كرة القدم ليست مجرد لعبة رياضية، انها كبر من ذلك بكثير ربما اصبحت مجال حرب غير اخلاقية تستعمل فيها كل الوسائل من اجل الربح . لعبة تحولت من مجال للفرجة والمتعة الى فضاء مزدحم بالسياسة والايديولوجيا والمال والخرافة والعنف .

قيمتها وشعبيتها تكمن في قيمتها الفرجوية لانها تمثل مجالا حيويا للترفيه الإنساني، وللتنفيس من ضغوط الحياة المعاصرة وإيقاعها السريع. إضافة الى كونها قناة من قنوات الفعل السياسي ووسيلة ومن سائل التأثير السياسي والايديولوجي .

هي لعبة تحولت الى مجال للصراع والعنف والتوثر من خلال حجم العنف المرتبط بها وبالملاعب، مما يولد الرغبة في محاولة فهم ومقاربة موضوع كرة القدم بين الفرجة والعنف من خلال معرفة الاسباب والدواعي من داخل مقاربة سوسيولوجية .

مؤخرا، في مباراة لكرة القدم بين فريقين عربيين في نهائي عصبة الابطال بين الترجي التونسي والوداد الرياضي، توقف كل شئ وتحول النقاش العمومي الى نقاش حول كرة القدم، لا حديث يعلو على وقائع المباراة واسباب توقفها ومسارات ما بعد التوقف، وعن المؤامرة والبيع والفساد وعن مصير الكأس واجتماعات ادارة الكاف لتقرير في مصير المباراة / المعركة .

النقاش كان كثيفا ومتضخما مليئا بالتفاصيل الكثيرة، مما يقود الى استنتاج اساسي ان كرة القدم اصبحت انشغالا يوميا للمواطن وربما قضية وطنية تحضي بالأولوية المطلقة في سلم اولويات مواطن مقهور .

حكم المباراة انتهت صلاحيته، وصفارته لم يعد لها معنى . توقف كل شئ، وحدهم السياسيون يعيشون اسوأ لحظاتهم، رغبة في ايجاد مخرج امن لتفريق حشود بشرية قد تفعل أي شئ وكل شئ .

نزل رئيس الكونفدرالية الى الملعب وكل الطاقم الاداري في سوك مرفوض رياضيا، توقفت المباراة، واعلن الترجي فائزا بقرار من رئيس الحكومة التونسية ولدواعي امنية !

بتونس هناك فوبيا من التجمعات، ومن الحضور الجماهيري، انها الدولة العربية التي دشنت شرارة التغيير فيما سمي بموجة الربيع العربي بعد حادثة احراق البوعزيزي لنفسه فالأمن اولا والامن اخيرا، الحشود لا يمكن التحكم فيها لا بإرضاء كبريائها، هكذا فكر المسؤولون في ايجاد حل امني لمباراة كانت سياسية وتجارية قبل ان تكون رياضية .

كرة القدم اصبحت فعلا سياسيا ورهانا اقتصاديا ومنتوجا معولما، تعمل من خلالها نظم وشركات العولمة على نشر قيمها، ربما هي الاداة الاكثر فعالية لنشر قيم العولمة وصناعة مواطن عالمي لا يهتم بتراثه وقيم مجتمعه، لأنه مشغول بأخبار الفرق العالمية واخبار نجوم كرة القدم، انجازاتهم، انتقالاتهم وكل التفاصيل الصغيرة والكبيرة حول حياة الفريق والنادي واللاعبين .

ان العولمة وعبر كرة القدم استطاعت توحيد الزمن رغم اختلاف الجغرافيا . اكثر من مليار ونصف مشاهد وفي لحظة واحدة يتشاركون نفس الزمان ويعيشون نفس الحدث ويتقاسمون نفس الاحساس انه زمن كرة القدم - كاس العالم – مثلا او مباراة الريال وبرشلونة او الريفير وبوكا جونيور وغيرها .

يقول إدواردو غاليانو: "كلما تحولت هذه الرياضة إلى صناعة، يتم استبعاد الجمال الذي يتولد من متعة اللعب لمجرد اللعب"، فكرة القدم لم تعد لعبة ورياضة تسود فيها الروح الرياضية ومؤسسة عل قيم المحبة والتعارف والتنافس الشريف، وانما اصبحت صناعة وتجارة وسياسة وأمن .

مع نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، أصبحت كرة القدم لعبة عالمية، فقد انتشرت وتعممت في مناطق نفود الاستعمار الانجليزي في مناطق مختلفة من العالم، وأدى ذلك إلى إنشاء الاتحاد الدولي لكرة القدم، والذي يُعرف اختصاراً بالفيفا (FIFA) عام 1901م.

تعد كرة القدم أكثر أنواع الألعاب الرياضية العالمية شعبيةً وحضوراً، إذ يتجاوز جمهورها المليار متفرج حول العالم وهو رقم مهم ومغري للشركات كسوق تجارية مربحة . انها لعبة لا تعرف حدوداً جغرافية أو هويات دينية أو عرقية أو قومية، بل هي أشبه بلغة عالمية توحّد البشر، وهي الوسيلة الوحيدة لتوحيد هم خلال التظاهرات الرياضية الكبرى، سواء تظاهرات كاس العالم او الذيربيات العالمية مثل الريال وبرشلونة والريفير وبوكاجونيور، ليفربول والمان سيتي، اليوفي والانتير وغيرها من المباريات التي تشد كل الانظار، حيت تختفي كل الفوارق وكل الخصومات ولا تبق غير خصومة كرة القدم والعنف الناتج عن كرة القدم في حالة الغضب الجماهيري .

لذا، فكرة القدم لها جاذبية سحرية وهذا سر قوتها وقيمتها، لدرجة ان إدواردو غاليانو اعتبرها بالذيانة الجديدة [[1]].بعض عشاق ومشجعي اللاعب الارجنتيني ماردونا قاموا ببناء كنيسة المارادونية (Iglesia Maradoniana) والتي تعرف أيضاً باسم كنيسة مارادونا، هي كنيسة تم تكريسها في مدينة روساريو بالأرجنتين تقديسا لاسم ماردونا حيت اعتبر صور من صور الرب على الارض وقد اسست هده الكنيسة في 30 اكتوبر 1998 وهو تخليدا لذكرى ميلاه .

لا احد ينكر القيمة الفرجوية لكرة القدم حيت اصبحت وسيلة للترفيه الإنساني، كمجال للتنفيس من ضغوط الحياة المعاصرة وإيقاعها السريع. لكنها اصبحت قناة من قنوات الفعل السياسي ووسيلة ومن سائل التأثير الايديولوجي، من اجل صناعة رأي عام موالي او مضاد لأي نظام سياسي، في الكثير من المباريات تتحول مباريات كرة القدم الى استمرار لسياسة حربية تخاض على ارضية الملعب وفي قنوات التلفاز وفي البرامج والاخبار والندوات وفي شبكات التواصل الاجتماعي من اجل خلق تعبئة وطنية: مباراة ايران والولايات المتحدة الامريكية ؟ ومباريات قطر ضد الامارات والسعودية الاخيرة.

البعد السياسي للعبة لا يعني غياب الابعاد الفرجوية واجواء المتعة النفسية التي تصنعها، لان الفضاء الذي يوفره فعل التشجيع يمنح الأفراد قدرة خلاقة على إعادة صياغة ذواتهم وبناء عوالم جديدة في اطار جمعي عبر حشود يختار ها الفرد بطواعية، من اجل التعبير عن ذاته في اطار حماسي يشكل فرصة لتفريغ كل المكبوتات، وبالتالي تحقيق راحة نفسية وتحقيق توازن ربما كان مفقودا بسبب كثرة الضغوطات الاجتماعية، وهو ما يقود الى فرضية ام الملاعب تشكل عيادة جمعية للتفريغ والعلاج .

كرة القدم تعتبر من اهم اليات العولمة لبناء هويات جديدة مؤسسة على قيم نمطية بتفكيك اسس الهويات المحلية والمتمايزة، واستبدالها بهوية واحدة ومعولمة .

تملك نفس الخصائص حيت يصبح لاعبي كرة القدم ملهمي الشباب في تثبيت القيم وانماط السلوك الجديدة، بما يقود الى انتاج مواطن عالمي يتنفس كرة القدم .

وفي مستوى آخر، توظّف النظم الحاكمة في الدول النامية كرة القدم لأغراض دعائية، على سبيل المثال: رأينا كيف يوظّف نظام السيسي تأهُّل المنتخب المصري إلى كأس العالم ويقدّمه على أنه منجز من منجزات نظامه. وكيف سوقت ايران انتصاراتها على السعودية والامارات على انه انتصار على مشروع الحصار .

و يعتبر بعض انصار الفريق الارجنتيني ان الهدف الذيسجله دييغو ماردونا في مرمى الانجليز في كأس العالم 1986، عندما قام ا بمراوغة ستة لاعبين من المنتخب الإنجليزي ثم حارس المرمى، كان انتقاما سياسيا من القوات البريطانية ورد الاعتبار لكبرياء الجيش الارجنتيني على هزيمتها في حرب جزر الوكلاند عام 1982. لدرجة أعتبره البعض أنه الإله مارادونا خاصة عندما علّق على هذا الهدف وقال: إن يد الله هي التي أحرزت هذا الهدف .

وعلى الرغم من كل ذلك، لا تزال كرة القدم تلعب دوراً هاماً في تكريس التعايش، والتقارب الانساني، حيث إنّ أماكن الفُرجة والتشجيع تمثل نقطة التقاء وتقارب بين المشجعين، ومن خلالها يكونون فضاء مشترك إنساني.

كرة القدم اصبحت فعلا تجاريا، وهنا يكمن اصل المشكل، حيت الربح المادي والخسارة هو الهاجس الاساسي المتحكم في المباريات لاسيما ضغط شركات الرهان الرياضي، بمعنى لعبة بمثابة ارض حرب ومواجهة مفتوحة تستعمل فيها كافة الوسائل من اجل غاية وحيدة، الربح والمزيد من الربح .

انها طريق للصراع والتنافس الغير الاخلاقي لان الامر لا يتعلق بفوز عادي ومقابل خسارة عادية تنتصر في الاخير الروح الرياضية، والافضل هو من يفز ويخرج الجمهور راضيا مستمتعا بأداء كروي في اطار من المتعة والفرجة بعيدا عن منطق التشنج والتعصب .

ان تصبح كرة القدم فعلا تجاريا معناه البحث عن الانتصار بكافة الطرق وهو ما يفتح الباب امام المنطق المكيافيلي حيت الغاية تبرر الوسيلة، لاسيما في دول العالم الثالث حيت شبكات الانتماء والوطنية والغيرة ترتبط بكرة القرق وبالندي والفريق المحلي او الوطني .

لا يمكن ان تنتصر قيم كرة القدم المؤسسة على التنافس الرياضي الشريف حين تصبح الرياضة فعلا تجاريا، لان خسارة من شانها الحاق خسائر بالبورصة وخسائر لشركات الرهان الرياضي وخسائر امنية نتيجة الشغب والعنف المتزايد وارتفاع منسوب الحقد والتخريب.

و لعل الاحداث المأساوية في التاسع والعشرين من ماي 1985 بملعب "هيزل" حيت أحداث شغب فائقة الخطورة بسبب مشجعي فريقي ليفربول وجيفنتوس بمناسبة نهائي الكأس الأوربية هي الأحداث التي خلفت 39 قتيلا . فأصبحت الرياضة وكرة القدم طريقا للقتل الجماعي . او انها لعبة قاتلة حين ارتبطت بظاهرة الهوليكانز .

حين تحولت لعبة كرة القدم من فعل فرجة وفعل رياضي مؤسس على قيم المحبة والتعارف والفرجة، الى فعل سياسي وتجاري وامني اصبحت فعلا معقدا تستفيد منه مؤسسات العولمة الباحثة عن الربح الصافي، ولو على حساب الكثير من الخسائر والمعاناة .

كرة القدم فعل شعبي ساهمت الى حد كبير في دمقرطة اللعبة، لأنها كانت لعبة شارع وكانت موضوع فرجة للجميع، لكن الامور تغيرت بسبب مسلسل وتأثيرات العولمة اللعبة تغير كل شئ، اصبحت لعبة نخبة حيت نجوم كرة القدم لم يعدوا يصنعون بشكل تلقائي في الازقة والشوارع واحياء المدن القديمة كما هو الحال في التجربة البرازيلية.

الان تغير كل شئ اصبحت الاكاديميات هي المصنع الاول للنجوم والمدارس الخاصة بالأندية، وهو ما يعيد طرح اشكالية الى أي حد ما زالت كرة القدم لعبة شعبية مفتوحة امام الجميع، وللجميع سواء في ممارستها او حتى في الفرجة مادام اغلب ان نقل المباريات اصبحت مملوكة لشركات وبشكل حصري؟

كرة القدم لم تعد لعبة شارع وليست لعبة محدودة بحدود المستطيل الاخضر، وانا هي ظاهرة مركبة يتداخل فيها السياسي بالتجاري بالاقتصادي وبالقيمي والثقافي والاجتماعي مما يجعلها ظاهرة معقدة تزداد تعقيدا كلما ازداد تدفق المال حولها .

ربما المال يقود الى الخراب والعنف واستبدال البعد الفرجوي بالبعد التكتيكي، لان المهم هو الفوز باي ثمن، وان الفرجة ليس انجازا، لان الاهم هو تحقيق اكبر قدر من الارباح ولو على حساب القيم الرياضية.

عنف الملاع: حين تصبح الرياضة فعلا عنيفا

تتحدد وظيفة السؤال السوسيولوجي حسب بيير بورديو على القدرة على معرفة الاسباب المخفية واستكشاف المسكوت عنه والمضمر، لذا يصبح الاستعانة بخدمات الفكر السوسيولوجي أمرا ملحا . من اجل اختراق مناطق العتمة الكثيفة المحيطة بالعنف الرياضي وشغب الملاعب، باعتباره حدثا مرعبا ومخيفا في الوقت ذاته .

الوقائع العنيفة والمأسي المرتبطة بمباريات كرة القدم لاسيما من طرف مشجعي الفرق،وحجم الخسائر التي يخلفها شغب الملاعب يقود الى تبني فرضية حروب الملاعب، وان كرة اقدم اصبحت ارض معركة مفتوحة، تتعدى حدود الملعب ورقعته وتتجاوز القوانيين الرياضية والاخلاقية المؤطرة للعبة، مما يقود الى استنتاج ان كرة القدم لم تعد لعبة فقط وانها ساحة حرب .

أحدات ملعب هيزل الشهيرة ووفاة اكثر من 39 مشجع ايطالي، وأحداث بورسعيد الدموية ووفاة اكثر 72مشجع يكشف حجم العنف المضخم، المحيط بلعبة ربما قد تتحول الى لعبة عنف وشغب .

الامر يقود الى تساؤل اساسي من اين يأتي هذا العنف وما مصدره، وكيف يتحول فضاء فرجوي الى فضاء للعنف بكافة اشكاله ؟

 

عنف الملاعب هو عنف يلفه الغموض، لأنه عنف مخفي، وقد يكون أسوأ أشكال العنف بحسب بيير بورديو .

اولا - العنف الرياضي: الماهية والاسباب

ارتبط تنظيم المسابقات الرياضية بالعنف في الكثير من مراحل تاريخ الانسان، لاسيما في القرون الوسطى حيت كان الفعل الرياضي هو احتفاء بالعنف وتمجيد للقوة .

فالرياضة هي فعل تنافس من اجل الفوز، وهو ما يقود الى وجود طرفين في أي لعبة منتصر ومنهزم، الاحساس بالهزيمة يغذي مشاعر الاحباط ويقود الى الى سلوكات عدوانية على الطرف الاخر، وهو سلوك قديم نجده اسسه في حلبة المصارعين gladiateurs Les ([2]) وفق ما اشرت اليه موسوعة ويكي بيديا.

فالعنف ينتقل عبر العدوى مما يوسع دائرته، وهنا تكمن خطورته كونه عنف انتشاري يتمدد بسرعة في وجود سياقات اجتماعية ملائمة، كتلك التي توفرها فضاءات الجماهير والحشود، مما يعقد مهمة التحكم فيه حين يتجاوز حدود الملعب وينتقل عبر العدوى الى المدرجات والجماهير المتحمسة .

فكل هزيمة هي تغذية لمشاعر الاحباط عندها يقود الى ارتفاع منسوب التوثر، والعنف المادي اتجاه المشجعين الفريق الاخر وضد الممتلكات العامة .

احداث ملعب هيزل سنة 1985 ([3])كانت لحظة حاسمة ومؤثرة في تاريخ العنف الرياضي ولفتت الانتباه الى خطورة الفعل .

مند تلك اللحظة اصبح مفهوم مثيرو الشغب وصانعي العنف في المدرجات مفهوما مركزيا عبر الحديث عن ظاهرة الهوليغانز.

فالهوليغانيزم Hooliganism يؤشر في اللغة الإنجليزية على الشغب والفوضى، و قد ذكر الاسم اول مرة في تقارير شرطة لندن في صيف عام في إشارة إلى سكير ايرلندي سيء السمعة، اسمه باتريك هوليجان يعيش في لندن ويشارك بانتظام في مواجهات شوارع لندن، وكان شخصا عنيفا لا يؤمن الا بالعنف لتدبير حياته ونزاعاته([4]

وهناك من يعتبر ان اصل الكلمة مشتق من الاسم سيكون شخصًا يتصرف بنفس الطريقة، فرضية أخرى هي أن هذا الاسم يأتي من اسم عصابةHooleyIslington .

تعتبر احداث ملعب هيزل لحظة حاسمة التعاطي بجدية مع ملف شغب الملاعب،حيت اصبحت الفرجة مرتبطة في احيان كثيرة العنف، اصبح هاجس تدبير المباريات محكوما بأعداد خطط لمواجهة أي تهديد محتمل .

ظاهرة الشغب ستعرف انزياحات متوالية عن متنها الأصلي، ذلك بدءا من تجاوز رقعة الملعب في شكل اشتباكات بين اللاعبين أو اعتداءات على الحكام، إلى المدرجات في صيغة مشاحنات بين المشجعين وأجهزة الأمن، وأخيرا في مستوى نقل ممارسات الشغب إلى خارج الملعب بتخريب الممتلكات الخاصة والعامة .

الشغب هو اعتداء جماعي على الافراد وعلى الممتلكات العامة وبهدف الاضرار والحاق الاذى .

و قد عرفه ابن خلدون باعتباره نزعة طبيعية،حيت ان أخلاق البشر فيهم الظلم والعدوان، بعض على بعض، فمن امتدت عينه إلى متاع أخيه امتدت يده إلى أخذه إلى أن يصده وازع ([5])، واعتبر ان سبب العنف فهو العصبية، وتعني عنده: الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتى تقع المناصرة ([6])، وأساس العصبية عند ابن خلدون هو الاستعداد الفطري الذي يدفع الفرد إلى نصرة قريبة بالدم والدفاع عنه.

واعتبر توماس هوبز احد منظري فلسفة العقد الاجتماعي أن الطبيعة الإنسانية مشبعة بالعنف، وان الانسان دئب لأخيه الانسان نتيجة الاشباع المحدود للرغبات مما يولد صراعا حولها، ما يقود الى حرب الكل ضد الكل نتيجة التنافس الشامل .

اما ماركس فقد اعتبر ان العنف ليس فعلا غريزيا،و لا يمثل حالة الطبيعة وانما هو

سمة للحالة الاجتماعية التي أفسدها الاستحواذ بوسائل الإنتاج، فالتنافس بين الناس سبب عامل سياسي يتعلق بملكية وسائل الإنتاج، لذلك فإن الصراع ليس هو الحرب الشاملة وفق ما اشار اليه توماس هوبز ولكن هو صراع طبقات اجتماعية .

و اعتبر كارل ماركس اعتبر ان للعنف دورا وظيفيا بناءا وايجابيا، لأنه اداة من اجل صناعة التغيير وتحقيق العدالة الاجتماعية بالقضاء على الملكية الفردية لوسائل الانتاج .

فالعنف فهو شرط أساسي لتجاوز هذا الخلل ولإحداث التغيير فهو مولد كل مجتمع قديم يحمل في طياته مجتمعاً جديداً كما أنه الأداة التي تحل بواسطتها الحركة الاجتماعية مكانها وتحطم أشكالاً سياسية جامدة وميتة ([7]).

أما دوركهايم فقد اعتبر ان أن العنف ظاهرة ثقافية مرتبطة بتطور البنى الاجتماعية وبالتطور الاجتماعي والانتقال من اشكال التضامن الالي الى التضامن العضوي .

ويعتبر جورج زيمل أبرز من تعامل مع ظاهرة العنف باعتباره مجموعة تصرفات عدائية تصدر عن الأفراد اتجاه الاخر، استنتج ان التصرفات العدائية تعتبر تصرفات وظيفية من اجل تماسك النظام الاجتماعي؛ لأنها تساهم في استمرار العلاقات تحت ظروف التوتر والضغط، فالسلطة الناتجة عن الضغط والقوة تساهم في الحفاظ على تماسك انسق واستمراريته وغياب الضغط يقود الى الفوضى والتشتت . فالضغط يمنع انحلال النظم الاجتماعية والجماعات البشرية، وبالتالي فهو – العنف - شبيه بصمامات الأمان ( [8]).

هناك نظريات سوسيولوجية اعتبرت ان العنف هو ناتج الانظمة السياسية سواء الرأسمالية او الاشتراكية، فالنظام الرسمالي يسحق الذات الفردية لاسيما نتيجة التفاوتات الطبقية والشيوعية عملت على سحق الذات الفردية، مما يعني انهما نظامان ساهما في انتاج العنف بكافة اشكاله ومستوياته .

عموما فالدرس السوسيولوجي في مناولته لمفهوم العنف ينطلق من فكرة عن نسبية العنف المرتبط بنظام المعايير والقيم الاجتماعية الخاصة بكل مجتمع . بمعنى أن كل نظام يحدد قيمه الخاصة التي تبين الحدود التي ينبغي ان يكون عليها التصرف والسلوك الفردي والجماعي، من اجل بناء النظام الاجتماعي والحفاظ عليه، وان كل خروج عن القيم والمعايير التي تصنع النظام تقود الى انتاج العنف وصناعة الفوضى واللانظام .

فالعنف وفق المدلول السوسيولوجي يكون نتيجة العلاقة المتوثرة بين قهرية القيم الاجتماعية والرغبة في التمرد وعدم الخضوع والامتثال لها .

وفق ماسبق فان العنف هو تصرف خارج النظم والقيم والمعايير الاجتماعية المحددة للنظام، ويحيل الى كل تصرف يمثل اختراقا قصديا أو عفويا لمعايير العقل الجمعي وقيمه .

فالشغب والعنف الرياضي من الناحية السوسولوجية هو محاولة اعتداء على الاطار القيمي المنظم للأنشطة الرياضية والاجتماعية، والتي تهدف الى خلق اجواء من المتعة والفرجة .

فالعنف يشكل عنصر اعتداء مادي على القيم مما يقود الى تحويل الفرجة الى ازمات، وشغب وخسائر واعتداءات على الارواح والممتلكات، نتيجة الفرح المبالغ به في حالات الفوز، او نتيجة عدم قبول النتيجة او الاستنكار والرفض والاعتراض والرفض . فالشغب داخل الملاعب الرياضية يدل على نوع التحرك الفجائي والذي ينتشر بسرعة في المدرجات وخارجها .

فهو شكل تعبيري عن حالة اختراق لنظام القيمي وصناعة للفوضى، ونتيجة اختراق غياب محددات الضبط القيمي والاجتماعي والقانوني والتي تحدد ضوابط السلوك بما يحقق الاستقرار والانسجام بين السلوك والقيم .

ميزة الشغب الرياضي وعنف الملاعب لا سيما في مباريات كرة القدم انه يندلع بشكل فجائي ويتجاوز سقف مسبباته، وشروط إنتاجه المباشرة، مما يجعل منها عنفا لحظيا واندفاعيا يصعب التحكم فيه يتميز بمايلي:

اولا - عنف مجالي: ما يميز عنف الملاعب انه عنف مرتبط بالملاعب أي بمجال جغرافي محدود ومراقب، فهو مرتبط بكل ما يتعلق بالملعب ومحيط الملعب والطرق المؤدية اليه .

ثانيا - عنف غير محدد اجتماعيا: ان اغلب المشاغبين لا يمثلون فئة متجانسة من حيت الفئات الاجتماعية والوضع الاجتماعي والمهني .

ثالثا - عنف شبابي: ان اغلب المشاغبين من فئة الشباب وهو ما يجعله عنفا شبابيا .

رابعا - عنف تعويضي: تعتبر بعض الدراسات ان هذا النوع من العنف يشكل فرصة لتفريغ المكبوتات ويشكل الية للتفريغ والتنفيس عن الذات المثقلة بإكراهات الواقع وصرامته .

خامسا - عنف غير مدروس: إن الجماهير المحتجة لا تحتج بناء على خطة مسبقة، وحتى إن وجدت هذه الخطة، فإنه لا يتم الانضباط إليها كلية، ان العنف المنفلت هو عنف فجائي وجد الفرصة المناسبة للخروج والتعيير عن نفسه .

حيت يصير الشغب احتجاجا بديلا عما يعانيه المحتجون من تهميش وإقصاء، مما يجعل منه احتجاجا سياسيا، ولو في اطار زمني مؤقت وضاغط عبر رسائل قصيرة تكون محملة في الاغاني والاهازيج، في هذا السياق ندكر اغنية الرجاء البيضاوي في بلادي ظلموني والتي تحولت الى اغنية تملأ الساحات العمومية والفضاءات العامة واصبحت اغنية تلازم كل حركة احتجاجية في الشارع .

فالأغنية تحمل رسائل سياسية بالغة ودقيقة تشكل رؤيته الخاصة من الواقع العام ال\ي يعيشه الشباب وموقفهم مما يجري .

فالاغنية تكشف مواطن الاعطاب في السياسة العامة للبلاد، وهي رسالة ينبغي قرءاتها من اجل التعامل معها لاسيما في ضل تراخي وضعف مؤسسات الوساطة السياسية، وهشاشة الفعل الحزبي وضعف قدراته التنظيمية والتأثيرية للشباب .

هناك محاولا ت كثيرة لفهم اسباب العنف المحيط بالملاعب وان هناك قلق اصبح متزايدا حول هذا الواقع المرعب .

كل المؤشرات تكشف ان ملاعب كرة القدم اصبحت تمثل فضاءا سياسياً بامتياز من خلال نوع وطبيعة الشعارات التي ترفع وحجم التحديات الامنية المرتبطة بتدبير الزمن الرياضي المخصص للمباريات .

فالشعارات التي ترفع تتجاوز ماهو رياضي، وانما تعمل على توظيف ما هو رياضي لتمرير رسائل سياسية، اغنية في بلادي ظلموني نموذجا .

فالعنف المرتبط بالملاعب مرتبط بوجود بيئة مناسبة لان الرقابة الاجتماعية والمؤسساتية المرتبطة بأجهزة الدولة تصبح غير فعالة نتيجة تشتيت المسؤولية وتعويمها وارتفاع منسوب الحماسة الجماهيرية، وان الرقابة تتشتت داخل الجماهير، وبالتالي تضعف المسؤولية الفردية، وتعوّض بالحماسة الجماهيرية، وهو ما يمنح الجمهور والمتفرجين اطارا حمائيا من اية متابعة، مما يساعد مواصلة الاحتجاج والتعبير العنيف من اجل توجيه رسائل سياسية من غير الممكن تمريرها، او التعبير عنها خارج زمن الملاعب .

فالملعب يوفّر الاطار النفسي والاجتماعي للاحتجاج والتعبير والرفض وحتى المواجهة والعنف والتمرد ضد مؤسسات الدولة .

غوستاف لوبون من خلال كتابه الموسوم بسيكولوجية الجماهير قدم تصورات تؤطر وضعية الجماهير ومجموعات الألتراس، حين اكد ان معدلات الانفعال تكون عالية لدى الجماهير، مما يعني فقدان السيطرة على الذات وتكريس سلوك انفعالي واندفاعي، لان الفرد داخل الحشود سيفقد قصديته وارداته اثناء الفعل الجماهيري، ويجد نفسه خاضع لإرادة الجمهور ومسلوب الارادة وجزءا من ذهنية عامة لها قوانينها الخاصة والمتحكمة في الافراد وفي تصرفاتهم، القوة الحماسية للجمهور يصعب التحكم فيها وبالتالي تصبح محفزا لتعبئة الافراد والجماعات .

وفق رؤية لوبون فان قائد الألتراس هو الشخص الذي يملك كاريزما التاثير على المجموعة،و يعمل على حسن توظيف واستثمار تصورات لوبون من اجل ضمان المزيد من التحكم، وضمان اتساقها في اطار من الفعالية سواء كان ذلك بوعي منه وبدون وعي .

السؤال الاساسي الذي يطرح مادا لو لم يتمكن القائد من التحكم في انفعالات الألتراس

لان الفعل الاحتجاجي غالبا ما يندلع في لحظات خاصة، وفي حالة توفر الظروف المناسبة للتعبير عن نفسها، لا سيما في الحالات الضاغطة كالهزيمة مثلا وهي لحظات تكون شديدة التوثر، وشديدة الانفعال مما يقود الى تهيئة اجواء تفجير العنف عنف كبير .

ما يميز العنف والاحتجاج الجماهيري المنطلق انه احتجاج تطوري ينطلق من شعارات بسيطة تم شعارات عنيفة وبعدها العف المادي بكافة اشكاله .

فالاحتجاج الواقع هو احالة الى واقع نفسي ومكبوت جماعي وجد فرصته للظهور والتعبير عن ذاته، لان كل فعل احتجاج هوتصريف لواقع يختزن بوادر الازمة المجتمعية وتعقيداتها المركبة وهو ما يعني ان العنف بالملاعب الرياضية هو عنف مجتمعي لم ينزل من السماء وانها هو نتيجة تراكمات ومسلسل من الاحباطات اليومية .

الفعل الاحتجاجي هو فعل سياسي، لأنه اداة تعبير عن مواقف سياسية لم تجد المناسبة والاطار الملائم لتصريفها، لاسيما في ظل الموت السريري للمؤسسات الوساطة لاسيما الجمعيات والاحزاب السياسية الموكول اليها مهام التأطير.

امام ضعف الاحزاب السياسية وعدم قدرتها على ممارسة التأطير السياسي والحزبي لاسيما لفئة الشباب والذي وجد نفسه خارج المؤسسات الاجتماعية ومؤسسات الوساطة، وجد نفسه وحيدا يعبر عن نفسه في المناسبات الخاصة: الملاعب الرياضية نموذجا.

فالملاعب والجماهير والعقل الجمعي تمنح ارضية ملائمة للتعبير عن الذات الفردية والجماعية بكافة اوجاعها وامالها واحباطاتها نستحضر دائما رمزية اغنية في بلادي ظلموني .

إن الاحتجاج بهذا المعنى يعد فرصة لتفريغ المكبوت السياسي، فالانخراط في المجوعة التشجيعية او الالتراس يساعد الفرد على امتلاك مزيد من الجرأة بحسب غوستاف لوبون، هذه الجرأة الزائدة والمؤمنة بفضل الانتماء الجمعي للحشود تمكن من تصريف الشحنات المكبوتة والتحرر من الخوف واكتساب تقافة وشرط المواجهة والتحدي، ومنه يتحول الموقف الاحتجاجي في كثير من الأحيان إلى فضاء للتفريغ السيكولوجي أكثر منه فضاء للمطالبة بالتغيير.

الدرس السوسيولوجي يؤكد ان العنف يولد عنفا محتملا، وان العنف في الملاعب ليس عنفا من خارج البنية الاجتماعية وانا هو سلوك تعبيري لشباب يعاني مشكلات حياتية وان المجتمع ينظر لهم نظرة عدم تقدير باعتبارهم شباب بلا قيمة، عديمو المسئولية، وينشغلون بأمور صغيرة لا قيمة لها.

وفي حقيقة الأمر، فإن غالبية هؤلاء الشباب يعانون من الفقر، والبطالة، والاقصاء، والتهميش الاجتماعي، الأمر الذي يجعل من ظاهرة تشجيع كرة القدم حالة تنفيس، وشكل من أشكال التمرد الاجتماعي على الأوضاع السائدة.

ملاعب كرة القدم اصبحت شبيهة بعيادات الطب النفسي من اجل استعادة المكبوث وملاذاً لهؤلاء الشباب، الذين يفضلون الاحتجاج كوسيلة تعبير عن انفسهم كوسيلة لمقاومة كل اشكال التعسف واللاهتمام .

ثانيا: الهوية الوسيوسيولوجية للاتراس:

االألتراس ظاهرة اصبحت واقعا، هي مجموعات تشجيع خاصة بكل فريق رياضي تصنع فرجة في الملاعب لكنها في احين كثير ة اصبحت مصدر عنف .

فاالألتراس هي جماعات تشجيعية تحرص على تشجيع الفريق، عن طريق شعارات وأغان وألوان خاصة بها. وتقوم فلسفتها على التشجيع الدائم فريقها وهو تشجيع يقترب من درجة التعصب.

من اهم مبادئهم التشجيع المتواصل للفريق بغض النظر عن النتيجة فوزا او هزيمة، والتشجيع وقوفا والحضور الدائم والتتبع لكل مباريات الفريق سواء داخل الملعب او خارجه .

فمفهوم االألتراس كلمة لاتينية الاصل تعنى حرفيا الفائق أو الزائد عن الحد، أما المعنى الشائع فهو فئة من مشجعى الفرق الرياضية معروفة بانتمائها وولائها الشديد للفريق وتحمل اسما خاصا وتضع شعارا خاصا بها يكون بمثابة رمز لهويتها، فاالألتراس تعني التشجيع الزائد عن الحد انها التشجيع الجنوني .

و يعتبر الكابو او القائد الذي يقود تشجيعات االألتراس: يقود التشجيع والذى يكون مسئولا عن اختيار الأغانى والهتافات وتوقيتها وحركات الأيدى والتشكيلات، وعادة ما يكون مكانه بارزا في الملعب حتى يستطيع التواصل مع الجميع ويضمن الاتساق والانسجام في كل الانشطة التشجيعية .

كما تتميز تقافة االألتراس بما يسمى بالموكب وهي مسيرة تضم أفراد المجموعة خلف اللافتة التي تحمل شعار المجموعة التشجيعية .

اما مفهوم التيفو Tifo: فهي كلمه ايطالية تعنى المشجع، ويقصد بها افتتاح النشاط التشجيعي ويتم فيه رفع شعار االألتراس والرسائل التشجيعية للفريق وكل ما يتعلق بالندي وتاريخه.

فالسلوك التشجيعي لالألتراس هو سلوك جماعي من خلال تغيب قيم الفردانية، واعتبار ان قيمته تحدد في انخراطه في المجموعة وذوبانه فيها .

وهو ما يفسر ظهور أفراد االألتراس عادة ملثمي الوجوه، اشارة الى ان االألتراس هي فعل جماعي . ولعل اهم ميزة اجتماعية تميز مجموعة االألتراس هو الولاء المطلق للمجموعة وهو ما يؤسس عصبية رياضية مؤسسة على حب الفريق وقيم الفريق وهو ما تعكسه الشعارات المرفوعة [9] .

ان العصبية المؤسسة لمجموعة الألتراس تشكل سببا اضافيا لتغذية العنف لاسيما حين يتعلف الامر بحالة احباط او مس بهوية الفريق او احد رموزه .

كما أن اختيار اسم الألتراس وشعاره ليس تلقائيا ولا عفويا وانا هو اختيار وظيفي ومدروس ومؤسس على خلفيات تقافية سواء بشكل شعوري او غير شعوري، ويمكن التوقف عند بعض الامثلة مثلا:

ان اغلب الاسماء تدل على القوة والصلابة والشجاعة وحتى قيم الافتراس مثل: القرش، الفدائي، النمر، النسر، الحربي أو العسكري، وقليلة هي الجماعات التي تفضل قيم السلم كما هو الحال بالنسبة الألتراس المغرب التطواني . ومن المفارقات ان التراس المغرب التطواني ورغم انه يحمل صفة للسلم، فانه تورط في اكثر من مرة في اعمال عنف وشغب .

العنف في الملاعب الرياضية ليس عنفا مستوردا لكنه نتيجة لعنف مجتمعي، هو عنف مبرر باسباب وسياقات انتاجه، الامر الذي يستدعي فهما دقيقا من اجل التعامل معه وايجاد الحلول الواقعية والممكنة .

 

الفرفار العياشي

دكتوراه علم الاجتماع المغرب

...................

المراجع:

1- إدواردو غاليانو، كرة القدم بين الشمس والظل، ترجمة: صالح علماني، دار طوى للنشر، 1995 .

2- أرفنج زايتلن: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع، ترجمة محمد عودة وآخرون (الكويت: ذات السلاسل، 1989) ص ص: 180-181.

3- عبد الرحمن بن محمد بن خلدون: مقدمة ابن خلدون، تحقيق علي عبد الواحد وافي، ج2، ط3، (القاهرة: دار نهضة مصر، بلا سنة طبع)، ص482.

4- فيليب برنو: العنف وعلم الاجتماع، في المجتمع والعنف، تأليف فريق من الاختصاصيين، ترجمة الأب الياس زحلاوي، ط2، (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1985)، ص95.

هوامش

[1] إدواردو غاليانو، كرة القدم بين الشمس والظل، ت: صالح علماني، دار طوى للنشر، 1995م

[2] L'un des premiers actes d'hooliganisme attestés dans l'histoire remonte à l'Empire romain lorsqu'en 59 eut lieu dans l'amphithéâtre de Pompéi pendant un spectacle de gladiateurs une rixe entre habitants de la cité et habitants de Nucérie.

[3] جاءت كارثة ملعب هيزل خلال مبارة كأس اوروبا النهائي بين ليفربول ويوفنتوس في عام 1985 في بروكسل، عاصمة بلجيكا . وبدأت الكارثة قبل وقت قصير من انطلاق المباراة الى أعمال العنف تجاه مشجعي يوفنتوس، وذلك خلال سقوط احدى جدران الملعب وتراجع الايطاليين في خط المواجهة والضغط ضد جدار الملعب . تم التدافع والدهس حتى الموت في حالة من الذعر . تسبب انهيار الجدار إلى وفاة عدد كبير من المشجعين . وانتشرت فوضى عارمة في محاولة لحفاظ المشجعين في الملعب على سلامتهم . فقد نحو 39 شخصا حياتهم في هذا اليوم وأصيب نحو 600 مشجع بالجروح.

إدواردو غاليانو، كرة القدم بين الشمس والظل، ت: صالح علماني، دار طوى للنشر، 1995م

[5] عبد الرحمن بن محمد بن خلدون: مقدمة ابن خلدون، تحقيق علي عبد الواحد وافي، ج2، ط3، (القاهرة: دار نهضة مصر، بلا سنة طبع)، ص482.

[6] المصدر نفسه: ص484.

[7] فيليب برنو: العنف وعلم الاجتماع، في المجتمع والعنف، تأليف فريق من الاختصاصيين، ترجمة الأب الياس زحلاوي، ط2، (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1985)، ص95.

[8] أرفنج زايتلن: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع، ترجمة محمد عودة وآخرون (الكويت: ذات السلاسل، 1989) ص ص: 180-181.

[9] بالتضحية والإخلاص نعيش حياة الألتراس”،

 

 

محمود محمد علينعود للمقال السادس ونستأنف حديثنا عن الهيمنة الأمريكية علي منطقة الخليج العربي فنقول :ومن هنا هبت الولايات المتحدة تشجب هذا الحدث، بالرغم من أنها أوقعت صدام حسين في هذا الفخ، ففي مساء الأول من أغسطس 1990، وفور إعلان نبأ الغزو العراقي للكويت، أرسل الأدميرال " بيل أوينز Bill Owenz، قائد الأسطول السادس الأمريكي في البحر الأبيض المتوسط، إشارة إلي وزير الدفاع الأمريكي ريتشارد تشيني Richard chiny، ومفادها : العراقيون اخترقوا، وفور وصول الإشارة، دعا الجنرال "كولين باول Collin Poweil، رئيس هيئة الأركان المشتركة، كلا من نائبه الجنرال "ديفيد جيرميا Davaid Jermiah، ومساعده الجنرال "توم كيلي"Tom Kelly، إلى الاجتماع معه، لتقدير الموقف .وفي الوقت نفسه، أبلغ "برينت سكوكروفت Brent Scowcroft، مستشار الأمن القومي، ليبلغ بدوره الرئيس جورج بوش نبأ الغزو العراقي .

في الساعة الحادية عشر مساء الأول من أغسطس 1990م، صدر عن مكتب الرئيس جورج بوش، مجموعة من القرارات، أبرزها :

أ- إن الرئيس بوش يدين بشدة الغزو العراقي للكويت، ويطالب بسحب القوات العراقية، وبدون قيد أو شرط، ولا يقبل بديلاً عن ذلك بشيء.

ب- تقرر إرسال قوة من الطيران الحربي إلى السعودية فوراً، وتضم 25 طائرة من طراز F15.

ج- تقرر تجميد كل الأموال العراقية، والكويتية في كافة البنوك.

