علاء اللاميالعصر البرونزي هو الذي توصل فيه الإنسان القديم إلى صناعة السبائك المعدنية بمزج أملاح النحاس بالفحم النباتي؛ ثم يُخلَط النحاس الخام بالقصدير. لم يبدأ هذا العصر بداية واحدة في مختلف القارات، فهو إذا كان قد بدأ - وفق أغلب التقديرات- في "الشرق الأوسط" الآسيوي منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد وحتى سنة 1200 ق.م، فإنه لم يبدأ في أوروبا عموما إلا بعد ذلك بخمسة قرون تقريبا.

وقد شهد العصر البرونزي ظهور أولى الحضارات الإنسانية في آسيا وأفريقيا؛ فخلال هذا العصر ظهرت أقدم حضارتين إنسانيتين في بلاد الرافدين بآسيا ووادي النيل بأفريقيا. وقبل الميلاد بثلاثة آلاف سنة، ظهرت الكتابة المسمارية في جنوب بلاد الرافدين -العراق القديم - وبعدها بعدة قرون ظهرت الكتابة الهيروغليفية في وادي النيل.

في العصر البرونزي، كانت البلاد التي نسميها اليوم "فلسطين"، تشهد نهايات عصر نمط حياة الصيد والالتقاط والترحال، فيما يعود ظهور الإنسان على أرضها إلى عهود سحيقة أقدم. وشهِد هذا العصر في عهده الأقدم بدايات مرحلة التمركز السكاني ونشوء التجمعات البشرية الثابتة نسبيا، والانتقال إلى نمط حياة القرى المحصنة؛ ثم "دول المدن". وتشذُّ مدينة أريحا عن هذا التزمين، فقد عاشت هذا الطور قبل العصر البرونزي بعدة آلاف من السنوات ثم اندثرت ثم عادت الى الوجود مجددا. وكان أغلب الخبراء والباحثين يرجحون أن أولى الهجرات الجزيرية "السامية" إلى هذه البلاد هي الهجرة الكنعانية التي حدثت بحدود القرن الخامس والعشرين ق.م. غير أنَّ هناك باحثين بدأوا بمراجعة فكرة الهجرات الجزيرية هذه، وتوصل بعضهم إلى إنكار حدوثها أو التحفظ عليها؛ كما سنبين بعد قليل.

 إنَّ المعطيات التي ظلت متداولة طوال القرن الماضي، تقول إنَّ العصر البرونزي القديم يمتد من 3300 وحتى 2000 ق.م، وخلال الألف الثالث قبل الميلاد، هاجر العموريون "الأموريون" والكنعانيون، وكذلك اليبوسيون والفينيقيون، إلى فلسطين وعموم الإقليم الذي نطلق عليه اليوم بلاد الشام، حيث استقر الكنعانيون في سهول فلسطين، وتركز العموريون في الجبال، واستقر اليبوسيون في القدس وما حولها؛ وهم الذين أنشأوا مدينة القدس وسمّوها في البداية "يبوس"، ثم "أورسالم- أورساليم". أما الفينيقيون فاستقروا في الساحل الشمالي لفلسطين صعودا إلى الساحل في ما نسيمه اليوم "لبنان".

غير أن هذه المعطيات التي اكتسبت نوعا من الشيوع والاستقرار الأكاديمي النسبي لزمن طويل أثارت في السنوات الماضية العديد من التحفظات، وأجريت عليها العديد من التعديلات الجوهرية في اتجاهين رئيسين:

*الاتجاه الأول ينحو منحى التقليل من أهمية اليبوسيين في بناء القدس أو نفيها تماما. فالباحثان الآثاريان الفلسطينيان د. عيسى الصريع و د. هاني نور الدين يذهبان إلى أن المصدر الوحيد الذي ذكر اسم اليبوسيين ودورهم في القدس هي التوراة، والتي لا يعول عليها ككتاب تأريخي موثوق، وهذا هو السبب الأول. أما الثاني، فهو عدم العثور على أي أثر أو سند أركيولوجي مكتوب أو غير مكتوب يؤكد ما ذهبت إليه التوراة حول اليبوسيين في الوقت الذي وجدت فيه أدلة من هذا النوع تؤكد وجود الكنعانيين وهويتهم/ برنامج علمي تلفزي بعنوان "عين على القدس" بثه التلفزيون الأردني في 05.10.2015. ويستنتج الباحثان من هذه المقدمات، أن الكنعانيين الذين تأكد وجودهم من خلال الآثار المصرية الفرعونية والرافدينية والشامية لذلك العصر هم بناة أورشليم القدس، وهم مَن أطلقوا عليها هذا الاسم. ويستدركان، بأن اليبوسيين وملكهم المذكور في التوراة "ملكي صادق" ربما كانوا مجرد أسرة أو عشيرة صغيرة من أولئك الكنعانيين الأوائل. بل أن د. الصريع يذهب أبعد من ذلك، وينفي حصول هجرة كنعانية من الجزيرة العربية إلى منطقة القدس، ويعتبر الكنعانيين قوما من السكان الفلسطينيين الأصليين هويةً ووجودا سكانيا، وقد تطوروا ذاتيا بمرور العهود. ويعلل احتمال عدم حصول هجرة كنعانية من الجزيرة بأسباب بعضها وجيه علميا. ومن تلك الأسباب قوله، إن المناطق التي وجد فيها الكنعانيون، أي في محيط تلال القدس، ليس فيها ما يجذب المهاجرين من مسافات بعيدة، كالمياه الوفيرة والزراعة المستقرة وتربية الحيوان، فالمنطقة المقصودة كانت شبه جرداء وصعبة طوبوغرافيا وجافة مناخيا. ويفسر د. الصريع تعاظم دور الكنعانيين ووزنهم التاريخي لاحقا، بما يسميه "التطور الذاتي" للأقوام الفلسطينية التي كانت تعيش ضمن إطار الثقافة الغسولية. أما د. هاني نور الدين، الذي يتفق كثيرا مع زميله الصريع في ما ذهب إليه، فيسمي هذا العامل "التراكم الحضاري" لمجموعات السكان الأصلية في تلك المنطقة.

أما الاتجاه الثاني لتلك المراجعات والتعديلات على الأفكار السائدة بخصوص القدس في العصر البرونزي، فهو الذي عبر عنه الباحث العراقي خزعل الماجدي في كتابه "تاريخ القدس القديم"، الصادر سنة 2017. فقد اعتبر الماجدي أن فلسطين كانت في العصر البرونزي المبكر أمورية من حيث سكانها وهويتها الأساسية، وأن الأموريين هم الذين بنوا العديد من المدن في وسط فلسطين، وخصوصا في تلال القدس، ومنها مدينة أورسالم على جبل أوفل.

ومن الأفكار المهمة والتخمينات التحليلية الجديرة بالتمعن والتمحيص والإسناد الآثاري التي يطرحها الماجدي اعتقاده (أن الصخرة المقدسة لبيت المقدس، والتي بنى فوقها الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان قبة الصخرة، كانت مقدسة عند الكنعانيين بصفة عامة، ثم عند اليبوسيين بصفة خاصة "..." ورغم أن هذه الصخرة كانت خارج مدينة القدس الكنعانية، وعلى مرتفعات موريا، ولكنها كانت مقدسة مثل جبل موريا نفسه. وتروي الأخبار أن ملكي صادق، كاهن وملك القدس الثانية، كان يقدم الأضاحي والقرابين ويقوم بالطقوس الدينية عند هذه الصخرة. ص 86). وليت الباحث توقف عند تلك الأخبار بشيء من التفصيل والتوثيق؛ لكان ذلك مفيدا وذا دلالة. أما بخصوص الجذور الأقدم لهيكل سليمان في الرواية التوراتية، يسجل الماجدي أن (تقديس الإله شاليم ظل قائما في القدس اليبوسية باعتباره إله المدينة وحاميها، ولكننا لا نعرف على وجه الدقة مكان هيكل شاليم وفيما إذا جدد بناؤه أم لا في العصر البرونزي المتأخر. ص 130). لافتا الانتباه إلى أن علينا (أن نتحاشى اللبس الشائع والخطير الذي يمثله ارتباط "صهيون" باليهود وإسرائيل وغير ذلك، لأن صهيون لا علاقة له مطلقا في بداياته بهؤلاء الذين لم يكن لهم وجود حين أطلقت هذه التسمية على الجبل، فـ"صهيون" اسم كنعاني أيضا، ولكن اليهود الذين مازال على ظهورهم ألف سنة سرقوا هذا الاسم واعتبروه جزءا من تراثهم في مدينة القدس مثلما سرقوا هيكل شليم واعتبروه هيكل سليمان وأصبح مركز عقيدتهم. ص133). ثم يوضح الباحث جذور تسمية "صهيون" ويؤثلها الى صفُن أو صفون، وهو الجبل الذي دفن فيه الإله الكنعاني بعل بعد صراعه المتجدد مع الإله "موت" كل سبع سنوات، حيث تقوم زوجته "عناة" بدفنه هناك. واعتقد أن هذا التفسير جدير بالاعتبار والمزيد من الاهتمام البحثي.

وحين يراجع الماجدي جداول طبقات تربة القدس الأركيولوجية الواحدة والعشرين التي توصلت إلى وضعها البعثات الآثارية الأجنبية خلال القرنين الماضيين، ويتوقف عند طبقات العصر البرونزي، وتحديدا عند الطبقة العشرين، يسجل أن (مدينة القدس قد بنيت في بداية العصر البرونزي المبكر، أي قبل مجيء الكنعانيين واليبوسيين وبنائهم المدينة كما هو شائع، وهذا يشير إلى أن القدس الأولى كانت - موجودة - في العصر البرونزي المبكر، وأنها على الأرجح كانت ذات هوية أمورية / ص71). يبقى كلام الماجدي إذن في حدود الترجيح النظري، ولكنه ترجيح ينطوي على منطق قوي. ومن الأدلة الآثارية التي يستشهد بها الباحث لتأكيد وجود القدس في بداية ومنتصف العصر البرونزي؛ الخزفيات والألواح التي عثر عليها في مدينة ومملكة إبلا، المسمارية الكتابة، (تقع اليوم شمال غربي الجمهورية العربية السورية)، ويرد فيها اسم أورسليم. 

يلخص الماجدي وجهة نظره في هوية بُناة وسكان أورشليم القدس البرونزية فيسجل أن ما يسمى بالقدس اليبوسية، قد ظهرت في نهايات العصر البرونزي، وبعد انتهاء وجود القدس الأمورية - الأولى-، ولكنه يضيف مرجحا أن مدينة القدس في العصر البرونزي الأوسط إنما (بناها عموم الكنعانيين وليس طبقتهم الارستقراطية التي كانت تتزعمها قبيلة "يبوس". أما قدس العصر البرونزي الأوسط فنستطيع أن نطلق عليها اسم "القدس الكنعانية" وبالتحديد "أورسالم" أي "مدينة "سالم" الذي كان إله المدينة الحامي والرئيس لها. ص79).  ونكرر أن هذا الاعتقاد يبقى مهما وواعدا ولكنه يحتاج إلى المزيد من التفحص العلمي والأدلة الأركيولوجية وغير الأركيولوجية الساندة.

أما بخصوص التفسير الجديد الذي يقترحه الماجدي لاسم المدينة "أورساليم/ أورشاليم"، بعيدا عن التفسير الشائع والقائل إنه يعني "مدينة السلام" والمؤلف من المفردة السومرية الجذور "أور" تعني مدينة، وهذا صحيح، وشاليم أو ساليم تعني السلام، وهذا غير صحيح كما يعتقد، لأن معنى السلام من المعاني الثانوية لكلمة سالم في اللغات السامية أما المعنى الأول لها فهو الكمال والتمام. وقد مر بنا التفسير الذي ترجحه كارين آرمسترونغ لهذا الاسم في كتابها (القدس مدينة واحدة، عقائد ثلاث - ص 28)، حيث قالت إنه (هو نفسه الشمس الغاربة أو كوكب المساء).

والتفسير الجديد الذي يقدمه الماجدي يقوم على اعتبار سلم، شلم، شالم أو سالم هو اسم خاص بالإله الحامي والخاص بالمدينة منذ تأسيسها على أيدي الأموريين. ويضف الماجدي موضحا أن سالم (هو ابن الإله إيل، ولكنه لا يأتي عن طريق الاتصال الجنسي بل عن طريق التقبيل والعناق. ص99)، مستندا في تأثيله هذا الى أسطورة كنعانية تعرف باسم "أسطورة مولد الآلهة الجميلة"، ومقتبسا نصها المترجم الى العربية الذي ترجمه أنيس فريحة. والواقع، فإن تفسير الماجدي هذا لاسم القدس يعبر عن وجهة نظر مهمة وقابلة للنقاش رغم أنه يعتمد أساسا على التحليلات والتخريجات اللغوية لمادة أسطورية آتية من مكان بعيد نسبيا عن القدس ومحيطها فقد عثر على ألواح هذه الأسطورة الكنعانية ضمن أساطير أوغاريت الكنعانية شمالي سوريا الحالية قرب اللاذقية، وليس لأثر مادي مباشر؛ سواء كان مكتوبا أو غير مكتوب، من الميدان الأركيولوجي المقدسي؛ ثم أن هوية الأسطورة الكنعانية يمكن توظيفها ضد وجهة نظر الماجدي ولمصلحة إضفاء الهوية الكنعانية لا الأمورية على المدينة.

وبالعودة الى الباحثَين الفلسطينيين الصريع ونور الدين؛ نرى أنهما يؤكدان على أن نمط الحياة الغسولي - نسبة الى تليلات الغسول شمال شرق البحر الميت - والذي وجدت أثاره في مناطق عديدة في فلسطين، منها منطقة القدس، هو الاحتمال الأكثر ترجيحا لأصول السكان المقصودين، والذين أطلق عليهم اسم الكنعانيين وبضمنهم اليبوسيون. وحتى بهذه الحدود، التي يتكلم فيها وعنها الباحثان الفلسطينيان والباحث العراقي، فهذا لا ينفي أن بناة أورشليم القدس وسكانها الأوائل؛ ولعهود طويلة؛ هم جزيريون "ساميون" بالمعنى الإثني العام للكلمة التي تطلق على الفَرْشَة الإناسية "الإنثروبولوجية" للمشرق العربي بين دجلة شرقا وضفاف المتوسط شرقا، وكانت تضم أقواما سابقين للهجرة الجزيرية المفترضة، والذين ما لبثوا أن اختلطوا واندمجوا بهم.

إن فكرة وجود أقوام في فلسطين قبل الهجرة الجزيرية "السامية" المفترضة أمر يؤكده باحثون كثيرون، وقد لخص باحث فلسطيني آخر هو يوسف سامي اليوسف هذه الفكرة تلخيصا ممتازا بقوله (ومما هو جدير بالتنويه، أن معظم المدن الفلسطينية التي أصبحت لها أسماء كنعانية في أواخر الألف الثالث ق.م، لم تكن من إنشاء الكنعانيين على الإطلاق. وليس بإمكاننا اليوم أن نحدد هوية الأقوام التي بنت تلك المدن. وعلى أية حال، فإن الساميين حين وفدوا إلى فلسطين في أواسط الأف الثالث ق.م، قد وجدوا فيها حضارة متطورة صالحة للدخول في التاريخ. ولكنهم سرعان ما طبعوا الإقليم كله بطابعهم بعدما تمثَّلوا منجزاته الحضارية برمتها/ تاريخ فلسطين عبر العصور. ص24).

غير أنَّ وجود بقايا آثارية غسولية لا تقول الكثير من المعطيات بخصوص هوية أولئك الأقوام الأصليين وغير الجزيريين لا يحل الإشكال القائم تماما، وقد يدفع الى طرح المزيد من الأسئلة، بانتظار ما تجود به فؤوس الأركيولوجيا، ولكنه قد يكون مفيدا لمراجعة موضوعة "اليبوسيون بُناة القدس" ووضعها في الإطار الكنعاني الأعم والذي كان سائدا في مناطق واسعة بين الفرات وضفاف المتوسط.

في هذا السياق، يلفت د. الصريع الانتباه إلى أن هناك إصرارا لدى الباحثين "الإسرائيليين" على عملية "تمرحل" تاريخ القدس في العصر البرونزي وتقسيمه الى مرحلة يبوسية؛ ثم أخرى كنعانية؛ تمهيدا لاعتبار ما تبقى من مراحل مرحلة عبرانية يهودية واحدة وطويلة. بل إن بعض علماء الآثار "الإسرائيليين" حاولوا مصادرة العصر الحديدي اللاحق للبرونزي كله، كما تخبرنا الباحثة الهولندية مارغريت شتاينر في كتابها (القدس في العصر الحديدي- ص 178)، وأطلقوا عليه اسم "المرحلة الإسرائيلية" ولكنهم تراجعوا عن ذلك لاحقا؛ ربما بسبب فجاجة هذه التسمية اللاعلمية، وهذا أمر مقصود وغير صحيح؛ ففلسطين، وأورشليم القدس منها بمثابة القلب، بقيت كنعانية طوال تاريخها من الناحية الإناسية "الانثروبولوجية" والعرقية "الاثنوغرافية" وبشكل غالب ورئيس. وهذا الرأي بدوره لا ينفي تماما حدوث هجرات أقوامية في تلك العصور، التي وسمتها هذه الظاهرة الشاملة بوسمها. 

وبما أن كلمة اليبوسيين، يستكمل د. نور الدين كلام زميله الصريع، كلمة غير تاريخية؛ فيجب ألا يقع المتخصصون العرب في التاريخ والآثار في فخها، بما يجعلهم رهائن للقناعة التوراتية غير التأريخية بدورها. والواقع أن حجج الباحثَين الفلسطينيين، نور الدين والصريع، جديرة بالتأمل العميق، خصوصا وهي تستند في المقاوم الأول الى منجزات علم الآثار وما قدمه من الثمار المادية المهمة؛ إضافة الى كشوفات علم المناخ والبيئة.

ومن المعلومات والكشوفات الأركيولوجية اللافتة التي أعلن عنها د. الصريع تأكيده أن الوجود السكاني البشري في محيط القدس يعود إلى ربع مليون سنة ق.م، بدليل المخلفات التي تم العثور عليها في منطقة "سور باهر"، أما في وادي قالونيا - يضيف د. الصريع - فهناك دلائل ومخلفات تؤكد أن الاستيطان البشري في هذه المنطقة بدأ قبل عشرة آلاف سنة ق.م، واستمر حتى الفترة البرونزية المتأخرة وما بعدها. وكل هذا يعني، أن جغرافية القدس العامة تؤكد أن هذه المنطقة مسكونة بشريا منذ أقدم العصور، رغم أنها مرت بظروف جفاف وجدب وقلة سكان في فترات مختلفة، ولكن الاستيطان البشري فيها لا يمكن أن يختصره مظهر واحد من مظاهره في هذا التل المقدسي أو ذاك فقط، أو يذكره كتاب ديني غير تأريخي؛ ولا نجد له أي أثر أركيولوجي ملموس.

نختم بالقول، سواء كان بُناة القدس القديمة في العصر البرونزي هم الأموريون الذي بنوا حضارة بابل وعاصمتها شرقا في العراق القديم، والعديد من الممالك في بلاد الشام الداخلية، أو كانوا يبوسيين أو كنعانيين فهذا يؤكد هوية أورشليم القدس الجزيرية "السامية" وانعدام أية علاقة لها تأسيسا وتسميةً وهوية إثنية أو دينية بالعبرانيين أو بني إسرائيل القدماء.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

.....................

**هذه المقالة جزء من دراسة مطولة حول الموضوع ستصدر لاحقا في كتاب "نقد الجغرافيا التوراتية ودراسات أخرى"، نشر جزء آخر منها في "الأخبار" عدد 4 حزيران 2019. وايضا في صحيفة المثقف

 

 

أصبح تغيير رؤساء الجامعات بأوامر وزارية حالة ملازمة لفعاليات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وهو تلازم أظهرته الإعفاءات المتلاحقة، والتي طالت الجامعات الجنوبية خاصة، فأصبح تلازماً لا مفر منه قد لا ينجو منه أي مسؤول في الجامعات العراقية فيما عدا جامعات إقليم كردستان.

والتغييرات الشاملة هذه لم يعرف سببها لعدم تضمين الأوامر الوزارية على الأسباب إلا أنها حملت نوعين رئيسين من الصياغة قد تدل على فحوى الإقالة فأحدهما يتضمن تثمين جهود رئيس الجامعة في خدمة التعليم العالي، والأخرى لا تتضمن تثمين الجهود. فالإقالة بهذا المعنى هي مجردة عن تقييم أداء رئيس الجامعة. وإذا كان الأمر كذلك فجدير أن نتساءل عن الأسباب التي تدفع الوزير الى إقالة معظم كادر وزارته واستبدالهم برؤساء آخرين من دون "وجود آلية واضحة ومعايير محددة شفافة وموحدة" كما أشار اليها بيان نقابة الأكاديميين. وهنا نتفق اتفاقاً تاماً مع مطالبة النقابة بإبعاد توزيع المناصب القيادية للجامعات عن "المحاصصة المقيتة وما يسمى بالتوازن والذي ينذر بتحويل مؤسساتنا الأكاديمية الى واجهات حزبية وسياسية مبتعدة بذلك عن واجباتها ودورها وتقاليدها وأعرافها الاكاديمية العريقة".

إن مثل هذه التغيرات الجذرية في المناصب العليا لم تشهدها الوزارة منذ تأسيسها، فبالرغم من وجود عدد كبير من الاختلالات التي اعترت المنظومة التعليمية، وكثير من الإشكالات التي أثرت سلباً على أداء الجامعات لم نر تغييراً شاملا كمثل الذي يجري حالياً، وما يثير القلق هو انعدام الترابط بين تغيير القيادات، وبين دعم وتجويد العملية الاكاديمية، والمخرجات التعليمية وكسب ثقتها في عالم يتطور ويتقدم باستمرار.

الأسئلة الصريحة والواضحة التي تطرحها قضية الإقالة والتعيين المبتسرة على التعليم العالي في عراق اليوم، تتوزع على عدة محاور:

- ماذا يمكن أن يحدث في جامعات تعاني من اختلال في نظم التعليم، سواء تعلق الأمر منها بالمناهج والمضامين أو المخرجات، وهو ما تعكسه وتترجمه المراتب المتدنية لجامعاتنا ضمن التصنيفات الدولية ذات الصلة.. في ظل سياسات حكومية سريعة لا تعتمد على آليات ومعايير واضحة تخضع لدراسة جدوى وتقييم وتقويم...؟

- ماذا يمكن أن يحدث ببلد يعاني من أزمات الفساد الحزبي، والفساد المالي، ومن المحاصصة الحزبية.. ومن ضعف الإرادات التنموية، والى جانبها يعاني من فرض القرارات السلطوية، ومن تحديات البطالة التي تواجه الخريجين وحملة الشهادات العليا...؟

- ماذا يمكن أن يحدث بجامعات تلتقي على أرضيتها قلق التدريسيين من تجاهل الع-مل بقوانين التعليم الجامعي واحتمالات إلغاء مخصصات الخدمة الجامعية، وقلق الطلاب من البطالة التي تنتظرهم، وقلق الباحثين من انعدام الموازنات البحثية والتراجع في التصنيفات الدولية، وقلق الرأي الأكاديمي المستشرف لآفاق التطور والانفتاح من انعدام الاستقرار وانتشار الآراء المعادية للابتعاث وللتوأمة مع الجامعات العالمية وهيمنة اتجاهات الانغلاق والحصار الذاتي...؟

- ماذا يمكن أن يحدث إذا التقت كل هذه الأزمات.. وكل القلق والغضب على إثرها، بظروف أزمة فقدان قيادات معرفية ذات خبرة إدارية وعلمية، تقترن فيها سيطرة واجهات حزبية وسياسية بما يعود بمنافع ضخمة لمكونات سياسية معينة...؟

لا أريد ولا أسعى الى الإجابة عن سؤال متعدد المحاور، فذلك شأن الحكومة. ولكن إشكالية الفصل الجماعي والتعيين بدون آلية واضحة في ظل انعدام التطوير الأكاديمي والعلمي والإصلاح البرامجي، أصبحت تفرض نفسها على التعليم العالي، وأصبحت تفرض على العلماء والأكاديميين والتربويين، الذين يملكون القرار والذين لا يملكونه، التصدي لها بالدراسة والتأمل والتحليل، والاحتجاج والاعتراض ولو من باب النصح والاستئناس والتساؤل.

ومعروف إن مشكلة القيادات الجامعية وحدها، وبعيداً عن السلبيات المؤثرة الأخرى، كانت منذ نشوء وزارة التعليم العالي، وما تزال تحظى بأهمية قصوى لدى كل الأكاديميين، وزاد الاهتمام بها بعد 2003 عندما أصبحت المحاصصة السياسية والتقاسم الوظيفي للمناصب الاكاديمية سمة أساسية للنظام التعليمي. إلا أن التقاسم الوظيفي بالرغم من كونه فعلاً مشيناً بحق الأعراف الاكاديمية يظهر أحيانا بصورة أسوأ عندما ينحاز نحو جهة أو مكون معين.

فلم تعد هذه المشكلة، وظيفية فقط، وإنما أصبحت تشكل أزمة ذات أبعاد أخرى، سياسية وأكاديمية في غاية الخطورة على الجامعات التي أصبحت بفعل السياسات الحكومية المتعاقبة عقبة كبيرة أمام الإصلاح الأكاديمي، وهو ما يعني انشغال الجامعات والتدريسيين في الصراعات السياسية مما يبعدهم عن مهمة تطوير قابلياتهم الاكاديمية واهتماماتهم الأساسية في التعليم والبحث العلمي ويعزز الرغبة في المناصب الجامعية بعيداً عن الاستحقاق الأكاديمي والعلمي.

الغريب في الأمر إن الجامعات العراقية جربت الآلاف من القيادات حيث أصبح منذ 2003 هدفاً لمعظم الوزراء سواء كان ذلك استجابة لما تتطلبه المحاصصة، أو لكون المسؤول الجامعي الجديد صاحب خبرة ومعرفة أكثر من سابقه. ولم يكن هناك شروط موضوعية ولا معايير أكاديمية إلا في بعض الحالات لاختيار أفضل المرشحين لأن الهدف كان ولا يزال هو إدارة المؤسسة بالصورة التي يعتقد بصحتها وملاءمتها المسؤول الأعلى، وتنسجم مع تعليماته ورؤيته ورؤية ومصالح المكون السياسي الذي يمثله. فهذه النظرة التي تعني بوضوح اكتساب القدرة على إدارة الوزارة فيصبح هو المؤطر والراعي وبذلك يتحمل المسؤولية عن تقدم أو تراجع الجامعات. أما رئيس الجامعة وعميد الكلية والتدريسيين فتضمحل اسهاماتهم داخل هذه المنظومة الإدارية ويتحولون الى مجرد منفذين للتعليمات الوزارية وتتحدد استقلاليتهم بما توفر لهم التشريعات والإمكانات والشروط اللازمة للعمل من مساحات تسمح لهم بالتحرك فيها، وبضمنها يمكن تحديد نوعية العلاقة الجماعية، أو الفردية مع أعضاء الهيئة التدريسية.

إن استئثار رئيس الجامعة العراقية بمكانة لائقة داخل المنظومة التعليمية وضمن محيطه الجامعي يتوقف على توافر شروط ومقومات ذاتية، وأخرى موضوعية. فالأولى تعود الى كفاءته في إدارة الجامعة، وتحمل المسؤولية في حل مشاكل العمل بما تحيل إليه من موضوعية، وتواضع وترسيخ للعمل الجماعي. والثانية تتعلق بتوفير البنى التحتية والشروط اللازمة للعمل بشكل سليم وبما يرضي المسؤول الأعلى ويتفق مع سياساته أو في بعض الأحيان مع رغباته.

اختيار رئيس الجامعة أو العمداء من قبل الوزراء لم يعد خياراً يقبله التدريسيون، وكثيراً ما ينسب إليهم قولهم بأن تدني المستوى التعليمي يعود الى سبب منح المناصب الإدارية المهمة استنادا الى انتماءات حزبية وطائفية ومحسوبية ومنسوبية، ويشير اتهام آخر الى أن التغييرات الإدارية على مستوى رؤساء الجامعات والعمداء والمستندة أساساً على تكريس الولاءات الحزبية أولاً، وبدون مراعاة وضع المؤسسة الاكاديمية هي أصل البلاء في المؤسسات التعليمية. وبالرغم من تباين الآراء والتحليلات يبقى الاتهام الأساس بأن عدم وضع الشخص المناسب في إدارة الجامعات والكليات يعود الى المحاصصة الطائفية والحزبية. كل هذه الاتهامات والآراء تفترض أن الاداري الذي استلم منصبه عن طريق ترشيح حزبي بالضرورة هو إداري فاشل، وهو سبب تدهور مستوى التعليم الجامعي والبحث العلمي!

لعله، وفي هذه الظروف العصيبة التي تمر بها جامعاتنا، وفي ظل الاعتبارات المهنية الخطيرة المتمثلة في إلغاء تكليف رؤساء الجامعات وتكليف آخرين بدلهم والتي تلقي ظلالها على مهمة القيادات الإدارية أرى ضرورة التريث في اختيار رؤساء جامعات جدد وتبني أساليب وآليات ديمقراطية وشفافة للاختيار. ولن أتقدم هنا باقتراح جديد لكيفية اختيار أو انتقاء المسؤولين الأكاديميين فقد كتبت حولها سابقاً ويمكن الاطلاع عليها بفتح الواصل ادناه*، ولم يؤخذ بها لأسباب ظلت مجهولة لي، الا أني أود أن أقدم كمثال صورة ملخّصة لكفاءات رئيس الجامعة التي أرى ضرورة التمتع بها:

أولاً، أن يكون ذا شخصية قوية وجذابة ومتزنة، ويتمتع بمهارات الاتصال والتواصل بالعربية والإنكليزية، وله علاقات جيدة بالأجهزة، والمؤسسات الخارجية (الوطنية والعالمية).

ثانياً، ذو سجل ممتاز في كل من البحث العلمي والتدريس.

ثالثاً، أن يؤمن بالاستقلال الأكاديمي والفكري للجامعة، ويسعى لتكون الجامعة مجالاً خصباً لإيجاد الحلول المناسبة للإشكالات التي تعترض المجتمع، بمنهجية علمية.

رابعاً، أن يهتم ويلتزم بالمعايير الأكاديمية، ويسعى الى الارتقاء بجودة التدريس والبحوث، وبسمعة الجامعة.

خامساً، وأخيراً، أن يلتزم بقوة بأسس الحكم الجماعي الصالح، الذي يجمع مصالح التدريسيين في الجامعة في عملية صنع القرار.

 

أ. د. محمد الربيعي

...............

* https://akhbaar.org/home/2014/12/182201.html

 

زهير الخويلدي"ومن اختراعنا في علم البحر تركيب مغناطيس على الحقة بنفسه، ولنا فيه حكمة كبيرة لم تودع في كتاب"، احمد ابن ماجد، الفوائد في أصول علم البحر والقواعد، [1]

يعتقد البعض أن شهرة أحمد ابن ماجد المولود في جلفار بالجزيرة العربية سنة 1418 ميلادي والمتوفي في سنة 1500 من مرافقته المستكشف البرتغالي فاسكو دي غاما أثناء رحلته ومروره برأس الرجاء الصالح ومساعدته في اكتشاف طريق الهند والصين ولكنهم يتجاهلون إسهاماته في بناء علم الملاحة.

لقد اكتسب أمير البحر خبرة كبيرة بالمحيط الهندي والبحر الأحمر وخليج بربرا وبحر الصين واستحق عن جدارة لقب "معلم بحر الهند" أو "أسد البحر" كما ينعته الرحالة البرتغاليون وبرع في الجغرافيا والفلك والملاحة كأحسن ما يكون، ولقد كتب في المرشدات البحرية وترك لنا من المؤلفات ما حاز على إعجاب المؤرخين وأفضل إضافة للمكتبة العربية وهو كتاب "الفوائد في أصول علم البحر والقواعد".

لقد عثر على هذا المخطوط الباحث المستشرق الفرنسي جبرائيل فران سنة 1912 في المكتبة الوطنية بباريس وتمت مقارنته بمخطوط موجود في المكتبة الظاهرية بدمشق ونسخة بمكتبة ألبون ليون بأكسفور.

لقد تكلم عدة لغات ولهجات إضافة إلى اتقانه للعربية وهي الفارسية والزنجية والتاميلية ، ولقد أسهم في معرفة القياسات وأسماء الأماكن وصفات البحر وأسماء الكواكب وحركة النجوم وأحسن استخدام الإسطرلاب وألم بالأدب والتاريخ والدين والأنساب واستعمل البوصلة التي تتضمن 22 درجة وعدة آلات أخرى مثل الكمال واللوح وصنع آلة من الخشب وأسماها وردة الرياح واستخدمها لمعرفة وجهة الريح.

لقد ألف ابن ماجد الكثير من القصائد والأراجيز ولخص كتاب الفوائد في موجز ونظم عدة كتب مثل: الفصول والملل وحاوية الاختصار في علوم الإبحار وشرح الذهبية وتحفة الفحول في تمهيد الأصول والعمدة المهدية في ضبط العلوم البحرية والمنهاج الفاخر في علم البحر الزاخر ورسالة قلادة الشموس.

لقد ترجم كتابه الأبرز الفوائد في أصول علم البحر والقواعد إلى معظم اللغات الأوروبية والتركية وحفظ معهد لينينغراد مخطوطة عربية في ثلاث فصول هي أزهارا في علم البحار وذكر فيها طرائق الملاحة.

علاوة على ذلك رسم ابن ماجد الكثير من الخرائط حول سواحل وجزر إفريقيا وآسيا والهند والصين ولقد أتاح له ركوب الأمواج والدخول إلى المحيطات والسفر إلى أعالي البحار معرفة المسافات والإشارات والمنازل وقياس الأمكنة والأزمنة عن طريق الآلات ومن خلال قبضة اليد والأصابع والذراع المبسوطة.

بهذا المعنى لم يكن أحمد ابن ماجد مجرد ملاح عربي ساعد فاسكو دي غاما على معرفة طريق الهند بعبور رأس الرجاء الصالح بل كان عالما كبيرا بالبحار ومؤسسا بارعا لعلم الملاحة والرصد البحري.

لقد وضع ابن ماجد اللبنات الأساسية لقيام الملاحة في المنطقة وتجاوز حدود الجغرافيا العربية وحمل مشعل التجارة ومبادئ الإسلام السمحاء في شرق آسيا وجنوبها وسواحل وجزر أفريقيا الجنوبية والشرقية وفكر في الطرق البحرية والموانئ وفي الظواهر البحرية الطبيعية وأبعادها من زاوية جغرافية ومناخية وانخرط في التصنيع واستخدام الآلات قصد إعداد الأساطيل والسفن القتالية وإتقان فنون الحرب البحرية وحرص على التمكن من المرشدات البحرية وأدوات القيس والرصد والبوصلة ووضع دستورا للملاحة.

لقد صرح حول شروط تأهيل ربان السفينة:"ينبغي لعارف هذا العلم أن يسهر الليل وأن يجتهد فيه غاية الاجتهاد ويسأل عن أهله وعن حزبه حتى يحصل مراده لأنه علم عقلي وكثرة السؤال فيه ترقية لباقيه" [2]

على هذا الأساس  يضع جملة من القواعد التي تسند علم الملاحة من حيث هو علم نفيس لا يبلغه المرء الا بتمام العمر ويتطلب الدراسة النظرية والإعداد العلمي والمعرفة المستفيضة وممارسة التجريب والتكرار ومداومة التحصيل والاجتهاد عن طريق الاختراع والابتكار بامتلاك المهارة والحذق والتصنيع والخبرة.

لقد ألزم ابن ماجد الربان مجموعة من القواعد والآداب التي ينبغي أن يتحلى بها لكي يقود سفينته بسلام وأن يصل إلى بر الأمان وتتمثل في خصال المغامرة والحيطة والجشاعة والحزم والفراسة والانتباه وسرعة البداهة والتواصل والأمانة والصبر والتعقل والمداومة والحرص والابتكار والتأني والإيثار.

لكن لماذا ضاعت الحكمة البحرية عند ابن ماجد؟ وألا يعود اليه التمييز بين المياه الإقليمية والمياه الدولية؟ وماهي قيمة الجهود الاستكشافية التي بذلها في تنشيط الحركة البحرية الملاحية من الغرب نحو الشرق؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

....................

المرجع:

1- احمد ابن ماجد، الفوائد في أصول علم البحر والقواعد، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، طبعة 2013، 226 صفحة.

2-  أنور عبد العليم، الملاحة وعلوم البحار عند العرب، سلسلة عالم المعرفة عدد 13، الكويت، طبعة يناير 1979، ص179

 

صالح الطائيأغرم أجدادنا بالخيال إلى درجة الخبال، ولم يتركوا  أمرا إلا ودسوا أنوفهم فيه، فشموا مرة طيبا وحسنا، وشموا مرة نفخة كير وحشرجة وصرير. ومن خيال أجدادنا الجامح حديثهم عن وحم المرأة، ومنه حديث محي الدين بن العربي في كتابه "الخيال عالم البرزخ والمثال" الذي تفضل على الأمة المسلمة محمود محمود غراب بجمعه ونشره بواسطة دار الكتاب العربي، ليظهر في الطبعة الثانية سنة 1414هـ ـ 1993م.

والوحم أو الوحام ظاهرة تؤثر في بعض النساء أثناء الحمل، من اللواتي تظهر لديهن رغبة مُلحّة لتناول نوع معين من الطعام، ويرى العلماء أنه لا يوجد هنالك سبب محدد لهذا الشعور إذ يعزيه بعض العلماء إلى فقدان ذلك النوع من الطعام من نظام المرأة الحامل الغذائي أو حاجة جسمها إلى  زيادة كمية أنواع معينة من الفيتامينات والأملاح. ويرى البعض أن الوحم مرتبط بهرمونات الحمل، الذي يتضاعف كل بضعة أيام خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل ليصل ذروته خلال الأسبوع الحادي عشر من الحمل، وقد يتسبب ارتفاع مستويات هرمون الحمل هذا بحدوث بعض ردود الأفعال لدى الحامل كالغثيان واشتهاء بعض الأطعمة، ولا علاقة له البتة بنوع وجنس الجنين وما يطرأ عليه من ظواهر وعلامات.

