في الذكرى التاسعةِ والثلاثينَ لاستشهادِ الامامِ الشهيدِ السيد محمد باقر الصدر، يحارُ المرءُ من اينَ يبدأُ؟ فالسَّيِّدُ الصَّدرُ مُتَعَدِدُ المواهب، ومُتَنَوِّعُ الابعادِ، لايحيطُ بجوانبهِ المتعددَةِ كاتبٌ، ولايستوعبُ حياتَهُ الثَرِيَّةَ مقالٌ ؛ لاننا امام بحرٍ يموجُ بمعارِفهِ.

وانا في هذا المقالِ المُقتَضَبِ، احاول ان استعرضَ سماتِ فكرهِ، وخصائصَ هذا الفكرِ.

من سمات فكرِ الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر:

1- الموسوعيّة : من خصائص فكر السيد الشهيد الصدر، الموسوعيَّةُ ؛ فقد كتبَ في اكثرمن حقلٍ معرفيٍّ .. فقد كتبَ في الفقهِ والاصولِ، والفلسفةِ، والتاريخ ِ، والاجتماع، والتفسير .

2- الاصالة: كانت افكارُ السيد الصدر افكاراً اصيلةً، ولم يكن فكره التقاطياً وتجميعياً .. في مجالِ الصناعة، هناك صناعات اصيلة تشتهر بها دولة اومجموعة من الدول، وهناك صناعات تجميعية، لا اصالةَ فيها . كذلكَ الامرُ مع الافكار، فهناك افكارٌ اصيلةٌ، وهناك افكارٌ ملتقطةٌ، ومجمعةٌ من هنا وهناك .

3- العمق: لم يطرح السيد الصدر فكراً سطحيّاً، بل كل افكاره، كانت تَتسِمُ بالعمق؛ فهو يغوصُ بعيداً في الفكر، ويستجلي غوامضَهُ، ويستخرج كنوزه ليقدمها للقاريء واضحةً جلِيَّةً .

4- كان فكرُ السيد الشهيد الصدر فكرا منفتحاً على الافكارِ، ولم يكن فكراً منغلقاً . وهذا مايُلاحِظُهُ القاريءُ في كتابِ (فلسفتنا)، الذي استعرض فيه السيد الصدر مختلف الاراء حتى لتجدَ نفسَكَ امامَ مؤرخ للفلسفةِ وباحث فيها بعمقٍ، وملاحقٍ للافكار، ومتابعٍ لها، وناقدٍ لها، وفي نفسِ الوقتِ، يطرحُ البدائل. وكتاب فلسفتنا الّفَهُ السيد وعمره لم يتجاوز الخامسة والعشرين .

وهناك مزية بارزة في شخصية السيد الشهيد اطلقت عليها (الطفولة المفكِّرة)، فهوانتج افكاراً في طفولته، فكتب (فدك في التأريخ) في الحادية عشر من عمره . وهذه ميزة عند العظماء والنوابغ، ولكنها كانت بارزة في حياة السيد الصدر . والف (رسالة في المنطق ) وكان عمره اثني عشر سنة . ودرس كتاب (المعالم) في اصول الفقه على يد اخيه السيد اسماعيل الصدر، وهو في هذا السن، وقد اشكل على صاحب المعالم، وقد ذكر له اخوه السيد اسماعيل الصدر رحمه الله، ان هذا الاشكال، هو نفس اشكال صاحب الكفاية على صاحب المعالم.

5- قَدَّمَ الشهيد الصدر فكراً نقدياً، وهذا مانلمسه في كتاب (فلسفتنا) و(اقتصادنا) و( فدك في التاريخ)، و(الاسس المنطقيَّة للاستقراء)، وكان السيد الصدرُ اميناً في نقل افكار الاخرين، وكان نقدُهُ نقداً علمياً موضوعياً .

6- الجانب الحضاري في فكر الشهيد الصدر: لم يكن نقدهُ للرأسماليّةِ والاشتراكيّةِ مجردَ نقدٍ لأنظمةٍ اقتصاديّةٍ، وانما هو نقدٌ للحضارة التي افرزتها، فكلا النظامينِ ينتميان الى حضارة مادية، وينطلقان من قاعدة واحدة هي الماديّة .

هل كان السيد الصدرُ فيلسوفاً؟

كنت اشاهد لقاءً تلفزيونيّاً ضمَّ متحدثَينِ، وكان موضوعُ الحوار حول السيّد الشهيد الصدر . وقد نفى كلا الضيفينِ ان يكون السيد الصدر فيلسوفاً .

ويبدو لي ان هذين الضيفين في هذا اللقاء، لم تستوعب دراستهما للسيد الصدر في كل مراحل حياته، والتطورات الفكرية، التي حصلت في مسيرته الفكرية .

السيد الصدر في فلسفتنا، كان باحثاً في الفلسفة، ومؤرخا لاتجاهاتها، وكان يتبنى رأيَ المذهب العقلي في نظرية المعرفة . امّا في كتاب (الاسس المنطقية للاستقراء) فنجد السيد الصدر فيلسوفا ومبتكراً، وله مذهب في المعرفة الانسانيّة، يختلف عن المذهب العقلي والمذهب التجريبي، وهو المذهب الذاتي في المعرفة، الذي اقامه على حساب الاحتمال، واستطاع ان يحلّ به مشكلة الاستقراء، التي لم يستطع الفلاسفة حلها من ارسطو الى برتراند رسل، واستطاع الصدر ان يحل هذه المشكلة التي استعصت على الفكر الانساني.

عظمة السيد الصدر

عظمةُ السيد الشهيد الصدر لاتكمن في تفكيره فحسب، وان كانت عظمته تجلت بشكلٍ واضحٍ في هذا المجال ... ولكن العظمة تكمنُ حينما يضحي المفكر بنفسه من اجل الافكار والمباديء التي امن بها . فنحن امام رجلٍ استثنائي، في مرحلة استثنائية، وقف بوجه نظام قمعي غاشم، موقفاً حسينيا، وكان يعرف نتائج المواجهة مع هكذا نظامٍ دمويٍّ وقمعي . فسلام عليه في وقفته العظيمة، وسلام عليه يوم استشهد، ويوم يبعث حيا، وسلام على اخته ورفيقة دربه العلوية الطاهرة بنت الهدى.

 

زعيم الخيرالله

 

جواد بشارةالمادة العادية والمادة المضادة، والمادة السوداء أو المظلمة، الطاقة العادية والطاقة السوداء أو المظلمة، ماذا غير ذلك في الجانب الخفي للكون المرئي؟

في الأدبيات القديمة، الفلسفة على وجه التحديد، منذ الإغريق، وصولاً إلى الأديان الإبراهيمية، احتلت مسألة أصل العالم أهمية ومكانة كبيرة ومركزية.فأرسطو قال أنه لا توجد للعالم بداية زمنية، وهذا يعني أنه ليس بوسع العالم أن يبدأ " داخل الزمن" لأن الزمن، وهو ليس سوى قياس وحساب حركة الجسم أو الكرة، لوا يمكنه أن يوجد قبل العالم، ما يعني أن هناك زمن سابق لزمن العالم، أي زمن سابق لخلق العالم، في حالة وجود عملية خلق للعالم، أي بداية له. وقد تبنى الفيلسوف فيلون هذا التنظير في حين عارضه الفيلسوف الفارابي وعدد من المتكلمين، أما المتصوفين فقد قالوا بوجود عالمين، عالم ظاهر وعالم باطن، عالم مادي ملموس ومرئي، وعالم روحي خفي وغير مرئي، والإثنين يشكلان واقع الوجود. الواقع الظاهر يحتوي المادة المعروفة والمألوفة والملموسة، والواقع الخفي يحتوي على المادة المظلمة أو السوداء. لكننا مازلنا نجهل حقيقة وطبيعة وماهية هذه الأخيرة، بل وحتى نجهل ما إذا كانت موجودة فعلاً على نحو يقيني. العالم البريطاني، الذي رحل عنا قبل عام، ستيفن هوكينغ، المختص بالثقوب السوداء، تناول موضوع المادة السوداء أو المظلمة، بل وضعها في بعض الأحيان في قلب أبحاثه وهو مجال واسع للبحث أتاح له أن يصيغ عدد من النظريات بهذا الصدد. ومن بين الفرضيات التي قدمها ستيفن هوكينغ أن المادة السوداء أو المظلمة ربما تتكون من عدد هائل من الثقوب السوداء المجهرية . رغم أن العلماء يقولون أن أصغر ثقب اسود في الكون لا بد له من كتلة كبيرة. وبالاستناد على عمليات الرصد والمشاهدة للقوى الثقالية forces gravitationnelles في الكون المرئي عرفنا أن 95% من كتلة الكون مكونة من قوة خفية غير مرئية ومجهولة الهوية، وهي قوة لم يتمكن أحد من رصدها على نحو مباشر لحد الآن. وبهذا الصدد قال ستيفن هوكينغ في ورقة بحثية شهيرة نشرت في سبعينيات القرن الماضي، أن المادة السوداء أو المظلمة تتكون من مجموعة مهولة من الثقوب السوداء البدائية التي نشأت فقط في اللحظات الأولى من تاريخ الكون،، بعد الانفجار العظيم، البغ بانغ، وفي الساعات الأولى للكون المرئي، عندما تشكلت مناطق من المادية كانت أكثر كثافة من غيرها من المناطق الأخرى، وعلى نحو كاف إلى درجة أنها أحدثت إنهياراً ثقالياً effondrement gravitationnel بقطر 0.1 من الميللمتر وهذا بدوره أدى إلى خلق ثقوب سوداء صغيرة بمستوى 10-8 من الكيلوغرام، وهي غير الثقوب السوداء الناجمة عن إنهيار نجوم عملاقة هائلة على نفسها وبالتالي نتجت عنها ثقوب سوداء عملاقة . والحال إنه حتى أصغر الثقوب السوداء لا بد لها من كتلة.. بمقدار أكبر من 67 كوبنتيليون من الطن. وربما هناك حشد أو آماس أو تجمع من الثقوب السوداء الصغيرة من هذا النوع يمكن أن تخفي تفسير تلك الكتلة المختفية غير المرئية في الكون التي نسميها المادة السوداء أو المظلمة. ولقد اهتم العلماء بنجوم في مجرة مجاورة لمجرتنا درب التبانة من خلال تشخيص التأرجحات النجمية الخاصة التي تحدث في حالة وجود ثقب أسود مجهري أصغر من عشر الميللميتر الذي يعيق ضوئها. ولو تنقل ثقب أسود أصلي أولي انبثق منذ الساعات الأولى للكون المرئي وتموضع بيننا وبين أحدى النجوم يمكننا استنتاج إن تلك النجمة تتأرجح بفترات متقطعة وفق تأثير الثقالة أو الجاذبية التي يمارسها الثقب الأسود مما يغير من مسار ضوئها . فلو كانت مثل تلك الثقوب السوداء الصغيرة المجهرية موجودة فعلاً سيغدو ممكنا مشاهدة ورصد الضوء والأجسام الكونية التي تحرفها أو تشوهها عندما تمر من خلالها. وبمساعدة مختلف التلسكوبات الأرضية رصد علماء يابانيون وهنود مجرتنا الجارة آندروميدا أو المرأة المتسلسلة وسجلوا 190 صورة خلال سبع ساعات من الرصد ما يعني أن الثقب الأسود الأولي أو الأصلي البدئي لا يمكن أن يكون مسؤولاً إلا بنسبة 0.1% من أصل المادة السوداء أو المظلمة، والنتيجة أنه لا يمكننا أن نفسر المادة السوداء أو المظلمة من خلال الثقوب السوداء الصغيرة أو المجهرية التي تحدث عنها ستيفن هوكينغ. فرغم كل ما أحرزه علماء الكونيات من تقدم، فإن كل ما نعرفه عن الكون إلى الآن يمثل فقط 4% من تركيبه، بينما ما زالت البقية 96%-التي تتمثل في المادة والطاقة المظلمتين- غامضة، رغم وجود الكثير من الفرضيات لتفسيرها.

بعبارة أخرى، فإن المادة السوداء أو المظلمة ليست "مظلمة" بالمعنى الحرفي، ولكنها "شيء" ما لا يعرف العلماء ما هو وما هي ماهيته وطبيعته ومم يتكون، إلا أنه يتحكم في المجرات كلها تقريبا ولا يمكن رصد أي إشعاع صادر عنه في أي نطاق، فهو غير مرئي مطلقا، وإنما يلاحظ العلماء تأثيره الثقالي أوالجذبوي على محيط المجرات، وذلك هو السبب في أنهم يعرفون أنها موجودة.

لقد بات بحكم المؤكد اليوم أن هذا النوع من المادة المسمى سوداء أو مظلمة، موجوداً من خلال المعادلات الرياضياتية والحسابات العلمية إلى جانب نتائج الرصد والمراقبة التي ساعدت أخيراً في رؤية و تصوير ثقب أسود في العاشر من نيسان 2019 . فالمعادلات الرياضياتية تحتوي على كم هائل من المعلومات لا يقل أهمية عما تنطق به الصورة، والذي يهم العلماء هو معرفة بنية وهيكيلية الزمكان حول وبالقرب من ثقب أسود أكثر مما يهمه تصويره وامتلاك صورة لثقب أسود رغم أهمية ذلك كدليل قاطع على وجود الثقوب السوداء التي شكك بوجودها بعض العلماء. لذا لا يمكن الاستغناء عن رؤية الثقب الأسود وتصويره إذا أردنا إثبات وجوده . ومن الأحداث التي أثبتت وجود ثقوب سوداء هو قياس ورصد الأمواج الثقالية des ondes gravitationnelles الناجمة عن تصادم ثقبين أسودين من قبل مختبري ليغو و فيرغو LIGO et VIRGO، قبل سنوات قليلة . فما يعرفه العلماء عن الثقوب السوداء لن يزداد بحصولهم على صوره له لكنهم متحمسون لرؤية ما يحدث حقاً في أفق الأحداث l'horizon des évènements المحيط بالثقب الأسود وهو الجانب أو الجزء المرئي من الثقب الأسود فقط وربما ستكون هناك مفاجئات أخرى عند فحص الصورة المرتقبة للثقب الأسود.

سبق لآينشتين أن تنبأ بالموجات الثقالية لكن التكنولوجيا المتوفرة آنذاك لم تسمح برصدها واحتاج الأمر لمرور قرن كامل وتحقيق تقدم علمي وتكنولوجي هائل لكي نتمكن من رصدها وربما سنحتاج للمزيد من التقدم التكنولوجي لكي نتمكن من رصد المادة السوداء أو المظلمة على نحو مباشر، نفس الشيء حصل مع التنبوء بوجود بوزنات هيغر في ستينات القرن الماضي وتطلب رصدها في مسرع الجسيمات LHC مرور نصف قرن. أما المادة السوداء أو المظلمة فلم تتنبأ بها النسبية العامة ولم يتوقعها أحد وهي مشكلة جوهرية لأن هذه المادة تشكل المكون الأكبر لكتلة الكون ونحن نجهل عنها كل شيء تقريباً، انصبت الجهود سابقاً على إثبات وجودها كأولوية تسبق معرفة طبيعتها وماهيتها . ولقد بات بحكم المؤكد اليوم وجود هذا النوع من المادة وصنوها الطاقة المظلمتين. وحان الوقت للبحث عن معرفة مم تتكون وما هو شكلها وهذا بحد ذاته تحدي هائل للعلم ومن أكبر ألغاز الفيزياء المعاصرة منذ أكثر من نصف قرن وهناك آمال أن يتمكن مصادم ومسرع الجسيمات الجديد الذي يفوق LHC بكثير من إنتاج جسيمات المادة السوداء أو المظلمة الأولية وإذا لم ينجح العلماء في تحقيق ذلك فعليهم الاعتراف بعدم وجودها والبحث عن تفسير آخر لفقدان الكتلة الأكبر للكون المرئي وبالتالي الاعتراف بعجز العلماء عن فهم حقيقة الثقالة الكونية. الثورة الحقيقية في الفيزياء هي إكتشاف السبب المفترض وراء تسارع التوسع الكوني والذي سمي الطاقة السوداء أو المظلمة، الأمر الذي يتعدى قدرة الجاذبية الكونية على كبح التوسع الكوني ولفهم لماذا يتوسع الكون صمم العلماء تلسكوبا فائق القدرة هو télescope LSST، إذ أن محرك التسارع للتوسع الكوني هو المكون الأكبر للكون المرئي بصيغة الطاقة . فالمجرات هي بمثابة الجسيمات الأولية المكونة للمادة رغم ضخامة المجرة التي تحتوي على أكثر من 100 إلى 200 مليار نجمة ولكن بالقياس لحجم الكون فهي صغيرة للغاية ولا تتعدى حجم الجسيم الأولي المكون للمادة العادية وكاميرا هذا التلسكوب المتطور هي مثل عين السمكة واسعة الحقل أو المجال وأكبر بحوالي 40 مرة من القمر .

من المكونات اللغزية للكون المرئي المادة المضادة التي يفترض أنها كانت بنفس كمية المادة العادية عند ولادة الكون المرئي لكن خللاً ما حدث لا نعرف له تفسير، فاقت نسبة المادة على المادة المضادة وهذه الزيادة الطفيفة هي التي أدت إلى ظهور كوننا المرئي لأن تفاعل المادة والمادة المضادة يؤدي لأن تفنيان بعضهما البعض.

قبل قرن من الزمن نشر العالم بول ديارك Paul Dirac، فرضيته عن وجود مادة مضادة في الكون، ومنذ ذلك الوقت والعلماء يتتبعون أثرها ومنهم الفيزيائي الفرنسي إيف ساكان Yves Sacquin من جامعة باريس. ففي سنة 1929 ولد في دماغ الفيزيائي البريطاني بول ديراك حل لمعادلة اقترنت بإسمه وصارت تسمى معادلة بول ديراك وما قدمه من حل غريب لها في محاولة للجمع والتوفيق بين الميكانيك الكمومي أو الكوانتي الحديث الولادة مع النسبية الخاصة لآينشتين ووضع لذلك المسعى معادلته الشهيرة التي يفترض أنها تصف سلوك أحد الإلكترونات ولكن ظهر للمعادلة حل آخر لإلكترون ذو شحنة كهربائية سالبة الأمر الذي لم يكن مقبولاً في الوسط العلمي آنذاك لكن المعادلة كانت جميلة وأنيقة بمكان لدرجة أنه لايمكن أن يكون هذا الحل خاطئاً مما دفع ديراك لاقتراح وجود إلكترون مضاد سلبي للإلكترون الموجب للمادة العادية سمي البوزيترون positron. وبعد مرور ثلاث سنوات رصد العالم الأمريكي أندرسون في الإشعاعات الكونية هذا الإلكترون المسمى بالفرنسية بوزيتون positon، وعد ذلك أحد الأجسام الأولية للمادة المضادة فهي نفس المادة ولكن بشحنة مغايرة ومعاكسة وبالتقائهما تزول الشحنات وتتولد طاقة محضة مثل الفوتونات وهي ضرورة لتحويل المادة إلى طاقة وبالعكس وبالتالي تشكل خطراً كبيراً على البشرية حيث نجحت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً وعلى نحو سري للغاية، في صنع سلاح المادة المضادة الفتاك وجربته في الفضاء الخارجي واعتبر البعض أن جسيمات المادة المضادة ليست جسيمات مضادة بل مكملة . وافترض هؤلاء العلماء وجود أكوان توأم مكونة من المادة المضادة بما فيها من مجرات ونجوم كحل للتساؤل حول اختفاء المادة المضادة من الكون البدئي الأولي البدائي. يتبع

 

د. جواد بشارة

 

عبد الحسين شعبانحين ينظم المعهد الملكي للدراسات الدينية في عمان، حلقة نقاشية لعدد من الخبراء والمختصين بشأن «أخلاقيات التضامن الإنساني»، فهذا يعني أن ثمة حاجة ضرورية وملحّة لاستكمال مقوّمات الحياة الاجتماعية والثقافية في إطار المنتظم الوطني والدولي.

وإذا كان ثمة حيرة تستبطن سؤالاً فسيكون سؤال قلق وعدم طمأنينة انطلاقاً من واقع مأزوم، سواءً على الصعيد الداخلي أم على صعيد العلاقات الدولية، حيث يشهد العالم تحوّلات كبرى بعضها موضوعي وآخر ذاتي، وقسم منها إيجابي والآخر سلبي، ولاسيّما ما يتعلق بمحاولات فرض الهيمنة والاستتباع والاستحواذ على خيرات الشعوب وثرواتها، ناهيك عن التفاوت الاجتماعي بين المتخومين والمحرومين على صعيد بلداننا، وعلى الصعيد العالمي بين البلدان الغنية والفقيرة، أو بين بلدان الشمال والجنوب، الأمر الذي زاد العالم انقساماً، بل توحشاً في ظل العولمة. وبعد ذلك ماذا يحتاج التضامن الإنساني لكي يرسي على أخلاقيات تعلي من شأنه وترفع من قيمته، خصوصاً والعالم لا يعتمد على الأخلاق بقدر قيامه على المصالح؟

إن القيمة الحقيقية لأي فكرة أو هدف أو فلسفة، هي مقدار اقترابها من تحقيق سعادة الإنسان، الذي هو «مقياس كل شيء»، على حد تعبير الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس، فلا قيمة للنمو الاقتصادي والنفوذ السياسي والقوة العسكرية والاكتشافات العلمية والتطور التكنولوجي، ما لم يصبّ في خدمة الإنسان ويساهم في رفاهة البشر.

ويأتي ذلك من النزعة الإنسانية التي تدرك أن كل فرد هو إنسان ليس أكثر وليس أقل، وله حقوق وعليه واجبات، ومن تلك النقطة الإنسانية يمكن البحث عن المشتركات في تضامن البشر وتعاضدهم، سواء على مستوى الجيل الحالي بحفظ حق الحياة وكرامة الإنسان أم على مستوى مسؤوليتهم إزاء الأجيال القادمة بحماية السلام وإبعاد خطر الحروب وحماية البيئة وضمان مستقبل أكثر رفاهاً لسكان الأرض، خصوصاً بترشيد استخدام الموارد وتوسيع آفاق المعرفة والتقدم العلمي والتكنولوجي لمنفعة البشرية وتقدمها.

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة، قد اتخذت قراراً برقم 55 في العام 2005 بشأن التضامن الدولي، وذلك انطلاقاً من مراعاة مؤتمرات القمة العالمية الكبرى التي عقدتها الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية، انطلاقاً من مفهوم التضامن الإنساني الذي يقوم على تلاقي المصالح والمقاصد والأهداف بين الأفراد والشعوب والأمم والبلدان، للحفاظ على التطور الإنساني وتحقيق الأهداف المشتركة بما يعزز القيم المشتركة أيضاً.

وتقوم فلسفة النزعة الإنسانية على ثلاثة أبعاد منظوراً إليها أخلاقياً، بحيث تستطيع مواكبة الحاجات المتزايدة في العالم المعاصر، وهذه الأبعاد كما وردت في تقرير أصدرته «الهيئة المستقلة الخاصة بالقضايا الإنسانية» وتحت عنوان «هل تكسب الإنسانية معركتها؟» كتب مقدمته الأمير الحسن بن طلال وصدر الدين آغاخان (مقررا اللجنة) 1987، وهذه الأبعاد هي: البعد الأفقي يشمل أوسع قدر من البلدان والشعوب والأفراد، والبعد العمودي يتناول توسيع الجوانب الأخلاقية للتضامن الإنساني، والبعد الزمني يختص في الأجيال القادمة.

وإذا كان قد مضى ثلاثة عقود ونيّف على إصدار تلك الدعوة ذات الشحنة الإنسانية العالية، فإن الدعوة اليوم لميثاق يضمن «أخلاقيات التضامن الإنساني» تصبح أكثر إلحاحاً وراهنية، ولا شك فهي تحتاج إلى توفر إرادة سياسية ضرورية على مستوى كل بلد أو على المستوى الدولي، وهذا يتطلب إصلاح أنظمة الحكم ومؤسساته وتأكيد حكم القانون الذي هو انعكاس لقيم المجتمع ودرجة تطوره، وقد يسهم القانون في تطوير هذه القيم، لكنه لا ينبغي أن يكون منفصلاً عن الواقع، وحسب مونتسكيو، فالقانون ينبغي أن يسري على الجميع وهو «مثل الموت لا ينبغي أن يستثني أحداً».

وبالنسبة لمجتمعاتنا حين نقول إن سؤال أخلاقيات التضامن الإنساني هو سؤال أزمة فلأنها أزمة هويّة، وكان شكيب أرسلان قد سأل: لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدّم غيرهم؟ وسؤال الأزمة يتطلب: الاعتراف بها وتحديد مظاهرها ثم سبل معالجتها، والأمر له علاقة بالمعنى والدلالة، فما معنى الأخلاق وكيف تتأكّد من التحقّق والامتلاء وماذا تعني حالة الفداحة والتبدّد التي نعيشها؟ والمعنى والدلالة له علاقة بالجمال والسلام واللّاعنف والتسامح والمساواة والعدالة، وتلك هي أخلاقيات التضامن الإنساني.

وكان روسو أكد عدم فصل السياسة عن الأخلاق، ولو توقفنا عند حالة اليابان فسنرى أنها لا تتبع ديناً موحّداً، حيث لا جنة ولا نار ولا آخرة ولا ثواب، لكن المجتمع يقوم على تربية الناس على أخلاقيات التضامن، تلك التي تتجسّد بحكم القانون والمساءلة والعدالة والسلام، وهذا ما تفتقده مجتمعاتنا.

نحن نحتاج إلى رياضة نفسية طويلة الأمد وإلى مراجعة ونقد ذاتي لتصحيح البيئة الأخلاقية وترميم الجوانب المتصدّعة فيها. ولا يقتضي مواجهة عدم الأخلاق باللّا أخلاق، بل على العكس، فرذيلتان لا تنجبان فضيلة، وعنفان لا يجلبان سلاماً، وجريمتان لا تنتجان عدالة، والقيم المشتركة هي التي تسمو وتحقق مواطنة سليمة ومتكافئة تقوم على الحرية والمساواة والعدالة والشراكة.

 

عبد الحسين شعبان

 

رائد عبيسلا تحيط بالنفس وعوالمها مداركنا، أو افكارنا، أو تصوراتنا، أو تحليلنا، أو تفسيرنا، أوفلسفتنا، أوعلمنا، أوتجاربنا، بل وحتى ديننا؛ لان الدين عد النفس او الروح أحد أسرار الخلق الحي، وهذا ما جاء في القرآن ونهي عنه النبي، إذ قطع الجدال حول البحث الدائم عن أسرار لم يرد للبشر الوصول إليها ومعرفتها. فبقي كنها غامض مجهول مبهم لا نعرف مصدر هذا المزيج الروحي والنفسي الذي يتبلور داخل عوالم النفس وما تنتجه من سلوك وتفاعلات مع الجسم الحاوي لها.

السؤال الذي ممكن أن ننطلق منه هو من المسؤول عن إنتاج الأخلاق النفس ام العقل؟

هذا السؤال يدخلنا في نقاشات موسعة عن أمر نجهله، ولكن لا نجهل ما يصدر منهما ونقصد بذلك الأخلاق. فالأخلاق ممكن تشخيص سلبياتها من إيجابياتها وعليها نحكم على النفس أو العقل الذي يحمله الشخص.

لا يمكن لنا أن نرجح انتاج الفعل الأخلاقي بعامل أحادي البعد، بنسبه للنفس أو نسبه للعقل، بل كليهما مسؤولان عن إنتاج الأخلاق، كيف؟ بما أن هناك امر متفق عليه بين البشر وهو الوسطية اي لا إفراط ولا تفريط وهو مبدأ حاكم للسلوك الإنساني بسلبه وايجابه، وهو من يمنحنا القدرة على تشخيص الأخلاق ، متى ما تصدر من العقل أو النفس، أو عبر قناعة ضميرية محاكمة الى مراجعة النفس وحاجاتها، وما تطلبه على وفق مبدأ الوسطية، أو مراجعة حكم العقل، وما يقرره اتجاه بعض الأفعال اي لمحاولات دائمة ومستمرة، لتحقيق توازن وتنظيم بين متطلبات كل منهما. وهذا ما جاء في الحديث وحكم الأولياء وما نقله ابو الدرداء نقلا عن سلمان الفارسي للنبي قوله : " أن لجسمك عليك حق، ولنفسك عليك حق، ولأهلك عليك حق" وهو الحديث الذي باركه الرسول وصدقه عن سلمان.

فالنفس وتوصيفاتها القرآنية وتقسيماتها الفلسفية، والعقل وطاقته المعرفية والمنطقية والخيالية مسؤولان عن إنتاج الأخلاق بدون طرفي الشر. وكل انحياز أو ميل نحو الإفراط في القوى العقلية أو النفسية، يعد انحرافا عن مبدأ الوسطية. وعندها يقترب الإنسان من الحيوانية المستبطنة به وبداخله اذا لم يحكمها بهذه الوسطية.

فالنفس البشرية تربطها بعالمها، سواء كان الكون برمته، أو عالم الطبيعة فقط، أو عالم البشر، أو حتى عالمها الداخلي، علاقات معقدة ممكن أن تفسر تفسير ثلاثي، وينتج عنه تفرعات مختلفة ايضا، منها علاقة النفس بعلم البارسايكولوجي أو علاقتها بالعلم البايولوجي أو علاقاتها بعالم الفيزيولوجي، هذه العلوم والعوالم متحكمة بالنفس الى حد كبير وعميق ومؤثر تفكيراً وسلوكاً وانفعالاً، ينتج عن هذا المزيج أفكار غريبة، وسلوكيات جامحة، ومشاعر منحرفة، وقناعات مزيفة، وشذوذ وغيره، وكل ما يفعله البشر، ويتقبل فعله، أو كلامه إنما يعد من المتجاوزات لحكم العقل و موضوعيته أمام المشارك الإنساني للنفس. فالثوابت الأخلاقية تتذبذب احيانا على الرغم من الاتفاق البشري عليها، ولكن تبقى النفس الجانحة مستثمرة لكل خواص العلاقة مع تلك العلوم بشكل طبيعي وغير مباشر، وهذا ما يفسر تأكيد أهل العلم والمعرفة والحكمة على ضرورة تهذيب النفس وصقلها وتنظيم فعلها، خوفا عليها من جنوح عدائي يخالف الأنظمة الأخلاقية للبشر ، وحتى القانونية، والعرفية، والإنسانية، وما آ كلوا لحم البشر الا مثال على ذلك، أو حتى الشواذ من المجرمين الذين يصرون بلا ندم على فعلتهم وجريمتهم، أو رغبة أحدهم بالعبث الأخلاقي وذلك بتظاهره بطاقاته الجنسية أو العدوانية اتجاه الآخرين والمجتمع بشكل عام.

بعض هذه الطاقات السلبية للنفس البشرية مستبطنات لا يعلن عنها إلا في عالم منفتح آخر، كالانفتاح الذي يمنحه بعض الأشخاص لأنفسهم عند السفر أو رغبة الانحلال والكشف عن طبيعة النفس، والميل للخلاعة، أو إعلان الإباحية، وغيرها من الأمور التي ترتبط بسلوك الشواذ من البشر، والذي يفسر لنا حقائق مهمة عن مكنونات النفس وجنوحها الحيواني، والذي يظهر البعد العميق للحيوانية المستبطنة داخل البشر، وما مناصفة البشر بين حيوانيته وعقلانيته، الا دليل على الصراع الأزلي للتكوين الذي يتغلب أحدهما على الآخر بين مراحل مختلفة من حياة الفرد، منذ سن الطفولة وحتى الشيخوخة والهرم.

وهذه المراحل بحاجة إلى تقييم حقيقي، حتى لا يمتد الندم ويربط بينهما. وهذا ما ذكر في تصنيف القرآن للنفس، بالنفس اللوامة التي تراجع نفسها وتندم على فعلتها، أو النفس المطمئنة لقرارة أمرها بالسوية والاعتدال، والمقاومان كليهما للنفس الأمارة بالسوء والتي تسعى بهذا المرض الى احياء البعد الحيواني الجانح في النفس البشرية وبسلوكها.فكل قوى النفس عندما تضعف تنتهي إلى سطحية وسذاجة وعته وانحطاط كبير، والقوى العقلية كذلك عندما تبدد بعوامل الغريزة يصبح الإنسان حيوان يعمق بسلوكه المشترك الحيواني لا الإنساني.

 

الدكتور رائد عبيس

 

عقيل العبودعندما نقول في اللغة ورد، نقصد جاء، والوارد هو الداخل وتنطبق الكلمة في مدلولاتها اللغوية على الدخل الذي يضاف الى ميزانية المال، ومن سياق المعنى المتقدم، هنالك موارد متعددة  تخص الإقتصاد والسياسة والطب والإجتماع وجميع المفردات التي يحتاجها الإنسان لأداء مهماته  الحياتية على وجه أكمل بما فيها طريقة التعامل مع الجانب المعرفي.

أما لماذا تم اختيار كلمة مورد للبحث فهذا يعود الى حكمة مقتضاها الى ان العقل البشري يخضع في التعبير عن إنتمائه الإنساني الى أمرين، اومنطورين الأول المعنى الخارجي، والثاني الداخلي.  أي ان هنالك منظورين بهما تستوي حركة الأشياء والمسميات.

أما المنظور الأول فهو ان العقل يلتقط حركة الصور والموضوعات بناء على التفسير الحسي الذي يرتبط بلغته ومنظومته التي يعد التاريخ عاملا فيها، أي التجربة التي يخوضها الإنسان خلال مسيرته الزمنية- الحياتية، والمعرفة مفردة من مفردات هذه التجربة، وهذه المعرفة لها موارد، هذه الموارد عبارة عن مجالات، ومستويات، وتدرجات  وانتماءات   ولكل واحد منها مكنون، وكنه الشئ مكنوناته ومكوناته، ما يساعد في فهم وتفسير وتشخيص الحقائق الوجودية للموضوعات والقضايا، والغائبة ربما عن الحضور بالنسبة لعامة الجمهور، وهذا جميعا يرتبط بالمعنى الأول.

أما عن المعنى الثاني فهو ان العقل يفسر الأشياء بناء على حركة الظواهر ومدياتها ومسمياتها ومدلولاتها الخارجية بناء على تجارب الآخرين، فتفسير معنى الجمال للعارف والدارس، غير تفسيره لغير الدارس، بإعتبار ان تعريف الدارس للجمال يقوم على تجربتين الشخصية والخارجية.

 ذلك على أساس ان هنالك إضافات وتأثيرات خارجية تمنح مسميات الأشياء مضامين أخرى للعالِم بالشئ، بينما غير العالم يكون محدود في تفسيره العقلي لحركة المسميات، لذلك فهو بحاجة الى الإرتباط بتجارب الآخرين ومعلوماتهم أكثر من العالم.

والخلاصة هو ان جميع ما تقدم يدخل في اصل تزويد هذا العقل بالمعلومة الخاضعة اوالتابعة الى مورد معين، ومنه كلمة موارد resources.

والإعلام كمورد يسعى لتعبئة العقل الجمعي من خلال اختيار ما يخطط له من برامج، املا بتحقيق مصالحه السياسية والطبقية.

 ولهذا يتم استهداف العقول الواعية من خلال تصفيتها أوإبعادها، لكي لا تقف حائلا امام ألاعيب السياسة والسلطة التي تمارس لعبة التضليل.

 

عقيل العبود

 

احمد الكنانيمولانا جلال الدين الرومي يذعن بوحدة الوجود بالمعنى الصوفي، وبحسب التصور الخاص الذي رسمه في اول بيتين من المثنوي لكن من دون ذكرها بالفاظها، وهو سرَ بالغ الأهمية ينفرد به مولانا بأن يتحدث عن قضية شائكة تاهت بها الالباب وتشابكت حولها تصورات الفلاسفة والمتكلمين ببيتين اثنين يوجز فيها سر الوجود، وجودنا كبشر على هذه الأرض وأرتباطها بمنشئ الوجود، اذ لا اصطلاحات ولا رموز ولا غموض، لكن المعنى ظاهر بيَن في اننا موجودات آيات وتجليات لوجود الله ومتقومة به، جئنا من غابات القصب، قٌطعنا من جذورنا ونرجو يوما الوصال، فنحن منه وسنعود اليه .

