلس قبول عضوية اي مواطن عراقي او مواطنة، يشكل انضمامه لعضوية المجلس اضافة نوعية في تسهيل اعمال لجان المجلس .ويجري القبول على وفق حيازة اغلبية بسيطة من النصاب المكتمل في اي جلسة من جلسات المجلس .ويكون ذلك ضمن ضوابط وشروط تضعها لجنة يشكلها المجلس لهذا الغرض.

اربعة وثلاثون: بعد تعديل النظام السياسي من نيابي الى رئاسي وتثبيت ذلك في الدستور، يكون رئيس الجمهورية هو القائد العام للقوات المسلحة، وليس رئيس الوزراء. ويحق لرئيس الجمهورية تكليف من ينوب عنه من قادة الجيش القيام بمهام القائد العام للقوات المسلحة.

خمسة وثلاثون

ستة وثلاثون: تنظيم علاقة الحكومة الاتحادية باقليم كردستان العراق:

تشكيل لجنة مشتركة من الجانبين في الاختصات المطلوبة، تتولى مهمة حسم كافة القضايا العالقة، ومستقبل علاقة حكومة بغداد بالاقليم، على ان يشمل الحل جميع القضايا الخلافية بينهما من بينها انفصال الاقليم عن العراق والامور المترتبة على مثل هذا القرار، كما تناقش بروح وطنية قضية النفط وحصة الاقليم من الموازنة العامة وقضية التعايش السلمي في كركوك وقضية المناطق المتنازع عليها وغيرها من امور تحسم الخلافات مع الاقليم بشكل نهائي يرضي الطرفين..

سبعة وثلاثون: تشكيل لجان محايدة مختصة للنظر في القوانين والتشريعات التي تعيق تحقيق مصالحة وطنية راسخة ومجتمعية ويشمل هذا قانون المساءلة والعدالة وقانون العفو العام وما يدخل في العلاقة بهذا الباب باستثناء قانون (4 )ارهاب .

ثمانية وثلاثون: وضع قانون جديد لتشكيل الاحزاب السياسية، واعتبار مشاركة كل عراقي بالانتخابات والعملية الديمقراطية حق مكفول للجميع، ولا توضع على تشريع قانون تشكيل الاحزاب اي ضوابط دينية او عرقية او عقائدية سياسية باستثناء واستبعاد المتورطين في اعمال ارهابية ومطلوبين للقضاء وفق مادة (4) ارهاب وكذلك الذين عليهم تهم فساد واختلاس وسرقة المال العام .

تسعة وثلاثون: وضع قانون للحشد الشعبي لا يلغي تشريع مجلس النواب المنحل في اعتبار الحشد الشعبي هيئة عسكرية من تشكيلات الجيش العراقي وتقع جميع ممارساته العسكرية تحت اشراف القائد العام للقوات المسلحة ووزارة الدفاع . والعمل على استيعاب جميع الفصائل من العشائر العراقية التي اثبتت ولاءها المطلق للدفاع عن العراق واجتثاث الارهاب . وابعاد الحشد الشعبي عن كل الافكار التي تحاول تصوير الحشد على انه قوة عسكرية طائفية، والتأكيد على انه الرديف العقائدي الوطني للدفاع عن العراق وسيادته ووحدة اراضيه .

اربعون: بعد انتهاء مدة حالة الطوارئ، وحل المجلس السياسي الاعلى، يصار الى اجراء انتخابات برلمانية دستورية تحت اشراف اممي تنبثق عنها انتخاب الرئاسات الثلاث لمدة اربع سنوات، ويوصي المجلس اعتماد الاغلبية البرلمانية، في تشكيلة رئيس واعضاء مجلس الوزراء.دونما الاستئثار بالحكم دينيا او قوميا على حساب الكفاءة والنزاهة والمواطنة.

واحد واربعون: لاتمثل فقرات ورقة الاصلاح هذه منهاج المجلس السياسي الاعلى كاملا، بل هي خطوط عامة واجبة الالتزام بتنفيذها، ولا ضير من مناقشتها وتعديل بعض فقراتها واضافة مايغنيها باراء اعضاء المجلس والنخب ذات الاختصاص .وان لايجري الغاء اية فقرة، الا في حال تعارضها مع المصلحة العليا للبلد.وتصويت غالبية اعضاء المجلس على الالغاء.

اثنان واربعون: تحسين العلاقات الدبلوماسية مع كل من جمهورية مصر وجمهورية ايران الاسلامية والسعودية وتركيا والاردن والدول العربية كافة وتعزيز التعاون التجاري، والاقتصادي والسياحي معها، وفي كافة المجالات الاخرى، ويلتزم العراق تنفيذ جميع الاتفاقيات معها. . كما يشجع العراق الاستثمار للشركات العاملة حاليا في العراق والتابعة لهذه الدول. في المشاريع التي يجري تنفيذها حاليا بكفاءة وضمن السقف الزمني المحدد. ويكون محك اختبار صدقية هذه العلاقات الطيبة وتنميتها مرهون باحترام سيادة العراق، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.

ثلاثة واربعون: يلتزم العراق الاحتكام الى لغة الحوار القائم على الاحترام المتبادل، في حفظ سيادته ومصالحه الحيوية مع دول الجوار والمنطقة العربية، ويسعى لبناء علاقات وطيدة بعيدة المدى معها، وارساء دعائم التعاون في اجتثاث الارهاب، وازالة اسباب التوتر، وتامين الاستقرار الدائم والتنمية والاستثمار، ويرحب العراق بالجهود الدولية في هذا المجال.

اربعة واربعون: يعتبر المجلس السياسي الاعلى منحلا ذاتيا، بالتزامن مع الغاء حالة الطوارئ واستكمال اجراء انتخابات جديدة، تنبثق عنها انتخاب الرئاسات الثلاثة ديمقراطيا، بعيدا عن المحاصصة والتوافق .

خمسة واربعون: بعد الانتهاء من قراءة فقرات ورقة الاصلاح، يجري التصويت عليها بالرفض اوالقبول بالاغلبية البسيطة، كما تمت الاشارة له في الفقرة ثانيا من مضمون ورقة الاصلاح هذه.

 

علي محمد اليوسف/ تشرين اول 2019

.................

للاطلاع

ورقة اصلاح سياسية عراقية.. مشروع بناء الدولة الديمقراطية في العراق / علي محمد اليوسف

 

"لا يمكن الوصول الى الحقيقة.. عبر طرح وتبادل اراء الوهم والجدال او حتى السجال.. فالوهم حصة الحقيقة التي غزاها الباطل!!!"

نعم وبالحرف الواحد اقول واؤكد أن اللغة "العبرية" في حقيقتها مستله من اللغة العربية وبالضبط كما استلوا الدين اليهودي من العرب ونسبوه لأنفسهم، وما ان اتموا ذلك حتى أطلقوا عليها اسم اللغة العبرية ظلما وجزافا مع ان اسمها الحقيقي هو اللغة اليهودية العربية!! نعم سادتي فلست هنا أتكلم بعاطفتي ولا حتى بقلبي، إنما حقا اقول انه ليس هناك لغة عبرية، وليس هناك لها أصول سامية ولا شامية ولا حتى قوقازية لها، وكل الذي دون وسطر وكتب عنها ليس أكثر من افتراء وخرافات وأساطير وأكاذيب في أكاذيب!! كل من دقق او سيدقق سيجد ان اللغة اليهودية العربية ضمت عددا من المتغيرات من لهجات عربية عدة و مختلفة بتراكيبها وصياغاتها ومفاهيمها ومنطوقاتها واستخدمها اليهود الذين عاشوا ويعيشون في البلدان الناطقة بالعربية، وان تلك اللغة تكونت وتراوحت وتباينت بين ومع ومن اللهجة العراقية واللهجة المغربية واللهجة الجزائرية واللهجة المصرية واللهجة التونسية واللهجة اليمنية واللهجة الليبية وغيرها من اللهجات العربية الاخرى كبعض التي كان يتحدث بها سكان شمال سوريا، وعلى عكس العربية الفصحى القياسية، كانت اليهودية العربية تكتب بالأحرف الآرامية غير أنهم حرفوها وعربوا اسمها وصياغتها ومفهومها وجروها للتناغم مع اهدافهم السياسية العنصرية.

أن اللغة اليهودية العربية يسود ويعتلي تاريخها غموض كبير افتعله اليهود وسكبوه عليها والذين هم أصلا لم تكن يوما لهم لغة خاصة بهم، فلذا أتخذوا الكنعانية كلغة رئيسة لهم، والتي هي في الاصل لغة عربية، وقد أطلقوا على لهجتهم اسم العبرية ومستنبطين المسمى من اللغة العربية السامية لينسبوا أنفسهم للساميين وليشقوا طريقهم بالتسطير والتخريف، ومن باب التفرد لا أكثر وفي بابل تركوها وتبنوا اللغة الآرامية الشرقية ومزجوها مع اللغة العربية ودونوا كتبهم بها وحتى بعد انتهاء السبي بقيت الآرامية لغتهم كتابياً وشعبياً، وحتى لغة السيد المسيح _عيسى عليه السلام_ وإتباعه وديانته، الذي ينسبه التاريخ اليهودي لهم!، كانت الآرامية وليست العبرية لأنها لم تكن موجودة.

 وحتى قد تم كتابة كتاب التوراة باللغة بالآرامية الممزوجة مع اللهجة الكنعانية العربية واستمروا في الكتابات اليهودية بها حتى قيام الدولة العربية الإسلامية فأخذت العربية حيزها الكبير والمنفرد بين اليهود بجانب بضعا من الآرامية لدرجة أنهم كتبوا وألفوا كتبهم جميعا مكتوبة بلغة عربية ولكن بأحرف آرامية كما إن قواعد اللغة كانوا قد استلوها منا ومزجوها مع الآرامية وأسموها بالعبرية تشبهاً اسما وقواعد باللغة العربية. وطوال تاريخهم كانت لغتهم اليهودية العربية فعالة وليست كحال اللغة اللاتينية لدى الأوروبيين والتي خنقوها حينما حصروها نهائيا بالكتابات والأناشيد والطقوس الدينية، كما انه وفي عموم دول العالم التي فيها تواجدوا احتفظوا باللغة اليهودية العربية إلى جانب لغات البلدان التي أقاموا فيها واضافوا لها بضع كلمات من كل لغة وكما فعل ويفعل العرب ذلك الان!!

 إما اللغة السائدة حالياً في الكيان الصهيوني فهي مزيج مصطنع من اللهجات اليهودية العربية وحروفها تكتب بالخط الآرامي المربع.... ومن هذا نكتشف وبوضوح إن الصهاينة لم يكتفوا بسرقة أرضنا العربية واحتلالها وطرد ابناء شعبنا العربي الفلسطيني منها إنما قاموا أيضا بسرقة لغتنا العربية وقواعدنا ولهجاتنا ليدعوا إن لهم لغة ويمنحوها اسما زائفا وكاذبا كزيف وخرافة تاريخهم.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

عبد الحسين شعبانفي فبراير (شباط) 1989 ألقى فرانسيس فوكوياما المفكر الأمريكي من أصل ياباني، كلمة في جامعة شيكاغو بخصوص "العلاقات الدولية" تم نشرها في صيف 1989 في مجلة The National Interest، وكانت بعنوان "نهاية التاريخ" كما نشرت في مجلة Times Magazine التي تصدر في نيويورك.

كان يومها في السادسة والثلاثين من عمره، ويعمل في مؤسسة راند Rand المقرّبة من CIA بصفة "خبير في السياسة الخارجية السوفيتية"، لكن تلك المقالة سرت مثل النار في الهشيم، فنوقشت في بريطانيا وفرنسا، وترجمت إلى لغات عديدة، وذلك لثلاثة أسباب مهمة:

أولها- إعلان ميخائيل غورباتشوف الزعيم السوفييتي قبل نحو شهرين من أن الاتحاد السوفييتي سيكفّ عن التدخل في شؤون أوروبا الشرقية، وذلك في خطابه في الأمم المتحدة (7 ديسمبر/ كانون الأول 1988):

وثانيها- إن العام ذاته 1989 صادف انهيار الكتلة الاشتراكية بعد الإطاحة بأنظمة أوروبا الشرقية، حيث شهد العالم الثورة المخملية في تشيكوسلوفاكيا وأعقبها هدم جدار برلين في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) في العام ذاته، وقبلها تغييرات للأنظمة في بولونيا وهنغاريا، ثم صوّت الاتحاد السوفييتي على حلّ نفسه في 26 ديسمبر/كانون الأول /1991.

وثالثها- إن فوكوياما أخذ يتدرّج في المناصب، حيث انتقل إلى نائب مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأمريكية، وسرعان ما تحوّلت مقالته إلى كتاب مقابل 600 ألف دولار، وتم نشره بعنوان "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" في 1992 ونشرته دار Free Press، ولذلك اكتسبت مقالته وفيما بعد كتابه أهمية كبيرة، باعتباره قريباً من أصحاب القرار ومؤثراً في اتخاذ القرار.

يقرّر فوكوياما في كتاب "مستقبلنا ما بعد الإنسانية أن التاريخ لا يمكن أن تكون له نهاية ما دام أن العلم مستمر في تحقيق تقدّم سريع ومذهل

واليوم وبعد مضي ثلاثة عقود من الزمان على ترويج أطروحته الشهيرة تلك، وبعد بلوغه السادسة والستين من عمره، فهل كانت الضجة التي رافقت مقالته وكتابه تستحق كل ذلك، أم إن ذلك جزء من الدعاية والصراع الأيديولوجي ضد الشيوعية حينها وما بعد الحرب الباردة، خصوصاً التحضير لاختراع عدو جديد هو "الإسلام" وشيطنة الآخر، لدرجة أن عقد التسعينيات كلّه، شهد مثل تلك الحملة الديماغوجية، والتي تُوّجت بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) الإرهابية التي حصلت في الولايات المتحدة العام 2001، بغزو أفغانستان في العام ذاته واحتلال العراق بعده في العام 2003؟

ولنا أن نتساءل أيضاً بعد أن خفت بريق نظرية فوكوياما عقب عقد ونيّف من الزمان، حيث كانت تتصدر فيه الواجهات: هل كانت تستحق كل ذلك العناء والانشغال العالمي بها؟ وبعد ذلك ما الذي تبقى اليوم من أطروحته التي بشرنا بها بنهاية التاريخ؟ ثم هل الرهان على اليقين الليبرالي "المنتصر" كفيل باجتراح المعجزات؟ أم ثمة حقائق أخرى أخذت تنتصب أمامنا، وهي بحاجة إلى إعادة النظر في الكثير من "المسلّمات" التي افترضها بشأن "حتمية تاريخية" لنمط آحادي لحضارة "سائدة" هي الغربية - الليبرالية (المسيحية - اليهودية) على حساب الحضارات الأخرى، بما فيها الحضارات التاريخية مثل الحضارة الصينية والهندية واليونانية والعربية - الإسلامية وغيرها؟

ولعلّ مراجعة الأطروحات التي تقول بظفر الليبرالية التي بدأها فرانسيس فوكوياما وإن تزعزع تشبثه بها بعد أحداث 11 سبتمبر، تكشف لنا هزال تلك الفرضيات الحتمية والافتراضيات التنظيرية، التي حاول تقسيم العالم بموجبها إلى قسمين: "عالم التاريخ" و"عالم ما بعد التاريخ"، وإذا ما أريد الخروج من عالم التاريخ ودخول عالم الما بعد تاريخي، فلا بدّ من نزع الهويّة الخاصة واللحاق بعالم ما بعد التاريخ، وهذا الأخير هو عالم الدول الصناعية المتقدمة، ويواجه العالم الجديد بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة، مشكلات أساسية، وهي النفط والإرهاب الدولي واللاجئون.

وإذا كان فحص نظرية فوكوياما خارجياً يثبت خطلها، فإن فحصها داخلياً قاد إلى ممثل هذا الاستنتاج، حيث اضطرّ هو نفسه إلى تعديل أطروحته أو نقضها بسبب حالة الاستعصاء، بعد أن أثبت "التاريخ" أنه ماكر وخداع على حد تعبير هيغل، فقد أكدت الوقائع إخفاق، بل عدم قدرة تلك الفرضيات على تجاوز الواقع المعقّد، وهكذا أخذ فوكوياما يرجّح الجانب القانوني والمؤسساتي في بناء الدول على حساب حتميته التاريخية، ولذلك اعتبر أن جهود الديمقراطية الليبرالية في بناء المؤسسات كانت متواضعة جداً، وأنه إذا كان هناك شيء واحد تغيّر في تفكيره بشأن كل هذا، فهو بالضبط هذا السؤال حول صعوبة خلق المؤسسات.

وفي كتابه الانتقالي "مستقبلنا ما بعد الإنسانية: تبعات ثورة التكنولوجيا الحيوية" يقرّر أن التاريخ لا يمكن أن تكون له نهاية ما دام أن العلم مستمر في تحقيق تقدّم سريع ومذهل، حيث أشار ردًّا على صحيفة الهيرالدتربيون: إن أيسر طريقة لفهم أطروحته الجديدة هي إدراك الجانب السياسي للتكنولوجيا. وإذا كانت التكنولوجيا والمعلومات قد أضفت قدراً كبيراً من التأثير على الديمقراطية السياسية والليبرالية، فإن التكنولوجيا الحيوية من الممكن أن توفّر مجموعة أدوات للسيطرة والهيمنة في السلوك الاجتماعي.

وذهب فوكوياما إلى اعتبار الأدوية الجينية التي يتم إنتاجها لحقن إثر التفاعلات المناعية لكل مريض على حدة تحقق تقدماً واعداً في المستقبل، وقال إن العالم سيشهد خلال عشر سنوات قادمة ظهور العديد من الأدوية المختلفة التي من خلالها يتم تحسين الذاكرة وزيادة الذكاء.

وهكذا، يعود فوكوياما إلى تأكيد حقيقة قيام الديمقراطية التي تطورت ببطء شديد وتراكم طويل الأمد، منذ أن كانت إرهاصاً جنينياً، حتى أصبحت قويّة العود في بعض البلدان، وإن يجري تهديدها باستمرار، وما الموجة الشعبوية العارمة التي صاحبت صعود دونالد ترامب إلى قمة السلطة في الولايات المتحدة إلا تعبير عن ذلك والأمر يشمل أوروبا التي اكتسحت فيها الشعبوية بلداناً عديدة مثل فرنسا ممثلة "بالجبهة الوطنية" برئاسة مارلين لوبان وإيطاليا، حيث ظهرت حركة الـ 5 نجوم، وفي ألمانيا كان صعود "البديل الديمقراطي" ملفتاً، مثلماً فاز الشعبويون في هولندا والدانيمارك والنمسا والمجر والتشيك وبولونيا وغيرها.

إن صعود الموجة الإسلاموية التكفيرية ارتبط إلى حدود غير قليلة بموجة شعبوية دينية اتخذت من الإسلاملوجيا ضدية في مواجهة الإسلامفوبيا

وإذا كان ذلك ما عانته خارطة الديمقراطية في الغرب من تحديات وعرة وتضاريس معقّدة. ففي منطقتنا العربية، كان الأمر أشدّ سوءًا في ظلّ انقسامات مجتمعية عديدة ما دون الدولة وما قبلها، بل إن بعضها يهدد وجود الدولة واستمرارها، ويمكن القول إن "التجارب" الديمقراطية ما تزال محدودة وهلامية وهشّة، وليست أكثر من توجّهات في العديد من البلدان، التي واجهتها من معوّقات أساسية وعقبات عديدة هي: الحروب الأهلية والنزاعات الطائفية والمذهبية والتوتّرات الإثنية والقومية والعنف المجتمعي والإرهاب الدولي والحروب الإقليمية وشحّ الثقافة الديمقراطية، خصوصاً في ظلّ التفاوت الاجتماعي وعدم عدالة توزيع الثروة، إضافة إلى تفشّي الأمية وانتشار الجهل وعقبات أخرى، مثل العشائرية والجهوية وغيرها.

جدير بالذكر أن صعود الموجة الإسلاموية التكفيرية ارتبط إلى حدود غير قليلة بموجة شعبوية دينية اتخذت من الإسلاملوجيا (أي استخدام التعاليم الإسلامية ضد الإسلام) ضدية في مواجهة الإسلامفوبيا (الرهاب من الإسلام في الغرب) وذلك في إطار نزوع متطرف يستند إلى تعصّب، وسرعان ما يتحوّل التطرّف إلى سلوك، فيؤدي إلى العنف وهذا الأخير يمكن أن يصبح إرهاباً إذا ضرب عشوائياً، ولذلك لاحظنا الانتشار السريع والواسع للتنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش وجبهة النصرة وأخواتهم، تلك التي وجدت أن فيروس الإرهاب سريع الانتشار، وبيضه يمكن أن يفقس إذا ما كانت هناك بيئة صالحة لذلك.