د- تقرر إنشاء لجنة طوارئ دائمة لمتابعة الأزمة تضم عدد كبير من أركان الجيش الأمريكي

هـــ- إنشاء لجنة طوارئ تعمل تحت رئاسة مستشار الأمن القومي برنت سكوكرفت.

وفي ختام الاجتماع طلب الرئيس بوش استدعاء الجنرال "نورمان شوارتزكوف" Norman Schwarzkopf قائد قوات التدخل السريع إلى واشنطن لينضم إلى الاجتماع في صباح اليوم التالي، في مكتب الرئيس بوش، مع جلب خطط العملية المعدة للتدخل السريع "1002ـ 90" في منطقة الخليج.

وفي الساعة الثامنة من صباح 2 أغسطس 1990، اجتمع          الرئيس بوش الابن مع مجلس الأمن القومي الأمريكي، في غرفة العمليات الخاصة المحصنة ضد التصنت، وكان هناك في انتظاره (ديك تشيني) وزير الدفاع، و"جيمس واتكنز" James Watkins وزير الطاقة، و"روبرت كميت" Robert McNaught مساعد وزير الخارجية، و"كولن باول"، رئيس أركان الجيش، و"نورمان شوارتزكوف" Norman Schwarzkopf، قائد قوات التدخل السريع، و"ريتشارد دارمان" Richard Darman وزير الخزانة، و"وليم وببستر"William Webster، مدير وكالة المخابرات المركزية،والجنرال "برنت سكوكروفت"Brent Scowcroft مستشاره للأمن القومي.

كانت الأفكار التي تدور في ذهن بوش، والتي طرحها على الحاضرين تتلخص بما يلي:

1- أن الولايات المتحدة يجب أن تلعب الدور الرئيسي في الأزمة.

2- أن لا تفاوض ولا أنصاف الحلول مع النظام العراقي.

3- أن تسعى الولايات المتحدة لتعبئة الرأي العام الدولي ضد العراق.

وبعد أن فرغ الرئيس جورج بوش من حديثه مع الحاضرين، تحدث وزير الطاقة عن آثار عملية الغزو على سوق النفط، والمخاطر الناجمة عنه، ثم تلاه وزير الخزانة، الذي اقترح فرض الحصار الاقتصادي الشامل على العراق .

ثم جاء دور العسكريين، وهو بيت القصيد في ذلك الاجتماع، حيث أقترح "كولن باول" Colin Powell توجيه ضربة جوية فعالة وحاسمة للعراق، وتطبيق خطة التدخل السريع والمسماة [1002ـ 90] وضرورة حشد الولايات المتحدة، وحلفائها قوة كبيرة قادرة على دحر القوات العراقية، وتدمير آلته الحربية، والبنى التحتية للاقتصاد العراقي .

كما جرى النقاش حول ضرورة الحصول على موافقة السعودية على الحشد العسكري الأمريكي على أراضيها، وانتهى النقاش بالمقررات التالية :

أ- الاتصال بالملك " فهد بن عبد العزيز"، والحصول على موافقته على حشد القوات في السعودية.

ب- العمل على إغلاق أنابيب النفط العراقي المارة عبر السعودية، وعبر تركيا.

ج- الطلب من السعودية، ودول الخليج تقديم الأموال اللازمة لهذا الحشد، وتكاليف الحرب.

ثم تحدث وزير الدفاع "ديك تشيني" عن الخطة المعدة للتدخل السريع، موضحاً مراحل تنفيذ هذه الخطة، والتي تتلخص بما يلي:

1- المرحلة الأولى: وتقضي بالعمل بأسرع وقت على ردع القوات العراقية من محاولة غزو السعودية، وذلك بإرسال فرقة مدرعة، وعدد من حاملات الطائرات المزودة بصواريخ كروز، وتوماهوك، مع عشرة أسراب من الطائرات الحربية، وبالإمكان تأمين ذلك خلال شهر.

2- المرحلة الثانية: وتقضي بإكمال التحشيد في السعودية، لكي يكون للولايات المتحدة وحلفائها قوة ضاربة، لا تقل عن 250 ألف عسكري مجهزين بأحدث الأسلحة والمعدات، قبل المباشرة في تحرير الكويت.

3- المرحلة الثالثة: توجيه ضربات جوية لكافة المرافق الحيوية للعراق، بدءاً من المطارات العسكرية، والاتصالات، والرادارات، ومراكز تجمع القوات العراقية، وآلياته العسكرية، وانتهاءً بكل المرافق الحيوية، ومنشآته الاقتصادية، وطرق مواصلاته، وجسوره.

4ـ المرحلة الرابعة: الهجوم العسكري البري لتمزيق القوات العسكرية العراقية، وإخراجها من الكويت، عن طريق القيام بالتفاف خلف القوات العراقية، من الأراضي السعودية، والدخول نحو الأراضي العراقية، لقطع الاتصال مع القوات العراقية في الكويت.

وبدأت القوات الأمريكية بالتدفق إلى السعودية في 7 أغسطس من عام 1990، وفي نفس اليوم الذي أعلن العراق فيه ضمه للكويت واعتبارها “المحافظة الـ 19 وصل حجم الحشد العسكري في السعودية إلى 500,000 جندي.

وفي نفس الوقت صدرت سلسلة من قرارات مجلس الأمن والجامعة العربية، وكانت أهمها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 678، والذي أصدر في 29 نوفمبر سنة 1990م والذي حدد فيه تاريخ 15 يناير من سنة 1991م موعداً نهائياً للعراق لسحب قواتها من الكويت، وإلا فإن قوات الائتلاف سوف “تستعمل كل الوسائل الضرورية لتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم ”660”، الذي يفرض حصاراً اقتصادياً على العراق يمنع تصدير، واستيراد السلع، والمنتجات كافة، وقد وافق عليه 13 عضو وامتنعت "كوبا" و"اليمن" عن التصويت .

وقام الرئيس الأمريكي جورج بوش عرض مرة أخيرة للعراق في محادثات "جيمس بيكر" و"طارق عزيز" في 9 يناير 1991م، إلا أن هذا الأخير فشل، وفي 23 يناير 1991م حوت الكونجرس على تفويض الرئيس بشن الحرب في إطار قرار هيئة الأمم المتحدة، ووافق مجلس الشيوخ علي القرار، وبعد 24 ساعة شنت الطائرات التابعة لقوات التحالف ضربات جوية على أهداف عسكرية على العراق والكويت تعززها قصفات متتالية من صواريخ كروز .

وفي 24 فبراير 1991م بدأت قوات التحالف توغلها في الأراضي الكويتية والعراقية، وتم تقسيم الجيش البري إلى ثلاث مجاميع رئيسية، بحيث تتجه المجموعة الأولى لتحرير مدينة الكويت، بينما تقوم الثانية بمحاصرة جناح الجيش العراقي في غرب الكويت، وتقوم المجموعة الثالثة بالتحرك وتدخل جنوب الأراضي العراقية لقطع كافة الامدادات للجيش العراقي .

وبدأ القصف ولم يواجه هذا القصف مقاومة من الطيران العراقي، حيث كان العراق منعدم الدفاعات وقد تم تحرير الكويت بعد ذلك مخلفة خسائر اقتصادية، لأن الهدف من التدخل العسكري الأمريكي جاء بعد تخطيط مسبق لضرب البنية التحتية الاقتصادية العراقية، لشل قدارته العسكرية والمدنية، حتى تتسنى السيطرة على العراق مستقبلاً وبسهولة، وهو ما تم فعلاً،كما وجهت ضربات قوية لمواقع إنسانية هامة ومراكز التموين، حيث ذهبت الحرب بقوة العراق العسكرية الضخمة، ودمرت قاعدته الاقتصادية والتكنولوجية؛ فكلت أظافيره عن تهديد جيرانه، الأمر الذي أدى في النهاية إلى شل قدرة العراق وعدم تأمين حاجياته وانهياره .

وحققت العمليات نصراً هاماً مهد لقوات التحالف للدخول داخل أجزاء من العراق، وتركز الهجوم البري والجوي على الكويت والعراق وأجزاء من المناطق الحدودية مع السعودية، وقامت القوات العراقية بالرد عن طريق إطلاق عدد من صواريخ سكود على إسرائيل والعاصمة السعودية الرياض.

وشهدت عاصفة الصحراء استخدام 1814 دبابة من طراز “إم1 إبرامز” للمرة الأولى، واستخدمت الطائرة “إف - 117 نايت هوك” وشنت قوات التحالف الدولي أكثر من 100 ألف طلعة جوية .

وفي 26 فبراير 1991م بدأ الجيش العراقي بالانسحاب بعد أن قاموا باعتقال المدنيين من منازلهم ومن الشوارع والأماكن العامة، وتم ترحيلهم إلى العراق ولا يزال هناك أكثر من 605 أسير من الكويتيين والغير كويتيين لم يطلق سراحهم ولم يتم الإرشاد إليهم من قبل النظام العراقي وما زال مصيرهم مجهولاً، كذلك قام الجيش العراقي بإشعال النار في أكثر من 737 بئر نفط وشكل خطاً طويلاً من الدبابات والمدرعات وناقلات الجنود على طول المعبر الحدودي الرئيسي بين العراق والكويت وقصفت قوات التحالف القطاعات العسكرية المنسحبة من الكويت إلى العراق وسمى هذا الطريق فيما بعد بطريق الموت . وفي 27 فبراير 1991م أعلن الرئيس الامريكي جورج بوش عن تحرير الكويت قائلاً: " الكويت أصبحت محررة وأن الجيش العراقي قد هزم " .

وبالتوازي مع الحملات العسكرية قامت الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1991م بانتهاج سياسة قصدية تستهدف إضعاف العراق اقتصادياً،ففرضت الولايات المتحدة حصاراً اقتصادياً شاملاً على العراق بموجب قرار مجلس الأمن 661 في أغسطس 1990م، حيث يمنع العراق من استيراد أي من السلع والمنتجات التي يكون مصدرها العراق، وأي أنشطة يكون من شأنها تعزيز التصوير والشحن لأي سلعة أو منتجات وأية معاملات تجارية باستثناء الإمدادات الطبية والمواد الغذائية المقدمة لظروف إنسانية كما أوصى العراق بتشكيل لجنة تابعة لمجلس الأمن مهمتها الحرص على تطبيق نظام العقوبات ضد العراق والسهر على تنفيذ القرار 661 لسنة 1990م،كما عملت هذه اللجنة على منع دخول العديد من المواد الطبية والاستهلاكية وأصدر مجلس الأمن بتفويض من الولايات المتحدة قرار 670 في 25 سبتمبر 1990م، والذي ينص، "بأن يطبق الحظر على جميع وسائل النقل الجوية والبحرية، وبهذا يكون العراق قد وقع في حصار اقتصادي يمس جميع الجوانب .

هذا الحظر الاقتصادي ليس هدفاً في حد ذاته بل هو وسيلة لتحقيق هدف لا يتحقق بسهولة وبدون إبعاد العراق عن التأثير في مجريات الأحداث النفطية في الخليج وفي العالم لأن الولايات المتحدة بحضورها العسكري الواسع في الجزيرة العربية تكون ضمنت لمدة طويلة خروج هذا النفط ليس فقط من دائرة الهيمنة العربية بل دائرة القرار العربي أساسا . وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

صادق السامرائي"فاصفحِ الصفحَ الجميل"  الحجر85

سأتناول الموضوع وفقا لمنظار الطبيعة البشرية والآليات النفسية التي تحرك السلوك وتحدد خارطة التوجهات. وهذا المقال منشور قبل عقدٍ من الزمان.

فهل أن التسامح والسلام من طبع البشر؟

إن أية نظرة متفحصة أو سريعة لمسيرة الحياة البشرية فوق التراب، تؤكد بأن السلام سراب نطارده والتسامح حلما من أحلام اليقظة!

ولهذا استمرت الحروب واشتد أوارها، وتم استخدام وتسخير كل المبتكرات للقيام بفعل الشر، وما أبدعناه ضد التسامح والسلام يتفوق كثيرا جدا على ما أوجدناه من أجلهما.

فالسلام حالة أرضية غير ممكنة وكذلك التسامح لأنهما لا يصلحان كوسيلة أو مبدأ للبقاء والتواصل. فالأرض تفرض قوانينها وإرادة التراب تتفوق والصراع ما بين أقطاب الوجود متواصلة وبها يبقى ويتجدد وبدونها ينتفي ويغب تماما.

فقانون الصيروة الكونية والديمومة الحية محكوم بالصراع ومعطياته،  وبقوانين الغاب ودستورها الذي يتسلط على سلوك الأحياء بأسرها ومنها البشر.

ولو كان التسامح مفيدا ويمتلك قدرات إقتصادية وبقائية لتأكدت تقاليده وأعرافه منذ أبعد الأزمان. لكن الواقع البشري عبر العصور يؤكد أن الحروب هي السائدة والعدوان هو المتحقق والمؤكد والفاعل في الحياة.

وقد خاضت البشرية اقسى وأعتى الحروب في القرن العشرين وهي مقبلة على الأعتى والأقسى في القرن الحادي والعشرين الذي توفرت فيه أسباب التدمير الفائق والخارق .

فقد تعلمت البشرية أساليب للفتك ببعضها لم تخطر على من سكن الأرض قبل هذا العصر المتفجر بالطاقات الخارقة، فالعقل قد تمكن من الخيال والأفكار صارت صاغرةً طائعةً لإرادة البشر واستبداد أمارة الهوى التي تتوطنه.

فالكلام عن التسامح يعني الكلام عن السلام، وحضور السلام لا يعني بالضرورة تحقيق التسامح، فالسلام قد تصنعه القنابل النووية كما حصل في الحرب العالمية الثانية. والسلام الذي يسعى إليه البشر هو سلام الغلبة والإفتراس وليس سلام التسامح والمحبة والأخوة، لأن في ذلك تعارض مع طبائع النفوس وتعطيل لآليات الصراع الذي يحكم خطوات المخلوقات ويتأكد مع دوران الأرض التي تضخنا بطاقات التلاحم المرير.

فالبشرية في سلوكها محكومة بالإنفعال والعواطف الساخنة التي تسخر العقول لمصالحها وليس العكس، ومشكلة التسامح مرتبطة بسيرورات العواطف والإنفعالات التي تتحكم بقدرات البصر والإدراك وضبط السلوك، أو ما نسميه بالحلم، الذي يندر بين الناس، فلو ساد الحلم لساد التسامح .

لكن العواطف دوما منتصرة، ولا يمكن للنفوس أن تهدأ إذا ثارت وقد يتوارث الأجيال ثورتها لأنها تتسبب في تغيرات جينية فاعلة في سلوكنا وكيفيات إدراكنا وإستقبالنا لأحاسيسنا وما يدور حولنا.

فمسيرة البشرية الطويلة الغنية بالصراعات والحروب والعدوان، قد خلفت موروثات جينية كثيرة جدا من الصعب التحرر من قيودها وتحطيم أسرها والإنتصار على إرادتها. فالعدوان متعة المخلوقات والتسامح لا يوفر لها تلك اللذة البقائية المتأججة التي يمنحها لها العدوان، الذي يعني القوة والإنتصار على إرادة الموت أو التوهم بذلك. فما دام الموت قائما، فأن من الصعب جدا على المخلوقات في مسيرتها ما بين الولادة والختام، أن تستكين للتسامح وتؤمن حقا بالسلام، لأن الموت طاقة فاعلة في دياجير لا وعيها وقوة تحركها باتجاه هدف نهايتها وتجددها بالتوالد المعبر عن الأصلح فيها.

والمشكلة العصية الي تجابه التسامح والسلام، أن المردودات الإقتصادية للسلام أقل من مردودات الحروب والعدوان.

فالحروب ومنذ بدايتها كانت نشاطات إقتصادية تستبيح بها المجتمعات مجتمعات أخرى وتمتلك ثرواتها وقدراتها المادية والبشرية، وتسرق جيناتها بالتزاوج مع الغنائم الأنثوية بعد إبادة الذكور أو إستعبادهم.

ولا يمكن لبشرية قطعت هذه الأشواط الطويلة من الصراعات الدامية والمدمرة أن تركن بسهولة إلى السلام والتسامح، وتؤمن بأنهما سيوفران لها حياة إقتصادية آمنة.

قد يكون هذا المنطق غريبا لكنه فاعل في ديناميكية العدوان المتواصل فوق الأرض، ففي كل حرب تستباح مجتمعات وأعراض وثروات وتزهق أرواح ويربح مَن يربح ويخسر مَن يخسر،لكن البشرية تنطلق إلى عالم آخر بعد كل صراع فتاك، وقدراتها في التقدم والتطور تتناسب مع شدة حروبها وقسوتها .

ولهذا فأن الحرب العالمية الثانية أنجبت ما لا يخطر على البال من المبتكرات، وكذلك الحب الباردة التي هي رمز للصراع المحتدم ما بين القوى البشرية، والتي عبرت عن كل طاقات العدوان واللاتسامح ما بين البشر، وانتهت إلى ما نحن عليه من منجزات في القرن العشرين، أي أنها قد عززت السلوك العدواني وأضعفت قدرات التسامح مابين الناس.

وبخصوص الأديان فأنها جميعا في جوهرها ذات منهج متقارب وتدعو إلى ذات المبادئ التي لا يمكنها أن تتجسد فعلا وتكون واقعا حيا، وهي في تصارع وتباعد وعدم اطمئنان، بسبب الأمية الدينية القائمة والمؤكدة في الذين يدّعون هذا الدين أو ذك، أو الذين تفاعلوا مع الدين بقوة عاطفية شديدة العماء لدرجة أنهم صاروا طاقات عدوانية مؤهلة للإنفجار السريع والمدمر، ليس بسبب الفهم الصحيح للدين وإنما بفعل تجسيدهم لعدوانيتهم ومنحها معاني سامية أخرى تسوغها، فيصير عندهم القتل عادة ونوع من طقوس الدين و لكي يريحوا ضمائرهم الخربة التي تحاول اليقظة بين الحين والحين، لكنهم يلجمونها بشراسة عدوانية جديدة تنمي طاقات الفتك بالآخر والتوهم باللاموجود فيهم.

وهكذا فأن التسامح والسلام سيبقيان من أحلام البشرية  الأبدية العصية على التجسيد فوق التراب، إلا فيما قلّ وندر بين بعض البشر المتنور والصاعد بمداركه إلى حيث التسامي الإنساني الرحيم،والتمثل المطلق العميق لمعاني الوحدانية وقوانين الكينونة الكونية.

وربما ستستمر على أنها ترف فكري وتطلع لا يقر بمنطقه منهج التراب وتنكره عقيدة الطين.

ونحن مخلوقات تعادي ما لا تدريه، وكلما إزدادت مسافات معرفتنا لبعضنا كلما إزدادت عدوانيتنا على بعضنا البعض، وكأن فينا قوى تمنعنا من الإصغاء لبعضنا وتوهمنا بالمعرفة الأنانية، وترغمنا على إتهام الآخر بما يبرر لنا العدوان عليه وفقا لقدراتنا.

فهل رأيتم قوةً لا تظلم وقويا لا يستبد، وطاقةً لا تعبر عن نفسها وتؤثر في محيطها .

ففي النفوس قوى وطاقات لا بد لها أن تظهر وتدخل في خضم الصراع الأرضي المحتدم، الذي تمنحه طاقات البقاء أمنا الشمس وهي ترقب مطحنة الأرض الدوارة فينا.

وبدلا من التركيز على التسامح والسلام من العملي والنافع أن نركز على التفاعل المفيد بين البشر، وأن نوفر الظروف الموضوعية اللازمة لتنمية القدرات الإيجابية ذات المصلحة المشتركة، ونبتكر قوانين التعاون المعاصرة، التي  ستمنحنا فرصة لتحقيق الأفضل والإقتراب من بعضنا، ورعاية مفردات الإطمئنان والأخوة الإنسانية، التي ربما تؤثر في تغيير مواقفنا وخرائط سلوكنا التي نراها غير مجدية.

وختاما، يبدو أن أدمغتنا قد تشكلت بوسائل تؤهلها للتعبير عن التخاصم والعدوان والحروب أكثر من التسامح والسلام، ولكي نعيد تشكيلها فأننا بحاجة إلى مسيرة أجيالٍ وأجيالٍ وأجيال.

 

د. صادق السامرائي

 

محمود محمد علينعود للمقال الخامس ونستأنف حديثنا عن الهيمنة الأمريكية علي منطقة الخليج العربي فنقول : كانت حرب تحرير الكويت هي أشد نقاط التحول خطراً في تطور العلاقات العربية – العربية؛ حيث تعد هذه الحرب من أقوي أحداث التاريخ العربي المعاصر خطراً، وأعمقها تأثيراً في العلاقات، البيئية والإقليمية والدولية، للدول العربية، فثمة قيم ومبادئ ومفاهيم، كان مأمولاً استقرارها، لكن حرب تحرير الكويت أثبتت أن ذلك الأمل، كان مبنياً، في الغالب، على أساس غير متين، كما كانت هياكل وبنى ومؤسسات، في طور التشكل، أو في مرحلة العمل تعرضت جميعها، بدرجات متفاوتة لهزة عنيفة، من جراء تلك الحرب العربية الكبرى كذلك، لم تسلم أوضاع الاستقطاب، الايديولوجي والسياسي، في العالم العربي، من آثار الزلزال العنيف.

فبعد ثمانية سنوات من الحرب البعثية والمعارك الطاحنة مع إيران، وجد الرئيس "صدام حسين" أن هذا النزاع لم يجلب له أي مكاسب استراتيجية أو سياسية، لذلك ما إن كادت إيران تعلن عن قبولها لوقف إطلاق النار، حتى أسرع العراق لوضع خاتمة لذلك الفصل المأسوي في تاريخ المنطقة، وقد كان وقف إطلاق النار والعوامل الاقتصادية الخانقة التى أصبحت عليها العراق بعد الحرب عامل دفع بالأزمة من مرحلة الغزو المباشر إلى رحلة الصدام، وضم الكويت وهكذا تم فتح صفحة غير مشرقة في تاريخ العلاقات العربية. إلا أن هناك اتجاهين قد سارت فيهما أطماع صدام، الأول في خط مفاده أن أطماعه تمتد إلى الخليج العربي بكامله، وأن الكويت لم تكن سوي الخطوة الأولى. أما الاتجاه الثاني، فينظر إلى النزاع العراقي- الكويتي كخلاف بين دولتين، وأن صداماً كان يتولى التوقف عند حدود الكويت، بل ذهب بعضهم إلى انسحابه لقاء بعض المكاسب .

وقد قام بعض الباحثين الغربيين بتحليل هذين الاتجاهين مستعرضين تاريخ العلاقات بين بغداد وحكام الخليج، بهدف التوصل إلى جواب موضوعي لحسم الخلاف القائم بينهم، والذي يعود إلى فهم المصالح الحقيقية للمنطقة والأهداف الواجب متابعتها دفاعاً عن هذه المصالح المرتبطة بالقوة غير العربية في المنطقة خاصة إيران. واعتباراً من 1958م حكم العراق نظام وطني كان همه الأول تجنب السيطرة الإيرانية والأمريكية محل النفوذ البريطاني المنحسر .

وسبب آخر للتوتر بين العراق وجيرانه، ينجم عن حاجة العراق الاستراتيجية إلى منفذ على الخليج العربي، الأمر الذي أدي إلى توتر دائم بين الكويت وإيران، لأن العراق كان بحاجة إلى اعتراف إيران بسيادته على شط العرب، أو قبول الكويت التنازل عن جزيرتي"وربة" و"بوبيان"، الأمر الذي يبين الترابط الوثيق بين نزاع العراق مع إيران ونزاعه مع الكويت.  لذلك كان من الطبيعي أن يؤدي النزاع الكويتي إلى تسمم العلاقات بين بغداد ودول الخليج الأخرى .

وقد كان للعراق دوافعه لغزو الكويت، وقد ظهرت هذه الدوافع في وثيقة نشرت في لندن خلال شهر سبتمبر 1990م، عرضت فيها أسبابه على أنها ضحية مؤامرة دبرتها الولايات المتحدة وإسرائيل لمنعها من الوقوف على قدميه بعد حربه مع إيران، وقدم مبرراته في حقه التاريخي تجاه سياسة الكويت النفطية، وقد أثارت مطالبه هذا العالم؛ خاصة أن النزاع كان محصوراً منذ عام 1963م في مسألة الحدود، وقضية الجزر ولم يكن وجود الإمارة موضع أي جدال .

ولا يخفي أيضاً الدور الذي لعبه تصريح السفيرة الأمريكية أبريل "جلاسبى" لدي العراق، حين ذكرت أنها لم تعقد أي اتفاقات دفاع مشترك مع الدول الخليجية، حيث قالت السفيرة للرئيس صدام بنص العبارة:" إننا لا نملك آراء محددة، فيما يتعلق بالصراعات العربية – العربية، مثل نزاعكم الحدودي مع الكويت، لقد كنت فيها نهاية الستينات (كانت جلاسبي تشغل منصب سكرتيرة في السفارة الأمريكية في الكويت) .وكانت التعليمات لديها تقضي بعدم إبداء الرأي في هذه القضية، التي لا تهمنا، كأمريكيين، لقد أعطي "جيمس بيكر" وزير الخارجية، أمراً إلى الناطق الرسمي عندنا، لإعادة تأكيد هذه التعليمات، نحن نأمل لأن تسووا القضية بالوسائل الصالحة، من طريق القليبي، أو حسنى مبارك رئيس مصر، وكل ما نرجوه هو الوصول إلى حلول سريعة. ضوء أخضر ثالث يؤكد أن الخلافات الحدودية، بين العراق والكويت، لا تشغل بال الولايات المتحدة، وفي المناسبة، هل أستطيع لفت انتباهكم إلى المخاوف التى تراودنا، فيما يتعلق بهذا الموضوع ؟ نحن نلاحظ أنكم حركتم قوات ضخمة في الجنوب، ومن الطبيعي ألا يعنينا الأمر بحد ذاته. ولكن  عندما يحدث في الإطار الذي رسمتموه بأنفسكم، في عيدكم الوطني، كذلك الأمر، عندما نأخذ في الحسبان وجهة النظر العراقية إلى ما تقوم به الكويت، والإمارات من طبيعة عسكرية، لا بد أن نشعر أننا معنيون بالوضع وبالنتيجة، لقد تلقيت تعليمات بأن أطلب منكم بكل صداقة وود إعلان نياتكم "؛ وهذا الحوار بين الرئيس صدام حسين والسفيرة قد مثل دعوة صريحة منها للغزو من دون تدخلها فيه، مما أظهر العكس بعد الغزو الذي مثل حجة للدفاع الأمريكي عن مصالحه في  المنطقة .

على الرغم من جميع هذه الحجج التاريخية، والخلاف القديم بين البلدين لا بد من وجود أسباب مباشرة للغزو، وهى الخسائر الفادحة للعراق بعد حربه مع إيران وانخفاض سعر برميل النفط عام 1990م، مما حال دون تسديد ديونه المترتبة عليه للدول الأجنبية، رغم شطب معظم الديون المترتبة على الدول العربية عدا الكويت التى طالبت بدينها .

أضف إلى ذلك وصول المفاوضات مع إيران حول شط العرب إلى طريق مسدود، والتحول إلى جزيرتي "وربة" و"بوبيان" الكويتيان، وقد أصبحت من الأهداف الاستراتيجية لصدام حسين، ورغم الدور الإيجابي للكويت في مساندتها للعراق عند اختراق السلاح الإسرائيلي المفاعل النووي العراقي، وإعمار العراق بعد الحرب، كما ترأست الوفد الذي كلف من قبل مجلس العربية للنظر في اعتداء إسرائيل عليه. وعلى إثر نشوب الحرب العراقية – الإيرانية لم تتوان الكويت عن مساعيها لوقف الحرب، ولم تكف الكويت عن التنبه بأن غياب التضامن العربي وتصدع الصف العربي والانقسامات بين الدول العربية يشكل أحد عوامل المأساة .

على الرغم من كل هذه الموقف الداعمة للعراق في الأزمات، لم يمض عامان على توقف الحرب العراقية – الإيرانية حتى أخذ يصاعد خلافاته ضد الكويت، تحت دعاوي ضرورة إسقاط الكويت لما هو مسجل على العراق من ديون الحرب، التى بلغت 14 مليار دولار، مع أن الكويت لم تثر هذا الموضوع، وعلى الرغم من إبلاغ أمير الكويت بإسقاط الدين. وفي ذلك يمكن القول أن العدوان كان مفاجأة العالم، إلا أن النظام العراقي، كان يدبر له قبل فترة ليست بالقليلة من وقوعه.

وكان المأزق أن الكويت هي الأخرى تحتاج إلى زيادة دخلها وتبرر احتياجها للمال لتعويض خسائرها أثناء الحرب العراقية – الإيرانية، ولإحساسها بأن أمنها مكشوف عملت الكويت على زيادة مشتريات السلاح، وأيضاً سبب آخر وهو إسقاط اقتصادها في فضيحة سوق المناخ . كل ما ذكر يبرر الحرب بأنها حرب حدودية بحتة بذلت فيها مساع كثيرة لحلها سلمياً لكنها فشلت  .

وعلى الرغم من المذكرات المتبادلة بين رئيس الحكومة العراقية – نوري السعيد في عام 1932م وحاكم الكويت، عن طريق المعتمد البريطاني في الكويت، كان اعترافاً واضحاً وثابتاً من جانب العراق بأحقيته، فالتعبير الصادر عن الرئيس ملزم به فهو وفقاً للقانون الدولي يعبر عن إرادة الدولة، وهذا الاعتراف بالكيان المتميز من جانب العراق، يؤكد أن معظم الخلافات التى ثارت بين البلدين في مرحلة ما قبل استقلال الكويت، كانت بشأن الحدود، ولم تكن بشأن وجود الكويت في حد ذاته .وتنص المادة "11" من معاهدة فيينا لخلافات الدول على أن لا تؤثر خلافات الدول في حد ذاتها على الحدود المقررة بمعاهدة، أو الالتزامات والحقوق المقررة بمعاهدة، والمتعلقة بنظم الحدود. وفي ضوء هذا المبدأ يمكن القول بأن الحدود الكويتية – العراقية، قد استقرت منذ عام 1932م على خط الحدود المبين في الاتفاقية المبرمة في 29 يوليو 1913م بين تركيا وبريطانيا، كما وافق حاكم الكويت، وقد استقر إقليم الكويت في حدوده تلك حتى بعد الاستقلال عام 1961م واعترف العالم أجمع بالكويت كدولة مستقلة داخل حدودها التى استقرت منذ عام 1932م لكل ما ذكر أغلق الباب أمام الادعاءات العراقية، وموافقتها دون قيد أو شرط على قرار مجلس الأمن رقم 687 الصادر في أبريل 1991م، والذي تضمن اعتراف العراق بخط الحدود التى أقرت في اتفاق 1932م و1963م مؤكدا فساد الادعاءات العراقية .

قد يكون البعد الاقتصادي هو أهم العوامل التى أدت إلى الغزو بالرغم من الذرائع العديدة التى أثارها النظام العراقي مبرراً الغزو والاحتلال، إلا أن النتائج الكارثية للحرب العراقية – الإيرانية وتدهور الأحوال المالية والمعيشية في العراق، قد دفعت به لاحتلال الكويت متسلحاً بادعاءاته التاريخية من أجل معضلة النظام الاقتصادية وتسخير موارد الكويت النفطية والمالية، لمواجهة الالتزامات الملحة في العراق؛ حيث قدرت الأسلحة في تلك الحرب بــ 100 بليون دولار. أما البنية التحتية فقد قدر بـ 35 بليون دولار، أما العائدات النفطية 15 بليون دولار، وخلال تلك الفترة اقترض العراق من الدول الأجنبية 35 بليون دولار، أما الدول العربية 35 بليون دولار، ومعظمها لحساب السعودية والكويت. وقد كان معظم هذا الاتفاق على الآلة العسكرية على حساب الالتزامات المالية في العراق .

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة، وهي أن حرب الخليج الثانية كان هدفها تحرير الكويت كموقف دولى متوافق عليه، لكن هيمنة أمريكا على العمليات العسكرية التى تمت تحت إشرافها وسرعة تدخلها بأكثر من 100 ألف جندي جعل هذه الحرب تحيد عن هدفها من تحرير الكويت المحبذ من المجتمع الدولي ممثلاً في الأمم المتحدة إلى تحطيم وتخريب العراق كقرار أمريكي، اتخذه صقور البيت الأبيض (المحافظون الجدد) الذين تشبعوا بمقولات الغرور بالقوة لإقامة الإمبراطورية الأمريكية التي لا تقف دونها قواعد القانون الدولي كما حددها صامويل هنتجنتون حول صراع الحضارات ، ووجدوا حرب الخليج الثانية فرصة لتنفيذ تلك المقولات كعقيدة آمنوا بها فأصبحوا بسياستهم تلك أقرب إلى الفاشية أو النازية التى يطلق عليها " مشروع القرن الأمريكي "، أو الأصولية الدينية الأمريكية التي تجسد مفهوم الاستراتيجية الأمريكية الجديدة .

وكانت الولايات المتحدة قد سلكت خلال حرب الخليج الأولي سياسة فرق تسود بين الأطراف المتصارعة معتقدة أن هذا السلوك من شأنه ضمان استمرار تدفق النفط إلى أسواقها؛ بمعنى منع أي قوة إقليمية ناشئة من شأنها أن تسيطر، أو أن تحدث عدم توازن جيو سياسي في المنطقة، فكانت نتيجة السياسة الأمريكية في المنطقة حرب الخليج الثانية، ذلك أن المنطقة حسب الرؤية الأمريكية كانت بحاجة إلى تطورات أكبر مما أحدث في حرب الخليج الأولي، تطورات من شأنها المحافظة على المصالح الحيوية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط. ولأجل هذا بدأ الدور الأمريكي خلال وقبل حرب الخليج الثانية أكثر دبلوماسية، فقد عملت إلى دفع الآلة العسكرية لضرب العراق، وذلك بتأليب دول المنطقة عليه، من أجل ضربه بموافقة وإجماع دولي وباستصدار لقرارات من مجلس الأمن .

وإذا كانت الكويت والسعودية خلال حرب الخليج الأولى، قد دعمت العراق اقتصادياً ووصلت حجم المساعدات الكويتية للعراق أثناء الحرب العراقية-الإيرانية إلى ما يقارب 14 مليار دولار، كان العراق يأمل بدفع هذه الديون عن طريق رفع أسعار النفط بواسطة تقليل نسبة إنتاج منظمة أوبك للنفط. واتهم العراق كلا من الكويت، والإمارات العربية المتحدة برفع نسبة إنتاجهما من النفط بدلاً من خفضه، وذلك للتعويض عن الخسائر الناتجة من انخفاض أسعار النفط مما أدى إلى انخفاض النفط إلى مستوى يتراوح بين 10 و12 دولار بدلاً من 18 دولار للبرميل. ولكن إحصائيات منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، تشير إلى أن 10 دولاً من ضمنهم العراق، لم تكن ملتزمة بحصص الإنتاج. وعلى الرغم من ذلك تعهدت كل من الكويت والإمارات بالالتزام بحصص الإنتاج المقدرة بمليون ونصف برميل في 10 يوليو 1990، وصرحت الكويت في 26 يوليو 1990 بأنها خفضت إنتاجها من النفط إلى مستوى حصص منظمة أوبك. وبدأت الأحداث تأخذ منحنى تصعيدياً من قبل النظام العراقي، حيث بدأ العراق بتوجيه اتهامات للكويت، مفادها أن الكويت قام بأعمال تنقيب غير مرخصة عن النفط في الجانب العراقي من حقل الرميلة النفطي ويطلق عليه في الكويت حقل "الرتقة" وهو حقل مشترك بين الكويت والعراق .

واعتقد صدام حسين أن أي عمل يقوم به ضد الكويت، هو حماية الاقتصاد العراقي من الانهيار، حتى وإن كان عسكرياً، لا يحمل الولايات المتحدة أن تتخذ ضده إجراءات قاسية، خاصة بعدما أعطته الولايات المتحدة الضوء الأخضر، والمتمثل في قول السفيرة الأمريكية في بغداد أن الولايات المتحدة الأمريكية ليس لها علاقة بموضوع النزاع الحدودي والنزاعات الأخرى بين العراق والكويت .

ويبقى السبب الرئيسي لتنفيذ قرار الغزو هو الحدود المتنازع عليها بين البلدين حول حقل الرميلة ؛ حيث يقع أكثر من 90 % في التراب العراقي، الأمر الذي جعل  صدام حسين،  يتهم الكويت بسرقة النفط منه أثناء حربه مع إيران، كما أن الكويت ركزت على منطقة الرميلة، الأمر الذي استفز صدام  حسين وأدخله في أزمة للإنتاج وانخفاض الأسعار، بحيث  يعتمد 90 % من موارده على النفط، لذا طلب من الكويت 2,4 كتعويض عن النفط المسروق من الحدود العراقية والتخلي عن حقل الرميلة وتدفع للعراق مالية مساعدة قدرها 12 مليار دولار كتعويض عن انخفاض الأسعار .

ويمكن أن نجمل أسباب الغزو بالنقاط الآتية :

- أطماعٌ عراقيةٌ بالكويت قديمةٌ وقد تجسّدت بعدة محاولاتٍ للدخول إلى الكويت، إلا أنّ بريطانيا كانت تمنع ذلك، ومما ساعد على بناء الشخصية الاعتبارية للكويت بعدم تدخل النظام العثماني بها فلم تعزل أو تعيّن حاكماً، كما أنه لم يوجد أي جندي تركي على أرض الكويت.

-  اكتشاف احتياطي نفطي ضخم في الأرض الكويتيّة، مما أدى إلى زيادة أطماع دول الجوار بها خاصةً العراق.

-  الحرب العراقية الإيرانية فعلى الرغم من الدعم المادي الكبير الذي قدمته الكويت، وغيرها من دول الخليج العربي للعراق كدين أو مساعدات، إلا أنّ العراق كان يعتبر ذلك غير كاف، لأنه بحربه يدافع عن كامل دول الخليج من وصول الثورة الإيرانيّة إليها، فقد وصل حجم الدعم الكويتي للعراق حوالي 14 مليار دولار.

- انخفاض أسعار النفط وكان العراق يتهم الكويت، بأنها جزءٌ من مؤامرة لتخفيض أسعار النفط، ممّا ألحق بالعراق خسائر كبيرة نتيجة الفروق في السعر.

-  عدم قدرة العراق على سداد الديون التي تراكمت عليه للكويت وغيرها من دول الخليج.

- اتهام العراق للكويت باستغلالها لحوض نفطي مشترك بينهما أثناء انشغال العراق بحربه مع إيران واستخراج كميات كبيرةٍ من النفط وبيعها لحسابها.

-  رغبة العراق بالحصول على مساحاتٍ مائيةٍ أكبر على الخليج، خاصةً بعد أن دمّرت الحرب الموانئ العراقية وتخوف العراق من إمكانية تجدد هذه الحرب.

- تعرّض العراق الى التضليل من الدول الكبرى بتشجيعه على حل مشكلته مع الكويت على طريقته الخاصة إذ إن الكويت لعبت دوراً في تخفيض أسعار النفط خلال حرب العراق مع إيران.

وفي صبيحة 2 أغسطس 1990م، فوجئ العالم بغزو عراقي همجي، حيث تقدمت قواته نحو مدينة الكويت، مشكلة من ثلاث فرق رئيسية قوامها 100 ألف جندي، للسيطرة عليها وشل الحياة، والثانية نحو منابع البترول لاحتلالها، والثالثة- انتشرت على الحدود الكويتية  السعودية، وتمكنت القوات العراقية من إحكام سيطرتها على الكويت، ولم تجد أثر للأسرة الحاكمة التي استنجدت بالسفارة الأمريكية .

ولقد طرح العدوان العراقي على الكويت في 2 أغسطس، واحتلاله كامل ترابها، وإلغاء كيانها، كدولة مستقلة ذات سيادة، بإعلان ضمها إلى العراق تحدياً غير مسبوق، أمام المجتمع الدولي والعالم العربي. وشكلت مفاجأة الغزو انفجاراً داخل النظام العربي، لكونها أول حالة من نوعها، وأكبر من قدرته وقدرة مؤسساته وآلياته القائمة على مواجهتها، فبدلاً من أن تتبلور إرادة سياسية عربية واحدة، تعددت الإرادات، واختلفت التوجهات، وانقسمت الدول العربية على نفسها، وعلى الرغم من أن معظم الدول العربية، قد أعنت أنها لا تقبل الغزو، من حيث المبدأ، إلا أن بعضها أيدت العراق. وتكشف الخبرة، أن ظاهرة الانقسام، ليست بجديدة على النظام العربي؛ فقائمة الصراعات العربية طويلة، وتتوقف حدة هذا الصراع أو ذلك، ومدي تأثيره في أداء النظام، على أطراف هذا الصراع، وعلى ثقلهم السياسي والاقتصادي والدولي بصفة عامة .

غير أن الصراع هذه المرة يختلف عما سبقة، لأسباب عدة أبرزها :

1- إنها المرة الأولى، التى يكون موضوع الصراع فيها، هو ضم إحدى الدول العربية دولة عربية أخري بالقوة المسلحة.