بشنو این نی چون شکایت می‌کند

از جداییها حکایت می‌کند

کز نیستان تا مرا ببریده‌اند

در نفیرم مرد و زن نالیده‌اند

سینه خواهم شرحه شرحه از فراق

تا بگویم شرح درد اشتیاق

هر کسی کو دور ماند از اصل خویش

باز جوید روزگار وصل خویش

*

استمع للناي كيف يقص حكايته                                                                                        

فهو يشكو آلآم الفراق                                                                                                       

 

هكذا ترجمت اول ابيات المثنوي

فالناي يقص حكايته ويشتكي الم الفراق ...

وهذا يدعوني الى تسجيل مفارقة مهمة قبل الدخول الى عالم الوجود ووحدته كما يراها مولانا، وهي ان لغة هذا العارف الكبير وفهمها لا تتوقف على معرفة اللغة التي كتب بها شعره بل هي متوقفة على فهم عالمه هو، معرفة الفارسية لا تعني فهم شعر الرومي وانما معرفة شعر الرومي متوقفة على الولوج الى عالم الرومي نفسه  .

من هنا يحق لنا ترجمة هذا البيت وهي اول كلمات نطق بها مولانا في المثنوي :

استمع لهذا الناي (الذي هو مولانا ذاته)

فهو يشكو الم الفراق

بل هو يحكي حكايته ..

وهنا اضراب وترقي عن الشكاية الى الحكاية، لان عالم الرومي يأبى الشكاية، والرومي غير شاك مما يدور حوله ؛ اذ لا شيء يعنيه، نعم هو يحكي حكايته من اين جاء والى اين هو ذاهب ...

استمع الى الناي يشكو الم الفراق

بل هو يحكي حكايته ... ويقول :

اني مذ قطعت من منبت الغاب

وجموع الناس حولي يبكون لبكائي

انني انشد صدرا مزَقه الفراق

حتى اشرح له الم الاشتياق

فكل انسان اقام بعيدا عن اصله

يظل يبحث عن زمان الوصال

وقد اجاد الدكتور عبد الوهاب عزام في صياغة ابيات مولانا هذه بنظم عربي يحاكي النظم الفارسي:

استمع للناي غنَى وحكى   

                           شفّة الوجد وهدرا فشكى

مذ نأى الغاب وكان الوطنا 

                              ملأ الناس أنيني شجنا

أين صدر من فراق مُزّقا 

                           كي أبثّ الوجد فيه حُرّقا

من تشرده النوى من أصله

                      يبتغي الرجعى لمغنى وصله

كل نادٍ قد رآني نأدباً 

                           كل قوم تخذوني صاحبا

ظن كلٌّ أنني نعم السمير

                   ليس يدري أي سر في الضمير

إن سري في أنيني قد ظهر

                       غير أن الأذْن كلّت والبصر

إن صوت الناي نار لا هواء 

                        كل من لم يَصْلَها فهو هباء

هي نار العشق في الناي تثور

                 وهي نار العشق في الخمر تفور

فمولانا يشَبه نفسه بالناي حيث يشكو الم الفراق بل هو يحكي حكاية ...

حكاية مولانا هي مبدأ الوجود عندما كان في بستان القصب (نيستان) كان الوجود واحد و كل شيء واحد اذ لا زمان ولا مكان، هناك في عالم اللاصورة، ثم قطعنا من جذورنا فتفرقت تلك الوحدة وتكاثرنا في علم الصورة ...

عالم اللاصورة وعالم الصورة يصورها مولانا جلال الدين بهذا التصوير:

صورت از بي صورتي آمد برون

باز شد كه انا اليه راجعون ...

*

الصورة نابعة من اللاصورة

ثم هي راجعة اليه وانا اليه راجعون

هذا هو معنى وحدة الوجود بحسب عالم مولانا جلال الدين .

ببساطة متناهية وعذوبة في الالفاظ وسلاسة في المعنى يعكس مولانا مفهوم وحدة الوجود في المثنوي بما تقدم من اننا وجود واحد في عالم اللاصورة والتشخصات ثم قطعنا من جذورنا ونزلنا الى عالم الصورة والتكثر والتمايز عن بعضنا البعض، ثم هي تجليات لذاك الوجود وليست وجودات حقيقية لانها مفتقرة ومحتاجة اليه :

ما چو ناییم و نوا در ما ز تست

ما چو کوهیم و صدا در ما ز تست

ما چو شطرنجیم اندر برد و مات                                                    

برد و مات ما ز تست ای خوش صفات                                            

ما که باشیم ای تو ما را جان جان

تا که ما باشیم با تو درمیان

ما عدمهاییم و هستیهای ما

تو وجود مطلقی فانی‌نما

هستی ما جمله از ایجاد تست

لذت هستی نمودی نیست را

ما نبودیم و تقاضامان نبود

تو ز قرآن بازخوان تفسیر بیت

گفت ایزد ما رمیت اذ رمیت

گر بپرانیم تیر آن نه ز ماست

ما کمان و تیراندازش خداست...

 *

نحن كالعود وانت العازف

الانغام الحزينة انت ناسجها

ونحن كالناي لكن انغامنا منك

وكالجبل وصدى الصوت صوتك

وكقطع الشطرنج نمضي بين نصر وهزيمة

نصرنا وهزيمتنا منك يا طيَب الصفات

من نحن ليكون لنا وجود بجانبك

نحن موجودون وانت روح الروح

نحن العدم و وجودنا هو انت

الوجود المطلق وظهورنا فان

وجودنا بعض من ايجادك

الم تقرأ القرآن تفسير ذاك البيت

وما رميت اذ رميت

فنحن القوس والسهم سهمك

***

احمد الكناني

 

  

جميل عودةإن أعدادا كبيرة للغاية من الناس وأسرهم ومجتمعاتهم يعانون من عواقب تناول الخمور وتعاطيها والإدمان عليها. وقد حان الوقت لزيادة الجهود لوقف هذا التهديد الخطير في حياة الناس وصحتهم، وبذل المزيد من الجهد لخفض التكلفة الصحية والاجتماعية للاستخدام الضار للخمور.

 إن السٌكر هو كل ما يُسكر من خمر وشراب، ويقال: سكر فلان من الشراب؛ أي غاب عقله وإدراكه. وقد يُطلق على المسكرات اسم (الخمر) تارة، وقد يُطلق عليها اسم (الكحول) تارة أخرى، وقد يُطلق عليها اسم (المشروبات الروحية) تارة ثالثة. ومع اختلاف المصطلحات والمسميات في مكان عنها في مكان آخر، فهي سائل عديم اللون والمذاق، وينتج عن تخمير السكريات والنشويات.

 وفي الاصطلاح تطلق الأشربة على ما كان مسكراً من الشّراب، سواءٌ كان متّخذاً من الثّمار، كالعنب والرّطب والتّين، أو من الحبوب كالحنطة أو الشّعير، أو الحلويّات كالعسل. وسواءٌ كان مطبوخاً أو نيئاً. وسواءٌ كان معروفاً باسمٍ قديمٍ كالخمر، أو مستحدثٍ (كالعرق والشمبانيا... إلخ).

 تكمن خطورة الخمر في خطورة ما يحتويه من الكحول، حيث تختلف نسبته من نوع إلى أخر، فتبلغ نسبته في البيرة من (4-8%)، وفي النبيذ من (10-18%)، وفي الويسكي من (45-55%)، وينتج هذا الكحول من تخمير المواد التي تحتوي نسبة من السكريات مع الخميرة أو البكتريا. فمن تخمير حبوب الشعير نحصل على البيرة، ومن تخمير العنب أو التوت نحصل على النبيذ، ومن حبوب الذرة نحصل على الويسكي، ومن العسل الأسود نحصل على الروم، وعندما ينقع البلح في الماء لمدة أربعة أو خمسة أيام ويقطر نحصل على عراقي البلح. وشرب الخمر يؤذي الجسد، ويضلل البصيرة، ويعمي الشخص عن الحكم على الأشياء بطريقة صائبة.

 وتشير الدراسات الطبية أن للخمر أضرارا بالغة على جميع أجهزة الجسم البشري، فهو له تأثير على العين من حيث (ضمور العصب البصري، الغمش، الزغللة، ضعف الإبصار، شلل عضلات العين، وتجحظ العين)، وعلى الكبد من حيث (تضخم، تليف، والتهاب)، وعلى المعدة من حيث (غثيان، قيء، وعسر الهضم)، وعلى القلب من حيث (ضغط الدعم، تصلب الشرايين، الذبحة الصدرية، وجلطات القلب)، وعلى الدم من حيث (فقر الدم، وتجلط الدعم)، وعلى الجلد من حيث (حساسية جلدية)، وعلى الفم من حيث (التهاب في الغشاء المخاطي للفم والبلعوم، وإضعاف حاسة الذوق).

 وفي المراحل المتقدمة لاعتماد الشخص على الخمور والكحول؛ فانه يعاني من فقدان الشهية للطعام، وعدم القدرة على تناول طعام كاف، ورعشة، وانشغال مستمر بما لديه من زاد كحولي. كمــا وجــد أن الإفــراط في تنــاول الكحــول أو المشــروبات الكحوليــة يــؤدى إلــى الإصــابة بمرض السرطان، وتليف الكبد، وزيادة عـدد الحـوادث المروريـة، والتي بـدورها تسـاهم في زيـادة معدل الوفيات.

 والخمر أم الخبائث، ومنبع الرذائل، ومنشأ الشرور والجرائم، وسبب الكوارث والمصائب، وقد حرمها الله تعالى في كل شرائع الأنبياء من قبلنا، لأنها تذهب العقل الذي هو مناط التكليف، ويتميز به عن بقية الدواب والبهائم العجماء، والاعتداء على هذا العقل جريمة، وكفر بنعمة الله العظيمة، وقد لعن النبي صلى الله عليه واله وسلم كل ما يتعلق بالخمر من شربها وبيعها وشرائها وعصرها وحملها، وقد شملت اللعنة عشرة من الناس تربطهم بالخمر صلة من قريب أو بعيد.

 والآيات والروايات في ذلك كثيرة. ومن الآيات قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون،  إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ).

 وقال الإمام الصادق عليه السلام "إن الخمر رأس كل أثم" وعنه عليه السلام: إنَّ زنديقاً قال له: فلم حرّم الله الخمر ولا لذة أفضل منها؟ قال عليه السلام: "حرّمها لأنها أمُّ الخبائث، ورأس كلِّ شرّ، يأتي على شاربها ساعة يسلب لبّه، فلا يعرف ربّه، ولا يترك معصية إلا ركبها، ولا حرمة إلا انتهكها، ولا رحماً ماسّة إلا قطعها، ولا فاحشة إلا أتاها، والسكران زمامه بيد الشيطان، إن أمره أن يسجد للأوثان سجد، وينقاد حيثما قاده".

 ولشدّة حرمة شرب الخمر حرّم الإسلام تناول المسكر قليله وكثيره وخالصه وممزوجة، فلو سقطت قطرة من الشراب في ظرف مليء بسائل آخر، فإن تمام ذلك السائل سوف يحرم. فعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنَّ ما أسكر كثيره فقليله حرام، فقال له الرجل: فاكسره بالماء؟ فقال عليه السلام: لا وما للماء يحلُّ الحرام! اتقِ الله ولا تشريه.

 تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية في "تقرير الحالة العالمي عن الكحول والصحة لعام 2018" إن هناك حوالي (2.3) مليار شخص يشربون الكحول حاليًا، منهم (237) مليون رجل و(46) مليون امرأة على مستوى العالم يشربون الخمر بشكل مفرط أو على نحو ضار. وشرب الكحول أكثر شيوعا في أوروبا والأميركيتين، كما أن الاضطرابات الناتجة عن شرب الخمور أكثر انتشارا في الدول الأغنى. ومن بين كل الوفيات التي تسببت فيها الكحوليات، نتجت (28% ) عن إصابات مثل الحوادث المرورية وإيذاء النفس والعنف، و(21%) نتيجة اضطرابات هضمية، و(19% ) نتيجة أمراض القلب والأوعية الدموية، مثل الأزمات القلبية والجلطات. وفي أوروبا أكبر معدل استهلاك للكحول بالنسبة للفرد على مستوى العالم، على الرغم من انخفاضه بنسبة (10%) تقريبا منذ العام 2010. وذكر التقرير أن التوجهات الحالية تشير إلى زيادة عالمية في معدل استهلاك الفرد خلال السنوات العشر القادمة، لا سيما في جنوب شرق آسيا وغرب المحيط الهادي والأميركيتين.

 هناك العديد من العوامل والأسباب جعلت الإدمان على الكحول تمس جميع الفئات، سواء الكبار والصغار، على حد سواء. ومن بين الأسباب هي: وفرة الخمور وسهولة الحصول عليها؛ لاسيما في العديد من الدول الأوربية والغربية حيث ينتشر الخمر في أغلب الأسواق والمحال التجارية، ومن مؤسف حقا أن نجد الخمور أيضا في معظم البلدان الإسلامية؛ مع أن الإسلام يحرمها تحريما قاطعا. ذلك أن من الناس من يظن أن تعاطي الخمر خير من تعاطي المخدرات، ونسي هذا الأخير أن جرعة كبيرة من الكحول قد تسبب التسمم؛ ويؤدي إلى الهيجان أو الخمود، ولما يصل شاربها إلى مرتبة الإدمان المزمن فإنه يتعرض للتحلل الأخلاقي الكامل مع الجنون.

 ومن بين أسباب انتشار الخمور وتناولها هو: الاستثمارات الضخمة في صناعة الخمور؛ حيث إن العالم الغربي والعربي يستثمر في الخمور أموالا تُقدر بملايين الدولارات، إذ يعتمد الكثير من الناس في معيشتهم على الخمر، يستثمرون فيها ويسوقونها إلى مناطق مختلفة من بلداننا.

 ومن بين الأسباب أيضا هي: الدعاية للخمور؛ حيث إن الدعاية المغرضة هي التي أوقعت الملايين من البشر في شراك هذه السموم القاتلة. إنهم يقولون إنها مثال للرجولة بالنسبة للفتيان، وللأنوثة بالنسبة للإناث.

 وقد تكون من الأسباب الموجبة لانتشار ظاهرة تعاطي الخمور هي: الاضطرابات الشخصية التي تصيب العشرات من الشباب، حيث يلجأ الفاشلون والمحبطون واليائسون إلى تعاطي الخمر للتخلص من الواقع الذي يعيشونه، وكلما فاقوا ورجعوا إلى حالتهم الطبيعية تذكروا معاناتهم ومشكلاتهم فلا يجدون بدا من العيش بعيدا عن تلك الآلام، فيتناولون تلك الخمور ثانية، وهكذا حتى يدمنوا عليها، ويكون من الصعب تركها البتة. وقد تنعكس هذه الحياة البائسة على الأولاد أيضا، حيث لوحظ أن أولاد المدمنين غالبا ما يكونون هم كذلك كآبائهم.

 في الواقع، إن أعدادا كبيرة للغاية من الناس وأسرهم ومجتمعاتهم يعانون من عواقب تناول الخمور وتعاطيها والإدمان عليها. وقد حان الوقت لزيادة الجهود لوقف هذا التهديد الخطير في حياة الناس وصحتهم، وبوسع كل الدول بذل المزيد من الجهد لخفض التكلفة الصحية والاجتماعية للاستخدام الضار للكحول والخمور. وأصبح لزاما على الدول والشعوب والمجتمعات المحلية أن تضع سياسة عامة، للحد من مخاطر تناول الخمور والكحول، ويمكن أن تتضمن هذه السياسة المجالات الآتية:

1- مجال الوعي والإرادة المجتمعية والسياسية: لا يمكن الحد من تعاطي الخمور والمشروبات الكحولية في أي مجتمع أو القضاء عليها إلا من خلال توافر وعي مجتمعي وإرادة سياسية فاعلة، تملك القدرة اخذ القرار الشجاع، وعلى تشريع سياسات وطنية شاملة؛ ومتعددة القطاعات، وأن تقترن بخطة عمل محددة، وأن تستند إلى آليات فعالة ودائمة للتنفيذ والتقييم، ولا غنى عن الالتزام المناسب من المجتمعات المحلية والفعاليات الاقتصادية، لأنها العامل المؤثر في الترويج لها أو تعاطيها.

2- مجال توافر الخدمات الصحية: يقتضي هذا المجال أن تتصدى المؤسسات الصحية للضرر الذي يلحق بالأشخاص الذين يعانون بالفعل من اضطرابات تعزى إلى تعاطي الخمور والكحول أو من اعتلالات صحية أخرى. وينبغي أن توفر الخدمات الصحية تدخلات الوقاية والعلاج للأفراد وأسرهم ممن يتعرضون احتمالا أو فعلا للاضطرابات ناجمة عن تعاطي الخمور والكحول، وتزويد المجتمعات بالمعلومات عن العواقب الصحية العمومية والاجتماعية المترتبة على تعاطي الكحول.

3- مجال العمل المجتمعي: يتوقف الحد من تناول الخمور والكحول على البنية التحتية الثقافية والاقتصادية للمجتمعات المحلية، فمقدار ما تكون هناك رغبة عند أفراد المجتمع المحلي في تعاطي الخمور والكحول تزداد نسبة المعروض في السوق، والعكس صحيح أيضا. حيث يقل عرض الخمور وبيعها في الأسواق والمحال التجارية عندما يرفض أفراد المجتمع بيع وتناول الخمور، أو يقل عدد الراغبين في تعاطيها. ويمكن للحكومات وسائر أصحاب المصلحة دعم وتمكين المجتمعات المحلية، بحيث تستخدم معارفها المحلية وخبراتها في إتباع أساليب فعالة للوقاية والحد من تعاطي الخمور الكحول، وذلك من خلال تغيير السلوكيات الجماعية لا السلوكيات الفردية.

4- مجال توافر الكحول: إن توافر الكحول على نطاق واسع قد يكون سببا رئيسا من أسباب انتشار وتعاطي الخمور والكحول لا سيما على مستوى الشباب، وعليه؛ فان هذا المجال يقتضي وضع إستراتيجية وطنية، تتضمن قوانين وسياسات وبرامج للحد من المستوى العام لتعاطي الكحول. ليس على مستوى الأسواق النظامية وحسب، بل أيضا على مستوى الأسواق غير النظامية التي قد تكون السوق الأكثر ترويجا للخمور والكحول، أثناء التشدد على الأسواق النظامية. ففي بعض البلدان النامية والبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تشكل الأسواق غير النظامية المصدر الرئيس للكحول، بالإضافة إلى ذلك فان القيود التي تفرض على توافر الكحول وتكون صارمة أكثر من اللازم يمكن أن تشجع على نشوء سوق موازنة غير مشروعة.

5- مجال التسويق والدعاية: يقتضي هذا المجال الحد من التسوق والداعية للمشروبات الكحولية، ولا سيما على الصغار والمراهقين، فالكحول اليوم يجري تسويقها من خلال تقنيات إعلان وترويج متزايدة التعقيد بما في ذلك الربط بين العلامات التجارية للمنتجات الكحولية وبين الأنشطة الرياضية والثقافية والرعاية، وإقحام المنتجات، وكذلك من خلال تقنيات تسويق جديدة مثل رسائل البريد الإلكتروني، والرسائل القصيرة للهاتف المحمول، والرسائل الصوتية الرقمية، ووسائل الإعلام الاجتماعية، ووسائل تقنيات التواصل.

6- مجال سياسات التسعير: ويقتضي هذا المجال رفع أسعار المشروبات الكحولية إلى حد يشعر مستهلكوها ومتعاطوها أنها تؤثر بشكل سلبي على مدخلاتهم اليومية، حيث إن المستهلكين للخمور والكحول بما فهيم الذين يسرفون في الشراب والشباب حساسون للتغيرات التي تطرأ على أسعار المشروبات. إذ تعد زيادة أسعار المشروبات الكحولية من أفعال التدخلات الرامية إلى الحد من تعاطي الكحول. ومن المهم إنشاء نظام لفرض ضرائب محلية خاصة على الكحول والخمور، وليقترن مع نظام فعال للإنقاذ قد يأخذ بعين الاعتبار حسب الاقتضاء محتوى المشروب من الكحول.

7- مجال التدابير المضادة للقيادة تحت تأثير الكحول: يقتضي هذا المجال اللجوء إلى تدابير محكمة تستهدف الحد من احتمال إقدام أي شخص على القيادة؛ وهو تحت تأثير الخمور والكحول، وتدابير توفر بيئة أكثر أمانا للقيادة، وتحد من احتمال وشدة الضرر المرتبط بحوادث التصادم والارتطام التي يتسبب فيها الأشخاص؛ وهم تحت تأثير الكحول.

8- مجال الرصد والترصد: حيث تشكيل البيانات المستمدة من أنشطة الرصد والترصد الأساس اللازم لنجاح خيارات السياسة العامة للحد من تناول الخمور والكحول وتنفيذها على نحو ملائم. ومن الضروري الاضطلاع بأنشطة مختلفة تضمن المزيد من الرصد لهذه الظاهرة وذلك من خلال إجراء مسوح وطنية دورية بشأن استهلاك الخمور والكحول، والضرر الناجم عن تعاطيها، ووضع خطة لتبادل المعلومات وتعميمها.

 

جميل عودة

 

رائد عبيسإشكالية توارث الجهل الاجتماعي والسياسي

عندما لا يعي المجتمع متطلباته الحياتية، على وفق رؤية مستقبلية لا يمكن له أن يحقق نهضة على المدى البعيد في كل المجالات والقطاعات. وبما أن النهضة تحتاج رؤى وافكار ونظريات وأسس معرفية، فهذا ما يتعارض مع تراكمات الجهل الاجتماعي الذي يتطلب تعريف بمشروع النهضة بطريقة سطحية ربما تجعله لا يفهمها بشكل صحيح او يفهمها بسطحيتها. وهذا ما يخلق تعارض مع الطبقة المثقفة من جهة والشعبية من جهة أخرى.

لا يمكن مقاربة أجيال الشعوب العربية والإسلامية أبان حديث النهضة في القرن السابق وما قبله، مع أجيال القرن الواحد والعشرين الذي شهد انفتاح غير مسبوق في عالم التطور التواصلي بين أجيال وبيئات مختلفة عبر شبكة الإنترنت والتطبيقات التواصلية.

فكرة نظرية الاستجابة العمياء تستند إلى عدة محاور منها: المحور الثقافي، والمحور السياسي، والمحور الاجتماعي.

نتحدث بالمحور الأول عن إشكالية الصراع مع الجهل. وكثير ما نعاني من هذا الصراع بصراع شكل يومي بين شرائح متنوعة في المجتمع، إما بسبب الجهل الثقافي التطلعي، أو بسبب الدوغمائيات المتوارثة، أو بسبب الدين التقليدي، أو بسبب الاحتكام للتاريخ،  أو بسبب العامل الاجتماعي وتقاليده.

ما دور الثقافة في نظرية الاستجابة العمياء؟

نعتقد أن أثر الثقافة هنا ضعيف جدا وسبب ذلك أن هناك فطرية عالية عند المجتمع، ترجع هذه الفطرية الى الجهل، وانعدام التعليم، وتحصيل المعرفة وسذاجة متوارثة، بسبب الجهل البيئي الذي يتمثل عقل الفرد المتقوقع على تلك البيئة وفضاءها. وهذا ما زال يمثل شريحة كبيرة من المجتمع ابتداء من بيوت البدو والرحالة، ومن آخر بيت في قرية الى اول بيت، وصلا إلى السكن العشوائي المحاذي لمدينة مجاورة منظمة بتنظيم البلدية، وصولا إلى مركز المدن والمدن الكبرى التي تواجه هي الأخرى فوضى في بعض تفاصيلها. وهذا الأمر موجود في أغلب المجتمعات التي تنطبق عليها هذه النظرية، التي تتحدث عن استجابة عمياء لا تحمل بالضرورة فكر ودراية عن قيمة الحياة وتفاصيلها، فهي حياة ربما تخلو من السؤال، والتفكير، أو التكفير المتمركز، حول أسس تلك البيئة المنتجة له. بفكرة هذه النظرية تستند إلى أسس اجتماعية تكوينية كعلاقة الفرد بالمجتمع. وعلاقة الإنسان بالبيئة، وعلاقة الإنسان بالإنسان.

وهذه أسس لا يمكن تجاوزها أو الحياد عنها في اي نمط من التفكير.

أما المحور الثاني وهو المحور السياسي الذي يختص بالحديث عن علاقة الفرد بالأنظمة السياسية، وكيفية ايجادها، وخلفها، وتنظيمها، وتكوينها، وتطويرها أن كانت موجودة، فالفرد الذي يسعى إلى تنظيم سياسي يهدف إلى تطوير نمط العيش عبر مطامح سياسية تخصه والمجتمع الذي يريد أن يمثله بذلك الحزب يمثل عنده تطور نوعي، ولكن هناك اقتران يتم بشكل مباشر وغير مباشر بينه وبين طبيعة النظام المختلق أو المخلوق سلفاً ولكن انظم إليه فيما بعد. وهذا الاقتران هو الولاء أو الطاعة الذي ينتج فيما بعد استجابة عمياء غير واعية أو ناقدة بكونه جزء منه، وإن كان هناك نقد فهو تقويمي لأنه لا يريد أن يفرط به أو يريد أن يساهم بنجاحه أو تطويره. فالاستجابة العمياء موجودة في كل المجتمعات السياسية والا لو لم تكن هناك استجابة لما قامت الأحزاب والسياسات ولا حدث هناك تصفيق أو تجمهر مؤيد او اختفاء أو انتخاب لأي زعيم حزب أو عضو فيه، وفي العراق هذا الأمر  واضح جدا ويمثل مرحلة نضوج بين الفرد ومجتمعه السياسي! فأمثلة الطاعة والاستجابة العمياء سواء كانت فردية أو جماعية هي متحققة في علاقة الفرد أو الجماعة بالحزب الذي ينتمون له أو التيار أو الحركة وغيرها من التسميات حتى تشمل مبدأ التقليد الفقهي عند المراجع واتباعهم أو عند أصحاب الدين المسيحي وكنيستهم أو رجل دينهم وهذا ينسحب على كل المجتمعات وعلاقتها بسياستها أو بأفرادها.

أما المحور الثالث فيشمل قضية المحور الاجتماعي، وعلاقة الفرد لمجتمعه بطريقة التبعية الأسرية، أو العائلية، أو العشائرية، أو القبلية، أو الإمارة، وهذا التوصيف يحتم على المجتمع، أو الفرد في المجتمع أن يحدث استجابة متبادلة، سواء تحت اثر رجل العشيرة وزعيمها، أو تحت تأثير العشيرة على الفرد فيها، بحيث تخلق عنده حالة من الاستجابة العمياء بعنوان ما يسمى السانية العشائرية وتقاليدها. فضلا عن التقاليد الحاكمة باستجابته رغما عنه في مواضيع كثيرة، فالتمرد على أسس وقواعد هذه المحاور يعد خرقا اجتماعيا وسياسيا وحتى ثقافيا، اذا هناك حالة من التنابذ تستند إلى تلك الرؤية العامة في فضاء المجتمع المحكوم بهذه المحاور وتفاعلاتها فيما بينها واثرها السلبي والإيجابي فيها على الفرد والمجتمع وما ينتجانه من أنماط سياسية واجتماعية تلائم طبيعته وتكوينه.

 

الدكتور رائد عبيس

 

صالح الطائيوردت كلمة (جعل) في قوله تعالى من سورة الإسراء، الآية: 12: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا}، وهي وفق الإطار المعرفي العام، تأتي هنا للتأكيد على قدرة الله سبحانه وتعالى، وتنسب إليه جل وعلا أنه جعل الليل والنهار آيتين، للتدليل على عظمته، قال عنهما ابن كثير في الصفحة 188 من الجزء الخامس من تفسيره تفسير القرآن العظيم: "ثم إنه تعالى، جعل لليل آية، أي: علامة يعرف بها وهي الظلام، وظهور القمر فيه، وللنهار علامة، وهي النور وظهور الشمس النيرة فيه، وفاوت بين ضياء القمر وبرهان الشمس ليعرف هذا من هذا".

وذهب القرطبي في الصفحة 205 من الجزء العاشر من تفسيره الجامع لأحكام القرآن، أبعد من ذلك، فقال: "قوله تعالى: وجعلنا الليل والنهار آيتين أي علامتين على وحدانيتنا ووجودنا وكمال علمنا وقدرتنا. والآية فيهما  إقبال كل واحد منهما من حيث لا يعلم ، وإدباره إلى حيث لا يعلم. ونقصان أحدهما بزيادة الآخر وبالعكس آية أيضا . وكذلك ضوء النهار وظلمة الليل.

كذلك تتبعت تفسيرها في كثير من كتب التفسير مثل فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني، وتفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن لمحمد بن جرير الطبري، ومعالم التفسير للحسين بن مسعود البغوي، والتحرير والتنوير لمحمد الطاهر ابن عاشور، والتفسير الكبير المسمى البحر المحيط لأثير الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف الأندلسي، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن لمحمد الأمين بن محمد بن المختار الجنكي الشنقيطي، وعشرات التفاسير الأخرى، فوجدتها تتحدث بالحديث نفسه، ينقل أحدهم عن الآخر؛ دون أن يسأله عن مصدره، بما في ذلك حديثهم عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: "كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار (فمحونا آية الليل) السواد الذي في القمر".

كل ذاك الحديث مع احترامنا له، لم يورثنا خيرا إلا في حدود ضيقة جدا، وكان المفروض بالمسلمين المعاصرين أن يتخلوا عنه، أو يخففون تعلقهم وتمسكهم به، لأن العلوم الحديثة فتحت لهم آفاقا جديدة كانت مغلقة أمام الأقدمين بما يتيح لهم التقدم على الأقدمين، لتحقيق منافع عجز التفسير القديم عن تقديمها، والغريب أن لا أحد تطوع للقيام بهذا الفعل، والأنكى أن هناك من سخر معطيات الحضارة الحديثة ليزيد الأمور تعقيدا، وألا ما الغاية من قيام أحد أساتذة الجامعة (تخصص لغة عربية) من وضع كتاب في أصل المقصود بكلمة (جعل) في الآية المباركة، فيما إذا ما كان جعلا تكوينيا، باعتبار أن الجعل التكويني يدخل في باب العقائد، أم جعلا تشريعيا. ولم يورد ولو سطرا واحدا يتحدث فيه عن الجعل العلمي للأسف!. ويعني هذا أننا جعلنا أنفسنا في موقف ضيق حرج، كأننا نصعَّد في السماء، يوم تمسكنا بما تركه لنا الأقدمون، بالرغم من تأكدنا ويقيننا أننا نتقدم عليهم بكل شيء، بالعلوم والخبرات والثقافات والآلات والإمكانات والإعدادات؛ آلاف المرات.

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ولا تجعلنا ممن يكلون أمرهم لغيرهم، ليفكر بدلا عنهم، ويخطط لمسير حياتهم، ويتحكم بشؤون دنياهم وآخرتهم. واجعلنا اللهم من المجددين المتنورين لا من التقليديين الجامدين... آمين.

 

صالح الطائي

 

يقول ماينلاندر في كتابه «فلسفة الفداء»: «الآن، لدينا الحق لإعطاء الكائنات الاسم المعروف الذي ينوب دائمًا عما لم يدركه أقوى الخيالات وأكثرها جرأة، ولا القلوب الورعة، ولا حتى التفكير المجرد والعميق: الإله. لكن هذه الوحدة الأساسية أصبحت من الماضي. إنها من خلال تغيير كائناتها دمرت نفسها تمامًا. مات الإله، وموته كان حياة للعالم»

أذن هل تنشأ الأديان في الأمم حتى تبلغ أوجها.. ثم تحتضر معلنة عن نهاية غايتها، معقبة وراءها الصراع حول أرثها العقائدي.

 فبينما تبلغ موجة المعتقد اليانع ذروتها في منطقة، سنرى في ذات الوقت هذه الموجة تنحسر عن منطقة أخرى، حيث تتحول فيها الشعائر إلى واجب اجتماعي تحت تفكك الطقوس وغيابها تقريباً.

ثم تصل هذه الموجة إلى مرحلة الشيخوخة،و تموت المعتقدات تماماً وتوهن الطقوس، و تتبدل الشعائر من ملكية مقدسة إلى أرث اجتماعي.!!

وحتى نكون أكثر وضوحاً،سنضع المجتمعات الحالية في بؤرة الرؤية وهي:

- مجتمعات بدائية وتتمثل في المجتمعات الإفريقية والأسيوية

- مجتمعات مقبلة على الحداثة تقابلها منطقة الشرق الأوسط.

ومن ثم المجتمعات الحديثة وهي المجتمعات الصناعية متمثلة في كلّا من المجتمعات الأوربية والأمريكية وجزء من آسيا.

فنرى أن الدين يبلغ أوجه في المناطق البدائية،  حيث تمارس فيها الأوجه العقائدية طقوسها وشعائرها بكل عنفوان، بينما نرى في الأطراف المتوسطة بوادر على كهولة المعتقد وغياب الشعيرة تقريبا.

بينما في المجتمعات الحديثة سنلاحظ غياب شبه كلي للمعتقد تقريبا.

وقد بات الصراع العائم بين الموت والخلود صراع متجدد لا تتوقف عنده الاختلافات الاعتقادية فحسب بل صارت إلى فرضيات علمية توضح وتفسر الأسباب تحت غياب الفرضيات الحسية وسيادة النظرية الوضعية.

عالم الاجتماع الفرنسي أوغست كونت وضع قانون فسر فيه الأطوار العقلية عند الإنسان موضحاً : إن  التفكير الإنساني قد مر بثلاثة أطوار.

1- الطور اللاهوتي (بداية تفكير الإنسان.. حيث فسر الظواهر من حوله إلى أسباب خارقة على الطبيعة..حيث سعى الإنسان في هذا الطور إلى معرفة الطبيعة الباطنة للموجودات والعلل الأولى والنهائية لكل مايلفت انتباهه).

2- الطور الميتافيزيقي (ويرى كونت أن هذا الطور مجرد تعديل على الطور الأول, أنما يستبدل الإنسان هنا العوامل الخارقة على الطبيعة بقوى يتصور أنها قادرة على إحداث الظواهر المشاهدة)

3- الطور الوضعي (حيث يكتفي الإنسان بالمعرفة النسبية ويستطيع تفسير الظواهر وعلاقاتها وينبذ الميتافيزيقيا.. حيث يبلغ العقل كما فسر كونت سن النضج فتحل الملاحظة مكان الخيال ويأخذ القانون مكان العلة ويتحول موضوع العلم من -كيف؟- إلى _لماذا-؟.

وهنا يسّقط كونت قانونه على مراحل التطور العقلي عند الإنسان.. فعندما كان الإنسان وليد الفكر يجهل الظاهرة الطبيعية التي تحدث من حوله غير مدرك سبب غياب الشمس وكسوفها.. سقوط المطر والجفاف.. الفيضانات والبراكين.. البرق والرياح.

خرج للبحث عن الأسباب وعندما فشل في هذه المرحلة توجه للخيال فتخيل وجود قوى غيبية هي علة ما يحدث من حوله من غرائب.. وهنا أوجد العفاريت والآلهة والأشباح.

حيث ولد المعتقد في هذا الطور نتيجة عدم استيعاب العقل علة الأشياء من حوله. 

ومع مرور التطور العقلي عند الإنسان.. صار العقل يفسر الظواهر على علل ذاتية ويصورها له الوهم إنها باطنة في الأشياء وهي أول خطوات ولادة الإديان عند الإنسان وتحويطها بالشرائع والطقوس. لكن سرعان ما بلغ العقل البشري رشده.. فعرف كيف يفسر الظاهرة من حوله وفهم الترابط الطبيعي وخطط للمستقبل من خلال الوضعية العلمية. 

ومن هنا وجد الجواب للأسئلة التي صارعت عقله.. واتخذ العلم المفسر الأول لكل الظواهر وبالتالي أصبح الدين تركة تاريخية ساهمت سابقا في استقراره النفسي وسعيه الدائم للبحث عن ماهية الأشياء.

وينفرد المدون خلدون الشلق برؤية علمية إضافية وضحها في محاضرة تحت عنوان (مراحل تطور العقل البشري) أن الأنسان البدائي قد سخر الطبيعة لخدمته وفسر المادة تفسير خارق.. حيث كان يعتقد أن الحجر يحمل قوى خاصة وخفية.. وأن تقليد الظاهرة يجذبها مثل الرقص لها أو التمثل لها..

