محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأن العلم كما أكد أستاذنا الدكتور "حسن عبد الحميد" في رائعته عن "التفسير الابستمولوجي لنشأة العلم"، حيث قال " يمر في انتقاله من مستوي الممارسة التلقائية العفوية إلى مستوى الصياغة النظرية لقواعد العلم، الأمر الذي قد يحدث نوعاً من القطيعة المعرفية "، وهذه القطيعة الذي ذكرها الدكتور "حسن عبد الحميد"، أشبه ما تكون في نظري نوعاً من المغايرة النسقية.

ولتوضيح ما يعنيه هذا المبدأ يمكن القول  بأن أي علم على الإطلاق قد مر في تاريخه بمرحلتين أساسيتين ومتميزتين: مرحلة الممارسة اليومية التلقائية، التي يغلب عليها الطابع الأيديولوجي، ومرحلة الصياغة النظرية للقواعد الأساسية والمبادئ العامة التي تجعل من المعرفة معرفة علمية بالمعني الدقيق للكلمة.

أو هو الانتقال مما هو ضمني إلى ما هو صريح وواضح، فالطفل أو الرجل الأمي – على سبيل المثال - يستطيع كلاهما أن يستخدم اللغة استخداماً صحيحاً نسبياً ودون حاجة إلى تعلم قواعد النحو الخاصة بهذه اللغة أو تلك، ولو سألنا أحدهما أن يستخرج لنا قواعد اللغة التي يتحدث بها، وأن يصيغها صياغة نظرية، لما كان هذا في إمكانه.

والسبب في ذلك أننا ننقله في هذه الحالة من مستوى الممارسة اليومية للغة إلى مستوى الصياغة النظرية لقواعدها. والانتقال هنا هو انتقال من مستوى الممارسة اليومية العفوية للمعرفة إلى مستوى الوعي بالقواعد النظرية التي تنظم هذه المعرفة، وقد أصبحت علمًا .

وهذا الانتقال من المستوى الأول إلى المستوى الثاني لا يتم إلا عن طريق " قطع الصلة" (إلي حد ما) بالممارسات اليومية ذات الطابع الحدسي والتلقائي التي تسيطر علي المعرفة قبل أن تتحول إلي علم . والقطيعة المعرفية (أو المغايرة النسقية) هي " التغير الذي ينتج عنه أمراً جديداً كل الجدة، ولكنها عبارة عن مسار معقد متشابك الأطراف تنتج عنه مرحلة جديدة متميزة في تاريخ العلم "، ومعالم تلك القطيعة (أو المغايرة) يمكن تتبعها علي ثلاثة مستويات: "مستوى لغة العلم من جانب، ومنهجه من جانب آخر، ومستوى نظرية العلم من جانب ثالث".

والسؤال الآن: هل يمكن تطبيق هذا المبدأ على النحو العربي في مرحلة نشأته ؟

يذهب غالبية مؤرخي النحو سواء القدماء منهم والمعاصرون إلى أن النحو هو " علم بأصول تعرف بها أحوال الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء، أي من حيث ما يعرض لها في حال كونها مفردة أو مركبة"، وأن " سيبويه"  أول من صاغ بطريقة علمية نظرية هذا العلم الذي سبق تاريخياً كل العلوم في التأسيس، حيث يمثل كتاب سيبويه أفضل " صورة لما وصل إليه التقدم العلمي في النحو في أواخر القرن الثاني الهجري، لأن الكتاب ثمرة لهذه الجهود المتصلة في تلك المادة منذ أن بدأها أبو الأسود، وهو (يمثل كذلك أفضل) صورة لما كانت عليه دراسة النحو، في ذلك الحين من التعليل والقياس، والاستنباط، والتفريع، واستيعاب الفروض ..وهو الكتاب الأول والأخير في النحو، فالكتاب سجل لقواعد النحو، وقف العلماء عنده، ولم يزيدوا عليه، وكل من جاء بعده جعل الكتاب أساس دراسته"، وبهذا يعد سيبويه بشهادة الكثير من الباحثين والدارسين " أهم تلميذ للرعيل الأول من أئمة اللغة، كما يعد أول عالم يكرس مجهوده الذهني بصورة متخصصة، إلى حد كبير في الدرس النحوي بمعناه الواسع، فليس من شك في أنه قد مهد بذلك الطريق للمباحث النحوية، وهو أمر لم نعهده من قبل".

ومع احترامنا لهذا الرأي، إلا أن المنطق والتاريخ يؤكدان أن الناس لم ينتظروا صياغة لقواعد النحو حتي يفكروا، والإنسان حيوان مفكر منذ أن وجد على سطح الأرض . النحو كعلم يفترض – مسبقاً - المقدرة على الاستخدام المسبق للغة، فالعلم آيا كان لا يبدأ إلا حين يتجه المفكر إلى الواقع العملي لهذا العلم، وواقع النحو العربي، وخاصة في بداياته الأولى يكذب ذلك وينفيه، فحتى الآن لم ينكشف لنا الفهم الصحيح لطبيعة المرحلة، التي تنسب إليها نشأة الدراسات النحوية، ولا فهم لطبيعة اللغة العربية، التي تتناول نشأة نحوها بالدرس، والبحث، والاستقصاء، إذ قبل "سيبويه" لم تكن معالم الدرس النحوي واضحة، ولم يكن له تخطيط معين، ولا منهج محدد، فـ "لا يزال الباحث في حيرة من أمر النحو العربي، ومن الظروف التي لا بست نشأته، فلا القدماء أماطوا اللثام بطريقة معقولة عن هذا الغموض الذي لا نزال نحس به، ونتعثر في دياجيه، ولا المحدثون استطاعوا أن يتناولوا هذه المسألة بطريقة جدية فيتعمقوا فيها بعد أن يمهدوا لها بالدراسة الواسعة، والتفكير الحر، والمنطق السليم ".

ولذلك نحاول بقدر استطاعتنا أن نناقش نشأة النحو بطريقة منهجية، ونبدأ حديثنا بمناقشة الشخصيات التي يعزي إليها نشأة النحو، فنتساءل من صاحب الفضل في نشأته: أهو أبو الأسود الدؤلي (16 هـ- 69 هـ)؟ أم الأمام علي بن أبي طالب (13 رجب 23 هـ - 21 رمضان 40 هـ) كرم الله وجهه؟، أم شخصيات أخرى، مثل نصر بن عاصم (توفي عام 89 هـ)، أو عبد الرحمن بن هرمز (ت:117هـ) ؟

لقد اختلف المؤرخون في أول من وضع أبواباً من النحو أو تحدث فيه، وظهرت روايات متعددة بخصوص هذا الموضوع يمكن إجمالها كالآتي:

الرواية الأولى: يرى أصحابها أن الإمام علي بن أبي طالب هو الواضع الأول لعلم النحو .

الرواية الثانية: يرى أصحابها أن أبا الأسود الدؤلي هو الواضع الأول لعلم النحو بمشاركة نصر بن عاصم الليثي (توفي عام 89 هـ) وعبد الرحمن بن هرمز .

الرواية الثالثة: يرى أصحابها أن أبا الأسود وحده هو الواضع الأول لعلم النحو .

ولا بد لنا قبل تحديد هذا الوضع من أن نعرض لهذه الروايات، ومن قال بها .

أما بخصوص الرواية الأولى، فقد وردت في كتب علماء القرن الرابع الهجري، وما بعد ذلك، ورددتها المصادر التي تلت ذلك التاريخ، حيث ينقل لنا " أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي، (توفي عام 340 هجري) "في" أماليه"، رواية عن أبي الأسود الدؤلي أنه قال:" دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فرأيته مطرقًا مفكرًا، فقلت: فيم تفكر يا أمير المؤمنين ؟ قال: إني سمعت ببلدكم هذا لحنا فأردت أن أضع كتاباً في أصول العربية، ثم أتيته بعد أيام فألقى إلي صحيفة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، الكلام: اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل، ثم قال: تتبعه وزد فيه ما وقع لك، واعلم أن الأشياء ثلاثة: ظاهر ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بمضمر ولا ظاهر . قال أبو الأسود: فجمعت منه أشياء، وعرضتها عليه، فكان من ذلك حروف النصب، فذكرت فيها إن، وأن، وليت، ولعل، وكأن، ولم أذكر لكن فقال لي لم تركتها فقلت لم أحسبها منها فقال هي منها فزدتها فيها .

ونفس الشئ يؤكده "أبو بكر بن الأنباري" (271 هـ - 328هـ) فيقول: " الصحيح أن أول من وضع النحو الإمام علي (رضي الله عنه)، لأن الروايات كلها تسند إلى أبي الأسود، وأبو الأسود يسند إلى علي ... وسبب وضع علي (رضي الله عنه) لهذا العلم ما روى أبو الأسود قال: " دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فوجدت في يده رقعة، فقلت ما هذه يا أمير المؤمنين ؟ فقال: إنـّي تأملت كلام الناس فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء (يعني الأعاجم)، فأردت أن أضع لهم شيئا يرجعون إليه ويعتمدون عليه، ثم ألقى إليّ الرقعة وفيها مكتوب " الكلام كلـّه اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أُنبى به، والحرف ما جاء لمعنى " وقال لي: انحُ هذا النحو وأضف إليه ما وقع إليك .

ويعتمد الشيخ محمد الطنطاوي، في كتابه " نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة " هذا الرأي، ويعلل بأن ابن الأنباري: " أغناهم بهذا المقام، وقد سرد معظم نقول السابقين عليه مع جودة الترتيب، فذكر مختاره أولًا مع روايتين في سبب وضع الإمام "علي بن أبي طالب " كرّم الله وجهه، ثم ذكر مختار غيره مع روايات أربع في سبب وضع أبي الأسود رضي الله عنه ... ثم عاد مصرحاً برجحان اختياره".

وممن أكد نشأة النحو علي يد الإمام "علي بن أبي طالب " كرّم الله وجهه،  أيضا الزبيدي في " طبقات النحويين واللغويين، حيث يروى أنه قال:" تلقيته من علي بن أبي طالب رحمه الله "، وفي رواية أخرى قال: " ألقى إليّ عليٌّ أصولا احتذيت عليها ". أمّا ابن النديم (توفي 384 هـ) في كتابه (الفهرست)، فيقول: " زعم أكثر العلماء أن النحو أخذ عن أبي الأسود الدؤلي، وأن أبا الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " .

وهنالك شهادات أخرى كثيرة سجلها لنا القدماء غير ما ذكرنا عن "الزجاجي" و" محمد بن القاسم الأنباري  (الشهير بأبي بكر الأنباري) 271 هـ - 328هـ "و" المرتضى الزَّبيدي (1145 - 1205 هـ) " و" أبو الفرج بن أبي يعقوب النديم (المتوفي 384هـ-1047م)"، تؤكد إشارة الإمام "علي" (رضي الله عنه) وإرشاده وتوجيهه، فالسيوطي (أعني جلال الدين السيوطي " 849 هـ - 911 هـ") يقول وينقل ما يلي: " اشتهر أن أول من وضع النحو: علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) لأبي الأسود، قال الفخر الرازي في كتابه (المحرر في النحو): " رسم علي (رضي الله عنه) لأبي الأسود باب (إنّ)، وباب الإضافة، وباب الإمالة، ثم صنف أبو الأسود: باب العطف، وباب النعت، ثم صنف باب التعجب، وباب الاستفهام، وتطابقت الروايات على أنّ أول من وضع النحو: أبو الأسود، وأنه أخذه أولاً عن علي "، ووضح ذلك أيضا أبو الطيب اللغوي في (مراتب النحويين) قائلاً: " أخذ ذلك عن أمير المؤمنين "علي" (رضي الله عنه)، لأنه سمع لحنا فقال لأبي الأسود: اجعل للناس حروفا، وأشار له إلى الرفع، والنصب، والجر"، وابن كثير الدمشقي في (البداية والنهاية ) يذكر: " إنما أخذه عن أمير المؤمنين علي بن طالب ..ذكر له الإمام: "الكلام: اسم، وفعل، وحرف، وإنّ أبا الأسود نحا نحوه ..."، وابن خلكان في (وفيات الأعيان) يوضح أيضا أن " الإمام "علي" (رضي الله عنه) وضع له أقسام الكلام،ثم رخصه إليه وقال له: تمم على هذا " .

أما بخصوص الرواية الثانية التي تنسب وضع النحو إلى أكثر من واحد فهي متأخرة، يقول أبو سعيد السيرافي (284هـ - 368هـ): "اختلف الناس في أول من رسم النحو، فقال قائلون "أبو الأسود الدؤلي"، وقال آخرون "نصر بن عامر الليثي"، وقال آخرون "عبد الرحمن بن هرمز"، وأكثر الناس قالوا أبي الأسود " . وسار فى قوله الزبيدي الذي زاد على قول السيرافي " فوضعوا للنحو أبوابا، وذكروا عوامل الرفع، والنصب، والخفض، والجزم، ووضعوا أبواب الفاعل، والمفعول، والتعجب، والمضاف ". ثم تابعهما من جاء بعدهما ممن قال بهذا القول .

والذي يبدو من هاتين الروايتين أن تعاصر هؤلاء الثلاثة كما يري بعض الباحثين هو السبب المباشر في التباس الأمر على المؤرخين اللذين جاء أولهما بعد أبي الأسود بثلاثمائة سنة، وهي كافية للاختلاق والتزيد . أما "الزبيدي" فيبدو أنه أخذ ما نسب وضعها إلى أبي الأسود إلى هؤلاء جميعاً لكي تتم لهم المشاركة والمتابعة له في تطبيق نقط المصحف وهي نقط الإعراب .

أما فيما يتعلق بالرواية الثالثة التي تؤكد  ذلك، فهي تفرّد أبي الأسود الدؤلي بأنه واضع علم النحو، فقد أثبت له المؤرخون وكُتاب التراجم والباحثون في الأعمال القرآنية نقط الإعراب، وكانت جميع روايات المؤرخين تذكره عند تعرضها لوضع النحو أذكرته وحده أم مع الإمام "علي" أم مع معاصريه، وقد كان ذلك منذ أول نص وصل إلينا يتحدث صاحبه فيه عن النحو والنحاة حتي يومنا هذا . وللحديث بقية !!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

سليم مطرـ ندعو (مؤتمر القمة الاسلامي) الذي سيعقد في مكة اواخر هذا الشهر، الى اقرار لجنة من القانونين وعلماء الاجتماع والنفس، لكي تنشط بين الدول والهيئات الدينية في العالم اجمع، من اجل فرض قرار في الامم المتحدة يلزم دول العالم الى منع ومحاربة الافلام الاباحية.

ـ اشنع درجات النفاق والازدواجية الغربية: التطبيل لحقوق المرأة، وبنفس الوقت إنتاج ونشر أقذر الافلام التي تهينها وتعاملها كحيوان جنسي!!!؟؟؟

ـ ان الدول والمنظمات الاوربية والامريكية، دائما تسمح لنفسها باعطائنا دروسا اخلاقية وسياسية بكيفية التعامل مع مجتمعاتنا ونسائنا واطفالنا وووو حتى مع حيواناتنا.. فلماذا لا نسمح نحن ايضا لانفسنا بان نعطيهم درسا اخلاقيا وانسانيا باحترام المرأة اولا والرجل ثانيا؟!

ـ ان تحريم الافلام الاباحية، قبل ان تكون لاسباب اخلاقية أو دينية، هي اولا لاسباب نفسية اجتماعية خطيرة جدا جدا.  بالاضافة الى تأثيرها الخطير على دماغ الاطفال والشباب:https://urlz.fr/9MdF

ـ الافلام الاباحية اخطر الامراض الاجتماعية النفسية التي تهدد صحة الانسان وسلامة العائلة! وتسب واحدا من اخطر امراض العصر(الادمان على الاباحية Pornography addiction)

ـ مثل الهيئات الاسلامية، كذلك الكنائس المسيحية وخصوصا الكاثوليكية تكافح وتثقف بخطورة الافلام الاباحية.

ـ هنالك العديد من الدول مثل الصين وكذلك جميع الاديان في العالم، تدين وتحذر من خطورة هذه الافلام، لكن مع ذلك لازالت تتكاثر بصورة مجانية واغرائية عجيبة! لماذا؟؟!!!

904 سليم 1ـ لأن القوى الشيطانية العالمية والصهيونية غايتها افساد البشرية نفسيا واخلاقيا من اجل تسهيل السيطرة عليها سياسيا ثم عملية نهبها وتدميرها.

ـ ارباح الافلام الاباحية وشبكات الدعارة المرافقة لها تفوق عشرات المليارات سنويا!

ـ ان اخطر رسائل هذه الافلام، الادعاء بأن النساء رخيصات جدا جدا، ويمكن ان يوافقن بكل بسهولة على الممارسات الاباحية مهما كانت شاذة وقاسية ومهينة. كذلك الادعاء الشيطاني بانه من الطبيعي جدا الممارسة بين المقربين: ام وابنها، اخ واخته، اب وابنته!!!!؟؟

ـ ان هذه الافلام تقتل كل قيمة معنوية وانسانية وشاعرية للعلاقة العاطفية والجنسية، وتحولها الى علاقة وحشية قذرة تخجل منها وترفضها حتى الحيوانات!

ـ غالبية النساء يشكون من ان رجالهن يطالبوهن بممارسات شاذة ولا انسانية تقليدا للافلام الاباحية!

اكذوبة المجتمعات الغربية المكتفية جنسيا!؟

ان انتشار هذه الافلام الى درجة كبيرة بين الرجال الغربيين، يفضح مدى الدجل والكذب ادعاء انهم(مكتفون جنسيا). واكبر دليل على مدى انحطاط العلاقات الانسانية بين الرجال والنساء:

1 ـ انتشار شبكات الدعارة بصورة تفوق الخيال. مثلا، في سويسرا وحدها التي لا يتجاوز عدد سكانها (8 مليون)، هناك حوالي 25 الف بغي من جميع جنسيات الارض. ضمن حوالي الف مبغى، بالاضافة الى الشبكات السرية. والارباح تقدر بين 500 مليون الى مليار دولار سنويا!

2  ـ انتشار حالات الاغتصاب الى مئات الالاف سنويا. في فرنسا وحدها اكثر من (62) الف حالة اغتصاب عام 2016. أي ما يعادل 12% من المجموع الكلي للنساء: https://urlz.fr/9MbO

3 ـ انتشار حالات الطلاق الى ارقام مرعبة، الى حد حالة طلاق تقابل حالة زواج؟!  وبدات تنشأ اجيال جديدة من الاطفال نصف يتيمة، تعيش فقط مع احد الابويين: https://urlz.fr/9MbN

4 ـ انتشار السياحة الجنسية حيث يضطر رجال الغرب بسبب الجوع والاثارة المكبوتة الى الاستفادة من ارتفاع قيمة الاورو والدولار والسفر الى الدول الفقيرة، من اجل إشباع ملذاتهم الطبيعية والشاذة حتى مع فتياة صغيرات جدا: https://urlz.fr/9MbA

904 سليم 2

اخطر التأثيرات على الرجال والنساء!

ـ جميع الدراسات اتفقت على  تاثيرات هذا الادمان:

1ـ انه يحطم الرجل والشاب خصوصا، نفسيا ويشعره دوما بالاثم والعار، ويعزله عن المجتمع ويحرمه من القدرة على العلاقة الطبيعية مع النساء. وبالتالي يضعفه صحيا وحياتيا وكثيرا ما يؤدي به الى الجريمة والجنون والانتحار.

2ـ انه يؤدي الى تدمير العلاقات الزوجية، لأنه يشعر الرجال خصوصا بأن نسائهم اقل قيمة ومقدرة وجاذبية من نساء الافلام. وبالتالي يؤدي الى خراب العلاقات العاطفية والجنسية بينهما ثم الى المشاكل والعنف حتى الطلاق.

3ـ ان يشوه تماما قيمة النساء في نفوس الرجال. إذ يكونوا مثارين دائما وينظرون الى المرأة كحيوان جنسي، وبالتالي معاملتها بشهوانية وشذوذ، حتى العنف والاغتصاب. وهذا يشرح سبب الانتشار العجيب لحالات العنف والتحرش والاغتصاب في المجتمعات الغربية، وفي مجتمعاتنا طبعا.

4 ـ بنفس الوقت يتم تشويه صورة الرجال في نفوس النساء. فهن حتى لو لم يشاهدن هذه الافلام، فأنهن عموما قد عرفن بها وبمضامينها الهمجية، وبالتالي انتشر بنيهن خوف وتقزز من الرجال باعتبارهم وحوش جنسية لا يمكن الوثوق بهم ولا يستحقون محبتهن.

904 سليم 3لمزيد من التفاصيل، طالع:

فلم نصائح:

https://www.youtube.com/watch?v=S0FHl1z8whA

فتوى ضد الاباحية

https://www.youtube.com/watch?v=YYIsfKr6OoI

كاهن كاثوليكي يشرح بالانكليزي مخاطر الافلام الاباحية:

https://www.youtube.com/watch?v=3vckjb0GI_s

جراح أعصاب أمريكي: المواد الإباحية تدمر أدمغة الشباب

https://urlz.fr/9MdF

تحليل علمي عن ادمان الاباحية:

http://islam.ahram.org.eg/NewsQ/7952.aspx

ـ الإدمان على الأفلام الإباحية/ تفاصيلها واضرارها

https://urlz.fr/9M7D

Your Porn Addiction Isn’t Realـ

https://www.thedailybeast.com/your-porn-addiction-isnt-real

 

سليم مطر ـ جنيف

 

عبد الرضا حمد جاسمملاحظة: في هذا الجزء سأتطرق الى الأرقام التي وردت في مقالة/ رد أ. د قاسم حسين صالح واقارنها بالأرقام التي وردت في الدراسة ستُصْدَمْ عزيزي القارئ عندما تجد ان الأرقام غير متطابقة.

6- اليكم العرض المركز الذي كتبه أ. د قاسم حسين صالح لخلاصة الدراسة...ولأهمية ما ورد فيه وخطورته وضرورة مناقشة ذلك بدقة وانتباه، وبعض التوضيح ربما المُمل لكنه ضروري كما أعتقد. عليه سأُجزأ العرض كالتالي:

[سأضع على كل جزء من تلك الخلاصة علامة (*) ورقم تسلسل واضع النص بين قوسين (.) تسبقهُ كلمة "وَرَدَ" وأختم ب"انتهى"].

*1- ورد: [وتَوَصَلَتْ "يقصد الدراسة" الى ان هنالك (647) حالة انتحار في العراق لعام 2015، بمعدل حالة واحدة لكل 100000] انتهى.

تعليق: قبل أن أطرح الأرقام الصحيحة التي وردت بدراسة اللجنة، وقبل أن اُناقشها اسأل من أين أتى أ. د قاسم حسين صالح بهذه المعلومة وهي لم تتضمنها الدراسة أو لم يتم ذكرها فيها؟

 اُناقش الأرقام التي سطرها أ. د قاسم حسين صالح:

 يقول أ. د قاسم: ان الدراسة توصلت الى ان هنالك: (647) حالة انتحار في العراق عام 2015، بمعدل واحدة لكل (100000)"مائة ألف شخص"

هذه المعلومة خاطئة او غير صحيحة. وعلى فرض ان الأستاذ وجدها هكذا في الدراسة ...ألا يستدعي التأكد منها وتدقيقها وتحليلها قبل نشرها وبالذات عندما توفرت الرغبة في مناقشتها؟ وبالذات فأن هذا الرد سيكون على دراسة قام بها مجموعة من الدكاترة وخبير بريطاني وصفهم

 أ. د قاسم حسين صالح ووصفها بأحسن الأوصاف وقيَّمهم وقيَّمها أحسن تقييم وهو يعرف انها نُشرت باللغة الانكَليزية في مجلة علمية متخصصة وسيطلع عليها المختصين في كل العالم وتدخل /دخلت الارشيفين العراقي والعالمي عن الانتحار وقد تضمن الرد تعهد أ. د قاسم بترجمته ونشره في المجلات المتخصصة العالمية. ويعرف أ. د قاسم حسين صالح جيداً أهمية الأرقام في مثل هذه الدراسات وقد إشارة الى "حنبلية تعامل اللجنة مع الأرقام". هذا يستوجب من أ. د قاسم ان يتوقف عندها/امامها ملياً يناقشها ويحللها ليكتشف عيبها او يتأكد من دقتها. والأرقام تعني عند كل مراقب اوقارئ أو متابع الكثيرلأنها نتائج تعكس قيمة الجهد المبذول ودقته.يمكن ان تنفع ويمكن ان تقلب الأمور وتشوهها.

 ماذا تعني هذه المعلومة؟ وكيف يمكن استخدامها أو كيف تشوهه الدراسة. ماذا يفعل من يريد معرفة عدد سكان العراق من هذه المعلومة لأن 

أ. د قاسم لم يذكر في رده عدد سكان العراق؟ الجواب: ...سيقوم بالتالي:

(647) حالة انتحارx (100000) (لكل فرد) = (64.700.000) مليون شخص عدد سكان (13) محافظة تلك التي شملتها الدراسة وعند تقسيم هذا الرقم على (13) نحصل "ولو غير دقيق لكن للتوضيح" على معدل عدد السكان في كل محافظة وحتى نحسب "حسابياً /تقريبياً ايضاً " عدد السكان الكلي للعراق نحتاج عدد سكان المحافظات الخمس غير المشمولة بالدراسة:

64700000÷13= حوالي(5000000) [خمسة ملايين نسمة تقريباً عدد نفوس كل محافظة]. اذن سكان المحافظات الخمس غير المشمولة هو: (5000000x5=25000000) خمسة وعشرين مليون نسمة]. فيكون بذلك عدد سكان العراق التقريبي هو:(65) +(25)=(90) مليون نسمة.

هل يمكن قبول هذا؟ ماذا سيكون الموقف بعد (10) سنوات او ربع قرن لو اطلع طالب دراسات او باحث أجنبي او عربي على مثل هذه الأرقام ووجد ان سكان العراق بهذه الحدود؟

 لو كان الخطأ في الدراسة كان يمكن التغاضي /التساهل عنه/معه حيث في الدراسة ذُكِرَ عدد سكان المحافظات ال(13)، في سنتي الدراسة لكن هذا الخطأ الكبير لا يمكن قبوله من أ. د قاسم لسببين الأول: عدم ذكره عدد سكان المحافظات والثاني: أنه ناقد للدراسة ومعترض عليها وليس مساهم فيها او قارئ عادي لها.

 اليكم الأرقام التي وردت في الدراسة:

عام 2015: نحو(290) حالة انتحار. معدل الانتحار لكل 100 ألف فرد هو (1.09)

عام2016: نحو(357) حالة انتحار. معدل الانتحار لكل 100 ألف فرد هي: (1،31)

 اعود الى: من أين نقل أ. د قاسم الرقم: (647) حالة انتحار؟ يمكن لي أن اُجيب وهو احتمال لا غير: الجواب: نقلهُ أ. د قاسم كما يبدو من الجزء الأول من عبارة وردت في صفحة "النتائج" من الدراسة حيث ورد تحت عنوان فرعي: "التركيبة السكانية" التالي: [بلغ مجموع حالات الانتحار (647) منها (290) حالة في عام 2015 و (357) حالة في عام 2016]. او كما سيأتي في نص ما ورد في رد "لجنة الدكاترة".

ورقم (647) هو حاصل جمع: (290) حالة انتحار في 2015+ (357) حالة انتحار في 2016= (647) حالة انتحار... "" هذي لكينالها حل ولو أن الدكتور حصر هذا الرقم في عام 2015 ولم يتركه سائب"... لكن (بمعدل واحد لكل (100000) ""منين اجت """؟؟؟

*2- وَرَدَ: [...وبمعدل (1، 21 للذكور و0، 97 للإناث) لعام 2015، مقابل (1، 31 للذكور و1، 07 للإناث) للعام 2016] انتهى.

تعليق: هنا فَصَلَ أ. د قاسم نسبة الذكور للإناث الى 2015 و2016 ...يمكن ان نحسب عدد الذكور والاناث خلال 2015 وفق ما ذكر من ان عدد المنتحرين هو(647) شخص لعام (2015) لكن كيف نحسب الاعداد في عام 2016 وفق أي رقم ...؟

قبل طرح الأرقام الصحيحة من الدراسة نناقش الأرقام التي طرحها الأستاذ قاسم بخصوص الاناث والذكور.

نأخذ ارقام 2015: التي هي: (1، 21 للذكور و0، 97 للإناث). اولاً: من أين أتى بهذا أ. د قاسم؟؟؟؟؟ ثانيا: ماذا تعني؟

 لو فرضنا ان ما مؤشر للذكور هو الرقم (21.1) صحيح، يمكن ان يكون مقبول كأن يعني عدد الذكور المنتحرين مقابل عدد من الاناث. لكن عندما نأتي لمعرفة عدد الاناث الذي يقابله نُصْدَمْ حيث ستكون:(97.0) ما معناه: مقابل كل(21.1) ذكر ينتحر هناك (97) اُنثى تنتحر. وهذا رقم غريب لم يُسجل في أي دراسة في أي بلد في أي زمن.

وعندما ننتقل الى معدلات عام 2016 نجد: للذكور (31.1) والاناث(07.1) أي مقابل كل(31.1) من الذكور المنتحرين تنتحر(7.1) أنثى ...

من أين أتى الدكتور قاسم بهذه الأرقام أيضاً وبالذات رقم (97،0) غير المفهوم والمثير للاستفهام ويفترض ان يثير الانتباه؟ لا اعرف!

 وفق الأرقام التي كتبها أ. د قاسم حسين صالح تكون حالات الانتحار من الاناث لعام 2015 إذا أخذنا رقم الحالات الكلي الذي ورد في أصل الدراسة أي (290) حالة سيكون منها: اناث(236) وذكور(58) تقريباً...اما لعام (2016) فستكون الاناث: (66) والذكور: (292). أي أنه في عام واحد هو عام (2016) حصلت زيادة في انتحار الذكور بمقدار: (244) ذكر وانخفاض في عدد الاناث بمقدار: (170) انثى عن عام (2015)..هذا التغيَّر الهائل في سنة واحدة لم يحصل في أي مكان و في أي زمان في تاريخ البشرية القديم والحديث.