ولكن خيال أجدادنا الجامح لم يقف عند الصور التي كانت المرأة تعاني منها أثناء الأشهر الأولى من حملها، فرسم له صورا أخرى في غاية الغرابة من خلال ربطه بالخيال؛ الذي مارسوه طوال حياتهم وأورثهم التأخر والتشتت، إذ ادعى أجدادنا أن الخيال وإن كان من الطبيعة، فإن له سلطانا عظيما على الطبيعة، بما أيده الله به من القوة الإلهية. وإذا أردت تأنيسا لذلك، فانظر في علم الطبيعة إذا توحمت المرأة وهي حامل على شيء، خرج الولد يشبه ذلك الشيء، فإن الشهوة إرادة طبيعية مقيدة عن تخيل صوري، وإذا نظرت المرأة عند الجماع، أو تخيل الرجل صورة عند الوقاع وإنزال الماء، يكون الولد على خلق صورة ما تخيل [الخيال عالم البرزخ والخيال، ص47ـ48] بمعنى أن المرأة حسب زعمهم، إذا تخيلت عنترة بن شداد عند الجماع لابد وأن يخرج ولدها شبيها لعنترة بالتمام والكمال، وإذا تخيل الرجل هيفاء وهبي أو أليسا عند الوقاع، ورسم صورة إحداهما في خيالة عند الجماع، لابد وأن يأتي الوليد، سواء كان ذكرا أم أنثى، على هيئتهن وجمالهن الأخاذ حتى ولو كان الأب غرابا والأم خنفساء!.

والمدهش في الأمر أن حكماء الأمة أنفسهم كانوا يأمرون بتصوير صور الفضلاء من أكابر الحكماء والعلماء في الأماكن، بحيث يتاح للمرأة أن تنظر إلى تلك الصور عند الجماع والرجل، فتنطبع في الخيال، فتؤثر في الطبيعة، فتخرج تلك القوة التي كانت عليها تلك الصورة في الولد؛ الذي يكون من ذلك الماء[المصدر نفسه، ص48] ولا أدري لماذا حرموا البنت من هذا الأمر فخصوا الولدان به وحرموا النسوان!.

لكن حتى مع هذا التحيز بالمجان كان عدد المواليد الأغبياء والمتخلفين والرقعاء في مجتمعاتنا بالرغم من كثرة التخيل والتصور والصور أضعاف مضاعفة لعدد الحكماء والعقلاء، الذين كانوا أعز من لبن العصفور، ومن الغراب الأبيض على جبل طور. وحتى الحكماء الذين رُزقنا بهم وفق حصتنا البنيوية والقدرة الربانية، ما كانوا حقا حكماء، ولذا أورثونا التنبلة والتيه والخيلاء والغباء بسبب آرائهم الرعناء!

هؤلاء الحكماء أنفسهم وبسبب طيشهم وجهلهم وخبثهم، وربما جنسيتهم وشبقهم، ورغبتهم في حرف عقول النساء لتعشقنهم، خالفوا الأحكام الفقهية، وباعوا القضية، فقالوا في الدنية: إذا أراد الإنسان أن ينجب ولده، فليُقِمْ في نفسه عند اجتماعه مع امرأته، صورة من شاء من الحكماء، ومن أكابر العلماء، هذا لمن هو من الطبقة الوسطى الذي يأتي أهله يتمطى. لكن هذا؛ ومن هو أكثر منه غنى ومالا  إن أراد أن يحكم أمر ذلك، ولا يُخطئ أو يُؤجل، وأراد أن تُلقح مهرته من الفعل الأول فعليه أن يصور صورة الحكيم فعلا بريشة رسام أثول، وأن يجعلها أجمل من واقعها وأجمل، وأن يذكر لامرأته حسن ما كانت عليه تلك الصورة وصاحبها. وإذا صورها المصور، فليُحَسِن وليُجَمِل ولا ينقل ما يرى من أكال وجوه الشياطين الممرغة بالطين، وعليه شرعا أن يصورها على صورة حُسن علم العالم وأخلاقه لا شكل هيئته [المصدر نفسه، ص48] وهذا مخالف للأحكام الفقهية؛ التي ذهبت إلى أن التصوير حرام غالبا، ولا سيما تصوير الأحياء مثل الحكماء وما نطق وتحرك من الأشياء.

والمعروف وفق القواعد الشرعية والأحكام الفقهية أن التصوير نوعان:

النوع الأول: تصوير غير ذوات الأرواح، كالسماء والفضاء والجبال والأنهار والأشجار والشمس والقمر والنجوم والحجارة والصحراء والبحار. وهذا لا بأس به عند أكثر أهل العلم الأتقياء والفجار. مع ان هناك من خالفهم، فمنع تصوير الشجر المثمر والزروع المثمرة كالحنطة وباقي الحبوب والبقوليات.

النوع الثاني: تصوير ذوات الأرواح وهذا بدوره ينقسم على قسمين:

القسم الأول: أن يكون الرسم والتصوير باليد، مثلما كانوا يفعلون في زمن خيال العرب الجامح، وهذا محرم، بل ومن كبائر الذنوب، تبعا لحديث ابن عباس في صحيح مسلم: "كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفساً، فتعذبه في جهنم". وحديث أبي جحيفة في صحيح البخاري: "لعن آكل الربا وموكله، والواشمة، والمستوشمة، والمصور". وحديث عائشة في البخاري ومسلم كليهما: "أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله". وحديث أبي هريرة فيهما كليهما: "سمعت النبي يقول: "قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة".

فهذه الأحاديث تنطبق كليا على نوع التصوير الذي تحدث عنه أصحاب الخيال من الحكماء أتباع الدجال، لأن ذلك التصوير لا يمكن صنعه إلا باليد، فتكون الصورة مثل الصورة التي خلق الله تعالى، لأن المصور حاول أن يبدع كإبداع الله ويخلق كخلقه، وبذلك أمره الحكماء وتقدموا له بالرجاء، ليزيل عن وجوههم الغلظة والوعثاء وشدة الجفاء، عسى أن تعشقهم النساء. وإن لم يقصد المشابهة، لكن الحكم إذا علق على وصف تعلق به، فمتى وجد الوصف وجد الحكم، والمصور إذا صنع الصورة تحققت المشابهة بصنعه وإن لم ينوها والمصور في الغالب لا يخلو من نية المضاهاة، فكيف إذا ما كان مأمورا بذلك؟ ولذلك تجده يفخر بصنعه كلما كانت الصورة أجود، وأتقن وأكثر قربا للواقع.

القسم الثاني: أن يكون تصوير ذوات الأرواح بغير اليد، مثل التصوير بالكاميرا التي تنقل الصورة التي خلقها الله على ما هي عليه، وهو أمر مستحدث لم يكن معروفاً على عهد النبي والمسلمين الأوائل، ولهذا السبب اختلف بشأنه من تأخر من العلماء ومن عاصر منهم زمن صنع الكاميرات، فمنهم من أدخله فيما نُهي عنه نظراً لعموم اللفظ له عرفاً، ومنهم من أحله نظراً للمعنى، فإن التصوير بالكاميرا لم يحصل فيه من المصور أي عمل يشابه به خلق الله تعالى، وإنما انطبع بالصورة خلق الله تعالى على الصفة التي خلقه الله تعالى عليها.

والأكثر نكاية مما تقدم، ما أمر به الحكماء من وجوب إزالة القبح وإضافة البهاء على وجوه الزملاء، فأوجبوا على المصور والرسام أنه إذا كانت الصورة المحسوسة ـ أي أصل وحقيقة الشخص المراد تصويره ـ قبيحة المنظر بأصلها، فلا يصورها إلا حسنة المظهر بقدر حُسن علم وأخلاق العالم، أي ان يُحل جمال الأخلاق على قبيح الخلقة، فيجلب الرجل تلك الصورة المحورة المحرفة إلى زوجته، ويعرضها عليها وأمامها عند الجماع، ثم يستفرغان في النظر إلى حسنها، فإن وقع للمرأة حمل، أثر في ذلك الحمل ما تخيلا من تلك الصورة في النفس، فيخرج المولود بتلك المنزلة ولابد [المصدر نفسه، ص48].

ولما كان الواقع على خلاف بل دون المأمول، والولدان جاءوا مجانين ومسخوطين وهبول، فأصابوا الوالدين بالذهول، تحجج الحكماء بأسلوب بني قريظة وآل سلول، فادعوا أنه: إذا تم الحمل من ذاك اللقاء، لابد وأن يكون قد تأثر بما تخيل الوالدان من تلك الصورة في النفس والوجدان، فيخرج الوليد الذكر بتلك المنزلة وليس ثور بقر.. لكن إذا لم يخرج كذلك، فلأمر لطارئ طرأ في نفس الوالدين عند نزول النطفة في الرحم، أخرجهما ذلك الأمر عن مشاهدة تلك الصورة في الخيال من حيث لا يشعران [المصدر نفسه].

أما إذا حدث وإن جاء الوليد على غير الصورة المرتقبة كأن يكون سيء الخلق أو مشوها بسبب طفرة وراثية أو عاهة جسدية، فلم يعزوه إلى شذوذ خيال الوالدين، بل إن الذي تخيله الوالدان أثناء الجماع، هو الذي أثر في النفس والطباع، ويقع عند الوقاع في نفس أحد الزوجين أو كلاهما صورة كلب أو أسد أو أرنب أو حيوان ما، فيخرج الولد من ذلك الوقاع وفي أخلاقه ما هو على صورة ما وقع للوالدين من تخيل خارج المقاييس بسبب الغباء أما إذا اختلفا، وتصور كل منهما صورة مختلفة عن صاحبه، فستظهر في الولد صورة لما تخيله كل منهما.

وبالتالي فإن ما خطه المداد ليس أكثر من بعض حكايات  قصص الأجداد.

 

صالح الطائي

 

محمود محمد عليفي هذا الجزء السادس والأخير من حديثنا عن كيفية سقوط الاتحاد السوفيتي بحروب الجيل الرابع نقول: فضل جورباتشوف أن يواجه النقطة الحرجة لا أن يتجاهلها كما فعل غيره، فكان عليه أن يجد حلاً للمعادلة الصعبة : كيف يدعم القوتين الاقتصادية والسياسية دون المساس بالقوة العسكرية؟ لقد وصل الاتحاد السوفيتي إلي حد الكفاية في وسائل الدفاع؛ بحيث أصبح قادراً علي تدمير الولايات المتحدة عشر مرات، وأصبح واثقاً أن الشعب الأمريكي أصبح رهينة في يد الكرملين، كما أن الشعب السوفيتي رهينة بدوره في يد البيت الأبيض، وبذلك أصبح قادراً علي أن يحافظ علي السلام في ظل قوته الرادعة.. ولكن "ما فائدة ضمان المحافظة علي السلام في ظل الشك في القدرة علي المحافظة علي النظام؟ ولم لا يوقف سباق التسلح حتي يدفع ماء الحياة في شرايين الناحيتين الاقتصادية والسياسية؟ لم لا يستغل قوته العسكرية التي وصل إليها وحققها في عملية إعادة البناء؟ هكذا فكر وأقدم علي التنفيذ" .

ففي نوفمبر 1985 تم عقد قمة جنيف والتي جمعت بين الرئيس الأمريكي "ريجان" ورئيس الاتحاد السوفيتي "جورباتشوف"، خلالها أعلن جورباتشوف " بإيقاف تجاربه النووية لفترة زمنية محددة وأوقف تجارب الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية في حين استمرت الولايات المتحدة الأمريكية في تطوير برنامجها للدفاع الاستراتيجي الذي يعرف بـ "حرب النجوم" Star Wars " .

وفي سنة 1986 تم عقد "قمة ريكافيك" Reykjavík Summit وتنازل من خلالها الاتحاد السوفيتي عن مبدأ المساواة في تخفيف الأسلحة النووية، ومبدأ التبادل بين المعسكرين للأسلحة البالستية والغواصات النووية، إلا "إن المعسكر الغربي استمر في برنامجه النووي" . كما تم عقد قمة واشنطن في ديسمبر 1987، وتم من خلالها " إلغاء الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى، ومحاولة الوصول إلى حل لحرب النجوم" .

وفي مايو عام 1988 كانت القمة الرابعة في موسكو؛ حيث كان توقيع الرئيسين علي وضع اتفاقية إلغاء الصواريخ متوسطة وقصيرة المدي موضع التنفيذ. وأعلن جورباتشوف من طرف واحد، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، عن "تخفيض القوات المسلحة من أوربا الشرقية" .

ثم تابع جورباتشوف نشاطاته الانفراجية بإعلانه وقف إطلاق النار في أفغانستان في مطلع عام 1989 وإعلانه عن نيته بتحويل مراكز صناعاته الحربية لأغراض اقتصادية، ثم إعلانه مع بوش بأن "الحرب الباردة قد انتهت" .

لاقي إعلان جورباتشوف صدي واسعاً في أوربا الشرقية فاجتاحها منذ صيف 1989، حركة تغيير مهمة أدت إلي انهيار النظم الاشتراكية فيها الواحد تلو الآخر وبنسب متفاوتة بين الاصلاحات والتغييرات الجذرية. ثم كانت "قمة بوخارست" Bucharest Summit في يوليو 1989 بين دول حلف وارسو؛ حيث أكد الزعيم السوفيتي علي حرية كل طرف في اختيار ما يشاء في إدارة شؤونه، مع التأكيد علي احترام الآخرين، وبهذا تعتبر "قمة بوخارست بداية نهاية حلف وارسو وتكتل دول أوربا الشرقية" .

وفي ضوء هذه التطورات في أوربا الشرقية عقدت قمة يالطا في ديسمبر 1989 بين ريجان وجورباتشوف، لتؤكد علي أهمية ما يجري في أوربا الشرقية. وأكد جورباتشوف علي متابعة سياسته بمعني آخر ترسيخ نتائج هذه التطورات التي هي بمثابة إنهاء لنتائج "مؤتمر يالطا" الذي انعقد في أعقاب الحرب العالمية الثانية 1945 في شبه جزيرة القرم بين "ستالين" Stalin و"روزفلت" Roosevelt و"تشرشل" والذي أسفر عن تقسيم أوربا "بين شرقية تحت النفوذ السوفيتي وغربية تحت الهيمنة الأمريكية، وكان من نتائجه أيضاً تقسيم ألمانيا، فكانت هذه القمة بداية نهاية الثنائية القطبية في العلاقات الدولية" .

أما عن الرد الأمريكي علي أطروحات جورباتشوف الإنسانية الداعية إلي تجريد العلاقات الدولية من " الأدلجة"، فإن "السياسة الأمريكية استمرت بكل عدوانيتها الغاشمة ورغبتها الجامحة في السيطرة المنفردة علي العالم وإخضاعه لاستغلالها وهيمنتها الاقتصادية الاحتكارية إلخ.. ومعاملة الاتحاد السوفيتي العدو الذي تعاديه وتحاصره وتستنزفه اقتصادياً وتسعي إلي إضعافه وتفكيكه والقضاء عليه كدولة عظمي منذ نشأته" ؛ ففي الوقت الذي كان فيه، الاتحاد السوفياتي يرى أنه يجب إجراء مباحثات من أجل إيقاف التجارب النووية والتنافس بطرق سلمية من أجل التفرغ للتنمية الداخلية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، كانت الولايات المتحدة الأمريكية ترى ضرورة إتمام سباق التسلح في الفضاء الخارجي، وبذلك "أصدرت قرار إجراء أول تجربة للسلاح المضاد للأقمار الصناعية، من أجل الضغط على المعسكر الشرقي" .

وبالفعل بدأ تفكك الاتحاد السوفيتي، وقد حدث ذلك التفكك في 26 ديسمبر 1991، عقب إصدار مجلس السوفييت الأعلى للاتحاد السوفييتي الإعلان رقم (H-142) والذي أُعلِن فيه الاعتراف باستقلال الجمهوريات السوفيتية السابقة، وإنشاء رابطة الدول المستقلة لتحل محل الاتحاد السوفيتي. قبل يوم من ذلك الإعلان. وفي 25 ديسمبر 1991 قام الرئيس الأخير للاتحاد السوفيتي والحاكم الثامن له منذ إنشائه، " جورباتشوف" بإعلان استقالته في خطاب وجهه إلى الشعب السوفيتي عبر التلفزيون الرسمي للاتحاد السوفيتي . وأشار في الخطاب إلى أن مكتب رئيس اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية قد تم إلغاؤه. وأعلن تسليم كافة سلطاته الدستورية بما فيها السلطة على الأسلحة النووية الروسية، إلى الرئيس الروسي بوريس يلتسن.

عقب خطابه ذاك غادر جورباتشوف مبنى الكرملين تحت جنح الظلام. وفي 07:32 مساء بتوقيت موسكو، تم إنزال علم الاتحاد السوفيتي الأحمر عن مبنى الكرملين للمرة الأخيرة في التاريخ . ورُفِع محله علم روسيا ثلاثي الألوان .

وقد توقعت الكاتبة الفرنسية " هيلين كارير دانكوس" انهيار الاتحاد السوفيتي قبل حصول ذلك بعشر سنوات في كتابها الصادر عام 1978 تحت عنوان " الإمبراطورية المتفجرة L`empire eclate، كما أن "جورج كينان" واضع استراتيجية التطويق والاحتواء التي اعتمدتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب كان يتوقع ذلك،ولهذا حاول " إحكام الطوق حول هذا النظام لإسقاطه . فقد كان علي علم بطبيعة الشعوب المنضوية تحت لوائه والاختلافات فيما بينها ( اختلافات قومية، وعرقية وأثنية). تبقي هذه الخلافات محدودة التأثير طالما أن النظام القائم يتمتع بكل مقومات الدعم والسيطرة، لكن أي خلل يصيب هذا النظام فالانقسامات الحادة والمتسارعة لا بد وأن تقضي علي هذا النظام وهذا ما حصل فعلاً في العام 1991 " .

ويذكر أمين كريم في مقالة له عن أسباب سقوط الاتحاد السوفيتي بأن جورباتشوف قد فجر الثورة التي قادت إلى تفكيك البناء الإمبراطوري وانهيار النظام الشيوعي، بإضعاف التلاحم الشمولي، وطبقاً للأدبيات السوفيتية فإن مفهوم القوة الشاملة للدولة كان يعني أنها تشمل الجوانب التالية: القدرة الجيوبوليتيكية، والموارد الطبيعية، والقدرة الاقتصادية، وميزان التجارة والمدفوعات، والقوة العسكرية، والسكان، والعوامل المعنوية والسياسية، ونوعية الدبلوماسية، ونوعية إدارة البلاد، ومستوى التقدم العلمي والتكنولوجي، ومعدلات التجديد والتحديث. ورغم امتلاك الاتحاد السوفيتي السابق إحدى أعظم ترسانتين للأسلحة التقليدية، فضلاً عن الأسلحة النووية، فإن احتفاظه بالتفوق في مجال القوة العسكرية بدا مستحيلاً، بالنظر إلى تكاليف ومخاطر هذا التوجه، والأهم هو تدهور القدرة الاقتصادية السوفيتية نتيجة عجز آليات اقتصاد الأوامر عن توفير الأساليب التكنولوجية والتنظيمية والإدارية الحديثة، التي تؤمن تسريع التنمية ورفع الإنتاجية. وقد تفاقم مأزق الاقتصاد السوفيتي بسبب الحصار التكنولوجي، واستخدام سلاح الغذاء، وتصعيد سباق التسلح، من جانب الدول الغربية. إضافة إلى تخصيص الاتحاد السوفيتي لموارده العلمية والتكنولوجية والمالية والبشرية وغيرها للأغراض العسكرية على حساب حاجات الاقتصاد، وهو ما أدى إلى "تدهور القدرة الاقتصادية النسبية للاتحاد السوفيتي على الصعيد العالمي. وقد انعكس هذا في أن حصة الآلات والمعدات في إجمالي الصادرات إلى الدول الصناعية لم تتعد نحو 2%، وأن المواد الأولية ونصف المصنعة مثلت أكثر من 70% من صادراته إلى العالم في منتصف الثمانينيات" .

ويستطرد أمين كريم إن فكرة الجلاسنوست قد أدت إلى تفكك ما يسمى بالأمة السوفيتية، وتدهورت هيبة الدولة الشمولية، وتفكك الجهازان السياسي والأمني للدولة، وتراجع النفوذ السوفيتي السيادي والأيديولوجي عالمياً، نتيجة تراجع مساندته لقضايا الجنوب وخاصة مع توجهه على إنهاء الحرب الباردة، ودفع في ذات الاتجاه، عدم قدرة الاتحاد السوفيتي على تحمل تكاليف مواصلة الثورة العلمية وتخليه عن أوهام هزيمة الإمبريالية وانتصار الشيوعية، وعجزه عن رفع مستويات الرفاهية الجماهيرية، وتورطه في حرب أفغانستان التي أدت إلى تقويض مصداقية الاتحاد السوفيتي لدى الرأي العام العالمي. والأيديولوجية التي قام عليها النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي، تحولت إلى مؤسسات تنسب لنفسها صفة تجسيد الأيديولوجية، بينما أصبحت هذه المؤسسات في نظر الجماهير، مجرد بناء مؤسسي ينطوي على قدر كبير من الكبت، ولم تعد لها جاذبية، ومصدر ذلك أن كثيراً مما تتطلع إليه الجماهير يعدّ انحرافاً عن المبدأ الايديولوجي السليم، وتعبيراً عن تطلعات طبقية تتعارض مع الموقف البروليتاري الصحيح، ومع المسلك الذي يقضى في النهاية إلى المستقبل المنشود مستقبل الاشتراكية والشيوعية. وفي الوقت نفسه تفشي الفساد نتيجة هذا الكبت، ونشأت طبقة جديدة، هي طبقة المنتفعين بالمؤسسات الاشتراكية. فقد كان واضحاً أن المؤسسات الوحيدة التي استمرت تحرص على وحدة كيان الاتحاد السوفيتي، هي الحزب والمخابرات والجيش فقط، وكلها مؤسسات منظور لها على أنها أدوات كبت، بينما تعددت صور التفكك لأسباب قومية ودينية. ومن ثم فإن مؤشر عنصر التماسك لم يعد قائماً وأن هذا التمسك يتحقق أساساً في صور مؤسسات، بما تملكه من قدرات كبت، كما أن الجيش والمخابرات أصبحت تطرح على قدم المساواة مع الحزب وتباشر الوظائف نفسها أدوات قمع صريحة. وقد ترتب على غياب الأيديولوجية القائمة على البعد الطبقي انتعاش لأيديولوجيات أخرى بديلة، مثل الايديولوجية الدينية، والقومية والعرقية، وكل هذه عوامل تفكيك، إذ إن "جميع الذين ينسبون أنفسهم إلى دين معين أو إلى قومية معينة على نطاق المجتمع بأسره إنما يشكلون مواجهة للذين ينتسبون إلى دين آخر أو قومية أخرى، وهذا معناه تقسيم المجتمع رأسياً. وهكذا، فعندما نتحدث عن التقسيم الأساسي، أي التقسيم الأيديولوجي الطبقي، فإننا نعنى به كتلة رئيسية في المجتمع، يشكل كل المنتسبين إليها وحدة كتلة الطبقة العاملة ومعها مجموع الطبقات الكادحة في المجتمع.. إنها كتلة اجتماعية يُفترض فيها التجانس، وإن وجد لهم أعداء، فهم أعداء ينبثقون من صفوف هذه المجتمعات جميعاً، وهم قابلون للعزل" .

وذهب باحثون آخرون إلي أن الاصلاحات التي قدمها جورباتشوف لم تنجح وذلك راجع إلي :

1- الانهيار الاقتصادي: وذلك نتيجة زيادة الاعتماد على الاستيراد من الخارج وإهمال التصنيع، الأمر الذي أدى إلى توقف عجلة التنمية وتسبب في حدوث التضخم الاقتصادي وتراجع قيمة العملة المحلية في أسواق التداول، كذلك كان سباق التسليح أحد مُسببات الانهيار الاقتصادي حيث وجهت الدولة أغلب مواردها للإنفاق العسكري مما أثر بشكل سلبي على مختلف القطاعات الأخرى.

2- الاضطراب السياسي : وذلك بسبب ضعف القيادة السياسية وفقدان السيطرة على مجريات الأمور، مما أدى إلى تفكك الاتحاد السوفيتي وعجز الدولة عن فعل أي شيء لمنع حدوث ذلك.

3- الاضطرابات الداخلية : التخبط السياسي والتراجع الاقتصادي كانا سببين مباشرين للعديد من الاضطرابات الداخلية الأخرى، حيث إن كلا الأمرين ساهم في سوء الأوضاع الداخلية في البلاد وأثر بشكل سلبي على مستويات المعيشة، حيث تراجعت قيمة العملة المحلية وأدى ذلك بطبيعة الحال إلى ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، كما أن وقف الأنشطة الاقتصادية على اختلاف أنواعها أدى إلى تفشي داء البطالة وبالتالي ارتفعت معدلات الجريمة بنسبة كبيرة.

4- انقسام مؤسسات الدولة : شهد الاتحاد السوفيتي محاولة انقلاب عسكري في أواخر عام 1991، حيث حاول البعض إقصاء رئيس البلاد آنذاك ميخائيل غورباتشوف عن سُدة الحُكم، ورغم فشل المحاولة إلا أن آثارها كانت مُدمرة بكل المقاييس، حيث أدت إلى حدوث انقسام داخل صفوف المؤسسات العسكرية وخلخلت استقرار الأوضاع الداخلية، بالإضافة إلى نشوء العديد من النزاعات السياسية وبالتالي وقف العديد من القوانين والمشاريع الإصلاحية التي كانت محل الدراسة، ومع كل ما سبق يمكن القول أن تلك المحاولة كانت بمثابة دق المسمار الأخير في نعش الدولة ولم يمر وقت طويل علي حدوث تفكك الاتحاد السوفيتي النهائي والبات.

5- الصراع القومي: تفجر أزمة الهوية القومية بين أبناء المجتمع السوفيتي، مما أجبر الحكومة -الضعيفة آنذاك- على السماح بالتعبير عن المطالب القومية، الأمر الذي ساهم في تسارع وتيرة الانقسام بين الدول المكونة لهذا الكيان وهو ما أدى في النهاية إلى تفكك الاتحاد السوفيتي بشكل كامل.

وتماما كما تنص قواعد حروب الجيل الرابع، والتي كانت تمر بمرحلة اختبار خطوات غير مرتبة منها، فكك جورباتشوف الاتحاد السوفيتي، عبر مجموعة من المصطلحات الأنيقة الرنانة التي لا يمكن الخلاف عليها، والتي تثير حماسة الشباب كلما وحيثما وأينما قيلت، مثل الحرية، والديمقراطية، والعدالة...الخ.

وربحت الولايات المتحدة الحرب الباردة دون أن تطلق رصاصة واحدة، وتزعمت وحدها العالم الجديد، وهي منتشية بذلك الانتصار الهادئ الذي لم يكلفها جندياً واحداً، ولكنها وعلي الرغم من هذا – ظلت تخشي أن تسترد روسيا عافيتها وينهض المارد من رقاده مرة أخري. ولهذا كان عليها "أن تستخدم العصا السحرية، وهي الفوضي، فعلي الرغم من الدكتاتورية في عهد الاتحاد السوفيتي، ما قبل جورباتشوف، فقد كانت الحياة هناك تسير، والناس تجد ما تأكله وتشربه وترتديه، والمكان الذي تسكن إليه آخر اليوم".

وفي فوضي ما بعد جورباتشوف، اختلفت الصورة تماماً، فقد ظهرت عدة تنظيمات إجرامية، تصارعت فيما بينها علي السلطة في عالم الشارع، حتي نمت المافيا الروسية وسيطرت علي الشارع الروسي الذي افتقر إلي نظام قوي يمكنه أن يقف في وجهها علي عكس السابق. وكان يمكن لحالة الفوضى هذه أن تصل بروسيا إلي قاع القاع؛ وخاصة بعد أن تم بيع الصحف القومية والمصانع والشركات، وصار القطاع الخاص الذي تملك المافيا الروسية معظمه هو المسيطر علي روسيا وصاحب اليد العليا فيها – لولا " تولي فلاديمير بوتن، رجل الكي جي بي السابق السلطة، في الثامن من مايو عام 2000م وهو مصمم علي إعادة مجد الاتحاد السوفيتي وعدم السماح باستمرار الفوضى التي تريح قلب الأمن الأمريكي".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

عدنان عويدالثقافة الشفوية في سياقها العام، هي مجموعة الآراء والأفكار والمبادئ والرؤى والقصص والحكاية والأمثال الشعبية، دينية كانت أم وضعية. التي يتداولها الناس في أي مجتمع من المجتمعات بشكل يومي، وبكل ما تتضمنه هذه الثقافة من مواقف سلبية أو إيجابية تجاه علاقة الإنسان بنفسه والمجتمع والطبيعة. وهي ثقافة أُنتج معظمها في الزمن الماضي، وأصبحت متوراثة ولم تزل تُجتر ويتداولها الناس فيما بينهم للتعبير عن قضياهم الحياتية اليومية المباشرة في الفكر والممارسة، على اعتبارها قيماً (معيارية) ناجزة استطاعت أن تختزل التجربة الإنسانية وتضبط وتوجه في عصر إنتاجها حياة الفرد والمجتمع، وهي قادرة عند حملتها الاجتماعيين اليوم على تحقيق هذا الضبط والتوجيه حاضراً ولاحقاً، كونها جزءاً من الفردوس المفقود.

إذن، الثقافة الشفوية بتعبير آخر: هي في معظم جذورها وأصولها وامتدادها، ثقافة الأجداد (الأسلاف) الذين لم يتركوا شيئاً للأخلاف إلا وقالوا به، وحددوا الحلال فيه والحرام، أو الصح والخطأ، ومارسوا جرحهم وتعديلهم على نمط شخصياتهم السلبية منها والايجابية فكراً وممارسة، ليس لعصرهم فحسب، بل ولكل العصور اللاحقة، أي اعتبار ما قالوا به ومارسوه هو المنطلق الوجودي والمعرفي لكل ما هو تال.

الجذور التاريخية والمعرفية لهذه الثقافة في تاريخنا العربي:

إن أي متابع لهذه الثقافة، سيجد أن لها جذوراً تمتد في عمق تاريخنا، وأن فروعها وأغصانها ظلت تمتد عبر السنين اللاحقة، وخاصة بعد ظهور الدعوة الإسلامية التي شكلت عقيدتها وقيمها الأخلاقية المعيارية المساحة الأكبر في وعي المواطن العربي بشكل خاص والإسلامي بشكل عام. حيث استطاعت هذه الثقافة الشفوية ممثلة هنا في قسمها الأكبر بالوعي الديني (الفقهي) أن تعرش على وعي أبناء هذه الأمة حتى اليوم. علماً أن الدعوة الإسلامية جاء في صلب ما جاءت من أجله، هو إنهاء هذه الثقافة الشفوية وتحويلها من ثقافة (الفم إلى ثقافة القلم) مع أول آية نزلت على الرسول وهي: (اقرأ)، من جهة أولى، ووضع حدً لتمسك الناس بأفعال آباؤهم بعجرها وبجرها من جهة ثانية. إلا أن قوة الماضي ممثلة بما كان يفعل آباؤنا ظلت مسيطرة وفاعلة تحت شريعة (هكذا وجدنا آباءنا يفعلون). مع تأكيدنا هنا على الدور الذي مارسته السلطات الحاكمة في تاريخ الدولة العربية السياسي في تسييد هذا النمط من الثقافة الماضوية التقديسية، بهدف تجهيل الناس والحجر على عقولهم، حيث وجدت القوى الحاكمة المستبدة  في سياسة التجهيل، سر بقائها واستمراريتها في السلطة. الأمر الذي دفع هذه السلطة عبر تاريخها إلى محاربة الثقافات الإبداعية التي وجدت فيها خطراً يهدد مصالحها إن كان أثناء قيام الدعوة الإسلامية من قبل كبار كفار مكة، أو من قبل الكثير من الخلفاء ومشايخ السلطان عبر تاريخ الدولة العربية والإسلامية التي تتخذ من الدين مرجعية دستورية وتشريعية حتى تاريخ دولنا المعاصرة.

سمات وخصائص الثقافة الشفهية:

من خلال عرضنا أعلاه، نستطيع تحديد أهم سمات وخصائص هذه الثقافة:

1- هي ثقافة ماضوية، أنتج معظمها في الزمن الماضي، وغالباً ما يطغى عليها الطابع الديني (الفقهي) في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، كون الدين كان ولم يزل هو المصدر الأهم للمعرفة، وحتى الثقافات الوضعية التي أنتجت في ذلك الوقت وخاصة الفلسفية منها إضافة إلى علوم الطب والكيمياء والتنجيم وغيرها، ظلت محكومة بالدين أيضاً، على اعتباره هو من يحلل ويحرم  التعامل  مع هذه الظاهرة العلمية أو الاجتماعية أو تلك.

2 - هي ثقافة جماهيرية، أو بتعبير آخر، هي ثقافة ظل يعاد إنتاجها واستهلاكها من قبل الجماهير الواسعة، فغالباً ما تجد الناس في كافة مفردات حياتهم اليومية يستشهدون بمقولاتها وقصصها وحكاياها وأمثالها الشعبية ونصها المقدس، خدمة لمصالحهم اليومية المباشرة، أو لإعطاء الفكرة التي يقولون بها أو العمل الذي يمارسونه المصداقية والشرعية، في المنزل والسوق والجامع والدائرة وغير ذلك من أماكن تواجدهم.

3- هي ثقافة تعتمد كثيراً على إيراد نص قرآني أو حديث أو رأي صحابي أو فقيه، إضافة إلى إيراد قصص وحكاية الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، كونها الأكثر قدرة على غرس المعلومة المراد توصيلها للمستمع، لذلك لا نستغرب أن نجد أحد مشايخ الدين يقول: إن القصص والحكاية جنود مجندة سخرها الله لنا كي نعلم بها الناس الدين والفضيلة.

4- هي ثقافة تركز كثيراً عند حملتها ودعاتها على القيم الأخلاقية، وخاصة قيم السلف الصالح، الذين أسسوا بناء الدولة الإسلامية وحضارتها. وبالتالي هذه القيم تشكل  عند دعاتها الفردوس المفقود بعد أن راحت تتخلى عنها الأجيال اللاحقة، أو تجاوزها الزمن. وإذا أرادت هذه الأمة أن تعود لمجدها وعزتها، فهي لن تعود إلا إذا عادت إلى القيم الأخلاقية تلك، (ولن يُصلح حال هذه الأمة بعد أن فسد أمرها إلا بما صلح به أولها.).

5- حازت هذه الثقافة على صفة التقديس، كون معظم مكوناتها  مرتبط بالدين، وأكثر من أسس لها هم رجال الدين الذين ضبطوا علم الجرح والتعديل الذي وضعوه لتحديد الغث وسمين في هذه الثقافة، وبالتالي فكل خروج عن سمين هذه الثقافة هو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

6- هي ثقافة تقوم على التراسل (العنعنة)، كون أصلها شفهي، وخاصة ما يتعلق منها في الحديث النبوي وأقوال الصحابة والتابعين.

7- هي ثقافة تحاصر الإبداع والمبدعين، الذين يريدون التجديد في علوم الدين والدنيا، وبالتالي يعتبر هؤلاء المجددون بنظر دعاة هذه الثقافة منحرفين إذا ما حاولوا طرح أفكار لا تتفق مع ما هو ثابت ووثوقي في هذه الثقافة، إن كان لدى المذاهب أو الفرق الدينية، أو لدى الأحزاب ذات الأيديولوجيات الوضعية.

8- هي ثقافة تعالج تناقضات المجتمع وصراعاته الطبقية القائمة على الاستغلال، من منظور أخلاقي، يقوم على مناجاة الضمير والوجدان لدى هذا الفرد أو الجماعة، عندما يمارس أو يمارسون عملاً صالحاً، والعكس صحيح. فهم يطالبون الأفراد والمجتمع بضرورة التمسك بأخلاق التضحية ونكران الذات والإثار والمحبة والتسامح، كما مارسها السلف الصالح الذين حققوا بها العدالة والمساواة بين الناس كما يدعون، وغالباً ما يتخذون من بعض الرموز الدينية  قدوة للحاكم والرعية أيضاً في نشر العدل بين الناس، دون أن يضعوا في حساباتهم خصوصيات كل مرحلة تاريخية من حيث ظروفها الموضوعية والذاتية ومكوناتها الاجتماعية وحدودها الجغرافية، ودرجة تطور المجتمع فيها أو تخلفه.

9- هي ثقافة تدعو إلى التسليم والامتثال لكل ما أنتج من معارف أقرها السلف في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، أو ما جاء في فقه (الحاكم) في الأنظمة السياسية، وبالتالي هي تعمل على محاربة الحرية الفردية والإرادة الإنسانية والرأي الآخر.

10- هي ثقافة ذات توجهات أيديولوجية مغلقة، تعتبر الحقيقة قد أعطيت مرة واحدة وإلى الأبد، وعلينا أن نعمل دائماً على إعادة إنتاجها، ولي عنق الواقع كي ينسجم معها. أي هي ثقافة ضد النسبية والحركة والتطور والتبدل.

على عموماً ما نريد قوله في هذا الاتجاه بالنسبة للثقافة الشفوية: إنها ثقافة فرضت عبر تلك السنين الطويلة من سيادتها، العقل الإيماني والتسليمي على المواطن العربي، بحيث لم يزل النص المقدس وأقوال الأئمة والفقهاء وكبار مشايخ السلفية والقادة السياسيين، يشكل المرجع المعرفي والسلوكي للفرد والمجتمع مع غياب فاضح للضبط المنهجي وللرأي الآخر. أي هي من يشكل الحكم أو المعيار على أقوال الناس وسلوكياتهم وبالتالي استغلاله والاحتماء به دوماً. هذا إضافة لاستغلال وتوظيف ثقافة الخوارق والخرافة والأسطورة، وتطبيق الخاص على العام،  أو الجزء على الكل في التعاطي مع أحداث التاريخ والواقع، وكذلك الانخراط بالموروث والمحافظة على الشكليات فيه، والتمسح بالرحمة والتسامح، وعند الضرورة لا بد من التمسك بالجهاد انطلاقا من التكليف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا ما ساهم في خلق حالات من الفوضى والتناقض في هذه الثقافة الشفوية وبخاصة الجانب الفقهي فيها على سبيل المثال لا الحصر هذا الجانب الذي يتعامل مع مسائل الوجوب والإباحة والمحرم، والعقل والنقل وطريقة الحصول على المعرفة.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

 

عزالدين عنايةتُعرَف الفترة التي تنامت فيها ظاهرة الإرهاب في إيطاليا، والمتراوحة بين 1968 و 1984، بـ"سنوات الرصاص" (Gli anni di piombo)، وهي السنوات التي شهدت فيها الدولة ارتباكا سياسيا وتبدلا متسارعا للحكومات، كان بعضها يدوم أياما معدودة، تأتي غيرها على أمل إخراج البلاد من الأزمة لتقع في المطبات ذاتها. تهدّدَت في أعقابها السلم الاجتماعية بشكلٍ مؤذٍ، ومع ذلك لم تنحرف ظاهرة الإرهاب بالمسار السياسي العام للبلد، ولم تزد الأوضاعُ الصعبة القوى السياسيةَ المجمعةَ على نبذ العنف والمؤمنة بالتنافس الديمقراطي السلمي، سوى مزيد من الإصرار على دعم مسار الديمقراطية الفتية.