ثم ما لبث أن استخدم أسلوب السحر للسيطرة على الظواهر مثل الفيضانات والزلازل.. ولأنه لا يملك المواد والتفسير والقوة العقلية المقترنة بالخبرة وهي أول مراحل التفكير عنده.

ثم ما لبثت الأديان أن انبثقت لتجيب عن هذه الظواهر وتفسرها وتتنبأ بمستقبلها وهنا نجم الصراع القوي بين الأديان والسحر.

وبعد أن توصل العقل إلى مرحلة النضج.. أصبح العلم بمثابة برمجة لعقله وأصبح قادرا على فحص دماغه من مبدأ الصواب أو العكس.. وهذا النوع من التفكير أعطى الإنسان قدرة التحكم بالعالم.

حيث تخلص الآن تماما مما يعاكس الفرضيات والعلم وفكر بطريقة حرة ناهضة على الملاحظة والتجربة.

بينما يفسر المنظور الديني العام سبب غياب الدين واحتضاره.. راجع إلى العولمة التي حاصرت المجتمعات الدينية باسطة كل مغريات الحضارة مما جعل الأمم تصرف النظر عن الأديان وحاجتها إليها مكتفية بالمثيرات الدنيوية.

وقد عول البعض الآخر على الدسائس والمؤامرات من الأنظمة التي تعارض الأديان مصالحها الخاصة فعملت على تفكيكها بكل الطرق المتاحة.. من إعلام واقتصاد وسياسة.

ويرى الباحث والكاتب العراقي والمرجع الديني كمال الحيدري: أن من أهم العوامل وأهم المجالات و الأرضيات التي تحث على النفور من الدين؛ القراءة المنسجمة مع ظروف معينة تحاول المؤسسة الدينية أن تفرضها على ظروف أخرى لا تنسجم معها: وعندما ينظر الفرد إلى واقعة الاجتماعي والحياتي يريد أن يتسق مع هذه القراءة الدينية بمكوناتها يجد أنها غير منسجمة.. فأما أن يستقيل من الحياة وإما يستقيل من الدين، فاذا رأى الفرد أنه لا يستطيع أن يستقيل من علاقته وحياته.. يستقيل من الدين.

فالقراءة التي تحاول المؤسسة فرضها  قد تكون مفيدة لعصراً وظرفاً لكنها لا تتسق مع زمان وظرف مختلفين تجاوزاها بمراحل.

ولأن المؤسسة الدينية قائمة على ثالوث المقدس والمال و الأعلام.. تحمل في يدها سلطة الإقصاء لكل من تجاوز قراءتها.. وهذه العوامل السلطوية أدت إلى ظاهرة موت الإله عند الغرب كما قال نيتشة.

 

كما شدد على أن غياب الدين من الساحة العربية هو إعطاء الخرافة الصبغة الدينية.. وتلبيسها لباس المقدس حتى يحترمها العقل ولا يقترب منها وربما يضحي حتى من أجلها..وهذه الخرافات التي طالت الشعائر الدينية في الوطن العربي ماهي إلا مجموعة من الأساطير لا تحمل أي أدلة عقلية أو شرعية .. إنما تعمل على النفور من الدين.

و قد استبدلت هذه الشعائر صورة الأصل في الدين بصورة الأسطورة والخرافة.. حيث عمدت هذه الأعمال التي تقوم بأسم أقدس الأشياء في الدين والمذاهب إلى تشويه صورة المقدس ومكوناته وأخدت بيدها العالم العربي إلى باب الخروج والنفور من الدين.

في النهاية هنالك مبادئ وقيم مشتركة بين الإنسان الواحد تتمثل في الفضيلة واحترام الفكر المختلف والتصدي لأي عوامل تطمح في حبس المجتمعات الإنسانية في دوامة الصراعات والشرور، فالعقل الإنساني بعد تخليه عن الدين أو محاولته معالجة الأمراض التي طالت معتقداته.. بأماكنه الآن أن يتوصل إلى غايته في الحياة وتصديق الخيار الأمثل بين النظريات العلمية العقلية وبين الدين.

وقد طور الإنسان المفهوم والتفسير للظواهر من خلال عدة عوامل تجاوزت البعد الجنيني عند الإنسان الأول.. فهذه العلوم في كفة وهذه الأديان سوى كانت بدائية أو متطورة، وضعية أو سماوية في كفة. 

تضع حداً لهذه المجادلة بين موت الدين وبين خلوده.

 

زهراء منصور - البحرين

 

 

نبيل عودة- الساحة الفكرية العربية مليئة بمثقفين متنورين. للأسف لا يشكلون التيار السائد ولكنهم يمثلون ضمير شعوبهم الثقافي والحضاري.

- معركة المثقفين العرب الليبراليين هي معركة تزداد تعقيدا وصعوبة، لذا ليس بالصدفة ان معظمهم ينتجون وينشطون من خارج أوطانهم.

- الارتباك التاريخي يقود الى ارتباك عقلي أيضا، تنتج عنه خزعبلات يروجها ليس بسطاء الناس، بل حملة شهادات عليا.

- لا أدعو لقطع الصلة مع الماضي .. لكن لا يمكن البقاء بأسر فكر ثابت لا يتغير، أشعر ان العالم ينطلق بسرعة الصوت ونحن تائهين في صحراء بلا حدود... نسير بلا اتجاه.

- الحداثة هي الحرية أولا والتنوير ثانيا، لا حداثة بلا حرية وبلا تنوير. للأسف عصر التنوير العربي تعثر. اليوم يسود الفكر الماضوي حتى في أوساط بعض المثقفين العرب.

- المسيحيون العرب لعبوا دورا هاما في ارساء الفكر القومي العربي لأن الانتماء القومي هو الرابط الأهم مع سائر ابناء شعبهم.. هو ما يوحد مجتمعاتهم من اجل مستقبلها.

- غياب فلسفة عربية ضمن التيار الفلسفي العالمي يجعل من النقد العربي بمفهومه الاجتماعي والثقافي، اجتهادات بلا برمجة.

- كيف يمكن التمييز في استعمال نفس الكلمة احيانا لكن بإطار مختلف يقود الى معنى مختلف؟ هل طريقة لفظ الكلمة تغير القصد منها؟ والأهم ما هو دور الدقة في صيغة التعبير للتواصل مع الآخرين؟ هل يمكن فصل العلاقة بين القدرات التعبيرية والقدرات الفكرية؟ أو بين المفردات السائدة وبين مستوى الفكر والوعي؟.. رؤيتي ان لكل انسان يجب ان نختار اسلوب خطابي مختلف وتعابير لغوية مختلفة.

- الحقيقة لا يمكن إلا ان تكون حقيقة، الكذب لا يمكن إلا ان يكون كذبا ولا توجد هنا إمكانية ثالثة، لنقل مثلا ان ملك تونس اقرع. هذا غير صحيح لأنه لا يوجد ملك لتونس. الفلسفة تسمي هذه التعابير عديمة الجدوى.. أو “ينقصها الفهم”.

- اعتبر الفيلسوف الإنساني نوعم تشومسكي، ان دراسة اللغة ترتبط بدراسة الفكر البشري وان اللغة تفرض على الإنسان طريقة التفكير، وأضيف ان الانسان الذي يعتمد فقط على ما ينقل له وما يلقن به، يفقد جوهره الإنساني لأنه يتحول الى ببغاء ناطقة.

- فاقدي القدرة على جعل التفكير قاعدة للفرز بين ما هو معقول وما هو غير معقول، بين ما هو حقيقة وما هو وهم، يفتقرون للقدرة على استعمال اللغة بكل ما فيها من ثراء في التعابير، لدرجة ان مفرداتهم اللغوية تعاني من الشحة والبدائية في التعبير عن ذاتهم أولا وعن عالمهم ثانيا.

- هناك علاقة عضوية بين النقد والايديولوجيا، وأعني بالايديولوجيا ليس فقط المنظومة الفكرية، انما القدرة على الربط بين الثقافة والمجتمع، بين الثقافة والانسان. وهذا هو الغائب الكبير عن الممارسات النقدية.. وعن فكرنا وثقافتنا عامة!!

- الثقافة، ابداعا او نقدا، يجب ان تكون فعلاً اجتماعياً وعملاً لإثراء الوعي الثقافي والفكري للإنسان. والنقد هو أحد الأدوات الهامة في هذا الفعل.

- الثقافة لها مدلولات ابعد كثيرا من مجرد الابداع الأدبي، الأدب هو الجانب الروحي للثقافة، والثقافة بمفهومها التاريخي تشمل الابداع المادي ايضا، أي انجازات الانسان العمرانية في الاقتصاد والمجتمع والسياسة، وهذا يحمل الناقد على الأخص، وكل المبدعين في مجال الثقافة الروحية، مسؤولية كبيرة ان لا يغرقوا في المبالغات المرعبة في بعدها عن الواقع، تماما كما في العمليات الاقتصادية والاجتماعية.

- يؤلمني حتى النخاع التضليل الأدبي الذي يقوم به بعض مثقفينا، تحت نصوص تسمى بالنقد، يغيب عنها النقد، وتغيب عنها الذائقة الأدبية البديهية، وأكثر ما يغيب عنها المصداقية والاستقامة الادبية، وهذه الظاهرة تتسع باضطراد في الثقافة العربية داخل اسرائيل، ويساعد على ترويجها في الفترة الأخيرة بعض الأدباء العرب في مقدماتهم التي تفيض بالمدائح غير المعقولة.

- لا اريد ان يتوهّم القارئ أنى استاذ في النقد الادبي، انا قارئ متذوق للأدب، وحسب مارون عبود، الذائقة الأدبية هي أفضل معيار نقدي، وعلى اساسها مارس أعظم النقاد العرب (مارون عبود) عمله النقدي الثقافي الابداعي الخالد، ونفس الظاهرة نجدها لدى الناقد الكبير محمد مندور.

- هناك نقادٌ يحاولون تطبيق نظريات نقدية غربية على إنتاجنا الأدبي. لاحظت ذلك وامتنعت عن الكتابة عنهم مباشرة، وكنت متأكدا ان الناقد يكتب دون ان يثير النص لدية أي حاسة جمالية. هل هم حقا واعون إلى الفجوة بين مفاهيمنا الثقافية وتلك النظريات...؟

- حين نُغيّب العقل نُغيّب الفطنة، ونستبدلها بكليشيهات جاهزة، ملّها المتلقي (القارئ) وبالطبع في هذه الحالة يصبح الادعاء ان واقعنا الثقافي يشهد نهضة ثقافية وانتشارا واسعا للثقافة، نوعاً من السخرية السوداء.

- كيف يمكن التمييز في استعمال نفس الكلمة احيانا لكن بإطار مختلف يقود الى معنى مختلف؟ هل طريقة لفظ الكلمة تغير القصد منها؟ والأهم ما هو دور الدقة في صيغة التعبير للتواصل مع الآخرين؟ هل يمكن فصل العلاقة بين القدرات التعبيرية والقدرات الفكرية؟ أو بين المفردات السائدة وبين مستوى الفكر والوعي؟ رؤيتي ان لكل انسان يجب ان نختار اسلوب خطابي مختلف وتعابير لغوية مختلفة.

- الثقافة بكل أشكالها الروحية (أي الإبداع الأدبي) والمادية (أي الإنتاج الصناعي والتقنيات والعلوم) كانت دائماً معياراً صحيحاً لتطور المجتمعات البشرية، ومازال المؤرخون يعتمدون الثقافات القديمة، كأداة لفهم طبيعة تلك المجتمعات ومدى رقيّها وتطورها.

- كانت رؤيتي وما زالت ان النقد يشبه الإبداع ويحركه ليس فقط رد الفعل السلبي أو الايجابي من قراءة النص، إنما الرؤية الثقافية الشاملة والمتكاملة التي تتفجر تلقائيا وتتناول العلاقة الشرطية بين الإبداع بكل صياغته وجماليته والواقع الإنساني، وما عدا ذلك كل ما يكتب يقع في باب الإنشاء البسيط.

- نقدنا لا يتعامل مع حركتنا الثقافية بتعدد وجوهها الإبداعية، إنما بانتقائيـة لا تعبـر إلا بشكـل جزئـي عـن ثقافتنـا

- عشت بفكرة ان الصحافة هي منصة للفكر. بعد ان تعرفت على صحيفة "يسرائيل هيوم" التي تمجد نتنياهو بدون حدود عقلانية، صرت ارى ببعض الصحف حفارة قبور للفكر والمصداقية. يلقون خطابات انسانية ويتحدثون عن العدالة والمساواة وحقوق الانسان والتغيير والتقدم. في داخلهم لا شيء ايجابي ولا شيء يخص رفع مكانة الانسان، مجرد تجار كلمات !!

- التفكير هو ميزة للإنسان الحر. عندما ارى شعبا لا يفكر فهو ليس حرا. عندما يبدأ العرب بالتفكير ستفتح لهم ابواب الحرية.. ولا افهم كيف سيدخل عديمي التفكير الى الجنة!!

- سنبقى عربا .. الشعوب العربية مشكلتها انها لا تحكم مصائرها، بل يحكمها تجار سياسة وتجار دين.. والويل من هذا اللقاء بين الدين والسياسة!!

- من المستحيل انجاز التقدم دون انجاز الرابط القومي. ما يفتقده العرب هو الرابط القومي، لتطوير الرابط القومي لا بد من نهضة اقتصادية، اجتماعية، تعليمية وتحرير العقل من التلقين !!

- لو لم يوجد يهود لخلقتهم اللاسامية.. لأن اللاسامية أحسن خدمة لموبقات الاحتلال الاسرائيلي وساسة اسرائيل.

- نحن أحوج ما نكون الى عصر نهضوي فكري وعلمي ..الى رينيسانس عربي.

- تهافت الكثير من المفكرين الى حضيض فكري متزمت ومنغلق، هو لوحة سوداء لحالة تسود ثقافتنا العربية وتشل تقدم مجتمعاتنا العربي.

- التاريخ العربي يحتاج الى اعادة صياغة عقلانية وعلمية، حتى نخرج من الماضوية التي شلت عقولنا وتفكيرنا بأوهام لا جذور لها.

- التصنيف الديني أصبح هو التصنيف السائد ثقافيا وفكريا وسياسيا، بذلك نبتعد عن التنوير .. نبتعد عن كل ما هو انساني !!

- أبرز ما تعلمناه من التاريخ ان الصراع من اجل الحرية يندمج تماما بالصراع لإسقاط السلطة، المشكلة ان كل سلطة اخرى تكرر نفس الخطأ.

- من يستطيع أن يقول لا في الوقت المناسب هو الانسان المفكر.

- إذا اردت ان تعيش حياة سعيدة، اذن اربطها بأهداف .. ولا تربطها بأشخاص او تنظيمات.

- سألني زميل، كيف تنجح بكتابة الأدب الساخر؟ أجبت: حيث يوجد تناقض (صراع اضداد) يوجد دائما المضحك، المهم كيف نكشفه ونقدمه.

- قيمتنا كمثقفين بجعل الثقافة قوة نشطة تؤثر على مسار واقعنا .. للأسف الترويج لبعض المثقفين كما في اسواق الخضرة، هي حالة مرضية مدمرة!

- المثقف الذي يؤمن لكل ما يقال ولكل ما يقرأ .. دون جهد لفهم المضمون وطرح رؤيته وتفاعله الثقافي ..هو انسان محدود الأفق... والعقل!!

- في السياسة، كما في الادب والثقافة .. هناك من وضعوا أنفسهم قيمين على تفكيرنا وابداعنا .. لأن جهازا حزبيا تبناهم .. لكنهم أشبه بالذباب.

- البعض يظن أن الأسطورة أكثر حقيقية من التاريخ أولئك اشبه بقارب تتقاذفه الأمواج.

- أخطر ما يواجه العقل البشري قبول حقائق بدون تفكير بوهم انها ثوابت.

- لاحظت ان قراءة المقال الفكري تواجه معاضل كثيرة. الملل من السرد، عدم فهم المقروء ضمن السرد، والخمول الفكري السائد لدى اوساط واسعة. لعل في هذه الشذرات التي تلخص مسارات فكرية واسعة، ان تلقى لدي القارئ دافعا للقراءة والتفكير.

- أخطر ما يواجه العقل البشري، والوعي الشخصي، قبول الأشياء كمسلمات لا تناقش !!

- تطرح البوذية رؤية تقول ان السعادة ليست سلبية، لكن السلبي هو الانسان الذي لا يحس بها.

- أسس البوذية الأمير الهندي سيدهارتها غوتاما ولقبه بوذا اي المتنور، نجحت بسبب المساواة الدينية الروحية ومكافحتها تفرقة الناس الطائفية.

- ستة الاف سنة مرت على اول دين سماوي (اليهودية) الذي يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، الا ان البوذية ظلت أكبر الديانات انتشارا على وجه الأرض.

- شل العقل، خاصة للأطفال، بتلقين وترويج القصص الخرافية، وأنصاف الحقائق، والحكايات غير العلمية، جريمة ضد البشرية بتشويه تفكير الأطفال ومستقبلهم كأبناء حضارة انسانية حدودها تتجاوز السماء.

- تقدم المجتمع لا يتعلق بشعوب عبقرية وشعوب غبية، انما بتخطيط تربوي وتعليمي، وتبني المجتمع للعلوم كقاعدة للتقدم في جميع المجالات.

- مقياس الانتاج الدولي يتراوح بالمتوسط بين 50– 150 دولار انتاج في الساعة وأحيانا في الصناعات التكنلوجية المتقدمة أكثر من 300 دولار انتاج في الساعة، اذن تخيلوا الخسائر الرهيبة للمجتمع والانسان، بسبب الاستهتار بالوقت، واضاعة الوقت بطقوس خرافية.

- من يفقد ساعتان كل يوم من أجل طقوسه، هذا يعني ان مجتمعه يفقد 60 ساعة انتاج شهريا على الأقل.

- احسبوا ضياع 5 ساعات انتاج كل شهر لخمسة ملايين منتج؟ النتيجة مرعبة. ضياع 250 مليون ساعة انتاج شهريا. احسبوا ضاع ساعات الانتاج ل 100 مليون شخص؟ ستصلون لأرقام فلكية.

- لا يوجد قانون يقول ان البشرية اليوم ستبقى من جنس واحد متساو، الا في الشكل!!

- لا نملك الوقت بل هو يملكنا، إذا لم نندمج مع حركته الصاعدة، ستصير المسافة بيننا وبين الزمن أكثر اتساعا لدرجة يستحيل تجاوزها.

- كان الماضي جديدا في زمنه، واليوم لم يعد ينفع الا لمتاحف التاريخ... رفض الجديد هو وأد للعقل.

- من المستحيل اعادة الزمن الا بقصص الخيال العلمي، التمسك بالماضي هو تمسك بحلم، وعندما يفتح الحالم عينيه، سيرى انه خسر حاضره أيضا.

- الماضي زمن لا يمكن استعادته او تكراره بنفس الإطار مهما كان عظيما، وما تبقى منه لا قيمة له خارج مرحلته التاريخية.

- مجتمعا يعيش غارقا بماضيه، لا مستقبل له.

- الفرق بين مجتمع حضاري متقدم ومجتمع بدائي متخلف، يتعلق بشكل قاطع بفهم قيمة الوقت، وانه ليس ملكا خاصا يتصرف به البشر على أهوائهم.

- النظرة التقليدية للعالم، بما فيه الموروثات الخرافية، هي ضمن عرقلة نشوء مجتمع عربي علمي وفقر المجتمعات العربية هو انعكاس لها.

- واقع تخلف مجتمعاتنا يرتبط بإصرار قوى هناك شك بصلاحيتها العقلية، ترفض النظرة الغربية للعالم وتصر على نظرة مغلقة تحت غلاف من الأوهام ان يتكرر الماضي مرة أخرى، طبعا بدون جهد وبدون اعداد.

- وجود أي فكر فلسفي مشروط بتواصله مع الفلسفة الإنسانية المعاصرة، وتسهيل نشره واطلاع الحركة الفلسفية عليه والتفاعل بينهما.

- يثرثرون حول فلسفة عربية او اسلامية، شرط وجود فلسفة ما هو ان تكون ضمن تيار الفكر الفلسفي الإنساني وتتواصل معه. لا يوجد تقسيم لثني أو ديني في الفلسفة.

- التعددية الثقافية تمثل ارضا خصبة للتطور الفكري ولعقلنة العلاقات الإنسانية، بينما الانغلاق على صيغة "مقدسة" هي كارثة للعقل وللإنسان وللمجتمعات البشرية التي تقمع التعددية الثقافية.

- عملية انفصال الإنسان عن عالم الحيوان استغرقت مليون سنة على الأقل. كذلك الاف السنين استغرق تحول الانسان إلى كيفية جديدة تتميز بالوعي في جذورها، بإنشاء مجتمعات بشرية، العمل المشترك، الدفاع المشترك، تطوير الزراعة ونشوء اللغة.. الخ.. وصولا إلى الحضارات والحداثة التي نعيش تفاصيلها اليوم. هل توقف التطور؟ إطلاقا لا... كل يوم نواجه إبداعا جديدا.. فتحا جديدا ، وهذا يشكل إضافات كمية جديدة. لكن الإنسان يبقى من الناحية الكيفية نفسه كما كان قبل مليون سنة من حيث مبناه البيولوجي.. فقط وعيه وفكره يتغيران!

- "استيعاب ما هو كائن مهمة الفلسفة وما هو كائن هو العقل"-اقتباس من هيغل

- لا يوجد المضمون والشكل بمعزل للواحد عن الآخر، بينهما ترابط عضوي ويؤلفان وحدة متماسكة لا يمكن الفصل بينهما. اذن يمكن القول ان هناك ترابطا ديالكتيكيا بينهما.

- عرفت الحضارة الإغريقية القديمة عرق من الآلهة الأقوياء الجبابرة الذين (حسب الأساطير الإغريقية) حكموا الأرض خلال العصر الذهبي واشتهروا باسم آلهة التيتان (او الأطلس) وهم العرق السابق للآلهة

الأولمبية. السؤال بماذا يختلف الإله الحالي عنهم؟

- تنفي العقلانية المعرفة الحسية التجريبية التي تدعي امكانية الفهم عن طريق الاحساس الشخصي، الإدراك والتصور، اي القناعات الموروثة التي تصبح جزءا من عقل الانسان وتفكيره الخيالي(الميتافيزيائي). العقلانية تعتبر هذه الظاهر غير كاملة ولا تنطلق من أي معرفة يقينية. فقط العقل الفعال وليس المنفعل قادر على التوصل الى المعرفة الصحيحة الشاملة والضرورية.

- تبرز النزعة العقلانية في العلوم أكثر من أي مجال آخر. العلوم تعتمد على حقائق وليس على احاسيس وتخيلات. أكثر من ذلك يجري تطور العلوم بناء على نقدها ونقضها العلمي المعرفي. بينما التخيلات والأحاسيس لا يمكن ادراكها بأدوات علمية.. ولا علاقة لها بتطور المعرفة العلمية للإنسانية. ونقدها لا يعطي أي نتيجة لمن صيغت عقولهم واغلقت عن أي رؤية مناقضة لما نشأوا عليه.

- المتفائل هو إنسان مختلف بجوهره، ونقيض تماماً للمتشائم. يرى بكل خطوة تقدماً إلى الأمام. في كل يوم جديد مكسب كبير، الأمر الذي يجعله دائم الابتسام... سعيدا بما يحصل عليه.

- الأبستمولوجيا هي فرع لتيار فلسفي يبحث بمضمون ومجال المعرفة. مثلا ما هي المعرفة؟ كيف نحصل عليها؟ قيمتها لفهم موضوع معين؟ كذلك تشمل الأبستمولوجيا تحليل طبيعة المعرفة والعلاقة بين مفهومي الحقيقة والمعرفة.

- الفلسفتان التجريبية والعقلانية كانتا محاولتان لبناء المعرفة الإنسانية من الصفر. هذا النهج الراديكالي ميز فلسفة فترة التنوير الأوروبية (الرينيسانس)، العالم نيقولاوس كوبرنيكس باكتشافه ان الشمس هي مركز الكون وليس الأرض، وان الأرض تدور حول الشمس وحول محورها أحدث ثورة علمية من الأهم بتاريخ البشرية. ثورة كوبرنيكس شكلت جزءا هاما في أساس الثورة العلمية وفي مجالات ثقافية عديدة، وكانت إلى جانب عوامل أخرى، سببا لتهميش قوة الكنيسة. والأمر الهام والحاسم: هل اكتشاف كوبرنيكيس كان بسبب أحاسيسه أم نتيجة بحث وتحليل علمي مبني على معطيات علمية ومراقبة حركة الأجرام السماوية؟

- الفلسفة عرّفت الأباتيا، بأنها تعني فتور الشعور وتقود إلى نوع من الزهد في الحياة. فهل كانت الأباتيا هي الحالة التي أصابت الشعوب العربية مع حكامها حتى تواصل طغيانهم عشرات السنين؟ حتى ابن خلدون قال إن اختلاف نحل الناس في المعاش يقود إلى اختلاف أخلاقهم. فهل كان للإفقار واٌلإملاق صفة غالبة، فرضت أخلاق الخضوع والاستسلام للفساد والقمع والتخلف الاجتماعي والاقتصادي التي ميزت المجتمعات العربية؟ او ربما هي سياسة تنبع من ذكاء الحكام العرب وفهمهم العبقري لابن خلدون وفلسفته الاجتماعية؟!

- التفكير الذي يثبت على ما لقن به صاحبه، يصبح بلا روح ... فقط من يقدر على تطوير تفكيره وتغييره بما تضيفه المعرفة هو تفكير ينبض بالحياة وبالمتعة الروحية.

- احيانا من الصعب الوصول الى الحقيقة حول الكثير من وقائع كوننا.. البعض يجرب ثم ينطوي على قديمه... لكن فقط ذوي التفكير العميق لا يتراجعون .. وقد وصلوا الى تجربة الانفجار الكبير Big Bang الذي يختصر 13.7 مليار سنة في أقل من 5 دقائق.

- تطوير الوسائل للوصول الى الحقائق، وخلط الأهداف لدرجة اختلاطها هي من مميزات عصرنا. وهي مسالة تدفعنا لمعرفة هدف من يقف وراء ذلك، واهمية ادراكنا لمضمون الحقائق وأثرها على واقعنا!!

- الذي يخاف من الراي الآخر لا راي له!!

- التعليم بدون تفكير هو مقبرة للعقل... والعقل بدون تحرر من ميرات الماضي الخرافي هو عقل عاقر!!

- معرفة ما هو موجود في كوننا بالنسبة للبعض هو أحجية... فقط من تخلصوا من اساطير جداتهم يصبح الكون مرتعا خصبا لعقلهم المفكر والمبدع.

- الوجود الانساني هو أشبه بضوء عظيم من مليارات الشموع. تحييد العقل يجعل الانسان يكتفي بعشرة شموع

- الضمير الانساني يغيب حين يحتل الساحة المرتزقة .. وخاصة دجالي الدين.

- معرفة الأشياء الموجودة في الكون بعقل علمي منفتح تنقذ عقل الانسان من الشلل !!

- الأفكار الكبيرة تأتي من العقل المتحرر من الميراث المغلق.

- لا يزداد المال الا بالسرقة والنصب.. وأحسن تغطية إطلاق المواعظ الدينية والأخلاقية...!!

- مهزلة الايمان العظمى ان الانسان يؤمن بشيء لا يراه ولا يلمسه ولا يسمعه ولا يتذوقه ولا يشمه. لا افهم كيف يتحول الانسان الى أداة بلا عقل يفكر وبلا منطق يوجهه. بعض من حصلوا على اعلى شهادات علمية. يبقى الميراث الايماني اقوى من الفيزياء ومن البيولوجيا ومن الرياضيات ومن الكيمياء

- كل ما يؤمن به الكثيرون نقل إليهم بالوراثة كحقيقة مطلقة لا يجوز الشك بصحتها او محاولة تعليلها. فقط ذوي العقل الفعال قادرون على تحقيق انطلاقة تجعلهم شركاء في التنوير.

- عدم فهم الكون أنتج الكثير من الآلهة... وآخرهم جمع كل صفاتهم!!

- النرجسية مثل السرطان، لا علاج لها على الأغلب الا بالبتر.

- كيف يمكن قبول اقوال الانبياء انهم مرسلون ولا وثيقة تثبت ادعائهم الا استعدادهم للمعاناة حتى لا ينقضوا ما ادعوه؟

- لا تقلد عدوك بجرائمه، حتى لا تصبح عدو انسانيتك.

- العالم قائم على الواقع الثابت، اما الصدف فهي شيء لا وجود له في الواقع.. لكنها تنبهنا الى الواقع!!

- الأشياء في عالمنا لا تتغير... ربما يضاف اليها شيء جديد من دمج ما هو قائم... اما الانسان فهو الذي يتغير!!

- اكليل الغار للأدباء هو نسخة من اكليل الشوك الذي وضع على رأس المسيح !!

- اقصى درجات العدل .. لا شيء عادل فيها، اوسطها هو أعدلها!!

- التفكير الذي يثبت على ما لقن به صاحبه، يصبح بلا روح ... فقط من يقدر على تطوير تفكيره وتغييره بما تضيفه المعرفة هو تفكير ينبض بالحياة وبالمتعة الروحية.

- لم تنشأ الفلسفة لتضحك الناس، بل نشأت لتنشط العقل، تعمق الوعي، تزيد المعارف توسع الإدراك.

- الدور الرئيسي للفلسفة الحقيقية ومضمونها هي التربية بمفهومها الأكثر اتساعا، بكونها نظرية تربية الانسان. (ديلاتي)

- تعلمنا الفلسفة ان نطرح اولا القيم المثالية للعقل، البقية تأتي تلقائيا.. او لن يكون للعقل أي ضرورة اطلاقا.(فرانسيس بيكون)

- من الأخطاء السائدة اعتبار الأنانية سلبيات أخلاقية. الأنانية ظاهرة أخلاقية لها جوانبها الايجابية الكبيرة، فهي تخلق دوافع للتقدم والرقي، لها أيضا جوانب سلبية، يبدو ان التعبير يوحي بها تلقائيا.. لو

عدنا للتعبير اللاتيني نجد أن الأصل جاء من ego والتي تعني "أنا" والمصطلح تحول الى egoism , وتفسره الفلسفة الحديثة بأنه مبدأ في الحياة وخصلة خلقية يدلان على سلوك الانسان من زاوية موقفه من المجتمع والناس الآخرين، وان الانسان يعلي في علاقاته مصلحته الخاصة على مصالح الآخرين، وهذا أمر طبيعي بحدود أخلاقية معينة لذا تشكل الانانية احدى أكثر تجليات الفردية صراحة وعلنية.

- الايمان هو مقامرة، كما قال الفيلسوف، عالم رياضيات والكاهن الفرنسي باسكال بليز، الذي عاش في القرن السابع عشر بين 1723 حتى 1662. فسر بليز موقفه بقوله إن القرار الذي يختاره الإنسان حول إيمانه بالله، يشبه المقامرة. لأنه إذا كان قرارنا المراهنة بأن الله موجود ويتبين في النهاية أننا أخطأنا وأن الله غير موجود، عندها خسارتنا لن تكون كبيرة. لكن إذا انعكس الأمر وقامرنا على أن الله غير موجود وتبين في النهاية انه موجود، عندها ستكون خسارتنا فادحة جداً لأننا سنخسر الجائزة الكبرى: السعادة الأبدية في ملكوت الله. لذا سمي الايمان في الدراسات الأكاديمية ب "المقامرة الباسكالية".

- إذا أردتم ان تدرسوا الفلسفة ضعوا جانبا كل ما تحملوه بعقولكم وابدأوا من في تكوين إدراككم الجديد، معارفكم الجديدة، وعيكم الجديد، والأهم.. ابدأوا التفكير بطريقة مختلفة.. ابنوا ذاكرة جديدة..

- لو لم توجد الفلسفة لعجزنا عن الاجابة على أسئلة مصيرية كثيرة. اولها من اين جئنا؟ ماذا نفعل هنا؟ الى أين سنذهب؟ هل يوجد مثلنا في هذه المساحات التي تبدو بلا نهاية؟ لو عجزت الفلسفة عن تفسير هذه المسائل التي تبدو اليوم بديهية، لظل الإنسان أكثر التصاقا بعالم الحيوان، ولظلت لغته مجرد أصوات يجري التعبير عنها بين مجموعات منعزلة.

- السؤال في الفلسفة لا يقاس بالحجم، كبيرا او صغيرا، انما يقاس بالمضمون .. في الفلسفة لا يوجد سؤال مستقل ونهائي، في الفلسفة كل سؤال يثير مجموعة أسئلة أخرى، والأسئلة الأخرى تثير أسئلة أخرى عديدة، والأسئلة تمتد بلا توقف الى أدنى والى أدنى أكثر، والى أعلى أعلى.. بلا حدود، بلا حواجز، بلا عجز عن الولوج الى ما يعتبر مناطق محظورة. لا مناطق محظورة في الفلسفة، كل شيء يخضع للعقل .. للإدراك .. للتفكير .. للتساؤل اللانهائي.

- إذا انتهت الأسئلة تنتهي الفلسفة وتفقد الحياة معناها وقيمتها، لأننا نفتقد الوعي، والوعي هو ما يميز الانسان عن عالم سائر المخلوقات، أما إذا اقتنع الشخص أنه وصل لحقيقة ما، يراها ثابتة غير قابلة للنقد او للنقض، أنصحه ان يصبح رجل دين...

- دأب الإنسان منذ بدأت تتشكل اولى التجمعات البشرية في البحث عمن ترك آثارا غريبة على حدود المنطقة التي يسكنها هو ومجموعته، وقام بمجهودات كبيرة جسمانيا وفكريا لاكتشاف من ترك آثارا غريبة عنه حول منطقته، عندما اقترب من ذلك المخلوق الذي ترك آثاره بقرب منطقته، اكتشف انه مخلوق شبيه به.

- طرح أحد الفلاسفة الاغريق سؤالاً على زميل له: "ما الذي يجعل كرتنا الأرضية ثابتة في الفضاء؟" أجابه: "يحملها أحد الآلهة" سأله: "ومن يحمل الإله؟": أجابه: "إله آخر". سأله:" والآخر من يحمله؟". أجابه: " ايضاً إله آخر الى ما لا نهاية.. إله تحت إله تحت إله الى ما لا نهاية".

- تقوم نظرية الثورة الماركسية على مبدأ يقول ان "على الثورة ان تستمر حتى القضاء على الطبقات المالكة بشكل عام" فيما بعد طور ماركس نظريته بقوله إن "الكلام لا يدور حول تغيير الملكية الخاصة او القضاء على قسم من قوانين البرجوازية، بل إنشاء "المجتمع الجديد". طبعا هذا التعريف عقلاني ومتزن.

- نشأت الفلسفة في اليونان القديمة (بلاد الاغريق) على قاعدة تفسير الظواهر الطبيعية عقلانيا بعيدا عن ربطها بآلهة تتحكم بها. لذلك عرفت باسم الفلسفة الطبيعية. الفلاسفة الإغريق في وقتهم حسموا بموضوع أن عالمنا قائم على العقل وليس على النقل، على العلم وليس على الإيمان بالخوارق. الإيمان هو عملية نقل، ظاهرة تنقل بالوراثة وليس بالوعي. لا انفي أهمية الدين الأخلاقية كمحاولة لوضع قواعد تعامل

اجتماعية بين البشر، لكننا نواصل منذ ستة آلاف من السنين التمسُّك بما أثبتت الفلسفة الإغريقية بطلانه ورفضت جعله معيارا فكريا سائدا تفسر به الوجود الإنساني والطبيعة.

- حظيت فلسفة هيغل بتأثير كبير وهام على الفكر الحديث، وكان كارل ماركس أبرز الفلاسفة الذين تأثروا واقتبسوا من هيغل فلسفته الجدلية قالبا اياها رأسا على عقب: إذ أن جدلية هيغل هي عبارة عن عملية أو ديناميكية تمضي وفقها جميع القضايا من الأمثل فالأمثل نحو “الفكرة المطلقة” وقد سميت “بالجدلية المثالية”. بينما منهج ماركس الفلسفي الجدلي رأى بأن جدلية الأفكار ليست سوى انعكاسا لجدلية المادة. لذلك اتخذ من مفهوم الجدلية المادية (المادة تسبق الفكرة) أساسا ومنبعا لحركة التاريخ وتطوره.