اليكم الأرقام التي وردت في الدراسة عن نسبة الذكور الى الاناث حيث كانت كالتالي:

 في عام 2015 كانت: (1,26) وفي عام 2016 كانت: (1.46). [نسبة الذكور للإناث]

والغريب ان "لجنة الدكاترة" اشارت في دراستها الى تقارب العدد بين الذكور والاناث سواء في حالات الانتحار او في التركيبة السكانية للمحافظات ال(13) حيث ذكرت التالي:

في عام 2015 كان عدد سكان المحافظات ال(13) المشمولة بالدراسة هو(26.460.324) (ستة وعشرين مليون واربعمائة وستون ألف وثلاثمائة واربعة وعشرون نسمة). كان عدد الذكور منهم هو: (13.349.621) [ثلاثة عشر مليون وثلاثمائة وستون ألف وستمائة وواحد وعشرون] وعدد الاناث كان: (13.110.703) [ثلاثة عشر مليون ومائة وواحد ألف وسبعمائة وثلاثة] ... والانتحار كان: نحو (290) حالة انتحار منها (162) ذكور بنسبة: ( 55.9%) مقابل (128) انثى بنسبة (44.1%).

أما في عام 2016 كان:(27.140.895) (سبعة وعشرين مليون ومائة وأربعون ألف وثمانمائة وخمسة وتسعون نسمة!!!!! كان عدد الذكور منهم هو:(13.692.985) [ثلاثة عشر مليون وستمائة واثنان وتسعون ألف وتسعمائة وخمسة وثمانون]. أما الاناث فكان: (13.447.910) [ثلاثة عشر مليون واربعمائة وسبعة واربعون ألف وتسعمائة وعشرة] والانتحار كان: نحو(357) حالة انتحار منها (212) ذكور بنسبة (59%) مقابل (145) اناث بنسبة (40%)." [يرجى ملاحظة التقارب في عداد ونسب الذكور والاناث].

*3: ورد: [وان 67,9% كانت بين الاعمار(29) سنة فما دون] انتهى

تعليق: هذا يدل على ان الدراسة ليس كما ورد في العنوان "ما هكذا نقدم للعالم انتحار الشباب في العراق!" حيث أن هذا الرقم يعني حالات الانتحار في صفوف الشباب بعمر(29) فما دون هو (67,9%) والباقي بأعمار مختلفة تتعدى الشباب أي ان الدراسة لم تقتصر على الشباب" ولو ان النسبة الأكبر من المنتحرين هم من الشباب من الجنسين.

لا اعرف هل ان عمر الشباب محدد ب(29) عام فما دون وهل هذا الرقم معتمد عالمياً أم أن هناك عمر شباب لكل بلد؟

*4- ورد: [وتوصلت "يقصد الدراسة" الى ان وسائل الانتحار الأكثر شيوعا كانت هي الشنق (41%) تليها قتل النفس برصاصة (31%)، تليهما الحرق بنسبة (19%)] انتهى

تعليق: ونحن في سياق مناقشة دراسة نُشرت في مجلة علمية عالمية متخصصة فمن الضروري التعامل ما ورد فيها من أرقام بدقة وذِكْرها كما وردت وإن اقتضت الضرورة تقريب بعضها يجب ان يُشار الى ذلك حتى لو كان الكاتب لا يثق بدقة تلك الأرقام حد الكسور العشرية.

اليكم الأرقام التي وردت في الدراسة: "شنق (41%)"بإطلاق الرصاص (31.4%)"الحرق (19.2%).

*5- ورد: [وان (54%) منهم لم تكن لديهم محاولات انتحار سابقة. واشارت الى ان (24%)منهم يعانون اضطرابات متعلقة بالطب النفسي psychiatri  disorders، وان الاضطراب الأكثر شيوعا بينهم هو الاكتئاب بنسبة (54%)، فيما كانت نسبة الانتحار لسبب اقتصادي (12%)] انتهى.

تعليق: لا اعرف من أين جاء الأستاذ الدكتور قاسم ب (54%) بخصوص من ليس لديهم محاولات انتحار سابقة؟  فالرقم الذي ذُكِرَ في الدراسة هو (82.1%) والأرقام الأخرى هي: لديهم اضطرابات نفسية (24.1%) الاضطراب الأكثر شيوعاً (53.9%)، مشكلات مالية (12.4) ؟؟؟؟؟

ملاحظـة: لقد ردت "لجنة الدكاترة" كما ورد في الجزء السابق على مقالة أ.د قاسم حسين صالح .اليكم منه التالي:[أولاً، نشكر الأستاذ قاسم على اهتمامه بالدراسة، ووصفه إياها بأنها "جهد علمي كبير" وقوله أنها امتازت "بالمنهجية العلمية العالية والدقة في تحليل البيانات الإحصائية" وعلى ترجمته وتقديمه للقراء جزءاً من ملخص البحث، نود هنا ان نشير الى خطأ في الترجمة التي ذكرت الرقم647 على أنه يمثل عدد حالات الانتحار في العام 2015 في حين ان هذا الرقم يشمل عامي الدراسة، نحن لا نعلم ان كان المقال مبنياً على هذا الملخص أو على النص الكامل للبحث والذي ارسلناه الى الأستاذ كاتب المقال قبل مدة من كتابة المقال أو قراءة معمقة لهذا النص الكامل كما يُفترض، ولدينا عدة أسباب لهذا التساؤل: أولاً ،أن جميع الاقتباسات التي ذكرها المقال مبنية على الملخص ،ثانياً وقع المقال في أخطاء جسيمة يندر الوقوع بها في حالة قراءة النص الكامل أو قراءته بتمعن] انتهى

هذا يعني ان "لجنة الدكاترة" كانت قد أرسلت ملخص الدراسة للدكتور قاسم ثم أرسلت له أصل الدراسة قبل فترة من تاريخ نشره الرد عليها أي قبل يوم 08/01/2018 وإن الخطأ في الرقم(647) تقع على مسؤولية أ. د قاسم حسين صالح ...علماً ان رد "لجنة الدكاترة" هذا نُشر بعد ثلاثة أشهر تقريباً من نشر دكتور قاسم رده أي في 03/03/2018.والمستغرب هو ان أ. د قاسم حسين صالح كما يبدو لم يُجِبْ على أسئلة اللجنة و لم يصحح الخطأ حيث فوت فرصة الثلاثة اشهر تقريباً قبل رد "لجنة الدكاترة" ليعيد تدقيق الرد علماً أن ذلك كما اعتقد ضروري وبالذات عندما كتب انه سيقوم بترجمة الرد و نشره في المجلات العلمية العالمية و لم يستغل فرصة رد "لجنة الدكاترة" على رده و لم يستغل كل تلك الفترة الممتدة من 08/01/2018 لغاية نشر الجزء الأول من هذه المناقشة التي هذا الجزء الثاني منها، أي حتى يوم 13/05/2019 أي بعد مرور سنة وثلاثة اشهر تقريباً ليقوم بواجب التصحيح لتلك الأخطاء غير المسبوقة وهي أخطاء كبيرة، تصحيحها و الاعتذار عنها واجب يتقدم على كل شيء، والاعتذار يكون الى لجنة الدراسة و الى القراء و المواقع التي نشرت ذلك الرد و هذا شأن المتميزين و العلماء وهو منهم. وللعلم لقد تابعتُ رد أ. د قاسم في: (المثقف) وفي (الحوار المتمدن) لغاية اليوم 14/05/2019 وكذلك رد "لجنة الدكاترة" في "الحوار المتمدن" حتى نفس التاريخ، عسى ان أجد في حقل التعليقات على تلك المقالات ما يشير الى التصحيح او الاعتذار فلم أجد شيء وهذا ما دفعني لطرح موضوع التصحيح هنا...واعتقد ان عدم تصحيح الخطأ غير مقبول علمياً/اجتماعياً حيث ان التصحيح والاعتذار عن ذلك واجب والباب لا يزال مفتوح لذلك التصحيح وذلك الاعتذار حتى ولو بكتابة تعليق في حقل التعليقات على تلك المقالات. علماً أنه ورد في رد اللجنة انها أرسلت ردها هذا الى الصحيفة الذي نشر فيها أ. د قاسم حسين صالح رده على الدراسة حيث ورد التالي: [نود أن نوضح أن هذا الرد قد أرسل إلى صحيفة (!!!!!) ووُعدنا بنشره، ولكن بعد عدة أسابيع من الوعود، ثم تحاشي الإجابة عن تساؤلاتنا بشأن موعد النشر، حتى وصلنا إلى قناعة بأن الصحيفة لا تريد نشر الرد لسبب لا نعلمه وبشكل يتنافى مع حرية الرد التي كنّا نتمنى أن تكون مبدأ يحترم في جميع الأحوال] انتهى.

7- كتب أ.د قاسم حسين صالح وتحت عنوان فرعي هو: "ظاهرة الانتحار...أكبر من ان تستوعبها دراسة"

الى اللقاء في الجزء التالي الذي يبدأ ب". كتب أ.د قاسم حسين صالح وتحت عنوان فرعي هو:"ظاهرة الانتحار.أكبر من ان تستوعبها دراسة".

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

محمد فتحي عبدالعاللقد حملت الرسالة المحمدية اطيافا شتي من نور العلم والمعرفة حلقت بالامة الاسلامية في ميادين تعددت ما بين التربية وعلوم الدين واللغات والحكمة والعلوم التجريبية والاجتماعية والانسانية وهذة هي معجزة النبي صلي الله عليه وسلم الحقيقة وليست أميته فأمية النبي كانت وقتية قبل الرسالة والي مرحلة معينة من حياته بعدها تعلم النبي صلي الله عليه وسلم القراءة والكتابة وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَتَبَ. وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْهَرَوِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُمَ . ان الدفع بأمية النبي صلي الله عليه وسلم للتدليل علي اعجاز رسالته هو أمر يعافه العقل فهل يا تري كانت أمية النبي مؤثرة الي هذه الدرجة في صد الاتهامات عنه أثناء حياته وبعد مماته ؟! الاجابة بالطبع لا ...فمسألة أمية النبي لم ترتقي في أي مرحلة من مراحل الدعوة لتكون الاساس الذي يبني عليه حديثوا العهد بالاسلام ثقتهم بالدين الجديد وفي الوقت نفسه لتكون حائط الصد ضد هجمات العرب الجاهليين بأقتباس نصوص القران من أهل الكتاب المنتشرين بمكة والسبب وببساطة أن الاقتباس لا يحتاج الي لغة فيكفي الاستماع الشفهي ليحدث الاقتباس خاصة وأن ما حمله القصص القراني من شخصيات ووقائع كان متداولا في مكة من خلال القصص الشعبي الذي كان يطلق في مسامر وأندية قريش للعظة والأعتبار والتسلية والذي يمكن أن نطلق عليه أساطير الاولين فالمجتمع الجاهلي كان علي قدر كبير من الأنفتاح واستخدام وسائل الاتصال التي توفرت له عبر التجارة فالمجتمع الجاهلي -ونعني بالجاهلية هنا البعد عن معرفة الله ووحدانيته وليس غياب الاسس الحضارية والقيمية -قد شهد رحلات منتظمة في الشتاء الي بلاد اليمن والصيف الي الشام وهو ما مثل فرصة كبيرة لاكتساب المعارف والعلوم والاطلال علي الحضارات المتاخمة وآثارها ومنها القصص الديني ومنمن نسميهم أعمدة أدب الرحلة بصورة بسيطة وتناسب هذه العصور كان النضر بن الحارث وهو أول من نقل الي مكة العزف علي العود ممزوجا بألحان الفرس متزودا في رحلاته الي الشام والعراق وفارس بالعديد من القصص ككليلة ودمنة وأحاديث رستم واسبنديار والعديد من الاساطير التي تحفل بها حضارات هذه البلدان ولم يكن القصص الديني ببعيد عن هذه الاساطير فقد كانت قصة كطوفان نوح عليه السلام حاضرة وبقوة في أساطير مثل جلجامش في شخص الرجل الطيب أوتنابيشتيم الذي أمرته الآلهة بأن يبني سفينة، يحمل عليها بذور كل شيء حي وفي قصة بيروسوس حيث الملك (أكسيسو ثووس) الذي يري الطوفان في منامه فيبني سفينة أضافة لقصص الخلق السامري والبابلي والكنعاني وهي نصوص وأن كانت مكتشفة حديثا الا انه من غير المستبعد أن تكون متناقلة كقصص شعبي علي ألسنة الناس في هذه العهود وقد رسخت لديهم وجود خالق لهذه السماوات والأرض قال تعالي: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) كما كانت أشارة النابغة الذبياني وهو من شعراء الجاهلية الي النبي سليمان في أحدي قصائده : ( إلاّ سُليمانَ إذ قالَ الإلـهُ لـــهُ  قًــمْ فــي البريَّة فــاحْــدُدْهــا عنِ الفَنَـدِ وخيِّسِ الجنَّ إنّي قد أَذِنْتُ لهمْ  يَبْنون تَــدمـر بـالـصُّـفَّــاحِ والــعَـــمَـــدِ)

مؤشرا هاما علي أنتشار هذه الاخبار في الجاهلية .. كما عرفت قريش العديد من القيم مثل نصرة الضعيف ويظهر هذا بوضوح في واقعة “حلف الفضول”، حيث كانت شكوي أحد التجار ضد العاص بن وائل وقد كانت علي قدر كبير من السطوة والمنعة ولكن ذلك لم يمنع سادة قريش من الاجتماع في دار ابن جدعان والانتصار لحق التاجر ورده اليه وقد حضره النبي ، وقال عنه لاحقاً، "لقد شهدت مع عمومتي حلفاً في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت". كما كان للمجتمع العربي دار الندوة والتي كانت بمثابة مجلسا تشريعيا وتنفيذيا في آن واحد حيث كان التشاور واتخاذ القرار وعقد الوية الحرب تتم هناك ... أضافة الي معرفتهم بما يمكن تسميته بالابتعاث الخارجي لتحصيل المعارف والذي مثله طبيب العرب الشهير الحارث بن كلدة الثقفي والذي تعلم الطب في فارس وله محاورة شهيرة مع كسري تمثل المكانة العليا التي وصل اليها وقد كان يداوي الصحابة فيما بعد ومنهم سعد بن أبي وقاص..كما شهد المجتمع العربي الجاهلي طفرة أدبية شعرية جسدها شعراء المعلقات وكذك المكانة التي ارتقاها بعض شعراء العرب من أمثال النابغة الذبياني في بلاط النعمان بن المنذرملك الحيرة .

ومن هذه الأمة كان اصطفاء الله عز وجل للمصطفي صلي الله عليه وسلم ليكون حاملا لرسالته الخاتمة قال تعالي: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُوْلاً مِنْهم) وقد كان تفسير القرطبي الأسبق في تعريف (الأمي) بنسبة النبي صلي الله عليه وسلم إلي مكة أم القري..

أن اشكالية قريش مع النبي لم تكن ابدا في هذا القصص القراني الذي لم يكن مفاجئا لهم في شخوصه أو محتواه من حيث الاطر الشكلية العامة وبالتالي لم تكن محاولة التيقن من أميته أو الوصول الي أشخاص علي صلة بالنبي من احبار او رهبان أخبروه بهذه القصص كان شغلهم الشاغل .وانما كانت مشكلتهم مع العلم ..أجل العلم الذي استخدمه القران في التدليل علي التوحيد قال تعالي:  ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) ..أنها معركة العلم والتنوير في كل العصور في تحرير العقل ليصبح مهيمنا وموجها للبشرية في معركتها الأزلية مع الجمود وأن تتخلص البشرية من ربقة عبادة العباد والتوجه الي اله واحد يحيطهم بتعاليمه وينزع عنهم صفات العنصرية والتعصب القبلي البغيض..

لقد كان تعلم النبي للقراءة أمر حتميا استلزمته مهمة شاقة هي تدوين وحفظ القرآن الكريم وهو ما يستلزم متابعة النبي لفريق عمل كبير من كتبة الوحي ما بين ستة وعشرين الي اثنان وأربعين كاتباً. ومن الاحاديث الدالة علي ذلك قول مُعَاوِيَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُنْتُ أَكْتُبُ بَيْنَ يَدَيِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم فَقَالَ: " يَا مُعَاوِيَةُ، أَلْقِ الدَّوَاةَ، وَحَرِّفِ الْقَلَمِ، وَانْصُبِ الْبَاءَ، وَفَرِّقِ السِّينَ، وَلا تُقَوِّرُ الْمِيمَ، وَحَسِّنِ اللَّهَ، وَمِدِّ الرَّحْمَنَ، وَجَوِّدِ الرَّحِيمَ ".و عَنْ أَنَسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا غُلامٌ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه و سلم يَبْكِي، فَقَالَ: مِمَّ بُكَاؤُكَ؟ قَالَ: ضَرَبَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه و سلم قُلْنَا: لِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: مَدَدْتُ الْبَاءَ قَبْلَ السِّينِ " يَعْنِي فِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . أضافة الي أن النبي صلي الله عليه وسلم كان رجل دين ودولة وما يترتب علي ذلك من ارسال الرسائل الي الملوك والامراء واستقبال الردود وابرام المعاهدات وهو ما يستلزم معه ضرورة الالمام بالقراءة والكتابة ومن أدلة ذلك عن عبد الله بن الزبير ، رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استكتب عبد الله بن أرقم فكان يكتب عبد الله بن أرقم , وكان يجيب عنه الملوك , فبلغ من أمانته أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب ، ثم يأمره أن يكتب ويختم ولا يقرأه - لأمانته عنده - ثم استكتب أيضا زيد بن ثابت فكان يكتب الوحي , ويكتب إلى الملوك أيضا , وكان إذا غاب عبد الله بن أرقم وزيد بن ثابت واحتاج أن يكتب إلى بعض أمراء الأجناد والملوك , أو يكتب لإنسان كتابا يقطعه ، أمر جعفرا أن يكتب ، وقد كتب له عمر وعثمان وكان زيد والمغيرة ومعاوية وخالد بن سعيد بن العاص وغيرهم ممن قد سمي من العرب ".كما ورد في صلح الحديبية أن النبي صلي الله عليه وسلم قد مارس الكتابة بنفسه فعن البراء ، قال: لما صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركي قريش كتب بينهم كتابا: " هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم " فقالوا: لو علمنا أنك رسول الله لم نقاتلك فقال لعلي: " امحه " فأبى فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وكتب: " هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله " واشترطوا عليه أن يقيموا ثلاثا ولا يدخلوا مكة بسلاح إلا جلبان السلاح قال شعبة: قلت لأبي إسحاق: ما جلبان السلاح ؟ قال: السيف بقرابه أو بما فيه ..ثمة مهمة أخري لا تقل أهمية وهي مسألة النسخ في القرآن بصوره المختلفة والتي كان يصاحبها أعادة ترتيب الايات والسور وهي مهمة اضطلع النبي صلي الله عليه وسلم بالأشراف الكامل عليها .. أما قوله تعالي: ( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) فدخول كان علي المضارع تفيد نفي الفعل أو العادة وليس نفي القدرة أو المعرفة وبالتالي فالاية لا تجزم بأمية النبي ولكنها تعني أن النبي لم يكن يباشر كتابة الوحي بنفسه وهذا أمر منطقي اذا وضعناه جنبا الي جنب مع كيفية نزول الوحي علي النبي فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما أقول . والصورة التي يكون عليها النبي حينها كما وصفها أحمد بن حنبل – (كان النبي يتوجع ويعض على شفتيه ويغلق عينيه ، وفي بعض الأوقات كان يهدر مثل الجمل) لذا فأفتراض تدوين النبي للايات بنفسه وهو علي هذه الحالة تبدو مستحيلة والطبيعي هو اتخاذه عدد من كتبة الوحي ..

كان النبي صلي الله عليه وسلم يحض علي العلم فعن أبي هريره رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة) أخرجه مسلم ولذلك لم يكن من المستغرب أن يكون من صور فداء أسري بدر هو تعليم أولاد المسلمين الكتابة .كما كان النبي صلي الله عليه وسلم يبعث ما نسميه اليوم بعوث علمية لتعليم الناس القران وصحيح الدين ومنها بعثة بئر معونة والتي استشهد فيها سبعون صحابيا من قراء القران الكريم كانت مهمتهم تعليم أهل نجد ليقتلوا غيلة وخيانة فضلا علي حرص النبي علي تعليم الصحابة للغات وأمره لزيد بن ثابت بتعلم لغة اليهود ليتسني مكاتباتهم ..كما يشير التراث الصيني الي صلة ما ربطت النبي بالإمبراطور الصيني حيث يقول صاحب كتاب (هوي هوي يوان لاي)- إن الإسلام قد وصل إلى الصين في عام 628م (توفي النبي عام 632 م)، وكان السبب في ذلك أن الإمبراطور جنغ قوان رأى في منامه أن شيخاً معمَّماً يدفع عنه وحشاً مفترساً غريب الشكل، وقد هاجمه ولم يجد مفراً منه، فعندما أصبح. التقى وزراءه، وسألهم عن تعبير الرؤيا، فقال قائل منهم: إن الشيخ المعمّم هو العرب؛ فلديهم القوة والبسطة، والوحش المفترس الغريب الشكل الذي هاجم الإمبراطور هو عنصر عدائيّ أو شخص ثائر في البلاد، فلا يمكن قمعه إلا بقوّة المسلمين، فبعث الإمبراطور سفيراً إلى بلاد العرب، ملتمساً من ملكهم أن يرسل عدة فرق من الجيوش إلى الصين، فبودل ثلاثة آلاف من جنود المسلمين بثلاثة آلاف من جنود الصين، فكان هؤلاء الجنود هم آباء المسلمين في الصين .قد تبدو هذه القصة بها قدر واضح من الأسطورية الا أنّها لا تخلو من حقيقة أن اتصال ما كان بين النبي والصين جعله يذكر الصين في حثه على طلب العلم...

 

د. محمد فتحي عبد العال - كاتب وباحث مصري

 

محمد ابو النواعيرغالبا ما يكون مفهوم السلطة في المجتمعات القديمة، مرادفا لمفهوم (الدولة)، وغالبا ما كان يمثل أيضا تدرجا علويّا في أدبيات المجتمع والقوانين في تلك الأزمان، فقد مثّل في بداياته التاريخية حالة الإلوهية أو الوكالة عن الإله، وكان يندرج في حيز هذا النطاق باقي المفاهيم الكبيرة، والتي كانت تُرَسّخ في مفهوم السلطة حالة تمايز وانعزال و(انفصال) ما بين السلطة وأدواتها ودعائمها المادية والقانونية، وما بين الحالة المجتمعية العامة لعموم الأفراد والجماعات، بل وحتى أن الفئات الموالية للسلطة، والدائرة في فلكها، من عوام الجمهور، لم تخرج عن إطار الحدود والأعراف والقوانين، التي تجعلهم بعيدين عن الانصهار أو الذوبان في مصطلح السلطة وحدوده.

نشأ مفهوم الاجتماع السياسي بشكله الحالي في فترة قريبة نسبيا، فلم يكن هناك تقبل لفكرة: أن يكون كل فرد في المجتمع جزءا من السلطة! لأن الطبقات الاجتماعية التي تكون ممسكة بزمام السلطة أو الإنتاج أو التجارة أو الأمن العسكري، كانت تنظر لنفسها بمستوى طبقي (بايلوجي) أعلى، مقارنة بغيرها من طبقات المجتمع. إلا أن تطور الوعي البشري، وتطور أدوات التعليم، وتسابق النظريات السياسية في طرح نماذج راقية من أنواع الحكم المستقر، مع ظهور بوادر تمدن الإنسان الحديث، قاد إلى الاهتمام بالاجتماع السياسي للمجتمعات الحديثة، حيث يمكن لأي مجموعة البشرية، من خلال اجتماعها السياسي، خارج أطر اجتماعاتها البنيوية الاجتماعية الأخرى (كقرابات الدم والعشيرة والمنطقة والأديولوجيا) أن تخلق حالة تكافل وتضامن،  في الوعي والإرادة والشعور والهدف.

الاجتماع السياسي هنا لا يقتصر على ممارسة التضامن والتعاطف والتواطن بين الأفراد المكونين لمتحد واحد، وإنما هو الفعل المنشئ للحمة وعلاقة قرابة وتعاطف بين الناس. وليس موضوع الاجتماع السياسي الحقيقي إلا تكوّن هذه القرابة النوعية التي تجعل الناس، أفرادا وجماعات، يتجاوزون حالة التفرد الخاصة بهم من خلال بئائات صغيرة كالأسرة أو العشيرة أو الصداقة، والتي تمثل قرابات جزئية طبيعية موروثة، أي غير مختارة وغير مفكر بها، بعكس الاجتماع السياسي الذي يؤسس لما يمكن أن نسميه جماعة وطنية، أو أمة بكل المعاني.

لا يمكن لأي سلطة حديثة أن تكون مقبولة (اجتماعيا)، إلا من خلال اندكاك المجتمع بأدواتها، وممارسة المجتمع لعمليات تكوينها ومتابعتها وصيرورتها المستمرة، لأن المجتمع ببساطة الكيان الجماعي الوحيد، الذي يملك قوة إسناد السلطة أو إضعافها، من خلال شبكة من التفاعلات والعلاقات الدائمة والمستقرة نسبيا بين أفراده، تسمح باستمرار كيان السلطة واستقراره، وتجدده في الزمان والمكان، أو يؤدي إلى ضعفه واضمحلاله واقتصاره على فئة معينة تكون متحكمة فيه وبموارده.

إن علاقة المفهوم المتعلق بتكون السلطة، وبين المجتمع وحراكه المستمر، مرتبطان من خلال حلقة حديثة النشوء، ألا وهي تأسيس المؤسسات الاجتماعية، المكونة للنظام السياسي؛ فتكوّن النظام السياسي، ودوره في توفير الأمن الداخلي والدفاع الخارجي للكيان البشري المكون له، يخلق له أهمية كبيرة لدى المجموعة البشرية، يدفعها دوما لمساندته وتقويته لأنه سيمثل جانب مهم من جوانب حفظ وجودهم، لذا، في المجتمع الذي تكون السلطة فيه نابعة من بنية اجتماعية ساندة، نرى أن هناك تنظيم ومأسسة مستمرة لهذا النظام، بمعنى أنهم لا يتركونه لهوى الأفراد أو نزعاتهم التلقائية.

لقد قام التأسيس الحديث لمفهوم الدولة على مبدأ أنها تمثل كيان سياسي- قانوني؛ وهو ينطوي على حقيقة أن هذا الكيان هو بناء أو هيكل ل "قوة" ، تحكمها مجموعة من القواعد المقننة. ويتجسد هذا الهيكل في جهاز بيروقراطي، مدني – عسكري – امني، وتعني قواعده المقننة أن له صفات تتجاوز شخصانية الأفراد المتحكمين بإدارته من ناحية، وشخصانية الأفراد الذين يتعامل معهم هذا الجهاز من ناحية أخرى. فهناك تقنين لحقوق من يديرون جهاز الدولة وواجباتهم، وتقنين لحقوق من يتعامل معهم جهاز الدولة وواجباتهم (المواطنون أو الرعايا).

إلا أن التنظير المعاصر لمفهوم السلطة لم يكتفي بما سبق، فالاقتصار على هذا الإطار في التعاطي مع مفهوم السلطة، دون الرجوع إلى ضرورة توافر عنصر الاجتماع السياسي فيها، يقودنا إلى التأسيس لكيان منقوص في أدوات استقراره وتفاعله، وبالتالي، كيان قد يتحول بمرور الزمن إلى كتلة استبدادية، واسعة في مضامينها السلطوية القسرية، ومحدودة في تمثيلها المجتمعي، أي يقود كل ذلك إلى انفصال واضح ومهم بين البناء السلطوي، والبناء المجتمعي، خاصة وأن الدولة المعاصرة قائمة على سلطة مشتركة، يمثل قسمها الأول هيكلها القانوني البيروقراطي العسكري، وقسمها الثاني ذاتها الاجتماعية المتفاعلة بشكل أساسي في تكوين نظامها السياسي، والمتفاعلة  مع مفردات (أومخرجات) السلطة القانونية والإدارية والأمنية والاقتصادية لها.

 

محمد أبو النواعير

دكتوراه في النظرية السياسية- المدرسة السلوكية الأمريكية المعاصرة في السياسة.

 

مصطفى غلمانتكاد نظرية المركز والهامش تستحوذ على جزء كبير من صراع قوى الإنتاج وتأثيره على أنساق العلاقات الدولية، بما في ذلك تلك القوى المهيمنة على القرارات الجيوسياسية، التي تفرض نمطا تبعيا مغلقا بغرض السيطرة على طموحات الهامش والحد من مستوى تطوره ونموه، بما يناسب مصالح ومستقبل المركز. .

وكما هو معلوم فوحدة النظام لا تنفي التناقض والتباين داخله، كما يؤكد ذلك كريستيان باولو في كتابه " الاقتصاد الرأسمالي العالمي".

وتتقوى نزعة تغول واستقواء المركز كلما استعار الهامش منفذا للعبور إلى قضايا المصير الذاتي واستقلال القرارات وما يترتب عنها من فواعل التنمية والبناء.

ولهذا يمتد المآل الديمقراطي في العملية التي تخلف جملة تجاذبات وجدل مستديم الى عمق مفهوم الدولة وانتظاراتها وأفق فهمها للعمران والتنمية البشرية ومناهج تدبير شؤون الدولة المستقلة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا.

كما تبقى نظرية المركز والهامش عقدة في منشار الأنموذج التنموي المراد تحقيقه واستنفاذه، على اعتبار مستوى طرح الإشكالات الكبرى التي تحول دون قضم علامات التشابك والاحتدام بين الاطارين النقيضين، اللذان ينهلان من نفس قاموس الاستعمار الكلاسيكي، الذي صاغت تركته مناهج الثقافة الكولونيالية " فرق تسد" و"المغرب النافع وغير النافع" و" الظهير البربري"، جملة من الترسبات والانتقالات المعطوبة، حالت دون تفكيك بواعث ما بعد الكولونيالية، حول تأثير الاستعمار الجديد المعاصر، ما يؤكد تواصل فعله كعامل مركزيّ في بلورة وتصميم الوعي الحديث، حتى بعد انهيار الدول الاستعمارية الكلاسيكية.

المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد تنبه في كتابه " الثقافة والامبريالية" في إطار تنوير الاستشراق للقارئ بنقد العلوم والأفعال الإمبراطورية، إلى أمر خطير، يتعلق بالعلاقة المتآمرة التي تجمع الإمبريالية المهيمنة بالثقافة خاصة إبان الاستعمار الفرنسي والبريطاني في القرن التاسع عشر. حيث تصبح الثقافة فن المؤسسات الإمبراطورية التي تهندس تركيب المشاعر وتمنح المستعمر شعرية كبرى للهيمنة والاستعباد. بل تجعل من وجودها التعليلي في إطار وصايتها وتعاليها النمطي جزءا من رهانها على تقليص الحاجز النفسي والثقافي ضمن مخططاتها، على اعتبار إيجاد رؤية تفسر كيف تستعمل الثقافة كبنية فعّالة للاستحواذ والتعصب والأسبقية العرقية والقياس النظري للاقتدار والسمو العقلاني.

إن ترسيخ مفهوم الهامش وقيادة المركز ليس تدليلا اغترابيا عن فعل خارج بدلات التنظير الافتراضي الذي تدعمه مشكلات الوعي الاجتماعي وانغلاق المجتمع وتحلحل بنيات الفكر العربي ما بعد مرحلة تكوين العقل ونقده. بل هو تجسيد لمرحلة تشاكلت فيها جوانب تحليل ظاهرة تهيكل الخطاب الرسمي، أي خطاب أيديولوجيا المركز، وتجاوز سؤال الهوية، إلى تأثير ذلك على وحدة المصير الثقافي وتعدد قواسمه والمشترك التاريخي والمعرفي والإنساني، فكانت بذلك مركزية الكيان الثقافي للاستعمار ممثلة في الحفاظ على مصالحه الاستراتيجية، إن على مستوى ترسيخ حجم التعامل الفرنكفوني في قطاعات تقع في صلب الاستقلالية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أو على مستوى التقاطعات السياسية والديبلوماسية وصناعة القرار.

في حين ظلت النزعة الذاتية للهامش تتصرف كمركز ثقافي وتاريخي آخر من خارج دائرة الدولة ومحيطها. فلا هي مركزية مركبة تعترف بمحصول الواقع المرعب الذي يجرف بالهوية إلى حدود مصطنعة، ولا هي كيان مستقل عن مركز لا زال يغامر بمستقبل ومصير أمة ضحت بالغالي والنفيس لأجل الاستقلال والانتقال إلى مرحلة البناء.

إن دلالة التمركز في بنى الثقافة والتعليم وسياسة الإدارة والاقتصاد والإعلام لا تزال تشكل سؤالا لنزعة استتباعية متحورة، تراهن على إبقاء حالة الشك في بؤرة العقل المغذي لاستمرار وفعاليات الكيانات التقليدية ، ما قبل البورجوازية التي تساوي ما قبل الرأسمالية، والتي تعمد إلى السيطرة المفصلية على كل أجهزة الدولة، والسيطرة على مدخراتها، واستثمار ذلك على جميع الأصعدة، حتى تتمكن بإيعاز من الدولة المستعمرة السابقة من تحويل الموجهات والأساليب الإمبريالية، الثقافية منها واللغوية والفنون والآداب والعلاقات والتراتبيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المرعية إلى أسلحة أيديولوجية واستخباراتية فتاكة.

إن خطاب المركزية يواصل تشدده بإزاء وضعيات خاملة للهامش. وإن تراكم نظام المغالبة لواقع تنموي ملئ بالثغرات والنقائص سيقوض العديد من الجهود المبذولة في إطار ما تسعى إلى تحقيقه التشريعات المتراكمة، التي لن يكون آخرها ميثاق اللاتمركز الإداري، الذي يمنح لسلطة والي الجهة دورا محوريا في مجال نقل السلط من المركز إلى الإدارات في الجهات، باعتباره ممثلا للمصالح المركزية، حيث أنيطت له مهام الإشراف على كل المصالح الإدارية للوزارات.

فهل يحق بعد ذلك الترفع عن النظر في مطالب تقليص نفوذ المركزية وتغليب مصالح المواطنين المهمشين عن بدائع الفئوية والنخبوية المتعسفة؟

إن السلوك الديمقراطي والانتقال الديمقراطي لا يحجب قوة الانتظارات التي تتقصدها سنن التغيير وطفرات العصر، ففي نماذج الدول النامية ألأفريقية والآسيوية الناهضة خير مثال على نجاعة وقوة الرهانات التي تخوضها الشعوب المستقلة لأجل نهضتها وتفوقها. ومن بين تلكم الرهانات تحقيق زيادة سريعة تراكميّة ودائمة عبر فترة من الزمن في الإنتاج والخدمات نتيجة استخدام الجهود العلميّة لتنظيم الأنشطة المشتركة الحكوميّة والشعبية.

أو حسب ما جاء في تعريفها من قبل هيئة الأمم المتحدة: أنّ التنمية هي العمليات التي بمقتضاها تُوجّه الجهود لكلٍّ من الأهالي والحكومة بتحسين الأحوال الاقتصاديّة والاجتماعية والثقافية في المجتمعات المحليّة؛ لمساعدتها على الاندماج في حياة الأمم والإسهام في تقدّمها بأفضل ما يمكن.

فـــهل نـتعــظ؟!

 

د. مصــطفى غَــلْمَـان*

 

محمود محمد علينعود ونستكمل حديثنا عن مكانة دافني في تاريخ العلم، وننتقل للسبب الخامس، والذي مفاده أن كثيراً من مقولات دافنشى تتناول المنهج العلمي المناسب الصحيح، ولديه الكثير مما يقال عن العلاقة بين العقل والتجربة، وما قاله جعلنا نراه سابقاً لفرنسيس بيكون في المنهج الاستقرائي. وكأن هذه الطريقة تقترب إلى حد ما من الطريقة التي استخدمها علماء القرن السابع. من هذه المقولات والتى أوردناها سالفاً: " لا العقل وحده ولا التجربة وحدها تكفى، فالذين يفتنون بالممارسة على حساب العلم كصاحب السفينة التي يقودها بدون شراع أو بوصلة ولا يعرف من أين يذهب . من هذه الناحية نجد أن التفكير المجرد لا جدوى منه "؛ " ويقولون أن تلك المعرفة التي تنبثق من الاختبار هي معرفة آلية،وأن المعرفة التي تتولد في العقل وتنتهي إليه هي معرفة علمية . على أنه يبدو لي أن تلك العلوم التي لا تتولد من التجربة _ وهى أم كل يقين – والتي لا تنتهى فى الملاحظة – أي فى تلك العلوم التي لا تمر في منبعها أو فى سياقها المتوسط أو نهايتها بإحدى الحواس الخمس هى علوم باطلة ومليئة بالأخطاء.

غير أن دافنشى لم يشغل نفسه بتعريف المصطلحات الأساسية مثل " اليقين" و"التجربة" و" الحقيقة " و"العقل". وبالتالي أطلق الأحكام على عواهنها. من تلك الأحكام " اليقين يعتمد على التجربة " مع أن العلم كما يقول " راندال" ليس هناك يقين في عدم وجود مبادئ العلوم الرياضية، ولا عندما ينفصل الموضوع عن الرياضيات .

السبب السادس: إن إجادة دافنشى الثنائية للعلم والفن لم تكن فريدة من نوعها، فقد كانت تلك الثنائية عميقة الانتشار فى عصر النهضة باعتبارها تبدياً مزدوجاً لاهتمامها التوكيدى للعالم، رداً على الأخروية التقليدية لثقافة العصر الوسيط. ولم يكن مشهد عصر النهضة الأسبق زاخراً فقط بأمثلة على الفنانين – العلماء على نطاق محدود؛ بل إن التجوال المرن المتواتر بين الوسائط المختلفة كان هو ذاته جزءً لا يتجزأ من المثل الأعلى الشخصي لثقافة عصر النهضة ألا وهو الإنسان الشامل. وقد اقتسم دافنشى فخره البارز بمواهبه المتعددة مع كل شخصية مبدعة تقريباً فى عصر النهضة .

والأهم فى تقديري هو مواجهة السؤال الذي فرض نفسه فى البداية، ولا بد أن يفرض نفسه في النهاية؛ أعنى السؤال الذي يرتبط بأسباب تراكم النسيان على بحوث ليوناردو دافنشى العلمية بالقياس إلى بحوث جاليليو على سبيل المثال؟

أحسب أن الإجابة أصبحت الآن واضحة من حيث ارتباطها بدرجة الثورة الجذرية التى لم تصل إليها أعمال دافنشى بالقياس إلى جاليليو، حين اكتشف جاليليو قانون تذبذب قانون الأجسام وقانون الأجسام الساقطة ووضع أسس قانون القصور الذاتي، واكتشف البقع الشمسية وقوانين المد والجذر، واكتشف بعض التوابع غير المعروفة للقدماء، واخترع التلسكوب، وقضى حياته يدافع عن نظرية " كوبرنيقوس" فى دوران الأرض حول الشمس، ولقي في ذلك عنتاً شديداً أمام محاكم التفتيش .

وعلى أية حال نحن لا ننكر أن بحوث دافنشى التجريبية فيها من الايجابيات ما يذكر لها بالقطع، ولكننا إذا وضعناها تحت مجهر الابستمولوجيا المعاصرة، وخاصة ابستمولوجيا " جاستون باشلار" القائمة على فكرة القطيعة الابستمولوجية، نجد أنها لا تستطيع أن تخلف لنا الأثر الجذري الذي تركته أعمال جاليليو، ولذلك ظلت بحوثه التجريبية بعيدة عن خلق قطيعة ابستمولوجية كتلك التي أحدثها كتاب " محاورات حول النظامين الرئيسيين: البطليموسى والكوبرنيقوس، أو كتاب أبحاث وإيضاحات رياضية فيما يتعلق بعلمين جديدين ينتميان إلى الميكانيكا لجاليليو.

وخلاصة القول أن دافنشى قد أخذ من كل ملاحظات وتجارب السابقين عليه بطرف، واهتم بالرجوع إلى الطبيعة اهتماماً خاصاً، ولكنه ظل في المنطقة الهادئة من الفكر والإبداع، تلك المنطقة التي لا تعرف الحدية في رفض القديم، أو الجذرية في التجديد، فكان نموذجا للوسطية التي لا تثير العواصف ولا تهيج البراكين ولا تتحول إلى زلزال، وإنما تمضى في يسر إلى هدفها الذي يكمل مهمة غيرها .

لقد كانت اكتشافات أو تجليات دافنشى العلمية كنجمة فى تاريخ العلم الحديث لمعت فجأة واختفت؛ وذلك لأنها لم تحول مجرى التفكير العلمى في العصور الوسطى، ولم تحدث تلك النقلة الكيفية فى أدوات البحث عبر تاريخ العلم الحديث، وإن استخدم وسائل وفرضيات علمية تناسب حركة الحياة فى عصره.

ولقد أدرك "راندال" ذلك حين أراد أن يكشف عن مكانة دافنشى فى ظهور العلم الحديث، وقد خلص راندال بعد إطلاعاته واستقصاءاته فى بحوث دافنشى التجريبية، إلى أنه ما من فكرة طرحها دافنشى وتوهم بعض المفكرين والمؤرخين أنه مبتكرها، إلا وكانت معـروفة لـدى الجامعات الإيطـالية فى القرن الخامس عشر.

والأكثر من ذلك كما ذهب راندال، هو أن جماعة من الباحثين قد بينوا أن هناك فرقاً كبيراً بين نظرية الحركة التى أبرزها دافنشى في بحوثه، وبين علم الديناميكا الذى تمكن جاليليو من ترسيخه عام 1632. نعم قد تكون هناك صلة بين فكرة أو نظرية طرحها دافنشى، ونعلم الآن أنه لم يكن هو مبتكرها، وبين علم راسخ تم تأسيسه بعد قرنين من الزمان مثلاً . ولكن يجب ألا يغيب عن بالنا أن جملة التحليلات التي طرأت على الفكرة أو النظرية فى بداية أمرها وعبر مسيرتها الطويلة، قد باعدت بين الفكرة فى سابق أمرها ولاحقه، حتى ليصعب تصور علاقة بينهما .

وبذلك لم يكن راندال جائراً على دافنشى حين قال عنه أنه لم يكن عبقرياً أو عالماً، بمعنى أنه أتى بنظرية علمية أو أبتكر شيئاً لم يكن قائماً في عصره، والسبب في ذلك يرجع إلى أنه كان يهتم بقضية أو مسألة ما من غير أن يظهر ميلاً إلى تأسيس بناء منظم لمعرفة دقيقة. ولعل موهبته الفنية التى ترتكز على التفاصيل والمفردات وكل مال هو عينى وحقيقى، وهى موهبة تتجلى من خلال دقة ملاحظاته، هى التى دفعت به إلى تحليلات ودراسات تفصيلية لجوانب فرعية. وغنى عن الذكر أن الإسهاب فى تحليل جانب أو فى تفصيل الحديث فى ناحية فرعية لا يعنى الإجابة عن المشكلة التى سعينا إلى دراستها ابتداء. فالمشكلة أو الظاهرة العلمية كل معقد، ولا يتم تفسير الكل من خلال جزء أو بضعة أجزاء منه. صحيح أننا كثيرا ما نتناول الأجزاء المفردة بالدراسة والتحليل لأجل أن نصل إلى نظرية عامة. ولا ضير فى ذلك كله متى كان سعينا يؤدى بنا فى نهاية المطاف إلى تحقيق ما كنا سعينا إليه منذ البداية. ولكن لم يكن ذلك حال دافنشى على وجه الخصوص . نعم أننا نلحظ تدرج الفكر عنده من الجزئيات والخصوصيات إلى الكليات والعموميات. ولكنه لم يبلغ مراده قط، أو على الأقل لم يكن ذلك سيره في ذلك الطريق ليوصله إلى نتائج يمكننا اعتبارها علماً بالمـعنى الصحيح لكلـمة علـم.

ويستطرد "راندال" فيقول: "ولكن إذا لم تكن لدافنشى مكانة أو إسهام في ظهور العلم الحديث، باعتبار أنه لم يؤسس نظرية علمية هامة كتلك التي جاء بها جاليليو فإن الإنصاف يقتضى على الأقل أن نفرد له مكانة هامة في ظهور معرفتنا لتاريخ العالم الحديث، وذلك لكونه على حد تعبير راندال يمثل العدسة المجمعة التي عملت على استقطاب تيارات فكرية عديدة كانت متأججة في بداية عصر النهضة، وكان من فرط تأثره بما يدور حوله أن تمكن من تقديم كتاباته مصورة على أوضح ما تكون عليه صوره لجملة المذاهب والنشاطات الفكرية التى برز العلم الحديث من بين ثناياها " .

هذا هو التفسير الابستمولوجى لأسباب تراكم النسيان على بحوث دافنشي العلمية، وهو أنه لم يتخلص كلية من فكر السابقين عليه في منهجه التجريبي، وبالتالي لم يحقق التغير الجذري كما حققه العلماء اللاحقون عليه والأخص جاليليو . وبالتالي لم تبرح بحوثه العلمية أرض التاريخ الحديث للعلم لتحدث قطيعة أو ثورة على القديم كله كما فعل اكتشاف قوة البخار أو المحرك الآلي في العصر الحديث.

وثمة نقطة أخرى جديرة بالإشارة، وهى أننا إذا كنا قد عرضنا لأسباب هذا التراكم على بحوث دافنشى العلمية، من خلال النظرة الداخلية للعلم، فلابد لنا من أن نعرض لأسباب هذا التراكم من خلال النظرة الخارجية للعلم – أعنى العوامل الاجتماعية، خاصة وأن العلم كما يذكر الدكتور " فؤاد زكريا" :" ليس ظاهرة منفردة تنمو بقدرتها الذاتية وتسير بقوة دفعها الخاصة، وتخضع لمنطقها الداخلي البحت، بل إن تفاعل العلم مع المجتمع حقيقة لا ينكرها أحد، فحتى أشد مؤرخي العلم ميلاً إلى التفسير الفردي أو الداخلي لتطور لا يستطيعون أن ينكروا وجود تأثير متبادل بين العلم وبين أوضاع  المجتمع الذى ظهر فيه، حتى ليكاد يصبح القول بأن كل مجتمع ينال من العلم بقدر ما يريد .

وتاريخ العلم يقدم أمثلة كثيرة تثبت أن المجتمع حدد بقدر معقول من الدقة نوع العلم الذى يحتاج إليه، وهذا لا يتنافى على الإطلاق مع تأكيد أهمية العبقرية الفردية للعالم ودوره الأساسي فى الكشف العلمى، فلا أحد يزعم أن العالم مجرد أداة يستعين بها المجتمع لتلبية حاجاته، وأن الكشوف العلمية يمكن أن تتم على أيدي أناس ممن تتوافر لديهم عبقرية كبيرة، ما دامت تظهر فى المجتمع المناسب، بل إن هذه أحكام باطلة تبخس العالم حقه، وتصوره كما لو كان وسيلة فى أيدى قوة غيبية تتحكم فيه تحكما تاما، حتى لو كان المرء يطلق على هذه القوة الغيبية اسما يبدو فى ظاهره علميا وهو حاجة المجتمع.

وحقيقة الأمر، هى أن الكشف العلمي يحتاج إلى تضافر العاملين معا – حاجة اجتماعية وعبقرية ذهنية، وكل ما فى الأمر أنه عندما تتوافر الحاجة الاجتماعية لا يكون من الصعب ظهور العبقرية الذهنية . ذلك لأن أفراد البشرية الذين يعدون بالملايين لا يخلون فى كل عصر من عباقرة. ولكن من المهم أن يأتي العبقري فى وقته وفى أوانه، وأن يلبى حاجات عصره .

ومن المؤكد أن دافنشى كان عبقرية ظهرت فى غير أوانها ؛ أعنى فى وقت لم يكن المجتمع الإيطالى في عصره مهيأ لقبول كشوفه وبالذات التى فيها نظرة مستقبلية، فكانت النتيجة أن لمعت عبقريته فجأة، ثم انطفأت كالشهاب البارق دون أن يترك وراءه تأثيرا باقيا فيها. فها هو ذا مؤرخ الفن الإيطالى " إدموندو سلمى" يقول : " لقد بدت بحوث دافنشى العلمية غربية فى نظر مجتمعه، مما جعل يدا مجهولة لرجل من رجال القرن السادس عشر تكتب على هامش موسوعة ليوناردو دافنشى أعمال مجانين، ولم يكن " فازارى" (أحد مؤرخي الفن فى القرن السادس عشر) بعد مرور نصف قرن من الكتابة عن ليوناردو دافنشى يجد كلمة مناسبة يصف بها أعماله العلمية سوى كلمة أعمال مجانين وأمزجة وأهواء .

ويمكن أن نفسر سوء فهم الناس لبحوث دافنشى العلمية فى عصره على حد تعبير "كروا ذر" إلى أنه كان يكتب هذه البحوث بطريقة عكسية، كما تبدو الكتابة فى المرآة، لأنه كان أعسر يكتب من اليمين إلى الشمال، ويحتاج من يقرأ  بحوثه إلى تمرين، بل قد يكون من الصعب أحيانا حل شفرتها وفك رموزها حتى بمساعدة مرآه .

ولم يكن السبب فى ذلك إلى أنه كان عليه أن يخفى أفكاره عن أي شرطة دنيوية أو عن أي رقابة كنسية. فلم تكن سلطة البابوية تمتد إلى الدول – المدن الإيطالية الفخورة مثل فلورنسا أو ميلانو، حيث عاش وعمل. كذلك لم تكن الكنيسة المعاصرة ولا الحكام الإقليميون مثل لودفيكو سفورزا – دوق ميلان غير متعاطفين مع بحثه على الإطلاق. كان تكتم دافنشى خاصاً بطريقة عمل ذهنه: ففي تدوينه لملاحظاته كان يتواصل مع نفسه، ولم يرد لأي شخص أن ينظر من فوق كتفه . كانت ملاحظاته انعكاسات ذهنية مكثفة بصورة غير عادية، وكان لابد أن تنأى عن الضوء العام .

وعلاوة على ذلك كانت بحوثه غير مسلسلة، ولم تكن معدة للنشر، وكثيراً ما كان يدون آراءه فى موضوعات غير الموضوع الذى يكتب فيه، وفى نفس الصحيفة مما يربك القارئ، وهو يعتذر عن ذلك حيث ينقل عنه " كرواذر" قوله:" ستكون هذه مجموعة غير مرتبة، مكونة من صفحات كثيرة، وإني آمل أن عيد كتابتها مرتبة حسب الموضوعات التى تعالجها، وإني اعتقد قبل أن أنتهي من كتابة هذه المذكرات، أنى سأكرر الشئ الواحد عدة مرات، ولذلك أرجو ألا يلومني القارئ، لأن الموضوعات كثيرة والأفكار تأتيني، فأضطر لكتابتها والذاكرة لا تستطيع أن تعيها .

ويعلق مؤرخ العلم الشهير"كرواذر" على ذلك فيقول "يدل هذا القول على أنه كان يود أن لا يجعلها صعبة وغامضة. وكثيراً ما كان شرحه غير واضح، وكانت النتائج التي يصل إليها تأتى بمعلومات جديدة لا يجد لها اسماً" .

ومن ناحية أخرى، فقد كانت صعوبة إتمام أي بحث علمي فى عصر دافنشى أشد مما في العصور التي تلت، لأن تطور الأسلوب العلمي كان لا يزال ناقصاً، كما كانت لا توجد فى عصره جمعيات أو معامل علمية. يمكن أن تطبق أو تجرى فيها التجارب، ولم تنشأ تلك المعامل للبحوث إلا بعد إنشاء المصانع، ولو كان هناك علماء للبحوث العلمية المنتظمة الذين تعلموا النظام من المصانع لعاونوه على إتمام بحوثه، وكان في وسعه أن يعبر عن قوانين الميكانيكا بأسلوب عصري تام، لكنه لم يستطع ذلك لأن تنظيم العمل، ومن ثم الفكر لم يتقدم كثيرا فى معمل الفنان والصانع الماهر فى عصرة .

وفى دعوة دافنشى إلى تطبيق العلم الرياضي على الأبحاث الطبيعية، كان هناك عاملاً اجتماعياً واقتصادياً وراء ذلك؛  فقد كان ظهور طبقة التجار فى عصر النهضة الأوربية، وإزدهارهذه الطبقة فى المدن الأوربية على حساب طبقة النبلاء الإقطاعيين، باعثاً للحاجة إلى تطبيق الحسابات الرياضية على المعاملات النقدية التي كان يقوم بها هؤلاء التجار. ذلك لأن إدارة الأعمال التجارية تقتضى معرفة واسعة بالعد والحساب، وتحتاج من رجل الأعمال إلى نظرة تجريدية صارمة، بدونها لا يكون ناجحاً فى أعماله. وحين يشيع التعامل بالنقود ويتغلغل فى حياة الناس اليومية، ويحل محل المقايضة بالسلع، يكون معنى ذلك مزيدا من التجريد، إذ أن النقود أشبه بالرموز الرياضية، من حيث أنها لا تعنى فى ذاتها شيئاً. بل إنها تكتسب معناها كله مما يستعاض به عنها في التعامل النقدي.وهكذا اكتسبت الأعمال التجارية صبغة مجردة بفضل انتشار المعاملات المالية، واستخدام الكميات والمقادير النظرية الخالصة في حسابات التجار.

ومن خلال ذلك كان العلم في عصر دافنشى يسير فى اتجاه مماثل، حيث يرمى إلى الاهتمام بالعلاقات الرياضية بين الأشياء، لا الصفات النوعية أو الكيفية الكامنة فيها. لذلك لا نتعجب حين نجد دافنشى يدعو إلى اتخاذ الدقة الرياضية والتجريد الكامل مثلا أعلى يهدف إلى تحقيقه فى كل بحث فى الطبيعة.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

قاسم حسين صالحمداخلة هيفاء الأمين مثالا

لا يعنيني هنا المواقف السياسية والتفسيرات والتأويلات (مع او ضد) ما جاء في مداخلة النائب السيدة هيفاء الأمين في بيروت التي تحدث عنها الاعلاميون وجمهور الفيسبوك وجعلوا منها قضية اكبر من حجمها بكثير، انما دراسة سيكولوجيا الاعتذار عند العراقيين وعلاقتها بطبيعة الشخصية العراقية.. في تساؤلين: هل ان العراقيين هم اصعب خلق الله؟، وهل ان التسامح يصعب على الشخصية العراقية لعقد نفسية تتحكم بها؟.. وتساؤل ثالث له علاقة:

ما الموقف الأفضل للسيدة هيفاء الأمين: اعتذارها بقولها (خانني التعبير)، ام التوضيح والدفاع عن مضمون مداخلتها؟

تمعن في تاريخ شعوب العالم فانك لن تجد أصعب من العراقيين في علاقتهم بالسلطة او بمن يمثلها. فتاريخهم يحدثنا بأنهم أكثر الشعوب قياما بالثورات والانتفاضات.واللافت أن جوهر المسألة لا يتعلق فقط، بظلم السلطات التي حكمتهم، بل بطبيعتهم الشخصية ايضا.. ولهذا كان الخلفاء الراشدون أول الحكّام في التاريخ الاسلامي الذين فهموا سيكولوجية العراقي فكانوا يراعون العراقيين في التعامل ويأخذون اعتراضاتهم مأخذ الجد.

ومشكلة السياسي العراقي أنه مصاب بـ(تضخّم الأنا) وحب الشهرة.. بمعنى أنه يرى نفسه الأجدر والأحق بالقيادة. وما لا يدركه كثيرون انه ينجم عن هذه العلّة أمراض سلوكية أخطرها (العناد العصابي).. وتعني الأصرار على الموقف حتى لو كان خاطئا، بطريقة يبدو فيها للآخرين محيّرا، وخالقا لأزمات تحدث فوضى فكرية يختلط فيها خطأ وصواب أطراف الأزمة.. وأحداث  ما بعد 2003 تثبت ذلك.

والعراقيون عموما مصابون بعقدة الخلاف مع الآخر والبعد عن الاتفاق فيما بينهم، حتى في القضايا التي تهدد حياتهم بالخطر لدرجة أنهم ما اتفقوا على واحد من بينهم يكون ملكا عليهم فاستوردوا لهم ملكا يحكمهم.ويندر أنهم حلّوا خلافاتهم بالتفاهم فكانوا أول من قام بانقلاب عسكري في المنطقة(1936).. وأبشع من قتلوا ملوكهم ومثلّوا بجثثهم، ثم صاروا يترحمون عليهم. وأنهم ما اتفقوا حتى على عبد الكريم قاسم الذي قتلوه ولم يجدوا بجيبه ما يساوي دينارا.

وعقدة ثالثة في الشخصية العراقية انها من نوع (اما.. أو) وهذا النوع من الشخصية يضعك بين خياريين، كليهما لصالحه ويشترط مسبقا شروطا حادة تقع في اضيق الزوايا واسوأ الأماكن، ويعمد الى اغلاق الحوار ليدفعك اما الى القبول برأيه.. او أن يدبّر لك مكيدة فكرية، اجتماعية، سياسية.

لتلك الأسباب، لتلك العقد.. فأن ما حصل من ردود فعل سلبية  ضد مداخلة السيدة هيفاء الأمين كان متوقعا، سيما وانها شيوعية، وامرأة في مجتمع عشائري، وعضوة برلمان تطالب بما يتعارض مع مصالح احزاب اسلامية تنفرد بالسلطة والثروة.. وحكّام قال عنهم كبيرهم الذي  حكم العراق ثمان سنوات (ان الأحزاب الأسلامية في العراق استطاعت ان تدحر الماركسيين والعلمانيين والحداثويين وان تنتصر عليهم).. مع انه رئيس وزراء ينبغي ان يكون ممثلا لكل العراقيين.

وجوابا على التساؤل: (ما الموقف الأفضل للسيدة هيفاء الأمين:اعتذارها بقولها "خانني التعبير"، ام التوضيح والدفاع عن مضمون مداخلتها؟).

ان الشخصية العراقية تعتبر التسامح هوانا، تساهلا،  ضعفا، استجداءا،  او خوفا، وليس كما يفهمه المتنورون  بأنه  فضيلة، ولا كما تفهمه الأديان والثقافات التي نبّه لها معهد جنيف لحقوق الانسان بان التسامح "قيمة ما خلا منها مذهب او معتقد او دين او ثقافة"، فيما قدّم عراق ما بعد التغيير (انموجا) للمتطرف طائفيا انه يتصيد هفوات وزلات لسان الخصوم فيستثمرها لشن الهجوم ولن يغفرها حتى لو ركع متوسلا.

وكان على السيدة هيفاء ان لا تعتذر بطريقة (خانني التعبير) التي ارادت بها استرضاء هذا الصنف من الخصوم، بل ان توضح بأن تخلّف الجنوب هو حقيقة واقعة من حيث انعدام الخدمات وارتفاع البطالة وزيادة نسبة الفقر، توثقها باحصاءات الجهاز المركزي للأحصاء، وتستشهد بشركات استثمار جاءت للبصرة وأرغمتها العشائر على دفع فصل عشائري، لتعلن ان سبب هذا التخلف هو احزاب الاسلام السياسي التي انفردت بالسلطة والثروة وما جلبت للعراقيين غير الفواجع وخراب وطن يمتلك من الثروات ما يجعل اهله يعيشون برفاهية.. وتستعين بقول المرجعية الذي جاء على لسان الشيخ عبد المهدي الكربلائي (ان انشغال الطبقة السياسية بالنزاعات والتجاذبات والأختلافات على المواقع والمناصب، ادخل البلد في دوامة من عدم الاستقرار والتخلف عن بقية الشعوب.. ).. وبهذا فانها تنقل الخصم من موقف الهجوم الى موقف الدفاع، وتنقل جماهيره، والأخرى المتفرجة، من حالة الشحن الانفعالي (الطائفي) الى حالة التفكير بما حصل له ولأهله والوطن من فواجع وخراب.

ختاما.. نصيحة لكل العراقيين حين يتحدثون للغرباء، ان لا تسيئوا لشعبكم، وتذكّروا ان بلاد ما بين النهرين (ميسوبوتاميا) فيها نشأت حضارات سومر وأكد وبابل وآشور وكلدان، وكان متوقعا للعراق ان يخرج في العام 1989من خانة الدول النامية الى خانة الدول المتقدمة لولا حماقة حاكم ادخله في حرب كارثية، وأنه بما يملك من ثروة وعقول تحتل الآن مواقع متقدمة في مؤسسات وجامعات العالم، ان يستعيد دوره الحضاري لولا ان جاء التغيير(2003) بحكّام اعتبروا العراق غنيمة لهم فتقاسموه وجاءوا بجهلة جعلوا بغداده اسوأ عاصمة للعيش، ووطن الأنبياء والأئمة ثالث افسد دولة في العالم.