العنف وأوهام التغيير

وعلى غرار المجتمعات التي ارتبط فيها العنف السياسي بعمليات التحديث، وبالتحولات السياسية، شهد البلد مع مطلع ستينيات القرن الماضي تحولا عميقا على المستويين الاجتماعي والثقافي، تبعاً لتحسّن الأوضاع الاقتصادية، دفعَا إلى تغيير سريع في نسق القيم الاجتماعية باتجاه التحرر والانعتاق من البراديغمات الكلاسيكية ذات الطابع المحافظ. ما أفرز بالنهاية حركات يسارية راديكالية تشكّلت أساسا من الطلاب والعمال؛ وبالمثل أيقظ توجهات يمينية ذات منزع فاشي متطرف. اشترك أثناءها الطرفان، اليساري واليميني، في لوثة العقوق -بالمفهوم الأيديولوجي- بعد أن غدت الأجيال الجديدة مسكونة بأحلام وآمال يغلب عليها الطابع الطوباوي والمنزع الفوضوي.

في الواقع تضافرت عوامل خارجية جنب العوامل الداخلية، دفعت نحو أجواء التوتر وجرّت إلى مستنقع الإرهاب. منها تداعيات ربيع براغ، وتبعات التنافس بين الصين والاتحاد السوفييتي، وعدوى احتجاجات مايو 1968، ذروة عصر الأيديولوجيا والمثاليات الثورية وأوهام التغيير. أي الفترة التي كان يُهتدى فيها بهدي ماركس وإنجلس ولينين وغرامشي وإرنست يونغر ويوليوس إيفولا. لذلك يذهب المتابعون لظاهرة الإرهاب في إيطاليا الحديثة إلى أن "سنوات الرصاص" هي فاصل زمني ضمن حقبة أوسع، أربك فيها الإرهاب مسار الدولة. وبالتالي يمكن توزيع تلك الحقبة على ثلاث محطات: أولاها تلك التي غلب فيها طابع الإرهاب الانفصالي، وتندرج ضمن هذا الصنف الأعمال المقترَفة في إقليم آلتو آديجي، شمال إيطاليا، من قِبل الجماعات الناطقة بالألمانية الساعية للانفصال حينها. فكثّفت هجماتها على المواقع الحيوية، ثم ركّزت جلّ اعتداءاتها على القوات النظامية؛ وأما المحطة الثانية فهي مرحلة الإرهاب اليميني المدعوم من قبل عديد التنظيمات، مثل "الطليعة القومية" (أفانغوارديا ناسيونالي)، و"النظام الجديد" (أورديني نوفو)، و"نظام السود" (أورديني نيرو)، التي سارت ضمن "استراتيجية بث الرعب" وسط العامة، حتى بلغت ذروة عنفها في تفجير محطة أرتال مدينة بولونيا في الشمال في العام 1980 مخلفة 85 قتيلا؛ وثالث المحطات في تاريخ الإرهاب في إيطاليا مرحلة الإرهاب اليساري منذ العام 1970، خصوصا مع تنظيمات "الألوية الحمراء"، و"الخط الأول" (بريما لينيا)، و"الصراع الدائم" (لوتّا كونتينوا)، التي ركزت أعمالها الإرهابية على النخب السياسية والإعلامية والفكرية والقضائية، على خلاف الإرهاب اليميني الذي توجه بإيذائه نحو عامة الشعب.

وكما بينت الأبحاث الاجتماعية أن فظاظة الإجابة المؤسساتية، من قبل الأنظمة السلطوية، في وجه الحركات الاجتماعية الباحثة عن البروز؛ فضلا عن غياب تطوير سُبُل تخفّف من حدة الصراعات الاجتماعية والسياسية، عادة ما تدفع باتجاه تنامي ظاهرة الإرهاب. ولكن برغم غياب مثل هذ العوامل في المجتمع الإيطالي، فإن العنف الذي ضرب البلد قد حصل داخل سياق ديمقراطي تتوفر فيه فرص التعبير عن المطالب للجميع عبر الوسائل المشروعة. لعله من هذا المأتى جاء تعريف الإرهاب في موسوعة تريكاني الإيطالية بإيجاز بليغ "كونه حربا مشنونة بدون قواعد".

الإرهاب وليد الغلوّ

لقد انطلق الإرهاب اليميني في إيطاليا حين بدأت تجمعات ذات ميولات فاشية تدفع بالدولة للسير في مسار مقصود. وذلك عبر تدبير عمليات تفجير استعراضية، ضمن "استراتيجية صناعة التوتر". كانت أولاها عملية "بياتسا فونتانا" في ميلانو سنة 1969، التي هدفت إلى إشاعة الرعب والخوف بين الناس بقصد دفع الدولة إلى تغيير مسارها الديمقراطي، وإحداث ردود فعل من داخلها تجاه التوجهات الليبرالية واليسارية المتنامية، بقصد خلق منعطف سياسي نكوصي.

مع أن هناك من يذهب إلى أن بعض العمليات الإرهابية اليمينية، في "سنوات الرصاص"، كانت بتنسيق، أو من صنع عناصر من داخل جهاز الدولة، بغرض خلق أجواء تبرر القبضة الأمنية وتضيق هامش الحريات الواسع، ومن ثمة التوجه بمسار الدولة نحو خط سلطوي، وقد عُرِف هذا التكتيك باستراتيجية الضغط. الأمر الذي دفع لاحقا بالرئيس فرانشيسكو كوسيغا إلى إنشاء لجنة للتقصي بهدف الكشف عن المورَّطين الفعليين في التفجيرات والاغتيالات والعمليات الإرهابية.

وأما من جانب الإرهاب اليساري الذي عانت منه إيطاليا طويلا، جدير أن نعي، أنه قبل أن يتشكل تنظيم "الألوية الحمراء" الطوباوي الأهداف، داخل أحضان حركة "موفيمنتو ستودينتيسكو" الطلابية، مع ريناتو كورشيو ومارا كاغول، وقبل أن يجد مرجعيته الملهِمة في الثورة الكوبية والمقاومة الفيتنامية والثورة الثقافية الصينية، كانت يوطوبيا تحقيق دولة البروليتاريا حاضرة بشكل واسع وبعمق في الأوسط اليسارية. والجلي أن تلك الشبيبة الحالمة –النواة الأولى للألوية الحمراء- ما كانت تستلهم رؤاها من الشيوعية السوفييتية، الماثلة أمامها، بل كانت تتطلع، بعين ملؤها الإعجاب والانبهار، إلى كوبا وإلى نموذج فيديل كاسترو وتشي غيفارا. ولا غرو أن بين ثنايا الحركة "البَرْتيجانية" اليسارية، التي ساهمت في إسقاط الفاشية في إيطاليا، كان من يتطلع إلى مواصلة العمل الثوري حتى بناء الجنّة الاشتراكية الموعودة، فقد كان الاستعداد النفسي حاضرا بالقوة أيضا في ثنايا النسيج الاجتماعي.

داخل تلك الأوضاع المفعمة بالحس الصوفي الاشتراكي، دفعَ الإحساسُ المفرط بالنقاوة الثورية تنظيمَ الألوية إلى توتير علاقاته بالحزب الشيوعي الإيطالي، بل عَدّه حزبا مُتبرْجِزاً ومتنكرا للعقيدة البروليتارية، وذهب بعيدا حد اغتيال بعض رجالات الحزب متّهما إياهم بخيانة الثورة والتنكر لأهداف المجتمع البروليتاري. وبالمثل ما كانت تربط الألوية صلات حسنة بالأوساط النقابية، فجاءت المواجهة باتهام قادة المنظمات العمالية بتشويه المسار النضالي للطبقة الشغيلة، وتقصيرهم في تأجيج الصراع الطبقي. وبرغم المنشأ شبه النِّحْلي لتنظيم الألوية، من رحم "الشيوعية الخالصة"، يبقى التنظيم وليد تمازج مكونات ثلاثة: عمالية في مصانع ميلانو، وطلابية في جامعة ترنتو، وسياسية مرتبطة بخط مقاومة الفاشية في ريجيو إيميليا.

نقطة اللاعودة.. بداية السقوط

وبالعودة إلى مسار التنظيم التاريخي، يمكن رصد محطات رئيسية في العمل الثوري للألوية الحمراء: مرحلة الدعاية المسلحة (1970-1974)، والتي كانت تهدف إلى خلق طليعة نموذجية تدل على مسار بلوغ السلطة وتقود إلى إرساء دكتاتورية البروليتاريا؛ ومرحلة مهاجمة قلب الدولة (1974-1980)، بعد بلوغ اليقين أن النظام لا ينبغي إصلاحه بل إسقاطه؛ ومرحلة الانقسام والتحلّل (1981-1988)، وهي بمثابة "نقطة اللاعودة"، التي عادة ما تنتهي إليها دورة النضال الفوضوي، بالبحث عن الحفاظ على التواجد ومن ثمة العزلة، بعد تلاشي الأهداف الاستراتيجية. وعادة ما تخلّفُ تلك المرحلة انشقاقات داخلية، يتحول فيها السلاح إلى أداة موجَّهة نحو الداخل لتسوية صراعات استراتيجية ورؤيوية، فيغدو مجرد إعادة التفكير في المسار خيانة وتنكرا للماضي المجيد، الذي يتخذ صبغة قداسية.

كانت استراتيجية الإطاحة بالنظام السياسي القائم، ومن ثمة النظام الاجتماعي -بعد الخروج من حيز الجامعة والمصنع-، متمثلةً في مهاجمة الوجوه الرمزية لمؤسسات الدولة. فتحول على إثرها تكتيك الألوية الحمراء من شكل النضال الطبقي إلى مهاجمة الصورة الشرعية للدولة. تعددت العمليات الإرهابية حينها في عدة مناسبات، حتى جاء اختطاف ألدو مورو -سكرتير حزب الديمقراطية المسيحية ورجل الوفاق مع الحزب الشيوعي الإيطالي- وتصفيته بعد 55 يوما من اعتقاله (في التاسع من مايو 1978) مسّا موغلا من هيبة الدولة ومن وحدة الطبقة السياسية، وبالمحصلة ضربا للديمقراطية الوفاقية، التي اختارها المجتمع الإيطالي سبيلا للقطع مع الإرث الفاشي.

فالرجل كان من بين أعضاء المجلس التأسيسي سنة 1946، تقلّد منذ 1959 مهام سكرتير حزب الديمقراطية المسيحية، وترأس ثلاث حكومات متشكلة من الوسط واليسار، وما بين 1970 و 1974 عُيِّن وزيرا للخارجية. دفع الأذى الكبير الذي خلّفه قتل ألدو مورو، رغم نداءات من البابا ومن كورت فالدهايم الأمين العام للأمم المتحدة وقتئذ لإطلاق سراح الرجل، دفع الدولةَ إلى خوض غمار عملية غربلة سجّادية للمجتمع، لم تضيق فيها على الديمقراطية ولم تبطش فيها اليد الأمنية. بلغت فيها أعداد المورَّطين المرتبطين بشبكات الإرهاب 4200 نفر، وبلغت أعداد المستجوَبين قرابة 20.000 شخص.

لكن في مقابل تلك القبضة الحازمة بقصد التصدي لظاهرة الإرهاب، والتي أسفرت عن اعتقال زعيم تنظيم الألوية الحمراء ريناتو كورشيو سنة 1976، مع أنها لم توقف عمليات التنظيم الإرهابية، خاضت الدولة سياسة استيعاب في الآن نفسه، واختارت توسيع التحالف ضد الإرهاب بحشد كافة الأطراف الرافضة للعنف المسلح إلى جانبها، أيا كانت الطروحات السياسية، وهو ما أصاب الألوية الحمراء التي باتت معزولة في مقتل. الأمر الذي أحدث تململا داخل اليسار المتواجد خارج البرلمان، مشكلا فصيلا تحت مسمّى "الصراع الدائم" (لوتّا كونتينْوا)، الذي رفع شعار "لا مع الألوية الحمراء ولا مع الدولة"، وهو فصيل يعود منبته إلى التراث الطهري اليساري الذي سبق أن أشرنا إليه.

وفي خضم صراع الدولة الإيطالية مع الإرهاب بينت التجربة -وبما يشبه اليقين- أن الديمقراطية سلاح فعّال في التصدي للإرهاب، لا سيما حينما تكون خيارا استراتيجيا لا مجرد ديكور؛ إذ بالمقابل تبدو الديمقراطية أداة عاجزة عن مقاومة هذه الآفة، حين يسود التلاعب بها وتوظيفها عند الحاجة للتستر على سياسات منافية للمنطق الديمقراطي.

لا مراء أن مقت الإرهاب والتصدي له من لدنّ أطراف عدة وفي مجتمعات مختلفة، قد خلّف نوعا من الانحرافات في التعاطي الرصين مع هذه الظاهرة المقلقة والمؤذية. يتعرض جيف غودوين في مقال منشور في مجلة "سوشيل موفيمنت ستادييز" بتاريخ 2004 بعنوان "ما ينبغي أن يُفسَّر حتى نفسِّر الإرهاب؟" إلى أن كثيرا ممن كتبوا عن الإرهاب تورطوا في "بزنس" مضادة الإرهاب مما شوّه أبحاثهم ووقف حائلا دون تقديم إجابات موضوعية عن ظاهرة الإرهاب. فلئن يكن الإرهاب في مجمل تشكلاته خارجا من رحم الفكر الفوضوي (الأيديولوجي أو الديني، اليميني أو اليساري)، فإن فهمه ومن ثمة محاصرته ينبع كلاهما من رحم الفكر العقلاني الرصين لا الفكر المتهوّر.

 

د. عزالدين عناية جامعي تونسي بإيطاليا

 

محمود محمد عليفي هذا الجزء الخامس من حديثنا عن كيفية سقوط الاتحاد السوفيتي بحروب الجيل الرابع نقول:  في عهد الرئيس "أنور السادات"، كانت مصر تمثل لاعباً رئيسياً ثانياً، فقد نظمت نقل المتطوعين المصريين إلي أفغانستان، بمن فيهم الإخوان المسلمين، الذين شكلوا نسبة كبيرة من المقاومة المناوئة للسوفييت . وبعد "اغتيال دعاة الإسلام السياسي للسادات في 1981، قام بعض من هؤلاء الذين سجنوا مؤقتاً، بهذه الرحلة لاحقاً، ومنهم "محمد عاطف"، الذي أصبح معاوناً لصيقاً لـ"ابن لادن"، وحارب كثيرون من دعاة الإسلام السياسي المصريين المتشددين مع حزب حكمتيار الإسلامي" .

وتم تنظيم شحنات الأسلحة المقدمة إلي المتمردين الأفغان ونقلها من خلال باكستان، خاصة عن "طريق جهاز المخابرات الباكستاني، وفي اجتماع عقده الجنرال "ضياء الدين" مع "بريجينسكي" في يناير 1980، أصر علي ألا تقدم وكالة المخابرات المركزية إمدادات مباشرة للأفغان، بغية الإبقاء علي سيطرة باكستان علي العملية؛ ومن بين الكميات الضخمة من الأسلحة المصدرة إلي باكستان، بافتراض توزيعها من هناك علي الجماعات الإسلامية، باعت القوة الباكستانية نحو الثلث منها في السوق السوداء، ولم تحصل مطلقاً إلي متلقيها المقصودين، ومن 1983 إلي 1987، ارتفعت الشحنات السنوية من الأسلحة من 10 آلاف إلي 65 ألف طن" .

وقد جري تنظيم المقاومة الأفغانية في سبع مجموعات أساسية، عرفت باسم "بيشاور"، علي اسم مدينة تقع في شمال غربي باكستان؛ حيث تمركزت في قواعد، وكانت أهم أربع جماعات جميعها من المتشددين الجهاديين، الذين يؤمنون بالحرب المقدسة والتزموا ببناء مجتمع إسلامي، وقد أسماها أحد المؤرخين بأنهم " الإخوة  الوهابيون"- إذ تأثرت بأيديولوجية الإخوان المسلمين (الإخوانية) والايديولوجية المحافظة بصورة مغالى فيها للسعوديين (الوهابيين). وانقسم الحزب الإسلامي إلي فصيلين، "أحدهما يقوده "قلب الدين حكمتيار"، الذي كان قد انشق علي جماعة رباني الإسلامية، وهيمن عليها الإخوان المسلمون، وكانت هذه هي أقوي الفصائل الباكستانية وتلقت أكبر حصة من المعونة الخارجية؛ خاصة من جهاز المخابرات الباكستاني، والجماعة الإسلامية الباكستانية. وكان الفصيل الثاني من الحزب الإسلامي بقيادة "يونس خالص"، وهو مُلا وعالم كان يبلغ من العمر 60 عاماً، وكان من بين قواده العسكريين "جلال الدين حقاني" و"عبد الحق"، ثم كانت هناك الجماعة الإسلامية لـ" برهان الدين رباني" الذي كان "أحمد شاه مسعود" هو قائده العسكري في الميدان. وكانت الجماعة الرابعة هي الاتحاد الإسلامي الذي يقوده "عبد الرسول سياف"، وهو وهابي له ارتباطات بالسعودية، التي قدمت معظم دعمها لسياف إلي جانب حكمتيار؛ وكان سياف هو الذي ذهب معه بن لادن وكذلك "خالد شيخ محمد"، مهندس 11 سبتمبر، إلي المعركة أولاً" .

وتم إلحاق المتطوعين الإسلاميين غير الأفغان بهذه الجماعات، وانضم معظمهم إلي حكمتيار وسياف، وتتباين تقديرات من تدربوا في أفغانستان وحاربوا فيها بصورة واسعة، من 25 إلي 85 ألفاً. وعلي الرغم من أن إسهامهم في المجهود الحربي ضد المحتلين السوفييت كان كبيراً في بعض الأوقات، فإنه لم يكن له شأن مقارنة بالقوات الأفغانية نفسها، التي وصل عددها إلي 250 ألف في كل الأوقات. وكان المنظر الرئيسي للمتطوعين " الأفغان العرب" هو "عبد الرحمن عزام"، وهو أخ مسلم فلسطيني وأستاذ في الجامعة لقي ترحيباً في السعودية في الستينات، وأثر التعليم الذي قام به في جدة علي "أسامة بن لادن". "وكان عزام قبلاً مسئولاً عن التعليم في رابطة العالم الإسلامي، التي أرسلته إلي إسلام أباد في 1980 للتدريس في الجامعة الإسلامية الدولية، وكانت هي نفسها تمول جزئياً من قبل الرابطة الإسلامية ويشرف عليها الإخوان المسلمون، وفي 1984، انتقل "عزام" إلي بيشاور بعد أن حصل علي موافقة الرابطة لفتح فرع هناك، وسمح له هذا بأن يقيم مكتباً للخدمات لتنظيم قوة المتطوعين المجاهدين، وإدارة أموالها ونشر فكرة النضال الدولي المسلح. وقد أقيم مكتب بيشاور بمساعدة الجماعة الإسلامية الباكستانية وموله أسامة بن لادن في البداية إلي جانب هبات كبيرة من السعودية. وأنفق المكتب 200 مليون دولار من المعونة القادمة من الشرق الأوسط ومن الغرب، أساسهاً أمريكا وبريطانيا، المكرسة للجهاد في أفغانستان، وغالباً ما اعتمدت جهوده في مجال التجنيد علي شبكة مكاتب الإخوان المسلمين" .

هكذا تم إعداد أفغانستان من قبل واشنطن لحرب مروعة دامت 12 عاماً ضد الاتحاد السوفيتي، لم يكن الشعب الأفغاني قد طلبها أو أرادها، وقد كانت حكومة كابول في ذلك الوقت تعد البلاد إلى حكم علماني إصلاحي، أما الولايات المتحدة، فكانت تسعي كما سبق القول إلى تحويل أفغانستان إلى فيتنام للسوفييت هذه المرة، لكى تراق دماء الروس فيها، مثلما أريقت دماء الأمريكيين في فيتنامهم، ولم يكن يهم واشنطن كثيراً أن تتحول أفغانستان إلى دولة إسلامية أصولية متطرفة وهو ما كانت تعادي إيران الإسلامية بعد سقوط الشاه بسببه، بقدر ما يهمها أن ينتشر هذا المد الأصولي الإسلامي إلي جمهوريات الاتحاد السوفيتي في آسيا الوسطي ويقلب الأوضاع على موسكو، "ولم يكن الأمريكيون يجرؤون على استخدام تعبير" الإرهابيين" في وصف هؤلاء المتمردين الإسلاميين، حين كانوا يسقطون بقذائفهم طائرة مدنية في أفغانستان ويزرعون المتفجرات في المطار" .

تمكن المجاهدون الأفغان – وبدعم من قبل الولايات الأمريكية المتحدة، وبريطانيا، ودول أخرى من دحر قوات الاحتلال السوفيتي، وحملها على الانسحاب من أفغانستان؛ حيث تكبدت موسكو خسائر عسكرية كبيرة وعلاقات دولية متوترة. وكان "المحاربون غير النظاميين الأفغان يتم تسليحهم وتمويلهم وتدريبهم بشكل رئيسي من قبل الولايات الأمريكية المتحدة، والسعودية، وباكستان" .

أثار الغزو السوفيتي لأفغانستان ردود فعل قوية على الصعيد الداخلي والدولي، وعمت الثورة أرجاء البلاد، فقد وافق رئيس الولايات المتحدة الأمريكية "جيمي كارتر "على برنامج جديد للمساعدات العسكرية للمقاومة الإسلامية الأفغانية والمعروفة باسم "المجاهدين"، أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية ما يقدر بـ 10 مليارات دولار أمريكي على الأسلحة والمساعدات الأخرى، وذلك من بداية الغزو السوفيتي لأفغانستان وحتى سقوط الاتحاد السوفيتي في نهاية عام 1991" .

وبعد سقوط 13.000 جندياً قتيلا وإصابة أخرون كثر، سعى النظام الإصلاحي السوفياتي بقيادة " جورباتشوف"  لخروج يحفظ به ماء الوجه من هذه الغلطة باهظة الثمن، وفي منتصف مايو عام 1988م أحذت القوات السوفيتية تنسحب من أفغانستان، وذلك بعد زيارة "جورباتشوف للولايات المتحدة بعام، وخلال اتفاقية جنيف المجتمعة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وأفغانستان والتي تهدف لاتفاق إلى حل سياسي، وتم التوقيع على الاتفاقيات الخمس والتي تتعلق بتسوية الوضع في أفغانستان، وبموجب هذه الاتفاقية كان على الجيش السوفيتي المهاجم مغادرة الأراضي الأفغانية مقابل وقف تمويل السلاح للأفغان من قبل باكستان والحكومة الأمريكية" .

هذه نظرة سريعة في التاريخ الأفغاني ودور أمريكا في توجيه العرب والمسلمين في دعمه، حيث رأت أمريكا فى هذه الحرب منفعة لها، فالاتحاد السوفيتي هو العدو الأقوى لها، فإن تأججت نار الجهاد الإسلامي ضده، فأمريكا ستربح في حالتي نصره على السوفييت بطبيعة الحال، أو حتى إن انهزم الجهاد فسيكون أنهك القوات السوفيتية وهو ما فيه النفع للأمريكان.

ثالثاً: فكرة الدولة الفاشلة ومشروع انهيار الاتحاد السوفيتي:

علي الرغم من شدة وتصميم الإجراءات التي اتخذها الرئيس الأمريكي " جيمي كارتر" للرد علي التصرف السوفيتي في أفغانستان، إلا أنها لم تفلح في تهدئة المشاعر التي أثارها العمل السوفيتي، ولا أن تحسن من صورة الإدارة الأمريكية ورئيسها. وأهم من هذا توافق هذا التطور مع قرب إنهاء رئاسة "كارتر" الأولي وبدأ حملة انتخابات الرئاسة، وهكذا " بدأ الإعداد لهذه الانتخابات في وقت سيطر فيه الإحساس بتراجع الهيبة والمكانة الأمريكية، وفعالية السياسة الخارجية الأمريكية، وافتقاد الثقة في اتجاهها، واقترن هذا التصور للإدارة الأمريكية ورئيسها علي أنها إدارة تمزق الخلافات شخصياتها الرئيسية، ويتسم رئيسها بالضعف والتردد، وأنه حين تحولت لهجته وسياسته، فإن خطة المتشدد كان مدعاة للتشويش أكثر مما كان مقنعاً" .

وقد استغل الحزب الجمهوري مرشحه " رونالد ريجان" Ronald Reagan  (1911-2004) هذا المناخ وجعل من شعار معركته الانتخابية العمل علي استعادة مكانة الولايات المتحدة والتصدي للتوسع، واقترنت أدبيات حملتهم الانتخابية بنظرة محافظة إلي الاتحاد السوفيتي أعادت إلي الأذهان ليس فقط صورة الحرب الباردة، وإنما ما اقترن بظهور الثورة عام 1917 وعن طبيعة النظام ونواياه ومدي الثقة فيه وفي قادته، وبالتالي حول أسلوب التعامل معهم، فقد "قدم الاتحاد السوفيتي علي أنه قوة تكمن فيها العدوانية، وبصورة لا يمكن تغييرها من خلال المفاوضات أو الاتفاقيات، وإنما من خلال مواجهته من موقع القوة وممارسة ضغوط جادة ومتماسكة عليه تجبره علي تغيير طبيعته وشخصيته" .

وقد غذي هذا الاتجاه في الإدارة الجيدة وبشر له تيار المحافظين الجدد New Conservatives، وهو التيار الذي ظهر في أوائل الستينات، واشتد في أواخر السبعينات، ولعب دوراً مؤثراً في إسقاط " كارتر" ونجاح "ريجان"، وساهمت أفكاره في صياغة مفاهيم واتجاهات إدارته وبشكل خاص خلال العامين الأولين من حكمه!، وقد استخدم هذا التيار قوته واستغل أن الشعب الأمريكي بعد تجربة  فيتنام، ووترجيت وأزمة الرهائن، يريد أن يؤكد نفسه، ويثبت صحة الوضع الأمريكي والفلسفة الأمريكية، وأن القوة الأمريكية التي تأثرت يمكن استعادتها وفيما يتعلق بتصور هذا التيار للاتحاد السوفيتي، فقد رأوا "أن جوهر الصراع معه يكمن في هيكل نظامه وسياساته، وعلي هذا فقد تصوروا أن هذا الصراع لا يحل بمجرد تطويعه، وإنما ينتهي بموت أحد النظامين أو تحويله".

وهكذا جاء "ريجان" إلي الحكم بتصميم علي تبني مواقف أكثر قوة وجرأة، خاصة بعد أن " لاحظ أن القيادة السوفيتية أخذت تعيش حالة من اللاقرار في ظل قيادة هرمة ما لبث زعماؤها أن فارقوا الحياة الواحدة تلو الآخر (بريجنيف Brezhnev 1982، اندريوف  Andropov 1984، تشيرننكو Czernenko 1985) خلفهم جورباتشوف الذي بدا منذ توليه السلطة عام 1985، متحمساً لتحقيق إنجازات كبيرة علي صعيد علاقات الاتحاد السوفيتي في العالم بغية التفرغ لتسوية الأوضاع الداخلية المنهارة" .

وعندما جاء "جورباتشوف" إلي قمة السلطة عام 1985 راعه الوضع المتردي الذي وصل إليه الاتحاد السوفيتي وما ترتب علي ذلك من اهتزاز مكانته العالمية . فمنذ النصف الأخير من السبعينيات، بدأ الاتحاد السوفيتي يفقد فعلاً قوة اندفاعه؛ خاصة في المجال الاقتصادي، فقد تدهورت معدلات النمو الاقتصادي لأكثر من النصف، وبحلول الثمانينات انخفضت إلي مستوي قريب من الركود، وذلك في وقت أتاحت فيه الثورة العلمية والتكنولوجية المتقدمة آفاقاً جديدة للتقدم الاقتصادي والاجتماعي والعسكري في الغرب، دون أن يعمل الاتحاد السوفيتي علي الاستفادة منها . وقد انعكس هذا الركود الاقتصادي، علي حياة المجتمع السوفيتي بأن تدني مستوي المعيشة، الأمر الذي "أدي إلي انتشار الاتجاهات السلبية وتدهور تدريجي في القيم الايديولوجية والمعنوية، وبدأ الفساد يسري في الأخلاقيات العامة والخاصة" .

وقد لاحظ "جورباتشوف" أن السبب الرئيسي لهذه السلبيات إنما يرجع إلي جمود وعقم النظام السوفيتي، فكراً وممارسة في عهد بريجنيف. ولذلك "دعا إلي ضرورة تبني استراتيجية جديدة شاملة تقوم علي منطلقات فكرية بناءة وأساليب عمل أكثر كفاءة متحررة من جمود البيروقراطية العقيمة، وقد أطلق علي هذه الاستراتيجية اسم" البريسترويكا: أي إعادة البناء" .

ويذكر لنا بعض الخبراء الثقات في الشؤون الاقتصادية السوفيتية أنه بالرغم من أن الاتحاد السوفيتي أقر عدداً من الإصلاحات الاقتصادية الجزئية في منتصف الستينات هادفاً منها إلي دعم استقلالية الإدارة في الوحدات الاقتصادية للحد من تسلط الأجهزة المركزية عليها، مع التوسع في الأخذ بنظم الحوافز الاقتصادية، فإن الطابع العام لأسلوب التخطيط والإدارة بقي متسماً بدرجة عالية للغاية من المركزية والجمود . من جانب آخر، فإن الاصلاحات الجزئية المحدودة في آفاقها ووسائلها وأهدافها، لم تكن كافية بذاتها للتغلب علي آثار الركود الاقتصادي الطويل الذي بدأ الاتحاد السوفيتي يعاني مشكلاته وصعوباته منذ مطلع السبعينات، وكان صلب هذه المعضلة الاقتصادية مرتبطاً بعدم وجود الآليات الضرورية التي بمقدروها تحفز الوحدات الاقتصادية علي التحسين المستمر لإنتاجها، أو تهيئة الإمكانية التي تسمح بتطوير الإنتاج، وبالتالي الاستفادة من ثمار التطور العلمي والتكنولوجي، وقد نتج عن هذا الركود، وعن " انعدام القدرة علي التجديد والابتكار والمبادرة، اتساع الفجوة بين الاتحاد السوفيتي والدول الرأسمالية المتقدمة، وكان لهذا التراجع ضريبته الاقتصادية الفادحة التي تمثلت في إهدار الموارد والطاقات، وارتفاع تكلفة الإنتاج بصورة غير اقتصادية بتاتاً" .

لقد شخص جورباتشوف أزمة الاقتصاد السوفيتي والإدارة السوفيتية في كتابه "بريسترويكا"، و"إعادة البناء" علي النحو التالي:

1-إن المسؤولية عن الركود الذي أصاب عملية التطور الاقتصادي والاجتماعي في الاتحاد السوفيتي تعود في المقام الأول إلي النهج الذي تمسكت به قيادة الحزب والدولة . فهذه القيادة لم تتجاوب بدرجة كافية، ولا في الوقت المناسب، مع ما كانت تفرضه ضرورات التغيير ومتطلباته، وكان ذلك عائداً بالأساس إلي قصورها في استيعاب الأخطار التي ستنجم عن تفاقم أسباب الأزمة الاجتماعية والاقتصادية في الدولة السوفيتية، وبالتالي فإنها لم تكثرت ولم تشغل نفسها برسم سياسة واضحة المعالم والأهداف لتخطيها والتغلب علي آثارها المتوقعة.

2- إنه إذا كان ثمة هفوات خطيرة تسببت في تباطؤ مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإنها لم تكن محصورة كلها في ميدان الإدارة الاقتصادية فحسب، وإنما امتدت لتشمل المجال النظري / الايديولوجي كذلك . من ذلك أن التصورات النظرية عن الاشتراكية بقيت في جوانب كثيرة منها جامدة عند مستوي الثلاثينيات والأربعينيات. الأفدح من ذلك أنه جري تصوير البنية الاجتماعية السوفيتية علي أنها خلت من التناقضات، ومن تضاربات المصالح بين مختلف فئات وشرائح المجتمع السوفيتي، وكان هذا الزعم مجافياً للواقع، ولم يعكس بأمانة الأمر علي حقيقته . وبطبيعة الحال، فإن هذه التفسيرات النظرية / الأيديولوجية الخاطئة قادت بالضرورة إلي نتائج سلبية وخيمة غشيت كل مرافق الحياة في الاتحاد السوفيتي، وحالت دون الكشف عن مزايا النظام الاشتراكي واستثمارها بصورة فعالة وإيجابية.

ويبلغ جورباتشوف قمة الجرأة والصراحة عندما يعلن :" أن جذور هذه العملية تكمن في مجموعة النواقص الخطيرة التي عانت منها مؤسسات الديمقراطية الاشتراكية عند اضطلاعها بوظائفها، وأيضاً في الأحكام والتفسيرات النظرية والسياسية التي تقادم عليها الزمن، ولم تعد تساير ظروف الواقع، هذا بالإضافة إلي جمود آليات الإدارة".

وفي التقرير الذي قدمه جورباتشوف إلي اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي في يناير 1987، جاء :" أن أي محاولة لتحويل النظرية التي نسترشد بها إلي مجموعة من البرامج والوصفات الجامدة والصالحة لكل أحوال الحياة وفي كل مكان، إنما تتعارض كل التعارض مع جوهر وروح الماركسية اللينينية . إن الوضع الاقتصادي والسياسي الذي نعيشه، كما أن المرحلة الراهنة من الحقبة التاريخية التي يمر بها المجتمع السوفيتي والعالم كله، أصبحت تتطلب من الحزب ومن كل شيوعي الإبداع والعمل بروح التجديد التي تتجاوز أطر التصورات التقليدية التي ولي زمانها" .

ويختص جورباتشوف قضية الديمقراطية بأقصى درجات الاهتمام عندما يشير في التقرير المذكور :" يصعب علي الرفاق فهم أن الديمقراطية ليست مجرد شعار، وإنما هي جوهر التغيير، ومن ثم يجب عليهم تغيير وجهات نظرهم وعاداتهم كي لا يجدوا أنفسهم علي هامش الحياة، إن إشاعة الديمقراطية في المجتمع تطرح من زوايا جديدة مسألة الرقابة علي عمل الهيئات الحزبية وغيرها من الأجهزة الإدارية والاقتصادية وكوادر العاملين فيها" .

ومرة أخري يبلغ ذروة الشجاعة في كسره للتقاليد والأعراف الحزبية التي فرضت نفسها بقداسة لا نظير لها علي واقع الحياة السياسية السوفيتية عقوداً طويلة من الزمن قاربت علي السبع، عندما يقول :" إن الاتجاه المهم في نشر الديمقراطية في حياتنا الاجتماعية، هو عدم التواني عن ترشح الرفاق غير الحزبيين ( أي غير الشيوعيين) للمناصب القيادية، إنها مسألة مبدأ" .

ثم يقدم جورباتشوف منظوره الذاتي لآفاق التغيير الشامل الذي تنشده " البريسترويكا"، عندما يذكر :" إننا نعيش اليوم مرحلة انعطافية من عملية التغيير التي يجب أن تشمل كل مجالات حياتنا المادية والروحية، وتتميز هذه العملية بتعميق عمليات إعادة البناء وإشراك الجماهير العامة بملايين أفرادها في إنجازها . لقد باشر الحزب عملية التغيير الثوري، وهو يبدأ بتغيير نفسه . إن هناك أسلوباً واحداً فقط مقبولاً لمحادثة الناس هو أسلوب الإقناع، ومن ثم، لا يمكن اللجوء إلا إلي طريقة واحدة هي الحوار علي قدم المساواة ". ويضيف :" إن مسألة العلانية هي مسألة مبدئية وبالنسبة لنا إنها مسألة سياسية . فبلا علانية لا توجد ولا يمكن أن توجد ديمقراطية أو إبداع سياسي للجماهير أو إسهام شعبي فعال في عمليات الإدارة، إن هذا، إذا أردتم، الضمانة نحو خلق الموقف الذي تتصرف فيه الدولة بروح المسؤولية والذي سيشكل نقطة الانطلاق نحو إعادة بناء كوادرنا سيكولوجيا"، ثم يؤكد :" لا توجد في الحزب، ولا يمكن أن توجد، منظمات حزبية خارج الرقابة، مغلقة بوجه الانتقاد، لا يوجد، ولا يجب أن يوجد، قادة لا يخضعون للمسؤولية الحزبية".

وحول تصوره للموقف السياسي عند هذا المنعطف التاريخي، يقول جورباتشوف :" لقد حان الوقت لفهم الحقائق الصارمة للعصر الذي نعيشه فهماً كاملاً، ومن تلك الحقائق، أن السلاح النووي ينطوي في ذاته علي إعصار بإمكانه أن يمحو الجنس البشري من الوجود . إن مثلنا الأعلي هو عالم بلا سلاح وبلا عنف، وليس ثمة بديل لهذه السياسة، ويؤكد أن السعي إلي التفوق العسكري لا يمكن موضوعياً أن يؤدي إلي كسب سياسي لأحد . وهذا يعني أنه لا يوجد في الوضع الراهن بديل للتعاون والتعاضد بين جميع الدول، وعليه يمكن القول إن ظروفا موضوعية قد نشأت ويمكن فيها للصراع بين الرأسمالية والاشتراكية أن يدور بوسائل التنافس السلمي وحدها" .... وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

عبد الرزاق عودة الغالبيهل الحقيقة هي الأصل أم الأصل هو الحقيقة وما موقع الذريعة من ذلك...؟ ...وبرأيي، لا حقيقة دون أصل تسنده ذريعة، فإن التأصيل هو جوهر الفلسفة، وهو القاعدة للوصول إلى الحقيقة، وهو منظور يفضي نحو التأمل في الأشياء بشكل منطقي للوصول نحو عمق جوهرها، وكل شيء في الحياة ينبع من ثنائية واقعها ملموس وأصلها مخفي، وينظر الماديون على أنها نوع من الفلسفة الأحادية تتبنى المادة على أنها المكوّن الأساسي للطبيعة، وأن كل الأشياء، بما فيها الجوانب العقلانية كالوعي، هي نتاج لتفاعلات مادية، أما المادية بشكل مبسّط فتحدّد العالم بعناصر محددة (مثل العناصر الأربعة نار، هواء، ماء، وتراب) وهي تنظر للحقيقة من منظور الوعي المادي ...