- الفكر الماركسي واجه ويواجه اليوم نقدا حول العديد من القضايا التي كانت تبدو نهائية، مثلا الفكر المادي التاريخي يواجه اليوم إشكالية كبيرة، بل والبعض يعتبر أن المادية التاريخية كنظرية تنبأت بحتمية مسار التاريخ وفق رؤية مسبقة، بأنه جانبها الصواب في العديد من مضامينها الأساسية.

- من تجربتي: اللون القصصي، المتمثل بطرح فكرة فلسفية او رؤية فلسفية، كجوهر للقصة، يخاطب قارئاً من نوع جديد، قارئاً بمستوى ثقافي ومعرفي ما فوق المتوسط على الأقل، يقرأ القصة بذهن يقظ كما يقرأ، الى حد ما... موضوعاً فكرياً، والسؤال الذي يشغلني بدون إجابة كاملة حتى اليوم: هل يختزل ذلك فن القص ام يرقى به الى مستوى جديد؟

- عندما يصعب على الناقد ان يستوعب الوعي الجمالي، بصفته الوعي الذي يتناول الظواهر والأشياء من خلال سماتها الحسّية، وقدرتها في التأثير على المتلقي، عند ذلك يغيب تماما أهم ما في النقد وأعني: المضمون الجوهري للمقياس الجمالي في الابداع الأدبي.

- ازداد السلاطين العرب عدداً وأشكالاً وتعددت مناصبهم طولاً وعرضاً، وارتفاعاً وانخفاضاً، وكثر الطلب على الدلالين والمادحين ومنظمي الكلام وبما ان الشعر والشعراء هي أشهر ما تبقى في الذاكرة من موروثات تاريخ "الأمجاد العربية"، لذا طمع السلاطين بحشد الشعراء في صفوف "السحيجة"، ارادوا اخضاعهم لسلطانهم فاستأجروا قرائح الشعراء الدجالين وذممهم، بصفتهم ممثلي الاعلام الشعبي، بعد ضمان الاعلام الالهي بإعلانهم الرسمي المتكرر اسبوعياً بأنهم اولي الأمر وطاعتهم من طاعة الله.

- لا يوجد في الفكر والعلوم بمختلف مجالاتهما، مقدسات لا يمكن نقدها او اخضاعها للبحث.

- كل ولد بالنسبة لوالدته هو محبوب ورائع، بحيث انها تكون سعيدة جدا بأن تسجيه لينام.

- نجد دائما السعادة الكبيرة بنجاح وسعادة اولادنا لدرجة ان قلبنا يصبح أكبر كثيرا من أجسادنا. (أمرسون)

- بنو الانسان هم ما صنعت أمهاتهم... والأب كان المشاهد الأوحد للمسرحية.

- الأب يورث ابنائه الأملاك، لكنه لا يورثهم الحكمة بكيفية ادارة الأملاك. (ارسطيفوس – من تلامذة سقراط)

- أب واحد يعيل عشرة ابناء، عشرة أبناء لا يعيلون أب واحد!!

- الأطفال يتمتعون بقصص الأساطير .. بعض الأطفال يكبرون بأجسادهم، أما عقولهم فتبقى في عالم الأساطير.

- كلمات الفيلسوف فارغة ان لم يكن بها ما يشفي بؤس الانسان، ولا يعالج أمراض الجسد، وتفقد الفلسفة قيمتها إذا لم تخلص الانسان من امراض النفس. (أبيقور)

- "ان الأمم التي لا تعنى بالعلم، ولا تنجز فيه شيئا، حالها كحال البهائم تأكل وتشرب وتتكاثر لا غير" -الوزير جمال الدين بن يوسف القفطي المتوفى سنة 624 هـ.

- يؤكد الفكر الفلسفي الهيجلي ان "اللقاء بين علمين، يولد علماً جديداً". وبالتالي ازدياد المعرفة، او

" كثرة الأعمال"، كما يقول الرازي: "سبب لحصول الملكات". أي لا شيء ينشأ من العدم. لا شيء ينشأ من الخمول والاستكانة. لا شيء ينشأ من التصورات الموروثة والأفكار النهائية. والجهل إذا التقى بالجهل لا يولد الا التعصب والانغلاق.

- يقول الغزالي: "المطيع القاهر لشهواته المتجرد الفكر في حقيقة من الحقائق، قد لا تنكشف له الحقائق لكونه محجوباً بالتعصب والجمود على العقيدة". اذن الجمود على العقيدة هي حالة من الشلل الدماغي حتى بإقرار الغزالي، ليت المتمسكين بتعاليمه يستوعبون ذلك. وكما قال علي بن أبي طالب: "من جهل شيئاً عاداه".

- هل يعي الانسان انه لا يملك لوحده كل المعرفة؟ وان الوصول لمزيد من المعرفة يحتاج الى منهج علمي وقدرة على التحليل والمقارنة والاستنباط؟ وأن الآخرين ليسوا أقل شأنا منه؟ وأن ادعاء المعرفة الكاملة، هي حالة مرضية أو تعبير عن البدائية، وليست ذكاء؟؟

- الحرية هي نشاط ينبع من وعي الانسان وايمانه بهدف. النشاط يثمر، والخمول والاستكانة تجفف الارادة، وتضيق الرؤية. عندما يتوهم الانسان انه يعرف الأجوبة الكاملة وغير القابلة للنقاش عن القضايا الصميمية للنشوء والارتقاء، يفقد القدرة والارادة عن احداث تغيير في مجتمعه، وتصبح كل معلوماته تدور في حلقة مغلقة من الطروحات التي لا تحتاج الى تفكير

- هل يحتاج الانسان الفقير المحروم من الحرية والخدمات الاجتماعية والتعليم والرقي الحضاري الى حوار؟

يقول هيغل: "ان الحرية هي وعي الضرورة". اما الماركسية فرؤيتها ان: "وعي الضرورة هو شرط هام للوصول الى الحرية ". انا شخصيا لا أرى تناقضاً جذرياً بين هيغل وماركس في هذا الطرح. اذ ان الطرح هنا يشبه السؤال الفلسفي البسيط من كان في البداية الدجاجة أم البيضة؟ وفي التالي، التواصل يصبح فعالاً ومؤثراً ومترابطاً بكلا الاتجاهين. وهذا هو الأساسي. !!

- المجتمع الاوروبي منذ عصر النهضة، رفع من مكانة الانسان على حساب الفكرة المطلقة – المقدسة. خاصة في مجالات الآداب والفنون وفيما بعد الموسيقى، مما أحدث تحولا ثوريا حطم كل المسلمات القديمة التي باتت تتناقض مع النهضة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية ورقي الانسان، وجعل من العقلانية مقياساً أعلى للفكر، بينما المجتمعات المنغلقة لا تعتبر الانسان أكثر من كونه أداة لخدمة الفكرة المطلقة الغيبية. وهذه الفكرة تتجلّى بأشكال متعددة في المجتمعات البشرية، والتاريخ سجل العديد من هذه الأشكال، بدءاً من عبادة الفرد في الأنظمة الديكتاتورية والفاشية، وصولاً الى الطاعة العمياء في الأنظمة الدينية.

- المعضلة الكبرى التي لاحظتها ان فهم ظاهرة الدين غير ميسرة لمن يبقى متدينا، فقط الذين تحرروا من الدين بقدرتهم فهم ظاهرة الدين، لذا الحوار بين الفئتين هو حوار بين طرشان.

- "ان المجتمعات المنفتحة ترعى الفرد وتضمن له الشروط الملائمة لتطوره، اما المجتمعات المنغلقة، فهي تضع المجتمع في المقدمة على حساب تكون هوية الفرد المستقلة وتطورها". كارل بوبر

- هل نحن مجتمع مدني، ام ان المدنية أضحت من البدع اتي يجب قمعها؟

هل هناك من فكرة مقدسة لا يمكن نقدها او التطرق البحثي لمضامينها؟

- ما هو الفرق بين الحرية في التفكير والتحرر من التفكير؟ وهل يمكن القول ان رفض الحوار هو حالة من حالات الحرية أيضا؟ وما الفرق بين الرأي والقدح والذم؟ هل تحتاج الحرية الى فكر ونظام.. أم هي فوضى عارمة -تحررية؟

- هل يمكن ان ترقى ثقافة روحية وثقافة مادية بظل سيادة فكر ديني يتمتّع بجبروت كامل وسيادة مطلقة، ويطور أشكال إرهابية بغلاف ديني؟ هل يمكن ان نشهد عودة الى نشوء فكر فلسفي عربي في الواقع المتهافت الذي يعيشه عالمنا العربي؟

- مجتمعا لم يستوعب التطور الفلسفي والثقافي منذ عصر الإغريق مرورا بعصر التنوير وصولا الى عصرنا الراهن، هو مجتمع يعيش في الظلام الحالك، حتى لو ملأ الدنيا صراخا وابتهالا وعبادة.

- المرأة ترتب البيت قبل حضور الشغالة، الرجل يرتب السرير بعد مغادرة الشغالة.

- "استيعاب ما هو كائن مهمة الفلسفة وما هو كائن هو العقل"-اقتباس من هيغل.

- الديالكتيك (الجدل) هو علم التطور (البعض يسميه منهج التطور). يدرس هذا العلم (او المنهج) القوانين العامة لتطور الطبيعة والمجتمع والفكر. لماذا يجري التطور؟ ما هو المصدر والقوة الدافعة للتطور؟ بأي أشكال يجري التطور؟ ما هي العلاقة والنسبة بين القديم والجديد؟

- لا يوجد المضمون والشكل بمعزل للواحد عن الآخر، بينهما ترابط عضوي ويؤلفان وحدة متماسكة لا يمكن الفصل بينهما. اذن يمكن القول ان هناك ترابطا ديالكتيكيا بينهما.

- عرفت الحضارة الإغريقية القديمة عرق من الآلهة الأقوياء الجبابرة الذين (حسب الأسطورة الإغريقية) حكموا الأرض خلال العصر الذهبي واشتهروا باسم آلهة التيتانك (او الأطلس) وهم العرق السابق للآلهة الأولمبية. السؤال بماذا يختلف الإله الحالي عنهم؟

- تنفي العقلانية المعرفة الحسية التجريبية التي تدعي امكانية الفهم عن طريق الاحساس الشخصي، الإدراك والتصور، اي القناعات الموروثة التي تصبح جزءا من عقل الانسان وتفكيره الخيالي(الميتافيزيقي). العقلانية تعتبر هذه الظاهر غير كاملة ولا تنطلق من أي معرفة يقينية. فقط العقل لوحده قادر على التوصل الى المعرفة الصحيحة الشاملة والضرورية.

- تبرز النزعة العقلانية في العلوم أكثر من أي مجال آخر. العلوم تعتمد على حقائق وليس احاسيس وتخيلات. أكثر من ذلك يجري تطور العلوم بناء على نقدها ونقضها العلمي المعرفي. بينما التخيلات والأحاسيس لا يمكن ادراكها بأدوات علمية. ولا علاقة لها بتطور المعرفة العلمية للإنسانية. ونقدها لا يعطي أي نتيجة لمن صيغت عقولهم واغلقت عن أي رؤية مناقضة لما نشأوا عليه.

- المتفائل، هو إنسان مختلف بجوهره، ونقيض تماماً للمتشائم. يرى بكل خطوة تقدماً إلى الأمام. في كل يوم جديد مكسب كبير، الأمر الذي يجعله دائم الابتسام سعيد بما يحصل عليه.

- : الأبستمولوجيا هي فرع لتيار فلسفي يبحث بمضمون ومجال المعرفة. مثلا ما هي المعرفة؟ كيف نحصل عليها؟ قيمتها لفهم موضوع معين؟ كذلك تشمل الأبستمولوجيا تحليل طبيعة المعرفة والعلاقة بين مفهومي الحقيقة والمعرفة.

- الفلسفتان التجريبية والعقلانية كانتا محاولتان لبناء المعرفة الإنسانية من الصفر. هذا النهج الراديكالي ميز فلسفة فترة التنوير الأوروبية (الرينيسانس)، العالم نيقولاس كوبرنيكس باكتشافه ان الشمس هي مركز الكون وليس الأرض، وان الأرض تدور حول الشمس وحول محورها أحدث ثورة علمية من الأهم بتاريخ البشرية.

- اكتشاف كوبرنيكس شكل جزءا هاما في أساس الثورة العلمية وفي مجالات ثقافية عديدة وكانت، إلى جانب عوامل أخرى، سببا لتهميش قوة الكنيسة. والأمر الهام والحاسم: هل اكتشاف كوبرنيكيس كان بسبب أحاسيسه أم نتيجة بحث وتحليل علمي مبني على معطيات علمية ومراقبة حركة الأجرام السماوية؟

- الفلسفة عرفت الأباتيا، بأنها تعني فتور الشعور وتقود إلى نوع من الزهد في الحياة. فهل كانت الأباتيا هي الحالة التي أصابت الشعوب العربية مع حكامها حتى تواصل طغيانهم عشرات السنين؟ حتى ابن خلدون قال إن اختلاف نحل الناس في المعاش يقود إلى اختلاف أخلاقهم. فهل كان للإفقار واٌلإملاق صفة غالبة، فرضت أخلاق الخضوع والاستسلام للفساد والقمع والتخلف الاجتماعي والاقتصادي التي ميزت المجتمعات العربية؟ او ربما هي سياسة تنبع من ذكاء الحكام العرب وفهمهم العبقري لابن خلدون وفلسفته الاجتماعية؟!

- التفكير الذي يثبت على ما لقن به صاحبه، يصبح بلا روح... فقط من يقدر على تطوير تفكيره وتغييره بما تضيفه المعرفة هو تفكير ينبض بالحياة وبالمتعة الروحية.

- احيانا من الصعب الوصول الى الحقيقة حول الكثير من وقائع كوننا. البعض يجرب ثم ينطوي على قديمه... لكن فقط ذوي التفكير العميق لا يتراجعون.. وقد وصلوا الى تجربة الانفجار الكبير Big Bang الذي يختصر 13.7 مليار سنة في أقل من 5 دقائق.

- مهزلة الايمان العظمى ان الانسان يؤمن بشيء لا يراه ولا يلمسه ولا يسمعه ولا يتذوقه ولا يشمه. لا افهم كيف يتحول الانسان الى أداة بلا عقل يفكر ولا منطق يوجه وبعض من حصل على اعلى شهادة علمية .. يبقى الميراث الايماني اقوى من الفيزياء ومن البيولوجيا ومن الرياضيات ومن الكيمياء، والمضحك ان ما يؤمن به الفرد نقل اليه بالوراثة كحقيقة مطلقة لا يجوز الشك بصحتها او محاولة تعليلها. بالتلخيص: ان عدم فهم الكون أنتج الكثير من الآلهة... وآخرهم جمع كل صفاتهم!!

- العالم قائم على الواقع الثابت، اما الصدف فهي شيء لا وجود له في الواقع. لكنها تنبهنا الى الواقع!! ولا بد من التأكيد ان الأشياء في عالمنا لا تتغير... ربما يضاف اليها شيء جديد من دمج ما هو قائم... اما الانسان فهو الذي يتغير!!

- قال فيلسوف الشيوعية كارل ماركس (1818 – 1883): القول ان الصحافة تعبر عن رأي الجمهور هو اهانة للإنسان المثقف، الصحافة هي ملكية لمضاربين، قادة سياسيين ومقاولين كبار. هنا يبرز ماركس الثوري الانساني المفكر والفيلسوف الذي شوهته الستالينية واحزابها المتهاوية!!

- ميكافيلي: الابن قادر في الحفاظ على توازنه عند فقدان والده، لكن فقدان الورثة سيدفعه الى الياس.

- نيتشه: على الآباء ان يجهدوا ويعملوا كثيرا جدا ليكفروا عن انهم خلقوا اولادا.

- أرسطو: الانسان هو المخلوق الذي يعرف مكانته في العالم.

- فرانسيس بيكون: بنو الانسان ليسوا المخلوقات التي تمشي منتصبة القامة، انما آلهة من ابناء الموت.

- هيرقليطوس: لن يكون جيدا شعور الانسان الذي تتحقق كل طلباته.

- فولتير: كل انسان هو نتاج الفترة التي يعيش فيها، فقط قلائل قادرين ان يتساموا أعلى من أفكار فترتهم!!

- شتراوس: العالم بدأ بدون الانسان وسيصل نهايته بدونهم.

- ميخائيل دي مونطين: أشياء كثيرة خدمتنا أمس كمبادئ للإيمان، وأما اليوم فهي مجرد اساطير بالنسبة لنا!!

- سانكا: النجاح يقدس حتى الجرائم الأكثر وحشية.

- سانكا: الموجود بكل مكان، هو ليس بأي مكان!!

- قول مجهول الهوية: العادة التي لا نوقفها، تصبح بسرعة شيئا ضروريا.

- رالف والدو إمرسون: الانسان الذي يفكر هو انسان حر!!

- هنري ديفد ثورو: ما أكثر الناس الذين فتحوا صفحة جديدة بحياتهم بعد قراءة كتاب جديد. وقال ايضا: ليست كل الكتب مملة مثل قراءتها.

- وصف ماركس الابتذال ب "تفاهة الأعمال وعظمة الأوهام" – الابتذال هو ظاهرة تشمل مجالات انسانية كثيرة، بدءا من العلوم وصولا الى القيم الحياتية، وتفكير شخصي محدود الفهم، الابتذال يفقد الانسان كرامته الشخصية أيضا!!

- الأولاد يحتاجون الى نموذج شخصي لاعتماده في تطورهم وليس الى عسكري يعاملهم بالأوامر حتى لو كان والدهم!!

- يبدأ الايمان تماما من النقطة التي يكون فيها العقل منفعلا ويتوقف حين يصبح العقل فعالا!!

- القمع خلق العبودية وجبن العبيد يجعلهم عبيدا للأبد.

- الممارسة العملية في أي مجال ثقافي او فني او ابداعي متنوع هي في جذور نشوء المفاهيم والقيم المتنوعة التي ترشد الانسان وتثري عالمه الفكري وقدراته على التعامل مع محيطه، وبما ان المفاهيم والقيم هي نسبية، في ليست ثابتة مطلقة، بل متحركة مرنة ومتغيرة. 

 

نبيل عوده

 

جواد بشارةهل هناك حقاً واقع مادي ملموس وحقيقي غير قابل للدحض والتشكيك بوجوده في الكون المرئي؟ هل حواسنا البشرية الخمسة أو الستة أو أكثر، كافية لإثبات وجود مثل هذا الواقع المادي؟ وهل هناك إحتمال أن يكون هذا الواقع المادي  ربما مجرد وهم على حد قول بعض الفيزيائيين؟ وماذا نقول بخصوص المكونات الأولية الأساسية للمادة المعروفة لدينا بأسماء علمية كالكواركات  أو المجالات  الفيزيائية والظواهر الكمومية أو الكوانتية التي تشكل عالمنا المادي وهي أساس مادة الكون المرئي؟ هل يمكن أن يكون الكون المرئي برمته مجرد معلومة حاسوبية تتجسد عملياً كوجود ظاهري بمجرد التفكير بها ووعيها أو إدراكها بواسطة الوعي البشري؟ هل هناك وهم جماعي  لفهم ما يحدث بين الأشياء والمجودات من علاقات رياضياتية وحاسوبية معلوماتية واعتبارها  حقيقية واقعية موجودة وملموسة نعيش فيها؟ فالمعلومة الحاسوبية والرياضياتية موجودة لوصف وتفسير العالم المادي المحسوس وقد تكون هي وحدها الشيء الحقيقي وليس التجلي المادي  لها.

طرحت هذه الفكرة عندما تصدى علماء مرموقين لفكرة ما قبل البغ بانغ Big Bang  أو الانفجار العظيم، الذي يسجل البداية المفترضة لكوننا المرئي والمنظور القابل للرصد والحساب  والقياس  والتجريب. ماذا كان يوجد قبل انبثاق الكون بعملية الانفجار العظيم؟  لايوجد معنى لمثل هذا السؤال من الناحية العلمية لأنه مرتبط بمفهوم الزمن ككيان منفصل ومستقل حيث توجد مفاهيم ما قبل ومابعد ومابين الخ.. والحال أن الزمن النسبي الذي نعرفه وندركه بدأ مع الانفجار العظيم . لذا فإن المشكلة لا تحل بالقول أنه  لاشي قبل الانفجار العظيم بل هو غير موجود بالنسبة لعالم كونيات كلاسيكي لايوجد شيء إسمه ما قبل البغ بانغ، ومع ذلك تصدى العديد من العلماء لهذه المقاربة وناقشوا مسألة ماذا كان يوجد قبل حدوث الانفجار العظيم في حدود نظرية آينشتين النسبية. المشكلة هي أن نظرية آينشتين صالحة للتطبيق في كل مكان وزمان عدا لحظة حدوث الانفجار العظيم البغ بانغ، أي الفرادة، وهي تقع في دائرة اللامتناهي في الصغر وفي العالم مادون الذري أو العالم الكمومي أو الكوانتي؟ يحتاج الأمر إذن العثور على نظرية أكمل  وأفضل من النسبية العامة والخاصة لآينشتين وإعادة تعريف وتفسير وتأويل جديد لمفهوم الزمكان ولسرعة الضوء وللكثير من الثوابت الكونية. وهذه النظرية  تسمى في الوسط العلمي " نظرية الثقالة الكمومية أو الكوانتية la gravitation quantique، والتي لم يتوصل إليها العلماء بعد. ربما  نفترض وجود " قفزة كونية " أو إنطلاقة جديدة بعد حدوث ارتداد أو إنكماش عظيم سابق في حالة من التعاقب الدوري حيث يصل الكون في توسعه الحالي إلى حد أقصى لم يعد بإمكانه تجاوزه فيحصل إنكماش أو تقلص شديد، ومن ثم يثب من جديد على صورة انفجار عظيم ويبدأ بالتمدد والتوسع وهكذا دواليك. لكن هذا الاحتمال الثاني يعتمد على نظرية افتراضية غير مثبت علمياً بعد وهي نظرية الأوتار الفائقة أو نظرية الكون التعاقبي الدوري أو الحلقي la gravitation quantique à boucle، أو الثقالة الكمومية الحلقية، وبالتالي فهي ليست بالضرورة صحيحة؟ المحك الوحيد لذلك هو التجربة  والبرهان العلمي والمختبري والمشاهدة والرصد الذي قد يعطينا الجواب اليقيني بعد بضعة عقود من الآن؟ وهما نظريتان يحاولان الجمع بين النسبية الآينشتينية والميكانيك الكمومي أو الكوانتي من أجل التوصل إلى نظرية كل شيء théorie du Tout، ولكن هناك عقبات لايمكن تجاوزها أو الالتفاف عليها في الوقت الحاضر، من قبيل ضرورة توفر انسجام واتساق ذاتي ورياضياتي للنظرية، وهو أول القيود التي ينبغي أخذها بالاعتبار. وإذا كانت عقول جبارة لعلماء فطاحل اقترحوا نظريات في هذا الميدان فمن البديهي الاعتقاد بأنها أنيقة ومتجانسة، والحال نجد أن هذا ليس هو واقع الحال وليس بهذه السهولة. فللتوصل إلى نظرية الثقالة الكمومية أو الكوانتية، والجمع بين دعامتي الفيزياء الرئيسيتين النسبية العامة والزمكان الآينشتيني مع الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، الذي يصف الجسيمات الأولية، فإن القيد  الرياضياتي اللازم لنظرية مقبولة ومتسقة  تجمع بين العالمين، لهو أمر بالغ الصعوبة. فالعثور على إمكانية رياضياتية مقبولة هو بحد ذاته أمر رائع بعيداً عن أي تجريب أو اختبار مختبري أو تجريبي وهذا هو السبب في عدم وجود نظريات أخرى في الثقالة الكمومية أو الكوانتية تنافس ما حققه الباحثين في هذا المجال لحد الآن . فحتى نموذج الانفجار العظيم الذي تبلور قبل قرن من الزمن فهو لم يتمركز ويفرض نفسه بين ليلة وضحاها: فهناك كم من المؤشرات والمقدمات المتراكمة، من وجهة النظر التجريبية  ومن وجهة النظر التنظيرية في آن واحد، وعندما يتم تفسير كل المؤشرات التجريبية من قبل نفس النظرية المقترحة، نجد أنها باتت تتمتع بميزات وتخلوا من الأخطاء والنواقص والخلل، عندها نقر بوجود تطور علمي، قد يقود لانبثاق صورة جديدة عن العالم. و لا يوجد احتمال حول إجراء تجرية تثبت، على نحو حاسم، صحة نظرية الأوتار الفائقة أو نظرية الثقالة الكمومية أو الكوانتية الحلقية. علماً بأن هاتين النظريتين بدأتا بفرز عدد من التوقعات والتنبؤات، وإن لم تكون بعد واضحة . فمن الصعب والمعقد جداً القيام بحسابات لكي نقول لأنفسنا " هذا ما سنقوم بقياسه وحسابه غداً بواسطة تلسكوباتنا ؟ فليس بوسع أي شخص القيام بذلك، ولكن لدينا شعاع افتراضي  عما يمكن أن تتوقعه النظريات ولدينا ما يكفي عن تنبؤات هاتين النظريتين. والتجربة هي التي ستحسم صحة أي منهما أو ربما دحض الإثنين معاً. علينا أن ندرك أن موضع الرهان يكمن في المستوى أو النطاق اللامتناهي في الصغر.أفضل أداة بحثية لدينا اليوم هو مصادم الجسيمات الأولية LHC ، الذي يساعدنا في رؤية أصغر المسافات الممكنة بين مكونات المادة . فإلى أي درجة يجب أن نكبر لكي ننجح في رؤية الأبعاد المرتبطة بالثقالة الكمومية أو الكوانتية؟ LHC  ذو قوة 104 جيغا إلكترون فولت Giga électronvolts، في حين إن القوة اللازمة للثقالة الكمومية أو الكوانتية هي 1019Giga électronvolts . ما يعني وجوب توفر مسافات بنسبة 1015 أصغر من المسافات المعلومة  لدينا، أي مليون مليار مرة أصغر مما نراه اليوم في مصادم ومسرع الجسيمات الأولية LHC. وهناك تخطيطات لإنشاء مسرع ومصادم جسيمات أولية جديد بقوة 107 جيغا إلكترون فولت Giga électronvolts من الطاقة لكنه لن يفي بالغرض . في حين تصل حاجتنا إلى مختبر أو جهاز أقوى مليون مليار مرة، لأننا لا يمكننا رؤية ما تتنبأ به النظريات نظرياً ورياضياتياً، وإن أفضل مختبر لسبر أسرار عالم اللامتناهي في الصغر هو الكون المرئي نفسه وليس مسرعات  و مصادمات الجسيمات الأولية مهما كانت قوية وكبيرة. وبتمعننا وغوصنا في شساعة الفضاء يمكننا حصد الكثير من المعلومات عما حدث في نطاق اللامتناهي في الصغر وفي المستويات الصغيرة جداً. تمكن التلسكوب الفضائي الأوروبي بلانك مؤخراً من حصد معلومات غاية في الدقة عن إشعاع الخلفية الكونية الأحفورية الميكروية المنتشرة، ولكن ما تزال هناك إشارات ومعلومات خفية داخل هذا الإشعاع لم يتمكن تلسكوب بلانك رصدها لأنها حدثت في فترة أبكر بكثير من عمر الكون المرئي ولكي نكشف سر ماحدث علينا رصد تلك الإشارات الخفية من أجل اختبار صحة النظريات المطروحة .هناك لحظة غامضة في تاريخ الكون محصورة بين نقطة الصفر للانفجار العظيم وجدار بلانك الواقع على بعد 10- 44 من الثانية الأولى، فالزمن الذي يقل عن هذا الرقم يجعلنا نكون في وضع لايسمح لنا بوصف العالم بنظريات نمتلكها حالياً، ومع ذلك لايشكل ذلك  حداً مطلقاً للمعرفة. فكلما قرر العلم حداً لا يمكن تجاوزه، يتمكن فيما بعد، بفضل تقدم العلوم والتكنولوجيا، أن يتجاوزه، ولكن " في الوقت الحاضر" يستحيل علينا تجاوز " جدار بلانك"، ولكن ربما سنتمكن من ذلك عند امتلاكنا لنظيرة صلدة ومثبتة في الثقالة الكمومية أو الكوانتية لأن الزمكان نفسه في تلك اللحظة الحرجة يتحول إلى كمومي أو كوانتي أي لا مستمر وعشوائي . فالميكانيك الكمومي يخبرنا أنه " في الواقع" هناك علاقات وعوامل وقيم لايمكن أن تكون مستمرة وبالتالي لايمكن التنبؤ بها أو توقعها والتكهن بها. فليس هو مجرد جدار تصطدم به وتتحطم عنده، حدود معارفنا، لكنه في الوقت الحاضر يشكل حدود معرفتنا. ولو تبنينا أطروحة القفزة الدورية الحلقية المفترضة للكون، بين الانفجار العظيم والإنكماش العظيم، فليس مستبعداً أن نجد بالتجارب دليلاً على ما حدث قبل الانفجار العظيم، أي ما وراء جدار بلانك، لذلك فهو ليس  غير قابل للتجاوز على الإطلاق تجريبياً لكنه موجود اليوم كعقبة كأداء. فالانفجار العظيم هو عبارة عن " نقطة فرادة كونية singularité" واتضح أخيراً أن في قلب الثقوب السوداء توجد أيضاً " فرادة كونية أو فرادات، مما يسمح لنا بأن نتخيل بأن الكون قد ولد في قلب ثقب أسود كوني عملاق . المشكلة تكمن في مفهوم " الفرادة singularité حيث أن القيم الفيزيائية لمكان أو زمن ما تغدو لا نهائية infini، وعندما تصبح القيم لانهائية فذلك يعني أن مايبنى عليها كالحرارة، والإنحناء والطاقة تغدو هي الأخرى لانهائية، أي بعبارة أخرى، فإن النظرية التي نطبقها ونستخدمها تنهار عند حدود الفرادة  واللانهائيات. فليس الزمكان هو الذي يصبح فرادة بل النظرية هي التي لم تعد صالحة ولا تعمل عند وجود فرادة، وهناك فعلاً تشابه بين فرادة الانفجار العظيم وفرادة الثقب الأسود ولكن، من وجهة نظر الرياضيات، لايمكننا القول أنهما شيء واحد أو إنها نفس الظاهرة الكونية لكن التشابه بين الفرادتين من الدقة بمكان ما يسمح أن نقول أننا بفهمنا لإحدى الفرادات سوف نفهم الثانية أيضاً . ويترتب على ذلك، عند بعض العلماء، افتراض أن الثقوب السوداء في الكون هي عبارة عن أكوان طفولية وليدة bébés univers  أو بمثابة دور الحضانة،لأكوان في دور الصنع، وهي فرضية وضعها علماء مشهورين ومرموقين، ولكن ليس بالضرورة أن يكون وجود فرادة في الحالتين، الانفجار العظيم والثقوب السوداء، يعني بالضرورة ولادة  أكوان. وليس مستبعداً بالمرة أن يكون كل ثقب أسود عبارة عن كون مصغر. فيمكننا تخيل ثقب أسود يكون قطره من الخارج كلم  مكعب واحد، في حين أن حجمه من الداخل مليارات المليارات من الكيلومترات المكعبة، وهي إحدى الغرائب التي تحتويها النسبية العامة لآينشتين، وبالتالي ليس مستحيلاً تصور أن بعض الثقوب السوداء هي أكوان على غرار كوننا المرئي لكنها غير مرئية في الوقت الحاضر. فهناك ما يشبه عملية التطور والانتخاب الطبيعي الداروينية  ولكن في الفيزياء الكونية وليس في البيولوجيا، حيث أن كل كون يولد كوناً آخر من خلال الثقوب السوداء التي يخلقها في طياته. لكنها مجرد فرضية علمية من بين عدد كبير من الفرضيات في هذا الميدان ولم يتم إثباتها أو تجريبها بعد بالرغم من كونها أنيقة ومثيرة وجذابة لكنها ليست سوى فرضية فحسب. على أية حال إن الثقوب السوداء هي أجسام فضائية افتراضية لم يرصدها أحد بعد وهناك محاولات لتصويرها قود تنجح إحداها في التقاط صورة في 10 نيسان 2019، وهي كذلك فكرة لم يختلقها أو يبتكرها آينشتين فهي فرضية معروفة منذ القرن الثامن عشر، ولكن بتسميات أخرى، وصيغت على يد بيير سيمون  دو لابلاس وجون ميتشيل، حيث تحدثا عن جرم أو جسم في غاية الكثافة إلى درجة أن الضوء  لا يمتلك السرعة الكافية لكي يهرب منه، فكل شيء حبيس هذا الجسم المخيف حتى الضوء، لذلك فهي فكرة قديمة. وعلى مدى سنوات طويلة كان العلماء يعتقدون أن الثقوب السوداء هي مجرد إمكانية نظرية في الفيزياء المعاصرة لكنها غير موجودة حقاً في الواقع الحقيقي لأن وجودها يبدو غير معقول وغير قابل للتصديق. فلو أخذنا الأرض كمثال فعلينا تكثيف كتلتها في كرة لا تتعدى بضعة ملليمترات لكي تتحول إلى ثقب أسود،  قد يكون مسموحاً بوجوده رياضياتياً ولكنه غير متحقق أو منجز في واقع الكون المرئي، أي  لا يتعدى أن يكون مجرد مفهوم نظري محض. ولكن منذ بضعة عقود تغير الوضع، عندما أدرك العلماء أن نجوماً عملاقة أكثر حجماً بملايين أو مليارات المرات من شمسنا، تنهي حياتها عندما تنفجر  وتنهار على نواتها الصلبة لتصبح ثقباً أسود، عند ذلك تخصص العديد من العلماء في الثقوب السوداء كالبريطاني الراحل ستيفن هوكينغ والفرنسي جون بيير لومينيت  والأمريكي من أصل روسي ليونارد سيسكند، وصاروا يتنبئون بوجود الثقوب السوداء على نحو جدي مع بعض النتائج والمؤشرات التجريبية الملموسة التي تبرهن على وجودها وآخرها الموجات الثقالية الناجمة عن تصادم ثقبين أسودين والتي اكتشفها وحسبها مختبر ليغو LIGO، وباتت تشكل فرعاً مهما للدراسة لدى علماء الفيزياء الفلكية، لم تعد الثقوب السوداء أجساماً نادرة بل موجودة في كل المجرات فهناك ما بين 100 إلى 200 مليون ثقب أسود في مجرتنا درب التبانة لوحدها.أما فكرة الثقوب البيضاء فهي أقرب للفلسفة منها للفيزياء،  فبالنسبة لمنظر فيزيائي، إن الثقب الأبيض ما هو إلا تناظر  زمني للثقب الأسود le symétrique temporel d'un trou noir، فالثقب الأسود يحتل منطقة من الزمكان الكوني يمكن أن ندخله ولكن لايمكن الخروج منه في حين إن الثقب الأبيض الافتراضي فهو على العكس أي حيز فضائي يمكن الخروج منه ولكن لايمكن الولوج إليه، وينتظر العلماء العثور على تدفقات ضوئية أو إشعاعية ومادية تنبثق من اللامكان، المسمى ثقباً أبيض. فهو مجرد قيمة رياضياتية ولكن ليس هناك دليل عملي وعلمي على وجوده الحقيقي في الواقع الفيزيائي، ومع ذلك فإن الثقوب البيضاء غير ممنوعة في نظرياتنا عن الثقالة أو الجاذبية. فهناك الكثير من الأشياء المسموح بها رياضياتياً لكنها غير موجودة على أرض الواقع. هناك دراسات جادة يقوم بها علماء مثل كارلو روفيللي Carlo Rovelli و أورليون بارو Aurélien Barrau، حول نموذج اقترحه روفيللي تكون فيه الثقوب السوداء في طريقها لكي تتحول إلى ثقوب بيضاء .