ولا أدري أين نضع مقولات فوكوياما اليوم بعد العقود الثلاثة الماضية، ولاسيّما بعد التحديات العديدة التي واجهتها الديمقراطية، في عرينها الأصلي، إضافة إلى الديمقراطيات الناشئة في أوروبا الشرقية وبعض دول أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا؟ وأين يمكن أن نضع دولة مثل الصين، حيث ما يزال يحكمها حزب واحد، مهّد رئيسه شي جين بينغ للبقاء في منصبه إلى أجل غير مسمى، وكذلك دولة كبرى مثل روسيا التي استبدل فيها الرئيس فلاديمير بوتين مناصبه، ليمدّد إدارته لسلطة بلاده ليبقى هو على رأسها؟

وهكذا نرى أن الشعبوية التي شهدتها انتخابات الاتحاد الأوروبي مؤخراً ليست ردّة فعل عاطفية وفورة انتخابية إزاء واقع مأزوم، وإن كانت تستغل ذلك، ولكنّها تهديد حقيقي للديمقراطية الليبرالية، خصوصاً بجنوحها لتقديم تفسيرات لمفهوم الشعب في محاولة لنفي التنوّع والتعدّدية الثقافية، ومحاولة فرض نوع من التجانس عليه، الأمر الذي يعني فرض شكلٍ من أشكال الوحدة الإجبارية التي تقترب من الإكراه، فهل تحققت "نبوءة" فوكوياما أم أنها لم تكن أكثر هرطقة أيديولوجية جانبت الواقع واستنفذت أغراضها بعد محاولة فرض الهيمنة وإملاء الإرادة والتحكم بمسار العلاقات الدولية؟

 

بقلم عبد الحسين شعبان

 

معراج احمد الندويإن ظاهرة التعصب تعتبر من أكبر العقبات التي تواجه الأمة الإسلامية المعاصرة حيث أن التعصب أيا كان شكله لم يدخل قرية إلا أفسد أهلها وجعلهم شيعا متناحرة ومتناثرة. التعصب هوسم قاتل ومرض فتاك لوحدة الأمم والشعوب، فإن التعصب لم يظهر في بيئة أومجتمع من المجتمعات إلا شتت شملهم ومزق جمعهم وانقسم المجتمع إلى جماعات متناحرة وشيع متفرقة.

إن التعصب هو السبب الرئيس لكثير من النزعات والخلافات التي تحدث بين المسلمين. ومن الواضح أن وحدة السلمين أصل من أصول الإسلام ومبدأ من مبادئه، لقد جاء القرآن الكريم داعيا لهذه الوحدة مثبتا أصالتها في المجتمع الإسلامي بقوله تعالى:﴿ إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ (الأنبياء: 92) أي هذه أمتكم ما دامت أمة واحدة على التوحيد والرسالة، فإذا تفرقتكم وخالفتهم فليس من خالف الحق من جملة أهل الدين الحق.

فالتعصب آفة كبرى نخرت عظام الأمة الإسلامية ومزقت شملها وفرقت كلمتها وجعلت بعضهم أعداء بعض. فإن العصبية البغيضة وإثارة النعرات الجاهلية كانت من أهم العوامل الداخلية التي جعلت المسلمين فرقا ودويلات وجماعات متنافرة متباغضة إلى أن وصل الحال إلى الواقع المؤسف الذي نعيشه اليوم.

هذه العصبية القلبية، فقد كانت جوهر الخلاف الذي فرق أمر الأمة الإسلامية، فإن الإسلام قد حارب العصبية الجاهلية بكل قوة ومن غير هوادة وأنذر الرسول منها وسد منافذها، فلا بقاء للأمة الواحدة مع هذه العصبيات كما تدل النصوص القرآنية والسنة النبوية المطهرة، ومع الإسلام قد حارب العصبية القبلية حربا عنيفا حتى فقدت عصبية الدم العمياء حدتها، غير أن جذور العصبية القبلية لم تختف تماما، بل كانت تبرز بين الحين والحين في أنحاء مختلفة من العالمي الإسلامي.

والعصبية القبلية من أقدم أنواع التعصب، وذلك أن المجتمعات كانت تتكون من قبائل في بداية أمرها، والعصبية القومية ما هي إلا صورة من العصبية القبلية. وكان العرب قبل الإسلام متفرقين يعيشون حياة شاقة وكان النظام القبلي سيد الموقف، وكان القوي يبطش بالضعيف، وكانت الحروب بينهم لأتفت الأسباب، فحرب البسوس بين قبيلتي بكر وتغلب كان سببها ناقة، ومع ذلك استمرت أربعين سنة، وما وضعت أوزارها إلا أكلت الأخضر واليابس ثم وحرب داحس والغبرا بين عبس وذبيان ،كان سببها اعتراض فرس قيس بن زهير واسمها داحس، وقد انتهت هذه الحرب بخسائر جسيمة في الأموال والأرواح.

كان العرب قبل الإسلام قبائل متناحرة، وكانت كل قبيلة تغر جارتها حتى أصبح الغزو والثأر من طبائعهم، وقد كان أساس العصبية عند العرب هوالنسب، ولذلك كانت العصبية القبلية هي أقوى العصبيات، فكل قبيلة تتعصب لجنسها وهؤيتها وتؤمن بتفوقها على سائر القبائل، حتى أصبح هذا التفاخر بالأنساب والاعتزاز بالأباء والأجداد جزءا لا يتجزأ من دينهم وعقيدتهم.

إن ظاهرة التعصب القبلي ظاهرة قديمة، لقد شهد التاريخ أنها لم تزل ولا تزال هذه العصبية من أقوى عوامل الهدم والتخريب والإفساد والتفريق بين الإسان والإنسان. فالتاريخ يخبرنا بمئات القصص والوقائع التي كان التعصب القبلي المحرك الرئيس وراءها. وقد جاء الإسلام ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ، ليخرج الناس من ظلمات العصبية والعنصرية الجاهلية إلى سماحة الدين، ومن التحيز لقبيلة أوجنس أولون إلى العدالة والمساواة بين المسلمين.

قد بين الإسلام للناس أن اختلاف الألوان والألسن والقبيلة والوطن ليس إلا مظهر من مظاهر الله. وقد وصف الإسلام كل من يخالف هذه القاعدة بأنه جاهلي أوأن فيه نزعة جاهلية. وكان من أبرز مبادئ الإسلام التسوية بين الشعوب وعد الاعتراف بالفروق التي ألف الناس أن يعترفوا بها ويتعاملوا على أسسها، لقد أوضح القرآن الكريم للناس جميعا أن أصلهم واحد مع تباعد أقطارهم وتباين لغاتهم واختلاف أشكالهم وألوانهم ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواإنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13) وقد أوضحت هذه الآية الكريمة بأن الحكمة في إيجاد القبائل هي التعارف وليس التفاخر.

والإسلام لا يسمح العصبية وما تتبعه من احتقار متبادل وكراهية بين القبائل والشعوب، وإنما يبشر على العكس بالمؤدة والإخاء بين المسلمين والتسامح والحوار بين بني الإنسان، لقد تحقق الإسلام التوافق والانسجام بين أعداد كبيرة من البشر مختلفة العروق والأنساب. فقام الإسلام بتحرير الفرد من إطار القبيلة الضيق ودمجه في مجتمع أوسع وأرحب يضم أفراد قبيلة كما انضم أفراد غيرها من القبائل الأخرى.ولما قام الإسلام بشمول القبائل في مجتمع وجه همه إلى محاربة النزعات العصبية والروح القبلية، وجعل من المبادئ الأصيلة عدم المفاضلة بين الناس على أساس الأنساب أوعلى أساس الأجناس، والمفاضلة إنما تكون على أساس التقوى. 

ولقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في خطبته حجة الوداع حين قال: "يا أيها الناس إن ربكم واحد وآباكم واحد، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أسود على أحمر ولا لأحمر على أسود، إلا بالتقوى."

 وقد حثت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على الروابط الأخوية التي تقوم بين المسلم وأخيه وتؤلف بين قلوب المسلمين جميعا. فقال تعالى:﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ  وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات 10) ودعت إلى نبذ حمية الجاهلية ونزعاتها وإلى التخلى عن العصبية القبلية بقوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (الفتح 26) وجاء في خطبة الرسول صلى الله عليه يوم الفتح إذا قال: "إن الله عز وجل قد أذهب عنكم  حمية الجاهلية وفخر بالآباء، مؤمن تقي وفاجر شقي،أنتم بنو آدم، وآدم من تراب...."

جاء الإسلام ليخرج الناس من ظلمات إلى النور، ليخرج الناس من ظلمات العصبية والعنصرية الجاهلية إلى سماحة الدين، ومن التحيز لقبيلة أوجنس أولون إلى العدالة والمساواة بين المسلمين. فالإسلام حارب هذا الأساس الذي قام عليه المجتمع الجاهلي حربة قاسية، ونادى بوحدة الأمة وبكرامة الإنسان، وعلى هذا الأساس العادل قام أفضل مجتمع عرفه التاريخ، وهو المجتمع الأول المثالي الذي أرسى قواعده الرسول صل الله عليه وسلم باهدار العصبيات وهدم عوامل التفرق والتقاطع حتى ألف الله به بين جيمع القلوب.

تخلص الإسلام البشرية من أمراض الجاهلية وقرر مبدأ المساواة بين أفراد الجنس البشري وبين أنهم سواسية في الحقوق والواجبات، وأن التعامل بين الناس في الإسلام يعتمد على مبدأ التقوى والورع. فإن اختلاف الأجناس والألوان واللغات والقبيلة والوطن كل ذلك من آيات الله التي تدعو إلى التأمل والدبر وتحرض على الإيمان والإخلاص.

إن الوحدة هي رمز القوة والتفرق هو رمز الضعف والطريق إلى الفشل. وقد أثبت لنا التاريخ أن هناك نزعات جاهلية حربها الإسلام بكل وضوح وحاربها الرسول صلى الله عليه بكل قوة كالعصبية الجاهلية التي تقوم على وحدة الدم أو الوطن أوالجنس وتسيطر على العقول والأرواح. لقد حان الأوان أن يقوموا المسلمون من نهضة جديدة بكل حماس تجاه الإسلام المسلمين ويرجعوا إلى أصلهم الدين ويرصدوا حقوقهم ويوحدوا هدفهم لردع العدو الطامع في المسلمين وفي بلاد المسلمين وذلك تحت رأية التوحيد والرسالة.

 

د. معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

سردار محمد سعيدمقدمة الدراسة: العلاقات العربية الهنديّة تعود إلى ما قبل الإسلام إلى العصر الذي يسمى بالعصر الجاهلي، وأهم هذه العلاقات التبادل التجاري بدليل أن أشهراسم لسيف حينذاك هو السيف الهندي المسمى بالمهند والهندواني، وكان لا بد للتجار العرب والهنود من حسن التعامل فتفاعلوا لغوياً كضرورة قائمة، وبعد الفتح الإسلامي للهند أسلم كثير من الهنود وكان من حبهم للدين الجديد ولأجل رفع الأذان وإقامة الصلاة وتعلم شرائعه أن درسوا وحفظوا القرآن الكريم فازداد التفاعل اللغوي .

 زارعلماء الأدب والإجتماع العرب الهند، ودرسوا فلسفتهم ودياناتهم وترجموا الكتب والقصص الجميلة، وتأثرفن التشكيل العربي بالفن الهندي .

سمعت من خلال تعايشي مع الهنود مدة طويلة أحاديثهم وكلامهم كثير من المفردات العربية ومع أني لا أجيد اللغة الهندية إلا أنني استطعت توثيق أهمها وأكثرها استعمالاً في لغة التخاطب في الشوارع والأسواق وما يُتداول في المؤسسات الحكوميّة وكذلك في (الأفلام التلفازيّة والسينمائية) .

الغاية من الدراسة:

نشر معاني ومفردات اللغة العربية بشكل مبسط وصحيح على وفق ماجاء في التنزيل الحكيم والمراجع والقواميس الكبيرة المعتمدة .

للحق والأمانة فإن لفيف من الهنود يجيدون قراءة القرآن الكريم، لكنّي أعتقد أن ذلك دون تشبع بحلاوة وجزالة اللغة العربية وفهم معاني مفرداتها الثرّة.

نص الدراسة:

يلاحظ أن المفردات العربية في اللغة الهندية لا تخضع خواتمها للحركات العربية من ضمة وفتحة وكسرة إنما تنتهي بالتسكين فعلى سبيل المثال لا الحصر لفظة إنسان لا تأتي إنسانٌ أو إنساناً أو إنسان ٍعلى وفق موقعها من الجملة بل إنسانْ فقط وهذا يعني إلغاء الرفع والنصب والجر والإكتفاء بالجزم وإن لم تُسبق بجازم .

لفظ الحروف قد يُخفف أو يرقق وبعضها تلفظ الياء بدل الفتح وبعضها إبدال كما في الهاء بدل الحاء،وتستبدل بعض الحروف نطقاً للسهولة،فينطق حرف العين بالهمز ..

وهذه الدراسة محاولة لتوضيح الصحيح نطقاً ومعنى بشكل مبسط،وكانت لملاحظات أحد الأخوة الهنود ممن له إلمام بالعربية ومن محبيها فضلاً عن لغته الهندية هو الأخ الطيّب

(تنوير آفاقي) بالغ الأثر، عسى أن أفلح بعونه تعالى ..

الكلمات

ألله = ألله لفظ الجلالة سبحانه غني عن التعريف .

وليس هو من الأسماء التي يجوز اشتقاق فعل منها (قاله الخليل / ورد ذلك في لسان العرب)

ولفظه الله أصلها إله (قاله أبو الهيثم / ورد ذلك في لسان العرب أيضاً)

وقد اتخذ الناس الشمس والقمر آلهة فكانوا يسجدون لها دون الله الخالق البارىء المميت المحيي القادر المقتدر الذي بيده مقاليد كل شيء، وللعرب قبل الإسلام أوثان وأصنام يعبدونها ويقدمون لها القرابين منها كما هو معروف اللات والعزى ومناة وهُبل .

آدمي = آدمي كلمة صحيحة لفظاً واستعمالاً نسبة لأول خلق الله عز وجل آدم عليه السلام أبو البشر خلقه تعالى من أديم الأرض وورد في سور كثيرة بصيغة طين وتراب وصلصال كالأعراف 12 والحجر26 والإسراء 61 والمؤمنون 12 والسجدة 7 وفاطر11 والصافات 11 وص 76 وغافر 67 والرحمن 41 .

وفي لسان العرب لإبن منظور في آدم عليه السلام أنه اشتق من أديم الأرض لأنه خلق من تراب،وفي مقاييس اللغة لأحمد بن فارس أن اسم آدم عليه السلام جاء لأنه أخذ من أدمة الأرض، واللون الآدم غالب على بني آدم .

 إنسانْ = إنسان وفي اللغة يقال للمرأة والرجل إنسان ولا يقال للمرأة إنسانة .

وفي لسان العرب جاء: إنما سمي الإنسان إنساناً لأنه عهد له فنسي .

وجمع إنسان أناسي جاء في قوله تعالى "لنحيي به بلدة ميْتاً ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأَناسي كثيراً " الفرقان 49 .

إيمان ْ = إيمان ورد في القاموس المحيط أن الإيمان هو الثقة وإظهار الخضوع وقبول الشريعة، وقولك آمن به إيماناً أي صدّقه، وفي لسان العرب الإيمان ضد الكفروهو بمعنى التصديق وضده التكذيب وفي التنزيل وردت (يا أيها الذين آمنوا) 89 مرّة كنداء لأهل الإيمان ومرّة واحدة لنداء أهل الكفر .

إشقْ = عِشقُ ويصعب على الهنود نطق حرف العين، والعشق في لسان العرب هوفرط الحب والإعجاب بالمحبوب . وكذلك في القاموس المحيط وفي الصحاح في اللغة وفي مقاييس اللغة يقال رجل عاشق وامرأة عاشق وللصوفيين آراء في العشق الإلهي وهو حب لاتطاله الشهوات الدنيوية .

بلْكُلْ = كليّاً أو كلهم أو قاطبة، وأزعم أن (بـ) حرف جرّأي الكلمة هي بـالكل وحذف الألف من المجرور وهو من الأعلال، ووردت بكثرة في سورتي البقرة وآل عمران ولكن دون دخول الألف لام على كل أي جميعهن بصيغة (كل) ولم ترد بصيغة (الكل) .

بُخارْ = حمّى أو حرارة وقد أخذت لأن البخار ناتج الحرارة، وبخارالماء في الصحاح في اللغة مايرتفع من الماء كالدخان .

وفي القاموس المحيط ان كل دخان من حار هو بخار وهذا علميّاً غير دقيق فالدخان ناتج عن تغير كيميائي والبخارناتج عن تغير فيزيائي، لكن يصح القول كل ما يتصاعد من ماء هو بخار.

تكليف = لفظة تطلق على المشقة والقهر والظلم وهو ما يشق على الإنسان وقال تعالى " لا يكلف الله نفساُ إلا وسعها ..." البقرة 286

ثبوتْ = البرهان أو الدليل لإثبات شيء ما، وفي لسان العرب ثبت الشيء فهو ثابت ثباتا وثبوتاً، وربما أخدت من قوله تعالى " ...... كذلك لنثبت به فؤادك ...." الفرقان 32أو من الآية 30 من سورة الأنفال .

جوابْ = جواب وهو الرد على سؤال أو رديد الكلام كما في لسان العرب، والمجيب من أسماء الله وهو اسم فاعل من أجاب يجيب . قال تعالى " وإذا سألك عبادي عنّي فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون " البقرة 186

جاسوسْ = جاسوس وتسميه العرب العين يتجسس الأخبار بخفاء خيراً وشراً والجاسوس على صيغة فاعول كماعون .

جناب ْ = سيادتكم أو حضرتكم أو معاليكم، وجناباً لغة تعني صار إلى جنبه، وقيل الصاحب بالجنْب صاحبك في السفر، والفرس طوع الجِناب إذا كان سلس القياد، ورجل جانب أي غريب والجمع أجناب .ويقال لجّ في جناب قبيح، وجار جنب ذو جنابة من قوم آخرين لا قرابة لهم ومن هذا بالذات يستدل على المخاطب (جناب) هو شخص متميزكأنه غريب عن الناس الإعتياديين .

جَنَّة ْ = جنة وتلفظ بتاء ساكنة كما أسلفت والجنة يقصد بها جنة الخلد، وأيضاً حديقة من حدائق الأرض وقد وردت في التنزيل بالمعنيين .

هال = حال وتبدل الحاء هاء لصعوبة نطقها ولكن البعض ينطقها حاء، وفي مسببات حروف الإبدال آراء فالمبرد في كتابه الموسوم الكامل في اللغة يرى أن تقارب مخارج الأصوات هو السبب وأورد قول النعمان بن المنذر " أردت أن تذيمه فمدهته " يعني فمدحته فأبدل الحاء بهاء لتقارب المخرج 108/3.

خيالْ = روح، الروح غير منظورة ولا ملموسة، وفي التفسير أن الروح الوحيُ،والروح النفس وهي من أمر الخالق، وقال تعالى يوم يقوم الروح والملائكة صفّاً .

أما الخيال ما تشبه من صورة في يقظة أو في حلم،وفي الصحاح في اللغة هو الشخص والطيف أيضاً وهذا يعني أن الروح ليست خيالاً إنما تقارب الطيف .

خَتَمْ = خاتمة أو انتهى، الختم على القلب أن لا يفهم شيئاً ولايخرج منه شيء

وفي التنزيل ختامها مسك أي آخره وفي الصحاح في اللغة ختمت الشيء ختماً فهو مختوم .

خبرْ = خبر، صحيح معنى رغم أنه ساكن الآخر، والخبر هو النبأ،والجمع أخبار، والخبير من أسماء الله الحسنى .

دِماغ ْ = عقل أو فكر، وفي القاموس المحيط هو المخ وفي لسان العرب حشو الرأس ولكن العقل والفكر ليسا بمادة موضعهما الدماغ وهو مادة، وو ردت كلمة يعقل ويعقلون كثيراً في التنزيل الحكيم .

ربّاه ْ= ربّاه أو يا رب، والرب هنا يعنون به الله صاحب الجلالة مالك الملك وكل شيء، ولغة يطلق اسم الرب على المالك والسيد والمربي دون ان يتبع بلفظة تعالى، وفي الصحاح في اللغة انه أطلق عند الجاهليين على الملك رب، وفي التنزيل الكريم في سورة يوسف: قال معاذ الله إنه ربي .بوجود الياء أي بصيغة ربي وليس ربِ لأن ربي تأتي مضافاً مثل رب الدار ورب العمل بينما قولك رب يعني رب العزة تعالى .

زرورة أوضرورة ويقرأ زرورَتْ = ضروري،وهذا الحرف ميزة للغة العرب لذا سميت بلغة الضاد ولا يسهل لغير العرب نطقه فيستبدل عند غيرهم بأقرب حرف له وهو زاي في اللغة الهندية، وكثيراً ماتبعت الضاد بالظاء في الذكر الحكيم كما في قوله في سورة القيامة " وجوه يومئذ ناضرة " 22 "إلى ربها ناظرة " 23.

زيادا أو زيادةْ = زيادة وهي ضد النقصان، وفي صحاح اللغة الزيادة النمو، تقول زاد الشيء يزيد زيداً وزيادة أي ازداد . ووردت لفظة الزيادة في الذكر الحكيم في سورة التوبة " ... أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزاددتهم إيماناً وهم يستبشرون" 124 .

زمان ْ= زمان،والزمان اسم لكثير الوقت والزمن لقليله، والزمان العصر وجمعه ازمنة وأزمن، وقال الشاعر الأندلسي لسان الدين بن الخطيب في موشحه جادك الغيث إذا الغيث همى يازمان الوصل بالأندلس، وهذه استعارة فشبه وحذف المشبه به.