الفلسفة الأحادية monolithic philosophy التي يمارسها الفلاسفة الغربيون بثلاث أنواع: نوع مثالي ونوع مادي والثالث محايد، لكنها تتفق على أن الأشياء المتنوعة الموجودة في الكون تتكون من مادة واحدة، وبهذا تكون خاصية الكون الأساسية هي الوحدة، تتعارض هذه النظرية مع الثنائية، التي تقول بوجود واقعَين (مادي وفكري)، وتنظر للكون بنظرة مثالية وموقف فلسفي نظري وعملي يردّ كل ظواهر الوجود إلى الفكر، أو يجعل من الفكر منطلقًا لمعرفة الوجود أو الحقيقة، مؤكدًا على أسبقية المثال (بكل معانيه) على الواقع، هو المذهب القائل بأن حقيقة الكون أفكار وصور عقلية، وأن العقل مصدر المعرفة في الواقع، ويدحض فيها الجانب غير الملموس أي الجانب المخفي أي (الأصل) الذي يكون عند هذه الفلسفة (غياب) إلا بالرؤيا، والواقع فيها يغطي اللاواقع، والوعي ينفي اللاوعي، والصوت ينفي الكتابة، وهذا جوهر حديثي، الذي زج فلاسفة الأحاديات اللغةَ فيه، واستكثروا الميتافيزيقية على مريدي الجانب الثنائي...

ومن وجهة نظري العكس هو الصحيح، وبمنظور حضاري علمي واقعي، فلا يخلق حي إلا من جذر، ولا يخرج مرئي إلا من مخفي، ولا نهار إلا من ليل، والنظرة المادية تقيس الشيء بوجوده الفيزيائي لإشغاله حيزًا من الفراغ، وهذا إقرار لوجود المكان وأهميته في الوجود واللاوجود، وهذا بحد ذاته يقودنا نحو التبادل المكاني، فحلول الليل يحتل مكانه النهار، وحلول النهار يحتل مكانه الليل، وتلك حقيقة تفهم بالنتائج وليس باللمس أو الرؤيا، فكل موجود في الدنيا ينبع من أصل غير مرئي، وتلك هي "ثنائية" الموجودات التي أثبتها التقدم العلمي والحضاري، وغيّب فيها الفلسفة في قرننا التكنولوجي هذا، فما عادت الفلسفة كافية لاكتشاف الحقائق، بل عوّض التقدم العلمي بكشف الأسرار التي كانت في سابق عهدها وقبل قرن حيزًا من الافتراضات...

وبدأت شخصنة الفكر تنحسر من قائمة الفلاسفة، ولم يضاف لتلك القائمة من جديد، بفضل المنجزات العلمية القائمة على مسح جميع الافتراضات التي تسكن أرض الواقع، ومنها الافتراضات الخاصة باللغة، بعد أن كشف العلم أنها مصدر ونتاج عقلي بامتياز، فأسقطت نظرية

تشومسكي التوليدية في حيّز الحقيقة اللغوية، حين سقط الافتراض فيها وصارت أرضيتها مكشوفة ومحسوبة النتائج بالأجهزة الطبية الحديثة...بعد كشف منطقة (بروكا وفيرنيك) التي تخصّ اللغة في المخ البشري....

 ولو عدنا للمنظور الفلسفي ورجحنا الجانب الأحادي، علينا إخفاء الأصل وتغطية الذريعة بالمنطق وسحبهما من الوجود، والعمل بالحقيقة البارزة من أصل فقط، إذا لا حقيقة في الوجود إلا بأصل، فالأصل يشكل جزءها الأول وحقيقتها تشكل جزءها الثاني، وبناءً على تلك القاعدة تتكئ الموجودات في الوجود على بنية ثنائية وليست أحادية، لكون الأحادية تعني نبذ الثنائيات والاعتماد على الكينونة الملموسة المنفردة في اللغة، أي الصوت فقط واستبعاد الكتابة، يعني ذلك موت الإله لديهم حين يدخل في حيز الحقيقة الملموسة والوجود المرئي، الذي جعلوه أصلًا للغة المنطوقة، ونطقها في حيز الواقع يُعدُّ وجودًا للموجودات وحضورًا ذاتيًا للإله، وكتابتها تنفيه من الحضور، بمعنى حضوره يُعدُّ موتًا، ونسوا أن الإله هو أصل الموجودات جميعًا، فهو (.... يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها.....)، وأن الأشياء لم تكن حقيقة ملموسة مالم تنبع من أصل غير مرئي، لذلك نصّت أحاديثهم على أن وجود النص المكتوب هو إعلان لموت كاتبه، وذلك الافتراض يشمل النصوص المقدسة وكاتبها، والحقيقة بنظري تظهر بمعكوس رؤيتهم الساذجة لهذا المنظور الأحادي بنظرة ميتافيزيقية، والواقع هو أن وجود النص بالمنطق يُقرّ وجود كاتبه، ولو انتفى وجود النص ينتفي كاتبه معه، فثنائية الخالق والمخلوق هي بحدّ ذاتها ثنائية الواجد والموجود والكاتب والمكتوب....وكما الصوت يثبت حضور الإله موقتًا فإن الكتب السماوية تقرّ خلوده، وتلك القاعدة المسنودة بذريعة التأصيل تنطبق على جميع أصحاب النصوص في التراث الثقافي العربي والإنساني الذي خلّدتهم نصوصهم.. وهذا امرؤ القيس يعيش بيننا....

نحن نعيش حياة حضرية يغزوها الالكترون وهو شاهد بسيط على ثنائية الخلق، من منا من شاهد الالكترون....؟فهل هو منتفي لأننا لا نراه أم موجود بنتائجه المبهرة والمنتشرة في حياتنا...؟؟ أظن لا حياة دونه... هل هو غائب وهو يشغل كل موجودات المنزل والشارع والعمل، ويضعك مع أبعد نقطة من هذا العالم صورة وكلامًا، كيف حدث ذلك ماديًّا؟ الالكترون الآن هو ما يتحكم في هذا العالم، ولو كان في القرون الوسطى لعبدوه، إذًا فهذا الأمر وحده دحضٌ لمنظور الأحادية، وقلب مفهومه رأسًا على عقب، وجعل الأصل هو الموجود والنتائج هي الحقيقة الثانية المستندة عليه والنابعة منه، مع إن أصل الالكترون غائب بيننا فيزيائيًّا، لكنه حاضر وبشدة بذريعة نتائجه، إذًا الشيء الموجود معروف بالنتائج ومعدوم بعدميتها، سواء كان غائبًا عن الرؤيا أو في حيّزها، وهذا مثال آخر يقرّ بأن النص يحيي الكاتب، بل يخلده، وهذا أرسطو حاضر بيننا بكتاباته وإن مات جسدًا منذ قرون...

تلك هي حقيقة "الأصل" التي أتحدث عنها، هي ما أسميتها "بالذريعة" أو"المنفعة" التي أوجدها الخالق في كل شيء، وخلق فيها النفع وعدميته، ولا أقول الضرر، فإن المنفعة توجد في كل شيء

وبعدميتها لا قيمة للشيء، فكل منا يرمي الأشياء الخالية من المنفعة في المزبلة كل يوم لانتفاء المنفعة فيها!.. خلق الله جميع مخلوقاته بمنفعة مكملة ومقدرة وبحساب دقيق، فكل حقيقة مرئية أو مفهومة بالنتائج، إذا كانت ذات منفعة فهي موجودة بذريعة المنفعة، وإن انحسرت المنفعة فيها فلا قيمة لها، ووجودها يصبح كعدمها، حتى علاقتنا مع الله هي منفعة، تنفيذ أوامر الله للمخلوق بالصيام لأجل منفعة الصائم جسديًّا، فرض الصلوات الخمس لرياضة العقل والجسد والروح هي منفعة، وخلق كل مخلوق على هذه الأرض مرئي أو غير مرئي بذريعة المنفعة، واختفاء أي مخلوق في الانقراض يشكل ضررًا ماديًا في الحياة وديمومتها، فأي تغيير نراه الآن في المناخ والطبيعة هو ناتج عن اختفاء مخلوقات ساهمنا نحن البشربنفاذها دون إدراك قيمتها ومنفعتها وفائدتها في التوازن الطبيعي الساند لحياتنا في الاستمرارية، فكل مخلوق من مخاليق الله ابتداءً من الجرثومة حتى الفيل قد أوجده الخالق بذريعة تتلبّسها المنفعة لتكمل بعضها البعض، وكل مخلوق خلقه الله له واجب وذريعة في التوازن الطبيعي (يضع الله سره في أضعف خلقه) وتلك ذرائع أعطاها لنا الله كأعمدة للوجود والاستمرارية في الحياة وكانت "اللغة" واحدة منها ... 

وحين خرج أصحاب اللغة - وأقصد الشعراء - إبان نزول القرآن الكريم في مطلع القرن السابع الميلادي، من حيز "المنفعة" نحو حيّز "النفعية" بذريعة سلبية وهي الطمع والجشع في المدح ثم الابتزاز بالهجاء، عدّل الخالق هذا المسار المعوج في اللغة، ونبّه أصحابها بسورة الشعراء الآيات (٢٢٤ و٢٢٥و٢٢٦) وطلب من الشعراء وأصحاب الكلمة النافعة أن ينضووا تحت الآية (٢٢٧) وأن يعودوا للمنفعة بذريعة الكلمة الطيبة الساندة للمجتمع بأخلاق إسلامية نابعة من أهمية اللغة وخطورتها في المجتمع العربي الإسلامي، وإن لا يتبعوا هوى النفعية بذريعة ملاحقة الطمع والجشع وابتزاز الناس والتفريق بينهم، وهنا وضع الله إسفينا بين "المنفعة" الموجودة في أوامر الخالق لمخلوقاته، وهي أرزاق جعلها الله بساطًا لديمومة ممالكه الثلاث، البشرية والحيوانية والنباتية، فكل تلك الممالك أرزاق ومنافع جعلها الله للبشر، فحين أخذ الجشع والطمع منهم ماخذًا تحوّلوا نحو "النفعية" فأغضبوا الله بذلك، فحذّرهم بسورة الشعراء كما أسلفت....

فالمنفعة: لغويا، في قاموس المعاني والقواميس العربية الأخرى تعني" منفعة عامة بفوائد مشتركة بين الناس، وتصرح السلطات بإمكانية توفيرها للشعب... ومذهب المنفعة في الفلسفة والتصوف أي في النظرية الأخلاقية التي تقول: إن كل الأفعال يجب أن توجه نحو إحراز القدر الأكبر من السعادة لأكبر عدد من الناس1 ......أما "النفعية": في قاموس المعاني أيضًا، فهي: مذهب للذين يطلبون المنفعة المجردة، ويرون المنفعة هدف كل عمل، وهو مذهب للوصول إلى المراد من غير تعب أو جهد أو استحقاق، وبطريقة غير شريفة وغير مستقيمة أحيانًا2 ....!!

وهنا جاء اللبس بين المعنيَين بالأمر، فصار من يخلط بين المنفعة والنفعية، لذلك سبّب لي هذا الخلط الضرر الكبير من الذين يعارضون الجديد دون النظر فيه والتدقيق في محتواه، حتى وصل الأمر بهم لشتمي في العلن، ومطالبتهم بحرق كتبي الذرائعية لأنها تحمل هذا المصطلح (pragmatism) ولم يفرّق المعترض بين اللبس في معناه، فهذا المصطلح الإنكليزي له سحر سلبي على بعض العقول العربية دون النظر فيه والتدقيق ومعرفة أصله ومحتواه، لذلك أوضح محتواه الأجنبي والعربي بما يلي:

- هذا المصطلح (pragmatism) يحوي المعنيين معًا (المنفعة والنفعية) لو ترجم للغة العربية لكون طبيعة اللغة العربية تختلف عن اللغات الأخرى في تأويل المعنى، وطغى المعنى السلبي على هذا المصطلح من أول ظهور له عام ١٨٧٨ وقد اقترنت فلسفة البراغماتية السلبية (النفعية) باسم (وليم جيمس وجون ديوي)، حتى الربع الأخير من القرن العشرين، حين خرج فرع إيجابي من البراغماتية النفعية السلبية تبناه الفيلسوف الأمريكي "ريتشارد رورتي" في أوائل السبعينات، وسمّي هذا الفرع الإيجابي اللغوي "البراغماتية الجديدة" مختلف تمامًا عن الفرع النفعي السابق، وهو فرع يأخذ المعنى اللغوي من السياق بذريعة التأويل لإعطاء معان مختلفة عن المعنى المنطوق، وليس له علاقة بالنفعية، وهو ما اتبعته في ذرائعيتي، لكن بأصل عربي، لأن العرب سبقوا الغرب باكتشاف هذا المصطلح في القرآن الكريم كما أسلفت....

- أما الباحثون من العرب فكثير منهم لم يتمكن من إخراج هذا المصطلح من المستنقع النفعي إلا الباحثان الكبيران " ميجان الرويلي وسعد اليازعي" بكتابهما (دليل الناقد الادبي)3 ص 122، وقد كتبوا عن البراغماتية اللغوية الجديدة بشكل دقيق ومفصل، أما سبب عزوف الكثير من الباحثين العرب عن الكتابة البرغماتية الجديدة يعود بنظري لسببين:

1- قلة التراجم عن هذا الفرع الجديد من البراغماتية المتمثل بالفيلسوف الأمريكي (رورتي).

2- هيمنة المعنى النفعي على أذهان الباحثين من سلبية المصطلح واتخاذه من قبل الغرب كذريعة للهيمنة الاستعمارية والتسلطية التي لا تزال تنخر بشعوبنا العربية ومنها قضية فلسطين والربيع العربي وأخيرًا الحرب بالنيابة...

وأختم مقالتي بكينونة الذرائعية العربية وليس كمصطلح فهي ترجمة لكلمة (pretext) السابقة لظهور البراغماتية بقرون، وهي ذات أصل عربي ذكر في القرآن الكريم بسورة الشعراء في مطلع القرن السابع الميلادي كما أسلفت، كمصطلح شامل في جميع لغات العالم تغطيه مفردة (pragmatism) للشمولية ليكون واحدًا ومعبرًا عن نفس الكينونة، فكل لغة من لغات العالم يسكنها هذا المصطلح، لكن لكون المصطلح استخدم لنفس الغرض العربي للمعنى التأويلي، إذًا هو مصطلح انكليزي بمحتوى عربي، وعند غيرنا هو مصطلح إنكليزي ولنفس المحتوى ...وهكذا...

لذلك نحن نعمل به عربيًّا في المحتوى وبحقيقته اللغوية العربية الإسلامية منذ ظهور أول بيت شعري عربي، وقد استخدمت الذريعة اللغوية في الشعر العربي الجاهلي والحديث وهي عربية الأصل ....ذرائعية وليست براغماتية ....الغربيون ترجموها منا وليس نحن من ترجمها منهم....!!....وقد كتب العرب عنها كمذهب لساني باسم أبعد معناها عن الأصل اللغوي بمفردة "التداولية" التي لم تعد بعيدة عن مصطلح الذرائعية سوى بالتسمية، وهي تتفق معها في المحتوى مع الفرق أن ذرائعيتي منهج نقدي والتداولية منهج لساني، وهو بتسميتها تلك تكون أقرب إلى التواصلية منها إلى الذرائعية...

 

عبد الرزاق عوده الغالبي

........................

1- قاموس المعاني

2- قاموس المعاني

3- سعد اليازعي وميجان الرويلي – دليل الناقد الادبي-صفحة ١٢٢

 

"لهذه الطليعة المرجوة المرتقبة كتبت معالم في الطريق"، لم يخاطب سيد قطب العامة بل خاصة الخاصة .. نيتشه أيضا كتب لقلة من الناس فقط، "ربما لم يولد أحد منهم بعد" .. هناك شعور هائل بمسؤولية تاريخية خاصة عند سيد قطب ونيتشه واحتقار بلا حدود للواقع المنحط، فالاثنان يعيشان عزلة شعورية عما حولهما، داخل أفكارهما أو في المستقبل (أو في مكان ما في الماضي عند قطب) .. ووسط كل ذلك لا يوجد أي تواضع مزعوم بل ثقة مطلقة وكبرياء جريح، وخلف كل ذلك جملة من الإحباطات الحياتية والعاطفية وسلسلة أطول من الآلام الجسدية والنفسية .. من الجسد المحطم والآمال المنهارة يصدر شيء ما، جامح، ثائر، سيرسم تاريخ حقبة تالية للناس الذين اكتفوا ذات يوم بمراقبة تلك الآمال والآلام بصمت ولا مبالاة .. لحظة يلامس فيها التاريخ الفعلي حدود الأسطورة، يتناغم فيها التماثل والتناقض في صورة حية مثيرة، ليس فقط بين نيتشه وقطب، بل بين عالمين يقفان في مواجهة بعضهما .. استثنائية هي أيضا الأوصاف التي أطلقها خصوم الرجلين ومريدوهما عليهما : إرهابي، نازي، منظر الإرهاب المعاصر، أبو النازية، عدمي، متشائم، مجنون، الخ .. لكن على الرغم من تلك التشابهات هناك فروق أو تناقضات كبرى تضع الرجلين في مواجهة أزلية .. بينما يتحدث قطب عن الرجوع إلى النبع الخالص، النص القرآني المقدس، العودة إلى الماضي، عن مستقبل يوجد بالكامل في ماض سحيق يجب إعادة إنتاجه بحذافيره دون أي تعديل، عن استسلام مطلق ينأى عن أي نقد أو تفكير أو أي وجود مستقل للذات التي عليها أن تفنى نهائيا في النص المقدس، "إخلاص العبودية لله"، ليس الإنسان إلا عبدا والاعتراف بهذه العبودية وممارستها هي أرقى درجات الوجود الإنساني، لا يجب فقط تذكير الإنسان بذلك بل يجب أن تفرض عبودية الإله المطلقة على الجميع، وفي هذا خلاصنا الوحيد ... على الجهة الأخرى : ثورة على كل شيء، تحطيم لكل الأصنام، اعتراف حزين بموت الإله، ودعوة متشائمة مرحة إلى مواصلة الحياة في عالم ما بعد الزلزال، إلى اكتشاف السوبرمان داخلنا بديلا عن الآلهة التي ماتت، شخص يصر أنه ليس نبيا ولا قديسا ولا معلما، بل فوق كل ذلك : شخص لا يعد بتحسين البشرية، "هذه ليست موعظة وليس مطلوبا منكم أي إيمان"، إنه يرفض حتى الإيمان به، "إنني يا مريدي أمضي وحيدا ! وأنتم أيضا انطلقوا وحيدين" .. أدرك الاثنان ( قطب ونيتشه ) جيدا أن "الله قد مات"، "نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم، كل ما حولنا جاهلية" (معالم في الطريق - سيد قطب) .. ليس هذا فقط، بل إن قطب ينبهنا إلى أن الإسلام السائد قد تلوث هو الآخر وانحط إلى جاهلية محض .. يعترف قطب أيضا أن زمن المعجزات قد ولى وأن الدين قد قفد سحره في العالم المعاصر (1)، هو يرى أن الله قادر "طبعا" على تغيير هذا كله لكنه - سبحانه - شاء أن يتحقق منهجه الإلهي عن طريق الجهد البشري وفي حدود الطاقة البشرية لحكمة يعلمها هو وحده، وبالنسبة له لا مكان هنا لسؤال "لماذا"، لكنه في نفس الوقت ينفي تماما أن الإنسان مستقل عن قدرة الله وتدبيره ... لقد جاء جواباهما على موت الإله متباينا لدرجة التناقض، لدرجة الصدام العنيف .. خلافا للاعتقاد السائد بيننا (أقصد كعرب وكمسلمين)، لم يقتل نيتشه الإله بل لقد نعاه وحزن لموته مثل الآخرين ("لم يكن نيتشه ملحدا لكن إلهه مات" - كارل يونغ) ولامنا بقوة نحن القتلة على جريمتنا الشنعاء، لكن نيتشه قبل على مضض دفن الآلهة التي قضت وقرر البدء من جديد بتشاؤم مرح في عالم لا مركز فيه ولا ثوابت .. أما قطب فقد أصر، ونحن معه، ليس فقط على تحنيط جثة الإله بل على فرض عبادتها على الجميع .. لكن هذا لا يكفيه، إنه يحلم بالانتقام من كل الذين قتلوه أو جاهروا بموته .. هذا لا يجعل قطب ونحن معه مثل ذلك الناسك المنعزل الذي لم يسمع بعد بموت الإله ... لقد شاهد قطب بأم عينيه العالم وهو يعيش ويتطور ويمضي في طريقه دون إله، بل بأفضل بما لا يقاس مع الأوقات التي كنا فيها نعيش في ظل إله ما ونعبده .. لم يقتل البشر آلهتهم فحسب، بل اقتربوا كثيرا هم أنفسهم من مصاف الآلهة .. بالنسبة لقطب لا يعد فقدان الأمل والمعنى في عالم ماتت آلهته عقوبة كافية لنا البشر على اقتحامنا عوالم كانت فيما مضى مقصورة على الأرواح الشريرة والخيرة والغاضبة، يجب أن تكون عقوبتنا أقسى، أشنع .. تؤكد الأسطورة الدارجة أن الظاهرة القطبية قد اكتملت في أمريكا، وهناك أعدنا إنتاجها مرات ومرات .. في كتاب قطب عن أمريكا لا نجد أي شيء مختلف عن الصورة النمطية السائدة بيننا عن الغرب، هجاء مرير لمادية الغرب ولا أخلاقيته بعد أن قتل إلهه .. ليس الغرب اليوم كما وصفه قطب وكما نراه إلا حفلة ماجنة من احتفالات ديونيسيوس، إله الخمر .. يكفي أن يحل ديونيسيوس هذا في أي مكان ليصاب الجميع بالجنون ويبدؤوا بالتصرف دون ضوابط، كي تراق الخمور والدماء وتنتهك كل "الحرمات"، بقدر ما أصبح الغرب ديونيسيوسيا بقدر ما نراه مثيرا للتقزز والكراهية .. لكن ما هو سبب ذلك الغضب الهائل الذي ينتابنا من ديونيسيوس، لماذا نرفض الحياة بعد أن اتضح أن كل الآمال فيما وراءها هي مجرد أوهام؟ ومن هو الإله الذي ندافع عن جثته بهذه الشراسة .. نحن لسنا أبولونيون (أبولو إله العقل عدو ديونيسيوس حسب نيتشه)، إلهنا (إله سيد قطب) يرفض العقل بنفس الدرجة التي ينكر فيها الجسد، أي إله إذن نريد للجميع أن يخشعوا له صاغرين؟ هل ندعو الناس لعبادة إله الموت، إله العالم السفلي، أم إله الحرب، أم ماذا .. ما هي الشريعة التي نريد فرضها على الجميع كما على أنفسنا : شريعة الغاب باسم الرب أم شريعة الغاب باسم الإنسان في مقابل شريعة الغاب باسم العدم، أم ماذا .. إذا كان راسكولنيكوف يقتل لأنه يعتقد أنه متفوق فإننا نريد أن نقتل كل من تجاسر على أن يعيش في عصر ذابت فيه الحدود بين البشر والآلهة لأننا نعتقد أننا مجرد عبيد وأن هذا من حقنا بالتحديد لأننا عبيد جيدون .. هل انتقامنا من ديونيسيوس يعود إلى أنه قد سرق مجد إلهنا وتركه جيفة بينما واصل هو سيره العشوائي نحو القمم ؟ هل السبب في ذكورتنا، في تقديسنا للأب ورعبنا من الإقرار برغبتنا في قتله، هل هو الخوف من النظر في المتاهة، أم هو كما نحب أن نردد : الكبرياء الجريح لامبراطورية غربت شمسها وتفسر موتها على أنه موت البشرية بأسرها أم أنه الروح الكئيبة لدين يعارض الحياة بما بعد الحياة أم أنها الصدفة المحضة عندما رفض عبد الناصر تعيين قطب وزيرا للمعارف ثم عندما نبع النفط في الصحارى الكئيبة وأصبح من المتاح لبعض الأمراء أن يتسلوا بتحديد ما نسمع ونقرأ ونرى ونعتقد .. لماذا نرفض الإنسان الأعلى لصالح القطيع، أخلاق السادة لصالح أخلاق العبيد .. ألم يعبد أجدادنا باخوس ذات يوم، ديونيسيوس الشرق، ألم تعبده كثرة من الفرق الباطنية لعقود بل لقرون .. ماذا نريد فعلا ؟ أن ننضم إلى قطيع الإنسان الأخير كما سماه نيتشه، العاجز حتى عن احتقار نفسه، التواق إلى الحياة السهلة، أن نكون أكثر نسخ هذا الإنسان الأخير بلادة وتفاهة وغباءا وكسلا أم نطمح إلى هرمجدون أخيرة على طريقة شمشون، هل نريد ابتزاز الإمبراطورية أم تهديمها .. بماذا نحلم في عالم ماتت آلهته وضاعت بوصلته .. أن نعيد عقارب الساعة إلى ما قبل ألف وخمسمائة عام، أن نوقفها، أن ندفعها بعنف إلى الأمام بطريقة غير مسبوقة، أم ماذا .. لقد ثار سبارتاكوس ضد عبوديته، فهل نثور نحن ضد حريتنا، أو ضد حرية الآخرين.. هل الحرية التي نتوق إليها هي حرية عبادة جيفة ميتة.. أم ماذا

 

مازن كم الماز

 

منى زيتونمن أكثر ما نقرأ إمرارًا هو دعاوى بعض المنبطحين فكريًا للغرب عن عدم تعارض نظرية التطور مع ما جاءت به الأديان!

يدعي هؤلاء أن الاتجاه الطبيعي في علم الأحياء - الذي هو نزعة مادية صرفة- لا يتعارض مع استمرار إدارة الله للكون وقيوميته عليه! ولا يعني أن الطبيعة تبدع وتخلق!

وبالرغم من أن المنطق السليم يقتضي أن يكون الرد على مدى صحة نظرية يُدعى أنها علمية بالأدلة العلمية والفلسفية والمنطقية، وألا نستدل بآيات القرآن والكتاب المقدس، لكن يكون الرد من منظور ديني -والذي قد نستخدم فيه بعض الآيات- منطقيًا على من يزعمون اتفاق نظرية التطور مع الدين؛ مدعين أن التطور هو أسلوب الله في الخلق، لأن هذا من باب الزعم باتفاق نقيضين، فمن تفلسف جاهلًا باتفاقهما وجب الرد عليه، وهذا ليس من باب الكلام الفارغ بل الملآن.

بدايةً، وقبل مناقشة تفاصيل ما تدعيه نظرية التطور مما يتنافى تمامًا مع ما قررته الأديان السماوية لا بد أن نقرر ونتفق مع كل من قال إننا حين نتحدث عن الفرق بين الإلحاد في الشرق والغرب يجب الاعتراف أن المجتمعات الغربية لديها ميراث هائل من الأفكار والمقاربات التي امتدت لقرون حتى انتهت بالإلحاد لعدم قدرة المسيحية على المواءمة مع العقل، بينما الملحدون الشرقيون يلحدون تقليدًا دون فكر ودون علم. ومن خلال معرفتي بعينة لا بأس بها منهم أستطيع أن أضيف أنه تكون لمعرفتهم القشورية بنظرية التطور وتصديقهم بها أثرها الكبير في إلحادهم.

بالنسبة لتأثير نظرية التطور على اللاهوت المسيحي، أرى أن تأثيرها قد انقسم إلى قسمين رئيسيين:

- زعزعة الإيمان بنظرية الخلق القائمة على الكتاب المقدس، تلك التي تفسدها بعض الأرقام الواردة في التوراة، ومن ثم فهي حقيقة تشوه تاريخ الحياة على الأرض.

وللعلم فإن نظرية الخلق ليست هي ذاتها نظرية "التصميم الذكي" التي بالرغم من اشتراكها مع نظرية الخلق في القول بالخلق المستقل للأنواع الحية، فإنها تستند إلى أسس علمية ويشترك في الاعتقاد بها إضافة إلى المتدينين بديانات مختلفة بعض اللا أدريين أشهرهم ديفيد برلنسكي.

- زعزعة الإيمان بالله، ومن ثم انتشار الإلحاد لدى كل من فهم النظرية حقيقة وأولهم صاحبها دارون.

فالإيمان بنظرية التطور هو بالفعل أحد أهم أسس الإلحاد، ولا يمكن منازلة الملحد دون معرفة بنظرية التطور. لكن من المؤكد أيضًا أن المعرفة لا تساوي المسايرة والانبطاح الفكري وتأويل الدين ليتناسب مع الفكر الإلحادي كما يفعل دعاة التطور ممن لا زالوا على دين الإسلام، ونتعرض في هذا المقال إلى أشهر مغالطاتهم ونتناولها بالرد عليها.

الإيمان بالانتخاب الطبيعي على خلفية قرآنية

يدعي هؤلاء أن آيات القرآن لا يُستدل منها على الخلق الخاص؛ إذ يقرون أنهم يؤمنون بالانتخاب الطبيعي على خلفية قرآنية، ويذكرون عددًا من آيات الكتاب العزيز ويفسرونها بما يخالف سياقها لإثبات التطور؛ بينما لا يوجد دليل على التطور أساسًا من القرآن إلا عند من يعبثون بآياته ويحرفون الكلم عن مواضعه.

وهذه الآيات القرآنية التي يحاولون إخراجها عن سياقها القرآني تستحق مقال بحياله لتوضيح كيف أن محاولة إيجاد علاقة بين تلك الآيات والتطور هي محاولة تعسفية.

كما يتصورون أن الكل يؤمن بالتطور بطريقة أو بأخرى! ويقصدون التطور الموجه من الله الذي يؤمنون به فعلًا! والسؤال هو: من الذي أفهمكم هذا؟! من صور لكم أن الكل يمكن أن يؤمن بالتطور حتى لو كان بتوجيه من الله؟!

وإيمانهم بذلك الانتخاب الطبيعي يجعلهم يصرون على أنهم عندما يقولون أن الطبيعة تمارس دورًا في الخلق فهذا لا يعد شركًا بالله بل إن هذا من قبيل تسبيب الأسباب، وعمل الطبيعة شأنه شأن لقاء الرجل بالمرأة، وقضاء الجنين البشري فترة الحمل في الرحم، بزعمهم! فلم يقل أحد أن تلك العمليات تخلق الفرد بل هي مسببات لإتمام عملية خلقه المقدرة بواسطة الله سبحانه وتعالى، وكذلك يجب أن ننظر للانتخاب الطبيعي!

والمغالطة التي يسوقونها هنا هي في وصف عمل الطبيعة وفقًا لتصورهم أنه مجرد تنفيذ لإرادة الله وكلمته "كن فيكون"، فالدور الذي تعطيه النظرية للطبيعة هو دور إبداعي creative factor وليس دور تنفيذي.

نضرب مثالًا –ولله المثل الأعلى- بشخص اخترع اختراعًا، فإن قام أشخاص بتنفيذ تصميم اختراعه أمام عينيه وبإشرافه فهم لا يدعون أنهم أصحاب الاختراع، فليسوا هم من أبدعوه، ولكن عندما يريد أحدهم أن ينازعه في براءة الاختراع، وينسب إلى نفسه أنه مبتكره فهذا شيء آخر، وهذا الدور هو ما يتم عزوه إلى الطبيعة في نظرية التطور.

فالنظرية لا تدعي أن الطبيعة تنفذ مشيئة الله كما يحاول منظرو التطور الإسلامي أن يقنعونا، ومحاولاتهم للتوفيق أشبه بحديث مشركي قريش عن الإيمان بالله وهُبل! والتبجح بعدم وجود مشكلة في الإيمان بكليهما! والمزاوجة بين الله والطبيعة حط من شأن الله وشرك به، لو كنت تفقهون.

الأكثر مهانة للإنسان أن يكون مخلوقًا من طين!

من المغالطات التي يستخدمها هؤلاء أيضًا استخدامهم اللعب على المصطلحات، فيدخلوننا في سفسطة يتضح منها أنهم يرون أن الأكثر مهانة للإنسان أن يكون مخلوقًا من طين وتراب عن أن يكون مخلوقًا من حيوان، ويقولون أليس الحيوان خُلق أيضًا من طين؟! علمًا بأن الله سبحانه وتعالى أخبرنا أنه كرّم بني آدم، كما أخبر أنه ﴿بَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾، وأي مؤمن بالله على أي ديانة توحيدية لا يرى فما أخبر به ربه إهانة، ولا يتفلسف بمحاولة تأويل أمر واضح أخبره الله به صراحة، فعندما يختار الله سبحانه وتعالى للإنسان أن يكون خلقه من طين فهذا هو الأكرم له، والأمر لا يخضع لأهواء المضلين.

كما يخلطون حديثًا ليس هذا مقامه عن أفضلية البشر على بعضهم البعض بالعمل الصالح أو الطالح بهذا التخبيص المصاحب لتسفيه أصل الإنسان الطيني.

من مغالطاتهم الأخرى المصاحبة لتلك المغالطة ادعاء أن المؤمن لا يجد حريجة في أن يُقال أن أصله خلية واحدة، فلِم التحرج من الأصل الحيواني؟!!

والحقيقة أنه عندما لا يجد المؤمنون حريجة في أن يُقال أن أصل الإنسان خلية واحدة، فهم بهذا لا يقبلون خرافات التطوريين، فالخلية الواحدة التي نقبل أن يُقال إنها أصلنا هي إشارة إلى الزيجوت المتكون من اتحاد الحيوان المنوي بالبييضة، وليست تلك الخلية الحية الأولى التي يفترض التطوريون أنه قد انبثقت منها كل الأنواع الحية، ولا يجدون مع ذلك تفسيرًا لكيفية نشأتها!

دوكنز قال لـ بين ستاين في مقابلته معه في وثائقي "مطرودون": إن تلك الخلية الحية ربما أتت من الفضاء الخارجي، لكن مؤكد أنها نشأت بطريقة ما بالانتخاب الطبيعي!"، وطبعًا فمثل تلك الأنماط البائسة في التفكير هي التي تعجب المتعالمين.

ومن تفلسفات التطوريين المعروفة أيضًا فيما يخص تسفيه أصل الإنسان وفقًا للأديان أنهم يهزؤون من أي عامي بسيط يرفض التطور ويقول لهم إن الإنسان ليس أصله قرد، ويردون عليه متعالمين: "من أخبرك إن دارون قال إن الإنسان أصله قرد؟، بل قال دارون: إن الإنسان والقرد ينحدران من أصل واحد مشترك!".

والسؤال هنا: عندما تبحثون عن الأصل المشترك الأول الذي يجمع الإنسان بالقرد، هل أنتم تبحثون عن حفرية كائن أقرب للإنسان منتصبة القامة ولها جهاز صوتي يسمح بالكلام؟ أم تبحثون عن حفريات قرود بدائية غير منتصبة القامة لتمثل لكم تلك الحلقة الوسيطة بين الإنسان والقرد؟

الحقيقة المرة التي تحاولون تزييفها أنكم تبحثون عن قرد بدائي ليكون جدكم، وهذا العامي البسيط الذي تسخرون منه يفهم الحقيقة العارية كما هي، فليس الخلقويون من يلعبون بالألفاظ. وعلى كلٍ.. من يرتضي لنفسه أصلًا حيوانيًا يتكلم عن نفسه، ولا يتفلسف على باقي البشر. نحن جدنا آدم وحواء كما أخبرنا الله تعالى، وليس خنزير وقردة تزاوجا فنشأ الإنسان الأول، كما ذكرتم في واحدة من أحدث تخبيصاتكم.

http://www.theguardian.com/science/occams-corner/2013/dec/04/theory-chimps-pigs-hybridisation

http://www.dailymail.co.uk/sciencetech/article-2515969/Humans-evolved-female-chimpanzee-mated-pig-Extraordinary-claim-American-geneticist.html

لو كان هناك تصميم وخلق مستقل لما وُجدت عيوب في الخلق!

المغالطة الثالثة التي يروج لها هؤلاء المنتسبون للإسلام أدعياء الداروينية أنهم يقولون إنه لو كان هناك خلق مستقل لكان كل شيء في مكانه بلا زيادة ولا نقصان ولا عيوب! ويقررون أنهم يرون تصميم كثير من المخلوقات ومنها الإنسان معيبًا، ولكن مع بعض التفلسف الذي يبررون به كونه معيبًا –حاشا لله- كجزء من ملحمة الدراما الإنسانية! ويكتبون عن الضعف البشري وغيره.

ومن المعروف أن ما يُسمى بالأعضاء الأثرية يُعتبر من أقوى ما يستدل به التطوريون على صحة نظريتهم، ولي مقال علمي طويل مفصل بالأدلة العلمية في الرد على شبهتهم تلك. وأدعياء الداروينية من المسلمين لا يستطيعون رفض هذه السفالات المنسوبة لله سبحانه وتعالى، وعليه يقودهم الإيمان بالتطور إلى أن يعيبوا التصميم الإلهي كالملاحدة، متبعين خُطا إبليس، ناسبين إلى الله النقص!

كما أن نظرية التطور تناقض برهان النظم وهو من أقوى الأدلة على وجود الله تعالى لأنها تطعن في وجود ذلك النظام والتصميم في الكون البادي لكل من له بصر وبصيرة، لكن مدعي التطور من المسلمين ممن يتصورون إمكانية المزاوجة بين الماء والنار يدّعون أن برهان النظم لا يُفترض أن نستدل به على إثبات بعض صفات الله ومنها الحكمة من كل وجه، وهذا طبيعي لمن يصدق دعاوى التطوريين بأن هناك عيوبًا، فمن يخلق عيوبًا كيف سيكون حكيمًا؟! هل تعرفون أن ما تذكرونه يعتبر إلحادًا في أسماء الله لمن يفهم.

يقول أحدهم في إحدى خطبه: إنه "من البلاهة والغباء أن يُقال إنه لو كان الإنسان مُصمَمًا لإله حكيم قدير لكان ينبغي أن يكون تصميمه على أحسن ما يكون. لا، هو مراد أن يكون تصميمه هكذا!".

وهذا حالهم جميعًا؛ إذ لا يفرق التطوريون –خاصة من يدعون أنهم على دين الإسلام- بين ما يسمونه عيوب التصميم التي يعيبون فيها على الخالق زورًا بجهلهم وينتقصون من عظمته وإبداعه، وبين حدوث بعض ما شاعت تسميته بالعيوب الخلقية للجنين منذ الميلاد، بل وأحيانًا لا يميزون بينها وبين المرض ويعتبرونه عيبًا.