لماذا لايمكننا رؤيتها  ورصدها وتصويرها ونتساءل لماذا؟ لأن ذلك يستغرق وقتاً طويلاً فلو أخذنا ساعة مربوطة بثقب أسود فإن الارتداد سوف يستغرق جزء من ألف من الثانية، ولكن نفس الارتداد منظور له من خارج الثقب الأسود فإن سيحتاج لمليون مرة أكبر عمر الكون كله، وهذه إحدى غرائب النسبية العامة على غرار مبدأ تباطؤ الزمن مع السرعة ومع الثقالة أو الجاذبية وبما أننا نراقب ونرصد ونشاهد من بعيد تلك الظواهر فإن الارتداد السريع يبدو لنا بطيئاً جداً. وقد يكون ذلك أحد الأسباب التي تجعلنا لانرى الثقوب البيضاء بسبب التمدد الثقالي للزمن la dilatation gravitationnelle du temps.

هناك من افترض أن العديد من الثقوب السوداء قد مات أو اختفى خلال عمر الكون المرئي البالغ 13.8 مليار سنة، ولكن اتضح أنها ثقوب سوداء خفيفة أو صغيرة وربما لم توجد أصلاً، أما الثقوب السوداء الضخمة والعملاقة فلا يمكن أن تختفي لأنها مستقرة وثابتة والشيء الوحيد الذي يمكن أن يحدث لها هو أن تكبر وتنمو وهي نظرية أثبتها ستيفن هوكينغ، فكلما دخلت مادة جديدة للثقب الأسود أو ابتلعها من المحيد القريب من أفق الحدث، كلما تضخم الثقب الأسود وكبر، لأن المادة الداخلة لن يمكنها أن تخرج منه، لذلك فإنها فسوف تساهم في زيادة حجمه، ولو التقى ثقبان أسودان لتشكيل ثقب أسود واحد من دمجهما سيكون حتماً أكبر من الثقبين السابقين معاً . بيد أن ستيفن هوكينغ اثبت نظرياً ورياضياتياً أن الثقوب السوداء الصغيرة يمكن أن تتبخر وتختفي لأنها أجسام خفيفة حتى أن حضورها اقتصر على الوجود الرياضياتي بينما نجد أن الثقوب السوداء الحقيقية الفيزيائية العملاقة التي تتولد من انهيار النجوم العملاقة على نفسها والواقعة في مراكز المجرات، فهي دائمة وعمرها لانهائي. أما نموذج الكوازارات المكونة من ثقوب سوداء، امتصت أو ابتلعت كميات هائلة من المادة، فهو نموذج تم بالتراضي بين العلماء، ورغم المشاهدات التي أكدت ذلك إلا أن اليقين هو من صفات الثيولوجيا والفلسفة وليس من صفات العلم فلا شيء مؤكد على نحو مطلق في العلم. فمسألة التوسع الكوني مثبتة علمياً ومختبرياً من خلال تحليل الأطياف الضوئية لكنها ليست حقيقة مطلقة ولا شيء يضمن أننا بعد قرنين من الآن لن نكتشف ما يدحض هذه الحقيقة العلمية أو تتوفر لنا مشاهدات ونتائج رصدية مختلفة تطيح بتلك المعلومة السائدة اليوم . فالكوازارات هي أجسام فضائية بعيدة جداً ومضيئة أو ساطعة جداً، والتفسير الأفضل لها هو أنها نشأت من ثقوب سوداء هائلة وعملاقة super massif، تمكنت، بفضل قرص التراكم disque d'accrétion  من جذب كميات هائلة من المادة المحيطة بها كانت تابعة لحقل أو مجال مغناطيسي كثيف. وقد تقبل الوسط العلمي هذا التفسير وهذا النموذج المقترح لكنه ليس دليل قاطع ونهائي على صحة التفسير والافتراض المتفق عليه. فهو في هذه المرحلة، والمسستوى العلمي والتكنولوجي الذي وصلنا إليه، أفضل تفسير ممكن لظاهرة الكوازارات.

الحدس هو الوسيلة الأخرى لدى العلماء في تقديم التفسيرات والشروحات للظواهر الكونية. فهناك على سبيل المثال ثلاث أشكال أو تركيبات أو هيكليات هندسية للكون، فيما يتعدى النماذج الرياضياتية الممكنة، فالإطار الذي يعمل فيه العلماء شبه قسري ومقيد و لا بد من الاختلاق والابتكار لنماذج جديدة ومتنوعة تتوافق مع المشاهدات ونتائج الرصد. يتبع

 

د. جواد بشارة

 

المهدي بسطيلي"إذا أجمعنا أن الجامعة المغربية هي المنتج الرئيسي للبحث العلمي،فإن واقع الجامعة المغربية يعكس بشكل ضمني واقع البحث العلمي بالمغرب "

كشف التقرير الأخير الصادر عن مؤسسة "webmetrics" عن ترتيب الجامعات المغربية عبر العالم ،وقد صنف هذا الأخير جامعة محمد الخامس بالرباط بالمرتبة الأولى وطنيا من حيث الإنتاجات العلمية ،لكن الخبر الصادم أن هذه الأخيرة احتلت المرتبة (205) عالميا  في حين احتلت كل من جامعة القاضي عياض وجامعة سيدي محمد ابن عبد الله  الرتبة250))، من حيث الترتيب العالم،أما باقي الجامعات المغربية الأخرى فهي خارج التصنيف، وهي نفس النتائج التي أعلنت عنها مجلة "تايمز" للتعليم العالي بالأسبوع الماضي،وقد اعتمد هذا التقرير على أربع معايير وهي :

الحضور العلمي في الفضاء الافتراضي.

النشر العلمي الأكاديمي .

التأثير العلمي للجامعة.

التميز العلمي.

"فإذا كانت جامعاتنا تفتقد إلى هذه المعايير فإنها طامة كبرى"

إن هذه المعطيات الصادمة تحيل ضمنيا على التساؤل المشروع عن أسباب هذا الواقع المزري، وهذا العقم المعرفي الذي تعيشه الجامعة المغربية و البحث العلمي عموما، تساؤلات عديدة ومداخل كثيرة تحيل على عنصر من عناصر الخلل لكني سأتحدث عن دور كل من الجامعة و الأستاذ الجامعي و الطالب على حد سواء  في تكريس هذا الوضع المزري.

يكفي أن نتأمل بكل عفوية صورة الجامعة المغربية من خلال تمثلات خريجيها أولا، وسوق الشغل ثانيا، هل تحقق هذه الأخيرة الاندماج مع سوق الشغل؟ وماهي قيمة الشهادات التي تمنحها؟ حتى تعلم أنها تنتج حاملي شهادات وليس حاملي تكاوين رصينة، تمكنهم أولا من تحقيق الاندماج وسوق الشغل وبلورة هذا التكوين على أرض الواقع، لم نعد نحس بتلك الرقابة العلمية والحرص على إنتاج المعرفة، كل سنة يضع الطلبة مئات البحوث الجامعية ترميها الجامعة في رفوف يعشش عليها الغبار، حتى ينتج غيرها وترمى في المزبلة، الحقيقة لم ترمى البحوث وحدها، بل كل القيم التي أسس عليها الحرم الجامعي.

لطالما طرحنا كطلبة جمعت بيننا نقاشات عفوية حول مصير الجامعة المغربية، وكفاعلين داخل النسق لم يتأتى لنا أن نتفائل للأسف، بين واقع لا يعترف بالمعرفة ولا العلم فخريجي الجامعة عالة على الدولة في نظر المسؤوليين، ثم إن الدولة رفعت يدها عن سوق الشغل وسمحت للقطاع الخاص أن يتحكم فيه, لكن السؤال من هم الفاعلين في هذا الميدان؟ هل هم فعلا أشخاص مؤهلين لتقرير المصير المهني لحاملي الشهادات الجامعية؟ للأسف هم نموذج "لمول الشكارة "فقط.

أطلقت الوزارة الوصية على قطاع التعليم العالي تكوين الاجازة في علوم التدريس، يعني أن خلال سنتين سيستقطب قطاع التعليم لسد حاجياته أطر حاملة  لهده الشواهد، إنه في الحقيقة شيء مفرح أن تتوفر لنا أطر مكونة في المجال، لكن السؤال المطروح ما مصير حاملي الإجازة في باقي التخصصات بعدما كان التعليم حلم يحرك الطالب من اللحظة التي يلج فيها الجامعة؟

وهو لشيء يزرع اليأس في الحقيقة، فهنا يغيب عنصر التحفيز أمام الطالب، وباث المصير في ولوج عالم البطالة واضح، ويسائل المنظومة التعليمة ككل و الغريب أننا لم نكتفي بتكسير صورة المعلم و الأستاذ عن طريق التعاقد فقط، فهذه السياسة الفاشلة طالت الجامعة وأًصبح أساتذتنا طلبة في سلك الدكتوراه، كل ذلك لأن الجامعة تخشى من خلق مناصب جديدة، إن الأمر واضح اذن لم تعد جامعاتنا تتقصى إنتاج فاعلين في المجال ولم يعد هدفها إنتاج نخبة تحلل وتناقش وتنتقد...

كتب الكثيرون من منابر إعلامية متعددة عن كوارث طالت الحرم الجامعي وأبطالها أساتذة جامعيين كثيرة هي الروايات حتى أنها تكاد لا تحصى من بائع الماستر إلى سارق المونطو،وبائع النقط…

كلها روايات نقلتها وسائل الاعلام وضجت بها صفحاتنا على مواقع التواصل الاجتماعي، كانت كاشفة اللثام عن جوع يتملكنا في التلذذ بهذه الفضائح و السخرية على نموذج الانسان المثقف بهذا المجتمع البئيس، فترتب عن ذلك تمزيق عشوائي لنموذج الأستاذ الجامعي الذي كنا نسمع عنه في طفولتنا بشغف، ونضعه كنموذج مثال وكان رمزا للتحرر من سلطة الجهل المجتمعي المحكوم بعاميتنا البسيطة.لكن مذا حدث؟

إن كل شيء يحدث داخل السياق مدام هذا السياق وحده الكفيل بإنتاج المعنى، كيف تصبح الجامعة وكرا للدعارة؟ ويصبح الأستاذ فيها زبونا برأس مال باذخ هو النقط، والتحكم في مصير طلبته كيف لا يستطيع هذا النموذج الذي أرهقنا في المدرجات بالحديث عن القيم و الأخلاق و الشرف العلمي و المهني أن لا يلتزم بها؟ كيف يستطيع أن يخلق فرصا أكاديمية حسب هواه من أجل رد الجميل أو أخد المقابل المادي؟ كيف يستطيع أن يجعل الجامعة مجالا للتعبير عن إيديولوجياته السياسية الخاصة والترويج لها ويجعلها عتبات الانتقاء في سلك الماستر ؟ كيف سمح لنا هذا الأستاذ أن نغير نظرتنا إليه كيف؟

إن واقع التعليم الجامعي بالمغرب يمكن نعته بالواقع البئيس وما بناه رجالات الجامعة في التسعينات يحتضر اليوم، يعاني من قصور الإنتاج العلمي بل حتى ذلك الإنتاج الأخلاقي بتنا نفتقده.وافتقدنا معه الذين اختاروا التخلي عن الممارسة السياسية احتراما لأخلاقيات العلم التي تقتضي تغييب الإيديولوجيات السياسية، ودافعو وعبروا عن مواقفهم لفائدة المجتمع  رغم التقييد الذي أحيط بهم، وأصبحنا أمام ميوعة حقيقية وألم كبير لا يضمظ جرحنا فيه إلا بعض النماذج القليلة، و التي اختارت للأسف أن تبتعد عن الساحة حتى لا يختلط الحابل بالنابل .

كنت قد سألت أحد أساتذتي خلال جلسة نقاش جمعتننا، عن أهلية الأستاذ الجامعي وعن شروط الالتحاق بهذا المنصب، فعبر الرجل عن موقفه وقال لي بالحرف" نحن في حاجة لخلق مؤسسات تكوين للأستاذة الجامعيين، لكن يبقى السؤال المطروح كيف ستكون هذه الأطر المكونة ؟وهل سيقبل أستاذ جامعي آن يكونه زميل له؟"

مسألة أخرى لابد آن نشير إليها حتى لا نكون مجحفين لشخص الأستاذ ،لابد أن نعلم أن هذا النموذج يظل فردا مغربيا ونتاج هذا المجتمع ومدام هذا النسق لم يستطيع إلى اليوم أن يحسم في تحقيق لحظة انتقالية، يضع فيها القطيعة مع مختلف أشكال التقليد العمياء على رأسها النمط القبلي ،هو نفسه الأمر الذي يحدث في جامعاتنا للأسف اتحاديات وقسمات شكلها أساتذتنا في الجامعة وكأننا أمام طوائف فكرية تثير السخرية حقا.حينما يصبح لكل أستاذ أتباعه من الطلبة أمام منطق الشيخ و المريد يطلق بعضهم في الساحة الجامعية من أجل تحقيق بسيط وغايات في نفسه، ويعاقب بعضهم لمجرد حبهم لأستاذ تجمعه به علاقة متشنجة أو يعاقب أحد طلبته لمجرد تعبيره عن مواقفه داخل الساحة الجامعية.نعم أستطيع أن أقولها بكل وقاحة في الجامعات عصابات شكلها أساتذتنا للآسف.

لا يمكن لأحد أن يقنعني اللحظة أن المختبرات التي نسمع عنها تفتح بين الفينة و الأخرى بدواعي علمية محضة، كما الحال عن الماسترات التي لم يعد يختلف فيها غير الاسم فقط لأن الأستاذ يرغب بالترقية ولايهمه مستوى التكوين ولا يكترث لمصير هذه  الشهادة الجامعية.ماهي درجات الإنتاج العلمي لأستاذتنا ؟ لمذا هذا الاجترار منذ سنوات لمواضيع غدت مستهلكة.يبدو أن الأمر يكشف عن سبب هذا الترتيب المخجل للجامعة المغربية .لكن هل يكون الأستاذ وحده المسؤول؟

وهو نفسه السؤال المطروح أي طالب تضم جامعاتنا اليوم؟ ذلك الطالب الذي اختار وضع قدم في التكوين المهني وقدم في مقصف الجامعة حتى يقنع نفسه أنه من النخبة التي تلج الجامعة، ليعيش التشرذم بين القيم و المبادئ للأسف, أم عن الذين اختاروا التسجيل على سبيل اختبار قدراتهم من أجل قيمة مالية تسمى المنحة، هو واقع للأسف مخجل لنا جميعا وكلنا شركاء في خلقه.

هي بعض السلوكات التي رصدناها جميعا نعبر عنها اللحظة بطريقتنا الخاصة، لنوجه من خلالها تساؤلات للرأي العام، في وقت أصبح الجامعات بالدول الأوروبية منظومة الكترونية تحت على الانتاج العلمي و المعرفي، أما جامعاتنا للأسف لازالت تتخبط في مشاكل تافهة.يحكمها قانون الخضوع للنسق وانعكست الدلالة في المعنى من جامعة تنتج من أجل تغير الواقع الى جامعة ترعى الواقع بكل فخر...

في الحقيقة كنت محظوظا أن التقيت بأساتذة حرصوا على تكويننا بوعي ومراقبة معرفية، وظلوا يحثوننا على أخذ المعرفة و التكوين، وعدم الاكتراث فهذا الواقع سيتغير بنا، ومادمنا نستطيع أن نتساءل بهذا الشكل، ونبتعد عن مختلف صيغ الخضوع و الولاء ونؤمن بأنفسنا سنسعى لتحقيق مسار آخر للجامعة المغربية.

تحية احترام و تقدير لكل إنسان في هذا العالم يحترم نفسه قبل كل شيء.

 

المهدي بسطيلي (طالب باحث بسلك الماستر).

 

رائد عبيستجتهد كثير من الأفكار في تعريف مفاهيم فضفاضة، دون الوقوف على جذر نشأته أو إمكانيات تعريفه أو فهمه او تبنيه و من هذه المفاهيم هو مفهوم المواطنة وهويتها. لذلك لا نستشهد هنا باي تعريف للمواطنة، لأني لا اتفق مع تعريف هذا المفهوم بشكل عام، والسبب أن مقوماته غير موجودة. أما التعريفات المتداولة في المعاجم السياسية، والاجتماعية، فهي من وجهة نظرنا تعريفات نخبوية، لا تظهر المعنى الحقيقي لمفهوم المواطنة وهويتها و لأنها تعريفات أحادية الجانب وأحادية البعد.

كيف؟ ولماذا؟ الإجابة عن الكيفية يحتاج إلى الكمية، وبما أن الكمية لا يمكن امتلاكها، تبقى الكيفية قاصرة عن الانتاج. والسبب يعود إلى أن التركيز على أبعاد محددة يوليها الكاتب، أو الباحث، أو المنظر، أو المعرف لمفهوم المواطنة تحمل وجهة نظر فردية لا وجهة نظر الكم وبهذا نفقد الكيف. تعريف المواطنة بحاجة إلى استقراء تام كامل غير ناقص مستوفي لا مستهوي، يشمل الكل بدون اختيار، ويسأل الكل بدون اختبار. من اجل أن يتحقق المعنى المراد للتعريف، اي أننا نرفض الاختزال في المقال وتعريفه. بما أن هذا الأمر لا يمكن أن يتحقق، يبقى تعريف المواطنة غير متحقق البته.

المواطنة هي شعور، لا يمكن أن يختزله مترف، أو نخبوي، أو مثقف غير عضوي، أو مثقف منطوي.

من اجل أن يتملك هذا الشعور الجميع، علينا أن نأخذ راي بائعة الفجل، وراعي الغنم، وسائق الحمار، والطبيب، والسياسي، والاكاديمي عن معنى المواطنة، ونرى في الوقت نفسه، هل أن معنى المواطنة متحقق في مشاعر كل منهما بالتساوي؟! وهنا لا علاقة لنا بالتفاوت الاجتماعي والطبقي، بل لنا علاقة بالإحساس، بكونهم يحملونه كلهم متساوون به وهو بطاقاتهم الوطنية التي تعرف بهم رسمياً، دون أن تعرف بهم معنوياً!! اي نقصد أن المواطنة هي شعور معنوي متحصل بعد تحصل الحقوق، ومنح الدولة اياها لمواطنيها عبر سعيها إلى منح حقوقهم بالتساوي، مثلما تساوي بهم ببطاقة تعريفية تسمى الجنسية أو البطاقة الوطنية.

اذا نحن أمام إشكالية تعريف حقيقي للمواطنة ومحاولة الامساك به، لا سيما وأن المواطنة ترتبط بمفهوم الوطن، لا مواطنة بدون وطن، سواء الوطن الام او البديل، كلاهما يجب أن يشعراك بانتماءك والا لا يمكن عدهما وطنناً.

ولا يمكن أيضا أن نفهم المواطنة ببعدها الطبقي لان المواطنة ضد الطبقية.

فالمواطن عند جمهور الحفاة، غيرها عند جمهور المترفين، والمواطنة عند شريحة الموظفين غيرها عند شريحة العاطلين عن العمل. والمواطنة عند شريحة الفلاحين غيرها عند من لا يملك شيء. هذه الجدلية الاجتماعية التي تحول دون انتاج اي تعريف لمفهوم المواطنة ومعانيها. فعندما تغيب المواطنة تغيب معها كل معانيها، أو عندما تتواجد بشكل طبقي عندها ستتشوه كل مداليلها ومعانيها.

لذا نرى أن مفهوم المواطنة لا يتكون الا عبر مجموعة مفاهيم منها: الحق، والمساواة، والعدالة، والحرية، بخلاف ذلك لا يمكن لنا الحديث عن مواطنة ووطنية وتعريفها وإملاء عقول الناس والأطفال بها دون أن يتحقق منها شيء، فهذه المفاهيم لا يكفي انها تلقن في المدارس أو من خلال الإعلام أو من خلال إذاعتها كمفاهيم عامة، لا يمكن إدراك هذه المفاهيم لأنها تتعلق بالممارسة الفعلية لتكوينها وتطبيقها.

طالما نجد ان ادوات تطبيق هذه المفاهيم تستند إلى اخطاء جسيمة تدخل كمعايير أخرى بعيدة عن روح المواطنة مثل المحسوبية أو المنسوبية أو الولاءات والانتماءات البديلة عن الانتماء الكبير وهو انتماء الوطن. العراق وأبناءه يتطلعون إلى تجاوز نمطية التفكير القروي، أو القبلي، أو العشائري، أو الحزبي، أو العقائدي أو النفعي في إدارة البلد، لأنهم يطمحون الى تحقيق المواطنة والعيش الكريم وبناء بلدهم بأسس صحيحة ينالوا بها حقوقهم ويعزز إليه انتماؤهم.

 

الدكتور رائد عبيس

 

نبيل عودةمدخل: موضوع الفلسفة هو أكثر المواضيع التي يقف امامها الجيل الناشئ، واكثرية الأجيال بما فيهم الكثير من المثقفين، موقفا سلبيا بظن انه موضوع بلا مضمون وبلا ارتباط بواقع الحياة. وان الفلسفة أقرب للثرثرة التي لا تغني ولا تسمن .. ربما مجرد ابحاث لا تزود الانسان بأي جديد، وبأثر ايجابي على تفكيره وتطوير قدراته الذهنية. والمؤسف ان الكثيرون من اصحاب المقدرة العقلية لا يألون جهدا في فهم المضامين الفلسفية وأثرها على التفكير وتطور كل مجالات الحياة في المجتمع الانساني. هل هي التربية الخاطئة، هل هو اسلوب التعليم الذي يفتقد للكثير من المركبات الضرورية لخلق انسان المستقبل؟ مختلف دول العالم المتنور اقرت الفلسفة ضمن برامجها التعليمية. نحن في الشرق نصر ان الدين هو المركب الفكري الضروري. لا بأس من فهم مضمون الدين، لكن المضمون الأخلاقي والانساني وليس المضامين التي ترى بكل مختلف دينا وطائفة وفكرا عدوا يجب القضاء عليه.

تاريخ الدين في القرنين الأخيرين، العشرين والحادي والعشرين، هو تاريخ مليء بالدماء والآلام لبني البشر. بحساب بسيط، شكل الدين بالأسلوب الذي ساد كارثة للشعوب العربية والشرقية وطال العديد من الدول الأجنبية. لا أحد ينكر ان الغرب الاستعماري ترك بلادنا قفرا من التطور. عمق التطرف القومي والديني. ترك لنا دولا هي مهازل، وانظمة حكم تعمق أزمة الشعوب العربية، تنهب ثرواتها، وهذا سينعكس بطريقة لا يمكن توقع مدى مأساويتها الكارثية على مستقبل المجتمعات العربية.

في هذه الشذرات والنصوص التي جمعت بعضها وصغت بعضها الآخر، بناء على عشقي للفلسفة ودراستي لها واهتمامي بشرحها وتبسيطها، من رؤيتي انها ضرورية خاصة لأبناء جيل المستقبل، وذلك عبر سلسلة مقالات تحت عنوان "فلسفة مبسطة" ظهر منها الكتاب الأول واعمل على اعداد الكتاب الثاني، ويمكن للمهتمين ان يقروا النصوص عبر البحث في غوغل، وقد دمجت بالمواضيع الفلسفية، قصصا ساخرة معبرة عن المضمون الفلسفي، وهو اسلوب اتبعه استاذي الروسي، حين درست في الاتحاد السوفييتي السابق .. قربنا هذا الأسلوب من عشق الفلسفة واشغال عقولنا بربطها بالواقع الانساني.

هذه نصوص وشذرات فكرية وفلسفية .. استغرقني العمل على صياغتها وقتا كبيرا. هدفي منها ان افتح اطلالة هامة على المضامين الفلسفية، لعل ذلك يدفع البعض للاهتمام الجاد بالفلسفة، ولعل العالم العربي يقر هذا الموضوع ضمن برامجه التعليمية، ولكن بتحرير الفلسفة من أي مركب اسطوري او خرافي او ايماني مغلق. وما أعرفه ان تونس فقط، ومنذ عهد الحبيب بورقيبة، جعلت موضوع الفلسفة ضمن برامج التعليم .. بينما دولا اخرى لا تعطي للموضوع نفس القيمة التي سادت التعليم التونسي.

من دفتري الخاص: حكايتي مع الفلسفة

شاركت وانا في نهاية المرحلة الابتدائية، بدورة دراسية فلسفية في اطار الشبيبة الشيوعية في الناصرة، سحرتني الفلسفة، من يومها صرت اسيرا للفلسفة وبت استعمل اصطلاحاتها في تفسيراتي للكثير من مواضيع الدراسة، أحيانا بلا فهم كامل لمضمون الاصطلاح، بسبب ذلك انتقدني احد المعلمين بقوله ان الكتابة والحديث عن الفلسفة لا تخدم ثقافة الجيل الناشئ، لأنها ثرثرة بلا مضمون..

لم اكن على دراية كاملة لأعرف كيف ارد عليه. لكني رفضت رأيه، وقلت ان الفلسفة هي في صميم التفكير ومجمل العلوم. فلم يجد من جواب الا ان يسخر مني ويُضحك بعض زملائي الطلاب بوصفي ب "الفيلسوف الذي لا يفقه ما يقول ويعيش بأحلام بعيدة عن الواقع". ونصحني ان اعود الى عقلي ووعيي، وان اهتم بدروسي وابتعد عن الفلسفة والثرثرة.

اعترف اني غرقت بالصمت والتفكير لفهم عقلية مربي أجيال يجهل قيمة الفلسفة بخلق جيل حر ومفكر ومتحرر من الخرافات والأوهام.. لم اكن قادرا على تفسير موضوع الفلسفة كما شرحه لنا المحاضر.. بتأكيده ان الفلسفة ضرورة لجيل ينشد العقل والعلم والمعرفة من اجل احداث نهضة فكرية واجتماعية وعلمية في مجتمعنا الذي يعاني من ظواهر مقلقة من التطرف الديني المناقض لفلسفة الدين، ومن الجرائم التي ترتكب بمجتمعنا والتي اراها نهجا غير نظيف يلقى التجاهل النسبي من السلطة، ومن القصور الرهيب في التربية السليمة!!

بعد ان حثني المعلم وهو يضحك من جهلي (بالأصح استفزني مرات عديدة) ان اجيب على ملاحظته، قلت له باختصار: من اجل مستقبل طلابك قدم استقالتك من التعليم!!

عبس وتجاهلني!!

بالتلخيص، شكرا لذلك المعلم الذي جعلني احول الفلسفة الى موضوعي المفضل، تركت دراسة هندسة الميكانيكيات بعد سنتين من الدراسة ، واتجهت لموسكو لدراسة الفلسفة في المدرسة الحزبية، وأخطأت اني لم اواصل الدراسة الجامعية للحصول على اللقب الجامعي لأني كنت متحمسا ان انقل ما تعلمت للكوادر الشبابية!!

***

 القسم الأول: عرض فكري وفلسفي

الماركسية

عانت الماركسية من عدم وضوح وقصور فكري لقادة "المجتمع الجديد" (الاتحاد السوفييتي) ينبع أساسا من عدم تطوير الماركسية لمفهوم الدولة الاشتراكية، الدولة التي ستبني المجتمع الجديد. وظلت الدولة الرأسمالية (العتيقة) هي الجهاز الذي كلف ببناء النظام الاشتراكي الجديد.. كل ما جرى ان السيد تغير ولم يتغير نهج الدولة او النظام.

تقوم نظرية الثورة الماركسية على مبدأ يقول " على الثورة ان تستمر حتى القضاء على الطبقات المالكة بشكل عام"، فيما بعد طور ماركس نظريته بقوله إن "الكلام لا يدور حول تغيير الملكية الخاصة او القضاء على قسم من قوانين البرجوازية، بل إنشاء "المجتمع الجديد". طبعا هذا التعريف عقلاني ومتزن، لكن للآسف جرى تجاهله والالتصاق بمقولة القضاء على مجمل القوانين والملكيات التي تسود المجتمع الرأسمالي.

ماركس طرح في فلسفته رؤية هامة بقوله "لقد اكتفى الفلاسفة بفهم وتفسير العالم، أما الهدف فهو تغييره".. هل كان يريد تغييره بالعنف بأساليب التنظيمات المتطرفة حسب النهج الذي اعتمده ستالين أيضا بعد القضاء على الأعداء البيض في الداخل؟ او ربما يصح القول ان فلسفة ماركس كانت تبريرية لفرض نظام ديكتاتوري بالغ القسوة والعنف والتدمير بدون حدود؟!

لا يمكن انكار ان الماركسية كانت من اكثر الفلسفات تأثيرا على المجتمعات البشرية.والبعض يسميها فلسفة القرنين التاسع عشر والعشرين. كان حلم ماركس انسانيا، وطرح رؤيه لبناء نظام انساني عادل. رؤيته الانسانية كانت تتناقض تناقضا جوهريا مع الحكم الاستبدادي، القمعي والدموي لنظام ستالين.

قانون العلوم

قصة فلسفية من الفلسفة الاغريقية

ديميتري: توجد الكثير من الفلسفات المنافسة، كيف اعرف أي فلسفة هي الصحيحة من بينها؟

طاسو: من قال انه توجد فلسفة صحيحة؟

ديمتري: لماذا تجيبني دائما بسؤال؟

طاسو: هل لديك مشكلة بذلك؟

ديميتري: صدقني لا اعرف حتى لماذا سألتك أصلا. توجد أشياء ببساطة صحيحة، مثلا: 2+2=4

طاسو: كيف تستطيع ان تكون متأكدا من ذلك؟

ديميتري: لأني أثيني ذكي جدا.

طاسو: كونك أثيني هذا موضوع آخر. لكن السبب الذي يجعلك متأكدا من 2+2=4 ان الجواب يعتمد على قوانين العلوم التي لا يمكن الشك بها.

فلسفة العلوم

أصل كلمة العلم هو من اليونانية "لوجوس" (Logos) والتي فسرت تفسيرات مختلفة منها "السبب"، "الفكر"، "الافتراض" والبعض فسرها ب "علم المنطق". القفزة الكبرى في فلسفة العلوم كانت في القرنين التاسع عشر والعشرين. طبعا قرننا الحادي والعشرين أحدث قفزة هائلة في فلسفة العلوم. مطلقا العقل البشري والوعي الإنساني إلى عوالم لا حدود لها. من المذهل ان نقارن بين مجتمعات تعيش على هامش الحضارة العلمية والعالمية، ومجتمعات جعلت من العلوم رافعة للتقدم الاقتصادي والاجتماعي، لأن العلوم في جوهر أي حضارة ولا تقدم حضاري بدونها

تبني فلسفة العلوم الكثير من دراساتها على ما يعرف ب "علاقات الاستدلال" بين الفرضيات أو النظريات

المختلفة. نجد هنا ان "الأبستمولوجيا" التي هي فرع من فروع فلسفة العلوم وتعني "دراسة العلم" اثارت اهتمام العديد من العلماء العرب والمسلمين بنظريات المعرفة ومن أشهرهم المعتزلة والأشعرية وابن سينا وابن رشد والغزالي.

قيمة النظريات العلمية، أو ما يعرف بفلسفة العلوم يمكن تلخيصه بان الوعي الإنساني يفقد فائدته بدون ان تؤكده النظريات العلمية. نحن لا نتحدث عن ميراث فكري ينقل بالوراثة ويجعل الأكثرية المطلقة من البشر منغلقون فكريا ووعيا عن فهم أي معيار خارج موروثاتهم، حتى الأرض رفض بعض "علمائهم" كرويتها واعتبروا المسألة فكر استعماري.. ويرون بكل محاولة لنقض ما نقل إليهم بالرضاعة، أو بالتلقين الذي يشل التفكير ويقمع العقل، خروجا عن الصحيح وضلال ما بعده ضلال.

مجال القوانين العلمية هو دراسة بيولوجيا الحياة كشكل خاص لحركة المادة، كما يتناول قوانين تطور الطبيعة الحية، وكذلك الأشكال المتشعبة للكائنات الحية: بناؤها ووظيفتها وارتقاؤها وتطورها الجزئي وعلاقتها المتبادلة بالبيئة.

النخبة

لكل مجتمع تنشأ نخب مختلفة، أبرزها وليس أهمها النخب السياسية والدينية... هذا موضوع بديهي لأنهم الأكثر ثرثرة. قد نجد ضمن النخب منتفعين، انتهازيين، تجار.. الخ، نجد أيضا مخلصين يكرسون كل جهدهم وجل وقتهم، حتى على حساب عائلاتهم من اجل قضايا شعبهم ومجتمعهم. القيادة ليست تشريفا وليست وجاهة ومخترة. هذا ما يقلقني خاصة وبالتحديد عندما اراجع شكل ادارة زعماء الأحزاب في بلادنا لمختلف انشطتهم، لا اشمل الجميع، هناك من يدمج بين النشاط الجاد والمخترة.. ما يثير الامتعاض ان بعض من يصبح ضمن النخبة، بطرق لا تتعلق بقدراته، بل لقدرته على ان يكون بعشرة وجوه. يريد من الجميع المديح فقط لعبقريته ولأنه وحيد عصره.. من هنا تتعمق أزمة القيادة والقطيعة مع الجماهير. النتيجة يوجد من يسير بمقدمة الصف.. لكن لا يوجد من يسير خلفه الا منتفعين وأسرى الأوهام!!

بروليتاريا

انتشر تعبير البروليتاريا لوصف الطبقة التي لا تملك أي وسائل إنتاج وتعيش من بيع مجهودها العضلي أو الفكري، تاريخيا ظهر هذا الاصطلاح بالامبراطورية الرومانية القديمة لوصف الفئات السكانية الأشد فقرا والتي ليس بقدرتها دفع الضرائب. لكن الأمر الأساسي ان هذه الظاهرة انتشرت في اوروبا مع بداية صعود وتطور النظام الرأسمالي. واستعملت كوصف للفئات الأشد فقرا من النخب العمالية، ومن المعروف ان الطبقة العمالية آنذاك لم تكن متطورة مهنيا وتكنولوجيا كما هي اليوم، وجذور هذه الطبقة تعود الى فئات من المزارعين والرعاة الذين دمرت الرأسمالية مراعيهم وحقولهم وسيطرت عليها لبناء الصناعة الرأسمالية وحولتهم الى عمال غير مهنيين في صناعتها.. لكن هذه الظاهرة لم تنشأ خارج اوروبا، وتلاشت مع التطور والتحولات الاقتصادية العميقة في المجتمع الرأسمالي. لدرجة انه يمكن الملاحظة ان مفهوم البروليتاريا اصبح غير ذا شأن مع التحولات الاقتصادية العميقة التي انعكست على الواقع الاجتماعي أيضا. اليوم استعمال هذا الاصطلاح لوصف الفئات الاجتماعية المختلفة من موظفين ومهندسين واطباء ومدراء شركات وعمال اصبح مضحكا وبعيدا عن المنطق. وكل مفهوم الصراع الطبقي التناحري (حسب نظرية المادية التاريخية لماركس) تلاشى من عالمنا، طبعا هناك نضالات عمالية مختلفة، لكنها ليست صراعا تناحريا.