2- إن الانقسام في شأن الصراع وموضوعه، امتد، لمعايير كثيرة ومعقدة، ليشمل ليس أعضاء النظام العربي فقط، بل قاعدته الجماهيرية؛ إذ يكفى استطلاع الرأي بين الجماهير العربية، حول الأزمة، لتتضح اتجاهات شتى وآراء شتى وآراء متناقضة.

3- في ضوء عجز النظام العربي عن إدارة الأزمة، تحولت إلى أزمة كبري، إقليمية دولية، شكلت أول تحد للنظام العالمي الجديد وهو في طور التشكيل.

4- إن الصراع انفجر في منطقة استراتيجية، حيث مصادر النفط والممرات المائية الاستراتيجية، وهى تمثل أهمية حيوية، بالنسبة إلى الغرب.

5- إن الأزمة كشفت ضعف التجمعات الإقليمية، التى عُدت مدخلاً لتدعيم النظام العربي؛ كما أظهرت افتقاد الجامعة العربية نفسها، نظاما أو آلية، لفض المنازعات بالطرق السلمية، أو بالتحكم الإجباري.

6- في إطار ما أصاب النظام العربي من عجز، حقق بعض دول الجوار الجغرافي، بعض المكاسب السياسية والاستراتيجية على حساب النظام العربي.

ومن ناحية أخري، فإن الاجتياح العراقي قد هز شبكة المصالح الدولية هزاً عنيفا، ولا سيما مصالح الدول العظمي في النظام الدولي المعاصر. وهذه الهزة قد ترضي بعض الذين يرفعون شعارات محاربة الإمبريالية ونحو ذلك، ولكنها في النهاية تجد رد الفعل العنيف، نتيجة لاهتزاز مصالح تلك الدول. فاحتلال الكويت، يعنى أن قراراً واحداً، سيكون مسيطراً على أكثر من العشرين في المائة من إنتاج النفط العالمي؛ ومعنى ذلك، أن هذا القرار، سيكون قادراً بشكل أو بآخر على التحكم بأسعار النفط، وما يترتب على ذلك من تحكم في كافة الأنشطة الاقتصادية العالمية؛ إذ إن النظام الاقتصادي كله مترابط ويؤدي تغير أحد محتوياته إلى غير بقية المحتويات، ومن ثم يصيب النظام بعدم الاستقرار والثبات، وهو ما يؤدي، بدوره إلى اضطرابات سياسية، تجعل من النظام السياسي، الداخلي والخارجي، غير قادر على أداء عمله الأداء الأكمل، مما يؤثر في استقرار كافة أنحاء العالم . وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

علي اسعد وطفة

"ندنو من العظمة بقدر ما ندنو من التواضع" (طاغور)

"ليس للرجل سوى مجدٍ واحد حقيقي، هو التواضع". (إلفرد دو موسّيه).

عُرِف العلماء بتواضعهم وظرفهم، وعذوبة معشرهم، وحبهم للناس، والميل إليهم، والتقرب منهم ومسامرتهم وتكريمهم. واقترنت الحكمة بالتواضع، واكتنزت بالمحبة، واهتزت أغصان المعرفة بحمولة السلام. وعلى خلاف ذلك ارتهن الجهل بالغرور، واشتّد بالاستكبار، ونما بالغطرسة. وإذا كان العالِم يٌعْرَف بتواضعه فإن الجاهل يتميز بغروره، ويعرف بتبجحه وتعاليه واستكباره. واذا كانت العلم قرينا للتواضع وهذا أكيد مؤكد فإن الجهل لا يكون إلا صنواَ للغرور والاستكبار وموئلا لمشاعر التضخم المرضية النرجسية.

ينبئنا تاريخ الفلاسفة أن الفيلسوف الإغريقي فيثاغورث (570-495Pythagoras -) ق.م اعترض على تسمية الفيلسوف بالحكيم ونظر إليه على أنه مجرد محب للحكمة، فالحكمة أوسع من أن يقبضها الإنسان الفيلسوف، بل أقصى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان هو فضيلة المحبة للحكمة التي تفيض بأنوارها الكونية، ومن هذا المنطلق التأسيسي كان يعتقد بوجود حكيم واحد هو الله لا عيره العارف بأحوال الكون والقابض على أسراره - وما الفلاسفة في النهاية إلا محبو الحكمة وعاشقوها - وفي قوله يكمن سر التواضع الفكري والفلسفي بين العلماء والمفكرين .

وجاء في الأثر أن رجلاً جاء أبا الريحان البيروني مادحا - والبيروني كما يعرفه القاصي والداني كان عبقرية علمية ليس لها مثيل أو نظير في التاريخ العلمي- فأنشده قصيدة مجّده فيه ورفعه فوق كل المراتب ونهض به إلى أعلى الرتب. وقد ضجّ البيروني بالمدح وتضايق ذرعا بمادحه لما كان عليه من عداوة للفخر والاستكبار والتماهي بالألقاب والرتب فأرزج شعرا يقول فيه ردا على مادحه يبسط فيه أعمق دلالات التواضع الفلسفي والإنساني:

وذاكرا في قوافي شعره حسبي .......... والله لست عارفا نسبي

إذ لست أعرف جدي حق معرفة.....وكيف أعرف جدي إذ جهلت أبي

أبي أبو لهب شيخ بلا أدب ... ..... نعم وأمي حمالة الحطب

المدح والذم عندي يا أبا حسن ...... سيان مثل استواء لجد واللعب. [1]

ومن أخبار التواضع المهيبة في الفلسفة والحكمة، يروي لنا بانوفسكي (Panofsky E.) أن " الفيلسوف الألماني الشهير بمقولاته التنويرية عمانويل كانط تلقى زيارة من طبيبه قبل وفاته بتسعة أيام، وكان طاعنا في السن، مريضا، شبه أعمى، وما أن رأى زائره حتى قام من أريكته ومكث واقفا، يرتعش من الوهن، يتمتم بكلمات غير مسموعة. وقد أدرك زائره أنه كانط لن يستعيد سكونه ما لم يأخذ مقعدا ويجلس عليه، وهو ما قام به؛ وعندها هدأ الفيلسوف وسكن، وعندما استعاد بعض قواه قال: لم يغادرني حسّ الإنسانية بعد. وبفعل الارتباك، كان سامعاه على وشك البكاء"..

إن أحد أهم الدروس التي تعلمناها في مسيرة الحياة والمعرفة الأكاديمية أن المعرفة تتسم بالتواضع وترتسم فيه وتنهل من معينه، وأن أي معرفة أو يفارق سمة التواضع هو علم خواء ومعرفة فارغة. فالتواضع سمة العلم وشيمة العلماء. وهو كما عرفناه ليس تخلّقا ساذجا يتجمل به العلماء، بل هو قوة ساكنة في الأعماق وإقرار عميق من أهل العلم بأن المعرفة بحر متلاطم الأمواج وأن العارف مهما بلغ من علم لا يعرف إلا قليلا وقل لمن يدعي في العلم فلسفة عرفت شيئا وغابت عنك أشياء. فالتواضع في العلم هو إقرار عميق بمهابة العلم واتساع المعرفة الذي يتجسد في الحكمة التي تقول: وما علمتم إلا قليلا وفوق كل ذي علم عليم. فالتواضع هو إيمان عميق وإقرار راسخ بأن المعرفة بحر لا قرار له ومهما تعلم الإنسان فليس له من العلم إلا قليلا. لقد علمتنا الخبرة الطويلة وتعلمنا أن العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك وهذا الأمر يشكل جذوة التواضع في العلم والمعرفة.

لقد تعلمنا أيضا عبر رحلتنا الطويلة في رحاب العمل الأكاديمي على مدى أربعة عقود من الزمن وعلمنا طلابنا أن الحصول على شهادة الدكتوراه لا يعني أكثر من نقطة بداية، أو بداية رحلة طويلة في دروب العلم والمعرفة، وقد تعلمنا في مدارات الفكر الفلسفي أيضا ايضا أن الإنسان كلما ازداد علما عرف مدى ما هو عليه من جهل نظرا لاتساع المعرفة وعمقها وذلك هو المعنى الذي توخاه سقراط في قوله المشهور " إنني أعرف شيئا واحدا وهو أنني لا أعرف شيئا ". والدرس الأهم الذي يتعلمه طالب العلم أن مرحلة الدكتورة هي المرحلة التي يتعلم فيها الطالب أبجديات البحث العلمي ومبادئه الأساسية. وكان أساتذتنا يقولون لنا إن الشهادة هي رخصة تؤكد أن الباحث أصبح قادرا على البحث والتعلم في رحلة طويلة يجب أن يتشكل في هضابها ومدرجاته. وتعلمنا ايضا أن الشهادة هي اعتراف أكاديمي بقدرة الطالب على التجديف في المياه الراكدة وأنه يجب عليه أن يتعلم المزيد من أجل الملاحة في غمار المياه العميقة البعيدة.

وتبين الملاحظة العابرة أن الحصول على الشهادة العلمية العالية ولاسيما شهادة الدكتوراه تأخذ في مجتمعاتنا مكانها المبجل في نفوس الناس، ومرتبتها العالية في عقولهم. وقد لا أبالغ في القول أن كثيرا من الناس يشعرون بالقشعريرة عندما تذكر هذه الشهادة العالية التي تحتل مكانها في أعلى مرتبة في مدارج المعرفة الإنسانية. وتتعاظم هذه الصبغة التبجيلية التمجيدية لتضفي طابعا تهويليا على حامل الشهادة، وإذا كانت الشهادة عظيمة ونبيلة، فإن حاملها سيكون أكثر عظمة وأنبل سموا، ويتدفق هذا الفائض التبجيلي ليَسِمَ الأستاذ الجامعي حامل الدكتوراه بسمة العظمة والتفوق الفارق الذي يضفي عليه حالة من التسامي الطبقي المعظم. فالأستاذ الجامعي يمثل في وعي الناس والمتعلمين قمة المعرفة ودرتها وهو يفوق ولا يفاق عليه، يعلو ولا يعلى عليه إذ يحتل أعلى مرتبة في مراتب العلم ومدارج الشرف حيث يحظى بكل سمات التبجيل وصفات التعظيم والتسامي.

لقد هالني انشِداه بعض أساتذة الجامعة وتعجبهم عندما تحدثت في سياق بحث علمي عن الأمية الأكاديمية في صفوف أساتذة الجامعة، حتى أن كثيرا منهم قال لي بصيغة الاندهاش الشديد إلى حد الصدمة: أَأُميةٍ في صفوف حملة الدكتوراه ؟! هل يصدق هذا؟! ومما لا شك فيه أن هذه الطبقة من حملة شهادة الدكتوراه قد اتخذت لنفسها موقعا ومنزلة كبيرة مهابة، ووضعت نفسها في مكانة عالية، بل أحاطت نفسها بكل مظاهر الهيبة والوجاهة والوقار، ووصل الأمر إلى درجة اعتقاد بعضهم – وهم أشدهم جهلا- أنهم يجسدون مطلق الحكمة وغاية العلم ومنتهى المعرفة. وهو الأمر نفسه الذي كان سببا من أسباب في انهيار القيمة العلمية لشهادة الدكتوراه وحامليها. فما أن يحصل عليها الطالب حتى يشعر بأنه وصل إلى غاية العلم ومنتهى المعرفة فيكتفي بشرف الشهادة وحظوتها وفخامتها فيرتد إلى محاضن الجمود الفكري والتصحر العلمي والفراغ الثقافي مع الزمن.

ويصف الكاتب اللبناني علي حرب حالة المثقف الجامعي، الذي غُرّ بنفسه ووقع تحت العُجْبَ بذاته، وبلغ حالة الشعور بالعظمة والاحساس الطاووسي بالاستعلاء على غيره من أبناء جلدته، بقوله :" وهكذا يجد المثقف نفسه اليوم أشبه بالمحاصر، وليس السبب في ذلك محاصرة الأنظمة له، ولا حملات الحركات الأصولية عليه، كما يتوهم بعض المثقفين، بالعكس ، ما يفسر وضعية الحصار هو نرجسية المثقف وتعامله مع نفسه على نحو نخبوي اصطفائي ،أي اعتقاده بأنه يمثل عقل الأمة أو ضمير المجتمع أو حارس الوعي. إنه صار في المؤخرة بقدر ما اعتقد أنه يقود الأمة، وتهمش دوره بقدر ما توهم أنه هو الذي يحرر المجتمع من الجهل والتخلف ...ولا عجب :فمن يغرق في أوهامه ،ينفي نفسه عن العالم،  ومن يقع أسير أفكاره ،تحاصره الوقائع.[2]

وغالبا ما يكون هذا التعظيم إلى حد إضفاء طابع المهابة والقداسة على حامل الدكتوراه ولاسيما الأستاذ الجامعي في المجتمعات المتخلفة. ومن هنا نلاحظ حرص السياسيين والقياديين في المجتمع على حيازة شهادات الدكتورة ووضعها أوسمة ونياشين على صدورهم تجملا في عيون العامة والخاصة من الناس. وكذلك هو حرص أبناء الطبقات الارستقراطية على التجمل بالشهادات العلمية العالية طلبا لبريق التفوق وسعيا إلى وميض التبجيل. وعلى هذا النحو نجد الناس يعظمون حاملي الألقاب العلمية وشهادات الدكتوراه. حتى أن أصحاب هذه الشهادات أصبحوا يشكلون طبقة اجتماعية ارستقراطية متعالية تحتكر لنفسها كل سمات التمجيد والتعظيم والتأييد. وغالبا ما ينظر إليهم على أنهم متفوقون فارقون خارقون. ويصل هذا التمجيد إلى حد يبالغ به اصحابه فحملة شهادة الدكتوراه يتمايلون اعجابا بأنفسهم ويهتون طربا على أنغام ألقابهم وتشتعل نظراتهم بالفرح والإعجاب في كل موقف ومكان. فاللقب " دكتور" اصبح رمزا للهيمنة والتعالي والاعجاب بالنفس حتى يقع حامله في وهم العظمة والتميز والضياع النرجسي في أوهام الحظوة الطبقية الفارقة. ويمكن القول باختصار إن حملة شهادات الدكتوراه بدؤوا يشكلون طبقة محظية محظوظة رفيعة الشأن في المجتمع عالية المكانة في وعي الناس. وبدأت هذه الطبقة تكتسب خصوصيتها بوصفها تابو متعال متسام يفوق المنتسبين إليها باقي أجناس البشر. وهذا الوهم بالسمو والتسامي يغرر بأصحابه- ونقصد الحاملين للقب الدكتوراه- إذ يرون أنفسهم قامة فوق الآخرين فهم أصحاب العلم والمعرفة والقدوة والنخبة والمصطفين من البشر، إنهم يحملون في أنفسهم وهم هذه الخصائص المعرفية الذكية التي لا يمكن أن يحظى بها غيرهم من أصناف البشر؟ وضمن هذا المسار يشكل أساتذة الجامعة طبقة مدججة بهالة من التفخيم والتعظيم حتى أصبحت "تابو" مرهوب الجانب يُمنع على الآخرين الاقتراب منه أو تداوله أو نقده.

والآن حان الوقت سوسيولوجيا لتحطيم هذا "التابو" المدجج بالأوهام المرضية الاستعلائية، حان الوقت لتفكيكه وإخضاعه للدرس والتحليل في ضوء المعطيات التاريخية والاجتماعية لتطور العلم والمعرفة. وهنا علينا أن ندرك بأن الشهادات العلمية في زمن الليبرالية الجديدة تباع وتشرى حتى أصبح لها سوقا واسعا تزّور فيه الشهادات وتباع في الدبلومات العالية في أسواق النخاسة العلمية دون حسيب أو رقيب. ومما لا شك فيه أن الشهادات العلمية تشكل مؤشرات لا يستهان بها في مجال التحصيل العلمي والمعرفي ولكن المبالغة في تبجيلها وتعظيمها وإضفاء الهالة على حامليها يجعل من الأمر قضية إشكالية يجب أن تعالج وأن تخضع للبحث والتحليل خارج دائرة التقديس والتمجيد. وخلاصة القول أن الحصول على الشهادات العالية لا يعني إبدا الحصول على مطلق المعرفة وأن حملة هذه الشهادات يمكن أن يكونوا على درجة متواضعة من العلم والمعرفة، لأن الشهادة بداية الطريق وليست منتهاها. وأن هذه الألقاب التي تزين صدور حامليها ليس لها أن تجعلهم فوق الآخرين ولا تمنحهم التفوق العلمي والأكاديمي. وأن التفوق مرهون بالنشاط والعمل والتدرج في مراتب المعرفة ومدارج العلم.

اسمحوا لي أنا أعود بذاكرتي إلى عام 1982 عندما قبلت في الماجستير في جامعة كان (Caen) بفرنسا وكان قد ترتّب علي أن أقابل أستاذي المشرف. ولما جئت إلى الجامعة أبحث عنه، دخلت بالصدفة إلى قاعة اجتماعات وكانت تغص بالحضور الأكاديمي، حييتهم ثم سألتهم ببساطة أين أجد مكتب الدكتور "بول كليرك" .... نظروا إلى جميعا بدهشة بادية على الوجوه – وكأنني ارتكبت خطأ ما – ابتسموا لي في البداية – ثم انفجروا بضحكات عالية سمع دويها في البهو الخارجي – وأنا في حالة دهشة واستغراب لا أدري ما هو السبب. وكان من الصعب عليهم أن يشرحوا لي حينها وهم في موجة الضحك هذه ما الذي أضحكهم ... ثم بدؤوا يمازحونني ويرددون " الدكتور كليرك ...الدكتور كليرك ..." عندها أدركت بعفوية بأن لقب "الدكتور" مستهجن وغير مألوف في الجامعة، وهو الأمر الذي أثار ضحكاتهم المدوية – وعندها أدركت أيضا أن ألقاب التفخيم والتعظيم لا تحظى بالاحترام في الحياة الأكاديمية في فرنسا وفي البلدان المتحضرة وكانت هذه الحادثة لي درسا في أهمية التواضع لا ينسى.

وعلى خلاف ما يجري في الغرب فإن الاستغراق في استخدام الألقاب يشكل ظاهرة مستشرية تضرب عمقها في جذور ثقافتنا المتشبعة بألفاظ التفخيم والإجلال والتعظيم. وهناك في العالم العربي آلاف الحكايات التي تدور في أوساطنا الأكاديمية لتؤكد لنا أن ألقاب التفخيم والتعظيم تشكل ركنا أساسياً في حياتنا الأكاديمية، إنها فعلا كارثة تدل على عمق التخلف الذي نعايشه ويعيش فينا .

يصف الكاتب المغربي الحبيب الدائم ربي حضور ظاهرة التفخيم اليوم  بقوله "أما اليوم فقد صار الكل كبيرا وعظيما حتى ولو لم يكن كذلك، إلى درجة أنّ ألفاظ مثل دكتور وأستاذ وشيخ أصبحت توزع يمينا وشمالا. فمن دون شواهد ولا دبلومات ألفينا الجزارين والكناسين والبوابين وما إلى غير ذلك، يَغدون أساتذة بقدرة قادر. [3] ويتابع  الكاتب حديثه في وصف حدود استخدام هذه الألقاب في بريطانيا وفرنسا بقوله : "فالفرنسيين مشهورون، مثلهم، بصيغ المبالغة في الحكم على الأمور، والإنكليز يجيدون الأساليب “الجنتلمانية”. ومع ذلك فإن الشعبين الأخيرين، معا، لا يطلقان، كما نحن، صفة أستاذ أو دكتور إلا على ذويها، أي على الحاملين لهذه الصفات في واقع الحال. بل إنهم في كثير من الحالات لا يطلقونها حتى على هؤلاء. ولاشك أن القراء لم يسمعوا قط بالدكتور فرويد ولا الدكتور أينشتاين وقد لا يجدون كِتابا ينص على أن مؤلفه دكتور أو أستاذ كما هو الشأن عندنا نحن العرب حيث الاعتداد بالنفس قد يصير، أحيانا، أقرب إلى الأعراض المرضية، إذا لنا الصدر دون العالمين أو القبر." [4]

ويتحدث الكاتب العراقي كفاح محمود كريم عن شيوع هذه الظاهرة في العراق بقوله: " أما الدكتور وهذه الصفة التي أهينت وهي بريئة ممن يستخدمها ظلما وبهتانا، فبعد أن كانت صفة للطبيب أو درجة علمية في اختصاص أكاديمي معين، أصبحت هي الأخرى مثل سابقتها الشيخ تمنح لكل من يعرف كم مصطلح أجنبي أو ينظم كم جملة من المصطلحات السياسية ويخرج على مشاهدي التلفزة خبيرا استراتيجيا، أو يشتريها فخريا لأنه فلتة زمانه، وهكذا دواليك في الباشا التي كانت ذات يوم رتبة اعتبارية أيام مملكة بني عثمان وما تلاها من ممالك وإمارات، ثم بدأت بالتلاشي مع ظهور الجمهوريات، لكنها عادت ثانية في أيامنا المهجنة هذه لكي تقدم صفة تجميلية منافقة للعلاقات العامة! [5]

وفي تفسير هذه الظاهرة تقول الأستاذة الدكتورة نادية جمال الدين في تغريدة لها حول هذا الموضوع :" الألقاب هي الرداء لمن لا يملك سواها، رحماكم هناك فرق بين اللقب العلمى وألقاب التفخيم الممجوجة. ماذا تريد من انسان يشعر داخليا أنه لا يملك شيئا سوى هذا الذى انجزه بمجهوده رغم كل الظروف، انه يا سادة شعور داخلى يحميه من الاستخفاف حينا واللامبالاة به احيانا.....التجربة فى بعض البلاد العربية مريرة حيث الانسان لا قيمة له إلا بما يغطيه من قشور، ومن هنا يسعى جاهدا للاحتماء بها، والزهو بما تضفيه عليه من المظاهر الخادعة ".

ويصف الأستاذ الدكتور محمد الطبولي أستاذ علم الاجتماع بجامعة بني غازي في تغريدة له حول مسألة الألقاب قائلا: " عندما ذهبت إلى امريكا، وبعد الانتهاء من كورس اللغة، التحقت ببرنامج الماجستر، وكان في أول كل محاضرة يطلب منا أستاذ المادة أن نناديه باسمه الأول فقط، وبعد ذلك وعندما أصبحت بدوري محاضرا في إحدى الجامعات الأمريكية كان طلابي ينادوني بمحمد، وعندما عدت إلى ليبيا كتبت اسمي في أول محاضرة لي على السبورة بدون ألقاب فساد بين الطلاب أنني أحمل شهادة الدكتوراه والا لكنت قد كتبت لقبي قبل اسمي وهذه واحدة من قصص عديدة.

ويطيب لنا في هذا المقام أن نردف هذه المداخلة بمطالعة توردها الأستاذة أمينة زوجي باحثة في علم الاجتماع حيث إن استخدام الألقاب حتى خارج المجال الأكاديمي مسألة ثقافة بالدرجة الأولى، ففي المجتمعات المتقدمة يتمتع الفرد بتقدير عال لذاته لأنه يشكل قيمة في حد ذاته بوصفه إنسانا ومواطنا، وبالتالي فهو لا يحتاج إلى تأكيد نفسه بفرض الألقاب، في حين أن الدول العربية ودول العالم الثالث والتي مازالت تعاني من الهيمنة والطبقية والتفاضل على أساس العرق والأصول القبلية والعائلية، وبالتالي فالفرد في هذه المجتمعات يظل يبحث عن الاعتراف عن طريق حيازة الشواهد لينادى عليه بأستاذ أو دكتور وقد يقضي حياته في توفير المال للذهاب إلى الحج ليطلق عليه لقب حاج، كما أن بعض الألقاب هي إرث لعصر العبودية مثل "السيد" و"الشريف"...وهناك ألقاب ترتبط بالسن فرضتها الثقافة التقليدية.

وقد أحسن الزميل خالد وليد محمود في تحليله الرشيق لأبعاد ثقافة التفخيم والتلقيب ومعطياتها الضاربة جذورها في الثقافة العربية التي انتجت نوعا من التعظيم والتفخيم القائم على مفردات اللغة العربية التي استُهلكت بصناعة الألقاب وصوغ الأنساب. فالثقافة العربية أصبحت نسيجاً يعشق التفخيم والتعظيم "وباتت حياتنا الثقافية والأدبية تطفو على بحر من التصنيفات التي تُعطى وتمنح بغير وجه حق. يقول محمود في في وصف لغة التفخيم " إن كان أحدهم ملتزماً أشير إليه على أنه شيخ، وإن كان مستنيراً أُلحق به لقب الليبرالي، وإن خرج من مكتبة، أو حمل بيده كتاباً، قيل إنه أستاذ! وإن رأيت أحدهم وقد اشتعل رأسه شيباً نادوه "حاجّاً"، وهو لم يصل إلى الكعبة! إذن، بتنا أمام ثقافة ألقاب انجرّ وراء بهرجتها وأضوائها كثيرون، ولم يدركوا حجم المبالغة في تقديرهم ذواتهم، وعبء اللقب الذي يحملونه، متناسين أن حجم الشخص ومعطياته يقفان عند لقب "أبو فلان" أو أم "فلان"، لكنهم تعودوا على الكذب على أنفسهم، وانساقوا وراء الألقاب التي أخذت تسابق الاسم، بينما عمر بن الخطاب، بكل عظمته، كان ينادى بــ" يا ابن الخطاب" أو يا عمر. أما مجتمعاتنا، فلا زالت تكرّس هذه الحالة المتردّية التي جعلتنا نفخّم أنفسنا، وننساق وراء وهم الألقاب وأعبائها".

وهذه الحالة الثقافية المؤسسة للتفخيم والتعظيم تبلغ أوجها في الطبقة الأكاديمية المولعة بالألقاب المفخمة التي تحمل في ذاتها ضجيجا وتترك وراءها فيض عجاج، أداد في وصفه زميلنا الدكتور حمزة الخدام الذي يصف واقع الحال في الجامعة فيقول إذا تمت ترقية عضو هيئة تدريس في الجامعة يجب عليك أن تناديه بلقب أستاذ وإذا لم تفعل فهذا يعني أنك تخاصمه وتعاديه ويبلغ الحد إلى درجة العداء.

وتعيد الباحثة عائشة بليح هذا التفخيم والتعظيم في الجامعة إلى تأثير غادر لثقافة القبيلة التي رسخت في النفوس تفخيم مكانة الشخص بحسبه ونسبه في قبيلته. ولما ظهرت الألقاب الأكاديمية مثل الدكتور والأستاذ والمهندس أصبحت ترسيخا لثقافة التحسيب والتلقيب التي تمتد بجذورها إلى القبيلة. تصف بليح هذه الظاهرة وصفا سرديا عندما تقول: كنت كلما التقي مع استاذ كان يدرسني ايام ليسانس كنت اناديه استاذ فكان يتهرب مني وكنت مستغربة لانني لم أفعل له شيء وذات يوم قصصت الحادثة على صديقة لي فضحكت فقالت انا نفس شيء اذا ناديته دكتور يتهرب مني فتقصت على أمر فعرفت انه يجب أن نناديه بروفيسور!. ويؤكد الحبيب الدائم ربي على البعد الثقافي التاريخي في تأصيل ظاهرة استخدام الألقاب في مجتمعاتنا ولاسيما تأثير الثقافة العثمانية المفخمة التي كانت تستخدم أثناء الهيمنة العثمانية فيقول: " فالعثمانيون كانوا مولعين بألقاب الفخامة والعظمة، عسكريا ومدنيا، من قبيل البيه والباي والباشا والباش مهندس والبكباشي إلخ، فتوغلت إلينا حتى تشربناها مع الوقت فغدت من صلب “علاماتنا المسجلة”. [6]

لقد تنامت ظاهرة التماهي بالألقاب والأحساب بين الأكاديميين العرب بشكل ملفت للنظر، وهي تشكل اليوم ظاهرة مخجلة ومريبة يجب أن تدرس في ضوء معطياتها السيكولوجية والاجتماعية في مجتمعات متخلفة. فأساتذة الفلسفة وما أكثرهم يطلقون على أنفسهم فلاسفة - ويمجدون أنفسهم بكلمات وعبارات التكريم التعظيم. ولكن الهوس الأكبر ابداعا للألقاب وابتكارها نراه عند الأكاديميين في كليات التربية، الذي أبدعوا لأنفسهم ألقابا جديدة ليس لها مكان في الأعراف الأكاديمية ولا تجوز كهذه التي نراها في أوساط الفنانين والمصارعين، وعلى هذا المنوال أصبحت الساحة التربوية مفتوحة للألقاب والأحساب والكرامات - فهذا يطلق على نفسه شيخ المربين العرب - وذاك يطلق على نفسه شيخ الفلاسفة التربويين العرب. وهذا يطلق على نفسه العالم العلامة - والحبل على الجرار - وأخشى أن يأتي يوم نسمع فيه ألقابا جديدة على مبدأ ما يشهده الوسط الفني إذ قد نسمع بألقاب كهذه التي تداعب المشاعر مجال الفن مثل: القيصر، والشحروة، وسيدة الغناء، والعندليب. وعلى هذا المنوال وقد لا يكون اليوم بعيدا لنسمع بألقاب جديدة في المجالات الأكاديمية كأن نقول في المستقبل: قيصر المربين العرب، وشيخ الأنتربولوجيين العرب، وشحرورة الأصول، وسيد التربية العربية على مبدأ - سيدة الغناء العربي - والحبل على الجرار ...

ونحن نعتقد أن هذه الظاهرة ظاهرة مرضية خطيرة ومخجلة وعفنة وتدل على أخطر مظاهر التخلف الفكري والأخلاقي والعلمي في الحياة الأكاديمية العربية، وهي تتنافى مع كل قيم التواضع العلمي - وكم أرجو من زملائنا التربويين والأكاديميين محاربة هذه الظاهرة التي تفيض بكل المعاني السلبية وتدل فيما تدل على الانحطاط الفكري والأخلاقي. فالعلم لا يحتمل كثيرا من الألقاب وأحساب والتمجيد، فقيمة العلم تكون في العمل والانتاج والإبداع وليس في الألقاب والأحساب فالأعمال التي يقدمها الكاتب والباحث تكفيه شهادة - والمعيار الأخلاقي يجب أن يكون فيما نقدم من معرفة للأجيال دون أحساب وألقاب .

تقول الدكتورة نادية جمال الدين (أستاذة في كلية التربية بجامعة عين شمس) في هذا السياق "أنا من جيل قديم واتأمل بذهول ما يطلقه الزملاء على بعضهم البعض من ألقاب، وأتساءل كثيرا ماذا أضفنا نحن التربويين حتى نتصور اننا نستحق هذه الاوصاف؟ وتتساءل الدكتورة نادية جمال الدين " هل ترمز هذه الألقاب إلى نوع من الهروب إلى لمداراة قلة الحيلة فى اوطاننا أم ماذا؟ وكثيرا ما تحدثت مع من حولى وتساءلت لماذا هذه الاوصاف تطلق على الزملاء الرجال ولم توصف بها زميلة تحمل تاء التأنيث مع بقية الدرجات العلمية، مع ان منهن من هى استاذة لبعض منهم؟. وتتحدث الدكتورة عن نمط آخر من الألقاب التي تستخدم في الوسط الأكاديمي مثل: جاء عميد العمداء... ويذهب معالى الاستاذ الدكتور ... ويتضمن الأمر استخدام ألقاب أخرى مثل فخامة الدكتور ...الخ. وترى الدكتورة جمال الدين أن هذه الألقاب والتسميات معيبة ولا تستخدم إلا من قبل المستبدين والطغاة والمتسلطين ولا يمكن أن تكون مدادا للثقافة والعلماء والعارفين أهل المعرفة والتواضع.

وسرديات التفخيم والتعظيم التي تسجل نفسها في الجامعة أكثر من أن تحصى وتعد. ويمكن القول فعليا بأن ثقافة التفخيم الأكاديمي أصبحت مرضا سرطانيا يقضُّ مضاجع الحياة الجامعية، ويشلّ الطاقة الإبداعية للعلماء والمفكرين. ومن يراقب وسائل التواصل الاجتماعيـ سيرى بأم العين أن عددا كبيرا من حملة الألقاب الجامعية انصرفوا إلى تمجيد أنفسهم إذا لم يجدوا من يمجدهم. وغالبا ما يوظف هؤلاء وسائل التواصل للحديث عن انتصاراتهم وإنجازاتهم وفهلوياتهم العلمية التي لا تنقطع. وفي عمق هذا التمجيد النرجسي للذات نجد حالة قصوى من التضخم في إضفاء المزيد من ألقاب التفخيم والتعظيم، وقد أصبحت هذه الثقافة ظاهرة مخيفة. فكثير من الأساتذة ينحتون لأنفسهم ألقابا إضافية وقد شاهدنا في الآونة الأخيرة كثيرا منها. فبعضهم ينحت لنفسه ألقابا جديدة أو يهيب بالآخرين من طلابه وتلامذته أن يخلعوا عليه مثل هذه الألقاب ومن ثم يعمل بدورها على تعزيزها. وهذا كله يمثل مرضا ثقافيا من أمراض التخلف المرعب في ثقافتنا الأكاديمية المعاصرة.

ونتأنس في هذه المقالة بقول الدكتور محمد ناجح محمد (أستاذ أصول التربية بجامعة سوهاج) "سيظل الإناء الفارغ يصدر رنينا أعلى من الإناء الممتلئ، وستظل أغصان الأشجار التي تحمل ثمارا تتجه إلى أسفل لثقل ما بها من الخير، بينما ترتفع الأغصان الفارغة إلى أعلى، وسيظل التواضع شيمة من شيم العلماء الذين يستحضرون عظمة من منحهم العلم فيخشونه حق الخشية، وتستحي قلوبهم من أن تشوبها شائبة كبر في حضرة الوهاب العظيم، الذي إن شاء منح، وإن شاء منع، فالعالم الحق هو من يدرك أنه لم يؤت شيئاً على علم عنده، وأنه لم يؤت من العلم إلا قليلاً.

ونختتم إن "الخطأ فضيلة الإنسان والتواضع مجده: وأننا كما يقول طاغور "ندنو من العظمة بقدر ما ندنو من التواضع "، وكما يقول .(إلفرد دو موسّيه) "ليس للرجل سوى مجدٍ واحد حقيقي، هو التواضع" فالتواضع هو الخلق الوحيد الذي لا يستطيع صاحبه أن يفخر به كما يقول أحد الحكماء. ويطيب لنا تتويج العبارة الأخيرة في هذا المقال بترنيمة شعرية تقول "تعلم فليس المرء يولد عالماً وليس أخو علمٍ كمن هو جاهل".

 

علي أسعد وطفة

كلية التربية - جامعة الكويت

................

[1] - ياقوت، معجم الأدباء، جزء 5، ص 2335.

[2] - علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف ،المركز الثقافي العربي ،ط 3 ،الدار البیضاء، 2004، ص 98.

[3] - الحبيب الدائم ربي، ألقاب مفخمة، العرب ،السبت 2014/06/28.

https://alarab.co.uk/%D8%A3%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%A8-%D9%85%D9%81%D8%AE%D9%85%D8%A9

[4] - الحبيب الدائم ربي، ألقاب مفخمة، العرب ، المرجع السابق .

[5] - كفاح محمود كريم، الألقاب وطبقة الفاسدين!، ميدل إيست أو لاين، الثلاثاء 2018/07/17.

https://middle-east-online.com/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%A8-%D9%88%D8%B7%D8%A8%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%B3%D8%AF%D9%8A%D9%86

[6] - الحبيب الدائم ربي، ألقاب مفخمة، مرجع سابق .

 

نبيل دبابشفي العشرية الثانية من القرن العشرين كانت البداية مع سؤال كبير، ارتبط بظروف عملية عرفتها منطقة المشرق العربي وجنوب أسيا...بعدما قام كمال أتاتورك بإلغاء نظام السلطنة ''الخلافة'' وطرد آخر سلاطين الدولة العثمانية إلى المنفى سنة 1924 م. حاولت العديد من الشخصيات العربية استغلال ذلك الفراغ ''السياسي'' للمطالبة بإعادة السلطة الروحية إلى مجدها (الشريف الحسين بن علي الهاشمي في الحجاز، الملك فؤاد في مصر..). لم يكن في مقدور المثقف السلطوي في ذلك الزمن أن يفهم عمق الثورة التي أحدثها أتاتورك وظل بعيدا عن فهم صميم الأزمة التي جعلت أتاتورك يختار مثل هذا القرار. لقد كانت النخبة المثقفة ثقافة دينية – بالخصوص - عاجزة عن تصور الممارسة السياسية كمعطى اجتماعي له آلياته المتغيرة والتي ليس من الضروري أن يكون لها مرتكزا في الشريعة.

نتج تاريخيا بسبب الصراع على السلطة مذهبين كبيرين، يختلفان في الاسم وليس في منطق التصور للسلطة وآلياتها (السنة / الشيعة). فالأول، إلى جانب تقديس النص يضفي القداسة على العشيرة ويجعل الحكم وراثيا، والثاني إلى جانب تقديس النص يضفي القداسة على أسرة بعينها ويجعل الحكم وراثيا (نظرية الخلافة/نظرية الامامة). مهما بحثنا في تفاصيل مسلسل التاريخ الإسلامي، بداية من القرن السابع للميلاد وإلى غاية بداية الاستعمار الأوروبي، فإننا سنجد نفس منطق التصور ماثلا أمامنا بمسميات مختلفة. فكل من النظرية الشيعية والسنية يجعل المقدس ثنائي البنية. انه التحول الكبير الذي صار يميز العقل السياسي الإسلامي بداية من تاريخ 661 م. لم يعد المقدس ما انزل الله على نبيه محمد (ص) فحسب، بل هو أيضا ما اختاره البعض كرؤية لبسط سلطانه.

لم يستطع الكثير من الكتاب والمشايخ في ذلك العصر، تقبل القفزة الكبيرة إلى الإمام التي قام بها كمال أتاتورك،فكثير منهم بقي متمسكا بالتصور الموروث للسلطة، ودعي إلى ضرورة تجديد سلطة الخلافة لأنها أصل الدين ومن دونها يذهب إيمان الناس وقوتهم ويزول مجدهم. كان ذلك أهم ما ميز مواقف الشيخ رشيد رضا في كتابه '' الخلافة ''، فهو يرى منصب الخلافة من ركائز الدين والخروج عنه أو عصيانه هو بمثابة الكفر بعد الإيمان.لم يستطع الشيخ رشيد رضا التفكير خارج معطيات الكتب القديمة ومنطق القرون الأولى للتاريخ الإسلامي، فظل عقله بعيدا عن عصره وأحوال زمانه. إذ نجده يشترط إلى جانب عروبة الحاكم نسبه القرشي، ويعتمد على أحاديث موضوعة هي صناعة تاريخية ارتبطت بالصراع القديم على السلطة : '' الأئمة من قريش '' '' الأمراء من قريش ما عملوا فيكم بثلاث – ما رحموا إذا استرحموا،و اقسطوا إذا قسموا،وعدلوا إذا حكموا'' (أحاديث يرويها الشيخ في كتابه الخلافة). انه لا يتوقف عند هذا الحد، بل يضفي الشرعية على أسلوب ولاية العهد الذي جعله نظام الخلافة بداية من سنة 661م تقليدا متبعا.

إن ما يخفيه خطاب الشيخ رشيد رضا أو غيره من الكتاب في زمانه، هو الصدمة العنيفة التي لم تستطع عقولهم التصدي لها أو إخفاءها.. كانت اختيارات كمال أتاتورك- بالنسبة إليهم- صفعة غير منتظرة،هم لا يملكون الأدوات لصدها،فكان الحل التقليدي وسيلتهم الوحيدة ، الفرار إلى الماضي والاحتماء به. إن المقدس السياسي – حسب منظور الشيخ رشيد رضا – في خطر، يتوجب تصحيح ما لحق به من ضرر وإعادة نظام الخلافة لأنه فريضة شرعية.

في ظروف هذا الصراع الفكري والسياسي حول  سلطة الخلافة، ولدت جهود القاضي علي عبد الرازق. لقد كانت بمثابة الطفرة التي تسبق زمنها، أو النبتة التي تنمو في ارض غير التي تعودنا رؤيتها فيها. كان طبيعيا إن يلقى الرفض وقسوة المعاملة وأصناف العقاب الاجتماعية، لان البيئة التي يحدّثها لم تنضج لديها بعد رؤية مستقلة عن الماضي الموروث ولا تملك الإرادة لخوض تجربة سياسية جديدة. إنها حال الغريق الذي يبحث عن قشة ليمسك بها وليس لديه ادني استعداد لسماع ما ينصحه به مرشدوه.

إن جهود القاضي علي عبد الرازق من خلال كتابه '' الإسلام وأصول الحكم ‘‘، هي بمثابة تحد للمقولات المألوفة في عصره وثورة على القاموس القروسطي في موضوع الحكم.إنها ثورة عقل داخل منظومة كبيرة قائمة على البديهيات المتوارثة. لم يشرع القرآن الكريم لموضوع الحكم ولا يوجد دليل في الحديث النبوي الصحيح يثبت ما ذهب إليه أنصار الخلافة. بل هو التاريخ من صنع ذلك..و لو كان لدى أنصار الخلافة دليلا شرعيا واحدا فليقدموه. إن الأمر كان متروكا للناس يتدبرونه بالوسائل التي يرونها مناسبة لحفظهم واستمرارهم.