وهذه من أكبر مغالطاتهم، فتصميم الله سبحانه وتعالى لكل عضو يكون في أعلى وأفضل جودة وفقًا للوظيفة التي أوجده ليؤديها، ولكن الله لم يخلقنا لنخلد بل لنعيش على الأرض فترة نبتلى فيها ثم نفنى، ويأتي بقوم غيرنا. وعليه فهذا الكيان المصمم بطريقة رائعة عُرضة لأن يعطب سواء كان هذا العطب ناشئ من لحظة الميلاد فيما يسميه الناس عيوبًا خلقية، أو بعد الميلاد خلال مشوار حياته فيما يعرف بالمرض.

ويمكن التشبيه بسيارة ذات تصميم مثالي، ومع ذلك قد يحدث فيها خطأ أو عجز سواء من المصنع أو بسبب الاستخدام، حتى تتكهن في آخر المطاف بعد سنوات.

فكل شيء خلقه الله في مكانه بلا زيادة ولا نقصان ولا عيوب، ومن يعرف حقيقة الحياة والغرض من وجوده فيها لا يسأل عن سبب مشكلة لازمته من لحظة ميلاده ولا مرض ولا موت. أنت لم تُخلق لتُعمر في الأرض. أنت وُجدت فيها لتُبتلى ثم تُحاسب وتجازى وتبدأ بعدها حياتك الحقيقية.

والمفترض أنكم مؤمنون ولستم ملاحدة، ومقتنعون بهذا، أليس كذلك؟!! الحقيقة أن كل من يؤمن بالتطور ويبرر له لا بد له أن ينطق كفرًا.

الله ﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾. الله لم يخلق شيئًا عبثًا، ومن يدعي أنه يؤمن بخالق بارئ مصور، وأنه نظم الكون وكل ما فيه بذكاء، ويدعي مع ذلك وجود عيوب في خلقه، في إيمانه شيء؛ فالمنطق يقول إنه لا يمكن للذكي أن ينتج تصميمًا مشوهًا معيبًا.

تدعون أنكم مؤمنون بالله وأن أسلوب الله في الخلق هو التطور الموجه، فهل خرجت الطبيعة عن توجيهه وخالفت رغبته وأنتجت عيوبًا؟!

إن مجرد الإصرار على تكرار وجود عيوب في الخلق لا يليق بمؤمن، فما بالنا أن كل ما يدعيه التطوريون عيوبًا ليس بعيوب! إن من يردد هذا الكلام هو مؤمن بالتطور فقط، وليس حتى بالتطور الذي يحاولون أن يلفوه بصبغة دينية كاذبة؛ لأن المؤمن بوجود تطور في ضوء توجيه الله –وحاشا لله أن يوجه فقط فكل الخلق صنع يديه- لا يسأل سؤالًا من هذه النوعية (لماذا تكون هذا العضو أو ذاك؟). لا يمكن لمؤمن أن يتساءل ببلاهة الملحدين لماذا خلق الله هذا الكائن هكذا؟ ويرى أن تصميمًا ما في خياله المريض سيكون أفضل للكائن أو العضو مما خلقه الله عليه.

ولكن العقل الضحل والتفكير السطحي هما ما يجعلان صاحبهما لا يرى عظمة الله في تصميم كونه وتنوع مخلوقاته، والجهل بوظائف كثير من الأعضاء في الأنواع الحية هو ما يجعلهم يدعون أنها بلا وظيفة وأثرية أو معيبة التصميم! والعجيب هو استمرار ترديد تلك الخرافات حتى بعد أن أثبت العلم وظائف هامة لكثير مما اعتبروه في الماضي أعضاءً أثرية!

إن ادعاء وجود عيوب في خلق الأعضاء تم عزوها لأثر التطور وليس لتصميم الله سبحانه هو قول يشرك الطبيعة مع الله في الخلق، ويطعن في حكمة الله وإحاطته بخلقه، كما يطعن في غائية الخلق وأن كل شيء خُلق متكيفًا مع ما هو ميسر له من البداية، ويدعم نظرة أخرى ذات طبيعة إلحادية بأن كل شيء قابل للتعديل والسمكرة ولم يُخلق ابتداءً لذا فهو ملئ بالعيوب، وحاشا لله.

لذا أكرر أن الإصرار على ترديد وجود عيوب تصميمية في الخلق هو فكر إلحادي صميم، ينبغي التحذير منه، ويمكن لأي متفلسف أن يدخل إلى أي منتدى إلحادي ويقرأ ما يكتبون. يقولون: "الله ربكم –وحاشاه- مهندس فاشل"! كما يتندرون بوجود مشاريع يسمونها "إعادة تصميم جسم الإنسان"، والأغبياء من ورائهم يجارونهم ويرددون سفاهاتهم في حق الله.

ولنا مقالات نرد فيها على ما ادعوه عيوبًا في التصميم إن كان هناك من يريد أن يتثبت أن ربه عليم حكيم وليس صانع ساعات أعمى كما يصفه دوكنز، ولكن من الواضح أن هدف كثيرين هو الانتصار للتطور حتى لو طعن في حكمة وعلم الله وعاب خلقه.

﴿هذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.

﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾

﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾

﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ و ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾

وعن أولئك الذين يدعون الإيمان بالله والتصديق بنظرية التطور معًا فهم أحد صنفين:

إما متعالمين لم يدرسوا النظرية أو لا يفهمون فيها شيئًا لضعف درايتهم بعلوم التاريخ الطبيعي، فهم جهلة وضعاف عقول لا يعرفون شيئًا عن العلم أو المنطق، ولولا جهلهم بالنظرية وعقولهم السطحية ما احتفظوا بإيمانهم، فلو فهموا حقيقة ما يقول دارون وما يستتبعه الإيقان بصحة النظرية فهذا يعني أنهم فقدوا إيمانهم وجحدوا آيات الله وكفروا بها.

والبعض الآخر منهم ممن نقرأ منشوراتهم وتعليقاتهم ممن يكتبون كلامًا لا يُغتفر، ويصل بهم الحال إلى العيب في الذات الإلهية والإلحاد في أسمائه (البارئ والخالق والمصور) وجحد آيات من كتاب الله ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ لأجل عيون دارون ونظريته، فهم في أحسن أحوال الظن بهم ملحدون جزئيًا وصورة الله في أذهانهم مشوهة، أما إن أسأنا الظن فلديهم بعض الشكوك في وجود الله وإن كانوا يكتمونها.

الشرك والإلحاد أنواع وأشكال. مثل هذا الشخص الذي يدعي أن الطبيعة خلقت بتوجيه من الله ليس كافرًا بوجود الله، ولكنه يشرك الطبيعة مع الله في الخلق دون أن يشعر، ويلحد في أسماء الله أيضًا دون وعي، وهذان ليسا بالإلحاد ولا بالشرك اللذين يوجبان الخسران المبين في الآخرة، ولكنهما يبقيان اعتقاد فاسد في الله سبحانه وتعالى.

نظرية التطور تحتوي على أفكار رئيسية لا يمكن أن تتفق مع الإيمان بالله، واقتناع أي مسلم بها يطعن في صحة إيمانه، ولا يمكن بتاتًا الإيمان بالله وبالتطور لأن مقتضيات الإيمان بأيهما يتناقض مع الآخر.

هذه النظرية تجرجر من يتمسك بها للكفر رويدًا رويدًا، وعندما تعند وتحاول أن تبرر لها زورًا سيلهمك الشيطان تبريرات كفرية، فيكون الهدف هو إثبات التطور حتى لو كان ما تقول ينفي وجود الله أو أنه الخالق، ومن تجرجره النظرية القذرة من لسانه في الدنيا ستجرجره في الآخرة على قفاه في النار.

والعجيب أن بعض أذناب التطوريين العرب لا يملون من تكرار الإسطوانة المشروخة أن هناك من العرب من لا يدرك الاستتباعات الخطيرة لنظرية التطور على قضايا الإيمان، ويكثرون من الحديث عن الشباب الذين يقرأون التراث العلمي ويحرجوننا! الشباب من هذه النوعية الذين يتحدث عنهم هؤلاء قشوريون متعالمون، لا يملكون أدوات التحقيق والنقد العلمي؛ لذا لا يفهمون ما وراء كل دليل مطروح مما يُدعى فيه العلمية من خداع، لذا فهم يحرجون هؤلاء ممن لا يعرف كيف يرد عليهم إلا بخداع نفسه وخداعهم بتوافق التطور مع الدين.

ويسعدنا في المقابل أن نكون ممن لا يقبلون الانبطاح عقليًا مثلهم، ممن يرفضون تأويل وتحريف العقيدة لتتوافق مع التطور، ممن يرفضون الخداع العقلي باسم العلم ويصرون على نقد وتحقيق أدلة التطوريين علميًا ومنطقيًا وكشف زيفها. ولي سلسلة من المقالات العلمية المطولة في الرد على التطوريين، لمن أراد الإطلاع عليها.

 

د. منى زيتون

 

محمود محمد عليفي هذا الجزء الرابع من حديثنا عن كيفية سقوط الاتحاد السوفيتي بحروب الجيل الرابع نقول: بدأ المخططون البريطانيون والأمريكيون في التفكير في بناء تحالفات ونظام للدفاع ضد الاتحاد السوفيتي عبر حدوده الجنوبية؛ حيث" أقحموا الإسلام في الموضوع، واعتبروا رابطة الدول العربية التي قامت بإيعاذ بريطاني مثلاً ضعيفة، لأنها لم تشتمل علي تركيا، وإيران، وباكستان، وعندئذ طرح اقتراح لتحويل جامعة الدول العربية إلي رابطة لعالم إسلامي، لتشمل علي الأقل إحدى دول الشمالية، وفشلت الفكرة وركزت السياسات التالية بدرجة أقل علي الإسلام، وبشكل أكبر علي النفوذ الأنجلو أمريكي . وخلال فترة حكم "ترومان" و"إيزنهاور" استمرت الولايات المتحدة تنفذ سياسات، وتقوم بجهود لتعبئة العالم الإسلامي في الحرب الباردة واستغلال الإسلام، كسلاح ضد النفوذ السوفيتي" .

إلا أن العلاقات بين الإسلام السياسي والولايات المتحدة بقيت بين مد وجزر تبعاً لمعطيات كل حقبة وظروفها؛ فقد "بنت الولايات المتحدة علاقات مع الإخوان المسلمين كحليف لها، خلال الحرب الباردة في صراعها مع الشيوعية بالأساس، ولتقويض فكرة القومية العربية والناصرية التي جمعت بين الاثنتين: الفكر القومي والموالاة للشيوعية. ولكن عقب الثورة  في إيران عام 1979 عرف الإخوان أول خلاف لهم مع الولايات المتحدة الإسلامية، كما يشير البعض على إثر ترحيبهم بمجيء نظام "الخميني" عقب ثورة اعتبرت مناهضة  للولايات المتحدة، وأعطت دفعة قوية لتوسع الأصولية الإسلامية على الصعيدين الإقليمي والعالمي. بيد أن هذا التنافر سرعان ما تم تجاوزه بسبب التدخل السوفييتي في أفغانستان نهاية عام 1979 الذي أحيا التعاون بين واشنطن والإخوان" .

فقد شكل الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفيتي بتحالف الولايات المتحدة مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والرابطة الإسلامية، وآخرون " بدعم يصل إلي ثلاثة مليارات دولار وبإشراف وتعاون ودعم السعودية وباكستان، تحولاً في الحركة الإسلامية قوي الإسلام السياسي، وذلك عبر محاربة الشيوعية، وإعداد كادر جديد مدرب علي القتال العسكري، وتعزيز روابط المسلمين بين شمال إفريقيا، ومصر، والخليج العربي، ووسط آسيا، وصعود الإسلام السياسي الاقتصادي من خلال قوة البنوك الإسلامية، وتعزيز قوة المؤسسات الدينية المصرية" .

ثانياً : الغزو السوفيتي لأفغانستان وحرب العصابات:

إذا كان سباق التسلح خلال فترة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، قد أوصل الأخير علي مشارف الإفلاس، فإن الحرب الضروس بين جبال أفغانستان الوعرة قد أكملت علي قدرة الدولة السوفيتية وبرامجها في تطوير أسلحتها؛ ففي عام 1979،  قرر الاتحاد السوفيتي غزو أفغانستان عسكرياً ؛ وذلك بهدف دعم الحكومة الأفغانية الصديقة للاتحاد السوفيتي، والتي كانت تعاني من هجمات الثوار المعارضين للسوفييت، والذين حصلوا على دعم من مجموعة من الدول المناوئة للاتحاد السوفييتي من ضمنها الولايات المتحدة الأمريكية، والسعودية، وباكستان، والصين، هذا من ناحية، ومن ناحية أخري التمدد نحو الجنوب والوصول إلى المياه الدافئة. ولهذا عندما "أطيح بنظام "شاه إيران" في ديسمبر 1979م، وقيام نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، واختلال التوازن السياسي في المنطقة لغير صالح أمريكا، استغل الكرملين هذه الفرصة وأقدم على احتلال أفغانستان عسكرياً" .

وهنا قامت الإدارة الأمريكية بتشكيل ائتلاف في الكونجرس الأمريكي سمي بقوات الضربة الأفغانية، وكان الهدف من إنشاء هذه القوات، هو الثأر من السوفييت والانتقام منهم على ما فعلوه في فيتنام؛ حيث كانوا "قد دعموا ثوار الفيتكونغ Viet Cong الذين ألحقوا الهزيمة بالقوات الأمريكية وكبدوها خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، وحسب وجهة نظر الأمريكيين، فإن أفغانستان تعد أنموذجاً للثأر من الشيوعيين"، الذين ساندوا الفيتناميين في حربهم ضد الولايات المتحدة الأمريكية؛ وذاك عندما أعلن الرئيس الأمريكي " ليندون جونسون" Lyndon Johnson (1908-1973)عزم بلاده علي زيادة الجنود الأمريكيين في فيتنام، ليصل عددهم عام 1968 إلى 525 ألفاً، كما أصبح القصف الأمريكي للمواقع الشمالية قاب قوسين أو أدنى من الحدود الصينية. ولم تنفع سياسة "العصا والجزرة" مع الفيتناميين، حيث لم تردعهم هجمات الولايات المتحدة المتكررة وقصفها المتواصل، كما لم تغرهم دعوات "جونسون" للتفاوض، فظلت الحرب مشتعلة وعدد الضحايا في ازدياد.

وقد ظلت المعارك خلال الحرب الفيتنامية، تدور في الجبال منتهجين استراتيجية "حرب العصابات"، التي اتبعها الفيتناميون المتكيفون أصلاً مع الأوضاع الطبيعية والمناخية الصعبة. وفي 1968 أطلق الثوار الشيوعيون ما عرف بهجوم "تيت" (عيد التيت وهي الاحتفالات الفيتنامية بالعام الجديد) على مجموعة عمليات عسكرية شديدة استهدفت أكثر من مائة هدف حصري. وقد استطاع الثوار أن يتغلغلوا في الجنوب حتى بلغوا عاصمة الجنوب "سايغون" فتعرض الأمريكيون للهجوم. ومع أن الثوار الفيتناميين فقدوا حوالي 85 ألف شخص، فإن التأثير النفسي للمعارك كان بالغ الأثر على الولايات المتحدة؛ حيث تكبدت الولايات المتحدة من خسائر بشرية ومادية؛  وهنا أعلن الرئيس الأمريكي "جونسون" في الخامس عشر من يناير 1973، وقف إطلاق النار في جميع أنحاء شمال وجنوب فيتنام، وإنهاء الحرب وإحلال السلام في فيتنام.

لم تنس الولايات المتحدة الأمريكية مساندة الاتحاد السوفيتي للفيتناميين، ولذلك بدأت الولايات المتحدة تدخل في حرب مع الاتحاد السوفيتي، أشبه بحروب الجيل الرابع، ولكن بشكل عفوي وتلقائي، وقد استخدمت الولايات المتحدة لأول مرة في تاريخها "الحرب بالوكالة" A proxy war ؛ حيث "استقطبت المجاهدين الأفغان، وقامت بتسليحهم خلال الحرب، كما قدمت وكالة المخابرات الأمريكية  (CIA)، أحدث أنواع الأسلحة التي يمكن للأفراد الأفغان استخدامها ضد الطائرات السوفيتية، واعتبرت الولايات المتحدة أن دعمها لأفغانستان هو أفضل فرصة للانتقام من السوفييت ودورهم في فيتنام، واعتبر قادة الـ " CIA، أن أفغانستان ستشكل فيتنام الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي؛ خصوصاً وأن الاتحاد السوفيتي كان يضم ست دول مسلمة في آسيا الوسطي، وللعديد منها حدود مع أفغانستان" .

وكان "قلب الدين حكمتيار" أحد قادة الأفغان من الذين يعملون مع المخابرات الباكستانية التى كانت مرتبطة في تلك السنوات بتعاون مع الـ" CIA "، وفي عام 1986 بدأت  الـ " CIA "  بإرسال صواريخ "ستينغر"، وهي "أحدث الصواريخ المضادة للطائرات في ذلك الوقت إلى الأفغان، لإسقاط الطائرات السوفيتية" .

وأشارت التقارير العسكرية الأولى إلى "الصعوبات التي واجهت السوفييت أثناء القتال في المناطق الجبلية، فالجيش السوفييتي لم يكن معتاداً على ذلك الشكل من القتال، ولم يحظ بتدريب لمواجهة حرب غير نظامية وحرب عصابات، وكانت آلياتهم العسكرية، وخاصة السيارات المصفحة والدبابات ليست ذات كفاءة في كثير من الأحيان، وعرضة للهجمات في البيئة الجبلية، وتم استخدام المدفعية الثقيلة بشكل مكثف أثناء قتال قوات الثوار" .

وعلي هذا الأساس عمل " زبجنيو بريجينسكي" Zbigniew Brzezinski (1928-2017) مستشار الأمن الأمريكي للشئون الخارجية في عهد الرئيس جيمي كارتر) مع الإدارة الأمريكية لتوريط الاتحاد السوفيتي عسكرياً في الوحل الأفغاني، ولتغدو أفغانستان بالمقابل بمثابة "فيتنام سوفيتية " تثأر فيها الولايات المتحدة من هزيمتها في "فيتنام الأمريكية" بدعم سوفيتى يومها. وهكذا كانت "أفغانستان " الفخ الفيتنامي" للسوفييت فيها، وقد نصبه الأمريكان ببراعة فائقة، حيث كان من الصعب على السوفييت التخلص منه بسهولة بعد وقوعهم فيه" .

كان الدخول السوفيتي في أفغانستان يمثل خطأ جسيماً، حيث اقتصاد الدولة يعاني من مشاكل وآلة الإنتاج متوقفة تقريباً، وفوق ذلك، كان لا بد للغزو الجديد أن ينال من قوات الشعب، وفي الوقت نفسه يستقبل قتلاه. وفي الجانب الأمريكي وحسب ما يقوله بريجنيسكي إنهم "هم الذين غذو نزعة الغزو لأفغانستان لكي يحصدوا ما فقدوه في فيتنام، فكان هناك تحالف بسيط وخفي مكون من الولايات المتحدة والسعودية بأموالها، ومصر في عهد "السادات" بخبراتها وسلاحها السوفيتي، وباكستان بخبرة جيشها التدريبية، فكان هذه المرة قتال المسلمين للكفار الملحدين كما أرادها ( جيمي كارتر) ومستشاره بريجنيسكي. ومن بين آثار دخول السوفييت إلي أفغانستان، تقربهم من باكستان وحصرها بين فكي كماشة مع عدوها التقليدي الهندي. وقد أثار ذلك حفيظة الحلفاء، فهناك حلف هندي- سوفيتي، يقابله حلف صيني- باكستاني، وطلت هذه الحالة عشر سنين كان فيها السوفييت يلوحون بتقسيم باكستان بعد مرارة الإخفاقات التي عانت منها القوات السوفيتية علي أيدي مجاهدين لا يملكون سوي الأسلحة الخفيفة والقاذفات، وصاروخ (سام7) في السنوات الأخيرة من الصراع الدامي بين الطرفين" .

ولذلك وجدنا أنه في غمرة الحملة المعادية للسوفييت، طلبت الخارجية الباكستانية من كل سفاراتها في الخارج بتسهيل دخول الشباب العربي والمسلم من دخول باكستان لـ" الجهاد" ضد الشيوعية من منطقة الشرق الأوسط، وخصوصاً من السعودية، ومصر، والمنظمات الفلسطينية المتطرفة. وأعدت "الاستخبارات الباكستانية بالتعاون مع قادة الأفغان المسلمين ترتيبات استقبالهم، من سكن وتدريب وإلقاء المحاضرات التي تثير فيهم الحماس لحماية الإسلام في أفغانستان" .

كانت الفترة ما بين 1982-1989 مميزة في تاريخ تطوع الشباب، فقد بدأ حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة – السعودية، ومصر، وباكستان- في تنظيم حرب المقاومة بمساعدة أمريكية، وتعالت أصوات النظام السعودي، ووسائل الإعلام، والمساجد، مطالبة بمساندة الجهاد ضد الشيوعيين الكفرة ( علي حد تعبيرهم) في كل أنحاء المملكة، في حين لعبت رابطة العالم الإسلامي التي يدعمها السعوديون دوراً رئيسياً في إرسال الأموال. وكانت السعودية والولايات المتحدة هما الممولين السخيين الرئيسيين للحرب وقدم كل منهما نحو ثلاثة مليارات دولار، "وكان الأمير" تركي الفيصل بن عبد العزيز آل سعود " رئيس المخابرات هو الذي يدير التمويل السعودي، وعمل في ذلك من بين كثيرين آخرين مع " أسامة بن لادن"، وهو ابن رجل أعمال ثري له روابط وثيقة مع الأسرة المالكة؛ وكان ابن  لادن الذي استخدم موارده الخاصة لمساعدة المقاومة الأفغانية، من بين أوائل العرب الذين وفدوا للمشاركة في الجهاد، فقد جاء في 1980 واستمر طوال الحرب بأكملها، وإن لاحظ أحد المحللين أن "ابن لادن" زار لندن أيضاً في مطلع الثمانينيات، وأنه ألقي عظات وخطباً دينية كثيرة في مركز "ريجنت بارك" الإسلامي. كما يعتقد أن الملك السعودي "فهد بن عبد العزيز"، الذي تولي السلطة في المملكة في عام 1982، وولي العهد "عبد الله بن عبد العزيز"، قد التقيا ابن لادن ومولاه كما قدمت وكالة المخابرات الأمريكية  (CIA)، أحدث أنواع الأسلحة التي يمكن للأفراد الأفغان استخدامها ضد الطائرات السوفيتية، واعتبرت الولايات المتحدة أن دعمها لأفغانستان هو أفضل فرصة للانتقام من السوفييت ودورهم في فيتنام. واعتبر قادة الـ" CIA، أن أفغانستان ستشكل فيتنام الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي؛ خصوصاً وأن الاتحاد السوفيتي كان يضم ست دول مسلمة في آسيا الوسطي، وللعديد منها حدود مع أفغانستان".

وقد استخدم "ابن لادن" نقوده الخاصة لتجنيد المتطوعين العرب وتدريبهم في باكستان وأفغانستان، وإقامة علاقات طيبة مع قادة أفغان مثل "حكمتيار" و"شاه الدين مسعود"، وغضت المخابرات الباكستانية الطرف عن ذلك، وليس هناك أدلة علي دعم أمريكي مباشر لـ " ابن لادن"، لكن أحد "مصادر المخابرات المركزية ادعي أن مبعوثين أمريكيين التقوا بصورة مباشرة، ولاحظ "جون جولي" الصحفي الأمريكي أن وكالة المخابرات الأمريكية التي كانت منبهرة بوثائق اعتماد "بن لادن" السعودية الخالية من العيوب، أطلقت له العنان في أفغانستان، لتنظيم المقاتلين المتأسلمين" ... وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

منى زيتونفي مصر دار جدل منذ سنوات عن تصريح لوزير العدل المصري، قال فيه إن ابن عامل النظافة لا ينبغي أن يُسمح له بالالتحاق بالنيابة العامة، وما يستتبعها من انسلاك في سلك القضاء. والغالبية العظمى من الشعب المصري –وأنا منهم- انتقدت هذا التصريح بشدة، ولكن هذا لم يمنع من استخدام بعض المغالطات، كالمعتاد في أي حوارات عربية!

ونظرًا لأنني أرى الموضوع خطير للغاية أن يصدر مثل هذا التصريح عن وزير العدل شخصيًا، فقد ساءتني تلك المغالطات بقدر ما ساءني التصريح وقررت الرد عليها.

المغالطة الأولى تقول إن الحقيقة مُرة، والرجل لم يزد على أن قال الحقيقة!

وكأن الرجل إعلامي أو حتى وكيل نيابة يصف الواقع. المتحدث هو المسئول عن تعيين وكلاء النيابة، والمفترض أن بيده تغيير ذلك الواقع إن كان لا يعجبه، ولكنه يحدثنا عنه كأمر هو مقتنع به ولن يغيره، وستبقى سياسة التوريث واعتماد معايير غير الكفاءة للتوظيف، والمتفوقين ممن لا يملكون واسطة عليهم أن يخبطوا دماغهم في الحيط وفقًا للتعبير العامي، ثم نتساءل لماذا ضعف الانتماء؟

المغالطة الثانية: أن كل من يدعي أن الكفاءة الاجتماعية ليست شرطًا للتعيين في الوظائف السيادية لو تقدم ابن عامل النظافة له طالبًا يد ابنته أو أخته سيقابل طلبه بالرفض!

وهذا تخبيص من نوع آخر، فالكفاءة الاجتماعية شرط من شروط الزواج، بل يجوز فسخ الزواج في الفقه الحنفي عند عدم توفرها، ولكن ما علاقتها بالعمل؟! هناك معايير متطلبة لأداء كل عمل، وفي الدول المتقدمة يتم تحديد تلك المعايير إجرائيًا، وأحيانًا يتم إجراء اختبارات نفسية للمتقدمين لشغل بعض الوظائف للتأكد من انطباق المعايير الملائمة عليهم.

يحق للمسئول أن يتحدث عن الوضع الاجتماعي ويتعلل به عندما يطلب أحد مصاهرته. الوظيفة ليست ابنتك!

المغالطة الثالثة: من يأتي من طبقة اجتماعية أقل رقيًا ليست لديه اللياقة النفسية لأداء مهام وظيفة عالية في السلم المجتمعي!

والحقيقة أنه لا توجد مثل هذه العلاقة، أو على الأقل فالارتباط ليس تامًا، ولو كان هناك إنصاف وتم التقدير بناء على معايير الوظيفة لكان قد تم تطبيق استبيانات على جميع المتقدمين لنرى من تنطبق عليه ويحظى بالوظيفة، ولكن الهدف ليس الكفاءة. الهدف هو ترسيخ الطبقية على أساس معايير فاسدة.

والطبقية موجودة منذ بدأ الخلق، وفي كل المجتمعات، فالله فضل بعضنا على بعض، ولكن فرق بين أن يحتل الكفء المكانة الأرقى وبين أن يحتلها شخص لأنه ابن المدير أو الوزير. هذا هو المعيار الفاسد.

المغالطة الرابعة: التفوق في التعليم ليس دليلًا على الأحقية في التقدم في السلم الاجتماعي!

بينما القاعدة الأساسية لحياة البشر أن الدنيا دوارة، والحراك الاجتماعي حاصل لا محالة، ولا يمكن لعائلة مهما كان شرفها وعزها في زمن أن تضمن بقاءه للأبد، ومجدها يصنعه كفاءة الأبناء، والتي تتفاوت من جيل إلى جيل، مما يجعل الدائرة تدور بين البشر.

لكن المشكلة أنه منذ أكثر من 60 عامًا نشأت طبقة وضيعة في المجتمع المصري، صعدت إلى قمة هرمه، وتريد تثبيت الزمن عليها وعلى أبنائها، ومنع الحراك الاجتماعي الذي من الطبيعي أن يحدث في أي مجتمع!

ومع الأسف، فإن أغلب من يعلون هرم المجتمع المصري الآن بهذا الوصف، وتصرفاتهم تدل على دواخلهم ودناءة أصولهم، إلا إن تم التقييم على أساس المال والشهرة. وربما كان عامل النظافة هذا أصله أفضل من أصولهم.

وتزامن مع صعود هذه الطبقة الوضيعة شيوع التعليم في المجتمع المصري ليكون للجميع، وصولًا للمرحلة الجامعية، بينما وحتى نهاية العهد الملكي، كان هناك صنفان يتعلمان:

*أبناء الأغنياء، لأنهم قادرون على دفع المصروفات، ومهما فعلوا لو لم تكن مستوياتهم العقلية تؤهلهم لاستكمال التعليم لن يحصلوا على الشهادة.

* المتفوقون مهما كان وضعهم الاجتماعي بائسًا، وكانوا يحصلون على إعفاء من المصروفات.

من ثم، كانت الكفاءة هي المعيار الأول والأخير، وكانت مصر في مصاف أوروبا.

أما الآن، فالكل يدخل المدارس والكل يأخذ شهادات، والمتفوق يبلها ويشرب ميتها وفقًا للتعبير العامي، والفاشل ينال الوظيفة الراقية لأن لديه واسطة. وأصبحنا في مجتمع يعاني من تفشي أعشار المتعلمين -لن أقول أنصاف-، ومع ذلك يوضعون في أرقى المناصب بالواسطة التي تحاول المحافظة على الطبقية على أساس فاسد وليس صحيحًا. ثم نسأل لماذا تخلفنا؟!

ولو أردنا متابعة الدائرة من بدايتها، فالدروس الخصوصية هي ثمرة من ثمرات أن يكون التعليم للجميع وصولًا للتعليم العالي، لأنه طالما نُصر على أن نعلم أفرادًا تعليمًا أكاديميًا لدرجة أعلى من محدداتهم العقلية الطبيعية التي وهبهم الله إياها، ونريدهم أن يحصلوا على شهادة نعلم أنهم لا يستحقونها، فسنضطر أن نلجأ لوسائل مساعدة، فكانت الدروس الخصوصية، ثم زاد الغش، وتطور الأمر حتى شعر المتفوقون دراسيًا ممن كانوا يعتمدون على أنفسهم أنهم بحاجة إلى دروس خصوصية، حتى لا يعلو عليهم من يقلون عنهم ذكاءً، وهكذا دواليك زادت الدروس وزاد الغش، وصار الطلبة لا يشعرون أن التفوق يمكن أن يسهم في تحديد مستقبلهم إلا فيما ندر، فضعفت الرغبة في التحصيل حتى لدى المتفوقين؛ لذا أقول إن الواسطة هي سبب رئيسي من أسباب بلوتنا.

منذ أن أصبح التعليم العام للجميع خرَّج لنا ملايين، أغلبهم لا يستحقون الشهادات التي حصلوا عليها، لكن لو كان كل طالب ذو قدرات دراسية محدودة يعرف أن مستواه العقلي لا يساعده في المجالات العلمية والأدبية، ويدرك أيضًا أنه لن يعمل بالمؤهل، مثلما هو الحاصل مع أمثاله في أوروبا وأمريكا، ما زاحم المتفوقين، ولاستثمر مهاراته في النطاقات الحرفية والفنية فيما يعود عليه وعلى المجتمع بالنفع، ولو شعر الطلبة ذوو القدرات العقلية العالية أن التعب في تحصيل العلم سيؤتي ثماره لبذلوا مجهودًا أكبر في الدراسة لأن مستقبلهم قد يتوقف عليه، ولم يكن المتفوق دراسيًا حتى لو كان من بيئة اجتماعية بسيطة ليشعر بالكره والحقد على المجتمع، لأن المجتمع لم يظلمه.

نعم التعليم العام ينبغي أن يكون لمن يستحق، والتعليم الأساسي فقط هو الذي كالماء والهواء، ومن يريد أن يكمل تعليمه أيًا كان مستواه الاجتماعي، فعليه أن يثبت كفاءته، وليس أن يأخذ دروسًا لحفظ ما يمكن أن يأتيه بالامتحان وقد يغش، ويتخرج لا يفقه شيئًا، ثم يزاحم المتفوقين ويأخذ فرصهم.

 

د. منى زيتون

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في المقال الثالث عن كيفية سقوط الاتحاد السوفيتي بحروب الجيل الرابع، حيث نتساءل فنقول: ما الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية لمقاومة الخطر الشيوعي في أوربا؟

بالنسبة للأمريكيين فإن عدواتهم للاتحاد السوفيتي من وجهة النظر الأمريكية تكمن في النظام السوفيتي الذي تبني النظرية الماركسية – اللينينية التي تنادي أصلاً بالقضاء علي الاستغلال، وهو التعصب الرئيسي للرأسمالية  فعدم التوافق الأيديولوجي يعود لدوافع الحرب الباردة؛ كما أن المصالح الحيوية والاستراتيجية التي يحاول كل طرف تحقيقها تدفع الطرفين  إلي العيش في حالة صراع دائم بغض النظر عن فترة تاريخية محددة نعني بها " التعايش السلمي "، أو " الوفاق الدولي". إن الخلافات الايديولوجية وتحقيق المصالح الحيوية والاستراتيجية لكل طرف هي الأسباب التي تكمن وراء الحرب الباردة وتصعيدها، وهكذا فإنه من هذا المنظور" شرعت الولايات المتحدة الأمريكية في شن حرب أيديولوجية تستهدف وأد الأفكار الاشتراكية والشيوعية والقضاء عليها قبل انتشارها علي نطاق واسع" ؛ خاصة بعد الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشر شل Winston Churchill فـي مارس 1946، وتحدث فيه عما سماه "الـسـتار الحـديدي" الـذي فرضه الاتحاد السوفيتي على دول أوروبا الـشـرقية. وبـعد سـنة مـن هذا الخطاب أعلن الرئيس الأمريكي "ترومان" عن سياسة أمريكية جديدة تجاه أوروبا عرفت  بـ" مبدأ ترومان Truman Doctrine "؛ ويتضمن هذا المبدأ "تعهدا أمـريـكياً صـريحاً والتزاماً واضحاً تلتزم بهما الولايات المتحدة للتصدي للمد الشيوعي والنفوذ السوفيتي في أوروبا وفي أي مكان آخر في العالم بكافة الوسائل بمـا في ذلك الوسائل العسكرية وحتى استخدام ما لدى الولايات المتحدة من أسلحة نووية. ولقد شكل هذا الخطاب نقطة تحول مهمة في التـاريـخ الـسـيـاسـي للعالم المعاصر، فقد كان الخطاب  بمثابة تأكيد رسمي من الولايات المتحدة بأنها سوف تقوم بدور حامي الأمـن والسلام فـي العالم".

وبعد إعـلان "مبدأ ترومان" بثلاثة شهور" أعلنـت الولايـات المتحدة عن "مشروع مـارشال" لإعادة إنعاش أوروبا اقتصاديا، والذي كان يسعـى لـتحـقـيق عدة أهـداف: أولاً: القضاء على الأوضاع الاقتصادية والمعيشـية المتدهـورة فـي أوروبـا، ثانياً: احتواء الحركات الراديكالية والثورية التي تسعى لإقامة حـكـومات اشتراكية متعاطفة مع الاتحاد السوفيتي، ثالثاً: ربط أوروبا بـالاقتصاد الأمريكي وتمهيد تغلغل الشركات الأمريكية الاقتصادية في الأسواق الأوروبية" .

ولم تكتف الولايات المتحدة بإعلان مبدأ ترومان وتطبيق مشروع مارشال The Marshall Plan، بل إنها أعلنت في سنة 1947 عن استراتيجية جديدة لمواجهة الاتحاد السوفيتي مباشرة عرفت فيما بعد "بسياسة الاحتواء"؛ وتقوم "سياسة الاحتواء على فكرة إنشاء سلسلة من القواعد والأحلاف والترتيبات العسكرية، كحلف شمال الأطلسي، وحلف جنوب شرق آسيا، وحلف المعاهدة المركزية،  بهدف تطويق وعزل الاتحاد السوفيتي ومنع انتشار نفوذه وأيديولوجيته المجاورة إلى الدول وإلى سائر أنحاء العالم" .

تعود نظرية الاحتواء إلى المؤرخ والدبلوماسي الأمريكي "جورج كينان George Kennan " (1904-2005) ونظريته في الحرب الباردة في أواخر عقد الأربعينيات في عهد الرئيس " ترومان"؛ وتحديداً في العام 1947 في مقالته الشهيرة في مجلة الشؤون الدولية حول مصادر السلوك السوفيتي، وهي "سياسة تقوم على استقطاب دول العالم حرصاً على عدم وقوعها في النفوذ الروسي آنذاك، وتصنف بالتالي وفق ذلك الفهم بوصفها سياسة دفاعية بخلاف سياسة أيزنهاور في ملء فراغ الشرق الأوسط ذات النزعة الهجومية الهادفة لبسط السيطرة على مناطق النفوذ الاستعماري الأوروبي في افريقيا وآسيا حماية للمصالح الإمبريالية" .

والاحتواء فعل وقائي استباقي وإجراء متبع إزاء الدول المسالمة لئلا يخرج من أصلابها من يلعن أمريكا، وهو بالتالي "فعل مضاد للتوسع الإقليمي بالقوة، يهدف للتغلب على نفوذ الدول المارقة التي تتمتع بنظام شمولي يعطل بقية أنظمة الدولة" .

ولذلك أسهم "جورج كينان" في وضع بلورة الإطار العام لنظرية الاحتواء التي تم احتضانها ودعمها وتنفيذها من قبل الرئيس " ترومان"، وكان الإطار النظري لسياسة الاحتواء يعتمد اعتماداً مباشراً علي تحليل أهداف الاستراتيجية  السوفيتية، وكذلك تحديد الطريقة أو الطرق التي ينظر بها السوفييت للغرب الذي عدوه العائق الرئيسي في وجه الانتشار الشيوعي . يقول كينان :" إن الاستراتيجية السوفيتية كانت في حالة جس نبض دائم، وفي مختلف الاتجاهات للحلقات الضعيفة في مركز الغرب، وتلك التى كانت تشكل فراغات قوي يمكن النفاذ منها واستخدامها كنقطة وثوب نحو إحداث تغييرات تتواءم والأهداف بعيدة المدي لهذه الاستراتيجية، وإن هذه الاستراتيجية تتمتع بخاصية المرونة، كما قامت علي "افتراض أن حركة التاريخ كانت في جانبها، وأنها لم تكن مقيدة بوقت محدد لبلوغ أهدافها، وبالإضافة فإنها لم تكن ملتزمة بوسائل نظرية محددة لتحقيق تلك الأهداف" .