سبحان الله = سبحان الله، معناه تنزيهاً له من السوء والصاحبة والولد، وسبحانك رب أي أنزهك وأبرئك من كل سوء، وفي تهذيب اللغة للأزهري سبحت الله تسبيحاً وسبحاناً بمعنى واحد، فالمصدر تسبيح، والإسم سبحان يقوم مقام المصدر . وكل ما في السماوات والأرض وما خلق الله يسبح بحمده،

سام ْ= أفعى أو حيّة، الصحيح سمام وهو جمع السم القاتل، وورد في الموت أنه السام بتخفيف الميم، والسَم سم الحيّة،واقتبس فعل الحية كإسم لها .

سيف ْ = سيف وكذلك إسم علم للمذكّر، والجمع سيوف وأسياف، وهو آلة القتال القديمة، وسافه بسيفه ضربه به كما ورد في القاموس المحيط، وقال بشار بن برد

كأن مثار النقع فوف رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه.وقال أبو تمام السيف أصدق أنباء من الكتب وسبقهم النابغة الذبياني فقال ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وغيرهم كثير.

سلامْ = سلام أوتحية، السلام من أسماء الله تعالى، والسلامة أن يسلم الإنسان من الأذى، وهو تحيّة المسلمين، وتقال عند اللقاء وفي ختام الصلاة .

شراب ْ= الخمروالكحول، وهو ما يسكر من عصير العنب أو الفواكه لأنه يخامر العقل، ولأنه يشرب لا كغيره من المسكرات اطلق على الخمرة اسم شراب، وللخمرة في اللغة أسماء كثيرة مثل إبنة العنب وإبنة الحان والقهوة ويسمى صاحب الخمرأو بائعه بالخمّار ومكان الشرب أو بيعه بالحان والخمّارة كقول النواسي وعجت أسأل عن خمّارة البلد، وفيها شعر كثيرمن امرىء القيس إلى أبي نواس، يمكن الرجوع إليه وليس هنا موضعه .

شَكَرْ= سُكّر، مادة بيضاء متبلورة حلوة المذاق، وسكّر كلمة ليست عربية وأظن أن كلمة شَكَر بالشين هي الأصح وأبدلت الشين بالسين عند تعريبها وهذا الإبدال ليس غريباً ففي بعض الدول العربية تسمي العامة الشمس بالسمش، وفي العربية توجد كلمة الحلو بالضم ضد المرّ، وفي القاموس المحيط حلا في الفم وحَلي بالعين .

شيطانْ = شيطان، وهو معروف، وكل عات متمرد من الإنس والجن والدواب شيطان، ويستعاذ بالله منه قبل البسملة ويسمى أيضاً إبليس وذُم في القرآن الكريم، قال تعالى إذ طرده من الجنة أخرج منها مذءوماً مدحورا .

شُرورْ = شر أو شرير، شرور جمع شر،وهو فعل السوء والمصدر الشرارة، والفعل شرّ يشر، وفي التنزيل في سورة يوسف قال يوسف لإخوتة إذ عابوا عليه ما سرق" أنتم شر مكانا " آية 77سورة يوسف.

صورَة ْأو سورةْ = صورة، البعض يلفظها بالسين بدل الصاد، والصورة الشكل كما في القاموس المحيط، وأيضاً هي هيئة الخلقة، والجمع صور، والمصور من أسماء الله الحسنى، وقال الطبري أن المصور هو الذي صور خلقه كيف شاء وكما شاء . وفي التنزيل في سورة آل عمران الآية 6 " هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ..." .

صحيحةْ (بالتأنيث)= صحيح، ويقال صحيح للمذكر وصحيحة للمؤنث، ولكن في اللغة الهندية تستعمل صحيحة للمذكر والمؤنث، وهي من الصحة خلاف السقم، والصحيح والصحاح بالمعنى نفسه، قال الشاعر أحمد بن يوسف (كذاك بنو الهوى سكرى صحاة كأحداق المها مرضى صحاحا) أنوار الربيع في أنواع البديع / صدر الدين المدني .

كمال ْ أو كمالَ = كامل أو مثالي،الكمال لغة بمعنى التمام،والتكميل والإكمال الإتمام، والمكمل كمنبر الرجل الكامل للخير والشر،

لَكنْ = لكن، وتحذف ألف (لا كن) وتستبدل بفتحة، ومن المعروف أن لكن من الحروف المشبهة بالفعل تدخل على الجملة الإسمية فتنصب المبتدأ ويبقى الخبر مرفوعاُ، وكل حركات اللغة العربية تخلو منها اللغة الهندية .

ممكنْ = ممكن أو مقبول أو جائز، المكان الموضع، ولغة ما تجمعه الضبة من بيض في جوفها، والممكن في قول (ابن سيده) تمّكن من الشيء واستمكن ظفر والإسم المكانة، ومكّنته من الشيء وأمكنته منه، فتمكن واستمكن .

مصيبة ْ = مصيبة، الصّابة والمصيبة ما أصابك من الدهر، وجمعها مصايب ومصاوب وهي ماينزل بالإنسان من مكروه،وقد وردت في الذكر الحكيم 75 مرّة .

ما شللاه = ما شاء الله، تقرأ كما كتبتُ بحذف الألف والهمزة من (شاء)، وهي عبارة للإستحسان والتعجب بقدرة الخالق وفضله، وردت في التنزيل كثيراً، قال تعالى في الكهف 39 " ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله ...." .

 وأظن أن ماشللاه هي نطق لترجمة حرفيّة عن الإنجيلزية *.

مباركو = مبارك، وهي تهنئة تقدم لشخص بمناسبة ما أكرمه به تعالى كالحج أوالزواج أوالأعياد أوالنجاح في الدراسة والفوز في عمل ما، وهي شائعة معروفة، لكن وجود الواو فيها كما أظن هو جزء من التنوين،فأزعم أن حذف التنوين جاء جوازاً كأنما جاء بعد ساكن كقوله تعالى " ...ولا الليل سابق ُ النهار... " يس 40 .

محبة ْ= حب، والحب معروف وهو أنواع ومنازل، وهوالوداد نقيض البغض، والحباب والحب بالكسر والمحبة والحباب بالضم، وجمع الحب أحباب وحِبان، ووردت كثيراً في الذكر في التوبة ويوسف وإبراهيم والنحل وطه والنور والقصص وغيرها .

مَطلبْ = طلب او ما الطلب كسؤال،والطلب محاولة وجدان الشيء وأخذه،وطلّاب وطلبة اسم للجمع، ويقال في الدعاء ليس لي مُطْلِب سواك بضم الميم وسكون الطاء وكسر اللام، وأيضاً كلأ مُطلب وماء مُطلب .

مُشكلْ = مشكل او مشكلة،ويقصد بها أشكل الأمر والتبس، وقولك أشكلت أي أزلت الإشكال، والمشكل يحتاج لحل كالمسألة .

مَجبورَةْ = مجبر، ويقصد بها مفروض علي ّ فرضاً،أي ألزمت به، وسبحانه وتعالى الفارض فروضاً وتعني حدوده التي أمر بها، ومجبرأيضاً تعني مرغم عليه وهوالكره .

مجرم ْ= مجرم، مقترف الجرم والمتعدي والمذنب، والجمع مجرمون ومجرمين ذكرهم تعالى بقوله (وامتازوا اليوم أيها المجرمون) في سورة يس الآية 59 .

مزبوطه ْ = مضبوط،وكما هو واضح يصعب على غير العرب لفظ الضاد فاستبدلوها بالزاي،والضبط في لسان العرب الحفظ بالحزم، وأرض مضبوطة عمّها المطر .والضابط رتبة عسكرية .

عدالةْ = عدالة أو محاكمة، العدل الأستقامة وضديد الجور،واستعاضوا بها عن المحكمة لكونها تحكم بالعدل بين الناس، وقد عدّ تعالى العدل من الأمانات ووعظ الناس بها كما في سورة النساء الآية 58 (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات ِ إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ...) .

غلَط ْأو كلط = غلط،ويستبدل حرف الغين بحرف كاف المشروطة وهو حرف أجنبي لا مقابل له بالعربية، والغلط أن تعيا في الشيء فلا تعرف وجه الصواب، أي هو خلاف الإصابة والعرب تقول غلط في الحساب غلطاً وغلتاً،والأغلوطة ما يغلط به من المسائل .

غريبْ = غريب، الغربة الإغتراب وتقول منه تغرب واغترب،وجمع غريب غرباء وهم الأباعد،والتغريب النفي عن البلد، وقد شاع القول لإمرىء القيس (إنّا غريبان ها هنا) .

فايدةْ أو فائدةْ = فائدة، الفائدة ما استفدت من علم ومال، والجمع فوائد، قال المتنبي (مصائب قوم عند قوم فوائد) .

قدَمْ = خطوة، وجاءت اللفظة من أن الخطوة لا تتم من دون انتقال القدم وقالت العرب خير من مشت به قدم فالمشية أسندت للقدم، وفي مقاييس اللغة، قدم الإنسان معروفة، ولعلها سميت بذلك لأنها آلة التقدم والسبق .

 قانون ْ= قانون،قانون كل شيء هوطريقه ومقياسه . قال ابن سيده: وأراها دخيلة،والقوانين الأصول، الواحذ قانون وليس بعربي،وردد ذلك في لسان العرب قَسمسهْ = أقسم، وهي لفظة محرفة عن أقسم، وأظن أنها أخذت من حديث الفتح: دخل البيت فرأى إبراهيم وإسماعيل بأيديها الأزلام فقال:قاتلهم الله، والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط، والإستقسام طلب القسم الذي قُسِم له وقدّرمما لم يُقسَم ولم يُقدّر .

قسمةْ = قسمة للحظ والنصيب، وقسمه أي جزأه، وقال الجوهري والقِسم بالكسر ه الحظ والنصيب من الخير،وقال عز وجل: فالمقسّمات أمراً هي الملائكة تقَسِّم ما وكلت به .

قدْرةْ= قدرة،وهي الغنى واليسار والقوة، والقدرة مصدر من قولك قدَرَ على الشيء قدرة فهو قادر وقدير، وهي من صفاته تعالى، وقوله تعالى وما قَدروا الله حق قدره بمعنى لم يعظّموه حق تعظيمه .

قيامَةْ ْ= قيامة أويوم الحشر،وهو يوم الحساب،يقوم الناس جميعاً من قبورهم، ويوم البعث إذ يقوم الخلق بين يدي الخالق سبحانه وتعالى .

نزرْ = نظر، وهنا تستبدل الظاء بالزاي شأنها شأن الضاد، والنظر نظران نظر عين ونظر قلب،والنظر الإنتظار، ومقولة النعما ن بن المنذر إن غداً لناظره قريب بمعنى لمنتظره، وورد في الكتاب الكريم " قال أنظرني إلى يوم يبعثون " 14 الأعراف و" قال إنك لمن المنظرين " 15 الأعراف بمعنى الإنظار وهو التأخيرفي لغة العرب .

نقصان ْ = نقصان، هوالنقص في الحظ، ولا يقال نقصان إذا كان في الدين والعقل، والنقصان أيضاً عكس الزيادة .

إلى هنا تنتهي الدراسة ومن الله التوفيق واستندت فيها على القرآن الكريم وقواميس العرب المعتمدة كلسان العرب / ابن منظور والصحاح في اللغة / الجوهري ومقاييس اللغة / أحمد بن فارس والقاموس المحيط / مجد الدين الفيروزآبادي ووالكامل في الأدب / المبرد وبعض دوواوين الشعر من موسوعة الشعر (الألكترونية).

MASHALLA * ماشللاه = ما شاء الله =

 

سردار محمد سعيد.

 

"ان حرية الانسان تكمن باختياره نوع الحياة التي يريد، حتى الانسان التعيس، اختار ان يكون تعيسا بارادته، والا فعليه على الاقل ان يرفض التعاسة، وذلك بحد ذاته اختيار"..

ياتي الانسان الى هذا العالم بلا خيار، لايملك حق اختيار جنسه او لونه، لايملك حق اختيار والديه، ووطنه الذي ولد فيه وانتمى اليه، لايملك حق اختيار اسمه، او عقيدته، اي انه مسيرا ليس مخيرا الى ان يبلغ اشده ليملك فيما بعد حق اختيار تفاصيل حياته بالطريقة التي تلائمه، وعلى هذا الاختيار تترتب اموره الحياتية ديناميكيا، فاذا حالفه الحظ وكان اختياره صحيحا باختيار نوع الدراسة التي يرغب بها مثلا، وفيما بعد ممارسة المهنة التي يحب، ثم اختيار شريك الحياة الذي يرغب الاقتران به و يكون مبنيا على مستوى متكافئ اجتماعيا وثقافيا، ففي هذه الحالة ستفتح الحياة ذراعاتها له ويكون النجاح حليفه اينما حل، وتتوج مشاريعه بالنجاح لحسن اختياره، لان الاساس القوي يبنى عليه بنيانا اقوى..

اما اذا اساء الاختيار او فرض عليه خيارا ما تحت اي ظرف، او انه اتخذ قرار الاختيار دون تمحيص ودراسة، بل بناءً على موقف ما اوكرد فعل للحظة ولدت بوقتها، او نزوة عابرة- خصوصا اذا كان زواج- او اي امر مصيري اخر كالطلاق مثلا او الاصرار على امر غير مناسب، فان حياته ستكون ثمنا لسوء الاختيار، وتبدأ الاخفاقات الواحدة تلو الاخرى، ومن فشل الى فشل، خصوصا ان الشماعة موجودة وجاهزة دائما ليعلق عليها الانسان اخفاقاته المتكررة..

وعليه فان الاختيار الصائب من البداية له اهمية كبرى لرسم الخطوط العريضة للحياة، وخصوصا اختيار الشريك الذي له الاثر الاكبر في راحة الانسان واستقراره ونجاحه ثم ابداعه وتميزه في كل مناحي الحياة، فكم من شريك دعم وساند نصفه الاخر ودعمه بكل مايملك معتبرا نجاحه نجاحا للاسرة باكملها، وكان ذلك مدعاة لسعادته في الحياة، وكم من اختيار خاطئ دفع الانسان ثمنه غال، وربما تكون حياته هي الثمن، فاذا كنت لاتستطع ان تصر على اختيار معين، فعلى الاقل عليك ان ترفض باصرار الامر المفروض عليك..

يقول مصطفى محمود"ليس امامي سبيل غير ان اختار، لابد ان اختار في كل لحظة فاذا اضربت عن الاختيار كان اضرابي نوعا من الاختيار"

وقد يخضع الاختيار لاعتبارات معينة، قد تكون فردية وهي ان يفضل الفرد مصلحته الشخصية على الاخرين- وهو امر وارد- والعكس صحيح فقد يكون الاختيار لصالح المجموع على الفرد، وعندها سيكون الامر في غاية الصعوبة، لذا فان تحقيق الانسجام في هذه الحالة مطلوب جدا وان التروي والاقناع يكون السبيل الناجع للخروج من هكذا مازق..

وان اصعب الخيارات، هي تلك التي تصل الى مفترق الطريق يكون عندها الانسان عاجزا، مترددا، تاركا الامر للصدفة كي تختار له مسلما بقدره، كما ان اقسى اختيار ان يختار الانسان بين امرين احلاهما مرليقنع نفسه بانه اختار الافضل- افضل المرّين- في حين ان عليه ان يترك الامرين معاان كان ذلك ممكنا والبحث عن خيار اخر..

يقول هنري وارد بيتشر"ان عيش الحياة ليس خيارا مطروحا فلابد ان تعيش الحياة- الخيار الحقيقي هو كيف تعيشها"

من كل ماذكرنا نستشف الامور التالية:

- ليكن اختيارك صحيحا ومدروسا منذ البداية، فعليه تعتمد حياتك كلها.

- تمسك بخياراتك- الصحيحة- ودافع عنها كي لاتبقى فريسة للندم والياس.

- اذا لم تخترماتريد، ستبقى متعكزا على تفاصيل باتت من الماضي، وتتمنى ان يرجع الزمن الى الوراء لتختر من جديد، لكن الزمان لن يعود ثانية.

- حرية الانسان تعتمد على حسن اختياره والا وقع في براثن الندم.

- اي تردد سيتركك فريسة للصدفة، وستفرض عليك الخيارات عنوة، وستظطر للقبول تحت اي ظرف..

واخيرا اقول:كن حرا باختيارك ولاتكن عبدا لسوء اختيارك..

 

مريم لطفي

 

زهير الخويلدي"الجهد الفكري والعمومي، الذي يبذله الفيلسوف في المدينة عند مواجهته للشر في مختلف أشكاله، يعطيه قيمة كونية ودائمة"

يبدو أن المدينة ليست مدنية بما فيه الكفاية واجتماعها غير اجتماعي وتحضرها أقرب إلى التأخر منه إلى التقدم فهي غارقة في الظلام وينخرها الفساد وتعاني من الأزمات المتعاقبة ومحاصرة بالرمال العدمية وعقائد التوحش والارتدادات الهمجية بينما يظل الفيلسوف مغيبا باستمرار على الرغم من حرصه على الحضور وفلسفته متروكة ومهجورة وبضاعتها كاسدة والعلاقة بينهما تتراوح بين طلب النجدة ومحاولة الاحتماء من جهة عندما يضطر الفيلسوف إلى خدمة السلطة القائمة والانتماء إلى المؤسسات القانونية التي تضمن له الأمان والحماية ومن جهة ثانية يدخل في صراع مع السلطة المشرفة على تنظيم الشؤون العامة لمواجهة الآراء الضالة ويؤثر الهجرة والمغادرة والانزواء والتوحد ويعلن الثورة في داخله ومن الخارج.

المدينة تعاني من الاستبداد والشمولية والظلم وتفيض بسكانها وتتقلص مواردها باستمرار وتتضاءل إمكانيات السكان على الصمود وتتراجع المواطنة أمام ضربات المتاجرة والتحيل والتهريب والتهرب وفي المقابل تتكور الفلسفة على تاريخها وتستهلك ما تبقى من نفسها وتجتر مقولاتها المجردة وتختص في عمومياتها وتحجب نفسها عن الواقع وترتمي بين أحضان دفاترها وتغطس نصوصها في أرشيف المكتبة.

قدر الكائن المتفلسف أن يخرج من صخب المدينة ونمطيتها وبرجمتها الآلية إلى هدوء العالم وتنوعه وحقوله الخصبة ومصير المدينة أن تتخطى الحدود القصوى التي رسمتها لنفسها وتستولي على جوانبها وأحوازها وأن تنمو في اتجاه الأعلى والعمق وأن تربح معركة البقاء بالتغلب على هشاشة وفناء ساكنيها. ينتمى الفلاسفة والكتاب والفنانون  إلى مدينة المهمشين والمدينة الحالمة والمدينة الموعودة والمنتظرة ويطلب منهم إصدار الحكم المعرفي والجمالي حول وضعهم ويتم تحميلهم مسؤولية تدبير الأوضاع  على الرغم من وضع الهشاشة الذي يعانون منه وقلة حيلتهم وافتقارهم للاقتدار الذي به يغلبون ويغنمون. فكيف نحمل الفيلسوف مسؤولية تغيير الأوضاع وهو يعيش في هشاشة مستمرة ومحاصر بالأزمات الشديدة؟

ما بين الفيلسوف والمدينة قصة علاقة تتراوح بين الانتماء والوفاء والاعتراف من جهة وتقتضي المواجهة والثورة والمطالبة بالإصلاح والتغيير وإعادة البناء في جهة أخرى وقد تتحول هذه السردية إلى ملحمة وتراجيديا توكل فيها مهمة هدم المقام القديم وكنس معالمه المهترئة وتشييد المقام الجديد وتركيز حصونه للفيلسوف. من هذا المنطلق يمكن اعتبار الفلسفة سلاح ثوري ضد العدمية وكل المخاطر التي تهدد المدينة والتي تحاصر الحضارة، وغني عن البيان أن الفيلسوف هو الجدار الأول والأخير الذي يعلق عليه السكان آمالهم في ظل تخلي الاخرين عن مسؤولياتهم تجاه مدائنهم. هكذا يستمر الفيلسوف في بحثه عن مقامه بالسعي إلى مدينته المنشودة وفي المقابل تظل المدينة تنتظر قدوم فيلسوفها لينطق بلسانها ويقيس مدى قربها أو بعدها عن المدنية ويشخص أسقامها ويعالج أمراضها. فمتى تتحول الفلسفة من هروب من الواقع البائس إلى مواجهة ثورية معه؟ وكيف تصير مدينة الفيلسوف مجال تحقق الإنسانية؟ وأليست الثورة ولا الاحتماء هو المقام الجديد بالنسبة للفيلسوف ضمن المدينة؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

عزالدين عناية1- أحلام المثقّف وكوابيسه: شهدت الساحة الثقافية في تونس تحوّلا هائلا منذ اندلاع الثورة، تجلّى ذلك في تعدّد الخطابات واختلاف زوايا النظر، وإن لم يرتقِ ذلك إلى مستوى الانتظارات الحقيقية، حيث لم يواكب الحدث فعلٌ ثقافي مؤثّر في مستوى الحراك العام الذي شهده بلدنا. فما يلوح جليّا ارتهان المثقّف إلى لوثة السياسة الطاغية على مخياله وهو عائق فعلي، جراء حساسية اليومي الذي يعيشه التونسي. حيث يعجز المثقف عن التسامي بتأملاته، وإبداعه، وإنتاجه المعرفي عن مؤثرات السياسة المباشرة. ناهيك عن تجذّر إرث سابق، مؤسساتي وسلوكي، ما فتئ يحول دون تشكيل خطاب ثقافي نهضوي: يتعالى من جهة عن الشّللية المقيتة السائدة في أوساط المثقّفين، ويتحرر من أوهام النظر المهجوسة بالتصور الغربي، ومن ثمَّ بالخلاص المصنَّع في الخارج، ومن جهة أخرى يكفّ عن التكسّب بالعمل الثقافي من هذ الحزب أو ذاك. الأمر الذي حوّل المثقف إلى داعية إيديولوجي منساق ضمن موجة انجذاب عام، وهو مناخ صعب يحول دون خلق حراك ثقافي جماعي يسند التحولات المجتمعية والسياسية لبلدنا. إضافة إلى ذلك تنتشر عوائد مقيتة بين شرائح العاملين في قطاعيْ الثقافة والمعرفة، على غرار "التقاعد الفعلي المبكّر" للأكاديميين والعاملين في الحقل الثقافي، وانتهائهم عن ترشيد الحراك المجتمعي واستبداله بانخراط في جوقة الأدْلجة المجانية للناس، والتحريض المجاني على هذا الطرف أو ذاك مع انحدار بالخطاب الثقافي بدل التسامي به.