ونصيحة خاصة لكوادر الحزب الشيوعي العراقي والعلمانيين عموما، ان ابتعدوا عن الارتجال بالكلام في الاعلام، وأجيدوا حسن اختيار مفرداتكم لاسيما في القضايا الحساسة اجتماعيا وسياسيا، والتصرف بما لا يمكّن خصوم خبثاء من توظيفها جماهيريا لصالحهم. فلقد بلغني ان السيدة الأمين (تجاوزت على مديرات المدارس بسبب لبس الحجاب ووصفتهن بالملايات وتابعات للاحزاب),وأنها قامت (بتصرفات تدل على عدم وعيها ونضجها السياسي.. وكلام غير رصين فيه اساءة للقيم والطقوس الدينية).. فان صدق هذا فان على الحزب الشيوعي العراقي ان يعالج الموقف بشجاعة مبدئية يجّنبه ما تدبره عقول مأزومة تجيد فن التحريض على العنف بخباثة.. ومن يدري فان ما حصل ضد هيفاء الأمين سيخلق منها رمزا نسويا للشجاعة وانموذجا للمرأة العراقية البطلة!

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

محمود محمد عليكان ليوناردو دافنشي أعجوبة عصره ومتقدماً فى فنه عن معاصريه بمراحل كبيرة، فكان مهندساً ومخترعاً للآلات الحربية وبارعاً بعلوم التشريح والطبيعة والموسيقي. بالإضافة إلى أنه كان مثالاً ومصوراً ومهندساً؛ كما كان واحداً من أعظم فناني عصر النهضة الذين اهتموا بحدود المنهج التجريبي، وبقيمة التجربة باعتبارها سبيلاً لا بديل عنه لإدراك حقائق العالم الطبيعي، ومراعاته لضرورة استعمال الرياضيات في البحث في الطبيعة، الشئ الذي أغفله فرنسيس بيكون الإنجليزي، ثم محاولته الوصول إلى نتائج هامة حول مركز الثقل والروافع والقوة والحركة وبعض قوانين الجاذبية، ثم تشريحاته القيمة حول جسم الإنسان .

وهنا نجد أستاذنا الدكتور "زكى نجيب محمود" يقول عنه: " لا أحسب أحد فى تاريخ الفكر كله يلخص عصره تلخيصاً جامعاً مانعاً بقدر ما لخص ليوناردو دافنشى عصره !. وأي عصر !. إنه عصر النهضة الأوربية التي انبعثت فبها الحياة انبعاثا، أوشك ألا يترك نحواً من أنحاء الأرض ولا رجا من أرجاء السماء إلا أرتاده . ولعلك قد سمعت به مصوراً فناناً، فهو صاحب "العشاء الأخير" – صورة رائعة رسمها في أحد أديرة ميلان أثناء مقامه بتلك المدينة فناناً رسمياً لقصر الأمير لودوفيكو سفورتزا، وهو صاحب " الجيوكندا " الموجودة الآن في متحف اللوفر بباريس رسمها وهو في فلورنسا إبان عهد قيصر سيزار بورجيا. ثم لعلك قد سمعت به مهندساً في قوى الماء، وفي ابتكار الآلات لشتى المناسبات. وقد تكون سمعت به أيضاً عالماً في الجيولوجيا والنبات. ولكن القصة التي تروي لك شيئاً من تفصيلات حياته تلك التي كانت كأنها مائة حياة لمائة عظيم اجتمعت كلها في رجل واحد. ستثير فيك العجب ما لا يثيره إلا قلة قليلة من أحداث التاريخ ورجاله

والسؤال الآن : إذا كان ليوناردو دافنشي بهذا الشكل، فلماذا أغفل الباحثون والمؤرخون مكانته في تاريخ العلم الحديث؟.

أتصور أن بداية الإجابة ترتبط بمدى التغير الجذري الذي يمارس به العالم دوره في الحياة العلمية في عصره، ومدى الأثر العميق الذي يحدثه فى مجرى الحياة العلمية التي ينتسب إليها، من حيث قدرته على خلخلة الثوابت الجامدة، وزعزعت الأفكار السائدة، وتأسيس نوع من الانقطاع الابستمولوجى بين المعارف القديمة من جانب، والمعارف الجديدة من جانب آخر، مستهلاً الجديد الجذري الذي يطرح سؤال المستقبل بقوة على العلم، نفياً لتقاليد الأتباع وتأسيساً لقيم الابتداع.

وتتجسد فى حضور هذا النوع من العلماء نقاط التحول الحاسمة في تاريخ العلم، حيث " لا توجد استمرارية فى المناهج المستخدمة في العلم، بقدر ما توجد قطائع واستحداثات لا تنتهى" .

هذا النوع من العلماء يهب على مجتمعه بما يشبه العاصفة الجائحة التى تتغلل فى كل الأركان، فلا تبقى شيئاً على حاله الذى كان عليه، حتى فى دائرة القوى والتيارات المناقضة والمناوئة للتحول والتغير. فحدة العاصفة التجديدية التى تندفع بها رؤية هذا العالم لا تقل عن الاتساع الممتد لتجلياتها والأثر العميق لمتولياتها والتغلغل الناتج لنوافذها، خصوصاً إذا كانت اللحظة التاريخية مهيأة للتغير الجذري، دافعة إليه ومتجسدة فى الرؤية الشاملة للعالم ومـتحققة بها فى الوقت نفسه .

عندئذ يكون الأثر التجديدى لإنجاز هذا العالم شبيها بالزلزال، الذي يحدث تأثيراً جذرياَ فى صميم بنية العلم السائدة، وتكون حدة الاستجابات المتعارضة لهذا الإنجاز التجديدى في تتابعه المتصل أو تصاعده المستمر متوازية مع عمق الأثر الذى يتركه في مجالات كثيرة، تصل بين دوائر عديدة تشمل المجتمع بأسره .

وبقدر عمق الأثر الذي يحدثه هذا الإنجاز من حيث جذريته ونفاذ تأثيره إلى صميم الأنساق والأنظمة والعلاقات في بنية العلم السائدة، يظل هذا العالم حياً في الذاكرة العامة، باقياً كالعنصر المستفز للوعي، مثيراً للأسئلة التي لا يتوقف ما يتولد عنها من أسئلة على امتداد العقود، والتي لا تكف عن وضع هذا العالم موضع المسألة بالقدر الذي لا تكف به عن إعادة قراءة إنجازاته وتأويلها، أو تفسيرها بما يتيح نوعاً جديداً من الأجوبة التى لم تخطر ببال أحد .

وقد كان "جاليليو" على سبيل المثال واحدا ً من هؤلاء العلماء ذوى الحضور العاصف الذي أقام الدنيا ولم يقعدها مرات ومرات، وذلك حين أكد مادية الأجرام السماوية، وقضى على تصور تقسيم الكون إلى العالم الروحاني العلوي والعالم السفلى المادي الفاسد. بل وخرج بنظرية كوبرنيقوس من حيز الرياضيات إلى حيز الوجود الطبيعي، بعد أن ثبتها تجريبياً من خلال تلسكوبه الفلكي الذي اكتشف به عدداً من النجوم وهضاب القمر ووديانه.

كما أهتم جاليليو بالبحث عن العلاقات التى تربط بين الظواهر وترك جانباً البحث عن المبادئ والأسباب الميتافيزيقية التى استحوذت على الفكر القديم، وبذلك أحدث قطيعة معرفية بين الفكر القديم والفكر الجديد، قطيعة لم يعد من الممكن بعدها العودة إلى أساليب التفكير القديمة والتصورات الأرسطية والوسطوية التي كانت تشكل أساس العلم والمعرفة؛ لذلك ظلت اطروحات جاليليو أكثر جذرية وحدية من اطروحات غيره، كما ظلت أعمق تأثيرا وأكثر قدرة على الإثارة.

ولأن هذه الأطروحات شغلت بأسئلة المستقبل، وطرحت على نفسها أسئلة العهد الجديد التى استبدلتها بأسئلة العهد القديم، فإنها ظلت عنصرا تأسيسياً من عناصر العهد الآتي والمقبل الذى هو صيرورة دائمة من التحول، كما ظل محل رعاية من الأزمنة اللاحقة التى تطلعت إليها هذه الأطروحات، تطلع الاستشراف والترقب والإرهاص والبشارة والتحذير فى آن واحد، وذلك هو السر فى تعدد الاستجابات اللاحقة إلى إنجازات " جاليليو " سواء فى تباينها أو تعارضها أو تصارعها الذي يكشف عن عمق الإشكاليات التي تنطوي عليها الاطروحات أو تثيرها.

وهذا هو السبب الذي جعل معظم مؤرخى العلم يربطون اسم جاليليو بأحداث هامة فى تاريخ العلم الحديث، فنرى اسمه، يرتبط بولادة العلم الحديث، والثورة الكوبرنيقية، والإطاحة ببعض النظريات الأرسطية التى طغت على العلم قرونا طويلة، ونرى جاليليو يرتبط اسمه كذلك بمبدأ الكفاح ضد أى سلطة تقف فى وجه العلم ومسيرته .

وقد كان ليوناردو دافنشى مثل جاليليو، متمرداً على القديم الجامد الذي يفرض منطق الأتباع، بدليل أن بحوثه العلمية تؤكد أنه كان يبحث فى مشكلات وقضايا علمية أظهرت نتائج خاطئة فى الوقت الذي تكشف فيه تلك البحوث أنه بحث منذ سنوات خلت فى المسائل ذاتها ووصل إلى نتائج صائبة بشأنها، بدليل أن دافنشى شمل بفكره الخصب معظم الفنون الهندسية المعروفة في عصره، وتعرض بالدراسة والتطبيق والابتكارات لمعدات شتى لم نحاول أن نحصيها عداً، أو أن نقدم لها حصراً ولا يكاد يخلو جانب من جوانب الهندسية والميكانيكا والفيزياء وعلوم التشريح…الخ من آثار فكره وعلمه.

وأكثر من ذلك أكد دافنشى على أكد على أهمية الملاحظة والتجربة في كشف آيات الطبيـعة والوقوف على أسرارها قبل فرنسيس بيكون، كما نصح العلماء في بحوثهم إلى ضرورة تدوين ملاحظاتهم والقيام بتجاربهم، ونادى بأن التأمل النظري أمر عقيم لا يليق بالإنسان، وحث على التروي في الملاحظة والتأني في التجربة، وحذر من التسرع في التعميم واستنباط القوانين.

كما أكد على أهمية استعمال الرياضيات فى البحث فى الطبيعة، الشئ الذي أغفله " فرنسيس بيكون"، فهو يرى أن طريق المعرفة الصحيحة يجب أن يكون طريقاً رياضياً.

وقد حاول دافنشى أن يطبق أسلوبه التجريبي فى الوصول إلى نتائج هامة حول مركز الثقل والروافع والقوة والمقاومة والقصور الذاتي فى السكون والحركة وبعض قوانين الجاذبية، وبعض قوانين الاحتكاك وبعض قوانين الصلابة…الخ.

كما استطاع أن يتنبأ بإمكان الوصول إلى اختراع سفن وغواصات تسير بآلات دون حاجة إلى مجداف أو شراع، وطائرات يحرك الإنسان أجنحتها كما يفعل الطير، ومفرقعات ملتهبة تبيد الجيوش، وروافع ضخمة لرفع الأثقال، وعقاقير سامة تبيد الحشرات والهوام …إلى غير ذلك من الاختراعات التي توصل إليها الإنسان فعلاً فيما بعد، والتي تثبت أن دافنشى رسم للعالم الحديث الطريق الذي سار فيه.

وليس من الضروري أن أقوم بتعديد بقية إنجازات دافنشى فى علم الطبيعة، كما أنني لست فى حاجة أيضا إلى تأكيد تعدد أدواره فى بحوثه العلمية فى العلوم الأخرى، فكل ذلك تأكيداً للأثر الجذري الذي يصله بأبناء جيله.

ومع ذلك فإن تقييم عبقرية دافنشى أصعب بكثير من تقييم عبقرية جاليليو، ولعل مرد ذلك يرجع إلى عدة أسباب من أهمها على سبيل المثال لا الحصر:

السبب الأول: ليس فى مذكرات دافنشى علماً جديداً، بل كانت تلك المذكرات تعكس أفكارا علمية كانت شائعة فى المدارس العلمية المنظمة فى إيطاليا فى عصره. فحال الرجل هنا ليس حال عالم يبتكر جديداً، بل على حد تعبير راندال تعكس ما كان قائماً بالفعل، وما تواتر على ألسنة العلماء فى عصره أو دار فى أذهانهم. وما مرد الدهشة العظيمة التى حيرت الباحثين حين طبعت مذكرات دافنشى لأول مرة سنة 1881م، إلا جهلهم بما كان عليه العصر الذى عاش فيه العالم الفنان.

لذلك يؤكد بعض المؤرخين بأن مذكرات دافنشى لم تكن مبتكرة، إذ كان واسع الإطلاع، فقد قرأ ما قاله " ألبرت السكسوني" فى الجاذبية و" جوردانس" فى الروافع و" روجرز بيكون " فى الهندسة الحربية، كما قرأ " فتروفيس" وسعى للحصول على ترجمة " أجير وبولس" العالم الإغريقي، وبكتب " " ألبرت " المهندس المعماري العظيم الذي أدخل تحسينات على الغرفة المظلمة فى التصوير، وقاس عمق البحار واخترع لقياس الرطوبة، وحسن طريقة إنقاذ السفن من الغرق، وزامل "برامانت" المهندس المعماري، وكان صديق " ديلاتور" أستاذ التشريح فى "بافيا"، وقرأ مؤلفات "ابن سينا" و"ابن الهيثم"، وكان على علم بالبحوث التى أجريت فى العصور الوسطي والعصر الأغريقى .

ونفس الشئ يقال على بحوثه التشريحية، فقد ذهب بعض المؤرخين والباحثين   إلى أن تطور علم التشريح لم يكن ليتوقف أو تتأخر مسيرته لو أن دافنشى لم يكن حياً أو لم تكن له إسهامات فى مجال التشريح.؟ ؛ وذهب مؤرخون آخرون إلى القول بأن تأثير دافنشى فى التشريح يكاد لا يذكر.

السبب الثانى: أن دافنشى كان مهتماً على الدوام بكافة القضايا العلمية وشغفه بها يزداد على مر الزمن، ولقد أدى ولعه بقضايا العلم على هذا النحو إلى الانشغال عن بعض أعماله الهامة، فكان أن خلف وراءه تحفاً لم تكتمل. لقد كان عقله كما يذكر راندال خصباً، انشغل بما يزيد عما يلزمه، وقاده عقله الذي يشبه عقل " ليبنتز " إلى أن يتحرك في اتجاه جديد قبل أن ينتهي من مشروع أو فكرة، بل قبل أن يتم بداية المشروع أو الفكرة، ولقد كان لهذا أثره فى أن يصبح أستاذ الأفكار الناقصة والمشروعات غير المكتملة.

لاشك فى أن حب دافنشى للعلم التجريبي وحماسته له لا يحتاجان إلى جدل، فمن المؤكد أن أنشطته تدل على أنه رجل علم، وكذلك فنان . ولكن هل من الممكن كما يقول " جورج سارتون":" أن ننسب إليه اكتشافاً علمياً واحداً، باستثناء تلك التى تحتوى عليه رسوماته ضمناً. فلكي ينسب للمرء اكتشاف علمي لا يكفى أن يقوم به، بل يجب عليه أن يفسره، وأن يثبت بوضوح شديد أنه على استعداد لذلك، ويجب أن يكون مستعدا للدفاع عنه؛ بل إن الاكتشاف لا يتم ولا يكتمل إلا إذا تم تنفيذه وأصبح واقعة حقيقية. أما أن فكرة تراود عقل الإنسان، فهي كبذرة النبات لا تكون كافية، إلا إذا أخرجت لنا ثماراً، ولقد كانت أفكار دافنشى العلمية مثل البذور التى عجزت عن النضج وظلت مدفونة فى ملحوظاته ورسوماته. وربما كان عدم النضج راجعاً جزئياً إلى نقص تعليمه الأدبي، والذي لم تكن عبقريته العلمية قادرة على تعويضه أبداً .

السبب الثالث: حتى لو كان دافنشى يملك بالفعل أفكاراً علمية مبتكرة ونظريات أصيلة، فإنه يظل فى ذلك بعيداً عن احتلال مرتبة هامة جداً فى تاريخ العلم الحديث . ولعل السبب فى ذلك كما يذكر معظم المؤرخين هو أن مذكراته لم تنشر بعد وفاته إلا فى أواخر من القرن التاسع عشر، وبالأخص فى سنة 1881، تحت عنوان " قوانين باريس"، ثم فى سنة 1894م تحت عنوان " الكوديك أتلانتيكو" ( قوانين باريس)، وبالتالي فقد ظلت أفكاره غير معروف . وظل هو نفسه مجهولاً بخطئه، لأنه لم يفعل أى شيء لنشر اكتشافاته. الأمر الذى أدى بكثير من الناس إلى أن يسرقوا مذكراته وينسبوا ما فيها لا نفسهم دون أن يشيروا إليه، حيث يقول " كرواذر" :" إن البحث التاريخي أثبت حديثا أن مذكرات دافنشى قرأها بعض الناس ونسبوا ما فيها لأنفسهم دون أن يشيروا إليه، ومن أشهرهم " جيروم كار دان"، ويرجع الفضل فى رسالة كاستلى فى علم السوائل المتحركة، والتى نشرت فى عام 1621 إلى بحوث دافنشى، وأخذ " فيلابوند بحثه فى مركز الجاذبية،و "بالدى " بحثه فى مركز الضغط من مذكرات دافنشى . ولقد أدت هذه البحوث إلى نظرية مراكز التذبذب لـ" هوجينز"، ودخل كثير من مكتشفاته واخترعاته فى الميكانيكا فى بداية القرن السابع عشر دون أن يذكر له اسم .

السبب الرابع: إن العلم ليس مجرد الميل إلى إجراء التجارب، كما ذهب دافنشى فى رده على منتقديه الذين لا موه على إفراطه فى تجريبيته. لقد كان دافنشى ينعى عليهم أنهم لا يعولون عليها فى كتاباتهم، مع العلم بأنها أولى بالذكر من أي شئ آخر. فذكر تجربة مثلاً أولى وأهم من ذكر كتاب شهير، والاستشهاد بنتائج التجربة أهم من الاستشهاد بالكتب وما ورد فيها. إن العلم لا يتحقق من مجرد رفض أقوال السابقين وطرح أفكارهم جانباً على نحو ما يؤكد دافنشى، الذي لم يكن فى ذلك يمثل أى عبقرية أو ابتكار، بقدر ما كان فى ذلك مقلداً لأفكار السابقين. لقد كان دافنشى بالفعل متأثراً فى كل ذلك بكتابات بعض المفكرين الذين ظهروا فى أواخر العصر الوسيط فى القرنين الرابع عشر والخامس عشر، وهم كما يقول راندال جماعة المفكرين الذين أولوا العمل الذهني ورفعوا مكانته فوق مكانة التقليد والحفظ عن الأولين. ولكن مجرد التأثر بكتابات تلك الجماعة طارحين جانباً أن هذه في ذاتها حجة يمكن أن تساق ضد دافنشى نفسه، فلا تجعل منه عالماً ولا تشكل كتاباته فى إطار المنهج العلمي علما بالضرورة. ومن هنا فإن احتجاجات دافنشى ورفضه لفكر السلف ونظرياتهم كانت عظيمة، ولكنها فى حد ذاتها لا تشكل علماً، ولا يمكن تأسيس علم من خلال ملاحظات متناقضة مهما بلغ وصفها وذكر تفاصيلها. فالعلم فوق كل الاعتبارات السالفة، ليس ضربا من الحدس ينتاب فرداً عبقرياً بين حين وآخر إبان خلوه إلى نفسه، على الرغم من أن الحدس يشكل أحياناً عاملاً مهماً وخطوة واحدة نحو تأسيس نظرية علمية صحيحة. العلم فوق كل شئ جهد مشترك وحصيلة أبحاث عديدة لجماعة تسعى إلى تحقيق هدف واحد على نحو الجهود المشتركة التى استمرت حتى العصر الذى ظهر فيه جاليليو، وهذه الجهود كان لها دور عظيم فى ظهور العلم الحديث. وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

رائد عبيساختلف التفكير السياسي في مفهوم الدولة وشكلها ونموذجها، منذ بداية الوعي البشرية بضرورتها، فكانت البشرية ميالة للحكم، والاجتماع تحت عنوان الحاكم، أو القائد، أو الأمير، او الزعيم، اي من هذه المسميات التي بحثت الناس عنها، لتكون رمز لها، ومصدر للطاعة، فجربت المجتمعات منذ القدم نماذج الحكم، الامبراطوري، الملكي، الجمهوري، الديني واللاديني، وبقيت تحلم الى اليوم، بنظام حكم ينتهي بهم إلى العدل والسلام، وبدولة موعودة يقودها مخلص ومنفذ للبشرية، وان كانت هذه فكرة عامة، الا أننا نقتصر الحديث فيها على الوضع في العالم الإسلامي، إذ ورد في ادبياتها بكونها أمة موعودة بدولة العدل، وهي ما أسميت (بالدولة الكريمة) أي دولة العدل التام، والنموذج الالهي في أرضه، بقيت هذه الفكرة اليوتوبية تغذي وعي الأجيال المسلمة، لا سيما عند الشيعة، بحلم كمال مفهوم الدولة، لذلك بقيت كل المجتمعات المسلمة الشيعية، وعلى مر العصور غير قابلة باي حكومة، وغير راضية عن نموذج اي دولة، وان كان هذا الكلام قريب من الفكر الشيعي، لان الحكم في مفهوم الفرق الدينية الأخرى مختلف، والذي ينطلق من قبول أي نمط خلافة، وحكم ما دام يمثل رمزية أمة، بانطلاقة من الأدبيات المعدة لذلك، والقائلة بوجوب طاعة الحاكم عادل كان أم ظالم، وهذا المبدأ بعيد عن يوتوبيا الكمال المنشود في مفهوم (الدولة الكريمة) وهذا يعني أن مفهوم الدولة الكريمة، غير متفق عليه عند جمهور المسلمين، وادبياتهم السياسية، فهناك تفاوت في القناعات، والمدارك لمفهوم الدولة، تبعاً لطبيعة عقيدة الفرد، ما دام مفهوم الدولة الكريمة يأخذ صبغة عقائدية، ودينية، اكثر من بعد آخر، يبقى في جدال كبير ويأخذ مديات من الاشكلة، ولفك هذا الجدال، وحتى نقدم براهين واقعية، عن ضرورة توحيد الرؤى والأفكار والاعتقدات، اتجاه أهمية الفهم المشترك، لمعنى الدولة الكريمة، يجب علينا أن نوضح نقيضتها، ومعالمها، وشكلها، حتى نحسن المقارنة بينهما، ونقيض الكرم هو اللؤم، فالدولة الكريمة تقابلها بالضرورة دولة لئيمة، وبما أن الدولة الكريمة، هي حلم الأجيال المسلمة والمؤمنة الموعودة بها، منذ بدايات الإسلام، وهذا الوعد يعني أنها لم تكن متحققة ابدا، وكل ما كان هو محاكاة لنموذجها للابتعاد عن نقيضتها، تبعا لكرم قائدها ونبله. سؤال، هل حكوماتنا الإسلامية أو الحكومات الحاكمة للمجتمعات الإسلامية هي حكومات كريمة؟ هل بها يتحقق مصداق الدولة الكريمة؟ نرى أن تاريخ الظلم يُجيب عن هذا السؤال، وان أمنية عز الاسلام بها لم تتحقق بعد، وهذا يعني أنها دولة، ودول، وحكومة وحكومات لئيمة، ولوئمها متأتي من لوئم حاكميها وافكارهم، وتاريخهم الذين يرتكنون إليه، و لوئم بداوتهم وقبليتهم، وجهلهم، والواقع الشعوب المسلمة أبتليت بهكذا حكام، منذ عصر الخلافة الراشدة والى اليوم، فتوصيف الدولة اللئيمة، متحقق في كل أشكال الحكم لبلاد المسلمين، سواء كان جمهوري، ملكي، بقي أمر يجب أن تعيه كل المجتمعات المسلمة، وهو أن الدولة اللئيمة لا تمثل سوى المجتمعات اللئيمة، وان كان لدينا شعور بكرامتنا لنزعنا صوب الكريم، رفضا للظلم والجور والإرهاب التي تمارسه الدولة اللئيمة على مواطنيها ورعاياها، و الشعوب الواعية الثائرة المناضلة، بشكل دائم من أجل حريتها، وعيشها الرغيد، هي شعوب كريمة أدركت لوئم الدولة، وحكوماتها في إدراة بلدها، فالنفوس الكريمة، تأبى اللوئم وأهله، وترفض حكمهم وإدارتهم للشؤون العامة.فدعائنا القائل الوارد عن علي بن ابي طالب (اللهم انا نرغب اليك بدولة كريمة) لا يعني اننا نكتفي بالدعاء دون العمل، والحراك، والثورة بوجه الظلم واللوئم، فالرغبة يجب أن تقترن بالعمل، فالطموح بالعزة يحتاج إلى عزة النفس، وعزة المؤمنين، وعزة الدولة، وعزة الاسلام، وهو غاية كل عزة في دعاء طلب العزة، فالعزة لا تأتي من اللوئم، ولا من أتباعه، ولا يتحقق من مشروعهم في إدراة شؤون الدولة، فلا دولة كريمة مع نفوس لئيمة، ولا نفوس لئيمة، تتمكن من تمهيد دولة الكرم، وما تعز بكرمها، فهما مشروعان، متناقضان متصارعان، لا يستقيم أمر دولة وبلد ومجتمع، مع هذا الصراع الذي لا يمكن أن نتغلب عليه، ونحن نناقض أنفسنا بين الرغبة بالخير وبين العمل بلوئم. فنموذج الاسلام السياسي في العراق، هو على هذه الشاكلة من التناقض الذي يرفضه الضمير. والواقع والقيم، فبين الدعاء والرغبة بالدولة الكريمة، والذي هم يعلمون أنها لن تتحقق إلا على يد المهدي المنتظر، وبين العمل بأخلاق الدولة اللئيمة، بون شاسع من الازدواجية والتناقض، والكذب، والزيف الذي لا يستقيم معها اي مشروع، يحمل اسم الإسلام الذي اتخذه بعض الأطراف قناع يمر به على مجاميع السذج من الناس. وللحديث تتمة......

 

دكتور رائد عبيس

 

مقدمة: يعتبر علم الاجتماع السياسي، علم حديث حيث لم يدرس كعلم مستقل وكمادة مستقلة إلا منذ الستينات، ويعتقد الأستاذ إبراهيم أبراش أن بروز علم الاجتماع السياسي جاء نظرا للأزمة الحقيقية التي تكمن في تزايد القناعة لدى علماء السياسة بصعوبة فهم الظواهر السياسية والإحاطة بأولوياتها دون الرجوع إلى البنى الاجتماعية التي تتفاعل فيها ومعها هذه الظواهر، فكان لزاما على علماء السياسة العودة مجددا إلى المجتمع والبحث عن أولويات (السياسي) في (الاجتماعي)، ودراسة الظواهر السياسية ضمن أبعادها الاجتماعية. ويمكن تعريف علم الاجتماع السياسي :"أنه العلم الذي يدرس الظواهر السياسية ليس اعتمادا على مقولات نظرية مسبقة وليس انطلاقا من التمظهرات القانونية والمؤسساتية بل يدرسها انطلاقا من إطارها الاجتماعي الذي انبثقت منه وتتصدى لمواجهته تطويرا وتغييرا، وانطلاقا من علاقات القوة التي تحكم الفئات الاجتماعية في سعيها نحو السلطة حفاظا عليها أو وصولا لها أو تحررا من سطوتها"([1]). فعلم الاجتماع السياسي مجالات اهتمامه هي النظم والنخب السياسية، البيروقراطية، العنف الاجتماعي والأحزاب. أما علم السياسة فأصبح ينحو ليصبح العلم الذي يهتم بعلاقات القوة داخل المجتمع وبالسلطة السياسية وعلاقتها بالمجتمع، حيث لا يمكن أن تكون سياسة دون مجتمع، فقد اعتبر بعض علماء السياسة ان علم الاجتماع السياسي جزء من تخصصهم وفرع من علمهم، كما أن "موريس دوفرجيه" يرى أن لا تعارض بين علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي، فالتعبيران مترادفان في نظره([2]). أما تحليل السياسات العمومية فهي معرفة ماذا تفعل الحكومة، ولماذا تفعل ذلك؟ وما هي الفروق والتغيرات التي تحدثها أفعالها؟، أما ويليام دان فهو يحدد سمتين هامتين في تحليل السياسة العمومية، يتمثل في المدخل المتحدد وفي الميل نحو الرشادة في القرار، كما أن تحليل السياسات العمومية يسمح بالولوج في حقل السياسة العامة ولوجا نقديا وموضوعيا، في جميع مراحلها (قبلية ومواكبة وبعدية)([3]). فتحليل السياسات العمومية من الوجهة الاجتماعية تتطلب الإحاطة بالصراعات والتحالفات، بالقيم والثقافة السائدة وبأصحاب النفوذ والقوة داخل المجتمع.

وأهمية الموضوع تتجلى في الكشف عن دور علم الاجتماع السياسي في صنع وتقييم السياسات العمومية. لهذا نطرح الإشكالية التالية: إلى أي حد استطاع علم الاجتماع السياسي من تحليل السياسات العمومية بموضوعية وشمولية؟ لهذا ارتأينا في هذه الورقة البحثية إلى تقسيم الموضوع إلى قسمين: علم الاجتماع ودوره في صنع السياسات العمومية، وسوسيولوجيا تقويم السياسات العامة والحدود التي تواجهها مستعينا بالمنهج الوصفي التحليلي.

علم الاجتماع السياسي وصنع السياسات العمومية

يهتم علم الاجتماع السياسي بدراسة قضايا ومشكلات التنمية السياسية، باعتبارها جزءا هاما من التنمية الشاملة، من ذلك فإنه يدرس الثقافة السياسية، والتنشئة السياسية، ومدى مشاركة المواطنين في العمليات السياسية، ومن صنع وتنفيذ القرار السياسي([4]).