العقل غير مقيد في مسألة الحكم، ومسائل السياسة لا صلة لها بالإيمان إطلاقا،  بل الخروج على نظام الخلافة لا يلغي التقوى. لقد عاشت المجتمعات الإسلامية ثلاثة أعوام من دون وجود خليفة على اثر هجمة التتار سنة 1258 م على بغداد ، ولم ينس المجتمع دينه ولا أهملت الفرائض والسنن . إن اختيار أتاتورك لا يتنافى ومبادئ الشريعة ،كما أن اعتماد نظاما جمهوريا أو ملكيا قائم على الدستور...ليس فيما انزل من القرآن ما يعارضه، بل كل ما ينبغي الحرص عليه هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

لو كان في القرآن أو الحديث الصحيح دليلا واحدا، لما اختلف الصحابة يوم السقيفة وما تخاصموا  فيما بينهم بسبب الأمر. إن الأمر متروك للناس يتدبرونه بما يتناسب وظروفهم وحاجاتهم...فصراع الأجيال حول السلطة هو اكبر دليل على دنيوية المشروع، والذي لم يكن أبدا موضوع إجماع كما يزعم أصحاب النزعة السلفية،بل قامت حروبا طاحنة بين المسلمين لأجله، وكان دائما يؤخذ بحد السيف. إن طاعة الإمام في الحديث النبوي لا تعني وجوب الخلافة كما أن الوفاء بالعهد للمشرك لا تعني الرضا بالشرك.

وفق هاته الطريقة في التحليل، يقوض القاضي علي عبد الرازق كل الأسس التي تقوم عليها نظرية الخلافة ومعها مقولات كل الايدولوجيا السلفية...ليفتح الباب واسعا أمام كل مقترح معقول من شانه أن يجدد روح هاته الأمة بعدما تخلى عنها الأتراك. لكن سؤالنا الأساسي هو التالي: ما السبب الذي جعل فكر علي عبد الرازق يتوقف في الزمن وينتهي، ليستمر في المقابل فكر الشيخ رشيد رضا ويؤسس – لاحقا – ما يسمى بالإسلام السياسي؟ هل يمكن اعتبار السبب سياسيا، أي أن مواقف التيار السلفي كانت هي أيضا مواقف السلطات العربية في ذلك الزمن ، مما جعل فكر رشيد رضا يعرف الاستمرارية في مقابل زوال فكر علي عبد الرازق. ربما يكون سياسيا ولكن بصفة ظرفية، لان المنطقة العربية ستعرف لاحقا ميلاد أنظمة وطنية شبه علمانية.

في تقديرنا، العامل الأساسي هو نفسي – اجتماعي، ارتبط باكتشاف من ينافسنا الغرور والعزة. ولديه من الإمكانات الذاتية التي عجزنا عن تحصيلها... كان ردنا – كمجتمعات خضعت لنظام سياسي تقليدي – هو الفرار واللجوء إلى المخيلة والخوف من المرآة...علي عبد الرازق لم ينجح ولن ينجح أي طرح فكري ينتمي إلى نفس النسق.. لأننا ننتمي إلى وسط اجتماعي مهووس بالحلم والخرافة... ويخاف المغامرة والخروج من الدائرة التي رسمها لنفسه. إننا ننتمي إلى بيئة اجتماعية تضفي القداسة على كل شيء، وتنتظر الحلول دائما.

 

إننا ننتمي إلى مجتمعات لم تتغير كثيرا، منذ عشرات السنين آو أكثر. وليس لديها أي نية لاكتشاف الأخطاء وتشخيصها، بل كل ما يثير الاهتمام- لديها- هو ضرورة رضا الآخر عنها حتى، وإن هي على حافة الهاوية. لم تستطع العقول التخلص من حلم نظام الخلافة والاستعداد لبناء دولة مدنية وفق المقاييس الناجحة في عصرنا، بالرغم من كل الإخفاقات والعيوب التي عرفتها في الماضي.

رفضت – بيئتنا – فكر علي عبد الرازق وبعده فكر محمد أركون وفرج فوده وادونيس وسعيد ناشيد...و احتضنت بفرح كتب المودودي وسيد قطب والعريفي والشيخ فركوس...قد يعترض البعض، ويعتبر السبب في نجاح التيار السلفي واستمراره هو الدعم الذي يلقاه مناصروه من وراء البحار لظروف جيو- سياسية عاشتها المنطقة ..ربما يكون ذلك نصف الجواب.

إننا ننتمي إلى وسط اجتماعي يخاف من الحقيقة، ولا يقبلها إلا في قفاز إيديولوجي..لا يستطيع أن يرى العيب والضعف والتمزق إلا عند غيره...ينفعل لأبسط الأحداث ولا يستطيع أبدا تبني لغة العقل والحوار الصادق. إن جهود علي عبد الرازق، كان يمكن أن ترسم للمنطقة العربية مستقبل أفضل وبأقل التكاليف لو – فقط – تم السماح لها وعدم التضييق عليها بالأساليب التقليدية. من هي المؤسسات – في عصرنا - التي يمكن أن تسند لها مهمة إعادة بعث المسار الذي كرس له علي عبد الرازق حياته؟ للأسف، إن الأيديولوجي اخترق كل المؤسسات العلمية والأكاديمية على صعيد المنطقة العربية، ولا أمل في المنظور القريب لتخطي مستنقع الوحل الذي أمامنا.

إن فكر علي عبد الرازق، ينتمي إلى ظروف سياسية منتهية منذ ما يقارب المائة سنة، ولكن الروح التي كانت تغذيه لا تزال حية..المنطلق عنده هو العقل وممارسة النقد على الموروث الديني، ونزع القداسة عن الأسماء والحقب...الأصل عنده هو الحق واحترام الإنسان والتخلص من التقليد. صوت علي عبد الرازق، كان صوت المتديّن الصادق الذي أحب الحقيقة ورفض خطاب السلطة..المتدين الذي يفكر في الصالح العام ولا يعطي الشرعية لنصوص ميتة.

اجبر على مراجعة أقواله وآراءه، وبعد مضي العديد من السنوات يصدر الأزهر قرارا بتبرئة علي عبد الرازق من التهم المنسوبة إليه...إن جاليله ومارتن لوثر موجودان عندنا فلا داعي لتعليم الناشئة أن أوروبا كانت ضد حرية الرأي وتحارب العلماء ...كفاكم كذبا...إن أراء علي عبد الرازق -لا تزال- غير مرغوب فيها إلى يومنا هذا، وتنتقد مواقفه من قبل بعض الكتاب والخطباء من دون الرجوع إلى نصوصه !.

الأنوار العربية ليست مستحيلة، ولكن أهم ما يعيقها هو استمرار حالة العمى واستئناس العيش داخل الكهف الذي تمر به مجتمعاتنا...آن الأوان لميلاد عقول جديدة جريئة لا تكل.

 

نبيـــل دبابــــش - كاتب من الجزائر

 

علي المرهجتعني النرجسية (حُب الذات) واعلانها التميز الفرداني عن الآخرين، مرة من جهة امتلاك الفرد لعبقرية أو مقدرة فائقة أو تفوق ثقافي أو علمي بالقياس للآخرين الذين يعيشون معه، وهذه نرجسية محمودة على ما فيها من حُب التفاخر بالذات التي تحمل في طياتها تقليل من جهود الآخرين في مجال تفوق الذات.

هناك نرجسية أخرى نستطيع تسميتها (نرجسية فارغة) لأنها اعجاب مُفرط بالذات من دون وجود مؤشرات على ما يُميز هذه الذات في الحياة أو في مجال من المجالات، هي أشبه بمرض نفسي، إن لم تكن هي كذلك، يدَعي صاحبها تميز من دون وجود ما يشفع لمقبولية ادعائهم الفارغ بالتميز!!.

هناك بعض من مقبولية لنرجسية الكبار الذين قدموا لمجتمعاتهم بصورة خاصة في مجال اهتماماتهم وللمجتمع بصورة عامة التباهي والتفاخر بقيمة الذات التي يعترف لها الآخرون بقيمتها المعرفية أو العلمية أو الفنية، أو العبقرية في خرق نظام المعرفة السائد.

أشتق مفهوم النرجسية من أسطورة يونانية تحدثت عن إنسان فائق الجمال أسمه (نرسيس) أو (نركسوس) من شدَة جماله لم يستطع أن يُحب سوى نفسه، بعد أن لم يستطع رؤية حبيبته التي لم تُبادله الحُب، فقضى عمره ينظر إلى الماء علَهه يرى حبيبته، وفي لحظة تجلٍ رأى انعكاس صورتها في الماء، فقفز إلى لماء النهر غرق في ماء النهر حُباً، وعندما مات هذا الشاب أوردت زهرة في مكان دفنه سُميت بـ (النرجس)، وهي واحدة من أجمل الزهور بالعالم، يصح بها وعليها القول (أن اللهىجميل يُحب الجمال)، وفي النرجس جمال أخَاذ، فكيف لنا لا نستحسن النرجسية حينما تكون جمالاً يُزيَن وجه الأرض

النرجسي يهتم بنفسه يمشي مُتفاخراً بتفوقه الحقيقي العلمي أو الثقافي أو العبقري الفائق، وهُناك (نرجسي فارغ) يهتم بمظهره وحُسن ملبسه، تجده يخترق كل جلسات السمر والحوار ليتكلم عن نفسه وأفعاله وربما شجاعته المصطنعة وكرمه الباذخ ادعاءاً.

النرجسي بنوعيه لا يتحمل النقد، ويهيم طرباً حينما يمدحه الآخرون حتى وإن عرف أنهم ليسوا بصادقين، يتمايل جسده ذات اليمين وذات الشمال ليُطرب على أغنية (أم كلثوم):

النرجس مال يمين واشمال

على الأغصان بتيه ودلال

حين ذكر بعض محاسن النرجسي لو كان أميراً أو سلطاناً تجده لا يُقرَب سوى من يمنحونه ألقاب العظمة ويُحسنون التملق واضفاء صفات معرفية وجمالية وأخلاقية له ليست بالضرورة متواجدة فيه!. ليكون هو "الأمير الفيلسوف" و "القائد الضرورة" وهو من لم يأت بمثله للوجود لا قبل ولا بعد، لا يشعر بمتاعب الآخرين، ولكنك تجده مُبغضاً كارهاً لمن لا يشعر بمتاعبه، هو لا يرى الآخرين، ولكنه يطلب من الآخرين أن يروه ويُشعروه بأهمية وجوده بشكل مُستمر.

يهيم النرجسي بوصفه معتقداً بأهميته بخطابات لا عقلانية، تغلب عليها سمة القناعة بأن هناك غيب يحرسه أو إرادة ربانية اقتضت وجوده أو حتمية تاريخية صيرته الشخص الأمثل أو "المُخلص".

النرجسي يمتلك وعيه بنفسه، ولكن هذا الوعي لا يرى وجودات إنسانية نوعية مناضرة له، يُمعن في تكليف الآخرين ليكونا مضحين من أجله، ولكنه لا يُكلف نفسه السؤال عنهم. وكأن نزعته النرجسية قد منحته صفات الله (الخالد) (الأزلي)، وباقي الناس لا قيمة لهم ولا وجود من دونه!.

يشعر النرجسي أنه المالك ـ ولربما ـ يشعر أنه هو المُحيي والمُميت، فالوجودات (الناس والطبيعة) هي التي تتحرك إليه (على سبيل الشوق) ـ بعبارة أرسطية حينما يصف الموجِد الأول.

كل نرجسي مُعجب بنفسه مُفتتن بذاته، ولكن ليس كل مُعجب بنفسه نرجسي مُتتن بذاته.

النرجسية درجات، ومنها الجميل المرغوب، حينما تجد (المتفوق) حقاً في مجال من المجالات مُعجب بنفسه، ولكنه يعكس هذا الاعجاب باعجاب مُقابل لكل من هو (متفوق) في مجال يُشاطره هو فيه أو يُغايره.

في النرجسية اللامرضية ـ كما أرى ـ اعجاب وافتتان بالذات يشعر به النرجسي الذي يليق به التباهي حينما يجده في كتابات الآخرين ومحبتهم له بوصفه عالماً لا سطاناً، فهي (نرجسية جمالية) نستحسنها بمقدار استحساننا للنظر لوردة النرجس بهية الجمال تزدهي وتتغنج تحبباً بمقدار شف الآخرين برؤيتها.

في القيادة الادارية الناجحة وتحقيق التميز في العمل والانجاز ستكون هُناك نرجسية مُحببة عند القائد الإداري ويستحسنها العاملون معه، إن لم يكونا هُم المبادرون للتعبير عن تفوق المدير ونجاحه.

لا أتفق كثيراً مع من يذهب إلى ادراج كل تمظهرات النرجسية في لائحة الأمراض النفسية، لأن كل بني البشر مُعجبون بأنفسهم ولو بدرجات، فهي بظني ليست (اضطراباً في الشخصية) في كل الحالات كما يذهب إلى ذلك أصحاب التحليل النفسي.

أختم بالقول أنني عرفت شخصية نرجسية مُعجبة بذاتها، هو الكبير (مدني صالح) مُففتن بذاته ومُعجب بها، مُحب لمدينته هيت ويهيم بنواعيره، يقول: (أنني لا أصادق إلَا مدني صالح، ولا أحاور إلَا مدني صالح)، وقد فهمت منه أن مدني صالح عنده هو مثال الإنسان الوعي والمثقف المُحب لذاته ولمدينته، وهو في مضنون قوله يرغب بمعرفة شخص يُحب نفسه ويثق بمعقله ومقدار وعيه ويعشق تاريخ نشأته لا تبجحاً، بل بمقدار سعيه هذا (الآخر) لتنمية وعية وثقته بنفسه، ومحبته لتاريخ نشأته على قاعدة (الطيور على أشكالها تقعُ).

عندي الكثير في تمييز النرجسية المحمودة، وعندي الأكثر في توصيف النرجسية المرضية، ولكنني حاولت إيجاز القول لترك التفصيل والشرح لمقام آخر.

 

ا. د. علي المرهج

 

منى زيتونفي بعض الأحيان لا تكمن المشكلة الاجتماعية للشخص في أنه لا يعرف كيف يسلك بالشكل الاجتماعي الملائم، ولكن مشكلته أنه يسلك على نحو غير لائق وغير توافقي من وجهة نظر المجتمع، يراه هو لائقًا!

وبعيدًا عن الدخول في متاهات المسايرة والمغايرة الاجتماعية، وأن الصواب قد يكون في أحايين ما يراه المجتمع خطأ، فأنا هنا لست معنية بالحديث عن أمثال هذه الحالات، بل أعني الأنماط السلوكية غير التوافقية المتعددة، التي ترتبط بنقص مهارات التواصل، والتي يقضي المنطق –وليس العُرف فقط- بأنها خاطئة.

وإذا ما خصصنا المهارات الانفعالية بالحديث، فإنه يمكن تقرير أن النضج الانفعالي لا علاقة بينه وبين العمر؛ بمعنى أدق هو يزيد بزيادة عمر الإنسان، لكن الدرجة التي يصل إليها كل إنسان تختلف بوضوح عن الآخر. وقد درست حالات كثيرة لأشخاص متقدمين في العمر، لا يسلكون بما يتناسب مع أعمارهم، مما يعكس درجة منخفضة من النضج الانفعالي، ودومًا تتضرر علاقاتهم بالأشخاص المهمين في حياتهم بسبب بعض المفاهيم الخاطئة، التي تنطبع في عقلهم الباطن، وتتحكم في سلوكياتهم.

وقد نرى شخصًا ناجحًا على الصعيد المهني، لكنه غير ناضج انفعاليًا بالقدر الكاف، يتعامل مع المقربين منه كملك يتمنن عليهم، ولا يقوم بالأدوار الاجتماعية نحوهم على النحو اللائق، فإما أنه لا يرى لزامًا عليه أن يسلك أو يتأخر قبل أن يصدر عنه السلوك، وهي رسالة كلاسيكية قديمة بدنو القيمة يرسلها نحو الآخرين!

بعض هؤلاء من غير الناضجين انفعاليًا قد يرون المواقف الاجتماعية مع المقربين كمواقف تنافس مع الطرف الآخر، وهدفهم من التواصل الاجتماعي تحقيق النصر فيها! وفي العلاقات الشخصية مع الأشخاص المفترض أن يكونوا شركاء الحياة في المستقبل لا يسلكون بحيث يكون الموقف تنافسيًا وحسب، بل كثيرًا ما يتحول على أيديهم إلى ما يشبه اللعبة ذات الأشواط! من ثم، فالتعامل معهم عن قرب ليس خيارًا سلميًا على الإطلاق؛ إنه أشبه بإعلان حالة الحرب، الذي تتخلله هدنات قصيرة، يتم خرقها سريعًا من جانبهم! سواء كان ذلك بسلوك مباشر منهم، أو بسلوك غير مباشر، يشعل الموقف؛ حيث يجبر الطرف الآخر على رد فعل لا بديل له، وهو قرار قطع العلاقة معهم. وكما قال من قبلنا: من لم يحسب العواقب، فالدهر له مُعاقب، وكلٌ يجني صنع يديه. ولم يفقد أحد نعمة إلا بسوء عمله.

ولأن هؤلاء لا يفهمون أن الهدف من التواصل الاجتماعي هو تحقيق التأثير الاجتماعي وبناء العلاقات الاجتماعية الناجحة مع الآخرين، والذي لا تسهم سلوكياتهم في تحقيقه مع كثيرين من المقربين ذوي الأهمية، فمن ثم هم لا يدركون أنهم خاسرون وليسوا فائزين، كما يتوهمون! ودومًا أقول: الخاسرون فقط من لا يقدرون حالة الموقف المُربح للجانبين، بدلًا من ذلك يخسرون بينما يظنون أنهم الفائزون!

ومن ملاحظاتي حول العلاقات الشخصية تحديدًا، وجدت أن حالات المشاجرات أو الانفصال بين خطيبين أو زوجين أو مرتبطين، الناشئة عن أسباب تافهة، لا تتزايد إلا عندما يكون بينهما توافق غير عادي في الشخصية كأنهما توأمان! وعندما يكون أحدهما أو كليهما غير ناضج انفعاليًا بالدرجة الكافية تتفاقم المشاكل وتنفصم العلاقة؛ فغالبًا نكون أمام درجة منخفضة من التعبير الانفعالي عن المشاعر الإيجابية، مع درجة منخفضة أيضًا من الحساسية الانفعالية، أما الضبط الانفعالي للغضب والضيق وغيرهما من الانفعالات السلبية فتتفاوت درجته، ولكن حتى وإن كان الضبط مرتفعًا، ولا يتم التعبير عن تلك الانفعالات؛ فالنار كامنة تحت الرماد.

ربما أسهمت زيادة التوقعات في المشكلة. نحن لا نهتم ولا نتوقع شيئًا ممن لا يعنون لنا، والعكس تمامًا مع من يعنون لنا الكثير؛ فعدم فتح رسالة أو عدم الرد على اتصال يمكن أن يقيم القيامة في علاقة التوائم الروحيين، وعلى العكس تكون اللامبالاة سائدة في علاقات غيرهم، ممن لا توجد لديهم مثل تلك العلاقة الروحية مع شركاء حياتهم. والعلاقة بين التوائم الروحيين بقدر ما تحقق السعادة بقدر ما تكون أكثر صعوبة من غيرها؛ لأن كلا الطرفين يتأثر بشكل يفوق الحد بأي فعل أو رد فعل من جهة الآخر. والنتيجة أن هؤلاء يخسرون علاقاتهم الشخصية التي يسيطر عليها الحب الحقيقي أكثر من غيرهم.

 

د. منى زيتون

 

زهير الخويلدي"إذا كان لدينا مصدر ضوء ومرآة كروية، فكيف نحدد النقطة التي ينعكس عليها الضوء لعين الناظر؟"

تراوحت حياة الحسن ابن الهيثم بين البصرة في العراق من حيث هي أرض المولد سنة965 ميلادي والقاهرة في مصر مكان الوفاة سنة1040 ميلادي وعرفت عدة رحلات علمية مهمة إلى الشام والأندلس.

حاز ابن الهيثم على فكر موسوعي جمع بين الفلسفة والأدب وبين الرياضيات وعلم الطبيعة وبين الفلك والجغرافيا وبين علم المناظر وطب العيون وتأثر بأرسطو وبطليموس وإقليدس وجالينوس والكندي وثابت ابن قرة وتوصل في مجال الإدراك البصري والهندسة إلى اكتشافات مهمة أثبت صحتها العلم الحديث.

أطلق عليه مؤرخو العلم فيزيائي القرون الوسطى وأطلق عليه المستشرق رينر اللقب اللاتيني Alhazen وحفظت مكتبة فرنسا الوطنية بباريس ومكتبة ليدن ومكتبة بودلن في أكسفورد أعماله الفيزيائية والهندسية.

كتب في العديد من المجالات واهتم بمختلف الظواهر الطبيعية والفلكية والرياضية وألف كتاب المناظر ومقال في التحليل والتركيب وتكوين العالم وميزان الحكمة ورسالة في الضوء وشكوك على بطليموس ومقالة في ضوء النجوم ومقالة في صورة الكسوف والحركة المتعرجة ورسالة في المكان وتصويبات على المجسطي وتأثير اللحون الموسيقية على النفوس الحيوانية واختلاف منظر القمر ومقالة في درب التبانة وكيفيات الاضلال وأصول المساحة والتحديد الدقيق للقطب ورسالة في الشفق ومقالة في قوس قزح وأعمدة المثلثات والمرايا المحرقة بالقطوع وشرح أصول اقليدس والتنبيه على ما في الرصد من الغلط ورؤية الكواكب ونموذج الكون وقول في مساحة الكرة وارتفاعات الكواكب ورسالة في مساحة المجسم المكافي والمزولة الأفقية ورسالة في قرسطون وحركة القمر وإكمال المخاريط واتجاه القبلة والجامع في أصول الحساب ومقالة في تربيع الدائرة والمرايا المحرقة بالدوائر وكتاب في تحليل المسائل الهندسية والقول المعروف بالغريب في حساب المعاملات ونماذج حركة الكواكب السبع وفي الأشكال الهلالية.

لقد ترك ابن الهيثم تأثيرا واضحا في العلوم العربية ويبدو أن ابن رشد قد اعجب بأفكاره المخالفة للقدامى ومنهجه العلمي واستفاد منه تقي الدين الشامي في كتابه نور حدقة الابصار ونور حقيقة النظر عام 1574.

قال ذات يوم: " لو كنت بمصر لعملت لنيلها عملا يحصل النفع في كل حالة من حالاته من زيادة أو نقصان" وتبعا لذلك حاول بأمر من الحاكم الفاطمي بناء سدا في أسوان يقوم بتنظيم تدفق الماء في النيل ويحد من الفيضانات ولكن محاولته باءت بالفشل وترتب عن هذه المحاولة الجريئة انعزاله للتأليف في الطب والهندسة والحساب والفلك والفيزياء وعزمه على الهجرة إلى الشام والى شمال افريقية والأندلس.

كما اعتمد منهجية الشك التجريبي مصرحا :" البحث عن الحقيقة في حد ذاته أمر صعب والطريق إلى ذلك وعر فالحقائق يكتنفها الغموض. الله لم يعصم العلماء من الخطأ ولم يحم العلم من القصور والنقص". لقد اعتمد ابن الهيثم في البداية على المنهج العلمي وأعطى قيمة كبيرة للرصد والسبر والتجارب وجعل من الاستقراء أداة لتفسير الظواهر وأسس الفيزياء التجريبية ولكنه حينما انتقل إلى القاهرة وتعلم الرياضيات زاد على ذلك المنهج المنطقي واعتمد الاستنتاج الاستنباطي وصار يعتمد على الفرضيات وينقح النتائج.

قام بثورة كبيرة في مجال علم المناظر عندما تخلي عن نظرية الانبعاث التي آمن بها إقليدس وبطليموس ونظرية الولوج التي أيدها أرسطو وأسس نظرية الرؤية التي تثبت حقيقة أن الضوء يأتي من الأجسام إلى العين وليس العكس وتعد هذه النظرية المرحلة التمهيدية الضرورية لميلاد فن التصوير وظهور الكاميرا.

درس عضو العين دراسة تشريحية طبية وفسر بشكل واضح وظائف الأعضاء التي تتكون منها وبحث في التأثرات النفسية للإبصار وتناول النظم البصرية باستخدام المرايا المقعرة والكروية والزيغ الكروي وقدم عدد من الأبحاث حول قوى تكبير العدسات وأثبت أن النسبة بين زاوية السقوط وزاوية الانكسار بالنسبة للشعاع الضوئي على العدسة ليست متساوية من ناحية أولى، ومن ناحية أخرى تضمن كتاب المناظر معادلة من الدرجة الرابعة تعرف بمسألة ابن الهيثم وتتناول ظاهرة انعكاس الضوء على المرايا الكروية.

لقد كان للمجلدات السبعة من كتاب المناظر التي ألفها ابن الهيثم وترجمها رجل دين غير معروف في بداية القرن الثالث عشر إلى اللاتينية الأثر العظيم على بحوث روجر باكون والتأثير الكبير في يوهانس كيبلر ولقد قام فريدريك ريزنر بطبعه عام1572على العنوان التالي:الكنز البصري: الكب السبعة للهزن العربي.

لقد قسم ابن الهيثم علمه المستحدث الى سبعة أقسام وانطلق من التطرق الى كيفية الابصار في الجملة ثم فصل المعاني التي يدركها البصر وعللها وكيفية إدراكها وانتقل بعد ذلك الى البحث في أغلاط البصر فيما يدركه على استقامة وعللها ، ثم تساءل عن كيفية إدراك البصر بالانعكاس عن الأجسام الثقيلة ، وتطرق في المبحث الخامس إلى مواضيع الخيالات وهي الصور التي ترى في الأجسام الثقيلة ، واهتم في المبحث السادس بأغلاط البصر فيما يدركه بالانعكاس وعللها وانتهي في القسم السابع إلى البحث عن كيفية إدراك البصر بالانعطاف من وراء الأجسام المشفة المخالفة لشفيف الهواء وبلغ في هذا المبحث الإبداع المطلق.

لقد بحث ابن الهيثم في هذه الموسوعة التأسيسية للبصريات عن خواص البصر والأضواء وكيفية إشراقها وما يعرض بين البصر والضوء ودرس هيئة البصر وكيفية الإبصار ومنافع آلات الإبصار وعلل معانيها.

وضع ابن الهيثم نظرية في البصريات تقر بأن الرؤية تحدث نتيجة خروج أشعة الضوء من كل نقطة في الكائن إلى العينين بعد أن وحد علم البصريات مع الهندسة وأثبت سير أشعة الضوء في خطوط مستقيمة واختزل المنعكس والمنكسر منها في اتجاهين رأسي وأفقي واقترح نموذج لانكسار شعاع الضوء يشبه قانون سنيل المتكشف لاحقا وقدم تحليلا مقبولا للكاميرا المظلمة والكاميرا ذات الثقب التي تجعل الضوء يسمح بظهور صورة كل شيء على الشاشة في الجانب الآخر من تلك البؤرة ، وحرص على التحقق من صدق نظريته المناظرية ومعقوليتها بالقيام بعدة تجارب حول العدسات والمرايا والانعكاس والانكسار.

لقد كان لابن الهيثم السبق التجريبي من خلال تجربة القُمْرَة العربية التي تعني الغرفة المظلمة في نقل صورة من الخارج إلى شاشة داخلية عبر إجراء تجربته على مصباحه الذي تحول إلى كاميرا مظلمة.

فكيف أدت بحوثه البصرية الى التجديد في دراسة الظواهر الفلكية وتفسير كثافة الغلاف الجوي للأرض وظاهرة قوس قزح وشرح وهم القمر وفهم ظاهرة كسوف الشمس والشفق والقول بأن الرؤية تحدث في الدماغ بدل العينين وأن مجموع متواليات القوى هي التي تحدد حجم سطح مكافئ من خلال التكامل؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

..................

المراجع:

الحسن ابن الهيثم، كتاب المناظر، تحقيق عبد الحميد صبره ، الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، طبعة أولى 1983، 803 صفحة.

 

منى زيتونمن أهم الأسئلة التي تواجه البشر في حيواتهم هو تساؤلهم عن الأسباب التي تؤدي بهم إلى الفشل. لماذا نفشل؟ سؤال تتنوع المجالات التي يُطلق فيها، كما يتنوع من يتساءلونه؛ فقد يصدر عن طفل صغير كل ما يهمه هو نجاحه في الدراسة وفي اكتساب المهارات التي يحبها، وقد يصدر عن شاب أو شخص ناضج مهتم بتطوير حياته المهنية أو حياته الشخصية. وغالبًا لا نهتم بالبحث في هذا السؤال إلا بعد أن يقع المحظور ويصيبنا الفشل! بينما كان يمكن لنا أن نتقيه إن درسنا أسبابه وتعرفنا إليها قبل أن يقع.

ولنتعرف على بعض أهم مسببات الفشل، ينبغي أولًا أن نميز بين السلوكيات الظاهرة التي ترتبط بالفشل، والانفعالات الداخلية التي تكون مصاحبة لتلك السلوكيات. على سبيل المثال فإن تكرار الأخطاء هو سلوك ظاهر يقترن دومًا بالفشل؛ فالفاشل مهما تكررت مواقف مشابهة للموقف الأول الذي فشل فيه يظل يكرر سلوكياته التي أوصلته لتلك النتيجة، ويرفض أي تغيير، وكأنه يرفض الاعتراف أنه على خطأ! بينما الناجح يدرك أنه عندما يفشل في الوصول إلى هدفه من خلال طريق ما، عليه أن يكون مرنًا، ويسلك طريقًا آخر. على الجانب الآخر فإن التكبر، والذي هو شكل متضخم من الثقة في النفس، هو حالة انفعالية ترتبط بسلوك بعض الأفراد الفاشلين، ولن نتعرف عليه ما لم ينعكس في سلوكيات الواحد منهم.

وأرى أنه من الصحيح أن نقول إن لكل من النجاح والفشل تعلق زمني، ما بين الماضي والحاضر والمستقبل. ولو دققنا سنرى أن الفشل في كثير من الأحيان هو شكل من أشكال التعلق بالماضي، بسلوكياته وانفعالاته! وقد يكون على النقيض شكلًا من أشكال التعلق بأحلام المستقبل مع عدم القدرة على تحقيقها، بينما النجاح يرتهن بتقوية الصلة بالواقع والتركيز على فهم ما بين أيدينا، وما نطمح إليه في ضوئه.

وبينما يعتمد النجاح على التحديد الدقيق للمعطيات وكذا النتائج المستهدفة، وإعادة تقييمهما من وقت لآخر، يمكن أن نقول إن من أسباب الفشل عدم فهم المعطيات الحقيقية، وإساءة تحديد الهدف المستقبلي. ولكن، ماذا لو كانت المعطيات مناسبة في بداية الموقف، ثم تغيرت، أليس هذا دافعًا للشخص الناجح لإعادة التقييم ومن ثم تغيير السلوك؟

سألني أحد الأصدقاء يومًا: متى يكون التوقف عن مطاردة أحلامنا علامة نضج، ومتى تكون دلالة سفاهة؟ ما الحد الفاصل بين الاستسلام الواعي ومطاردة السراب؟

قلت: في الأمور التي تتعلق بالفرد وحده، على الشخص إن أراد النجاح ألا ينتظر مساعدة من أحد، وأن يعتمد على نفسه قدر الإمكان، كما أنه من الحكمة ألا نهدر وقتنا وجهدنا في موقف، لا يبدو أنه سيتحسن. وتوقف الإنسان عن محاولة تحقيق هدف لأنه أعاد تقييم الهدف واكتشف أنه ليس بذي قيمة، أو لأن المعطيات الجديدة عند إعادة تقييم الموقف أرته أن الهدف لم يعد ذا جدوى أو لم يعد بالإمكان تحقيقه، ليس استسلامًا، وهو عين العقل، بل إنه لو استمر في محاولة تحقيق ذلك الهدف والحال كذلك سيكون فاشلًا بحق، كونه يصر على مطاردة السراب!

لكن في بعض الأحيان، لو كان الهدف يستحق الملاحقة، ربما عليه أن يعيد المحاولة لكن مع إجراء تعديلات، أي أن التقييم يشمل أيضًا السلوكيات نحو تحقيقه؛ والعاقل لا يستمر يكرر الأساليب نفسها التي قادته مرارًا إلى الفشل. العاقل لا يرفض التغيير الإيجابي؛ لذلك فإن المرونة وإعادة تقييم المعطيات والأهداف والوسائل كل فترة حتى بعد البدء في التنفيذ من عوامل النجاح.

لا تتوقف عن مساعيك لبلوغ الهدف لمجرد أنك فشلت مرة أو مرات، طالما أن الهدف يستحق السعي إليه، والفاشل هو من يتسرع ويحبط سريعًا؛ فمن أنواع الفشل؛ أن تقرر التخلي عن هدف حقيقي في حياتك، لأنك لا تملك القوة النفسية لأجل السعي لتحقيقه. لا تظن أن الانسحاب ليس خسارة! بالرغم من ذلك فإنه عندما يكون الهدف يستحق إعادة المحاولة ودأب السعي مع كونه صعب المنال، يكون من الحكمة أن نسعى في تحقيق أهداف أخرى موازية في حياتنا، مع عدم توقفنا عن محاولة تحقيق ذاك الهدف الصعب الكبير، كي لا نشعر أننا نهدر وقتنا وجهدنا دون عائد. كمثال على ذلك فإن أغلب طلاب الدراسات العليا يبدأون حياتهم المهنية والشخصية ويسعون لتحقيق أحلامهم فيها، مع استمرار مساعيهم نحو نيل الدرجة العلمية التي يأملونها، مع إدراكهم أن هذه الخطوات الموازية ستعطلهم وتؤخر حلمهم الكبير، ولكن الإنسان بحاجة لنجاحات صغيرة تشعره بأن شيئًا ذا قيمة يدخل إلى حياته.

يتغير الحال في بعض المواقف التي لا تتوقف على الفرد وحده، وإنما يستلزم تحقيق الهدف فيها تآزر جهد آخر أو آخرين، عندها يكون الاستسلام ضرورة عندما يكون التعاون مفقودًا. إن منتهى الإيجابية أن تستمر في البناء من جهتك، بينما الطرف الآخر من الجهة الأخرى يواصل الهدم أو لا يفعل شيئًا! لكن لا يمكن الاستمرار على هذا الحال! فعندما تكون متأكدًا أنك فعلت ما عليك، والطرف الآخر أو الأطراف الأخرى تصر على عدم القيام بما يلزمها من أدوار لإنجاح الموقف، فإما أن تتولى الأمر برُمته -وبعض المواقف لا يصلح فيها هذا الخيار حتى لو أردته-، أو أن تخرج نفسك منه برُمته، لأن الأحمق وحده من يظن أن العجلة يمكن أن تدور من نفسها.

وعلى كلٍ، فليس أحد مطالب بالقيام بأدوار غيره، وعلى كل إنسان أن ينضج انفعاليًا ويتفهم أن الآخرين ليسوا مكلفين بتعويض تقصيره إما لأنه يخشى على كرامته أو لأنه كسول أو لأنه عنيد أو.... أيًا كانت المسببات التي تقف وراء ثباته كالصنم. والبقاء في هذه الأحوال للطرف النشط يعني تعليق الموقف واستمراره أسيرًا له، وهو عائق كبير أمامنا يمنعنا من التفكير في أهداف أخرى ذات قيمة في حياتنا تستحق أن نضع جهدنا ووقتنا فيها.

الفاشل أيضًا يهمل نقاط قوته، وأحيانًا لا يكون على وعي بها! ويستشعر ضعفه، ويخشى الاقتراب من الأهداف الكبيرة. وهناك حكمة إنجليزية تقول: Sometimes, Avoiding Taking the RISK is the biggest Risk out of all. وترجمتها: في بعض الأحيان، يكون تجنب المخاطرة هو أكبر مخاطرة على الإطلاق.

والتأخر في أخذ الخطوة اللازمة في الوقت المناسب لأجل إصلاح خطأ أيضًا قد يكون سببًا من أسباب الفشل وتفاقمه.

الكبر أيضًا من مسببات الفشل، لأنه يجعل الإنسان يسرف في الثقة في قدراته، ولا يبذل الجهد اللازم في التخطيط والتنفيذ اللازمين لتحقيق الأهداف. كذلك فإن التشاؤم وضعف الثقة في النفس قد يجعله يوقف مساعيه نحو أهداف ربما كان تحقيقها في متناول يديه.

ومن السمات الانفعالية التي ترتبط كثيرًا بالفشل في الحياة الشخصية: التخوف من التغيير، والتحسف على النفس، وتضخيم أوجاعنا.

وقد يكون الخوف من كلام الناس وردود أفعالهم هو سبب الفشل، أو أن الشخص يستمع كثيرًا لهم، وربما يستمع لفلان فيقرر شيئًا، ثم يستشير علانًا فيغير رأيه، رغم أن رأيه هو الشخصي بخلاف رأيهما! افعل ما تراه صحيحًا، بغض النظر عن أفعال الآخرين، كذلك افعل ما تراه صحيحًا، بغض النظر عن ردود أفعالهم تجاه ما تفعل! يقول شكسبير: حياة يقودها عقلك، خير من حياة يقودها كلام الناس! كُن دائمًا فاعلًا وليس مفعولًا به! وتذكر عندما تقابل شيئًا أو شخصًا ذا قيمة في حياتك، أن تتخلص من مخاوفك، ولا تكثر القلق، وثق فيما تعتقد أنه صحيح.

وفيما يخص علاقاتك الشخصية تذكر أن الحب هو الأمان الحقيقي، ولا بد أن تحب نفسك أولًا لتكون قادرًا على حب الآخرين، وكي لا تسمح لنفسك بأن تصبح ضحية علاقات اجتماعية فاشلة.

أخيرًا، عندما تواجه مشكلة حددها بدقة، وابعد نفسك عن التفكير في الفرعيات؛ لأنك عندما تركز على شيء ليس هو في الحقيقة صلب الأمر، فهذا لا يساعدك في حل مشاكلك وتجاوز عقبات الحياة، كما أنك عندما تركز على مخاوفك لن تنجح. أغلب المخاوف لا تتحقق لكنها توقف حياتنا، لأنها تجعلنا لا نسعى نحو تحقيق أهدافنا، ومن ثم يصبح الفشل محققًا.

جميعنا في صراع مع ظروف الحياة، ولن تحصل على السعادة إلا إذا اقتنصتها، وإن لم تحارب لن تنتصر، فلا يصل لخط الفوز إلا من يستحق. كن قويًا، واعتمد على نفسك، فالبشر تتقاطع طرقهم معنا ونتلاقي ثم نفترق، وحياتك تحددها وحدك. 

 

د. منى زيتون

 

 

من منا لا ينزع الى الخلود.. من منا لا يبحث عن طريقٍ ما  لم يسلكْه أحدٌ غيره كي يخلدَ، وأجمل المعاني التي ندركها تلك التي نسلك دروبَها لوحدنا دون دال ومدلول، والمعادن الثمينة وجودُها نادر، وحيازُها صعب، كذلك المعاني الجميلة ليست سهلةَ المنال.

الأماكن مثل البشر لديها توق لتظفر بالمعاني الجميلة لكن طريقة التعبير لديها مختلفة عنا، هي تفرض علينا ذلك، وتستحِثَّ خطانا على بحثِ المعاني فيها، وكأنها تحمل إحساسَنا. ومن تلك المعاني نزعة الخلود. الجمادات لها إحساس لا ندركه نحن، يدعم كلامي هذا:

أولا: القرآن الكريم

بقوله: (تسبّحُ له السمواتُ السبعُ والأرضُ ومن فيهن وإن من شيءٍ الاّ يسبحُ بحمدِهِ ولكن لا تفقهون تسبيحَهم). (الإسراء - 44).

و(كل قد علم صلاته وتسبيحه). (النور - 41).

و (وإنَّ منها لما يهبطُ من خشيةِ الله).(البقرة – 74).

ثانيا: علم الفيزياء

أثبتَ هذه الحقيقةَ بكل يقين، أن كلَّ الجمادات فيها من الإحساس ما لا يدركه أي أحد. هو إحساس خاص بها غير إحساس الكائنات الحية الناطقة الأخرى.

علماء الفيزياء الكوريون (حدّدوا موطنَ الإحساس في بعضِ قطعِ الجماد، وتخاطبوا معها بأنواعٍ

من الأشعة التي تحركها، وتبين لهم أن للجمادِ مواطنَ إحساس وذاكرة؛ يمكن التعامل معها بصورة علمية، فقد أكّدَ مشاهدون رأوا ذلك حقيقة حيث وضعوا أمامهم قطعةَ حديد مطوية، ثم سحبوها حتى أصبحت سلكاً مستقيماً من الحديد، ثم أرسلوا اليها أشعةً من جهاز صغير يشبه القلم؛ فعادت الى حالتها الأولى(الحلزونية)، وقالوا لقد أجريت على هذه القطعة دراسات مركزة حتى وصلنا الى موطن الإحساس فيها؛ فأصبحنا نخاطب هذا الموطن بالأشعة.