لكن في ظلّ شرط الحرية المتاح في الفضاء التونسي في الراهن الحالي، هل بإمكان المثقف اقتراح تصحيح المسارات الكبرى، أو بناء رؤية ثقافية جديدة مع الذات ومع العالم، تُرمّم الكيان الثقافي المهشَّم وتُخرج الفعل الثقافي من السلبية والعبثية إلى الحضور والالتزام؟

لا مراء إن كان المثقّف لا يولد بين ليلة وضحاها، فإنّ الثقافةَ بالمثل لا تُصنَّع تصنيعا عاجلا، بل تقتضي تراكما. مع ذلك يتساءل الناس، وربما حتى المثقّفين المستعجِلين: أين ثقافة الثورة؟ أو ثقافة ما بعد الثورة؟ الواقع أن تونس ما كانت حقلا ثقافيا خصبا قبل الثورة، بل كانت سجنا هائلا. كانت قدرات المثقف حبيسة ومجمَّدة. وحتى مثقّف السلطة ما كان طليقا، كان مسكونا بالحيطة والحذر أيضا، ويندر أن تجد مثقّفا تابعا كان مقتنعا بخطاب السلطة. حتى من أجبرتهم الأوضاع على الأكل من مائدة المتنفّذين كانوا على قلق هائل. كنتُ أعرف ثلّة من مثقّفي السلطة، لمّا أعود إلى تونس كانوا يبثّون لي أوجاعهم ويشكون لي آلامهم، ليَخلُصوا إلى أن الحل يتمثّل في خلاص فردي وهو التوق إلى الهجرة. حتى لَيُمكن القول إنّ كثيرا من المثقفين كانوا يُؤْثِرون المنفى مع أنهم يعيشون داخل وطنهم. فقد كانت العلاقة بين شريحة هامة من العاملين في حقل الثقافة في تونس والدكتاتورية قائمة في مجملها على زبونية رخيصة. والملاحظ أن الدكتاتورية حين تتحكم بالمثقف لا ينحصر أثرها السلبي بمرحلة، بل يمتدّ الأثر إلى السابق بأثر رجعي، من خلال تدمير الذاكرة الحيّة والجامدة (إلى الآثار المادية والنصوص والأعمال الفنية)، وإلى اللاحق من خلال ما تُخلِّفه من عاهات مثل الانتهازية واللامبدئية والوصولية وانعدام الخُلق.

2- خواطر ثقافية على هامش الثورة

بعد هذا التوصيف للأوضاع قبل الثورة، أعود إلى علاقة المثقف التونسي بالثورة من خلال بعض المشاهد:

- ثمة رأي شائع عند التطرّق للحديث عن الثورة التونسية، وأجزم أنه خاطئ، مفاده أن الثورة اندلعت بدون قيادة، وبدون سياسة، ومن ثمة بدون ثقافة... الواقع أن حالة "البدون" هذه أو حالة الخواء، سلبية ولا تُولّد إلا السكون. لذلك تبدو سوسيولوجيا الثقافة مدعوة بإلحاح لإخراج الحدث الثوري من حيز التبسيط والابتذال والتسطيح للإجابة عن سؤال: من أين تدفّقت الثورة وأيّ جداول غذّتها؟

- أَذكر اليوم الذي خابرتني فيه الزميلة الإيطالية إيزابيلا كاميرا دافليتو وهي خاسئة حسيرة، على إثر زيارتها للملحق الثقافي في قنصليتنا العتيدة في روما، قبل الثورة، بعد أن كانت تظن أنها ستزفّ إليه بشرى سارة بترجمة رواية "دار الباشا" للكاتب التونسي حسن نصر. لم يعبأ بها أحد لا الملحق، ولا القنصل، ولا جميع المخبرين، ممن كانت تعجّ بهم القنصلية حينها. من يومها شرّقت كبيرة المترجمين الإيطاليين بعد أن همّت أن تُغرّب. وتأكّد لديها أن تونس قد تحولت إلى مستنقع آسن. غير أنها بعد الثورة عاودها الحنين إلى تونس، فما فتئ الشابّي يغويها بالترجمة. من هذا الباب حريّ أن نمتن علاقات تونس الجديدة بالنافذين في مجال الفكر والأدب والترجمة في العالم، إن كنّا نريد خيرا لثقافتنا.

- كثير من الكتّاب التونسيين يُلحّون عليّ لترجمة أعمالهم إلى الإيطالية، أو التوسّط لتزكيتها لدى من يعمل في المجال في إيطاليا، إلى درجة الاستجداء الفاضح الذي لا يليق بالمبدع. في الحقيقة أنا لا أترجم إلاّ لمن كنتُ على يقين أنه صادق مع شعبه زاهد مع نفسه، ولذلك سبق لي أن عكفت على ترجمة "المرائي والمراقي" إلى الإيطالية للشاعر التونسي محمّد الخالدي وغيره. فقد رأيت أن الرجل نطق بالشهادة حين جحدها كثيرون، "وقال لي: سيُحرقُ المصْحفُ في رابعةِ النّهار /ويفْجُر الملوك في الكبار والصغارِ. وقال لي: لا تكترِثْ فآيةُ القيامه /يصير كل مسجدٍ مبولَةً /وكلُّ مُصْحفٍ قُمامه. (القصيدة منشورة في مطلع تسعينيات القرن الماضي ضمن ديوانه المشار إليه).

كما أنّ من قناعتي ألا أزكّي نصّا ليُنقل إلى الإيطالية إلا متى رأيت فيه ألَقًا يليق بتمثيله فكرنا أو شِعرنا أو أدبنا... فكيف أروّج لنصوص خدم أصحابها السلطان السابق أو السلطان الأسبق، والحال أنّ هناك ملْحَ الثورة، شعراء وكتّابا ثوريين قبل الثورة!؟. فمن المعيب أن يصير الأوائل أواخر والأواخر أوائل.

- لم أستح يوما لأني تونسي مثلما استحيت يوم جاءني طلاب إيطاليون من كلية الدراسات الشرقية في روما ليرووا لي عن إقامتهم صيفا في بلدي. همسوا: قصدنا تونس لتعلّم العربية فتعلّمنا الفرنسية! وَجِلتُ من هول النكبة. إذ جُلّ من ينزل بتونس للدراسة يكنّ احتراما لـ"معهد بورقيبة للغات الحية" ويثني على تلك المؤسسة. لكن السواد الأعظم منهم يحتقر الشارع التونسي لأنّ فيه تلوّثا لغويا مشينا، حتى ليهزأ المستعرِبون الإيطاليون من التونسيين أكثر مما يمتدحونهم.

- لم تتسيّس الثقافة في البلاد العربية مثلما تسيّست في تونس. أُلصقت برموزها النعوت المغرضة وغاب التقييم الحقيقي للنصوص واستعيض عنه بحكم إيديولوجي رخيص. قال لي الروائي التونسي الحبيب السالمي حين التقينا في روما (قبل الثورة): في تونس جوائز وملتقيات وأعمال على قدر عقول أهلها. في ظلّ ذلك الارتباك اصطنع النظام أوثانه، التي تَوهَّم في تصديرها خارجا أن تلقى قبولا حسنا. لذا أنصحُ بالاستئناس بخبراء الذائقة الأجنبية قبل خوض غمار التصدير حتى لا تُولد المشاريع ميّتة.

- في السياسة يمكن أن يخادع المرء ولا يفطن به الناس، ولكن في الثقافة، مثل النبوة، حين يخادع المرء سرعان ما يُفضح أمره. هذا التشخيص ينطبق على كثير من مدّعي الثقافة في تونس قبل الثورة. ففي ما مضى أغوى النظام الغارب كثيرا من العاملين في الحقل بالانضمام إلى جوقة كلاب الحراسة، ومن أبى زُجّ به في عالم التهميش والعزل قهرا وعنوة، ليكون في زمرة السائحين الهائمين. أذكر كلمة للروائي حسن بن عثمان، عشية الثورة: "أن النظام جرّ الجميع إلى المستنقع، تورّط وورّط معه معشر المثقفين، حتى إذا لُعنَ لُعنوا وإذا سُبّ غضبوا له".

- يسألني كثير من الباحثين والدّارسين الإيطاليين عن الفكر التونسي المتوراي خلف الثورة؟ فأجيب كان شفّافا ولا يزال أهله مهمَّشين. هؤلاء مثقفون زهاد، ولكن في تونس ثمة تعاملا مع المثقفين، قبل الثورة وبعدها، بمثابة خراف بيت إسرائيل الضالة.

3- الثقافة والطغيان

في تسعينيات القرن الماضي، وفي غمرة الأجواء المشحونة بالتوتر السياسي، لمّا أحكم الطغيان حصاره على تونس، تخلّى شقٌّ واسع من المثقّفين عن أدوارهم وانخرطوا في آلة القمع الغاشمة: فكان أن كوفئ البعض منهم بمهام الوزارات والسفارات، وآخرون بالتصعيد إلى البرلمان، وغيرهم بتوكيلهم شأن المنابر العلمية والإعلامية والأكاديمية، على أن ينضمّ من قَبِل العطية إلى جوقة العمل من أجل اجتثاث كل نفس ديني وعروبي ووطني من التونسيين، بدعوى قطع دابر الإسلاميين؛ ولكن مقابل ما أُجزل للمثقفين العائمين من وافر العطاء، انتَزَع وكيل نعمتهم منهم مبادئَهم، وصادر فيهم ما تبقّى من كرامتهم. مما حوّلهم إلى خصيان في حضرة السلطان، وإلى كلاب حراسة شرسة تذود عن حياضه. قلّة قليلة من الطائفة العالمة، التي تربّينا على تقديسها وإجلالها، امتزج لديها العمل الثقافي بالنّبل الأخلاقي خلال تلك الفتنة، وتعففت عن الإغراءات ولم تأبه للتهديدات.

أثناء تلك المحنة التي أَلمّت بالمثقف التونسي، من لم يَلُذ بالتقيّة لاذ بالصمت، ظنا أنه الخندق الحامي الذي تبقّى؛ لكن سرعان ما تبيّن أنّ الصمتَ ليس ملجأً فهو مقام واهن كبيت العنكبوت. فراودت الهجرة وقتئذ كثيرا من المثقفين والإعلاميين والأكاديميين، إلاّ من أقعدته الحيلة وقنع بما رماه به الدهر. كنت شابا في مقتبل العمر حينها، تركت تونس ويممت وجهي شطر روما، عقب عشر عجاف مُنعت خلالها حقّ العمل وحق السفر، لكن "قلبي كان على وطني". ذلك أني لا أجد توصيفا لكربلاء المثقّف التونسي في عهد النظام الآفل، المثقف الذي أبى أن ينحاز إلى صف الرذيلة، أبلغ من قول المسيح (ع) في إنجيله: "سيُخرجونكم من المجامع بل تأتي ساعة يظن فيها كل من يقتلكم أنه يقدّم خدمة لله".

ونحن ننفض غبار السنين عنّا، نفطن كل يوم أن الثقافة الموبوءة التي بُثّت فينا طيلة عقود، لم تذهب أدراج الرياح مع انهيار النظام الآفل، بل عشّشت في قلوبنا حتى حورت أفهامنا وبدّلت أذواقنا. خلّفَ فاسد الأجواء مرضا عضالا استحكم بوعي المثقف ولا وعيه، متمثلا في صراع يحسبه المرء أبديا بين الديني واللاديني، والحقيقة أن الصراع في الأرض وليس بين السماء والأرض؛ وبالمثل خلّف فاسد الأجواء وهْمًا موغلا لدى المثقف أنه في قلب الثقافة الكونية والحال أنه على هامشها، جراء الاغتراب الفكري المستحكم بعقول الناس.

خمسون عاما ونيف وإعلامنا المصادَر يضخّ عقلنا المحاصَر ببذيء الكلام وسافل القول، مما أورثنا زعزعة في الهوية وعجمة في اللسان. وما زالت الصحافة الباهتة والإعلام الهابط مستمرين في صنيعهما، يُذهبان العقل ويميتان الروح ويصنعان البهتان، حتى بعد الثورة، لذلك كلما تصفحتُ الصحف وتابعت الشاشات، أتأكد أن الثورة الثقافية ما زالت مؤجلة وتنتظر يومها الموعود.

الثقافة التونسية اليوم تراوح في مكانها، تحنّ إلى بطاركتها الذين تمّ سبكهم في فرن النظام السابق. وما فتئت تطلب من سحرتها الهديَ والهدايةَ وقد سبق أن أضلّوها السبيل. إذ ثمة شغف بـ"الأوليائية" الزائفة في الوعي الثقافي التونسي الحالي، حيث البحث عن استعادة دهاقنة الشعر والرواية والدين والفن، ومن لفّ لفّهم، وإعلائهم إلى مصاف المراجع والأعلام، في الاقتصاد والاعتقاد، وفي شأن البلاد والعباد، وهو خطأ جسيم. فلا خلاص لعقلنا إلا بحركة نقدية جادة تخلصنا من الأساطير.

حصلت ثورة سياسية في تونس، لكن الثقافة لا تزال في قبضة الأنبياء الكذبة. لا أقول حقيقة ولكن أعرِض واقعا: صعبٌ قتل الثعابين الطاعنة، لأن الثورة التونسية الوليدة ليس لها أعلامٌ حتى نقول للناس بأيّهم اقتديتم اهتديتم. فقد دنّس النظام الآفل الماء والهواء، وأضر بالعاملين في مؤسساته والخارجين عنها، وقليل منهم من لم يشرب من مياهه الآسنة.

أحزابنا الثورية والديمقراطية والليبرالية والإسلامية أيضا، وعلى كثرتها، هي لا تراهن على الثقافة ولا تبالي بالمثقفين، ليس نكاية بالعاملين في هذا القطاع، ولكن لسبب بسيط وهو افتقارها إلى فلسفة ثقافية في بنيتها التأسيسية. جراء ذلك يبقى جانب كبير من الفوضى العارمة، ومن جدلنا المحتدم بلا معنى ولا مبنى، متأتيا من افتقارنا إلى خلفية ثقافية، وهو ما يزيد من خشيتي على "ثورة الكرامة" في تونس. فأية ثورة تفتقر إلى أفق معرفي رحب تبقى مهددة بالانتكاس، وكل ثورة لا تصحبها ثقافة تفصح عن هويتها وتترجم قيمها، تبقى مرشحة للتحول إلى حيرة.

4- المثقّف  يأبى الإلغاء

بقدر ما مثّلت "البنعلية" تهشيما وتهميشا لكيان المثقف، مثّلت حقبة ما بعد الثورة فترة مراجعة كبرى داخل الثقافة التونسية. في الحقيقة لم ينزو المثقف، ولم يهجر الساحة، ولم يلذ بالصمت، بل اللحظة هي فترة تأمل، يتساءل فيها عن سُبل الخلاص. بدا سعي مثقف ما بعد الثورة إلى إنشاء فضاء جديد للفعل محتشما في البدء. اقتضت المراجعات حذرا من الأيديولوجيات الشمولية ومن الدعاوى السياسية الخلاصية. كان ذلك المناخ الجديد يسير باتجاه رسم خارطة مغايرة للفعل الثقافي، تتلخص تضاريسها في تطوير ما أُطلِقُ عليه "المثقف العمومي"، الذي لا يلعب فيه المثقف دور كلب الحراسة الثقافي، المدرَّب على مهمته، بل دور المؤمن بوظيفته الوجودية التي ترفض الانهيار الخُلقي والقيمي، وتعارض الإلغاء لوجوده. لم يعد المثقف موظفا في خدمة الغير بل مشغولا بقضاياه. إذ داخل عملية التوليد هذه كانت المحاولة لنزع الطابع المؤدلَج الذي طغى على المثقف وألحقه زورا بهذا الصف أو ذاك، والسعي للعودة إلى المهمة البدئية الأصلية، بعيدا عن أي منزع نبوي تفسيري له، بل بتأكيد دوره النقدي، والإلحاح على حياد نشاطه المعرفي. فليس المثقف ذلك الكائن المتموضع خارج شروطه الاجتماعية، بل هو امرؤ فاعل ضمن نسيج اجتماعي أوسع، يرفض التهميش والإلغاء، واختزال دوره في تدبيج العرائض المناهضة أو المناصرة لهذا الطرف أو ذاك، باعتباره قتلا رحيما للمثقف، يخلي الساحة للمتلاعبين بالعقول.

يقول الأديب الإيطالي إرمانو ريا: "لا يمكن الحديث عن التزام المثقف حين يكون معزولا عن الجماعة". فالمثقف الملتزم هو بإيجاز مواطنٌ مسؤولٌ، يجسّد أعلى مراتب المسؤولية. والمثقف ليس ذلك الذي يهتم بقضايا مفارقة مطلقة، بل هو كائن اجتماعي يشغله الراهن وينتابه قلق على مصيره. وخَلْق المجتمع المستنير ليس فحسب بمقاومة الرقابة والوصاية على عقول الناس، بل بمقاومة الانعزال وكسر الطوق الذي يضربه كثير من "المثقفين" المؤجَّلين على أنفسهم، بالخروج من المكتب والفصل والمدرسة والجامعة، لمجابهة اللامعقول واللاقيمي واللامنطقي المستشري.

كان الإيطالي أنطونيو غرامشي قد دعا إلى إصلاح عقلي وخُلقي ضمن خطوة أولى لبلوغ ما يصبو إليه المثقف العضوي، وهو محق في ذلك. فقد أُفرغت الثقافة في تونس طيلة عقود سابقة، من دلالاتها الحقيقية وتحوّلت إلى كمّ من الحشو الأنثروبولوجي، خليط من الفضائل والرذائل، من المعرفة والجهل، من العقل والدجل. وهو ما انعكس على المثقف، ما عاد ذلك الفاعل بل ذلك المحمَّل بالأثقال المعرفية والديماغوجية. وباختصار تحولت الثقافة من قيمة إلى بضاعة، وتحول المثقفون من صنّاع التحول إلى "أقلية" خائرة سائرة نحو الانقراض. تَرافق ذلك مع هجمة عنيفة على المثقف النقدي بهدف إلجامه وتقليص مهامه. فضلا عن التشكيك المتواصل في قدراته، بهدف بثّ الوهن فيه وتحويله إلى موظّف مكتبي وتقني. والحال أن المثقف بطبيعته لصيق بالاجتماع البشري، فهو ليس نتاج أزمة أو إفراز ظرفية تاريخية؛ بل هو حضور دائم في المجتمع.

 

عزالدين عناية

 أستاذ تونسي بجامعة روما-إيطاليا

 

مجدي ابراهيمعندما نتحدّث في عالم الأفكار ليس علينا من حرج حين نراعي على الجملة حديث الأذهان. وحديثُ الأذهان هو في الغالب صوري لأن الصورة التي تلازم الفكرة فيه هى صورة ذهنية في أول مقام، مفترض فيها أن يشيع من الفكر المُراد عرضه جو يعبر عن حقيقية هذا الفكر .. وإلا لم نستطع أن نصفها بأنها صورة ذات مغزى فكري. ولم تكن هى بالصورة الذهنية إلا لكونها تشمل الفكرة في بعدها المُجرّد عن واقعات الحياة ..

فإنّ الفرق لأوضح ما يكون بين كونها صورة ذهنية وبين وصفها حقيقة واقعيّة، غير أنه بلا شك هو نفسه فرقُ التّجرُّد، فقد تكون الصورة الذهنية تعبيراً مباشراً عن واقعة حقيقية، ولكنها عند انتقالها إلى الذهن يجب أن تكون مُجرّدة بأقصى غايات التجريد.

عندما أصف مشهداً رأيته بعيني أو سمعته بأذني، فإنني بهذا الوصف أنقل صورة تجرّدت عن الواقع واتصلت من فورها بعالم الخيال، لأنها أصبحت فكرة في الذهن؛ لتنتقل معي الحقيقة الواقعة إلى الصورة الذهنية المُجرّدة، فما انتقلت هذه الحقائق الواقعية إلى الخيال إلا لكي يحيطها العقل، فنفكر فيها، ونحاول تغييرها إذا كانت تحتاج منا إلى تغيير، لكأنما هذا الخيال الجامح أو الساكن هو الذي يُعطي لنا الصورة الذهنية عن الواقعة الحقيقية بغية تغييرها أو تطويرها من طريق إعمال العقل فيها، ثم هو نفسه الذي يعطي لنا القدرة على التعامل مع الواقع إذا نحن أردنا للواقعات الحياتية أن تتغير، لأنه يعطي لنا القدرة على التفكير فيه بحريّة أوسع يمنحها لنا ذلك الخيال البعيد المُجرد حالما ننقل إليه حوادث الواقع مع تعدد حوادثه وتنوّع معطياته عبر حُقب التاريخ.