ومنه فإن سوسيولوجيا صنع السياسات العمومية، تتمركز حول النقطتين التاليتين:

الأول: دور الثقافة السياسية

يقصد بالثقافة السياسية بصورة عامة، الجوانب السياسية للثقافة، معتبرين أنها تشكل هي نفسها مجموعة منتظمة، ويرى دوفرجيه أن هناك ثلاث أنواع من الثقافات السياسية، فنجد الثقافة السياسية رعائية، وثقافة الخضوع وثقافة المشاركة.

وعلى الصعيد الوطني ليست الثقافة السياسية من النمط الرعائي سوى تجميع للثقافات السياسية المحلية المستندة إلى القرية والعشيرة والعرف والدين الأمر الذي يعني عدم وجود ثقافة سياسية بالمعنى الصحيح للكلمة، خاصة في الدول التي تضم جماعات غير متجانسة.

أما ثقافة الخضوع والثقافة المشاركة فهما على العكس شكلان للثقافة وطنية حقة. ففي ثقافة الخضوع يعرف الأفراد أعضاء النظام، إلا أنهم يبقون خارجه، فهم ينتظرون منه الخدمات أو يخافون من التجاوزات، لكن دون أن يعتقدوا بإمكانية تغيير النظام، فكلما سادت هذه الثقافة وإلا قلت مشاركة المواطنين في صنع السياسة العمومية، أما الثقافة المشاركة فعلى العكس يعتقد المواطنون بقدرتهم على تحويل مسار النظام بوسائل متعددة كالانتخابات، المظاهرات، العرائض فصنع السياسة العمومية في إطار هذه الثقافة السياسية يكون كبيرا، خصوصا داخل بنية ديمقراطية، تعتبر المشاركة عنصر جوهري للمواطنية([5]).

الثاني: دور النخب

لقد كانت نظريات النخبة من أولى النظريات التي ظهرت في علم الاجتماع السياسي، حيث ظهرت دراسات تهتم بتشكيل جماعات النخبة على النطاق الوطني، وأخرى على النطاق المحلي وثالثة تهتم بمقارنة طبيعة الصفوة في مجتمعات مختلفة([6]).

ويعتبر "باريتو" أول من بدأ بالتنظيم للتنشئة وتوظيفها في الدراسات السياسية، وقد تأثرت مقاربته لنظرية النخبة بعاملين: أولا خليفته كعالم اجتماع، وثانيا غلبت التحليلات النفسية  ويرى  أن كل المجتمعات تنقسم إلى نخبة وعامة الناس، وتسعى النخبة لتوظيف تفوقها لممارسة التسيد على اللانخبة وقيادتها وفي سعيها هذا يصل جزء منها للحكم([7])، ومن هذه الزاوية فإن النخبة التي تتميز بالتفوق هي التي تصنع السياسة العمومية وتفرضها على عامة الشعب.

أما "موسكا" فينطلق من حقائق يؤكدها الواقع والشواهد التاريخية، وهي أنه في كل المجتمعات السياسية كانت دوما ما قلة تحكم وأكثرية تخضع للحكم، وهي ظاهرة تشمل جميع المجتمعات ويرجع تفوق الطبقة الحاكمة على المحكومة إلى قلة عددها وتنظيمها الدقيق في مقابل كثرة الثانية وعدم تنظيمها، ويرى موسكا أنه كلما كبر المجتمع السياسي قلت نسبة الأقلية الحاكمة بالنسبة للأغلبية المحكومة، ومنه ضعفت فرص هذه الأخيرة في القيام بنشاط معاد للأولى([8]).

ومن وجهة نظر موسكا فصنع السياسات العمومية يكون من طرف النخبة الحاكمة، فإنه يسلم بأن الجماهير تستطيع ممارسة الضغوط على الحكام، وتنشأ هذه الضغوط نتيجة لاستياء الجماهير من بعض السياسات التي ينفذها الحكام. وقد يؤدي هذا الموقف إلى الإطاحة بالطبقة الحاكمة، وفي هذه الحالة تظهر إلى حيز الوجود طبقة حاكمة من بين الجماهير تتبنى سياسة جديدة أكثر تلائما مع مصالح الشعب([9]). أما  ميشلز فتحدث عن الأوليجاركية، أي حكم الأقلية من خلال دراسته للحزب الديمقراطي الألماني في بداية القرن 20 م، ويتفق مع الآخرين بوجود حقيقة لا مراء فيها، وهي حكم الأقلية للأغلبية، ومن خلال مقارنته للحزب الديمقراطي الألماني مع باقي الأحزاب المحافظة، فإنه يستنتج أنه حتى في الأحزاب التي تقول أنها تمثل الشعب وتدافع عن مصالحه، فإنه هي الأخرى تحكم بأقلية عوض الأكثرية، حيث أطلق عليه القانون الحديدي للأوليجاركية.

ويبرر ميشلز ذلك بسلبية الجماهير، التي لا تواظب على حضور الاجتماعات السياسية ، بالإضافة إلى ظهور القادة بمظهر الأبطال القادرين على صنع أشياء خارقة. كما أن الجماهير تميل دائما لتفويض من يتولى نيابة عنها المهام السياسية([10])، مما يجعل صنع السياسة العمومية حسب ميشلز محكوما بالأقلية الحاكمة دون الأكثرية المحكومة.

تقترح النخبة رؤيتها في أن الناس غير مشمولين ولا عارفين بالسياسة العمومية، وأن النخبة هي التي تشكل رأي الجمهور حول السياسة العمومية، وهي التي تؤثر في الجمهور بأكثر مما تتأثر هي به، وهذا يعني أن السياسة العمومية تأخذ حالة الإنسياب الرأسي الذي ينزل من النخبة إلى الجمهور([11]).

سوسيولوجيا تحليل السياسات العمومية وحدودها

يعتبر تحليل السياسات العمومية حديثا، حيث لم يظهر إلا في الثلاثنيات من القرن 20 م في الولايات المتحدة الأمريكية بمناسبة تطبيق السياسة الجديدة([12])، حيث ظهرت أولى الدراسات في تحليل السياسات العمومية حيث كان هدفها مساعدة رجال الدولة على اتخاذ القرارات السياسية الجيدة([13]). فما هي المناهج الحديثة التي يستعملها علم الاجتماع السياسي في تحليل السياسات العمومية وما هي حدودها؟

المناهج

سنركز على منهجين حديثين هما المنهج البنيوي والوظيفي، يتعامل التحليل البنيوي مع الشيء باعتبار له بنية، ويشكل منظومة ونسقا له نظامه الخاص من حيث تركيبة ووحدة انسجامه الداخلي والخارجي والقوانين التي تضبطه وتسمح باستمراريته، والتعامل مع الأشياء من منظور التحرر من الإيديولوجيا وكل المؤثرات الخارجية([14]).

ويعد ليفي ستراوس من أهم البنيويين الذين أعطوا للبنيوية موقعها كتيار يزعم العلمية في دراسة وفهم الواقع الاجتماعي، ويستعمل النماذج لمعرفة البنى الاجتماعية([15]).

ومنه فإن تحليل السياسات العمومية يعتمد على تكامل وتناسق جميع الأدوار الاجتماعية، حيث أن المحلل يدرس تشكيل الكل الاجتماعي، ويحدد الأشخاص والجماعات وما ينتج عنها من علاقات وفقا لأدوارها الاجتماعية وعلاقة ذلك بصنع وتنفيذ وتقويم السياسات العمومية.

أما الاتجاه الوظيفي فقد ظهر مع تأثر علماء الاجتماع بالبيولوجيا حيث نظر للمجتمع كعنصر الإنسان الحي، الذي يبحث عن التوازن حتى في إطار التطور المستمر([16])، ويعتمد محلل السياسة العمومية على هذا المنهج بمعرفة المحيط الذي تصنع فيه ، والوظائف التي تقوم بما باقي الأنساق وعلاقتها بصنع السياسة العمومية، وتنفيذها وتقويمهاـ ويعتمد المحلل على الأنشطة والنماذج المتكررة، ويكون هدفه الأساس الكشف عن كيفية إسهام السياسة العمومية في تحقيق استمرارية النسق أو الإضرار به([17]).

حدود منهج علم الاجتماع السياسي

رغم اعتماد علم الاجتماع السياسي على مناهج حديثة في تحليل السياسات العمومية، فإن هناك حدود يمكن ملاحظتها من خلال تحيز المحلل حيث سيجد نفسه يعبر عن موقف ما ليؤيده أو يعارضه وحتى وإن اتخذ موقفا محايدا في قضية مختلف بشأنها، فإن حياده يعد موقفا بحد ذاته، وغياب الموضوعية تفرض نفسها أحيانا خلال كل مراحل البحث، فالتحيز المنافي للموضوعية ناتج عن فعل إرادي يقوم به الباحث قصد تشويه الحقيقة ابتغاء مصلحة خاصة، او تلبيه لميول إيديولوجية خاصة([18]).

الخاتمة:

وفي الأخير فإن دراسة تحليل السياسات العمومية بالاعتماد على علم الاجتماع السياسي، قد حاول الإجابة عن تأثير المجتمع على الدولة عوض الاقتصار على تأثير الدولة على المجتمع التي ظلت من اختصاص علم السياسةـ فزاوية التحليل المجتمعية للظاهرة السياسية وتحليل السياسات العمومية التي تؤثر على المجتمع وكيف يتفاعل مع هذه السياسات بدءا بالصناعة والتنفيذ والتقويم، وتأثير البيئة الاجتماعية من خلال الثقافة السياسية.

وتفاعل جميع الأنساق لرسم هذه السياسة، جعلت من دور الاجتماع السياسي يركز على بعدين بعد سياسي وآخر اجتماعي لفهم السياسة العمومية التي تستهدف المجتمع ، وأيضا كيف يؤثر هذا الأخير على رسم وتنفيذ هذه السياسات، رغم المحدودية التي يصادفها بل تصادف جميع العلوم الاجتماعية.

 

إعداد الطالب الباحث: عداوي هشام

.........................

لائحة المراجع:

إبراهيم أبراش، علم الاجتماع السياسي، دار الشروق، عمان، 1988.

موريس دوفرجيه، سوسيولوجيا السياسة، ترجمة هشام ذياب، دمشق، 1980.

فهمي  خليفة الفهداوي، السياسة العامة منظور كلي في البنية والتحليل، دار المسيرة، عمان، 2001.

مولود زايد الطبيب، علم الاجتماع السياسي، منشورات السابع من أبريل، الزاوية، ليبيا.

موريس دوفرجيه، علم الاجتماع السياسي، ترجمة سليم حداد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 2001.

أحمد زايد، مقدمة في علم الاجتماع السياسي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 2001.

السيد الحسني، علم الاجتماع السياسي، المفاهيم والقضايا، دار المعارف، القاهرة، 1981.

نيقولا تيماشيف، نظرية علم الاجتماع، طبيعتها وتطورها، ترجمه محمود عودة وآخرون، القاهرة، مؤسسة المعارف للطباعة والنشر، 1983.

أحمد القصير، منهجية علم الاجتماع بين الوظيفة والماركسية والبنيوية، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1985.

Mosca, G. The ruling class, translated by kahn, New york, MC Graw- Hill Book company, 1996, p. 239.

Thomas, R. Dye, Understanding public plicy, 7éme ED, New Jensey, Prentice Hall, Englewood Cliffs, 1992.

Daniel Kubler et Jacques Maillard, Analyser les politiques publiques, collection politique en plus, presses universitaires de Grenoble, 2éme édition, 2016.

Levis –Strauss, the Elementry structure of Kinship, EYRE and Spottis- woode, London, 1969.

هوامش

[1] إبراهيم أبراش، علم الاجتماع السياسي، دار الشروق، عمان، 1988، ص.ص. 13-15.

[2] موريس دوفرجيه، سوسيولوجيا السياسة، ترجمة هشام ذياب، دمشق، 1980، ص. 22.

[3] فهمي  خليفة الفهداوي، السياسة العامة منظور كلي في البنية والتحليل، دار المسيرة، عمان، 2001، ص.ص. 91- 95.

[4]مولود زايد الطبيب، علم الاجتماع السياسي، منشورات السابع من أبريل، الزاوية، ليبيا، ص. 29.

[5] موريس دوفرجيه، علم الاجتماع السياسي، ترجمة سليم حداد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 2001، ص. 92-94.

[6] أحمد زايد، مقدمة في علم الاجتماع السياسي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 2001، ص ص. 26- 27.

[7] إبراهيم أبراش، مرجع سابق،ص ص. 124- 125.

[8]Mosca, G. The ruling class, translated by kahn, New york, MC Graw- Hill Book company, 1996, p. 239.

[9] السيد الحسني، علم الاجتماع السياسي، المفاهيم والقضايا، دار المعارف، القاهرة، 1981، ص ص. 93-94.

[10] السيد حسني، م. س، ص. 104.

[11]Thomas, R. Dye, Understanding public policy, 7th  ED, New Jersey, Prentice Hall, Englewood Cliffs, 1992, pp. 2- 3.

[12] New Deal.

[13]Daniel Kubler et Jacques Maillard, Analyser les politiques publiques, collection politique en plus, presses universitaires de Grenoble, 2éme édition, 2016, p. 9

[14]أحمد القصير، منهجية علم الاجتماع بين الوظيفية والماركسية والبنيوية، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1985، ص 147

[15] في كتابه Levis –Strauss, the Elementary structure of Kinship, EYRE and Spottis- woode, London, 1969

[16] نيقولا تيماشيف، نظرية علم الاجتماع، طبيعتها وتطورها، ترجمه محمود عودة وآخرون، مؤسسة المعارف للطباعة والنشر،القاهرة، 1983 ، ص 320

[17] ومن الذين وظفوا التحليل الوظيفي في موضوعات السياسة العمومية نجد روبرت ميرتون (R. Merton) ودافيد إيستون (D. Eston) وغابريل ألموندو (Gabriel Almondo).

[18] إبراهيم أبراش، م. س، ص 69

 

عبد الرضا حمد جاسمنشر أ.د قاسم حسين صالح بتاريخ 08/01/2018مقالة بعنوان: "ما هكذا نقدم للعالم كارثة انتحار شباب العراق"...الرابط:

http://www.almothaqaf.com/qadayaama/b1d/924257

 رداً على دراسة شارك فيها كل من الدكاترة: (محمد جمعه عباس، نصيف الحميري، عماد عبد الرزاق، شاكر نعوش، وباحث بريطاني) بعنوان:

)The Iraqi National Study of Suicide: Report on Suicide Data in Iraq in 2015 and 2016(

ونظراً لتوافق موضوع هذه المقالة مع مقالة أ. د قاسم حسين صالح التي كانت بعنوان: انتحار الشباب [مهداة لمن يفكر ببناء اسيجة على جسور بغداد]. بتاريخ 26/04/2019/المثقف والتي ناقشتها في ثلاثة أجزاء تحت عنوان: انتحار الشباب/مناقشة مع دكتور قاسم حسين صالح الرابط:

http://www.almothaqaf.com/a/qadaya2019/936413

أجد ان مناقشة هذه المقالة ضرورية جداً لما ورد فيها من أمور عجيبة غريبة ولكون الدراسة دخلت في الأرشيف العالمي عن الانتحار من خلال نشرها في مجلة علمية متخصصة. ورد أ.د قاسم حسين صالح عليها  دخل معها الأرشيف ايضاً وردي هذا او مناقشتي هذه اخترت لها نفس عنوان مقالة أ.د قاسم حسين صالح للأهمية... و قد اطلعت على دراسة "مجموعة الدكاترة"/ من الانترنيت وقارنتها مع رد الدكتور قاسم حسين صالح فوجدت ما قلتُ عنه أعلاه من أمور عجيبة غريبة ...عليه أقول اني في هذه الجولة سأناقش ما ورد في مقالة أ.د قاسم حسين صالح بصفته :أ.د في علم النفس و مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية و له تاريخ حافل في البحوث و الدراسات و التدريس و الاشراف على  دراسات عليا وله موقع محترم في الجامعات العراقية و العربية و حائز على شهادات تكريم كثير من دوائر و جمعيات و جامعات كثيرة وكونه انتقد او ناقش هذه الدراسة ونشر مقالته هذه في الصحف و المواقع الالكترونية  ووعد بترجمتها الى اللغة الانكَليزية و نشرها في المجلات المتخصصة...عليه وجدت ضرورة ان يترافق ردي هذا مع تلك الدراسة و تلك المقالة في الأرشيف خدمة للدراسات و الدارسين الان وفي المستقبل...حيث موضوع الانتحار اصبح مشكلة عالمية و كان و سيبقى رغم كل الجهود التي تبذلها الدول و المنظمات الوطنية و العالمية لدراسته و تقديم البحوث فيه، حيث أنه حاصل و جاري في كل الدول بمختلف اشكال النظم السياسية و الاقتصادية والاجتماعية و الدينية  وفي كل البقاع الجغرافية و كل العصور و الازمان و اسبابه كثيرة و متنوعة لا تُعَدْ ولا تُحصى  ويشمل أعْمارْ مختلفة. مشكلة الانتحار ستتفاقم في كل الدول للزيادة الحاصلة في عدد السكان والجوع المتفاقم والكوارث الطبيعية وتواصل الحروب وانتشار الامراض وتوسع وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وهيمنة التكنولوجيا والانتشار السريع لمرض العصر أي الإدمان على "الموبايل والكومبيوتر والألعاب الالكترونية" والتلوث الهائل في البيئة حيث سينتج عن كل هذه المتغيرات مشاكل اجتماعية ونفسية هائلة ،وهنا أتمنى ان يتنادى بعض طلاب دراسات علم النفس والاجتماع في الجامعات العراقية" والجامعات اليوم ممتدة على طول العراق وعرضه" لتشكيل فريق رصد لتلك/هذه الحالة واعداد دراسات خاصة بهم بعيداً عن اساتذتهم وبعيداً عن أي شيء لا يمت للعلم بصلة وان يقيموا اتصالات مع منظمات مجتمعية في دول أخرى ومع منظمات عالمية، مع وصيتي لهم التي أتمنى ان يفكروا بها جيداً وأتمنى ان تُفهم و هي ان يتخلصوا من كل""القيل و القال""قال فلان و قال الاخر" لأن من قال ،قال له الشكر و الاحترام وعليهم ان يقولوا ما يريدون بعد ان يدرسوا و يخططوا و يفكروا... هذا أوجب عليَّ ان أكون كما كنت دقيقاً وبالذات مع خطورة ما ورد في رد أ.د قاسم حسين صالح على المجتمع وعلم النفس والبحث العلمي والدراسات العلمية والمقالات والنشر...عليه سأجزأ المقالة كما معروف عن ردودي واُرقم الأجزاء وأُعقب على كل جزء بما يناسبه وفق تصوري وتحليلي واتحمل ما يرد في هذا الرد واتقبل الردود عليه بكل انفتاح ورحابة صدر والشكر مقدماً لكل من يطلع على هذه الردود.

وقبل المناقشة اود ان اُسجل ان لجنة الدراسة ردت على مقالة أ.د قاسم حسين صالح في مقالة دكتور محمد جمعة عباس/الرابط http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=591042

وأضع أمام القارئ الكريم الدراسة في الرابط التالي

http://www.bayancenter.org/wp-content/uploads/2018/02/98978674332.pdf

المناقشة:

1- كان عنوان المقالة هو: [ما هكذا نقدم للعالم كارثة انتحار شباب العراق!] انتهى.

*تعليق: وردت في العنوان كلمتين/مفهومين هما: "كارثة" و "شباب"...أعتقد أن دراسة "مجموعة الدكاترة" لم تقدم للعالم "كارثة" انتحار شباب العراق انما قدمت دراسة عن حالة الانتحار في العراق لعامي 2015 و2016 بشكل عام. والانتحار في العراق لم يصل الى حد الكارثة او لا يمكن ان توصف هكذا كما اتصور، والدراسة لم تقتصر على الشباب انما شملت كل الفئات العمرية...علية اُسجل عدم توفيق الدكتور باختيار العنوان الذي فيه كما اشعر بعض القوة/الشدة التي فهمتها من خلال "ما هكذا..." التي قد تعني رفضه لنتائج الدراسة وبالذات عندما ترافقت مع علامة التعجب في نهاية العنوان(!) وتوحي الى ان له رأي اخر سيطرحه هنا يكون أكثر دقة وشمول.

2- كَتَبَ: [وتُمَثِلْ هذه الدراسة جهدا علميا كبيرا يستحقون عليها الشكر والثناء والتقدير كونها استهدفت أخطر ظاهرة تعرض لها الشباب والشابات بوصفهم اهم وأوسع شريحة اجتماعية في العراق. وتمتاز هذه الدراسة بالمنهجية العلمية العالية والدقة في تحليل البيانات الاحصائية، فضلا عن الجهود الكبيرة التي بذلها فريق البحث للحصول على المعلومات، والصعوبات التي واجهوها من مصادرها المتمثلة بالسلطات القضائية ومراكز الشرطة وعوائل المنتحرين] انتهى.

*تعليق: هنا يمتدح المشاركين فيها ويثني على جهودهم ...لكن اهم ما ورد هنا مدحه لطريقة حصولهم على المعلومات من مصادرها المتمثلة بالسلطات القضائية ومراكز الشرطة وعوائل المنتحرين كما ورد وهذا يعني ان تلك المعلومات لم تكن قد جُمِعَتْ من قصاصات الصحف ومراسلي القنوات الفضائية و"قال فلان وصرح علان" من تصريحات وأقوال مرتبكة غير دقيقة لا يمكن اعتمادها حتى في كتابة مقالة من شخص غير مختص واشرتُ الى بعض تلك العيوب عن المصادر في الأجزاء الثلاثة من ردي على مقالة أ.د قاسم: "انتحار الشباب".

3- كَتَبَ: [ولأن الدراسة منشورة باللغة الانجليزية في مجلة علمية متخصصة (Journal of Affective Disorders)، ما يعني ان العالم سيأخذ فكرة عن (الانتحار) في العراق من فريق علمي متخصص ومعتبر، فان الصادم فيها انها خرجت باستنتاج رئيس هو أن نسب الانتحار في العراق اقل منها عالميا (the suicide rate in Iraq is lower than the global rate)! ما يعني ان العراق بخير إذا ما قورن بنسب الانتحار في السويد او النرويج مثلا] انتهى.

تعليق: هنا بدأ اعتراض أ.د قاسم حسين صالح على تلك الدراسة وهو اعتراض عجيب وغريب، حيث يمكن ان يُفسر هذا القول غير المفهوم، ان الكاتب يعني لو ان الدراسة لم تُنشر باللغة الانكَليزية في تلك المجلة العلمية المتخصصة لما كان لديه اعتراض عليها أو لم يكلف نفسه بالرد عليها وانتقادها او مناقشتها. كما أتصور أن مناقشة هذه الدراسة او غيرها والرد عليها سواء كانت الدراسة قد نشرت بتلك الحالة او لم تنشر في تلك المجلة هو واجب علمي ووطني. ثم يتكلم الدكتور عن وقعها الصادم عليه مع انه اعترف بمنهجيتها العلمية و تحليلها الدقيق للإحصائيات و أشاد بكفاءة القائمين عليها وطرق حصولهم على المعلومات من مصادرها...صدمة الدكتور قاسم كما اعتقد غير مبررة ولا أقول كان يجب ان تكون فرحة وليست صدمة، حيث ان نتيجة الدراسة مهما كان الموقف منها تعني انه رغم الظروف التي مرت و تمر على المجتمع العراقي و قساوتها المفرطة  فأمه بخير في هذا الجانب إذا ما قورن بنسب الانتحار في السويد او النرويج و انا اضيف لها وفي فرنسا و كل الدول خلال المائة وعشرون سنة الماضية. أو حتى يمكن ان نقول انها بينت ان الانتحار في العراق ضمن الحدود العامة عالمياً على ابسط تفسير. يجب ان تدفع هذه الدراسة الى البحث عن أسباب هذه النتيجة المتميزة إذا ما علمنا ان في فرنسا بلد الحرية والضمان الاجتماعي والرعاية النفسية والصحية والانفتاح والرفاهية والامن والأمان سُجلت (8883) حالة وفاة انتحاراً في سنة واحدة من أكثر من ربع مليون محاولة انتحار والأرقام في تصاعد وهو ربما أكثر من كل حالات الانتحار في سنوات الجحيم سنوات ما بعد احتلال العراق وتدميره في"2003"(سكان فرنسا تقريباً ضعف عدد سكان العراق).

 كان على الدكتور قاسم كما أتصور ان يفرح ويفخر بكون هذه الدراسة مَنَحَتْ شيء للمجتمع العراقي هو بحاجة اليه في هذه الظروف التي يعيشها بعيداً عن الموقف من السلطة القائمة اليوم وستعكس صورة مغايرة عنه تختلف عن تلك التي اجتهد الوردي في رسمها والتي تصر على ان كل قبيح اجتماعياً في العالم خلال التاريخ، كان المجتمع العراقي والفرد العراقي هو الأعلى/في الصدارة فيه. وتناقل ذلك ويتناقلها الذين ساروا مع تناقضات وسفسطات وتقلبات الراحل الدكتور علي الوردي له الذكر الطيب ومعهم بعض ممن قرأ مقدمات كتب علي الوردي وكتب عنه وعنها وعن المجتمع العراقي...ونتائج هذه الدراسة فوق ذلك تناسب "حوادث واساطير وحقائق" الانتحار التي نشرها أ.د قاسم حسين صالح في مقالته: "الانتحار...حوادثه وأساطير عنه وحقائق-القسم الأول ـ تلك التي نشرها بتاريخ 12/06/2007 الرابط

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=99464

حيث ورد فيها: [أما في البلاد العربية فان نسبة الانتحار واطئة إذا ما قورنت بالبلدان الأخرى وبالأقطار الغربية على الأخص. ففي العراق تتراوح نسب الانتحار بين (0.1 إلى 0.2) لكل مائة ألف نسمة، وهي نسبة ضئيلة جداً (الدباغ، 1986). غير أن إحصاءاته هذه تعود الي الستينيات من القرن الماضي، ولا تتوافر بيانات حديثة عن حوادث الانتحار. غير أن " الدباغ " يضيف بأن المحاولات الانتحارية آخذة في الازدياد، وانه غالباً ما يحدث في مرحلة الشباب وأوائل الكهولة (ص: 150). ومع أن نسب الانتحار في البلدان العربية الأخرى واطئة أيضا مثل حالها في العراق، إلا أن الأرقام " تشير إلى ارتفاع في معدلات الانتحار ومحاولات الانتحار في البلاد العربية خلال السبعينيات " (الدباغ، ص153). وان أعلى معدل للانتحار في البلاد العربية هي مصر] انتهى

أعلاه جزء مما ورد في كتاب "الموت اختياراً" للراحل الدكتور غانم الدباغ له الذكر الطيب، حيث قال الدكتور قاسم حسين صالح عن هذا الكتاب [انه أول دراسة نفسية اجتماعية عراقية تناولت بدقة وتفصيل موضوع الانتحار والظروف المحيطة به وموقف الأديان والفلسفات القديمة والحديثة ووجهات نظر علماء النفس] كما طرحة في مقالته: ثقافة نفسية (30): الموت اختيارا.. وفخري الدباغ /لتاريخ 02/08/2011

http://www.almothaqaf.com/qadayaama/qadayama-09/52557

4- ورد: [لنقدم اولاً عرضاً مركزاً لخلاصة زملائنا الأطباء النفسيين المشهود لهم بالخبرة والمستوى العلمي الراقي والمهنية المنهجية].

*تعليق: يعود هنا أ.د قاسم حسين صالح ليمتدح المستوى العلمي الراقي والمهنية المنهجية للمجموعة التي أنجزت الدراسة.

5- وَرَدَ: [تبدأ الدراسة بالقول بأنه لا يعرف الا القليل عن الانتحار في العراق، إنها اعتمدت في بياناتها على سجلات الشرطة وتقارير عائلية واخرى خاصة بتحليل حالة الانتحار، وإنها شملت ثلاث عشرة محافظة من وسط العراق وجنوبه.] انتهى

تعليق: نعم كانت المعلومات عن الانتحار في العراق قليلة جداً وربما كانت تعتبرها السلطات قبل 2003 من الأمور التي تمس امن المجتمع وبالتالي امن الدولة كما اعتقد وأ.د قاسم حسين صالح ربما يعرف انها تُعامل بهذه الصيغة، لكن اكيد هناك تقارير تُرفع من وزارة الداخلية ووزارة الصحة الى جهات عليا بشكل دقيق ودوري ولا يمكن التلاعب فيها أي انها ربما بمستوى التقاريرالأمنية...

أما موضوع الثلاثة عشر فهي كما ورد في الدراسة محافظات العراق الثمانية عشر عدا محافظات إقليم كردستان: "أربيل والسليمانية ودهوك" يضاف لها محافظتي نينوى والانبار بسبب سقوطها بيد عصابات داعش الاجرامية...لكن الشعب العراقي يعلم والعالم المهتم بالعراق يعلم ان هناك قلق أمني وعدم سيطرة للدولة خلال عامي 2015 و2016 على ثلاثة محافظات أخرى تعرضت لتواجد داعش أواقترب داعش منها وهي محافظات كركوك وصلاح الدين وديالى ،عليه لا اعتقد ان تقارير دوائر الدولة والأهالي بخصوص هذه المحافظات تقترب من الصحة حيث ربما حتى عام 2017 فأن المعلومات من تلك المحافظات في بعض جوانبها يلفها الشك.

6- اليكم العرض المركز الذي كتبه أ.د قاسم حسين صالح لخلاصة الدراسة...