وفي علم الفيزياء تنص نظرية الذرة على أن كل مادة تحتوي على ذرات صغيرة جدا لا ترى بالعين المجردة، وكل ذرة تحتوي على ألكترونات تدور حول النواة، وتتكون النواة من البروتونات والنيوترونات، وتتحكم حركة الألكترونات من حيث سرعتِها واتجاهِها بحسب الطاقة التي تسلط عليها، وبذلك فإن كلَّ الأجسام بما في ذلك الجمادات تتحرك على مستوى الذرة. والذرة تتأثر بالطاقة التي تسلط عليها، والطاقة هنا هي الأحاسيس الإيجابية أو السلبية التي ينقلها الإنسان الى هذا الجماد. وكما نعلم ان  الجمادات حولنا كثيرة لا نحصيها، والماء من أكثر الجمادات أو(العناصر) التي تشعر بالبشر، وتتفاعل مع مشاعرِنا وحالتِنا النفسية السلبية أو الايجابية، كذلك الجدران تتأثر بالمشاعر على المدى الطويل ولها ذاكرة، وتخزن الطاقة الايجابية أو السلبية) (وليد سليمان. جريدة الرأي، السبت 2/4/2001، حقل أبواب).

الماء يتأثر وتتغير جزيئاته بشكل جميل جدا، خصوصا مع الموسيقى الهادئة، (وجعلنا من الماء كل شيء حي)(الأنبياء – 30).

هذه الآية الكريمة لا تشير الى الماء كونه مصدر الحياة فحسب بل إن الماء يتأثر بمزاج الانسان فهو يعي ويفهم ويتأثر!!!

لقد بحث العالم الياباني سمارا ايموتو في مجال الطاقة السلبية على الانسان فجنّد نفسه وبحث في علم البلوريات وهو علم قائم بذاته وحقل من حقول علم الجيولوجيا (علم الأرض ودراستها) وقال: “إذا تم توجيه كلام أو أفكار شخص ما الى قطيرات  ماء قبل تجمدها فإن أشكال بلورات الماء  ستكون إما جميلة أو بشعة اعتمادا على كلام أو وأفكار ذلك الشخص ما إذا كانت إيجابية أو سلبية. ويقول ايموتو: إن هذا يمكن أن يحدث بإلصاق كلمات مكتوبة أو موسيقى أو صلوات الى جانب وعاء ماء.  فتجارب ايموتو على بلورات الماء كانت عبارة عن تعريض الماء في الزجاجات لكلمات أو صور أو موسيقى ثم تجميده، وفحص النتائج الجمالية للبلورات الناتجة باستخدام التصوير الميكروسكوبي، ووجد ان الماء يتأثر بالكلام الطيب وبذكر الله تعالى عند التسمية عليه وبأسماء الله الحسنى، وليخرج على العالم بكتاب يقع في خمسة مجلدات أسماه (رسالة من الماء Message from Water). ذكر فيها الأعاجيب وكيف يتغير تركيب الماء البلوري لكل اسم من أسماء الله الحسنى، وعند ألاذان، وعند التسمية عليه وقراءة القرآن”. (موقع دنيا الوطن- 18/7/2012).

الماء والأرض توجد محاكاة بينهما فالأرض تتأثر بمجرد نزول الماء عليها. يقول تبارك وتعالى تعالى: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [فصلت: 39]. هنا يحصل اقتران بين نزول الماء وإحياء الأرض. في ضوء ما ذكرنا يمكننا أن نستنتج أن الماء يحمل قوة إحياء للأرض.

"إن الماء يسبب اهتزاز الأرض وقد ثبت علمياً أن اختلاط جزيئات الماء مع جزيئات التراب يسبب الاهتزاز لهذه الجزيئات لأن الماء يحوي طاقة عالية، يقول تعالى: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الحج: 5-6].

من هنا يمكننا القول: "بما أن الماء يحمل الحياة للنبات، ويحمل الحياة لكل خلية من خلايا جسدنا، وكذلك فإن الأرض كما أنها تهتز بنزول الماء عليها فإن خلايا الجسد تتأثر وتهتز بدخول الماء فيها، ومن الممكن أن يتأثر الماء بالاهتزازات الصوتية (فالصوت هو موجات أو اهتزازات ميكانيكية تنتقل عبر الهواء وتنتقل عبر الماء بسرعة أكبر بكثير!) إذاً من الممكن أن الماء بعد قراءة القرآن عليه أن يصبح أكثر قدرة على الشفاء، وهل نجرب كما جرب بعض علماء الغرب الذين تناولوا هذا الكتاب – رسالة من الماء -  بريّ مزروعاتهم بمياه قالوا لها كلمات طيبة فشاهدوا كثرتها وازدياد خيرها."(موقع دنيا الوطن، 18/7/2012).

وفي الماء المسلط عليه طاقة ايجابية كقراءة الأسماء الحسنى وذكر الله وما شابه يكون فيه  شفاء للجسد، وخلايا الجسد حاجتها ماسة مباشرة اليه، لذلك لا عجب حينما نسمع بأن ماء مقدساً في مكان ما يتشافى فيه الناس حين يتناولونه، أو يغتسلون به.

وفي ضوء ما تقدم ذكره، تتبين لدينا حقيقة وهي؛ حينما نلج أماكن العبادة يحدث لدينا شعور الطمأنينة والسكينة والخشوع والجلال المعنوي، وهي معان احتوتها الطاقة الإيجابية المسلطة على فضاء تلك الأماكن المقدسة بشكل يومي؛ فتشربتها جدرانها بسبب كثرة ذكر الله فيها فَسادَها ذلك الفضاء القدسي.

ميتافيزيقا المكان

(ميتا) مصطلحٌ يطلق على ال(ماوراء)، (فيزيقا) تعني (الوجود المادي)، وإذا اجتمعتا صارتا(ميتافيزيقا) وتعني (ماوراء الوجود المادي)، يعني الغيبي. وأيضا تعني خارج الحواس والشعور، أو اللاشعور.

"ميتافيزيقا(Metaphysics) تعني ما بعد الطبيعة، أو علم ما بعد الطبيعة، وهو الفلسفة الأولى في مراتب الفلسفات، وهو علم الربوبية، والعلم بالموجود بما هو موجود. والعلم الإلهي الذي مجاله البحث في الموجود المطلق، والحقيقة المطلقة لا الحقيقة النسبية، والبحث في المبادئ الكلية والعلل الأولى، وأحوال الموجودات التي لا تفتقر في وجودها الى المادة، والوجود الواجب، وآلته الحدس المباشر وليس الاستدلال والتحصيل والنظر العقلي. وهو أعم وأعلى من سائر العلوم، لأنه العلم بالمبادئ التي تستخدمها سائر العلوم. وغرض علم الميتافيزيقا الاطلاع على الحقيقة المطلقة لا الحقيقة النسبية، واستخلاص المعارف القبلية والمجردة الخارجة عن نطاق التجربة، والنفاذ الى الوجود الحقيقي خلف كل تجربة، والبحث عن حقائق الأشياء وأصولها. وقد تنقسم الميتافيزيقا لذلك الى ميتافيزيقا عامة أو علم الوجود بما هو موجود، وميتافيزيقا خاصة هي علم الموجودات، ونظرية الكون وحقيقة المادة ". (المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة، د. عبد المنعم الحفني، القاهرة: مكتبة مدبولي، ط3، 2000، ص859).

ميتافيزيقا المكان تعني غيبيةَ ولاشعوريةَ المكان. المكانُ فيه بعدان مادي ومعنوي، يعني نحياه في الشعور واللاشعور، بالجسدِ والروح. الجسدُ يمثل الجانب المادي، والروحُ تمثل الجانب المعنوي؛ فالجسد غير الروح. حين نعقل أشياءَ فهذا معناه أننا نُدخِلها في حيّزِها المادي العقلي؛ فنخضعها للتصور والجدل والدليل والبرهان، لكن حين نحسُّها بالروح؛ فهذا معناه أنها خارج عن عالم الشهود وعن العقل، وهي في حيّز المعنى الذي نعيشُه بشعورٍ متجرد عن الحواس وهو ليس بحاجة لدليلٍ وبرهان؛ ويعتمد بشكل كلي على إحساسِنا الداخلي بالأشياء. مثلا حينما نريد تأليف قصيدة شعر فإن أبيات القصيدة سوف نُخضِعُها لعالمِ الخيال لأن الشعرَ يحوم فيه، وحين نكملها بخيالِنا وإحساسِنا الداخلي، تولد بهيئة أبياتٍ مكتوبةٍ متجسدةٍ أمامنا على الورق، فوجودُها في عالم المعنى والخيال غير وجودها على عالم الورق والكتاب المحسوس والمرئي أمامنا، وهذا الذي أقصده بالفرق بين الوجود المادي والوجود المعنوي للشيء.

نحن نحيى في أكوانٍ عدة، ولعل أهمها إثنان هما:

الأول: المنزل أو السكن: وهو أولُ كونٍ يضمنا بين كفّيه الكريمتين، وننبسط بين بُعدَيْه المادي والمعنوي:

1- المادي: وينبسط في إمتدادين هما:

أ- أفقي يشمل كل احتياجاتِنا المادية اللازمة لتكوينِنا الجسدي، وهي ممتدة ومنبسطة مع وجودنا فيه. دور المنزل هنا هو دور الفاعل.

ب - عمودي، وهو المتمثل بالسعي والحركة بقوةٍ لنيلِ أمانينا بجدٍ ومثابرةٍ واجتهاد، في ظله. دورنا هنا هو دور الفاعل.

2- والمعنوي أيضا ينبسط في امتدادين هما:

أ- أفقي: يشمل كلَ احتياجاتِنا المعنوية متمثلاً بمعاني الدفء، والحب، والسكينة، والطمأنينة، والأمان، نستقيها من معينه المنبسط والممتد معنا ما دمنا بين أحضانه؛ فهو المهد الأول الذي يضمنا، وأيضا دورُ المنزل هنا دورُ الفاعل.

ب – عمودي: ويمثل المنهلَ الخالد الذي نرتشف منه صفوَ المعاني التي نلبث نحملها على امتداد أعمارِنا حتى في لا شعورِنا. دورنا هنا هو دورُ الفاعل.

لذا فحين نسمع أحياناً أن بعضَ الناس يولدون ويموتون في نفس المنزل، ومن بعدهم يسكنه الأبناءُ والأحفادُ لا نستغرب ذلك؛ لأن المنزلَ ألهمهم قيماً ومعانيَ صارت متأصلةً حتى في زواياه، وأركانِه، وأجوائِه، وفضائِه، وهوائِه؛ فالمنزل لم يعد بناءً صامتاً من الحجر والجدران والحديد وغيره، بل صار سكناً يعبق بالمعاني التي اندكت في شخوصهم، ففيه يجدون لذّتَها وعذوبتَها، ولا يمكنهم أن يبرحوها، ولبثوا في منزلهم يتوارثون استنشاق معانيه العبقة جيلاً عن جيل.

الثاني: البيئة أو المكان: وهو الذي نتحرك فيه، ويضم المنازلَ ومساكنَ الآخرين النظيرة لمسكنِنا، والطبيعةَ وكلَ صور الحياة الأخرى. وهي مثيلة السكن بالضبط لا فرق، ففيها جانبان؛ هما:

1- المادي:  وينبسط في امتدادين هما:

أ- أفقي: وهو الحسي متمثلاً بكل ما تضم طبيعة المكان من أشياءَ مرئيةٍ، نستمتع ونتلذذ بها، وطبعا حسب طبيعتِه كأن يكون غنياً، فإن كان غنياً نرتع بخيراتِه ونعيمِه وخصبِه وما احتوت طبيعتُه من كنوز، وإن كان فقيرا فسيكون له أثرا سلبيا على نفوسنا يرافقنا حتى في المستقبل البعيد. ودور المكان هنا دور الفاعل.

ب- عمودي: ويشمل وظيفتنا المادية وعطاؤنا في العمل والسعي لبناء المكان والسعي لإستجلاء أكمل وأجمل صورة له ويعتمد هذا على إخلاصنا في العمل والجد، وكل بحسبه واختصاصه. دورنا هنا دور الفاعل.

2-المعنوي: وينبسط في امتدادين هما:

أ- أفقي: وهو معين القيم النقية الذي يستبطنه المكان،  فترتشف منه أرواحُنا، فنستشعرُ لذةَ المعاني التي تضفيها علينا الحياة في طبيعته، التي  لها دورٌ كبير في خلقِ طبيعة شخوصنا. دور المكان هنا دور الفاعل.

ب- عمودي: روح المكان المعطاءة هي منجمنا الأول والدائم الذي منه نستلهم المعانيَ الجميلة التي تسند أرواحَنا وتلبث متكّأَنا على امتداد أيامِنا. فإذا كانت الطبيعةُ غنيةً بكل ما احتوته بين كفيها الكريمتين فستكون هي الفيصل في خلقِ أبعاد شخوصنا على مختلف الأصعدة، وأما إذا كان فقيراً فهذا سينعكس قطعاً على رسم معالم شخوصنا كاملة وعلى المدى البعيد. دورنا هنا دور الفاعل.

يحضرُ في ذهني مثالٌ  ذكرته بنت الشاطئ في إحدى مؤلفاتها عن النبي ابراهيم (ع)، وللأسف لم أعثر على المصدر، قرأته قبل عشرين عاما، وهو - كما قيل وقرأناه وربما لم يقرأْه بعضٌ في الروايات التاريخية - أن الأسباطَ الذين تحدث عنهم القرآن الكريم والممتدين من أبناء النبي يعقوب بن إبراهيم (ع)، كان موطنُهم الأول هو مكة المكرمة، لكنهم حينما غادروا مكةَ وتفرّقوا في الأرضِ أخذوا معهم حجارةً من البيتِ الحرام لتمكثَ ذكرى من مكةَ موطنِهم الحبيب، ومن البيتِ الحرام الذي هو ملهمهم الروحي والمعنوي، وقد تكاثروا فيما بعد، ومكث الحنينُ منهم لمكة جارفاً وحاراً للحدّ الذي قدّسوا الحجارة، وأخذوا يضعونها في الوسط ويدورون حولها أينما حلوا ويتمتمون بأورادٍ خاصة شبيهةٍ بأورادِنا التي نرددها حين الطواف حول البيت الحرام، على امتداد أعمارِهم من جيل الى جيل، وحتى بعد أن افتقدوا تلك الحجارة أخذوا أحجاراً وانتهوا بنحتِها على شكل أصنام، فصنعوها أصناماً تحمل أسماء بشرية، ومكثوا يدورون حولها في أي مكان يحلون فيه. وهكذا نشأت عبادةُ الأصنام خارج مكة، وهي بالأصل تقديسٌ لأرضِ مكةَ وحبُ المكانِ والوطنِ الملهم حتى جاء الإسلامُ فحطّمَها.

الأهوارُ شهدت رحلةَ البحثِ عن  الخلود

منطقة شاء الله لها أن تكونَ قبل التاريخ، لم تطرقْ أبواب التاريخ. التاريخ طرق أبوابَها؛ كانت هي  ثم كان التاريخ.

كانت الأهوار، وكانت الجزائر(الجبايش) التي تعانق الهور بعنقها المزدان بعِقْدِ أحجار نفيسة: الماء، الغرين، البردي والقصب، النخيل؛ هذه الرباعية رسمت لها نقشاً جميلاً على خارطة الأرض، حتى أُطلق عليها في العهد القديم ب(جنات عدن)، ثم أطلق القرآن الكريم عليها وعلى مثيلاتِها بقوله (وجعلنا فيها جنات من نخيلٍ وأعنابٍ وفجرنا فيها من العيونِ ليأكلوا من ثمرِه وما عملته أيديهم..).

إبن الأهوار، طفق يبحث عن سحر الخلود وبحث عنه في النهر، لأن لا وجودَ لغير النهر حواليه، فكما أن الحياةَ جاريةٌ فيه كجريان الماء؛ فبحثه عن الخلود كذلك أراده من الطبيعة المحيطة، ومن الماء الكريم تحديداً، فظنّ أن الطبيعة تجود عليه بكرمِها؛ فتخلّده بنعيمِها الذي لاينضب. فهو لايكلّفُ نفسَه بالسعي الطويل والبحثِ والتنقيب، لكون الحياة غنيةً حواليه، وفيها تراكمٌ هائلٌ لذلك نزعة الميل للخلود عنده عالية، لأن خيرَ الأرض متدفقٌ على الدوام. والخلودُ هو مفهومٌ ميتافيزيقي استقاه "أوتونابيشتم" (نوح) كما تقول بعض الروايات التاريخية، من مفهوم خلودِ الإله، وذلك بعد خوضِه تجربةِ الطوفان العظيم، الذي أقرّ بعده بأن الخلودَ للإله فقط، بعد أن غرق كل ما على الأرض ولم يبق سوى هو وزوجته، ومن على سفينته، وقصّ قصتَه على "كلكامش"، بعد أن رآه حزيناً على صديقِه الفقيد " أنكيدو".

كان "أوتونابيشتم" يبحث عن خلودٍ مادي للجسد، كما ورد في ملحمة كلكامش، الذي أفقده الموتُ صديقَه الحميم "أنكيدو" بعد دخولهما غابة الأشجار وقتلا حارس الغابة "خومبابا"،  الذي أثار مقتلُه غضبَ إلهة الماء"أنليل" وبمقتله شاعت شهرةُ كلكامش البطل؛ فتحاول الآلهة"عشتار" التقرب منه بغرض الزواج، لكن "كلكامش" يرفض العرضَ، فتشعر الآلهة"عشتار" بالإهانة، وتغضب غضباً شديداً؛ فتطلب من والدها"آنو" إله السماء أن ينتقم لكبريائِها؛ فيقوم "آنو" بإرسالِ ثورٍ مقدسٍ من السماء؛ لكن "أنكيدو" يتمكن من الإمساك بقرنِ الثور ويقوم "كلكامش" بالإجهاز عليه وقتله، بعد مقتلِ الثور المقدس تعقد الآلهة اجتماعاً؛ للنظر في كيفية معاقبة "كلكامش" و"أنكيدو" لقتلهما مخلوقاً مقدساً؛ فيقرر الآلهة على قتل "أنكيدو"؛ لأنه كان من البشر؛ أما "كلكامش" فكان يسري في عروقِه دمُ الآلهة من جانب والدته التي هي إلهٌ خالد، ووالده بشرٌ فانٍ، وتُنزل الآلهة مرضا أصاب "أنكيدو" الصديقِ الحميم لكلكامش فيموت بعد فترة. موت "أنكيدو" أغرق "كلكامش" في حزن عميق عليه، وفكر بطريقة ما تبقيه خالدا، لأنه كان  خائفا من الموت في قرارة نفسه؛ فبدأ "كلكامش" في رحلة البحث عن الخلود وعليه أن يجد الإنسان الوحيد الذي وصل الى تحقيقِ الخلود وكان أسمه"أوتونابيشتم"، وأثناء بحثه عنه يلتقي بإحدى الإلهات واسمها (سيدوري)، فتقوم بتقديمِ مجموعةٍ من النصائح لكلكامش ليقى خالد، والتي تتلخص بأن يستمتعَ بما تبقى له من الحياة بدلا من أين يقضيها في البحث عن الخلود؛ ويحاول أن يكون سعيدا، لكن "كلكامش" كان مصراً على سعيه في الوصول الى "أوتونابيشتم"؛ لمعرفة سر الخلود؛ فتقوم (سيدوري) بإرسال كلكامش الى الطوّاف (أورشنبي)؛ ليساعده في عبور بحر الأموات (البحرين) حاليا، ليصل الى "أوتونابيشتم" الإنسان الوحيد الذي استطاع بلوغ الخلود، وعندما يجده يبدأ الأخير بسرد قصة الطوفان العظيم الذي حدث بأمر الآلهة، وقصة الطوفان هنا شبيهة جداً بقصة طوفان(نوح)، وقد نجا "أوتونابيشتم" وزوجته من الطوفان، وقررت الآلهة منحهم الخلود. تشعر زوجته بالشفقةِ على "كلكامش"؛ فتدله على عشبٍ سحري تحت البحر بإمكانه إرجاع الشباب الى "كلكامش" بعد أن فشل مسعاه في الخلود؛ فيغوص "كلكامش" في أعماق البحر في أرض الخلود، ويتمكن من اقتلاع العشب السحري. وبعد حصول "كلكامش"على العشب السحري يقرر أن يأخذه الى أورك؛ ولكن في طريق عودته وعندما كان يغتسل في النهر سرقت العشب إحدى الأفاعي وتناولته؛ فرجع "كلكامش" الى أورك خالي اليدين، وفي طريق العودة يشاهد السورَ العظيم الذي بناه حول أورك؛ فيفكر في قرارةِ نفسه أن عملاً ضخماً كهذا السور هو أفضل طريقة ليخلدَ أسمَه. (ملحمة كلكامش. طه باقر. مكتبة النور).

وقيل أن "كلكامش" بعث" أتونابيشتم" للبحث عن الخلود؛ فطفق يبحث عنه في نبتةٍ أُبلغ عنها أنها في قاع النهر، ولما استخرجها منه؛ جاء يعدو مسرعاً فرحاً لصديقِه بمحاذاة النهر، وفي الأثناء خرجت حية منه، وأكلت النبتة التي بيده؛ فعاد الى صديقه "كلكامش"، مستسلماً يائساً معلناً أن لاخلودَ للجسدِ المادي.

الماء ..الكنز العظيم

الماء ألماس الأحجار الكريمة، هذا المخلوق الغني المغتني، الذي أعطى للحياة معنىً على بقعة من بقاع الأرض تعانق الهور، والهور روح الحياة فيها؛ فاحتضن الأرض، والسماء، والحياة، والطبيعة، والناس، وكل شيء.

اتخذها السومريون موطناً لهم، وما كانوا مخطئين؛ حيث الماء شرط بزوغ فجر الحضارة. هو الشريان الأبهر لقلب الحياة هنا؛ منه تتفرع شرايين تتخلل الحياة وتدخل بجزيئاتِها وذراتِها، وهو عاملُ خيرٍ، وخصبٍ، ونماءٍ، وعطاءٍ للأرض، وللإنسان.

الماءُ كائن حي يهبُ الحياةَ لكل شيء (وجعلنا من الماء كل شيء حي). الماء حين يغطي ثلاثةَ أرباع الأرض في هذه المنطقة، يعني يتغلغل في أعماق حياة الناس المادية، والمعنوية هنا.

على الصعيد المادي، الماءُ أغنى الأرضَ، وفجّرَها ينابيعَ (فسالتْ أوديةٌ بقدرها)، فانفجرت بخيراتِها، بنخيلِها، وأشجارِها، وثمرِها، وزرعِها، وينعِها، وكل شيء. والخيرُ هنا متدفقٌ مادام الماءُ  متدفقاً بالكرم والعطاء للحياة، فتمتلىء نفوسُ الناس، وحين تمتلىءُ النفوسُ ينبثق العطاءُ، والعطاءُ هنا هو ضربٌ من ضروبِ الكرم الذي هو في الواقع الكرم المستمد من الماء، نسميه – الكرم المائي- لا يقف، أو يتوقف عند أحد، أو محطة... هو متدفق على الدوام، مثالنا هنا هو: قوةُ دفعِ الماء المتدفق بالتساوي على بستانِ نخيلٍ يمثل العطاء، والعطاء الدفّاق هنا أن كلَّ نخلةٍ ستعطي ثمارَها لوجود الحياة المستديمة المستمدة من الماء، فالكرم خرج من كونه بشرياً بحتاً صار كرماً مائياً بحتاً، والكرم البشري هنا خرج من كونِه صفةً للشخصية الى أصلٍ فيها.

الماءُ عاملُ أساسٍ لاستقرار الإنسانِ لذلك لا يمكن لأي حضارة أن تقوم ما لم يوجدْ الماء. والأرضُ كريمةٌ بالأساس فصنعت الطبيعة الساحرة الغنية.

ميتافيزيقا الجبايش

طبيعةٌ ضُمَّت بين كفّي الجبايش بكل ما تملك من غنىً وثراءٍ مادي مستمدٍ من الماء، أغنى الأرضَ والسماءَ والهواءَ والناس؛ ومعنويٌ مستلهمٌ من طبيعتِها التي تستدعي ساكنَها للتأملِ والصمتِ والسكينة، فتهدّئ النفسَ والأعصابَ وتدخل بشكل مباشر في خلقِ الشخصية، لأنها تتغلغل بالعمقِ فيها كما يتغلغل الماءُ في عمق الحياة الذي يتخلل حتى زوايا المنازل.

على الصعيد المعنوي؛ جغرافية المكان لها أبلغ الأثر في تكوين الشخصية. يمكث البعدُ المعنوي لطبيعتها ثاوياً في أعماق ساكنِها حتى على امتداد حياته المستقبلية. الماء الذي احتوى حياةَ أهلِ الأهوار المادية  هو أيضا احتوى حياتَهم المعنوية، إذ تتجسّدُ فيهم دماثةُ الأخلاق، وأصالةُ القيم والتقاليد، وجمالُ، ودفءُ، وكرمُ النفوس، وهدوءُ الطباع، فالماء حسب علم النفس له أبلغ الأثر في تهدئةِ النفوس وسكينتِها. وانعكس كل ذلك على طبيعة العلاقات الاجتماعية، وسلوكيات الناسِ وأخلاقِهم.

في زيارتي لمدن الأهوار وتحديدا لمنطقة (الجبايش) لمحتُ الهدوءَ والطمأنينةَ على محيا أهلها؛ رغم الظلم والمحن والآلام التي لحقت بأرواحِهم المحبةِ لأرضِهم الكريمة، وطبيعتِهم الغنية والثرية بما اختصها اللهُ دون غيرها. المكانُ الذي تولد فيه وتنشأ فيه يبقى ماكثاً حضوره في وعيِك وفي لاوعيِك.

قناةُ الحرة في حوارها معه، عبّر الأديب الراحل(فهد الأسدي) عن ميتافيزيقا الجبايش قائلا: "ما زلت مشدوداً الى ذلك المكان، ما زلت مشدوداً الى العجينةِ التي أُقتطعتُ منها حتى في كتابتي، لأن جوَّ الجبايش وجوَّ الهور كان يشدني فيها، وما زلتُ في قصصي الكثيرة وحتى أساطيري أبحث عن الأساطير السومرية القديمة، لأني أجد فيها كل ما يشدني". فمن الهور وطبيعتِه الموحية استلهم الأديب الراحل روحَ الأدبِ والأسطورةِ والقصةِ، وضلت مهيمنةً على إحساسِه حتى آخر يومٍ من حياته؛ فلا عجب أن تلدَ طبيعةُ الجبايش قامةً مثل الأديب(فهد الأسدي) الذي وُصف  بأنه(ماركيز، وديستوفيسكي العراق) –حسب وصف النقاد والأدباء له -، وهو بالفعل يحمل هذا  الوصف بلا منازع.

الجبايش فضائي الميتافيزيقي الموحي لروحي بالحبِ، والدفءِ، والصدقِ، وضوءِ الأمل الذي استمدّتُه من شمسِها الصافية، التي علّمتني الصدقَ والإخلاصَ في كل محطات مسيرتي الطويلة، ومنها انطلقتُ لرسم خارطة حياتي التي نقشتُها على صفحةِ عمري وتلوّنت بألوان الجبايش وهي الأصل، وأخرى دخيلة عليها وهي الفرع لتنوع الحياةِ والظروفِ المفروضةِ التي لا دخلَ لإرادتي فيها.

أتمنى لو كنت متحررةً من كل مسؤولياتي لاخترتُ الجبايش محطةً أقضي فيها ماتبقى من سنيّ حياتي، حيث الهدوء، والاسترخاء، والدفء الذي استبطنته على مدار السنين متجلياً لمّا يزل فيها، إضافة الى النهرِ، والهورِ الموحي بالمعنى والجمال، والمضائفَ والصرائفَ المتبقية فيها، فضلا على نظافتها المريحة للنفس، وكل ما فيها يبعث فيك الراحة، والطمأنينة، واستجلاء الجمال الذي  يعتمد أيضا على روحك الباحثة عنه (كنْ جميلا ترَ الوجودَ جميلا).

حبي للشمس واهتمامي بها منذ طفولتي ربما حَمَلَني على اختراقِ الأشياء والمواقفَ والأمورِ بحدّةٍ، مزيحةً الغمامة التي تعترضني؛ وأنتزعُ منها نقطةَ ضوءٍ، تزيحُ عني أيةَ حالةِ يأسٍ في مسيرة حياتي الملَّونة بألوانٍ شتى.

(الإيمان ...أن ترى النورَ داخل قلبك حتى لو أن عينيك لا ترى إلاّ الظلام).

(ليسطعَ النورُ في أعماقِك يجب أن يحترقَ شيءٌ فيك).

(لو زالَ منك الأنا لاحَ لك من أنا) (جلال الدين الرومي).

وهذه الحالة رافقتني على امتداد أيام عمري حتى استطعت إنجاز الكثير، بالاعتماد على نقطة ضوء الأمل في قاعِ نفسي، حتى ولو كنتُ في أحلك الظروف.

إن من يرَ القبحَ في كل شيء لايرى الاّ نفسَه، وهي حالة مستوحاة من نرجسية حادة ينطوي عليها صاحبها.

ربما لأني ولدتُ فيها وعشتُ طفولتي، مكثتْ الجبايش حافرةً في وجداني وذاكرتي. السكنُ في الأماكن الملهمة يجعلك تبدع إذا كنت كاتباً أو أديباً أو...

بفضلِ عصرِ انفجار المعلومة؛ ضُمَّ العالمُ اليوم في قرية واحدة، فلا  البعد يُقصيه ولا القرب يُدنيه. عالم النت طوى المسافات والزمان والمكان. المدنُ الصغرى ملهمةٌ لكبارِ السن أكثر من المدن الكبرى التي تلتهم العمرَ، وتأكُلُه بالخلسةِ والخفاءِ كما يأكلُ السوسُ الخشب.

الأماكن ملهمةٌ، روحُها الخاصة تهبُنا معانيَ وقيماً مضيئةً، فيما اذا تجاوزنا عالمَ التشاؤمِ والضبابيةِ الذي يغشي حياةَ بعضٍ منا، فيحجبُه عن إدراكِ أنقى المعاني وأجملِها.

(هل تعرف ما أنتَ؟ أنتَ مخطوطةٌ إلهية، أنتَ مرآةٌ تعكس الوجهَ النبيل. هذا الكون ليس خارجك. أنظر داخل نفسك كل ما تود أن تكون عليه موجودٌ فيك بالفعل).

(مادام قلبك قد تعلم إشعال الشموع.. فإن الشمس لا تجرؤ على إحراقه)(جلال الدين الرومي).

 

بقلم: إنتزال الجبوري

 

محمد عرفات حجازيالهوس يعني طرفٌ من الجنون، والهوس الكُرويّ هو ضرب من الجنون في متابعة وتشجيع فريق أو مُنتخب الكرة عمومًا، وكرة القدم على وجه الخصوص.

إنّ الهوس الكرويّ، المُنتشر عربيًّا، على نطاق واسع، نَجم عن تضافر بين: بيئة اجتماعية مُضطربة، وزعامة تسلّطية أو استبدادية، وأيديولوجيات وسياسات مُتطرّفة. تخلق الظروف المُتفسّخة على مستوى قومي بيئة يستشري فيها العنف، في هذه البيئة يتطلّع السُّكان المُنهكون الهائمون بلا هدف إلى الزعماء الذين يَعِدُونهم بالخلاص عن طريق بنية سياسية واجتماعية جديدة قائمة على أفكار قادرة على تحويل وجه الحياة. تُسوّغ هذه الأفكار التي قد تكون رجعية (عُدوانية)، ومع إحكام الأنظمة السياسية سيطرتها، فإنّها تميل إلى وضع كرة القدم في دائرة الشكّ، بوصف الفريق المُقابل عدوًا، وعلى ذلك، يُصبح استعمال العُنف مع أنصار الفريق الخصم من المُمارسات المقبولة.

وفي ظلّ ظروف الضغط الاجتماعي الحاد، يتخلّى الأفراد عن حُرّية المُطالبة بالخصوصية، والكفاح مع العدالة وضدّ الظُلم والظروف المعيشية العسيرة، والتعبير عن الأفكار في سياق اجتماعي، وتحلّ محلّ القلق بشأن الاحتياجات والأمان منظومة فكريّة مُنغلقة، قائمة على افتراضات ساذجة، تُفسّر الوجود برمّته، وتُعقلن القدر، فإذا تفاقمت ظروف التفتُّت الاجتماعي، والعُزلة الفردية، تتوقّ الشعوب إلى بروز زعامة (لاعب موهوب) تتمكّن من استغلال الأحوال المُتردّية لإعادة الهوس الكُروي إلى النفوس من جديد.

وتتّسم الأيديولوجيات السياسية على نحو خاص، بقدرتها على إغواء الجماهير؛ إذ تُبرّر تحرّكها بمواجهة الإحباط والوهن الذي تفرضه الأوقات العصيبة، وتُحدّد كبش الفداء (الفريق المُقابل)، فتُقدّم بذلك مسارًا لمُمارسة العُدوان الذي ينشأ عن مشاعر الاستضعاف، وخير مثال على ذلك، حالة التوتّر، بل والصراع، بين الجمهورين المصري والجزائري الشقيقين، مُنذ عقود، والتي تسبّبت فيها وسائل الإعلام، من خلال الترويج لفكرة أنّ الفريق المُقابل قد حرمنا لذّة الفرحة والنصر وألحق بنا الهزيمة.

ويرى ذوو النزعة الكُروية المُتطرّفة، العنف الكُروي، في الغالب، تعبيرًا عن الفُحولة، وبممارسته ضدّ أنصار الفريق المُقابل، تكون إصابة الآخر فعلًا مُطهّرًا ومُقدّسًا، أمّا الفريق الذي يعتبر العُنف لا أخلاقيّا فقد ضاعت رجولته.

لقد عملت الصفوة العربية المُتطرّفة على حشد عناصر اللاعقلانية في السلوك العربي، وصوّروا مُباريات كُرة القدم كمعركة مصيرية، بل وتحويل الاعتداء على أنصار ومُشجّعي الآخر إلى طقس احتفالي يبعث في النفس القوة والثأر من الآخر، لتتحوّل تلك المُباريات من وسيلة لتقريب الشعوب، والترويح النفسي، إلى آلة لغرس الفتن بين أبناء الشعوب العربية، بل وبين أبناء الوطن الواحد..

 

محمد عرفات حجازي/ باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية ـ مصر

 

منى زيتونأول ما يُبدأ به تعلمنا النظامي اللغة؛ لأن اللغة أداتنا لاكتساب العلم ووسيلتنا إليه. من هنا كانت أهمية الاعتناء باللغة التي بها ندرس ونتلقى العلم. وقد تدهورت لغتنا العربية الفصحى في عصرنا الحاضر وانتشر استخدام العاميات في المقابل حتى قل من يتقنون الفصحى، وكثرت الدعوات إلى تجاهلها.

اختلاف لسان العرب قديم

بدايةً نقرر أن اختلاف ألسنة الناس هو مراد الله؛ فالبشر تختلف لغاتهم، بل وقد تكون للغة لغات فرعية منها.

عرفت العرب اختلاف اللسان رغم فصاحته، فكانت هناك لغات طي وهذيل وغيرها من قبائل العرب، وهي فصيحة وليست عامية، رغم اختلافها في بعض مفرداتها ومعانيها عن لغة قريش. كما قد يختلف نطق اللفظ الواحد؛ فإن كانت قريش تهمز فهذيل مثلًا لا تنطق بالهمز، وهكذا. كما أن هناك النبطية والسريانية والآرامية، وهي لغات شرقية من الجذر نفسه الذي للعربية، ويعدها البعض لغات فرعية للعربية.

لكن بتقدم الزمان واختلاط العرب بالعجم اختلط لسانهم، وظهرت العامية ثم العاميات المختلفة شيئًا فشيئًا، وشاع لحن القول عندهم.

على سبيل المثال، أذكر انني قرأت في ترجمة الإمام الطبري في "سير أعلام النبلاء" للذهبي طرفة للإمام مع أحد أصحابه، يرد فيها هذا الصاحب على الإمام الطبري، لمّا استعجم عليه كلامه فيقول للإمام: "ألا تعرف أن العرب تنطق القاء جيمًا؟"

وفي كتب التاريخ يمكن أن نقرأ كلمات مثل "الست" بمعنى السيدة، و"ايش؟" بمعنى: أي شيء؟ وهي تتكرر في حوارات كثيرة، بما يعني أنها دخلت إلى الفصحى منذ القدم وتداخلت معها رغم كونها ليست منها.

تطور اللغة ضرورة حتمية

اللغة هي أداة تعبير البشر عن أنفسهم، وطالما اختلف الناس باختلاف الزمان والمكان كان من الطبيعي أن تختلف اللغة.

في أحد مقالات كتابه "يسألونك"، المعنون باسم "بين التزمت والإباحة"، يرد الأستاذ العقاد على أحد الأدباء ممن استنكر استخدامه في كتابه "عبقرية الإمام" لألفاظ مثل "فشل" وفقًا لمدلولها المعنوي الحديث، في معنى "أخفق وخاب"، رغم أنها لم تكن مستخدمة بهذا المدلول زمن الإمام علي، وكان استخدامها في معنى "التراخي والضعف والخواء".

رد العقاد تلخص في أن تغير مدلولات المعاني وتطور اللغة أمر معروف وطبيعي في كل اللغات، وله أن يستخدم المدلولات الحديثة طالما لم يضعها على لسان رجل في زمان سابق وكأنه هو من تكلم بها، علمًا بأن العقاد كان من أشد المتصدين لهجمة العامية على الفصحى في زمانه، وعلى دُعاة التوسع في استخدام العامية، وله في "يسألونك" مقالين بهذا الخصوص هما "العامية والفقر" و"السلفية والمستقبلية".

فإن كان من الجمود وعدم التطور موقف من نقد العقاد بسبب ما استخدمه من ألفاظ في عبقرية الإمام، إلا أن ما يحدث في العامية ليس من التطور في شيء؛ فقد اختلفت العامية اختلافًا واسعًا عن الفصحى حتى يكاد من لم يتعلم العربية الفصحى من العرب ألا يفهم فُصحاه، لتباعد ما يستخدمه في حياته من ألفاظ ومفردات عن ألفاظ الفصحى، فضلًا عن خلو العامية من الحركات التي تميز الإعراب وتفصح عن تراكيب الجملة، والتي يجتهد من يتعلم الفصحى كي يتقنها.

وبينما اللهجات واللغات الفرعية من العربية قديمًا لم تكن تخالف ألفاظ الفصحى تمامًا، ولا كانت تخلو من حركات الإعراب، صارت العامية في عصرنا أقرب ما تكون للغة أخرى تسعى لاحتلال مكان ومكانة العربية الفصحى، خاصة بعد أن أسهمت وسائط التواصل وقنوات الإعلام في تقريب عاميات العرب.

واللغة، أي لغة ترتقي بارتقاء الناطقين بها. وحديث العقاد عن تغير مدلولات الألفاظ باختلاف الزمان يعني أولًا أن اللغات تتطور، كما يعني لنا أن الفصحى قد توقفت عن التطور ولا نجد لذلك سببًا سوى الحال العثر الذي تعيشه الأمة العربية في العقود الأخيرة بعد أن كانت أفاقت من سُباتها منذ نهضة محمد علي باشا.

ربما كان توقف الفصحى عن التطور وعدم مواكبتها للتغيرات الاجتماعية مما أسهم في تعاظم دور العامية، التي تطورت كثيرًا وزادت صيغها وتراكيبها، وأصبحت أقرب لحياة الناس، حتى المثقفين منهم، لقدرتها على التعبير عن واقعهم.

وأقول: لأن الفصحى أرقى من أن تتلاقى مع انحطاطنا لم تتطور لتعبر عنا الآن؛ لأنها لو تطورت لتعبر عن حال العرب في زماننا لما استحقت أن تكون لغة القرآن.

الفصحى أوسع وأدق

في مقال "فلسفة اللغة العربية" تحدثنا عما أورده د/عثمان أمين في كتابه عما يميز العربية من اتساعها ودقتها المستمدان من سعة اشتقاقاتها، ومن ظلالها وألوانها، فللكلمة الواحدة كلمات تنتسب لها تعبر عن درجاتها كدرجات اللون الواحد، تعطي مدلولات معاني دقيقة أشد الدقة عن الحال، ولا يماثل العربية في ذلك لغة من لغات العالم.

ففي الفصحى كلمات: عطش- ظمأ- صدى- أوام- هيام، والتي تتدرج في مدلولاتها التعبيرية عن الاحتياج إلى الماء. أما غاية العامية من التعبير عن المعاني ذاتها أن تنهج نهج اللغات الأخرى فتضيف ألفاظًا وتراكيب لتوضيح درجة الحال، كأن يُقال بالعامية "عطشان قوي" للتعبير عن الظمأ، أو "هأموت من العطش" للتعبير عن الصدى، أو "مش شايف ويهلوس من العطش" للتعبير عن الهيام. وذلك بدلًا من استخدام لفظ واحد دقيق يوضح درجة الحال.