مثلا قادة الطبقة العاملة اليوم اصبحوا من النخب السياسية الذين لم ينجزوا غير ارباحهم المادية. مثلا: كوادر العاملين الحزبيين تحسب ضمن ال 1.8 مليون فقير في اسرائيل، أما الزعيم السياسي، مهما تميز بالغباء والتصرفات الهوجاء، فهو ضمن اغنياء اسرائيل، بتجاهل كامل لواقع الفقر والإملاق الذي تعاني منه "البروليتاريا" الحزبية (رفاقه بالنضال). نجد مثلا ان الزعيم (عضو كنيست او رئيس سلطة محلية) يعتاش من دخل بقدر بعشرات الاف الشواكل شهريا عدا الخدمات الهامة والكثيرة التي يحصل عليها بحكم منصبه. أما الموظف الحزبي الذي يقوم بالعمل الأسود، يحصل بصعوبة على معاش الحد الأدنى او أكثر قليلا .. طبعا انا كنت في هذا الفلم لعدة سنوات ولي تجربة مؤلمة تأثيرها السلبي قائم حتى اليوم. للأسف لم يتغير الوضع بل يزداد سوء. ما أعرفه تمام المعرفة انه يوجد تقص بكوادر الموظفين الحزبيين، الوضع الاقتصادي هو السبب؟ حجة مضحكة!! يمكن توظيف كوادر اخرى للعمل إذا تنازل "الزعماء" عن حصة من دخلهم بصفتهم ممثلين لتنظيم سياسي، انتدبهم وزعمهم. مثلا ممثلي الحزب الشيوعي الفرنسي في البرلمان الفرنسي يدفعون 50% من معاشهم ومن تعويضات عملهم البرلماني للحزب، الحزب كلفهم بدور سياسي ولم ينصبهم وجهاء ومخاتير ليغتنوا على حساب الحزب. لكننا لسنا فرنسيين. السؤال: متى تنتفض "البروليتاريا" الحزبية في بلادنا أيضا تنفيذا لتعاليم ماركس نفسه عن الصراع الطبقي بين "البروليتاريا" – فقراء الحزب والبرجوازية اغنياء الحزب، ربما تكون انتفاضتهم تمرينا للثورة الاجتماعية التي تنبأ بها ماركس في ماديته التاريخية. هل تصرفات من يدعون انهم على نهجه هي سبب فشل نظريته عن الصراع الطبقي؟

ازمة العقل العربي

استعرضت المناضلة المصرية، الدكتورة في علم النفس نوال السعداوي في مقال لها بعنوان "الطب

النفسي والإلحاد" حديث "علمي جدا!!" أدلى به طبيب نفسي مرموق اعتبر الإلحاد من الاضطرابات النفسية التي تصيب الشباب لأسباب مختلفة منها ضعف الوازع الديني، تدهور الأخلاق بعد ثورة يناير وغياب السلطة الأبوية لسفر الأب الى الخليج أو فقدان الحنان الأمومي لانشغال المرأة عن واجباتها الأسرية بعملها خارج البيت أو طموحها الذاتي. المضحك والساخر جدا تحليل "الطبيب المرموق" لنفسية الملحد، وصفه إنه شخصية هستيرية أو باراناوية، أي مصابة بمرض جنون العظمة ومن ظواهر هذا المرض، حسب الطبيب النفسي.. الوسواس والهذيان اذ يعاني الملحد وسواسا قهريا يميل للتمرد والاستعلاء على السلطة الأبوية الحاكمة أو حتى الإلهية، فيميل إلى الشك والتساؤل والاختلاف عن الآخرين طلبا للشهرة (خالف تعرف)، وقد يكون مريضا بالفصام أو الخلل الشعوري أو اللاشعوري وغيرها من الاضطرابات الوجدانية.

الطبيب أحسن بوصف شخصيته هو نفسه كشخص اصولي غير متزن فكريا وبعيد عن المنطق الطبي والانساني، مضطرب ويفتقد لكل مقومات الشخصية المتزنة، شهادته وتحليله كطبيب هي مجرد ترهات انسان غير متزن، افكاره خرق لا تنفع حتى لبيوت الراحة. الطبيب لم يستوعب ان الحضارات العالمية وما انجزته العلوم من اكتشافات، وانجازات، بعضها يملأ بيته وعيادته، انجزها اشخاص ملحدين .. مرضى البارانويا والوسواس والهذيان، حسب منطقه الساقط والمناقض لأبسط المفاهيم العلمية!

العقلانية...

التقى ثلاثة أصدقاء، متفائل ومتشائم وعقلاني في مقهى...

طلبوا أن يشربوا الماء أولا...قدمت لهم ثلاثة كؤوس نصف ممتلئة.

نظر المتفائل لكأسه وقال: الكأس نصف ممتلئة. حرك المتشائم رأسه شمالاً ويميناً برفض وقال: الكأس نصف فارغة. ابتسم العقلاني لزميليه وقال: صديقي العزيزين، الكأس أكبر مرتين من الحجم الذي يجب ان تكون فيه.

اعتقد الفيلسوف الاغريقي سقراط بأن على البشر أن يفهموا أنفسهم أولا قبل أن يفهموا العالم، و أن التفكير العقلاني هو الطريق الوحيد لتحقيق ذلك.

فلسفيا تعتبر العقلانية جزء من التجريبية، لكنها تتمتع بنظرة أكثر شمولية، ولا تناقض بينهما بل متممان لبعضهما. هنالك العديد من الفلاسفة الذين يمكن تصنيفهم بالعقلانيين أو بالتجريبيين.

كما كان يعتقد سقراط، العقلانية هي نهج للإصلاح واستئصال الروح اللاعقلانية والإصلاح الأخلاقي، كي يكون إنسان مكتمل يظهر جوهره الاسمي.

الحقيقة المطلقة ..

كان مصابا بلطف الله يدور في شوارع مدينتي، الناصرة... ويدعو الله ان يميت كل الأطباء ويهدم كل المستشفيات حتى لا يظل ولا مريض... بالنسبة له هذه هي الحقيقة. فهل كان يستطيع أحدا ان يقنعه عكس ذلك، بأن المستشفيات والأطباء هم ضرورة لعلاج المرضى وليس لجعل الناس مرضى؟!

هل نستطيع ان نقول انه توجد حقيقة مطلقة خارج وعي الانسان؟ او يوجد موقف فكري مطلق صحيح في كل الظروف؟ وانه يوجد انسان مطلق الفهم والرأي، من طينة خاصة -كما وصف ستالين الشيوعيين في زمنه، وظلت هذه الفكرة الستالينية الغبية والمدمرة سائدة حتى أيامنا الراهنة، في أوساط غير شيوعية أيضا.

يطرح مفهوم الحقيقة ضمن عدة مجالات في حياة الانسان منها الفلسفة والفن واللاهوت والعلوم والاعلام، بالتلخيص استنتاجي الشخصي انه لا توجد حقيقة مطلقة خارج وعي الانسان!!

الوعي

الفلسفة هي الوعي. وتمثل الأساس النظري لرؤية ومكانة الانسان في العالم. والفلسفة هي الاشارة الأولى لانفصال عالم العمل الذهني عن العمل الجسدي. بمعنى آخر، بالتفكير الفلسفي يمكننا من إدراك حقائق عن الكون والحياة عبر إدراك ماهية الأشياء. أي لا يمكن ان ندرك شيئا يفتقد للمنطق. لا يمكن ان نصدق ان الإنسان قادر على الطيران بدون آلة. لا يمكن ان نصدق ان البقرة تلد حماراً. لا يمكن ان نصدق ان هناك إنسان يعيش على ثاني أكسيد الكربون.

اذن الوعي هو ما يشكل قناعات الانسان من أفكار ووجهات نظر ومفاهيم عن الحياة والطبيعة من حوله. وقد يكون الوعي وعيا زائفا، خاصة بسبب التأثير السلبي للموروثات الخرافية. فنجد ان افكار الإنسان ووجهات نظره ومفاهيمه غير متطابقة مع الواقع من حوله، جزئيا او بشكل مطلق.

الادراك

الإدراك هو عملية معرفية لتكوين صورة متكاملة لكل مواصفات الشيء، مثلا طاولة، لها مواصفاتها. أي اف في الشكل لا يلغي المواصفات. هذا يعتبر إدراكاً لشيء، أي ان الإدراك يتّسم بالثبات والاستقرار النسبي وهو غير ممكن بدون وعي الانسان. والانسان يكتسب المعرفة أيضا عبر الادراك!!

اللوجيكا

العلم كما تعلمون هو ميدان يبحث في مختلف جوانب الحياة بصفتها نسقاً متكاملاً، وهو أحد أهم ميادين النشاط البشري. لكن للعلم منطقه، منطق العلم... تعبيره اللاتيني "لوجيكا". اذن اللوجيكا هي المنطق العلمي.. والمنطق العلمي يرفض أي منطق آخر لا يعتمد على المعرفة والإثبات المدرك وليس بالاعتماد على اللغو والحكايات والتخيلات مهما كان مصدرها ومهما كان تقييمها عظيماً من البعض.

لا توجد ظاهرة في الطبيعة او الحياة او العلوم أو المجتمع، او عالم السياسة.. لا تفسير لها.. قد يكون تفسيراً ناقصاً، لكن له اسسه التي تقود الى اكتمال معرفة الظاهرة. من هنا اهمية الفلسفة أيضا لأن الفلسفة هي انتصار العقل على النقل والتأويل. اتركوا الحكايات للعجائز، لا شيء يخسرونه ولا شيء جديد يكسبونه. اما ابناء الجيل الجديد فقد يخسرون عقولهم وتقدمهم نحو القمة إذا لم يجعلوا من "اللوجيكا" – المنطق العلمي... مقياسا للحقيقة وقاعدة عقلية في قبول او رفض الطروحات المختلفة.

الطريقة الانديكتيفية

تعتبر الطريقة الانديكتيفية أفضل الطرق للوصول الى الحقيقة، تعني هذه الطريقة دراسة المعطى الواحد وصولاً الى سائر المعطيات، البحث في تفاصيل كثيرة ومقارنتها ببعضها البعض، من أجل استخلاص القاسم المشترك بين كل المعطيات التي تجمع مثلا من ساحة جريمة ما بتفاصيلها المختلفة. بذلك برع المحقق الاسطوري شارلوك هولمز في حلّ ألغاز الجرائم المعقدة. صحيح ان شارلوك هولمز من عالم الخيال القصصي ولكن نفس الطريق متبعة اليوم في أقسام الشرطة التي تحقق بالجرائم. نفس الطريقة متبعة اليوم في العلوم الطبيعية على الأخص، اذ عبر التجارب والمراقبة واستخلاص القاسم المشترك للظاهرة أو الظواهر الطبيعية، نصل الى إقرار قواعد وقوانين علمية. إذا اتبعتم نفس الطريقة في تفكيركم بالأشياء والقناعات الموروثة او الطارئة ستصلون الى حقائق جديدة. بدون ذلك تفتقدون اهم مميزات التفكير. عقلكم مصادر لأساطير وحكايات عجائبية تلغي فائدة عقولكم...تستصعبون التخلص من الأساطير والقصص الغرائبية؟ اذن اذهبوا لتكنيس الشوارع...

حكاية عن التفكير الانديكتيفي

كان شارلوك هولمز يطارد مع معاونه مجرماً هارباً، في الليل نصبوا خيمة صغيرة وناموا داخلها في الخلاء. استيقظ هولمز ونظر إلى النجوم والقمر.. وأيقظ معاونه، قال له:

- انظر إلى السماء وقل لي ماذا ترى؟

نظر المعاون وقال بعد تفكير مقلدا أسلوب سيده شارلوك هولمز:

- أرى ملايين الكواكب، استنتج من ناحية علم الفلك، انه يوجد ملايين الكواكب السيارة ومليارات النجوم، استنتج من مستوى سواد الليل ان الساعة قريب الثالثة صباحا، استنتج من ناحية علم التنجيم ان كوكب زحل في برج الأسد اليوم. استنتج من ناحية علم الأرصاد الجوية ان اليوم سيكون جميلا ومشمسا، ومن ناحية لاهوتية استنتج ان الله هو القادر على كل شيء وإننا نحن صغار وعديمو أهمية.. كيف ترى ملاحظاتي يا معلمي؟

- أنت عظيم الغباء يا معاون، لم تلاحظ أهم شيء، بأننا ننظر إلى السماء مباشرة لأننا بدون الخيمة التي نمنا داخلها.. مما يعني ان الخيمة سرقت ونحن نيام؟!

فلسفة المعنى

لو تحدثنا عن معنى "فلسفة المعنى" فإننا سنواجه اتجاهات عديدة متناقضة، سأشرحها لكم بجملتين: "المرأة ترتب البيت قبل حضور الشغالة، الرجل يرتب السرير بعد مغادرة الشغالة". اذن لكل حالة او شخص معنى مختلف من الشغالة.. ودلالة المعنى تظهر في تصرفاتهم.

اذن معنى فلسفة المعنى يختلف. تماما كما ان المرأة تحب ان تسمع كلمة "أحبك" بينما الرجل يحب ان يسمع كلمة "أريدك". هنا يجب ان ننتبه للمدلولات المختلفة من وراء المعاني المختلفة أيضا.

كيف نوفق بينهما؟ هل يتوهم شخص عاقل انه يمكن التوفيق بين المعنيين والمدلولين؟!

ستفشلون عندما تحاولون. ماذا يعني الزوج لزوجة ملت من زوجها بعد سنوات طويلة؟ ماذا ستقول له حتى لا تكون غبية وفظة؟ عليها ان تختار مدلولاً مناسباً لمعنى مللها. ستقول له: آه يا زوجي الحبيب، انت تذكّرني بالقارب البحري الذي ركبناه أثناء شهر العسل قبل ربع قرن. ليس لزرقة عينيك الشبيهة بزرقة البحر، وليست بسبب قمصانك الواسعة الجميلة التي تشبه شراع القارب، وليس بسبب شعرك الغزير الناعم الذي يتطاير في الريح، والسبب يا زوجي الحبيب أنى كلما أراك أصاب بالغثيان الذي اصابني بالقارب.

الشهوة

1- العقل عدو الشهوة، الانسان الذي تحركه شهواته لا عقل له.

2- ان سيطرة الانسان على شهوته تبدأ بالمأكل والمشرب.

3- من تقوده عيناه يتميز بعقل منفعل وليس فعالا.

4- ابقراط-فيلسوف اغريقي قال: من المفضل فحص الشهوات حسب السؤال التالي: ماذا يحدث لي إذا استجبت للشهوة وماذا يحدث إذا لم استجب؟

5- ديمقريطوس-فيلسوف اغريقي قال: إذا عرفت كيف تتوجه لأعماق نفسك تجد ثروة من القوة التي تمنعك من مجمل شهواتك السيئة.

6- أرتور شوبنهاور (1788 – 1860) فيلسوف ألماني تشاؤمي قال: مقابل كل شهوة حصلت عليها تبقى على الأقل عشر شهوات غير محققة!!

الانسان

1- ارسطو – فيلسوف اغريقي قال: الانسان هو المواطن في المدينة (الدولة).

2- افلاطون – فيلسوف اغريقي قال: على الإنسان -الذي ينتمي إلى عالمين – أن يتحرر من الجسم (المادة) ليعيش وفق متطلبات الروح ذات الطبيعة الخالدة.

3- فرانسيس بيكون (1561 -1626) فيلسوف إنجليزي، معروف بقيادته للثورة العلمية قال: بنو الانسان ليسوا الحيوانات التي تمشي بقامة منتصبة، انما آلهة من ابناء الموت.

4- مارتن هايدغر -فيلسوف ألماني (1889 -1976) قال: اقرار ماهية الانسان لن تكون اطلاقا مجرد جواب بل هي دائما السؤال.

ديفيد هيوم (1711 -1776)، فيلسوف واقتصادي ومؤرخ أسكتلندي قال: الانسان هو العدو الأكبر للإنسان.

5- يعقوب كاتسكين -(1882 – 1948) فيلسوف يهودي (روسيا) قال: أكثر مما يعرف عن قيمة

الانسان الكبرى يعرف أكثر بصغائره.

6- رأيي الخاص: الإنسان هو الإله ... لكنه نسي ذلك وعبد إله آخر.

الأخلاق

1- فرانسيس بيكون قال: كل فلسفة أخلاقية جيدة، ليست الا خادمة للدين.

2- يشعياهو ليبوفيتش قال: الحكم الأخلاقي يتعلق بالفعل نفسه وليس بنتائجه.

3- المفهوم الماركسي: الأخلاق هي شكل من اشكال الوعي الاجتماعي، مؤسسة اجتماعية تقوم بتنظيم سلوك الناس في كافة ميادين الحياة.

4- الأطيقا (كلمة يونانية تعني علم الأخلاق) بدأت تتشكل منذ العصور القديمة وكانت تعتبر جزءا من الفلسفة (علما فلسفيا)، شهد تاريخ فلسفة الأخلاق صراعا واسعا بين المفاهيم التي تقول ان الأخلاق تتحدد بناء على ارادة ربانية (أي لا تفسير منطقي لها) او انها تتحدد بناء على تطور الوعي الفردي والجماعي للإنسان وعلاقته بالوسط المحيط به.

5- ثراسيماخوس فيلسوف اغريقي قال: أن الأخلاق ما هي إلا مجموعة قرارات وقيود يفرضها أصحاب السلطة والقوة على شعوبهم

6- سقراط فيلسوف اغريقي قسم نظريته الأخلاقية إلى قسمين. الأول يقول بأن مشكلة الأخلاق يمكن أن تحل عندما نفهم طبيعة النفس البشرية. الثاني، يقول بأن فهم طبيعة النفس البشرية تكون ممكنة، عندما نقوم بدراسة المدينة أو المجتمع.

7- رأي شخصي: ما هو صحيح أخلاقيا أمس لم يعد صحيح كما هو اليوم، وما هو صحيح اليوم سيتغير في المستقبل.

الأمل

1- رالف أمرسون (1803-1882) أديب وفيلسوف أمريكي قال: ان قلة الأمل والشك هما انتحار بطيء

2- فرانس بيكون قال: الأمل هو وجبة افطار جيدة ولكنها وجبة عشاء سيئة.

3- جوزيف زوبر (1754 -1824) كاتب فرنسي قال: الأمل هو الحصول على قرض من السعادة.

4- سانكا – فيلسوف روماني (ولد4 سنوات قبل الميلاد) قال: الخوف رفيق للأمل

5- يعقوب كالتسكين – الأمل هو الروح الإضافية للمساكين.

6- شبينوزا – فيلسوف يهودي هولندي (1632 – 1677) قال: لا يوجد أمل بلا خوف ولا خوف بلا أمل.

7- راي شخصي -معظم الآمال هي أحلام .. لا تتحقق الا في النوم !!

الهدف

1- اينشتاين عرف "الهدف" بهذه الكلمات: تطوير الوسائل وخلط الأهداف هو ما يميز زمننا !!

2- وصف الفيلسوف الاغريقي ارسطو الهدف بقوله: من السهل اخطاء الهدف ولكن من الصعب

اصابته!!

3- الفيلسوف فرانسيس بيكون قال: ليس من المحبذ الركض بمسار محدد عندما لا يحدد الهدف نفسه بدقة!!

4- الفيلسوف الفرنسي ميخائيل دي مونتين(1533-1592): النفس التي لا هدف ثابت لها تفتقد للطريق !!

5- الكاتب الروسي تولستوي قال: يجب العيش من اجل هدف مشترك، هكذا تعيش ذوات الأجنحة، وهكذا تعيش النباتات.

6- قاموس الفلسفة الماركسي: الهدف هو استباق مثالي وذهني لمجمل النشاط وسبل بلوغه بواسطة ادوات معينة.

الحب

1- قال أحد الفلاسفة ان الجنون هو الطريق للحب...ويقول مثل روسي ان الحب هو مجنونان يصنعان الثالث. إذن الجنون مرض لا شفاء منه للإنسان!!

2- الحب لا يعني التسلط والاخضاع .. بل التحليق في فضاء الحرية والابداع.

رؤية حضارية

1- الغطرسة تصبح خطرا ليس عندما تسود أخلاق الناس العاديين بل عندما تسود اخلاق السياسيين.

2- الانسان الحر هو الانسان الذي لا تضلله الخرافات والأساطير

3- الاتساع الكبير المتواصل بلا توقف في علوم الطبيعة يهدم بتواصل الضحالة الفكرية التي تميز المؤسسات الدينية ورجالاتها!!

4- يبدو اننا كمجتمع نتحرك الى الخلف. تضييق متواصل لمساحة حرية الرأي وحرية الابداع. اواجه ذلك مع كل عمل ادبي غير تقليدي، إذا اقتربت من الدين ببعض المنطق فانت على ضلال. يجب ان تخضع لمن وضعوا أنفسهم مقررين ما يجوز وما لا يجوز للعقل العربي ان يطرق ابوابه. تسقط عليك المواعظ مثل المطر وانا على ثقة ان اصحابها لا يفقهون سوى حرفيتها.

5- رؤية في التنبلة: في الثرثرة لا يسبقنا أحد. لا تعجبك جملة؟ خذ عشرة غيرها. لا يعجبك موقف؟ نحن كرماء وانت تستحق. خذ عشرين غيرها. لا يعجبك اللقب الذي انزلناه عليك...؟ نجد ألقابا أخرى.

6- رؤية سياسية: المنطق ان لا يواجه العاقل الأغبياء. بل ان يبتعد بذكاء لأن ايقاظ العقل النائم لدى الأغبياء يحتاج الى مسيرة تاريخية لم تبدأ بثقافتنا بعد.

7- لا تقلد عدوك بجرائمه، حتى لا تصبح عدو انسانيتك.

8- اكليل الغار للأدباء هو نسخة من اكليل الشوك الذي وضع على رأس المسيح !!

9- اقصى درجات العدل .. لا شيء عادل فيها، اوسطها هو أعدلها!!

الواجب

الواجب مفهوم أخلاقي لإنسان اجتماعي. الحيوان بلا وعيه، بل بغريزته... يقوم بواجبه نحو جماعته، عادة واجبه هو البقاء الجماعي للجنس او الفصيلة التي ينتمي اليها. الانسان يحركه وعيه، (او فقدان الوعي، بحالات لم تعد نادرة في زمن الدواعش). البعض يعرف الواجب كضرورة أخلاقية، او التزام أخلاقي نحو عائلة، جماعة، مجتمع، دولة.. الخ. الواجب لدى البعض اتخذ صيغة دينية، وعلى رأس هذا التيار الفيلسوف الألماني هيغل تحت صيغة ما سماه "أخلاق مسيحية". هذا الفهم ضيق.. لأن غير المسيحي او الملحد لا يتنكر لواجبه نحو المجتمع الذي يحتضنه حتى لو كان مجتمعا جديدا انتقل اليه. اليوم هناك مفاهيم تربط الواجب بكون الانسان نتاج اجتماعي، واجب مجتمعه نحوه لم يكن اكراها، وواجبه نحو مجتمعه ليس اكراها ايضا. تيارات أخرى دمجت بين الواجب والأطيقا الأخلاقية. أي ان الواجب هو خيار أخلاقي. في المجتمعات البشرية هناك تطابق في المصالح بين الفرد ومجتمعه وبالتالي الواجبات المتبادلة بين المجتمع والفرد.

الرازي

يعتبر الرازي من أعظم أطباء الإنسانية على الإطلاق اسمه الكامل أبو بكر محمد بن يحيى بن زكريا الرازي وهو فيلسوف وطبيب فارسي (864 -923)، ولد في مدينة الري. ألف كتاب "الحاوي في الطب" الذي شمل كل المعارف الطبية منذ أيام الإغريق حتى عام 925م وظل المرجع الطبي الرئيسي في أوروبا لمدة 400 عام

اشتهر الرازي بفلسفته الجريئة التي دحض بها النبوة وانتقد الديانات التي يقال انها منزلة ونقد اخلاقها. أنكر الوحي ودور الانبياء كوسطاء بين الله والبشر. وكانت اعتباراته اخلاقية وعقلانية. أكد ان النبوة تقود الى افساد اخلاق الناس والى سفك الدماء واعتقاد البعض ان الله خصهم بالوحي.

التعصب: التعصب ظاهرة اخلاقية، مصدر التعبير من اللاتينية -fanaticus -نستعمله بالعربية ايضا "فناتي" ويعني شديد الحماس جنوني. يتجلى التعصب بالتعلق غير الواعي والفاقد لكل المنطق الانساني البسيط وللعقل المتزن بفكرة معينة ومواقف مسبقة لا تعتمد على قاعدة اخلاقية او عقلانية. بل أشبه بالغريزة التي تميز الحيوانات.

يعني التعصب (الفناتي) ان كل من ليس على رأيي هو عدوي. وكل من ليس بجنوني هو منحرف. ووسائل المتعصبين لا تتردد في سفك دماء المخالفين. البشرية عانت من هذه الظاهرة في تاريخها، بدءا من محاكم التفتيش وصيد الساحرات في القرون الوسطي. في عصرنا الحديث نشا التعصب بأساليب مختلفة مثل المكارتية في أمريكا والجدانوفية في الثقافة السوفييتية في فترة ستالين والثورة الثقافية في صين ماو تسي تونغ، بالتلخيص هي ظاهرة معادية للعقل وللبشر وللحياة وحق التعددية الثقافية والاثنية والدينية. واليوم يدفع العالم العربي ثمنا رهيبا لظاهرة التعصب "الفاناتي"!!

اللغة

اللغة جسم حي ومتطور باستمرار، لكل عصر لغته، مفردات ومعان ومناخ ثقافي وفكري، وهي ميزة للإنسان وهي تصدر عن عقل يفكر، والإنسان السليم يعي عادة ما يقول. أنت تتحدث إذن أنت تفكر. منذ فجر الفلسفة اهتم الفلاسفة بفلسفة اللغة (البعض يسميها فلسفة اللسان)، بالكلمات ومعناها، والأهم الدقة في صيغة التعبير، والعلاقة بين القدرات التعبيرية والقدرات الفكرية.

الحيوان لا يتحدث إذن هو لا يفكر. في الدراسات الحديثة، التي برز فيها الفيلسوف الإنساني نوعم تشومسكي، اعتبر ان "دراسة اللغة ترتبط بدراسة الفكر البشري وان اللغة تفرض على الإنسان طريقة التفكير"، إذن فلسفة اللغة هي فلسفة تدرس التفكير البشري. اللغة هي ميزة للإنسان وهي تصدر عن عقل يفكر، والإنسان السليم يعي عادة ما يقول.

الظن ان هناك لغة مقدسة هو ظن قاتل للغة. حتى لغة المسيح المقدسة كما توهم اصحابها اندثرت واختفت تقريبا. في العقود الأخيرة تتطور لغة عربية حديثة تفرض نفسها رغم ان بعض مفرداتها يتناقض مع اساتذة معاجم اللغة. انها " لغة الصحافة " وهي في الحقيقة اللغة الفصيحة السهلة المعاصرة الأكثر سرعة في التكيف مع الواقع. ان لغة الصحافة، هي اللغة ذات المفردات الأكثر استعمالا وفهما في محيط اللغة العربية الواسع. قيمة اللغة انها اداة للمعرفة أيضا ونقل الخبرات، لكنها ايضا أداة لشل المخ وإعادة الإنسان إلى أسلافه قبل التطور!! الاختيار يحتاج الى وعي. لكن المجتمعات غير المتطورة يُنفى فيها الوعي ويقمع!!

الخيال

الويل لإنسان يعيش بلا خيال. الفلسفة تعرف الخيال بأنه نشاط نفسي يقود الانسان الى صور حسية وذهنية هي نتاج ما لديه من تجربة ووعي. انسان بلا تجربة يفتقد للوعي ويبقى عقله محدد بالتلقين لأفكار بدائية انتهت صلاحيتها. الخيال يقود الانسان نحو تعميق الادراك او تعميق الأوهام. الأمر وقف على قدرة العقل ان يتحرر من سطوة القيود الخرافية. نجد حتى عقولا علمية عاجزة عن التخيل المتحرر من القيود الخرافية أحيانا من الصعب فهم قدرتها على دمج العلم بالخرافة في تفكيرها. الخيال ضروري في الوصول الى تطوير الابداع بكل اتساعه المادي والروحي. أو شل العقل وجعله أداة يتحكم بها الآخرون.. وهي الظاهرة السائدة في التدين.

الحضارة

هي باختصار المدنية (التمدن) والقصد مجمل ما ينتجه المجتمع من الخيرات المادية والروحية، أي الصناعة والزراعة والعلوم من جهة والابداع الروحي -الأدبي والفني من جهة أخرى. مفهوم الثقافة يستعمله البعض كتعبير عن الحضارة أيضا، ليس خطأ فالثقافة هي القيم الروحية الابداعية. وتطورها يرتبط بشكل كبير بتطور انجازات المجتمع المادية التكنيكية. في عصر العولمة نجد ان الثقافة بمفهومها كإبداع روحي جمالي تجاوزت اطرها الجغرافية الى آفاق عالمية واسعة، لذا نشهد تناقضا عميقا بين الابداع الروحي والواقع الفكري المنغلق السائد في المجتمعات ضعيفة التطور المادي التكنيكي.

يعتبر البحث العلمي والابتكارات التكنولوجية وتطور الآداب والفنون من جوهر الرقي الحضاري. ان العلم والفن هما عنصران متممان في أي حضارة انسانية.

الديمقراطية

من اليونانية وتعني حكم الشعب، الهدف مشاركة المواطنين في الادارة والمساواة امام القانون وتوفير الحقوق والحريات الشخصية، في الواقع لا شيء من ذلك. اثناء الزيارة الشهيرة للزعيم السوفييتي خروتشوف للولايات المتحدة الأمريكية (1959) تجادل مع أيزنهاور الرئيس الأمريكي آنذاك حول الديمقراطية، قال ايزنهاور ان المواطن الأمريكي يستطيع ان يشتم الرئيس الأمريكي وهو بلصق البيت الأبيض دون ان يحاسبه أحد. فرد خروتشوف:" نفس الشيء في الاتحاد السوفييتي المواطن السوفييتي أيضا بلصق الكرملين يشتم الرئيس ايزنهاور ولا يحاسبه أحد!!

الشك

الشك هو الطريق الى اليقين والمعرفة، والشك يطرح التأويل العقلي لكل الظواهر غير الملموسة والمتخيلة، وأكثر مجال يحتاج الى التأويل العقلي القصص الدينية، التي تفتقد للمنطق السليم!!

الابداع

ظاهرة تميز الانسان المدرك الذي يطرح على نفسه تحديات أخلاقية وضميرية ويرى التحدي الكبير في حياته بالتجديد الدائم في الفكر والأخلاق. لا ابداع بدون عقل. من جعل عقلة ناقلا لما يلقن به سيعيش حياته على هامش البشر.

الابتذال

ظاهرة اخلاقية تفتقد لاحترام الذات تحط من قيمة الانسان الروحية، يتميز أصحابها بالفهم المحدود وبجلد التماسيح، والابتذال تحقير لكل ما هو سام وعقلاني وهي ظاهرة تنتشر في الدين بتوسع حيث يتستر المبتذلون بالثرثرة الدينية دون فهم محتواها، كذلك نشهدها بالسياسة لكن يسميها البعض ديماغوجيا!!

الأخلاق

نوع من الوعي الانساني والاجتماعي ينظم سلوك الناس، وبعض الناس تبقى خارج هذا النظام. قال خروتشوف الزعيم السوفييتي عندما سؤل عن المسيح، انه يقبل كل ما قاله المسيح الا التسامح مع العدو لأنه إذا ضربه عدوه على خده الأيمن سيرد عليه الضربة بحيث يفصل راسه عن جسده!!

اذن الأخلاق لا تعني الاستسلام امام العنف، بل مقاومته وهزمه ايضا!!

الجمال

الجمال صفة أخلاقية اولا، تنعكس ايجابيا على المرأة، والجمال يرفض اي منطق يعتبر المرأة عورة يجب اخفائها لأنه يخلق منها شيئا مناقضا لإنسانيتها!! والجمال يحتاج الى عقل ابداعي.. بدونه لا نجد الا السراب!!

ابن رشد

برزت عظمة ابن رشد بإنكاره الفهم الديني لبقاء النفس، وكان يرى ان الخلود هو للعقل الجماعي للبشرية، وعلى المعرفة الفلسفية والعلمية التي تغتني وتتطور من جيل الى آخر.

هذه الأفكار التي سبق بها ابن رشد عصره، ساهمت في تطور الفكر المتحرر في اوروبا في العصرين الوسيط والحديث. ويمكن القول انه من اوائل الفلاسفة الذين راوا اهمية دور المرأة في تنشأة الجيل الجديد، وطالب بإنصافها اجتماعيا.

الفكر الديني الاسلامي رفض افكار ابن رشد، لذلك نشاهد اليوم اوروبا متطورة تستقبل اللاجئين الهاربين من مذابح احفاد الذين حرقوا كتب ابن رشد!!

النجاح

النجاح يحتاج الى مواصلة الطريق وغالبا ما تكون ذات اتجاه واحد .. لا تنتظر أي حافلة لتقلك لنهاية الطريق.. يجب ان تعتمد على ذاتك وعنادك للوصول الى النهاية.. لكن على الاغلب بعد النهاية توجد طريق أخرى... لذلك النجاح له طرق متتالية لا نهاية لها!!

الشغف

يعتبر الشغف ضمن أهم المحركات للنشاط حين ننشغل بما يثير اهتمامنا. المهني شغوف بما ينتجه، لذلك يبدع في انتاجه، الكاتب (او الشاعر) شغوف بما يكتبه، لذلك ينشط فكره للوصول الى أفضل التعابير والصور القلمية، ودواليك.. واهم عامل في الشغف هو الدافع الكبير للتعلم والمعرفة والتطور.. لا ارهاق في الشغف، بل متعة لا مثيل لها للمبدعين في جميع مجالات اختصاصاتهم. سؤلت مرة ما هو الابداع؟ اجبت انه اورغيا تختلط فيها المشاعر مع عملية الابداع، ولكن هناك قليلي عقل يصفونها بالمعاناة، اطلاقا لا معاناة في الابداع بل لذة .. لذلك استعملت وصفا جنسيا -اورغيا!!

الفكر

الفكر هو ظاهرة بشرية. الانسان يفكر، لكن هل يقود الفكر الى احداث قفزة في حياة الانسان؟

افكار كثيرة تشغل البشر، فقط عدد قليل يحولون الأفكار الى عامل مادي يوفر متطلبات هامة لهم وللآخرين. من اهم متطلبات الفكر ليكون متطورا وراقيا الانصات، التفكير بما يقال، الفضول لمعرفة ما يفكر به الآخرون، القدرة على حل اشكاليات مختلفة في الحياة والنجاح ببناء علاقات صداقة مع الناس.

الد اعداء الفكر، ان يظن الانسان ان ما ورثه هو الشيء الوحيد الصحيح، عندها يصبح شكلا بشريا وعقلا بلا تفكير!!

العمل

لا شيء يظهر لوحده، كل شيء يحتاج الى عمل من اجل انتاجه او ابداعه، حتى الفكر الذي يصلنا بالتعليم او بالتلقين يحتاج الى عمل عقلي لفرز الصحيح من الطالح عبر التجربة الحياتية. حتى العمل الصعب جدا يكون مثيرا وجذابا إذا كان المنتوج ضروريا لحياة الانسان المادية أو الفكرية. المهم ان نستوعب انه لا ابداع ولا انتاج بدون التفكير والتخطيط وفهم الهدف من العمل الذي نقوم به حتى لو كان في منتهى القساوة او الصعوبة... اما من يقلد بدون عقل، فهو سيبقى هامشيا او كيانا غريبا في الواقع البشري.

الفلسفة

شهد عالم الفلسفة تفسيرات كثيرة منها ما قاله ابيقراط (المشهور بأنه أعظم الأطباء وصاحب القسم الطبي) قال ان الفلسفة فارغة من المضمون إذا لم تساعد على شفاء ما يعانيه الانسان من ضيق، ولا قيمة للفلسفة إذا لم تبعد عن الانسان الأمراض النفسية.

اما ارسطو فيقول إذا انت قلت انه توجد ضرورة للفلسفة فعليك ان تتفلسف، وإذا قلت انه لا ضرورة للفلسفة اذن عليك ان تتفلسف لتفسر رأيك، بأي شكل كان انت يجب ان تتفلسف.

الفيلسوف وليم ديلتي (1833 -1911) قال ان القيمة الحقيقية لكل فلسفة جادة ومضمونها هو التربية حول المعنى الأوسع للغاية لنظرية تكون الانسان.

يقول كارل ياسبرس (فيلسوف وعالم نفس 1883 -1969) ان كل تاريخ الفلسفة الممتد منذ 2500 سنة هو لمحة بصر فقط لوعي الانسان لذاته"

لكن لأحد مربي الأجيال، في احدى المدارس الحكومية في الناصرة، كان له رأي آخر، هذا ما حدث معي:

شاركت وانا في مرحلة الدراسة الابتدائية بدورة دراسية فلسفية في إطار الشبيبة الشيوعية في الناصرة، ومن يومها صرت اسيرا للفلسفة وبت استعمل اصطلاحاتها في تفسيراتي للكثير من مواضيع الدراسة. بسبب ذلك انتقدني معلم (لا ضرورة لأسمه) بقوله: "ان الكتابة والحديث عن الفلسفة لا تخدم ثقافة الجيل الناشئ. فهي ثرثرة بلا علم وتتناقض مع قيم مجتمعنا". اعترف اني غرقت بالصمت والتفكير لفهم عقلية مربي أجيال يجهل قيمة الفلسفة بخلق جيل حر ومفكر ومتحرر من الخرافات والأوهام .. جيل ينشد العقل والعلم والمعرفة من اجل احداث نهضة فكرية واجتماعية وعلمية في مجتمعنا الذي يعاني من ظواهر مقلقة من التطرف الديني المناقض لفلسفة الدين، ومن الجرائم التي ترتكب بمجتمعنا والتي اراها نهجا غير نظيف يلقى التجاهل النسبي من السلطة، ومن القصور الرهيب في التربية السليمة!!