الى اللقاء في الجزء التالي حيث سيبدأ بالفقرة رقم (6)

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

تحدثنا في الجزء الاول من خطابنا الموجه للاخ الاستاذ علاء اللامي عن موضوع غاية في الاهمية ويتعلق بتمسكنا بقيم الحوار المتزن الهادي والهادف الذي نلتزم به جميعا والاستزادة من الاطروحات العملية والفكرية التي يتحفنا بها جمع خير من مثقفينا وعن طريقهم نكسب المعرفة ويتم اطلاعنا على مستجدات البحوث الاثارية والتاريخية وتكشف لنا ما خفى من تاريخ منطقتنا العريقة فيكون هولاء السادة قد اعطوا لامتهم وابناء شعوبهم مالم تقدر ان تمنعه خطابات التخوين والتسفيه والمعارضة اكانت بحق او بغير حق وفي كلتا الحالتين فنحن ملزمين بمتابعة ما يكتب ويقال فلربما استفادت شعوبنا وابناء امتنا وتاكدت الى ان قيم الحوار الجاد وقيم الاحترام والمسامحة ستكون هي الحكم الفيصل في تقييم الاراء سواء اعجبت البعض او رفضها اخرون، فلربما ستدفع بقسم اخر الى الاستزادة والالتزام بمنهج علمي بحثي هادف يرمي لتعزيز او لتفنيد ما يطرح من افكار وبهذه الطريقة سنكون اهلا لنيل ميزة عظيمة وهي صفة الدارسين والمتطلعين الباحثين حقيقة عن المعرفة بتاريخ منطقتنا والتي هي اقدم بكثير من تواريخ اديان المنطقة وسبلها العبادية والاستفادة من افكار علمائنا وباحثينا ومفكرينا جميعا، ونحن اذ نحاول جاهدين عن طريق التواصل مع النتاجات البحثية التي تطرحها نخب من مفكرينا بغرض ايصال خطابهم الي جميع الراغبين بالانفتاح والاطلاع على الخفي من تاريخنا وخاصة معرفة ما لم نعرفه عن تاريخ منطقتنا وخبايا ما تضمه بلادنا المشرقية وما يفكر ويبحث فيه علمائنا ومفكرينا وعن الرموز الحضارية التي زينت تواريخ المنطقة وهذا سوف لن يكون ممكنا الاعن طريق الحوار والمناقشة العلمية الرصينة لكل الافكار المطروحة او تلك التي ستطرح للبحث والحوار فسنصل الى غايتنا المرجوة وسنعرف كيف لنا ان نعيش .

الاعزاء القراء في عودتنا الى موضوع القدس نجد هناك حشد هائل من المعلومات والحشر والادغام في مسالة لاتتطلب كل هذا الاصرار على شي يعتبره البعض من الثوابت التاريخية التي يجب ان تكون من محتويات المتاحف ودور عرض اثار التاريخ الا ان البعض حول تلك الاثار الى ادوات تحريض على رفض منطق العقل وهذا يشمل كل اطراف الصراع المشتبكين بدون تميز التي لايجوز المساس بها سوى كونها كما يعتقدون انها من المحرم والممنوع المقدس . والتي طرحت للنقاش العملي والعلمي من قبل البعض من باحثينا الافاضل وكلها كما نعتقد محاولات تصب سلبا ام ايجابا في محاولة كشف الحجب عن تاريخ منطقة نعيش عليها بكل كوارثها ونجاحاتها وفشلها وتسببت عمليات ومغامرات قادتها السياسيين من كلا الجانبين المشتبكين في صراع ارادات فساهمت كل الاطراف صاحبة المصلحة في اشعال نيرانها وتاجيج صراعات ماكانت ستكون لولا التطرف والاطماع التي تحاول كل الاطراف المشتبكة في الصراع للاستفادة منها وادت الى كل الاشكاليات التي عطلت حياتنا العامة وقطعت الطريق  على كل الوسائل المتاحة للوصول الى الحقيقة التي نعرف جميعا انها عملة ذو وجهين كلاهما صالح للتعامل ولايستقيم الامر بدون وجهي العملة . ايها السادة الاكارم ان تاريخ المنطقة هو تاريخ شعوبها وبناة حضارتها والعاملين على اقامة شواهد التمدن والسلام، ولكي تكتمل المسيرة التي ابتدائت منذ ازمان قريبة بغرض فرض واقع السلام واستمرت وسوف تستمر،لحين الوصول الى حلول واضحة وثابتة مستندة الى قاعدة من العلاقات الانسانية الرصينة ومتى ادرك اطراف الصراع الى ان عملية استقرارالمنطقة وامنها مرتبط ارتباطا فعليا بتعاون كل الفرقاء المتخاصمين او المتحاورين فان الحلول ستكون في متناول اليد ومتى ارادت الامة العربية ان تفرض واقعا للسلام فيجب ان تكون ادوات فرض الواقع متوفرا واوله ان تكون لدينا فكرة واضحة عما يريده الطرف الاخر وكيف يفكر واليات عمله واساليبه وتكتيكاته لكي نكون قادرين على ادارة اللعبة من جانبنا وبشكل احترافي، ان الاخوة الباحثين المحترمين وعلى اختلاف وجهات نضرهم وطرق طرحهم لافكارهم وعرض ما توصلوا اليه،فيجب ان ينضر لهم على اسس من التقدير والاحترام فهولاء الاخوة قد سعوا وكان سعيهم مشكورا، لذا يجب ان ندرس ونفهم ونستوعب طروحاتهم لكي يمكن لنا ان نجادلهم بالتي هي احسن وليس الاتهامات بالعمالة والصهيونية وانهم اذناب للامبريالية وغيرها من الاسطوانات المشروخة التي انتهى دورها واصبحت من ماضي بعيد لايتلائم مع عصرنا الحالي عصر الحوار والعقل والانفتاح والتمدن.

يقول الاستاذ اللامي في مقالته الجميلة ان الباحث الربيعي اخطاء في ما كتبه ان القدس ليست اورشليم والباحث فاضل الربيعي يستند على معطيات اركيولوجية توكد على ان موقع القدس الحالية لم تكن موقع القدس القديمة وهذا من البديهيات فان القدس التي سكنتها قبائل اليبوسيين لم تكن بنفس مساحة القدس التي احتلها داود ووسعها وانسحب عمرانها كثيراعن موقعها الاصلي والذي كان يشغل حيزا صغيرا من جوانب تلة انتشرت فيها بيوت واكواخ لساكنيها من اليبوسين وما ان استحلها داود وجعلها قاعدة حكمه حتى تغيرت حدودها فليست حدود قدس داود هي نفسها حدود قدس سليمان او حدودها اليوم. فان انسحاب العمران ربما باتجاه واحد او بعدة اتجاهات يغير الطبيعة الجغرافية لتلك المدينة او المنطقة . ولنستمر في الحديث عن اورشاليم وباسمها العربي القدس الحالية ولناخذ عمان والتي والي اعوام الستينيات من القرن الماضي كانت تمتد على مساحة جبل عمان وبعض الاطراف القريبة واليوم تمتد وتتوسع عمان فتشمل الجبال او التلول السبعة التي تمتد عمان عليها، وسوالنا هل كانت بغداد الثلاثينيات من القرن الماضي بغداد الربع الاول من القرن الحالي ام هل كانت بغداد ابا جعفر المنصور المدورة هي بغداد اليوم؟ والحق ان اوشاليم اليبوسية ذات الاصول العبرية وليست كما يحاول جاهدا بعض اساتذتنا الكرام الاصرار على كون اليبوسيون كنعانيون عرب وهي مغالطة اسف ان اقول انها مقصودة فالكنعانيون ليسوا عربا وهم حاميون والعرب ساميون فهولاء الكنعانيون هم ابناء عمومية الساميين اكانوا عربا او عبرانبيون. فاوشاليم لم تكن انذاك سوي قرية صغيرة توسعت واختلفت طوبوغرافيتها بعد داود وسليمان وغيرهم وحتى اليوم . وملاحضة يوردها الاستاذ اللامي بتاكيده على ان القدس ورد ذكرها في التوراة في سفر اشعيا ونحميا وباسم القدس كما جاءت في التوراة المترجمة الى العربية من الارامية والعبرية وهذا قول صحيح الى حد ما ولكنه قول لايراد به حق ومع الاسف الشديد فالاستاذ اللامي لم يدرك او تجاهل عامدا ان كلمة القدس هي كلمة القدشايا في العبرية وتعني المقدس وعندما تم تعريب التوراة والانجيل وخاصة على يدي الاخوة من ال اليازجي العرب اللبنانيون واخرين وعربوا الكلمات من العبرية الى العربية فكان يتوجب عليهم ان يكتبوا قديشايا ولكنهم كتبوها قدس كما تلفضها الاعراب لتسهيل الامر على قراء الكتاب المقدس من غير الناطقين بلغة السريان الارامين او العبريين. فلا يمكن ان نستند على نطق كلمة تم تعريبها عن كلمة في كتاب ارامي الحرف هو التوراة تم تعريبه من لغته الاصلية الارامية السريانية والعبرية وهي كما نعرف حروف من احرف القران السبعة . وعجبنا الشديد كيف فات على الاستاذ اللامي مثل هذا الامر وهو الاستاذ النبه الضليع؟ وهو نفسه من ينكر ان الكلمات واسماء المواقع التي جائت في كتابات اساتذة افاضل مثل د.كمال الصليبي من التحويرات في لفظ اسماء للمواقع التي وردت في جغرافية التوراة ومحاولته مطابقة تلك الاسماء على مايلفض او ما يطلق عليه اليوم في بلاد عسير ونجد،ومن حيث يرفض الاستاذ اللامي مجمل حديث التحويرات اللفضية على اسماء الاماكن المتشابه من كلمات مواقع التوراة العسيرية ويقبل بالتحويرات اللفضيةالتي تاتي من اخرين وبشان اماكن اخرى عامدا لانها تخدم طروحاته اليس هذا هو الكيل بميكيالين، وفي مكان اخر نطالع ما يحاول ان يوكده استاذنا اللامي ان كلمة القدس كانت شائعة ومعروفة في زمان النبي وتحدث عن السيدة ميمونة بنت الحارث زوجة النبي محمد وعن نذرها في زيارة البيت المقدس (المقدس تاتي مثقلة باللفظ) او ما خففته السنة العرب الى بيت المقدس فنقول للاخ اللامي ان النبي محمد تزوج نساء كثيرات ومنهم نصرانيات كالسيدة خديجة بنت خويلد وماريا القبطية والاعتقاد بان السيدة ميمونة بنت الحارث واخريات كانت على دين النصرانية، وكانت ايام الاسلام الاول ايام تسامح ديني وانفتاح في الفترة المكية للدعوة المحمدية، فلابد ان السيدة ميمونة حالها حال الكثيرين من المسيحيون او النصارى الذين يعرفون قصص ديانتهم ومواقع مولد انبيائهم وشخوصهم ورموزهم ويحنون دائما الى مكان مولد وموت وقيامة السيد المسيح عليه السلام وامه مريم، ولا ادري هل يستطيع السيد اللامي ان يدلني على سبب يجعل السيدة ميمونة بنت الحارت تنذر هذا النذر؟ لو لم تكن غايتها الحج الى مكان تعرف وجوده وتسميته حيت ولد ومات وقبر وقام السيد المسيح لتتبرك بمكان مولده وموته وقبره وقيامته وهي امور تعلمتها منذ صغرها واسماء الاماكن بلفضها العربي . ام هل كان نذرها بدافع السياحة والاصطياف مثلا، هل يعتقد احد ان العرب لم تكن تعرف بيت الهيكل المقدس واغلب تجار العرب قد زاروا الشام وبلاد فلسطين وبلاد ما بين النهرين وحكو ا للناس عن زيارتهم لمكان مولد السيد المسيح ومحل صلبه وقبره وقيامته وهل هناك من ينكر ان الجزيرة العربية كانت مكانا للكثيرين من النصارى من اتباع المسيح ولنا من الامثال السيدة خديجة زوجة النبي محمد وورقة بن نوفل مطران قريش وابن عم خديجة والنبي محمد وبحيرة الراهب النسطوري السوري المطرود من المجمع والملتجي هاربا الى عمق الجزيرة العربية لاجئا عند ورقة ابن نوفل والكثير من الاسماء مثل مطران اليمن محمد بن مجاشع. اني استغرب من باحث واكاديمي بارع كاستاذنا اللامي ان يتمسك باحاديث وعبارات منمقة وخطاب اغلبه لايمت للحقيفة الكاملة عن بحوث اركيولوجية معينة تثبت او تنقض ان كانت اورشليم الحالية هي نفسها اورشليم اليبوسية وماذا سينفعنا نحن العرب وينفع قضية الفلسطينيون من كل هذا؟ هل تعتقد بان العرب والفلسطينيون والعبرانيون اليهود ولنقل الاسرائيليون لا يعرفون يقينا ان لب المشكلة يكمن في ان شعوب العالم كلها تبحث عن تواريخ تلتجي اليها لتثبيت حقوق اغلب الضن انها ماكانت ستكون حقوق لو لم تتعززبادوات القوة والمنعة، هل هناك اليوم وفي عالمنا المتمدن من لايعرف بشكل قاطع ان محتويات الكتب التي نسميها مقدسة تحتوي على ترهات ونصوص لايقبلها العقل الواعي؟ ام هل هناك متحضر وفي عصر السفر عبر الاكوان من يصدق ترهات التوراة وقصص الخروج الاسطورية وملحمة الطوفان وحرب قاين وهابيل واخنوخ الذي سار مع الله وايليا الصاعد الى السماء محمولا على الغمام ام قصة يعقوب ودرج السماء فلو ان هناك من يصدق هذا الحديث الرمزي فلابد انه واهم وغارق في لجة بحر متلاطم من طلاسم واسحار فعن اي بحر شقه موسى بعصاه وعبر الى الجهة الاخرى ستمائة الف رجل عدا النساء والاطفال والخيل والمواشي والبعران مثلا،وعن اي فرعون وجيش مصري غرق في لجة المياه وهو خبر يخلوا تاريخ مصر الفرعونية منه وهم المشهور عنهم بتسجيل تاريخهم صغيره وكبيره، وعن اية ضربات عشرة انزل موسى المتعاون مع شيطانه يهوي الاذى بشعب مصر؟ استطيع ان اعطي امثلة لاتعد ولا تحصى عن منقولات التوراة من اساطير بابل واساطير اشور وسومر واساطير مصر الفرعونية وعن ما تناقلته ونقله كتاب السبعينية من اخباروترهات مخجلة لايصدقها حتى اكثر متطرفي اليهود من ابناء الشعب الاسرائيلي وعن ترهات لم يؤمنوا بها مطلقا وانما استخدموها لاقامة دولة لهم وكتابة تاريخ لشعب لاتاريخ حقيقي له، فلو ان حكام اسرائيل الحاليين يؤمنون بقصص الخرافة لما كانت الغالبية العظمى من حكام اسرائيل ملحدين ولا يصدقون بترهات التوراة والتلمود وغيرها من الكتب التي كتبت على ضفاف دجلة والفرات، اعود واسال سادتنا الكتاب المحترمين لماذا لانحترم حقوق الاخرين ونسمح لانفسنا ان نطلع على منتجات العقول المتمدنة ونناقشها بعلمية فنصدقها او نفندها بالدليل والبرهان، ولماذا الحروب والمنازعات على مسالة اصبحت ملكا لتاريخ لم نعد نستطيع ان نبدل من وقائعه وحروفه شيئا، اليس الاجدر بنا ان نتطلع الى بناء تاريخ مشترك مسالم امين يعيش فيه ابناء فلسطين بامن وامان مع الاخرين، ماذا سنفعل عندما تحل الكارثة القريبة عندما تتحول اورشليم القدس البيت المقدس او افلنسميها ماتشاء الناس تسميتها وقبل ان تصبح القدس عاصمة ابدية لاسرائيل وعندها سوف يتم حصر الفلسطينيين وحشرهم في كانتون ضيق وهو ماسيحصل بلا شك بسبب من عنجهية حكام لم يفهموا ولن يفهموا حقيقة العمل من اجل مصالح شعوبهم وليكسبوا السلام العادل لشعوبهم؟ لنحمل معاول البحث ولنبداء بنبش معوقات السلام ولنبحث في جذور مشتركة تضمن اسعاد شعوبنا . ونعود الى انفسنا فنبحث بعقلانية وتجرد عن الكم الهائل المدسوس من القصص الخرافية التي ضخت الى عقول المسلمين من قصص الاسرائيليات واعتبرت من المسلمات المحضور والمقدس والتي لايمكن المساس او البحث في صدقيتها لانها تمس صلب العقيدة وتهز اركان الايمان، اعود واذكر اخوتنا المبتلين بوساوس البحث عن تواريخ كتبتها اصابع بائدة متطرفة وتمسحتها وتزايلها ايادي صادقة لتكسب منها احترام شعوب العالم . وهل سيستطيع قول جنابكم بان اورشليم القدس يجب ان تعود لسكانها العرب من اقناع العالم اليوم بان الحق عند العرب فقط ولاحق لليهود فيها، وكيف ستعزز مطالبنا ان كننا لانملك ملتزمات القوة والحجة والاقناع؟ ان حق العرب في ارض اسرائيل اذا حاولنا الحديث بنفس منطق جنابكم الكريم هو حق نسبي كما هوحق اليهود في شبه الجزيرة واليمن والعراق هو حق نسبي كذلك وعلى الرغم من قول احد الاخوة الذي علق على مقالنا بان الحق الذي تفرضه شرعة الامم المتحدة هي للشعوب الساكنة منذ مائة او مائتي عام فتواجدها على اي ارض لهذه المدة يمنحها الحق في استحلالها فهل ينطبق الامر على الدولة العثمانية وحقوق مشروعة مكتسبة لها في بلادنا العربية، ولست هنا في موضع التشكيك بمقولة الاخ لاني وببساطة لم اسمع او اعرف ان هناك مثل هذا الشرح عن حقوق للشعوب القاطنة او التي استوطنت ارضا لاخرين واستحلتها بالتقادم فاجوا معذرتي عن جهلي .هل ان البحث في الاثار من ازمنة وتواريخ قديمة تظل هي الحقيقة المتوارية تحت استار و رمال التقادم والزمن بشكل مطلق ودليل مادي على احقية معينة لاناس معينين ام ان الموضوع يصبح من تراثيات زمن غابر انتهى الى الابد، ام ان الحقيقية المجردة لحقوق الشعوب ا هي في مقدار التراكم التاريخي والحضاري لتلك الشعوب التي سكنت ونشائت واسست واثرت البشرية والتاريخ الانساني ولاتزال تتواجد وتبني بشكل فاعل، وهل سننكر ان العرب جائوا الى ارض الرافدين والهلال الخصيب وارض سوريا وارض فلسطين محتلين ولنهذب القول فنقول فاتحين لاعلاء كلمة الله وكان كلمة الله لم تكن الاعلى والمسموعة بين شعوب المنطقة والتي كانت المسيحية واليهودية والصابئية والزرادشتية هي السائدة فيها، فجاء العرب وسكنوا فيها واصبحوا جزء من تاريخها وتراثها، ام هل سننكر ان بني اسرائيل من ابناء السبي سكنت ارض بابل وسومر واستمر وجودهم وحتى نهاية القرن العشرين، فهل سنقبل بحقوق هذا الشعب الذي سكن العراق منذ 27 قرنا وهل سنقر لهم بمطاليبهم متى ما ادعوا بها مقابل ما نريده لشعبنا العربي هناك في فلسطين، ويبقى لدينا سوال منطقي تمنيت ان لا اطرحه على هولاء السادة الباحثين الكرام لماذا تفتحون على الامة العربية ابواب جحيم نحن في غنى عنه وحتى ياتي من يقول كما يفعل اخرون ان ارض عسير وارض نجد والحجاز هي ارض صهيون التوراتية ويفتحوا علينا ابواب جهنم بمطالب لاقدرة لنا على مجابهتها لاسامح الله؟ ثم اود ان اسال الاخ الباحث المتعمق السيد اللامي عن الخلط في توصيف المسيح مناطقيا ولو على سبيل كقضية الخلط اللغوي باسماء الاماكن الجغرافية مثل ان المسيح قد يرتبط اسمة بالناصرية في جنوب العراق وهي مغالطة مقصودة وتشويش على الحقائق اريد بها اثبات ما لايستحق الاثبات فقط من اجل الحديث الذي لامعنى له وهو امر لم يقله احد مطلق ولم نسمع عنه ابدا. فيسوع الناصري وهوالرجل الذي ارتبط اسمه بمدينة الناصرة من اعمال فلسطين والتي شب فيها واخذ اسمها فلا يمكن لاي عاقل ان يربط اسم مدينة عمرها اكثر من الفي سنة عاش بها المسيح طفولته وشبابه وتقع في فلسطين ومدينة حديثة اسمها الناصرية وتقع في محافظة اور في العراق فاي خلط هذا ياسيدي الاديب الباحث الكبير؟ كم اتمنى سادتي الافاضل ان نستمع الى كل الاراء ثم نزنها بميزان العقل والحقيقة كما يفعل باقي البشر من ابناء الشعوب المتحضرة والمتمدنة والعقلاء منهموعندها سنجد ان مايكتبه الباحثون على اختلاف مشاربهم وافكارهم وخبايا نفوسهم هي قضايا تستحق منا ان ندرسها بعمق ونستخلص منها العبر والحقائق ونترك الغث منها فليس كل الباحثين في شؤون الاثار والتواريخ انبياء منزلين بل ان بينهم وخاصة بين الباحثين اليهود من يقر ويعترف بحقائق تنقض الكثير من فرضيات اليهودية وتعارض كتابات التوراة وطروحاته بل تسفه اقوالها وهو امر نحسدهم عليه نحن العرب والمسلمين الذين لانجروا على قول كلمة الحق بل نغض الطرف غالبا لاننا نخاف ان نتحدث في المحرم والممنوع فهل سمعنا من احد كتابنا وباحثينا وخاصة في هذا الزمن القول ان قبور متنبي بني اسرائيل المنتشرة على كل ارض العراق هي قبور لاقدسية فيها ولا اهمية لدين الاسلام بها فجعلها المسلمون جوامع ومساجد واماكن للزيارة والكسب المادي والارتزاق؟ هل قال احد كتابنا وبحاثتناان الكفل مثلا ليس مقاما اسلاميا بل هو مقبرة لحاخام يهودي من اهل السبي، او ان مدفن الخضر وهو قبر لحاخام يهودي اخر مدفون هناك، اوان الدير في طريق العمارة بصرة ليس مكانا اسلاميا ولا كان يوما جامعا بل هو دير للرهبان عندما كانت ميشان وليست ميسان دارلابرشية نصرانية، وهل سمعنا يوما من الايام ان احدا من باحثينا قال موكدا ومثبتا للحقيقة الناصعة ان دير براثا هو دير نصراني اغتصبته ملة الشيعة عنوة وبحجة باطله واسموه جامع براثا،وهل قال احدا من ادبائنا وباحثينا او تجراء فقال ان اغلب   المواقع لمدافن متنبي بني اسرائيل في نينوى ما هي الا قبور لحاخامات يهود وجعلت اماكن يتم فيه انواع الزيارات والنذور واشكال الكسب المادي والارتزاق المالي، هل تحدث احد اثارينا وكشف صراحة وعلانية ما يعرفه اهل نينوي ان جامع النوري الذي دمره غلاة التطرف من الدواعش هو في حقيقته كنيسة دفن فيها اجداد اعيان وكبار اهل الموصل من المسلمين وهم ابناء النصارى الذين ارغمهم الفاتح على اعتناق دينه، نحن في غنى عن التعقيب على كتابات السيد ديب او المرحوم د.صليبي او الربيعي او يوسف زيدان او فراس السواح فهولاء ايها السادة كان الاجدر بنا ان نشكر لهم جدية بحثهم وسعيهم المشروع وبحثهم عن الحقيقة ورغبتهم في كشف المستور عن تاريخنا وتراثنا فهولاء سعوا وسعيهم مشكور. اما الحديث عن ان يوسف زيدان قد اخطاء في انكار ان يكون المسجد الاقصى هو المسجد الذي عرج واسرى به الى السماء منه النبي محمد وان باحثا اخر هو فراس السواح قد التحق بيوسف زيدان في هذا المسرى والطريق،فهل يقدر الاستاذ الاخ اللامي ان يحدثنا عن مسجد الجعرانة وبحكمته ومعلوماته الوفيرة المعروفة واين موقعه ولماذا بني قريب من المسجد الحرام؟ وكيف يكون المسجد الذي بناه خلفاء امويين بعد التحاق النبي بالرفيق الاعلى هو المسجد الاقصى الذي اسرى منه النبي الى السماء؟ ولو رجعنا الى كتابات تواريخ مكة لوجدنا ان المسجد القصي كان مكانا متواضعا بناه المسلمون في ايام ازمة الاضطهاد الذي عانى منه المسلمون من مشركي قريش ومنعهم من مزاولة صلواتهم واخيرا اود ان اوكد وكما يعرف جنابكم قبل الاخرين ان الكثير من الشراح والمفسرين لا يقبلون او يقرون بحديث الاسراء والمعراج لايمانهم بانه حدث لم يقع في الحقيقة وانما كان حلم راود النبي صلى الله عليه وسلم في منامه ويكفينا حديث السيدة عائشة عندما بلغها حديث النبي عن اسرائه ومعراجه وجوابها الذي لم يخلوا من الابتسامة العريضة عندما قالت قولتها الفصل !! متى اسرى به وهو لم يغادر الفراش فقد كان نائما بجنبي وتحت لحافي؟ والى حديث اخر ان اتسع صدركم لسماعه

 

المهندس صباح الوزير -  باحث في دراسة التاريخ

............................

مبحثنا التالي هو حقيقة قبة الصخرة والمسجد الاقصى وحائط البراق وحقيقة الاسراء والمعراج انشاء الله .                

 

داود السلمانبعض علماء الاجتماع يؤكدون على أن "الدين" يعتبر ضرورة هامة وملحّة للمجتمعات (كي تعيش بسلام ووئام)؛ ويشاركهم في هذا الرأي كثير من الفلاسفة، وخصوصا فلاسفة الاخلاق، كأسبينوزا وايمانويل كانت، واضرابهما؛ وعلماء الاجتماع انما قالوا بهذا الرأي لأنهم اعتبروا "الدين" منظومة اجتماعية، حيث بنوا بعض النظريات الاجتماعية على مبنى الدين، وكذلك فأن الدين هو ايضا اطمئنان نفسي وسلوكي للإنسان، وسنوضح ذلك بنقاط:

1- وجد الدين لترويض الانسان: فالإنسان صحيح أنه حيوان ناطق كما عبر عنه ارسطو، لكنه في نفس الوقت حيوان متمرد، أن صح التعبير، دائما ما تجده يتمرد على الظروف وعلى القيم وحتى على الواقع الذي يعيشه،  واحيانا يرتكب جرائم ويحدث احداث جسيمة، وبالتالي يربك المجتمع الذي يعيش هو وسطه، فيصبح ذلك المجتمع جحيم لا يطاق. وهنا فأن الدين يعطيه الحافز ويشحن فيه روح الامل بأن يجب عليه أن يعيش حياته كانسان فاعل في محيط مجتمعه، وبالتالي تطمئن نفسه، او هكذا هو يشعر. واذن فأن الدين، من هذه الناحية، هو ضرورة نفسية سلوكية للإنسان لا يمكنه الاستغناء عنهما.

2- الدين قوة لكبح جماح الانسان: وذلك فأن الانسان، اذا ما شعر، بفراغ روحي فأن نفسه تطمع الى الوغول في التصدي لأفعال قضايا (كالجشع والامتلاك والحصول على اشياء اخرى مادية كانت او نفسية) وهذه القضايا يراها أنه من حقه أن يحصل عليها، او تأتي من باب الفضول، واحيانا قلة المعرفة، وعدم المبالات بالمخاطر التي ستقع عليه فيما بعد، فيقوم بالسرقة، والاعتداء على الآخرين، وربما يقتل ويرتكب اشنع الافعال، في سبيل الحصوص على تلك الاشياء. وهنا فأن مسألة الدين، وهو قد وضعها نصب علنيه، فأنها سوف تمنعه، او قدر الامكان تذكره، بعدم اتخاذ قرار حاسم بفعل مثل كذا جنايات قد يندم عليها فيما بعد، ولا نريد أن نقول أن هذه القضية تكون هي المانع المحفّز الاكيد، لكنها قد تحد ولو بالشيء اليسير، والا فأن هناك مجرمون لا تنفهم هذه بتاتا.

3- الدين يحث البشر على وجود اله يراقب افعال الانسان ويحصيها عليه، وعند الممات سوف يعرض عليه تلك الافعال. فاذا كانت افعاله حسنة فسيحصل على جوائز ثمينة من ذلك الاله، وادخاله جنة فيها ما فيها من نعيم، كما وصفتها لنا الاديان الابراهيمية. فيحرص الانسان على فعل الخير ويتجنب الفعل القبيح، طمعا في الحصول على تلك الجوائز التي وعدت الاديان الانسان بها، واشترطت عليه شروط يجب تطبيقها حتى يحصل عليها، كي يسكن ذلك العالم بعد الممات ويعيش في سعادة ابدية. فيحاول الانسان قدر المستطاع تطبيق تلك الشروط.

4- هناك كثير من يعتقد: إن كل الاديان هي صناعة بشرية، وهناك من يختلف ويخالف هذا المعتقد، والاختلاف رحمة كما يقولون. الاختلاف كذلك هو من يديم الحياة ويجعلها حيوية وفيها امتداد وعمق في هذه الدنيا الفانية، وكم هو الانسان بحاجة الى هذا الاختلاف، فكما نحن نتذوق الطعم الحلو ونرغب به، فنحن ايضا لا نستغني على الاشياء مرة المذاق، حتى نميز بينهما. والذي اريد قوله هنا: إن هناك كثير من الناس لا تعيش من دون دين، ويفضل الموت كبديل، لكن المرفوض من الدين هو التطرف في الدين، فهذا نرفضه بشدة. أؤمن ايها المؤمن بما تؤمن به، ودع الناس في شأنها، لا تفرض ايمانك ومتعقدك على الآخرين، كلٌ له رأيه ورؤاه. وهذا الكلام مشمول به ايضا اللادينيين والملحدين والربوبيين والعلمانيين والليبراليين، فالتطرف في أي معتقد أو أي نظرية او أي شيء آخر من هذا القبيل هو مرفوض عقلا.

 

داود السلمان

 

محمود محمد عليفي حياة الأفراد في كل أمة من الأمم وفي كل عصر من العصور، هناك نوع من الرجال لا يرتضي لنفسه أن يكون مجرد مقلد للآخرين، وبحيث يعيش كالعامة من الناس، بل إنه يؤمن إيماناً راسخاً بفكرة يسعي إلي تحقيقها أو هدف نبيل يسعي من أجله لإسعاد الآخرين، وبحيث يفضل الغيرية علي الأنانية ويعمل في صمت دون طبل أجوف أو منصب زائل أو شهرة عمياء .