وما يميز العامية دائمًا تخففها من قيود الفصحى، فتغير في الألفاظ الأصلية، كما لا ترى بأسًا في تعريب ألفاظ أخرى وضمها إلى قاموسها اللفظي. وقد تجري عليها تعديلات لأجل ذلك؛ فتصرف الكلمة المعربة كما تُصرف الكلمات في العربية على الأوزان نفسها، على سبيل المثال: "يُكنسل" يستخدمها العرب اليوم بمعنى "يلغي"، وهي مصوغة كما تُصاغ أفعال العرب وياء المضارعة تسبقها، وأصلها cancel الإنجليزية.

وتعدد العاميات يجعل إحلال إحداها محل الفصحى ضرب من المستحيل، هذا مع ضيقها وعدم دقة مدلولات ألفاظها. لكن مع التوسع في استخدام وسائل التواصل وقنوات الإعلام تقاربت اللهجات العامية بين العرب، وعُرفت اللهجة البيضاء، التي هي خليط من العاميات العربية، ويفهمها ‏الجميع.‏ وتجددت الدعوة إلى اعتماد العامية لغة رسمية في ساحات العلم!

وهذا من أعجب ما يكون، فالإنجليزية –على سبيل المثال- رغم تعدد لهجات من يتكلمون بها اليوم إلا أنهم لا زالوا في معاهد العلم يعتبرون الإنجليزية البريطانية هي المعيار، حتى أنهم لا يقبلون في الرسائل العلمية الاختصارات التي شاعت في الإنجليزية الأمريكية وانتشرت من خلالها مثل don’t وغيرها.

أهمية الفصحى

قديمًا قالوا إن وجود أصوات في لغة وافتقادها لأصوات ما، بل وقوة ووضوح تلك الأصوات هو وسيلة البشر الذين يعيشون في بيئة ما للتعبير عن أنفسهم ورؤيتهم للعالم من حولهم، والعربية الفصحى إذا ما قورنت أصواتها بأصوات غيرها من اللغات سنجد أكمل الأصوات فيها؛ حيث تنطق الحروف كاملة غير منقوصة، حتى بالنسبة للحروف المنتشرة في كل لغات العالم. على سبيل المثال، اللام العربية الفصيحة لا تضاهى بها اللام في الإنجليزية والفرنسية من حيث قوتها واكتمالها، كما لا تضاهى بها اللام في كثير من اللهجات العامية والتي تكاد تبدو نصف لام أو لام خاطفة.

ولا بد من لغة واحدة معيارية يستخدمها المتعلمون. هذه اللغة يتوحد الناطقون بها على الدلالات والمدلولات المعنوية للألفاظ، وهو ما لا يمكن أن تتفق فيه اللهجات العامية. الفعل "يُعيِّط" على سبيل المثال يعني في العامية المصرية "يبكي" وفي العامية الشامية "يصرخ".

والفصحى أوسع وأفسح وأدق من العامية، أي عامية، لذا كانت الفصحى لغة كل العلوم بدءًا من العلوم الشرعية التي هي قاعدة المعرفة، وارتقاءً في الهرم المعرفي حتى العلوم البحتة والتطبيقية.

وغني عن البيان أن العربية الفصحى هي لغة القرآن ووسيلتنا لفهمه وبيان معانيه وأحكامه. كذا هي وسيلتنا لفهم كتب الأقدمين وكُنه ما يقولون. والقرآن في المقابل لم يحافظ على العربية لفظًا فقط، بل لفظًا ومعنى.

لا أريد أن أسرف في التشاؤم لتصوير محاولة القطع مع العربية على أنها في حقيقتها هجمة على القرآن والعلوم الشرعية، وإضعاف وتقليل لأعداد متعلميهم، ولا أرى الأمر بحاجة للزج بفكرة التآمر لأن القطع مع العربية الفصحى هو في حقيقته كذلك؛ أي قطع مع القرآن وهجر لفهمه، وقطع مع علومنا الشرعية وإضعاف لها.

كما سبق وتحدثنا في مقال "نظرة على الوظيفة الاجتماعية للغة" عن أن اللغة تؤدي وظيفة اجتماعية وتمكن الناس من التواصل بدقة لا تمكنهم منها سائر الوسائط غير اللفظية للتفاعل الاجتماعي كالإيماءات وتعبيرات الوجه وغيرها؛ فاللغة هي وسيلة التواصل التي جعلت البشر أرقى الكائنات الحية.

والمقارنة بين الفصحى وأي من اللهجات العامية في أداء تلك الوظيفة الاجتماعية في المجتمع العربي على اتساعه لن يكون في صالح العامية، حتى لو أخذنا أوسع اللهجات العربية العامية انتشارًا وأسلسها وأقربها فهمًا لكل العرب، وهي ما يُعرف باللهجة القاهرية، نسبة إلى القاهرة.

تبقى العامية محدودة مخصوصة بمجتمعات أصغر من المجتمع العربي الواسع، عاجزة عن تحقيق الفهم الدقيق بين المتكلم والسامع من بيئتين مختلفتين ومجتمعين فرعيين، تجعل الغريب من بينهما يصاب بعزلة ثقافية كأنه انتقل إلى مجتمع جديد يتكلم لسانًا آخر.

العامية تتفاوت!

في عصر نهضتنا، كانت المقالات في الصحف والمجلات الثقافية بالفصحى الرصينة لكبار كتاب الوطن العربي. وكانت الإذاعة تقدم كل برامجها بالفصحى. والعوام كانوا يسمعون ويرددون القصائد الشعرية لفطاحل الشعراء مُغنَّاة مشكولة.

لكن بدأ دخول العامية إلى وسائل الإعلام من خلال التليفزيون. كانت البرامج الدينية والثقافية فقط ما تسيطر عليها اللغة الفصحى، ثم انتشرت العامية حتى في البرامج الدينية. ثم أثرت وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا في انتشار العامية. كما أن التحول الذي تم في دبلجة أفلام الكارتون للأطفال من الفصحى إلى العامية كان من سوءات المصريين، وأسهم في مزيد من تدهور مستوى اللغة العربية الفصحى لدى النشء، على العكس من الدبلجة بالفصحى التي انتهجها الشوام.

ولعل الأثر الثقافي أبعد من أن يقتصر فقط على استبدال الفصحي بالعامية، بل يتعدى إلى المحتوى الذي تحمله العامية.

فمع كل ما سبق وأشرنا إليه من أهمية الفصحى كأداة رئيسية للعلم والثقافة، لا بد من مراعاة أن العامية ذاتها تتفاوت، فما يسمى بالشعر العامي التافه في أيامنا هذه لا يقارن بأشعار الزجل في القرن العشرين، حيث كانت الألفاظ المستخدمة أكثر رقيًا. قرأنا أشعار بيرم التونسي ورباعيات صلاح جاهين، وسمعنا أغاني الشيخ سيد درويش، وقديمًا تغنى الشعراء في ريف وصعيد مصر على الربابة بالسيرة الهلالية وغيرها من السير الشعبية. وكانت كل هذه الأشعار والأزجال بالعامية. كما كان هناك شعراء مجيدون كتبوا قصائد بالعامية تغنى بها كبار مطربينا، ومعانيها الراقية لا تقل عظمة عما تغنوا به من قصائد بالفصحى.

وفي رأيي فإنه يوجد فرق كبير بين أن تسهم العامية إلى جانب الفصحى في تواصل الناس وتوصيل المعاني النبيلة إلى الطبقات الأقل تعلمًا في المجتمع، وبين أن تصبح بديلًا للفصحى، فلا غنى لنا جميعًا عن لغتنا الفصحى.

 

د. منى زيتون

 

محمود محمد عليإذا كان اهتمام الولايات المتحدة بدأ بمنطقة الخليج العربي بعد رحيل البريطانيين عام 1971م، وزاد هذا الاهتمام بعد حظر النفط في حرب أكتوبر 1973م، وذلك حين أعلن الرئيس الأمريكي "ريتشارد نيكسون" Richard Nixon (1913-1994م)، عن عزم بلاده على اتباع سياسة جديدة ، ترتكز على دعم الأنظمة المؤيدة لولايات المتحدة للولايات المتحدة، لتأخذ على عاتقها دورا رئيسيا في قمع المتمردين، وتخفيف العبء عن واشنطن، أي المشاركة الإقليمية، والحد من الدور الأمريكي المباشر. وهو ما يتطلب تزويد الدول الحليفة للولايات المتحدة درعاً واقياً، وتقديم المساعدات العسكرية والاقتصادية  المطلوبة .

ولهذا السبب، اتجهت السياسة الأمريكية نحو طهران، واستغلت طموحات الشاه إلي الهيمنة، السياسية والعسكرية، على الخليج، إذ طالما كرر، في تصريحاته، أن قواته أصبحت تفوق قوة بريطانيا، التى كانت في الخليج، أضعاف المرات. وهكذا بدأ شاه إيران، على نحو ما ذكره أحد الباحثين، يتحول من وضعيته كإمبراطور، إلى وكيل أو شرطي لخدمة المصالح الأمريكية في المنطقة.

ومن الطبيعي أن يجد طموح الشاه ترحيبا كافياً ، من الولايات المتحدة، التى كانت تدرك أهمية إيران، كقوة إقليمية، في تنفيذ سياستها، وأصبح من الواضح، أن الشاه هو المرشح الأوفر حظاً للاضطلاع بمهمة تأمين المصالح الأمريكية، خاصة أن المملكة العربية السعودية، بمواردها البشرية المحدودة، كانت لا تستطيع الاضطلاع بتلك المهمة، بينما العراق لا يزال يسعي من أجل استقراره الداخلي، تشغله باستمرار مشاكله مع الأكراد، في الشمال، وصراعه المزمن مع إيران، حول حقوق السيادة على شط العرب، ناهيك بادعائه مواصلة الصراع مع إسرائيل .

وقد بدا النشاط الإيراني العسكري يظهر واضحاً في الخليج، على إثر استيلاء إيران على جزر الخليج الثلاث، التابعة لإمارتي رأس الخيمة والشارقة (طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى) إلى إيران، في نوفمبر 1971م ، بإيعاز أمريكي وتواطؤ بريطاني، وذلك لحماية مضيق هرمز، وتحقيق طموحات الشاه التوسعية. وهذا الأمر أثار حفيظة العراق، الذي كان يعُد الخليج مجالاً لنفوذه ، فبدأ سباق التسلح بين العراق وإيران. وفي حين اعتمدت إيران على واشنطن، اعتمدت بغداد على موسكو، خاصة بعد توقيعهما معاهدة الصداقة والتعاون، في أبريل 1972م ، ومن ثم أخذت الحرب الباردة تشق طريقها إلى الخليج .

وعلى إثر احتلال إيران للجزر العربية، زادت حدة التوتر الإيراني–العراقي، قلق الشاه من توثق العلاقات العراقية السوفيتية، بعد توقيع معاهدة الصداقة والتعاون بين الطرفين في أبريل عام 1972، وتدفق الأسلحة السوفيتية على العراق، وفي نوفمبر عام 1974 م ، انفجر الوضع على الحدود، وتأزم بين الطرفين، واتخذ مجلس الأمن توصية، بتعيين ممثل دولي لدراسة المشكلة .

وفي مارس عام 1975م ومن خلال الوساطة الجزائرية ، تم عقد اتفاقية الجزائر، ضمن مؤتمر منظمة البلدان المصدرة للبترول (الأوبك) في الجزائر العاصمة، حيث قام كل من الرئيس العراقي والشاه رسمياً بحل جميع الخلافات الحدودية القائمة، واتفقا على الحفاظ على أمن الحدود، وتم منح الإيرانيين حقوق حرية الملاحة في شط العرب؛ فأصبحت السيادة مشتركة بين الدولتين، وأثبتت الاتفاقية بشكل أساسي الهيمنة الإيرانية في شؤون الخليج .

بيد أن الخلافات عادت من جديد بين إيران والعراق بعد انتصار الثورة الإيرانية بقيادة آية الله الخمينى، حيث كان لسقوط شاه إيران تأثير مدو، في العواصم الخليجية، فانتصار الثورة الإيرانية، لم يكن متوقعاً لدي حكام الخليج، كما أثر هذا الحدث الكبير في مجمل استراتيجية واشنطن، للدفاع عن مصالحها ومصالح حلفائها . ومع تزايد الحضور البحري العسكري السوفيتي، طرحت الإدارة الأمريكية إمكانية إيجاد أسطول خامس في هذا المحيط، والتحول من سياسة "حرب ونصف " إلى سياسة حربين، وما يتطلبه التزام المحيطات الثلاثة من حضور بحري كثيف، في بحار العالم، ولا سيما المحيط الهندي .

وفي نهاية عام 1979م ، بلغت القوة العسكرية الأمريكية 19 قطعة حربية، ضمنت قوة الواجب المشترك للشرق الأوسط 5 سفن، ومجموعة ميدواى Midway ثمانية سفن، بينها حاملة الطائرات ميدواي، ومجموعة كيتى هوك Kitty Hawk  ستة سفن ، من بينها حاملة الطائرات كيتى هوك ، في استعراض للقوة الأمريكية في مواجهة الثورة الإيرانية .

وتبريراً للوجود العسكري الأمريكي في الخليج العربي، ودفعاً للدول الخليجية إلى طلب الحماية الأمريكية، عمدت الولايات المتحدة إلى زيادة حدة التوتر بين العراق وإيران، فأخذت تؤلب النظام العراقي ضد الثورة الإيرانية؛ خاصة فيما يتعلق بقضية شط العرب، وأنه لا بد من تعديل اتفاقية الجزائرعام 1975م، بعد أن أوحت للنظام العراقي إلى مدي شعوره بالإهانة إزاء هذه الاتفاقية، وأنه اضطر لقبول الاتفاق، ليتخلص من انشغال جيشه، وإهدار طاقته وإمكاناته الاقتصادية، واستخدامها في حروب مع المتمردين الأكراد، في المقابل أعلن النظام الإيراني جهراً ، بأنه يرفض اتفاقية الجزائر، وادعي أنها مجحفة بحق إيران، وأن الشاه اضطر للتنازل عن أراض إيرانية للعراق في المناطق الجنوبية ، لقاء وقف الحملات الإعلامية ضده، التى كان يبثها راديو بغداد باللغة الفارسية.

وطالب العراق بضرورة فتح باب المفاوضات من جديد  بين الدولتين، للاتفاق على المشكلات القائمة بين الدولتين، بما يضمن عودة منطقة ( شط العرب) إلى السيادة العراقية، لكن إيران رفضت ذلك، وطالبت بتأجيل النظر في تلك الأمور إلى أجل غير مسمي ، مما دفع الرئيس العراقي صدام حسين إلى إلغاء اتفاقية الجزائر، في سبتمبر عام 1980 م من جانب واحد ، ومزق النسخة العراقية منها أمام ملايين من مشاهدي التلفاز، معلناً عودة ما اعتبره نهراً عراقياً إلى أصحابه الشرعيين، كما طالب بتحرير منطقة "عربستان"، أو "خوزستان" ، والجزر العربية الثلاثة في الخليج، لكن السلطة الإيرانية الجديدة تمسكت بحقها في شط العرب ، ونادت بقيام دولة إسلامية في العراق .

وفي 22 سبتمبر عام 1980م، أطلق العراق هجومه المفاجئ ضد الأراضي الإيرانية، مما أدي إلى قيام الحرب بين إيران والعراق . وسميت الحرب الإيرانية بحرب البترول ، للدلالة على أهمية العامل النفطى كمحور هام من محاور الصراع إقليمياً ودولياً، فعلي الصعيد الإقليمي وبعيداً عن الاعتبارات الدينية، والخلافات السياسية، والأيديولوجية، التى كانت السبب المباشر في قيام الحرب، فإن النفط والتحكم في مساره: إنتاجاً وتسعيراً وتسويقاً كانا من أهم أهداف الصراع الإيراني- العراقي.

وقد عد المحللون الاستراتيجيون أيضاً أن النفط من أهم عوامل النزاع في الحرب الإيرانية العراقية، لأن شط العرب المتنازع عليه يعد المنفذ الوحيد للعراق على مياه الخليج والمحيطات وذو أهمية استراتيجية، لكونه وسيلة ممتازة للملاحة وعبور السفن الكبر، لنقل النفط من الموانئ العراقية؛ حيث قامت على الضفاف الشرقية 90% من المنشآت النفطية العراقية، وعلى الضفة الغربية تشكل حقول النفط 50 % من إنتاج البلاد .

ابتهجت واشنطن باندلاع الحرب بين العراق وإيران، لكنها أعلنت حيادها في النزاع، بينما عمدت إلى دعم الأنظمة الخليجية، بإرسالها أربعة طائرات للإنذار المبكر إلى المملكة العربية السعودية، لحماية أجوائها، وأرسلت أسطولها الحربي، لحصر القتال؛ ففي المنطقة الشمالية من الخليج، وفي الأسبوع الأول للحرب وجهت إدارة الرئيس "جيمي كارتر"، دعوة إلى ست دول (بريطانيا، وفرنسا، وكندا، واليابان، وألمانيا، وإيرلندا)، لبحث ضمان السيطرة على مضيق هرمز، والتقليل من الآثار الاقتصادية للنزاع في الملاحة الدولية، وأسواق النفط العالمية، وترأس الرئيس الأمريكي كارتر اجتماعاً لمجلس الأمن القومي، أعلن على أثره أن الإمدادات النفطية، يجب أن تبقي مفتوحة، وأن توقف إمدادات النفط عبر مضيق هرمز، سيشكل تهديداً جدياً للوضع الاقتصادي الدولي

وهنا يري المحللون السياسيون، أن الولايات المتحدة كان لها دور كبير في تحريك ذلك النزاع، من خلال مراكز الاستخبارات والمعلومات الأمريكية والإسرائيلية التى نشطت، لتعميق الشكوك المتبادلة بين النظام العراقي والنظام الإيراني الجديد، مستغلة حادثة طرد العراق للخميني من أراضيها.

كما أدت دور المحرض والمشجع للعراق لإثارة الحرب، بتزويدها العراق بمعلومات زائفة، أو على الأقل مُبالغ فيها عن نقاط الضعف في القوات الإيرانية المسلحة، وإمكانية انهيار سريع لنظام الخميني عام 1980م، ونجحت في ذلك، بعد تسريب المخابرات الأمريكية تلك المعلومات عن طريق السعودية، فقد كانت الطائرات الأمريكية للإنذار والمراقبة، المرابطة في السعودية للغرض المزعوم من حق الدفاع عن النفس لذلك البلد، تزود العراق بالمعلومات المخابراتية التى تجمعها عن القوات الإيرانية .

كما أشارت تلك المعلومات أيضاً إلى أن القوات المسلحة الإيرانية، تهاوت نتيجة عمليات التطهير التى اتخذها النظام الجديد، وخاصة بين ضباط سلاح الطيران المعروفين بولائهم للشاه، وقد عزي سبب رغبة السياسة الأمريكية في قيام الحرب إلى جملة من أهمها :

1- كانت العراق وإيران عضوين متشددين في (الأوبك)، طالبا باستمرار رفع أسعار النفط مقابل الدول المعتدلة كالسعودية، التى خدمت سياستها النفطية المصالح الأمريكية، فقد اتخذت الدول النفطية في منظمة الأوبك، ومن بينها إيران والعراق قراراً بتخفيض إنتاج النفط؛ للتمكن من رفع سعره بدرجة مبالغ فيها، بحيث تجاوز سعر البرميل 30 دولار، لكن الحرب أدت إلى ما استهدفت إليه الولايات المتحدة من انخفاض حاد في الشعر، حتى هبط في أواخر النزاع إلى أقل من 15 دولاراً، وصار يباع بخصومات نزلت بعد ذلك إلى 10 أو 9 دولارات.

2- إيران والعراق دولتان لا يمكن التحكم بهما ومتنافستان في المنطقة وجعلهما مشغولتين بالحرب، وتقويضهما سيجعلهما قابلتين للتوجيه والتحكم والسيطرة، حيث أكدت تقارير لجنة العلاقات في الخارجية بالكونجرس على ضرورة أن يكون العراق منشغلاً باستمرار في صراعات خارجية، كي لا تتاح له الفرصة الكافية ، لتحقيق أي هدف من أهدافه التخريبية – على حد بعض التقارير – وافترضت التقارير أن يخرج العراق من صراعه مع إيران منهوك القوي سياسياً وعسكرياً، وأن يوجه ما لديه من موارد اقتصادية لأغراض التنمية الداخلية لمرحلة ما بعد الحرب توجيهاً مغايراً ، كما افترضت التقار يرأن توجيه الموارد الاقتصادية العراقية سوف يحجم من تطلعات العراق لزيادة نفوذه في دول العالم الثالث .

3-  إن إيران تشكل خطراً على مصالح الولايات المتحدة في الخليج العربي، وأنه حسب زعم الولايات المتحدة ، مصدر للأصولية الإسلامية ، كما اتخذت بعد الثورة موقفاً متشدداً من إسرائيل، وسياستها التوسعية في المنطقة، ومن نهجها في عملية السلام، كما تعد مصدراً لتصدير الثورة الإسلامية إلى البلدان المحيطة .

4- أحدثت الحرب توتراً في العلاقات الإيرانية العربية، التى تحسنت إثر نجاح الثورة الإيرانية، وتأييدها للقضية الفلسطينية، وقيام التحالف الإيراني الفلسطيني، وما شكله من تهديد للسياسة الأمريكية في الخليج العربي، وتحديداً مصالحها النفطية في المنطقة .

5- رغبت الولايات المتحدة في استثمار الحرب، ريثما تستكمل استعدادها للتدخل العسكري في الخليج، والهيمنة على نفطه وعلى موقعه الاستراتيجي، كما اعتقدت أن الحرب قد تعجل بإطلاق سراح الرهائن في إيران.

ويذكر الكثير من الباحثين بأن هناك أسباب مباشرة وأخري غير مباشرة، ساهمت في اندلاع الحرب بين إيران والعراق، ويمكن تلخيص الأسباب المباشرة بما يلي:

أ- الخلاف السياسي الحاد بين الحكومة الإيرانية التي أنجبتها ثورة الخميني في شباط 1979م وحكومة العراق، فقد استعصى هذا الخلاف على الحل، واحترقت في أتونه قواعد العمل الدبلوماسي الهادئ، وأدى ذلك إلى تصعيد الأزمة حتى بلغت  ذروتها وحال دون تراجعها، بل انفجرت، وتمثل انفجارها في وضع كل من الحكومتين نفسها في مواجهة الأخرى .

ب- المشكـلات المـزمنـة التي ترتبت على الخلاف المتعلق بالحدود العـراقية-الإيرانيـة، وترجع جذور هذا الخلاف إلى أكثر من أربعة قرون، ففـي عام 1639م تم تثبيت خط الحدود بين العثمانيين والفرس في عهد السلطان العثماني "مراد الرابع"، وبعد انتهاء الحرب العثمانية والفارسية أجـريت تعديلات وإضافات وتغييرات على الحدود، وذلك في عام 1823م، ثم وقعت بين الدولتين: العراق وإيران اتفاقية الحدود المعروفة باتفاقية الجزائر في 6 مارس 1975م ، وقد ظلت الحدود تشكل قنبلة موقوتة قابلة للانفجار بفتيل أي خلاف سياسي حاد بين العراق وإيران.

ج- الخروقات الجوية والبرية للحدود بين الطرفين، وقد بلغت "242" خرقاً جوياً إيرانياً، خلال الفترة من فبراير 1976م حتى سبتمبر 1980م ، وذلك إضافة إلى القصف المتكرر للمخافر والقصبات الحدودية، والتجاوز على المياه الإقليمية التي لم تكن الحدود فيها واضحة .

د- التهديدات المتبادلة التي تفاقمت في سبتمبر من عام 1980م؛ حيث انطلقت شرارة الحرب الدامية، واستمرت ثماني سنوات .

وأما الأسباب غير المباشرة للحرب العراقية - الإيرانية فيمكن استنتاجها من واقع الأحداث والمتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال عام 1979م، الذي تشير كل الدلائل إلى أنه كان عاماً مثقلاً بالنذر.  وقبل تناول هذه النذر لا بد من التأكيد على حقيقة أن حرباً طاحنة بين دولتين هما العراق وإيران، هدفهما المعلن واحد هو تحرير فلسطين، لا بد أن حرباً كهذه تظل أسبابها طي الكتمان، وخاصة أسبابها غير المباشرة، لأن هذه الأسباب تمس صورة الحرب وتشوهها، تلك الحرب التي أبادت مئات الألوف من العراقيين والإيرانيين، وأهدرت مليارات الدولارات، في الوقت الذي كانت فيه كل من العراق وإيران، تعلن أن بناءها الاقتصادي والعسكري والثقافي، إنما هو استعداد لحرب مقدسة تستهدف تحرير فلسطين، وتعلن في كل مناسبة أنها تقف بحزم ضد (إسرائيل)، وليس ضد الأخرى .

وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

ابراهيم أبراشالشباب جزء مركزي وحيوي من المجتمع الفلسطيني وبالتالي فإن ما يجري في المجتمع ومع القضية الوطنية بشكل عام ينعكس على الشباب ثقافة وسلوكا ورؤية سياسية، بل يكون الانعكاس عليهم أكثر من الفئات الأخرى، وإذا أردنا الحديث عن واقع الشباب فنسبة الشباب (15-29 عام) في المجتمع الفلسطيني تفوق 30 % وتصل نسبة البطالة بينهم إلى 45%، وعندما يعيش هؤلاء الشباب في واقع الاحتلال والانقسام والحصار وغياب الديمقراطية والانتخابات السياسية منذ عام 2006، وعندما يتفشى الفساد والمحسوبية والزبونية وحكم العسكر، وعندما يصبح هدف وأمل غالبية الشباب الهجرة خارج الوطن الخ ، فإن الحديث عن دور الشباب أو المطلوب منهم يتأثر بهذه المعطيات .

لا يعني ذلك الترويج لليأس والإحباط ولكنها محاولة لأن تكون مقاربتنا للموضوع واقعية قدر الإمكان وحتى لا يُحمل الشباب أكثر من طاقتهم، أو تتم مقارنة ما بين دور الشباب الفلسطيني مع نظرائهم في الدول الأخرى .

نعم الشباب هم المستقبل من حيث سنن الطبيعة وتدافع الأجيال، ولكن السؤال :أي مستقبل ينتظر الشباب الفلسطيني ؟وأي دور سياسي سيكون للشباب وتفكيرهم وثقافتهم تتشكل في ظل المعطيات التي أشرنا إليها؟ وهل النخب السياسية القائمة ستسمح للشباب بأخذ دورهم الريادي والقيادي؟ .

أسئلة كثيرة تحتاج لإجابة وقد تبدو الإجابات غير مشجعة، إلا أن ثقتنا بالشباب من خلال التجربة التاريخية لدورهم في المسيرة النضالية ومن خلال مشاهد مشرفة لنضالاتهم اليوم تتجدد دائما .

فمنذ تبلور الحركة السياسية الفلسطينية وتأسيس الخلايا الفدائية الأولى كان الشباب عمودها الفقري، كما كانوا سبَّاقين عندما أسسوا رابطة طلبة فلسطين عام 1959، وعند انطلاقة الثورة الفلسطينية في منتصف ستينيات القرن الماضي كان الشباب، وبفكر وممارسة شبابية، مؤسسين ومبادرين وفي الطليعة عسكريا وسياسيا. كما كان الشباب قوة أساسية فاعلة في انتفاضة 1987 وفي انتفاضة 2000 وفي كل المسيرة النضالية لكل الأحزاب والفصائل، حتى في ظل الانقسام برزت أسماء شبابية كثيرة ومنها عهد التميمي وعمر أبو ليلى ورفاقه من كوكبة الشهداء الذين فجروا ثورة الطعن والدهس منفردين، والشباب الذين تصدوا لقوات الاحتلال في القدس وعلى بوابات المسجد الأقصى، والشباب في مسيرات العودة على حدود قطاع غزة، والشباب في حراك (بدنا نعيش) في قطاع غزة، وشباب الضفة الذين خرجوا في مسيرات ضد ممارسات السلطة وحدَّها للحريات الخ، ومسيرات الشباب الغاضبة في مواجهة ورشة المنامة وصفقة ترامب لتصفية القضية الوطنية، ولا ننسى حراك الشباب الفلسطيني في عام 2011 والذي تزامَن مع ما يجري في العالم العربي .

نعم هناك دور مطلوب من الشباب القيام به وهم بالفعل يقومون بدور متميز أهم من المشاركة في السلطة والحكم وهو مواجهة الاحتلال لأنه عندما يكون الشعب خاضعا للاحتلال فإن أهم مشاركة سياسية هي مقاومة الاحتلال، وقضايا السلطة والحكم تأتي في الدرجة الثانية من الأهمية .

حتى على مستوى السلطة والحكم ومواقع اتخاذ القرار يجب أن تتاح لهم الفرصة من النخب الحاكمة التي تتمسك بمواقعها ولا تترك مجالا كافيا لجيل الشباب ليأخذ دوره في هذه المرحلة، وخصوصا أن للشباب قدرة أكبر على الاستفادة من معطيات وتطورات تكنولوجية ومعرفية لم يمر بها أو يعرفها الجيل السابق الذي ما زال يُدير الحياة والنظام السياسي بنفس عقلية الماضي .

للأسف فإن الأحزاب الفلسطينية اليوم تتخذ من الشباب قاعدة جماهيرية فاعلة في عملية الحشد الخاصة بالحزب في مواجهة الأحزاب الأخرى أو في المواجهة مع المحتل باعتبارهم مشاريع شهادة، ولكنها لا تمنحهم نفس الأهمية في القيادة واتخاذ القرار وهذا واضح في عدم تبوء الشباب مراكز متقدمة في هيكلية أغلب الأحزاب، بل إن بعض المواقع القيادية العليا يشغلها الأشخاص نفسهم منذ مرحلة التأسيس قبل عقود وبعض حالات التغيير المحدودة كانت بسبب الوفاة .

يبدو أن هناك حالة من انعدام الثقة بين الأحزاب والشباب، خاصة ممن لا ينتمون بشكل رسمي لها ، كما أن كل حزب وعندما يتعلق الأمر بتقديم المساعدات والمعونات المادية والعينية أو الوظائف يتعامل مع أنصاره أو منتسبيه من الشباب وخصوصا الأقارب والمقربين من القيادات ويتجاهل الآخرين، وهذا يفسر قناعة الشباب بتفشي حالة من الفساد والتربُّح عند النخب السياسية، والكثير من الشباب ينظر إلى الأحزاب كنخب عاجزة وفاشلة لم يعد لديها ما تقدمه .

ومن جهة أخرى فإن الشباب يُحملون الأحزاب المسؤولية عن التقصير بالاهتمام بالثقافة والهوية الوطنية ونقلها وتعزيزها عند الجيل الجديد من خلال قنوات التنشئة الاجتماعية والسياسية المتعددة، وبدلا من ذلك تقوم الأحزاب بشحن عناصرها منذ الصغر بمعتقداتها وأيديولوجيتها التي لا تعير كثيرا من الاهتمام بالثقافة والهوية الوطنية، وأحيانا تثير الكراهية والأحقاد والتعصب .

لقد قصرت الأحزاب في استيعاب الشباب في هيئاتها القيادية و لم تمنحهم دورا في القيادة والتوجيه بل تم إبعاد الشباب عن المشاركة في حوارات المصالحة . ولم يقتصر الأمر على ذلك بل إن فشل الأحزاب في إنجاز المصالحة وإنهاء الانقسام وفي التوصل إلى قيادة واحدة وإستراتيجية وطنية انعكس على الشباب سلبا حيث بات الشباب منقسمين ما بين أيديولوجيات هذه الأحزاب .

نتمنى على الشباب أن يأخذوا المبادرة في المصالحة، فحيث فشل الكبار يمكن للشباب أن يجربوا مصالحة شبابية وهذا يتطلب منهم حالة من التمرد الإيجابي على أحزابهم وأيديولوجياتها لأن الانتماء للوطن ومصلحة الوطن أهم من الأحزاب وأيديولوجياتها المأزومة والفاشلة، وإذا ما تصالح الشباب فهذا سيشكل حالة ضغط على الكبار.

 

أ. د. إبراهيم ابراش

 

بكر السباتينالعقل العربي بات مخطوفاً من قبل العالم الافتراضي وكأنها الطريق الحتمي نحو مستقبل الإنسان الهجين.. المبرمج والذي يتم التحكم بتفاصيل حياته ومصيره من وراء حجب يستحكم خلفها اقتصاد وحشي متعدد الجنسيات مدبر ذو سطوة ونفوذ يمتلك التكنلوجيا ويضع أجندته على أساس أن العالم ملكه.. وما الإنسان في حساباته إلا مجرد رقم وطني وبيانات تتبع مؤشرات السوق في إطار سياسة الاستحواذ التي تسيطر عليها الدول الأقوى في هذا العالم المستباح.. هؤلاء يمتلكون السلاح الخفي الذي يوصف بأنه ذو حدين.. علم البرمجة اللغوية والعصبية الذي ما لبث بكل تفاصيله ومحدداته يدور في فلك علم النفس بينما تدفعه خواصه التي هي آخذة في التبلور لدفعه بعيداً عن سياق علم النفس ليستقلَّ وفق محدداته الخاصة كعلم نظري وتطبيقي في الآنين معاً.. لذلك يتم التعامل معه في كثير من الأحيان كعلم مستقل تماما.

من هنا تأتي أهمية علم البرمجة اللغوية والعصبية لرعاية إنسان المستقبل الرضيع لبلورة شخصيته في عالم يسوده الافتراض وتتحكم به السياسات الرقمية وتطبيقاتها التي تساهم في صنع الإنسان الهجين.. من هنا يظهر علم البرمجة اللغوية العصبية كداء ودواء.. فهو حينما يستخدم من قبل الجهات المشبوهة ذات الأجندات النفعية القائمة على الميكافللية القائلة بالغاية تبرر الوسيلة، بحيث يكون الإنسان ضمن هذه المعادلة هو الضحية، بحيث يعمل علم البرمجة اللغوية والعصبية على برمجة الإنسان "التابع" في إطار سياسة القطيع.. وعلى نقيض ذلك سيكون سيناط بذات العلم مهمة إنقاذ الإنسان من أي شر محدق به من خلال بلورة شخصيته المستقلة بحيث تعزز فيه الطاقة الإيجابية والقدرة على التغيير.

البرمجة اللغوية العصبية وإنسان المستقبل الرضيع

ما هي البرمجة العصبية اللغوية

إنها علم هندسة الإنسان ومفاتيح الشخصية.. ويمكن تعريفها على أنها علم يكشف لنا عالم الانسان الداخلي وطاقاته الكامنة ويمدنا بأدوات ومهارات نستطيع بها التعرف على شخصية الانسان وطريقة تفكيره وسلوكه وادائه وقيمه، والعوائق التي تقف في طريق ابداعه وتفوقه وتقنيات التأثير عليه".

ومن أهم فوائد البرمجة اللغوية العصبية:

- تطوير الشخصية:

ويتم ذلك من خلال زيادة الثقة بالنفس للقيام بالمهام المنوطة بالإنسان، وإتقان حسن الاتصال مع ذاته أولاً ومن ثم الاتصال التفاعلي الناجح مع الآخرين، وهذا يعزز من الطاقة الإيجابية لديه، لا بل ويساعد على إزالة الخوف والمشاعر المؤلمة، ويخفف الألم الذي يؤدي بدوره إلى التراجع والإحباط، والتعزيز من طاقة الإنسان السلبية.

- تطوير الأداء:

ويتم ذلك بواسطة تنمية الحوافز للعمل والإنتاج، وتطوير التفكير الإبداعي، أيضاً تحسين قدرة الإنسان على الخطابة والتعبير الناجح عن الأفكار الخاصة والعامة، كذلك رفع مستوى الأداء الرياضي والفني والمهني، ومن ثمَّ معرفة استراتيجية نجاح وتفوّق ونبوغ الآخرين كي يطبقها الإنسان على نفسه.

- التربية والتعليم والتدريب:

والتي تساعد على سرعة التعلم والتذكر، وتشويق الطلاب للدراسة، كذلك رفع مستوى الأداء للأساتذة والمعلمين.

- الإدارة والتجارة والأعمال:

تساعد على تعلم مهارات التفاوض والبيع والتسويق، أيضاً تحفيز الموظفين، وتحديد الأهداف، ثم التخطيط الاستراتيجي.

وما دام العقل الباطن هو المنطقة التي تتم فيها عملية التغيير من خلال صناعة الأسئلة المبرمجة فلا بد من العودة إليه لتوضيح آلية البرمجة العصبية اللغوية.

البرمجة العصبية والعقل الباطن

لدى العقل الكلي مهمتان، تتجلى الأولى بالعقل الظاهر (الواعي) الذي يفكر بحرية ويكوّن أفكارَ جديدة وبأنه المسئول عن المنطق والحساب، ويعمل بسرعة 40 بت بالثانية، والبت هي أصغر وحدة قياس للمعلومات الرقمية في الحاسوب والاتصالات.

أما العقل الباطن فهو مجموعة من العناصر التي تتألف منها الشخصية، وقلنا بأنه يحتوي على المحركات والمحفزات الداخلية للسلوك أو أنه مقر الطاقة الغريزية النفسية والجنسية، إضافة إلى الخبرات والتجارب السابقة في جميع مراحل أعمارنا، ويمثل أيضاً مركز العواطف والانفعالات ومخزن الذاكرة العميقة، ويعتبر أيضاً الجزء الأرشيفي للعقل حيث يحفظ المعلومات القديمة منذ كان الإنسان طفلاً حتى تلك التي يعتبرها العقل الظاهر عابرة وغير نافعة.

فالعقل الباطن لا يستطيع أن يخرج عن برمجته المحددة، آلياً وتلقائياً، بناءً على ردود الأفعال السلوكية المخزنة مسبقاً، ويعمل بدون علم أو سيطرة العقل الظاهر بطاقة عالية ومؤثرة. فمن بين 96% إلى 98% من القرارات يقررها العقل الباطن دون إرادة الإنسان؛ لذلك يمكن أن نفهم لماذا لا نستطيع الامتناع عن ممارسة ما نحبه حتى لو تضارب الأمر مع مصالحنا أحياناً، لذلك فالعقل الباطن هو الأقوى والأسرع بكثير من العقل الواعي، فهو الذي يشكل وينظم طريقة حياتنا. فتَعَلُّمْ قيادة الحاسوب على سبيل المثال، وخاصة الطباعة بداية الأمر يلزمها التركيز التام لأنها عملياً تكون في عهدة العقل الظاهر، ولكن بعد مدة من التدريب تصبح القيادة عادة يتحكم بها العقل الباطن فيصير بوسع المستخدم الطباعة أحياناً بمهارة فائقة دون النظر إلى مفاتيح الأحرف، كذلك الحال بالنسبة للمحاسب الذي يطبع قوائم الحسابات دون النظر إلى الآلة الحاسبة بمهارة مذهلة، وهو الحال نفسه بالنسبة لقائد المركبة الذي سيتمكن بعد الخبرة الطويلة في قيادة المركبة، من التحدث إلى جاره أو استعمال الهاتف أثناء القيادة لأن العهدة بعد التمرين وفي حالات التعب والسرحان تكون في عهدة العقل الباطن الآمنة، وهذا يحدث كثيراً، وكانت تثير لدينا الأسئلة المبهمة التي لا نجد لها تفسيرا منطقياً. وعلاوة على ذلك يمكننا فهم السر الذي يجعل المشرفين على الموت من الكبار يعيشون في الماضي السحيق ويقومون بنبش الذاكرة العميقة في العقل الباطن؛ هذا بالطبع لأن أحد عناصر التفكير المتمثل بالدماغ يكون معطوباً وبما أنه مرتبط من خلال الجهاز العصبي بمكونات الذهن الحسية، فمن البديهي أن يتعطل العقل الظاهر المرتبط بالواقع المنطقي المحسوس؛ لهذا يسيطر العقل الباطن كلياً على أولئك المشرفين على الموت، فيعيشون الماضي بتفاصيله وكأنه واقع محسوس.

مبدأ التكرار في البرمجة اللغوية والعصبية

من هنا يمكن برمجة العقل الباطن بالتكرار كأحد أهم قوانين البرمجة العصبية اللغوية، فبرمجته لا تحتاج للمنطق أو التفكير أو التركيز، خلافاً لما يحتاجه العقل الظاهر لحل مسألة رياضيات على سبيل المثال. وهذا هو باب التغيير السلوكي للإنسان من خلال:

تكرار الرسائل التحفيزية التي ستقلب حياة الإنسان رأساً على عقب.

وكذلك من خلال الإيمان والدعاء والصلاة حيث ثبت للعلماء بأن ممارسة الشعائر الدينية تؤثر على المنطقة المستثارة في الدماغ، وهي منطقة الفص الصدغي ويُعَرَّفُ بأنه" قسم من القشرة الدماغية التي توجد أسفل الشق الوحشي في نصفي الكرة المخية في دماغ الثدييات وتقع عليه مسؤولية أساسية في استيعاب السمع و اللغة" وهي المنطقة المسؤولة أيضاً عن العواطف وتخزين المعاني الجديدة، وبذلك أثبتت قدرة الصلاة والإيمان في كل الأديان على اختراق العقل الباطن اللاواعي وإعادة برمجته بمشاعر جديدة؛ لتعيد تشكيل نمط حياة جديدة للإنسان.