استفزني بتلقيبي بشكل ساخر ب "الفيلسوف" وهو يُضحك بعض زملائي الطلاب على فيلسوف الصف، وكان ردي مثيرا لغضبه: من اجل مستقبل طلابك قدم استقالتك من التعليم!!

ربما بسببه قررت دراسة الفلسفة وجعلها مرتكزا لعالمي الفكري والابداعي... فله الشكر!!

الآباء والبنون

هذا الموضوع شهد كتابات لا عد لها. تجد نصوصا من الطالح الى الصالح تعالوا نفحص بعض ما قاله الفلاسفة وغيرهم من اصحاب الرأي.

سارتر قال ان القاعدة الهامة هي انه لا يوجد آباء صالحين. لا يمكن اتهام الآباء.. انما السبب في علاقة الأبوة المختلة، حقا لا يوجد ما هو أجمل من ان نرزق بأولاد، ولكن ان نكون آباء للأولاد هذا مخيف. لو كان ابي حيا لتمدد فوقي وسحقني تحته، لكن لحسن حظي مات والدي صغيرا.

رجل دين قال: الجنين يعيش مع امه وبفضلها، الولادة هي فقط خطوة واحدة باتجاه الحرية وعدم البقاء متعلقا.

الفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين (1533 1592) قال ان بكاء الوريث هو ضحك مخفي.

الكاتب الفرنسي البير كامو قال: أمي ماتت اليوم، او ربما أمس. لا أعرف.

قال أحد الحكماء أحيانا كثيرة يتعلم الابن من ابيه، والأب تتحسن معرفته لنفسه بعد ولادة ابنه.

الانسان

الفيلسوف الألماني نيتشة قال: كل انسان وانسان هو اعجوبة مميزة لا تتكرر.

جورج سانتيانا قال: أنتم عبرتم الطريق من دودة الى انسان، ولكن بقي فيكم الكثير من الدودة.

مجهول قال: نحن ابناء البشر لسنا مثابرين وممنوع ان ينسب لنا ثبات ما، نحن أشبه بفسيفساء تتغير من مكان الى مكان ومن لحظة الى لحظة أخرى.

ماركس قال: ابناء البشر هم بنفس الوقت مؤلفي الدراما عن أنفسهم وممثليها.

الفيلسوف عمانوئيل كانط قال: الانسان هو انتاج بغيض عليه ان يعيد المادة التي صنع منها الى كوكب الأرض بعد ان كان لفترة قصيرة صاحب قوة حية.

التصرفات

ماركوس اوريليوس امبراطور روماني وفيلسوف، قال: تصرف كل يوم بحياتك وكأنه يومك الأخير.

مثل غير معروف الهوية: لا تعمل لتكن ناجحا بل اعمل لتكن ذو قيمة.

مثل روماني: ان اصطلاح انسانية لا يعني الطبيعة بشموليتها انما التصرفات التي تليق بالطبيعة البشرية.

الفيلسوف كانط: تصرف بطريقة بحيث تبغي ان تكون محورا لتصرف الانسانية كلها

قال رجل دين: يجب ان لا يخاطر الانسان بتصرف ربما لا يكون عادلا.

اوغستينو -فيلسوف روماني" لا يوجد اي حق من اي نوع ما لأي انسان الا للقيام دائما بواجبه.

كونفوشيوس -مؤسس ديانة صينية -برؤيتك لإنسان صالح حاول دائما ان تقلده، برؤيتك انسان طالح ابحث عن سيئاته بنفسك.

الكاتب البير كامو (فرنسي) كل شيء مسموح لا يعني ان هناك شيء غير ممنوع.

الحرية

ميجل دي اونامونو -فيلسوف واديب اسباني (1864 -1936) قال: بالعبودية يبحث الانسان عن الحرية وبالحرية يبحث عن الاستعباد.

مثل: الحرية تؤخذ ولا تعطى!!

رالف امرسون-فيلسوف وشاعر أمريكي (1803 -1882): الحرية هي فاكهة تنضج ببطء

دِني ديدرو (1713 -1784) فيلسوف وكاتب فرنسي. من قادة حركة التنوير قال: كلمة الحرية تفتقد للمعنى، لا يوجد ولا يمكن ان يكون اشخاص مخلوقين أحرارا.

كارل ماركس، الفيلسوف الثوري المادي قال: الحرية الحقيقية لا تتحقق ولا تنمو إلا بالتغيير الثوري للمجتمع ككل.

فيلسوف مجهول من عصر التنوير: اسقاط الماضي الميت هي الخطوة الاولى الى الحرية والتحرر

عالمنا

في الفلسفة اليونانية القديمة طرح أحد الفلاسفة سؤالاً على زميل له: "ما الذي يجعل كرتنا الأرضية ثابتة في الفضاء؟" أجابه: "يحملها أحد الآلهة" سأله: "ومن يحمل الإله؟": أجابه: "إله آخر". سأله:" والآخر من يحمله؟". أجابه: " ايضاً إله آخر الى ما لا نهاية إله تحت إله تحت إله الى ما لا نهاية". اذن جوهر عالمنا انه لا شيء من لا شيء. كل شيء يعتمد على شيء آخر. سلسلة بلا نهاية.

المبادئ

- المبادئ تعني فلسفيا مجموعة من القواعد التي تشكل أساسا أخلاقيا للإنسان، ولذلك نجد عدة مبادئ حياتية بمجالات متعددة تشمل كل مناحي الحياة، وهي ليست قاعدة للجميع بالشر. لكل إنسان منا مبادئ. رؤية للحياة. قد لا تعجب البعض. الفيلسوف لا يقول أبداً لمن يرفض رأيه ومبادئه: "هذا ما لدي، اقتنع بما تشاء." انما يقول له: "إذا لم تعجبك مبادئي التي طرحتها، عندي مبادئ أخرى، في النهاية سأصل الى تسويق رؤيتي". لذلك أقول لكم ان الفلسفة لا تنهزم.

تطبيق المبادئ ليست فقط على مستوى الفرد والمجتمع، بل يمكن تعميمها على مستوى دولي وعالمي. عادة قوانين الدول تشمل المبادئ العامة التي تنظم الحياة الاجتماعية، او حتى العلاقات الدولية 

لغز الإدراك

عندما قال الفيلسوف الفرنسي الكبير ديكارت " أنا أفكر فأنا موجود" كان يعني انه يفهم أهداف ونتائج مكانته بين الناس. من هنا اقول ان كل انسان سوي يدرك مكانته في المجتمع ويتحكم بسلوكه، هو انسان موجود وفعال في الحياة، وهي ظاهرة للإنسان فقط، من يفتقد هذه الصفة السوية يعود عمليا الى مرحلته يوم كان جزءا من عالم الحيوان، لأن الحيوان لا يدرك، بل يتصرف بناء على غريزته. الأبحاث الاثنوجرافية بينت انه حتى الانسان القديم حاول ان يفهم ايضا جوهر نفسيته وميز بين الأفعال وطور بإدراكه مهاراته وسلوكه وصولا الى مرحلتنا الراقية، لكن للأسف هناك من بقي في عالم الحيوان الذي سبق الانسان القديم. مظهره البشري لا يعني ان فكره وعقله ينتميان لعالم الحضارة البشرية.. بل لماضي خرافي مليء بأوهام واساطير وخرافات وحكايات لا تمت للمنطق البشري البسيط، من يصدقها يفقد القدرة على التفكير الابداعي والتأقلم بعالم مبني على العلوم والانجازات التي غيرت مبادئ وقيم واخلاقيات العلاقات بين البشر.

طبعا يبقى جوهر الادراك موضوعا يحتاج الى عودة وكتابة تفصيلية اوسع لشرح بعض التصورات الخاطئة للإنسان عن جوهر الادراك الذي اوصل البعض الى تصورات خاطئة وغيبية. ولكني اضيف ان الادراك هو أيضا انعكاس للصورة الحسية لما يواجه الانسان في الواقع الحياتي وكيفية تأثير تلك الانعكاسات على وعيه وتطور ادراكه.

رؤية فلسفية

عملية انفصال الإنسان عن عالم الحيوان استغرقت مليون سنة على الأقل. كذلك الاف السنين استغرق تحول الانسان إلى كيفية جديدة تتميز بالوعي في جذورها، بإنشاء مجتمعات بشرية، العمل المشترك، الدفاع المشترك، بتطوير الزراعة ونشوء اللغة.. الخ. وصولا إلى الحضارات والحداثة التي نعيش تفاصيلها اليوم. هل توقف التطور؟ إطلاقا لا... كل يوم نواجه إبداعا جديدا. فتحا جديدا، وهذا يشكل إضافات كمية جديدة. لكن الإنسان يبقى من الناحية الكيفية نفسه كما كان قبل مليون سنة من حيث مبناه البيولوجي فقط.

 

نبيل عوده

 

عقيل العبودتمهيد: الشعوب المتعلمة هي الشعوب التي تصنع الحضارات، وهي على أيديها تنهض المُجتمعات، حيث بالثقافة والمعرفة والعلم يتسنى للإنسان ان ينهض بطريقة تتفق مع قاموس حقيقته البشرية.

مدخل:

يعتبر التعليم جسر لبناء المجتمع بمؤسساته ومكوناته البشرية والمادية.

فهو الاساس الذي به تنهض الحياة بكل مفاصلها وتفاصيلها كالصحة والعمران والاقتصاد والثقافة والأمن، وكل ما يتعلق بالنهضة البشرية والموارد كالتخطيط والإنتاج والزراعة وإدارة الطاقة والتغذية والتخزين.

ولهذا تقوم الدول المتطورة بتخصيص دخل كبير من ميزانيتها العامة لمساعدة الدارسين من خلال منحهم المساعدات المالية ال financial aid في الكليات والجامعات، اضافة الى نظام القروص loans والمنح ال scholarships  التي يتم صرفها لطلبة الدراسات العليا كالماجستير والدكتوراه ومثلهم ايضا طلبة الكليات أوما يسمى بالمعاهد.

ومن الضروري الإشارة الى ان هنالك نظاما اسمه الdonations، والذي يؤخذ كتبرعات طوعية من الأساتذة واصحاب الدخول المرتفعة وكذلك من الطلبة المتخرجين حيث تبقى علاقتهم مع الجامعة حتى بعد تخرجهم، من خلال مراسلتهم عن طريق ال email.

وهذه التبرعات يتم إضافتها الى ما يتم جبايته من ميزانية الخدمات العامة التابعة للجامعة اوالكلية بغية تطوير وبناء مرافق تعلمية إضافية مزودة بانظمة الحاسوب والاجهزة التعليمية الخاصة بالفروع المختلفة بعد انتهاء الفصل الدراسي.

حيث بعد كل فصل او semester هنالك مشاريع إنشائية خاصة بالمؤسسات التعليمية لبناء مرافق إضافية الى الجامعات اوالكليات.

كما ويوجد تنسيق بين إدارات الأقسام الخاصة بالجامعة وإدارات المؤسسات الاخرى لأغراض العمل والتوظيف، فقسم ال nursing مثلا يرسل طاقاته التدريبية من الطلبة الى المستشفيات وال Urgunts care للحصول على ال practical experiences .

وكذلك هنالك تنسيق تعليمي في باب التدريس الخاص ب الإعداديات  والمتوسطات ما يسمى credential program وهو على نوعين:

 التعليم الخاص بالصغار،  والآخر بالشباب الteenager

 وهنالك ايضا نشاط تدريسي خاص بالكليات الخاصة الأهلية التابعة لإدارة الجامعات الحكومية، ما يسمى extended studies

وفائدته تطوير التعليم الخاص بالمتخرحين عند الحاجة وهو نطام طوعي اختياري للراغبين للحصول على بعض الشهادات الإضافية مثل  English as a Second Language، وبعض الفروع الانسانية والعلمية.

وكذلك توجد برامج دراسية تأهيلية تشبه الإيفادات والسفرات خارج الولايات يتم الاتفاق عليها بين الطالب وإدارة القسم بغية جمع ملاحظات الخبرة والمعلومات وكتابة ال projects الخاص بالمادة الدراسية والفرع الذي يروم الطالب التخرج منه، وهذه السفرات يكون الإنفاق عليها بنِسَب معينة، يتحمل الموفد قسم منها.

نشاطات اخرى:

هنالك نشاطات اخرى تتعلق ب ال work study وهو خاص بنظام المنح، حيث يحصل الطالب فيه على خبرة في مجال العمل قبل التخرج من خلال اشتغاله في الكلية اوالجامعة التي يدرس فيها مع مساعدات مالية خاصة باجور العمل وساعاته المقررة لفائدة الطالب.

وعلى غرار ذلك ايضا يوجد برنامج اخر يهيأ فيه للطالب فرص التوظيف اوالتعيين خارج الجامعة في حالة عمله اواشتغاله في ذلك المكان اوذاك. 

هذا ناهيك عن البرامج الخاصة بالبحوث العلمية كال pharmacology، وال biology ، وال chemistry، وعلوم النفس والفلسفة وباقي الفروع.   

الغاية من البحث:

ان صناعة وتطوير اليات التعليم يعد أمرا بالغ الأهمية اقتصاديا وإداريا وتنمويا بإعتباره من خلاله يتم بناء الإنسان والمجتمع والمؤسسات الخدمية والانتاجية.

منهج البحث وإمكانية تطبيق أدواته:

يمكن لوزارتي التعليم والبحث العلمي استحداث فروع متخصصة في العراق في كافة الاختصاصات كالطب والفيزياء والصيدلة والاحصاء والقانون بغية اعتماد مخطط تأهيلي لبناء مستقبل تعليمي واعد ومشرق للعراق.

 

عقيل العبود  

 

عدنان عويدكثيراً ما قامت الأحزاب الحاكمة، وبخاصة من منظومة الأحزاب (الديمقراطية الثورية) المتبنية لمشروع الاشتراكية العلمية في محاربة الفكر الليبرالي، شأنها شأن القوى الأصولية الدينية الرافضة للآخر، وفي مقدمة ما حاربوا من هذه القيم النبيلة، الديمقراطية الليبرالية في صيغتها التقدمية التي تبنتها الطبقة البرجوازية في بداية نشوئها ونضالها ضد قوى الاستبداد ممثلة بسلطات الملك والنبلاء والكنيسة، منطلقين من مقولة لماركس قد فهموها خارج سياقها التاريخي بالنسبة لتطور الطبقة البرجوازية بعد أن تحولت إلى طبقة احتكارية استعمارية، وهي: (إن الطبقة العاملة في الأنظمة الرأسمالية تختار من يقمعها في البرلمان كل أربع سنوات). لا شك أن هذه المقولة تنطبق تماماً على الطبقة الرأسمالية الأوربية بعد أن تحولت إلى طبقة احتكارية استعمارية، بعد استلامها الحكم، وتحكم شهوة السلطة السياسية، وسلطة الربح الفاحش بها من خلال استغلالها لشعوبها واستعمارها لشعوب العالم الثالث. وهذا ما جعلها تتخلى عن كل قيمها ومبادئها الليبرالية التي نادت بها في بداية انطلاقتها، وهي القيم المشبعة بالمفاهيم الإنسانية، كالحرية والعدالة والمساوة.

لقد أخذت هذه القيم الليبرالية تنهار في مجال الممارسة، وراحت الطبقة الرأسمالية صاحبة هذه القيم تتحول إلى طبقة استغلالية فاق استغلالها لشعوبها الأوربية آلاف المرات استغلال هذه الشعوب من قبل القوى التي كانت تسيطر عليها قبل وصولها إلى السلطة.

وبناءً على هذه التحولات العميقة التي انتابت الطبقة البرجوازية وقيمها، حوربت أيضاً القيم الليبرالية المشبعة بالروح الإنسانية في جوهرها من قبل الأحزاب المتبنية للاشتراكية أو الاشتراكية العلمية والقومية في دول العالم الثالث، طارحه البديل عن هذه القيم الليبرالية، وهي قيم الديمقراطية الشعبية، التي لا تختلف من حيث المضمون عن هذه القيم الليبرالية المشبعة بالروح الإنسانية. فمقولة لينين الذائعة الصيت: (مزيداً من الاشتراكية يعني مزيداً من الديمقراطية)، أي مزيداً من مشاركة الشعوب في تقرير مصيرها وتحقيق عدالتها وحريتها ومساواتها وما يدخل في نسيج هذه الأهداف العريضة من قيم ومبادئ إنسانية تهم الفرد والمجتمع معاً. بيد أن مشروع العدالة الاشتراكية القائم على فكرة (الديمقراطية الشعبية) ممثلة في المنظمات الشعبية والنقابات المهنية التي تساهم في التشريع لمصالح الجماهير وتنميتها من خلال مشاركتها في إدارة أمور البلاد ومراقبة السلطة الحاكمة والدعوة لمحاسبتها، راحت هذه القيم الايجابية لمفهوم الديمقراطية الشعبية بدورها تتلاشى شيئاً فشيئاً مع وصول هذه الأحزاب إلى السلطة، وتحكم قادتها بها، وفرض سياسة الحزب الواحد، أو الحزب القائد لجبهة وطنية، كصيغةً أساسيةً في الدولة والمجتمع معاً، هذا عدا ممارسة هذه الأحزاب أيضاً لسياسة رأسمالية الدولة في صيغتها الجمودية كأنموذج اقتصادي، أخذ مع مرور الأيام يشكل من قادة وسياسيي هذه الأحزاب طبقة من البرجوازية الطفيلية اغتنت على حساب أموال الدولة، الأمر الذي حول المنظمات الشعبية والنقابات المهنية بناءً على هذه السياسة إلى حزام ناقل للسلطة، تعمل على نقل ما تقرره قيادة الحزب ومن يتحكم في قيادته الفعلية إلى مكوناتها التنظيمية وبالتالي إلى الشعب، دون أن يكون لها – أي المنظمات والنقابات - ذاك الدور الايجابي الذي رسمته لها نظريات هذه الأحزاب في المشاركة والمراقبة لسياسات الدولة ومحاسبة من يخل بهذه السياسة. أو بتعبير آخر فقدت مقومات الديمقراطية الشعبية وآلية عملها.

وتأسيساً على ذلك وغيره الكثير من الممارسات السلبية التي مورست من قبل قيادات هذه الأحزاب، تحولت هذه الأحزاب ذاتها بالضرورة وفقاً لسياساتها هذه إلى أحزاب شمولية تمارس دكتاتوريتها على أعضائها أولاً، وعلى الشعوب التي تحكم بإسمها ثانيا، خاصة بعد أن سيطرت العشيرة والقبيلة والطائفة على الدولة، وحولت هذه السيطرة الأحزاب ومنظماتها ونقاباتها ذاتها إلى أداة بيد من هم في قمة السلطة أو المتحكمين بها فعلياً من أجل خدمة مصالحه.

أمام هذه المعطيات يحق لنا ان نتساءل هنا ماهي القيم الليبرالية في صيغتها الايجابية ؟، وهل تصلح قيمها كمشروع نهضوي لدول العالم الثالث؟.

ماهي القيم الليبرالية وتجلياتها:

الليبرالية منظومة أفكار وقيم ذات طابع إنساني تحققت تاريخياً حصيلة تطور طويل، تخلله الكثير من التناقضات والصراعات بين القوى المستغِلة والمستغَلة، وهي في المحصلة الوليد الشرعي للثورة التجارية والصناعية وحواملها الاجتماعية من الطبقة البرجوازية التجارية والصناعية ومن وقف معهم في بداية ظهورهم من أبناء الطبقة الرابعة الممثلة للقوى الاجتماعية المضطهدة تاريخياً، مثلما هي أيضاً التجلي النظري لعصر التنوير وما مثله هذا العصر من قيم إنسانية تدعو إلى الحرية والعدالة والمساواة والوقوف ضد القيم والأفكار والمبادئ الداعمة لاستغلال واستعباد القوى الممثلة لعصر الإقطاع والنبالة.

لا شك أن منظومة القيم الليبرالية، أو أيديولوجيتها وحملتها من كتاب ومفكرين وفلاسفة، قد ساهمت بشكل فاعل في تغيير قيم وسلوكيات حياة المجتمعات والدول الأوربية من خلال نقدها العقلاني لكل ما هو غيبي وامتثالي ومطلق على مستوى الفكر، الذي مثله رجال الفكر الميتافيزيقي واللاهوتي والسياسي القائم على التراتبية، ومن خلال نقدها ايضاً لك السلوكيات الاستبدادية التي عملت وتعمل على الحط من القيم الإنسانية النبيلة التي تدل على إنسانية الإنسان وكرامته وحريته وإرادته ورغباته في تحقيق مصيره والحفاظ على حقوقه الطبيعية والقانونية المشروعة.

لقد تجسدت مع قيام الثورة البرجوازية ووصول حواملها الاجتماعية إلى السلطة، قيم الليبرالية في المجتمع الأوربي وأصبحت منطقه الداخلي، وعلى أساسها نظم المجتمع وانتشرت فيه قيم المواطنة والتعليم والإدارة والمؤسسات السياسية ونظم العمل وكل ما يحقق للإنسان (الفرد والمجتمع). أي بتعبير آخر لقد أصبحت الليبرالية نموذج حياة للمجتمع الأوربي، وعلى أساسها تم تحديد الموقف من الماضي والحاضر والمستقبل بما يخدم الإنسان وجوهره الإنساني.

إن الليبرالية في المحصلة كانت عند انطلاقتها الأولى كما أشرنا أعلاه، ضد الفكر اللاهوتي الغيبي الأسطوري والميتافيزيقي المثالي الساعي دوما لعزل الفكر عن الواقع، والرافض لتطور الحياة، وفي مقدمة هذا التطور، تطور العلوم الطبيعية التي حطمت أسس المعارف التوراتية الأسطورية في تفسير حركة الكون وتشكل حياة الإنسان والحيوان والنبات، وموقع الأرض من الشمس، وطبيعة دوران الأرض، والرافض لجود قوانين موضوعية مستقلة تتحكم بسير أو حركة الظواهر الطبيعية والاجتماعية، وأخيراً وليس آخراً، امتلاك عقل الإنسان وإرادته القدرة على اكتشافها قوانين الطبيعة والمجتمع وتسخيرها لمصلحته.

إن هذا الفكر الرجعي المثالي الوثوقي الاستسلامي الرافض لحركة الواقع وتطوره وتبدله، كان يَحولُ بين الإنسان وقدرته على تحقيق مصيره الإنساني، والفسح بالمجال واسعاً أمام فكره العقلاني النقدي وحرية إرادته في تغير مصيره بيده، مثلما كان يعمل على إقصاء فكرة أن الإنسان ذاته ضرورة وحرية.

حقيقة لقد حاربت القيم الليبرالية التي حملتها الطبقة البرجوازية الوليدة، الاستبداد وقواه المستبدة، واعتبرت الديمقراطية والعلمانية وسيلتين من الوسائل التي تساهم في بناء المجتمع المدني والدولة المدنية، والفسح في المجال واسعاً للقوى المظلومة والمستلبة المشاركة في بناء هذه الدولة والمجتمع.

إن قيم الليبرالية التي أكدت على حرية الفرد وإرادته ودوره في التاريخ، لم تكن يوماً ذات نظرة أحادية، كأن تُختزل في الاقتصاد فحسب، بل هي ذات طابع شمولي تتغلغل في كافة مجالات حياة الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وهي في بداية صعودها أو مرحلتها الأولى، عبرت عن قيم تقدمية مشبعة بالروح الإنسانية المتعلقة بالعلم والمواطنة والمرأة والتربية والثقافة والفن والأدب كما أشرنا في موقع سابق.

إن مشكلة القيم الليبرالية تقع حقيقة في جانبها الاقتصادي (اقتصاد السوق الحرة) الذي انبعث من صلبها وعمل على تحرير وإطلاق العنان لتطور قوى وعلاقات الإنتاج، وفرض هيمنة اقتصاد السوق وسيطرة روح الربح بإسم الحرية. إن هذا الانبعاث الاقتصادي ممثلاً باقتصاد السوق الحرة، ساهم بالضرورة في نمو العلاقات غير العقلانية بين المالك والمنتج، وبالتالي خلق حالة واسعة من التفاوت الطبقي والاستغلال وما نتج عن هذه الحالة من غربة واستلاب وتشيئ وضياع لقوى اجتماعية واسعة من أبناء المجتمع، وهي القوى المنتجة، وما يتعلق بحياة هذه القوى من فن وأدب وفلسفة وفكر. حيث راحت هذه القيم الإنسانية التي بشرت بها الطبقة الرأسمالية وثوراتها ضد الماضي وقيمه التقليدية السلبية، تفقد بالضرورة سماتها وخصائصها الايجابية لتتكيف مع روح العصر الجديد الممثل لروح وجوهر الطبقة الرأسمالية في صيغتها الاحتكارية المشبعة بالروح الأنانية القائمة على المنافسة غير الشريفة والاحتكار.

إذاً إن قيم الليبرالية المشبعة بالقيم الايجابية في مراحلها الأولى ممثلة بالحرية والعدالة والمساوة والمشاركة الجماهيرية في السلطة وغير ذلك من قيم، هي قيم صالحة لكل شعب ولكل أمة في أي مرحلة تاريخية تسودها قيم الظلام والاستبداد والجهل والتخلف. ولطالما أن امتنا العربية تعيش هذه الحالات المزرية من التخلف الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي تحت مظلة حكومات شعبوية، فقيم الليبرالية في مرحلتها الأولى التي كانت وراء كل الثورات التقدمية في أوربا بكل تجلياتها التي قمنا بعرضها أعلاه هي قيم صالحة لشعوبنا ومجتمعاتنا، وهي التي تشكل الرافعة الحقيقة لتجاوز واقع تخلفنا الذي فرض علينا لمئات السنين ولم تستطع القوى الحاكمة بكل مسمياتها أن تخلصنا منه، بل هي ساهمت كثيراً بسبب شهوة السلطة لديها، أن تزيد من عوامل هذا التخلف وتعمق مسارته.

نعم... لكي نستطيع تجاوز هذا التخلف وتحقيق نهضتنا وتقدمنا والوصول إلى إنسانيتنا، لا بد لشعوبنا من تبني هذه القيم ومحاولة جعلها أحد العتلات الرئيسة التي ستدفع بالمجتمع والدولة معاً بعيداً عن روح الدولة الشمولية واستبدادها، وما فرضته على شعبها من ذل وخنوع وتخلف خدمة لمصالح قوى سياسية اتخذت من الدولة وسيلة لتحقيق مصالح أنانية خاصة تهيمن عليها روح القبيلة والعشيرة والطائفة.

ملاحظة: بالرغم مما تخلفه ثورات الشعوب المضطهدة تاريخياً من دمار للدولة والمجتمع، بسبب ما مورس عليها من تجهيل وقمع للحريات وإقصاء سياسي واقتصادي، إلا أن هذه الثورات تشير بهذا الشكل أو ذاك إلى أن الشعوب المتخلفة والمجهلة تاريخياً، قادرة أن تتعلم من تجاربها كيف تستطيع أن تتخلص من سيطرة الدولة الشمولية، وتعيد ترتيب حياة الفرد والمجتمع في دولها ومجتمعاتها على قيم الليبرالية أو الديمقراطية الشعبية لا فرق بينهما.. ليس عيباً أن تضحي الشعوب من أجل حريتها وعدالتها وكرامتها، والوصول إلى تحقيق طموحاتها. هذه هي مسيرة الشعوب الحرة.

 

د.عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

صالح الطائيعلى مر التاريخ، كانت الجغرافية الجسرية ساحة لتلاقي وتلاقح الأفكار الواردة من جهاتها الأربع، من هنا كان للموقع الجغرافي للملكة المغربية أثره في نشأة الثقافة عامة والفلسفة بشكل خاص، فالمغرب، يطل جغرافيا على مساحات مائية عملاقة، حيث يطل على البحر الأبيض المتوسط شمالا، والمحيط الأطلسي غربا، وعلى طول 3500 كيلومترا تمثل خط الحدود، تتزاحم أكثر من 38 محطة وميناء بمختلف المهام، بعضها تاريخية، ويعود إنشاء بعضها الآخر إلى القرنين السادس عشر والسابع عشر مثل ميناء طنجة المتوسط، وقد اتاح هذا الانفتاح الجغرافي لهذه البيئة أن تلتقي بثقافات مختلفة المصادر والتوجهات، بعضها غريب كليا عن بيئة المغرب، وبعضها الآخر له تقارب مع بعض عادات وتقاليد البلاد، فأسهم ذلك في زيادة زخم التلون الثقافي، الذي تمتاز به مناطق الموانئ، وهي عادة تكاد تحمل الكثير من جينات المشترك الثقافي في العالم كله.

فضلا عن ذلك، كان لمضيق جبل طارق أثرا كبيرا على دوام وتنوع وتوسع التناقل الثقافي الذي حدث بين المغرب المنفتح على الثقافة الشرقية/ الإسلامية وإسبانيا المنفتحة على الثقافة الغربية، ولاسيما وأن المغرب بلاد ذات تراث ثقافي متنوع وقديم جدا، فهي جزء من منظومة المغرب العربي الجغرافي الذي وجدت فيه أحفوريات تعود للحقب من 700000ق.م ولغاية 20000 ق.م بدءً من الحضارة الآشولية، ثم الحضارة الموستيرية، والحضارة العاتيرية، والحضارة الإيبروموريسية، ومنذ القرن الثاني عشر قبل الميلاد، عرف المغرب تنوعا حضاريا ملفتا للانتباه، تنوع بين الحضارة الفينيقية والحضارة البونيقية، والحضارة الموريطانية، والحضارة الرومانية، وصولا إلى الحضارة الإسلامية، بعد فتح بعض أجزاء المغرب في عهد الخليفة الراشد عُمر بن الخطَّاب، ثم في عهد الخليفة الراشد عُثمان بن عفَّان، وصولا إلى عهد الخليفتين الأمويين عبد الملك بن مروان وخلَفِه الوليد بن عبد الملك، حيث توحدت هذه المشتركات الفكرية في أجواء ثقافة مغربية جمعية، كانت تمثل خلاصة الفكر الإنساني.

أما من جهة البر، فتحدها الجزائر من الشرق، وموريتانيا من الجنوب، وهما دولتان تشتركان مع المغرب في كثير من النواحي الاجتماعية، بما فيها الناحية الثقافية، فهذه المنطقة في الأصل هي منطقة جغرافية واحدة، انقسمت بسبب الصراعات، فحينما أقام الأمازيغ مملكتهم على سواحل البحر المتوسط في القرن الأول قبل الميلاد، وهي المملكة التي عرفت باسم "مملكة موريطنية" نسبة إلى كلمة موروس الإغريقية التي تعني أسود، انقسمت هذه المملكة  بعد أربعين عاما  إلى موريطنية الطنجية في شمال المغرب، وموريطنية القيصرية في شمال الجزائر، فكانت المغرب وكانت الجزائر، أما موريتانيا فيكفي أنها اخذت اسمها من هذه المملكة بالذات (موريطنية)، ولغاية القرون الوسطى كان المؤرخون العرب يستعملون لفظ "بلاد المغرب" للدلالة على هذه الأقطار ثلاثة.

وحينما يجتمع التاريخ بالموروث بالحراك الحياتي، تولد ثقافة حية متنوعة المشارب بعيدة عن التعصب لمنهج واحد، وهكذا هي الثقافة المغاربية التي انتجت الفلسفة المغربية؛ التي تمتاز بالنبوغ والفطنة والغنى والعمق، ولاسيما بعد أن نجحت في مصاهرة الدين إلى حد الذوبان الروحي الذي تحكم بالكينونه، وأباح الاستكناه، فالدين الذي نصت دلالاته المعرفية على اهتمامه الكامل بالعقل، والوجود، والقِيَم، والمعرفة، والروح والتسامي الآدمي، هو أحد أكبر دوافع البحث في الفلسفة، واللجوء إليها للاستبصار واستكناه حقائق الوجود الكلية، ومن هنا وجد كبار الفلاسفة المسلمين أن الدين يحتاج إلى الفلسفة، والفلسفة تحتاج إلى الدين، وفي اتحادهما وسيرهما على طريق واحد في سبيل واحد، ممكن أن تتضح المقاصد، وتبان الحقائق بشكل أكثر اقناعا، فقناعات الدين وحقائقه تحتاج إلى التصورات الفلسفية، فالدين الذي دعا إلى وجوب أن يعيش الكائن الإنساني حياة مثالية سامية، وأن يفهم هذا الكائن السامي؛ الذي هو خليفة الله في الأرض هذه الحياة وعلتها، وجد في  الفلسفة عونا كبيرا، بعد أن وجدها مهتمة هي الأخرى بتحديد طرائق الحياة المثالية المبنية على فهم الواقع، ويوحي هذا التماهي أن الفلسفة كانت أيقونة حياة البشر في كل مراحل تطوره، ولم تكن وليدة حضارة ما. 

إن من الحقائق اليقينية التي لا جدال فيها أن الفلسفة ليست وليدة الفكر الإغريقي، وإن برز فيها الإغريق، بل هي جزء من حضارة كل أمة، وحتى مع وجود عدة أمم في مناطق مختلفة بعيدة أو متجاورة، كانت هناك لكل منها فلسفتها الخاصة، ويعني هذا أن الفلسفة مثل الدين، تعود بداياتها إلى المراحل التي بدأ الإنسان فيها يبحث عن خالق هذا الكون والقوى الغيبية التي تسيره وتتحكم به، ولذا لا غرابة أن تكون للإسلام دينا ودنيا فلسفته الخاصة، حتى وإن كانت متأثرة بفلسفة الأمم الأخرى، فالفلسفة وليدة الواقع، تتأثر فيه، وتؤثر به، وتصطبغ بصبغته.

من هنا وجد البعض في الفلسفة الإسلامية وجوها، تأثرت بنوع التصور، بين من يرى أنها استمدت اسمها من طبيعتها التي استمدت رؤاها من نصوص الإسلام، فكانت تقدم التصور الإسلامي ورؤيته الخاصة فيما يخص الخالق والخلق والكون والحياة على رؤاها المنطقية.

ومن يرى أنها استمدت رؤاها ومسمياتها من البيئة التي نشطت فيها دون أن تكون أسيرة إطار الثقافة والحضارة العربية الإسلامية ودون أن تكون خاضعة لمؤثرات الحكومة والدولة الإسلامية، أما الحقائق الدينية والنصوص الشرعية الإسلامية التي كثر استخدامها في الدراسات الفلسفية الإسلامية، فهي تحصيل حاصل طالما أنها تخاطب المجتمع الذي يقدس ويحترم هذه المفاهيم ويتعبد بها. وبين هؤلاء من يرى أنها لم تسمى بهذا الاسم (الفلسفة الإسلامية) إلا لأن رجالا من المسلمين اشتغلوا بها وكتبوا وألفوا في مبانيها وآرائها، حالهم حال فلاسفة الدول والأمم الأخرى مثل فلاسفة الإغريق وفلاسفة الرومان الذين أطلق على فلسفاتهم أسم (الفلسفة الإغريقية) و(الفلسفة الرومانية) بينما كانت المسيحية قد انتشرت في هذه الإمبراطوريات، ولذا نجد لمصطلح (الفلسفة المسيحية) بعدا آخر لا يلتقي مع بعد (طبيعة نشأة) الفلسفة الإسلامية، لأنه كان مسيحيا بحتا، فهي فلسفة جيء بها للتوفيق بين الفلسفات الكلاسيكية القديمة وفلسفة اللاهوت المسيحي في القرون الوسطى، للخروج برؤية جديدة هدفها ديني أكثر منه علميا، ومن هنا كانت طريقة التعليم الأساسية هي الطريقة المدرسية التي تُعطى من خلالها الدروس الأكاديمية في الجامعات الأوروبية.