وانطلاقاً من الآراء الفكرية لنظرية الاحتواء، يؤكد جورج كينان  أن إرضاء السوفييت المطلق يضر بالمصالح الأمريكية، والدخول معهم في صراع مفتوح هو أيضاً أمر قد لا تحمد عقباه، والنتيجة هي أنه يجب أن نخلق مساراً ثالثاً لا هو بالسلم ولا هو بالحرب التقليدية؛ مساراً يعتمد على الاقتصاد والتغلغل داخل الحركة الشيوعية العالمية واعطاء صور إيجابية للديمقراطيات الرأسمالية. دعا كينان من ناحية أخرى للتغلغل داخل الحركة الشيوعية، معتبراً أن" المشكلة ليست مع الفكر الشيوعي بقدر ماهي مع السوفييت، كما تبنى الطرح الذي يقول إن العقيدة الاشتراكية يمكن التأثير عليها باستقطاب شخصيات فاعلة ومدارس تكون أقرب للغرب وأبعد عن الشيوعية العدائية الراديكالية، بهدف الوقيعة بين الكرملين والحركات الإصلاحية المتعددة" .

ومن هذا المنطلق قامت الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي "إيزنهاور" في وضع استراتيجية أخري لمواجهة المد الشيوعي، وهي الاعتماد علي "الإسلام السياسي"؛ وبالأخص "الإخوان المسلمين والوهابيين"؛ حيث يمكن تعبئتهم بشكل مناهض للشيوعية، والسؤال الآن : هل كان  سعيد رمضان والإخوان المسلمون واليمن الإسلامي حلفاء مفيدين في الكفاح أثناء الحرب الباردة ضد الشيوعية ؟ وهل تستطيع تلك الجماعة مواجهة الكتلة الماركسية القومية؛ خاصة إذا حظيت بتأييد من العائلة المالكة السعودية؟ وهل تستطيع الدعاية الأمريكية التي تركز علي القيم الدينية الأمريكية في مواجهة الاتحاد السوفيتي الملحدة، أن تجذب جماهير المسلمين إلي المعسكر الأمريكي أو علي الأقل بعيداً عن موسكو؟

يذكر " روبرت داريفوس - Robert Dreyfus " مؤلف كتاب " لعبة الشيطان : دور الولايات المتحدة في نشأة التطرف الإسلامي" أن "علاقة الولايات المتحدة بالإخوان المسلمين ليست وليدة الحدث،  بل تمتد لعقود طويلة خلت؛ ففي أواخر 1953م، حين برز "سعيد رمضان" زوج ابنة "حسن البنا" كمسؤول سياسي وخارجي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، وكان لقاء رمضان مع الرئيس " إيزنهاور"، في البيت الأبيض نقطة انطلاقة لرمضان كمسؤول عسكري ايديولوجي للجماعة، والذي قال :" إن عنف الجماعة نابع من إعادة تشكيل المنطقة العربية وفق المواصفات الإسلامية السلفية، وقد كانت الولايات المتحدة تنظر لرمضان على أنه حليف محتمل لها بحربها ضد الشيوعية" .

وقد كان مؤتمر جامعة برنستون للثقافة الإسلامية الذي "تم دعوة سعيد رمضان للمشاركة به، مؤتمراً أمريكياً يهدف إلي التعرف علي قيادات جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وقد كان السفير المصري هو من يقوم بهذا الدور، وبعد ذلك أصبح رمضان حليفاً للسعودية بعد وفاة حسن البنا إلي جانب ارتباطه مع مخابرات عدد من الدول الغربية" .

علي أية حال كان مؤتمر جامعة برنستون، ولقاء إيزنهاور ورمضان بداية لحقبة من الزواج العرفي بين الولايات المتحدة والإسلام السياسي، والملكيات العربية والإسلامية ممثلة في شاه إيران، وملوك السعودية، والأردن، والمغرب، فانطلقت جميع الأجهزة الأمريكية تعمل في كل مكان، وكل اتجاه لتعزيز استراتيجية الكفاح الإسلامي ضد الشيوعية. فما إن نجح الانقلاب الأمريكي ضد "محمد مصدق" (1882—1967) في إيران، وأعيد الشاه إلي السلطة، حتي كان نواب صفوي زعيم منظمة " فدائيان إسلام" التي خانت مصدق، وقد أصبح رجل واشنطن الثاني بعد الشاه نفسه، واستقدم صفوي نفسه لزيارة مصر في عام 1954، والتقي بزعماء الإخوان، وهناك رأي- يرجحه البعض- يقول "إن زيارة الزعيم الإيراني ساهمت في دفع الإخوان لمحاولة اغتيال  الرئيس المصري " جمال عبد الناصر" (1918- 1970 ) المعروف باسم "حادث المنشية" عام 1954" .

وفي ذلك الوقت صدر كتابان مريبان في القاهرة، قيل إنهما صادران من السفارة السوفيتية، ليتبين فيما بعد أن "المخابرات الأمريكية هي التي أصدرتهما، وكان الأول بعنوان " محمد لم يوجد قط"، والثاني، بعنوان " أضرار الصوم في رمضان"، وفي هذه الحرب الدعائية أطلق الأمريكيون ما سمي باسم برنامج "الخنزير الأحمر"؛ حيث تظهر شخصية سينمائية كرتونية في صورة خنزير يرتدي شعار النجم الأحمر الشيوعي، ويحاول افتراس رجل اسمه " الدين"، ليلقي الخنزير مصرعه في النهاية علي يد  الدين" (38).

كما جربت المخابرات الأمريكية وسائل خلاقة إبداعية رغم أنها لم تكتمل للتواصل مع الحركة الإسلامية، بعض تلك الوسائل وردت في كتاب " لعبة الأمم" الساخر الذي كتبه "مايلز كوبلاند" Miles Copeland عميل المخابرات الأمريكية الذي خدم في الخمسينات كضابط اتصال مع عبد الناصر وقضي سنوات عديدة في أروقة السياسة العربية .

تقاعد كوبلاند في وقت مبكر من المخابرات الأمريكية لكنه حافظ علي اتصالات وثيقة مع عدد من الذين يعملون في نفس المجال من السابقين وممن كانوا في الخدمة؛ خاصة "كيرميت وارتشي روزفلت" حفيدا "تيدي روزفلت". واستغل كوبلاند سحره ونفوذه ليدعي فهماً عميقاً بالعالم العربي ليعود من جديد. وقد أشار إلي أنه في نفس الفترة التي تم فيها إطلاق برنامج الخنزير الأحمر، فإن الـCIA  أطلقت "مشروع "بيلي جراهام" Billy Graham المسلم، وفي عام 1951 استعار "دين اتشيسون" Acheson Dean وزير الخارجية "كيرميت روزفلت" من المخابرات  حديثة النشأة ليرأس لجنة عالية المستوي من المتخصصين بعضهم من الخارجية، والبعض من وزارة الدفاع والبعض مستشارون من الشركات والجامعات ( وليس فيهم من هو من المخابرات إلا روزفلت ذاته) وكان هدف اللجنة هو دراسة العالم العربي كما قال كوبلاند وتم إطلاق عملية بيلي جراهام المسلم التي تهدف إلي تعبئة المشاعر الإسلامية، خلال اجتماع اللجنة".

وقال كوبلاند إن " أحدهم روج لفكرة تعبئة المشاعر الدينية في حركة كبيرة باسم " بيلي جراهام المسلم" ضد الشيوعية وذهب إلي حد اختيار رجل عراقي يتمتع بنوع من القدسية أو التبجيل للقيام بجولة في الدول العربية . ولم يتم الكشف عن شخصية الرجل العراقي، لكن كوبلاند اعتبر العملية بالكامل تجربة للتعلم. وقال إن المشروع لم يضر وعلمت إدارته اللجنة المعنية الكثير من الأفكار الخاطئة في تخطيطهم الأصلي، وهي دروس استفادوا منها عندما وضع مستشارو الملك فيصل أمام مشروع مماثل علي أن يكون  فيصل ذاته الرجل المبارك" .

ومن جانبه بشر "برنارد لويس" Bernard Lewis عميد المستشرقين الأمريكيين المشهور باحتقاره للمسلمين وثقافتهم، بأن" أرض الإسلام لن تكون تربة خصبة للشيوعية، وأنه يجب علي أمريكا أن لا تتوقع ديمقراطية علمانية في العالم الإسلامي، ولكن يجب أن تساند مستبداً مستنيراً، لأن العالم الإسلامي لن يقبل طغياناً علي طريقة أمريكا اللاتينية،  أو الطغيان الأوربي القديم" .

وكان برنارد لويس هو الذي ابتدع تعبير صدام الحضارات، وتعتبر مقالته في عام 1953 بعنوان " الشيوعية والإسلام" مثالاً مهماً علي التفكير السائد آنذاك بشأن معركة الأيديولوجيا. أشار برنارد لويس إلي أنه يبدو أن جماهير العالم الإسلامي تعتزم إقامة مجموعة من الحكومات الشمولية، وأن هذا ليس بالأمر السيئ إذا كان هدف الغرب معارضة انتشار الشيوعية، وقال لويس "إذا اضطر المسلمون أن يختاروا بين التخلي عن تقاليدهم لصالح الشيوعية أو الديمقراطية البرلمانية فسوف نكون وقعنا في " حيص بيص" . وكتب يقول: من المفيد لكل من الإسلام والغرب ألا يقتصر الخيار علي هذين البديلين البسيطين لأن هناك إمكانية أمام المسلمين لاستعادة تقاليدهم السابقة، ربما في شكل معدل، أو تطوير شكل من أشكال الحكومة، والذي رغم ما قد يكون عليه من شمولية، أو أوتوقراطية، إلا أنه سيكون بعيداً كل البعد عن الطغيان والظلم في الدكتاتورية الأوربية" .

وبعد اعتماد احتمال الأنظمة الإسلامية راح برنارد لويس يؤكد علي أن الإسلام لن يكون في النهاية تربة خصبة للأفكار الماركسية، وكتب لويس " الشيوعية ليست ولا يمكن أن تكون ديانة، بينما الإسلام، بالنسبة للجماهير العريضة المؤمنة، لا يزال الديانة وهذا هو قلب المقاومة الإسلامية للأفكار الشيوعية، ورغم أن تفكير المسلمين في الحرية ضعيف جداً قد لا يتواصل فإن إيمانهم بالله قد يكون قوياً بالدرجة الكافية. إن الشعوب الإسلامية ما تزال قوية الإيمان دينياً بأعمق وأبسط ما في الكلمة من معني، الإسلام كديانة ليس أقل عداء للشيوعية من المسيحية، والواقع كما قلت من قبل، قد يكون أشد عداء، لكن الإسلام ضعيف كقوة تؤثر في حياة وأفكار من يعتنقونه، المسلمون الورعون، وغالبيتهم من الورعين، لن يتسامحوا مع أفكار ملحدة، أو أفكار تنتهك تقاليدهم الدينية ومبادئهم الأخلاقية. إن الثورة الإسلامية  الحالية في مواجهة  انعدام الأخلاق والانتهازية المتواجدة بينهم وعند بعض قادة الغرب، قد تفيد الشيوعيين مؤقتاً لأنهم يظهرون بمظهر من ينكرون الذات ويخلصون للمثاليات،  لكن الأمور لن تنتهي علي هذا النحو؛ حيث سينقلب المسلمون ضد الشيوعية عندما يرون الواقع الذي تخفيه الدعاية، لنأمل ألا يستغرق المسلمون وقتاً طويلا حتي يكتشفوا ذلك" . وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

يثيرُ باحثونَ غربيونَ اهتمُّوا بدراسةِ الاديانِ، دعوى، انَّ العُنفَ مُكَوِّنٌ اساس في تركيبةِ الدينِ، وجزءٌ لايتجزأ من نسيجهِ، وانَّ العنفَ منذُ فجرِ التأريخِ، ارتبطَ ارتباطاً وثيقاً بالدين. ومنَ الذينَ تبَنَوا هذا القولَ عالم الاحياء ريتشارد دوكنز(Richard Dawkins)، الذي رفضَ فكرةَ الاعتدالِ في الدينِ؛ لانَّ الدينَ المُعتدلَ في نظره وان لم يفعل العنفَ ولكنه يمَهد الطريق له . (1)

وهذه النظرةُ غيرُ المُنصِفةِ للدينِ، شجبها باحثون غربيون اخرون، منهم الباحثةُ "كارين ارمسترونج"، وهي تناقش مقولة انَّ: (الدين سببُ كلِّ عنفٍ)، وتقول:

(انني اسمعُ المقولةَ المُتَكررةَ بأنَّ الدينَ كان هو السبب في جميعِ الحروبِ الكُبرى في التأريخِ). وتضيفُ قائلةً: (لقد سمعتُ هذهِ الجملةَ تُتلى مِراراً كَما تُتلى التَعاويذُ، جملةٌ تَتَرددُ بواسطة محطات التلفاز والاذاعة الامريكية، والاطباء النفسيين، بل يقولها سائقو سيارات الاجرةِ في لندن قبلَ اكاديمييّ أكسفورد . انَّ هذهِ العبارةَ الرائجةَ تثيرُ الاستغرابَ! اليس من الواضحِ أنَّ الحربين العالَميتين لم تقوما بسببٍ دينيٍّ ؟!).(2)، وعزت كارين ارمسترونج العنفَ الموجودَ فينا الى طبيعتنا البشريةِ، وطبيعةِ الدولةِ، ورفضت ان يكون الدينُ سبباً لهذا العنف اذ تقول: (انَّ مشكلةَ العُنف لاتكمنُ في النشاطِ المُتَعَدِدِ الوجوهِ للدينِ، وانما سَبَبُهُ كامنٌ في قلبِ طبيعتِنا البشريّةِ وَطبيعةِ الدولةِ) .(3)

ومن الباحثينَ المتخصصين الذينَ رفضوا مقولةَ انَّ الدينَ سببٌ للعنفِ وتأجيج معظم الصراعات في تأريخ البشر، وليام كافانو، استاذ اللاهوتِ في جامعةِ دي بول الامريكيّة؛ اذ يقول في كتابه (اسطورة العنف الديني): (تُعتَبرُ الفكرةُ القائلةُ بأنَّ الدينَ يُسببُ العنفَ واحدةً من اكثرِ الاساطيرِ رواجاً في الثقافةِ الغربيّةِ. فبدايةً من طلابِ الجامعةِ في عامِهم الدراسيِّ الاول ووصولاً الى المتحدثينَ في وسائل الاعلام تنتشرُ وجهةُ النظرِ هذهِ: ان لم يكُن الدينُ يسببُ العنفَ، فهو -على اقل تقدير- عاملٌ مساهمٌ واساس في تأجيجِ معظمِ الصراعاتِ في التأريخِ البشريِّ) .

واعتبرَ البير كامو انّ جذور العنف تقبعُ في داخلِنا، يقول البير كامو في هذا المجالِ:(اعتدنا أن نسألَ: اينَ تعيشُ الحربُ؟ ولماذا تنتشرُ الحروبُ بهذا الشكل؟! ولكننا الان ندرك أينَ تَسكُنُ الحربُ؟، انها تسكُنُ داخل نفوسنا) . (5)

ويرى عالم النفس النمساوي (سيجموند فرويد)، انَّ العنفّ لدى الانسان فطرةٌ مزروعةٌ في لاوعي الانسانِ بالطبيعةِ، واعتقد بانَّ استخدامَ العنف يكاد يكون ضرورياً من اجل تحقيقِ حياة افضل للانسان) . (6)

وكذلك رفض الباحث والاقتصادي الهنديُّ الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 1998، (امارتيا صن) فكرة الربط بين الدين والعنف.

العنف عنف الانسان

العنف وبذوره موجودة في اعماق النفس البشرية، موجودةٌ كاستعدادات قابلة للنمو والتفجر اذا وجدت ظروفاً ملائمةً، وهذا ماأشار اليه الباحث الالماني (يان اسمان)، المهتم بدراسة التأريخِ والاثار بقوله: (العنفُ وليدُ طُموحاتٍ انسانيّة وليسَ متأصِلاً في الدينِ، رغم تسجيل ظهور تياراتٍ متطرفةٍ في تأريخِ الاديان السماوية الثلاثة) . ويرى البروفسور في اللاهوت المسيحي "جورج عوض"، ان النصوص لاتقتل، اي ليست هي المحرضة على القتل، وانما القراءات هي القاتلة، وعبارته بالدقة هي: (الكتُبُ لاتقتُلُ، القراءُ يفعلون ذلك) . ويرى الدالاي لاما الزعيم الروحي للتبت، بعد استنكاره لهجمات الرهبان البوذيين على المسلمين في ميانمار اذ يقول:

(ان القتل باسم الدين شيءٌ لايمكنُ قبولُهُ، وان السبب الاساس للصراع في ميانمار الذي يتخذّ مظهراً طائفياً، هو سياسيٌّ وليسَ روحياً) .

وانَّنِي قبل ان أقرأ لهؤلاء المفكرين وجهات نظرهم في أنَّ العنفَ كامنٌ في النفس البشريةِ، ادركتُ ذلك بالتأملِ في قصة ابني ادم اللذين عاشا في ظلِّ ادم النبيّ، ولم تكن هناك مؤثرات بيئية، ولامؤثرات اجتماعية، تعلم منها قابيل جريمة القتل، فلم يتشكل بعد مجتمع، وتوصلت الى: "ان الجريمة يمكنُ ان تقعَ حتى لولم تكن هناك مؤثرات اجتماعيّة، لان استعداداتها وبذورها موجودة في اعماق النفس، والمؤثرات الاجتماعية تكون عواملَ مساعدة ".وهذا مايؤكده قوله تعالى :(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا). سورة الشمس: الايات: 7و8و9

فالعنف هو عنف الانسان ضد اخيه الانسان، وليس صحيحاً ان نلقي اللائمة على الاديان ونصوصها، فالاسلام دين رحمة، والمسيحية ديانة محبة، وكل الديانات تدعو الى الحب، فالنص الانجيلي يقول: (احبوا اعداءكم)، في النص دعوة الى الحب، وليس فيه تحريضٌ على العنف . ونجد في النص القراني:(لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). الممتحنة: 8.، دعوة الى الرحمة والبر بالمختلفين معنا في الدين، اذا لم يكونوا معتدين .، والله تعالى يحذرنا من العدوان على الاخرين، يقول الله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ). البقرة: 190

فالانسانُ هو مصدرُ العُنفِ لاالنصوص الدينيّة؛ لان الانسان هو الذي يحرّفُ النص من اجل الاهواء والمصالح، وهو الذي يفسر النص ويمارس عملية تأويل النصوص، وهو الذي يقرأ النصوص . المشكلة ليست في النص الديني، وانما في الانسان الذي يقرأ الدينَ قراءةً مشوهةً، ويمارس التأويل الفاسد، ويلوي عنقَ النصوصَ لتنسجمَ مع رغباته ومصالحه.

 

زعيم الخيرالله

..........................

مصادر البحث

1- كتاب (وهم الاله)، ريتشارد دوكنز .

2-كارين ارمسترونج، حقول الدم: الدين وتأريخ العنف.

3- نفس المصدر السابق.

4- وليام كافانو، اسطورة العنف الديني: الايدلوجيا العلمانيّة وجذور الصراع.

5- Greg Cashman,what causes war?

6- كارين ارمسترونج، حقول الدم: الدين وتأريخُ العنف.

7- سورة الشمس:(الايات: 7، 8، 9) .

8- سورة الممتحنة: الاية: 8 .

9- البقرة: الاية: 190

        

محمود محمد عليفي هذا الجزء من مقالنا عن كيفية سقوط الاتحاد السوفيتي بحروب الجيل الرابع، نحاول هنا في هذ المقال وفي المقالات التالية أن نوضح مستويات المرحلة العفوية التلقائية بشئ من التفصيل لنبرز أولي بدايات حروب الجيل الرابع التي مُورست علي الاتحاد السوفيتي بشكل عفوي تلقائي، وذلك علي النحو التالي :

أولاً : الحرب النفسية والاستراتيجيات التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة المد الشيوعي في أوربا:

شهد القرن العشرون صراعاً عنيفاً بين الغرب والشرق منذ فترة 1945-1991، وهذا الصراع كان في الأساس صراعاً بين أيديولوجيتن: الرأسمالية والاشتراكية؛ أما الايديولوجية الرأسمالية فتتجسد في الولايات المتحدة الأمريكية وعضوية معظم دول أوروبا الغربية؛ وخصوصاً بريطانيـا، وفرنسا، وألمانيا الغربية، وإيطاليا، بالإضافة إلى كندا، واليابان، والدول الصغيرة الأخرى التابعة لهذه المجموعة من الدول الرأسمالية).

إن مجـمـوعـة الدول الرأسمالية الصناعية تشكل فيما بينها بؤرة القوى البشرية، والاقـتـصـاديـة، والعسكرية الفاعلة للغرب، ويتجلى الغرب بكل وضوح في مجموعة الـدول التي تشكل منظمة حلف شمال الأطلسي (حلف الناتو) الذي تأسس في  الرابع من أبريل عام 1949. ويضم حلف الناتو والذي هو أداة الغرب الدفاعـيـة الأولـى 15 دولة رأسمالية غربية. ويعتبر هذا الحلف أضخم تكتل عسكري في العالم، و‹يمتلك من الأسلحة النووية ما يكفي لإبادة الكرة الأرضية بصورة نهائية وكاملة عـدة مـرات، وحلف شمال الأطلسي هـو أول حـلـف فـي التاريـخ يصمد قرابة أربعين عاماً في وقت السلم، وهو الأول من نوعه الذي تزداد عضويته سنة بعد أخرى منذ تأسيسه .

وباختصار فإن الغرب يستمد قوته من القدرات والإمكانات الهائلة المتاحة للولايات المتحدة الأمريكية، لذلك فإن تفوق الغرب مرتبط ارتباطاً جوهرياً بقيادة الولايات المتحدة إياه، وتلك القوى الاقتـصـاديـة والنـوويـة والتـقـنيـة تجعل تفوق الغرب على الشرق وعلى سائر دول العالم تفوقاً مطلقاً، فمهما إذا بدا للمتابع أن الصراع بين الشرق والغرب هو صراع بين طرفين متساويين، فإن حقيقة الأمر عكس ذلك؛ حيث إن هناك اختلافات كبيرة في قدرات وإمكانات هذين الخصمين الأيديولوجيين، وجميع المؤشرات تظهر أن للغرب تفوقاً على الشرق في جميع المجالات .

بيد أن هذا التفوق الغربي في القدرات والإمكانات، لا يعني مطلقاً التقليل من القدرات والإمكانات العـسكريـة، والاقتصاديـة، والبشرية المتاحة للشرق الذي يتكون في الأساس من مجموعة رئيسة مـن الدول الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفيتي وعضوية معظم دول أوروبا الشرقية. ‹يمكن أيضاً لأسباب إيديولوجية محضة ضم الصين، وكوريا الشمالية، وفيتنام، وكوبا إلى معسكر الشرق، وهـذه المجموعة من الدول، مثل النقيض الأيـديولوجي للرأسمالية، وتمثل البديل الاجتماعي من الغرب، كما تشكل القوة الاقتصادية الثانية في العالم بالإضافة إلى أنها القوة العسكرية والنووية الوحيدة المنافسة للقوة العسكرية والنووية للدول الرأسمالية الغربية، وتتجسد قوة وقـدرات الشرق بشكل واضح في "حلف وارسو" الذي ظهر إلى حيز الـوجود فـي 14 مايو 1955؛ أي بعد 6 سنوات على قيام حلف الناتو الغربي، ويضم حلف وارسو الذي يسمى رسميا معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة، كلا من بلغاريا، وتشيكوسلوفاكيا، وألمانيا الديمقراطية، والمجر، وبولندا، ورومـانـيـا، والاتحاد السوفيتي .

وكما هو الحال بالنسبة إلى الغرب، فإن القدرات والإمكانات الحقيقية المتاحة للشرق ولحلف وارسو، هي قدرات وإمكانات خاصة بالاتحاد السوفيتي. إن القوتين النووية والاقتصادية للاتحاد السوفيتي هما اللـتـان تجعلان من الشرق منافسا دولياً خطيرا للغرب، وتجعلانه نداً إيديولوجياً، وخصماً سياسياً ودبلوماسياً عنيداً. إن لـدى الاتحاد السوفيتي، كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة، قـدرات اقـتصاديـة وإمكانات عسكرية وقوة نووية ضخمة .

والاتحاد السوفيتي هـو عبارة عن دولة دستورية شيوعية، تأسست في الثلاثين من ديسمبر من عام 1922م، وجاءت فكرة تكوينه ونشأته لمجموعة من الأحداث السياسية التي ألحقت الضعف والوهن في الإمبراطورية الروسية، ومن أهم هذه الأحداث: الثورة الروسية، والتي اندلعت شرارتها في عام 1918م وتحولت بعد ذلك إلى حرب أهلية استمرت لمدة أربع سنوات كاملة، أي منذ 1918 -1921م. الاتحاد السوفيتي هو وليد اتحاد خمس عشرة دولة، وهي: (روسيا، وأوكرانيا، وجورجيا، وأذربيجان، وأوزباكستان، وتركمانستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، ولاتفيا، وليتوانيا، واستونيا، وملدوفا، وروسيا البيضاء، وأرمينيا)، وكانت روسيا أكبر هذه الدول، وتعتبر المؤسسة لهذا الاتحاد؛ أي إنها الوريث الشرعي له. مساحة الاتحاد السوفيتي امتدت لتصل إلى اثنين وعشرين مليون ومئتين وستة وسبعين ألف وستين كيلومترا مربعاً.

وتعد هذه المساحة بمثابة سدس المساحة الكلية للكرة الأرضية، وأما فيما يتعلق بالجزء الأوروبي فقد كان يحتل ربع مساحة الاتحاد السوفييتي، ويعتبر الجزء الأوروبي من هذا الاتحاد هو العنصر الأساسي في نمو اقتصاده ومركز الثقل به، كما يلعب دوراً مهما في المجال الثقافي. بلغ طول حدود الاتحاد السوفيتي حوالي ستين ألف كيلومتراً مربعاً، وتعتبر أطول حدود في العالم، كما يضم ضمن حدوده "بحيرة بايكال Lake Bekal " وهي أكبر بحيرة من المياه العذبة، وتقع حالياً ضمن حدود روسيا، واعتمد الاتحاد السوفيتي في اقتصاده على اتباع أسلوب التخطيط الممركز؛ وذلك برسم خطط خماسية، تختص كل خطة بفترة معينة، وتهتم بإيجاد الأولويات الاقتصادية، وضمت هذه الخطط كلاً من القطاعات الخاصة التي شهدتها فترة الحكم الستالينية، فبلغ اقتصاد الاتحاد السوفيتي أوج ازدهاره، وتحول من دولة زراعية إلى دولة صناعية، تعتمد على التنقيب عن النفط والكشف عنه، وتم خلالها الكشف عن الثروات المعدنية.

فالاتحاد السوفييتي الأول فـي العالم من حيث إنتاج النفط، وهو الأول من حيث إنتاج الحديد والصلب، والإسمنت، وإنتاج السيارات الـثقيلة. أما على الصعيد الاجتماعي، فإن "الاتحاد السوفيتي يحتل الموقع رقم 23 من حيث الإنـفـاق الاجتماعي والاقتصادي في العالم، ويأتي في الموقع الرابع عالمياً من حيث نسبة المتعلمين والتي تبلغ 99%  . من ناحية أخرى كان الاتحاد السوفيتي الأول في تطـويـر قواته المسلحة وتوسيعها، حيـث زاد حجم هذه القوات بنسـبة 20 %  في أواخر السبعينيات، وقـد شملت هـذه الـزيادة نمـوا فـي عدد الصواريخ  العقد الماضي والغواصات النووية والقاذفات الاستراتيجية" .

إن هذه القوة العسكرية الهائلة للاتحاد السوفيتي إضافة إلى القدرات المادية والتقنية الأخرى لدول حلف وارسو، كافية لجعل الشرق المنافس الاستراتيجي الوحيد الذي ينبغي للغرب، أن يخشاه ويستعد لمـواجهته. كذلك "فإن الإمكانات العسكرية، والاقتصادية المتاحة للشرق؛ وخصوصا تلك المتاحة للاتحاد السوفيتي، تؤهله لكي يتنازع مع الغرب زعامة العالم ويشاركه في إدارة شؤونه" .

ومن هذا المنطلق انقسم العالم إلي محورين رئيسيين: هما محور الشرق الاشتراكي ومحور الغرب الرأسمالي ؛ أي تقسيمه إلى مناطـق نـفـوذ تابعة لكل من الولايات المتحـدة والاتحـاد السوفيتي. "إن هاتين الـدولتين تستخدمان دول الشرق والغرب الأخرى، وتستخدمان مؤسسات الشرق والغرب العسكرية، والسياسية، والدبلوماسية المختلفة، كأدوات في صراعهما الثنائي من أجل الهيمنة على العالم المعاصر. فالعالم بهذا المعنى مازال في جوهره عالماً ثنائي القطبية، توزعت فيه إمكانات العالم الفعالة بين قوتين متنافستين ومتسلطتين تسلطاً مطلقاً، هما الولايات المتحدة والاتحـاد السوفيتي" .

إن هاتين الدولتين" تمتلكان فيما يـنهما 40 %من إجمالي الناتج القومي العالمـي، و 60 % من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي،  و80 %مـن جميع الأبحاث العلمية في العالم، و97 % من جميع الأسلحة والرؤوس النووية في العالم. ولديهما 75 %من جميع القدرات التدميرية في العالم، وهي قوة كافية لإفناء العالم وقتل كل شخص من سكان الأرض مالا يقل عن 12 مرة متتـالـيـة. إن الـولايـات المتحدة والاتحاد السوفيتي قادرتان على إنفاق 1,700,000 دولار على الأغراض العسكرية في كل دقيقة من دقائق العمر الزمني وعلى مدار السنة دون توقف، وهي قدرة غير متوفرة لجميع دول العالم مجتمعة. لكن عند عقد مقارنة بين قدرات وإمكانات الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي يتضح أن للولايات المتحدة تفوقاً نسبياً في معظم المجالات الحيوية".

فالاقتصاد الأمريكي يبلغ ضعف حجم الاقتصاد السوفيتي، ومتـوسـط دخل الفرد في الولايات المتحدة يبلغ ضعف متوسط دخل الفرد في الاتحاد السوفيتي. وما زالت الولايات المتحدة مـتـقـدمة ليس فـقـط عـلـى الاتحـاد السوفيتي، بل على سائر دول العالم تقنيا. ويظل الاتحاد السوفيتي متأخراً بحوالي عشر سنوات عن الولايات المتحدة في "حقل تقنيات الكمبيوتر والعقول الإلكتـرونية، بل إنه وفي 14 مجـالاً من 20 مجالاً من مجالات التقنيات الدقيقة تبرز الولايات المتحدة كدولة متفوقة على الاتحاد السوفيتي" .

ويرجع هذا التفوق الذي تتمتع به الولايات المتحدة على الاتحاد السوفيتي إلى عدة عوامل تاريخية، وموضوعية، وجيوبوليتيكية. لقد بدأت هاتان الدولتان مرحلة  نموهما وتطورهما من لحظتين تاريخيتين مختلفتين  لهما تأثيرهما البالغ علي واقع التنافس ، بينما الآن فقد كان الاتحاد السوفيتي في مطلع القرن القرن العرين أفقر الدول الكبرى،  وكان يعاني من انتشار الأمية والتفكك الوطني والانكماش السياسي، وهزائم في حروبه الخارجية وثورة داخلية عارمة. في مقابل ذلك "كانت الولايات المتحدة في مطلع القـرن العشرين أغنى الدول الكبرى، وكانت تعيش لحظات ازدهار وانتعاش اقتصادي وصنـاعـي وبمستويات لم تشهدهـا أي دولة أخـرى" .

وكذلك فإنه حتى بعد تفاقم الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان الاتحاد السوفيتي في وضع اقـتصادي ومادي وبشـري فاجع نتيجة الدمار الهائل الذي ألحقته الحرب العالمية الثانية باقتصاده وبنيته الاجتماعية والتحتية، والتي أدت أيضاً إلى مقتل عشرين مليون نسمة من شعب الاتحاد السوفيتي. ورغم أن الاقتصاد قد دمر تدميراً خطيراً ومأساوياً إبان الحرب العالمية الثانية، فقد "ظل اقتصاد الولايات المتحـدة فـي المـقـابـل سالماً وبعيداً عن تأثيرات الحرب المدمرة، بل إنه على العكس من ذلك فقد تسببت الحرب في إنعاش وازدهار الاقتصاد الأمريكي الذي برز كأقـوى اقتصاد في العالم" .

فالظروف التاريخية قد ساهمت فعلاً في تدعيم الـتفوق الاقـتصادي الراهن للولايات المتحدة على الاتحاد السوفيتي الـذي استطاع رغـم تلك الظروف التاريخية القاهرة أن يصبح من أغنى الـدول، وأصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وكما أن الظروف التاريخية قد ساعـدت الـولايـات المتحدة على تحقيق التفوق الاقتصادي، فإن العوامل والمعطيات الجيوبوليتيكية ساهمت هي أيضاً بـدورهـا فـي تدعيم وتعزيز تفوق الولايات المتحدة استراتيجيا على الاتحاد السوفيتي. فالاتحاد السوفيتي، خلافـاً لـلولايـات المتحدة، هو دولة مترامية الأطراف جغرافياً، وهو أكبر دولة في العالم مـن حيث المساحة. ويقع الاتحاد السوفيتي في قارتين، وهو محاط بعشرين دولة غير صديقة. في حين يقع على حدود الولايات المتحدة بلدان صديقان هما كندا والمكسيك. كذلك فإن الاتحاد السوفيتي هو في وضع يواجه فيه أربعا من القوى النووية الرئيسة الخمس في العالم والتي هي جميعها قوى صديقة وحليفة للولايات المتحدة ومعادية إيديولوجيا وسياسيا للاتحاد السوفيتي، لذلك فإن على "الاتحاد السوفيتي أن يوزع قدراته وإمكاناتـه النوويـة على أكثر من هدف، في حين أن القوة النووية للولايات المتحدة لا تستهدف سوى عدو استراتيجي واحد ووحيد هو الاتحاد السوفيتي. ويـلاحـظ أيـضاً أن الاتحاد السوفيتي محاط بحوالي 2400 قاعدة عسكرية معادية، في حين لا يمتلك هو أي قاعدة عسكرية قريبة من حدود الولايات المتـحـدة، بـل إنـه لا تمتلك أي رؤوس نووية خارج حدوده وحـدود دول حـلـف وارسو فـي الـوقـت الذي يمتلك فيه الولايات المتحدة أكثر من 1200 رأساً نووياً مثبتة في قواعد خارج الولايات المتحدة. وأخيرا فإن الاتحاد السوفيتي يفتقر أيضاً إلى التوسع العسكري العالمي الملحوظ للولايات المتحدة التي  تمتلك 300 قاعدة عسكرية رئيسة في الخارج، ولها أكثر من مليون جندي في 30 دولة وهي عضو في خمسة تحالفات دفاعية إقليمية، ولها معاهدات دفاعيـة مـع 42 دولة، وهي كذلك عضو فـي 53 منظمة دولية، وتقدم مساعدات عسكـريـة واقـتـصـاديـة لأكثر مـن 100 دولة من دول العالـم" .

إن جميع هذه العوامل تـؤثـر فـي قـوة الدولتين المتنافستين، وهي لاشك تضعف القدرات العسكرية السوفيتية، وهذا ما أدركته الولايات الأمريكية، لذلك أخذت تمارس فكرة حروب الجيل الرابع بشكل عفوي حين أخذت تضعف من قوته من خلال حرب نفسية، تستهدف في الأساس ضرب فكرة المد الشيوعي في العالم ؛ حيث كانت الولايات المتحدة تخشي من الطبيعة التوسعية للأيديولوجية الشيوعية، وأن هذه الأيديولوجية هي في طبيعتها ثورية ومعادية للرأسمالية، والتى ترغب في تحويل العالم بأسره إلي عالم اشتراكي، وإلي عالم غير طبقي، وذلك من خلال "الثورات العمالية المتلاحقة الموجهة ضد الطبقات الرأسمالية، بزعامة الأحزاب السياسية الشيوعية في العالم، والتي يساندها الاتحاد السوفيتي ماديا ومعنوياً ، ويشجعها لمعاداة الرأسمالية، ومحاربة دول الغرب الصناعية. ومن ثم فإن الاتحاد السوفيتي في نظر الولايات المتحدة يشكل خطراً استراتيجياً، لذا يقع علي عاتق الولايات المتحدة مسؤولية التصدي لهذا الخطر، والحد من التوسع الأيديولوجي للاتحاد السوفيتي، وفرض حصار سياسي ودبلوماسي وإيديولوجي وعسكري عليه" ؛ خاصة بعد أن أخذت الشيوعية تتوغل في أوربا الشرقية ومعظم دول الشرق الأوسط ، ففي مصر استطاعت القومية والشيوعية بالفعل اجتذاب أعداد من الجماهير المسلمة بسهولة، وفي العراق فاز الحزب الشيوعي العراقي أكبر الأحزاب الشيوعية في الوطن العربي بولاء ملايين الشيعة العراقيين خلال فترة الحرب العالمية الثانية وبحلول الخمسينات كانت قوة الحزب كافية لتنظيم تظاهرات في بغداد شارك فيها أكثر من مليون عراقي. كما جمع الرئيس المصري " جمال عبد الناصر" من حوله أعداداً غفيرة وحظي بتأييد كبير، حيث "نشرت إذاعة صوت العرب من القاهرة رسالته  القومية إلي سوريا، والعراق، والأردن، ولبنان، والسعودية؛ وفي الخمسينات والستينات كان " جمال عبد الناصر" أكثر الزعماء العرب شعبية بين القادة السياسيين العرب. وكما التحق المسيحيون في أوربا بالأحزاب الشيوعية بأعداد غفيرة فإن المسلمين في العالم الإسلامي غير راضين عن مستوي معيشتهم وكان من يعارض الاستعمار الغربي والنفوذ الانجلو سكسوني منهم في الشرق الأوسط يميل إلي الشيوعية أو علي الأغلب إلي القومية العربية" . وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

جميل عودةالمواطن هو الشخص الذي يكون عضوا في الدولة التي يقيم بها، وينتمي إليها، ويكون له الحق في التمتع بحمايتها. وأما غير المواطن (الأجنبي) هو الشخص الذي لا يكون عضوا في الدولة التي يقيم بها، ولا ينتمي إليها، ولا يحق له التمتع بحمايتها.