الخيال الخلّاق هو الذي يفرز المعرفة اذا قُصد بالمعرفة البحث عن الحقيقة بكل معنى من معانيها. ولم تكن الصورة الذهنية المرسومة للتعبير عن حقيقة واقعة أو حتى تلك الصورة الذهنية المجردة عن ملابسات الواقع المشهود ببعيدة عن ميادين الخيال الخلاق، إذا كانت الأفكار الكبرى الباقية مرهونة بصدورها عن هذا الخيال المبدع الخلاق.

وليس شرطاً لهذا الخيال أبداً أن يكون غريباً عن الواقع، عميقاً فيما يبدع، بعيداً عن متناول العقل المفكر على الدوام .. كلا بل كلما لزم البساطة عهدنا معه التحقق الواقعي.

عندما كتب الفيلسوف البريطاني " برتراند رسل" في سيرته الذاتية، تحت عنوان "ما عشتٌ من أجله" قال: " لقد تحكمت في حياتي انفعالات ثلاثة بسيطة بيد أنها متناهية في القوة:

(١) الحنين إلى الحبّ (أي البحث عن الوئام).

(٢) والبحث عن الحقيقة (أي البحث عن المعرفة).

(٣) والاشفاق الشديد على الذين يقاسون ويتعذبون (أي البحث عن السلام) .

هذه مبادئ كبار الفلاسفة: البحث عن الحبّ والمعرفة والسلام، تصدر عن خيال جامح مبدع خلاق، وهو في الوقت نفسه خيال لا يصدر إلا الأفكار القويّة البسيطة في آن.

ولم تكن مبادئ الفلاسفة الكبار بالتي تصدر عن عقول تجردت من القيم العلمية والأدبية، لم يبحثوا عن مطالب المادة، ولا عن رهبة العيش في ظلال هذه الدنيا الصاخبة، ولا عن منصب زائل أو جاه مرذول، ولكنهم بحثوا عن ارتقاء القلب النابض بالمحبة، وارتقاء العقل الطالب للمعرفة، وارتقاء الشعور السالم من الأنانية، الشاعر بالتعايش بين الناس بالسلم والأمن والطمأنينة والتراحم ..

إنّما هى مبادئ كبرى يفتقدها عالمنا المعاصر، ولا يكاد يطلبها إلا وهو يطلب معها المستحيل الذي لا يقدر عليه، يندر وجوده ويعز في هذا الزمن الذي لا يرحم الكبير، ولا الضعيف، ولا الطفل الصغير أمام طغيان المادة.

وأمام طغيان المادة تبدّدت أحلام البسطاء. وصارت أحكامهم مرهونة بإرادة غيرهم ممّن يسوموهم سوء العذاب. فلم تعد مطالب الحبّ متاحة؛ لأن البحث عن الوئام صار معزولاً عن وقائع التطبيق. وأصبح الحب مفقوداً إلا من كلمته الواهية تجري لفظاً معسولاً غير أنه عسير التحقيق، وإذا وجد في هذا العالم الذي نعيشه فهو قشرة سطحية تتقدمها مطالب المادة بالضرورة ويفتقدها حضور الوعي مع تلك المطالب.

ويبقى البحث عن المعرفة والبحث عن السلام، وهما لا يتحققان واقعاً وأن تحققا نظراً لا حيلة فيه من الواقع في شئ.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

مادونا عسكر"الثّورة ككلّ جرأة: في وقتها ومكانها عبقريّة وانتصار وفي غير ذلك حماقة واندحار". (ميّ زيادة)

لتكون الثّورة في وقتها ومكانها عبقريّة، ينبغي أن تستند إلى الوعي. ولا بدّ من الانتباه إلى دلالة كلمة "الثّورة" حتّى لا يلتبس المعنى على النّاس فينطلق بحماسة المندفع بردّات فعل تفجّر الكبت المتأثّر بتراكم المشاكل الّتي يرزح تحتها الإنسان.

الثّورة تعني اصطلاحاً التّغيير الأساسيّ في الأوضاع السّياسيّة والاجتماعيّة يقوم به الشّعب في دولةٍ ما. ما يعني أنّ الثّورة بمعناها الاصطلاحيّ تختلف عن الاحتجاج بمعنى الاعتراض على أوضاع سياسيّة واجتماعيّة. ولئن كانت الثّورة  تعني التّغيير الجذريّ في الأوضاع السّياسيّة والاجتماعيّة، تطلّب هذا التّغيير وعياً خاصّاً نما بنموّ الإنسان الثّقافيّ والمعرفيّ والحضاريّ فيستحيل عبقريّة وانتصاراً. وأمّا إذا خلا من الوعي فما هو إلّا حماقة تؤدّي إلى الفوضى المدمّرة والهلاك الحتميّ. والحماقة عكس الحكمة، تعبّر عن فوضى العقل وانعدام القدرات المنطقيّة الموجّهة لأي احتجاج أو معارضة أو استنكار لوضع ما. ولئن كانت الثّورة تغييراً أساسيّاً يقوم به الشّعب فلا بدّ لهذا الشّعب أن يكون واعياً بما يكفي ليحدّد أهدافه المتلازمة وأهداف ثورته وإلّا أتى فعله مجرّد تعبير عن غضب عارم، متى زال زال معه كلّ مطلب.

وحتى لا يكون الكلام وعظاً وإرشاداً وتنظيراً وإنّما تسليط للضّوء على التّفاصيل الّتي تكمن فيها الحقائق المؤدّية إلى تحقيق الأهداف، لا بدّ من تحديد عناصر الوعي الّذي قد يتمّ قمعه بأساليب عدّة:

- العنصر الأول: الوعي بتاريخ الشّعب وتبيّن تفاصيله والتّعلّم منه. فالشّعب الّذي تحتفظ ذاكرته بأهوال تاريخه ومصائبه الّتي أنهكت الوعي والعقل الجمعي فتفرّد كلّ فرد أو كلّ مجموعة في آراء خاصّة أو انتماءات خاصّة نتج عنها انغلاق خوفاً من الآخر المنفرد بآرائه وانتماءاته. الوعي بالتّاريخ يعني الابتعاد عن التّفاخر السّاذج والتّمجيد السّخيف للتّناحر والقتل وتبرير سفك الدّماء والمثابرة على تجميل الصّورة وخدعة طيّ صفحة الماضي دون البحث الجدّي في تصفية القلوب وتنقية الأذهان والسّعي إلى حاضر أفضل من خلال منهجيّة سلوك أفضل.

- العنصر الثّاني: الوعي بالمسؤوليّة وتحمّلها  بجدّيّة، واعتبار الشّعب مشاركاً بما وصل إليه الواقع من سوء. فغير صحيح أنّ الشّعب لا يتحمّل المسؤوليّة في الأحوال الرّديئة الّتي تصل إليها الشّعوب. ومن غير الصّحيح أنّ الحكومات وحدها هي من تتحمّل المسؤوليّة. فالشّعوب تنال الحكومات الّتي تستحقّها، وهذه الحكومات لم تأتِ من كواكب أخرى وإنّما هي من صلب المجتمع. وما أتت إلّا بمؤازرة من الشّعب. لا ريب أنّ المسؤوليّة تتفاوت بين الدّولة الّتي تدير البلاد والشّعب إلّا أنّ هذا التّفاوت لا يلغي مسؤوليّة أيّ فرد.

- العنصر الثّالث: الوعي بأنّ الحماس هو غير السّعي إلى تحقيق الأهداف. وبالتّالي لا بدّ من وضع أهداف محدّدة ليتمّ التّغيير الجذري. وذلك يتطلّب عملاً دؤوباً واجتهاداً وتعباً حتّى يتمّ التّغيير. وأمّا الشّعارات فهي ابنة اللّحظة وتتضخّم بقدر ما يتفلّت الوعي ويثمل الإنسان بالحماس والفرح الّذي ينتج عن إفراغ الغضب ونشوة الحرّيّة المؤقّتة في التّعبير عن الوجع والألم. الحماس وليد اللّحظة وأمّا السّعي إلى تحقيق الأهداف فمسيرة نحو التّطوّر والتّقدّم.

- العنصر الرّابع: الوعي بأنّ تطوّر الشّعوب يقوم على نظريّة بسيطة وهي أن يؤدّي كلّ فرد عمله على أكمل وجه، مهما كان بسيطاً. ففي كلّ مرّة يحصل فيها تقصير أو استهتار تتأثّر مسيرة التّقدّم والنّموّ الاقتصاديّ والاجتماعيّ والسّياسيّ.

- العنصر الخامس: الوعي بحضور الآخر المختلف، أيّاً كان اختلافه واحترام حضوره بل والدّفاع عنه إذا لزم الأمر، بمعزل عن الأحكام المسبقة والشّتائم الّتي تعكس ذهنيّات مريضة غير مؤهّلة للمطالبة بالحقّ. وكلّ حقّ يقابله واجب، وكلّ واجب يقابله معرفة بهذا الواجب وكلّ معرفة يقابلها إعادة بناء للمفاهيم والتّصوّرات لبلوغ المعرفة بالمُطالَب به. فمن يطالب بإسقاط النّظام لا يعي جيّداً أنّه يتّجه نحو الفوضى الّتي ستتجلّى لاحقاً بالخروج عن النّظام والتّصرّف بهمجيّة. ومن يطالب بتشريع القوانين المواكبة للحداثة عليه أن يتعهّد بتطبيقها.

- العنصر السّادس: الوعي بأنّ مقولة أنّ الشّعب مصدر السّلطات خدعة كبيرة في بلدان ترزح شعوبها تحت وطأة السّعي وراء لقمة العيش فقط وتحت وطأة البطالة وتراجع العلم. يكون الشّعب مصدر السّلطات حينما يعي قيمته كشعب يحاسب دون ريبة وخوف من هم موظّفون في خدمته. وبقدر ما تتضخّم هذه المقولة في الأذهان بعيداً عن الوعي ينتج عنها تمرّد أعمى وحماس مفرط يُدخل الإنسان في فوضى مدمّرة.

- العنصر السّابع: الوعي بقيمة المحبّة الحقيقيّة بين الأفراد بغض النّظر عن الدّين والانتماء، والتّعاون من أجل تحقيق هذه المحبّة على ألّا تبقى ورقة اختياريّة يوم يكون الحماس سيّد الموقف. فالمحبّة هي الأساس وعليها تُبنى الأوطان وبها تتقدّم الشّعوب وتنمو وتتطوّر وتفهم أنّ الغلبة دائماً للمحبّين الّذين يبذلون أنفسهم ويقدّمون من ذواتهم ليكبر الوطن. المحبّة تبني والحقد يدمّر. المحبّة تنظّم الفكر والشّعور، وأمّا الحقد فجهل وعقم فكريّ وشعوريّ. المحبّة اتّجاه نحو إنسانيّة الإنسان وأمّا الحقد فعودة إلى حالة الهمجيّة الأولى وتعزيز للنزعة الفتك والتّخريب والانحلال.

تأتي ساعة تُحدَّد فيها مصائر الشّعوب وهي ساعة العقل والعقل فقط، بعيداً عن المشاعر المفرطة، والحماس المندفع، والشّعارات الفضفاضة، ونشوة الانتصار الخادع. 

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

عدنان عويدفي المفهوم، الأخلاق: هي مجموعة القيم الفكرية والسلوكية التي تمثل الجوهر الإنساني في مرحلة تاريخية محددة، إيجابية كانت أم سلبية. وهي في هذا السياق مفتوحة على المطلق الإنساني. أي هي تدخل في كل مسامات حياة الإنسان، ولا تقتصر على قضية أو عدة قضايا من حياته.

إذاً، إن الأخلاق وفقاً لهذا المعطى، هي (نسبية) وليست مطلقة أو معيارية، ونسبيتها تفرضها طبيعة وجودها الاجتماعي التاريخي الذي يكونها أو ينتجها، وعلى اعتبار أن الوجود الاجتماعي في حالة تطور وتبدل مستمرين، وبالتالي فالأخلاق هي في حالة تطور وتبدل مستمرين أيضاَ، على الرغم من أن حالتي التطور والتبدل الأخلاقي تظلا أبطأ بكثير من تطور وتبدل الوجود الاجتماعي ذاته في شقه المادي الذي أنتج الأخلاق، كون الأخلاق تحددها طبيعة قوى وعلاقات الإنتاج السائدة عبر مراحل التاريخ لتدخل فيما بعد في النسيج العام لوعي الإنسان وبنيته النفسية، و هذا ما يجعلها تتمترس في هذا الوعي وهذه البنية النفسية لفترات زمنية أطول، ويجعلها أيضاَ تتأخر كثيراً في حركتها عن حركة وجودها المادي المنتج لها،

وأمثلة التاريخ تعطينا أدلة كثيرة عن تطور وتبدل الأخلاق من جهة، وتمترس بعضها في مواجهة حالات التطور والتبدل التي تصيب الوجود الإنساني من جهة ثانية، وبخاصة تلك القيم الأخلاقية التي أخذت بعداً (معيارياً) لدى أفراد المجتمع بسبب طبيعتها العقيدية أو الأيديولوجية. فعلى سبيل المثال، إن التطور العلمي التكنولوجي أحدث تغيرات كثيرة في الوجود الاجتماعي بالضرورة وعلى كافة المستويات، ومع ذلك لم تزل هناك عقول ترفض ما حققه هذا العلم من تطور وتبدل في المجتمع وبخاصة الجانب الأخلاقي منه. وكثيرا ما تعتبر بعض العقول المغلقة هذا التغير والتبدل والتطور كفراً وزندقة، كونه لا يتفق مع القيم الأخلاقية التي تتضمنها هذه العقيدة أو الأيديولوجيا المتجذرة خطأً في عقول هؤلاء، والتي على أساسها قتل كوبرنيك مثلاً، أو فرج فوده على سبيل المثال لا الحصر.

إن الأخلاق عندما تأخذ بعداً معيارياً، ستتنمذج بالضرورة، وتتحول إلى تابو (مقدس)، يُعتبر كل تجاوز لها تجاوزاً على المقدس، وبالتالي تجاوزاً على القيم الإنسانية التي حددتها تلك العقيدة أو الأيديولوجية في مرحلة تاريخية محددة. انطلاقاً من كونها صالحة لكل زمان ومكان عندهم. أو بتعبير آخر إن الأخلاق عندما تتمترس خلف العقيدة أو الأيديولوجيا السكونيتين تصبح عند حملة هذه الأيديولوجيا أو العقيدة هي من ينتج الواقع وليس الواقع هو من ينتجها.. وفي مثل هذه الحالة تصبح الحقيقة تسير على رأسها وليس على قدميها.

إن الأخلاق عندما تُغلق في دلالاتها وسماتها وخصائصها من قبل حواملها الاجتماعية، ستتحول إلى قوة مادية ومعنوية تحارب التقدم والتطور، وسيُعتبر كل من يخرج عنها هنا، شاذاً آو زنديقاً أو كافر أو منحرفاً أو خارجاً عن السرب. أو بتعبير آخر كل تجديد لدى أهل العقيدة الجامدة دينية كانت أم وضعية يعتبر بدعة أو انحرافاً. وهذا ما تقوم به اليوم القوى الإسلامية المنمذجة أخلاقياً والممثلة بما يسمى (داعش) أ و غيرها من القوى الأصولية الوضعية من دعاة العلمانية وتجارها.

أخيراً نقول: إن دعاة القيم الأخلاقية المعيارية، تصبح لديهم هذه القيم (عتلة) أو وسيلة يقوم على من يتمسك بها أو تركها، نهوض الفرد والمجتمع والحضارة، أو سقوطهم.

أما الذين يتمسكون بالأخلاق كمسألة نسبية، فهي عندهم برأيي : مجموعة القيم الايجابية الفكرية والسلوكية التي تمثل الجوهر الإنساني في مرحلة تاريخية محددة. وبالتالي هي لا تشكل العامل الوحيد الذي على أساس التمسك به أو تركه تتحقق النهضة أو السقوط، وإنما هناك عوامل كثيرةً تساهم في تحقيق النهضة أو السقوط للفرد أو المجتمع أو الحضارة، وهي العوامل الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية أيضاً.

ملاك القول : إن قيم الفضيلة التي يتمسك بها بعض تجار الدين أو العلمانية، تعتبر عندهم كصخرة في قمة جبل يريدون للناس أن يرتقوا إليها ويتمثلوها من خلال الدعاء والوعظ ومناجات ضمائر الفاسدين واللاأخلاقيين، أوكل من فقد الفضيلة، علما أن قيم الفضيلة هي من عليها النزول على الواقع، ولكنها لن تنزل لوحدها على الواقع مالم نقوم نحن بإزالة عوام وجودها أو ثباتها في الأعلى. أي لا يمكن لهذه الفضيلة أن تحل أو تنزل في وعي وضمائر وسلوكيات الناس مالم نقضي على الأسباب التي ساهمت في إقصائها عن وجودها الاجتماعي، إي القضاء على الفساد بأي شكل كان، ومن أية جهة كانت.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

أولا: رؤية أرسطو حول أنواع الحكومات:

قسم أرسطو الحكومات إلى سبعة أنواع:

1- الحكومة الملكيّة، وهي حكومة فردية يسعى إليها الملك لتحقيق المصلحة العامة. وعرّفها ابن خلدن  بأنها« حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة»[1]

2- حكومة الطغيان (الإستبدادية)(Autocracy)، وهي حكومة يحكمها فرد، حيث تسعى لتحقيق المصالح الخاصة.

3- الحكومة الأستقراطية، (Aristocracy) ، وهي  حكومة  تكون السلطة بيد أقلية خيرة تهدف لمصلحة عامة.

4- الحكومة الأوليغاركيّ(Oligarchy)، وهي حكومة تكون السلطة  بيد أقلية، تهتم بمصالحها الخاصة وتكون المنفعة للاغنياء.

5- الحكومة الجمهورية (الديموقراطية)(Democracy)، وهي حكومة  تحكمها الأكثرية تحقيقا للمصلحة العامة

6- الحكومة الديماغواجية (demagogy) وهي حكومة تكون السلطة العامة، للفقراء(الأكثرية) ويسعون لتحقيق مصالحهم.

7- الحكومة الدستورية.وهي الأفضل عند أرسطو لأنها تتميز عن غيرها بمجموعة من الصفات التي تجعل أفضل من غيرها ومنها:

أ- أنها حكومة تستهدف المصالح العام.

ب- أنها حكومة قامت لهدف أخلاقي.

ج- أنها تعتمد على القواعد القانونية العامة التى تناسب مع العادات.

د- أنها تقوم على مبدأ الإكتفاء الذاتي وتعاون جميع الأفراد.

ھ- أنها تقوم على إقتناع الأفراد بها وموافقتهم عليها[2].

وهناك تقسيم آخر أورده الدكتور أحمد وهبان  حول أنواع الحكومات عند أرسطو، أكثر وضوحا من التقسيم السابق. وقد بنى أرسطو هذا التقسيم على معيارين: أحدهما: كميّ، والأخر كيفيّ. إذ الحكومات عنده حسب المعيار الكميّ تنقسم إلى ثلاث حكومات: فردية،  وأقلية،  وأكثرية. ثم وضع ثلاثة معايير في كيفية الحكم من حيث الإلتزام بالقوانين، وتحقيق العدالة، واستهداف المصالح العام ،وطبقا لهذه المعايير، صنف أرسطو الحكوامات على التقسيمات التالية:

1-  الحكومة الفردية. فإذا التزمت بالقوانين وحققت العدالة واستهدفت المصالح العام،  تكون حكومة صالحة وتعرف بالملكيّة. أما إذا لم تلتزم بالقوانين وشاع الظلم في ظل حكمها واستهدفت مصالح شخصية  فحينئذ تكون حكومة فاسدة وتعرف بحكومة الطغيان، والإستبداد(Autocracy).

2-  الحكومة الأقليةAristocracy) ) ، فإذا التزمت بالقوانين وحققت العدالة واستهدفت بالمصالح العام تكون حكومة صالحة. أما إذا لم تلتزم بالقوانين، وشاع الظلم في ظل حكمها، واستهدفت مصالح شخصية، تكون حكومة فاسدة ويعرف بحكومة الأوليجارشية (Oligarchy).

3- الحكومة الأكثرية (الديموقراطية) (Democracy)، فهي إذا التزمت بالقوانين وحققت العدالة، واستهدفت المصالح العام تكون حومة صالحة. أما إذا لم تلتزم بالقوانين وشاع الظلم في ظل حكمها واستهدفت مصالح شخصية،  فحينئذ تكون حكومة فاسدة وتعرف بحكومة الديماجوجية (demagogy).

4-  الحكومة الدستورية وهى القائمة على سيادة القانون[3].

ثانيا: رؤية الفارابي حول أنواع المدينة:

من جانب أخر إذا نظرنا إلى  رؤية الفارابى حول مفهوم الحكومة  نجد أنه يطلق عليها بإسم مصطلح المَدِيْنَةِ بدل الحكومة. ثم إنه قسم المدينة إلى  قسمين: مدينةٍ فاضلةٍ ومدينة جاهلة، حيث عرّف بالمدينة الفاضلة بأنها« المدينة التي يقصد بالإجتماع فيها التعاون على الأشياء التى تنال بها السعادة الحقيية»[4]. أما المدينة الجاهلة فهي التي لم يعرف أهلها السعادة ولا خطرت ببالهم.