التأكيدات الإيجابية (الرسائل) إلى العقل

ومن خلال التكرار في طرح الاسئلة التحفيزية المستهدفة، يمكن التأثير على الإنسان بالخديعة لقلب الحقائق وتغيير محددات الأشياء التي تؤمن بها أو تفرض عليك. ومن أشد الأمثلة وطأة هو ما يمارسه الإعلام المضلل البربوغاندا أو الأجهزة الاستخبارية أو الجيوش الإلكترونية فيما يعرف بغسيل الدماغ، والأمثلة على ذلك كثيرة.

وعليك الانتباه إلى أن الرسائل التي توجه للعقل الباطن تعتمد على استخدام الفعل المضارع على نحو: "أنت تجتهد" والعملية تتم هكذا:

يوجه أحدهم رسالة للشخص المعني في هذا المثال يقول فيها بأنه "نصاب على صعيد تعاملاته التجارية".. فينقب العقل الواعي في إطار عملية التفكير السريعة في الذاكرة الصغيرة الملحقة به ليتأكد فيما لو اقترنت تهمة النصب بعملية تجارية تتضمن معطيات النصب المألوفة لدى الناس على اعتبار أن العلاقة بين التهمة ومعطيات الذاكرة معقولة وعليه يتخذ القرار.. ولو اكتشف العقل الظاهر عدم وجدود حادثة معينة بعد قيامه بمراحل البحث والتقييم للتأكيدات في العقل الكلي على نحو:

- مستوى الحدث أو الواقع المعاش.

- الأفكار

-الأحاسيس

-المقارنة الذاتية

-الحكيم الداخلي (الوعي)

قإنه سيلجأ إلى العقل الباطن اللاواعي.. ويرسل إليه رسالة عصبية عبر السيال العصبي يطلب منه ملفات تتعلق بهذه التهمة "هل أنا نصّاب"

وبعد حصوله على المطلوب يكتشف طبيعة هذه الصفة السلبية فيما لو كانت منطقية أم لا.. ومن هنا تبرمج شخصيته على ذلك ومن حيث لا يدري يتصرف كنصاب..

ولكن بما أن الضمير وهو الحكم العادل الموجود بين النقيضين (السلبي والإيجابي) في الأحكام والصفات فإنه يبادر إلى إرسال الرسائل إلى العقل الباطن اللاواعي يطلب إزاءها ملفات تتعلق بحوادث حصلت معه بدا من خلالها تاجراً نزيهاً، فيلبى طلبه.. ويحيلها الضمير من ثم إلى العقل الظاهر الواعي؛ كي يجري حساباته.. فالصفة التي تغلب عليه من حيث كونها سلبية أو إيجابية ستكون سيدة الموقف في التأثير على الشخص المعني بهذا لمثال.. فإن ثبت للعقل الظاهر -مثلاً- أن بيانات حوادث النصب بعد جدولتها أكثر، يبدأ العقل الكلي برمجته الذاتية الإيجابية.. من خلال إيهام العقل بالجانب الإيجابي من خلال كونه تاجراً نزيهاً حتى يخزن ذلك في الذاكرة العميقة، وكلما كررت الرسائل يطمئن العقل الباطن إليها أكثر ويفتح لها ملفات معتمدة لديه، حيث يتم ذلك من خلال الرسائل (بالفعل المضارع).. لهذا سيجد العقل الباطن الملفات الكافية حتى يقوم الضمير بتوفير الملفات الكافية التي تغير موازين الشخصية السلبية إلى الإيجابية في العقل الظاهر كي يتخذ قراراته المنطقية وفق المعطيات التي يتزود بها من الذاكرة العميقة ثم يؤمن بها كمسلمات ما دام مصدرها العقل الباطن اللاواعي..

العقل الباطن لا يفرق بين الحقيقة والخيال

ورغم قوته المذهلة إلا أن عقلك الباطن لا يميز بين الحقيقة والخيال ومن هنا يمكن إيهامه بأن الخيال حقيقة تعيشها من خلال التكرار بمعلومات قد تفيدك في التخطيط لتحقيق أحلامك وطموحاتك على أن لا تكون مستحيلة وفق إمكانياتك. ودليل ذلك أنه حينما تحلم بكابوس وهمي، يتصبب العرق من جبينك لا إرادياً، والسبب أن المُتَخَيَّلْ يخدع عقلك الباطن ويثير ردة فعل لدى دماغك ليتعامل مع الموقف كأنه استثارة محسوسة، فتتناسب استثارة الذهن الحسي طردياً مع أبعاد الصورة المتكونة في الحلم، وتكون تلك لاستجابة كما يحدث إزاء مشاعر الخوف التي تداهمك في المواقف الواقعية المحسوسة، بما يرافق ذلك من تعرق شديد، وزيادة في نبضات القلب، وسرعة التنفس، والرغبة بالتبول اللاإرادي أحياناً، مثلما يحدث في مواقف الرعب الحقيقية.

"وقد أجريت إحدى التجارب الشهيرة على أحد رياضيي التزلج، حيث ثبتت على صدره مجسات موصولة بجهاز لقياس الترددات والنبضات في جسم الإنسان، وطلب منه وهو مستلقٍ على ظهره تخيل نفسه وهو يمارس رياضة التزلج على الجليد، فإذ بمؤشر القياس يسجل بياناته وكأن عملية التزلج حقيقية". فالعقل الظاهر هو الذي يوضح واقعك ويحدد ملامح شخصية الإنسان الحقيقية.

ففي تجربة حبوب الوهم المسماة بلاكيبو أعطي أحد المرضى النفسيين هذه الحبة على اعتبار أنها علاج حقيقي فيما أعطي الآخر حبة دواء حقيقية فشفي المريضان. وهذا يفسر السبب من وراء العلاج الوهمي الذي يقدمه الدجالين للمرضى فتحقق نتائج حقيقية، إنه إيهام العقل بأن الخيال حقيقة، وهو أيضاً يمثل مدخلاً لاختراق عقل الإنسان واستغلاله من قبل النصابين.

وعليه فإن الوسواس المرضي مرده إيحاء الإنسان لعقله الباطن بأنه مريض، رغم سلامة بدنه فيصاب بأعراض المرض كردة فعل غير منطقية يقوم بها العقل الباطن إيماناً منه بأن ما توهم به المصاب بالوسواس حقيقة. فمن هنا يمكن لتعليقات الآخرين السلبية أن تتسلل إلى عقلك الباطن فتهتز ثقتك بنفسك من خلال استجابة العقل الباطن لها. لذلك لا يجب الاكتراث بتعليقات الآخرين في إطار الحراسة المحكمة لعقلك الباطن فتعزز ثقتك بنفسك.

سياسة القطيع

يمكن للأجهزة الأمنية من خلال مبدأ التكرار أن تقنعك بسياسة حكومة ما يستحوذ عليها الفاسدون لتمرير برامجها المشبوهة، لا بل بوسعها تحويل صورة الفاسد في نظرك إلى بطل قومي حتى لو شهد عليه التاريخ بأنه جزار قاتل، لا بل يمكن لهذا الإعلام المضلل البربوغاندا والمسيس أن يعزز موقف السياسيين المجير في أي مكان في العالم، باستبدال عدوك التقليدي الذي يحتل أرضك بتحسين صورته من خلال تزويد عقلك الباطن بعبارات الإطراء للعدو خلافاً لحقيقته واستبداله بعدو جديد ليصبع العدو التقليدي مقبولاً لديك خارج إرادتك كما يحدث في ردود الفعال تجاه صفقة التي برمج العقل العربي الشعبوي على وأدها في عقله الباطن رغم تفاعلات الصفقة على الرض لتستعيد القضية الفلسطينية تألقها، هذا ما يحدث في تداعيات التعامل الدولي مع القضية الفلسطينية على سبيل المثال، وفي نموذجه السلبي، فكلنا يعلم كيف تحول المحتل الإسرائيلي لفلسطين إلى صديق لبعض أعداء الأمس من العرب. أما في نموذجه الإيجابي، فقد تقبل الجنوب أفريقيين البيض عدو الأمس وصاحب الحق نلسون مانديللا ليكون رئيساً لجنوب أفريقيا، وربما يحصل ذات الأمر في تداعيات الكثير من القضايا الأخرى التي شوهتها السياسة أو أعادت ترتيبها توطئة لفرض الحلول بأشكالها في أرجاء المعمورة. من خلال مبدأ التكرار الذي تقوم عليه السياسات الإعلامية المضللة. وهذا قد يحدث أيضاً حتى على صعيد العلاقات الشخصية بين الناس.. فيتم التطبيع مع العدو خلافاً للوثائق التي تدينه والقائمة على المنطق.. لا بل أن تخزين عشرات الآلاف من صور القتلة عبر الأفلام السينمائية والعاهرات في الأفلام الإباحية سيكون لها دور مخيف في التحكم بسلوكيات الأطفال عند الكبر. فمناظر القتل التي تخزن في العقل الباطن تحول الإنسان من مهتم جاد إلى شخص سلبي ولا يبالي، لذلك من السهل عليه أن يتابع أخبار القتل ببلادة لأن العقل الباطن تعّود عليها من خلال الرسائل السلبية التي يستقبلها العقل الباطن من المبرمج الذاتي، ويصدقها بعد أن تكرر عليه من قبل الإنسان وبدافع غريزيٍّ في أحيان كثيرة ومثال على ذلك الإدمان الرقمي على الألعاب التي تشجع عل العنف مثل لعبة البوبجي الشهيرة. حتى الاستماع إلى الأغاني الهابطة والتي تبث الروح السلبية ستلتقطها ذاكرة العقل الباطن العميقة فتحولها إلى معطيات سلبية، لذلك تجد الكثير من الأفلام وخاصة الرسوم المتحركة تحتوي على رموز شيطانية وماسونية مكررة، ليلتقطها بالتالي العقل الباطن فيعتاد عليها ويصدقها إلى درجة الإيمان. ويقال إن الجنين وهو في بطن أمه وفي الأشهر الأخيرة يستطيع تخزين ما يسمع من كلمات مبهمة في عقله الباطن في الوقت الذي يكون عقله الظاهر غير مكتمل لارتباطه بالذهن الحسي والدماغ اللذين يكونان في طور النمو. فما بالك بالطفل في كل مراحل نموه!

والعقل الباطن أيضاً كما ذكرنا في سياق هذا المقال يُعَدُّ الأقوى والأسرع من العقل الظاهر فهو نتاج تجاربنا الحياتية السابقة ويمثل الذاكرة العميقة التي تحتوي على المواقف والمعتقدات والأخلاق والعاطفة والعادات والتقاليد والطباع. فالإنسان هو الذي كوّنه؛ ليخضع أخيراً لسيطرته أو لسيطرة من يغذّيه بمعطيات الخضوع لسلطة الآخر، من خلال إعادة البرمجة من قبل الآخر بما يعرف بمسح الدماغ الذي يمارسه الآخر المتمثل بالمذاهب المتنافسة أو السلطات القاهرة لإرادة الإنسان كأجهزة الاستخبارات في العالم. ومن هنا يتم أيضاً اختطاف العقل من قبل المتطرفين والغزاة. وهو المدخل لصناعة المأجورين والخونة لذلك على الإنسان أن يَحْرُسَ عقله الباطن من المؤثرات السلبية التي تتحكم بها الغرائز فتحدث خللاً في برمجته العصبية اللغوية، وبالتالي تحويله إلى مجرم أو مدمن أو محبط يعيش على هامش النجاح.

 البرمجة العصبية اللغوية وانتظار المنقذ الخارق

عليك أن تطرح السؤال التالي على عقلك الباطن من منطلق أنك قوي فلا تنتظر السوبرمان كي ينقذك بل اصنع مصيرك بيديك، فمقومات ذالك موجودة فيك.

وكانت من الأخطاء التي رسختها ثقافة انتظار الأبطال لتحقيق أهدافنا وحمايتنا قد امتلأت بها مناهج التربية والتعليم، وهي تدرسنا سير الأبطال العظماء كالناصر صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس عام 1187م، ووحد الأمة الإسلامية لتنهض من جديد، وكان الأولى على تلك المناهج هو تمكين صفات هذه الشخصية التاريخية لتبرمج عقول التلاميذ الصغار الباطنية كي تشع فيهم طاقة إيجابية لتحرير ذواتهم من التردد والخوف، فلا يمكثون خائفين بانتظار المنقذ الخارق لهم، وهكذا الأمر بالنسبة لشخصية أخرى كمحمد الفاتح، الذي فتح القسطنطينية بعد أن استعد لذلك بطريقة مدهشة، وكان من المفترض أن تذهب غاية سرد هذه القصة باتجاه الصغار لترسخ في عقولهم الباطنية مبدأ الاستعداد قبل مواجهة الأزمات، لا أن تأخذهم إلى مواقف الأزمات والصراخ مستسلمين بأعلى الصوت " ومعتصماه!" حتى يأتينا الرجال الخارقون بالحلول.

ولعل أكثر من ساهم في تحبيط عزائم الصغار من خلال انتظار البطل الخارق المنقذ هو الإعلام العربي، من خلال نشر تلك المجلات التي كانت تحتوي على القصص المصورة الشهيرة في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، مثل السوبرمان والرجل الوطواط ، إضافة لأفلام الرسوم المتحركة كسلسلة أفلام ميكي ماوس، حيث لا تحفيز فيها على بناء القوة الداخلية للإنسان، وكانت ترسخ في أعماق عقول الصغار الباطنية حالة الخوف وفوبيا المواجهة، وفي أن المنقذ يجب أن يكون كائناً خارقاً من أنصاف الآلهة مثل السوبرمان وميكي ماوس، وكانوا عادة ما أن يظهروا على الشاشة في موقف الإنقاذ حتى يصفق لهم الأطفال لتترسخ في عقولهم كواقع يلازم شخصية هذا المتلقي الصغير حتى يشب على صفات الخوف و"السير جنب الحيط" كما يقول المثل الشعبي، ويترجمه الكثيرون في أفعالهم. إن ما نحتاجه لمساعدة أطفالنا في برمجة ذواتهم عصبياً والتطوير لشخصياتهم هو التفاعل مع الشخصية التاريخية أو حتى الدرامية، لتلهمهم بصفاتها وخواصها لا أن تقدم لهم النصائح التوجيهية، فالتفاعل مع الشخصية يدخلها بكل أبعادها في عقولهم الذاتية كي تتمثل لهم في الأسئلة التحفيزية التي يوجهونها للعقل الباطن المستحوذ على الطاقات الكامنة، من أجل تفجيرها فيهم.. فلا يحبطهم العقل الواقعي المنطقي الظاهر قائلاً بأن هذا مستحيل، بل يتكاتف بدوره مع العقل الباطن لتطوير الاستعدادات التي تحقق رغبات أطفالنا ليكونوا شيئاً جديداً قادراً على المواجهة، وهذا ولو كان أصعب علينا بعض الشيء ينطبق على الكبار أيضاً. وللتذكير فإن الثقافة الدينية ربما كانت الأكثر نجاحاً في تعزيز قوة الإنسان الداخلية وتفجير طاقاتها من خلال الاقتداء بالأنبياء الذين خرجوا من بين الناس ووقفوا إلى جانبهم. وكذلك الحال بالنسبة للتأثر بالشخصيات التي صنعت التغيير في شعوبها، من خلال بث الطاقة الإيجابية القائمة على تغيير الذات للأفضل، كما فعل الزعيم الهندي الأشهر غاندي من خلال الثورة التي بدأ فيها وحيداً، مستنهضاَ الجماهير الهندية لتحرير الهند من الاستعمار الإنجليزي، وما قام به هؤلاء العظماء ما هي إلا برمجة عصبية لغوية جماعية لشعوبهم.

فيلم "الديك في العشة" بطولة أحمد مكي

ما زلنا في موضوع الشخصية الخارقة المنقذة والبرمجة العصبية واللغوية، إذْ وجدت أن أزيد من الصورة جلاءً من خلال أحد الأفلام العربية الموجهة للأطفال، وهنا لا أريد تقييم الفلم فنياً وفكرياً، بل أريد أن استخلص منه ما لفت انتباه ابنة أحد أصدقائي حينما تفاخر لي بأن ابنته تتمتع بقدرة مدهشة في مشاهدة الأفلام وتلخيص أحداثها، ولما سألت الصغيرة عمّا استفادته من قصة الفلم فقالت بأنها لا تريد ان تنتظر الديك المدعو حبش لإنقاذنا بل ستتغلب بنفسها على الضباع. قالت ذلك وهي تحرك يديها وكأنها جزء من الحكاية البسيطة والجميلة للفلم. وبعد ذلك الموقف بحثت عن الفلم في موقع يوتيوب، وشاهدته فلمست ذلك المغزى العميق من الحكاية الذي فهمته ابنة الحادي عشر.

وتدور أحداث القصة في مزرعة كان يعيش فيها الأرنب وزوجته وكلب عجوز وفرخة يافعة، ويستولي البلطجية من الضباع على قوتهم اليومي، بينما الضعفاء من سكان المزرعة لا يستطيعون المقاومة فالكل كان يحدوه الأمل البعيد بأن يأتي البطل المغوار المخلص المتمثل بالديك) قام بدوره الفنان أحمد مكي)، حيث كانوا يحلمون بديك قوي ينتصر على الطغاة اللصوص وهم دائماً مستسلمون، ولهذا لم يكن لديهم سوى أن يصدقوا تلك الكذبة التي صنعها لهم الكلب (أدى دوره الفنان لطفي لبيب) عندما رأى الديك يقف على باب المزرعة. ولكن تكتشف الفرخة (قامت بدورها الفنانة إيمي سمير غانم) أن الديك القادم من الغربة مجرد نصاب كانت له صحيفة سوابق جنائية سوداء، وهو مسجل خطر ولا علاقة له بالشهامة والرجولة التي يتظاهر بها، وهكذا نراه في البداية متراجعاً ذليلاً أمام سطوة الضباع، ولكن عندما يقرر ساكنو المزرعة الاتحاد يداً واحدة، يمتلكون القوة التي تؤهلهم من أجل التخلص مما يعشش في أعماقهم من صفات الخوف، التردد، الجبن، وبالتالي التغلب على الضباع ودحرها. ويشاركهم الديك في تلك المعركة المصيرية!! لتتحقق معجزة التغيير في أعماقهم أولاً، كأهم خطوة في البرمجة اللغوية العصبية.

القلم والمحبرة

فبدون المحبرة المليئة بالحبر لا يصبح للقلم معنى، وبدون التغيير والعمل على برمجة ذواتنا لا يصبح للطموح أي معنى ما دامت تعترضها الإحباطات الكامنة فينا قبل أن تنتشر كالأشواك في دروب حياتنا.

أذكر ونحن صغار كيف كان تشجيع الكبار لنا يحررنا من اليأس ويبذر في عقولنا الباطنة فكرة أننا أقوياء وناجحون وأصحاب إرادة، ولعل ذلك كان بالنسبة لنا المصدر الرئيس في ثقتنا بأنفسنا حتى ونحن كبار. وأذكر أنني طبقت ذات الشيء على ابني غيث الذي كان رغم ما يتمتع به من ذكاء حاد، يعاني صعوبة في منافسة المفتوقين في صفه الثالث الابتدائي، وكانت المدارس الحكومية آنذاك تبدأ بتدريس اللغة الإنجليزية في مرحلة الخامس الابتدائي، وهي من المناهج التي كانت تميز المتفوقين دراسياً كشأن المواد العلمية المجردة، فخطر ببالي أن استبق الزمن بتدريسه هذه المادة قبل أوانها الرسمي، فما أن يصل مرحلة الصف الخامس حتى تمنحه التميز المنشود، وكان له ذلك مما جعل تفوقه في مادة اللغة الإنجليزية يمنحه طاقة إيجابية ظلت ترافقه في كل مراحله الدراسية، وكأن السؤال الذي بات يستنهض كل طاقاته والموجه بالتكرار إلى العقل الباطن، هو:

"أنني ذلك المتفوق في اللغة الإنجليزية فلا بد وأنني متفوق أيضاً في كافة المواد" وكان له ذلك بالفعل.

تجربة الهولوغرام و النيوروفون (العقل الباطن الجمعي)

إنه جهاز الهولوغرام الذي يبث موجات ضوئية لِتُكَوّنَ صوراً خيالية في الفراغ دون وجود عاكسات، فتنتشر في الفضاء وفق مسافة محددة. والخطير في الأمر هو ما يرافق الصور المتحركة ذات الأبعاد الثلاثية من بث صوتي خفي منخفض الموجات يتضمن عبارات توجيهية، ولنفترض أن الصورة كانت لإله افتراضي! وذلك عن طريق جهاز النيوروفون الذي يرسل موجات لاسلكية تخترق الهالة الكهرومغناطيسية المحيطة بالإنسان عن غير طريق القنوات السمعية في الأذن، متجاوزة في تسللها العصب السمعي، فتدخل هذه الموجات مسامات جسم الإنسان لتتحول إلى نبضات كهربائية، فتنتقل إلى الدماغ والذي بدوره يستقبل الإشارة كما لو كان اتصالاً سمعياً، فيعمد إلى إصدار أوامره للعقل الباطن على شكل موجات دلتا بالمستوى المناسب كي تحدث حالة من الاسترخاء، فتتجاوب طاقة الإيمان مع ذلك، ويصدق العقل الباطن ما تقوله الشخصية التي تكونها تكنلوجيا الهولوغرام في الفراغ، وبالتالي سيستجيب العقل الظاهر للأوامر، وتدخل العملية (المخادعة) برمتها حيز المنطق، حتى أنه ينبري للدفاع عنها، لا بل وتدخلَ قناعاتِهِ، وهذا يعني أن الرسائل المبثوثة ستتحول إلى حقائق كأنها مُسَلَّماتٌ لا يجوز البحث في تفاصيلها، لتؤثر بالتالي في سلوك الإنسان المتلقي. فما بالك وإن هذه الرسائل تكون مبثوثة عبر جهاز النيوروفون ومرافقة للصور الهولوغرامية المتحركة في الفراغ، لتترسب آخر المطاف في الذاكرة العميقة الموجودة في العقل الباطن لدى المتلقي مع بيانات العقل الظاهر الدفاعية عنها، وتُسْتَحْضَرْ بالتالي من الذاكرة العميقة حين اللزوم كقناعات راسخة وحقائق بديهية.

اليابانيون نجحوا إلى حدي كبير في هذه التجارب، وفي مصر لم تكن التجربة دقيقة حينما أظهرت صورة السيدة العذراء فوق إحدى الكنائس القبطية. بالإضافة إلى تلك التي ظهرت في سماء بعض البلدان الإفريقية، أو الصور الوهمية الأخرى التي ظهرت فوق قبة الصخرة في القدس لإيهام الفلسطينيين برؤية الصهاينة فيما يتعلق بهيكلهم المزعوم. لكن هذه التكنلوجيا التي ما لبثت في طور التجريب، قد استخدمت من قبل بعض التنظيمات السرية وعلى رأسها الماسونية التي يتبوأ قيادتها رؤساء بعض الدول الكبرى مثل أمريكا بغية تشويه تاريخ الحضارات القديمة ومنها الحضارة الفرعونية، وربطها بالغزو الفضائي من أجل إيهام العالم بعدم الأمان، مما يدعوهم لطلب النجدة من السوبرمان الأمريكي حين اللزوم. هذا ممكن حدوثه لو تتبعت تفاصيل هذا المشروع الرامي وفق بيانات إعلاناته إلى اختطاف العقل البشري وتطويعه من خلال تطبيقات مبدأ الإيهام السمعية والبصرية. والقبول بعروض الحماية من قبل أصحاب تكنلوجيا الإيهام لو جاز التعبير وبالتالي تحويل العالم الواقعي إلى لعبة بوبجي تسيطر على اللاعبين وتغرقهم في العالم الافتراضي الذي يمتلكه الأقوياء. إنه شكل جديد من استعمار الأقوياء للعقل الباطن الجمعي لدى الضعفاء.. والغاية بالطبع لا تخرج عن نطاق المصالح الأيدلوجية والاقتصادية.. ففي الوقت الذي أصبح فيه العالم قرية صغيرة، فقد أصبح الإنسان فيه مستهدفاً ليتحول إلى إنسان آليٍّ مسيّر لا مخيّر، وسوف يتساوى مستقبلاً مع الريبوتات المتطورة بعد أن تضاف إلى برامجها الذاتية القدرة على الاستجابة وفق المشاعر البشرية المبرمجة، من خلال إنتاج أجيال مستحدثة من العقول الآلية الذكية ذات المشاعر المبرمجة على الطبيعة البشرية، وقد يزود الإنسان وفق هندسة النانوميتر شرائح تعقب GPS ، ومؤشرات ما يحدث في المختبرات بهذا الشأن تَعِدُ بإمكانية حصول ذلك..

 

بكر السباتين

..........................

المصدر بتصرف:

كتاب " تعدد المفاهيم في عقل الإنسان- البرمجة العصبية واللغوية" تأليف (كاتب المقال نفسه) بكر السباتين.. جاء في318 صفحة.. صدر في مارس 2017 بألمانيا عن دار "NOOR PUBLISHING". متوفر في أمازون.

* نص المحاضرة الكامل التي ألقاها الكاتب يوم السبت الموافق 6 يوليه في دارة آل أبو بكر للثقافة والعلوم والفنون- الجارنز- عمان.

* * المؤلف: كاتب، تشكيلي، مدرب دولي (موارد بشرية وبرمجة لغوية عصبية) معتمد لدى الكلية الدولية/ لندن رقم دولي 10942.. صدر له 27 كتاباً في مختلف المجالات الأدبية والفكرية والعلمية.

 

علي رسول الربيعيقدم لنا راولز المنظور الأكثر تطرفًا وبعيدًا عن التسامح عندما صاغ العبارة:

"يجب أن تطبق الفلسفة مبدأ التسامح على نفسها"

 في عالم يفتقر إلى بوصلة أخلاقية، أصبح التسامح الفضيلة الرئيسية في عصرنا. ويجب أن يكون المرء متأثرًا بالقبول العالمي لهذه افضيلة التسامح. لا أحد يعارض ذلك، على الأقل على مستوى تأكيدات هذه الفضيلة. يعترف الجميع بقيمة التسامح وأهميته. لقد تُورثنا من خلال مفكري التنوير مثل لوك وفولتير فكرة التسامح حتى اصبحت الفضيلة الرئيسية في عصرنا.

 ليس في نيتي أن أشكك في هذا الإجماع النادر على المسائل الأخلاقية، ولكن ما يذهلني لا تزال هناك فجوة بين التسامح كفضيلة معترف بها علناً وممارسة التسامح. هل نحن متسامحون كما ندعي؟ لا يتعين على المرء بالضرورة أن يستمتع برؤية خاطئة للأمورأو قبولها  لكي يسأل نفسه عما إذا كان متسامحا بقدر ما يتباهى المتسامحون. كما أنه قد يُصدم المرء إذا ما أتهمهُ الآخرون بأنه غير متسامح. لكن ماذا عن الفلاسفة؟ كيف تسامحهم؟ وعليه أود أن أسأل:

هل الفلاسفة متسامحون؟

 نادرا ما يطرح السؤال: ما مدى تسامح الفلاسفة أنفسهم؟ يمكن للمرء أن يميل إلى الاعتقاد بأن الفلاسفة متسامحون، لا سيما إذا لاحظناهم في المؤتمرات الفلسفية، حيث يستمعون إلى مجموعة واسعة من الموضوعات، ومن وجهات نظر مختلفة. فتبدو مثل هذه المؤتمرات التي تحمل هذا التنوع هي مثال للتسامح. على هذا الأساس يمكن ألقول أن الفلاسفة  متسامحون، ويفتحون عقولهم على وجهات نظر مختلفة عن وجهات نظرهم  دون أن نكون عنيفين.

 ومع ذلك، أرأن الفلاسفة ليسوا متسامحين بالقدر  الذي يعلنون عنه . وللتذكير بهذا، وتأكيده لا يحتاج المرء إلا إلى إلقاء نظرة على تاريخ الفلسفة وكذلك حالتها في الحاضر: اشتهر، الفلاسفة في تاريخهم، في أغلب الأحيان، بخلافاتهم وخصوماتهم ومعاركهم. على سبيل المثال لا الحصر: هل كان أفلاطون متسامحًا مع السفسطائيين، أومع الشعراء ؟ ماذا عن تسامح أرسطو مع أفلاطون، أو القديس أوغسطين تجاه ما يعرفون بالمتبرعين والبيلاجيين المسيحين، أبن رشد في موقفه من الغزالي، ألبرت الكبير تجاه  أبن رشد، لايبنز مقارنة مع لوك (كأنصار معترف بهم  للتسامح) فولتير نحو روسو، كانط أزاء  فيخته، فيخته مع شيلينج، هيجل وشيلينج، نيتشه  ضد شوبينهاور، هايدجر مع هوسرل وهوسيرل مع هيدجر، أدورنو وكارناب مقابل هيدجر، وهلم جرا. ليس لدي متسع من الوقت، ولا مكان لأخوض فيه التفاصيل التي يمكن أن تملأ المكتبات، لكنني أزعم أنه نادراً ما بدا أن الفلاسفة كانوا متسامحين تجاه وجهة نظر الآخرين، ولاسيما خصومهم، والأكثر من ذلك أنهم ظهروا غير متسامحين أيضًا حتى أزاء أولئك الذين ادعوا أنهم يسيروا على خطاهم، كما ادعى فيخته أن يتبع خطى كانط وهيدجر تجاه بهوسرل.

 لقد ظل هذا الحال مستمرا في الوقت الحاضر، حتى لو بدت مناقشاتنا أكثر تهذيبًا وهدوءًا: فهل الفلاسفة التحليليون متسامحون حقًا تجاه الفلاسفة القاريين، والعكس صحيح؟ وأيضا  الجماعاتيون في مواجهة الليبراليين؟ الهوسرليون والهيدجريون؟ في الواقع، إن بعض الهيدجرين غير متسامحين للغاية تجاه هيدجريين أخرين، ونجد أن هذه الانقسامات تحدث في كل مدرسة فلسفية تقريبا.

أريد أن أضرب مثالا على ذلك في شخصية هانز جورج غادامير الذي أدعى أنه يتبنى الفلسفة الأكثر تسامحًا، حتى أنه زعم أن التسـامح هو "روح علم التأويل"، وهو بالفعل أحد أكثر الفلاسفة تسامحًا في تاريخ الفلسفة، لكن هل كان كذلك بالفعل في مناقشاته الملحمية مع معاصرين له  مثل هابرماس أو بتاي أو دريدا؟ لست متأكداً من ذلك، لأنه في جميع مناقشاته، كانت غريزته الأولى، مثل باقي البشر، هي الدفاع عن آرائه.

بعض أسباب التعصب النسبي للفلاسفة

 على افتراض أن مسحي السريع للغاية يشير إلى وجود فجوة محتملة بين نظرية وممارسة التسامح من جانب الفلاسفة، وعليه يمكن للمرء أن يستفسر عن أسباب هذا التعصب النسبي.

1) يبدو أن الحقيقة والمنطق غير متسامحين بشكل جوهري، وهكذا تعامل الفلاسفة دائمًا مع قضايا العقل والحقيقة والخطأ. من المؤكد هناك العديد من وجهات النظر المختلفة حول العقل والمعرفة، ولكن الحقيقة لا تحمل شيئًا  يقبل التسامح: فشيء ما، أوعبارة، هي أما صحيحة أم لا. يمكننا تقديم أمثلة بسيطة  تؤكد ذلك : 

"2 + 2 = 4." هذا صحيح، والمطالبة بخلاف ذلك ستكون جنون. لا يمكن للفلاسفة أن "يتسامحوا" مع هذا الجنون (بخلاف أعتباره مرض من نوع ما). وربما ينطبق الشيء نفسه على المبادئ الأساسية للمنطق: إما أن يفكر المرء بعقلانية ومنطقية أو لا يفعل ذلك.

 وينطبق الحال على مسائل الواقع. فهل يمكن للمرء أن يتسامح مع الرأي القائل بأن الشمس تدور حول الأرض؟ بالطبع لا، حتى لو كان الرأي المعاكس هو الذي أثار التعصب في أوقات ما، وكان عنيفًا إلى حد ما.

نحن نميل إلى أن نكون أكثر تسامحًا بشأن وجهات النظر أو " رؤية العالم ". ولكن يبدو هنا، قدر ولو ضئيل من عدم التسامح أمرًا لا مفر منه: إلى أي مدى يجب أن نكون متسامحين تجاه أولئك الذين يستمتعون بعلم التنجيم ويعتقدون بالخيمياء؟ ما مدى تسامح الليبراليين تجاه الماركسية؟ أذ يعتقد بعضهم أن الماركسية أقرب إلى التنجيم، لأنها بدون أي أساس واقعي، أو أن الواقع يدحضها.

ما مدى تسامح بعض الفلاسفة  تجاه الدين؟ أن بعضهم، إن لم يكن معظمهم، متدينون، لكن يعتقد الآخرون أن الدين ليس سوى وهم على العلم واجب محاربته  وأن ألا يتسامح معه ( وخير مثال على عدم التسامح تجاه الدين المؤلفات التي أمامي الآن مثل كتب:  دينيت ودوكينز

 Dennett, Breaking the Spell: Religion as a Natural Phenomenon (New York: Penguin, 2006); and R. Dawkins, The God Delusion (London: Bantam, 2006(

أو مثلا الموقف المشهورللفيلسوف الألماني المعاصر هانز ألبرت في مطالبته الشهيرة  بإغلاق جميع كليات الدين أو اللاهوت في الجامعات الألمانية. فإلى أي مدى يمكن  الحديث عن التسامح هنا؟

2) الطبيعة الحجاجية للفلسفة تجعلها غير متسامحة مع الحجج السيئة. إن الفلسفة بطبيعتها  هي حوالي 90 في المئة حجج و 10 في المئة  فقط رؤية (النسبة الدقيقة مفتوحة للنقاش). يمكن للمرء أن يتقبل بعقل مفتوح أنواعا مختلفة من الحجج، ولكن من الصعب جدًا على الفيلسوف قبول حجة معيبة أو فاسدة منطقياً:  فقد يصيح الفيلسوف انه الهراء  عندما يواجه حجة لا أساس منطقي لها. يمكن للمرء أن يتظاهر، في الممارسة العملية، باحترام وجهات نظر الآخرين، ولكن من الصعب داخليا قبول حجة لا يعترف بها أنها صحيحة. يمكننا القول بهذا الصدد، إن الفلاسفة محترفون مدربون على توضيح العيوب في الحجج. فكيف يمكن أن يزدهر التسامح في مثل هذه البيئة؟

3) الفلسفة والأيديولوجية. على الرغم من إصرار الفلسفة على المنطق والحجج، فمن الواضح بما يكفي للقول:  أنها  في الواقع تعتمد اعتمادا كبيرا على أيديولوجيات، التي ليست دائما تدعمها الحقيقة، أو يثبتها المنطق. وهذا ما يجب أن يؤدي إلى مزيد من التسامح من قبل الفلاسفة. لكنني أزعم أنه، على العكس من ذلك، أن هذا يجعل الفلاسفة أقل تسامحًا ودفاعًا عن قناعاتهم الأساسية. يميل الفلاسفة إلى الدفاع عن أيديولوجياتهم حتى النفس الأخير، كأنهم يقولون فليأتي الجحيم أوالفيضان. قد يكون لذلك علاقة بحقيقة أنه من الأصعب التحقق من صحة أيديولوجية فلسفية. بالنسبة لجميع المقاصد والأغراض، لا يوجد في الأخير سوى القليل من النهايات في المناقشات الفلسفية: لا يوجد أي حد أدنى، ولا يوجد أي صراع تجريبي أو حقائق تجريبية. وعليه، يمكنني القول هنا: كلما زاد الانضباط  والألتزام الأيديولوجي، كلما كان التسامح أقل. قد يكون ليس هذا هو الحال دائمًا، لكن دائماً هذا الخطر موجود.

ما أخلص اليه بأختصار: أن نظرة عامة على الفلسفة تشير إلى أن الفلاسفة أقل تسامحًا مما قد يتصور المرء. يعود ذلك الى بعض أسباب: فمن ناحية، التزامهم بقضايا الحقيقة والمنطق والحجج  ما يجعلهم ربما غير متسامحين لما يرون أنه وجهات نظر سخيفة أو معيبة؛ ومن ناحية أخرى، فإن الطبيعة الأيديولوجية  للفلسفة في الغالب تؤدي في حد ذاتها دورا في جعل الفلاسفة أقل انفتاحًا على وجهات النظر المختلفة أو المعارضة.

التسامح باعتباره بداية عصرنا وشكواه

 لماذا أكتسب التسامح هذا الرواج والأنتشار في عصرنا ؟ بالتأكيد هذا له علاقة بتاريخ البشر أو التاريخ العالمي. يكمن السبب الأول الواضح  كنتيجة أو أحد عواقب الحرب العالمية الثانية. فبعد المآسي التي لا معنى لها في الحربين العالميتين، أصبحت فضيلة التسامح مطلب حتمه الزمن، فقد أنطلقت الدعوات: علينا أن نقبل خلافاتنا بدلاً من شن الحرب على بعضنا. ويمكن القول أنه من الصحيح أيضًا كان هناك ترويج سابق للتسامح في أعمال الفيلسوف البريطاني جون لوك والفرنسي فولتير الذي  جاء ردا على حرب الثلاثين عامًا بين الطوائف المسيحية في اوربا،حيث  كانت هذه الحرب سببا اساس في ظهور دعوات وفلسفات التسامح. يكمن السبب الثاني لأنتشار دعوات التسامح في زوال الاستعمار، ولاسيما افتراضه الأساس بأنه لا يوجد سوى طريق واحد للحضارة، يجب أن تقبل به و تتفق عليه جميع المجتمعات "الرديئة" أو المتخلفة الأخرى. هذا الانفتاح على تعددية الحضارات لم يتعزز إلا من خلال عملية العولمة والأعتراف بالتنوع اللغوي والديني والثقافي والإثني المتزايد في جميع المجتمعات. فمجتمع مترابط كمجموعة متطابقة متجانسة من المعتقدات لم يعد موجوداً. وهكذا أصبح التسامح فضيلة قصوى إذا أراد المرء تجنب الصراع والعنف. بأعتبار أنالتسامح أفضل من الحرب.

ومع كل ذلك لايمكنني الاً أن أشير الـى أن هناك جانب سلبي لهذا التسـامح: فقد أصبح التسامح الفضيلة الرئيسة لعصر "نسبي".  أذ لم يعد هناك  من أحد يهيمن على الحقيقة ولا على نظام القيم. وقد أدى هذا إلى مأزقنا  في "ما بعد الحداثة" بعواقبه العدمية. بالأضافة الى الصعوبات المعروفة للنسبية،  هناك التناقض الذاتي الذي لايمكن حله للانقسام المنطقي في النص،و لحجة، والنظرية، ويثير كل هذا مشاكل هي: (1) إذا لم تكن هناك حقيقة، فلا قيمة حقيقية للالتزام بها، لماذا يجب الاعتراف بالتسامح كواحدة منها؟ (2) ) ألا يتجاهل هذا "التسامح العالمي" حقيقة أن بعض الحقائق والقيم أفضل من غيرها وأنه لا يمكن للمرء أن يتسامح مع كل شيء، من الناحية النظرية وكذلك في الممارسة العملية؟ ألا توجد  هناك حدود واضحة لما يمكن للمرء تحمله؟ فمما لا شك فيه، تم الأحتفاء، الى جانب التسامح بـ " الآخر" باعتباره قيمة في حد ذاته. ولكن يجب تحديد هذا "الآخر" إذا كان يجب أو من المطلوب  أن يكون له أي مضمون:  أن آخر الحقيقة هو الباطل، وآخر السلام هو الحرب، وآخر الخير هو الشر، ولا يرى المرء بسهولة لماذا يجب اضفاء قيمة عليهما أو أمتياز لهما.  وعليه الآخرية والاختلاف- التي تبشر بهما مابعد الحداثة-  ليسا كافيين في حد ذاتهما.

فكرة التسامح يمكن أن يكون لها حلقة تحذيرية

نود جميعًا أن نشيد بالتسامح ونعلن أنفسنا متسامحين، لكن هذا لا يخفي حقيقة أن التسامح يمكن أن يكون له بعد مهين. عادة، نحن "نتسامح" مع الأمور التي لا نتفق معها ولا نريد التعامل معها. كان فولتير مدركًا لهذا عندما قال: أنا لا أفهم هذه أو تلك الثقافة، فهي بعيدة جدًا عن ثقافتي، لكنني "سأتسامح معها" طالما أنها لا تسبب أذىًا واضحًا وتزعج سلامي.