وفي تعريف آخر؛ أن المواطن هو الشخص الذي تعترف الدولة به، وتمنحه أهلية المواطنة، ويكتسب جنسيتها عادة بالولادة في البلد (حق الأرض) أو بكون أحد الأبوين من مواطني البلد (حق الدم) وبالتجنُّس أو بمزيج من الطريقتين. أما غير المواطن(الأجنبي) فهو الشخص غير المعترف بوجود هذه الروابط الفعلية بينه وبين البلد الذي يقطن فيه.

ومن الفئات التي يشملها مصطلح غير المواطن (الأجنبي) هي: المقيمون الدائمون، والمهـاجرون، واللاجئون، وطالبو اللجوء، وضحايا الاتجار بالبشر، والطلاب الأجانب، والزوار المؤقتون، وفئات أخرى من غير المهاجرين، وعديمي الجنسية. وبحسب الإحصاءات الأممية تشكل هذه الفئات نحو (١٧٥) مليون شخص في أرجاء العالم أي ما يعادل (٣%) من سكان المعمورة.

يتمتع غير المواطنين (الأجانب) على وفق القوانين الدولية، وقوانين حقوق الإنسان بمجموعة من الحقوق منها: أن للأجانب حق الحياة؛ فلا يجوز حرمانهم تعسفا من الحياة. ويجب ألا يتعرضوا للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، كما لا يجوز استرقاقهم أو تسخيرهم. وللأجانب الحق الكامل فيما يتمتع به الإنسان من حرية وأمن؛ فإذا حرموا من حريتهم على نحو قانوني، فيلزم معاملتهم بطريقة إنسانية وباحترام للكرامة المتأصلة في أشخاصهم. وللأجانب الحق في حرية الحركة والاختيار الحر لمحل السكن، ويتمتع الأجانب بحرية مغادرة البلد، كما يتمتعون بالمساواة أمام المحاكم والهيئات القضائية.

ومن حقهم أن يحاكموا محاكمة عادلة وعلنية من قبل محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة مشكلة حسب القانون، وذلك عند البت في أية تهمة جنائية أو حقوق والتزامات في الدعاوى المرفوعة أمام القضاء. ولا يخضع الأجانب لتشريعات جنائية بأثر رجعي، ومن حقهم أن يعترف بما لهم من شخصية قانونية. ولا يجوز أن يخضعوا لتدخل تعسفي أو غير قانوني في خصوصياتهم أو في الشؤون الخاصة بأسرهم أو منازلهم أو مراسلاتهم. ولهم الحق في حرية الفكر والوجدان والدين، والحق في اعتناق الآراء والتعبير عنها. ويتمتع الأجانب بحق الاجتماع السلمي وحرية تكوين جمعيات.

ويجوز لهم الزواج عندما يصلون إلى سن الزواج القانوني. ويحق لأولادهم التمتع بتدابير الحماية التي يقتضيها وضعهم كقصر. وفي الحالات التي يشكل فيها الأجانب أقلية؛ فلا يجوز حرمانهم من التمتع بالاشتراك مع سائر أفراد جماعتهم بثقافتهم الخاصة والمجاهرة بدينهم الخاص وممارسة شعائره واستخدام لغتهم. ومن حق الأجانب التمتع بالحماية التي يكفلها القانون على قدم المساواة مع غيرهم. ولا يوجد تمييز بين الأجانب والمواطنين في تطبيق هذه الحقوق. ولا يجوز إخضاع حقوق الأجانب هذه لأية قيود غير تلك التي يمكن فرضها قانونا.

مع ما ينبغي أن يتمتع به غير المواطنين من حقوق وحريات وامتيازات وردت في الإعلانات والاتفاقات الدولية، إلا أن هناك فارقا كبيرا بين الحقوق التي يكفلها القانون الدولي للأجانب من الناحية النظرية، وبين الحقوق التي يحصل عليها الأجانب في الدول المتواجدين فيها من الناحية العملية؛ فليس كل ما وجد من حقوق في الاتفاقات والإعلانات الدولية يجد تطبيقه المناسب، بل العكس تماما؛ فقد يتعرض غير المواطنين الذين تركوا بلادهم طواعية أو كرها إلى أنواع من التعامل اللاإنساني بما يسئ إلى كرامتهم وحرياتهم وحقوقهم بما فيهم أولئك المتواجدين في الدول الأوربية..

ففي كثير من البلدان، يواجـه غـير المواطنين مشاكل مؤسسية مستعصية، حيث تكاد جميع فئات غير المواطنين تواجـه التمييـز الرسمي وغير الرسمي. وربما توجد، في بعض البلدان، ضمانات قانونية تكفل المساواة في المعاملة والاعتراف بأهمية غير المواطنين في تحقيق الرخاء الاقتصادي، لكن غير المـواطنين يـصادفون واقعاً اجتماعياً وعملياً مناوئاً. فهم يعانون من كره الأجانب والعنصرية والتحيز القائم علـى أساس نوع الجنس؛ والحواجز اللغوية والعادات الغريبة؛ وعدم التمثيل الـسياسي؛ وصـعوبة إعمال حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا سيما الحق في العمـل، والحـق في التعليم، والحق في الرعاية الصحية؛ وصعوبة الحصول على وثائق الهوية؛ وانعدام الوسائل الفعالة للطعن في انتهاكات حقوق الإنسان التي تطالهم أو للانتصاف منها.

ويتعـرض بعـض غـير المواطنين للاحتجاز القسري، وفي كثير من الأحيان، للاحتجاز إلى أجل غير مسمى. وقد يحرم المحتجزون من غير المواطنين مـن الاتـصال بأسرهم، ومن الحصول على المساعدة القضائية وفرصة الطعن في احتجازهم. ويكون العـداء الرسمي -الذي يتجلى غالباً في التشريع الوطني -سافراً بشكل خاص خلال فترات الحروب والعداوة العنصرية وتفشي البطالة. فعلى سبيل المثال، تفاقم الوضع منذ ١١ أيلـول/سـبتمبر ٢٠٠١، حيث أقدمت بعض الحكومات على احتجاز أفراد من غير المـواطنين تخوّفـاً مـن الإرهاب.

كما عززت أزمة اللاجئين المستمرة والهجمات التي شنها متطرفون مسلحون في بلجيكا وفرنسا وألمانيا كراهية الأجانب والخوف من الإسلام والمشاعر المعادية للمهاجرين، وتجسد ذلك في هجمات على المسلمين والمهاجرين وأولئك الذين يُعتقد أنهم أجانب، بالإضافة إلى دعم الأحزاب الشعوبية المناهضة للهجرة في كثير من دول الاتحاد الأوروبي.

وبرزت دراسة قام بها وكيل الجمهور ضد التمييز أن الأشخاص ذوي خلفيات أجنبية في السويد يجدون صعوبات كبيرة للحصول على سكن في إحدى شركات السكن البلدية أو حتى في شركات السكن الخاصة، وذلك على عكس السويديين الذين يتمكنون من الحصول على السكن في ظروف أحسن من الأجانب. وتبين أيضا أن شركات الإسكان في البلديات والشركات الخاصة معا يهمشون الأجانب في طلبات السكن، وغالبا ما تكون الأولوية للمواطنين من أصول سويدية.

ومن هذا المنطلق، أشار إعلان (ديريان) إلى أن كراهية الأجانب التي تمارس ضد غير المواطنين، ولا سيما المهاجرين، تشكل أحد المصادر الرئيسية للعنصرية المعاصرة. وكثيرا ما يتعرض المهاجرون للتمييز ضدهم في الإسكان أو التعليم أو الصحة أو العمل أو الضمان الاجتماعي. وإن هذه لتعتبر قضية عالمية تؤثر على بلدان المنشأ وبلدان العبور وبلدان الوصول. ووفقا لما ذكرته شعبة السكان في إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة، فإن زهاء 200 مليون نسمة يعيشون خارج بلدان المنشأ، وهو ما قد يصل إلى 3,1 % من سكان العالم في 2010.

وتأسيسا على ذلك، حث المؤتمر العالمي لمناهضة العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب وما يتصل بذلك من تعصب، الذي عقد في دربن بجنوب أفريقيا عام 2001. بصورة خاصة على أنه (يجب على جميع البلدان تحريم التمييز في المعاملة المرتكز على العنصر أو اللون أو المنشأ أو الوطن أو الأصل العرقي، والذي يمارس ضد الأجانب والعمال المهاجرين، بالنسبة لكافة المعاملات ومنها تلك التي تتعلق بتراخيص الدخول إلى البلد (الفيزات)، وتصاريح العمل، والسكن والرعاية الصحية وسبل الوصول إلى تحقيق العدالة)، كما يحث البلدان المضيفة للمهاجرين على أن (تنظر في توفير الخدمات الاجتماعية ولاسيما في المجال الصحي، باعتبار ذلك أولوية أولى، من خلال التعاون مع وكالات الأمم المتحدة، والمنظمات الإقليمية والهيئات الدولية الممولة).

وبالمحصلة أن الدول ملزمة بضمان المساواة بين المواطنين وغير المـواطنين في التمتـع بحقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالقدر المعترف به بموجب القانون الدولي والمبيّن، بوجه خاص، في الإعلان العالمي لحقـوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافيـة والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛ ويجب على الدول الامتناع عن تطبيق معايير معاملة تختلف باختلاف فئـات غير المواطنين.

نخلص مما تقدم إلى:

- أهمية الالتزام بحمايــة ســلامة جميــع المهــاجرين وحمايــة كرامتــهم وحقــوق الإنســان والحريات الأساسـية الواجبـة لهـم، في جميـع الأوقـات، بصـرف النظـر عـن وضـعهم مـن حيـث الهجرة. وتيسير وضمان الهجرة الآمنـة والمنظمـة والقانونيـة، بما يشمل العودة والسماح بالدخول مجددا، مع وضع التشريعات الوطنية في الاعتبار.

- أهمية مكافحـة كراهيـة الأجانـب والعنصـرية والتمييـز في مجتمعات الوصول ضـد اللاجـئين والمهـاجرين. وأخذ تـدابير لتحسـين انـدماجهم واحتـوائهم، ومـع الإشارة بوجه خاص إلى إتاحة حصولهم علـى التعلـيم والرعايـة الصـحية وإمكانيـة لجـوئهم إلى القضــاء والتــدريب اللغــوي.

- إيلاء المزيد من الاهتمام لقضية التمييز المتعدد المظاهر الذي يواجه غير المواطنين، لا سيما فيما يتعلق بأطفال وأزواج العمال الأجانب، والامتناع عن تطبيق معايير معاملة مختلفة مع النساء غير المواطنات المتزوجات من مواطنين والرجال من غير المواطنين المتزوجين من مواطنات.

- كفالة ألا تنطوي سياسات الهجرة على أثر التمييز ضد الأشخاص على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الاثني.

- اتخاذ إجراءات صارمة لمواجهة أي نزعة لاستهداف أو وصم أو إعطاء صورة نمطية مقولبة أو سمات لأفراد مجموعات غير المواطنين على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو العرقي، ولا سيما من قِبل السياسيين والمسؤولين والمربّين ووسائط الإعلام، أو على شبكة الإنترنت وغيرها من شبكات الاتصالات الإلكترونية، وداخل المجتمع بشكل عام.

- ضمان توفير الحماية المناسبة لغير المواطنين الذين يُحتجزون أو يُعتقلون في سياق مكافحة الإرهاب، وذلك من خلال القوانين المحلية مع الامتثال لقانون حقوق الإنسان الدولي وقانون اللاجئين الدولي والقانون الإنساني الدولي.

 

جميل عودة/مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

 

حسن العاصيالدانمرك نموذجاً

لغاية منتصف القرن العشرين كان التدين سموحاً يسيراً معتدلاً في العالم العربي، وكانت دول الإقليم إضافة إلى الدول العربية تجتهد لبناء مؤسسات الدولة الحديثة وفق أسس ومعايير مدنية. وشهدت تلك المرحلة انتشار التعليم بصورة نسبية، وقيام الدول العربية إرسال البعثات التعليمية إلى أوروبا. تم تأسيس الجمعيات السياسية والثقافية والعلمية والأدبية في عدد من العواصم والمدن العربية، وتوسعت حركة الطباعة والصحف والنشر. انتشرت المساجد والأندية والأحزاب السياسية، فكانت الدعوة للدين تتم عبر الموعظة الحسنة من قبل الأسرة والمجتمع، والمساجد أماكن للعبادة والعلم والتعليم، ورجال الدين كانوا يسهمون في النشاط والحراك الثقافي والسياسي. لقد كانت المنطقة العربية في ذاك الوقت تشبه بقية العالم.

في الربع الأخير من القرن العشرين ظهرت جماعات وحركات الإسلام السياسي التي رفضت ما أسمته "التغريب"، وعبّرت عن رغبتها في العودة إلى أمجاد الماضي. بعد وصول البرجوازية العسكرية إلى سدة الحكم في معظم الدول العربية وتحولها إلى أنظمة استبداد وقهر للشعوب، توسعت الحركات الإسلامية وقدمت نفسها كبديل بشعارات ملتبسة. ومع قرب انتهاء القرن العشرين أصبحت هذه القوى الإسلامية تمتلك امتداداً ونفوذاً فيما اصطلح على تسميته "الصحوة الإسلامية" حتى أصبحت الأقوى تنظيمياً بعد فشل المشروعين القومي واليساري.

فشل المشروع السياسي الإسلامي

لكن المشروع الإسلامي السياسي فشل أيضاً كبديل لأنه أخفق في إحداث مقاربات مختلفة للتراث، وفشل في قراءة الراهن العربي، ولأنه مشروع يتبنى الفكر الإقصائي ولا يقبل التعدد والمشاركة، فشعاره الشهير إما أن تكون معي أو إنك ضدي، وهذه أصبحت قاعدة فلسفة فكر الإسلام السياسي خاصة لدى الجماعات المتشددة.

أثبتت التجربة التاريخية في معظم الدول العربية أن قوى الإسلام السياسي تعاني من محدودية شعاراتهم، فهم لا يمتلكون سوى شعار وحيد يتلخص بأن الإسلام هو الحل، دون أن تتمكن هذه الجماعات من تقديم وشرح رؤية واضحة في أدبياتهم حول كيفية إخراج الأمة العربية من هذا الانسداد السياسي والفشل الاقتصادي والتمزق الاجتماعي والإخفاق العلمي الحضاري، التي كان نتيجة عقود من التسلط والاستبداد والتخبط والعشوائية والفساد الإداري والمالي في معظم الدول العربية.

لقد عجز الإسلام السياسي عن تطوير مشروع سياسي يخاطب عقول الناس، ولا يتوجه نحو غرائزهم وعواطفهم الدينية، ويكون موجهاً لجميع المواطنين وليس فقط لمناصريهم، خطاب يتبنى مشاريع تنموية لتطوير كافة قطاعات المجتمع والدولة وليس خطاباً للتعبئة والدعاية، خطاب وشعارات تدعوا إلى التسامح والمحبة والتعايش بين الأعراق والأديان والمذاهب والطوائف، ولا يدعوا إلى الكراهية والإقصاء والتناحر والصراعات الإثنية.

لم تهتم جماعات الإسلام السياسي لا بمحاربة فساد الأنظمة ولا عملت على تكريس مفهوم المواطنة وحقوق الإنسان وبناء الدولة المدنية التي يتساوى فيها جميع المواطنين بالواجبات والحقوق. كل ما فعلته هذه الجماعات هي محاولتهم تغيير أنماط المجتمعات العربية والتركيز على الهوية، وأهملوا كافة القطاعات الأخرى، فوجدوا أنفسهم يعومون في بركة مغلقة أدت إلى تداعيات أمنية خطيرة وانهيارات اقتصادية، كان المواطن العربي هو أول ضحاياها.

من أبرز الأسباب التي تقف خلف الفشل السياسي لهذه الجماعات يظهر غياب الخبرة في العمل السياسي وإدارة شؤون المجتمع، فلا تكفي الشعارات وحدها لإدارة الدول. ثم بروز حالة الغرور والاستعلاء والعنجهية التي طبعت تفكير ورؤية وسلوك ومواقف قادة هذه الجماعات ومعظم كوادرها، والاستخفاف بالآخرين واستصغارهم، حيث اعتقدوا بغباء أنهم يمتلكون الحقائق المطلقة وحدهم. أيضاً من الأسباب هو نكث هؤلاء لعهودهم وشعاراتهم التي قطعوها على أنفسهم ووعدوا بها الجماهير.

ولكل من يشير إلى التجربة التركية الناجحة أقول إن تركيا دولة علمانية مدنية بدستورها وقوانينها ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإن حكمها حزب سياسي ذو توجه إسلامي. علينا أن نعلم أن من أهم أسباب نجاح النموذج التركي هو إدراكهم المبكر أن إدارة الدولة شأن دنيوي تركه الله للعقل والتدبير البشري يديره بحسب الأزمنة والأمكنة. لكن ما يحث عليه الدين في شؤون الحكم هو إقامة العدل والشورى، وهي وإن كانت أمراً ثابتاً إلا أنها تتغير من عصر لآخر.

تحولات دينية خطيرة

هذا الفشل والسقوط للإسلام السياسي في الواقع الحقيقي الراهن عربياً، جعلها تلجأ إلى الإنترنت، حيث قامت جميع المنظمات وجماعات الإسلام المتشدد بتوظيف العالم الافتراضي بصورة واسعة ومعقدة، إن كان لغايات دعائية وتعبوية وتواصلية، أو لأهداف تنظيمية تشمل تحريك وإعادة هيكلة المجموعات كافة بسرعة قياسية. ثم تم تطوير هذه التكنولوجيا لتتحول إلى تقنيات قتالية تضمن سرعة وفاعلية التمويل للوجستي لهذه المنظمات. أيضاً تعتبر هذه المنصات في العالم الافتراضي خزاناً لرفد المجموعات المتطرفة بنهر لا ينضب من المقاتلين الجدد على امتداد الجغرافية الكونية، ويمكن اعتبارها كذلك أعشاش وأوكار لتبييض الأعضاء والمنتسبين الجدد وللمتعاطفين مع هذه الأفكار المتشددة والذين لا يرغبون في الانتساب الحزبي أو في مشاركة قتالية حقيقية. هذا التوظيف لمنجزات الثورة الرقمية في الغرب من قبل مجموعات سياسية ودينية متطرفة يضعنا أمام سؤال وتحدي كبير وهام حول حقيقة وطبيعة ونوعية وشكل التحولات والتغيرات التي تحدث في الدين الإسلامي وفي علاقة الدين بالمؤمنين.

إننا نعتقد أن منابع ومرجعيات الدين الإسلامي كنصوص وممارسات، أخذت تتحول من العالم الواقعي إلى العالم الافتراضي، لذلك نستطيع القول إنه أصبح لدينا ليس فقط إسلام النصوص أو إسلام التاريخ، بل صار لدنيا أيضاً إسلام افتراضي يديره ويشرف على خطابه إسلاميون متشددون متطرفون لا يقبلون بأي نقد ولا أية ملاحظة ولا يرتضون وجود أية فكر مخالف. لذلك فقد أضحى الدين الوسطي المعتدل بكافة مقدساته وعباداته مقيداً بأيديولوجية عصبية حزبية متزمتة ينشرها رجال دين يتسلحون بفكر متصلب لا يقبل المرونة ولا السيولة ويرفض الحوار مع الآخر، قاموا بتحويل منصات التواصل الاجتماعي وبقية التطبيقات الذكية إلى ميدان قتال لخوض صراعات وحروب، بل وصل الأمر حد قيام هذه المجموعات المتطرفة في إحداث مقابر افتراضية للمجاهدين المسلمين الذين قضوا في المعارك القتالية.

المفارقة المرعبة هنا أن جميع هؤلاء الإسلاميون المتشددون قد عانوا الويلات والأمرين من استبداد بعض الأنظمة العربية، حيث جرى اقصاءهم وتهميشهم وعدم السماح لهم بالمشاركة السياسية ولا العمل العلني، وقامت هذه الأنظمة بزج هؤلاء الإسلاميون في السجون والمعتقلات لسنوات عديدة، وحين انتقل البعض منهم إلى دول غربية ديمقراطية وفرت لهم القوانين في مكانهم الجديد بعض الحرية ليقولوا ما يشاؤون، أصبحوا يمارسون الإقصاء والقمع الفكري الذي كانوا يعانون منه، وهذا دليل دامغ وبيان جازم وبرهان حاسم وحجة قاطعة على النفاق الفكري والاجتماعي والثقافي الذي تمارسه هذه الفئات والجماعات والفرق، في استخدامها الدين والتدين والشعارات الإسلامية لتحقيق مآرب سياسية ومنفعية لا علاقة لها بالإسلام والعبادات.

الدانمرك نموذجاً

كان الدفاع عن المسلمين ومصالحهم في الدانمرك مبرر تشكلها وتأسيسها، أصبح تكفير غالبية المسلمين هو معتقدها، وصار خطاب التطرف ما يميزها، ورفض وإقصاء كل من يختلف معها وسيلتها للاستمرار. إنها جماعات ومنظمات وأحزاب الإسلام السياسي المتطرف الذين باتوا يشكلون ظاهرة خطيرة تتفاقم وتستخدم خطاب الغلو والتشدد.

"تعاونوا على البر والتقوى" و"أنت تسأل ونحن نستفيد" هذه العناوين ليست لكتب أو لبرامج تلفزيونية، بل هما اسمان لمجموعتين في برنامج التواصل والمحادثة الشهير "واتساب". المجموعتين تضمان رجال دين وأئمة متشددين وأعضاء متطرفون سلفيون معظمهم يقطنون في الدانمرك وبهما منتسبون من السويد وألمانيا واسبانيا وإيطاليا وبريطانيا والمغرب ومصر وموريتانيا ولبنان وسورية والسعودية واليمن، ويدير هاتين المجموعتين ويشرف عليمها بصورة رئيسية المتطرف الإسلامي السوري المقيم في الدانمرك المقاتل السابق في صفوف حركة الإخوان المسلمين قبل أن ينفصل عنهم ويعمل "لحسابه الخاص" "م. ا" المكنى الشيخ أبو بشار، وكذلك الشيخ المغربي "م. خ" الداعية المؤسس.

لقد تمكنت هذه المنظمات والجماعات الإسلامية المتشددة من دس أفكارها في العديد من المجتمعات العربية والغربية، واستطاعت التأثير على شريحة واسعة من الشباب في الدانمرك. فقد أسهم العالم الافتراضي ومنصات التواصل الاجتماعي في إجراء مقاربات افتراضية وتبادلها عبر شبكة الانترنت، وهو من أفضل الأسلحة التي تلجأ لها المجموعات المتطرفة، التي تقوم بتحويل العالم الافتراضي إلى منصات ومنابر لترويج أفكارها المتشددة في هذه المواقع، أو عبر التطبيقات الذكية الأخرى، وتحويل شبكة الانترنت برمتها إلى مجموعة من المنتديات الفكرية والأيديولوجية المتفرقة. يمتلك الدعاة والمشايخ والأئمة المتعصبون الكلمة الفصل في هذه المجموعات، حيث يقومون بطرح أفكارهم المتطرفة وتصوراتهم ومقارباتهم التي في مجملها تتضمن العنف والتشدد والمغالاة والشطط الفكري، ونشر الثقافة المذهبية والتشجيع على تبنى الخطاب العنصري لدى الشباب المسلم، ومحاربة الأفكار المعتدلة، وإقصاء المخالفين في الرأي.

كثير من الدراسات الاجتماعية والأمنية توصلت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الذكية الأخرى مثل برامج المحادثة، كان لها الدور الأكبر في التأثير على آلاف الشباب المسلم من مختلف البلدان، وخاصة في الدول الغربية ومنها الدانمرك، والزج بهم في محارق الإرهاب عبر خطاب الكراهية التي تتبناه هذه المجموعات، وبواسطة الأفكار المغلقة التي تخاطب عواطف الشباب وحماسهم ووجدانهم الديني، ولا تخاطب عقولهم. ولهذا السبب أقدمت عدة دول غربية قبل حوالي الشهرين على الإعلان عن ضرورة عقد قمة أوروبية تجمع القادة السياسيين ورؤساء شركات التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، بهدف التصدي ووقف استخدام المجموعات المتطرفة لهذه المنصات كوسيلة لترويج الفكر المتطرف والتشدد الديني كما تفعل المجموعتين سابقتا الذكر.

ومن أبرز المخاطر التي تترتب على نشاط وخطاب هذه المجموعات الإسلامية المتشددة هو ظهور خطاب يميني متشدد في الشارع الدنماركي كرد فعل على أفكار وشعارات الحركات الإسلامية التي يعتبرها اليمين الغربي تهديد للثقافة الغربية والدولة المدنية. إن الفكر الذي تروج له بعض المجموعات الإسلامية المتزمتة أدى إلى انتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا في الدنمارك ودول الغرب عامة، ومنح الأحزاب اليمينية الدنماركية والأوروبية ذريعة للهجوم على المسلمين والمهاجرين، وتوظيف خوف المواطنين الغربيين المتزايد من الوفدين من دول إسلامية في العملية الانتخابية.

سياسي لا ديني

إن الخطاب الذي تحاول جماعات الإسلام السياسي فرضه وتقديمه كخطاب بديل عن خطاب النهضة والديمقراطية ودولة المواطنة والتنوير وحرية الرأي، في الواقع هو خطاب سياسي بامتياز يرتدي عباءة دينية مذهبية طائفية بغيضة. ومحاولة هذه المنظمات والمجموعات الدينية والدعاة المتشددين إظهار أنهم لا يبتغون سوى نشر الدين ومرضاة الخالق، لهو تدليس على الله قبل كل شيء وتضليل للعباد لأنهم أصحاب مشروع سياسي واضح المعالم، فهم يدعون إلى التغيير عبر النموذج السلفي المتشدد فقط من خلال تبني الأيديولوجية المتطرفة، وذلك خدمة لمصالح وأهداف جهات محددة، ولم تحاول معظم هذه الحركات خاصة الراديكالية منها أن تتبنى أفكاراً موضوعية وواقعية لتخليص الإنسان العربي من ظلم وقهر أنظمة الاستبداد العربية، ولم تنادي بالديمقراطية ولا بدولة المواطنة ولا تهتم بالنهضة الاقتصادية، ويخلو خطابها من مضامين حداثية، ذلك أن أهداف هذه الحركات والجماعات وكل اهتمامها لا يتعدى تحقيق مشروعها السياسي الديني المتمثل في إعادة إقامة دولة الخلافة الإسلامية حتى في المجتمعات الغربية، ورفض كافة الأفكار الأخرى وجميع الصيغ والأشكال لمشاريع دول وطنية أو قومية  أو ديمقراطية حديثة، إذ عكس الداعي أبو بشار هذه الفكرة بأوضح معانيها حين ذكر أن كافة الأفكار البعثية والناصرية والقومية والعلمانية واليسارية والليبرالية مكانها "تحت الأقدام".

هذا الأمر يؤكد أن هذه الجماعات توظف الدين والشعارات الإسلامية كي تحول التناقض والصراع الاجتماعي الاقتصادي إلى تناحر ديني مذهبي طائفي، وإفراغه من مضامينه الموضوعية الطبقية الاجتماعية المنطقية التي يكابدها الفرد العربي بصفة يومية، ودفعه نحو مربع الانشغال الديني الغيبي، وهي هنا تقدم خدمة للغرب الاستعماري ولرأس المال المالي العالمي الذي لا يتناقض خطابه مع خطاب هذه الجماعات حقيقة.

تسطيح ملتبس

يتسلح أصحاب الفكر الإسلامي المتشدد بحجة أن العلمانية كفكر ودولة وشعار وتطبيق وممارسة قد ظهرت ونشأت في القارة الأوروبية لأسباب تتعلق بالحروب الدينية والصراعات بين الأفكار التنويرية والكنيسة، ويرى هؤلاء أن هذا لا ينطبق على المجتمعات الإسلامية. لكن هذا التفسير والتسطيح والتبسيط الملتبس يتجاهل حقيقة أن كلا المؤسستين السياسية والدينية تسعيان للاستحواذ على السلطة. إن الوصول للحكم كان الحقيقة الوحيدة تاريخياً في كافة الامبراطوريات والدول التي قامت، وأن الاستئثار بالسلطة وإقصاء الآخرين، وسيادة العقل الاحتكاري الذي يقوم على الفكر الواحد والزعيم الواحد هو السبب الرئيسي في ظهور الاستبداد السياسي والقهر الاجتماعي، وكذلك السبب في انهيار هذه الدول والامبراطوريات.

لقد ارتبط على الدوام الاستبداد الديني بالاستبداد السياسي. كما أن نفوذ وقوة وسلطة رجال الدين في الإسلام لم تكن أبداً أقل شأناً ولا أخف حدّة ولا أبسط سلطة من نفوذ رجال الدين في الكنيسة، كما أن الأقصاء الديني واضطهاد الملل وقتل المخالفين وحرق الفلاسفة والعلماء والقمع الفكري في التاريخ الإسلامي لم يكن أقل منه في التاريخ المسيحي.

ليس الإسلام سبباً

إن أزمة الدول العربية والإسلامية التي دفعت هؤلاء المتطرفين إلى القدوم لدول الاتحاد الأوروبي ومنها الدانمرك، ليست أزمة ناتجة عن الثقافة السياسية الإسلامية، لكنها أعراض فاجعة لمعظم الدول ذات الاقتصاديات الناشئة والتي يعيش فيها الجهل والتخلف والأمية والبطالة والفقر مع التدين الشعبي وبعض مظاهر التطور والحداثة. إن الإسلام ليس سبباً للبؤس والشقاء الذي تعيشه معظم الشعوب العربية، ولا علاقة للإسلام بالمحن المتعددة التي يعاني منها العرب والمسلمون، لكن الكارثة المرعبة في فكر وسلوك الأحزاب وقوى الإسلام السياسي المتطرف الذين يقدمون قراءات سلفية متشددة، وكأن التاريخ والتراث عبارة عن صناديق كرتونية مرصوفة فوق الرفوف، وكل ما علينا هو تنظيفها من غبار السنين قبل استخدامها.

وفيما تكيفت معظم الأنظمة العربية مع المتغيرات الدولية وأظهرت قدرة على احتواء ظاهرة الإسلام السياسي، وضبطها كحركة معارضة، بل أن بعض هذه الأنظمة نافست الحركات الإسلامية على رعاية الدين والتدين، مما بلور واحداً من عدة أسباب أدت إلى أفشال كافة مشاريع الجماعات الإسلامية، حيث أخفق الإسلام السياسي فكراً وممارسة وخطاباً في تقديم الحلول التي اتهم التيار القومي واليساري بعجزهم عن تحقيقها. عجز هو الآخر وفشل مشروعه، فانتقل بعض أعضاء هذه المنظمات إلى تشكيل مجموعات مذهبية قبلية طائفية، وتحول جهاد هذه الجماعات من أجل مجتمعها وناسها كما في السابق، إلى جهاد في أبناء مجتمعهم ذاته وتهجيره وتكفيره، كما تفعل المجموعات المتشددة في الدانمرك وأوروبا، فيما عاد قسم منهم إلى أحضان التيارات السلفية التي بقيت تراوح في مكانها، وتجمد خطابها وتوقف اجتهادها منذ مئتي عام.

هذه المجموعات لم تستطيع تجاوز النصوص التي وضعتها المؤسسة السلفية الأولى، ولم تتمكن من تطوير فكرها ولا تجديده، واقتصر نشاطها على طباعة كتيبات مواعظ وتفاسير مقتبسة من كتب الفقهاء، وعجزت حتى عن تقديم فلسفة جديدة سياسية لمفهوم الدولة الإسلامية التي تسعى لإقامتها.

على الرغم من أن الحركات الإسلامية قد ملأت فراغاً أحدثه فشل المشروعين القومي واليساري وتراجع دورهما وانحسار مكانتهما وسط الجماهير، إلا أن الإسلاميون رفعوا شعارات لا يتشارك معهم بها أحد.

إذا كان الإسلام السياسي ظهر نتيجة تطور تاريخي يرتبط بصورة شائكة بتزايد نفوذ الدولة المستبدة التي مارست الإقصاء والتهميش للجماعات الإسلامية، فإن السؤال الكبير سوف يظل عن دور الدين في الحياة العامة. ولهذا فإن الإجابة على هذا السؤال سوف تحدد مستقبل حركات الإسلام السياسي المرتبط بطريقة جدلية بالقضايا الكبيرة التي تعني الدول العربية والإسلامية وشعوبهما.

تحرك أمني أوروبي

في ظل عصر المعلوماتية أصبحت الشبكة العنكبوتية أحد أهم أسلحة الإرهاب الفكري الرقمي، حيث خدمت هذه الشبكة الجماعات المتطرفة لبث سمومها وحقدها وأفكارها المتصلبة، بحيث بلغ عدد هذه المواقع التي تروح الأيديولوجية المتشددة حوالي 4500 موقع في لألمانيا وحدها، وبضع مئات في الدانمرك.

لقد بدأت في الأعوام القليلة المنصرمة أجهزة الاستخبارات الغربية في العديد من الدول الأوروبية تركيزها على مراقبة حركات وجماعات الإسلام السياسي، ومكافحة الفكر الإسلامي المتشدد، حيث أن دول القارة تقع في مرمى نيران المتطرفين والمتشددين الإسلاميين، وأصبحت ظاهرة الإرهاب تحظى بأولوية لدى هذه الأجهزة الأمنية، خاصة بعد سلسلة الهجمات التي تعرضت لها بعض المدن الأوروبية. وأوضحت دراسة صدرت عن مكتب حماية الدستور في ألمانيا العام 2014 وهو جهاز استخباراتي أنه سوف تظل جماعات الإسلام السياسي تحت المراقبة، حتى تلك التي لا تمارس العنف، وأن السبيل الوحيد لمكافحة التشدد والتطرف والإرهاب عابر القارات هو تنسيق وتوحيد الجهود الأمنية داخل دول الاتحاد الأوروبي وخارجه. كما تُجري الحكومة الفرنسية مشاورات مع رجال دين مسلمين حول استحداث قوانين جديدة لمكافحة التطرف الفكري في صفوف بعض المسلمين المقيمين بفرنسا.

كما تواجه بريطانيا المزيد من التهديدات حيث تتزايد المخاوف الأمنية من نشاط المجموعات المتطرفة، وفي تقرير أصدرته مؤسسة "بوليس اكستغينغ" العام 2017 بعنوان "حرب الانترنت الجديدة" يتضح حجم الخطر الذي تشكله هذه الجماعات في الفضاء الالكتروني. وأشار التقرير أن بريطانيا في المرتبة الخامسة من حيث نشاط ونشر المحتويات والأفكار المتشددة في الأنترنت.

ومن المعلوم أن دول الاتحاد الأوروبي تستفيد من البيانات والمعلومات التي تحصل عليها من بريطانيا، وفق اتفاق "العيون الخمس" لتبادل المعلومات بين بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا ونيوزيلاندا.

وفي تقارير أوروبية أخرى تمت الإشارة إلى أن حوالي ثلثي الهجمات الإرهابية "76 في المئة" نفذها أفراد كانوا ضمن مجموعات تروج للفكر المتطرف عبر الانترنت. ولهذا السبب قامت الشرطة الأوروبية "يوروبول" بإنشاء مشروع "افحص الانترنت" لتبادل المعلومات حول نشاط الجماعات المتطرفة لمواجهة الفكر المتشدد التي تؤدي إلى أعمال إرهابية.

إن مواجهة خطر نفوذ التشدد والتطرف والغلو والكراهية والعنصرية في شبكة الإنترنت، من قبل كافة العقلاء والمنظمات المدنية والمؤسسات الرسمية، والذي أصبح يكتسح أفكار الشباب بواسطة خطاب دعائي ولغة تحريضية مقيتة وأساليب تدغدغ وجدانهم الديني، بات شأناً ملحاً ليس في الدانمرك وحدها، ولا في الغرب، بل في العالم أجمع، خاصة في منصات التواصل الاجتماعي.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمارك

 

 

منى زيتون﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].

شتان بين نظرة الإنسان لإنسان من سلالة أو شعب أو قبيلة تختلف عنه على أنه أخيه من أمه وأبيه؛ من حواء وآدم، وبين أن ينظر إليه على أنه من سلالة أو عرق أدنى منه وأقل تطورًا.

كان لأفكار الباحث السكاني والاقتصادي الإنجليزي الشهير "توماس روبرت مالتوس" عن "التكاثر السكاني" أثرها الكبير على تشارلز دارون صاحب نظرية النشوء والارتقاء.

في كتابه "مقالة في مبدأ السكان" وضع مالتوس مبادئ نظريته، التي قارن فيها بين معدلات تزايد السكان ومعدلات زيادة الإنتاج الزراعي، وبينما قرر مالتوس أن عدد السكان يزيد وفق متوالية هندسية (2، 4، 8، 16)، فإن الإِنتاج الزراعي في المقابل يتزايد بمعدلات أقل، وفق متوالية حسابية (2، 4، 6، 8)، وأوضح في نظريته أن استمرار هذه المعدلات على صورتها التي هي عليها سيتحتم معها نقص الغذاء عن كفاية جميع البشر.

جاء في كتابه ما نصه: "إن الرجل الذي ليس له من يعيله، والذي لا يستطيع أن يجد له عملاً في المجتمع، سوف يجد أن ليس له نصيبًا من الغذاء على أرضه، فهو عضو زائد في وليمة الطبيعة، حيث لا صحن له بين الصحون، والطبيعة تأمره بمغادرة الزمن".

ونجد تلك الأفكار عن نقص الغذاء المتاح أمام أفراد الأنواع الحية ماثلة بوضوح في كتاب "أصل الأنواع"؛ حيث يحدثنا دارون عن الصراع من أجل البقاء، وانتخاب الطبيعة للأفضل! وهو كلام يبدو مغريًا بالتصديق للوهلة الأولى!

وقد أدت نظرية مالتوس للسكان -التي سادت فترة- وابنتها نظرية دارون إلى حدوث العديد من الكوارث الإنسانية التي تمت دون أن تطرف عين لمرتكبيها بعد أن وجدوا المبرر الذي يريح ضمائرهم، فأبيدت شعوب إبادة جماعية، وتم تعقيم عرقيات من تلك التي اعتبرت أقل تطورًا كالهنود الحمر والسود في أمريكا؛ لمنعهم من الإنجاب، لأنهم ليسوا الأعراق الأفضل لاستمرار مسيرة البشرية، وقتل النازيون المرضى في غرف الغاز، كما تمت إبادة ملايين في روسيا لتقليل الوقت اللازم لأجل الوصول للتقدم والتنمية.