* إجتماع الإنسان عند الفارابي:

هذا وقسم الفارابي إجتماع الإنسان الى قسمين: إجتماع كامل وغير كامل. فالكامل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: عظمى، ووسطى وصغري. فالعظمى هو إجتماع الجماعة كلها في المعمورة. والوسطى هو إجتماع أمة في جزء من المعمورة. والصغري هو إجتماع أهل مدينة في جزء من مسكن أمة.

أما غير الكامل فهو أربعة أنواع: إجتماع أهل القرية، وإجتماع أهل المحلة، ثم إجتماع في سكّة، ثم إجتماع في منزل وهى أصغرها. والمحلة والقرية هما جميعا لأهل المدينة، وذلك لكون القرية تخدم للمدينة، ولكون المحلة جزء من المدينة. والسكة جزء من المحلة، والمنزل جزء من السكة، والمدينة جزء من أمة والأمة جزء من جملة أهل المعمورة[5].

* أنواع  المدن الجاهليّة عند الفارابي:

المدن الجاهليّة المضادة للمدينة الفاضلة عند الفارابي هى: المدينة الجاهلية، والفاسقة، والمتبدلة، والضالة.

أولا: المدينة الجاهلية:

هذا وقسم الفارابي المدينة الجاهلية من حيث إجتماع الناس وتعايشهم إلى ستة مُدُنْ:

المدينة الضرورية: وهي التي قصد أهلها الإقتصار على الضروري، مما به قِوَاْمُ الأبدان من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن والمنكوح والتعاون على إستفادتها.

المدينة البدالة: وهي التى قصد أهلها أن يتعاونوا على بلوغ اليسار والثروة ، ولا ينتفعوا باليسار في شيء آخر، لكن على أن اليسار هو الغلبة في الحياة.

مدينة الخسة والسقوط: وهي التي قصد أهلها التمتع باللذة من المأكول، والمشروب، والمنكوح، وإيثار الهزل، واللعب بكل وجه ومن كل نحو.

مدينة الكرامة: وهي التي قصد أهلها على أن يتعاونوا على أن يصيروا مكرمين ممدوحين مذكورين مشهورين بين الأمم، ممجدين معظمين بالقول والفعل، ذي فخامة وبهاء، إما عند غيرهم وإما عند بعضهم  فكل إنسان على مقدار محبته لذلك، أو مقدار ما أمكنه بلوغه منه.

مدينة التغلب: وهي التي قصد أهلها أن يكونوا القاهرين لغيرهم، الممتنعين أن يقهمرهم غيرهم، ويكون كدّهم اللذة التي تنالهم من الغلبة فقط.

المدينة الجماعية: وهي التي قصد أهلها أن يكونوا أحرارا يعمل كل واحد منهم ما شاء، لا يمنعه هواه في شيء أصلا.

ثانيا: المدينة الفاسقة:

المدينة الفاسقة: وهي التي آراؤها، كآراء المدينة الفاضلة، والتي تعلم السعادة، والله عز وجل، والثواني، والعقل الفعال، وكل شيء سبيله أن يعمله أهل المدينة الفاضلة ويعتقدونها، إلا أن أفعالها تكون كأفعال أهل المدن الجاهلية.

ثالثا: المدينة المتبدلة:

المدينة المتبدلة: وهي التي كانت آراؤها وأفعالها في القديم آراء المدينة الفاضلة وأفعالها، غير أنها تبدلت فدخلت فيها آراء أخرى، حيث إستحالت أفعالها إلى غير أراء المدينة الفاضلة، وأفعالها.

رابعا: المدينة الضّالة:

المدينة الضالة: وهي التي غيرت حياة السعادة، بحيث تعتقد في الله، وفي الثواني، وفي العقل الفعال، آراء فاسدة لا يصلح  [6].

 

الدكتور بدر الدين شيخ رشيد

....................

[1] -  ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، دارإحياء التراث العربي ،بيروت، لبنان،ط4/(بدون التاريخ)،ص191

 [2] -  الزريقي عبد الرحمن صالح،  المفكر اليوناني أرسطو،  أنظر الموقع:

 http:// faculty.ksu.edu.sa/ELADLYY/ Doclib1/%D8%%A3

[3] - وهبان، د/ أحمد وهبان، تاريخ الفكر السياسي اليوناني [أرسطو384:322.ق. م]، أنظر الموقع

http//faculty.ksu.edu.sa/wahban/101%D9%85%D

[4] - غالب، د/ مصطفي غالب، الفرابي، إنتشارات كلستانه(بدون رقم الطبعة والتاريخ)، ص91.

[5] - المصدر السابق، ص93-94.

[6] - المصدر السابق، ص112-114.

 

كاظم لفتة جبران محاولة تناول الشعر فلسفيا مسألة صعبة لما الت الية التطورات الفلسفية في  عهد افلاطون (427)ق .م وفصلة الشعر عن الفلسفة  اذ ان الشعر بحث في الجمال اما الفلسفة بحث في العقل وهذا ما ادى الى فصل الفلسفة عن الشعر، (الجمهورية الكتاب العاشر).

الا ان مجيء الفيلسوف الماني هيدغر(1889)م ومحاولته دراسة شعر هولدرن فلسفيا معدا الشعر معرفة من نوع اخر عن المعرفة العقلية فأعاد للوجود موسيقتى الجمالية فالشعر يرتبط بالطبيعة من خلال الصور الجمالية التي تقدمها لنا.

هذا ما جعل  الفيلسوف  الفرنسي باشلار(1884)م في كتابة (لهب شمعة) يحاول استنطاق الطبيعة بروح أرسطية  لما فيها من صور شعرية مجردة  واكتشاف ما وراءها من خلال خلاصتها الجوهرية متمثل بالنور الذي يقف خلف كل معتم (الصورة الحقيقية) فان كل شيء معتم (مادة) لا يمكن ان يكون حقيقة الا بوجود مضيء (صورة) يكون جوهر هذا الشيء  وحقيقته التي يتمثل  بها المادي.

المادي (المعتم) هو العرضي الذي حاول استنطاقه  باشلار بروح الفيلسوف الشاعر في حين  أن البحث في كل معتم عن مضيء يكشف عتمة الوجود الخيالي حتى ولو بنور خافت كما يشبه هذه اللحظة بلحظة انطفاء لهب القنديل مع بقاء لمعان عيون قطة في غرفة مظلمة (ص50)، فالعالم هو النور الخافت بسبب ابتعادنا عن النور الحقيقي او المضيء وهو الله فان الاشعة مهما كانت خافتة الا انها تروي ساق نبات وروح انسان وتنير الكون وتثير خيال شاعر فان الشاعر يستوحي صورته الشعرية من رحم المعاناة وغياب المضيء في كل تمظهرات الكون .

للظاهرة اثرا مهما في بيان صورة الشاعر وهذا يعبر عن حدس  المعرفة التي قال بها هيدغر يستطيع من خلالها الشاعر الولوج الى المضيء او الصورة الخيالية التي تمكن الفيلسوف فيما بعد للاشتغال على هذه الصور فتكون مهمته هي النظر في هذه الصور ومحاولة اختيار الجوهرية منها، لأنها تمثل الحقيقة والمضيء الذي يمكن الانتفاع منه في قضايا وجود النفس وتأثيره عليها

لذلك نجد الشعر والوجود والشاعر والفيلسوف متقاربان ويكمل احدهما الاخر ففي ضوء تاريخ العلم كان الشعر تفلسفا كما هو في أشعار هيرميروس وغيره من اليونانيين.

اللحظة التي بحث فيها باشلار عن صورة خيالية صافية وزرقاء كزرقة(لهب شمعة) (ص43) فان هذه اللحظة التي يمر بها الوجود واللهب تمثل لحظة هيجان خيالي لدى الشاعر وبحث عقلي عند الفيلسوف  فكل ما في الوجود يكمن في هذه اللحظة الا أننا نختلف في قضاء هذه اللحظة بحثا عن المضيء الذي يقف خلف كل معتم بمعنى لولا المضيء لم يكن للمعتم معنى وجود ولو الله لم نكن موجودين فالكون يمثل لحظة عابرة في التفكير الألهي واي لحظة عابرة تكون بهذا التنظيم؟

اختيار باشلار لصورة النار لسرعة صيرورتها اي تغيرها ومدى تأثير انعكاساتها على الاشياء المعتمة كالأجسام فمثالها الشمس وتأثيرها على الارض ومافيها لذلك يقابل بين النار والمعتم الذي يمثلان المصادر الاساسية للوجود كما خاض بها الأوائل من الفلاسفة الطبيعيين في اليونان ،فمعتم الطبيعة يخفي المضيء او حقيقة وجود الشيء وماهي الا فكرة أرسطية للوجود وللصورة الشعرية المنظمة التي تحاول الوصول الى الخيال والتنظيم الشعري للأفكار الحقيقية والمضيئة فالشاعر علية أن يفكر بعقل الفيلسوف لكي يحصل له الخيال واللحظة التي تنقله للمواصلة في ميادين الوجود ومحاولة تصورها، فأن الرابط بين الشعر والعلم هو الفيلسوف و بين الخيال والتجربة هو العقل.

فكل انسان شاعر لأنه يتمثل الجمال عنده لحظة لا أراديه في حين اذا أراد ان يكون شاعرا بالمعنى الحقيقي فعلية بعقل الفيلسوف محاولا الابتعاد عن الهيجان  والبعثرة للأفكار للانتقال الى الخيال واختيار الصورة الجوهرية التي تمنح الشعر لحظة عقلية مضيئة وهو ما تكون علية النفس الانسانية في محاولة التخلص من المعتم الجسم للانطلاق في رحلة التطهير التدريجي للوصول الى اللحظة النورانية بعد الاعتماد على عدة قواعد وهي تقارب لحظة المتصوفين التجريدية والمثيرة لما تقدم لا صاحبها من صور خيالية وحدوس نورانية تجعله ينطق بها كذلك الشاعر وما تحصل له  من الهامات شعرية عند صفاء ذهنه  (ص42).

كما ان التشبث بالمادي المعتم يمثل ابتعاد وعارض عن جوهر الشيء وحقيقته كذلك اعتماد الشاعر للصور المادية لا تعبر عن جوهر حقيقة الشاعر فأن اعتماده على المادة يمثل ارتكاز لمصالح دنيوية وهذا ما يفعله بعض الشعراء السفسطائيين لتزيف الحقيقة وجعل للمعتم ضوء مزيف وتكون جوهر هذه العملية المنفعة الشخصية الا أن باشلار أراد من الشعر ان يكون معبرا عن معاناة المجتمع وفتح نوافذ مضيئة  لكثرة عتمة العالم  كما عدُه منفذا للتحليل النفسي وهذا ما نجده عند عالم النفس والفيلسوف الماني الامريكي أريك فروم (1900) كلنا نرغب بالحياة الا أن الألم هي من تجعلنا نبحث عن عالم أخر من خلال الاحلام والشعر (كتاب فن الوجود) .

فباشلار يرى لتخليص النفس من عتمتها  يجب سيادة نار الحب وهي التي تكون لحظة زرقا يبحث عنها كل انسان فكل معتم يحتاج الى نافذة الحب وهي السلام والتوازن الداخلي لقوى النفس لدخول اشعة المضيء  الى جوف ذواتنا فكذلك تعد لحظة الصفاء الذهنية عند الشاعر لحظة سلام وحب للصور التي ينتقي منها ما يلائم  حقيقة قضيته الشعرية (ص65) فالوجود يتكون من وجود صورة ومادة ،اما الصور الشعرية فتتكون من مضيء ومعتم فالمزج بين المعتم والمضيء ضرورة شعرية  لظهور الصورة الجوهرية التي تعبر عن قضية القصيدة الشعرية كما ان المزج بين المادة والصورة (الجسم والنفس) ضرورة وجودية لظهور الانسان وهو يكون مزجاً صورياً كما تتعدد انوع الصور الشعرية بتعدد صور الطبيعة فعناصر الصورة الشعرية هي الاوزان والقافية الذي يعادل المنطق او الاسلوب الصحيح للتفكير والتعبير عن ما يكمن فينا من أفكار.

فقديما كانت الصورة الشعرية تعبر عن الصور الخيالية كما عند الجاحظ وعبد القاهر والقاضي الجرجاني وقدامة بن جعفر حيث تمثلت الصورة عند الجرجاني من خلال التجسيم والوصف الحسي للمعاني حيث تأثروا بالفلسفة اليونانية وخاصة ارسطو حين فصلوا بين اللفظ والمعنى واعتمادوا على الخيال الذي يبتعد كل البعد عن المباشرة في حين تطورت الصورة الشعرية حديثا لتعبر عن المعنى الجوهري للصور من خلال الوجدان واستدعاء الصور الفنية للذاكرة ومحاولة تجسيمها وهذا ما عبر عنه غا ستون باشلار المعتم المضيء فالشعر مهم وملكة انسانية للتكيف بين  الطبيعية  والانسان ومعرفة ما وراءها.

 

كاظم لفتة جبر

 

معراج احمد الندويالإنسان اليوم يعاني من الكثير من الأزمات الصحية والإجتماعية والنفسية. وقد شهدت الأوساط العلمية اهتماماً متزايداً بالجانب الروحاني. وقد عرف الجانب الروحاني بأنه حالة من السلام الداخلي من خلال تحقيق التعرف على الذات والإنسجام مع القيم الشخصية .

لقد غير عصر المعلومات العالم كله، فقد اختصر الزمن والمسافات فاصبحت الاتصالات والتعاملات فورية، وأضحت وشائل الإعلام تنقل لنا آمال العالم والشعوب في لحظة، وأصبح بمقدورنا الحصول على قدركبير من المعلومات لمجرد أنتلمس أيدينا لوحة جهاز الكمبيوتر، كما أن لدينا وعيا أكثر بالقضايا الاجتماعية والسياسية والأخلاقية التي يواجهها العالم اليوم.

الروحانية تعبر عن الشخصية والزكاء الإرادة والمشاعر الإنسانية وتثقف الروح البشرية، وهي أمور معنوية محسوسة أكثر من كونها غير مادية. الروحانية تهتم بمساعدة الإنسان في تحقيق السلام الداخلي من خلال التعرف على الذات وتحقيق الانسجام بين القيم الشخصية والعادات اليومية.  

تطور معنى الروحانية وتوسع عبر الزمن، ويمكن العثور على دلالات مختلفة له مع بعضها فتقليدياً تشير الروحانية إلى عملية إعادة تكوين دينية تهدف لاستعادة الهيئة الأصلية للإنسان. إن العقل البشري مصمم بيولوجيا لإحداث الاتصالات والتفاعل المستمر مع الناس الآخرين، وهو مخزن للأخلاق والمعاني الروحية. تتعلق الروحانية بأحسانا بالرضاء النفس والرخلاء والسعادة القصوى في الحياة. 

الروحانية هي همسة من همسات الله التي تحثنا على التغيير وتعيد ترتيب آثاث عقولنا، وتحررنا من أخطاء الماضي، وتضع أمامنا أهدافا جديدة للحياة. تساعد الروحانية في إعطاء سياق لحياتنا. وليس بالضرورة أن نكون مرتبطين بنظام معتقد معين أو حتى بالعبادة الدينية. ولكنها، تنشأ من اتصالنا مع أنفسنا ومع الآخرين، وتطوير نظام قيم شخصية، والبحث عن مغزى الحياة.

الروحانية هي التي تتيح لنا الفرصة للتعمق في أنفسنا وللتأمل في ذاتنا، والهمنا بأشياء تتعلق بنا وبالآخرين من حولنا. الروحانية هي التي تحررنا من درك الانحاف للطبيعة البشرية الفاسدة وتمتنعنا من ارتكاب الاخطاء وتحثنا على الأعمال الخيرية وتقودنا إلى الانضباط الذاتي الذي هو الطريق إلى الحرية الذاتية.

تأخذ الروحانية بالنسبة للكثيرين في شكل الشعائر الدينية، أو الصلاة أو التأمل أو الإيمان بقوة سامية. وبالنسبة للآخرين، يمكن العثور عليها في الطبيعة أو الموسيقى أو الفن أو المجتمع العلماني. تختلف الروحانية بالنسبة للجميع فبالنسبة الكثير تبدو الروحانية غريبة وغير مقبولة، فهم يتعاملون مع آلامهم من خلال الاستماع الموسقى أو يشغلون أنفسهم كوال الوقت بالأنشطة المختلفة فرارا من معاناة الحياة.

الروحانية هي التي تتوفر الفرصة للنظر في ذاتنا وفي داخلنا، ربما تكون الدرب الذي إلى الاتساع والأمل والطمانية. وهذا النوع من الروحانية أقرب منه للإنسان بقيمه الاجتماعية، العمل الجماعي وقيم التكافل الاجتماعي التي تحفظ التواصل الاجتماعي والتضامن بين المجاميع البشرية، ومقياس الخير والشر مختلف في هذا النوع من الروحانية .

الروحانية تنشر المحبة والسعادة بين البشر، وتزرع الثقة والأمان في نفوس الناس، والقضاء على الفساد وطرق الرذيلة وتقلل من حدّة الفرديّة من خلال ترسيخ قيم التكافل والمساعدة والتعاون والصدق بين أفراد المجتمع، وتدفن الجريمة والتوتر والقلق والخوف من خلال استتاب الأمن داخل المجتمع.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

محمد عبد الكريم يوسفنشاط الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي (ماشاف)

يعتمد الكيان الاسرائيلي منذ نشأته على تحبيب الأخرين به ويحاول دائما أن يقدم نفسه مثالا للدولة العصرية والإنسانية كما يحاول دائما أن ينشر عن نفسه صورة ايجابية مثالية على أنه دولة مظلومة في محيط عدائي ويكرس مفاهيم دولية عن التسامح الإنساني والعدالة الاجتماعية والقانون والتقدم العلمي والعصرية والحضارة والمساعدات الإنسانية وحقوق الإنسان .

ومع إعلان الولايات المتحدة عن سياسة خارجية "أمريكا أولاً" في بداية عام 2003 واتجاهها نحو تخفيض صارم للنفقات الخارجية والمساعدات للمنظمات الإنسانية والدولية  وتقليل التمويل للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، ومع اتجاه الصين لزيادة المساعدات بشكل ملحوظ للعالم النامي فإن حقبة جديدة من المساعدات الإنمائية بدأت  في الظهور على المسرح الدولي . يتزامن هذا التحول الاقتصادي  الكبير مع ما يطلق عليه المنتدى الاقتصادي العالمي اسم "الثورة الصناعية الرابعة". فالإنترنت والذكاء الصناعي ونشوء اقتصاد المعرفة  يساهم في اعادة تعريف التنمية في القرن الحادي والعشرين ، وستكتسب البلدان التي تحتل الصدارة  في عالم  التكنولوجيات الجديدة المبتكرة أفضلية ومنافسة متميزة.

في ظل ظروف عالمية معقدة ومتشابكة ناحية الرؤى والهدف ، استطاع الكيان الاسرائيلي أن يتسلل إلى الساحة الدولية من أوسع أبوابها ويحتل موقعا مهما على هذه الساحة  في مجال الابتكار والتكنولوجيا والرقميات والانترنت والصناعات الدقية والموصلات الفائقة والنانو وغيرها . يعمل الكيان الإسرائيلي ما بوسعه لإعادة تعريف المساعدات الخارجية للغير لأنها وسيلة مميزة لتحسين صورته الدولية . ويستغل الكيان الإسرائيلي خبرته التكنولوجية والمعرفية  والتاريخية في أسلوب فريد بتقديم المساعدات الانمائية للغير وإقامة علاقات مع البلدان الأخرى عبر مصطلح سياسي جديد هو " دبلوماسية التنمية " .

تقدم حكومة الكيان الإسرائيلي المساعدات للغير من خلال منظمة ماشاف MASHAV وهي اختصار للوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي ،وهي إحدى أذرع وزارة الخارجية الإسرائيلية ، وتمثل هذه المنظمة نموذجا " للمساعدات الإنمائية الرسمية " حيث تقدم حكومة الكيان الإسرائيلي ما يكفي من التمويل المالي والمعرفي والتسهيلات لهذه الوكالة للقيام بمشاريع التنمية عبر العالم .

رئيسة وزراء الكيان الإسرائيلي غولدامائير ترقص مع نجينا كيناتا السيدة الأولى في كينيا عام 1963

أسست رئيسة وزراء الكيان الإسرائيلي غولدا مائير الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي (ماشاف) عام 1957 بهدف التسلل و الوصول للأمم الأخرى في أفريقيا وأسيا .  تعمل الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي حاليا جنبا إلى جنب مع  وزارة خارجية الكيان الإسرائيلي ولديها شركاء في أكثر من 132 بلدا في العالم مثل أثيوبيا وفيتنام وغواتيمالا وتركز الوكالة على المجالات الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية والمعرفية التي يمتلك فيها الكيان الإسرائيلي قدرات تنافسية وخاصة في مجالات التكنولوجيا والنانو والمياه والتربية والتعليم والبحوث بمختلف أنواعها . كما تولي الوكالة اهتماما خاصا بتجربتها في الانتقال من كيان مجهول منبوذ عالميا إلى قوة اقتصادية وتقنية ومعرفية عالية .

يعتمد هذا النموذج على استخدام الخبراء الإسرائيليين لبناء القدرات البشرية المناسبة على الأرض وتدريب الجيل القادم من المهنيين في البلدان النامية المستهدفة بما يناسب سياسيات الكيان الإسرائيلي وتعليمهم مهارات تمكنهم من استخدامها في تحسين مجتمعهم وقد دربت الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي ما يزيد على  ثلاثمئة ألف شخص في مختلف المجالات .