والأستاذ الدكتور مجدي الجزيري خير من يمثل هذا النوع من الرجال خير تمثيل، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات،فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

والحقيقة التي لا يعرفها الكثيرون وهي أن الدكتور مجدي الجزيري هو واحداً من كبار الرواد في دراسة فلسفة الحضارة بمصر والعالم العربي، وقد استطاع من خلال بحوثه ومؤلفاته أن ينقل البحث في فلسفة الحضارة من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

ولد الدكتور مجدي الجزيري في قرية جزيزة شندويل - وهي إحدى القري التابعة لمركز المراغة بمحافظة سوهاج، وذلك  17 يناير 1943، وسافر إلي القاهرة واستقر فيها، حيث حصل علي بكالوريوس إدارة الأعمال من جامعة القاهرة سنة 1964، كما حصل  علي درجة الليسانس– قسم الفلسفة سنة 1968 من جامعة القاهرة، ثم عمل لفترة من الزمن موظفاً بمؤسسة تعمير الأراضي، ثم موظفا بمؤسسة بالتعليم العالي بالمبتديان، وخلال تلك الفترة بدأ التسجيل للماجستير إلي أن حصل عليه في سنة 1975 في موضوع بعنوان  فلسفة الفن عند ارنست كاسيرو، وحصل علي درجة الدكتوراه في موضوع بعنوان الحرية والحضارة عند نيوكيلا بيرد يائيف. وفي 25 يناير لعام 1980 تم تعيينه مدرسا (فلسفة حديثة ومعاصرة) بكلية الآداب بطنطا، وفي 4 يوليو 1987 حصل علي درجة استاذ مساعد، وفي 3 يونيه 1995 حصل علي الاستاذية .

وأما كتاباته : اللاهوت والسياسة عند سبينوزا ومارتن بوبر، وكتاب دراسات في علم الجمال، وكتاب القضايا الفلسفية عند الدكتور علي عبد المعطي، والفلسفة : وكتاب بين الأسطورة والتكنولوجيا، وأيديولوجيا اقصاء الأخر في الفكر الغربي المعاصر عند صمويل هنتنجتن وبرنارد لويس، وكتاب مقالات في الأخلاق البيولوجية، والدين والدولة والحضارة عند بوركهارت، وكتاب البنيوية والعولمة في فكر كلود ليفي شتراوس، وكتاب فلسفة الفن عند إرنست كاسيرر، وكتاب القيم في فلسفة ماكس شيلر، وكتاب شهادة علي عصر : من برديائف إلي جورباتشوف، وكتاب العنف والتاريخ عند سوريل، وكتاب نقد التنوير عند هيردر، وكتاب السيموطيقا وفلسفة الفن عند كاسيرر ونظرية الفلسفة بين الأسطورة والتكنولوجيا، وكتاب الفن ونظرية المعرفة، وحفريات اللغة عند ارنست كاسيرر، وكتاب البينوية والتنوع البشري وكلود ليفي شتراوس...الخ.

كما كان الدكتور مجدي الجزيري  كاتباً مرموقاً فى عدد من الصحف والمجلات المصرية والعربية كجريدة الأهرام، والوفد...الخ ؛ حيث كتب عدة مقالات في الأهرام، وكان من أهم مقالاته مقال :بعنوان قراءة رمزية لتحولات الثورة المصرية، ومقال: الدولة والحرية لدي هيجل، ومقال :الدين والأخلاق والعنف عند توفيق الطويل، ومقال: الهوية والوعي التاريخي عند هيجل، ونشر في الوفد عدة مقالات مثل : مقال : وزارة الثقافة والمؤتمر الوطني الأول للشباب، ومقال : ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، ومقال : زويل والملاعب المصرية، ومقال : وزارة الثقافة وأمناء الشرطة، مسئولية الاتحاد العام للغرف التجارية، ومجموعة مقالات عن طه حسين، ومقال : صناعة ثقافة الغباء، والإخوان والغرب، ومقال : مصلحة قطر فى تقزيم وتمزيق العالم العربى... الخ.

وقد أسهم الدكتور مجدي الجزيري  بعضويته في كثير من المؤسسات العلمية، ومراكز البحث العلمي العالمية، وألقي العديد في بحوث في مؤتمرات وندوات محلية ودواية، منها أبحاث في متخصصة نشرت في المغرب وتونس والجزائر، كما حاضر عن فلسفة الحضارة والفكر الغربي المعاصر في كثير من الجامعات المصرية والعربية.

ويتميز الدكتور مجدي الجزيري في كتاباته ومقالاته بالعمق وسعة الاطلاع والعمق في البحث وإضافة البعد النقدي الذاتي إلي البعد الموضوعي والأسلوب الأكاديمي الرائع والذي نادرا ما نجده في بحوثنا الحالية . إن كتاباته تمثل نضجاً فكرياً هائلاً، وتمثل البناء الهرمي المتماسك، ومن حاول أن يحذف سطراً واحداً من بحث لمجدي الجزيري في موضوع من الموضوعات، وفي نفس الوقت ينتظر أن يفهم أفكاره فوقته ضائع عبثا، لأن أسلوب مجدي الجزيري يعد أسلوبا اكاديميا دقيقا وعباراته بعيدة كل البعد عن الطابع الإنشائي البلاغي الفضفاض . لا يقول عبارة إلا علي قدر المعني .

والدكتور مجدي الجزيري له اهتمامات بالفلسفة الرمزية، فقد كان عاشقا لكاسيرر ومتأثرا بكتابه  "فلسفة الأشكال الرمزية عوالم اللغة والأسطورة والعلم، وكان مؤمنا بأن إدخال الرمز إلى الفلسفة المعاصرة قد فتح لها آفاق جديدة لم تعهدها الاتجاهات الوضعية  وكان ذلك على يد كل من أرنست كاسيرر وسوزان لانجر وشارلز موريس دون أن ننسى بول ريكور، وكلود ليفي ستروس، وميشيل فوكو، وكل الذين اهتموا بمسألة الرمز في دراسة العديد من الظواهر الإنسانية، مثل اللغة، والقرابة، والنسب، والزواج."

وفي مقاله له نشرت بجريدة الأهرام المصرية بعنوان "قراءة رمزية لتحولات الثورة المصرية"، يحاول الدكتور مجدي الجزيري أن يبين لنا أن العالم الرمزي هو العالم الحقيقي الذي نسكن فيه ويعبر عن وجودنا الثقافي الأصيل‏،‏ وصدق الفيلسوف الألماني أرنست كاسيرر‏(1874-1945)‏ عندما قدم تعريفاً جديداً للإنسان باعتباره مبدعاً وموجداً للرموز‏.‏

ويوضح ذلك قائلاً :" فإذا كانت الفلسفة النقدية عند كانط قد اكتفت بنقد العقل، فإن العقل النظري المنطقي لا يمثل كل الفعاليات الإنسانية المتضمنة ما هو عقلي منطقي كالعلم والرياضيات وما هو وجداني شعوري كالفن والأسطورة، ومن ثم كان التحول من نقد العقل النظري إلي نقد الحضارة، باعتبار أن العقل النظري مهما تنوعت تجلياته يشكل مجالاً واحداً من مجالات قدرة الإنسان علي الترميز، خصوصاً في ضوء الاهتمام المعاصر بعلم السيموطيقا Semiotics، وهو العلم الذي يدرس المشكلات العامة للإشارات والرموز والدلالات، وقد أدخل جون لوك هذا المصطلح ليشير به إلي الإشارات المستعملة لفهم الأشياء وإيصال المعرفة، كما ساهم الفيلسوف بيرس، وشارلس موريس، وكارناب، بجهود كبيرة في تطوير العلم، واستعملت الأفكار الإشاراتية في الرياضيات ونظم المعلومات وعلم النفس المرضي في روسيا، واتخذ علم الإشارات والرموز في فرنسا أهميته من خلال جهود دي سوسير في دراسة اللغة وأصحاب المدرسة البنيوية في تناولهم للظواهر الإنسانية من خلال مفهوم الرمز ومنهم جاك لاكان وميشيل فوكو ولويس ألتوسير وكلود ليفي شتراوس.

ويستطرد فيقول :" كما كان لكتابات امبرتوايكو في ايطاليا وأهمها العمل المفتوح دورها في دراسة السيموطيقا. ولعل أهم ما تناولته السيميوطيقا قضية الوساطة بالنسبة للعلوم الإنسانية باعتبار أنها تختلف عن العلوم الطبيعية من حيث مادة البحث التي تتعامل معها، فبينما تتعامل العلوم الطبيعية مع مادة موجودة في الطبيعة، تتعامل العلوم الإنسانية مع مادة من إبداع الإنسان هي الإشارات والرموز وهي مجرد وسيط يعبر عن أشياء غير مادية موضوعها الذهن البشري، فنحن لا نواجه الواقع مباشرة بل نواجهه من خلال اللغة والفن والأسطورة والعلم والتاريخ... لاغرو بعد هذا أن يتعامل علم الاجتماع التقليدي مع النظم الرمزية من زاوية معانيها ووظائفها الاجتماعية، ويتبدي الرمز لديه أي حدث أو شئ يستعمل في التعبير عن إيصال المعاني الثقافية، كالأفكار والعقائد والقيم أو للتعبير عن الجوانب العاطفية والإدراكية للتجارب الذاتية للأفراد الذين يسهمون في عملية التفاعل الاجتماعي.

ثم يوضح مجدي الجزيري بعد هذا العرض التنظيري فيقول :"  وإذا كان البشر يحتاجون الرموز ليعبروا بها عن الاعتبارات الجمعية كما أبان دوركهايم فبوسعنا القول بإمكانية قراءة ثورتي25 يناير،30 يونيه من خلال الرموز الدالة عليها والمعبرة عنها. وبالطبع يصعب الإحاطة برموز الثورتين في مقال أو كتاب ولكن حسبنا أن نحفز القارئ علي مثل هذه القراءة من خلال صورة انتقائية إلي حد كبير، ولأن ميدان التحرير تبدي منطلقا عاما لثورة يناير وجامعا لرموز متنوعة، لذا فقد بدا رمزا عاما ومسرحا للأحداث.

ويعطينا  مجدي الجزيري أهم مظاهر الرمزية علي ثورة 25 يناير فيقول :"  ونبدأ من ثورة يناير، حشود تتوافد علي الميدان بصورة غير مسبوقة أو متوقعة، رجال ونساء وشيوخ وشباب وأطفال; رجال دين مسيحي وإسلامي، أحزاب وتيارات أيديولوجية متنوعة. العلم المصري هو القاسم المشترك بين الجميع، الكل يهتف بسقوط النظام. شعارات الثورة حرية، عدالة اجتماعية، تغيير. بالتدريج اختفي مطلب التغيير وحل محله شعاري عيش، كرامة إنسانية. صور الزعماء عبد الناصر والسادات تتصدر الميدان. الأغاني الوطنية لسيد درويش والشيخ إمام وعبد الحليم. صور مبارك وأسرته وأقطاب الحزب الوطني ولجنة سياساته ملطخة بالسواد وعلامةX . ما سمي بموقعة الجمل وسقوط الضحايا من الثوار. المجلس الأعلي للقوات المسلحة يجتمع في غيبة مبارك ثم ينحاز لجماهير الثوار. اللواء عمر سليمان يلقي بيان تنحي مبارك. منصة الميدان يتباري عليها كل الأطياف السياسية والثوار والشعراء والفنانين، وجماعات الإسلام السياسي تتزاحم لتجد موقعا بينها. القرضاوي يفرض نفسه في خطبة الجمعة ويؤم المصلين. استدعاء صور عمر عبد الرحمن، منصة حازم أبو إسماعيل وجماعة حازمون تحاول جاهدة لفت الأنظار إليها. الاستفتاء حول أولوية الدستور أو أولوية الانتخابات وحملة تكفير القائلين بأولوية الدستور. فن الجرافيتي علي جدران الجامعة الأمريكية يخلد شهداء الثورة ووقائعها. احتفالية غنائية برأس السنة الميلادية الجديدة2012 جمعت بين المدائح النبوية والترانيم الكنسية. صورة مبارك ممددا علي سريره الطبي ونجليه ورجال وزارة داخليته خلف القضبان أثناء محاكمتهم. صور المشايخ المرشحين لانتخابات مجلس الشعب، مع صور السيدات المرشحات، الاسم بدون صورة أو صورة وردة بديلة لصاحبة الاسم. فتاوي هدم وتخريب الآثار المصرية القديمة لوثنيتها وهدم الأضرحة وتغطية تمثال أم كلثوم مرسي يؤدي اليمين الدستورية أمام المحكمة الدستورية العليا ثم أمام قصر الاتحادية لأهله وعشيرته. تصدر مرسي احتفالات نصر أكتوبر بحضور قادة الإسلام السياسي وقتلة السادات وغياب قادة القوات المسلحة. المحكمة الدستورية تحكم ببطلان انتخابات مجلس الشعب ومحاصرة الجماعة لمقرها. محاصرة حازم وجماعته لمدينة الإنتاج الإعلامي. خطابات مرسي منذ توليه الحكم حتي عزله بما فيها الإعلان الدستوري المحصن لقراراته. فض اعتصام المناهضين لمرسي أمام قصر الاتحادية من قبل الجماعة بالقوة المسلحة مع محاكمتهم وتعذيبهم بديلا عن القضاء والشرطة. سحل المتظاهرين وإطلاق الأعيرة النارية عليهم من قبل مكتب الإرشاد بالمقطم.

ثم ينتقل مجدي الجزيري لتوضيح تحول البعد الرمزية للثورة المصرية فيقول :" خروج ثلث الشعب المصري تقريبا في30 يونيه وفي3 يوليو ثم في25 يوليو لتفويض الجيش والفريق السيسي في التخلص من حكم الجماعة والإرهاب. رابعة والنهضة يتحولان إلي مقرين لخطاب تكفيري تدميري للشعب المصري وقواته المسلحة وجهازه الشرطي مع رفع رايات رابعة الأردوجانية وأعلام القاعدة السوداء. مسيرات الأطفال اليتامي حاملين أكفانهم في رابعة، أحلام الجماعة; نبي الإسلام الكريم يطلب من مرسي أن يتقدم ويؤم المصلين بدلا منه وجبريل يزور رابعة ويلتقي بالجماعة. مرسي وجماعته خلف القضبان يصيح أنا الرئيس، الجماعة تنتقم في سيناء ومصر كلها بمظاهراتها ومسيراتها التخريبية وممارساتها الإرهابية ضد الشرطة والجيش والدولة، صفع النساء علي وجوهن، حرق الكنائس، تشويه مصر بالعبارات المسيئة النابية، التمثيل بجثث شهداء الشرطة في كرداسة، رد فعل الجماعة الهستيري لحظة مشاهدة صور الفريق السيسي، حرق العلم المصري، انسحاب حزب النور من لجنة الخمسين أثناء عزف السلام الجمهوري مع إعلان الانتهاء من دستور مصر الجديد.

من كل ما سبق يمكن القول بأن الدكتور مجدي الجزيري قد نجح في أن يجعل من الرمز مفتاحا  لفهم طبيعة الثورة المصرية وتحولاتها من خلال اهتمامه بالأشكال اللغوية والفنية والميثولوجية التي تمثل وسيطا رمزيا يواجه به الإنسان الواقع ومستجداته، لتضحي هذه الأشكال عبر السنين نتاج تفاعل بين عالم الإنسان وعالم الواقع.

لقد أورد لنا مجدي الجزيري من خلال عرضه أن يقدم لنا جملة من المعطيات الأساسية تبرز اللغة في صورة أوسع من أنها مجرد أداة للتواصل، فاللغة خاصة الشفوية منها، تتقاسم مع سلسلة من الأنظمة التي تشكل في مجموعها أجزاء هامة من كون الإنسان. وهذه الأنظمة تتمثل في الخرافة والدين والعلم والتاريخ ؛فبهذه الوحدات استطاع الإنسان من التعبير عن الواقع الطبيعي المادي بلغة الواقع الاجتماعي البشري ومن ثم صرح الجزيري مستشهدا بكاسيرر "أن الإنسان حيوان رمزي في لغاته وأساطيره وديانته وعلومه وفنونه. فما أوجه القرابة والغرابة بين المقاربة اللسانية السيمائية للرمز والمقاربة الثقافية لكاسيرر؟

وفي الختام أقول كلمة أخيرة لعلي بذلك أكون قد ألقيت الضوء علي جانب هام من جوانب شخصية أستاذنا الدكتور مجدي الجزيري المتعدد الجوانب، الثرية العطاء، ألا وهو الجانب المتعلق بفلسفته الرمزية والذي يمثل من وجهة نظرنا الأساس الأول الذي انطلق منه إلي أفاق الفكر الفلسفي الرحبة . فالمنطلقات الفكرية هي الأساس الأول والمدخل الرئيس لفهم شخصية الباحث وإدراك مدي عمقها العلمي وقدرتها علي العطاء الدائم . وقد أثبت الدكتور مجدي الجزيري ومن خلال عطائه الوافي العريض أنه باحث  جاد ومفكر لا تلين له قناة في الدفاع عن الحق . وباحث محب للحقيقة وموقن بضرورة البحث عنها والخضوع لها والدفاع عنها بنزاهة وإخلاص . وهذا ما هيأ له أن ينطلق بكتاباته إلي آفاق التجديد والتنوير في فكرنا الفلسفي العربي ليعد واحدا من أبرز كتاب التنوير في عالمنا المعاصر.

وتحيةً لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

رائد عبيستمتد الجذور الفكرية للشيوعية إلى بدايات غريزة التملك الناشئة مع الإنسان، وسببها رغبة الاحتكار المفرط، ازاء المتوفر، ومحاولة منعه عن الآخرين، فالشيوعية موجودة في رغبة البشر قبل أن تكون إيديولوجيا، وقبل أن تكون فلسفة حياة، كالتي ظهرت عند أفلاطون وامتداداتها الفكرية في مدارس مختلفة، وصولا إلى الشيوعية الماركسية، المنتشرة في أغلب دول العالم، وأوسعها انتشارا وتاثيرا في الصين الشعبية، اذ بوجودها هناك تعد الشيوعية أكبر حزب سياسي في العالم، وبالتأكيد هذا التأثير له طابعه الخاص والمميز الذي يختلف عن كل شيوعية البلدان الأخرى، ولاسيما بلدان الوطن العربي التي تلقتها وسط فكر التحريم، والممنوع، والاضطهاد للحريات الفكرية، فالشيوعية الماركسية لدينا تخطت المراحل الأولى للتكوين، الصبغة العلمية، والطابع الفلسفي، والفكر الاجتماعي النقدي الحركي، وعرفناها إيديولوجيا سياسية، تطمح للحكم والتأثير في الجماهير، فأعتقد فيها وكأنها تريد أن تصبح عقيدة، تنافس عقائد السماء، أو كما أرادها أصحابها كذلك، هذا حال فكر علماني يعيش في بيئة مغلقة عقائدياً، وحتى يكون وجوده فاعل، يجب أن يتخذ طابع القداسة الفكرية الذي ينافس القداسة العقائدية، ويطرح نفسه كبديل عنها، ربما كان كذلك أو هو متصور عند الآخرين، من الذين لا يعتقدون بها، وينظرون لها بريب وشك وحذر. هل يعني ذلك أن الشيوعية، تحولت إلى عقيدة فعلا؟ دخول الفكر الشيوعي للعراق، ومراحل تكوينها وتاثيرها بالجماهير والطبقة المثقفة منهم، أو المياله الى متبنياتها، بكونها تناغم وتخاطب، الطبقة البروليتارية، الفقيرة المعوزة التي انهكتها الاقطاعية، والسياسية المغلقة على مفاهيم العشيرة، والعائلة، والطبقية، والتي تجاوز العراق شيء منها بعد ثورة ١٩٥٨ وإعلان الحكم الجمهوري، على الرغم من معاناة الشيوعيين في هذه المرحلة من التقلبات السياسية، والأنظمة الحاكمة، والأحكام الصادرة بحقهم من تكفير، وتفسيق، وتحريم. فقد كانت كل هذه الأحكام ومن صدرت منهم، متغافلة ومتغافلين، حقيقة الشيوعية بانهأ ليست عقيدة بل هي ثقافة، وما حكم التكفير الا أن يقابله عقيدة، فالثقافة يجب أن تواجه بثقافة لا تقابل بعقيدة، فلا يمكن أن تكون هناك مساحة حوار، بين ثقافة بشرية، وبين عقيدة ميتافيزيقة، فالشيوعية هي فكر وثقافة وفلسفة، لم تكن عقيدة، والأدلجة هي انتماء اقناعي لا اعتقادي، فالشيوعيون هم مثقفون، بنمط من الثقافة السياسية، والاجتماعية، بصبغة اقتصادية تحكمها فكرة العدالة والمشاركة، فليس لديهم وعن الشيوعية العراقية نتحدث، منابر للخطب الدوغمائية، ولا أئمة عواطف وطقوس، ولا يملكون أجنحة عسكرية، لان الثقافة ببساطة تتقاطع مع حمل السلاح، بينما العقيدة تدعو لذلك، وتحت عنوان الجهاد والشهادة، والثواب، والجنة، فالاحكام الصادرة بحق الثقافة الشيوعية، هي احكام تكفير بلا تفكير، من وجهة نظرنا، ولو كانت هناك مقابلة معرفية بين مفهوم؛ الثقافة/ العقيدة، العلمانية/ الدينية، المدنية/ اللا مدنية، الثقافة / العاطفة، الانفتاح/ المحافظة، الإلحاد/ الايمان، لما كانت هناك احكام تكفير بلا عقيدة تقابلها، ولو انها احكام مقصودة في عمقها، موجهة للعامة من العاطفيين من الناس الذين يفهمون الدين برجاله، لا العكس، وهي طريقة محاربة الخصوم، والتنافس السياسي، والتسقيط الاجتماعي وغيرها من الممارسات التي تنبع من تفكير دوغمائي رافض الاعتراف بالآخر، ولو أن رجال هذه الأحكام اقتربوا من الشيوعية العراقية وانفتحوا عليها، لما فهموها على أنها عقيدة، ويجب أن تقرع بعقيدة، بل لوجدوها ثقافة تحمل طابع فكري وسياسي واجتماعي لها طروحاته، في إصلاح الحياة، ونظام الدولة، والمشاركة بالحكم، فالشيوعية العراقية واتباعها يمارسون كل سلوك من أصدر بحقهم حكم التكفير، فهو واغلبهم يؤمنون بالله، ليسوا كفرة، دينهم الاسلام من هو مسلم منهم، يصومون، يصلون، يشاركون الناس مناسباتهم الدينية، يعقدون اقرانهم بالسنة النبوية، يباركون المناسبات الدينية، ويعيدون في اعياد الإسلام، ويقيمون مجالس العزاء وقراءة سورة الفاتحة على شهداء رفاقهم، وكثير من الشيوعيات محجبات، وملتزمات بزيهن المحتشم وعن قناعة، وغيرها من المسائل التي يؤدونها بشكل غير مختلف عن المتدين، والذي يحكم عليهم بالكفر والاحاد. في هذا الاسبوع من شهر ايار ٢٠١٥ تصدت جهات سياسية دينية، ولم نقل دينية سياسية، وذلك لنؤكد انها تتخذ من الدين غطاء سياسي بأمتياز الى تأجيج عواطف الجمهور، عبر مفاهيم مشبع بها سلفاً، منغرسة في تراكماته التاريخية عن الشيوعية، واتباعها، ومواقفها، استرجعت بها احكام التكفير، والتفسيق القديمة، بتوظيف جديد، يقلص الدور الذي ناله الحزب الشيوعي، بعد انضواءه مع تحالف سائرون التابع للتيار الصدري، وهذا التحالف بحاجة إلى تساؤل صريح، هو لماذا لم يستند هذا التيار الديني الى الأحكام الصادرة بحق الشيوعية قديماً وتجنب التحالف معه؟ وكيف وقع بعد مسيرة تحول من التكفير الى التحالف؟ هذه أسئلة تحرج المؤسسات الدينية ومراجعها التي تكفر الشيوعية وتصفها بالالحاد، وتحرك الشارع ضدها، وضد أعضاءها، والاعتداء على مقراتها، والتنديد بتواجدها، والتضييق على اتباعها بالتهديد والتصفية وغيرها، فهذه الأفعال لا تشبه أفعال الحليف الذي رحب بتواجده معه، تحت عنوان العراق وهمومه ومشاكله، متناسين التقاطعات الأيديولوجية، ومتوحدين في موقف وطني، وفي هذا التحالف كانت قد غلبت العاطفة الوطنية على العاطفة الدينية، وتغالب الاعتدال على التزمت، والتشدد في الاحكام الدينية على التيارات العلمانية وبالتحديد الحزب الشيوعي، وغلبت الوطنية على الانتمائية الفرعية، وهذا ما لم يفهم بعد، من قبل كثير من الأطراف، ولا سيما تلك التي تتخذ من الهفوات، لغة تصعيد ووعيد، وتنكيل وخصومة، وعدم تسامح واعتراف، بل واظهار البعد الدوغمائي بكل أشكاله وانتماءاته وتبعيته، وهذه مشكلة الشعب الذي لم يتجاوز بعد، ثقافة الولاء الأعمى الذي يتقاطع مع كل الأطراف الشريكة بالوطن لا بالوطنية!!

 

 الدكتور رائد عبيس

 

نشعر اليوم بالطبيعة الانتقالية لعالمنا عبر طريقتين تتمثل الأولى على أنها نجاحات حقيقية، والثانية ربما تكون حكايات وهمية لتكنولوجيا المعلومات لأحداث وحدوث تحولات ثقافية وعقلية، لكن لا أحد يعلم ما إذا كان ذلك صحيحًا، غير إن الحقيقة تبقى في أن كل دولة تخضع لضغوط معينة في اتجاه التحول من قبل كلاُ من القوى الداخلية والخارجية، وفي ذات الوقت فأن المشاكل الاقتصادية عصفت بالعديد من الدول التي لم تفكر في ذلك الموضوع ولم تتوقع حدوثه لها.

 وبعيدا عن التكنولوجيا والاقتصاد فأننا ومع التقدم في سنوات عصرنا نجد انخفاض عدد الكلمات التي تعبر عن مواقف إنسانية وعاطفية حقيقية لا مصطنعة في النصوص والمواقف وفي مجمل الحياة العامة، ومن يتتبع المدونات والمؤلفات سيلاحظها انه وفي عقد الستينات وعقد السبعينات كانت مليئة بالعبارات الإنسانية والعاطفية اللا مفتعلة، إضافة إلى انعدام أو على الأقل تدني شديد في الكلمات المعادية للمجتمع، كما نلحظ فيها زيادة بكثر استخدام الضمائر الشخصية وتناغمها مجتمعا مع تدفق كلمات كثيرة للاتصال بين إفراد المجتمع، بينما تسجل حالات هذه العقود الزمنية انخفاضا حادا في الحالة المزاجية الإيجابية فضلا عن انقطاع اجتماعي كبير، وتحدث الناس عن وجود مستويات أكبر من الشعور بالوحدة والنقمة والعزلة الاجتماعية، ومع مرور الوقت وجدنا حتى كلمات الأغاني الشائعة قد تغيرت وأصبحت تتضمن كلمات أقل وأقل مما يتناغم ويتعلق بالتفاعل الاجتماعي.

إن كلمات الأغنية تسمح لنا بفهم التغيرات الثقافية في الظروف النفسية للشعوب ولذا يمكن أن يكون للاحتلال الذهني نظرة مقنعة أو مترنحة إلى العالم عبر النظارات العقلية للأشخاص الآخرين، وبمعنى أكثر دقة عبر اللغة حين نرى عبرها تأكيدها للمعاني التي تعمل ذهابا وايابا في هذا المجتمع أو ذاك، ومع إن اللغة ليست سوى جزء من المشكلة لأنها في الأساس الناقل للمحتوى وهذه هي وظيفتها الرئيسية ونحن أكثر تأثرًا بالمعاني التي تحملها ومع ذلك وفي غياب المعاني الاجتماعية التي تهدف إلى البقاء الكافي للمجتمع تأتي المعاني الفردية الفاقدة للمذاق والذوق الاجتماعي الصحيح وهي لا تأتي بمعاني فردية صحيحة إذ أصبح الكذب والشغف بالمال والإثراء هدفاً فردياً لأفراد المجتمعات وهذا هو الذي اوجد نوعًا مختلفًا تمامًا من النخبة والمرتكزة على أهداف متدنية عديدة.

ان الاحتلال الذهني يحدث بعصرنا هذا فلدينا فوضى لا تقل عن فوضى الفلسفة السلطوية العربية، فلماذا تفعل الفوضى بنا ذلك؟ وأنتم بطريقة ما قد تظنوا الجواب بسيطا عبر الارتكاز إصلاحيا على القيم الاجتماعية التي تعترف بالأغلبية وتعترف بالحرية والمسؤولية باعتبارها ضرورة حيوية وباحترام الذات واحترام الآخرين وببناء الثقة كأساس للعلاقات في المجتمع، فهل هذه فقط هي المعاني الغائبة عن المجتمعات؟ وهل لتلك الأسباب لا يمكن للمجتمعات إن تكون أفضل؟ ولا أن تعمل بشكل مناسب؟؟ إن الحاجة إلى المصائر الفردية تدخل الساحة، والعالم تتكسر أرواحه باستمرار عبر التحولات العقلية، لتدخل وتشتبك الأفكار القديمة والجديدة في صراع ويتوافق ذلك النهج إلى حد كبير مع وجهة النظر القائلة بأن علماء المستقبل والحروب يفعلون ذلك عند النظر في الهياكل الأمنية للمستقبل ويؤكدون على سقوط الاعتماد البشري على الدولة والذي تناغم ليصبح غير ضروريا مع مطالب وحرية حركة الناس والأفكار.