فهل حقًا يعتبر الصراع لأجل البقاء أساسًا لاستبقاء الحياة على سطح الأرض؟

إن مراجعة بسيطة للتاريخ الإنساني تجعلنا نقرر أن البشر خاصة لم يتقاتلوا على الغذاء كغذاء، والله تعالى حين خلق الأرض ومن عليها، قدّر فيها أقواتها، فهو لم يخلقنا من أجل أن نتصارع من أجل البقاء، وموارد العالم تكفي كل الخليقة التي خلقها الله وأعطاها عمراً لتعيش، إن أُحسن توزيع تلك الموارد. الصراع نحن من خلقناه وأوجدناه، وليس ضرورة لاستمرار العالم.

كما إن ذلك التوازن بين أعداد السكان والموارد تم الحفاظ عليه من خلال آليات عديدة مثل الكوارث والأوبئة والحروب، وقليلًا ما لعبت المجاعات دورًا مشابهًا في تاريخ البشرية، وآلية مثل الكوارث –على سبيل المثال- لا دخل لها بصلوحية الأفراد للحياة.

أما الحديث عن تكاثر نوع حي واحد والأعداد المهولة التي يمكن أن ينتجها في فترة زمنية محدودة، وماذا لو بقيت كلها دون أن يكون هناك صراع، وأمثال ذلك مما يسوقه التطوريون، هو حديث مبالغ فيه، فالكائن الحي الضعيف الذي ينتج أعدادًا هائلة في دورة التكاثر الواحدة، لم ينتج كل تلك الأعداد إلا للحفاظ على النوع؛ لأن ما ينجو منها ويبقى أعداد قليلة، وذلك بفعل عوامل كثيرة، وكلما كانت عوامل التهديد أكثر أنتج أعدادًا أكثر، والعكس بالنسبة للأنواع الأقوى فنراها لا تنتج سوى أعداد قليلة في دورة التكاثر الواحدة، وفي الإنسان يتم إنتاج طفل واحد فقط، على الأغلب.

وفي حال الأنواع الضعيفة، فموت صغارها أو عدم بلوغ الأجنة الميلاد من الأساس، ليس هو الصراع الذي تحدث عنه دارون بين الأفراد البالغة على الغذاء، فهذه مغالطة واضحة، وطالما نتحدث عن الغذاء، فمن المعروف أن سلاسل الغذاء في البيئة الطبيعية لو تُركت تعمل دون محاولة للإخلال بها -كما يحدث عادة من قِبل الإنسان- فإن ذلك كفيل بالحفاظ على التوازن البيئي.

فهل كان دارون عنصريًا؟!

في ضوء ما سجله دارون من آراء في كتابه "رحلة البيجل" عن سكان أرض النار "الفوجيين"، وهي جزر قبالة الساحل الجنوبي لأمريكا الجنوبية، تتضح لنا نزعته العنصرية التي جعلته يراهم جنسًا بدائيًا لا يمكن أن يرتقوا أخلاقيًا وعقليًا لمستوى الإنسان المتحضر! وأنهم همجيون، ولا شك أن أسلافه كانوا يشبهونهم! ووصل الحد إلى أن قارن هؤلاء البدائيين بالإنسان المتحضر، وقال إن الفرق بينهم كالفرق بين الحيوان المستأنس المدجن ونظيره المتوحش!

ويمكن تفسير هذه النزعة العنصرية لدى دارون بنشأته؛ فهو من عائلة أرستقراطية مكنته من انتحال دور أكبر بكثير مما هيأه الله لأمثاله من ضعاف العقول. وتاريخه التعليمي الفاشل قبل رحلة البيجل يظهر مستواه العقلي المنحدر.

فحقيقة تشارلز دارون أنه ليس هو الإنسان الطيب الخلوق كما حاول كثيرون ممن تعرضوا لحياته أن يصفوه. دارون هو من صاغ العنوان الفرعي لكتابه "أصل الأنواع" ليكون "الاحتفاظ بالأعراق المفضلة في أثناء الكفاح من أجل الحياة"!

إن عنوانًا كهذا يظهر إلى أي حد كانت لدى الرجل نزعة عنصرية واضحة، أنتجت نظرية عنصرية، جرت على البشرية أهوالًا، فعلاقة نظريته واضحة بكل من الداروينية الاجتماعية وادعاء سيادة أجناس على أخرى، وما استتبعها من صهيونية ونازية وإبادة لبعض الأجناس في أفريقيا.

وقد وصل الأمر في أوائل القرن العشرين أن كتب البيولوجي إدوين كونكلن المعروف بآرائه العنصرية أن الإنسان الأسود أكثر شبهًا بإنسان نياندرتال من الإنسان الأبيض أو الأصفر، وهذا يثبت أنه أقل تطورًا. ويمكن القول إنه كان –وربما لا زال- هناك تصور عام لدى التطوريين  أن الإنسان الأسود يمثل السلف المشترك المفقود بين الإنسان والقرد، أو على الأقل إحدى تلك الحلقات المفقودة.

ومن أشهر الفضائح التي حدثت في ذلك الصدد ما عُرف باسم فضيحة "أوتا بينجا"، ووفقًا لموسوعة الويكيبديا: "هو قزم من الكونغو (1883 – 1916)، تم تقديمه في المعرض الأنثروبولوجي في سانت لويس (ميزوري) عام 1904، بوصفه أقرب حلقة انتقالية للإنسان، ثم عُرض في حديقة الحيوان في برونكس عام 1906 في قفص مع بعض القردة على أنه السلف الأقرب للإنسان".

كان ما حدث لهذا الإنسان البائس الحلقة الثانية من حلقات ظلمه، حيث سبقتها الحلقة الأولى عندما تم أسره بعد قتل المستعمرون البلجيك زوجته وطفليه وسائر أهل قريته، وكان من حظه السيء أن بيع إلى صامويل فيليبس فيرنر Samuel Phillips Verner الذي وصل أفريقيا في مهمة قذرة، وهي شراء أقزام أفارقة؛ ليتم عرضهم في حدائق الحيوان في أمريكا على أنهم سلف الإنسان الأبيض، والأقرب للقرود، وذلك بغرض إثبات صحة نظرية دارون!

وهنا قد يقول قائل مدافعًا عن دارون ونظريته إن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان مستمر ودائم منذ بدء الخليقة، وإنه حتى وفقًا لقصة الخلق التي ذكرتها الكتب السماوية فإن أول جريمة قتل على ظهر الأرض قد حدثت من أخ طوعت له نفسه قتل أخيه.

وهذا كلام بلا شك صحيح، فالتمييز العنصري والاستعمار وخلافه من أشكال الظلم الجماعي الذي تقوم به قوميات تجاه أخرى لم يكن وليد منتصف القرن التاسع عشر، لكن التطور هو أيدولوجية تحمل أفكارًا عنصرية، حاولت إعطاء مبرر علمي للتمييز العنصري والصراع بين الأعراق البشرية؛ أي أنه لأول مرة في تاريخ البشرية صار ذلك الظلم مبررًا، بل ويخضع لحكم الطبيعة التي اقتضته!

وقطعًا فإن هذا الاقتناع بنظرية التطور التي هي ليست علمًا؛ إذ لا تستند إلى أدلة علمية موثوقة -رغم كل دعايات التطوريين- قد استتبعه الرغبة في الحفاظ على نقاء ذلك العرق الأبيض المتفوق، باستمرار التمييز والفصل بين الأعراق، حتى وصل الأمر في أوائل القرن العشرين لقتل وسرقة عظام جثث سكان الأعراق التي اُعتبرت أقل تطورًا، وبيعها للمتاحف في الغرب، ليتم ملء المتاحف بعظام ما سُمي زورًا بالحلقات الانتقالية لأشباه البشر! كما لا يخفى على ذي بصيرة كيف استمد الاستعمار دعمًا قويًا من نظرية دارون.

ولا زال التمييز العنصري ماثلًا في الغرب ضد الهنود الحمر والسود في أمريكا، وضد سكان أستراليا الأصليين، الذين لا زالوا يعتبرون وفقًا للنظرية أيضًا من الأعراق البدائية، وتؤخذ أراضيهم –حتى اليوم- بغير وجه حق لصالح المستوطنين البيض. وهناك الآلاف من الحالات الموثقة لتلك الجرائم العنصرية في تاريخ البشرية، من منتصف القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا، ولن يكون آخرها أحداث شغب بالتيمور 2015.

إن الفرق بين الظلمة من مدعي التحضر في زماننا والبشر البدائيين أن البدائي كان أكثر وضوحًا واتساقًا مع نفسه؛ فلم يكن يختلق مبررات كي يتصرف وفقًا لقانون الغاب!

 

د.  منى زيتون

 

خديجة ناصريإنّ كل حديث عن الثقافة في العالم العربي يجرنا عادة للبحث فيما إذا كانت هناك ثقافة عربية حاليا أم لا، لكننا لا نبتغي من هذه الدراسة البحث عن مضمون هذه الثقافة كائنة أم أنها في حيز التكوين، وما نود أن نؤكد عليه في ختام هذا البحث هو أنّ الثقافة العربية الراهنة يجب أن تفهم أزمتها، في ضوء مستجدات العصر، فالأمة العربية في تجربة انبعاثها تحتاج إلى دليل نظري، يمس جوانب الثقافة كأفق تشتغل من خلاله للخروج من أزمة تخلفها الحضارية، ومن هنا جاز لنا طرح التساؤلات التالية كدليل منهجي ينير لنا الدرب خلال هذه القراءة:

- ما الذي يمكن استشرافه فيما يتعلق بدور الثقافة في مستقبل الأمة العربية ؟

- ما الدور المتوقع الذي يمكن أن تضطلع به الثقافة بناء على ما هو موجود ومتاح من معطيات واقعنا العربي؟

أولا: الخطاب الفلسفي العربي حول الفعل الثقافي:

إلى وقت قريب كانت محاولة إثارة قضية الثقافة ضمن آفاق المشروع النهضوي العربي يثير أكثر من تساؤل وذلك بسبب الغياب الشبه التام للدراسات العلمية التي تهتم بالمسألة الثقافية، في حالة افتقار لجدل معرفي وسجال فكري جاد وحاسم، يسهم في بلورة الإطار النظري والعملي لفكرة الثقافة، على الرغم من كون الثقافة من المفاهيم التي سجلت حضوراً مبكراً في الخطاب العربي، فمع بداية الاتصال الفكري والمعرفي بين المجتمع العربي والمجتمعات الأوروبية انتقل مفهوم الثقافة إلى القاموس العربي، فكان "سلامة موسى" في مصر، أوّل من أفشى لفظ ثقافة مقابل(Culture) [1]. وقد تأثر في ذلك بالمدرسة الألمانية في تعريف ربط الثقافة بالأمور الذهنية، حيث عرّف الثقافة بأنّها هي المعارف والعلوم والآداب والفنون التي يتعلمها الناس ويتثقفون بها. كما ميز في المقابل بين الثقافة (Culture) المتعلقة بالأمور الذهنية والحضارة (Civilisation) التي تتعلق بالأمور المادية. وإن كان ما يهمنا في هذا المقام ليس التأصيل اللفظي لكلمة ثقافة، إنّما ما يعنينا هو الممارسة الفعلية لهذا المفهوم.

هذا الفرض، أي غياب الاهتمام بالثقافة في إطار الفكر العربي، يبدو صحيح في بعض جوانبه إذا احتكمنا إلى منطق التأصيل المفهومي للثقافة، أما القول بغياب الثقافة في العالم العربي كممارسة عملية لا يجد له مبررات لتأكيد على صدقيته، فإذا كانت الثقافة كما يتم تعريفها هي ذلك "الجهد المبذول لتقديم مجموعة متماسكة من الإجابات على المآزق المحيرة التي تواجه المجتمعات البشرية في مجرى حياتها، فالثقافة هي المواجهة المتكررة مع تلك القضايا الجذرية والأساسية التي تتم الإجابة عنها عبر مجموعة من الرموز، فتشكل بذلك مركبا كليا متكامل المعنى متماسك الوجود قابلا للحياة"[2]. فإنّه يتوجب علينا أن نصادق على ما قاله "أحمد برقاوي"، الذي يعتقد، "أنّه من النادر أن نجد أمة من الأمم المعاصرة، تجعل من هويتها الثقافية موضوعا للنظر والبحث، بكل قلق ممكن، ودون كلل أو ملل، كما هو الحال مع العرب"[3]. ومن هنا يمكن الحديث عن الثقافة العربية بما تشهده من حراك وتقلبات على مستويين: أولها الثقافة بوصفها أفكار يتم بلورتها على مستوى الوعي، وهذا يتموضع ضمن الخطوة المنهجية. وثانهما الثقافة بوصفها بنية موضوعية أي الثقافة واقعيا، وهذا ما يندرج ضمن الجانب المعرفي:

1- الجانب المنهجي:

تفرض هذه الخطوة نفسها لكون مفهوم الثقافة في الفكر العربي ما زال يفتقد للدقة والوضوح ولبس في التحديد، فالثقافة اللفظية وثقافة التجميع والاقتباس وثقافة الترجمة والنقل الاجتراري، حلت محل المضمون الحقيقي لمفهوم الثقافة، وهذا ما أدى إلى ظهور العديد من الدراسات التي دعت إلى ضرورة بناء مفهوم جديد للثقافة بمقومات عربية لأنّ المفاهيم والمصطلحات كما يقول "محمد عمارة" عبارة عن هوية فكرية تحمل رسالة حضارية وجب فهمها والتعامل معها كشرط لازم لأي حوار فكري هادف وجاد[4]، ومن هنا تبرز الحاجة لتشكيل تركيبة مفاهمية برؤية عربية إسلامية ولعل أبرز هذه المفاهيم مفهوم الثقافة الذي نال خلال العقد الأخير القسط الأكبر من الدراسة في الفكر العربي، ولأنّه بقدر اتساع هذه المحاولات بقدر ضيق الأفق الذي نشتغل من خلاله ولهذا سنخص بالذكر مفكرين عربيين وهما محمد "عابد الجابري" و"طه عبد الرحمان"، وقد وقع الاختيار عليها لانتمائهما للحقل الفلسفي.

أ- استراتيجية التجديد الثقافي العربي عند الجابري:

لقد حاول "الجابري" بكل السبل المعرفية المتاحة ضمن ما أسماه ب: "مشروع التأصيل الثقافي" أي التأصيل الثقافي للمفاهيم الحديثة، إعادة بناء مفهوم الثقافة من خلال كتابه الموسوم ب:"المسألة الثقافية في الوطن العربي"، وبناء مفهوم المثقف ضمن كتابه: "المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد" بالصورة التي تجعل هذه المفاهيم تعبر داخل الثقافة العربية عن المعنى الذي يعطى لها اليوم في الفكر الأوروبي حيث تجد مرجعيتها أصيلة، وتنتمي للأفق المعرفي الذي يتخذ منها وسائل وأدوات للتفكير من خلالها.

وقد خلص "الجابري" بعد تحليله للاختراق الذي أصاب الثقافة العربية، إلى ضرورة تجديد هذه الثقافة من الداخل وفق ما يسميه ب:"استراتيجية التجديد من الداخل"، والعبارة التالية توضح بجلاء ما كان يروم إليه "الجابري" مؤداها: "إنّ تجديد الثقافة أية ثقافة، لا يمكن أن يتم إلاّ من داخلها: إعادة بنائها وممارسة الحداثة في معطياتها وتاريخها، والتماس وجوه الفهم والتأويل لمسارها تسمح بربط الحـــاضر بالمــــاضي في اتجاه المستقبـل. والتجديد من الداخل يجب أن يكون استراتيجية عامة، سواء تعلق الأمر بالثقافة العالمة أم بالثقافة الجماهيرية"[5].

ومن هنا تأتي دعوة "الجابري" من خلال المحور الذي عنونه ب: لا انغلاق ولا اغتراب بل التجديد من الداخل. وعلى المفكرين والباحثين أن يتعاملوا مع الثقافة العربية كمقوم من مقومات الوطن العربي، لا بوصفها مقولة مبتورة عن المجال المعرفي التداولي الذي يشكل هويتها، يتلخص ذلك في قوله: "موضوعنا ليس هذه الثقافة العربية هكذا بإطلاق، أعني بوصفها حقلا أو حقولا معرفية وأيديولوجية يمكن أن تدرس وتحلل كما تدرس وتحلل المعارف والعلوم بقطع النظر في علاقتها بهوية حاميلها، بل موضوعنا، بالعكس من ذلك، هو الثقافة العربية كما تتحدد بالإضافة إلى الوطن العربي، أي بوصفها مقوما من مقومات الوطن العربي نفسه"[6].

كما حاول "الجابري" العمل على إعادة بناء مفهوم المثقف، ويظهر ذلك في مقولة "التبيئة" التي تعني بحسبه ربط المفهوم بالحقل المنقول إليه ربطا عضويا. و هذا ما يسميه "عمر كوش" أقلمة المفاهيم[7]، أي تبيئة مفهوم المثقف في ثقافتنا العربية الإسلامية، من حيث أنّه لا معنى للحديث عن مفهوم دون أن نكونّ له مرجعية أصلية واضحة، وإلاّ يكون الحديث عنه شبيه بشيء معلق في فراغ، يقول بخصوص ذلك: "لاحظنا ضبابية واسعة في الخطاب العربي المعاصر في استخدام مصطلح المثقف رغم رواجه الواسع، إذ هو لا يشير إلى شيء محدد و لا يحيل إلى نموذج واضح و لا يرتبط بمرجعية واضحة ذلك لأنّه بقي يفتقد إلى التبيئة الصحيحة في الثقافة العربية الإسلامية، ذلك لأنّ مفهوم المثقف الذي نقل إلى الثقافة العربية عبر ترجمة ناجحة دون شك، غير أنّه لم تتم تبيئته بالصورة التي تمنحه مرجعية واضحة في فضائنا الثقافي، فبقي غريبا رغم انتشاره الواسع"[8].

ب- التجديد القيمي للثقافة العربية عند طه عبد الرحمان:

يعرف "طه عبد الرحمان" برؤيته القيمية في عملية التجديد الثقافي، وهو يدرس هذه القضية من موقع الندية، حيث يؤمن بالمقدرة التي يتمتع بها المفكر العربي ليس فقط في إعادة صياغة وبناء المشروع النهضوي العربي على المستوى الداخلي كما ذهب إلى ذلك الجابري، بل يتعدى الأمر ذلك إلى فرض القيم الإسلامية على الفكر الغربي والتأثير عليه لا التأثر به. بحيث تصبح الثقافة العربية الإسلامية ثقافة عالمية لأنّ هذا هو موقعها في الأساس.

يكمن التحدي بالنسبة "لطه عبد الرحمان" في مواجهة الغرب الذي عمل على إفراغ الثقافة العربية الإسلامية من محتواها الأصيل واستبداله بمضامين ثقافته، وأول خطوة يجب القيام بها هي إعادة النظر في مفهومنا للثقافة نفسه وبناء تعريف جديد يستمد مادته من جوهر البيئة العربية الإسلامية. يلتقي هذا الطرح مع موقف "نصر محمد عارف" في كتابه: "الحضارة، الثقافة، المدنية، دراسة لسيرة المصطلح ودلالة المفهوم" بخصوص ضرورة تحرير المفاهيم السائدة من مضامينها الغربية وتأصيلها عربيا وإسلاميا في إطار مرجعي أسماه أسلمة المعرفة[9].

يرى "طه عبد الرحمان" أن العمل على بناء مفهوم جديد للثقافة العربية ينطلق من درء المفاسد التي عمل الغرب على نشرها في الكيان العربي، يوجز هذه المفاسد في أربع:

- الاستتباع الثقافي: فقد عملت المجتمعات الغربية ولا تزال تعمل على إبقاء المجتمعات العربية تابعة لها.

- التخريب الثقافي: حيث تقوم الثقافة الغربية برأيه، بجملة من العمليات التخريبية، ترمي إلى هدم ونسف قيم الثقافة العربية الإسلامية.

- التنميط الثقافي: إذ يسعى العالم الغربي في ظل الهيمنة الاقتصادية إلى فرض نمطه الخاص في التفكير والسلوك على العالم بأسره مدعما لهيمنته الثقافية.

- التلبيس الثقافي: فقد قامت الثقافة الغربية على ثلاثة مبادئ حداثية قطعت من خلالها صلتها بالقيم الإيمانية العظمى:

- مبدأ الاشتغال بالإنسان بدلا من الاشتغال بالله.

- مبدأ التوسل بالعقل بدلا من التوسل بالوحي.

- مبدأ اعتبار الدنيا بدلا من اعتبار الآخرة.

هذه المبادئ التي ارتكز عليها المشروع الحداثي ولدت إنسانا ماديا لا يقيم للمبادئ الأخلاقية اعتبارا ومن هنا تبرز الحاجة إلى تجديد مفهوم الثقافة العربية وربطها بالمجال التداولي العربي[10].

يتضح من خلال هذه القراءات أنّ البوابة للخروج من المأزق الحضاري العربي هي إعادة النظر في الجهاز المفاهيمي للفكر العربي بداية بمفهوم الثقافة بوصفها ذلك المفهوم الضام الذي تنصهر فيه كل الأفعال الإنسانية بالصورة التي تمكن العقل العربي من استوعاب للصلة بين ماضي الأمة العربية وحاضرها ومستقبلها، في موقف عملي من قيم الماضي والحاضر والمستقبل. لأنّ الثقافة موقف نظري وعملي من الحياة ومن المجتمع، كما أنّها موقف نظري وعملي من القيمة التي تخضع للتطور. هذا الموقف يحتاج إلى روح الفاعلية والإبداع والخلق والتجديد، في مقابل الابتعاد عن السكونية والثبات   والتقليد والتكرار. لذلك فهي تمثل للعقل العربي الصلة بين ماضي الإنسانية وحاضرها، وبين ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها، في مركب ثقافي جديد يستوعب الصلة بين الواقع القومي العربي والواقع الحضاري للعالم الراهن.

2- الجانب المعرفي:

يأتي التركيز على الجانب المعرفي، كخطوة على طريق التحديث الثقافي العربي، من باب كون المعرفة لصيقة بالثقافة في كثيرة من جوانبها إن لم نحكم بالقول أنّ المعرفة تمثل جوهر ولب الثقافة فكثيرا ما نجد تعاريف تجعل من المعرفة مرادف للثقافة، فيقال "أنّ ثقافة مجتمع أو أمة أو طبقة أو جماعة اجتماعية هي طريقتها في معرفة الأشياء، وبناء إدراك حولها، أو قدرتها على تكوين صورة ذهنية عن الأشياء وتنظيمها وترتيبها"[11]. ومن هنا جاء هذا الطرح لمناقشة بعض القضايا المعرفية والتي أضحت تؤرق المفكر العربي وتثقل كاهله نذكر من بينها:

أ- الثقافة العربية ومشكلة التقليد (الأصالة والمعاصرة):

يعد التقليد أحد العلل التي تنخر جسد الثقافة العربية ولم تجد لذلك مخرجا أو حل، والتقليد يكون على مستويين:

- إما بالإنكباب على الذات واختزال الواقع بطريقة تعسفية في خطاب تطغى عليه النزعة الإنية، فالثقافة العربية المعاصرة ما تزال أسيرة وحبيسة الماضي، تقوم على تقليد التراث العربي القديم تقليد أعمى في كثير من جوانبه، في عملية تكرار لأشكال وصيغ تعبر عن واقع لم يعد موجود، وبعدة مفاهمية استوفت شروطها وانتهت صلاحيتها. وهي بسبب هذا التقليد لم تفقد قدرتها على الإبداع والتجديد وحسب، بل ترجم ذلك فشلا ذريعا حتى في تكوين صورة صحيحة للماضي القومي، وبدلا من إعادة إنشاء صورة هذا الماضي على ضوء مكتسبات الفكر المعاصر، ومستجدات الواقع الصناعي الحداثي الجديد، تستسلم بسهولة وكسل لمجموعة الصور المتناقضة التي تجمعت حول هذا الماضي.

- وإما بالتنصل والتنكر للتراث العربي مقابل الانصهار والذوبان في الآخر الذي يتمثل في وعينا العربي في الفكر الغربي، في شكل حالة مرضية كانت نتيجة صدمة اللقاء بالحداثة[12]، وما ترتب عنها من انبهار وانسحار بقيمها، وقد توهم أصحاب هذه الرؤية القيام بعملية فتح آفاق معرفية جديدة تتشرب من نفس مشارب الحداثة الغربية، في عملية استطلاع وتنقيب عن تربة جديدة ومناخ جديد للثقافة العربية هما تربة ومناخ الثقافة الغربية الحديثة. بيد أنّ الأمر أدى إلى استقاء حلول جاهزة تنتمي لبيئة مغايرة وغريبة عن كيان الثقافة العربية، فكان هذا المسعى يتطلع إلى النتائج ويتوقف عندها دون أية محاولة لربط الأسباب والنتائج والثمار بجذورها، وهو بهذا الموقف يحتفظ بنقطة الانطلاق التي انطلق منها الجانب الأوّل أي بالتقليد والاستسلام والكسل. فالفرق الوحيد بينهما هو القطب الذي تدور حوله الثقافة، الماضي أم الحاضر.

هذا ما جعل تجاوز مشكلة الأصالة والمعاصرة أحد المفاتيح الأساسية لتجديد الثقافة العربية وهذا ما تبرزه الفقرة التالية "لزكي الميلاد": "التجديد في الفكر الإسلامي لا يمكن أن يتحقق من دون إعادة قراءة التراث من جديد، وبمنهج العقل النقدي، وعلى أساس فلسفة التواصل وليس الانقطاع، وبخلفية الهضم الاستيعاب، وسعيا نحو التجاوز والإبداع. كما لا معنى للتجديد، إذا لم يبدع الفكر الإسلامي معاصرته وحداثته في إطار شروطه التاريخية والثقافية يبرهن على قدرته في مواكبة العصر، والانخراط في تجربة الحداثة العالمية، والمشاركة في إنتاج المعرفة[13]. إلاّ أنّ "زكي الميلاد" ينتهي في نهاية المطاف إلى عملية توفيقية إذ يعتقد أنّه لا يمكن أن نواجه علوم العصر بعلوم التراث، كما لا يمكن أن نواجه علوم العصر بالتخلي عن علوم التراث[14]. وقد لا يكون هذا الحل هو الأنسب للخروج من الأزمة التي تمزق الثقافة العربية، ويمكن النظر إلى القراءة التي أوردها "ناصيف نصار" الأقرب إلى جوهر المشكلة الذي اتخذ موقف الاستقلال الفلسفي كشرط للإبداع في هذا المجال، فهذا هو الشرط الضروري الذي يمكن الفيلسوف العربي المعاصر المشاركة الفعلية في الفلسفة في زمنه متجاوزا بذلك مجرد الوقوف عند محاولات التأريخ لها أو إتباع واحد من مذاهبها[15].

ب- طغيان السياسة على الثقافة (الثقافة والسلطة):

فقد حلت السياسة محل الثقافة في المجتمعات العربية وبذلك عجز الفكر عن تجديد ذاته، فقد رأى "عبد الإله بلقزيز" أنَّ الوعي العربي قد أضاع وقتا ثمينا في استهلاك بعض أوهامه، وفي استنزاف طاقته النظرية في معارك، خرج منها منهكا خائر القوى. لأنه قد استصغر شأن الثقافة كثيرا، ولم يطلب منها إلاّ القليل الذي لا يجزي، وأنّه انصرف عنها إلى غيرها متوسلا إياه أن يسد حاجته، ويدرأها عنه. وفي زحمة انصرافه عنها عاين كيف تتآكل رهاناته، وتتعرض للخواء، وكيف يفر نقع التاريخ عنه ويعقد موعدا مع أمم وثقافات أخرى[16].

ويفسر "بلقزيز" التجاهل العربي للمسألة الثقافية بالانصراف والمراهنة على الجوانب السياسية والاقتصادية، واعتبار الثقافة شأن هامشي عرضي، فقد سقط الوعي العربي حسب تعبيره تحت وطأة "الإغراء السحري الزائف للنزعتين الاقتصادية والسياسية"[17]، وهما نزعتان استبدا بالفكر العربي ردحا من الزمن، فهناك من يعلن دون هوادة أولوية ما هو سياسي على ما هو ثقافي، وعلى الرغم من اعتراف هؤلاء أنّ المتغير الثقافي بما ينطوي عليه من فكر وفلسفة يعد عاملا مهما وجوهريا فيما يتعلق بتحقيق خصوصية أو هوية أي أمة ناهضة. ومع ذلك يجب التسليم بأولوية العامل السياسي على أي عامل آخر، سواء تعلق ذلك بنهضة الثقافة عموما أم تعلق الأمر بنهضة الفلسفة خصوصا وتفعيل دورها في الثقافة. وأولوية العامل السياسي تتضح أولا في كونه العامل الذي يحدد سلم الأولويات الأخرى، وبالتالي فإنّه يحدد حجم ومكانة الثقافة في سلم هذه الأولويات.

وقد تذرعوا لإثبات مزاعمهم بالحضارة اليونانية التي شهدت نظاما فريدا في الحكم وهو النظام الديمقراطي الذي فتح المجال أمام الناس ليمارسوا حريتهم في الرأي والتفكير والنقد، فبقدر المساحة المفتوحة أمام الفكر، وبقدر ممارسة الديمقراطية كأسلوب حياة وتفكير، يكون حظ الأمة في بناء الثقافة. ولا شك أنّ النظام السياسي لا يخلق بذاته ثقافة، ولكن من المؤكد أنّه يوفر المناخ الملائم والشرط الضروري الذي يسمح بوجود ثقافة وفكر قادر على تشكيل عقل الأمة وتحقيق نهضتها[18].

تعرض هذا الموقف للنقد فنجد "محمد عابد الجابري" مثلا إلى جانب ثلة من المفكرين يدعون إلى ضرورة تحرير الثقافة من السياسة، لأنّ "السياسة سلطة والثقافة حرية، والسلطة تقتل الحرية وتكبلها وتلغيها"[19]. في حين نجد في المقابل بعض الأطراف التي تنظر إلى الأمور من زاوية مغايرة حيث ترى أنّ الثقافة العربية الراهنة مازالت معزولة عن إطارها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لأنّها لم تتعد حدود وصف هذا الواقع في أحسن الأحوال وصفا جزئيا، فهي لم تتجاوز مرحلة التحليل العلمي للواقع من وجوهه المختلفة إلى مرحلة إنشاء صورة هذا الواقع على أساس النظرة الشاملة إلى ماضيه وحاضره ومستقبله، وإلى واقع المجتمع البشري الراهن وإلى التيارات المستجدة في هذا الواقع. وبالتالي فإنّه على الثقافة أن تخلق مجال للتواصل مع الشأن السياسي والمشاركة فيه، وهذا لا يعني الدخول في الصراعات السياسية التي يشهدها العالم العربي، بل العمل على تشكيل صورة أوضح للتقليل من حدة هذه النزاعات.

جـ- أزمة تواصل (الثقافة والمجتمع):

الثقافة العربية المعاصرة اكتفت بالمحاولات الفردية و لم تأخذ شكل تيارات فكرية جماهيرية، فمهمة تجديد العقل العربي هي مسؤولية جماعية وهي ملقاة على عاتق كل فرد عربي، ويؤكد "طه عبد الرحمان" في هذا الشأن أنّ التجديد الذي يؤدي إلى التثقيف لا يمكنه إلاّ أنّ يكون جماعيا، ومنه يؤكد على ضرورة تقوية أسباب التداخل الثقافي بين الشعوب العربية والإسلامية والفقرة التالية على أهميتها تلخص هذا الشرط الرئيس: "لا يكفي في ذلك إقرار مبدأ التعاون والتنسيق بين مختلف الأجهزة الثقافية الموجودة في العالم الإسلامي، بل ينبغي أن تشترك بلدانه بالسوية عمليا في بلورة وتخطيط وتنفيذ مشاريع ثقافية متتالية على قاعدة سياسية ثقافية مدروسة بعيدة المدى لتوحيد الأمة"[20]. لأنّ هذا الانشطار بين الطبقات المجتمعية في بلادنا أدى إلى خلق غموض في صلة العقل العربي بالواقع العربي، ثم إنّ صورة هذا الواقع لم تتوضح لأنّ تراكمات كثيرة غلفتها بكثير من الأضاليل، وذلك مرده غياب للدور الحقيقي للمثقفين العرب لأنّهم لا يعيشون هذا العالم في صورته الكلية الشاملة، وتبقى قراءاتهم مسيجة وأحادية الجانب، فالمثقفين العرب لا يمكن أن يملئوا محتوى هذه الصورة إذا اكتفوا بالقليل من القراءة الصحيحة للواقع والمزيد من الكتابة. فيجب على المثقف أن ينهل من نطاق كبير من المعارف حتى يستطيع أن يتحدث عن الثقافة حديثا ذا مغزى[21]. دون أن نتجاهل الدور الباهت لوسائل الإعلام في العالم العربي والتي لا تسهم في عملية البناء الحضاري والثقافي بالقدر الذي تعمل على تدميره وتخريبه.

د- أزمة في المنهج:

إنّ محاولة التأسيس لثقافة عربية أصيلة، بتجاوز ما يعيق طريقها نحو التقدم لا يمكن أن يتحقق، إلاّ بوجود منهج علمي صارم، يعمل على توجيه هذا المسعى نحو المسار الصحيح. فالثقافة العربية المعاصرة تفتقد المنهج التطبيقي الذي يمكنها من تحديد استراتيجية للثقافة ولدور العقل العربي في هذه المرحلة من تاريخ الأمة العربية، فالثقافة العربية ما تزال تتجرع ويلات الافتقاد والافتقار للمنهج الأمثل لقراءة الواقع العربي، فتارة تتخذ من المنهج التفكيكي الحفري طريقا ودليلا وتارة أخرى تستعين بالمنهج التأويلي، وتستخدم المنهج البنيوي طورا والمنهج الفينومينولوجي طورا آخر، وهكذا دوليك إلى حد لا يكاد الوضع العربي يستكن إلى منهج معين إلاّ ويظهر منهج جديد. وبهذا تبقى الثقافة العربية تتخبط بين المناهج الغربية، في وقت هي أحوج فيه إلى ابتداع منهج يلج إلى عمق الأزمة العربية في خصوصيتها وتمايزها عن غيرها.

إنّ الاهتمام المتزايد بالمسألة الثقافية في الخطاب العربي، هي أوّل خطوة على طريق تشكيل وعي عربي مدرك لعمق الأزمة التي تحتاج إلى إعادة النظر في البنى المعرفية المؤسسة لهذا الخطاب، لأنّ الثقافة هي التي تزود المشتغل في حقل الإنتاج المعرفي بالرؤية الكلية التي تحدد التركيبة الذهنية لأي جماعة بشرية، وهذا ما يحتاج إليه المفكر العربي حتى يتفادى الرؤى الجزيئية، التي تفتقد للعمق والدقة والنجاعة. ومنه فإن العمل على بناء مفهوم جديد للثقافة بمرجعية عربية حاجة وضرورة وليست اختيار، لأنّ بناء جهاز مفاهمي بصيغة عربية يمثل البوابة للعبور إلى نهضة عربية، فبعد المراهنة على السياسة وبعدها الاقتصاد بقي أمام هذا الخطاب المراهنة على الثقافة كآخر الدفاعات التي قد تشكل المنفذ للخروج من مأزق التخلف الحضاري العربي. ولا يكون ذلك ممكنا إلاّ بتجاوز مسألة التقليد بنوعيه: تقليد التراث أو تقليد الغرب، الذي يشكل حجر عثرة في وجه التقدم في العالم العربي، فتدارك هذا الإخفاق يمثل أحد المفاتيح الأساسية لفك محنة التخلف العربي. وزيادة على ذلك تبرز الحاجة إلى صياغة منهج جديد يساعد على قراءة الأزمة العربية، بالشكل الذي يسهم في تشخيص دائها مما يتيح وصف الدواء، وفي الأخير فإنّ العمل الجماعي وتضافر الجهود خطوة ضرورية في سبيل التأسيس للمشروع العربي في كل جوانبه ومن ثمة تحقيق وثبة في مسار التقدم الحضاري.

 

بقلم: ناصري خديجة

ماستر 2 فلسفة القيم

...................................

[1] سامي الخشبة، مصطلحات فكرية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 1997م، ص89.

[2] معن زيادة، معالم على طريق تحديث الفكر العربي، عالم المعرفة، الكويت 1987م، ص 35.

[3] رضوان السيد. أحمد برقاوي، المسألة الثقافية في العالم العربي الإسلامي، الطبعة الثانية، دار الفكر، سوريا، 2001م، ص17.

[4] محمد عمارة، معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام، نهضة مصر العربية، مصر، ص 169.

[5] محمد عابد الجابري. المسألة الثقافية في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، المغرب، 1999م، ص223- 229.

[6] المرجع نفسه، ص22.

[7] عمر كوش، أقلمة المفاهيم: تحولات المفهوم في ترحاله، المركز الثقافي العربي، المغرب، 2002م، ص40.

[8] محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد، الطبعة الثانية، مركز دراسات الوحدة العربية، 2000م، ص 14.

[9] نصر محمد عارف، الحضارة الثقافة المدنية: دراسة لسيرة المصطلح ودلالة المفهوم، الدار العالمية للكتاب الإسلامي، الرياض، ص31.

[10] طه عبد الرحمان، الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، مرجع سابق ص 98.

[11] جمال مفرج، قضايا الثقافة الإنسانية في مشروع نيتشه الثوري، (رسالة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه، إشراف الربيع ميمون، جامعة قسنطينة، الجزائر،2003م - 2004م)، ص52.

[12] ينظر: أدونيس، الثابت والمتحول: بحث في الإتباع والإبداع عند العرب: صدمة الحداثة، الطبعة الأولى، دار العودة، بيروت، 1978م.

[13] زكي الميلاد، الإسلام والتجديد: كيف يتجدد الفكر الإسلامي، المركز الثقافي العربي، المغرب، 2008م، ص279.

[14] المرجع نفسه، ص 281.

[15] ناصيف نصار، طريق الاستقلال الفلسفي: سبيل الفكر العربي إلى الحرية والإبداع، الطبعة الأولى، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 1975م. ص17.

[16] عبد الإله بلقزيز، في البدء كانت الثقافة: نحو وعي عربي متجدد بالمسألة الثقافية، أفريقيا الشرق، لبنان، د سنة، ص13.

[17]المرجع نفسه، ص 14.

[18] أميرة مطر، الفلسفة عند اليونان، الطبعة الثانية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1977م، ص 35- 36.

[19] محمد عابد الجابري، المسألة الثقافية في الوطن العربي، مرجع سابق، ص230.

[20] طه عبد الرحمان، الحق الإسلامي في الاختلاف، مرجع سابق، ص96.

[21] نبيل علي، الثقافة الإسلامية: رؤية معلوماتية: خصائص الثقافة العربية في ظل حوار الثقافات، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، 2006م، 89.