التدريب والتكنولوجيا:

لقد استخدم الكيان الإسرائيلي التأهيل والتدريب والتكنولوجيا في اعادة تعريف المساعدات الخارجية الانمائية  من خلال المشروع الزراعي الهندو- إسرائيلي الكبير. لقد بدأ هذا المشروع في عام 2008 بالتعاون بين سفارة الكيان الإسرائيلي في الهند والحكومتين المحلية والوطنية الهندية ووزارة الزراعة الهندية  والوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي . يدرب المشروع الإسرائيلي  عشرين ألف مزارع هندي سنويا  من خلال مراكز تدريب عالية الجودة هدفها خلق التميز الزراعي في الهند. لقد أسست الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي عشرين مركزا في مختلف المدن الهندية تعمل بنشاط وفعالية بالإضافة إلى سبعة مركز إضافية قيد الإنشاء . 

البيوت البلاسيتكية التي تؤسسها الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي ضمن المشروع الهندو- إسرائيلي باستخدام التقنيات الإسرائيلية 100%.

يهدف المشروع إلى زيادة انتاجية المحاصيل الزراعية الهندية باستخدام التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة والاستفادة من خبرات الكيان الإسرائيلي المحددة في الزراعة ، ويتم بناء مراكز استشارية متعددة المهام ومعقدة تأخذ بعين الاعتبار القطاعات المتداخلة التي تحتاجها الهند بخبرات إسرائيلية مثل تطوير النحل وانتاج العسل وزراعة الخضراوات وانتاج الألبان والأجبان .

وهناك جزء من المشروع الهندو- إسرائيلي يركز على استخدام البيانات الدقيقة والحصول عليها وتحليلها باستخدام طائرات من دون طيار مع غيرها من التقنيات والتكنولوجيا الإسرائيلية والتي تساعد في تأسيس معادلات  تحدد الاحتياجات المائية المناسبة  لكل محطة في المزارع. يرى مستشار مجلس الإدارة في المشروع الهندو- إسرائيلي سونيل باريك أن الإمكانيات لاستخدام التكنولوجيا في الزراعة وخاصة نظام الدعم اللوجستي للتزود بالمياه للمشاريع المستهدفة متوفرة بهدف تقليل متطلبات المياه والتكاليف الأخرى التي تدخل في عمليات الانتاج الزراعي  بشكل كبير. 

تأمل حكومة الكيان الإسرائيلي من المشروع الهندو- إسرائيلي أن يؤتي ثماره الدبلوماسية فمن خلال المشروع يستطيع الكيان الإسرائيلي أن يوسع تجارته مع الهند ومن خلالها نحو العالم كما يستطيع إنشاء شركات هندية بتمويل وخبرات إسرائيلية تبيع منتجاتها لدول معادية لإسرائيل , وتستطيع اسرائيل أن تبني تحالفا مستقبليا مع الهند في الشأن السياسي والعسكري واللوجستي . تكشف الحالة الهندية الإسرائيلية الحال التي ستسود العالم في عصر الثورة الصناعية الرابعة . لنتخيل العلاقة بين الهند وإسرائيل . يبلغ عدد سكان الهند حاليا حوالي مليار نسمة  ويبلغ سكان الكيان الإسرائيلي حوالي 8 مليون نسمة  ورغم ذلك فإن القيادة والأركان والتوجيه في العلاقة الهندية الإسرائيلية هي لإسرائيل . وهذا الأمر يطبق على العلاقة بين الكيان الإسرائيلي وباقي دول العالم .

حكاية المساعدات الخارجية الإسرائيلية:

من الواضح للعيان أن استخدام الكيان الإسرائيلي للتكنولوجيا واقتصاد المعرفة  عامل مهم في كيفية تعامل هذا الكيان مع الأخرين عند تقديم المساعدات  الإسرائيلية  للغير . تريد إسرائيل في عصر الثورة الصناعية الرابعة  أن تعيد تعريف دور المساعدات الخارجية التي تقدمها . ويرغب الكيان الإسرائيلي في لعب دور حيوي على الصعيد العالمي  . ونجد لهذا الدور جذورا تاريخية توراتية فالكيان الإسرائيلي يريد أن يسوق لفكرة الدولة اليهودية  ويظهر التزام إسرائيل المطلق بأصدقائها عن طريق المساعدات التقنية والعلمية والمعرفية وتريد لهؤلاء الأصدقاء أن يتبعوها ويدوروا في فلكها . يريد الكيان الإسرائيلي أن يظهر على أنه " نور ومثال حضاري للأمم الأخرى " وهذه العبارة هي أساس الدعوة اليهودية ومن نبوءات كتاب أشعيا التوراتية كما أكد عليه ديفيد بن غوريون في مؤلفاته حيث وصف جهود الكيان الإسرائيلي الدولية على أنها " نجما في السماء يوجه الناس إلى جادة الصواب ." وقد أخذ الكيان الإسرائيلي  وقادته على عاتقهم تحقيق فكرة "النجم الموجه للكون " وجعلها مهمة أخلاقية إسرائيلية  لتكون منارة للعالم .

يمتلك الكيان الإسرائيلي رغبة عارمة في مشاركة تجاربه مع الدول الأخرى لأسباب سياسية متعددة  يأتي في طليعتها الاعتراف بوجوده لأن كل إسرائيلي يشعر أنه يفتقد للجذور ويسعى بكل ما أوتي من قوة لتحقيق الذات . العزلة الدولية خطر يخيف إسرائيل لهذا السبب يسعى الكيان الإسرائيلي للحضور الدولي في مختلف الفعاليات والمعارض والمناسبات ويمارس سياسة العلاقات العامة . يسعى الكيان الإسرائيلي  إلى الوصول إلى حالة "العصر الذهبي للدبلوماسية الإسرائيلية " في أفريقيا  في الستينات والسبعينات من القرن الماضي والوصول إلى العصر الذهبي للدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين في معظم دول العالم .     

تقنيات الري الإسرائيلية  في المناطق الصحراوية والجافة

لقد عمل الكيان الإسرائيلي على استغلال امكانيات صحراء النقب غير الصالحة للزراعة والتي تشكل حوالي خمسين بالمئة من الأراضي الفلسطينية التي يحتلها الكيان الإسرائيلي . وقد طورت شركة شلومو بلاس  تقنيات الري بالتنقيط للإنبات في الظروف الصعبة  عن طريق ايصال قطرات صغيرة وثابته من المياه للنبات تتوجه نحو الجذور مباشرة ويتم إيصالها إلى المحاصيل بأنابيب خاصة  من مصادر المياه ( بحيرات أو خزانات) وقد قادت هذه الطريقة إلى تنمية المحاصيل بطريقة علمية وبتكاليف مقبولة ومستدامة وسجل الكيان الإسرائيلي التجربة على أنها أعلى تقنية ري في العالم من الناحية التقنية واستفادت الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي من  نجاح المشروع بالتسويق له عالميا وتعاقدت مع حوالي مئة دولة لتزويد الأفراد بالتدريب المناسب  على إدارة المياه والري باستخدام التقنيات الإسرائيلية .

لقد وفر الإعلام للكيان الإسرائيلي الفرص المناسبة للتنمية والتعاقد مع الدول الأخرى وقدم له فوائد ملموسة  على المدى القصير والمدى الطويل . لقد شكلت المساعدات الدولية التي يقدمها الكيان الإسرائيلي لدول العالم المختلفة ذراعا مهما لوزارة الخارجية الإسرائيلية في جهودها لتعزيز الوضع السياسي والتجاري والعسكري للكيان الإسرائيلي.

وقد ترجم الكيان الإسرائيلي هذه النشاطات الاقتصادية إلى دبلوماسية  ناجحة في زامبيا في التسعينات فعندما فاز الرئيس فريدريك تشيلوبا في الانتخابات الرئاسية في زامبيا في عام 1991 كان أول إجراء  قام به هو إعادة العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الإسرائيلي . وعندما قدم سفير الكيان الإسرائيلي الجديد لدى زامبيا أوراق اعتماده أخبره الرئيس فريدريك تشيلوبا أن زامبيا تريد من الكيان الإسرائيلي إعادة عمل الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي وقال الرئيس الزامبي أنه  يرغب  في تجديد الأنشطة الاقتصادية الإسرائيلية في زامبيا  في حين أعلن أحد البرلمانيين الزمبابويين أنهم يريدون إعادة الإسرائيليين لأن عشرة خبراء إسرائيليين يقومون بدور عشرة ألاف من المستشارين الأجانب الموجودين حاليا في زامبيا . 

يوضح المثال الزامبي النتائج الدبلوماسية التي يحصل عليها الكيان الإسرائيلي من نشاط الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي التي تزدهر مع مرور الوقت من جهود التنمية المستدامة حيث يتسلل الكيان الإسرائيلي إلى أكثر من مكان في العالم عبر شباك المساعدات الاقتصادية .

يستغل الكيان الإسرائيلي نشاط  الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي لتكريس نفسها عضوا في المجتمع الدولي وتحقيق أهداف سياسية ودبلوماسية من خلال نشاطات اقتصادية متنوعة في التنمية المستدامة تماشيا مع خطط الكيان الإسرائيلي التوسعية على المستوى العالمي لعام 2030 وتطرح الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي قضايا تهم شريحة واسعة من الناس في مختلف المجتمعات  مثل التنمية المستدامة والشاملة والمساواة بين الجنسين والصحة والتعليم والقضايا البيئية والمساعدات الانمائية وتدريب المدربين . يحاول الكيان الإسرائيلي استخدام كل ما يمكنه لطمس قضية فلسطين والتحريض على الدول العربية المعادية للكيان وبناء قاعدة شعبية يمكنها احداث تغيير على المستوى الدولي بالإضافة إلى الحصول على حصة الأسد من النشاط الإنمائي الدولي .

هناك شراكة قوية بين الكيان الإسرائيلي وغانا حيث تشرف الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي على تنمية العلاقات الاقتصادية والسياسية مع غانا عبر توقيع الاتفاقيات المتعددة والشراكات في مجال الصحة والطب والتربية والتعليم والتدريب والزراعة . وقد تم دفع العلاقات مع غانا قدما بعد فتح سفارة الكيان في العاصمة أكرا تبعها افتتاح العديد من القنصليات الإسرائيلية في العديد من المدن الغانية . ويحاول الكيان الإسرائيلي الاستحواذ على مجمل النشاطات الاقتصادية  في هذا البلد .

ويقيم الكيان الإسرائيلي أقوى العلاقات مع السينغال عبر مشروع  تايبا لدعم وتمكين المزارعين الصغار في السينغال للتغلب على مشكلات الزراعة . يعتمد مشروع تايبا على أساس تحويل أفريقيا إلى حديقة زراعية واستخدام التكنولوجيا الحديثة والتقنيات الدقيقة في مجال الري بالتنقيط باستخدام تقنيات الضغط المنخفض للمياه في انبات الخضار والأشجار المثمرة . يقوم مشروع تايبا على أساس تقليل متطلبات اليد العاملة في الري والتعشيب الذي يوفره الري بالتنقيط وتقدم خضار وفواكه عالية الجودة  وتوفير هذه المنتجات على مدار العام.

أما في أسيا فيقيم الكيان الإسرائيلي أفضل العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع فيتنام والهند وتايوان وتايلاند  . تقيم الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي مشاريع عديدة في فيتنام أهمها مزارع انتاج الألبان والأجبان النموذجية  في فيتنام وتقيم الكثير من المشاريع التي لها علاقة بالتجارب العلمية والتطبيقية على هذا القطاع الزراعي وتستثمر فيه الكثير من الأموال وتتركز هذه الصناعات في مدينة هو تشي منه . تقدم الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي الخبرة والمشورة والدعم المالي والتقني لفيتنام للتغلب على المشكلات التي تواجهها في المجال الزراعي والصناعي والتأهيل والتدريب حيث تعتمد على الأسلوب الكثيف والمنتج والاقتصادي  .

وفي تايلاند يستثمر الكيان الإسرائيلي في الكثير من المجالات الزراعية والصناعية والخدمية والسياحة. أما في تايوان فالاستثمار الاسرائيلي يميل نحو القطاع الصناعي والسياحي أكثر من القطاع الزراعي . وفي اليابان ، تستثمر الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي في الميدان المعرفي والتقني والحاسبات والاتصالات  وتكنولوجيا الفضاء كما تقيم مؤسسة جايكا العديد من البرامج مع الكيان الاسرائيلي .

أما في أوروبا الشرقية فيقيم الكيان الإسرائيلي علاقات اقتصادية مع مولدافيا وأوكرانيا ومقدونيا . تركز الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي على الانتشار البطيء والهادئ والتسلل عبر القنوات الاقتصادية لتحقيق الغايات السياسية. وفي أوروبا الغربية يحاول الكيان الإسرائيلي السيطرة الاقتصادية والسياسية على مراكز القرار الأوروبي و الدخول في شراكات مع شركات قطاع الاقتصاد الصناعي الأوروبي مثل فودافون وموتورولا وأريكسون كما تدخل في شراكات عديدة في صناعة الألومنيوم  والألبان والأجبان والحديد والصلب .

وفي أمريكا الوسطى والجنوبية تنشط الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي في الميدان الزراعي والصناعي والخدمي والموارد البشرية وخاصة في كولومبيا وغواتيمالا وتشيلي والباراغوي والأرجنتين وتروج الوكالة لبناء العلاقات السياسية مع الكيان الإسرائيلي.

تمتد خارطة النشاط الاقتصادي الإسرائيلي  إلى الأمم المتحدة حيث وقع السفير الإسرائيلي اتفاق تعاون منذ عام 2016 مع وكالة دعم المرأة التابعة للأمم المتحدة وهي أكبر وكالة أممية تعمل في المجال الإنساني وتقديم المساعدة الاقتصادية للنساء وتحارب العنف الذي تتعرض له المرأة في أكثر من مكان في هذا العالم .  ويساهم في ميزانية المنظمة أكثر من 140 بلدا في العالم وتبلغ المساعدات التي تتلقاها هذه المنظمة حوالي 400 مليون دولار أمريكي وتنص شروط الاتفاق بين الكيان الإسرائيلي والمنظمة الدولية على أن يقدم الكيان الإسرائيلي المساعدة الفنية والتقنية والعلمية والإدارية والارشاد والتدريب لفرق الأمم المتحدة في وكالة دعم المرأة على المستوى الدولي ويحاول الكيان الإسرائيلي تسيس المنظمة لصالحها وبما يخدم تطلعات الكيان الإسرائيلي المستقبلية . يقول السفير الإسرائيلي في المنظمة الدولية : "تمثل الاتفاقية نصرا مزدوجا لإسرائيل لأنها تؤمن لها اعتراف الدولي بقيادتنا لمفهوم المساواة بين الجنسين كما تؤمن لإسرائيل القبول في البرلمان الأممي . "

يحاول كيان إسرائيل أن يسيطر على كل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والمعرفية والتقنية الدولية لتمكين نفسه في حين أنا معظم دول الشرق الأوسط الغنية والفقيرة لا زالت تعاني من أزمة وجود واعتراف وهوية ودين .

فمتى نستيقظ ؟

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

..................................

المراجع

- Ben-Porath, Yoram ed. The Israeli Economy: Maturing through Crises. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1986.

- Chill, Dan. The Arab Boycott of Israel: Economic Aggression and World Reaction. New York: Praeger, 1976.

- Kanovsky, Eliyahu. The Economy of the Israeli Kibbutz. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1966.

- Klein, Michael. A Gemara of the Israel Economy. Cambridge, MA: National Bureau of Economic Research, 2005.

- Michaely, Michael. Foreign Trade Regimes and Economic Development: Israel. New York: National Bureau of Economic Research, 1975.

- Ram, Uri (2008). The Globalization of Israel: McWorld in Tel Aviv, Jihad in Jerusalem. New York: Routledge. ISBN 0-415-95304-9.

- Seliktar, Ofira (2000), "The Changing Political Economy of Israel: From Agricultural Pioneers to the "Silicon Valley" of the Middle East", in Freedman, Robert (ed.), Israel’s First Fifty Years, Gainesville, FL: University of Florida Press, pp. 197–218.

- Senor, Dan and Singer, Saul, Start-up Nation: The Story of Israel's Economic Miracle, Hachette, New York (2009) ISBN 0-446-54146-X

- Rubner, Alex. The Economy of Israel: A Critical Account of the First Ten Years. New York: Frederick A Praeger, 1960.

- Aharoni, Sara; Aharoni, Meir (2005), Industry & Economy in Israel, Israel books.

- Maman, Daniel and Rosenhek, Zeev. The Israeli Central Bank: Political Economy: Global Logics & Local Actors. Routledge, 2011.

- The Global Political Economy of Israel

-  "Report for Selected Countries and Subjects". International Monetary Fund. April 2018. Retrieved 19 April 2018.

- Jump up to:a b c d e "The World Factbook- Israel". Central Intelligence Agency. Retrieved 12 May 2018.

- name="CIA World Fact Book - Israel"

- "Israel: a divided society". Israel: High voter turnout results in setback for Netanyahu. 23 January 2013. Retrieved 23 January 2013.

- "Israel Central Bureau of Statistics". Central Bureau of Statistics. Archived from the original on 27 May 2015. Retrieved 27 May 2015.

- "Israel: Trade Statistics". Global Edge. Retrieved 18 March 2013.

- "Ease of Doing Business in Israel". Doingbusiness.org. Retrieved 3 November 2018.

- Jump up to:a b c "Israel Country Profile". CIA World Factbook. Retrieved 3 March 2018.

-  Jump up to:a b "Israel". OEC.

-  "Exports Partners of Israel". CIA World Factbook. 2017. Retrieved 22 May 2019.

-  "Imports Partners of Israel". CIA World Factbook. 2017. Retrieved 22 May 2019.

- "Credit scoring agency gives Israel its highest-ever rating". Retrieved 10 August 2018.

-  "Credit Rating - Moody's". moodys.com. Archived from the original on 10 February 2018. Retrieved 10 August 2018.

- Editorial, Reuters. "Fitch Affirms Israel at 'A+'; Outlook Stable". U.S. Retrieved 10 August 2018.

- "יתרת המטבע הזר של ישראל בסוף יולי: 115.78 מיליארד דולר". www.maariv.co.il. Retrieved 19 January 2019.

- Jump up to:a b c Chua, Amy (2003). World On Fire. Knopf Doubleday Publishing. pp. 219–220. ISBN 978-0385721868.

- "Economy of Israel" in CIA 2011 World Factbook, web:CIA-IS.

- Bounfour, Ahmed; Edvinsson, Leif (2005). Intellectual Capital for Communities: Nations, Regions, and Cities. Butterworth-Heinemann. p. 47 (368 pages). ISBN 0-7506-7773-2.

- Richard Behar (11 May 2016). "Inside Israel's Secret Startup Machine". Forbes. Retrieved 30 October 2016.

-  Krawitz, Avi (27 February 2007). "Intel to expand Jerusalem R&D". The Jerusalem Post. Retrieved 20 March 2012.

- "Microsoft Israel R&D center: Leadership". Microsoft. Archived from the original on 13 March 2012. Retrieved 19 March 2012. Avi returned to Israel in 1991, and established the first Microsoft R&D Center outside the US ...

- Jump up to:a b Shelach, Shmulik (14 December 2011). "Apple to set up Israel development center". Globes. Retrieved 10 February 2013.

- Jump up to:a b Shelach, Shmulik (10 February 2013). "Apple opens Ra'anana development center". Globes. Retrieved 10 February 2013.

- Jump up to:a b "Berkshire Announces Acquisition". New York Times. 6 May 2006. Retrieved 15 May 2010.

- Jump up to:a b "OEC - Israel (ISR) Exports, Imports, and Trade Partners". atlas.media.mit.edu. Retrieved 19 January2019.

- Jump up to:a b Buck, Tobias (31 August 2012). "Field of dreams: Israel's natural gas". Financial Times Magazine. Retrieved 2 September 2012.

-  "What a gas!". The Economist. 11 November 2010.

-  David Adler (10 March 2014). "Ambitious Israeli students look to top institutions abroad". ICEF. Retrieved 20 January 2015.

- Jump up to:a b Karr, Steven (24 October 2014). "Imagine a World Without Israel - Part 2". Huffington Post. Retrieved 29 October 2016.

- Chua, Amy (2003). World On Fire. Knopf Doubleday Publishing. p. 31. ISBN 978-0385721868.

- Jump up to:a b "The Intellectual Capital of the State of Israel"(PDF). State of Israel Ministry of Industry, Trade, and Labor. November 2007. p. 27. Retrieved 18 March 2013.

- "Israel's technology cluster". The Economist. 19 March 2008. Retrieved 17 October 2012.

-  Dolmadjian, Katia (28 June 2011). "Israeli innovators build new 'Silicon Valley'". Agence France-Presse. Retrieved 17 October 2012.

- Jump up to:a b c "FUNDING THE FUTURE: Advancing STEM in Israeli Education" (PDF). STEM Israel. 4 December 2012. Archived from the original (PDF) on 15 May 2013. Retrieved 18 March 2013.

- "Carlos Slim investing 60 million dollars in an Israeli startup". Israel News. Retrieved 12 April 2015.

- Ora Coren. "Mexican mogul Carlos Slim eyes investments in Israel". Haaretz. Retrieved 12 April 2015.

- "Carlos Slim: We want to invest more in Israel". Globes. 28 November 2013. Retrieved 12 April 2015.