ومن الأمور التي تجدر الإشارة لها والتنويه عنها أن ولادة الفلسفة الإسلامية حتى وهي بتلك الطريقة التي كانت قريبة من روح الدين، وجدت من يتصدى لها ويعتبرها خروجا على المتعارف بسبب وجود نصوص دينية تنهى عن الخوض في دراسة بعض الحقائق التي تناولتها الفلسفة بالدرس؛ مثل الذات الإلهية، والروح. وكان الإمام الغزالي (450- 505 هـ) الذي وضع كتابا باسم (تهافت الفلاسفة) من أشهر المعترضين، وقد أراد من خلاله التأكيد على عجز الفلسفة عن إيجاد الجواب المقنع لطبيعة الخالق سبحانه. ثم دعا من خلاله إلى أن تبقى مواضيع اهتمامات الفلسفة في المسائل القابلة للقياس والملاحظة في مجالات الطب والرياضيات والفلك، أما محاولة الفلاسفة إدراك شيء غير قابل للإدراك بحواس الإنسان فهو مناف برأيه لمفهوم الفلسفة أساسا. وهذا ما أشار إليه بقوله في بداية كتابه: "ابتدأت لتحرير هذا الكتاب، ردا على الفلاسفة القدماء، مبينا تهافت عقيدتهم، وتناقض كلمتهم، فيما يتعلق بالإلهيات، وكاشفا عن غوائل مذهبهم، وعوراته التي هي على التحقيق مضاحك العقلاء، وعبرة عند الأذكياء. أعني: ما اختصوا به عن الجماهير والدهماء، من فنون العقائد والآراء".

ولم تلق هذه الآراء قبولا كاملا، إذ انبرى من عد الحديث عن تهافت الفلسفة تهافتا غير معقول بحد ذاته، حيث وضع ابن رشد (520- 595 هـ) كتاب (تهافت التهافت) للرد على الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة.

الغريب أننا كمسلمين لا زلنا، منذ القرن الخامس الهجري ولغاية هذه الساعة غير متفقين على بنيوية الفلسفة الإسلامية، ولا زال بيننا من يعتبرها علما ساميا، ومن يعتبرها عبثا مفضيا إلى الكفر!

وحينما يشمر فلاسفة المغرب عن سواعدهم، وتدعو شعبة الفلسفة والفكر الإسلامي والحضارة بكلية أصول الدين (مدينة تطوان/ المغرب)، بشراكة مع مركز الدكتوراه، إلى تنظيم ندوة علمية وطنية عن الدين والفلسفة في الفكر المغربي، وتقترح بناء على ذلك مشاركة الباحثين المهتمين من خلال المحاور المقترحة، فذلك يعني أن هذا الموضوع لا زال ساخنا، ولا زال بحاجة إلى البحث والدراسة والتنقير، على أمل الوصول إلى نتيجة تعطل الكلام عن التهافت وتهافت التهافت، وتبدأ بالتكلم عن مصدر من مصادر المعرفة الإنسانية، يجب أن يحظى برعاية وعناية الجميع مثل أي منجز معرفي إنساني آخر، فالفلسفة أصل لا يمكن الاستغناء عنه، والفلسفة المغربية واحدة من منابع ومنابت الفلسفة الإسلامية/ العربية الفاعلة والمؤثرة في الساحتين العربية والعالمية، تسعى إلى تطوير مناهجها ورؤاها بجد ومثابرة، سيعوض الكثير من تكوينات حالة الوهن التي تشكو منها ساحات عربية وإسلامية أخرى.

 

الدكتور صالح الطائي

العراق/ واسط

 

 

باسم الحسناويبحسب هرمنيوطيقا الدكتور شبستري لا يعتبر القرآن ذا مضمونٍ إخباري، بل إنَّ مضمونه تفسيريٌّ فحسب، بمعنى أنَّ المضامين التي يتحدَّث عنها القرآن سواءٌ كانت مما له علاقةٌ بقصص الأنبياء أو الفلك أو الطبّ أو حتى القضايا ذات العلاقة بالحساب واليوم الآخر، لا يشترط فيها أن تكون مطابقةً للواقع، بل ليس من وظيفة القرآن أن يتطابق مع الواقع أساساً، يقول الشبستري: "الموجود في هذا الكتاب –القرآن- محتوى تفسيري وليس إخبارياً، فإذا ورد فيه (الله الذي خلق السماوات والأرض) (أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) (وأرسلنا الرياح لواقح) (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض) (ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة)، هذه الآيات وكثير غيرها، تمنح تفسيراً إلهياً لكل الحوادث الطبيعية والتأريخ، رغم غياب الرؤية الكونية فيها. هذه الأمور تفسر كأفعال إلهية، وليست مجرد جمل خبرية تحتمل الصدق والكذب تلقى إلى النبي ويقوم هو بتفسيرها، بل يعطى إليه التفسير ذاته)الهرمنيوطيقا والتفسير الديني للعالم قضايا إسلامية ص26-27 ثم يقول: "إن الاختلاف بين دعوة النبي والحالة الوثنية السابقة على الدعوة، تكمن في أن النبي يهتم لأمر واحد وهو إحالة جميع الأشياء والأفعال والظواهر الموجودة أو المعقولة من أرض وسماء وإنسان وجان وشيطان إلى الله. ولما كانت ثمة عملية تفسير، والتفسير لا بد أن يتلون بلون البيئة التي تحصل فيها عملية التفسير، فلا بد أن يأتي المحتوى التفسيري على ضوء ما هو موجود في حالة ثقافية سائدة في الجاهلية، لأن ما ينبئ عنه النبي ليس قضايا خبرية تحتمل الصدق والكذب على غرار ما هو معروف في المنطق، وليس وارداً في خلد النبي أن يبين ما هو موجود وما هو غير موجود حتى يطالب بدليل على صحة ادعائه، لأنه في الحقيقة لا يدعي شيئاً، وانما يقدم عرضاً انطباعياً عما رآه وعاشه من تجربة، وخلاصتها إرجاع كل شيء وإحالته إلى الله"المصدر السابق ص28،  فمثل هذا التوجه في النظر إلى المضامين القرآنية يعد استنساخاً طبق الأصل لتوجهات عدد من المستشرقين يحقق، كما يعيد إلى الأذهان ذلك الرأي الذي أثار ردود الأفعال القوية في الأوساط الدينية والثقافية للدكتور طه حسين في كتابه المعروف (في الشعر الجاهلي) إذ قال: "للقران ان يحدثنا عن إبراهيم الخ" يحقق، كما تسير في هذا الاتجاه أطروحة الدكتور احمد محمد خلف الله "في القصص القرآني" يحقق، ومثل هذا الرأي مبني على أساس النظر إلى القرآن بصفته نصاً رمزياً كما يصرح الدكتور شبستري علانية بذلك، بحيث يبدو كل ما ورد في القرآن عبارة عن رمز غير قابل للفهم والاكتناه، ويصبح وسيلة وأداة لفهم واكتناه شيء آخر:المصدر السابق، ص28.

ولنا على مثل هذا التوجه أن نثير في سياق النقد بعض النقاط:

النقطة الأولى: مثل هذا التوجه في النظر إلى المضمون القرآني، لا يمثل فتحاً من فتوح الهرمنيوطيقا، بل هو رأيٌ معروفٌ في مختلف المراحل التأريخية، فمن المعلوم أنَّ بعض الاتجاهات الصوفية نحت هذا المنحى في النظر إلى المضامين التي احتواها النصّ القرآنيّ، كما انَّ عدداً من المستشرقين أثاروا هذا الموضوع أيضاً، وتبعاً لهم أُثير الموضوع أيضاً في الوسط الإسلامي عند الدكتور طه حسين وآخرين يحقق

النقطة الثانية: الحقيقة أنَّ الدكتور الشبستري يخالف مبانيه التي اختارها في دراساته الهرمنيوطيقية الخاصة، فقد صرَّح الشبستري في أكثر من موضعٍ أنه يحترم الدلالة القرآنية، وأنه يدعو إلى تنقيح الأحكام المسبقة في أذهان المفسرين، وأنه يدعو إلى اكتشاف المعنى القرآني المراد لله عزَّ وجلّ، وزعم أنَّ هرمنيوطيقاه لا تتناقض مع هذه المبادئ والأصول التفسيرية العامة يحقق، بيد أنَّ الاعتقاد برمزية اللغة القرآنية، وبعدم وجود المضامين الخبرية للنصِّ القرآني، من شأنه أن يفضي بنا إلى نتائج تناقض ذلك الاعتقاد، يقول الشبستري: "القرآن يتناول مفردة الجنّ، دون أن يكون في وارد إثبات أنَّ الجنّ موجودون أم لا، سياق الكلام شيءٌ آخر، كأنه يريد أن يقول: الجنّ لو كان موجوداً فهو من الله، ولو كان يتصف بكذا، أو يفعل كذا، فإنَّ اتصافه وفعله منوطٌ بالإرادة الإلهية المحيطة بكلِّ الأشياء، وهكذا الأمر بالنسبة إلى مسائل أخرى، كأن يقول القرآن بأننا خلقنا الإنسان من طين، أو مراحل نشأة الجنين، بينما حينما نلاحظ مراحل نشأة الجنين اليوم نراها مختلفةً، ويطرح سؤالٌ هل القرآن منسجمٌ مع العلم أم لا؟ بينما الفكرة الجوهرية التي يرمي إليها القرآن من ذكر مراحل الجنين هي أنَّ هذه المراحل كيفما كانت فإنَّ مردَّها إلى الله الذي لا إله إلا هو، وهذا يعني أنَّ ما جاء من تصويرٍ لمراحل تكوُّن الجنين في القرآن هو تقريرٌ للانطباع الراسخ في ذهن عرب الجاهلية عن هذه العملية، وهو يريد أن يبيِّن للعرب آنذاك أنَّ نشأة الجنين بالشكل الذي تعرفونه هي فعلٌ إلهيٌّ محض، وكذلك سائر الأمور": المصدر السابق، ص 28-29. 

 النقطة الثالثة: بناءً على النقطة السابقة، فإنَّ جميع الدلالات القرآنية ليس لها وجودٌ أصلاً، إلا دلالة واحدة لا غير، يمكن أن نطلق عليها بحسب تعبير الشيخ شبستري نفسه (بؤرة المعنى)، وهي ها هنا التوحيد، وإذا كان الأمر كذلك، فليس هناك من مسوِّغٍ أصلاً لكلِّ هذا العدد الهائل من الآيات القرآنية التي تدور دلالاتها المباشرة حول مختلف الموضوعات التي لا يشترط فيها أن تكون مطابقةً للواقع، فكان يكفي بالنسبة للنبيّ أن يخبر العرب الجاهليين بهذا المضمون، من دون أن يكلف نفسه عناء الخوض في تلك الموضوعات التي ربما اتضح عدم مطابقتها للواقع، فيكون ذلك سبباً في صدود الناس عن الإيمان بالقرآن، ثمة إشكالٌ آخر، وهو أنَّ اعتقاد الشبستري هذا يتضمَّن معنىً قد لا يكون مقصوداً له، إلا أنه من اللوازم التي لا يمكن التخلي عنها، فإذا كانت الموضوعات التي يطلق القرآن الأحكام بشأنها لا يشترط فيها أن تكون مطابقةً للواقع كما يقول، فإنَّ معنى ذلك أنَّ القرآن لم يوحِ به الله إلى النبيّ، لأنَّ القصور المعرفي إن صحَّت نسبته إلى النبي بصفته إنساناً في نهاية الأمر، فإنه لا يمكن أن يُعزى إلى الله عزَّ وجلَّ بطبيعة الحال، فلا يعقل أن يكون كلام الله مخالفاً للواقع في حالٍ من الأحوال، وتأسيساً على ذلك، فإنَّ القرآن إن كان بهذه الصفة التي يذكرها الشبستري لا بدَّ أن يُعزى إلى النبي نفسه، فتكون النتيجة هي أنَّ النبيّ افترى القرآن افتراءً ونسبه إلى الله زوراً وبهتاناً، فتنتفي نبوَّة النبي التي يتأسس عليها كلّ بناء الإسلام.

الحقيقة أنَّ الدكتور شبستري ينكر الأهمية الكبيرة التي تتمحور حول إثبات نبوة النبي في نظر المتكلمين المسلمين، فالمسألة المهمة التي ركَّز عليها الوحي القرآني تتمحور بالذات حول إثبات وجود الإله فقط، خلافاً لما عليه الحال في الديانة المسيحية، فبحسب وجهة نظر الدكتور شبستري تختلف طريقة تعاطي عيسى مع مفهوم الله بين بني إسرائيل عن طريق تعاطي النبيّ محمدٍ مع مفهوم الله بين مشركي مكة، لأنَّ بني إسرائيل "كانوا مؤمنين بالله، وحينما تكلَّم عيسى لهم عن الله وزعم أنه الحقّ، بدر إلى أذهانهم السؤال هل إنَّ الله حقيقةً يتكلم؟ ومن هنا يطرح التساؤل المشروع حول مدى حجية قول عيسى وصحة الاعتماد عليه، فهو لا يطرح أصل مسألة وجود الله، لأنَّ وجوده هناك مفروغٌ منه. هو يقول لهم بأنَّ الله الذي تؤمنون بوجوده هو أنا الذي أتكلم...أما على صعيد الدعوة الإسلامية فالأمر مختلف، فالنبي كان بصدد طرح أصل مسألة الله، في البيئة الوثنية كان الله غائباً، فما طرحه النبي في الحقيقة أصل قضية الله، لا كونه مبعوثاً منه، وهذا هو ما أعنيه بطريقة نبوَّة محمد، فالنبي لفت أنظار العرب إلى وجود الله، لا إلى كونه مرسلاً من الله، وبين القضيتين فرقٌ كبير":المصدر السابق، ص35-36، فما يشير إليه الشبستري من مركزية الاعتقاد بأصل وجود الله في الوحي القرآني صحيح طبعاً، ولا تبدو شخصية النبي محمد في القرآن كشخصية النبي عيسى في الإنجيل، من جهة أن عيسى هو الله نفسه هناك، وهو الاعتقاد الذي أبدى القرآن اعتراضه الصارخ عليه في مواضع عديدة منه، لكن ليس صحيحاً أبداً ما يريد الشبستري اثباته من عدم محورية فكرة النبوة في القرآن، يحقق من القران، لأننا لو فرضنا أن المجتمع الوثني اعلن إيمانه بوجود الله وكفر في الوقت نفسه بنبوة النبي، فإن هذا الايمان نفسه يعد مرفوضاً بصريح القرآن، وبناء على هذا فإنه لا يصح ما يقره الشبستري من أن هم المتكلمين في الصدر الأول للرسالة "كان مصروفاً لاثبات وجود الله نفسه، وفي مرحلة تالية ومن خلال التعاطي مع المسيحية ظهر المعتزلة وغيرهم وطرحت قضية إثبات النبوة"المصدر نفسه، ص37، ويقول الشبستري إنه بحث في القرآن ولم يجد شيئاً في هذا الخصوص، إذن ما بال العديد من الآيات القرآنية التي تتناول مسألة إثبات نبوة النبي بشكل واضح، ومنها: تذكر الايات يحقق

 من الواضح أنَّ الغاية الرئيسية التي يتوخاها شبستري من هذه الفكرة هي إنكار الأصل الإلهي للقرآن، وتحويله إلى مجرد تجربةٍ باطنيةٍ عاشها النبي ودعا الناس إليها، وهو ما يصرح به بالقول عن النبي: "إنه يعرض علينا تجربةً حصلت له، ورؤيةً حصل عليها من خلال هذه التجربة، وهذه التجربة مقدسة بالنسبة إليه، وبالتالي هو يقول: هذه تجربتي بين أيديكم، تفضلوا وانظروا للعالم من خلالها، هذه طريقتي لفهم الوجود، خذوها واستفيدوا منها، فهي ليست سوى طريقةٍ للوصول إلى كنه العالم وحقيقة الكون، وليس لها موضوعيةٌ بحدِّ ذاتها، طريقةٌ لفهم الكون، وأنا أرى الكون من خلالها مختزلاً في شيءٍ واحدٍ وهو الله. (لا إله إلا الله) أسلوبٌ لفهم عالم الوجود وليست قضيةً خبريةً تقبل الصدق والكذب" المصدر نفسه ص31-32.

يترتب على هذا القول ان التجربة النبوية للنبي محمد ما هي الا تجربة وجدانية شخصية ليست ملزمة لأحد ولا يتوجب على المجتمعات اللاحقة التصديق بمضامينها الخبرية ومن الواضح أن المضمون الخبري نفسه إذا ما تم رفضه لا يعود للمضمون التفسيري الذي يركز عليه الشبستري أهمية بالغة، لأنه تفسير خاص لا يعني إلا صاحبه في نهاية المآل، بل إن الشبستنري يتنزل في صياغة المضمون النهائي للتجربة النبوية إلى حد تشبيهها بالتجربة الشعرية، فيعتبر أن "نظم الشعر والشاعرية تشبه النبوة كثيراً، النبوة والوحي في أفق قريب من الشاعرية، على سبيل المثال حينما أصبحت السماء رمزاً وآية للشاعر الفارسي حافظ الشيرازي، ينقل هذه التجربة ويقول (ماهذا السقف البسيط المرتفع الملون) لا يوجد عارف في العالم يعلم هذا اللغز، النبي لم يكن بصدد اثبات نبوته، والمنكرون أيضا لم يكن همهم من الانكار هو نكران نبوة محمد بعد التسليم بأصل الالوهية، بل انهم ينكرون الإله الذي يتكلم عنه محمد من الأساس، لست (نبيا) يعني لم تخض تجربة وتكذب في ادعائك" تذكر الصفحة يحقق، قضايا إسلامية معاصرة، فاذا سلمنا بما يذهب اليه الدكتور شبستري توجب علينا الاقتناع بأن النبوة ما هي الا تجربة شخصية يمكن لأي عارف أو شاعر أن يخوضها وأن يقطف ثمراتها ويقدمها للناس، شريطة أن تتمحور حول وجود الله، لأنه:

1- ليس مهماً ان يكون مرسلاً بالفعل من الله، فكل ما هو مطلوب منه هو أن يمتلك تجربة باطنية تتمحور حول وجود الله، ولا عبرة بعد ذلك بأن يكون الله بالفعل قد كلفه بأداء الرسالة.

2- ليست هناك دلائل حقيقية تشير إلى تميزه عن غيره من أدعياء النبوة، فلا هو مطالب بالمعجزات الدالة على نبوته، ولا هو مكلف بأن تكون المعلومات التي يقدمها للناس صادقة في مضامينها الخبرية، فلا ضير بأن يقدم معلومات خاطئة او أن يقر الناس على الاعتقادات الفاسدة شريطة أن يتمحور جميعها حول فكرة وجود الله، وهو ما يمكن ان يفعله جمهور من العرفاء والمبدعين كما هو واضح.

3- يوجد عدد هائل من المفكرين والفلاسفة والعرفاء والمتصوفة في التأريخ، قدموا أفكاراً ونظرات عميقة كان فحواها الإحالة على الله، فبناءً على رأي الدكتور سروش يمكن لنا أن نعتقد بأن هؤلاء انبياء، فاي فرق بينهم وبين النبي مادام هذا الأخير يمكن ان يقدم للناس معلومات سوف يثبت التاريخ خطأها في المستقبل، وما داموا غير مطالبين بأن يكون كلامهم مطابقا للواقع من الناحية الخبرية للحكم عليها اما بالصدق او الكذب، فاذا كان كلام الشاعر ابن الفارض او حافظ الشيرازي او مولوي متمحورا حول مسالة الإحالة على الله، فان هذا وحده كاف لاتصافهم بالنبوة على هذا القياس.

 

د. باسم الحسناوي

 

 

مجدي ابراهيملولا الأطماع الكاذبة لما استعبد الأحرار بكل شئ لا خطر له. هذه حقيقة لا شك فيها؛ إذ الطمع كما قيل رق مؤبد، فما بالك فيما لو كان كاذباً، فالحر الذي يستعبده الطمع الكاذب يغله بأغلاله ويقيده بقيوده، وهو من بعدُ لا خطر له، فكأنما يتركه مدحوراً في سراب خادع لأوهام مريضة، طاقته وقعت على لا شئ، وبددت في لا شئ، فالرق يطويها كما يطوي الوهم كل ضعيف مغلول.

لم يكن للمُدْرِكْ لمثل هذا الإدراك سبيلٌ يعَرَفَ به من فوره طريق الحرية؛ إذا لم يكن من قبل قد عَرَفَ ذَاَتَهُ، واستبصر ما فيها من نقاط القوة ونقاط الضعف، وغلّب الأولى على الثانية ضرورة. وطريق الحرية واحد بوحدة "الذات" لا يتغير ولا يتبدل لأنه طريق يحمل قيماً غير القيم المتعارف عليها ظاهرياً، لا بل هو فوق حدود المفاهيم جميعاً، وفوق قيودها وسدودها وحواجزها.

الحرية هنا فوق المفهوم؛ لأن المفهوم قيد وحَدّ، حاجز هو وَسَدُّ، فإذا كانت قيم الحرية تتعدد حسب النظرات الفلسفية إليها، سواء كانت أخلاقية أو سياسية أو ميتافيزيقية، وتتعدد حسب مفاهيم القيم واختلافها وتضاربها أحياناً عند أصحابها، فهى من أجل ذلك قيم وضعيّة لا تعرف الانفتاح ولكنها تنحصر في المفهوم، وتنحسر في التصور، إذْ لو كانت قيم الحرية مأخوذة من طريقها المُفْرَد الواضح، إذْ الإنساني لا يكتمل إلا بالإلهي ولا يتحرّر إلّا به، لكانت تحرُّراً من هوى الإرادة في كل مرغوب فيه، ولصارت تحرُّراً من كل عوائق "الذات" في تفرُّدها، ولأتفق الجميع على تحديد معنى "القيمة" التي تحِدُّ الحرية ولا تدع لمعناها حَدَّاً إلا وربطته بقيم الوجود الروحي الباقي، والموصول بالإلهي، وأدخلت عليه طريقاً يمكن أن يكون مأخذه سهلاً بمقدار ما يكون سبيله أيسر وغايته في التوجُّه سَمْحَاء.

هنالك يعمل الاستبصار عمله الفاعل في ملاقاة الجوانب الوضيئة للحرية الإنسانية المجردة عن عوالق الأهواء، والمتصلة بسبُل المصير الإنساني إن في التوجه ووحدة القصد، وإن في التفرد في السلوك والثبات عليه.

مشكلة الحرية في بلادنا أنها تختلف باختلاف الأفراد الذين يزعمون لأنفسهم أو يظنون عندها قَدْرَاً من التحرُّر، وهى في الحق الذي لا مرْيَة فيه أنها مُكبَّلةٌ بقيود الهوى مقرونة بتحقيق المنفعة الخاصّة بالأشخاص بعيداً عن التَّجَرُّد والنزاهة.

من أجل ذلك؛ فلن تكون هنالك حرية ما لم يكن هاهنا في الأصل تحرُّر عن القيود الجُوَّانيَّة المُكَبَّلة برغائب في النفوس مستشرية على غير ما من شأنه أن يكون متوقعاً ممّا عساه ينحدر في أعماق وعينا بهاته النفوس.

وفقدان الاستبصار بداهة مدعاة إلى الرق والاسترقاق والخضوع المزري لأوهام لا حصر لها من الأشخاص والمجتمعات سواء بسواء. وليس من قيد يَرق المرء ويذله أمضى وأقوى فتكاً من الطمع.

وبما أن الطمع في الشيء دليل على الحبِّ له وفرط الاحتياج إلى نيله، الأمر الذي يدل على عبوديته وعلى الصغار الذي ينطوي عليه صاحبه، فكذلك يكون اليأس من الشيء دليلٌ على فراغ القلب منه وغناه عنه، وفي ذلك حرية منه، فالطامع عبدٌ، واليائس حرُّ، وقد قيل:

العبـدُ حُرٌّ ما قنع            والحـــرُّ عبـــدٌ مــا طمَـــع

فاقنع ولا تطمــع فما       شيء يشين سوى الطمع

فالطمع رقٌّ مؤبَّد كما يقول العارفون. وما بَسَقَتْ أغصان ذُلُّ إلا على بذْر طمع. وملاك الدين هو الورع، وفساده الطمع. وفي الحِكَم العطائية :"أنت حرُّ ممّا أنت عنه آيس، وعبدٌ لما أنت فيه طامع". وقد روىَ عن النبي صلوات الله وسلامه عليه في معنى قوله :"فَلَنُحْيِينَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً" قال : هى القناعة.

وليس هناك من عيب أعظم لآفات النفوس ولا أقدح في عبوديتها من ذلك الطمع الذي هو أصل جميع الآفات؛ لأنه محض تَعَلُّق بالناس، والتجاء إليهم، واعتماد عليهم، ليس هذا فقط بل وعبودية لهم كذلك، يفقَد معه المرء حريته تماماً ويرتد  من فوره عبداً ذليلاً لا يعرف له عزة ولا كرامة ولا مهابة ولا إيماناً ينقذه من ذل الهوان.

وفي هذا من المذلة والمهانة ما لا مزيد عليه، ولا يحلُّ لمؤمن يعرف لعقيدته كرامتها ولدينه عزته ولنفسه عتادها ومهابتها أن يذل نفسه بالطمع الذي هو مضاد لحقيقة الإيمان؛ إذْ الإيمان يقتضي وجود العزة. والعزة التي اتصف بها المؤمنون إنمّا تكون برفع الهمّة إلى مولاهم بطمأنينة قلوبهم إليه وثقتهم به دون سواه :"ولله العزَّة ولرسوله وللمؤمنين".

هذه العزة التي منحها الله عبده المؤمن، أساسها الورع، ملاك الدين. ووسيلتها الاستبصار الباطني والتفتيش في المقاصد. ولم تكن الحرية في لب لبابها إلّا فرعاً يتفرع عن عزة المؤمن بإيمانه واستبصاره بمرقاه صعداً مع هذا الإيمان، ومع الورع الذي هو ملاك الدين.

وكما تكون العزة والحرية والإيمان أموراً هى من صفات المؤمنين، كذلك تكون الذلّة والمهانة والنفاق أموراً هى من أخلاق الكافرين والمنافقين :"إنّ الذّين يُحَادُّونَ اللهَ ورَسُولَهُ أولئك في الأذَلّيِن" (المجادلة : آية 20).

إنّ التقديس الذي نتوخَّاه ليس تقديس النفوس ولا الأشخاص ولا الأهواء ولا المنازع الخاصّة ولا العقائد ولا الآراء ولا آفات النفس الظلمانية بل هو تقديس "القيمة" في مَظَانَّها ومواطنها، إذا ما كانت القيمة علوية ذات مصدر إلهي، وكانت أهدَافُها مستمدةً ممّا هو مقدس لا يُمَسُّ بفعل الهوى أو بفعل النزوع الذاتي المعبَّأ بالآفات الشخصية والأوهام الذاتية الأنانية، وكل ثورة على "المقدس"، ذي المصدر الإلهي باسم الحرية إنْ هى إلا عبودية للنفس غارقة في الاستعباد فيما لا عساه تدرك، رقٌّ مؤبّدٌ وعبودية للنفس بكل ما في النفس من آفات وأمراض وكفران وأوهام تعيش فيها وتتمثلها حتى الرمق الأخير؛ إنْ هى إلا عَمَايَة، أو ضرب من ضروب الظلمة، ليس يسعى المرء إلى الخلاص منها، وهو مقيد وأسير.

كل ثورة على الوحي النزيه الحُر المقدس ما هى إلا خدمة للهوى الفتاك وضلال يقود إلى الضلال! إنّ فهم المقدس والاجتهاد في الترقي إليه، ومحاولة تأويله واستخراج مراميه ودلالاته، وإبراز أفقه الواسع الرحيب شيء، ثم التحرر منه وإقحام العقل المحدود لنقده -  ونقد المقدس لا يستثنى منه عمل العقل! - شيء آخر.

كل محاولات التّحَرُّر من قداسة المقدس ذي المصدر الإلهي والتي تتم بواسطة بعض العقول المعزولة عن ملابسة جوهر الإيمان وحقيقته الباطنة إنْ هى إلا محاولات باغية من نفوس ظلمانية وَقَرَ فيها الضلال حتى منتهاه. وَبَغْيُ الناس للناس بغير الحق مردودٌ على الناس أنفسهم، إنما هو بَغْيٌ بغير الحق على أنفسهم :" يَأيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلىَ أنفُسِكُم، مَتَاعَ الحَيَاةِ الدُّنيَا، ثُمَّ إلينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " (يونس: آية 23).

تلك المحاولات التي يتخذها البعض موجة عصرية يركبونها كيما يشتهرون بين ضعاف القلوب والعقول ليشار إليهم بالبنان، إنما هى محاولات تعيش في ظلال العبودية للنفس لا العبودية لله، وعبودية النفس عبث فكري فوق كونه اعوجاجاً باطنياً لا يَنمُّ إلا عن قصور في الرؤية وخواء في التفكير والتقدير، مَا إنْ تقرأها وتصبر على قرأتها حتى تشعر من فورك بالقذارة الفكرية.

إنها لأمراض نفسية باطنة لا تزول إلا بزوال أصحابها، إذْ ليس لها علاج؛ لأن صاحبها ليس بجاهل حتى يَعْلم، ولكنه ضال ومنحرف، وغارق إلى أبعد الحدود في الضلالة والانحراف.

لا ريب كانت محاولات تعيش في ظلال العبودية للنفس أو للعقل لا العبودية لله وهى، من ثمَّ، ظلال لها من الأبعاد الذاتية التي تخدم المآرب الشخصية الخاصّة الباغية ما من شأنه أن يمنع تحقيق الحرية.

وعليه؛ فالحرية الحقيقية لا تعني ممارسة الأهواء والخزعبلات الشخصية ولا القدرة على تنفيذ ما يستطيعه الفرد بغير رقابة داخلية من عصمة الضمير المبْطُون في أعماقه الجُوَّانيَّة، أو حتى رقابة خارجية، والرقابة الخارجية ليست شيئاً على الإطلاق بغير معونة وإمداد الرقابة الداخلية : رقابة الضمير الحي اليقظ ورقابة الفاعلية الروحية.

إنما الحرية الحقيقية تعني معرفة الذات، ودوام البحث عن الذات، والقدرة على امتلاك الذات، والتحرر من عبادة الأصنام والأوثان التي نعبد فيها صباح مساء، وكشف أسرار البذرة الإنسانية : السّرِّ الإلهي العجيب في الجوهر الإنساني ثم التّحَرُّر من كل شيء يعوقه ويقف حجر عثرة في طريقه.

وموالاة هذا السّر، والعمل على اكتشافه، وشهوده في الإنسان، هى مهمة الاستبصار الصوفي، ومهمة كل من يواليه في الإسلام ويقتدر عليه. والاستبصار تجربة بين الحرية والأخلاق. وهو الرابط الوطيد بين هاتين القيمتين في عالم الفكر وفي عالم التطبيق، فلا تكون حرية ما لم تمارس ولا تكون معرفة مالم تطبق ولا تكون فكرة ما لم يجريها التحقيق.

وبهذا تتم الحرية، إذْ يَتم معرفة الوجود الإنساني، ويمكن أن يجيء معه حكم الممارسة حكماً صادقاً وفعالاً ليس يشك فيه مجرب بوجه من الوجوه؛ لأن الحرية تجربة وممارسة قبل أن تكون إطاراً نظرياً وكفى.

الإطار النظري بعيدٌ عن التحقيق والمعايشة والحياة لا يشكل من الحرية شيئاً ذا بال، ولا يحقق في الضمير عصمة ولا شعوراً بالتبعة، قد يجيءُ الإطار النظري معرفة سطحية معزولة عن الوجود، ولكن هذا كله على صعيد النظر الذي يخلو من الفاعلية والتطبيق سهل المأخذ قريب المورد تتناوله الإرادة العالمة وكفى، ولكنه يظل بمعزل عن التجريب، ويبقى السؤال قائماً : أين هى الأمانة التي تتوافر في الفرد القادر على حفظ الأمانة بعد تحملها لممارسة فعل الحرية؟!

إنما الحرية تبعة مسئولة تحتاج لفعل الأمانة - كيما تصبح قيمة باقية نافعة ومؤثرة - لتنزيلها من أعلى إلى أسفل، أعني من التجريد النظري وعالم المفاهيم إلى دنيا الواقع الممارس بالتجربة التي تُشَكّله ناهيك عن تنظيرها وتقديرها في مجال الفكر أولاً ثم مجال العمل الواسع والحياة المعاشة ثانياً فهلا كانت هذه الأمانة، وأين هى؟

تكمن الأمانة في الإرادة التي تحقق تلك التبعة المسئولة، وممارستها على صعيد النشاط العام، وتتمثل في الأخلاق، وتنشَّط بالتربية على "الفعل"، وبالتدريب والتهذيب والتقويم، وبامتلاك عادات الإرادة (التَّعَوِّد، والمران، والدُّرْبَة، والتكرار).

من الممكن - لا من المستحيل - أن تجيء الأخلاق مشروطة بالحياة؛ فنحن نقول على الدوام الحياة الأخلاقية ولا نعني بها إلا أن تكون الأخلاق لب لباب الحياة عندنا. أمَا وَقَدْ فَارَقَتْ حياتنا في أخص خواص الإدراك فيها مثل هذه الصفة الأخلاقية، فقد نقع عند ذلك في محظور الوعي ومحظور الفكر والعمل؛ إذْ تَسْقُط كل القيم والدلالات المؤكدة للفعل الحيوي؛ لتصبح الحياة غير جديرة بمعناها، إذا نحن حذفنا منها الجانب الأخلاقي المسئول الكامن في جوهرها : جوهر الأحياء. ولولا وجود هذا الجانب في جوهر الأحياء من الآدميين، ولولا الطرْقُ الدائم على فعاليته التهذيبية في العمل والسلوك، وفي أنماط الإدراك الإنساني على وجه العموم لسقطت منَّا قيم الحياة مجتمعة، إذْ ما قيمة الحياة إذا هى خَلَتْ في الجوهر من الأخلاق؟

ما قيمتها إذا انفعلت فينا جوانبها جميعاً غير جانب واحد منها هو الجانب الأخلاقي؟ ما قيمة الحياة إذا فرضنا أن القوانين التي تحكمها ليست تخضع في الجملة فضلاً عن التفصيل لروابط خُلقية؟

الحياة بغير أخلاق لا قيمة لها؛ لأن الأخلاق في أبسط معانيها قرابة إلى سلوك الأحياء هى أنها لابد أن تمارس في بطن الحياة واقعاً معاشاً وفعلاً يقبل الممارسة والتسليك، وليست هى بالفكرة النظرية يُفَارقها السلوك ويغادرها العمل ثم تلوكها الألسنة، من بَعْدُ، توصيفاً وتنظيراً. وما كان الطابع التنظيري أبداً إلا بمثابة الإطار الخارجي للفكرة الخلقية : الغطاء البَرَّانيِّ والشكل الظاهري الذي يحمله التصور الإنساني المحيط بالأفكار والأقوال حول ما ظهر من العمل فكان مدعاة للتنظير أو ما نقص منه فكان مدعاة للتقويم، لكأنما التنظير أطار خارجي لنواقص العمل ولتوافر العملية النقدية في الناحية النظرية إذا هى لم تسدد في الناحية التطبيقية، إذْ التطبيق أحياناً لا يدع الفرصة سانحة دوماً إلى العلاج : علاج القصور الناشئ في الحركة التهذيبية؛ فينتقل قصور العمل إلى تفكير النظر ليحيطه بالسداد والاكتمال بعد أن كان أصل الحركة التهذيبية فكراً خالصاً وعلماً دائماً، لكن هذا الفكر النظري الخالص أو هذا العلم السطحي الدائم لا وجود له حقيقةً في الواقع الفعلي ما لم يخضع لاستمرارية التهذيب والتطبيق، حينذاك يكشف عن وجوه القوة فيه ووجوه النقص الذي يعتريه.

فشأن الأخلاق كشأن التجربة الصوفية : أولها فكرة نظريّة. وثانيها: تطبيق وممارسة. وثالثها : حركة فكرية لما كان طُبق بالفعل. فالتطبيق الذي هو بالاصطلاح الفني للقوم يُدْعَي "التسليك" وسط بين محورين. أولهما : الفكر الداعي للحركة الفعلية؛ وهذا محور النظر قبل العمل. وثانيهما : الفكر التنظيري الذي يتمخض عن التجربة العملية، وهذا محور النظر بعد العمل، وهو بالطبع يختلف عن المحور الأول؛ لأنه يشرح التجربة ولا يكادُ يكون ممدود العلاقة بمحور التنظير الذي يأتي قبل العمل.

هكذا تكون التجربة الفاعلة هى المحركة لعبارات القوم إنْ على مستوى التذوق وإنْ على مستوى المقول.

ومن فيض التجربة تجيء العبارة - ناهيك عن الإشارة - وَيُفْهَم من ثمّ مدلول الخطاب.

 

بقلم د. مجدي إبراهيم