أعتقد، في هذا المعنى،  يمكن أن يتسامح الفلاسفة التحليليين مع الفلاسفة القاريين، والعكس صحيح، ويتسامح الجماعاتيون مع الليبراليين، والملحدون المتحمسون مع المؤمنين، وما إلى ذلك. أيً أن ما يقوله خصومهم أو يفعلونه أو يؤمنون به، هو عار بالنسبة لهم، لكنهم سيتسامحون معهم رغم ذلك. وينطبق هذا على المجتمع ككل. تدّعي بعض الدول أنها منارات للتسامح، لكنها تقرر حظر البرقع، أوحتى وشاح الرأس، الذي  قد يكون مقبول في أحسن الأحوال، لكن يبقى يُنظر إليه بعين الشك. يدل هذا على الحد من التسامح أو وضع حدود للتسامح في الممارسة العملية.  أنها في الواقع، وفي أغلب الأحيان، هي فضيلة وأقل من كونها طريقة للتصالح مع الآراء والممارسات التي يحترمها المرء: أنا لا أحب ما تفعله أو تقوله، لكنني "سأسمح معه". هذا هو السبب في ضرورة تعزيز فضيلة التسامح من قبل الآخرين مثلها مثل فضيلة الاحترام والكرم. يجب أن يكون الاحترام مكملاً للتسامح لأنه يستلزم أن نحترم أيضًا ما هو متميز وربما متفوق من وجهة نظر أخرى. الكرم مطلوب أيضًا، حتى لو كان نادرًا ما يذكر أو يتم تناوله في الفلسفة. أو كما قال موسى بن ميمون في كتابه  "دلالئل الحائرين" إن الكرم نعمة الخير لأولئك الذين لا يستحقونه. وأن هذه النعمة  في حقيقتها فيض من الله علينا، والله هو من يمنحها على الحقيقة. ويمكننا  تقليد ههذا الكرم. 

وفي النهاية اشكر القارى على تسامحه الكريم.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

رحيم الساعديبقلم: إسرائيل درازن

ترجمة: د. رحيم الشياع الساعدي

اليهودية بعيدة كل البعد عن تأريخ الفيضان الذي غطى الأرض كلها. كانت كل ثقافة تقريبًا لها قصة، بما في ذلك ملحمة بلاد الرافدين القديمة في جلجامش، والعديد من الملاحم اليونانية، وأيضا منها ما خص الهنود الأمريكيين.  وتختلف القصص في بعض النواحي - تختلف أسماء الشخصيات ومواقعها - لكن هناك أوجه تشابه ملحوظ، يمكن للمرء أن يجادل من خلاله بأن هذا الاعتراف العالمي الواسع بوجود الفيضان يثبت أن قصة الكتاب (التوراة) صحيحة.

ومع ذلك، يمكن للمرء الاصرار أيضًا على أنه على الرغم من الآراء الواضحة فعلى العكس، لم تكن الفيضانات تغطي جميع أنحاء العالم، لأن هذا يخالف القانون الطبيعي.

إن عمليات الإخفاء (لاثر الطوفان) في قصة كل ثقافة هي تدفقات محلية حدثت بلا شك في كل أرض وفي أوقات مختلفة. على سبيل المثال، لاحظ الفيلسوف اليوناني أرسطو (طالب أفلاطون ومعلم الاسكندر الأكبر، 384-322 قبل الميلاد) لاحظ نسخة يونانية من قصة الطوفان في جميع أنحاء العالم، والمعروفة باسم Flood Deucalion’s، وكتب في كتابه Meteorologia i. 14، أنه حدث فقط في " منطقة تمثلت بـ (دودونا ونهر أخيلوس) .

واكتشف علماء الآثار أن هناك فيضانًا محليًا غمر العديد من المدن في سومريا منذ حوالي 5000 عام. وقد ذكروا أن الفيضان كان كبيرًا بشكل غير عادي، ولا متوقع، ومن المفهوم أنه أحدث انطباعًا كبيرًا. فسره البعض أن الكتبة الذين كتبوا عن الفيضان قاموا بتفصيل الحدث بشكل مبالغ فيه. سواء أكان المرء مقتنعا بأن الكتاب المقدس والثقافات الأخرى غير السومرية يصفان نفس الحدث السومري بطرق مختلفة أو أن كل منهما يسجل فيضانًا منفصلاً، فلا يزال من المفيد مقارنة الإصدارات المتنوعة لمعرفة كيف تفهم الجميع ثقافة تلك المأساة.

 الأسئلة

1-  ما هي قصة طوفان ديوكاليون؟

2-  ما هي أوجه تشابه الأسطورة اليونانية مع الانغماس والفيضان الحاصل في جميع أنحاء العالم وفق القصة الكتابية؟

3-  ما هو الاختلافات بين القصتين او الفيضانين؟

 الحكاية اليونانية لفيضان ديوكاليون

تتعلق الأساطير اليونانية بالعديد من حكايات السيول التي غطت الأرض بأكملها، فالقصة لفيضان(Deucalion) تقول حدث أن زيوس، الإله الرئيسي لليونانيين، كان غاضبًا وقد سمع أن أبناء ليقون الأثرياء ضحوا بصبي له زارهم، متنكرا في زي مسافر فقير استقبله الأبناء بحرارة وقدموا مأدبة كريهة قاموا فيها بخلط لحم أحد الإخوة فغضب زيوس وحولهم إلى ذئاب.

كان زيوس لا يزال غاضبًا وساخطا عندما عاد إلى أوليمبوس، موطن الآلهة، وأطلق طوفانًا من الماء لتدمير البشرية جمعاء. لكن بروميثيوس، وهو شخصية شبه إلهية كانت مفيدة وتخدم الناس، حذر ابنه ديوكاليون (نوح) فقام ديوكاليون ببناء (سفينة)، وملأها بالطعام، ودخلها مع زوجته بيرها، التي كانت أيضًا ابنة عمه، ابنة شقيق بروميثيوس إبيميثيوس.

بدأ الفيضان عندما هبت الرياح الجنوبية وسقط المطر. كان العالم كله مغطى بالمياه، باستثناء بعض قمم الجبال،  قتل جميع البشر أسفل قمم الجبال، باستثناء (Deucalion -  و  Pyrrha  زوجته) سارت السفينة لمدة تسعة أيام حتى هدأت المياه. ثم استقرت على الجبل. أرسل Deucalion حمامة لتؤكد له أن الماء قد خف، وعندما تأكد له ذلك، غادر هو وبيرها (السفينة).

وعرض الاثنان قربان شكر لزيوس. ثم صلوا لكي يتم تجديد الجنس البشري. أرسل زيوس رسوله هيرميس ليخبرهم برمي الحجارة خلف ظهورهم. أصبح كل حجر ألقاه Deucalion رجلاً وتحول كل حجر من قِبل Pyrrha إلى امرأة.

وتختتم الأسطورة بقصة مفادها أن بعض الأشخاص الآخرين إلى جانب دوكاليون وبيرها تم إنقاذهم من الغرق عن طريق الهروب إلى قمم الجبال اليابسة وغادروا الجبال بعد انخفاض المياه واستأنفوا القرابين البشرية.

كان أحد أبناء نوح أول شخص يخلط النبيذ بالماء، مما يجعله في متناول البشر.

التشابه:

1- استنكر كلا من الإغريق والإسرائيليون الممارسات البربرية القديمة الحسنة النية المتمثلة في تقديم الابن كذبيحة لله وغضب زيوس في هذه القصة اليونانية يمثل تعاليم أخلاقية تعبر عن المزيد من السخط المتحضر ضد هذا "الاحتفال الديني"، ولقد فهم موسى بن ميمون (قصة سفر التكوين22)، قصة تضحية إبراهيم من ابنه إسحاق، و يمكن أن ينظر إليه على أنه صراع إبراهيم الداخلي على هذه الطريقة المضللة (واسعة الانتشار) للتعبير عن الحب لله وفهم إبراهيم النهائي أن الله لا يريد مثل هذه التضحية.

2- في كلتا الروايتين، ينزل زيوس والله الطوفان بسبب السخط من السلوك البشري.

3- يتم حفظ الأبطال في كلا التقديرين في سفينة تركب فوق الماء.

4- في كليهما، وقفت السفينة للراحة أخيرًا على جبل، وأرسل الاثنان، نوح او دوكاليون، حمامة لترى ما إذا كان الماء قد انحسر.

5-  ينتهي كلا التقريرين بتعليقين حول النبيذ.

 

اختلافات

1-  كما في الأسطورة اليونانية، يتحدث سفر التكوين (11: 7 ) عن انزال الله فيما يتعلق الفصل 18 بأن الله ظهر لإبراهيم على أنه ثلاثة مسافرين.  وعموما فأن السكان اليونانيين عامة فهموا القصة حرفيًا، أن زيوس كان له جسد، الا ان النظرة اليهودية المتطورة هي أن الله غير متجسد كما يوضح ابن ميمون، فإن مصطلح "النزول" هنا هو مجرد تعبير مجازي لتوجيه العمل الإلهي إلى منطقة معينة، وكانت زيارة المسافرين الثلاثة بمثابة حلم.

2- يقرر زيوس قتل جميع البشر في الكتاب المقدس، كل البشرية تستحق الموت.

3- قرر زيوس تدمير البشرية جمعاء ولم يتم إنقاذ شخصين إلا من خلال تدخل بروميثيوس، لقد جلب الله الطوفان، لكنه هو نفسه أنقذ البشرية من خلال الحفاظ على عائلة بأكملها، أي ما مجموعه ثمانية أشخاص.

4- في الوقت الذي يشعر فيه زيوس والله بالسخط من السلوك البشري ويتفاعلان من خلال إغراق الأرض، تمرد زيوس على الطريقة التي يعامل بها، لكن الله (متخوف)(هكذا) من سلوك الناس تجاه بعضهم البعض، "لأن كل لحم أفسد طريقه على الأرض " سفر التكوين ٦: ١٢.

5- يعرّف المؤرخ اليوناني زوجة ديوكاليون بالاسم ويخبرنا أن والدها كان شقيق والد ديوكاليون. لا يعطينا الكتاب المقدس أي معلومات عن أي من النساء الأربع اللائي دخلن السفينة.

6- أحضر نوح الحيوانات في السفينة وأنقذها ولم يفعل    Deucalion

7- يذكر اليونانيون الريح كسبب للفيضان الا ان الكتاب المقدس يشير إلى أنه يساعد في تقليل الماء: "لقد صنع الله ريحًا لتمرير الأرض، والمياه التي تراجعت) التكوين8: 1 ) و قد يعبر هذا عن ارتياح التوراة لقوى الطبيعة.

8- في الأسطورة يتم الكشف عن بعض قمم الجبال خلال الماء، لكن في الكتاب المقدس يتم تغطية جميع الجبال. وبالتالي هناك تضارب في الأسطورة. لم تكن هناك حاجة لقيام Deucalion بإرسال طائر لتحديد ما إذا كانت المياه قد هدأت. نظرًا لأنه لم يصل أبدًا إلى قمم الجبال، وكان من المفترض وجود أشجار هناك لم تتم تغطيتها مطلقًا بالمياه، لان الطيور التي عادت مع الورقة لم تكشف عن أي مياه متراجعة. إلى جانب ذلك، كان بإمكان Deucalion و Pyrrha ترك الفلك والاستقرار على قمة الجبل.

9- استمر الفيضان تسعة أيام فقط في الأسطورة، ولكن سفر التكوين (8: 3 ) ينص على أنه "بعد 150 يومًا انخفضت المياه".

10- قدم نوح وحده القرابين لله، بينما قام كل من ديوكاليون وزوجته، ذكوراً وإناثاً، بالتضحية.

11- لا تظهر في الكتاب المقدس القصة غير العادية المتمثلة في الحفاظ على الجنس البشري عن طريق قذف إنسانين بالحجارة أثناء مواجهته في اتجاه آخر.

12-  في الإصدار اليوناني، تم إنقاذ بعض الأشخاص بالركض إلى قمم الجبال التي لم تغمرها المياه اما في الكتاب المقدس، قُتل الجميع باستثناء نوح وعائلته.

13-  بقاء بعض الناس خلف Deucalion وPyrrha    يفسر فشل خطة زيوس لتدمير الناس واستمرار الشر. هذا يعني وجود طبيعة شريرة في هؤلاء الناس، وهذا المفهوم غائب عن الكتاب المقدس، الذي يصر على أن كل ما يخلقه الله جيد من الناس، وليس من طبيعتهم، جلب الشر.

14-  في الكتاب المقدس، نوح نفسه هو الذي يزرع الكرم ويسكر، وليس ابنه، كما في الأسطورة 

ملخص

عثر على قصة الفيضان الذي غطى الأرض كلها في كل ثقافة تقريبا وهناك العديد من أوجه التشابه بين القصص. ومع ذلك، فإن عقلية الثقافات المختلفة تحدد كيف قاموا برواية القصة.

في الأسطورة اليونانية لدوساليون، فإن عالم الآلهة مليء بالعديد من الكائنات الإلهية التي تهتم برغباتها الخاصة وليس الإنسانية، فيغضب زيوس بسبب القرابين غير المناسبة التي تقدمها أسرة واحدة، ويقرر تدمير كل شخص، لكن بسبب تدخل بروميثيوس، وهو كائن إلهي من الصنف الثاني، يتم إنقاذ البشرية، حتى ان   بروميثيوس بعد ذلك ينقذ ابنه وابنة أخته وزوجة ابنه.

بعد الطوفان، عندما يصلي ديوكاليون وبيرها من أجل ولادة المزيد من البشر والحفاظ عليهما، يستجيب زيوس من خلال رسول ما - على عكس فعله المباشر لإحداث الأذى - ويطلب من الناجين إلقاء الحجارة خلف ظهورهم ثم أصبحت الحجارة التي ألقاها كل رجل بمثابة رجل وأصبحت امرأة تلك الحجارة التي قذفتها كل امرأة من النساء ويمكن للمرء التكهن فقط حول معنى هذا الحادث الغريب، أن الإغريق الذين قاموا بتأليف هذه القصة لم يروا الله خالق الإنسانية في أسطورة الخلق بل كان بروميثيوس عندهم هو الذي فعل ذلك مع زملائه من البشر.

ويثير قذف الصخور خلف ظهر كل شخص أفكارًا عن قلة الاهتمام، وان النمو يكون اعتمادًا على الصدفة، ويشير الى الافتقار إلى الاتجاه والهدف.

وباختصار، يعد الكتاب المقدس بحياة طيبة إذا عاش المرء حياة سليمة. ومع ذلك، فإن العالم اليوناني، كما يظهر في هذه القصة، (ولكن ليس في الأدب اليوناني الآخر) كان يدور حول مصير أعمى دون أي غرض، وعاش الناس حياة متشائمة خارجة عن إرادتهم تمامًا، مع تعذيب قوى الشر الشريرة لهم دون سبب.

 

............

1-  الآراء الواردة هو راي الكاتب لا المترجم

2-  ديوكاليون هنا هو النبي نوح

3-  غاية الترجمة هي البحث عن تناول اليونان لاهم القضايا المصيرية والدينية

4-  من المهم عقد مقارنة لثنائية هذه القصة مع منظومة القران الخاصة بالطوفان

 

محمود محمد عليجاءت حرب الساس من أكتوبر عام 1973م، والحظر النفطي، ليساهما في إسراع الإدارة الأمريكية إلى وضع مخططات التدخل العسكري المباشر، بغية الإطاحة بسلاح النفط وإسقاطه والحؤول دون استخدامه مرة ثانية من قبل الدول العربية المنتجة. ولم تقتصر هذه الخطط على المسؤولين الرسميين، بل تعدتها إلى الباحثين والمحللين؛ من أمثال" روبرت توكر"-Robert Tucker،الذي أعد دراسة نشرتها مجلة "كومنتري- Commentary اليهودية في يناير 1975، دعا فيها الولايات المتحدة إلى احتلال حقول النفط العربية بالقوة العسكرية. وزعم أن المنطقة الممكن احتلالها دون عوائق هي المنطقة التي تمتد من الكويت على طول الساحل، حتى قطر وتحتوي على 40% من إنتاج الأوبيك في تلك الفترة .

وهناك دراسة أخري أعدها "مايلز إيغنوتس: Miles Ignotus ونشرتها مجلة هاربر Harper في مارس 1975، قدم فيها الكاتب خطة عسكرية للسيطرة على آبار النفط العربية بأسرع وقت ممكن .وتعطى هذه الخطوة دوراً لإسرائيل من خلال وضع مطاراتها العسكرية تحت تصرف القوات الأمريكية .

وتعد أبرز دراسة تضمنت خطة متكاملة للتدخل عسكريا في مناطق النفط العربي تلك التى أعدها كل "جون كولينز" Jhon Collins الخبير في شؤون الدفاع القومي و"كلايد مارك" Clyde Mark المحلل لشؤون الشرق الأوسط، ونشرت هذه الدراسة في أغسطس 1975 تحت عنوان " آبار النفط كأهداف عسكرية – دراسة في الإمكانات". وقد تناولت في مضمونها حجم المصالح النفطية للولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط، وماهية القرارات الواجب اتخاذها، لاستخدام القوة وكيفية تبريرها، كما تطرقت إلى الظروف التى يجب أن تتوافر لتحقيق السيطرة على المصادر النفطية وردود الفعل المحتملة من قبل الدول المنتجة والاتحاد السوفيتي. ثم اتخذت الدراسة "المملكة العربية السعودية" كمسرح لتنفيذ العملية، مع وصف مسهب لطبيعتها الجغرافية ومواقع المنشآت النفطية وتقدير الاحتياجات العسكرية لإنجاز العملية .

والواقع أن هناك العديد من الدراسات وخطط التدخل العسكري ضد الدول العربية المنتجة للنفط التى وُضعت في ظل الإطارات الأمريكية المتعاقبة لامجال لذكرها وتعدادها، ولكن جميعها ربطت مسألة التدخل عسكريا بحدوث الأمور التالية :

1- إذا أقدم الاتحاد السوفيتي على احتلال آبار النفط، أو قطع طرق إمداداته عن الدول المستهلكة .

2-إذا أقدمت الأقطار العربية على فرض حظر جديد على صادراتها النفطية، أو زيادة أسعار النفط بصورة كبيرة .

3- إذا تعرضت الدول المنتجة الصديقة للولايات المتحدة لغزو من دول أو دولة أخري معادية لأمريكا .

4- إذا وقع انقلاب في دولة منتجة من شأنه أن يؤثر في الإنتاج والأسعار.

5- الاعتداء على حقوق الإنسان بشكل فاضح.

لم تضع الولايات المتحدة هذه الخطط موضع التنفيذ لسببين : الأول تخوفها من ردة الفعل السوفيتية من جهة، ومعارضة الرأي العام الأمريكي للتدخل العسكري من جهة أخري، بسبب عقدة فيتنام التى كانت وما تزال عالقة في أذهان الأمريكيين، ولكن تطور أحداث السبعينيات وما حملته من أخطار على الإمدادات النفطية من منطقة الخليج، جعلت الولايات المتحدة تعيد النظر جدياً في مسألة التدخل المباشر لحماية مصالحها النفطية، بعد أن كانت تعتمد على حلفائها في المنطقة، وخاصة إيران، وإسرائيل .

ولقد كانت نقطة التحول الأساسية في السياسة الأمريكية في منطقة الخليج، نجاح الثورة الإيرانية واختلال التوازن الاستراتيجي في المنطقة، الذي ارتكز على التفوق العسكري الإيراني؛ حيث شكلت إيران المحور الرئيس للنظام الإقليمي في الخليج، ولكل المشاريع والاتفاقات الأمنية. لذلك بخسارة إيران خسرت الولايات المتحدة الأمريكية أهم قاعدة متقدمة لها في خط المواجهة مع الاتحاد السوفيتي في منطقة، تعد من أهم المناطق حيوية للاقتصاد الرأسمالي العالمي .

كذلك مع تنامى دور الاتحاد السوفيتي خاصة بعد احتلال أفغانستان وفي أواخر عام 1979م، حيث جاء التدخل السوفييتي العسكري في أفغانستان لمصلحة الجناح الموالي للسوفييت ليزيد من قلق الولايات المتحدة ومخاوفها، ورأى الأمريكيون في التدخل السوفيتي أهدافاً خليجية تستهدف الاقتراب من مناطق إنتاج النفط تمهيداً للسيطرة عليها أو اقتسام مواردها مع الغرب. وكان التفسير الأمريكي لهذا التدخل نابعاً من اقتناعهم بحاجة السوفييت إلى النفط العربي بسبب العجز المتوقع في إنتاجهم المحلى في منتصف الثمانينات وفقاً لتقرير وكالة الاستخبارات المركزية. وكذلك الاقتراب من المياه الدافئة ( حلم الروس القديم) في المحيط الهندي. وبالوجود السوفيتي العسكري في أفغانستان لم يعد يفصل السوفييت عن تلك المياه سوي الحدود الباكستانية .

ومن هنا شعرت الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث عام 1979م، أن مصالحها النفطية في منطقة الخليج العربي أصبحت مهددة بالأخطار، وأن استراتيجيتها التى ارتكزت على حلفائها المحليين، قد فشلت بعد سقوط شاه إيران، أهم دعائم هذه الاستراتيجية. وعلى الجانب الآخر، أخفقـت الإدارة الأمريكية في التدخل السوفيتي في أفغانستان. وفي ضوء ﺘﻠﻙ ﺍﻟﻤﺘـﻐﻴﺭﺍﺕ، اكتسبت ﺍلاﺴﺘﺭﺍﺘﻴﺠﻴﺔ ﺍﻷﻤﺭﻴﻜﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﻠﻴﺞ ﻤﻼﻤﺢ ﺠﺩﻴﺩﺓ، ﻭﺍﻀﻁﺭﺕ ﺍﻟﻭﻻﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺩﺓ ﺍﻷﻤﺭيكية ﺇﻟﻰ ﺇﻋﺎﺩﺓ ﺘﻘﻴﻴﻡ ﺇﺴﺘﺭﺍﺘﻴﺠﻴﺘﻬﺎ ﻭﻭﺠﻭﺩﻫﺎ ﺍﻟﻌﺴﻜﺭﻱ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﻁﻘﺔ،ﻭﺍﺘﺨﺎﺫ ﺴﻴﺎﺴﺎﺕ ﺘﺩﻋﻴﻡ ﺍﻟﻘﻭﻯ ﺍﻷﻤﺭﻴﻜﻴﺔ، ﻭﺍﻟﺤﺼﻭل ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻭﺍﻋـﺩ ﻭﺍﻟﺘﺴﻬﻴﻼﺕ، ﻭﺘﻁﻭﻴﺭ ﺇﻤكانية ﺍﻟﺘﺩﺨل ﺍﻟﻤﺒﺎﺸر، كما ﺃﺼﺒﺢ ﺍﻟﺘﺯﺍﻡ، ﺍﻟﻭﻻﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺩﺓ ﺍﻷﻤﺭيكية بالحفاظ على ﺃﻤﻥ ﺍﻟﺨﻠﻴﺞ ﻤﻥ ﺃﻫﻡ ﺍﻟﻌﻨﺎﺼﺭ ﺍﻹﺴﺘﺭﺍﺘﻴﺠﻴﺔ ﺍﻷﻤﻨﻴﺔ ﻟﺘﻠﻙ ﺍﻟﺩﻭل، واتخذ الرئيس"جيمي كارتر"ﻋﺩﺩﺍً ﻤﻥ ﺍﻟﺨﻁﻭﺍﺕ ﺍﻷﻭﻟﻴﺔ، ﻨﺤﻭ ﺇﻋﺎﺩﺓ ﻨﻬﺞ ﺴﻴﺎﺴﺘﻪ ﺍﻟﺨﺎﺭﺠﻴﺔ ﺘﺠﺎﻩ ﻤﻭﻗﻑ ﺍﻟﺴﻴﺎﺴﺔ ﺍﻟﻭﺍﻗﻌﻴﺔ، ﻭﻁﺭﺤﺕ ﻋﺩﺓ ﺒﺩﺍﺌل ﻤﻥ ﺍﻻﻋﺘﻤﺎﺩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻭﻯ ﺍﻟﻤﺤﻠﻴﺔ،كاﻟﺴﻌﻭﺩﻴﺔ، ﺃﻭ ﺍﻟﻘﻭﺓ ﺍﻟﻌﺴﻜﺭﻴﺔ ﺍﻷﻤﺭﻴﻜﻴﺔ ﺍﻟﻤﺒﺎﺸﺭﺓ، ﺒل ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺭ ﺍﺘﺠﻪ ﺇﻟﻰ إسرائيل، ﺃﻭ إنشاء ﺃﺴﻁﻭل ﺃﻤﺭﻴﻜﻲ ﺩﺍﺌﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺤﻴﻁ ﺍﻟﻬﻨﺩﻱ .

ﻭﻓﻲ ﺃﻭﺍﺴﻁ يونيو عام 1979م، ﺘﻡ ﺍﺴﺘﺩعاءﺀ ﺨﺒراء ﺍﻹﺴﺘﺭﺍﺘﻴﺠﻴﺔ ﻓﻲ ﺇﺩﺍﺭﺓ كارتر؛ ﻟﻭﻀﻊ ﺍﻟﺨﻁﻭﻁ ﺍﻟﺭﺌﻴﺴﺔ لمبدأ كارتر؛ ﻟﻠﺘﻌﻭﻴﺽ ﻋﻥ ﻤﺒﺩﺃ ﻨﻴﻜﺴﻭن ﺍﻟﺫﻱ ﻓﻘﺩ ﺼﻼﺤﻴﺘﻪ؛ ﻓﻘﺩ ﺃﺩركت ﺍﻟﻭﻻﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺩﺓ ﺍﻷﻤﺭﻴكية، ﺃﻥ ﺇﺩﺨﺎل ﺍﻟﻘﻭﺓ ﺍﻟﻌﺴﻜﺭﻴﺔ ﺒﺸﻜل ﻤﺒﺎﺸﺭ، إنما ﺍﻟﺴﺒﻴل ﺍﻟﻔﻌال ﺍﻟﻭﺤﻴﺩ ﻟﻤﻭﺍﺠﻬﺔ ﺍﻟﺘﺼﺭﻓﺎﺕ ﺍﻟﺴﻭﻓﻴﺘﻴﺔ، وكما ﺃﻋﻠﻥ " زبيجنيو بريجينسكي " Zbigniew Brzezinski ﻓﻲ ﻤﻘﺎﺒﻠﺔ، ﻤﻌﻪ ﻗﺒل ﺃﺴﺒﻭﻉ ﻭﺍﺤﺩ ﻤﻥ ﺇﻋﻼﻥ ﻤﺒﺩﺃ ﺍﻟﺭﺌﻴﺱ كارتر: إﻥ ﺍﻟﻭﻻﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺩﺓ ﺍﻷﻤﺭيكية ﻤﺴﺘﻌﺩﺓ ﻻﺴﺘﺨﺩﺍﻡ ﺍﻟﻘﻭﺓ الحيوية .

وفي الخطاب الذي ألقاه الرئيس كارتر بمناسبة يوم الاتحاد في 24 يناير عم 1980، تطرق فيه إلى الوضع السائد في الخليج معلناً، موقف الولايات المتحدة من الأحداث الجارية في تلك المنطقة قائلا:" ليكن موقفنا واضحاً، إن أي محاولة من أي قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج الفارسي، ستُعتبر تهديداً للمصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وستُستخدم كل الوسائل الضرورية للرد عليها، بما في ذلك القوة العسكرية".

وأحيط هذا المبدأ بمبررات جديدة، فبالإضافة إلى الحديث عن استخدام القوة ضد الدول المنتجة للنفط في حال فرض حظر نفطى جديد كما كان يقال في منتصف السبعينات، فإن الولايات المتحدة مستعدة أيضاً لاستخدام التهديدات التى تتعرض لها دول الخليج، والتي تشمل العدوان الخارجي أو الداخلي، والمقصود هنا التهديدات السوفيتية، أو الاعتداء من قبل أي دولة من دول المنطقة على دولة أخري .

وقد ﺸﻜل مبدأ كارتر مفاجأة للعالم أجمع، وكان أكبر المذهولين "شاه إيران" الذي اعتقد طوال أزمته مع الثورة أن لدى الولايات المتحدة خطة للتعامل مع ما يجري له ولمنطقة الخليج، ليكتشف أن ما تقوم به إدارة كارتر لا يعدو أن يكون ردة فعل آنية لم يخطط لها مستقبلاً .

إن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التى وضع أسسها "مبدأ كارتر" على حق الولايات المتحدة بالتدخل عسكرياً في أي مكان تتهدد فيه مصالحها ومصالح العالم الغربي الحيوية، ولما كان الخليج العربي بثروته النفطية يشكل مصلحة حيوية بالنسبة للمصالح الغربية، فإن الدفاع عن هذه المصالح يحتاج إلى آلية للتنفيذ، وفي هذا الإطار برزت فكرة "قوات التدخل السريع"، والحصول على قواعد عسكرية في المنطقة تحت ستار التسهيلات العسكرية، وذلك على النحوالتالي :

أ- قوات التدخل السريع:

إن فكرة إنشاء قوات التدخل السريع ليست بجديدة، إنها تعود إلى أوائل الستينيات عندما كان "روبرت ماكمار" Robert MacMar وزيراً للدفاع الأمريكي، اقترح تعديلات على نظرية "الرد الشامل " النووي التى كانت سائدة في عهد أيزنهاور واستبدلها بنظرية "الرد المرن" التى تتيح ممارسة العمل العسكري في شكل لا يؤدي بالضرورة إلى مواجهة نووية مع السوفييت .وقد اقترح في هذا الشأن إنشاء قوات ضاربة متحركة يمكنها التدخل في المناطق النائية بسرعة وفاعلية .لكن هذا الاقتراح رفضه الكونجرس الأمريكي .

وتبلور مفهوم قوات التدخل السريع بعد أزمة الطاقة عام 1973م، واستخدام النفط كسلاح استراتيجي من قبل الدول العربية المنتجة، الأمر الذي دفع بالدوائر العسكرية الأمريكية إلى طرح فكرة احتلال منابع النفط بالقوة، لكنها بقيت في حدود الضغط والتهويل. لم تخرج هذه الفكرة إلى حيز التطبيق إلا بعد انتصار الثورة الإيرانية وسقوط نظام الشاه، واحتجاز الدبلوماسيين الأمريكيين في السفارة الأمريكية في طهران، وفشل محاولة إنقاذ الرهائن، مما دفع بوزارة الدفاع الأمريكية التى تشكل قوة مؤلفة من 110 آلاف رجل للتدخل في الأزمات. وقد ارتفع عدد هذه القوات إلى 200 ألف رجل مع تكثيف الوحدات العسكرية في منطقة الخليج والمحيط الهندي خاصة بعد العملية السوفيتية في أفغانستان .

وفي أغسطس عام 1978 م أصدر كارتر الأمر الرئاسي رقم "18"، القاضي بتشكيل فرقة عسكرية للعمل في مناطق التوتر الإقليمي، ولاحقا تبين أن الخليج العربي سيكون اختصاصها المباشر، للأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لتلك المنطقة، وفي أواسط 1978 م أشارت الدلائل إلى تعاظم الاهتمام بتعزيز الوجود الأمريكي في المحيط الهندي وبحر العرب والخليج العربي، وفي مارس 1980م، أعلنت الولايات المتحدة عن تشكيل القيادة المشتركة لقوات الانتشار السريع وعُين الجنرال "جون كيلي" John Kelly قائدا لهذه القوات.

ب- البحث عن القواعد والتسهيلات العسكرية:

إذا كانت قوات التدخل السريع هي الأداة التنفيذية التي يرتكز عليها مبدأ كارتر، فإن القواعد والتسهيلات العسكرية الأمريكية في دول المنطقة تشكل البنية التحتية لعمل هذه القوات في تحركاتها لمواجهة التهديدات التي تتعرض لها مصالحها الحيوية في الخليج وبحر العرب .

لذلك سعت إدارة كارتر منذ عام 1980 للحصول على قواعد في منطقة الخليج العربي والمحيط الهندي تتمركز فيها هذه القوات وتستخدمها لمواجهة الأزمات الطارئة والأخطار التى تهدد النفط من الخليج .

وبالفعل استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية عقد اتفاقات مع كل من عُمان، والصومال، وكينا تسمح للقوات الأمريكية باستخدام القواعد العسكرية الوطنية لهذه البلدان وبناء المنشآت والمستودعات الضخمة لتخزين المعدات الحربية من أجل تسهيل عمل هذه القوات في المنطقة . كما عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في قاعدة " الجفير " بالبحرين، وقاعدة "مصيرة" التابعة لسلطنة عمان وفي قاعدة "دييغو غارسيا" Diego Garcia وهى أكبر قاعدة رئيسية للبنتاجون في المحيط الهندي. بالإضافة إلى ذلك، تمكنت الولايات المتحدة من الحصول على تسهيلات عسكرية في بعض الموانئ والمطارات التابعة لأقطار ترتبط بعلاقات وطيدة مع الحكومة الأمريكية، مثل مصر، وإسرائيل، والسعودية .

ويُلاحظ أن القواعد والتسهيلات العسكرية التى حصلت عليه الولايات المتحدة، تهدف إلى تحقيق أمرين: إقامة سياح عسكري حول، أو بالقرب من منابع النفط، وتقديم التسهيلات العسكرية اللوجستية اللازمة لقوات الانتشار السريع .

وإذا كان تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الخليج يشكل البعد العسكري للاستراتيجية الأمريكية الجديدة، فإن البعد السياسي لهذه الاستراتيجية يهدف إلى ضمان استقرار الأنظمة الحليفة وإلى تحقيق السلام الأمريكي في المنطقة، وتحويل الصراع في الشرق الأوسط من صراع بين العرب وإسرائيل إلى صراع بين العرب الموالين للولايات المتحدة والعرب الموالين للاتحاد السوفيتي .

خلاصة القول إن الأخطار التى بدت تهدد نفط الخليج وطرق نقله بعد قيام الثورة الإيرانية والتدخل العسكري السوفيتي في أفغانستان، دفعت بالقوات الأمريكية وأساطيلها إلى الحضور المباشر في منطقة الخليج لحماية مصالح الغرب الحيوية المتمثلة بالنفط بشكل رئيسي. وقد عبر مبدأ كارترعن هذا التوجه الجديد المبنى على اعتماد الولايات المتحدة الأمريكية على قواتها الذاتية بدلاً من اعتمادها على الحلفاء.

وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

في ظل سيادة قول لا شيء مستحيل أمام قدرات الإنسان في تطوير العلم، بدأ الحديث عن ما بعد الإنسانية في عصر الما بعديات، فما المقصود بـ ما بعد الإنسانية؟ هل هو علم قائم بذاته أم مجرد خيال علمي؟ وهم أم أمل؟ وما بُعده الآيديولوجي؟ وكيف يرى مفكرو مابعد الإنسانية  دورهم في صناعة تاريخ الفكر البشري؟

في بداية القرن الحادي والعشرين، وبفضل التقدم السريع في مجال العلوم التقنية، أصبح من السهل تقديم مشروع علمي من شأنه تحقيق الأمل في تحسين القدرات الإنسانية-والتحسين هنا لا يعني التطور-، وفي الوقت نفسه، لا يمكن انكار إن مسألة التحسين لم تعد قضية علمية فحسب، إذ تتنافس فيها مجموعة من الشركات التي تدرك مدى الايرادات المالية التي يمكن تحقيقها من خلال العمل بهذا المجال.

تعد مابعد الإنسانية حركة فكرية ثقافية فلسفية وأخلاقية تؤكد على تحسين القدرات الإنسانية من خلال تطوير التقنيات التي لها القدرة على فعل ذلك، وتضم مجموعة من الأفكار والقضايا، منها: الانثروبولوجية، المعرفية، الأخلاقية، والسياسية، في مناقشة موضوعات أخلاقيات البيولوجيا، ولا يمكن انكار أن هذه الموضوعات تعد ظاهرة مركبة ومعقدة، إذ بالامكان دراستها من وجهات نظر متعددة، لهذا نجد المهتمين بها من تخصصات واهتمامات مختلفة من اجل تحسين القدرات الإنسانية، وتحقيق ما يسعون إليه على وفق الشعارات التي ينادون بها: "عقول أفضل، أجساد أفضل، وحياة أفضل" .

يسعى علماء ما بعد الإنسانية الى الدراسة المستمرة للتصاميم الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية والتنمية الثقافية والمهارات والتقنيات النفسية لتحسين الحالة الإنسانية، إلا أن تركيزهم واضح على أولوية التكنولوجيا التي لا غنى عنها لتحقيق ذلك، وهذا ما يجعل منها حركة آيديولوجية تُمثل صورة للادعاء بأن التكنولوجيا أصبحت الأنطولوجيا للمجتمع الغربي الحديث .

يحاول القائلون بـ مابعد الإنسانية أو على الأقل من يدافع عن حقهم الى تعزيز أنفسهم وذريتهم من خلال مجموعة متنوعة من المساعي التكنولوجية بشكل رئيس مثل الهندسة الوراثية التي تساهم بتمكين الآباء ليس بالكشف عن مرض ابنائهم فحسب، إنما في اختيار السمات الشخصية المرغوبة لهم وكذلك العمل على تحسين الإنسانية ضمن الاحتمالات الآتية: إطالة عمر الإنسان بشكل جذري من خلال إبطاء أو إيقاف عملية الشيخوخة، والقضاء على الأمراض (الوراثية والمعدية على حد سواء)، وزيادة القدرات الفكرية والعقلية والجسدية والعاطفية للإنسان، كذلك يعتبر استعمار الفضاء والذكاء الاصطناعي المتقدم أيضاً من الموضوعات المتكرر ذكرها في الفكر مابعد الإنساني .

ولعل أبرز فلاسفة ما بعد الإنسانية هو بوستروم Nick Bostrom، ففي مقالته المعنونة "تاريخ فكر مابعد الإنسانية"، يؤكد أن الجذور الفلسفية والثقافية لأطروحتهم، والرغبة في اكتساب قدرات جديدة تعد قديمة قدم الحضارة الإنسانية، إذ تبدأ مع الأساطير السومرية (حوالي 1700 ق.م.) المتمثلة بأسئلة الخلود، فضلاً عن سعي مفكري العصور الوسطى المسيحية للسيطرة على الطبيعة مروراً بـ "معرفة فرانسيس بيكون" التي ولدت الثورة العلمية إلى الفلسفة المادية لعصر التنوير، ويتضمن أيضاً تأكيد إيمانويل كانط على العقلانية، والفلسفة النفعية لجون ستيوارت مل، والنظرية التطورية التي أقترحها دارون في أصل الأنواع (1859)، والتنبؤات بشأن التحكم في علم الوراثة التي طرحها هالدين عالم الكيمياء الحيوية في عام  1923م  وألدوس هكسلي في رواية "العالم الشجاع" للعام 1932م. إن هذه الأمثلة تعمل على ربط ادعاء بوستروم بأن ما بعد الإنسانية هو التجسيد الناتج عن سعي الإنسان لتجاوز ذاته .

وكما ذُكر سابقاً، إن هناك العديد من العلماء والباحثين ممن لديهم خلفيات مهنية متنوعة ينتمون الى هذه الحركة، لعل أبرزهم:

1- الفيلسوف بوستروم Nick Bostrom .

2- عالم الاجتماع والأخلاقيات البيولوجية جيمس هيوز James Hughes.

3- المخترع ورجل الأعمال راي كورزويل Ray Kurzweil .

4- مُنظر تقنية النانو ك. إريك دريكسلر K. Eric Drexler  .

5- أخصائي الطب الحيوي أوبري دي جراي Aubrey de Grey .

6- الناقدة الأدبية لما بعد الحداثة كاثرين هايلز N. Katherine Hayles  .

7- الفيزيائي الحيوي ورجل الأعمال غريغوري ستوك Gregory Stock.

8- الفيزيائي وعالم الرياضيات فريمان دايسون Freeman Dyson.

9- روبرت فريتاس Robert Freitas( خبير نظرية النانو الطبي).

10- رالف ميركل Ralph Merkle  (عالم أبحاث في علوم الأرض وعلوم الكمبيوتر).

11- باحث المستقبل والروبوتات هانز مورافيك  Hans Moravec.

فضلاً عن شخصيات أخرى تسعى بشكل حثيث على تبسيط أفكار ما بعد الإنسانية لتقديمها للجمهور، لعل من بينها الفيلسوف البلجيكي جلبرت هوتوا الذي قدم قراءة تتضمن خلاصة لما بعد الإنسانية وتحول الانسانية، والجدل القائم حولهما، إذ يتم فهم الاثنين من خلال الإشارة إلى الشيء نفسه، ومع ذلك يجب على القارئ أن يدرك أن هناك تفسيرات متنوعة لمصطلحي "ما بعد الإنسانية" و"تحول الانسانية"، وهذا ما حاول هوتوا تمييزه، اذ تعد دراسته واحدة من أهم الدراسات التي اهتمت بهذا الموضوع، وما يميزها عن الدراسات الأخرى، هو أن المؤلف يقدم للقارئ العام والمختص، معاً، مادة معرفية علمية بأسلوب مبسط، وفي الوقت نفسه، يمكن أن تكون مدخلاً لكل من يريد الأطلاع على الجدل الراهن المرتبط بعلاقة الإنسان بعلم الوراثة والتقنيات الحديثة والنانو تكنولوجيا، فضلاً عن الموضوعات الأخرى التي تشغل مابعد الانسانية .

 

د. قيس ناصر راهي