- "Donald Trump Plans World-Class Golf Course in Israel". Algemeiner. 17 May 2013. Retrieved 9 August2013.

- Allison Kaplan Sommer (2 December 2002). "Microsoft's Bill Gates: Israel is a vital resource for us". Israel 21. Retrieved 9 August 2013.

- Maya Shwayder (15 January 2013). "Donald Trump, Big In Israel, Endorses Prime Minister Benjamin Netanyahu". IB Times. Retrieved 9 August 2013.

-  "Bill Gates pledges new investment in Israel". Wis TV. 26 October 2005. Archived from the original on 1 November 2013. Retrieved 9 August 2013.

- "Donald Trump to U.S. – "You're fired!"". Wise Money Israel. 21 June 2013. Retrieved 9 August 2013.

-  David Lev (2 May 2013). "Buffett: Israel a Top Place for Ideas, Investments". Israel National News. Retrieved 9 August 2013.

- "Israeli Business Investments". Israeli Business Investment.com. Archived from the original on 2 July 2013. Retrieved 9 August 2013.

-  Jump up to:a b "Israel's accession to the OECD". Organisation for Economic Co-operation and Development. Retrieved 15 October 2012.

- Israel's Free Trade Area Agreements, IL: Tamas, archived from the original on 3 October 2011, retrieved 8 September 2011

-  "Israel signs free trade agreement with Mercosur". Israel Ministry of Foreign Affairs. 19 December 2007. Retrieved 15 October 2012.

- Jump up to:a b Yan (3 January 2018). "Israel sees record 3.6 mln inbound tourists in 2017". Xinhua.

-  Jump up to:a b Amir, Rebecca Stadlen (3 January 2018). "Israel sets new record with 3.6 million tourists in 2017". Israel21.

-  Jump up to:a b Raz-Chaimovich, Michal (27 December 2017). "Record 3.6m tourists visit Israel in 2017". Globes.

- Jump up to:a b "Israel Sees Record 3.6 Million Tourists in 2017". Atlanta Jewish Times. 4 January 2018. Archived from the original on 11 January 2018.

-  Baten, Jörg (2016). A History of the Global Economy. From 1500 to the Present. Cambridge University Press. p. 227. ISBN 9781107507180.

-  The political economy of Israel: From ideology to stagnation, Yakir Plessner, p.72. Google Books. Retrieved on 8 September 2011.

- "The Seventh Dominion?". Time. 4 March 1929. Retrieved 24 May 2007.

-  Smith, Barbara Jean (19 January 1993). "The Roots of Separatism in Palestine: British Economic Policy, 1920-1929". Syracuse University Press. Retrieved 19 January 2019 – via Google Books.

- Tsur, Doron. (12 October 2010) "When the guns fell silent", Haaretz. Retrieved on 8 September 2011.

- Jump up to:a b c "Textiles", Jewish Virtual Library. Retrieved on 8 September 2011.

-  "City of Work and Prosperity": The Levant FairArchived 24 December 2013 at the Wayback Machine

-  Jump up to:a b הויכוח סביב הסכם השילומים (in Hebrew). Archived from the original on 17 December 2011. Retrieved 15 October 2012.

- "ORGANIZATIONS: Dollars for Israel". Time. 21 January 1957.

- Mark, Clyde (12 July 2004). "Israel: US Foreign Assistance" (PDF). Congressional Research Service. Retrieved 19 July 2012.

- The Challenge Of Israel by Misha Louvish

- Israel: A History by Anita Shapira

- Eleventh Knesset. Knesset.gov.il. Retrieved on 8 September 2011.

- Bruno, Michael; Minford, Patrick (1986). "Sharp Disinflation Strategy: Israel 1985". Economic Policy. 1 (2): 379–407. JSTOR 1344561.

-  Israel's Economy: 1986–2008, Rafi Melnick and Yosef Mealem

-  Fischer, Stanley (1987). "The Israeli Stabilization Program, 1985-86". The American Economic Review. American Economic Association. 77 (2): 275–278. JSTOR 1805463.

-  Sherwood, Harriet (17 August 2011). "Israel's former Soviet immigrants transform adopted country". The Guardian. Retrieved 25 February 2018.

-  De Boer, Paul; Missaglia, Marco (September 2007). "Economic consequences of intifada: a sequel" (PDF). Econometric Institute Report. Erasmus University Rotterdam. Retrieved 15 October 2012.

- "Israeli Growth", Dateline World Jewry, September 2007

-  / Middle East / Arab-Israel conflict – Israeli economy shrugs off political turmoil. Financial Times (7 May 2007). Retrieved on 8 September 2011.

 

 

 

رائد جبار كاظمبات من الضروري بعد مرور عقد ونصف على التجربة السياسية الديموقراطية الجديدة في العراق ما بعد التغيير 2003، أن يتم تقييم تلك التجربة من قبل الباحثين والدارسين ودراستها دراسة تقويمية جادة، وبيان حسناتها وسيئاتها ومدى نجاحها أو أخفاقها في الواقع السوسيو سياسي العراقي،  وما تحقق من تلك التجربة على أرض الواقع وفقاً للنظام والفكر الديموقراطي وأسسه الفلسفية والقانونية والدستورية، وهل كانت تلك التجربة مثالاً ديموقراطياً ناجحاً يحتذى في المنطقة من قبل الدول والمجتمعات العربية والاسلامية، أم كانت تلك التجربة مجرد شعارات وخطابات فارغة دون مضمون أو معنى يذكر؟

تسعى الكثير من شعوب ودول العالم الى تبني الديموقراطية كنظام حكم ناجح ومتقدم ويحترم الحريات والحقوق، متخذة من الدول الديموقراطية مثالاً يحتذى لغرض تطبيقه في مجتمعاتها، ناسية أن لمجتمعاتها خصوصية وهوية جوهرية تختلف عن طبيعة المجتمعات الغربية التي ناضلت من أجل التخلص من الحكم المطلق والوصاية والحكم الثيلوجي، بينما يقبع المجتمع العربي تحت سطوة الثيلوجيا والمثيلوجيا والوصاية المطلقة للحكام، كما أن الديموقراطية بصورتها الغربية قد تعرضت للتشويه والانحراف، مما جعل عملية نقدها هدف الكثير من الدارسين والباحثين، يقول آلان تورين: (في الوقت الذي ترتفع فيه أصوات كثيرة معربة عن البهجة بأنتصار الديمقراطية وتعتقد أن العالم بكامله أعتمد نموذجاً سياسياً وحيداً، هو نموذج الديمقراطية الليبرالية، علينا خلافاً لذلك، أن نعرب عن القلق حيال حالة الضعف التي أصابت الفكرة الديمقراطية، وحيال فقدانها لمعناها)(1)

ونحن اليوم أمام صعوبة وأختبار ديمقراطي تاريخي كبير، اما نجاح واما فشل، ولا وسط بين الخيارين، ولكن واقعنا وتاريخنا لا يدل على نسبة نجاح ما في عملية الديمقراطية، وهذا ليس تشاؤماً وسوداوية بل هو أمر واقعي تاريخياً وحاضراً، وهذا ما دعا أحد الباحثين للقول: (ولعلنا من الامم النادرة المستباح حرمها الوطني بالرجالات والطروحات والولاءات غير العراقية منذ التأسيس الحديث للدولة العراقية وليومنا هذا...ألم نستورد الولاء والذوبان بالآخر القومي والاسلامي والاممي على حساب الولاء والذوبان لما هو عراقي فكراً وخصوصية ورمزاً وحزباً؟ ان واقعاً مخترقاً ومهجناً كهذا لا يمكن أن تستقيم معه هوية أو أن تقوم على اساسه دولة أو أن ينهض به مجتمع أو أن يضطرد من خلاله تقدم، بل هو أقصر طريق للفشل والانقسام والتناحر، وأقرب للتفتت والتبعية والارتماء في أحضان الغير وهذا ما نجني ثماره الآن، فالولاء للعراق قيماً وأمة وأرضاً ومصالحاً ..هو آخر ما تجد له مصداقاً حقيقياً في مناخات وعينا السياسي أو في تضاريس أنظمتنا وبرامجنا العلمية، وها قد أعادتنا هذه العوامل مجتمعة الى المربع الاول لننسج أوائل خيوط الولاء للوطن والامة والدولة، ويا لها من مهمة تنوء بها العصبة أولي القوة...في الفكر والهمة والاخلاص.) (2)

وهذا يدل على خلو التجربة الديمقراطية في العراق من أي تأسيس فكري أو فلسفي أو سياسي أو ثقافي وعدم وجود ستراتيجية للتحرك والبناء والتنظير، والأتكاء على العشائرية والطائفية والقومية وغيرها من الهويات الفرعية لتحقيق مصالح الاحزاب والتيارات السياسية المشتركة في العملية السياسية، ونحن هنا أمام كارثة سياسية واجتماعية كبرى، فلا نحن نعتمد على تجارب الدول الديمقراطية الحاكمة في العالم، ولا نحن لدينا ديمقراطية خاصة بنا من بناة أفكارنا وواقعنا ومفكرينا، فلا نحن منتجين للديمقراطية ولا نحن مقلدين ومستهلكين نحسن الاتباع والتقليد، ولذلك فنحن دائماً ما نخسر الافكار الجميلة والسليمة، لأننا بسلوكنا المشين نشوه الافكار والنظريات ونمسخها ونسقط قيمتها تماما وان كانت ذات معنى ومغزى عالمي وانساني، لأننا لا نعرف جوهر الافكار ولا قيمتها التداولية بين المجتمعات والأمم. كما أننا نفصل الفصل التام بين الافكار الديمقراطية وواقعها ولحظتها الزمكانية، متناسين عملية الشراكة الحقيقية بين الفرد والمجتمع، والظروف الواقعية التي تتحكم بالانسان، وكما يقول أريك فروم فـ (اذا اردنا أن نفهم ديناميات العملية الاجتماعية علينا أن نفهم ديناميات العمليات السيكولوجية العاملة داخل الفرد على نحو ما أردنا أن نفهم الفرد فأنه يتوجب علينا أن نراه في سياق الحضارة التي تشكله).(3)

وهذا ما يدل على التناقض الكبير بين سايكلوجية وواقع الفرد العربي عامة والعراقي خاصة، وبين الأفكار السياسية المتمناة المطروحة على الساحة السياسية، التي تحتاج الى وقت طويل للانسجام بين التنظير والممارسة اذا ما تم تطبيقها بصورتها الصحيحة على الطبقة السياسية قبل أن تنزل الى الشارع والناس، وهذه العلاقة الوثيقة بين طبيعة الفرد والمجتمع لها أثر بالغ في سيادة نمط الحكم وشكل الدولة في أي بلد كان، وطبيعة الفرد والمجتمع العراقي غير محددة ومتقلبة بين فترة وأخرى، وهيمنة الكثير من السلطات والمؤثرات على سايكولوجية الفرد والجماعة، مما يجعل تحركهما بحرية ووعي ومسؤولية مباشرة دون أي هيمنة تذكر أمر صعب جداً، وكما يقول المفكر العراقي حسام الآلوسي: (ان بلداً لم يزاول الديمقراطية بهذه المواصفات والاشتراطات، بل وحتى بأقل منها وبدون الكثير منها مثل العراق، يصبح الحديث فيه عن ديمقراطية زولت أو في طريق المزاولة ضحكاً على الذقون، لأنها نمط حياة ، بل هي ثمرة نمط حياة، يزاول أهلها الحوار ويتميزون بالمرونة الفكرية ويحترمون الاختلاف.).(4)

فالحرية والوعي أمر مهم جداً في الممارسة الديمقراطية في أي مجتمع كان، لأن الديمقراطية ليست آليات أنتخابية فقط نجريها من خلال التصويت وصندوق الأقتراع فقط، فهذا وحده ليس كافٍ لأنتاج وخلق مجتمع ديمقراطي، والديمقراطية هي أيضاً ليست عقاراً أو دواءً يعطى لأي فرد ليكون ديمقراطياً في سلوكه وتحركه،  فـ(الديمقراطية عندما تتحقق في فضاء المجتمع، فانها تحتاج أيضاً الى أبيها وأُمها، بمعنى أنها تحتاج الى العقلانية وتحتاج أيضاً الى المعنوية...وعندما نطرح الديمقراطية والمعنوية فاننا في الواقع لا نحتاج الى الموسسات الديمقراطية في الواقع المجتمعي فحسب، بل نحتاج الى الجانب "الخفي" من الديمقراطية، أي لابد أن نعيش الديمقراطية في باطننا وضمائرنا لا المؤسسات الخارجية فقط، فباطننا ونفوسنا وضمائرنا يجب أن تكون نفوس وضمائر ديمقراطية، فالمؤسسة الديمقراطية تعني مؤسسة أخلاقية، وتعني مؤسسة معنوية، والاشخاص الذين يعيشون في باطنهم الديمقراطية يعني أنهم يشعرون في باطنهم بالمحبة والمودة للناس).(5)

من خلال البحث والدراسة والاطلاع ومعايشة الواقع السوسيو سياسي العراقي خلال السنوات الماضية من عمر التجربة الديمقراطية في العراق ما بعد مرحلة التغييرمنذ  2003 حتى يومنا هذا يتضح لنا ما يلي:

1ـ الفصل التام والتناشز الكبير بين ما هو فلسفي وفكري من مبادىء الديمقراطية وأصولها  وما هو دستوري وقانوني وبين ما هو ممارس ومطبق فعلياً على أرض الواقع.

2ـ الطابع الشكلي والروتيني الظاهر لشكل الديمقراطية والحكم في مؤسسات الدولة العراقية، أو ما يمكن تسميته بـ (الديمقراطية الشكلية)، التي لا مضمون لها ولا جوهر، مما يجعلها هجينة ومشوهة عن نسخ وصور الديمقراطيات المتداولة في العالم.

3ـ غياب مبادىء الديمقراطية وسلوكها من قبل الطبقة الحاكمة والطبقة المحكومة، والتبجح اعلامياً بأننا دولة ديمقراطية قد سبقنا غيرنا من الدول في المنطقة، ولكن واقع الحال يدل على التشظي والتقسيم الذي أصاب بلدنا والمنطقة، وأخفاق أمريكا ومن معها في نشر الديمقراطية عالميا، بسبب التناقض التام بين سياستها وسلوكها الواقعي وما تدعو له من أفكار ونظريات.

4ـ الصورة المشوهة والقبيحة للديمقراطية بنسختها العربية، التي تختلف تماماً عن النسخة الغربية، وهذا يدلنا على عدم مصداقية الغرب في محاولته لدمقرطة العالم وانما لخلق أسواق عالمية لترويج بضاعته وتطبيق اقتصاده الحر وأمتصاص ثروات الشعوب وأموالها.

5ـ التناقض الكبير الحاصل بين أفكار الاحزاب ومتبنياتها الأيديولوجية من جهة والفكر الديمقراطي من جهة أخرى، فليس كل من هو داخل العملية السياسية مؤمن بالفكر الديمقراطي، بل هو مجبر عليها كونها مظلة سياسية توفر له منافع ومكاسب شخصية وحزبية ولذلك فهو متشبث بها أيما تشبث، فنحن مثلاً نجد التناقض الصريح بين مبادىء الاحزاب الدينية والديمقراطية، والصراع الكبير بين الفكرين، ولكن لمصلحة الاحزاب الدينية الاسلامية الذاتية خلقت نوعاً من التقارب والمودة الزائفة.

6ـ ليس للديمقراطية في العراق على المستوى الفكري والفلسفي والسياسي من منظرين ومفكرين ورجال سياسة، بل هي فُرضت علينا بارادة خارجية، كما أن الاحزاب السياسية العراقية ليس لديها برامج عمل واضحة وجادة تدعو لها، ولا توجد هناك فلسفة ومسار لنظام الحكم الديمقراطي في العراق ما بعد التغيير.

7ـ ليس هناك خطاب سياسي وطني موحد يُلزم الجميع ويعبر عن روح الوطن والمواطن العراقي، وعلو صوت الهويات الفرعية والثانوية لمكونات الشعب من دينية وأجتماعية وقومية وعشائرية دون ادنى ألتفات للهوية الوطنية. مما أنتج خطاب العنف والكراهية والتطرف داخل البلد وبين مكونات الشعب وادخال البلد في أتون حروب أهلية وطائفية وقومية مقيتة كلفت الكثير من الخسائر في الأرواح والثروات.

8ـ ليس هناك تطبيق سياسي وقانوني صحيح وجاد لبنود الدستور العراقي، ومحاولة القفز والتحايل عليه من قبل االطبقة السياسية الحاكمة وتفسيره وفق أهوائها المصلحية الخاصة بها.  والمتداول فكرياً وقانونياً في النظام الديموقراطي هو أن السلطات الثلاث يجب أن تكون منفصلة، ولكن واقع الحال في العراق انها ليست مستقلة ومسيسة في آداء واجباتها.

9ـ مستقبل الديمقراطية في العراق لا يبشر بخير، لأن واقعها سيء جداً لا يليق بحجم وحال الفرد والمجتمع العراقي ولا يطابق فعل الانظمة السياسية الديمقراطية الحاكمة في العالم، وهيمنة الطبقة السياسية على مقدرات البلد والتفرد بذلك، وعدم مراعاة حقوق المواطنين وتنفيذ الخدمات التي يطمح اليها.

10ـ عدم الاستقلال والسيادة في الحكم والادارة واتخاذ القرارات السياسية للبلد من قبل المسؤولين وقادة الاحزاب والساسة، وسيطرة دول الجوار المؤثرة ودول العالم في صياغة القرار والتدخل الواضح في قيادة البلد ورسم سياسته، والضغط السافر على الطبقة الحاكمة في تحقيق اجنداتهم المرسومة سلفاً من قبل الخارج.

11ـ حقيقة الأمر أن الواقع المرتبك والمتناشز للديمقراطية في العراق سببه طبيعة المجتمع العراقي من حيث تعدد أنتمائه وتشظي هوياته بين قبلية ودينية ومذهبية وقومية وحزبية وتعصبه الأعمى وتخندقه الفئوي والمحاصصة الحزبية والمناطقية، وغياب الهوية الوطنية والمواطنة التي تحترم كل الهويات والتنوعات بمختلف أشكالها دون تمييز.

وما جاء في اعلاه من نقاط تشخص واقع التجربة الديمقراطية السيئة في العراق لا تتحمله جهة سياسية او حزبية او اجتماعية واحدة، بل يتحمله الجميع ممن شارك في الحكم وادارة الدولة وصناعة القرار من كافة مكونات الشعب وفئاته من الشمال الى الجنوب ومن الشرق الى الغرب، وضاع حق ودم بلدنا بين الاحزاب والتيارات السياسية والمتنفذة، تحت ذريعة الديمقراطية والتغيير، دون وجود أدني أثر يدل على الحكم الديمقراطي وثماره الايجابية، بل أسُتغلت الديمقراطية أبشع أستغلال لصالح الطبقة الحاكمة والاحزاب المتنفذة وتحقيق مآربها ومنافعها وتعويض ما فاتهم من أموال وأحوال وخدم وحشم ومناصب، اما الشعب فقد عاش في أحلام وردية في ظل مبادىء ديموقراطية مشوهة وزائفة .

كما أن هذه النقاط النقدية هي محاولة لتقييم التجربة الديمقراطية في العراق خلال المدة التي قضيناها في ظلها، من أجل تلافي تلك الأخطاء والأخطار التي تهدد واقع الديمقراطية في العراق ومستقبلها السياسي والاجتماعي، ولدرء تلك السلبيات الكبيرة والمحافظة على تلك التجربة الجديدة والفريدة وعدم خسارتها ينبغي العمل الجدي والفاعل والصادق لترميم تلك التجربة المرضية المتهالكة الواضحة للعيان وتقديم البديل والصحيح في رسم مسار ومسيرة العملية السياسية في العراق، وأعتماد النظر الفلسفي والمنهج العلمي والتشخيص الواقعي للنظام الديمقراطي والسلوك السياسي المنسجم وخطوات وضوابط وشروط ذلك النظام المتبع من قبل الدول والحكومات الناجحة، والتي نقلت بلدانها الى مصاف الدول المتقدمة في السياسة والاقتصاد والأمن والتنمية والعمران والتربية والتعليم، وهذا ما نتمناه في بلدنا الذي لم ير النور لحد الآن، وفي أي من هذه المجالات المتعددة لاحداث نقلة كبيرة تجعلنا نرفع القبعات للديمقراطية ولمن يمثلها والقائمين عليها في هذا البلد الجريح.

 

د. رائد جبار كاظم

........................

(1) آلان تورين. ما الديمقراطية؟ دراسة فلسفية. تر: عبود كاسوحة. وزارة الثقافة السورية. دمشق. ص323.

(2) حسين درويش العادلي. المواطنة.. المبدأ الضائع. 2004. سلسلة الديمقراطية للجميع. بغداد. دار الصباح للصحافة والطباعة والنشر. ص 5.

(3) ايريك فروم. الخوف من الحرية. تر: مجاهد عبد المنعم مجاهد. ط1. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت ـ لبنان.  1972.المقدمة. ص 10.

(4) حسام الآلوسي. في الحرية مقاربات نظرية وتطبيقية. ط1. دار النهضة العربية وبيت الحكمة العراقي. بيروت ـ لبنان. 323ـ324.

(5) مصطفى ملكيان. مقالات ومقولات في الفلسفة والدين والحياة. تر: أحمد القبانجي. ط1. مؤسسة الانتشار العربي. بيروت ـ لبنان. 2013. ص99.