 عبر ذلك وجدنا إن الصورة الناتجة عن التحول العقلي الفوضوي الحديث تصبح رفضًا كاملاً للمعايير العقلية السابقة التي بُني عليها العالم واليوم جعلنا من انتقالنًا جدا متناقضًا، فكانت المجتمعات تسعى من أجل تحقيق الحرية للجميع ومنح الراحة للأغلبية وإعلان حقوق وحريات الأقليات كنقطة مرجعية لتقييم مستوى التقدم البشري، لكن في الوقت الحالي ومع حلول الألفية الجديدة أدت ولعبت الروح الغربية التي تندفع وتتجاوز كل الحواجز وكل الحدود ولأنها كانت قادرة على تحقيق الكثير بإدراك وفهم وإعادة التفكير وتغيير النموذج بشكل جذري لكنها وبدلاً من قيادة البشرية بعيداً عن ممارسة العنف العالمي والوحشي هرعت بمسيرة الحرية البشرية إلى أسفل التل!! وعلى كل حال لقد بدأ عالم اليوم في التحرك بسرعة أكبر مما كان عليه في الماضي وكل يوم يتحرك بعيدا عنا وإذا كان بالإمكان تحديد مهام "اللحاق والتجاوز" السابقة فإن مثل هذه المهام أصبحت اليوم بعيدة المنال بالنسبة لنا، ودائمًا ما يكون تغيير صورة العالم ديناميكيًا مؤلمًا للوعي الجماعي فلذلك قد يتم إدراك الوضع من قبل حقيقة أن الشخص مستعد للتصديق في كل شيء من أجل البقاء على قيد الحياة الخاصة به!! وإن دراسة خداع الإنسان الذاتي تدفعنا بالضبط إلى هذا الاستنتاج عبر تأكيد وانتهاج وظيفة الغش وخداع الذات في المجتمع البشري، ولان كل أهدافنا التطورية الهامة تتطلب التفاعل والمنافسة مع الآخرين، لإن القدرة على إقناع الآخرين بتحقيق أهدافنا أمر أساسي لبقائنا، لدرجة انه قيل إن الاستدلال ينشأ إلى حد كبير اثر إقناع الآخرين وليس بالبحث عن الحقيقة وذلك بعد إن يكون مرتبطا بفرضية الذكاء الاجتماعي التي وبموجبها يتلقى الدماغ البشري شحنا كبيرًا كي يتصرف حامليه بشكل فعال في البيئة الاجتماعية مع أشخاص آخرين ليسلطوا الضوء على إمكانية تفعيل أحوال الناس حتى لو كانوا يؤمنوا بالسلب والخطأ.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

مصطفى غلمانالضمير الأخلاقي أو الذات الأخلاقية صنوان لفعل قيمي، باعتبارها إحدى أهم تجليات وعي الذات الشخصية للواجب والمسؤولية تجاه المجتمع والعالم.

وحسب معجم علم الاخلاق قد "لا يتجلّى الضّمير في صورة إدراك عقلي لقيمة الأفعال الأخلاقيّة، فقط، بل وفي صورة معاناة عاطفيّة، كما في الشّعور بتأنيب الضّمير، أو في أحاسيس " راحة الضمير الإيجابية". فالمحسوس أحيانا لا يشي بالحقيقة المدركة عقليا، ولهذا يمكن تشكيله عبر تمفصلات أخرى، بفعل تقدير وفهم الفرد للسلوك أو الفعل الخاص والاستجابة الإيجابية للتغيير، بما هو تهذيب وارتفاع وجداني وأخلاقي.

إذا كان الضمير المقصود جملة من المعارف الباطنية الضامة للمشاعر والعواطف والانفعالات والسرائر فإن ثمة ما يجسد حضوره الميتافيزيقي على مستوى الحواس، وهو رابط فلسفي جوهري بالدلالة على شحن الوعي الأخلاقي وتقديره وتحفيزه أن يكون كيانا وجدانيا متعاليا يضطلع بمهام الشّعور المتاخم بين الخير والشّرّ، ومحاكمة الذّات ومحاسبتها، ومراقبتها وفق الأبعاد والخلفيات النفسية والعقلية.

ألا يستدعي ذلك مقاربة جملة من الاعتبارات الخاصة بسلطة الضمير وتقاطعاته الروحية والوجدانية.

كيف يكون للضمير يد على الآخر؟ ما علامات تصاعد مقدرات الضمير وعائدات هدمه للأفعال المرفوضة أخلاقيا؟ كيف يستعيد الضمير شخصيته الكاريزمية؟ وهل هو معصوم من الخطأ والردة الاخلاقية؟ وهل هناك ضمير راشد وضمير طائش فاسد؟

الحقيقة أن أسئلة سوسيولوجية كثيرة تستنتج درجة معقولة من التفكير بين شقين للضمير. واحد مفرد يتقاطع مع آخر جمعي. وبينهما شعرة معاوية، حيث يمكن ترسيم حدود للوعي الشقي بينهما.

إن الغاية الأخلاقية هي من تثير جدلا الفصل بين الضميرين، حيث يمكن استيعاب درجات المعايير السلوكية، ما بين الواجبات والسلوك الملزم.

وسلطة الإلزام تلك صادرة عن مصدرين، الوازع الداخلي وسلطة المجتمع. وهو ما يؤكد من فرضية استمداد قوة القيم الأخلاقية من الطابع الإلزامي للضمير الفردي قبل الجماعي.

كما يمكن تفسير علاقة القيم الأخلاقية بالحرية الشخصية انطلاقا من حتمية تصريف مجموعة من السلوكيات والمواقف اعتبارا للعلاقة بين العقل والواقع، وانشداد الإرادة بالوعي إلى بلوغ الهدف، باعتبار الإرادة قدرة على الاختيار والتصرف وفق ما يمليه تفكير الفرد، وحسب قناعته.

من أجمل ما انطبع في الدلالات الأخلاقية لدى فلاسفة التصوف اجتراح الضمير الأخلاقي لوحدتي الوجود والمعرفة. لهذا كان ابن عربي يستنفر قيمتي الذوق والمحبة، لتحويلهما إلى قيمة أخلاقية كبرى، ضمن إواليات قيم الإيثار الصوفي الراسخ.

فالمجاهدة التي هي الأخلاق العملية المرتبطة بالسلوك البشري، هي تهذيب النفس وإعدادها لبلوغ الكمال والشعور بالسعادة. ولا يتأتى ذلك إلا باقتفاء أثرين صميمين: سياسة النفس ظاهرا وسياسة النفس باطنا.

وكم هو صعب هذا التوق إلى مسايسة النفس وترويضها وتعميدها بماء الصد والرد والإغارة.

وإذا كان الأمر معقودا على النظر في النفس قبل التدبر فكيف بها وهي منفلتة خاضعة للهوى والضعف الدنيوي المادي!؟ .

لكنها مع ذلك تدرك أصلانيتها في جوهرها ومادتها المتحلقة، حيث تصطلي الحكمة عند الإشراق وتكمن في الظلمة عند الإخفاق. يقول الشاعر :

إنما النفـس كالزجاجة والعقـل

سراج وحـكمـة اللـه زيـت

فـإذا أشـرقـت فـإنّـك حـي

وإذا أظـلمـت فـإنّـك مـيْـت

 

د . مصــطفى غَــلْمَـان*

 

 

عدنان عويدكثيراً ما تتداخل المفاهيم السياسية والفلسفية والثقافية والأخلاقية... الخ مع بعضها بعضاً، الأمر الذي يؤدي إلى خلق إشكال معرفي وسلوكي لدى المتلقي أو المتبني لهذه المفاهيم. ومن هذه المفاهيم التي تداخلت مع بعضها يأتي تداخل مفهومي المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، الأمر الذي يدفعنا هنا لفك الارتباط أو التداخل بين المفهومين، بغية الوصول إلى معرفة كل منهما ودوره وأهدافه وآلية عمله، وبالتالي امتلاك القدرة في التعامل مع كل منهما وفقاً للظرف التاريخي المعيوش.

إذن هناك فرق بين المجتمعين الأهلي والمدني، فالمجتمع الأهلي هو مجموعة من المتحدات التضامنية ذات الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والتي غالباً ما يصب نشاطها بالضرورة بشكل مباشر أو غير مباشر في مساعدة الأنظمة السياسية القائمة لتحقيق التنمية في الدولة والمجتمع. وذلك من خلال تحالف وتضامن بعض المتطوعين من المواطنين ورجال الخير، الذين يضعون لعملهم أهدافاً غالباً ما تأخذ وجهاً إنسانياً خيرياً، حيث يتجلى عمل هذه المتحدات في الاشتغال مثلاً على حقوق المرأة، والطفولة، والمعوقين ذهنيا أو جسدياً، كالمكفوفين والعجزة وذوي الأمراض المستعصية وغير ذلك.

إن أهم ما يميز عمل هذه المتحدات الاجتماعية الخيرية، هو حالة التنظيم في سريان عمل لجان هذه المتحدات، ووصول أعضائها إلى تسلم المهام فيها. حيث نجد أن هناك عملاً يقوم على خطط ممنهجة قابلة للتطوير والتجديد دائماً، مثلما نجد هناك خطاً ديمقراطياً واضحاً في سير عملها، إن كان على مستوى وصول قيادات هذه المتحدات عبر الترشح والانتخاب، أو عبر اتخاذ القرات الحاسمة في شأن هذا المتحد أو ذاك.

أما بالنسبة للمجتمع المدني : وهو مشتق هنا من المدينة، والمدنية. أي مشتق بتعبير آخر من الوضعية التاريخية لتطور المجتمعات التي وصل فيها المجتمع والدولة إلى مرحلة لم يعد فيها ذاك الدور الكبير والفاعل للمرجعيات التقليدية (عشيرة وقبيلة وطائفة ومذهب) في ضبط آلية حركة المجتمع من جهة، مثلما أصبح لمكونات بنية المجتمع والدولة في هذه المرحلة دلالاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية من جهة ثانية.

فعلى المستوى الاقتصادي: تأتي دلالات المجتمع المدني في التوجه نحو اقتصاد قادر على تحقيق تنمية مستدامة للدولة والمجتمع معاً. أي التوجه لتجاوز اقتصاد السوق العينية والصغيرة والريعية، إلى سوق اقتصادية أكثر سعة وشمولية ومنهجية قادرة على خلق دخل إضافي لميزانيات الدولة ينعكس إيجاباً على حياة الفرد والمجتمع.

وعلى المستوى الاجتماعي: تأتي دلالات المجتمع المدني في السعي لتحقيق دولة المواطنة والقانون والمؤسسات، بدلاً عن دولة العشيرة والقبيلة والطائفة والحزب الواحد.

أما دلالاته على المستوى السياسي: فتأتي بالدعوة إلى التعددية السياسية وتداول السلطة والمشاركة فيها واعتبار الشعب هو مصدر السلطات.

وعلى المستوى الثقافي: فدلالاته تكمن في محاربة كل الفكر الرجعي المثالي والامتثالي الاستسلامي الوثوقي، والتأكيد على دور العقل النقدي وحرية الإنسان في صنع حياته وحياة الأجيال القادمة. ويدخل في هذا الاتجاه تنمية عقل الفرد والمجتمع على ضرورة التعامل مع خصوصيات الحاضر دون نكران الماضي والمستقبل. فالماضي يظل يحمل في مضمونه جوانب عقلانية لولاها لما استمر التاريخ أصلاً، ومن هنا تأتي عملية الربط بين الأصالة والمعاصرة.

إن أهم مرتكزات المجتمع المدني هنا، هي أن المتحدات الاجتماعية التي تواجدت في المجتمع الأهلي تظل قائمة، مع دخول متحدات جديدة ذات طابع سياسي (أحزاب)، هدفها الوصول إلى السلطة، من أجل المشاركة فيها وبالتالي تداولها.

إن المجتمع المدني يعني في المحصلة الدولة المدنية، التي تأسست فيها قواعد بناء المجتمع والدولة الحديثين، وأهم ما تأسس فيها في هذا الاتجاه، هو العلمانية والديمقراطية، ففي الديمقراطية تتحقق المشاركة، وفي المشاركة يقضى على التفرد بالسلطة، وعبرها يتساوى الناس في الحقوق والواجبات، وفي الديمقراطية يُفرض احترام المرأة، والرأي والرأي الآخر. أما العلمانية وهي الوجه الاخر للديمقراطية، ففيها يسود العقل والمنطق في تطبيق سياسية الدولة الداخلية والخارجية بما يخدم مصلحة الدولة وهيبتها وحماية المجتمع ووحدته وتجذير فكرة المواطنة فيه .. في العلمانية تتم عملية ضبط الديمقراطية ذاتها بحيث لا تتحول الديمقراطية إلى أداة لتفجير المرجعيات التقليدية واستخدامها في صراعات داخلية من أجل الوصول إلى السلطة و والحصول على الغنيمة. فالعلمانية هنا ترسم الحدود بين مصلحة المجتمع ومصلحة الفرد، وبين مصلحة الدولة المؤسساتية، أو المواطنة، وبين دولة العشيرة والقبيلة والطائفة.

إن المجتمع المدني في المحصلة هو الدولة المدنية.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور- سورية

 

محمود محمد علينعود إلي الجزء الرابع من التفسير الابستمولوجي لنشأة وتطور الفكر السياسي عند المسلمين ، فنقول :

إذا ما انتقلنا إلي ابن رشد في القرن السادس الهجري، وذلك في كتابه "الضروري في "السياسة في السياسة"، والذي يحاول من خلاله أن يدشن قطيعة معرفية مع كل من "الفارابي" و"ابن سينا"، لكونه خلافًا لما شاع وذاع، لم يعمل على التوفيق بين الدين والفلسفة بدمج الدين في الفلسفة كما فعل الفيلسوفان المشرقيان، بل عمل بالعكس من ذلك على الفصل بينهما؛ وهنا نستشهد بقول الدكتور "محمد عابد الجابري" بأن: " ابن رشد يرى أن للدين مبادئ وأصولًا خاصة، وأن للفلسفة كذلك مبادئ وأصولًا خاصة، الشيء الذي ينتج عنه حتمًا اختلاف البناء الديني، عن البناء الفلسفي، ولذلك كان من غير المشروع في نظره دمج أجزاء من هذا البناء في البناء الآخر، أو قراءة أجزاء من هذا البناء بواسطة أجزاء من ذلك. إن النتيجة ستكون … تشويه تلك الأجزاء والتشويش على البنائين معًا .

فلاشك في أن ابن رشد في كتابه الضروري قد قطع مع نوع "الكلام" الذي تكلمه الفارابي في السياسة والمدينة الفاضلة،" ليدشن خطابًا جديدًا في العلم المدني، يواجه السياسة بموقف سياسي صريح وشجاع، وهو هذا الكتاب يمارس فيه ابن رشد نقدًا صريحًا وجريئًا للحكم في عصره، مفضلاً ترك الأمثلة التي يعطيها أفلاطون عن زمانه ومكانه، ليعطي هو أمثلة أخرى معاصرة له: عن زمانه هو ومكانه هو".

ويذكر ابن رشد بأن كتاب "السياسة" لأرسطو غير متوفر لديه، لذلك يلجأ إلي تلخيص كتاب السياسة لأفلاطون .

وفي هذا الكتاب حرص "ابن رشد" على تقسيم وتصنيف العلوم، واهتم بتحديد موضوع السياسة، والأسس التي يقوم عليها. فهو يرى أن هناك اختلافًا جوهريًا بين العلوم العملية والعلوم النظرية، ذلك أن موضوع العلم العملي الذي يتضمن السياسة، والأخلاق هو الأفعال الإرادية التي تصدر عن البشر ومبادئه التي، تتمثل في الإرادة والاختيار، أما موضوع العلم النظري فيشتمل على علم التعاليم بأقسامه، كذلك يشمل الفلك وكل ما يتعلق بالأمور الطبيعية.

وقد انتقد البعض الفكر السياسي عند الفارابي، وابن سينا، وإخوان الصفا، وابن رشد؛ مؤكدين بأن " المرجعية الفكرية، والفلسفية، والدينية التي اتخذها هؤلاء الفلاسفة مستندًا ومتكأ، ثم على تصورهم السياسي المنبثق من عقيدتهم وموقفهم الإيماني؛ وأعرضنا مطلقًا عما رُموا به من قبل العامة والخاصة، من انتماء باطني أو صابئي أو أصول يهودية، مما لا يُدفع عنهم بشغب سوفسطائي يثيره أنصار لهم، لأهواء مشتركة أو جذور متقاربة أو نزعات طاغية. علمًا بأن فكرهم السياسي، لم يتبلور قط إلي مستوى صياغة نظام للحكم متكامل، بمنهجه ونظمه للإدارة، والمال، والتدبير العام ؛ وإنما كان مبثوثًا في كتبهم الفلسفية التي التزموا فيها بالنهج الأفلاطوني شكلًا ومضموناً، فوردت أفكارهم ضمن رسائل حول قضايا الغيب والشهود، والمادة، والروح، والطبيعة وما وراءها، والاجتماع البشري، والسعادة، والشقاوة؛ مثلما هو حال رسائل إخوان الصفا والفارابي، وما صنفه ابن سينا في القضاء والقدر والفيض الإلهي والمبدأ والمعاد والأخلاق والحكمة  .

علاوة على أن البعض يرى بأن أنصار الاتجاه اليوناني يرتكزون على قاعدة أساسية متينة، وهي أن النظام السياسي الإسلامي ما كان منبثقًا من مرجعية الكتاب والسنة، عقيدة وأصولًا وفروعًا. وما عدا ذلك يُحتمل أن يكون متأثرًا بالإسلام، أو ملتقيًا به في بعض جزئياته أو كلياته ؛ إلا أنه لا يمثل النظام السياسي الإسلامي الحق تمثيلاً صادقاً.  ذلك لأن بوصلة التوجه إلي أي هدف هي التصور الإيماني السليم الواضح. وكل شغب يشاغب على هذا التصور ينعكس سلبًا على التصرفات، عقلية كانت أو سلوكية .

وهذا يفرض علينا ألا نغفل ملاحظة اهتزاز عقيدة هؤلاء الفلاسفة، واضطراب مرجعيتهم الفكرية؛ وإن التقت في بعض جزئياتها بالعقيدة الإسلامية، التقاءً عفويًا بسبب انتمائهم إلى المجتمع الإسلامي وثقافته، أو التقاءً إراديًا بقصد التمويه على انحرافهم  الديني باعتناقهم آراء وثنية لفلاسفة من الفرس والهند واليونان، في نظرتهم إلي عالمي الغيب والشهود، وبدعوتهم إلى نظم للحياة الاجتماعية، والسياسية، والثقافية منبثقة عنها .

ثالثًا: المرحلة الاستنباطية.

وهي المرحلة التي أفضى فيها التراكم المعرفي الذي حققه تطور العلم أو الفكر في المرحلتين الوصفية، والتجريبية، وقد أدى هذا التراكم الكمي إلى تغير كيفي على ثلاثة مستويات محددة: مستوى الوسائل العقلية المنهجية من جانب، ومستوى مفاهيم العلم أو الفكر ومبادئه من جانب آخر. أما المستوى الثالث فهو مستوى نظرية العلم أو الفكر، التي تحدد البنية أو الشكل الذي سيجئ عليه العلم أو الفكر في هذه المرحلة. وفي المرحلة الاستنباطية يتم صياغة الحد الأدنى من قواعد العلم ومبادئه،  التي تمكن المختصين من الانتقال من مبدأ، أو أكثر داخل العلم أو الفكر، إلى مبدأ جديد، كما هو الحال في المنطق، والرياضيات، أو تمكنهم من التنبؤ بما سيحدث مستقبلًا –

بحسب مبدأ عام مستقر – كما هو الحال في العلوم الطبيعية، أو تؤهلهم أخيرًا لاستنباط أحكام معينة من قواعد عامة لحل مشكلات اجتماعية جزئية معينة، وهذا هو مثلاً شأن علم القانون .

والمرحلة الاستنباطية تمثل المرحلة التي تسعي إلي قطع الصلة بالمرحلة التجريبية التي قام بها الفارابي، وابن سينا، وإخوان الصفا، وابن رشد؛ والتي ثبت فشلها، بعد أن تبين أنها غير مقنعة ولا ترضي كل الأطراف، وبالتالي فهي نوع من القطيعة المعرفية، أو المغايرة النسقية.

والمغايرة النسقية هي " التغير الذي ينتج عنه أمراً جديداً كل الجدة، ولكنها عبارة عن مسار معقد متشابك الأطراف تنتج عنه مرحلة جديدة متميزة في تاريخ العلم " ؛ ومعالم المغايرة النسقية يمكن تتبعها على ثلاثة مستويات كما ذكرنا: مستوي لغة العلم من جانب، ومنهجه من جانب آخر، ومستوي نظرية العلم من جانب ثالث .

ويمكن تطبيق هذا المبدأ المعرفي على "السياسة الشرعية" التي لجأ إليها كل طوائف الفقهاء والعلماء عوضًا عن السياسية المدنية، والسياسة النفسية، التي لجأ إليها الفلاسفة في المرحلة التجريبية، فإذا كانت السياسة المدنية هي" تدبير شؤون الجماعة على وجه يتنظم بها أمرها، أي على وضع من الأوضاع، بقطع النظر عن موافقة هذه الأوضاع للشرائع السماوية أو عدم موافقتها ، بقطع النظر عن كونها سببًا في نجاة الجماعة في الآخرة أو عدم نجاتهم" ؛ وإذا كان هدف السياسة النفسية هو" تهذيب نفوس الناس واستصلاح بواطنهم  بتطبيق قواعد الأخلاق. والتزام الناس بتهذيب أنفسهم وأخلاقهم بدون سائس، وما يعرف "بالمجتمع الفاضل"، والمكان الذي يقيمون فيه" بالمدينة الفاضلة"، فهذا أمر بعيد الوقوع، والكلام فيه على سبيل الفرض والتقدير كما قال ابن الأزرق .

ولما ثبت أن السياسة المدنية ، والسياسة النفسية التي لجأ إليها الفلاسفة في المرحلة التجريبية فاشلة في تحقيق أغراضها،  ولا تواكب مستجدات الواقع الإسلامي خلال القرن السادس، والسابع، والثامن الهجري، لذلك لجأ العلماء والمفكرون خلال تلك المرحلة إلي السياسة الشرعية ، والآداب السلطانية، ونصائح الملوك، المتأثرة بالفقه، والشريعة الإسلامية، وحالوا أن يضعوا لها لغة ومنهجًا ونظرية مختلفة، عما كان متداولاً في المرحلة التجريبية، فقد تلاشت في تلك المرحلة فكرة الحاكم الفيلسوف وفكرة المدينة الفاضلة، التي يجب أن نسعي إلي تطبيقها على الأرض،  إلي الرجوع للواقع نفسه، ومعالجة مستجدات واقعه السياسي تبعاً للعقيدة والشريعة الإسلامية، لذلك وجدنا في تلك المرحلة الكثير من الفقهاء يكتبون كتباً مفردة تعالج نظم الدولة الإسلامية، على أساس فقهي، ومنها الأحكام السلطانية للقاضي الشافعي "أبي الحسن على الماوردي"، وكتابًا آخر بنفس الاسم للقاضي الحنبلي "أبي يعلى محمد بن الفراء" ( ت: 458هـ) . وأعقب ذلك في زمن لاحق كتاب الإمام تقي الدين أحمد بن تيمية ( ت: 728هـ) " السياسة الشرعية " ، الذي تظاهره كتابات متعددة أخرى تتصل مباحثها بالدولة والحكم ومنها " الحسبة " و" الجهاد " وغيرهما . فمثلًا نجد كتاب " تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام " ، كذلك كتب الإمام ابن قيم الجوزية ( ت: 751هـ) كتابه الضخم المتميز " أحكام أهل الذمة " وعرض للسياسة الشرعية في كتابه الممتع الكبير "إعلام الموقعين" ، وفي كتابه الصغير " الطرق الحكمية في السياسة الشرعية " الذي اتجه أساسًا لبحث " الحكم" بمعناه الأخص وهو القضاء وعني به إيضاح البينات والقرائن في الدعاوي والأقضية .

كذلك عني بعض المؤرخين بتتبع تطور نظم الدولة الإسلامية على أرض الواقع التاريخي، مثل " الجهشياري ( ت: 330هـ)  في كتابه " الوزراء والكتاب "، والصابي ( ت: 448هـ) في كتابه "تاريخ الوزراء"، والكندي ( ت: 350هـ) في " كتاب الولاة وكتاب القضاة"، وابن طباطا المعروف بابن الطقطقي ( ت: 709هـ) في "الفخري"، هذا إلى جانب متفرق في كتب التاريخ والتراجم. وقد جاءت مقدمة ابن خلدون المعروفة والتي كتبها ابن خلدون ( ت: 808هـ)، تجمع بين جانبي التأصيل الفقهي والتطور التاريخي في عرض نظم الدولة الإسلامية .

وفي هذه المرحلة سار الفقهاء والمتكلمون على نهج تشريعي، لما ينبغي، وما يجب وما يجوز، وما لا يجوز في نظام الخلافة وتدبير أمر الدولة. واستوفت أبحاثهم نظم الملك، والوزارة، والإدارة، والقضاء، والحسبة، والأموال، وتنظيم الجيوش، والعلاقات مع داري الحرب والمهادنة. كما بذلوا جهودًا جبارة من أجل تبرير تصرفات الملوك وإضفاء الشرعية عليها، وإرشادهم إلى ما يحفظ عروشهم ويحببهم إلى الرعية  .

علاوة على أنه في هذه المرحلة التي بدأت فيها تتشكل القاعدة، والقاعدة هي حكم كلي ينطبق على جميع جزئياته أو أكثرها،  لتعرف أحكامها منها، وفي تلك المرحلة بدأت تظهر القاعدة الفقهية لكثير من القضايا السياسية ، ومن أمثلتها:" الأمور بمقاصدها"، "العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني"،" الأصل في الكلام الحقيقة"، "إذا تعذرت الحقيقة يُصار إلى المجاز"، "لا يُنسب إلى ساكت قول"، "لا اجتهاد في مورد النص"، " اليقين لا يزول بالشك"،" الأصل براءة الذمة"، "المشقة تجلب التيسير"،" الضرورات تبيح المحظورات"،" الضرورات تُقدر بقدرها"،" لا ضرر ولا ضرار، درء المفاسد أولى من جلب المصالح"،" البينة حجة متعدية والإقرار حجة قاصرة"، "الغرم بالغنم"،" الحدود تُدرأ بالشبهات"، "إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام"، "الأصل في الأشياء الإباحة"، "ما لا يتم به الواجب فهو واجب"، "الإسلام يجُب ما قبله، للأكثر حكم الكل"، ... إلى غير ذلك من القواعد الفقهية التي كان تأصيلها نتيجة استقراءات الفقهاء والمجتهدين .

والقاعدة الفقهية كما نلاحظ هنا هي " المبادئ العامة للفقه الإسلامي التي تتضمن أحكاما شرعية عامة تنطبق على الوقائع والحوادث التي تدخل تحت موضوعها، أما النظريات الفقهية فهي المفاهيم الكبرى التي يُؤلف كل منها على حدة نظامًا حقوقيًا موضوعيًا ينبثق من الفقه الإسلامي ومُتحكمًا في كل ما يتصل بموضوعه. والفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي: أن القاعدة تجمع فروعًا من أبواب شتي، والضابط يجمعها من باب واحد. من أمثلة الضوابط في السياسة الشرعية "تصرف الولاة منوط بالمصلحة "، "العقوبة لا تكون إلا على ذنب ثابت أما المنع والاحتراز فيكون مع التهمة" ،" ضبط المصالح العامة واجب ولا ينضبط إلا بعظمة الأئمة في نفس الرعية "،" يجوز في الجهاد ما لا يجوز في غيره، يراعي في كل ولاية الصلح لها" ،" الجهاد مشروع في الجملة ويمنع منه في مواضع "، "لا يجوز الافتيات على الأئمة وأصحاب الولايات فيما يخصهم ،الأصل في الدماء العصمة" .

وبعد أن تشكلت القاعدة الفقهية لكثير من القضايا السياسية، أضحت السياسة الشرعية علما له لغته ومنهجه الخاص به، حيث يعرف بأنه هو "علم يبحث فيه عن الأحكام والنظم التي تدبر شؤون الدولة الإسلامية التي لم يرد فيها نص أو التي من شأنها التغير والتبدل، بما يحقق مصلحة الأمة، ويتفق مع أحكام الشريعة وأصولها العامة ؛ أو " العلم الذي يُبحث فيه عن الأحكام والنظم التي تدار بها شؤون الأمة بما يحقق مصلحتها ويكون متفقًا مع أحكام الشريعة وقواعدها العامة. وهذا يقتضي وجود سائس وهو الحاكم ، سواء كان خليفة، أو ملكاً، أو أميراً، أو وإلياً، ويقتضي وجود مسوس ، وهم أفراد الرعية المحكومون، وشيء تساس به الأمة، وهو النظم والأحكام التي تدبر بها شؤون هؤلاء المحكومين في إطار ولايات متمايزة، يختص كل ولاية بمرفق من مرافق الدولة، مثل الوزارة، والإمارة على الأقاليم والبلدان، وإمارة الجيش وولاية المظالم، وولاية الحسبة، وولاية القضاء، وغيرها من الولايات التي أوصلها الماوردي في كتابه "الأحكام السلطانية" إلى ثماني عشرة ولاية".

وبناء على ذلك تكون مباحث السياسة الشرعية وموضوعاته على النحو التالي:

1- الوقائع المتعلقة بعلاقة الحاكمين بالمحكومين بتحديد سلطة الحاكم، وبيان حقوقه وواجباته، وحقوق الأفراد وواجباتهم ، وبيان السلطات المختلفة في الدولة، من قضائية، وتنفيذية، وغيرها، وهذه المباحث أُطلق عليها اسم: نظام الحكم في الإسلام، ويطلق عليها بعض المعاصرين: السياسة الدستورية الشرعية، ويقابلها في القوانين الوضعية القانون الدستوري .

2- الوقائع المتعلقة بعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول في حالتي السلم والحرب، وقد أطلق على هذه المباحث: النظام الدولي في الإسلام، ويسميها بعض العلماء المعاصرين باسم: السياسة الخارجية في الإسلام، ويسميها بعض آخر باسم: السياسة الدولية في الإسلام، ويقابل هذه المباحث في القوانين الوضعية القانون الدولي العام .

3- الوقائع المتعلقة بالضرائب، وجباية الأموال وموارد الدولة ومصارفها، ونظام بيت المال، وقد أطلق على هذه المباحث اسم: النظام المالي في الإسلام، ويسميها البعض باسم: السياسة المالية في الإسلام، ويقابل هذه المباحث في القوانين الوضعية: القانون المالي، أو علم المالية .

4- الوقائع المتعلقة بتداول المال، وكيفية تنظيم استثماره، وتدخل الدولة في ذلك، والآراء والنظم الجديدة، كالاشتراكية، والشيوعية، والرأسمالية، وقد أطلق على هذه المباحث اسم: النظام الاقتصادي في الإسلام، ويسميها البعض باسم: السياسة الاقتصادية في الإسلام، ويقابل هذه المباحث في القوانين الوضعية: علم الاقتصاد .

5- الوقائع المتعلقة بالنظم القضائية وطرق القضاء والإثبات، وقد أطلق على هذه المباحث اسم: السياسة القضائية في الإسلام، ويسميها البعض باسم: علم القضاء، ويقابل هذه المباحث في القوانين الوضعية: قانون المرافعات، وقانون الإثبات، وبعض مباحث القانون الدستوري .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط