محمود محمد علينعود إلي الجزء الثالث من التفسير الابستمولوجي لنشأة وتطور الفكر السياسي عند المسلمين ، فنقول : انطلق الفارابي في فكره السياسي من منطلق آخر مختلف ومخالف تمامًا، عما كانت عليه المرحلة الوصفية، ألا وهو منطلق "علم الكلام" في الإسلام؛ فهو يبدأ بـ "القول في الموجود الأول" (الله)، و"القول في نفي الشريك عنه"، و"القول في نفي الضد عنه"، والقول في "نفي الحد عنه"، و"القول في أن وحدته عين ذاته وأنه تعالى عالم وحكيم وأنه حق وحي وحياة"، و"القول في عظمته وجلاله ومجده تعالى"، حتى إذا استوفى القول في بابي "الذات والصفات" انتقل إلي ثالث أبواب علم الكلام، باب "الأفعال" الذي موضوعه الأساسي هو خلق الله للعالم والعلاقة بين الله والإنسان. وهكذا نقرأ العناوين التالية: "القول في كيفية صدور جميع الموجودات عنه"، "القول في مراتب الموجودات"، "القول في الأسماء التي ينبغي أن يسمى بها الأول"، "القول في الموجودات الثواني وكيفية صدور الكثير".

ويستمر الفارابي القول في الموجودات السماوية والأرضية، الروحانية والجسمانية، إلي أن نصل إلي الإنسان "والقول في أجزاء النفس الإنسانية وقواها"، والقول في خصائص هذه القوى التي منها القوة الناطقة، والقوة المتخيلة، والقوة النزوعية، لنصل إلي "القول في احتياج الإنسان إلى الاجتماع والتعاون" ومنه إلى "القول في العضو الرئيس" لهذا الاجتماع، و"القول في خصال رئيس المدينة الفاضلة"، ومنه إلى "القول في مضادات المدينة الفاضلة"، التي تصنف هي الأخرى حسب آراء أهلها: إلي مدينة جاهلة، لم تسمع قط بـ"الآراء الفاضلة"( وهي الآراء السابقة في السبب الأول، والعقول الفلكية وصدور الموجودات ...إلخ، وهي أصناف، هي في الجملة، تلك الذي ذكرها أفلاطون، وعرفها اليونان)، ويضيف الفارابي من عنده المدينة الفاسقة، وهي التي تعلم الآراء الفاضلة كلها، ولكن أفعال أهلها أفعال غير فاضلة ( والفسق مصطلح إسلامي)، والمدينة الضالة، وهي التي "تعتقد في الله، وفي الثواني، وفي العقل الفعال، آراء فاسدة … ويكون رئيسها الأول، ممن أوهم أنه يوحى إليه من غير أن يكون كذلك" ... إلخ.

ويطنب الفارابي في وصف أحوال وآراء أهل هذه المدن المضادة للمدينة الفاضلة، وصفًا عامًا فيه ما أخذه عن أفلاطون، وفيه ما يعود إلي مطالعاته واستنتاجاته. أما الواقع العربي، والتجربة، أو التجارب السياسية في الحضارة العربية الإسلامية، فحضورها باهت جدًا. ويحتاج المرء إلي تأويل وتكلف، إذا هو أراد أن يتبين فيما كتبه الفارابي شيئًا عربيًا إسلاميًا، ما عدا أمرين اثنين" أولهما: انخراط مدينته انخراطًا مباشرًا في "علم الكلام" كما أوضحنا أعلاه (الانطلاق من الكلام في ذات الله وصفاته وأفعاله). ثانيهما إضافته النبي، كرئيس مؤسس للمدينة الفاضلة، وعدم قصر هذه المهمة على الفيلسوف (كما فعل أفلاطون). وقد كتب الفارابي رسالة بعنوان "كتاب الملة" عقد فيها مقارنة بين المدينة التي يؤسسها النبي (مدينة النبوة في الإسلام) والمدينة الفاضلة الفلسفية، فسوى بينهما على أساس نظريته في العلاقة بين الدين والفلسفة، والتي تتلخص في القول: ما تعطيه الملة هو محاكيات لما في الفلسفة: فـ "كما أن الفلسفة منها نظرية ومنها عملية، كذلك الملة، والشرائع الفاضلة كلها تحت الكليات في الفلسفة العملية، والآراء النظرية التي في الملة براهينها في الفلسفة النظرية، وتؤخذ في الملة بلا براهين".

ومن الملاحظ أن السياسة في رأي الفارابي تعد قسمًا من الفلسفة، أو حلقة في مجموعة مترابطة ومنسجمة، يطرحها الفيلسوف ضمن منظومته الفلسفية، ويدور الحديث في السياسة حول ما يجب أن يكون، وعن سلوك الإنسان في المجموع. أما ( ما يجب ) محاطًا بالحقائق ومسبوقًا بأوامر موجودة فهو السياسة في إطار نظام من القيم الموجودة أيضًا، إلا أنها ضمن نظام الوجود المعقول. ويمكن أن يقال: إن مبادئ السياسة لدى الفارابي هي: نتيجة مترشحة عن مقدماته في معرفة العالم ورؤيته الكونية، لذا فإن أي خلل في تلك المقدمات، سيظهر أيضًا في نظامه السياسي العظيم وقد اعتمد الفارابي خلال طرحه للفكر السياسي على تراث كبيري فلاسفة اليونان وفلاسفة التاريخ البشري- أفلاطون وأرسطو، والتصورات السياسية لفيلسوف المسلمين، كأفكاره عن معرفة العالم التي هي منسوخة من الفلسفات اليونانية. ويعتبر الفارابي، تواضعًا وعرفانًا بالجميل أفلاطون وأرسطو أئمته في الفكر، بل أئمة جميع الحكماء.

وإذا انتقلنا إلي "ابن سينا" فنجد أن الكثير من الباحثين قد تغافلوا دراسة الموضوعات السياسية التي أثارها الرجل، انطلاقاً من قلّتها قياساً إلي الكمّ الـهائل من الموضوعات السينويّة في الأبواب الفلسفية الأخرى؛ ومن الملاحظ أن ابن سينا في كتاب نشر له بعنوان  "السياسة" كان متأثرًا بأستاذه الفارابي، حيث يُظهر ابن سينا في هذا الكتاب كما يذكر البعض "عبقرية عالية، في فهم الأسس الجوهرية، التي يقوم عليها الخطاب السياسي، بمعناه الفلسفي العميق، لكن السياسة من وجهة نظره قائمة على الوجود، بمعني أنه يجعل السياسة مساوقة لطبيعة الموجودات، ليس فقط من حيث كينونتها العادية، بل من حيث وجوب وجودها على المستوي الأخلاقي، فيبدأ بسياسة المرء لما حوله ولنفسه، لينتهي إلي رؤية عامة تصدق على الحياة كلها".

ولذلك نراه في الكتاب لا يعترف بأية رئاسة على الإطلاق إلا برئاسة الفيلسوف، فالفيلسوف هو الملك. والدليل على ذلك أن ابن سينا ينبه في إلهيات الشفاء إلي أن معيار اختيار الخليفة هو عقله فقط . كما يشدد على أهمية تدبير الإنسان لأوضاع منزله. وهو في واقع الأمر إن تدبير المنزل هو علم قائم بنفسه ومن قام بتأسيسه بشكل تام هو أرسطو. كما يشدد ابن سينا بذكاء حاد إلي أن أحق الناس بالمشورة وأحوجهم إليها هم الرؤساء، فهؤلاء لأنهم لا يرون أن أحدا فوقهم، اعتقدوا أن آراءهم هي فوق الجميع، وأن تصرفاتهم تمثل الصواب الكامل، ولا يمكن لأحد أن يقدر على التشكيك في ذكائهم ونبوغهم، بل وعبقريتهم. ومن جراء مدحهم وتقريظهم، بل والركوع لهم وتقديسهم من قبل حاشيتهم، وخدامهم، وعبيدهم، وجندهم، والذين يطلبون المنافع منهم، ازدادوا جهلًا بمعايب أنفسهم. وما زاد في الطين بلة، أن من يواجههم بعيوبهم، قد يكون مصيره السجن، أو التنكيل، أو القتل، أو التعذيب، أو الإهانة، والتحقير، فامتنع من يقدر على نصحهم عن ذلك، فظنوا أنهم فوق البشر لا يمكن لأمثالهم أن يقاربهم الخطأ .

والحقيقة أن هذا الوضع يسري في كل زمان ومكان، وعندما يظهر الرئيس الذي يقبل المشورة، فإن هذا يعني أن الله اكتنف البلاد برحمة واسعة منه. لكن السؤال هو: من يقدم المشورة في هذا الزمان، بل في كل زمان . وهنا نجد أن المستشارين أنفسهم سبب البلاء. وعلى أية حال يحاول ابن سينا أن يمدد أساليب العمل المتاحة للإنسان، فيقسم الناس إلي قسمين قسم موفور الرفاهية  من جراء الوراثة أو العمل، وقسم يفتقر إلي المال. وهنا يشير ابن سينا أن "الصناعة هي خير من التجارة، والأفضل أن يختارها المرء، نظرًا  لأن احتمالات الخسارة في التجارة أكبر من الصناعة " .

والأعمال الشريفة في رأي ابن سينا تقسم إلي ثلاثة أنواع هي :

أ- نوع يكون من قبل المعرفة الذاتية والمؤهلات الفردية للإنسان مثل عمل الوزراء وأرباب السياسية .

ب- نوع من خير الأدب مثل الكتابة والبلاغة وعلم النجوم وعلم الطب .

جـ- نوع من قبل الشجاعة ، مثل عمل رجال الحرب .

وبالجملة يسهب ابن سينا في تفصيل كيفية وجوب أن يكون سلوك المرء على المستوي الاقتصادي.

ثم ينتقل ابن سينا بعد ذلك إلي تبيان الأسلوب الذي يجب أن يتخذ في التعامل مع المرأة، من حيث هي زوجة، وقوام هذا الأسلوب هي أمور ثلاثة: الهيبة الشديدة، والكرامة التامة، وشغل خاطرها بالمهم. ويأتي في المرحلة التالية تعامل الرجل مع ابنائه والطرق الناجعة في تربيتهم، ثم يليهم العبيد، وهنا تكتمل الدائرة في السياسة، حيث تشمل مختلف ضروب الناس في السياقات كافة.

وفي منتصف القرن الهجري الرابع ـ العاشر الميلادي ( 373 هـ / 983 م )، ظهرت الكتابات السياسية لجماعة " إخوان الصفا وخلان الوفا "، متأثرة بالمؤثرات نفسها. وكانت السياسة لديها تمثل علمًا مستقلًا بذاته، له خمسة أقسام: السياسة النبوية، والسياسة الملوكية، والسياسة العامية، والسياسة الخاصية، والسياسة الذاتية .

والفكر السياسي عند إخوان الصفا يدور حول المدينة الفاضلة المدينة الفاضلة غاية الاجتماع السياسي تنحصر أنواع الاجتماعات عند إخوان الصفا في ثلاثة أنواع هى: المدينة ، الأمة ،الدولة العالمية؛ ويرون أن المدينة، تمثل مركز وحدة اجتماعية متكاملة، متأثرين بآراء أفلاطون وأرسطو، إلا إنهم رأوا أن هناك وحدات اجتماعية أكبر من المدينة، تتمثل في الأمة، والدولة العالمية، وهو شيء لم يخطر على بال فلاسفة اليونان، الذين اغترفوا كثيرًا من فلسفاتهم، ونظرياتهم على الأرجح، ولعل ذلك يرجع إلي تأثرهم بتعاليم الدين الإسلامي الذي يهدف إلي إخضاع العالم كله إلي حكومة واحد.

والأمة في رأى الإخوان هى تلك التي تختص، بصفات، وطبائع، وسجايا، وموقع جغرافي، ووحدة تاريخية، وعادات وتقاليد موحدة؛ بحيث تميزها عن الأمم الأخرى. ويتصور الإخوان أن هناك اجتماعًا أكبر من الأمة، يمكن تحقيقه في شكل دولة عالمية يشملها دين موحد وشريعة واحدة. ورأى الإخوان أن أول لبنة في تنظيمهم، هو بناء المدينة الفاضلة إخوان الصفا والمدينة الفاضلة: لقد دعا إخوان الصفا إلي المدينة الفاضلة، وكانوا كثيرًا ما يذكرون أن لهم مدينة فاضلة، يصفونها بالمثالية والروحانية، والحق أنها كانت مجتمع سرى مغلق، ولم يكن هؤلاء أول من تكلموا عن المدينة الفاضلة، وإنما كانت الشغل الشاغل لفلاسفة اليونان، كما علق الفلاسفة عليها آمالًا كبيرة. وقد تأثر إخوان الصفا بأفلاطون في هذه المدينة، لأنهم كانوا يعرفون أفلاطون جيدًا، ويسمى الإخوان مدينتهم بدولة أهل الخير ويقولون"، يبدأ أولها من قوم علماء وحكماء وخيار فضلاء، يجتمعون على رأى واحد، ويتفقون على مذهب واحد، ودين واحد، ويعقدون بينهم عقدًا، وميثاقًا، ألا يتجادلوا، أو لا يتقاعدوا عن نصرة بعضهم بعضًا، ويكونوا كرجل واحد في جميع أمورهم، وكنفس واحدة في جميع تدبيرهم فيما يقصدون عن نصرة الدين وطلب الآخرة، لا يبتغون سوى وجه الله ورضوانه، ولا يريدون جزاءً ولا شكورًا" .

ثم يذكر إخوان الصفا أن للمدينة الفاضلة عدة خصائص منها:

1- يذكرون أن مدينتهم مرتفعة في الهواء، وهذا رمز أنها مليئة بالتعاون في الدين والمعاش، وقد يسمح بعضهم بتلف جسده لنصر الدين، أو الأخ، لأن الجسد فان مظلم لا ينبغي الحرص عليه.

2- وفي المدينة تعاون علمي، وأدبي، ومادي، وعلى كل فرقة أن تهيئ لنفسها مجلسًا خاصا بها يجتمع فيه أعضاؤها وقتًا معينًا، ولا يسمح لغيرهم بالحضور، ويتذاكرون في المجلس علومهم، ويبوحون فيه أسرارهم.

3- وللمدينة قانون العقل الذي جعله الله تعالى رئيسًا على الفضلاء من خلقه، ومن لم يرض به، فعقوبته المقاطعة وطي الأسرار عنه.

4- وللمدينة أربعة أيام لكل يوم شأنه:" فيوم خروج أول القائمين منهم يوم عيد، ويوم فيه تصرم دولة أهل الجور، وثالث فيه مقاومة الباطل الحق، ورابع يوم الحزن والكآبة بالرجوع إلي كهف التقية والاستتار وكون الأمر على ما قال صاحب الشريعة "أن الإسلام ظهر غريبا وسيعود غريبًا" ومن هنا يتضح الهدف السياسي تمامًا، ألا وهو الثورة على نظام الحكم، وأنهم مازالوا في طور الستر، وأنهم ينتظرون قيام الثورة، ويوم قيامها عيد عندهم، ولكنهم يعلمون أن الهزيمة ستلحق بهم، وسيعودون إلى الستر مرة أخرى".

ثم يذكر إخوان الصفا مراتب أهل المدينة الفاضلة، وذلك على النحو التالي : المرتبة الاولى: مرتبة الأبرار، ويتراوح أعمارهم ما بين خمسة عشرة سنة، إلي ثلاثين سنة، وهم أرباب صنائع ونفوسهم جيدة التصور سريعة القبول، وكثيرًا ما توجه الخطاب في رسائل إخوان الصفا إليهم.

2- المرتبة الثانية :مرتبة الأخيار، وهم الرؤساء ذوو السياسة الذين يشفقون على إخوانهم وأعمارهم ما بين الثلاثين والأربعين.

3- المرتبة الثالثة: مرتبة الفضلاء الكرام ، وهم الملوك ذوو الأمر والنهي، وأعمارهم بين الأربعين والخمسين.

4- المرتبة الرابعة: مرتبة الذين بلغوا سن الخمسين، وهي التي يدعون إليها إخوانهم في أي مرتبة، وهم هنا يرمزون إلى ما يتمنونه من صعود سياسي لا روحاني، والتقسيم في جمهورية أفلاطون بحسب المهنة لا السن، كما هو لدى إخوان الصفا .

وعن الفرق بين المدينة الفاضلة ،والمدن الأخرى عند إخوان الصفا؛ فلقد وصف إخوان الصفا المدن الأخرى بالجائرة، وأوضحوا الفرق بين المدينتين (أى المدينة الفاضلة، والمدينة الجائرة) فيما يلي:

أ- المدينة الفاضلة لا يدخلها إلا من توافر فيه حد أدنى من العلم، أما المدن غير الفاضلة فلا يشترط أن يكون سكانها علماء فضلاء، بل تجمع الأخيار، والأشرار، والعلماء، والجهلاء، والمصلحين، والمفسدين، وأقوامًا مختلفي الطباع، والأخلاق، والآراء، والأعمال، والعادات.

ب- المدينة الفاضلة تشبه جزيرة مخصبة كثيرة النعم يسود بين أهلها المحبة والرحمة والشفقة. أما المدينة الجائرة فتشبه جزيرة وعرة جبلية مليئة بالسباع الضارية.

بعد أن انتهينا من المدينة الفاضلة نأتي إلي رأس الحكم، وهو الإمام ورأي الإخوان فيه؛ فقد اهتم إخوان الصفا بموضوع الإمامة أو الخلافة ،وأكدوا ضرورة الوصية فيها فالتصرف دون توقيف من الرسول كان سبباً في انقسام الأمة الإسلامية واختلاف الآراء فيها فليس هناك خلاف، إذن بين أخوان الصفا وبين الشيعة في ذلك، وهذا تلويح منهم بالموافقة على رأي الإمامية الذين رأوا وجوبها بالنص على الإمام على رضي الله عنه  .

وأما عن فائدة الإمام عند إخوان الصفا؛ فهم يرون أن فائدة الإمام حفظ الشريعة، وإحياء السنة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، اجتماع الأمة على رأي واحد ونصب نواب عنه في الأقاليم، ورجوع فقهاء المسلمين إليه في المشكلات من فقه، وأحكام، وحدود، وفتاوى، وبذلك يكون تنصب الإمام عندهم واجباً . وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

نبيل عودةفلسفة مبسطة:

في مقال للأستاذ حاتم حميد محسن في موقع "صحيفة المثقف"، كتب مقالا هاما بعنوان: "ماركس ونيتشة.. رؤيتان مختلفتان للدين"* المقال يثير الكثير من التساؤلات الهامة، تعقيبا على مقاله اطرح وجهة نظري بموضوع الموقف من الدين، ومن علاقة نيتشه بالنازية وليس بمختلف القضايا التي نشأت بناء على موقف الفيلسوفين، نيتشه وماركس.

***

نيتشه ينتقد النازية: " أرتجف عندما أفكّر في كل هؤلاء الأشخاص غير الجاهزين بعدُ لتلقّي أفكاري، ومع ذلك سوف يستغلّونها لسلطتهم"

نيتشه: "أشعر بخوف في الأيام الأخيرة، من كثرة الرسائل والمواقف التي تصلني حول معاداة السامية، وأشعر باشمئزاز وبكلّ ما تعنيه كلمة اشمئزاز من معنى من ذلك الحزب"

***

تركت فلسفة نيتشة أثرًا بالغًا في الفكر الإنساني، والكثيرون تأثروا بأفكاره، الأمر الذي لا يعرفه الكثيرون انه لقب بصغره ب "القسيس الصغير"، فوالده كان قسيسا في الكنيسة الانجيلية (اللوثرية)، لكنه عندما بدأ يتشكل وعيه الخاص انقلب تماما على الفكر الديني لدرجة قوله ان "الله قد مات" (الجنائني مات). هناك اخطاء شائعة حول علاقته بالنازية، العكس هو الصحيح، ما جر لهذا الخطأ فكرته عن الرجل السوبرمان (وهو لم يقصد هتلر اطلاقا)، بل رفض النازية وعنفها ضد اليهود أيضا وكانت له علاقات مع يهود المان، إشادته بالإنسان السوبرمان، يقصد الانسان غير التابع لفكر قديم ماضوي، بل الانسان المتحرر من كل الفكر الديني والملتزم بالعلم وليس بخرافات الدين.  انتقد المسيحية من منطلق نقده للدين، ودور الدين السلبي اجتماعيا. وله قول مشهور: "الخطيئة بحق الله كانت من أكبر الخطايا، لكن الله قد مات، بذلك ماتت الخطايا أيضا، الشيء المخيف أكثر الآن ان تخطئ بحق الأرض". هذا موقف عقلاني وانساني. عدم ارتكاب الخطيئة بحق الأرض.

قام نيتشه بنقد جذري للفكر الفلسفي الغربي. من مؤلّفاته " ولادة المأساة "، " هكذا تحدّث زرادشت "، " ما وراء الخير والشرّ"،" ضدّ المسيح " و" إرادة القوّة ".

يؤكّد نيتشه في فلسفته تقلّص التأثير للقيم التقليديّة، لأن "اللّه قد مات" (الجنائني مات) ويجب التّأسيس لقيم جديدة تعبّر عن القوّة والشّجاعة والنبل وتعبّر عن إرادة الإنسان الأعلى أو بالأحرى عن إرادة القوّة. وهو كما افهم يقصد القوة العقلية، وليس قوة القمع والاستبداد!!

جرى الربط بين فلسفة نيتشه والأيديولوجيا النازية، وان النازية اقتبست فلسفتها من النيتشية، عن الإنسان الأعلى والقوة والشجاعة والنبل، وهذه الفلسفة أنجبت شخصيّة هتلر. الباحثين بفلسفته يرفضون الربط بينه وبين الفكر النازي، ويعتمدون على قوله " أرتجف عندما أفكّر في كل هؤلاء الأشخاص غير الجاهزين بعدُ لتلقّي أفكاري، ومع ذلك سوف يستغلّونها لسلطتهم" ويؤكدون ان نيتشه كان يكتب لإنسان المستقبل.

في احدى رسائله نجده يرفض المواقف اللاسامية المعادية لليهود والتي كانت ضمن الفكر النازي، فقد كتب في احدى رسائله: "أشعر بخوف في الأيام الأخيرة، من كثرة الرسائل والمواقف التي تصلني حول معاداة السامية، وأشعر باشمئزاز وبكلّ ما تعنيه كلمة اشمئزاز من معنى من ذلك الحزب (القصد على الأغلب من الحزب النازي).

نقد ماركس للفكر الديني وجملته الشهيرة "الدين افيون الشعوب" لم تفهم بشكلها الصحيح. بالفعل ماركس كان ملحدا (لا دينيا) لكن جملته لم تقال للتحريض على الدين والمتدينين انما كانت موجهة لموقف فلاسفة ومفكري التنوير البرجوازيين من الدين. اذ ان عدم رؤيتهم الدور الرجعي للكنيسة والجهاز الديني في العلاقة مع مسيرة التطور الاجتماعي والفكري والعلمي (معاداة الكنيسة للمفكرين والمخترعين بدءا من الكاهن وعالم الفلك الأهم في التاريخ "كوبرنيكوس" وصولا الى "غاليليو" ورفضهم وتكفيرهم للكثير من علوم تطور الانسان، خاصة أبحاث دارون، دفعته لهذا القول.

من الجدير ذكره ان القرن الثامن عشر، شهد حربًا لا هوادة فيها ضد الدين شنه فلاسفة التنوير، خاصة في فرنسا، إذ رأوا فيه عقبة امام التقدم الإنساني نحو الحرية والعقلانية. 

من الجدير بالتنويه ان موقف الماركسية من الدين لم يكن عدائيا اسوة بموقف الفلاسفة التنويريين، بل كان أكثر تفهما وتسامحا. كان يعتبر ان معركته الأساسية في موضوع الدين هو ضد الظلامية الدينية، وقوله التالي هو إشارة لذلك: "الدين هو متنفس المخلوقات المضطهدة، قلب العالم الذي بلا قلب وروح الظروف التي بلا روح. انه مورفين الجماهير" وهو لم يكن معاديا لهذه الفئات الاجتماعية، بل يدفعها نحو التوعية بدل التضليل الديني!!

موضوع صراع الطبقات هو موضوع يقع في ملعب آخر لا يتعلق مباشرة بالدين رغم ان التأثير الديني واقع قائم وسلبي في التطور الذي حلم به ماركس بفكرة الصراع الطبقي/ المادية التاريخية.

ان فكرة الصراع الطبقي كانت صحيحة نسبيا في الظروف التاريخية التي عالجها ماركس خاصة بعد كومونة باريس. لكن هذا الأمر سرعان ما تلاشى، والرؤية الماركسية التي طرحت عن الأممية العمالية (يا عمال العالم اتحدوا) لم تثمر، وظلت القومية سائدة.

فكرة المادية التاريخية (الصراع الطبقي) كطريق لقضاء طبقة العمال على الطبقة البرجوازية، وبناء نظام اشتراكي/ شيوعي، لم تثبت صحتها، وكان لا بد للفلاسفة الماركسيين من تطوير فكرة الصراع الطبقي بل اسقاطها نهائيا. لكن يبدو ان الماركسية تحولت الى ما يشبه الدين لكوادر الشيوعيين، خاصة بتشوية الماركسية بفترة ستالين، لدرجة قبرها وتطوير نهج سوفييتي مناقض لكل الفكر الماركسي، حتى ان الدولة في الاتحاد السوفييتي لم يتغير مبناها الفكري من دولة رأسمالية الى دولة اشتراكية، هذا الموضوع لم يعالجه ماركس ولم يعالجه لينين أيضا، وظلت الدولة الرأسمالية بمؤسساتها، هي التي تطبق النظام الاشتراكي وهنا أحد أسباب، ربما اهم سبب، وراء سقوط هذا النظام!!

 

نبيل عودة

...................

http://www.almothaqaf.com/a/aqlam2019/936705

 

قاسم حسين صالحتتعدد وجهات النظر في الصوم، ولا يعنينا هنا أمره من منظور الأديان الثلاثة: اليهودية، والمسيحية، والأسلام، التي تختلف اختلافا كبيرا في طريقة الصوم ومدته التي حددها الاسلام بشهر رمضان بكف النفس عن اللذات الثلاث (الطعام، والشراب، والجماع) في اوقات الامساك والترخيص بها في الافطار.واختلافها ايضا في فلسفة الصيام التي حددها الأمام الغزالي بقوله: (اعلم ان الصوم ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. اما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، واما صوم الخصوص فو كف السمع والبصر واللسان والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، واما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدنيئة والأفكار الدنيوية.." الغزالي:اسرار الصوم، ص:40").

ما يعنينا هنا هو التحليل السيكولوجي للصوم، نوجزه في القول بوجود موقفين متضادين من الصوم: ألأول يتبناه كتّاب وأطباء نفسانيون عرب، يرون ان الصوم يؤدي الى انخفاض مستوى الجلوكوز في المخ، فينجم عنه اضطراب في عمل الدماغ، واختلال في افرازات الهرمونات وتوقيتات الساعة البيولوجية..لأن جسم الانسان اعتاد على ان ينشط في النهار ويستهلك طاقة، وان النوم في الليل يعمل على ترميم ما اهترأ في الجسم..ما يعني أن الصوم، وفقا لهذا الرأي، مضر بجسم الانسان لأنه يضطره الى ان يسهر في الليل وينام كثيرا في النهار، وانه يسبب السمنة، وله انعكاسات نفسية سلبية يكفيك منها التوتر العصبي، وتعكر المزاج، والنرفزة، والصداع، والدوخة، الناجمة عن انخفاض نسبة السكر في الدم، والخلل في ايقاع الساعة البيولوجية..فضلا عن ان الصوم يؤدي الى ضعف الأداء الوظيفي، وانخفاض الأنتاجية على مستوى الفرد والمؤسسات الحكومية والأهلية..وقضايا اجتماعية اوجعها حسرات اطفال الفقراء واليتامى في العيد.

الموقف الثاني نبدأه بما قاله الحائز على جائزة نوبل في الطب الدكتور ألكسيس كاريك بكتابه (الإنسان ذلك المجهول) ما نصه: (إن كثرة وجبات الطعام وانتظامها ووفرتها تعطّل وظيفة أدت دورا عظيما في بقاء الأجناس البشرية، وهي وظيفة التكيف على قلّة الطعام)..بمعنى ان الصوم يدرّب جسم الانسان على التكيّف في الأزمات الأقتصادية.ووفقا لما يراه هذا الطبيب فان خلف الشعور بالجوع تحدث ظاهرة اهم هي ان سكر الكبد سيتحرك، وتتحرك معه أيضا الدهون المخزونة تحت الجلد، وبروتينات العضل والغدد، وخلايا الكبد..ليتحقق في النهاية الوصول الى كمال الوسيط الوظيفي للاعضاء..ويخلص الى القول بأن الصوم ينظّف ويبدّل أنسجتنا ويضمن سلامة القلب.

وحديثا، يرى علماء نفس وأطباء نفسانيون في اميركا وانجلترا واوربا، ان بقاء الانسان على نفس الروتين والايقاع في عمل الجسم، يؤدي الى الكسل والخدر والموت قبل الآوان، فيما التغيير يؤدي الى تنشيط البدن ويمنحه حيوية تطيل العمر. وتوصل آخرون الى نتائج سيكولوجية مدهشة بأن الصوم ينمّي قدرة الانسان على التحكّم في الذات، ويدرّبه على ترك عادات سيئة، ويمنحه الفرصة على اكتساب ضوابط جديدة في السلوك تنعكس ايجابيا على شخصيته هو والمجتمع ايضا. مثال ذلك، ان الصائم الذي اعتاد على تدخين علبة كاملة في اليوم فأن تدربه على الامتناع عنها في النهار قد يدفع به الى تركه. وقل الشيء ذاته عن آخر اعتاد على ان يغتاب او يكذب ودرّبه صيامه على الامتناع عنهما شهرا لا يوما او اسبوعا، معللين ذلك بقانون نفسي، هو: ان كثرة التدريب على سلوك جديد يؤدي الى ثباته..وأن الصوم، بهذا المفهوم، وسيلة علاجية لمن يعانون القلق النفسي والاكتئاب..والأغتراب الأجتماعي، والسياسي ايضا!..غير ان ذلك قد ينطبق على المصريين ولا ينطبق على العراقيين! .

في السياق ذاته تخلص دراسة الدكتور (باري شوارتز) الى نتيجة أخرى مدهشة، هي أن نفسية الاكتئاب والإحباط ترتبط بالإفراط في الانسياق مع تيار الاستهلاك الذي اصبح ظاهرة بالعصر الحديث وصفها ايريك فروم و هربرت ماركيوز بأنها سلبية خطيرة تنخر في نفسية الانسان، وأن كبح الشهوات الغريزية والسيطرة على الرغبات عن طريق الصوم يؤدي الى خفضها. ولك ان تطلع على ما يدهشك في كتب: "الصوم" لهربرت شيلتون، و"الجوع من أجل الصحة" لنيكولايف بيلوي " و"الصوم" لجيسبير بولينغ، "..مستندين الى ما أكدته أبحاث أنثربولوجيا الأديان بأن فعل الصوم يكاد يكون سلوكا مشتركا بين جميع الملل الدينية.

والمدهش اكثر أن مجلة (سيكولوجست) تؤكد ظهور عشرات المراكز الطبية في دول العالم، (الجمعية العالمية للصحة، وجمعية الطبيعة والصحة بكندا، والجمعية الأميركية للصحة الطبيعية، واخرى في اليابان والهند والصين..) اعتمدت الصوم وسيلة علاجية..تسهم في ضبط الشهوات والتحكحم بالانفعالات (الغضب مثلا).. وضبط اللسان حين يهم بقضم سمعة فلانه او فلان.

ان الغالبية المطلقة من العراقيين، والعرب ايضا، يفهمون الصوم على انه فرض ديني واجب ولا يمتلكون فهما بهذه القضايا السيكولوجية التي نأمل من وسائل الأعلام والبرامج الدينية في الفضائيات ان تلتقط افكارها وتوصلها للصائمين بلغة سهلة ليتحقق صوم رمضان بدرجاته الثلاث:صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص.

 

أ.د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

واحد رمضان – 6/5/2019

  

علاء اللاميارتكزت كتابات الباحثين العرب القائلين بالجغرافية التوراتية العسيرية أو اليمنية، والتي تجعل إقليم عسير أو اليمن وليس فلسطين مسرحا وحاضنة لقصة اليهود وبني إسرائيل وتوراتهم، ارتكزت ومنذ بداياتها مع د. كمال صليبي على أساس واحد هو المقابلة اللغوية التأثيلية "الإتيمولوجية" والصوتية " الفونولوجية". تقوم هذه المنهجية على تطويع أو قلب أو حذف أو تقديم أو تأخير بعض حروف المفردات في النصوص الدينية كالتوراة أو غير الدينية كالنُّصُب والألواح والبرديات القديمة للوصول الى جذر مشترك لها يجمعها بقريناتها المعاصرة في جغرافيا معنية.

بدأت هذه المنهجية مع الراحل الصليبي وبلغت ذروتها مع كتابات فرج الله ديب وفاضل الربيعي حيث أصبحت هذه المنهجية الإتيمولوجية أقرب اللعبة اللغوية التي يمكن لأي شخص لا علاقة له بعلوم التاريخ واللغة والجغرافي من أن يمارسها ليثبت مثلا أن يسوع المسيح ولد في مدينة الناصرية جنوب العراق، وليس في بيت لحم الفلسطينية. وبمقابلة اسم "الناصرية" مع لقب "الناصري"، والذي هو أحد ألقاب يسوع المسيح، مقابلة خارجة عن سياقها التاريخي وعن عمر المدينة الحقيقي، يغدو ممكنا تصديق هذه الطرفة، غير أن المعروف هو أن عمر مدينة الناصرية العراقية لا يزيد على قرنين ونصف فقد تأسست في عهد الشيخ ناصر الأشقر باشا السعدون شيخ المنتفك "اتحاد قبلي عربي عراقي" المولود سنة 1772م خلال العهد العثماني وسميت تيمناً باسمه، وقيل لأنه بناها على نفقته الخاصة.  فأي علاقة يمكن أن تجمعها بيسوع المسيح قبل أكثر من ألفي سنة؟! أمثلة كهذا المثال مبثوثة بالعشرات إنْ لم تكن بالمئات في مؤلفات الباحثين القائلين بيمنية أو عسيرية الجغرافية التوراتية وتاريخية فلسطين الكنعانية ككل. لعل من أبرز الأمثلة عليه المقابلة اللغوية التي أجراها الصليبي بين ما سماها"قرية آل شريم" في عسير والتي اعتبرها هي أورشاليم القدس. ولكن باحثا سعوديا هو حمد الجاسر مؤلف (المعجم الجغرافي التاريخي للبلاد العربية السعودية) أثبت أن آل شريم (ليس اسم قرية بل هو اسم فخذ صغير من أفخاذ قبيلة "الحَجْر"، وآخر من قبيلة بالقرن، وهما حادثان - جديدان - لم يكونا معروفين في شيء من كتب الأنساب التي أُلِّفَتْ قديماً)[1]

ولعل من أنضج ما قيل من نقد لهذه المنهجية التي تعتمد التحليل والمقابلة اللغوية هو ما كتبه صقر أبو فخر في معرض قراءته النقدية لكتاب فرج الله ديب "اليمن وأنبياء التوراة"، وقد كنت قد اقتبسته في دراسة أخرى، حيث كتب أن الباحث فرج الله ديب (يكتفي باستخدام طريقة المقابلة اللغوية وتطويع أحرف التصويت في الأسماء للوصول إلى جذر أو صيغة لفظية يمكن إقرانها بأحد المواقع الجغرافية في اليمن. إن هذه النظرية الخطرة فعلاً، يلزمها عدة بحثية متكاملة كي تصل عملية الاستدلال والإثبات إلى غايتها العلمية القصوى. إنَّ الاعتماد على اللغة فقط، ثم إسنادها بالجغرافيا، يمدنا بآراء مختلفة في هذا المجال، ومتضاربة في أكثر الأحيان، وفيه تعسف كبير، ولا يمكن الركون إلى هذه النتائج إلا إذا أنجدتها الأحافير واللقى والنقوش الأثرية. وحده علم الآثار"الأركيولوجيا" يمكنه أن يحسم، إلى حد كبير، الجدل والتناقض والاضطراب والبلبلة. ...وهكذا، فلكي تكون النتائج التي توصل الكاتب إليها يقينية وعلمية وتاريخية في آن، يجب أنْ تؤكدها الحفائر، فتبرهن على أنَّ هذه القرى ذات الأصل التوراتي، من ناحية التسمية، كانت آهلة حقاً في التاريخ المفترض لظهور قبائل التوراة؛ والحال، أنَّ الكتاب لا يفصح عن ذلك بتاتاً، بل إنه لا يستخدم علم الآثار ومكتشفاته في اليمن في جملة وسائله المنهجية)[2].

لقد اهتم بعض الباحثين العرب القائلين بالجغرافية التوراتية العسيرية أو اليمنية بكتاب الباحثين إسرائيل فنكلشتاين وزميله الأقل شهرة منه نيل سيلبرمان "التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها" اهتماما كبيرا، وكتبوا عنه واقتبسوا منه في مؤلفاتهم، محاولين توظيف بعض ما ورد في هذا الكتاب للبرهنة على صحة فرضياتهم العسيرية واليمنية التي تقف على قدم لغوية إتيمولوجية واحدة. ولكنهم للأسف لم يكونوا دقيقين في قراءة هذا الكتاب البسيط والواضح، ما جعلهم يتعسفون عليه ويخرجونه من سياقه بل ويمسخونه مسخا شديدا. فالباحث فرج الله  ديب، في كتابه "اليمن وأنبياء بني إسرائيل -هل جاء المسيح إلى صنعاء؟" يسجل أنه اعتمد على ما قدمه علم الآثار في دولة الكيان الصهيوني "إسرائيل" وخصوصا في "تسفيه لنظرية أرض الميعاد في فلسطين".

والواقع فإنَّ هذه العبارة شديدة الغموض، ويمكن تأويلها تأويلات عدة، ولكنَّ المتابع لما طرحة علم الآثار "الإسرائيلي" في فلسطين المحتلة لم يسفِّه، ولم يكن هدفه قط تسفيه جغرافية التوراة في فلسطين، ولم يقل أحد من العلماء "الإسرائيليين" بذلك، وإنما هم سفَّهوا شيئاً آخر، هو تأريخية التوراة. ومن خلال انعدام الأدلة الآثارية الأركيولوجية الواضحة والقاطعة، أكدوا أنَّ التوراة كتاب خرافي وأيديولوجي في معظمه، وليس كتاباً أو سجلاً تاريخياً مضبوطاً بكامله. كما شككوا بمكانة أورشليم -القدس، وعلاقتها بالسردية اليهودية العبرانية، وبأحداث توراتية كبرى، وشخصيات توراتية ضخمة، بينهم أغلب أنبياء وملوك بني إسرائيل المشهورين. ولكنهم من جهة أخرى، وخصوصاً في كتاب إسرائيل فنكلشتاين وزميله سلبرمان، قدموا مكتبة ضخمة وهائلة من الأدلة الآثارية الموثقة والمقروءة جيداً، والمعروضة بشكل بحثي دقيق، لتكون دليلاً أركيولوجيا يؤكد فلسطينية الجغرافية التوراتية، دون أن يجرؤوا على الاعتراف بأنها الجغرافية التاريخية لفلسطين الكنعانية واليبوسية الشاملة والتي لا تشكل السردية اليهودية العبرية إلا هامشا صغيرا فيها، وهذا ما فشل دعاة "الجغرافية التوراتية اليمنية والعسيرية" العرب في إنجاز واحد بالمائة منه.

لقد توصل فنكلشتاين وزملاؤه إلى القول إنَّ شخصيات مهمة من أنبياء وملوك وقضاة كإبراهيم وموسى وسليمان ...الخ، الذين ورد ذكرهم في التوراة، لم يتأكد قط وجودهم الحقيقي في الماضي، ولم يعثر على أدلة مادية واضحة على وجودهم. أدلة من النوع الذي جعلتنا - مثلا - نتأكد من أنَّ سرجون الأكدي ملك له وجود حقيقي، بدليل المسلة الحجرية التي تسجل وتخلد أعماله على سبيل المثال! إنَّ ما قدمه علم الآثار، وخصوصاً من علماء "إسرائيليين" ذكرهم ديب، لم يسفِّه مباشرة موضوعة "أرض الميعاد"، كموضوعة دينية وردت في التوراة وجل ما قاله أن هذا الوعد التوراتي لا دليل أثاريا عليه حتى الآن، فهو إذن وعد ديني وليس تاريخيا، ولم ينفِ فنكلشتاين أو يسفِّه فلسطينية الجغرافية التوراتية، ولا يوجد نص يدل على هذا التسفيه، بل لقد شكك الباحث الإسرائيلي بكون أورشليم - القدس الحالية ليست هي أورشليم التي تحدثت عنها التوراة، بالطريقة التي تكلمت بها عنها، لعدم العثور على أدلة آثارية حاسمة في هذا الصدد. وما قفز عليه ديب، هو أنَّ هناك أدلة ولكن تم التشكيك بها وبطريقة قراءتها وتصويتها، حتى من قبل كمال الصليبي.

أما أورشليم اليبوسية الكنعانية فهناك الكثير من الأدلة الأركيولوجية عليها، بل أن هناك مخططا آثاريا كاملا لها. وبهذا الصدد يمكن تسجيل التالي: عندما بدأت التنقيبات الأثرية في العصر الحديث، اتجهت الى مدينة القدس بموقعها الحالي، فلم يجدوا فيها شيئا ذا علاقة باليهود أو العبرانيين أو بني إسرائيل، ثم اكتشفوا أن أورشليم اليبوسية ( نسبة إلى اليبوسيين وهم فرع من الكنعانيين الجزيريين) تقع بكاملها الى جنوب المدينة الحالية على سلسلة تلال القدس الشرقية. وقد تطابقت جغرافية وطوبوغرافية المدينة المكتشفة مع أوصافها كما وردت لاحقا في التوراة التي كتبت بعد سيطرة العبرانيين على المدينة بطريقة التسلل السلمي على الأرجح، وكما تؤكد بعض أسفار التوراة نفسها. وأثبتت التنقيبات أن المدينة ترجع إلى العصر البرونزي المبكر منذ مطلع الألف الثالث ق.م، أي في فترة نشوء دويلات المدن في فلسطين. وقد استطاعت بعثة المنقِّبة الشهيرة وذات الصدقية العلمية القوية كاثلين كينيون رسم حدود ومخطط مدينة أورشليم اليبوسية بشكل واضح ودقيق. غير أن الباحثة الهولندية مارغريت شتاينر في كتابها " القدس في العصر الحديدي" قللت من أهمية بعض الخلاصات والمكتشفات التي حققتها كينون، وتوصلت الى أن أورشليم التي نقبت فيها كينون كانت مجرد مدينة صغيرة على أحد تلال القدس ولم تكن لها أهمية تذكر في العصر البرونزي المبكر أو الوسيط وكان عدد سكانها آنذاك يتراوح بين ألف وألفي ساكن.

هناك فرق كبير إذن، بين نقض حقيقي يطاول تاريخية التوراة والأنبياء الوارد ذكرهم فيها، وبكون أورشليم-القدس الحالية هي نفسها أورشليم التوراتية القديمة، وبين نقض يعتقد ديب، أنه يطاول الجغرافية التاريخية للتوراة ككل. أما قوله بأنه يفعل ذلك بهدف (نقض الأيديولوجية الصهيونية حول أرض الميعاد)، فهو قول ملتبس تماماً، لأنَّ هذا النوع من النقض ينطوي ضمناً على الاعتراف بجوهر الوعد التوراتي، حول أرض الميعاد. إنَّ نقض الأيديولوجية التوراتية ولاحقا الصهيونية لا يتم بطريقة رمي الرضيع مع ماء الغسيل القذر والطست الذي يحتويهما، بل إنَّ افتراضاتهم البحثية تنسف حتى الوجود الكنعاني والفلسطيني القديم في فلسطين، وتجعل قرية الفلسة العسيرية هي أصلهم وموطنهم، كما يقول الصليبي، أو أن اسم فلسطين يعود إلى إله الفلس الوثني اليمني كما يقول الربيعي، وإنما يكون التصدي الصحيح والعلمي للأيديولوجية الصهيونية الرجعية، بالبحث العلمي الصارم والدقيق والموثق والمعتمد على جميع العلوم التجريبية وغير التجريبية ذات المساس بحقول التاريخ والإناسة "الانثروبولوجيا"، وبعيداً عن طريقة البحث عن "الخبطات" الإعلامية والفرقعات والصرعات التي لا سابق لها، وبأيِّ ثمن علمي كان.

لنقرأ التفاصيل التي يطرحها الباحث فرج الله ديب في مقدمة الفصل الأول، من كتابه سالف الذكر، فهي تختزل ما عنيناه في ملاحظاتنا السالفة حول القراءة التعسفية وغير الأمينة لكتاب فنكلشتائن، كتب ديب يقول (مرة أخرى يكذِّب علم الآثار في إسرائيل أسطورة "أرض الميعاد وخطأ إسقاط جغرافية التوراة على فلسطين، فبعد تحقيق مجلة التايم بتاريخ 18.12.1995 بعنوان هل التوراة واقع أم خيال؟ جاءت مجلة لو نوفيل أوبزرفاتور الفرنسية عدد 18 – 24.7.2002 لتنشر تحقيقا على امتداد عشر صفحات بعنوان (الطوفان، إبراهيم، موسى، الخروج. التوراة الحقيقة والأسطورة...)، فحتى من خلال هذه الفقرة الصغيرة والمتعلقة بالعناوين، يتبين لنا أنَّ ديب يحاول خلط فرضيته البحثية، التي خلاصتها "خطأ إسقاط جغرافية التوراة على فلسطين"، وبما ورد في بعض التحقيقات الصحفية التي كانت تدور حول موضوع آخر تماماً، هو موضوع خيالية وخرافية التوراة وبعض أنبياء وأحداث وشخصيات التوراة الكبرى، كإبراهيم، والطوفان، فهل يتساوى الأمران مضموناً؟ وهل هذا الخلط من الأمانة العلمية في شيء؟ ولا يقتصر الأمر على العناوين، بل إننا نجده مبثوثاً في التفاصيل، وفي جميع الاقتباسات التي يقتبسها ديب، وسنعرض بعض الأمثلة عليها:

*الاقتباسات التي أوردها ديب عن مقابلة مع عالم الآثار إسرائيل فنكلشتاين، تتحدث عن عدم العثور على أدلة آثارية تؤيد تاريخية التوراة،في فترات معينة في فلسطين. ولا يعني كلام فنكلشتاين هذا تأييداً منه لجغرافية التوراة اليمنية أو العسيرية التي يقول بها ديب وغيره. لقد كان علم الآثار "الإسرائيلي"، يبحث ويستقرئ أدلة مادية آثارية تدعم روايات التوراة عن الأحداث المهمة والشخصيات الكبرى التي تحدث عنها. وفنكلشتاين يعترف في المقتبس الذي أخذه عنه ديب، بأن النص التوراتي كتب أولاً عند نهايات مملكة يهوذا، أي بحدود القرن السابع قبل الميلاد، وأكمِل خلال فترة السبي البابلي بعد ذلك، وخلال العودة الأولى من بابل في القرن السادس ق.م، ويخلص من ذلك إلى القول إنَّ (قسماً كبيراً من التوراة كان دعائياً وأسطورياً).أما القسم الذي كتب من التوراة في زمن يوشيا، فكان بهدف دعم مملكة هذا الأخير، وليس المقصود - كما يؤكد فنكلشتاين - عدم تطابق الأثاريات في المحيط، في مصر وآشور مع نص التوراة، وإنَّ النص - التوراتي اليوشاوي - كان مبتدَعاً كلياً. ذلك أنَّ التاريخ ينفع في الأيديولوجيا، وكان على كاتب النص الإشارة إلى أساطير مبنية حول أبطال سابقين انتقلت أخبارهم من جيل إلى جيل). إنَّ فنكلشتاين، كما يتضح من هذا المقتبس، في واد، وديب وزملاءه في وادٍ آخر؛ فالأول، يشكك بتاريخية التوراة، وبأنه كتاب أيديولوجي كتبته سلطات الملك يوشيا في فلسطين -هو يوشيا بن أمون من القرن السابع ق.م، وليس يوشع بن نون الذي عاش في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر ق.م - ويهدف لدعم الملك والمملكة بأساطير توراتية سابقة، ولا علاقة لهذا الكلام بما يريد فرج الله ديب إثباته أو مقاربته، وجميع المقتبسات التي جاء بها ديب هي على هذا المنوال.

دعونا نختم بهذا المقتبس، الذي يوضح فيه فنكلشتاين الهدف من كتابه، فيقول (يسعى هذا الكتاب لرواية قصة إسرائيل القديمة، وولادة كتبها المقدسة من منظور آثاري جديد. هدفنا هو فصل التاريخ الحقيقي عن الأسطورة من خلال الأدلة التي أثبتتها الاكتشافات الأخيرة. سنبني تاريخاً جديداً لإسرائيل القديمة)[3] ولكي يكون مقصد المؤلف واضحاً أكثر، نقتبس هامشه بخصوص كلمة "إسرائيل" في الصفحة نفسها، حيث يقول (في كافة أنحاء هذا الكتاب، نستعمل اسم "إسرائيل"، في معنيين مميزين وبديلين، الأول هو اسم المملكة الشمالية، والثاني هو اسم جماعي لجالية كلِّ الإسرائيليين. وفي أغلب الحالات نشير إلى المملكة الشمالية كـ "مملكة إسرائيل" وإلى الجماعة الأوسع كـ "إسرائيل القديمة" أو شعب إسرائيل"... المؤلف)؛ وهنا، فلا مجال للتشكيك في اقتناع فنكلشتاين بجغرافية التوراة الفلسطينية في مملكة إسرائيل الشمالية وعاصمتها السامرة، وبمملكة يهوذا جنوباً وعاصمتها أورشليم -القدس، وبوجود الأدلة الآثارية التي يعرضها ويناقشها بمهارة الباحث الآثاري المتخصص، وهي أدلة بالمئات في كتابه.  وقد أكد فنكلشتاين أيضاً، في كتابه أنَّ (علم الآثار الحديث، لم يثبت صحة القصة التوراتية بكل تفاصيلها، بل أثبت أنَّ العديد من أحداث التاريخ التوراتي لم تحدث لا في المكان ولا في الطريقة التي وصفت بها في الكتاب المقدس العبري، بل إنَّ بعض أشهر الحوادث في الكتاب المقدس العبري، لم تحدث مطلقا أصلا)[4]. فهل يعني هذا التشكيك، والنفي، للعديد من أحداث التاريخ التوراتي، أن أحداث التوراة وقصة بني إسرائيل حدثت خارج فلسطين، وفي اليمن أو عسير تحديدا، كما يزعم بعض المستشهدين بأقواله، أم أنه قد يعني أيضاً، أنها وقعت في أماكن أخرى في فلسطين ذاتها، ولكن ليس في المكان الذي ذكرته التوراة؟ أيهما أقرب إلى المنطق، بوجود الأدلة الكثيرة الآثارية، وبوجود تفاصيل وأحداث أخرى، تأكدت صحتها، كما نفهم ضمناً من هذه الاستنتاجات التي يقدمها فنكلشتاين؟ ألا توجب النزاهة والأمانة العلمية على الباحثين العرب، وخصوصاً القائلين بالجغرافية التاريخية العسيرية واليمنية، أخذ كافة الاحتمالات التي ينطوي عليها كلام فنكلشتاين، بدلاً من توظيفها، لدعم سياق آخر وجغرافية تاريخية أخرى مختلفة، ولا دليل آثارياً عليها بالمرة؟

ومن كتاب فنكلشتاين وسيلبرمان "التوراة مكشوفة على حقيقتها" والذي قرأه بعض الباحثين العرب ومنهم الربيعي والصليبي بشكل غير أمين بحثيا، استعرض فنكلشتاين وزميله سيلبرمان مئات الأدلة الآثارية، وانتهى به الأمر إلى تقديم قراءة جديدة وآثارية للتوراة كلها. ومن هذا الكتاب فائق الأهمية، والذي كان بمثابة زلزال علمي وثقافي وحتى ديني في دولة الكيان الصهيوني هزَّ الكثير من القناعات التوراتية والصهيونية الموروثة والراسخة، وهدَّت بعضا منها هدّاً تاما. وقد أكثر القائلون بالجغرافية التوراتية العسيرية واليمنية من الاقتباس منه والاستشهاد به، ولكن بطريقة غير دقيقة ولا تتصف بالموضوعية كما قلنا، حيث أخرجوه عن سياقة ووضعوه في سياق تاريخي وجغرافي آخر لا علاقة له به ووظفوه لإثبات فرضياتهم العسيرية واليمنية، فإلى هذه المقتبسات القليلة، والتي لا تغني عن قراءة هذا الكتاب كاملا:

وعن مدينة أورشليم القدس نقرأ (كم تبدو مدينة أورشليم الملكية الواقعية صغيرة جدا في أنظار المراقبين العصريين! لقد كانت تمتد على مساحة لا تزيد على مائة وخمسين هكتارا فحسب! أي حولي نصف الحي القديم في مدينة أورشليم (القدس) الحالية! وسكانها الذين كانوا حوالي خمسة عشر ألف نسمة). في حين يذهب آثاريون آخرون إلى القول إن مساحة أورشليم لم تكن تتجاوز ستة عشر هكتارا مربعا، فلنقارن مساحة أورشليم هذه بمساحة بابل، أو بمساحة العاصمة الآشورية نينوى والتي كانت تبلغ سبعمائة وعشرين هكتارا مربعا، وكان عدد سكانها بمئات الآلاف، لنفهم أن أورشليم في عهد مملكة يهوذا، أو في عهد المحمية الفارسية "اليهودية"، والتي نفخ في صورتها التضليل التوراتي القديم والصهيوني المعاصر، لم تكن سوى قرية، أو "بلدة سوق صغيرة" بعبارة فنكلشتاين نفسه! واللافت، والمهم، هو ما يقوله الآثاري رولي خاريش من (أن التنقيب الأثري في مدينة أورشليم القدس أبان أن عدد سكان المدينة خلال فترة النفي – السبي البابلي- لم يتناقص،  فهل يعني ذلك أن النفي لم يكن صحيحا، أم أن المنفيين كانوا قلة بعكس ما تقوله التوراة؟).

و عن المنهجيات الأركيولوجية المستعملة يكتب (لقد أصبح الوصول إلى عالم الكتاب المقدس العبري  واستكشافه كليا سهلا وممكنا بفضل عمليات التنقيب الآثارية وأصبحنا نعرف تماما ماذا كان يزرع الإسرائيليون من حبوب وثمار وماذا كانوا يأكلون وكيف كانوا يبنون مدنهم ومع من كانوا يتاجرون "..." واستخدمت طرق تنقيب حديثة، وتشكيلة واسعة من الفحوص والاختبارات المختبرية لتحليل تاريخ وحضارة الإسرائيليين القدماء، وحضارة جيرانهم الفلسطينيين والفينيقيين والآراميين والعمونيين والمؤابيين والفيدوميتيين وتم – في العديد من الحالات - اكتشاف أختام تواقيع، ونقوش، يمكن أن ترتبط بأفراد ذكروا في النص التوراتي  بنحو مباشر. ولكن هذا لا يعني أن علم الاثار أثبت صحة القصة التوراتية بكل تفاصيلها، بل على العكس، أصبح واضحا - الآن - أن العديد من أحداث التاريخ التوراتي لم تحدث لا في المكان ولا بالأوصاف التي رويت في الكتاب المقدس العبري، بل بعض أشهر الحوادث في الكتاب المقدس العربي لم تحدث مطلقا أصلا).  وقد توقفنا عند هذا المقتبس الذي اقتبسه بشكل مقلوب وغير أمين القائلون بالجغرافية التوراتية العسيرية واليمنية فحذفوا، أو لم يكترثوا بالأدلة الآثارية الوفيرة فيه، على صحة الجغرافية التوراتية الفلسطينية، وكرروا وركزوا فقط على العبارة الأخيرة التي تشكك بصحة (بعض أشهر الأحداث في التوراة) لأنها لم تؤيد بأدلة آثارية مادية وقد شرحنا مغزى ذلك في صفحات سابقة.

وعن السمات الدعائية والسياسية لنصوص التوراة يكتب (لقد ساعد علم الآثار على إعادة بناء التاريخ الحقيقي الكامن خلف نصوص التوراة، سواء على صعيد الملوك والممالك العظيمة او على صعيد الحياة اليومية. وأصبحنا نعرف اليوم أن الأسفار أو الفصول المبكرة من الكتاب المقدس العبري وقصصه المشهورة حول التاريخ المبكر لبني إسرائيل، تم تصنيفها أولا واعدت في نواحيها الرئيسية في مكان ووقت مميزين: أورشليم (القدس) في القرن السابع قبل الميلاد). وهذا يعنين أن كتابة التوراة في القرن السابع ق.م، تعني أن الأحداث والشخصيات والقصص التي يسردها التوراة والتي وقعت أو عاشت في القرون الخوالي، وعلى امتداد أكثر من ألف عام، إنما تم تدوينها وتنظيمها بالاعتماد على الذاكرة الجمعية والتراث الشفاهي المتوارث، ما يجعلها عرضة للتشكيك والنقض. وسوف يخرج الباحثان لاحقا بنتائج مدهشة حول الدوافع والأسباب اللاتاريخية وإنما السياسية السلطوية والدعائية من وراء إيراد وتدوين تلك القصص والأحداث خدمة للحاكمين في مملكة يهوذا المنقرضة.

ويضيف فنكلشتاين بخصوص بعض ملوك الدويلة العبرية القديمة (تم التعرف على عدد من الملوك التوراتين المهمين في الأرشيفات المسمارية لبلاد ما بين النهرين، مثل ملوك مملكة إسرائيل، عُمري وآحاب وياهو، وملوك مملكة يهوذا، حزقيا و مِنَسَّى من بين آخرين).

ولكنه يسجل بعض الأحداث التي وردت في التوراة وأكدت الأركيولوجيا حدوثها كهذا المثال (كما وجدت نقوش متفرقة في المناطق الأقرب لأرض إسرائيل (يقصد فلسطين المحتلة - المترجم) قدمت ارتباطات محددة ومفيدة أكثر. ففي وصف الانتصار الذي دونه الملك الموآبي ميشا والذي اكتشف في القرن التاسع عشر في الضفة الشرقية لنهر الأردن ذُكر انتصار الملك ميشا على جيوش إسرائيل معطيا شهادة خارجية على حرب وقعت بين إسرائيل وموآب رواها سفر الملوك الثاني 3 /  4 -26 . وفي عام 1993 تم اكتشاف نقش فريد ذي أهمية بالغة في التوثيق والتحقيق التاريخي في موقع تل دان يسجل على ما يبدو انتصار الملك الآرامي حزائيل على ملك إسرائيل في القرن التاسع قبل الميلاد).

ولكن ورغم وجود كل هذه الأدلة الآثارية الموثقة بأحدث الطرق العلمية ومن قبل باحثين وخبراء معروفين ومشهود لهم بالموضوعية والحياد العلمي فإننا نجد د. كمال الصليبي والقائلين معه بالجغرافية التوراتية العسيرية واليمنية كالباحث فاضل الربيعي وفرج الله ديب وغيرهما ينكرونها بطريقة غريبة ولا علمية. فالصليبي مثلا قال في لقاء معه أجرته صحيفة السفير اللبنانية سنة 2010، أي قبل أقل من عام من وفاته، ما نصه (هذه الآثار أو النقوش التي تحدثت عنها، والتي ذكرتها الأخبار عثر عليها في بلاد بابل وليس في فلسطين... لم يعثر على أي أثر من هذا النوع في فلسطين حتى الآن، ولا تزال أعمال الحفر والتنقيب مستمرة بلا طائل. وأنا على استعداد للتراجع علنا عن نظريتي في أي وقت يثبت فيه علماء الآثار المرموقون، وبشكل قاطع، ان مثل هذه الآثار موجودة فعلا في فلسطين. واعتقد ان الحفريات لن تكشف عن أي شيء في هذا الميدان).

ولا يمكن تفسير هذا الإنكار المؤسف إلا بالعناد ورفض النزول عن البغلة البحثية لأي سبب كان.

وختاما، فقد توقفتُ عند هذا الكتاب لفنكلشتاين وسلبرمان بما يتسق مع استراتيجيتي البحثية الهادفة لنقض الجغرافية التوراتية اليمنية والعسيرية، وتبيان القراءة غير الدقيقة لهذا الكتاب من قبل القائلين بها، ولم أخصص هذه المقالة لنقد هذا الكتاب الذي يبقى رغم أهميته يعاني من الكثير من المبالغات والاستخدام السيئ للمكتشفات الأركيولوجية وإسقاط بعض الآراء التوراتية والقناعات المسبقة لديهما كإسرائيليين على واقع الحال التاريخي رغم أن المؤلفين يعلنان تكرارا أنهما قد قطعا مع التوراة والكتاب المقدس قطعا بحثيا نهائيا، وهذا قول غير دقيق أيضا، ويتطلب وقفة نقدية أخرى لهذا الكتاب برمته، ولهذا السبب فإن الحذر المنهجي خلال التعامل النقدي مع هذا الكتاب يبقى مطلوبا لتفادي الوقوع في بعض الخلاصات الخاطئة التي حاول المؤلفات إمرارها في نصوص الكتاب بطريقة غير منهجية.

*هذه المقالة هي خلاصات مكثفة ومختصرة من الجزء الثاني من دراسة مطولة بعنوان (نقد الجغرافية التوراتية اليمنية عند فاضل الربيعي" والتي ستنشر كاملة في كتابي الجديد (نقد الجغرافية التوراتية العسيرية واليمنية) الذي سيصدر في المستقبل القريب. وقد نشر جزء آخر منها في يومية "الأخبار" اللبنانية عدد 2 نيسان- أبريل 2019 إضافة إلى الجزء الذي نشر في العدد السابق من " الآداب".

  

علاء اللامي*

............................

[1]- مجلة العرب الصادرة عن مركز حمد الجاسر الثقافي  – العدد 2 – مقالة بعنوان : أغاليط الدكتور الصليبي الجغرافية – حمد الجاسر – الرياض. نسخة رقمية على شبكة الانترنيت.

[2]- "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد 27 (صيف 1996)، ص 2،

[3]- التوراة مكشوفة على حقيقتها – م.س - ص 26.

[4]- م.س -... ص 28.

 

محمود محمد علينعود إلي الجزء الثاني من التفسير الابستمولوجي لنشأة وتطور الفكر السياسي عند المسلمين، فنقول : لقد تعددت وتنوعت طرق اختيار الخليفة في الدولة الإسلامية من عصر إلي آخر، ومن خليفة إلي آخر خلال تلك المرحلة الوصفية التي نحن بصددها، فمن أهم الطرق التي اتبعت في الدولة الإسلامية لاختيار الخليفة ما يلي:

1- طريقة الاختيار أو الانتخاب الاستشاري :- وهي الطريقة التي اُختير بموجبها أول الخلفاء الراشدين "أبو بكر الصديق" وقد انعكس هذا الأمر جلياً في بيعة السقيفة (انظر الجدل الذي دار في السقيفة بين المهاجرين والأنصار) فقد تم انتخاب "أبو بكر" على أسس الصفات الذاتية التي تميز بها.

2- الاختيار غير التام: وهي الطريقة التي اختير بموجبها رابع الخلفاء الراشدين، عند مقتل الخليفة "عثمان بن عفان" بويع "على بن أبي طالب"، بالخلافة وممن بايعه "الأشتر النخعي" ومن معه، ولكن بيعة على هذه كانت شرعية ومبتورة (ناقصة) جراء رفض أغلبية الصحابة لها فقد تردد في بيعته بعض الصحابة : كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وكذلك لم تبايعه عائشة أم المؤمنين، ولذلك سميت بالبيعة غير التامة.

3- العهد: وهي الطريقة التي اختير بموجبها ثاني الخلفاء الراشدين "عمر بن الخطاب" إذ عهد له "أبو بكر" بالخلافة قبل وفاته خوفاً من حدوث فتنة بين المسلمين (تفكك المسلمين)، مثلما حدث بعد وفاة الرسول، في حين كانت الجيوش الإسلامية تحارب الفرس والروم. من الجدير بالذكر معرفة أن "أبي بكر" كان قد استشار كبار الصحابة مثل "عثمان بن عفان"، و"أبي عبيدة بن الجراح"، و"على بن أبي طالب، وغيرهم في مسألة عهده لعمر بن الخطاب بالخلافة فوافق جميعهم على العهد بالخلافة للفاروق عمر .

4- الشورى: وهي الطريقة التي اختير بموجبها ثالث الخلفاء الراشدين "عثمان بن عفان"، فعندما كان "عمر بن الخطاب" على فراش الموت دخل عليه بعض الصحابة، فقالوا له يا أمير المؤمنين لو استخلفت، فقال لهم لو كان "أبو عبيده بن الجراح" حياً لاستخلفته. لذلك أشار "عمر بن الخطاب" إلي ستة من الصحابة، وهم من بقي من العشرة المبشرين بالجنة، لكي يختاروا من بينهم خليفة وهم:- عثمان بن عفان، على بن أبي طالب، سعد بن أبي وقاص، عبد الرحمن بن عوف، الزبير بن العوام، وطلحة ابن عبيد الله، وأضاف إليهم ابنه عبد الله، شريطة أن ألا يختار خليفة، بل لترجيح إحدى الكفتين في حالة التساوي، فاجتمع أهل الشورى بعد وفاة "عمر"، وجرت مشاورات بينهم، ثم انحصر الأمر بين "عثمان"، و"على" فتولى "عبد الرحمن بن عوف" أمر الحسم بينهما، وبعد مشاورات قام بها جميع الناس في المسجد، ثم سألوا كل واحد منهما سؤالاً حول طريقة حكمه، فتعهد "عثمان" بالحكم بكتاب الله، وسنة نبيه، وسنة الخليفتين "أبو بكر" و"عمر" من بعده .أما "على" فقال إنه يحكم بالكتاب والسنة، ولكنه يجتهد الرأي فحسم "عبد الرحمن بن عوف" الأمر لصالح "عثمان"، مخافة أن يشق "على" على المسلمين، فتم انتخاب "عثمان بن عفان" فبايعه "عبد الرحمن" وبايعه الناس.

5- التوريث: ظهرت هذه الطريقة في العصر الأموي، وكان أول من انتهج هذه الطريقة "معاوية بن أبي سفيان" مقلداً قياصرة الروم، وأكاسرة الفرس؛ فقد قام "معاوية" بتولية العهد لابنه "يزيد"، وأخذ له البيعة قبل وفاته فهكذا سار الخلفاء الأمويون إذ أصبحوا يعينون ولاة عهدهم قبل وفاتهم وانتقلت الخلافة من الأب إلي الابن، ومن الأخ إلي الأخ، وانحسرت الخلافة في البيت الأموي فقط. وقد سار الخلفاء العباسيون على مبدأ الوراثة ذاته حتى إنهم بالغوا في ذلك، وقاموا بتوليه العهد لأكثر من واحد اثنين، أو ثلاثة .

وقد اختلفت الخلافة الأموية عن الخلافة الراشدية بعدة مميزات منها:-

أ- أصبحت الخلافة في العصر الأموي أقرب إلي السياسة منها إلي الدين، وقد انعكس هذا الأمر بصورة واضحة في ولاية العهد؛ إذ أصبح الخلفاء الأمويون يعينون ولاة عهدهم قبل وفاتهم ويأخذون لهم البيعة.

ب- ابتعدت الخلافة الأموية عن البساطة، فأصبح الخلفاء الأمويون، يتظاهرون بمظاهر الفخامة، والعظمة، تقليداً للملوك، والقياصرة، وقد انعكس هذا الأمر في الأمور التالية:

- بناء القصور.

- اتخاذ المقصورة في المسجد.

- استحداث وظيفة الحاجب.

أما بالنسبة للخلافة العباسية، فقد حدث تغيير جوهري على معنى الخلافة، خلال الفترة العباسية؛ بحيث استحدث الخلفاء العباسيون " نظرية التفويض الإلهي"، والتي تعني أن الله لا الرعية، هو الذي يختار الحاكم، ليتولى أمور الدولة. فمن أبرز الأمثلة التي تعكس هذا الأمر، قول الخليفة العباسي "أبو جعفر المنصور"، الذي قال: "إنما أنا سلطان الله في أرضه ". بالإضافة إلي ذلك أصبح نظام الحكم في العصر العباسي مماثلًا لنظام الحكم الفارسي، بحيث ادخل الخلفاء العباسيين بعض الأمور مثل:

أ‌-       الاستبداد بالسلطة والتسلط بأرواح الرعية.

ب‌-     الاحتجاب والعزلة عن الرعية.

جـ- استحداث وظيفتي الوزير والسياف.

د- ظهور الأزياء الفارسية والاحتفال بالأعياد الفارسية.

هـ- اتباع حياة الترف والبذخ.

و- التظاهر بمظاهر العظمة، والانحناء أمام الخليفة وتقبيل الأرض بين يديه .

ثانيًا- المرحلة التجريبية:

ذكرنا في المرحلة السابقة أن الفكر في نشأته وتطوره، يمر بالمرحلة الوصفية، فالمرحلة التجريبية، وينتهي إلي المرحلة الاستنباطية. وبينا أن المرحلة الوصفية لنشأة الفكر السياسي الإسلامي، استمدت مشروعيتها من خلال التراث السياسي الإسلامي المتمثل في كتابات المؤرخين، وأصحاب التراجم، وأنصار الفرق الكلامية والعقدية، والشعر، والأدب السياسي، وهذا التراث ناقش من خلال أحداث الواقع السياسي ثلاث قضايا مهمة شغلت الفكر السياسي الإسلامي في مرحلته الوصفية، وهذه القضايا تجسدت في استعارة بعض القضايا السياسية في العصر الجاهلي، ثم إشكالية نشأة الدولة الإسلامية، والنظام السياسي، وقضية الخلافة، وقد بدأت هذه المرحلة الوصفية منذ دعوة النبي (صلى الله عليه وسلم)، واستمرت حتي أواخر القرن الثاني، وأوائل القرن الثالث الهجري، لتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة بدأ فيها التدوين السياسي، فانتقل من خلالها الفكر السياسي الإسلامي، من مصنفات أدبية وأخبارية، على هيئة مواعظ ونصائح، وأساطير مقتبسة من تجارب الإنسان، وتقاليد الأمم، إلي مرحلة ثانية هي مرحلة المصنفات المستقلة الخاصة به؛ ولكن على غير يد الفقهاء ومن مرجعية غير إسلامية بدأت تستعين بالفكر السياسي الفارسي واليوناني ؛ وذلك للاستفادة من مضامين كل منهما من أجل تنظير الفكر السياسي الإسلامي، لمعالجة مستجدات الواقع السياسي الإسلامي. وقد شملت هذه المرحلة كبار المفكرين والفلاسفة المسلمين من أمثال "الفارابي"، و"أبي على بن سينا"، و"أبي حيان التوحيدي"، و"أبي سليمان السجستاني"، و"الصاحب بن، عباد" و"أبي على بن مسكويه"، و"ابن العامري"، و"إخوان الصفا"...إلخ، وقد شكلت هذه الحقبة الزمنية قمة نمو الفلسفة السياسية في الإسلام.

وننتقل هنا إلي المرحلة التجريبية في تاريخ العلم أو الفكر، وهي المرحلة التي تلي في التطور المرحلة الوصفية. والعملية العقلية المنطقية التي تقوم عليها هذه المرحلة، هي الاستقراء. ونحن نفهم الاستقراء هنا بمعنى واسع للغاية، فهو "لا يعني فقط – وكما هو شائع – تلك العلاقة السببية التي توجد بين ظاهرتين، وإنما يعني أيضاً قدرة العقل على تحديد شكل من الأشكال، أو مسار من المسارات، أو دالة من الدالات الرياضية، وبعبارة أخرى فإن الاستقراء لا يعني فقط تعميم خاصية مباشرة يمتلكها بعض أعضاء الفئة على كل الأعضاء، ولكن يعني استخلاص مجرد فكرة تمكننا من فهم الإدراكات المتفرقة وغير الدقيقة، التي حصلناها عن الأشياء. والسبب الذي جعل معنى الاستقراء يرتبط في أذهان بعض العلماء بالتعميم، هو أن العالم متاح لملاحظاتنا الحسية في صورة فئات واقعية . ولكن حينما ننتقل – وعلى نحو دقيق – من تحديد العلاقة بين أعضاء الفئة إلي فكرة الفئة نفسها في ميدان علم الكيمياء – مثلاً- فإننا نجد أنفسنا مضطرين إلي تعريف الاستقراء – أولاً – عن طريق العلاقات التكوينية التي توجد بين الأشياء ذاتها" .

فالمعنى الذي نحدده لمفهوم الاستقراء هنا قريب من المعنى الذي أعطاه له الفيلسوف الألماني "ليبنتز" Leibniz، كما قال أحد فلاسفة العلم المعاصرين: "ومعني الاستقراء عند " ليبنتز" يتساوي – دون تمييز- مع المعرفة التي حصلنا عليها عن طريق التجربة، على أن يكون مفهوم " التجربة " هنا عاما للغاية، بحيث تدخل فيه كل الأبعاد الحدسية، وكذلك تلك الخاصة بالمحاولة والخطأ، والتي تصاحب تطور المعرفة بحكم طبيعة المرحلة التي نتحدث عنها" .

ومن هذا المنطلق برزت المرحلة التجريبية في الفكر السياسي الإسلامي كأهم عنصر يمثل نقلًا من التراث الفارسي عقب انتصار الثورة العباسية، واحتلال عناصر من أصل فارسي مواقع هامة في الدولة، كتابًا ووزراء ومستشارين؛ بينما ظهر الصنف الثالث، في أول الأمر، في صورة نصوص منحولة لبعض فلاسفة اليونان، كنوع من رد الفعل على هيمنة الأدبيات السلطانية الفارسية على ساحة التفكير السياسي في أوساط النخبة، ثم كجزء من فلسفة توفيقية تدمج الدين في الفلسفة مع الفارابي بصفة خاصة.

لقد عرف التراث العربي الإسلامي ثلاثة أصناف من الفكر السياسي: صنف يدور أساساً حول الخلافة والإمامة، وصنف موضوعه الآداب السلطانية ونصائح الملوك، وصنف أقرب إلي الفلسفة منه إلي السياسة .

الأول : ويمثل المرحلة الوصفية (التي تحدثنا عنها من قبل)، والذي نشأ من خلال النقاش حول أزمة الخلافة التي تفاقمت بعد مقتل "عثمان"، ثم انتصار "معاوية" على "على"، وتحويله الخلافة إلي ملك وراثي، وهو النقاش الذي استمر قروناً مديدة كموضوع من موضوعات علم الكلام والفقه .

والثاني : برز كأهم عنصر نقل من التراث الفارسي عقب انتصار الثورة العباسية واحتلال عناصر من أصل فارسي مواقع هامة في الدولة، كتابًا ووزراء ومستشارين، وقد برز هذا العنصر في صورة " الآداب السلطانية "، أو " الأدب الساسي السلطاني " بدءً من " ابن المقفع "(145هـ) الأب الروحي المؤسس لهذه الآداب، إلي الفقيه الشوكاني (1250هـ) في المشرق العربي" .

والمقصود بالآداب السلطانية هي " تلك الكتابات التي تزامن ظهورها الجنيني بحدث انقلاب الخلافة إلي ملك، وكانت في جزء كبير منها نقلاً واقتباساً من التراث السياسي الفارسي، واستعانة به في تدبير أمور الدولة الإسلامية الوليدة، وهي كتابات تقوم في أساسها، على مبدأ نصيحة أولي في تسيير شؤون سلطتهم، إذ تتضمن كل موادها مجموعة هائلة من النصائح الأخلاقية، والقواعد السلوكية الواجب على الحاكم اتباعها، بدءاً مما يجب أن يكون عليه في شخصه إلي طرق التعامل مع رعيته مروراً بكيفية اختيار خدامه واختبارهم وسلوكه مع أعدائهم".

وفي عرضها لنصائحها الهادفة إلي تقوية السلطة ودوام الملك، تتبع هذه الآداب منهجية، أو لنقل تصورًا عمليًا براجماتيًا يجعل منها في النهاية "فكرًا سياسيًا آداتيًا لا يطمح إلي التنظير بقدر ما يعتمد التجربة، ولا يتوق إلي الشمولية بقدر ما يلزم حدود الواقع السلطاني، دونما قفز على ما يتيحه من إمكانات" .

فمثلاً نجد أن كل المقدمات العديدة من الإشارات إلي أن الكتاب السلطاني، هو بمنزلة "دليل عمل " أخلاقي – سياسي يوضح الصفات الخلقية، والقواعد السياسية اللازمة على صاحب السلطة الاهتداء بها، تحقيقًا لهدف مركزي، يتمثل في دوام الحكم وتقوية دعائمه، يقول المرادي في مقدمة كتابه :"فهذه ثلاثون بابًا، إذا حفظ الفطن منها كل يوم بابًا، لم يأت عليه الشهر، إلا وقد حفظ صدرًا كبيرًا، من الحكمة، وتعلم أصلًا عظيمًا من السياسة " ؛ ويذهب " الطرطوشي" إلي أن دراسة كتابه تعني " الملك عن مشاورة الوزارء" . وفي مقدمة وصيته السياسة يشير " أبو حمو الزياني " إلي أنه ضمن كتابه " وصايا حكمية وسياسية علمية، مما يختص به الملوك وتنتظم به أمورهم انتظام السلوك " . ويوضح ابن رضوان أنه ألف " الشهب اللامعة " ليقع بها الانتفاع، ولتكون عونًا على تعلق الأحكام السياسية بالخواطر، واطلاعًا على حظ عظيم من سير الأوائل والأواخر "؛ كما يشير ابن الأزرق إلي أن محتويات كتابه تتجلي في "قواعد حكمية وفوائد شرعية " . ومن جهته يهدف "ابن طباطا" من وراء تخصيص كتابه بموضوع " الأمور السلطانية والسياسات الملوكية" أن يبين للحاكم " ما يجب له على رعيته وما يجب لهم عليه "، وهو الهاجس نفسه الذي يشغل بال "القلعي" (620هـ) الذي يعتبر كتابه تدقيقًا لـ" ما يجب استعماله أو تركه من الأمور التي يحمد متبعها عاقبة إصدارها وإيرادها " . كما أوضح " الثعالبي" أنه تضمن كتابه " ما يصلح للملوك وأصحابهم، وذكر مالهم وما عليهم ". وفي السياق نفسه يخاطب "أبو حامد الغزالي " في مقدمة " التبر المسبوك" السلطان محمد بن ملكشاه بقوله" ...فإذا طلعت الشمس فأمر قارئًا يقرأ عليك هذا الكتاب في كل جمعة ليحصل في محفوظك".

هذه بعض الاستشهادات التي تؤكد الطابع العملي للتأليف السلطاني، والمفهوم التقني للسياسة المهيمن عليها . وبغض النظر عن أي استشهاد نصي، وحتي لو لم يصرح المؤلف، فإن " الطابع العملي والتقني يظل أمرا مستفاداً في الكتابة السلطانية؛ إذ يكفي أن تتأمل عرض المؤلف لمحتويات كتابه لتتأكد من ذلك".

3- أما الصنف الثالث، فقد ظهر في أول الأمر، في "صورة نصوص منحولة لبعض فلاسفة اليونان، كنوع من رد الفعل على هيمنة الأدبيات السلطانية الفارسية على ساحة التفكير السياسي في أوساط النخبة، ثم كجزء من فلسفة توفيقية تدمج الدين في الفلسفة مع الفارابي بصفة خاصة. وقد ظهرت أولى بواكير هذا الصنف على شكل رسائل مستقلة تبحث موضوع "السياسة" بمفهومها الذي هو حسن التدبير والحكمة في التسيير، وكان من أول مؤلفيها تحت عنوان "رسالة في السياسة" كل من الفارابي، وأبو القاسم المغربي، وابن سينا".

ولئن اختلفت بعض مضامين هذه الرسائل التي تطابقت عناوينها، فإنها اتفقت كلها في ثلاث هي :

1 ـ أن السياسة حاجة ملحة لكل البشر رفيعهم ووضيعهم، ولكن الملوك ثم أعوانهم أشد حاجة إليها .

2 ـ لم يعتمدوا في تصانيفهم على الكتاب، والسنة مرجعاً، أو استشهاداً .

3 ـ كانت منطلقاتهم الفكرية والفلسفية، معتمدة اعتمادًا مطلقًا على الفكر اليوناني.

ثم بعد ذلك أخذت تظهر مصنفات فلسفية موجهة للملوك فقط، ترشدهم إلي ما ينبغي عمله وإقامته في سياستهم، مثل كتاب " سلوك المالك في تدبير الممالك " لابن أبي الربيع.

لذلك فالمرحلة التجريبية تمثل المرحلة التي انتقل فيها الفكر من مصنفات أدبية وأخبارية على هيئة مواعظ، ونصائح، وأساطير، مقتبسة من تجارب الإنسان، وتقاليد الأمم، إلي مرحلة المصنفات المستقلة الخاصة به؛ ولكن على غير يد الفقهاء ومن مرجعية غير إسلامية. فقد ظهر أول المصنفات فيه ترديدًا للفلسفة الإشراقية، هندية وصينية وبابلية وآشورية وفـارسية ويونانية. وكان ذلك على يد الفـارابي، المتأثر بالآراء السياسية لأفلاطون وأرسطو ؛ حيث تناول الفلسفة السياسية في عدة مؤلفات منها: " رسالة تحصيل السعادة "و" السياسة المدنية " و "رسالة السياسة " و" الفصول المدنية "و" آراء أهل المدينة الفاضلة ". وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

عبد الرضا حمد جاسمخامساً: وتحت عنوان دوافع الانتحار كتب أ. د قاسم حسين صالح عن الاسباب التقليدية للانتحار، وكالتالي:

1- [في قراءتنا للأدبيات والتحقيقات الصحفية، تتلخص اسبابه بثلاثة: - البطالة في قطاع الشباب، -تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، عادات وتقاليد اجتماعية متخلفة].

* تعليق: النقاط الثلاثة التي حددها أ. د قاسم حسين صالح يمكن ان تكون نقطة واحدة هي "الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية "لأن البطالة والعادات والتقاليد تقع ضمنها... الغريب ان الدكتور لم يؤشر الى الانحراف السياسي و "الانحراف" النفسي.

 نعم دراسة الادبيات والتحقيقات الصحفية...لكن أي تحقيقات صحفية أُنْجِزَتْ عن الانتحار في العراق؟ لا أدري هل يعتبر أ. د قاسم حسين صالح ان ما نشرته الصحافة التي استعار منها، تحقيقات صحفية؟ أنا اعتبرها وكل ما ورد عنها في مقالة أ. د قاسم حسين صالح لا تتعدى "كلام جرايد" وأي "جرايد"؟ هي "جرايد العراق الجديد أو العظيم".

 يتكلم الدكتور عن البطالة في قطاع الشباب وهو يعرف ان شباب ما بعد 2003 عاشوا البطالة منذ ما قبل 2003 هم وعوائلهم فكل مولود منهم قبل 2003 حتى1970 كان شخصيا خارج دائرة العمل ومنهم مواليد منتصف الثمانين من القرن الماضي حتى "التغيير" عاشوا البطالة هم وعوائلهم، ويمكن لي ان اطرح السؤال التالي: هل البطالة في قطاع الشباب الأن أكثر مما كانت عليه خلال الفترة من 1990 الى 2003؟ الجواب كــــــــــلا والسبب ان الشعب العراقي جميعه كان في بطالة بكل الاعمار بسبب تعثر الصناعة والزراعة وترشيق دوائر الدولة، وحتى الموظفين بما فيهم أساتذة الجامعة كانوا في بطالة كون رواتبهم لا تكفي توفير الطعام لعوائلهم لمنتصف الشهر.

 اما العادات والتقاليد الاجتماعية المتخلفة، لا اعرف هل هي جديدة على المجتمع العراقي؟ الجواب أيضاً كــــــلا فقد نَشَّط نظام ما قبل 2003 ومنذ منتصف الثمانينات دور العشائر العراقية لحماية الداخل ومتابعة الهاربين من الخدمة العسكرية وشَّكَلَ لذلك مؤسسات رسمية، ثم بعد ذلك نَشَّطَ دور رجال الدين مع استمراره في تنشيط دور العشائر بما أسماه الحملة الايمانية. اليوم يمكن للناس ان ترفض او تعترض لكن في تلك الأيام يعتبر الاعتراض والرفض مخلاً بأمن الدولة وحساب ذلك عسيرجداً في ظروف حالة الطوارئ خلال الحروب او الحصار.

2- ورد: [والذي حصل بعد التغيير، تزايد شدة وحدة الاسباب التقليدية هذه، إذ أشارت التقارير الى ان نسبة البطالة بمحافظة ذي قار بلغت (34%)، فيما تعدى عدد من هم دون مستوى خط الفقر سبعة ملايين عراقي] انتهى

*تعليق: هنا الدكتور بعد ان حدد الاسباب التقليدية كما ورد أعلاه من قراءته للأدبيات والتحقيقات الصحفية وعَّددها يأتي هنا ليحصرها في الجانب الاقتصادي عندما كتب "والذي حصل بعد التغيير، تزايد شدة وحِدَّةْ الأسباب التقليدية إذ إشارت التقارير الى ان نسبة البطالة بمحافظة ذي قار بلغت (34%) فيما تعدى عدد من هم دون مستوى خط الفقر سبعة ملايين عراق" والغريب هنا انه تكلم عن البطالة بشكل عام وهناك حصرها في قطاع الشباب. وهذه كما اعتقد غير صحيحة/ دقيقة!!لم يخبرنا عن "أشارت التقارير" أي تقارير تلك التي أشارت؟ أو تقارير مَنْ؟ كما ذكر عن عمليات الانتحار وقالت الصحيفة الفلانية وصرح الناطق الفلاني عليه ان يشير الى بعض تلك الإشارات الخاصة بنسب البطالة.

عندما يتكلم الأستاذ الفاضل عن العراق يجب ان تكون الأرقام تخص العراق وعندما يتكلم عن جزء منه يجب ان تكون الأرقام تخص ذلك الجزء...فلا اعتقد ان من الصح و الدقة ذكر الفقر في العراق والبطالة في ذي قار، المفروض اما الرقمين عن العراق او عن ذي قار.ومع ذلك اسأل أ.د قاسم حسين صالح: هل كانت البطالة قبل "التغيير" اقل من (34%)؟ وهل كان عدد من كانوا تحت خط الفقر في العراق قبل التغيير اقل من (7) ملايين؟ ، اليوم عدد العاملين في الدولة والذين يتقاضون رواتب يفوق ربما بثلاثة اضعاف عددهم في زمن "الترشيق" قبل 2003 والرواتب تعادل عشرات اضعاف الرواتب قبل السقوط حيث كانت البطالة عامة وحتى العاملين بالدولة هم "بطالين" لأن راتب المهندس كان لا يكفيه معيشة عائلته لأيام قليلة وراتب الأستاذ الجامعي لا يساوي قيمة "طبقة بيض واحدة" وكان بعض أساتذة الجامعة الأستاذ يعملون سائقي تاكسي بسيارتهم الخاصة بعد الدوام الرسمي او قبله وأصبح بعضهم سائق عند طلابه بأجور لا تسد رمق عائلته...والناس كانت تبيع بعض الحصة التموينية و تبيع ممتلكاتها الشخصية وباع البعض حتى أبواب وشبابيك غرف بيوتهم بعد ان باعوا كل غالي و ثمين حتى ذكرياتهم و مكتباتهم و مصوغات و حلي  ازواجهم وباع البعض افرشته و أعضاء من جسده ليشتري حليب لأطفاله. والموضوع بالنسبة لغير العراقيين أقول إن ما ورد هنا لا يخص شخص او اشخاص وإنما عامة الشعب أو السواد الأعظم من الشعب، كان راتب الكثير من الموظفين لا يعادل دولار واحد في الشهر... يعني شخص مثل الدكتور الراحل علي الوردي لا يملك المال الكافي لوصوله للأردن للعلاج و أ. د قاسم حسين صالح يعلم علم اليقين وبشكل دقيق جداً كل ذلك وربما يفوق الجميع في معرفة عن تلك الحالات.

ثم كتب أ.د قاسم حسين صالح مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية التالي: [وزاد عليها ظهور أسباب عراقية جديدةّ! للانتحار نوجزها بالآتي] انتهى:

*تعليق: هذه العبارة تُذَّكِرُني ب "إبداعات" الدكتور علي الوردي له الذكر الطيب...ذَّكرتني ايضاً بأقوال الوردي عن "الانحراف الجنسي في العراق"

أ.دقاسم حسين صالح مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية عَّدَدَ الأسباب العراقية الجديدة كالتالي:

1-[توالي الخيبات. صبر العراقي خمس سنوات بعد (2003) ثم خمسا، ثم خمسا...ولأن للصبر حدود، وقدرة على التحمل، فان البعض من الذين نفد صبرهم عمد الى الانتحار بوصفه الحل الأخير لمشكلته.] انتهى

*تعليق: وهل كان صبر العراقيين قبل التغيير قليل؟ صبروا ثمانِ الحرب مع إيران وثمانِ الحصار الاولى والثمانْ الثانية للحصار والحرب حتى عام 2004...أي ثمانٍ ثم ثمان ثم ثمان وهنا الصبر فاق الحدود لأنها بكل دقائقها تلك الفترة الطويلة كالذل والإهانة والإرهاب والتنكيل والاستفزاز والمراقبة والحرمان ...لا متنفس للناس لا في سفر من خلال القوائم الطويلة العريضة للممنوعين من السفر ولا في البوح حتى همساً بين الاهل والأصدقاء وحتى الرسائل البريدية الصادرة والواردة مراقبة. كيف كانت "خيبات العراقيين فيها"إذن والدكتور على بينة بكل تلك الأمور من خلال موقعه العلمي والوظيفي وعلاقاته الاجتماعية الواسعة؟ اما بعد 2003" الاحتلال" "التغيير" أصبحت هناك وسائل للتنفيس كالتظاهر والاعتصام والسب العلني للحكومة والحاكمين في الشوارع ومن على شاشات التلفزيون وامام كل العالم عبر وسائط التواصل الاجتماعي...

2-[الشعور بالحيف والندم. تجري لدى بعض الشباب مقارنة بين شخصه وقدراته وقيمه وبين آخرين يحتلون مناصب بمؤسسات الدولة يقلّون عنه خبرة وكفاءة وقيما، مصحوبا بشعور الندم على اضاعة الفرصة..فيعاقب نفسه بقتلها.] انتهى

*تعليق: هل ممن انتحر أساتذة جامعة وأطباء ومهندسين حتى يقارنوا شهاداتهم وقدراتهم وشخوصهم ومواقعهم مع من احتلوا المناصب في مؤسسات الدولة؟ كم عدد المنتحرين من الاميين علمياً واجتماعياً؟ كم عددهم من النساء المحجبات المنقبات الاُمَّياتْ؟ كم عدد المنتحرين من الفاشلين في حياتهم؟ كم عدد المنتحرين من "المحششين" و "المعاقرين"؟ كم عدد المنتحرين من المصابين بأمراض نفسية نتيجة سنوات الحصار والحرب المدمرة والاضطهاد والتسلط التي جرت منذ 1980حتى 2003 ولا أتكلم عما قبلها، ذلك الحصار المُذل الذي جعل الابن يسرق اهله والدكتور الفاضل يعرف قصص لو نُشرت لهزت العالم ...ثم بعد(2003) حرب الطوائف التي اشعلتها أمريكا واذنابها المحليين والاقليميين.

3-[الاكتئاب واليأس والوصول الى حالة العجز. حين يجد الفرد أن الواقع لا يقدم له حلّا لمشكلته، ويصل مرحلة اليأس والعجز، فانه يلجأ لإنهاء حياته. وهنالك أكثر من حادثة بينها انتحار ست نساء في النجف قبل سبعة أعوام جاءت بسبب وضع اطفالهن الصعب، ولأنهن لم يستطعن اعالتهم فإنهن اخترن الانتحار بشكل جماعي.] انتهى

تعليق: أبدأ بعبارة: "اخترن الانتحار بشكل جماعي"...الانتحار الجماعي كما افهم يتم باتفاق مسبق مع تحديد ساعة التنفيذ والأداة والمكان وربما اضيف على ذلك ان لهم هدف واحد وربما سبب واحد... فهل هذا الذي جرى بالنسبة للنساء "النجفيات" الستة؟؟؟ هذا الموضوع يحتاج الى وثائق دامغة وليس كلام "جرايد" ونحن نتكلم عن مقالةأعدها ونشرها أستاذ متخصص...ارجو نشر الوثيقة التي تقول بهذا الانتحار الجماعي لطفاً.

اما عن الاكتئاب واليأس والعجز. هل كان الشعب العراقي منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي حتى """التحرير""التغيير" لا يعاني من الاكتئاب واليأس والعجز؟ ماذا يقول علم النفس عن شعب عاش أكثر من ثلاثة عقود في حروب عسكرية واقتصادية واجتماعية وهو مكبل يُقاد كالقطيع الى اذلاله وقتله وإهانة كل اعتباراته وهذا شمل الجميع بما فيهم المنتسبين للخط السياسي للسلطة حيث اُجبروا على إهانة اهاليهم واصدقائهم وجيرانهم واحبتهم و"رفاقهم" والقصص في ذلك لاتُعد ولا تُحصى يعرفها الأستاذ الدكتور جيداً وعميقاً.

4- [فشل السلطة واستفرادها بالثروة. تعرّف السياسة بأنها فن ادارة شؤون الناس، وما حصل في العراق ان الطبقة السياسية عزلت نفسها مكانيا ونفسيا في عشرة كيلومتر مربع لتعيش حياة مرفهة وتركت الناس يعيشون حياة الجحيم، ولم تستجب لمطالبهم وتظاهراتهم من شباط (2011) والى الآن.]

*تعليق: أعتقد هذا التعريف للسياسة غير دقيق.ومع ذلك،وفق أي"فن" كان نظام ما قبل عام 2003 يدير شؤون الناس.

ثم من انتخب هذه السلطة وأعاد انتخابها لأكثر من مرة وسيعيد انتخابها؟؟؟ هل كانت السلطة قبل التغيير أكثر انفتاحاً على الناس وأكثر إحساساً بما تعانيه عامة الشعب من السلطات الحالية؟ وهل كان عناصر سلطة ما قبل 2003يعيشون وسط الناس؟ وهل كانوا يعيشون حياة غير مرفهه؟ الم تكن هذه العشرة كيلو مترات هي نفس المنطقة تلك التي عزل فيها النظام السابق نفسه بحدودها؟ اقل ما يمكن ان نقول ان الناس اليوم اي بعد "التغيير/التحرير/التحيير" أصبحت تُنَّفِسْ عن دواخلها بالصراخ واللعن والتظاهر والاعتصام والكتابة وتُفَرِغْ ما يعتمل في صدورها بعكس الحال قبل التغييروهذه أمور يعرف تأثيرها وأهميتها الأستاذ الدكتور قاسم. يكفي اليوم ان الناس في تظاهر منذ شباط 2011 كما تفضلت به... ونحن ندرس مجتمع وحالة...أجد إن هذا الطرح يلغي هذه النقطة عندما ربطها الدكتور بالحالة "السياسية"...كم عدد المتظاهرين؟؟؟ هل يشكلون شيء عددياً من شعب من أكثر من 30 مليون نسمة؟ مع اقراري بعدالة تحركهم وتضامني التام معهم لكنهم لا يشكلون وزناً اجتماعياً ولولا ان السلطات تريدهم كذلك حتى يتناسب تحركهم اعلامياً من شكل النظام لتم القضاء عليهم ولن يخرج خلفهم من يُشَّيَّعَهُمْ الى المقابر وربما على ذويهم تسديد ثم رصاص قتلهم كما كان يحدث في النظام السابق.

5- وختم أ. د قاسم حسين صالح مقالته هذه باقتراح الى الحكومة العراقية والبرلمان ومجلس محافظة بغداد لخصه بالآتي:

[توحيد جهود المؤسسات المعنية بالصحة النفسية، والجمعية العراقية للبحوث والدراسات الطبية في البصرة، وجمعية الأطباء النفسيين العراقيين، والجمعية النفسية العراقية، بوضع خطة علمية تستهدف الحد من ظاهرة الانتحار في العراق. ودعوة اقسام علم النفس والارشاد التربوي والنفسي وعلم الاجتماع في الجامعات العراقية الى التنسيق فيما بينها للتعامل مع ظاهرة الانتحار في الاوساط الجامعية بشكل خاص. وعقد ندوة تدعو الكتّاب والمثقفين ووسائل الأعلام الى التوقف عن اشاعة ثقافة التيئيس، ونشر الثقافة التي تشيع التفاؤل والتعلّق بالحياة، وتقديم برامج تخصصية تستهدف حل المشكلات برؤية سيكولوجية وكيفية التعامل مع الضغوط النفسية على غرار البرنامج الدرامي (حذار من اليأس) الذي كنّا نقدمه من اذاعة بغداد على مدى سبع عشرة سنة وما يزال العراقيون يتذكرونه] انتهى

*تعليق: اولاً لا اعرف لماذا خص الأستاذ الدكتور مجلس محافظة بغداد من دون كل مجالس المحافظات؟ لماذا اصلاً التقدم بهذا الاقتراح الى الحكومة والبرلمان؟ بدل دعوة تلك المنظمات والجمعيات والأقسام للالتقاء خارج اُطُرْ الحكومة والبرلمان لأن المفروض بالدكتور الذي أشار كثيراً الى السلطات الحالية بما يناسبها وهو يعرف إنها إن تدخلت في هذا الموضوع ستنقل اليه كل عيوبها ويكون هذا التجمع مجال للمزايدات والمحاصصة والاختلاف على مع من يرتبط مع الحكومة ام مع البرلمان ومجال لكل من يبحث عن موقع يتقرب به من السلطات والأحزاب التي تسيطر على البلد؟ أن مجرد هذه الدعوة/الاقتراح تثير علامات استفهام كبيرة تُعرقل عمل تلك اللجنة او المجلس المقترحين وتدعوا البعض الى التشكيك بالنوايا لأن هذه الدعوة دلالة على عكس الغرض المعلن منها على افتراض ان الداعي يعرف الكثير من الأمور عن حال البلد وكيف تسير الأمور فيه.

 ثم لماذا لا تقوم الجمعية النفسية العراقية التي أسسها ويرأسها أ. د قاسم حسين صالح بدعوة تلك المؤسسات والجمعيات والفعاليات، لمثل هذه الفعالية العلمية، لدراسة حال مجتمعهم ليقدموا خدمة للمجتمع الذي هم جزء مهم منه؟ لماذا لا تتداعى تلك المنظمات والمؤسسات والطريق مفتوح امامها للقاء وعقد الندوات واعداد الدراسات وطرحها في وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي وحتى تُرسل نتائجها وبحوثها وتعليماتها الى الحكومة والبرلمان والمنظمات الدولية التي تقول انها تهتم بالشأن العراقي لتقدم للمجتمع بعض خدمة ورد بعض جميل.

 مع ذلك أسأل: لو تم قبول هذا الاقتراح من قبل الحكومة او البرلمان، هل تتمكن هذه الجمعيات او الفعاليات والندوات والدعوات والنشاطات من: معالجة الأسباب التقليدية للانتحار التي حددها دكتور قاسم حسين صالح وهي: (البطالة في قطاع الشباب -تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية -عادات وتقاليد اجتماعية متخلفة) وكذلك الغاء (الأسباب العراقية الجديدةّ! للانتحار) التي ذكرها الدكتور قاسم حسين صالح: (توالي الخيبات-الشعور بالحيف والندم-الاكتئاب واليأس والوصول الى حالة العجزـ فشل السلطة واستفرادها بالثروة-اشاعة الإحباط)؟

شخصياٍ لا اُشكك فقط إنما أقول: لا...لا ولن تستطيع تحسين أي حالة من تلك الحالات وبالمطلق مهما حصلت على الدعم من كل الأطراف وبصموا لها بال"عشرة"...لماذا؟ لأن هذه الاجتماعات واللقاءات ستكون شكلية وتلعب بها امراض العملية السياسية...وتدخلات الأحزاب والاصطفافات التي قد تكون موجودة او تلك التي ستُفرض. وهنا تذكرت اقتراح الراحل الدكتور الوردي لمعالجة "داء الشخصية المزدوجة في الفرد العراقي كما يدعي" الذي ورد في ص74 من كراسة شخصية الفرد العراقي حيث قال: [اولاً: إزالة الحجاب عن المرأة وثانياً: تقليل الفارق بين اللغة الدارجة واللغة الفصحى وثالثاً: هيأوا للأطفال ملاعب ورياض تحت اشراف مرشدين اكفاء] ...لكن كيف يتم تنفيذ ذلك؟ لم يخبرنا أحد او كيف تزبل الحجاب ؟

 فمثل هذا الاقتراح /الاقتراحات لا استطاعت ولا تستطيع أي دولة مهما كانت، بما فيها دول كبرى مثل الولايات المتحدة الامريكية أو فرنسا أو اليابان أو السويد أو أي دولة في العالم وفي أي عصر من القيام به او تنفيذه. للأسباب الكثير تلك التي تدفع الى التفكيربالانتحار او تنفيذ الانتحار وربما من بينها سبب بيولوجي." قيل ان الرئيس أوباما شكل غرفة طوارئ عام 2002 لدراسة ارتفاع محاولات الانتحار بين صفوف المراهقين في الولايات المتحدة حيث بلغت ثلاثة ملايين محاولة لأعمار بين 12 و17 عام..."

ملاحظة أخيرة: أ. د قاسم حسين صالح أشار الى البرنامج الدرامي الذي كما قال "كنا نقدمه من إذاعة بغداد" (حذار من اليأس)... أقول و يعذرني الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح...هذه أم مشاكلنا، مشكلتنا اننا نقيس على الماضي دون حس الانتباه لظروف الماضي والحاضر ...نحن نركب القطار او كلما ركبناه نجلس  بارتياح و نشوة باتجاه عكس سيره ،حيث لا نرى الا المحطات التي فاتت و ربما نرى بعض ما في المحطة التي نحن فيها حيث سيحجب الكثير منها صعود ونزول الركاب و لكن لا نرى المحطات القادمة حتى ولو نعرف شيء عنها/اسمائها و هذا يريحنا و يسعدنا فننشغل بالصعود و النزول...استاذي الفاضل : ذاك زمان وهذا زمان. ذاك زمان القرن العشرين و هذا زمان القرن الواحد و العشرين...ذاك زمان القائد الملهم و المعلم الأول و القاضي الأول و بالروح بالدم و احنة مشينا للحرب،زمان الحزب الواحد و الرأي الواحد والتوجه الواحد، زمان قواطع الجيش الشعبي و التدريب الصيفي و العمل الشعبي ومحطة التلفزيون الواحدة ولو اختلفت الأسماء و الصحيفة الواحدة و نشرة الاخبار الواحدة الموحدة، ذاك زمان الهاتف المنزلي المراقب وزمن التقارير و التجنيد الاجباري ومنع السفر من الداخل و الخارج وزمن الطائرات التي تحوم بحثاً عن صحن لاقط خبأه صاحبه في سطح المنزل، ذلك زمان "الأسباب التقليدية" للانتحار كما تفضلت بعَّدِها...أما هذا الزمان، فهو زمان الرئاسات الثلاثة و عشرات الأحزاب و مئات التوجهات ومئات بل الاف المحطات التلفزيونية ، ، زمان وسائل التواصل لاجتماعي السريعة والمتنوعة المفتوحة ، زمان الريال و البرشا... زمان السفر و السياحة زمان رجل الدين ،زمان الاطلاع على كل حديث من البرامج و الملابس و قصات الشعر و الزواج المثلي وووووو...وزمان "الأسباب العراقية الجديدة للانتحار" فليس من المعقول ان يتم الطرح بهذا الشكل.

 لفت نظري قول أ. د قاسم حسين صالح عن "ظاهرة الانتحار في الأوساط الجامعية بشكل خاص"!!...هل هذا حصل ويحصل بالدرجة التي تصل لأن يصفها أستاذ متخصص بعلم النفس ب "ظاهرة؟ هذه تُفَسَرْ/تعني أن هناك حالات انتحار او محاولات انتحار كثيرة جداً بحيث أصبحت ظاهرة والدكتور الفاضل يعرف جيداً معنى ان تتحول حالة الى "ظاهرة" والغريب انه خلال كل مقالته المهمة هذه لم يتطرق الى "حالات الانتحار في الأوساط الجامعية".

أختم بأن اُقدم شكري وتقديري للأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح لمحاولاته الكثيرة في دراسة المجتمع العراقي وما يعيشه اليوم واُقدر ايضاً صعوبة ذلك في وضع مثل وضع العراق...لكن اعتقد ان علينا جميعاً وبالذات من يتمكن او تُتاح له الفرصة ليدلوا بدلوه في هذا الجانب ان يتفضل، فالعراق في محنة قاسية تامة شاملة لا يظهر في الأفق أي بصيص امل في حتى الاقتراب من مجرد التفكير بمعالجتها.

الوضع خطير جداً داخلياً واقليمياً وعالمياً...والموضوع خارج الامنيات هو البحث عن حلول او حتى التفتيش عن شيء يمكن إصلاحه في ركام الدمار التام وأكثر شيء مقدور عليه وهو فردي بأن نكتب بانتباه عسى ان يقرأ احداً ذلك وينتفع...لنخرج كما ارخميدس ونقول وجدنا من انتبه واستفاد ...فتعالوا نتعلم منه عسى ان يتراكم ذلك ومع مرور الوقت تتراكم المعرفة لتُحدث تغيير نوعي.  ما نحن فيه هو نتيجة لدمار العقول وجمودها بكل مستوياتها و من الأسباب الرئيسية لذلك هي التناقضات و عدم الدقة و قال فلان و قال الأخر. ولي عودة الى مواضيع أخرى نشرها الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية.

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

علي المرهججُل الثورات التي تنتهي بانتصار الثوريين إنما تكون خاتمتها أو لحظة أوجها حينما توشك على فجر جديد بلون ضياء أحمر تُعمده دماء رجالات الحُكم السابق التي بعد سفكها تُنشد ألحان النصر ويتغنى الثوريون بانتصاراتهم لأنهم نحروا رقاب أناس ظلموا وبنصرهم هم فرحون وبقتل الظالمين يتفاخرون!.

تنطبق على الثوريين مقولة (لاو تسه) فيلسوف الصين في كتابه "التاو": "إن من يفرح بالنصر (في الحرب) يفرح بالقتل".

الثورة هدم لنظام، وليس شرطاً لازماً أن يبني دعاتها والقيمون عليها نظاماً أصلح منه، بل هي في الأعم الأغلب تبديل نظام جديد بنظام قديم ليصبح الطريق مفتوحاً أمام التجديد الذي يدَعيه الثوريون الجُدد أوالذي كان يحلم به الناس المُستضعفين قبل الثورة ويأملون حدوثه طويلاً ويعملون على تحقيقه.

الثوريون بتصور اليمينيين أصحاب السلطة إنما هُم أناس فاشلون في ظروف (ما قبل الثورة)، ولاهمَ لهم سوى نقد رجالات السلطة الناجحين، لا لأن رجالات السلطة فاشلون فقط، بل لأن المعارضين يحلمون بأن يكونوا هُم القادة.َ

لكن بحسب تبدل الأدوار ـ لربما ـ تتغير وجهة النظر، لا بموافقة اليمنيين (المحافظين) السابقين على طريقتهم في الحُكم، ولا بالرضا عن اليساريين (المُعارضين) الذين أصبحوا من رجالات السلطة، فكلا كفتي الميزان تختل بحسب التمكن من الامساك بالسلطة، فلا يبقى اليمين يميناً ولا اليسار يساراً!! (ولله في خلقه شؤون).

أما الصورة الايجايبة عن الثوريين، فهُم بحسب التصور اليساري (المُعارض) الذين تحملوا القهر والفقر والحرمان في ما قبل الثورة، فكانوا أصدق الناس في مُعاضدتهم لرجالات الثورة، ولكن في كل الثورات هُناك صنفان من الثوريين، بعضهم صادقون في دعواهم وخيَرون، وهم قبل الثورة أناس ناجحون، والبعض الآخر فاشلون مجهولون تمنحهم الثورة فرصة الصعود.

يُمكن التمييز بين الفئة الأولى والثانية بعد مرور مدة ليست بالطويلة للثورة، لترى عبر الكشف عن ممتلكات الثوريين قبل وبعد الثورة، لتجد الانتهازيين دعاة الفئة الثانية قد تضخمت أموالهم مئات الأضعاف إن لم تكن آلافاً، هذا إن كانت لهم أمولاً قبل الثورة، فيما تجد أصحاب الفئة الأولى على ذات الحال قبل الثورة وبعدها...

"الثورة تأكل أبناءها" بعبارة الثوري الفرنسي المعرف (جورج جاك دانتون)، وأكُمل مقولته بالقول: ودوام الرغبة في البقاء بالسلطة إنما تأكل الدولة برمتها.

 

ا. د. علي المرهج

 

حسن خليل حسن(الأمة التي لا تنتج تموت، ولو كانت جبالها من الفضة وسهولها من ذهب.. قول مأثور)

يستعد العالم في قابل الايام لاصطفاف اقتصادي وتجاري جديد سيحدث هزة اقتصادية كبيرة وستكون له انعكاسات هائلة في المكانة الجيو- سياسية والتكنولوجية لمجموعة من الدول التي تقع على نقاط ارتباط مشروع النقل العالمي الذي يُدعى (طريق الحرير الجديد) الذي ينطلق من قلب التنين الصيني ليربط الشرق بالغرب بحرياً وبرياً، يأتي هذا المشروع المعاصر في ظل عالم تحكمه ثورة المعلومات والحوسبة والذكاء الصناعي، وسوف تكون منطقة الجزيرة العربية والخليج العربي حلقة الوصل لأطراف هذا المشروع نظراً لموقعها الجغرافي في قلب هذا المشروع، اذ تعمل الصين منذ سنوات على اعادة امجاد طريق الحرير القديم الذي كان يمتد بين المراكز التجارية في شمال الصين، كان حينئذ يسير في طريقين: أحدهما شمالى والآخر جنوبى. فالفرع الشمالى يمتد من “بلغار-كيبتشاك “ويعبر شرق أوروبا وشبه جزيرة القرم ويصل إلى البحر الأسود وبحر مرمرة والبلقان، وينتهى بالبندقية، بينما كان يمر الفرع الجنوبى من تركمانستان وخُراسان مرورًا ببلاد النهرين والأناضول وسوريا وصولاً إلى أنطاكية إلى البحر الأبيض المتوسط أو عبر دمشق وبلاد الشام إلى مصر وشمال أفريقيا، اذ كانت تسمية طريق الحرير تشير إلى شبكة الطرق البرية والبحرية التي ربطت بين الصين وأوروبا مرورا بالشرق الأوسط، بطول يتعدى 10 آلاف كيلومتر، وهو اسم اطلقه الجغرافى الألمانى فرديناند فون ريتشهوفن فى العام 1877، ويعود سبب التسمية إلى الحضارة الصينية التي أبدعت في صناعة الحرير منذ 3000 قبل الميلاد، اذ كانت صناعة الحرير الصينية متميزة للغاية، وبلغت ذروة النجاح الصناعي على يد أسرة “تانج” ومن بعدها أسرة” مينج “وكان الجميع يتنافس على الحصول على الحرير الصيني عالي الجودة بأي مقابل.

ويتضمن المشروع الجديد، الصورة(1)، بناء طرق ومرافئ وسكك حديد ومناطق صناعية في 65 بلدا تمثل 60 بالمئة من سكان العالم بكلفة قد تصل الى ترليون دولار ( 1000 مليار دولار) وتوفر نحو ثلث إجمالي الناتج العالمي، وبالنسبة للعرب فأن اهمية المشروع تأتي من رغبة الصين برفع رصيدها من الاستثمار في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية (غير المالية) في الدول العربية من 10 مليارات دولار إلى أكثر من 60 مليار دولار خلال الـ 10 سنوات القادمة عن طريق تيسير المعوقات وتبسيط الإجراءات الجمركية وتحديث البُنى التحتية في اجزاء من العالم العربي، كما يعد طريق الحرير الجديد طريقاً منافساً للقوى المسيطرة على الطرق المحورية الاخرى وبالاخص قناة بنما التي تربط

889 الحرير 1

الصورة 1: طريق الحرير والمسارات الاساسية المتوقعة 

المحيط الأطلسى بالهادى،اذ تُعد قناة بنما المعبر العالمي الحيوي الذي تتدفق من خلاله البضائع بين اليابان واستراليا ودول امريكا الجنوبية والساحل الشرقي لأمريكا الشمالية وتلك القناة تسيطر عليها الولايات المتحدة، وسوف يكون المحور البحري للمشروع الصيني منافساً كبيراً لطريق قناة السويس، اذ من الممكن ان تغير الصين وجهتها في النقل التجاري وتعمل على خلق طرق رديفة لتقليل زمن النقل والكلف، اذ يبلغ حجم تجارة الصين من البضائع العامة العابرة لاوربا والساحل الشرقي للولايات المتحدة حوالى 107 %من إجمالي البضائع العامة العابرة من قناة السويس.

وانطلق المشروع الصيني تحت مسمى مبادرة (الحزام – الطريق) في العام 2013 خلال فترة رئاسة شي جينبينغ صاحب المبادرة، (التي تستمر لغاية العام 2022)، واعُلنَ عن البدء بأكبر مشروع استثماري عالمي للمواصلات سيعيد إحياء طرق الحرير التاريخية ويوسعها بشبكات جديدة من الطرق التجارية التي تربط آسيا وأوروبا وأفريقيا وفق مبادرة صينية لخطة تنمية عالمية تحت اسم«حزام واحد - طريق واحد»، لإنشاء طريقين بحرى و برى وخطوط سكك حديدية وطيران وخطوط أنابيب لنقل المواد البترولية وشبكات نقل الكهرباء، وكابلات إتصالات وتأمين مناطق لوجستية وتطوير موانئ استراتيجية كبرى، وقد رافقَ الاعلان تأسيس بنك للتنمية والتجارة بواسطة العملات المحلية، وتوفير وحدات إنتاج صناعي وتخفيض تكاليف المعاملات التجارية، حيث تتضمن المبادرة نحو ألف مشروع ستُنفذ تدريجياً لربط المناطق اللوجستية التي يمر بها الطريق، اذ يهدف الصينيون الى الحفاظ على معدل نمو مرتفع يتحقق بزيادة الإنتاج والتصدير وذلك لا يتم إلا بزيادة الطلب على المنتجات الصينية بإيجاد أسواق جديدة بما فيها الدول الحبيسة (التي لا تطل على البحر و لا يوجد لديها موانئ، وسوف يتبع المشروع الصيني مسلكين عالميين هما :

أولاً: طريق الحرير البحري: يبدأ من “فيوجو” بالصين فيتجه غرباً عبر بحر الصين إلى فيتنام ثم جنوباً عبر بحر “جافا” إلى إندونيسيا، فغرباً إلى ماليزيا وسنغافورا فالهند وسيريلانكا، لتسافر غرباً مرة أخرى عبر المحيط الهندي إلى كينيا، لتتجه شمالاً عبر البحر الأحمر وقناة السويس إلى مصر، ومنها عبر المتوسط إلى اليونان ثم إيطاليا عبر “البحر الأدرياتيكي” ثم إلى فرنسا.

ثانياً: طريق الحرير البري (الجسر البري الأوراسيوي) يبدأ من وسط الصين (مقاطعة جيان) وجنوب غرب آسيا الوسطى إلى شمال ايران قبل أن يتحول غربا عبر شمال العراق وسوريا وتركيا نحو أوروبا، وهناك يذهب عبر بلغاريا ورومانيا وجمهورية التشيك، وألمانيا، وصولا إلى روتردام فى هولندا ثم جنوبا إلى إيطاليا حيث يلتقى طريق الحرير البحري، وهذان الطريقان يمران بالقوى الكبرى والقوى الصغرى لتحقيق مساواة انسانية وسلام عالمي، وبناء نظام اقتصادي عالمي جديد يلغي النظام المالي عبر الأطلسي، وتغيير من خريطة العالم الاقتصادية والثقافية والسياسية خلال الأعوام المئة القادمة، وبغض النظر عن التغيرات في حلقات الربط في الحزام الاقتصادي لطريق الحرير والمنافذ البحرية التي من الممكن ان يمر بها (الخليج العربي او البحر الاحمر)، فان الملامح الاساسية للمشروع تتمحور في الاتجاه من الصين مروراً بآسيا الوسطى وروسيا عبر ايران ثم منطقة الخليج والبحر الأبيض المتوسط مروراً بالعراق وغربي آسيا عابراً الموانئ الساحلية الممتدة على هذا الخط، واتجاهاته لأوروبا وأفريقيا، بدائرة تقدّر مساحتها بحوالي 1000 كم 2، فو عدد سكانها 150 مليون نسمة.

وبالرغم من تحفظ بعض الدول من المشروع وتخوف دول اخرى الا ان هنالك دول كثيرة تشجّع الربط العالمي للاستفادة من قدرات المارد الصيني في الصناعة والتكنولوجيا، وقد تحفظت ألمانيا وعارضت الهند هذا المشروع بينما استجابت مجموعة من الدول الاخرى لهذا الجسر العالمي البحري-البري العظيم واعتبرته المشروع العالمي الاستراتيجي، وبدأت دول اخرى تتسابق لحجز موقعها فيه، ومن اهم تلك الدول الداعمة: روسيا وبريطانيا وتركيا، ومن الدول العربية المرحبة الكويت والسعودية والامارات والسودان، وهنالك تذبذب في القبول والرفض من قبل مصر لأنها تتوقع ان يفرض المشروع تحدياً لقناة السويس، وهنالك غياب لموقف دول سواحل شمال إفريقيا (دول المغرب العربي).

وللأهمية العالمية للمشروع الصيني فقد اصدرت مؤسسة إكزكتف انتلجنس ريفيو (Executive Intelligence Review) في العام 2014 تقريراً عالمياً بعنوان من طريق الحرير الجديد إلى الجسر البري العالمي (The New Silk Road Becomes the World Land-Bridge) وتم ترجمة التقرير الى العربية في العام 2016 ليكون دليلاً للتنمية العالمية لمبادرة «الحزام والطريق» ويهدف التقرير الى عرض اهمية ومزايا وعوائد الانخراط في هذا المشروع، وحجم الدعم الذي سيتمثل بإنشاء البنى التحتية والمشروعات الكبرى.

وما يهمنا من مجموع الدول الداخلة في التحضيرات لهذا المشروع هو موقف العراق والدول المجاورة له، فبالنسبة للكويت وهي الجار البحري الاقرب للعراق وضعت خططاً ضخمة للعمل والدخول كشريك اساسي مع الصين في مشروع طريق الحرير الجديد، اذ تستعد الكويت لإنجاز اكبر مشروع استثماري عالمي في الشرق الاوسط وقد خططت لإقامة مدينة استثمارية كاملة تخص المشروع اطلقت عليها (مدينة الحرير)، وحجزت مساحة واسعة في الطرف الشمالي الشرقي من اراضيها ضمن خطة (الامل – العمل) التي انطلقت ضمن استراتيجية وطنية للفترة 2010-2035 لمدة 25 عام، وكانت الكويت أول دولة عربية خليجية توقع مذكرة تفاهم للتعاون مع الصين في إطار المبادرة الصينية على مستوى اعلى سلطة في الكويت، وبهذا فتحت افاق خطة تطويرية انطلقت في بدايات اعلان المشروع ليس فقط لتحقيق دور في مرور طريق الحرير عبر الكويت، فحسب بل لتكون بؤرة انطلاق هذا المشروع في الشرق الاوسط وجنوب غرب اسيا واطلقت لطموحها العنان ليكون الاستثمار في هو البديل الرئيس لمدخلاتها القومية المتأتية من عوائد تصدير النفط (البناء بعيداً عن النفط)، وقد خصصت اراضي واسعة استعداداً للعب دور محوري بعد وضع خطط متكاملة لإقامة (المنطقة الشمالية للصناعات الصينية في الكويت) واختارت خمس جزر تقع قبالة الساحل الشرقي للكويت (بوبيان، وربة، فيلكا، مسكان، عوهة لإقامة منطقة متحررة وبنى تحتية جاذبة (الصورة 4)، وكانت البداية من تأهيل جزيرة بوبيان الكويتية لتكون مدينة استثمارية انموذجية، وتهدف الكويت من هذه الاجراءات لإنشاء استثمارات بقيمة 600 مليار دولار بأرباح متوقعة تبلغ 35 مليار يساهم فيها القطاع الخاص بنسبة 40% وسندات الاكتتاب بنسبة 40% وبمساهمة حكومية لا تتجاوز 20%، اذ تخطط الكويت لجعل المعيشة في هذا الجزء ليبرالية حرة، تحكمها أطر تشريعية وتنفيذية مرنة ومستقلة تبتعد عن بيروقراطية القرار والاجراءات، من اجل لتوفير 200000 وظيفة سنوياً لسد حالات البطالة التي انتشرت في الكويت خلال السنوات الاخيرة.

ويضم المشروع مناطق سياحية وترفيهية ومدينة إعلامية وصناعة أفلام، ومدينة رياضية تستقطب منافسات دولية وممرات مائية لتجعل من بوبيان مدينة ساحلية تشبه فينيسيا الإيطالية، وبدأت

889 الحرير 2

صورة (2) الخطط العراقية التي سبقت الكويت في  طريق الحرير الجديد

889 الحرير 3

الصورة 3: مشروع تطوير الجزر الشمالية في الكويت

الكويت خطوات عملية في هذا المشروع التي تمثلت بالقيام بأعمال استحداث انشاءات وتطوير مناطق مختلفة ومتصلة على جزيرة بوبيان المنطقة الحرة للتجارة والمنطقة الصناعية في بوبيان وخطوات عملية تتمثل بالتالي:

1- تطوير ميناء مبارك والمناطق اللوجستية التي تسهم في النمو المتميز للصادرات غير النفطية على نمط الموانئ المتطورة في سنغافورة ولوكسمبورغ وهونغ كونغ وجبل طارق، ونشير هنا الى التوسع المحتمل في هذا الميناء وانشاء كاسر الامواج يمكن ان يتسبب بمصادرة خط الملاحة البريء في خور عبدالله، وهذا ما تشير اليه وقائع العمل بتوسعة البُنى التحتية في جزيرة بوبيان مؤخراً .

2- التخطيط لإنشاء ميناء جوي دولي على أحدث وأعلى المعايير العالمية يشكل منصة الانطلاق والوصول إلى الجزر الكويتية وتعزيز عمليات الشحن الجوي.

3-التخطيط لإقامة مركز التجارة والمال والأعمال يهدف الى استقطاب الاستثمار الأجنبي.

4-التخطيط لإنشاء منطقة ترفيهية ورياضية شاسعة تهدف إلى استقطاب المنافسات العالمي والتخطيط لإقامة منطقة سياحية على الممرات المائية البحرية.

889 الحرير 4

صورة (4) سيناريوهات طريق الحرير الجديد واستعدادات الدول للتنافس على موقع فيه

5- وضع تصاميم لمحمية طبيعية للحياة البرية والبحرية تقع شمال الجزيرة، وتشتمل على فنادق ومرافق سياحية بيئية وسوق لمنتجات آسيا والصين.

6- التخطيط لإقامة منطقة تراثية يتم تصميمها بما يتطابق ومعايير البناء القديمة ترسم في جملتها نسخة مصغرة من الكويت القديمة بالإضافة الى خطط تنمية بيوت التراث والمراكز العلاجية والمجمعات تجارية والمراكز الاعلامية.

7- التخطيط لإقامة مشاريع الممرات المعلوماتية الجوية (الأقمار الاصطناعية) وبناء شبكة كابلات الألياف الضوئية العابرة للقارات والتعاون في الطاقة الكهرونووية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهنا نشير الى ان عزم الكويت انشاء محطات توليد طاقة كهرونووية يعيد الى الاذهان ما المحت اليه الكويت في العام 2017 عن انشاء محطة نووية شمال جزيرة وربه المقابلة للبر العراق في خور عبدالله وما لهذا الانشاء من تداعيات امنية وبيئية على العراق.

8- الاعلان الاهم في هذا المشروع هو انجاز جسر الشيخ جابر الأحمد الذي يسميه الكويتيون (الطريق فوق الخليج) وهو يربط الجزر الشمالية المهجورة والنائية (وربة وبوبيان) بمركز الكويت، وهو رابع أطول جسر في العالم وكان الموعد المحدد لافتتاح الجسر هو تشرين الاول من العام 2018 وقد افتتح في نيسان 2019 وهو اللبنة الاولى في مشروع الحرير، وبنظرة واقعية على مشروع الجسر الكويتي لا نجد مبررات لانفاق 3 مليار دولار كويتي في انشاء جسر بطول 36 كم من اجل اختصار مسافة طريق نقل المارة ليوفر وقتاً بمقدار 25 دقيقة للانتقال من مركز المدينة الى منطقة نائية مهجورة، والحقيقة التي اعلنت عنها بعض وسائل الاعلام بتحفظ شديد هي احياء طريق الحرير البري والبحري والذي يمر بدول مجاورة للكويت للعب دور كان ممكن ان يكون للعراق لو تم تنفيذ مشروع ( القناة الجافة ) التي ترتبط بميناء الفاو ليكون مشروعاً حيوياً يربط التجارة العالمية بين الشرق والغرب.

وبحسب مصادر استثمارية كويتية فمن المحتمل ان تُسفر هذه الاجراءات عن اضافة 35 مليار دولار للناتج سنوياً، واستقطاب 1.5 مليار دولار استثماراً أجنبياً سنوياً، وستساعد على جذب 3 إلى 5 ملايين سائح سنوياً. واستقدام ما يقارب من 400 ألف نسمة من الوافدين سنوياً، وهنا نتساءل هل ان الكويت التي تمتلك اموال فائضة عن الحاجة واستثمارات خارجية تفوق400 مليار دولار قياساً بمجموع سكانها الذي لا يتجاوز 3.9 مليون نسمة تحتاج فعلاً لهذا المشروع المينائي الضخم؟ والاجابة ان هذا المشروع سيوفر للكويت بدائل لمدخولاتها الوطنية لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة ولمواجهة أي طارئ بسبب صراعات المنطقة التي تتفاقم يوماً بعد يوم، وسوف تكون الاجراءات ركيزة اقتصادية في اقتصاد ما بعد النفط في الكويت الذي يمثل ما يصل إلى 90 في المائة من إيراداتها، ولهذا سعت الكويت لتطوير وتوسيع الموانئ في بوبيان بشكل يجعلها قابلة لاستقبال السفن ذات الغاطس كبير والربط السككي وتوفير السلع وايصالها بشكل اسرع وأقل كلفة بما يتيح لها تحقيق رغبتها في تطوير المنطقة الشمالية النائية، لخلق استثمار تجاري بحري كبير يوفر الإكتفاء الذاتي لها، بالاستفادة من رغبة الصينيين بإنشاء نقاط محورية في العالم تشتمل على موانئ و مناطق لوجستية ومحطات طاقة ومدن صناعية كبرى، وهذا قد يفيد الصين جيوسياسياً بالتمركز في مناطق ربط هامة بين القارات مما يتيح لها أدوارا أكبر مستقبلاً، واستفادت الكويت من هذه الرغبة لامتلاكها جزيرة بوبيان النائية والغير مستغلة بالسكن او الانشطة التجارية وهي جزيرة هامشية وذات ظروف قاسية لذا وضعت خطة استثمارية لها وربطتها برؤيتنا الاستراتيجية في جعل الكويت مركزاً اقتصادياً ومالياً عالمياً.

وعلى ما يبدو ان ما عملت عليه الكويت حديثاً هي عبارة عن خطط عراقية قديمة جدا كانت مطروحة للعمل بتطوير الساحل العراقي على اعتبار ان العراق وسوريا هما الدولتان الوحيدان في مشروع طريق الحرير الجديد اللذان من الممكن ان يلتقي على اراضيهما الطريقان البري والبحري،(الصورة3)، غير ان ظروف عدم الاستقرار منذ مطلع الثمانينات لغاية الفوضى الكبيرة(احداث داعش) التي انتهت اجمالاً في العام 2017 عندما انجز العراقيون تحرير الاراضي العراقية بأجمعها شكلت عائقاً مصيرياً ضد المشروع، اذ ان العراق يمكن ان يكون البلد الاكثر اهمية في هذا المشروع اذا ما تم انجاز مشروع القناة الجافة، الذي يستند على مشروع الفاو الكبير المتعثر منذ 14 عام (العام 2005). بينما تمضي الكويت بأنشاء ميناء منافس يتمثل بمشروع ميناء مبارك الكبير وهو الجزء الاصعب في بقعة نائية مهجورة ذات ظروف لا تطاق من طغيان بحري ومعدل عواصف وحرارة ورطوبة، بمعنى ان ميناء مبارك الكبير هو رأس مشروع الحرير في الكويت، وربما كانت الخطط الكويتية اعمق غوراً اذ لم يُدرج موقع الميناء الكويتي على الخرائط الملاحية، وهذا مؤشر لاحتمالية توسيع الميناء في المستقبل، فهذا الميناء يُبنى بوتيرة متسارعة بينما تراوح مراحل انجاز ميناء الفاو في مكانها اذا ما قورنت بالزمن ( ولان وجود ميناء الفاو يعني لا وجود لميناء مبارك..!!)، وبهذا يصدق رأي بعض الباحثين من ان 68% من سكان العراق سيعتمدون على ميناء مبارك والمستهدفون بهذه الدراسة سكان الوسط والجنوب،وان نسبة 80% من حجم تجارة الميناء في بداية عمله ستكون مخصصة للعراق.

ومما تقدّم يظهر ان الجميع يحارب من اجل مكاسب ومنافذ تجارية جديدة، وان المعارك التي لم تُحسم على الارض امتدت ساحتها الى جلسات التفاوض ما بعد الحروب، وذهبت بعض الحروب الى ساحات العمل الاقتصادي والخطط التجارية، فهل يحجز العراق مكانه المهم في طريق الحرير الجديد ويتحقق حلمه البحري البعيد..!!

889 الحرير 5

الصورة 5: الموقع المحوري للعراق كمعبر اساسي في مشروع طريق الحرير الجديد

ومن اجل ان نفتح رؤية لإدراج العراق ضمن هذا المشروع الاكبر في العالم والذي سيغير وجه الاقتصاد في المنطقة والعالم يجب ان يخطو العراق الخطوات التالية للحاق بركب الامم التي تنوي حجز موقعها في مشروع المارد الصين والتي تتلخص بما يلي:

1- وضع خطط طويلة الامد لتطوير البيئات الساحلية العراقية ترتكز على نظرة استراتيجية تأخذ بنظر الاعتبار المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية الاقليمية والعالمية، على ان تضع تلك الخطط في اولى حساباتها الاندماج مع مشروع طريق الحرير الصيني

2- اطلاق برنامج بحري عراقي للمنافسة المينائية مع دول الجوار لمواجهة المشاريع التي تهدف الى تضعيف او الغاء دور الملاحة البحرية للعراق .

3- الاسراع بإنجاز مشروع ميناء الفاو الكبير واعتباره جزء من الامن القومي العراقي واعادة تفعيل خطط مشروع القناة الجافة المنسي وتنفيذها لربط ميناء الفاو بأوربا لإكمال الحلقة المفقودة في خطة عبور مشروع الحرير الصيني عبر العراق وهذا سيوفر مردود مالي هائل للبلد وسوف يوفر فرص عمل لآلاف العاطلين في جنوبي العراق.

4ـ فتح آفاق الاستثمارات الاجنبية في قطاع تطوير الموانئ العراقية وطرح المشاريع الكبرى للقطاع الخاص العراقي.

5- تعميق الصلات البحثية والاستشارية بين قطاعات الجامعات ووزارة النقل والهيئات العاملة في مجال الاستثمار البحري والساحلي.

6- تعزيز دور القرار البصري في الاستثمارات الساحلية والبحرية كونه الاجدر باتخاذ ومتابعة تلك القرارات.

 

ا.د. حسن خليل حسن - مركز علوم البحار

....................

المراجع:

- التوبـي، حاكـم هيـال جاسـم (2015)ميناء مبارك الكويتي وتأثيراته على العراق، رسالة ماجستير- كلية الاداب جامعة البصرة، ص21

- النجار، الهام (2018) طريق الحرير الصيني وإنعكاساته على أنماط التجارة ‏الدولية وحركة النقل العالمية، المركز العربي الديموقراطي https://democraticac.de/?p=57474

- احمد، ريهام (2011) بوبيـان .. بانوراما طبيعية لبيئة عالية الحساسية، الهيئة الامة للبيئة الكويتية، مجلة بيئتنا

(http://www.beatona.net/ar/knowledge-hub/article/content-39782).

- مجلة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة – الكويت، العدد 199946.

- صحيفة النبأ المصرية (2017)

http://www.beatona.net/ar/knowledge-hub/article/content-39782

- صلاح الدين، محمد (2017) طريق الحرير ومخاطره على قناة السويس، صحيفة مصر تلاتين

 (https://www.misrtalateen.com/?p=65863)

- سلامة، عبدالمحسن (2018) الممرات البديلة، الاهرام اليوم (http://www.ahram.org.eg/NewsPrint/665050.aspx)

- صحيفة الاتحاد (2018) طريق الحرير.. صراع جديد. (https://www.alittihad.ae/wejhatarticle/97818/%)

- رضا حبيشي (2018) اعرف طريق الحرير وممراته ودور قناة السويس فيه،صحيفة اليوم

 السابع(https://www.youm7.com/story/2018/9/27C3%97-17/3967688)

 https://staffsites.sohag-univ.edu.eg/stuff/posts/show/776?p=posts

 https://www.google.com/imgres?imgurl=httpCUwJXoECAEQKw&iact=mrc&uact=8 https://www.google.com/imgres?imgurl=https%3A%2F%2Fwww.indec&uact=8

 https://twitter.com/lywpybntzhf2ire

 https://www.google.com/imgres?imgurl=https%

 https://www.google.com/imgres?imgurl=http8

 

محمود محمد علينعود هنا لنعرض الجزء الثاني من مقالنا عن مفهوم الوطن عند حسن البنا، حيث نقول بالإشارة لما ورد في رسائل حسن البنا، هناك رسالة بعنوان "غاية وطنيتنا"، حيث يقول:" هذه واحدة . والثانية أن الوطنيين فقط، جل ما يقصدون إليه تخليص بلادهم، فإذا ما عملوا لتقويتها بعد ذلك اهتموا بالنواحي المادية كما تفعل أوربا الآن، أما نحن فنعتقد أن المسلم في عنقه أمانة عليه أن يبذل نفسه ودمه وماله في سبيل أدائها تلك هداية البشر بنور الإسلام، ورفع علمه خفاقاً في كل ربوع الأرض، لا يبغي بذلك مالاً ولا جاهاً وسلطاننا على أحد ولا استعبادا لشعب، وإنما يبغي وجه الله وحده وإسعاد العالم بدينه وإعلاء كلمته، وذلك ما حدا بالسلف الصالحين رضوان الله عليهم إلى هذه الفتوح القدسية التي أدهشت الدنيا وأربت على كل ما عرف التاريخ من سرعة وعدل ونبل وفض . "

في هذا النص نجد أن حسن البنا  (يتهم) الوطنيين، بأنهم سيخلصون البلاد، ويعملون على تقويتها، وسيهتمون بالنواحي المادية، ولا نعرف ماذا يقصد بالنواحي المادية: هل تطوير المجتمع وبناء الصناعة والمدارس والمستشفيات ...الخ لتصبح الدولة متطورة كالدول الاوربية أم ماذا ؟!

علاوة علي أن حسن البنا يري من خلال النص السابق بأن الانسان عنده ليس مواطنا يعمل ويبني أسرته وبلده، بل (حسب قوله )" أن يبذل نفسه ودمه وماله في سبيل أدائها، تلك هداية البشر بنور الإسلام "؛  أي يصبح مجاهداً في أصقاع الأرض،  وهذا فعلاً ما رأيناه في السنة التي قضاها الإخوان المسلمون (من خلال حكم الرئيس مرسي في عام 2012 )، حيث تم زرع مجموعة من الجهاديين في سوريا، وفي سيناء، وربما في أماكن أخرى ليس لمحاربة مغتصبو أولى القبلتين في الإسلام وثالث الحرمين الشريفين، بل لمقاتلة غيرهم من المسلمين ؛ وهو ما عبر عنه "حسن البنا" نفسه بغرس "مبدأ البراء" ؛ حيث يذكر في رسائله- رسالة " موقفنا من الدعوات المختلفة"، حيث يقول:"  وموقفنا من الدعوات المختلفة التي طغت في هذا العصر، ففرقت القلوب، وبلبلت الأفكار أن نزنها بميزان دعوتنا، فما وافقها فمرحبا به، وما خالفها فنحن براء منه، ونحن مؤمنون بأن دعوتنا عامة محيطه لا تغادر جزءً صالحاً من أية دعوة إلا ألمت به وأشارت إليه  ".

وهنا نلاحظ من كلام البنا أن من يوافق دعوته هو براء منه، وهذا غيض من فيض من أفكار هذه الفئة الضالة والمضللة، وبهذه الافكار لن ينتجوا بناة دولة حديثة، وجل ما سينتجونه مجاهدون ليس للجهاد الحقيقي ضد أعداء الإسلام؛ بل جهاد من لم يتبع عقيدتهم، وبالتالي فمن ضمن هذه المفاهيم لن يستطيع الإخوان المسلمون بناء دولة مبنية على المواطنة، لأنهم لا يعترفون بالدولة ولا يعترفون بالمواطنة. إذن من سيحكمون؟ وماذا يحكمون؟ ولماذا ينشؤون تنظيماً سياسياً ؟ هم أنفسهم لا يعرفون ذلك!. ولكن هناك من يعرف!

إن هذه الحقائق وغيرها، تؤكد لكل منصف، أن حقوق الوطن عند الإخوان المسلمين مهدرة، لأن الوطن في حد ذاته، لا قيمة له عندهم، ولذلك لا نتعجب بعد ذلك من «نقص المناعة الوطنية» عند قيادة جماعة الإخوان المسلمين، ولا نتعجب حين نسمع عن اتهامات بتخابر مع الولايات المتحدة الأمريكية، وارتباطات أمنية ومالية مع تركيا وقطر، ولا نتعجب من التزام الرئيس "محمد مرسي" حين تعهد لحركة حماس بإعطائهم 60 كيلو متراً كمرحلة أولى لتوطين الفلسطينيين فى سيناء فى نظام مشروع توسيع نطاق مدينة غزة لمساحة ألف كيلومتر داخل أراضي سيناء المصرية .

وهنا في هذا المقال أبعث برسالتي لجماعة الإخوان المسلمين، ومعهم جماعات الإسلام السياسي في العالم شرقه وغربه فأقول لهم اسمعوا مني: إن الوطنية لاتباع ولا تشتري فهي متأصلة في النفس من الداخل، وهي شعور يخرجه الأنسان . إن الوطنية هو أن يكون لديك تضحية لوطنك وانتماء له، وهذه التضحية تكون تضحية بالدم والروح والفكر والثقافة ؛ وذلك من خلال أن تكون بلدك ودولتك مستواها يصل إلي أبعد حدود التقدم والرقي، بحيث تمثل الدرة المكنونة وسط الدول الموجودة والنجمة التي تضيئ للكل .

الوطنية ليس تخريب وتكسير وهدم وحرق، وإنما هي الاحساس بمشاكل المواطنين واحساس بالشعور الذي يشعر به المواطن البسيط، حيث إن من أبسط حقوقه أن نجعله يعيش بكرامة وعزة وبمقدرة علي الانفاق في شتي الأمور الخاصة كلها . لذلك يجب أن نحظي بقدر كبير من الاحترام لأنفسنا لأننا عرب وأن العرب يجب أن يشعروا بالفخر وبالعزة وبالكرامة، وذلك لأن الدول العربية بدأت إلي حد كبير تسترد قوتها وكرامتها وعزتها.

إن حب الوطن يفرض علينا معرفة تاريخ بلادنا كي نستخلص العبر من سير العظماء، وأن نتعلم الوفاء والعطاء والتضحية والتعاون، وأن نتعرف علي أرض بلادنا وثرواتها الطبيعية، من خلال معرفة المعالم السياحية في بلادنا، فهناك شخصيات عظيمة أدت خدمات جليلة للوطن، وأن هذه الشخصيات ترد بعض أفضال الوطن لأنهم شربوا من ماءها وعاشوا في كنفها ووجدوا فيها السكينة والأمان .

وإذا سألتموني سؤالاً: هل تحب وطنك ؟ والإجابة بكل تأكيد نعم أحب وطني، لأن وطني هو بيتي وشارعي وأهلي وجيراني، وكل مكان في الوطن ملك لي من آثار ومدارس ومستشفيات ووسائل مواصلات وغيرها كثير، ولذلك كان الوجب علي أن أحافظ علي ممتلكات الوطن وأضحي بروحي ونفسي من أجل الوطن والمواظبة والإصرار علي العمل الجاد .

إن الوطن هو المكان الذي أنتمي إليه وأعيش علي أرضه وتحت سمائه، فحق علي أن أحافظ علي وطني الذي شربت من ماءه، وعشت في كنفه، ووجدت فيه السكينة والأمان . إن حب الوطن غريزة مغروسة في النفوس وفطرة جُبلت عليها وما من إنسان مخلص إلا وهو يعتز بوطنه لأنه مهد صباه، ومدرج خطاه، ومرتع طفولته، وملجأ كهولته، ومنبع ذكرياته، وموطن آبائه وأجداده، ومأوي أبناءه وأحفاده.

فالحيوانات نفسها لا ترضي بغير وطنها بديلاً ومن أجله تضحي بكل غالي ونفيس، فالطيور تعيش في أماكنها وأوكارها لا ترضي بها بديلاً ولو وضع تحتها الحرير. وأنظر إلي الأسماك تجدها أحيانا تقطع آلاف الأميال لتعود إلي أماكنها وإلي مواقعها الأولي، بل إن بعض المخلوقات إذا تم نقلها عن موطنها الأصلي فإنها تموت، فالكل إذن يحب وطنه، والجميع يحن إلي الصبا ومراتع الشباب ولو كانت بلاده قد ينقصها شئ من حسن الطبيعة وجمال المغاني إلا أن الحب قد تعلق بهذه الأرض وبتلك الديار، ولقد صدق قول القائل:- بلادي وإن جارت علي عزيزة.. وأهلها وإن ضنو علي كرام.

وأعلموا أن مفارقة الوطن قطعة من العزيز لا يعرف هذا إلا من جربه، فحين يسافر المرء عن وطنه وعن أهله وأحبابه وأبنائه، ولو أوتي الدنيا كلها يبقي حنينه وشوقه إلي بلاده وأهله، ولذلك كان النبي صلي الله عليه وسلم شديد الشوق إلي مكة حسن غادرها إلي المدينة بعد أن أذن الله له في الهجرة وكان حبة صلي الله عليه وسلم لمكة بادياً طافحاً يعلمه كل من حوله .

وقد قال أهل الأدب إذا أردت أن تعرف الرجل فأنظر كيف تحننه إلي أوطانه وتشوقه إلي إخوانه وبكاءه علي ما مضي من زمانه، وهذا يوضح لنا بجلاء ويبين لنا أن الوطن وحب الوطن قضية لا نزاع فيها، وأنها فطرة فطر الله عليها، وشئ مغروس في داخل النفوس، وهذا يعني أن للوطن حقوق عظيمة يجب علينا أن نتعرف عليها حتي ندرك كيف يمكن لنا أن نحافظ علي الوطن وعلي ممتلكات الوطن .

إن هناك لصوصاً يتاجرون باسم الوطن نعرفهم في لحن القول يتشدقون بحب الوطن وهم يطعنون الوطن في خاصرته، هؤلاء يضربون ثوابت الدين ويستهزءون بقيم الإسلام ويحاولون أن يدمروا البلاد ويرجعوها إلي ما كانت عليه قبل الإسلام - الجاهلية الجهلاء التي لا تراعي ذمة ولا تحفظ عرضاً ولا تقوم بأمر الله كما يريد الله.

ينبغي للمواطنين القاطنين الذين يستظلون بنعمة الوطن وأمنه الوارف أن ينظروا إلي الآخر الذي افتقد هذه النعمة، وذلك بأن يعظموا هذه النعمة في نظرهم بالنظر إلي اللاجئين، وإلي المشردين، وإلي الغرباء، وإلي البعداء عن أوطانهم، والنظر إلي الفلسطيني الذي لا يستطيع أن يتحصل علي جنسية بلد ما وإلي الصومالي الذي زرع الأرض زرعاً، وإلي السوري الذي يهتف بأبيات نزار قباني من قاهرة المعز، وعمان الأردن، وجبال الأناضول، وتخوم بني غازي، وصنعاء اليمن، يهتف بما هتف به نزار سابقا: احتَضنّي .. ولا تناقش جنوني .. ذروة العقل يا حبيبي الجنونُ.. أهي مجنونةٌ بشوقي إليها .. هذه الشامُ أم أنا المجنونُ.. آه يا شام كيف أشرح ما بي .. وأنا فيك دائماً مسكون. وقال ابن الرومي: وحبَّب أوطانَ الرجالِ إليهمُ.. مآربُ قضَّاها الشبابُ هنالكا.. إذا ذكروا أوطانَهُم ذكَّرته.. عُهودَ الصبا فيها فحنّوا لذلكا.

يجب علينا أن نعرف نعمة الله عز وجل بالوطن من خلال الذين حرموا هذه النعمة، فهم يتوقون إليها وينتظرونها وينظرون إليها، ولذلك حب الوطن هو عمل بلا كلل فللأوطان كما الشاعر أحمد شوقي: في دم كل حر يد سلفت ودينا مستحق .. وللحرية الحمراء .. باب بكل يد مصرخة يدق.

إن الوطنية الحقة بناءً دؤوب، وسعي أكيد، وارتقاء بالعلم، وإحسانا في العمل ومراقبة لله في كل شئ، إن المواطنة الحقة هي انتماء لا ارتقاء، إيثار لا أثره للنفس، حماية وذود عن حياضه وبيضته . وما أجمل قول القائل: – رِجالَ الغَدِ المَأمولِ .. إِنّا بِحاجَةٍ إِلى قادَةٍ تَبني وَشَعبٍ يُعَمِّرُ.. وإِلى عالِمٍ يَدعو وَداعٍ يُذَكِّرُ … فَسُدّوا النَقصَ فينا وَشَمِّروا.. لا تَترُكوا غَداً يَمُرُّ مُرورَ الأَمسِ وَالعَيشُ أَغبَرُ .. إِنَّ بِلادَكُم تُناشِدُكُم بِاللَهِ أَن تَتَذَكَّروا.. عَلَيكُم حُقوقٌ لِلبِلادِ أَجَلُّها تَعَهُّدُ رَوضِ العِلمِ فَالرَوضُ مُقفِرُ.. قُصارى مُنى أَوطانِكُم أَن تَرى لَكُم يَداً تَبتَني مَجداً وَرَأساً يُفَكِّرُ.. فَكونوا رِجالاً عامِلينَ أَعِزَّةً وَصونوا حِمى أَوطانِكُم وَتَحَرَّروا.

إن حب الوطن قيمة أخلاقية تظهر علي السلوك، فهي ليست ادعاء ولا التواء، إن حب الوطن أكبر من قصيدة عصماء . كيف يدعي حب الوطن من لا يري منه إلا الهنات ولا يقف منه إلا علي الجروح لا تراه مثنيا علي الوطن أبدا، إنما يقف علي هناته، وعلي عوراته، وعلي عيوبه، وإن لبس مسوح الاصلاح، وإن خلع خلعة النقد الهادم .

كيف يدعي حب الوطن من لا يشده إليه إلا الدوام أو الوظيفة أو مكتسب العيش وما عدا ذلك فتراه محلقاً شرقاً أو غرباً حتي في يوم الوطن لا تكاد تراهم في الوطن، كيف يدعي حب الوطن من يجني منه خيراته ويستثمرها في الغير وهو يحلبه حلباً ولا ينتمي إليه انتماءً.

إن حب الوطن أفعال لا أقوال، انتماء لا التواء، حب الوطن علاقة خاصة تكفر بمفسدات أي علاقة وتؤمن بقضايا أهمها أن الوطن جميل وإن لم يكن كذلك، كريم وإن لم يكن كذلك، إنها قضية الحب الأعمي الذي لا يجعلك تصير إلا لمحاسنه ولا تقف إلا علي عذباته وتستعذب الأرض التي لا هواء بها ولا ماء ولكنها وطني . نعم هي علاقة خاصة تعميك عن مساوئه وتجعلك تبصر ما تكون علي محاسنه ومكارمه .

إن حب الوطن هي أن تبذل من دمك ومالك .. من أجل حرية هذا الوطن، أن تقدم روحك من أجل هذا الوطن، فالوطنية الحقيقية أن تكون غيورا على هذا البلد أن تحزن من قلبك عندما تراه يضيع يوميا أمام عينيك ..ولا تحرك ساكنا …ولا يتحرك فيك عرق ولا ينبض فيك نبض.الوطنية هي أن .. تحافظ على مكتسبات هذا الوطن من الضياع .الوطنية أن تتقن عملك وتحب أبناء بلدك بالتسامح وأن تعمل على رفعة شأن الوطن ولا تحط من قدرة، ولا تستخف بجهود العاملين بجد وإخلاص، وأن لا تكون سلبيا في حياتك، وأن لا تقل “ما يخصنيش” المهم رأسي سالم وليذهب الساسة للجحيم .. نعم كن وطنيا بحق ولا تقبل دون ذلك ولا تكن تاجرا يبيع الوطن في الليل ويدعي الوطنية في النهار …!!

واختم كلامي بتلك الكلمات التي غناها المطرب التونسي المبدع لطفي بشناق:" مواطن وحائر أنتظر منكم جواب.. منزلي في كل شارع.. كل ركن وكل باب.. وأكتفي بصمتي وصبري ثروتي حفنة تراب.. ما أخاف الفقر لكن كل خوفي من الضباب.. لا حروب ولا خراب لا مصائب لامحن.. خذو المناصب والمكاسب لكن خلولي الوطن.. خذو المناصب والمكاسب بربي خلولي الوطن.. يا وطن وأنت حبيبي وأنت عزي وتاج رأسي.. أنت يا فخر المواطن والمناضل والسياسي.. أنت أجمل وأنت أغلى وأنت أعظم من الكراسي.. ومن غياب الوعي عنكم كم أخاف من الغياب .. سادتي وأنتم حكمتم حكمكم حكم الصواب.. وثورتي كانت غنيمة وافرها الحضرة جناب.. لا يهموا لا أبالي الدنيا دائسها بمداسي.. لكن خلولي بلادي .. لكن خلولي بلادي.. لكن خلولي بلادي.. وكل ما قلتم على رأسي يا هنايا إن كان مثلي لا يهمه من ومن .. انتم أصحاب الفخامة والزعامة وأدري لن أكون يوم منكم يشهد الله والزمن.. انا حلمي بس كلمة أن يظل عندي وطن"

حفظ الله الوطن .. وحفظ الله مصر والعراق وكل دول الوطن العربي .. اللهم استجب.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

محمد عبد الكريم يوسفإدارة الشكوى من العلوم الحديثة في الإدارة  لأنها تعزز العلاقة بين الإدارة والعاملين وبين الإدارة والزبائن . تهدف إدارة الشكوى إلى تحقيق رضا المتعاملين مع الإدارة وحفظ التواصل والعلاقة الطيبة وبالتالي الحصول على أفضل خدمة ممكنة . تتضمن إدارة الشكوى الموضوعات التالية:

1- فريق إدارة الشكوى

2- تقديم الشكوى

3- تلقي الشكوى

4- معالجة الشكوى

5- إدارة الشكوى

6- ابلاغ المشتكي بحل شكواه .

7- التشجيع والحث على العمل الجيد .

8- تجميع الأفكار والحصول على نتائج  جيدة .

كانت الإدارات في الماضي تتلافى وجود شكاوى من العاملين أو الزبائن أو المواطنين وتعتبر الشكوى نقطة ضعف في الإدارة وفي بعض الحالات كانت الشكوى تحل بطريقة سرية أو غير مؤهلة بعيدا عن الاعلام أو معرفة الإدارة العليا.

أما خلال السنوات القليلة الماضية فقد أدركت الإدارة أهمية شكوى العاملين أو الزبائن أو المواطنين وسماع أرائهم وتعليقاتهم المختلفة فيما يتعلق بالمنتجات والخدمات التي تقدمها الإدارة وبالتالي دراسة هذه الآراء والاستفادة والمقترحات وحلها وتطوير المنتجات المقدمة بما يحقق الرضى والمردودية العالية .

وقد أظهرت الدراسات والمسوحات أن نسبة قليلة من العاملين أو الزبائن أو المواطنين يشتكون للإدارات على المنتجات والخدمات التي تقدمها الإدارة . يجب أن نعلم أن تقديم الشكوى فرصة نادرة للإدارة لتصحيح الأخطاء ومعالجتها والاطلاع على الأفكار الجديدة .

تشجيع العاملين والزبائن والعملاء على تقديم الشكوى:

على الإدارة أن تشجع العاملين والزبائن والعملاء على تقديم الشكوى والاستماع إليها ومعالجتها بشفافية وسرية ومصداقية لأنها وسيلة جيدة لمعرفة نظرة الآخرين للإدارة وكيف يقيمون نشاطها وأدائها . إن تعبير العاملين أو الزبائن أو العملاء عن أرائهم واقتراحاتهم خطوة أولى نحو بناء الثقة بين الإدارة والمتعاملين على اخلاف أنواعهم وثقافتهم ودرجاتهم وأصنافهم . ويمكن للإدارة تشجيع الزبائن والعملاء والعاملين لتقديم الشكوى أو المقترحات باتباع الاجراءات التالية:

1- المتابعة الحثيثة للمشكلات التي تصل إلى الإدارة بأي طريق ممكنة .

2- تأسيس مدونة سلوك يوقع عليها جميع العاملين المسؤولين عن تنفيذ الأعمال والتعامل مع الزبائن والمراجعين .

3- إنشاء منبر تواصل الكتروني مباشر بين الإدارة أو العملاء  بحيث يستطيع من يشاء من المواطنين أو الزبائن أو العملاء على التواصل المباشر مع الإدارة  بهدف تطوير العمل والاستماع إلى الآراء المختلفة والاستجابة لها ضمن مدة محددة من الوقت .

4- تحديد يوم كل اسبوع للمقابلات الشخصية مع الإدارية وتدوين محتوى المقابلات مع الإدارة وابلاغ صاحب العلاقة ( المشتكي ) أو المراجع بجواب مناسب لشكواه خلال مدة محددة من الزمن .

5- منح الزبائن عند منافذ البيع أو نقاط التماس مع المواطنين بطاقات تحمل الطابع والتاريخ وعنوان الإدارة المختصة الالكتروني لتدوين ملاحظاتهم عليها حول الخدمات والمنتجات التي تقدمها الإدارة .

6- توفير أرقام هواتف ساخنة مجانية للتواصل مع الإدارة  على مدار 24 باليوم.

7- تقديم خدمة الترحيب على الموقع الإلكتروني للإدارة لتشجيع الزوار على الحديث والتواصل مع الإدارة .

8- تقديم خدمة ما بعد البيع وتعزيزها عبر استبيانات وخدمات وأسئلة ومسابقات وعروض .

9- تقديم مراكز خدمة الزبائن عند نقاط البيع أو نقاط التواصل مع الإدارة .

10- التقرب من العاملين والزبائن والعملاء للتحقق من مدى الرضى.

11- تقديم عروض بإعادة المبالغ المدفوعة في حال عدم رضا الزبون عن الخدمة أو المنتج (خلال مدة زمنية معلنة) .

12- تعزيز خدمة ما بعد البيع وتوفير قطع الغيار والصيانة والمعلومات والحلول والحلول البديلة .

فريق إدارة الشكوى:

يجب أن يكون فريق إدارة الشكوى من  الكفاءات المدربة جيدا في ميادين علمية شتى في القانون والفكر والاقتصاد وعلم النفس والإدارة ويجب أن يمتلكوا الخبرة الكافية لدراسة الشكوى واحالتها للجهات المعنية في الإجابة . تقوم الإدارة بتشكل فريق سري وفريق معلوماتي كفؤ مجهول للأخرين ومعلوم جيدا للإدارة بحيث تظهر الإدارة وكأنها من يعالج الشكوى شخصيا .

تقديم الشكوى:

تقدم الشكوى هو الخطوة الأولى في العلاقة بين الإدارة والزبون أو العامل. يجب التعامل مع الشكوى بجدية وسرية بحيث يتم تسجيلها واحالتها إلى الأقسام المعنية للإجابة خلال مدة زمنية محددة ثم نشر الرد بالطريقة المناسبة . وفي حال تقديم الشكوى على الإدارة أن تعلم أنها صارت على الطريق الصحيح لبناء الثقة بينها وبين العامل أو الزبون أو العميل. وعلى الإدارة أن تعلم المشتكي أنها استلمت الشكوى في الوقت المناسب وأنها سترد على الشكوى خلال مدة زمنية تحددها الإدارة وتعلمه بها . وفي أقصى الحالات يجب أن يتم اعلام المشتكي بتلقي شكواه خلال مدة زمنية لا تتجاوز /5/ أيام .

معالجة الشكوى:

معالجة الشكوى خطوة فورية ومطلوبة لبرمجة الشكوى ومشكلة العامل أو الزبون أو العميل والبدء بتخفيف المشكلة أو الخلاف أو المعاناة . إن شعور العامل أو الزبون أو العميل بأن هناك من يهتم بمشكلته يعطيه الشعور بالرضى التام تجاه الإدارة، وفي حال استجابت الإدارة للشكوى خلال مدة محددة يمنحه الشعور بالسعادة التامة . يمكن أن تتم معالجة الشكوى وجاهيا عن طريق المقابلات التقليدية  أو  منبر تواصل محددة لهذه الغاية  أو من خلال الموقع الإلكتروني للإدارة ويجب اعلام المشتكي بالمدة المتوقعة لمعالجة الشكوى بحيث لا تتعدى معالجة الشكوى مدة /20/ يوما .

أما قواعد معالجة الشكوى المقدمة فيمكن أن نلخصها بما يلي:

1- الاصغاء.

2- التحقق من وجود المشكلة .

3- تقديم حل مقبول .

4- الالتزام بالحل.

5- المتابعة .

6- تنفيذ اجراءات تصعيدية عند الضرورة .

الاصغاء عامل مهم عند معالجة الشكوى لأن عدم الاكتراث بالمشكلة هو أكثر ما يثير غضب العامل أو الزبون أو العميل . يتحقق الاصغاء باتباع القواعد التالية:

1- اصغ إلى ما يقال.

2- لا تقاطع.

3- دوّن الملاحظات .

4- أظهر التعاطف.

5- المحافظة على الهدوء .

6- الاتزان عند مقاربة الحل أو مناقشته .

7- وفي حال كان الاصغاء بالوسائل الإلكترونية يمكن ابلاغ المشتكي بأن شكواه قيد الدراسة من الإدارة .

ويمكن تشجيع تقديم الشكوى الإلكترونية عبر الوسائل المتاحة . الشكوى الالكترونية تتيح للشخص الوقت الكافي والحرية التامة في كتابة شكواه وهي أكثر سرعة في الوصول وأكثر حيادية ويمكن الرد الشخصي والتأكد من حل المشكلة  والقيام بالتغذية الراجعة .

على الإدارة أن تبحث عن حلول سريعة ومنطقية للمشكلات المعروضة وعليها أن تعالجها  قبل الدخول في تسويات. التسويات خلاصة المساومات بين الأطراف وهي ليست حلا للمشكلة القائمة وإنما حل مؤقت لمشكلة محددة بعينها. على الإدارة أن تستقصي أسباب الشكوى وتعالجها من جذورها حتى لا تتكرر وعليها اتخاذ الإجراءات المناسبة لمنع تكرارها .

الإدارة الجيدة هي التي تأخذ كل شكوى بمفردها على محمل الجد وتحيلها للمختصين للمعالجة وايجاد الحلول أو التطوير أو الأخذ بالمقترحات .

يحض علماء السلوك على ضرورة دراسة الإنسان وطريقة تعامله مع الشكوى  بالإضافة إلى دراسة سلوك الإدارة وطريقة مقاربتها  للشكوى المقدمة . إن تقديم الشكوى اعتراف بالإدارة وثقة فيها وأنها قادرة على الاستجابة بعادلة لشكوى المواطن أو الزبون أو العميل . ومعالجة الإدارة للشكوى المقدمة ضمن مدة محددة دليل جدية وشفافية يعمل على تشجيع العامل على العمل الجيد ويحث الزبون أو العميل على التصرف بمسؤولية تجاه الخدمات أو المنتجات التي تقدمها الإدارة . ويجمع علماء السلوك على أن العوامل التي تحفز الإنسان للقيام بعمله هي:

1- التفاعل والتعاطي والارتباط بالآخرين .

2- الإنجازات الكبيرة .

3- الاعتراف.

4- التقدير .

5- الشعور بالانتماء للمؤسسة الني يعمل بها .

أما التعاطي فيتم عن طريق احترام أفكار الآخرين والعمل بها إذا كانت جيدة والاهتمام الصادق بها ومعالجتها بحكمة وعقلانية ويمكن تحقيق التفاعل عن طريق:

1- الدعوة إلى اجتماعات مناقشة صغيرة .

2- الاقتراحات الرسمية لمخططات ومشاريع صغيرة.

3- مجموعات عمل نوعية .

4- دورات تجميع الأفكار.

5- تطبيق سياسة الباب المفتوح في العمل.

6- اسناد مهمات فعالة وعملية متعددة للعاملين .

7- الاصغاء وتبادل الحديث مع العاملين .

8- الاتصالات الصريحة والواضحة .

الانجازات هي ما يسعى إليه كل الناس . على الإدارة أن تشجع ثقافة الانجاز في المؤسسة بحيث يسعى الجميع إلى تحقيق أعلى وأفضل انتاج وربحية .

الاعتراف والتقدير هما الكلمات السحريتان وبهما يتم التعبير عن الشكر للمؤسسة والعامل والمشتكي والزبون . وهذا يعتمد على الوضع القائم والحالة المتوقعة .

الاطراء في أجواء العمل شيء جميل يبحث عنه الجميع، ويمكن اتباع الخطوات التالية لنشر الاعتراف والتقدير في المؤسسة:

1- الاطراء من خلال الاجتماعات العامة .

2- نشر رسالة الاطراء والتقدير على الموقع الالكتروني أو في لوحة الاعلانات.

3- نشر مقالة أو بحث عن الموضوع المثار على الموقع الالكتروني للمؤسسة أو في المجلة الدورية الخاصة بالشركة .

4- تهنئة العامل بحضور زملاء العمل.

5- تسمية الفكرة الناجحة باسم صاحبها .

6- دعوة الموظفين الناجحين وزوجاتهم لحفلة تكريمية .

7- تقديم المكافآت المالية .

إن تعزيز الشعور بالانتماء من أهم الحاجات الأساسية للإنسان والشعور بالانتماء للمؤسسة يساوي في الأهمية الانتماء للوطن. ويمكن تعزيز الشعور بالانتماء باتباع الخطوات التالية:

1- حرية التواصل والتعاطي مع الإدارة.

2- التخلي عن عبارة "هم" واستبدالها بعبارة " نحن " .

3- التقدير العلني لإنجازات العاملين .

4- تأمين النشاطات الرياضية والاجتماعية للعاملين .

وعلى الإدارة أن تدرك جليا أن إنجاز المدير هو انجاز للعاملين، ويجب أن يتم توجيه الاطراء حتى أصغر موظف  ساهم في انجاز العمل المطلوب .

الشكوى والاستجابة للشكوى من مؤشرات مكافحة الخلل والفساد داخل المؤسسة وهي مؤشر على جودة الخدمة التي تقدمها الإدارة للآخرين . هناك نقاط يتم احتسابها وفق الأعراف الدولية عند معالجة الشكوى والاستجابة لها وفقا لما يلي:

شريحة القياس                               النقاط

معالجة الشكوى خلال 15 يوما            20

المعالجة الفردية خلال 10 أيام             15

المعالجة خلال 20 يوما                     10

المعالجة خلال 25 يوما                    5

عدم المعالجة                              صفر

وعلى الإدارة توثيق الشكوى والاستجابة للشكوى بالطرق التقليدية إما بالطرق التقليدية أو الالكترونية . يمكن للإدارة أن تؤسس منبرا للتواصل بينها وبين الآخرين من عاملين أو زبائن أو عملاء يتيح لمن يريد التواصل المباشر مع الإدارة  من دون وسيط حيث يتم تسجيل الدخول الصحيح من بريد الكتروني واسم شخصي و رقم هوية ورقم هاتف ومعطيات تدل على مصداقية ووجود المشتكي الحقيقي وتوثيق الشكوى وعرضها بالتفصيل والوثائق ثم الاستجابة للشكوى وفق المدة المحددة في الجدول أعلاه .

تعتبر الشكوى نوعا مميزا من استطلاع الرأي تقوم به الإدارة وتستفيد منه في تقوم الخطأ ومراجعة القرارات والتوجهات بما يحقق الرضا المتبادل بين الإدارة والعامل والزبون والعميل .

تساعد الشكوى في رفع كفاءة الخدمة المقدمة وتطوير سرعة الخدمة وتعزيز مستوى الشفافية في المؤسسة وتزيد سرعة الاستجابة كما تطور الجوانب التنظيمية واللوجستية داخل المؤسسة

رضا العامل أو الزبون أو العميل هو أقصى ما تريده إدارة المؤسسات في عملها لأن ذلك يؤثر بإيجابية على المنتج أو الخدمة المقدمة . يتحقق رضا العامل أو الزبون أو المتعامل من خلال اشراكه في توجيه المؤسسة نحو ما يحقق الفوائد المتبادلة . ويمكن تطوير رضا العامل داخل المؤسسة من خلال تحسين بيئة العمل والتحفيز وتكافؤ الفرص وتلاؤم العمل مع التأهيل الاداري والتخصص العلمي والتدريب الجيد والتأهيل الأكاديمي والمعرفي المتخصص والتقويم والقياس والتغذية الراجعة . ويمكن قياس مستوى رضا العامل داخل المؤسسة من خلال استطلاعات تنشر  في الوسائل الاعلامية داخل المؤسسة أو على الموقع الإلكتروني  أو من خلال استطلاعات الرأي  والجولات والزيارات الميدانية .

تلجأ الكثير من المؤسسات الدولية التي تنتشر في مناطق واسعة من العالم أو الشركات متعددة الجنسيات إلى تأسيس منبر تواصل بينها وبين الآخرين يستطيعون من خلاله التواصل الفعال والشفاف حول المشكلات التي يواجههاالعاملون أو الزبائن أو العملاء . يقوم منبر التواصل على تطبيق الكتروني ذكي يتيح للمتعامل امكانية تقديم الاقتراح أو الشكوى من خلال نافذة على سطح المكتب . يمثل منبر التواصل صلة وصل ونافذة تفاعلية تسمح بقياس معايير الأداء الإداري ومعايير الرضا عن الخدمات والمنتجات والاجراءات ومقياس لمعرفة مواطن الخلل داخل المؤسسة والكشف عن مواطن الفساد ومعالجتها بدقة وموثوقية . ويعتبر منبر التواصل جسرا بين الإدارة والعامل أو الزبون أو العميل  أو أهل الاختصاص والخبرة .

منبر تواصل:

يتم استعمال خدمة منبر تواصل وفق الاجراءات التالية:

1- الدخول إلى الواجهة الرئيسية لخدمة منبر تواصل وتسجيل الدخول عن طريق إدخال بريد الكتروني صحيح واسم صحيح وكلمة مرور .

2- نختار ايقونة مستخدم جديد للدخول كمستخدم جديد عند الدخول لأول مرة حيث يتم جمع المعلومات الشخصية التالية: الاسم الثلاثي، البريد الالكتروني، تاريخ الميلاد، مكان الولادة، الرقم الوطني للهوية الشخصية، المحافظة، رقم الهاتف، المدينة ويجب ملء هذه الحقول لأنها ليست خيارية . ويتم التحقق من صدقية المعلومات لأنها مرتبطة بالجهات التي تمتلك معلومات شخصية عن المواطن .

3- يتم حفظ المعلومات والتأشير على مربع تذكر إذا كنت تريد حفظ المعلومات دائما وتذكرها عند الدخول في المرات التالية .

4- يتم الضغط على زر متابعة في حال الرغبة في تقديم اقتراح أو شكوى .

5- يتم وضع عنوان للمادة التي تريد أن تقدمها: شكوى بعنوان ...أو اقتراح بعنوان.....  ثم الانتقال إلى مربع الكتابة حيث يتم لصق المادة التي تريد تقديمها إذا كانت مكتوبة على معالج النصوص ورد أو كتابتها مباشرة على الموقع . ثم نضغط ايقونة ارسال . سيظهر لك عبارة تم الارسال وهي قيد المعالجة . عند الدخول مرة ثانية ستجد أن المادة التي قدمتها قد نشرت وبجانبها ايقونة قيد المعالجة .

6- لا يتم قبول المادة المقدمة إلا إذا كانت مرفقة بالرقم الوطني في كل مرة لتقليل الخطأ .

7- يتم اتباع سياسة الخصوصية عند معالجة الشكوى أو الاقتراح بحيث يتم معالجتها الكترونيا ومن دون عرض الأسماء .

8- يتم نشر نتيجة معالجة الشكوى والتحقق منها باتباع سياسة الخصوصية المتبعة في مثل هذا النوع من البرامج .

9- يتم اتباع سياسة الحماية للمعلومات والبيانات الخاصة بالمستخدمين .

10- على المستخدم أن يتبع سياسة المصداقية في التعامل مع منبر تواصل تحت طائلة الحظر من التعامل مع المنبر في المرات القادمة أو اتخاذ الاجراءات المناسبة بحق من يسيء استخدام المنبر أو يستخدم عبارات نابية بحق الآخرين أو رسوم ساخرة أو أي تصرف ينافي الذوق العام والانضباط الأخلاقي تجاه المستخدم والأخرين .

11- لا يجوز للمستخدم أن يسجل في المنبر بأكثر من حساب وفي حال اكتشاف ذلك يعد ذلك انتهاكا لقوانين المنبر ويلغى حساب المشترك .

12- لا يجوز استخدام نفس الحساب من شخص أو أشخاص آخرين . الحساب شخصي ولا يحق لأحد غير المستخدم استعماله . كما لا يجوز انتحال أسماء رمزية لسياسيين أو رجال فكر أو اعلام أو فن . يتم الدخول بالاسم الشخصي الثلاثي فقط .

13- لا يجوز التعرض للشخصيات العامة أو الحكومية تحت أي ظرف من الظروف . ويجب التقيد بحدود الأدب العام في عرض أي قضية تمس هذه الشخصيات من دون اساءة أو تجريح أو قدح أو ذم .

14- لا يجوز الاستهزاء بالآخرين مهما كان لونهم أو جنسيتهم أو انتمائهم.

15- الالتزام بأصول وقواعد وقوانين النشر .

16- يجب استخدام اللغة العربية الفصحى وعدم استخدام اللهجات والأمثال والعبارات غير المفهومة .

17- لا يجوز استخدام المنشورات السياسية أو الدينية أو الطائفية أو العرقية .

18- لا يجوز استخدام منشورات مخالفة للقانون .

19- لا يجوز كتابة تعليقات غير مفهومة أو غير مفيدة أو الترويج لأفكار أو منتجات أو خدمات .

20- يلتزم منبر التواصل بحماية السرية الخاصة بالمستخدمين .

الشكوى مقياس عمل المؤسسة تجاه المتعاملين معها من زبائن وعاملين وعملاء  وكلما كانت المؤسسة ناجحة في الاستجابة للشكوى ومعالجتها تكون قد انتهزت فرصة سانحة لتصحيح الخطأ ومكافحة الفساد وتعزيز صورتها الايجابية .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

.........................

المراجع

PHP Applications

أدبيات وزارة التنمية الإدارية في سورية  2017-2018

Stress Management, Ravette Publishing ,1999

Customer Care , J.Wellemin,Hodder&Stoughton,1998

 

عدنان عويدمدخل: كثيراً ما نتداول مفردة (العقل) في أحاديتنا وكتاباتنا وحواراتنا ونتحاجج به محاولين إقناع بعضنا بأن ما نطرحه هو أمر عقلاني، أو قريب من العقل، أو بعيد عنه.. فرجل الدين يحاجج بالعقل، وكذلك السياسي ورجل الفكر الوضعي والرجل العادي.. الخ. ولكن يظل السؤال المشروع الذي يطرح نفسه علينا هنا وهو: أي عقل هذا الذي نتكئ عليه ونتحاجج به في حواراتنا، ونشهره كمعادل للحقيقة بوجه الآخرين؟. ثم ما هي المرجعية التاريخية والفلسفية لهذا العقل؟. وما هي آلية عمله؟. وأسئلة أخرى كثيرة تتوارد هنا حول هذا العقل الذي نعتز به جميعاً ونفتخر بأننا من حملته والمبشرين به.

سأحاول في هذه الدراسة المتواضعة أن أجيب عن تلك الأسئلة قدر فهمي وقدرتي على التعامل مع هذا الموضوع الشائك، مع إيماني بأن للحوار والرأي الاخر دوراً في إغناء هذا الموضوع الاشكالي.

لا شك أن هناك فرقاً بين العقل من الناحية الفلسفية والتاريخية، في تكوينه ودلالاته وآلية عمله، وبين الدماغ من الناحية العضوية والفيزيولوجية في تكوينه وآلية عمله أيضا.

فالدماغ هو العضو الرئيس في الجهاز العصبي لدى الإنسان والحيوان، ومكانه في أعلى هرم جسد الإنسان، مهمته جمع المعلومات وتحليلها، إضافة إلى سيطرته على معظم أعضاء الجسم وإدارته، وكذلك تخزينه للمعلومات المكتسبة، وإعادة إنتاجها من هذا المخزون.

والدماغ يتألف من عشرات المليارات من الخلايا العصبية وكل عصبة فيه ترتبط أحيانا مع الآلاف من الأعصاب المجاورة لها. هذا ويتألف دماغ الإنسان من عدة أقسام: هي المخ والمخيخ والبصلة السيسائية. (1).

أما العقل النظري أو الفكري، فهو مجموعة من القوى الإدراكية التي تتضمن الوعي، والمعرفة، والتفكير، والحكم، واللغة والذاكرة والتقويم والرغبات والتخيل، هذا إضافة إلى التعبير عن السمات الشخصية للفرد والجماعة، والتي استطاع الدماغ بآلية عمله الفيزيولوجية، وعبر حواس الإنسان تشكيلها بعد إجراء عمليات طويلة من التحليل والتركيب والمطابقة الحسية مع الظواهر التي يتعامل معها. هذا مع تأكيدنا بأن العقل المعرفي نفسه ظاهره تخضع للدراسة وتكوين المعرفة عنها. وغالبًا ما يعرف العقل بملكة الشخص الفكرية والإدراكية.

يستطيع العقل المعرفي عبر آلية عمل الدماغ وبعد كسب أو تحصيل الملومات أو المعرفة، التخيل في عالم افتراضي، والتمييز بين الظواهر المتشكلة لديه ذهنياً من خلال الواقع المحيط به طبيعياً واجتماعياً، إضافة لتقدير هذه الظواهر والحكم عليها. وهو مسؤول أيضاً عن معالجة المشاعر والانفعالات، وهو الدافع والمحرك لممارستها عبر الواقع.

أمام هذا المعطيات المعقدة لمكانة العقل، كان وما زال هناك جدل في الفلسفة، والدين، والعلوم، حول العقل وماهيته وصفاته، ووظيفته وأشكاله ومرجعياته الفلسفية والتاريخية.

فهناك من ربط هذه المرجعية باللاهوت، وهناك من ربطها بالروح أو النفس أو الحدس، أو الواقع المعيوش أو الدماغ... إلخ. وهو جدل يعود في حقيقة أمره إلى ما قبل الميلاد مع كبار الفلاسفة اليونانيين مثل افلاطون، وسقراط، وأرسطو، (2)، ومع كبار الفلاسفة الإسلامين مثل الفارابي، والكندي، وابن سينا، وابن رشد، ثم مع معظم مفكري العصور الوسطى وما تلاها في أوربة مثل اوغست كونت، وكانت، وهيوم، وسبينوزا، وديكارت، ثم فلاسفة عصر التنوير، وهيجل، والهيجلين الشباب، وماركس، ومفكري مدرسة فرانكفورت، وأوغست كونت، وصولاً إلى مفكري وفلاسفة التاريخ المعاصر.

وبناءً على ذلك سنقوم بتحديد بعض الرؤى الأساسية التي وصلت إلى تحديد مرجعيات العقل ومكانته وسماته وخصائصه، وبالتالي دوره في حياة الفرد والمجتمع، مثل:

العقل اللاهوتي:

يعتبر هذا العقل نتاج المرحلة الاولى من التطور البشري، حيث كان الانسان يفكر فيها بطريقة غيبية، لاعتقاده بأن الطبيعة تسير وفق أهواء ورغبات قوى خفية مفارقة للطبيعة بشقيها الطبيعي والإنساني وتتحكم فيها، وهذا يعني أن هناك حتمية غيبية (مفارقة للواقع) تتحكم في سيرورة وصيرورة هذه الطبيعة، مع وجود اعتقاد أيضا لدى البعض في مرحلة لا حقة بأن للصدفة دوراً هاماً في تحديد هذه السيرورة والصيرورة. والعقل في الفكر اللاهوتي الديني وخاصة في الفكر الإسلامي الأصولي منه على سبيل المثال لا الحصر، لا يخرج في الحقيقة عن هذا التصور اللاهوتي في مرجعية العقل. حيث ورد حديث للرسول أورده أبو هريرة يقول فيه عن مرجعية العقل ودوره ومكانته في حياة الإنسان:" لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَقْلَ قَالَ لَهُ : قُمْ، فَقَامَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : اقْعُدْ فَقَعَدَ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : مَا خَلَقْتُ خَلْقًا خَيْرًا مِنْكَ، وَلا أَكْرَمَ مِنْكَ، وَلا أَفْضَلَ مِنْكَ، وَلا أَحْسَنَ مِنْكَ، بِكَ آخُذُ، وَبِكَ أُعْطِي، وَبِكَ أُعِزُّ، وَبِكَ أُعْرَفُ، وَإِيَّاكَ أُعَاتِبُ، بِكَ الثَّوَابُ، وَعَلَيْكَ الْعِقَابُ " .) (3).

إن العقل هنا معطى الهياً فرضته حتمية جبرية من خارج التاريخ البشري، أي منحه الله وجسد فيه القدرة على تحديد مسار الإنسان ومآله. وبالتالي لا يوجد أي دور لحياة الإنسان ونشاطه، في تشكيل هذا العقل، أو تحديد مساره ومآله. (وعلم آدام الأسماء كلها). وهذا ما يسمى فلسفياً بالمثالية الموضوعية.

العقل الميتافيزيقي:

إن العقل وفق هذه المرجعية يمثل قدرة قائمة بذاتها، ومفتوحاً على كل الأفق، وهو منذور لحدوسه وتأملاته الباطنية الفردية، ومنذوراً لفكره الشخصي، ولأصالته ككائن متفرّد، ولا يمنع هذا من استرشاده واستفادته من فكر الآخرين. لكنه في كل الأحوال، غير ملزم بما يقوله هؤلاء وأولئك، أو ما يجري في الواقع من أحداث وتأثيرها على الإنسان ذاته وفكره، بل هو سيد تأملاته، حتى لو لم توصله هذه التأملات لشيء ذي بال. (أنا أفكر إذاً أنا موجود). وهنا تتجسد المثالية الذاتية في هذا العقل الميتافيزيقي، وهي عقلية معرفية تقوم بإنتاج المعرفة من ذاتها كما أشرنا أعلاه.

لقد انتقل الانسان مع العقل الميتافيزيقي (المثالي الذاتي) من التفكير بطريقة غيبية تعتمد الخيال والاستسلام للقدرات الغيبية في العقل اللاهوتي، الى التفكير بطريقة (تأملية) مجردة تعتمد على العقل في صيغته المثالية الذاتية، وفي هذه المرحلة كف العقل البشري في نموذجه هذا عن تفسير الظواهر بقوى غيبية مفارقة لها، وافترض أن هناك قوى خاصةً بكل ظاهرة منفردة، كامنة فيها وملازمة لها. فاذا كان الانسان في مرحلة العقل اللاهوتي يعتقد أن ظاهرة ونمو النبات أو احتراق الخشب ترجع الى إله النماء أو إله النار أو إلى الله في مرحلة لاحقة، فانه في مرحلة العقل الميتافزيقي يفسر ظاهرتي النمو والاحتراق بقوى كامنة فيهما، فالنبات ينمو لان فيه قوة النماء، والخشب يحترق لان فيه قوة الاحتراق ..الخ. ومع ذلك لم يستطع العقل هنا أن يتخلص من أسر الوهم والخيال للخروج إلى عالم الحياة الحقيقة، عالم نشاط الإنسان ودوره في تكوين العقل وتحديد سماته وخصائصه الواقعية.

العقل الوضعي:

في هذه المرحلة التاريخية التي وصل فيها العقل الإنساني إلى أنموذج التفكير الوضعي، يكون قد وصل العقل إلى مرحلة متقدمة من نضوجه، حيث ترك أو تجاوز العقل الوضعي فيها الطرق القديمة في تفسير الظواهر (اللاهوتية والميتافيزيقية) وبدأ يفسرها بطرق قائمة على المعطيات العلمية التي أنجزها الإنسان، وهي معطيات قائمة على الملاحظة والتجربة ومسترشدة بالعيني والمحسوس.

إن العقل في المرحلة العلمية "الوضعية" يطرح على نفسه سؤالاً أساسياً وهو: ماهي العلاقة السائدة بين الظواهر الطبيعية؟ والسبب في هذا الطرح هو الوصول الى معرفة وتحديد القوانين المتحكمة في الطبيعة والمجتمع موضوعياً، بيد أنه لم يستطع الخروج من أسار خضوع الطبيعة الى (حتمية) ما تتحكم في سيرورة وصيرورة هذه القوانين، وبالتالي يظل الهاجس المعرفي في هذا العقل الوضعي قائماً ومشروعاً لديه من خلال التأكيد على أن معرفتنا لشروط هذه الحتمية ستمنحنا قدرة التأثير على الظواهر أو التنبؤ بما قد يطرأ عليها من تغير. فإذا كان العقل مثلا يفسر ظاهرة "الندى" في المرحلة اللاهوتية تفسيرا أسطوريا باعتباره (دموعا لآلهة الصباح)، ويفسرها في المرحلة الميتافزيقية بأنه يتساقط من السماء ليلاً، فإن العقل في المرحلة الوضعية (العلمية) استطاع أن يدرك بأن العلاقة العلمية بين اختلاف درجات الحرارة في الليل والنهار، وبين تولد الندى في النبات، هي من يسبب طاهرة الندى. وهكذا يكون الحال بالنسبة لتفسير ظواهر الطبيعية الأخرى.(4) .

إذن لقد سيطرت أو فرضت روح القوانين العلمية بحتميتها هذه نفسها على مسألة التعامل مع الظواهر الخاضعة للبحث، وبالتالي فقد العقل اللاهوتي والميتافيزيقي دورهما بالبحث وتقويم الظواهر  هنا.

العقل الوضعي المنطقي:

إن أبرز ما يطرحه دعاة هذا التيار الوضعي المنطقي الحديث الذي جاء مع نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، هو التأكيد على أن معرفتنا الفلسفية للعالم المحيط بنا تقوم على (التحليل أو الاستنتاج المنطقي) المجرد، بينما المعرفة الوضعية المنطقية لهذا العالم فتقوم أو تأتي عن طريق (التجربة) وحدها، وأن شأنها شأن بقية العلوم في هذه المعرفة، معتمدين في ذلك على المنطق الرياضي الرمزي المعاصر، وهو أحد حقول الرياضيات المتصل بأساسيات الرياضيات، وعلوم الحاسوب والكهرباء النظرية، والمنطق الفلسفي.

على العموم يظل (العقل الوضعي) بالمعنى الأنطولوجي (الوجودي) جوهرا مفارقا متفردا، وأزليا ومطلقا.

العقل الأداتي:

يقصد في الفلسفة المثالية بالعقل الأداتي، ذلك النمط من التفكير الذي يعرف مشكلة ما ويسعى لحلها مباشرة دون تساؤل عن مضمون هذه الحلول والغايات وما إذا كانت إنسانية أو معادية للإنسان . .

ففي محاولة تفسير هيمنة العقل الأداتي على المجتمعات الغربية الصناعية البرجوازية الحديثة، يرى ممثلو مدرسة فرانكفورت أن أحد أهم أسباب ظهور هذا النمط من التفكير ( العقل الأداتي)، هو آليات التبادل (المجردة) في المجتمع الرأسمالي. وذلك تأثراً بتبَادُل السلع في السوق الحرة، الذي يعني تساوي الأشياء المُتبادَلة، فما يهِم في السلعة ليس قيمتها الاستعمالية المتعينة وإنما ثمنها المجرد وما تحققه من ربح.

إن الأيديولوجيا النابعة من هذا التبادل المجرد، هي أيديولوجيا واحدية، مادية، تمحو الفروق وتُوحِّد معطيات الواقع بكل تناقضاته ومعطياته، مساويةً بين الظواهر المختلفة، بحيث يصبح الواقع كله مادة لا سمات لها، وتأتي نمذجة وتذرير الإنسان في مقدمة هذه الأيديولوجيا الواحدية، حيث يتحول الإنسان إلى ذرة ليس لها لون أو طعم أو رائحة، إلا لون وطعم ورائحة اقتصاد السوق والتبادل الحر المجرد من أي قيمة إنسانية. وهذه (النمذجة) لم تستطع في الحقيقة حتى الأيديولوجيات التي تحمل الفكر الاشتراكي المشبع بالقيم الإنسانية أن تتجاوزها، فهي الأخرى سيطر عليها (العقل الأداتي) متمثلاً في سياسة رأسمالية الدولة، وتكنوقراطيات الطبقة أو القوى الحاكمة..

إن هذا المثال للعقل الأداتي ظلت مرجعيته مبهمة، مع ظهور استقلاليته أو حياديته أمام مرجعيات العقل اللاهوتي أو الميتافيزيقي، إلا انه ساهم كثيراً في فصل الإنسان ليس عن الطبيعة المحيطة به فحسب، وإنما ساهم بشكل فاعل في انفصال المثال عن الواقع، وانفصال الجزء الإنساني عن الكل الطبيعي. وبذلك أصبح الإنسان يعيش بعقله الأداتي هذا في مواجهة هذه الطبيعة بشقيها المادي والاجتماعي، محاولاً استغلالها دون أن يتفاعل معها ويعمل على أنسنتها. أي أن الإنسان الكلي الحي يموت هنا، ليحل محله إنسان اقتصادي إمبريالي ميت، لأنه لا يحوي داخله الجوهر الإنساني المتكامل.

العقل النقدي:

لقد تبين من خلال المعطيات العلمية القائمة على التجريب والملاحظة والاستقراء والاستنتاج، في العلوم البيولوجية والأنثروبولوجية والسيكولوجية وغيرها، البرهنة على أن الإنسان لا يولد ومعه عقل وإنما (يكتسب العقل) بفعل التنشئة الثقافية الاجتماعية، مما يعني أن العقل لا يمثل ملكة فطرية وهبتها العناية اللاهوتية، أو اية قدرة أخرى خارج النطاق الطبيعي، (أي هو خارج التحديدات الجوهرانية السكونية)، بل كان العقل ولم يزل نتاج للحياة الاجتماعية التاريخية، وهو ظاهرة إنسانية حيّة موسومة بالنسبية والتغير، إنّه يقيم في التاريخ ويؤثّر ويتأثّر بتطوّراته وتراجعاته، وينظر إليه باعتباره قدرات ومهارات وتقنيات ومناهج تمكن من الاستدلال والبرهنة، وهي تختلف باختلاف مراحل التاريخ والتنشئة الثقافية المتشكلة فيها، ومع مجالات البحث.

إن العقل في أعلى تجلياته هنا وفقاً لمرجعته السوسيولوجية، وفي صيغته الفلسفية العلمية هو شكل من اشكال الثقافة الروحية للبشرية، وشكل من اشكال الوعي البشري (الاجتماعي)، تكمن وظيفته المتميزة في وضع نظرية قادرة على خلق فهم معلل نظرياً ومنهجياً لأكثر القوانين عمومية في الطبيعة والمجتمع والتفكير المنطقي. هذا وتقوم الأصول الفلسفية للعقل النقدي في الممارسة الاجتماعية الواقعية، وهي تعكس على نحو متميز قضايا وتناقضات الممارسة الاجتماعية، وقضايا عملية معرفة الواقع وتحويله، وتؤثر بالإضافة إلى لذلك على تطور المجتمع والتاريخ وعلى تطور الإنسان ومعرفته. أو بتعبير آخر إن المهمات الأساسية للعقل النقدي فلسفياً، هي النظر في مسيرة العملية التاريخية، وآلية عمل القوانين التي تتحكم في ميول وسنن هذه المسيرة من جهة، ثم العمل على توجيه الميول والسنن الموضوعية في الوجودين الطبيعي والاجتماعي من جهة ثانية.

لا شك أن هناك الكثير من النقد قد وجه لهذا العقل النقدي من قبل مفكري وفلاسفة الطبقة البرجوازية في صيغتها الاحتكارية، على اعتبار أن هذا العقل يتجاوز كثيراً المرجعيات الجوهرانية الروحية والنفسية واللاهوتية والميتافيزيقية، التي تتكئ عليها هذه الطبقة كون هذه المرجعيات العقلية تساهم كثيراً في تغييب العقل البشري وتجهيله وإبعاده عن معرفة مرجعيات تشكله الواقعية القئه في نشاط الإنسان أثناء إنتاجه لخيراته المادية والروحية. وبالتالي لا يمكن لهذه الطبقة الرأسمالية الاحتكارية أن تحافظ على وجودها دون نشر هذا الوعي الفوضوي غير العقلاني أصلاً بين المجتمعات.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور- سورية

.......................

الهوامش:

1- الويكيبيديا – الموسوعة الحرة.

2- إن العقل عند أرسطو هو القدرة على إدراك الصور الكلية والماهيات المجردة إدراكا مباشرا وصورة توحد بينه وبين جميع أفراد النوع. وهذا ما يقول به ابن رشد أيضا. راجع كتاب - مقام العقل عند العرب – تأليف – قدري حافظ طوقان – منشورات وزارة الثقافة السورية – دمشق – 2003 ص.

3- حديث قدسي. رواه أبو هريرة).

4- للاستزادة في معرفة العقل في صيغه (اللاهوتية والميتافيزيقية والوضعية ) راجع النظرية الوضعية عند أوغست كونت).

 

 

الحسين اخدوشيتسم المجتمع المعاصر بكونه حالة مدنية مبنية على الاستهلاك، وتسمه ميزة فقدان الاستمرارية والثبات، حيث التحوّل الدائم المقرون بغياب الإحساس بالسلام والطمأنينة سمة أساسية لشرط الإنسان المعاصر. ففي ظلّ ديمومة المؤقّت وغياب الإحساس بالأمن والطمأنة، يبدو أنّ الإشباع الفوري قد أصبح إستراتيجية مغرية ومعقولة لهذا الوضع البشري الهش، ومن ثمّ يكون أيّ شيء وقع في يد الإنسان إلاّ وتوجّب عليه استثماره واستنفاذه فورا مادام لا أحد يعلم ما سيحدث غدا.

إنّه قلق الحضارة كما وصفه الطبيب النفسي سيكموند فرويد، حيث رغم تعاظم التجمعات البشرية المعاصرة وكبر حجمها، وبالرغم من كلّ ما تعجّ به الأمكنة من صخب وتجمهر البشر في المحطات المختلفة والساحات العامّة والملاعب والشواطئ، فرغم كلّ هذه الرفاهية ظلّ القلق متعاظما وازداد الخوف وتمدّد ونمى متخذا أبعادا ثقافية وصحية خطيرة.

كذلك، أصبحت لقاءات المصادفة التي تعجّ بها الأماكن العامّة منها لا تحول دون تحقيق التساكن الاجتماعي، كما أفرغ النزوع الفردي اجتماعيات الإنسان المعاصر من أيّة حميمية أو تواصل حقيقي، بل وجعلها سطحية وقصيرة حتى أصبح الجميع يجهل كيفية الحديث إلى الآخر. المستهلكون غالبا ما يلتقون في فضاءات استهلاكية مختلفة: في قاعات الحفلات والمعارض والمنتجعات السياحية ومواقع الأنشطة الرياضية والمجمّعات التجارية والمطاعم، لكنّهم لا يحقّقون أدنى تفاعل اجتماعي تواصلي فعّال في واقع الأمر.

لقد عملت طفرة الصناعة والابتكار التنكنولوجي على تذويب الزمان والمكان والقيم والأشياء والعلاقات والعواطف (وتسليع كلّ شيء تقريبا)، وذلك في صيغ نسبية لا نهائية من السيول الفاقدة للضوابط الأخلاقية وللمعاني الأصيلة للوجود البشرية. في هذا السياق، استخدم الفيلسوف والسوسيولوجي المعاصر "زيكمونت باومان" مفهوم السيولة لنقد هذه الحالة الثقافية المعاصرة بكيفية لا تحصر دلالة هذا المفهوم في مجرّد الحركة والتنقل نتيجة تطور وسائل الاتصال والانتقال، وإنّما لإفادة معنى مُيُوعَة المشاعر وتفاهة العلاقات والمعاني المقترنة بعدم التحديد الذي أصبح يسم نمط عيشنا الراهن، فجعل حاضرنا يعرف فيضا من التحولات المختلفة والتي قاسمها المشترك هو استهلاك كل شيء.

اعتبر "باومان" "الخوف السائل" (La peur liquide)  حالة تهديد مطلق بالمعاناة جرّاء القلق المتأتي لا من أجسادنا التي كتب عليها الموت والفناء فقط، بل والتي لا يمكنها أن تعمل من دون الألم والقلق باستمرار، وكذلك نتيجة تهديدات العالم الخارجي المستمرة والذي يمكن أن يصب جمّ غضبه علينا بقوى تدميرية ساحقة في أيّ وقت وحين، وأيضا من علاقاتنا المتوترة بالناس الآخرين باستمرار. إنّ المعاناة التي تأتينا من هذه العلاقات هي الأكثر إيلاما من غيرها، ومع أنّنا عادة ما نعتبرها زيادة مجانية لا مبرّر لها، إلاّ أنّها ليست أقلّ حتمية وقدرية من المعاناة التي تأتينا من مصدر آخر.

 جعل الخوف بهذا الحجم المتعاظم الشر يتسيّد تاريخ الإنسان المعاصر ليهدّده بأوخم العواقب. يبدو هذا الشرّ الذي تسبب فيه إنسان هذا الزمن غير متوقع ولا مسبوق، نوعا وحجما، مقارنة بشرور الطبيعة المعروفة. فتآكل الفطرة الأخلاقية، وخفوت تأنيب الضمير وانعدام الرحمة وتزايد الكراهية والرغبة الجامحة في إيذاء الآخرين، كلّ ذلك جعل الوضع البشري المعاصر هشّا للغاية، كما تقول الفيلسوفة "حنة آرندت". ولعلّ ما يزيد الطين بِلّة أنّ الحضارة المعاصرة قد مكّنت الإنسان الحالي من تطوير تقنيات التدمير الشامل وممارسة العنف الذي من شأن استخدامه الفتك بالإنسانية من جديد.

يسائل هذا الوضع مدى إمكانية مقاومة الشرّ المتأصّل في طبيعتنا؛ الواقع أن من الأسباب الذاتية المبرّرة لهذا الشرّ غريزة الخوف التي تعترينا ككائنات محدودة ومسكونة بهواجس الضعف. ونتيجة لهذه الهواجس، أصبح الإنسان المعاصر يعتقد جازما أنّ الشر أصبح معطى تاريخيا لا يقهر، بل ينمو عبر تلك الفراغات التي يتركها جهلنا بحقيقة وضعنا البشري المحدود والمكبّل بحتميات مختلفة. وإزّاء هذه الوضعية المقلقة، أصبح جهلنا بهشاشة وضعنا الحالي (أي عرضتنا الدائمة لنكون في خدمة  الشر انطلاقا من قلقنا المستمر) عنصرا خطيرا يخصّب أبخرة الخوف التي تشكّل المنبع الخطير للشرور الوخيمة. 

تحفّز هذه الوضعية المحيّرة للعصر الراهن القلق المستمر الذي  يغذّي الهلع والرهاب الجماعي للبشرية المعاصرة، وهذا ما لا يستطيع الإنسان إدارته ولا التحكّم فيه. الواقع أنّ تقنيات استدامة أسباب الخوف قد تطوّرت ودخلت في عجلة الاقتصاد، حيث تخصيب عوامل القلق أصبح أداة فعالة لتنشيط تجارة السلاح والردع والتخويف الاستراتيجي للجميع ضد الجميع. وهكذا، أصبحت المفارقة الكبرى المسجّلة بهذا الخصوص، أنّ الذي جعل هذه الكارثة مدمّرة وعسيرة على التحكّم، هو أنّ حصولها بمثابة نتيجة مباشرة للجهود الرامية إلى جعل الكوكب أكثر راحة للبشرية.

لقد غدا الظلم المتزايد في عالمنا المغاصر، نظرا لهذه المفارقة، تجسيدا فعليا لاختلال ميزان القوى؛ وهو بذلك ليس فقط أثرا جانبيا قابلا للإصلاح في منظومة سليمة في جوهرها، بل جزء متمّم لتصوّر السعادة البشرية وللحياة المريحة. إنّه جزء متمّم للإستراتيجية التي يستلزمها هذا التصوّر ولا يمكن الاهتمام بالتصوّر والإستراتيجية وقبولهما إلاّ باعتبارهما امتيازات لا يمكن بسطها بكل وضوح، وتعميمها على البشرية بأسرها. والمشكلة الكبرى الوشيكة التي ما فتئ يعجّل بها المنطق الداخلي للحداثة المعاصرة (حروب كونية فضيعة) يصعب تجنّب وقوعها ما دامت الحياة المعاصرة نفسها تدين بقدرتها الرهيبة والانتحارية للسمات التي تستمدها منها عظمتها وروعتها.

أخرجت التصورات الحديثة للأمن الوحش من قمقمه، حيث مكّنت الإنسان من الانفصال عن جذوره الروحية وصلته الأخلاقية بالطبيعة. ولذلك، فكلّما زاد عَزْوُ المسؤولية عن الشرّ للبشر بدا أنّهم ليسوا أهلا لتحملّها، لذلك بقي هذا الإنسان المعاصر من دون اتجاه حيث فقد بوصلته، كما لم يعد بإمكانه العودة إلى الوصاية الفكرية كخيار استراتيجي لنمطه عيشه. ويبقى الأخطر من كلّ هذا، أنّ آمال النضج قد غدت لاغية اليوم بفعل عمليات التحديث التقني التي انخرطت فيها أساليبنا المعاصرة في الحياة.

الظاهر أنّ الخوف والشر قد أصبحا وجهان لعملة واحدة، حيث يستدعي التفكير في الواحد منهما التفكير في الآخر، علاوة على ذلك أصبحا غير قابلين للتجاوز والتخطّي. يفضي هذا الموقف إلى مناقشة فكرة مخاطر العولمة، وأهوالها، عبر مساءلة الجوانب الشائكة للمخاطر الكبرى التي تتناسل وتجعل الخوف سائلا في ظلَ عالم تسوده العولمة، وتغدو فيه مصائب قوم عند قوم فوائد.

الخوف والقلق بهذا المعنى جعلا الحياة لا تطاق بالنسبة للنفوس المتعبة والوجلة؛ وللأسف الشديد لم تعمل العولمة التكنولوجية إلاّ على تسريع صناعة الخوف بالترويج أكثر للحروب المختلفة، مستثمرة في حالة الإحساس بالهلع والفزع المعمّم وذلك لتحقيق المزيد من الأرباح وراء ذلك. والبيّن أنّ هذه المسألة وليدة الطفرة النوعية التي سجّلها سيطرة اقتصاد السوق البارع في إنتاج وإبداع المزيد من المستهلكين (الوجلين المفزوعين) عبر استخدام آلة التسويق الضخمة والدعاية الكبيرة التي يستثير بها إحساسات وغرائز البشر.

 

الحسين أخدوش

 

محمود محمد عليشهدت العصور الحديثة تيارات إسلامية متعددة تغذيها وتطورها أجهزة خفية مكنتها من السيطرة على مناطق عدة في الوطن العربي، وأثبتت الأحداث أن هذه التيارات تلعب دوراً تخريبياً خطيراً في المنطقة العربية، لأنها تتسلل إلى الجسد العربي من قدسية أفكاره، فتربط المقدس بأفكارها وتجعلها تعم بين الناس وتنتشر لضعف الوعي تارة، ورغبة الناس من الخروج من حالة التخلف والضياع بالعودة إلى التاريخ الغابر تارة أخري.

من أهم وأخطر هذه الحركات حركة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا، الذي ظل الرأي العام التابع في مصر منذ العقد الرابع من القرن العشرين ينظر لدعوتها على أنها إحدى روافد الفكر المصري الإسلامي الحديث الذي كان يمثله آنذاك الشيخ عبد العزيز جاويش، ومحمد رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وعلى الرغم من إدراكنا للسمات التي تميز الخطابات الثلاثة عن بعضها، إلا أن تجديد الخطاب الديني- والدفاع عن الثوابت العقدية وإحياء  فكرة الجامعة الإسلامية وإصلاح المجتمع وتنقية الأخلاق من العادات المرزولة وتوجيه ولاءات الشباب إلى الجمع بين حب الوطن والفناء في طاعة الله والزود عن شرعته، والتأليف بين الأصالة والمعاصرة في أمور السياسة – كان السياج الذي يجمعها في تيار واحد، وقد انضوى الفكر الإخواني تحت غايات كثيرة تبعاً لأهواء قياداته، فتارة يبدو أقرب إلى الاتجاه المحافظ المستنير مدافعاً عن الحكومة المدنية ذات المرجعية الإسلامية -في الفترة الممتدة من أوائل الخمسينيات إلى أواخر الثمانينات من القرن الماضي-، وتارة أخرى ينحاز إلى من أطلقوا على أنفسهم الجهاديين وأصحاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتارة ثالثة يدنو من الصوفية، وتارة رابعة ينخرط في العمل الاجتماعي وجمعياته التي أطلقت على نفسها السلفية وأنصار السنة المحمدية والجمعية الشرعية (وذلك حسب ما أكد عليه الدكتور عصمت نصار في مقالته ماذا ربحت مصرمن حكم الإخوان؟).

أما الرأي العام القائد فكان مدركا هشاشة الخطاب الإخواني وافتقاره إلى عمد الفكر الإسلامي (العلوم الشرعية، الفقه، التوحيد) وكان يعرف المتخصصون مدى تأثر جماعة الإخوان بالماسونية في هيكلها التنظيمي من جهة، والجمعيات السرية في تنشئة أعضائها وتربيتهم والتواصل معهم وتوجيه ولاءاتهم من جهة أخرى، ذلك فضلاً عن تبنيهم العديد من المبادئ والمذاهب الفلسفية دون علم لهم بخلفياتها وحقائقها فأخذوا من مكيافيللي شعار (الغاية تبرر الوسيلة)، وأخذوا من أبو حامد الغزالي، وابن رشد، وكانط، وويليام جيمس اعتقادهم بأن انتحال الخطاب الديني من أفضل السبل لإقناع العوام بصحة القيم المراد غرسها في المجتمع، وذلك لأن السذج والبسطاء لا يفقهون لغة المنطق ولا النظريات العلمية، وأخذوا من الفرق الشيعية وإخوان الصفا فكرة "المرشد" الواجب طاعته ومبدأ التقية (أظهر غير ما أبطن) والكذب على الأغيار مباح ( التعريض) الأمر الذي كان وراء عزوف جل الأزهريين وأصحاب الرأي من المجددين الإسلاميين عن تلك الجماعة بعد انتمائهم لها .

ولعل السبب يرجع أن فكر جماعة الإخوان المسلمين أخذ يقوم على خلق كينونات وكهوف مستترة بديلة للوطن من خلال تنظيمات سرية تعمل وتخطط في سراديب الأقبية المظلمة. هدف جماعة الإخوان هو نشر التأسلم السياسي والغلو في مفهوم “الأمة” على حساب " الوطن"، كما أن فكر الإخوان المسلمين يقوم على محورين: الاغتيالات السياسية وإنكار الأوطان، وهدف جماعة الإخوان المسلمين هو السيطرة على كراسي الحكم تحت وهم إرجاع الخلافة التي أبطلها كمال أتاتورك عام 1924.

والسؤال الآن : لماذا يُقدم الإخوان المسلمون علي هذه الخطوة ؟ هل مسألة وطن والتراب لديهم لا تشكل أي اهتمام بأي حال من الأحوال كما يقال وكما يتردد علي ألسنة أصدقائهم ومفكريهم ؟

لو تطرقنا إليها بشكل مستفيض فنجد أن هناك نوعين من مفهوم الدولة، هناك الدولة الوطنية، وهناك الدولة الأمة، والدولة الأمة بالإنجليزية Nation State، والدولة الوطنية بالإنجليزية National State، وهناك فرق بين المصطلحين، بالطبع جماعة الإخوان المسلمين ينتمون إلي فكرة الدولة الأمة، والدولة الأمة هي عبارة عن مفهوم تجنيس العقيدة وجعلها الهوية والجنسية والنواة الصلبة للتعريف بالمواطن وهذا الفكر لعله كان في بذوره مع تيودور هيرتزل مؤسس المنظمة العالمية الصهيونية في عام 1897 من خلال مؤتمر بازل بسويسرا .

لو نظرنا لهذه الفكرة نجد أن مرشد الجماعة ومؤسسها حسن البنا كان من رأيه كما ورد في مجلة النذير، حيث رأي أن القومية يجب أن تكون علي بنيان الدين وبنيان العقيدة، ومن هنا مسألة أن الدولة الوطنية أو الهوية الوطنية هي مسألة أراد أن يرد بها علي حزب الاتحاد والترقي بدعم من المخابرات البريطانية لما حدث من إسقاط الخلافة في عام 1923 من خلال مصطفي كمال أتاتورك، وأتاتورك تعتي أبو الأتراك، حيث نجد أن مصطفي كمال أتاتورك قد بتفعيل ما نادي به الاتحاد والترقي بفكرة القومية التركية أو الوطنية التركية، (وذلك حسب ما ذكرة معتز محسن في كتاباته)

ومن هنا أرادت المخابرات البريطانية لتفتيت فورة وحماس ثورة 1919، والتي ساهمت في تكوين الهوية المصرية الحديثة، حيث نجد أنها أرادت التفتيت لأبناء الوطن بعد أن تم التوحيد بين الهلال والصليب وفشلوا في ذلك فأرادوا إحياء فكرة مفهوم الخلافة، ولكن بشكل مختلف عما كانت في الماضي فكانت من خلال تأسيس جماعة الإخوان في الإسماعيلية وتحديدا يوم 22 مارس لعام 1928 .

ولذلك كان الهدف من إنشاء الإخوان المسلمين هو كيف نحرف أنظار الشعب العربي عن مأساته الحقيقة، وكيف نجعل عقله مسدود وموجه باتجاه خاطئ، وكيف نجعله أداة يمارس فيها دور حمار طروادة لتمرير أي مخطط استعماري لسرقة ثرواته وجعله مجرد مستهلك لسلع يريدها او لا يريدها. وحرف انظاره عن سرقة ثروات وطنه من قبل الدول الاستعمارية الكبرى (وذلك حسب ما ذهب إليه الأستاذ عمر سلام في مقالته الرائعة عن مفهوم الوطن في فكر حماس) .

وجماعة الإخوان المسلمين لا تمتلك مفهوم الوطن لأن أدبياتها تنفي هذه الفكرة من أساسها، وبالتالي لا يهمها بناء الإنسان الذي يناضل من أجل وطنه، بقدر ما يهمها تنفيذ مشروع تجهيل الإنسان لخدمة أهداف معادية، وهذا ما أثبتته التجربة عند قامت جماعة الإخوان المسلمين بإرسال مقاتلين إلى سوريا وليبيا ومصر وربما إلى دول أخرى، في حين أن شعبنا في غزة والمشروع الوطني التحرري الفلسطيني بحاجة إلى كل قطرة دم.

إن فكر "الإخوان المسلمين " قائم في أساسه على إنكار الأوطان، وترسيخ روح المعاداة لها، ومن وسائلهم لهدم الأوطان، إيجاد كينونات بديلة للوطن، بإنشاء التنظيمات السرية، وإقامة البيعات الحزبية، وكسر روح الولاء والانتماء للوطن الحقيقي، وصرف الولاء من الوطن إلى التنظيم، وجعل التنظيم هو الوطن البديل، فاختلقوا وطناً غير الوطن، كما اختلقوا أيضاً أُسَراً غير الأسر، فاخترعوا نظام الأسر، والذي يتم فيه توزيع الأتباع على مجموعات صغيرة، يقود كل مجموعة شخص يسمى بالنقيب، وهو ما يعرف أيضاً بنظام الخلايا السرية، وسموا كل تشكيلة من هذه التشكيلات أسرة، ليكون للشخص أسرة غير أسرته، ووطن غير وطنه.

وكان الإمام حسن البنا طرح طريقة انتقال الجماعة من واقع "الاستضعاف" إلى قوة "التمكين" عبر ست مراحل تبدأ بالفرد، ثم الأسرة، ثم المُجتمع، ثم الدولة، ثم الخلافة الإسلاميَّة، وأخيراً "أستاذية" العالم.

ومن الواضح أنَّ "الوطن" لا يُمثل بالنسبة لحسن البنا السقف النهائي الذي يجب أن تتوجه كافة جهوده لخدمة مصالحه بل هناك تقاطعات ومصالح أهم من الوطن يسعى البنا وجماعته لخدمتها من أجل الوصول لهدفها النهائي المتمثل في الخلافة الإسلاميَّة ومن ثم أستاذية العالم ؛  بمعني أن البنا وجماعته قد تعلقت أبصارهم بفكرة " الخلافة" و" أستاذية العالم " فأضحوا مؤمنين بأن الإسلام بذاته وطن، وأنه لا نجاة للمسلمين بغير خليفة لهم جميعاً. ذلك أن الإسلام كعقيدة هو فى نظرهم " محتوى سياسي" والمجتمع الإسلامى هو بذاته الكومنولث أى ( مجموعة الشعوب المسلمة)، والأمة الإسلامية تكوين سياسى متكامل .

وهنا نجد أن حسن البنا وجماعته يعتنقون "رؤية كونية" ونظرة عالمية للتغيير، ولا تحظى "الدولة الوطنية" الحديثة باعتراف غير مشروط من قبلهم ما لم تكن وسيلة لخدمة هدف أعلى، وهو إعادة إحياء مفهوم "الأمة الإسلامية"، وبالتالي "الوطنيَّة" عندهم ليست سوى "نعرة جاهلية"، وأنَّ الولاء الوطني يُخالف الولاء الديني، وهذا ليس صحيحاً لأنَّ الوطنيَّة حبٌ وانتماء وولاء حقيقي لا يجب أن يوضع في موضع التعارض والتناقض مع العقيدة الدينية.

إن الوطن عند البنا وجماعته، لهما مفهومه الخاص، فهو لديهم ليس مرتبطا بحدود وجغرافيا وإنما مرتبطة بالعقيدة . لذا هم لا يعترفون بالحدود ويعتبرونها مؤقتة وشكلية وكل وطن في نظرهم مجرد إمارة إسلامية ضمن دولة الخلافة الإسلامية المزمع إقامتها، إنها ستؤدي حتما إلي عزلة وانكفاء كل وطن علي نفسه، وسيكون ولاء كل مواطن للوطن فقط فينكفئ علي ذاته ولا يهتم بشأن باقي إخوانه المسلمين في الأقطار الأخري، كما أن المواطنة التي تعني تساوي الحقوق والواجبات لمجرد الانتماء للوطن بغض النظر عن الدين يجعل من الممكن أن يولي أمر المسلمين لغير مسلم، أما الوطنية التي هي ولا شك أعمق من المواطنة، فالإنسان يكتسب صفة المواطن بمجرد انتمائه لوطن، بينما الوطنية التي هي حب الوطن والاستعداد للبذل من أجله يخشون أن تؤدي إلي أن يكون الولاء للوطن وليس للدين، فيٌقدس الوطن و يصير الحب فيه والبغض لأجله.

والدليل علي ذلك أن من يقرأ أدبيات الإخوان المسلمين يستنتج أن عقيدتهم لا تتقبل مفهوم الوطنية وبالتالي لن تتقبل مفهوم المشاركة مع أحد في الوطن؛  فمن كتاب الرسائل لحسن البنا - رسالته عن " حدود وطنيتنا " قوله :"  أما وجه الخلاف بيننا وبينهم فهو أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية، فكل بقعة فيها سلم يقول ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) وطن عندنا له حرمته وقداسته وحبه والإخلاص له والجهاد في سبيل خيره، وكل المسلمين في هذه الأقطار الجغرافية أهلنا وإخواننا نهتم لهم ونشعر بشعورهم ونحس بإحساسهم".

ويستطرد حسن البنا فيقول:" ودعاة الوطنية فقط ليسوا كذلك فلا يعنيهم إلا أمر تلك البقعة المحدودة الضيقة من رقعة الأرض، ويظهر ذلك الفارق العملي فيما إذا أرادت أمة من الأمم أن تقوى نفسها على حساب غيرها فنحن لا نرضى ذلك على حساب أي قطر إسلامي، وإنما نطلب القوة لنا جميعاً، ودعاة الوطنية المجردة لا يرون في ذلك بأساً، ومن هنا تتفكك الروابط وتضعف القوى ويضرب العدو بعضهم ببعض ."

إذن يفهم من النص أن الوطن في فكر حسن البنا هو مجرد حدود جغرافية واهية صنعها البشر والسلطة الزمنية الحالية، أما "الأمة" فهي أمة الإسلام المنتشرة بطول وعرض الكرة الأرضية. و«جماعة الإسلام» هى الفرقة الناجية، وتلك الفرقة هى جماعة الإخوان، لذلك لا معنى للحرص على أى قوى بشرية أخرى غير الجماعة.

وحتي لا نظلم حسن البنا أو نجور عليه فيما قاله، فنود أن نتساءل : ما الذي جعله يقول بمثل هذا الكلام ؟

اعتقد أن حسن البنا ربما كان يري أنه منذ بداية الدين الاسلامي وانتشاره لم تحدد حدود جغرافية معينة ولم يوضع مفهوم معين للدولة، وبالتالي لم يكن للوطن مفهوم سوى ما ورد في معجم لسان العرب أنه: " الوَطَنُ المَنْزِلُ تقيم به وهو مَوْطِنُ الإنسان ومحله.... وأَوْطَنَهُ اتخذه وَطَناً يقال أَوْطَنَ فلانٌ أَرض كذا وكذا أَي اتخذها محلاً ومُسْكَناً يقيم فيها " لسان العرب؛ ونفس الشئ ورد عن الوطن في معجم مختار الصحاح : الوَطَنُ مَحَل الإنسان وأَوْطَانُ الغنم مرابضها وأَوْطَنَ الأرض ووَطَّنَها واسْتَوْطَنَها واتَّطَنَها أي اتخذها وطنا " مختار الصحاح.

وهنا نقول صحيح أنه في المعاجم العربية لم يأخذ الوطن المفهوم المتقدم للدولة. وبالتالي بقيت مفاهيم من يريد العودة الى الوراء قاصرة ضمن هذا المفهوم، ومن ضمنهم حسن البنا ولكن البنا أضاف لهذا المكان بعداً إسلامياً. فالوطن لا يحدد (بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية) وبالتالي أي حاكم من الإخوان المسلمين سيأتي لأي بلد لن يعترف بحدودها. وبالتالي سيكون رئيساً لبلد بلا حدود، وهذا يتنافى مع أبسط مفاهيم الدولة الحديثة. وأقل ما توصف به الدولة بأنها ذات سيادة. إذن أين السيادة لوطن بلا حدود؛ (مع أن هذه الحدود رسمتها دول استعمرت هذه المنطقة، ولكن هذا لا ينفي على أي رئيس أن يقر بحدود دولته وسيادتها ضمن هذه الحدود).

وإذا كان البنا وأتباعه يعتبرون حدود الوطنية بالعقيدة “، إذن ما الداعي لإيجاد تنظيم سياسي يناحر لاستلام السلطة. إذ يمكن لأي امرؤ أن يمارس عقيدته ويمارس وطنيته بالعقيدة دون السعي إلى السلطة في بلد معين؛ بل يمكن ممارسة العقيدة حتى في بلد غير إسلامي، وهناك من كان يمارس العقيدة حتى في الدول الشيوعية السابقة. والآن يمارسها أصحاب العقيدة في أوربا وأمريكا وأي مكان في العالم.

إن أزمة الإخوان المسلمين هى في جوهرها أزمة بنيوية تتولد عن التصورات والمفاهيم والعقائد (الأيديولوجيا) وما تنتجهُ من تنظيم وممارسات لن تكون نتيجتها النهائية سوى الفشل بغض النظر عن نوع النظام الذي تعمل فيه- ديموقراطية أو شمولية.

لذلك لا يمكن بناء الدولة المدنية في ظل الدولة الدينية، لأن العقيدة، أية عقيدة كانت، لا تؤمن بحق جميع المواطنين على قدم المساواة، طالما أن القانون الديني يميز بين العقائد، وهنا بالتحديد مكمن مشكلات التمييز ضد الأقباط في مصر سواء في تقلدهم للوظائف العليا والسيادية أو في بناء دور العبادة وترميمها أو عدم المساواة أمام القانون، وفي العرف العام. في حين أن الدولة المدنية تسمح لجميع المواطنين بممارسة عقائدهم بحرية ودون تمييز وبالشروط نفسها، علي أساس حق الجميع في المواطنة بالتساوي. وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

عبد الرضا حمد جاسماشرتُ في الجزء السابق، سأبدأ بالنقطة التالية:

 ثالثاً: تحت عنوان: "الانتحار.. عراقياً... شواهد ".. كتب أ. د قاسم حسين صالح التالي:

1- [شهد المجتمع العراقي ارتفاعاً بنسب الانتحار، خصوصاً بين الشباب والمراهقين (الحياة، كانون الثاني 2016)] انتهى

2- [حصلت وزارة حقوق الإنسان على معلومات مؤكدة بزيادة حالات الانتحار بمحافظة كربلاء غالبيتها من الشباب والفتيات، وسجّل أحد الباحثين في دراسة لمدة 11 شهراً أكثر من 120 حالة انتحار أو محاولة انتحار، (الناطق باسم وزارة حقوق الانسان)].

*تعليق: اليكم نص ما نشرته الصحيفة الحياة بتاريخ 19يناير2016تحت عنوان:"الانتحار في العراق ظاهرة تصعب دراستها" و الذي يتضمن نص ما ورد في (1)و(2) أعلاه""سأضع ذلك بين اقواس: [(يشهد المجتمع العراقي ارتفاعاً في نسب الانتحار، خصوصاً بين الشباب والمراهقين)(1). ويلاقي المتخصصون صعوبة في دراسة هذه الظاهرة ومعرفة أسبابها، إذ تمتنع عائلات المنتحرين عن الحديث حول الموضوع أو إعطاء أي معلومات تتعلّق بحالات الأشخاص الذين أقدموا على الانتحار أو حاولوا تنفيذه وأشار الناطق باسم وزارة حقوق الإنسان العراقية، كامل أمين (أن وزارة حقوق الإنسان حصلت قبل أعوام، على معلومات مؤكدة بزيادة حالات الانتحار لدى الشباب في محافظة كربلاء، وأن أحد الباحثين أجرى دراسة عن الظاهرة لمدة 11 شهراً سجل خلالها أكثر من 120 حالة انتحار أو محاولة انتحار، غالبيتها بين الفتيات الشابات والمراهقات)(2)، وأكّد أن الوزارة أرسلت فريق بحث، لكنها لم تتمكن من الحصول على أي معلومة من الأهالي، ولا من الناجين من الانتحار، ولا حتى المستشفيات التي رفضت تزويدهم بالمعلومات.] انتهى.

 أول ملاحظة هي أن أ. د قاسم حسين صالح قد أفرد لكلٍ من(1) و(2) أعلاه مصدر ف(1) الحقه ب "الحياة وحول يناير الى كانون ثاني2016"ولم يذكر تاريخ يوم النشر"19". و(2) نسبه ل "الناطق باسم وزارة حقوق الانسان في حين ان النص الكامل مصدره "الحياة 19فبرلير 2016". على أي حال أعلاه نص الخبر الذي نشرته "الحياة".

أقول في ردي: هل يُعقل ان وزارة حقوق الانسان لم تتمكن من الحصول على أي معلومة من الأهالي ومن الناجين ولا من المستشفيات ولا من الشرطة وتمتنع الدوائر الأخرى من تزويدها بها ويحصل عليها "باحث"؟ مع ذلك يمكن ان يُطرح هنا سؤال للدكتور قاسم هو: هذا الارتفاع الذي ورد في التصريح والذي اعتمدته كان بالقياس الى ماذا؟ حيث اول ما يمكن ان يسأله المتلقي: "شكَد هاي الزيادة" و"شكَد جانت حته زادت"أو" هاي الزيادة شلون حسبتوهه"...او ماهي سنة الأساس التي قُرِنَتْ الزيادة بها؟ فالتاريخ المذكور يخص صدور صحيفة الحياة"19 يناير2016؟ ويُطرح سؤال آخر هو: كم عدد المنتحرين وكم نسبة الزيادة؟ يمكن أن نسأل هنا: من اين حصلت الوزارة على هذه المعلومات المؤكدة إذا كانت العوائل والشرطة والمستشفيات لا تعطي معلومات؟ أنا السائل اُجيب على هذا السؤال والجواب هو: أن وزارة حقوق الانسان حصلت قبل أعوام على معلومات تقول إن باحث أجرى دراسة .......الخ. هذا يفرض سؤال آخر وهو: ألا يجب ان يقوم من يعتمد هذه المعلومات و أقصد هنا أ.د قاسم حسين صالح بالعمل على الاطلاع على تلك الدراسة وهي، إن كانت، أكيد ستكون عند الباحث المجهول وأكيد عند الوزارة التي تأكدت من دقتها. لم يفعلها "الصحفي" هو ربما معذور، لكن أ.د قاسم حسين صالح غير معذور وهذا خلل كما اعتقد ويعذرني هنا، كان عليه ان يبحث عنها وهي ليست بعيدة ليتأكد ويدقق الارقام بنفسه قبل أن يعتمدها، وضمن اختصاصه وهو مهتم بهذا الموضوع. اليس من الواجب معرفة وعرض الأرقام بدقة؟ اعتقد نعم واجب حتى يعرف الكاتب والقارئ كم عدد من انتحر وكم عدد محاولات الانتحار؟

3- [كشفت قيادة شرطة محافظة ذي قار أن حصيلة حالات الانتحار المسجلة لدى الشرطة منذ مطلع العام 2013 ولنهاية أيار بلغت (17) حالة لأشخاص لا تزيد أعمارهم عن(25) سنة (السومرية نيوز، ايار 2013)] انتهى

* تعليق: اليكم ما ورد عن السومرية نيوز بتاريخ 31/05/2013:[كشفت قيادة شرطة محافظة ذي قار، الخميس، أن حصيلة حالات الانتحار المسجلة لدى الشرطة منذ مطلع العام الجاري وحتى نهاية شهر أيار بلغت (17) حالة لأشخاص لا تزيد أعمارهم عن (25) عاماً،..."وقالت قيادة الشرطة في بيان صدر، اليوم، وتلقت "السومرية نيوز"نسخة منه، إنها سجلت منذ مطلع العام الجاري ولغاية الأول من شهر أيار الجاري (17) حالة انتحار لأشخاص لا تزيد أعمارهم عن (25)سنة ،مبينة أن "العام الماضي 2012 شهد تسجيل (24) حالة انتحار، فيما سجلت (15) حالة في العام 2011". وأشارت قيادة شرطة محافظة ذي قار إلى أنها "لا تتمكن من الحد من تلك الحالات كونها تعد من الجرائم غير الجنائية"، مؤكدة أنها "اتخذت العديد من إجراءات التوعية والتثقيف من خلال مؤتمرالواقع الجنائي الذي تعقده في كل عام والذي يهدف لإيجاد حلول ومعالجات للحد من هذه الظاهرة"] انتهى.

من النص أعلاه نجد ان قيادة الشرطة أصدر بيان ووزعته على وسائل الاعلام وهذا يكذب ادعاء "الناطق باسم وزارة حقوق الانسان" ان حصل او يكذب "الحياة" ان لم يحصل والنتيجة هناك كذب في الموضوع كان على أ. د قاسم حسين صالح الانتباه اليه وأخذه بنظر الاعتبار ووضع علامة استفهام كبيرة على التصريحين وما ورد فيهما.

من النص ايضاً نجد ان قيادة شرطة ذي قار كما أوردته "السومرية نيوز" نفسها تتكلم عن الفترة من (مطلع العام حتى الأول من شهر أيام /2013). وليس كما أوردته نفس "السومرية نيوز" ونقله لنا أ.د قاسم حسين صالح (من مطلع العام حتى نهاية شهر أيار201)!! ماذا يعني هذا؟؟ هذا يعني اما ان أ.د قاسم حسين صالح لم يطلع على النص كاملاً واكتفى بما ورد في اول سطر منه، وإما أنه اعتمد على تاريخ اعلان الخبر في 31أيار2013 وهذا خلل خطير جديد يسجل.ويعني ايضاً عدم دقة النص وعدم الاعتماد على ما يرد في الصحف العربية والعراقية حتى إذا كان الخبر مُجَيَّرْ بأسم مسؤول او متحدث او صحفي او صحيفة.

وهنا يُطرح سؤال هو: إذا كان عدد المنتحرين دون سن (25) سنة هو(17) فكم العدد الإجمالي للمنتحرين؟ أو كم عدد المنتحرين بعمر(25) سنة فما فوق؟ وكم اجمالي عدد محاولات الانتحار التي وقعت؟ وهذه أسئلة يطرحها كل قارئ حريص على المعلومة مادامت الشرطة تُصرح وتنشر البيانات فكيف يبرر أ. د قاسم حسين صالح عدم ورود هذه الارقام؟؟؟ والمعلوم له وللجميع ان عدد محاولات الانتحار يفوق كثيراً جداً عدد عمليات الانتحار ففي فرنسا مثلاَ: عدد محاولات الانتحار(770) محاولة يومياً توفى فيها (29) شخص كما ذكرنا في الجزء السابق. أي كل(30) محاولة يتوفى شخص واحد. ومحاولات الانتحار تؤخذ باهتمام كبير في أي دراسة عن الانتحار بل هي الأساس لأن محاولات الانتحار هي التي أنتجت عمليات الانتحار وبالتالي الخسائر فالدراسات تركز على أسبابها والعمل على الحد منها لينتقل تأثير ذلك الى تقليل الخسائر بالأرواح.

الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح وهو ينشر في نفس الشهر من عام2019 أي شهر أيار يعتمد او يذكر أرقام شهرأيارعام 2013 أي ارقام ما قبل خمس اوست سنوات. السؤال هنا:

ألا توجد في سجلات الشرطة او بياناتها أرقام لعام 2019 أو2018 او ما قبلها ليقارن الارقام؟ أم لا يوجد "منتحرين" في تلك الفترة؟ وقيادة شرطة محافظة ذي قار ذكرت انها تعقد مؤتمر سنوي "مؤتمر الوقائع الجنائي" يهدف لإيجاد حلول ومعالجات للحد من ظاهرة الانتحار. هل حضر الدكتور الفاضل أحد هذه الاجتماعات او حضر ممثل عن الجمعية العراقية للطب النفسي التي أسسها ويترأسها أ.د قاسم حسين صالح؟ هل اطلع الدكتور الفاضل شخصياً على تقارير الشرطة/ذي قار؟ لماذا لا تُدَّعَمْ حصيلة سجلات الشرطة بحصيلة سجلات دائرة صحة ذي قار؟واليوتيوب التالي الذي نشرته"الحرة عراق"عن لانتحارفي ذي قار يوضح ان إدارة الصحة تنشر معلومات ولا تُمانع من إعطاء التصريحات الصحفية.

https://www.youtube.com/watch?v=oHQAd9PKRUo

4- [نشرت مفوضية حقوق الانسان العراقية في مارس/اذار2014/ إحصائية كشفت عن تصدر المحافظات الجنوبية النسب الأعلى في الانتحار في مقدمتها ذي قار ب (199) حالة في 2013 (القدس العربي) وفي تصريح أحدث للقضاء العراقي: تصدرت بغداد وكربلاء وذي قار حالات الانتحار للعام (2016) بواقع(22،23،38) حالة على التوالي (الحرة عراق05/07/2017)] انتهى

* تعليق: بالنسبة للجزء الأول في الأربعة أشهر الأولى من عام 2013 كانت في ذي قار (17) حالة انتحار حسب "السومرية نيوز" كما ورد في(3) اعلاه وهنا حسب "القدس العربي"(199) حالة خلال نفس العام. وبحساب بسيط :199-17=182منتحر في الثمانية أشهر المتبقية من عام 2013 أي بزيادة تقترب من (11) مرة.

اليكم نص ما نشرته "العربي الجديد" وليس "القدس العربي "تحت عنوان: "زيادة حالات الانتحار في العراق...احتلال وعنف وبطالة بتاريخ 26 فبراير2016" والذي ورد فيه نص ما تفضل به أ.د قاسم حسين صالح: [سجلت محافظة المثنى جنوب العراق، 24 حالة انتحار خلال العام 2014، ليرتفع العدد بذلك إلى 188 حالة خلال تسعة أعوام، ما يجعلها تتصدر المحافظات الأعلى في عدد حالات الانتحار في العراق. وتثير هذه الزيادة غير المعهودة في العراق تساؤلات بشأن الدوافع والمبررات، غير أن منظمات اجتماعية رأت أنها تزايدت عقب الاحتلال الأميركي للعراق في 2003، وبلغت ذروتها خلال الأعوام الثلاثة الماضية لأسباب تراوحت بين الأوضاع المعيشية الصعبة والتدهور الأمني. وسجل قسم التخطيط والمتابعة في مديرية شرطة محافظة المثنى، بحسب مديره العقيد صفاء الموسوي، "188 حالة انتحار منذ عام 2004 حتى نهاية العام الماضي، بينها 26 حالة في 2014، تراوحت أسبابها بين المشكلات النفسية والاقتصادية". ويقول الموسوي، إن "المحافظة تتصدر المحافظات الأعلى في نسب الانتحار في العراق بين الجنسين، مقارنة بعدد السكان"، لافتا إلى تنظيم القسم ندوات خاصة لبحث الظاهرة ووسائل معالجتها، بمشاركة باحثين اجتماعيين ورجال دين وقادة أمنيين. ويلفت إلى أن "هناك العديد من الخطوات والإجراءات التي يتبعها القسم، لاسيما تكثيف العلاج النفسي وزيادة الوعي الديني، وتوفير أماكن مخصصة للشباب لقضاء أوقات الفراغ". ((وكانت مفوضية حقوق الإنسان العراقية قد نشرت في مارس/آذار 2014، إحصائية، كشفت عن تصدر المحافظات الجنوبية النسب الأعلى، وفي مقدمتها محافظة ذي قار التي سجلت 199 حالة في 2013)](4)انتهى.""

* تعليق: على القارئ الكريم الانتباه الى الأرقام والتصريحات والمحافظات الأعلى ...تطرقتُ الى بعض ارقام هذا التصريح أعلاه...لكن هنا أقول: الغريب ان مديرية شرطة المثنى تقول وسبقتها قيادة شرطة ذي قار انها تقيم ندوات لبحث هذه الظاهرة يشارك بها باحثين اجتماعيين وتكثيف العلاج النفسي...فلا اعرف هل هذه الأمور صحيحة وبعض علماء النفس واساتذته في العراق لا تعرف/يعرفون بها؟؟ أم ان الجمعية النفسية العراقية التي أسسها ويترأسها أ.د قاسم حسين صالح لم تُدعى لها او لا تعلم بها او لم تشارك بها؟؟؟ أم أن تصريحات قيادات الشرطة كاذبة او من نشرها اختلقها "الاعلام"؟؟؟ لا اعرف...واتعجب لكل الحالات.

ورد: (24) حالة انتحار في محافظة المثنى خلال عام 2014 ثم يأتي قسم التخطيط والمتابعة في شرطة محافظة المثنى بحسب مديره العقيد صفاء الموسوي ليقول: "(26)حالة في عام 2014 "!هذا خلل اخر حيث الواجب الانتباه للأرقام ونحن في حالة الشك بما تصدره الدوائر وتنشره وسائل الاعلام.(188) حالة خلال تسعة أعوام لتكون المحافظة الأعلى في عدد حالات الانتحار بحساب بسيط:(188)حالة في(9)سنوات =21حالة في السنة.أي :9x365=3285 يوم .يعني باليوم الواحد:3285÷188= كل(18) يوم هناك منتحر واحد.في فرنسا كل يوم هناك (29) منتحر، في السنة (8885) منتحر.أي كل الأرقام التي تجاوزت (21) حالة تعتبر"كاذبة"وغيردقيقة وفق تصديق واعتماد هذا التصريح/البيان

ثم يقول الدكتور:" وفي تصريح أحدث للقضاء العراقي: تصدرت بغداد وكربلاء وذي قار حالات الانتحار للعام (2016) بواقع 22، 23، 38 حالة على التوالي (الحرة عراق، 5/7/2017)."... اليكم نص التصريح القضائي الذي نشرته: الوكالة الوطنيـة العراقيـة للأنباء/ nina /09/07/2017 "تقرير السلطة القضائية": [تصدرت محافظات بغداد وكربلاء وذي قار حالات لانتحار في العراق وذكرت إحصائية للسلطة القضائية عن عدد حالات الانتحار في البلاد العام الماضي، ان بغداد وكربلاء وذي قار تصدرت بقية المحافظات بعدد المنتحرين من الذكور و الاناث، بينما لم تشهد ثلاثة محافظات تسجيل أي حالة. وفيما وضع باحث اجتماعي عوامل عدة لارتفاع حالات الانتحار، بينها الابتزاز عبر الانترنيت و المخدرات وقضايا الشرف، أكد قاضي متخصص أن القانون العراقي وضع عقوبة المحرضين على الانتحار "أكدت إحصائية" ان العاصمة بغداد سجلت 38 حالة انتحار متصدرة جميع المحافظات، تلتها كربلاء ب 23، ثم ذي قار ب22حالة.وجاءت المحافظات الأخرى في الإحصائية كالتالي: القادسية15، بابل 12، صلاح الدين6، البصرة3، ميسان 2، بينما سجلت محافظتا واسط وكركوك حلة واحدة لكل منهما، ولم تسجل ديالى و المثنى أية حالة انتحار خلال عام 2016] انتهى

واليكم نفس التصريح الذي نشرته صحيفة ـ الصباح الجديد: العراقية بتاريخ 06/06/2017: [نشر القضاء العراقي إحصائية رسمية تظهر عدد حالات الانتحار في البلاد العام الماضي.وبحسب الإحصائية فأن بغداد وكربلاء وذي قار تصدرت بقية المحافظات بعدد المنتحرين من الذكور والإناث، بينما لم تشهد ثلاث محافظات تسجيل أية حالة.وفيما وضع باحث اجتماعي عوامل عدة لارتفاع حالات الانتحار، بينها الابتزاز عبر الانترنت والمخدرات وقضايا الشرف، أكد قاض متخصص أن القانون العراقي وضع عقوبة للمحرضين على الانتحار.وأكدت الإحصائية أن العاصمة بغداد سجّلت 38 حالة انتحار متصدرة جميع المحافظات، تلتها كربلاء بـ23، ثم ذي قار مسجلةً 22 حالة.] انتهى

*تعليق: يرجى الانتباه الى الأرقام الخاص بمحافظة البصرة ومحافظة المثنى ومحافظة كربلاء ومحافظة ذي قار ومقارنتها مع الأرقام التي وردت في المقالة عن تلك المحافظات.

يلاحظ ان الأرقام التي نقلها أ. د قاسم حسين صالح في تسلسلها مقلوبة بالمقارنة مع الأرقام التي نقلتها الوكالة الوطنية العراقية للأنباء وجريدة الصباح الجديد العراقية: ارقام الدكتور قاسم هي: [بغداد(22) وكربلاء(23) وذي قار(38)] وأرقام الصحافة: [بغداد(38) وكربلاء(23) وذي قار(22)] !! وهذا خلل خطير آخر... أيُ الأرقام نعتمد؟ أكيد نعتمد ارقام الصحافة ولا نعتمد ارقام أ. د قاسم حسين صالح لأن ارقام الصحافة هناك من يؤيدها منها.

ومن تحليل تلك الأرقام نجد انخفاض هائل في عدد المنتحرين في ذي قار فبعد ان كان (199) عام 2013 أصبح (22) في عام 2016 أي: (199-22=177) أي بانخفاض (10) مرات تقريباً وهذه ""شهادة بحق الوضع الاجتماعي ووسام عالمي يجب ان يحصل عليه القائمين على المحافظة و ان يتم تدريس ما حصل لتتعلم منه كل دول العالم وهي تعاني من الارتفاع الكبير في عدد المنتحرين شهرياً ولم تنفعهم كل الخطط التي وضعوها لإيقاف هذا النزيف البشري او الحد منه...أن هذا الانخفاض و بهذه النسبة لم يحصل في كل العالم وكل القرن (20) وأكيد كل العقدين الأول والثاني من القرن ال(21) وفي أي بلد في العالم ...وهنا يجب ان نتوجه ""![!(!بالشكر والتقدير مع أعظم علامات التثمين للحكومة العراقية والشرطة العراقية لحصولهم على الدرجة الأولى في هذا الجانب لكل دول العالم ولكل سنوات العصر الحديث!)!]!""!!!

5- [اثار تزايد حالات الانتحار بين الشباب والفتيات بمحافظة ذي قار المزيد من القلق بين الأوساط الشعبية، داعين الجهات المعنية التدخل لمعالجة أسباب ودوافع الانتحار والحد من هذه الظاهرة الآخذة بالتزايد) المدى)]

* تعليق: يعود الدكتور لنقل رأي الصحافة وهذه المرة صحيفة المدى دون ان يكتب تاريخ صدورها اوعن أي فترة تتكلم الصحيفة حتى يتم معرفة الزيادة او مناقشة تلك الأرقام، وهذا خلل أخر...وما ورد هنا يناقض الأرقام التي ذكرها الدكتور بخصوص محافظة ذي قار التي اشرتُ اليها أعلاه. فمحالات الانتحار في تناقص حسب ما حسبنا أعلاه.

الحقيقة استغرب التركيز على محافظة ذي قار/الناصرية من دون كل محافظات العراق، فهل يريدها الدكتور الفاضل أساس او نموذج للمحافظات الأخرى او العراق؟

اليكم اليوتيوب لمراسل الحرة في الناصرية حول الموضوع والذي قال فيه "حالة انتحار واحدة كل أسبوع" وورد فيه رأي إدارة صحة المحافظة حيث ورد(160) حالة خلال أربعة أعوام و(48) حالة لعام 2016 ...الرابط

https://www.youtube.com/watch?v=oHQAd9PKRUo

6- [حالة من القلق والخوف تشوب الشارع الشعبي البصري بعد تزايد حالات الانتحار في المحافظة ووصولها درجات مقلقة تقترب من الظاهرة(غوغل).]

* تعليق: ماهي حالات القلق تلك وكيف رصدها الأستاذ عن طريق غوغل؟ هنا يعتمد الدكتور على "غوغل" ...ماذا يعني غوغل؟ ولا اعرف عن أي فترة يتكلم "غوغل" ولا عن أي نسبة او عدد أو مظاهر القلق.. وهذا خلل آخر...أي قلق والبصرة كما ورد أعلاه لم يُسجل فيها سوى ثلاث حالات انتحار خلال عام 2016 حسب السلطات القضائية.

7- [اعلنت مفوضية حقوق الانسان ان عدد حالات الانتحار في الربع الاول من عام 2019 بلغ 132 حالة (RT)].

* تعليق: اليكم ما نشرته الجزيرة بتاريخ24/04/2019 تحت عنوان:"132حالة انتحار في العراق بثلاثة اشهر

[(أعلنت مفوضية حقوق الإنسان في العراق وصول عدد حالات الانتحار في البلاد إلى 132، خلال الربع الأول من 2019 ونشرت أمس الثلاثاء إحصاء بدا فيه أعلى معدلات الانتحار بمحافظة كربلاء (جنوبي البلاد) إذ بلغت عشرين حالة، وتتناقص تدريجيا لتسجل بمحافظة الأنبار (غرب) حالتين فقط وأوضح الإحصاء أن محافظة البصرة (جنوب) جاءت ثانيا بـ 19 حالة، ثم كركوك (شمال) 15 حالة)(7)] انتهى

 بحساب بسيط نجد: أن المعدل الشهري هو: (44) مُنتحر. ويكون المجموع في المحافظات المذكورة: (20+2+19+15=56). وبحساب بسيط ايضاً تكون حصة المحافظات ال(14) الأخرى هي: (132-56=76) مُنتحر، وتكون حصة كل محافظة منها هو: (76/14= بين(5) و(6)) أشخاص. عدد أيام الربع الأول هو(90) يوم، أي اقل من(1,5) منتحر يومياً عليك عزيزي القارئ التمعن في الأرقام ومعرفة الحال.

اليكم نص التصريح القضائي الذي نشرته: الوكالة الوطنيـة العراقيـة للأنباء/ nina /09/07/2017"تقرير السلطة القضائية": [تصدرت محافظات بغداد وكربلاء وذي قار حالات لانتحار في العراق وذكرت إحصائية للسلطة القضائية عن عدد حالات الانتحار في البلاد العام الماضي، ان بغداد وكربلاء وذي قار تصدرت بقية المحافظات بعدد المنتحرين من الذكور والاناث، بينما لم تشهد ثلاثة محافظات تسجيل أي حالة. وفيما وضع باحث اجتماعي عوامل عدة لارتفاع حالات الانتحار، بينها الابتزاز عبر الانترنيت و المخدرات وقضايا الشرف، أكد قاضي متخصص أن القانون العراقي وضع عقوبة المحرضين على الانتحار "أكدت إحصائية" ان العاصمة بغداد سجلت 38 حالة انتحار متصدرة جميع المحافظات، تلتها كربلاء ب 23، ثم ذي قار ب22حالة.وجاءت المحافظات الأخرى في الإحصائية كالتالي: القادسية15، بابل 12، صلاح الدين6، البصرة3، ميسان 2، بينما سجلت محافظتا واسط وكركوك حالة واحدة لكل منهما، ولم تسجل ديالى و المثنى أية حالة انتحار خلال عام 2016] انتهى

خامساً: وتحت عنوان دوافع الانتحار كتب الدكتور قاسم حسين صالح عن الاسباب التقليدية للانتحار، وكالتالي:

الى اللقاء في الخاتمة التي ستبدأ في: خامساً:

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

مجدي ابراهيمللتدين أشكالٌ وألوانٌ، وكل شكل منه وكل لون، يتخذ لنفسه طابعاً يميزه، أو إن شئت قلت: طريقة للتعبير عن نمط ثقافي ينظمه في إطار مجموعة قيم ومقولات تحدّد نوعية هذا النمط وانتماءاته المعرفية، فهنالك التدين الحرفي، وهنا التدين الفقهي، وهذا تدين سلفي، وهذا تدين مذهبي أو طائفي، وذاك تدين نظري، وهكذا قل الشئ نفسه في كل شكل من الأشكال وفي كل لون من الألوان، الأمر الذي يجزم معه المرء أن التديّن إن هو إلا نمط ثقافي تحكمه خلفية أيديولوجية يتعدد ويتنوع بتعدد أنواع تلك الأنماط وخلفياتها الاعتقادية.

خذ مثلاً ذلك "التدين الوصولي" الاحترافي، احتراف التسوُّل باسم الله: نوع مجرم من أنواع خلل العلاقة بين العبد والرّب واهتزاز روابطها الشعورية وأواصرها النفسية هو ذلك النوع الذي يتخذ من الدين ستاراً لبلوغ أغراضه ومطامعه الدنيويّة. وصاحب هذا النوع من أنواع التدين المرضي ربما يكون خطيباً في مسجد يتيه على الناس صلفاً وغروراً من فوق منبره بورعه وتقواه، ويقول ويكثر القول، ولا يمسُّ قوله شغاف القلوب، ذلك لأنه دعيّ لا يعوّل عليه في قول ولا عمل.

وكما يقع هذا لدى أئمة المساجد ممّن لا خلاق لهم، يقع كذلك في أدعياء المعرفة وأدعياء التفكير في كل حقل وفي كل مجال ممّن يملئون الدينا ضجيجاً بما يقولون وليس لهم حظ لا من معرفة ولا من تفكير، ومبلغ علمهم من ذلك العويل الصارخ هو الفيصل بين الخصومة والعداء من جهة والصداقة والموالاة من جهة أخرى، فلا فيصل أقوى لديهم من المصلحة ولا أمضى؛  فالصداقة هى المصلحة إذا حصّلوها وافقت ما لديهم، وإذا لم يتاح لهم تحصيلها بلغت من المعاداة ما يبلغه أخصم الخصماء. يكاد أحدهم يقبّل حذائك في سبيل تحقيق هدفه وغايته، ولربما يجعل منك إلهاً يُعبد إذا كانت له مصلحته، وعرف أنك ممّن تُقدره على تحقيقها، ولا يكتفي بذلك بل يقرأ ويكتب عن الخُلق الرفيع والتدين الراقي والحقيقة الباقية بما لست أدري له توظيفاً خارج نطاق النفاق وسذاجة الدروشة والتطبيل.

واذا غابت تلك المصلحة فقد القيم التي يدعو إليها وهي بلا شك قيم ساقطة؛ لأنها إذ تصدر منه، تصدر في البدء ساقطة ولا تنتهي في المجمل إلا إلى سقوط.

هذا التدين الاحترافي المُغرض شكلٌ بشعٌ من أشكال الوصولية والانتهازية، يتخذ من الدين رداء تخلف ورجعية ولا يزيد، وإن زعم كاذباً أنه يصلحه ويهذّبه ويرقيه. يوجد في المسجد كما يوجد في المدرسة وفي الجامعة وفي حقول العلم ومعاهد التعليم ناهيك عن المصانع والمتاجر ومرافق المجتمع على تنوع مرافقه واختلاف ميادينه الحيويّة. فالتدون إذن نمط ثقافي خاضع لقناعات باطنة سرعان ما يتحوّل فجأة مع تحوّل تلك القناعات.

إذا كانت معاجم اللغة تشير إلى أن أصل "الوهم" هو التُّهَمة. والتهمة: هى توهّم الإنسان أن أخاه قد أساء إليه أو تجاوز حَدَّاً من الحدود، وأصلها الوُهَمة، وعلى ذلك يصبح الوهم تهمة ووهمة؛ فكل موهوم متهوم وكل متهوم متوهم أو موهوم؛ فإن ثقافتنا العربية على هذا الأصل متهومة عندنا؛ لأنها مؤسسة على الوهم مستندة على تصورات هى في الغالب قائمة على الوُهمَة.

آفة الثقافة العربية؛ إذا هى لم تستطع أن تفعِّل "عقيدة التوحيد" على صعيد التذوق والتبْصرة أو على المستوي العقلي والفكري والثقافي، وأن تصل من النزوع إلى الفصل، ومن المباعدة إلى الانخراط في وجوب الوحدة بحيث تقرن الأشباه والأضداد وتربطها بعضها مع البعض الآخر بما يجعل منها وحدة توحيديّة واحدة في غير تنافر تفرضه شكلية الأداء أو تناقض يجيزه منطق المحسوس ...

أقول؛ إنّ آفة الثقافة العربية إذا لم تقتدر أن تجعل من التوحيد غايتها ومطلبها؛ فهى لا شك تنطلق في أغلب أحولها وتعدد مواقفها من وهم، وتعود على وهم، وتتصوّر الحقائق على الجملة فضلاً عن التفصيل بفاعلية الوهم المعشعش في أدمغة منتجيها؛ ومنتجو الثقافة لا يبلغون من الحقائق المجرَّدة مبلغهم من العلم بفاعلية الوهم أبداً، وإنما يبلغونها بالتجرَّد وببذل النفس طواعية في سبيلها؛ لكننا محكومون في أفكارنا وآرائنا وأحكامنا ومنطلقاتنا الفكرية والشعوريّة بالهوى لا بالعقل المروض على التفكير البصير.

ومن شأن حكم الهوى أن يُملي علينا خيوطاً متشابكة ومختلطة بخليط عجيب من "الوهم"، ويظل الوهم يلفنا لفاً لا فكاك لنا من خيوطه الكثيفة المتشابكة، حتى ليملأ صدونا بالتضخم، وعقولنا بالاعتقاد التقليدي المنبوذ، وذواتنا بالفراغ والسطحية، وسلوكنا بالتصرف الرزيل المشين، فيبدو كل ما نقوله أو نفعله إلى الوهم المتفشي في أعماقنا أقرب وأدنى من بلوغنا للحقائق التي يسبقها جهادُ للنفس شريف.

ومتى تغلغل الوهم في أفكارنا ومعتقداتنا؛ مضينا مع "الهوى" إلى غايته، فيسوقنا الهوى إلى ضروب متشابكة لا شك فيها من الأنانية وحبّ الذات وتضخم "الأنا" ... إلى كثير من الصفات التي يغلب عليها حكمه فينا، ولا يغلب عليها فينا حكم العقل المقيد بضبط الأهواء ومجاهدة الآفات؛ وبلوغ الحقائق من ثمَّ بمقتضى هذا الجهاد لا بفاعلية الهوى الذي يتحكم فينا تماماً كما تتحكم فينا العادات، والمألوفات، والمرذولات، تحكم الأغلال تغلنا عن الحركة، وعن الحرية، وعن الاعتقاد الحر النزيه عن الأغراض: اعتقاد التوحيد، وفهم التوحيد، وإدراك التوحيد، وتصحيح التوحيد، وتفعيل التوحيد في حياتنا الباطنة قبل الظاهر منها لبصر الشاهد العيان.

هذا هو الاعتقاد الذي يعلو متسامياً عن كل عقيدة مقيدة بقيود الوهم بلا هداية يرومها قصد السبيل؛ فنحن - والله - واهمون في أقوالنا وأحكامنا وثقافتنا وعقائدنا؛ لأننا محكومون فيها بالهوى، مسيَّرون فيها بالأنانية وحبّ الذات، ناشطون النشاط كله في بلوغ الأهواء منا مبلغ العقائد الثابتة؛ ونحن - في ثباتها وتحققها في الحق - واهمون !

فأي غربة غريبة تستشعرها الذات العربية أغربُ من كونها تنمي قدراتها على "الوهم" وتُرْبي إرادتها على الزيف؛ وتصل إلى الأمور من طريق "الوهم" لا من طريق "الحقيقة" وتنطلق بادئ ذي بدء من حكم "الهوى" لا حكم "الإرادة العاقلة" ثم ماذا؟ فإذا بذواتنا العربية تتشتت وتتفرَّق حيث لا يجمعها رابط من التوحيد وطيد.

حتى إذا شئنا نقد أنماط التدُّين وجدنا من أكبر المشاكل التي تواجه ضمير المتدين: عزل التوحيد عن واقعات الحياة، حتى ليتسأل المرء إزاء هذه الانقسامات التي تشهدها صباح مساء: إذا لم يكن التوحيدُ معزولاً عن الواقع الديني أصلاً لما أضحى معزولاً كذلك عن الواقع النظري والفكري ثم الواقع الفعلي بكل ما فيه من تفرّق وتمزق وتشتت وانقسام.

الأمر الذي جعل الإيمان الديني لدى المسلم قشرة سطحيّة تخلو أو تكاد من المضمون العملي؛ ذلك "المضمون" الذي لا نشك لحظة واحدة في أنه ينتج لغة ومدنية وعلماً وفناً وحضارة. ولو كان تدينه بالفعل مرهوناً ببصيرة التذوق الدافعة إلى العمل والإنتاج؛ لربط كل الأشباه والأضداد وصعد بها عارجاً إلى توخِّي الوحدة.

ولكن الواقع الثقافي العربي الحالي يقول لك بأبلغ لسان: إن هذه البصيرة الذوقية مفقودة أو تكاد، هى مفقودة نعم! وعندي من الأدلة على فقدانها أولاً قراءة هذا الواقع قراءة مستبصرة جيدة ومتابعة الأحداث الجاريّة فيه من قريب، والانغماس فيها، وتحليلها والوعي بملابساتها ونتائجها في العقل والشعور، وهى مفقودة ثانياً؛ لأنها في الأصل ما وجدت تامة، نشيطة، فعالة، وحيويّة، إلا في فرع واحد من فروع الثقافة العربية والإسلامية، وأعني به الفرع الذي يضم علوم التزكية سواء كانت تزكية خُلقية إنْ على مستوى الفرد وإنْ على مستوى المجموع، أو معرفية في أصل عناصرها الرفيع. وهذه العلوم بالنسبة للوعي العربي والإسلامي كانت ولا تزال تمثل تراثاً مهجوراً، يُنْبَذ اليوم من العقل العربي كما كان قبلاً منبوذاً بالأمس؛ ولو قدِّر لهذا الفرع أن يجري في حياتنا الفكرية والثقافية مجراه الطبيعي، وأن يُنظَّر له كما نظِّر لفروع أخرى غيره، لكانت تلك "الرؤية الموحَّدة" أو أحادية الرؤية الغائبة عن ثقافتنا الإسلامية من أولى اهتمامات العقل العربي قاطبة: تنقذه من الضلال.

الواقع الإسلامي يغلي بالتيارات الإسلامية المتشددة المضطربة العفنة؛ والتي أساءت للإسلام من حيث أرادت به الإحسان، فهلا جربتم سماحة التصوف وهو مقام الإحسان في الإسلام؟

ماذا تقول يا رجل؟ التصوف ! ألم تقرأ اليوم في رسالة علمية ضخمة نتيجة غربية عجيبة يستخلصها باحث أو ينقلها عن آخرين مفادها أن الغرب أهتم بنشر التصوف بين المسلمين لإسقاط العقائد الصحيحة ! فأي تصوف هذا الذي تعوّل عليه طلباً للإصلاح؟! ثم ألم يكن تدين المتصوفة نمطاً كسائر الأنماط الثقافية التي تتخذ لنفسها شكلاً من أشكال التدين ينتهي آخر الأمر إلى توجّهات أيديولوجية؟ فلم تنحاز إليه رافضاً سواه، هل هذه موضوعية الباحث يتوخاها بغير تزيد ولا مبالغة؟

فأمّا عن تلك النتيجة الغريبة العجيبة المستخلصة أو المنقولة؛ فهي نتيجة متخلفة غارقة في التخلف إلى أبعد الحدود، لأن المستشرقين الذين نشروا ذخائر التراث الاسلامي، الصوفي والفكري، وقاموا بتعريف المسلمين بتراثهم العقلي والروحي هم أولى بتقديم واجب الشكر لهم من نقيصة النكران، ثم نأتي نحن لدراسة آرائهم مع ما فيها من غلو لنقدها وتقيمها لا أن نقول فيها ما يقوله الجاهلون المتخلفون.

وأمّا كون تدّين المتصوفة نمطاً ثقافياً كسائر الأنماط الثقافية الأخرى للتديُّن يجوز نقده تماماً كما يجوز نقد غيره، فهذا ممّا لاشك فيه عندنا، لكنه النقد الذي يفحص الفوارق بين الأنماط المختلفة ويقيس مقياس التدّين بمطابقته للاعتقاد الصحيح ولممارسته للقيم البناءة؛ فالتسامح وقبول الآخر المختلف مثلاً فارقٌ نقدي ظاهر بين نمط ونمط؛ فإذا توافر في شكل من أشكال التدّين واختفى في سواه قبلنا ما هو متوافر ورفضنا النمط الذي يدعو إلى ضدّه، ويظهر نماذج التشدّد التي تضرُ بالعقيدة عموماً بمقدار ما تقدح في المنتسبين إليها من أقرب سبيل.

وعليه، فالمثقف الذي يدّعي أنه يتمتع بكل ثقافة رفيعة؛ لن يكون مثقفاً في تقديري وهو يكره الثقافة العرفانيّة، ولا يريد شيوعها في بلادنا العربية مع أن التصوف الذي هو في الأساس ثقافة عرفانيّة تتأسس على المحبة والمعرفة؛ ليحمل بالمطلق خُلق الإسلام السمح الطهور.

أما بقيّة فروع الثقافة الإسلامية؛ فهى على انتشارها وسعتها وكثرة الطالبين لها، الداعين إلى تزكيتها وتفضيلها، الآخذين على عاتقهم بفرضها قسريّاً على واقعنا الفكري والثقافي؛ فهى السبب المباشر في تعطيل النظر إلى "أحادية الرؤية"، فداعية إلى الفصل والمباعدة، وذاهبة إلى التجزيئية الغارقة في غير معنى، والفاقدة لعناصر التجمُّع والائتلاف، والذاهبة إلى التفاصيل والجزئيات دون الارتداد إلى وحدة تجمعها في مبدأ واحد عام مشترك.

ما معني أن تكون متديناً بدين التوحيد الذي فطرت عليه تمارسه شكلاً دون أنْ تجريه واقعاً فكريّاً وثقافيّاً ومعنويّاً وروحيّاً؛ ليكون هو عينه مجري التجربة على المستوى الفعلي والتطبيقي؟

على أن هناك خلطاً ظاهراً عند كثيرين بين الدين والتدين، يجعلهم لا يفرّقون بينهما لا على مستوى العقيدة ولا على مستوى الخطاب، فحيث يوجّه النقد للتدّين يفهمه البعض منا على أنه نقد للدين، الأمر الذي يترتب عليه أن كثيراً من الآراء تصدر عن فهم مغلوط. كنتُ قد طرحت هذه الفكرة من قبل فجاءني يومها التعليق التالي من الفاضلة (سهيل أحمد بهجت) لتقول: " تحياتي للكاتب العزيز؛ أعتقد - وهذا رأيي الشخصي - أن الأديان التي تملك آلهة متعددة،  والتي يسميها الإسلام "شركية"، هى أكثر تسامحاً وتقبلاً للآخر، وكمثال نجد كيف قضت المسيحية على ثقافة متنوعة في الإمبراطورية الرومانية، وكذلك الإسلام الذي قضى على تعدّد الأديان والثقافات في الجزيرة العربية".

وقد فهمت الفاضلة أن النقد هنا موجّه للدين في ذاته وبالتالي تصورت لنفسها رأياً يخرج عن المقصود ممّا أشرت، فكان ردي على التعليق: أين هو التسامح في هذا كله: التاريخ الأوروبي الأمريكي الشمالي - على الرغم من اعتناق المسيحية - ليـس إلاّ تـاريـخ الـغـزو والأبـَّهـة والتكبر والجشع. وأعظم قيمنا - كما قال عظمائهم - هى أن نكون أقوى من الآخرين، وأن نغزوهم ونقهرهم ونستغلهم.

وهذه القيم تتطابق مع المثل الأعلى "للرجولة". فليس رجلاً إلا من كان قادراً على القتال والغزو والقهر. وإذا كانت اليهودية والمسيحية والإسلام أدياناً كتابية فليس فيها في الأصل ما يدعو إلى التباغض والعنف من حيث هى دين، ولكن من حيث هى خطاب وسلوك، فالعنف فيها مادة يخلقها التحريف. وأي شخص غـيـر قـادر على استخدام العنف إنْ هو إلاّ شخص ضعيف، أي "ليس رجلاً".

هذا خطاب لا اعتقاد! فكرة تقوم في رأس صاحبها على غير اعتقاد صحيح؛ فيخيل لمن يشهدها أنها عقيدة من عقائد التنزيل فينسب الغلط والفهم المنكوس إلى الدين في ذاته، لا إلى أشكال التدين المغلوط .

لسنا بحاجة إلى إثبات أن تاريخ أوروبـا هـو تـاريـخ لـلـغـزو والاسـتـغـلال والقوة والإخضاع والقهر. لا تكاد توجد فترة أو مرحلة من التاريخ الأوروبي

إلا كانت هذه سماتها، ومعظمها قائم على التحريف أو قائم على العقائد الملوثة. لا يستثنى من ذلك طبقة ولا جنس.

لا توجد جريمة إلا ارتكبت بما في ذلك عمليات الإبادة الجماعية لشعوب بأسرها مثل ما حدث للهنود الحمر. حتى الحروب الصليبية التي جعلت من الدين سـتـاراً لها لم تكن استثناء. فهل كان الدافع لهذا السلوك اقـتـصـاديـاً أو سـيـاسـيـاً فحسب؟ هل كان تجار العبيد وحكام الهند وقتلة الهنود الحمر والبريطانيون الذين أجبروا الصينين على فتح أبواب بلادهم لتـجـارة الأفـيـون ومـثـيـرو حربين عالميتين، وأولئك الذين يحضِّرون لحرب عالمية ثالـثـة ... هـل هـؤلاء مسيحيون مؤمنون حقاً؟

هل يُقاس القتل في تاريخ الإسلام بمثل هذا التاريخ الدموي قديماً وحديثاً ؟

ومع ذلك: أقولُ؛ إن افتقار العربي المسلم المفطور على غريزة التوحيد، لم يتمكن في ذاته أن يُفعِّل هذه الغريزة على المستوى العقلي والثقافي، ولكنه ينتكص على عقبيه ويعودُ أدراجه مستغرقاً في التجزيئية المُفرطة، ولم يهيئه توحيده الفطري لأن يجري عليه ممارسته العمليّة والواقعية؛ فأضحي تدينه في كفة، ونشاطه الفكري والثقافي والعلمي في كفة أخري؛ فجاءت عقليته عقلية فصل ومباعدة لا ربط فيها ولا توحد بين أجزائها، وليس بمقدورها أن تصل إلى الوحدة التي هى غريزتها الأصيلة المفطورة عليها، لكأنما العربي لم يستطع أن يفهم: ماذا عَسَاهَا تكون غريزة التوحيد، وماذا عَسَاهَا كانت تكون فطرة الوحدانية؟

لكأنه لم يستطع بعدُ - لأجل تدينه الساذج البسيط - أن يكوِّن لديه "رؤية موحَّدة"؛ يجريها علي الواقع الفكري والنظري تماماً كما يجريها على الواقع الفعلي والتطبيقي كما هى مقررة قبلاً في الواقع الديني بالفعل؛ إذ أن فكرة "الرؤية الموحدة" تلك؛ إنمّا هى فكرة دينية بالأساس مصدرها الدين لا الفلسفة؛ فلو صحَّ أن الفلاسفة نادوا بها أو قصدوها فيما نادوا فهي مٌستلهمة من الدين؛ وليس للعقل فضل فيها إلا فضل الشرح والتحليل.

ليس صحيحاً أن العقل أنضج من القلب أو أصدق، بل الصحيح هو أن القلب أصدق من العقل وأنضج، ولو عرفنا لعلمنا أن العقول أدنى من القلوب؛ وأن حظنا من معارفنا القلبيّة أقل بكثير من حظنا من علومنا العقلية. (وكل كلام يبرز وعليه من كسوة القلب الذي منه بَرَز) كما تقول إحدى حكم المحققين النبهاء.

يصدر الكلام عن القلب وهو تعبيرٌ عمَّا في القلوب مباشرة، وإنما جُعل اللسان على الفؤاد دليلاً. حقاً صدق الله العظيم:" إنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور". وربك رب قلوب فانظر ماذا خالط قلبك؟ وعلى هذا يكون صحيح التدين، بالنظر الدقيق في فعل البصيرة القلبية.

وليس صحيحاً أن كفة العقل هى على الدوام في رجحان؛ بل القلب أرجح في أغلب الأحوال. القلب دليل العقل في أكثر الأحايين؛ وعمى القلوب أشدُّ وأنكى من عمى العقول والأذهان .

 

د. مجدي إبراهيم

 

عبد الحسين شعبانتثير مسألة الاجتهاد في الإسلام اختلافات حادة وتباينات عميقة لدى أوساط مختلفة فكرية وسياسية وثقافية ودينية، لجهة مرجعيتها وعلاقتها بقضية التجديد والتغيير، مثلما يثير الوعي بالتاريخ مثل هذا التعارض والتناقض في الفهم والسيرورة، لدى هذه الأوساط. ولهذه الأسباب حسناً فعلت إدارة معرض الكتاب الدولي في تونس بدورته الخامسة والثلاثين،  لإدراج الموضوعين في محور واحد للنقاش المفتوح في جلسة حوارية مثيرة، وكما هو متوقع فقد كانت ردود الأفعال حامية والمناقشات عالية النبرة.

فالاجتهاد يعني استنباط الأحكام بما ينسجم مع المتغيّرات والمستجدات والتطوّرات التي تحصل في المجتمعات على صعيد العلم والتكنولوجيا والفقه القانوني والدستوري والسياسي والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. أما الوعي بالتاريخ، فلا يعني استعادته، بل استحضاره ، بمعنى أخذ الدروس والعِبَرْ منه بما يفيد الحاضر والمستقبل، وتلك جزء من مهمة الاجتهاد، حيث يمكن أن تحدث النقلة النوعية في مستوى التفكير، بتعمّق الوعي ، في إطار مسار طويل  وتراكم تدرّجي وهو ما يؤدي إلى تطوير الخطاب الديني بشكل عام بحيث يستجيب لمتطلبات العصر، والأمر بقدر تعلقه بالإسلام، فإنه يتعلق بالأديان الأخرى أيضاً.

وخطورة الخطاب الديني تتأتّى من كونه يحاكي القلب وليس العقل، وبالتالي يمكن أن يكون تأثيره عاطفياً وسطحياً وسريعاً، وهو مثل الموسيقى يمكن أن تصل إلى عدد كبير من الناس وتؤثر فيهم مقارنة ببقية الفنون الأخرى كالشعر والقصة والرواية والفنون التشكيلية والمعمارية وغيرها.

الخطاب الديني يؤثر أيضاً في المشاعر التي قد تجنح بعيداً، فتدفع المرء إلى  التعصّب ووليده التطرّف، وهذا الأخير إذا ما تحوّل إلى سلوك، أي فعل ، فإنه سيصبح عنفاً، أي ينتقل من التفكير إلى التدبير، والعنف إذا ضرب عشوائياً سيصير إرهاباً، خصوصاً إذا استهدف إرعاب المجتمع وإحداث الفزغ في صفوفه وإضعاف الثقة بالدولة والقانون.

كيف يمكن إذاً معالجة مسألة الاجتهاد بما يتجاوز الراهن الراكد والتقليدي الساكن، حتى ليبدو "الثبات" وإن كان نسبياً أقرب إلى التحجّر أحياناً، لأن كل شيء في الحياة والكون يتغيّر، فما بالك بالاجتهادات، فهي حتى لو صلحت لعصرها، فإن زمانها قد ولّى، أو أنها لم تعد تصلح لزماننا وتلك حكمة التاريخ حيث "تتغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان"، وهي قاعدة فقهية معروفة، يضاف إلى ذلك ، فإن لكل زمان قوانينه التي تعبّر عن درجة تطوّر المجتمع، فما كان محظوراً في عصر قد يصبح مسموحاً في عصر آخر، و" للضرورة أحكام"، كما يُقال.

والاجتهاد بقدر تعلّقه بالفكر الإسلامي يطرح سؤالاً محورياً هل الإسلام دين ودولة ويصلح لكل زمان ومكان؟ وكيف السبيل للتعاطي مع المتغيّرات بما فيها الحداثة والعلاقة بين الديني والعلماني وبين الاجتهاد ولغة الفكر أو الاجتهاد وفكر اللغة . باختصار هل يحتاج الإسلام إلى التحديث والتجديد ونحن في زمن العولمة والثورة الرقمية " الديجيتل" والانفجار الإعلامي الرقمي السيبراني؟ وإذا كان الجواب لا: فالأمر يقود إلى التحجّر والصنمية والجمود، أما إذا كان الجواب نعم: فكيف ومن أين نبدأ؟ هل نبدأ من الفرد، أم من المجتمع أم الدولة وماذا نريد؟

ويتفرّع عن هذا السؤال "أسئلة الجدل" القديمة - الجديدة تلك التي تحدّد العلاقة بين الدين والعقل، وهي تطرح سؤال الدين من داخله وسؤال الدين خارجه، وكلاهما ينشغلان بالهمّ الفكري والإنساني والروحي، سواءً تفسيراته المثالية أو المادية، بأسبقية الوعي على المادة أو ألحقيته باعتباره انعكاساً للوجود المادي.

والمطلوب من التجديد لا تغيير النصوص وإن كان بعضها قد استنفذ سياقه التاريخي، بل تغيير الفهم لتلك النصوص، بما يتناسب مع العصر، والمطلوب التدبّر والبحث عما يتوافق ويتناسب مع واقع اليوم. وهناك في هذا المجال تحدّيان أساسيان : الأول يتعلق بتحديد الأهداف والأولويات فيما يتعلق بالبحث والاستنباط، والثاني باختيار الوسائل المناسبة للتجديد في إطار من الاجتهاد والحريّة دون وصاية أو تابوهات أو محرّمات باستثناءات "ثوابت الدين" كما يُقال.

هناك حواجز فقهية ومعرفية اصطنعها  بعض "رجال الدين" تحتاج إلى إعادة النظر في معانيها ومبانيها ، انطلاقاً من قبول الاختلاف والحق في الاجتهاد وقد سبق للإمام  الشافعي أن قال: رأيي صواب يتحمل الخطأ ورأيك خطأ يتحمّل الصواب. إذاً لا بدّ من البحث عن حالة جديدة تتناسب والواقع الجديد، وليس البقاء مرتهنين لكتب السلف الصالح والتفتيش فيها عن حلول قديمة لواقع جديد؟ وإذا كان القرآن الأجمل والأحسن والأكمل فإن فيه دعوة إلى العلم والتعلّم.

أما كوابح التجديد، سواء من داخل المؤسسة الدينية أم من خارجها فهي: عدم القناعة بالتجديد والاستكانة لما هو قائم وانخفاض درجة الوعي والخشية من الانفتاح، لاسيّما في مواجهة العامّة، وفقدان الامتيازات، وخدمة السلطان، وتلك تشكّل عقبات أمام أي عملية تجديد، وعلى غرار هوبز فـ " أي إصلاح مفتاحه الفكر الديني".

 

عبد الحسين شعبان - باحث ومفكر عربي

 

ريبر هبونليس الغوص في الحلم وحده، الهاجس العام للكتابة، ولا يذهب التخييل لأبعد من نشدان الحقيقة بلبوس فني، فلابد أن نذهب بالبعيد صوب تأكيد الأفكار الحاملة لتكامل وحدة العقل والوجدان، لبيان قيم الإنسان المعرفي، وتصوراته لحياة أفضل تتحقق فيها أدنى درجات المساواة، لإعادة الاعتبار لكرامة الإنسان الشرق أوسطي، التي لا تزال تعيش التهميش وغلالة القيد، ولا شك أن صوت الكلمة أكثر حدة في بروز المغزى من هذا التصاعد الوجداني الذي ينهض بمسؤوليات المعرفيين ويؤكد دوام حضورهم في ظل العسف والجور القائم، ولا تنحاز الكتابة الواقعية للذاتية الوجدانية الحاملة معها شعرية الألفاط والعبارات، بقدر ما تمارس هيئة المرأة الحامل للجنين المكتمل، أو تمثل الوعاء الكبير الذي يحتوي كم الماء، حيث تمضي في رحاب الشمول في الأخذ بالأدوات للحديث عن أكثر من قضية، وتسليط الضوء على أكثر من زواية على نحو مركب ودائري،ولعل جلد الذات بتعبيرية صاخبة هو دعوة للإحاطة بالنقاء المتخيل والعناية به في ذائقة الإنسان الخائف والجائع معاً، إذ ننظر إلى العمل الفني بكونه القالب الأشمل والأكثر مرونة لبحث الإنسان من زاوية الوجدان الجمعي،

فطبيعة الفكر الجامد يتحلى بنمط من الخمول الذهني والإذعان لسلطة الأقوى المتسلح بالتأثير الديني والخرافي، حيث أننا نستخلص من خلال هذه المتلازمة التي تجمع بين قسوة الخطاب السلطوي وكوميديا القهر الذي يمتهنه المجتمع بسذاجة وطبيعية لتعطيان لنا قدراً من الأفكار الفلسفية المفيدة عن طبيعة هذه المعاناة المقدرة على أن يحملها أفراد البيئة منذ طفولتهم على نحو القدر الذي جعل من سيزيف حاملاً للصخرة، فالتعبير عن مراحل البؤس والمشقة التي يلاقيها الإنسان منذ طفولته في ظل منظومة شاملة من القمع تمارسها المدرسة إلى جانب العائلة بالتواطؤ مع رجال الدين، جعل المجتمعات تنتقل من موت إلى موت، في دوامة من العزلة والاغتراب الكلي، هو انتقال سلس وسريع من قضية لقضية ومن ألم إلى ألم، ولاشيء يلغي الوداعة وشفافية الحلم بالرغم من محاولات الوأد المتكررة والتي تخوضها منظومة السلطة القمعية والأبوية الاجتماعية في جعل المجتمع يلفظ أنفاسه ويتهالك باستمرار، إزاء حالة الاضطراب التي يشهدها الأفراد، المتشردون منذ طفولتهم، إن في الشارع أو في المدرسة، أو على صعيد فساد السلطة السياسية والتنظيمية بصورة خاصة، حيث أن كل شيء محكوم بالطغيان، حيث الإله الطاغية والسلطة القامعة، والأب الذكوري، تشاؤم هادف ويتجه نحو توصيف فاجعة الحدث، ومخلفاته التدميرية، فبحسب أرسطو فإن "هيكل العمل التراجيدي لا ينبغي أن يكون بسيطاً بل معقداً وأن يمثل الحوادث التي تثير الخوف والشفقة"

تماماً يقف القاسي في تناوله كمادة للحديث أمام رهبة المشاعر ولوعتها، كأن المرء على قدر مع التفاهة في كل مكان، حيث يصعب على الملتاع وجدانياً تصديق نفسه قائماً في أمكنة الخشونة حيث تسقط جميع الألوان، وتتداعى صروح الحلم أمام قدر من السذاجة والأنانية البارزة الخادشة لكل مظاهر التواصل المنمة على قدر من الفكر والتوازن،

لذلك نجد أن المسعى الحيوي للكتابة يتجلى في تحقيق الأثر في النفس، ربما نقلاً لحصيلة تجارب متعددة، وفتح قنوات للتحاور الأكثر إثارة، ليس ببروز الذات المنفعلة، بل بإيجاد ذوات متفاعلة، تستطيع أن تهب روح الدلالة، وكذلك الخوض في الأغوار

فطبيعة التغييرات الاجتماعية التي كانت لمنظومة الدولة القمعية اليد الطولى في بناءه حالت دون مواجهة الانحلال الأخلاقي، الذي جعل المجتمعات تعيش في دوامة الفقر والجهل، حيث أن طمس الثقافات لصالح بروز ثقافة واحدة، وفئة حاكمة فارضة لهيمنتها، جعل مجتمع القاع يبرز أكثر فأكثر، حيث تذهب معالم التماسك والحضارة، لصالح نشوب الفساد بأشكاله في كل مكان، حيث تبقى القيم هنا أسيرة العبث به، ويبقى صراع الإنسان الفعلي قائماً وفي أوج احتقانه للحفاظ على القيم الأخلاقية الطبيعية، المرتبطة بالتكوين الذاتي للإنسان ومدى قدرته على المواجهة الفعلية ضد قوى الانحلال والتبعية والمرض،حيث أن سقوط الحضارة مرده تفشي التحلل في أوساط المجتمع، وداخل مختلف فئاتها وشرائحها بفعل استبداد السلطة الشمولية وتفسخ مؤسساتها بشكل هرمي، ولعل ذلك يؤدي بنا للحديث عن كوراث القمع والترهيب الذي تمارسه السلطة الفردية لدوام مكوثها فالصراع القائم ما يلبث أن يودي بصحة المجتمع وسلامة أفراده، ويشير كذلك إلى عجز المؤسسة عن الوقوف بوجه المفاسد التي تنخر داخلها شيئاً فشيئاً، مما يعطي نتيجة مفادها أن الاختبار قادم في شأن إعادة تصحيح المسار السياسي والاجتماعي الذي يوحي بالنتيجة لحقيقة مفادها ان التغيير لابد وأن يسبب الفوضى في بداياته، لكنه في النهاية ينتصر للمجتمع ومصالحه، ولمجموع القيم الطبيعية التي تعد عماد تشكيل الحضارات، ولاشك أن التركيز على الفساد الاجتماعي، يرجح في الآن ذاته الاستبداد السياسي الذي جعل المجتمعات تعيش في تخبط وفشل تربوي فظيع، مما يجعلها عاجزة على استيعاب مضامين الحداثة الكلية التي تشمل الفكر والسياسة والمجتمع، كما أن الحديث عن التحلل وغياب الحياة الطبيعية يشير إلى تفاقم الفساد الإداري وكذلك عجز الجهات المسؤولة على تفادي ذلك ومع الوقت يفشل الجهاز المؤسساتي من أداء وظيفته الموكلة على عاتقه ويصاب بالشلل والعجز التام الذي يقودها إلى التشظي والفناء كنتيجة حتمية، فالانهيار يقودنا إلى التنازع والتقاتل، وكذلك لتفكك البنى الرئيسية للمجتمع، وتصبح تلك الأقاويل والشعارات مجرد كلام في الهواء إزاء الخوف من الحاكم وأتباعه، الذين همهم الأول ترسيخ سلطتهم عبر قمعهم اللا محدود، ولاسيما أن ظاهرة التطرف هو نتيجة سلبية كارثية عن هذا الاستبداد والفساد، حيث يقف المرتدون عباءة التحزب، والمشغولون بتلفيق المفاهيم التبريرية لصالح الحزب الشمولي، الذي يلتف حوله عادة، طغمة من المريدين الحمقى، ممن شربوا من آبار الوهم والانقياد والاصطفاف التبعي إلى جانب المصالح والمناصب، أمام الحب ورغبة التغيير في التصدي للتطرف العقائدي البغيض، الذي يعد جهة قمع أكثر فساداً، وتعد بمثابة الدولة التي توجد داخل الدولة القمعية الشاملة، فبدلاً من أن تؤدي وظيفتها المفترضة، الدقيقة والموضوعية في تنظيم الجماهير والنخب الشابة، تقف عائقاً خشناً إزاء عواطف الأفراد وشؤونهم، باسم الشعارات الجوفاء التي لا تمت بصلة للواقع المعاش، مستخدمة -التهويم النفسي- وهو ضربٌ من ضروب العبث والتأثير بالشباب غير الناضج، ليكون آلة تلقائية تتلقى الأوامر على نحو غرائزي تعويدي، مستخدمة الشعارات والخطابات، المليئة بالوعود والآمال، وذلك بزجهم في أتون أحلام طوباوية تعمل على إماتة التفكير النقدي الحر في أرواح مريديها وتلامذتها، للحيلولة دون تجاوزهم لذلك القالب.

وبذلك نجد التهويم، النسيج الأكثر متانة الذي يلتف حول جماهير مسحوقة، تعيش بين مطرقة السلطة الشمولية القامعة، وسندان الأحزاب الشمولية المرتدية عباءتي الموالاة والمعارضة،فهنا كشف صريح لإشكالية التنظيم وسلبيات الفكر الإيديولوجي الذي يتعمد بهالة الشعارات، ودغدغة مشاعر الجماهير البسيطة، والتي تغذت تاريخياً من طقوس الأديان في تقديس نصوصها وتقاليدها والخضوع لزعماءها وشيوخها، الأمر الذي لا يستسيغه الفكر الحر، ويعتبره من أهم المعوقات التي تقف في طريق النهضة المعرفية والفكر الحر في كافة أنحاء الوجود الهندسي، كونه يعمد أبداً إلى قولبة كل ماهو غير قابل للتحنط والجمود ومثالاً الحب والعلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة، كل ذلك انتصاراً لنرجسية فكر الزعيم الملهم، حيث تقف إرادة الفرد المعرفي ضد بواعث الخطر والدمار الذي من الممكن أن ينجم عن التنظيم السلبي وعدم استيعاب طاقات الشباب الذهنية، عبر الاكتفاء بزجهم في صراعات داخلية تفرغ الطاقة الإبداعية منهم وتسلبهم طمأنينة الحياة الأفضل،وكذلك فإن بحث تجارب المجتمعات في مواجهتها لقوى التهويم والجشع الربحي يعطي حقيقة مفادها، أن ثمة ذلك الصراع الرهيب بين قوى المعرفة التي تصون القيم مقابل قيم تعتاش على زوال تلك القيم التي تشكل عماد بقاء تماسك المجتمعات ورقيها باتجاه المزيد من التقدم والحضارة، فخروج الأفراد أو المجموعات داخل حزب معين وتشكيل حزب آخر، أربك من فعالية الثقة والانجاز، حيث جعلت الفئات النزيهة تلجأ إلى الاعتزال السياسي، الذي يسهم في طبيعة الحال إلى نشوب حالة أشبه بالجنون والزهد، فبروز الصراع الداخلي خنق في الفئة الشابة أسمى مواهبها، في إدارة مناحي الحياة، فبرزت معالم الاغتراب بقوة، وجرى الانقسام في بنى المجتمع وترهل فئاته وشرائحة الشابة نحو كواليس الانزواء والتحلل والضياع، حيث الاغتراب الفردي، ومرد تلك الانشقاقات هي تقليدية الفكر، وجفاف الروح الابداعية، وتسلط المتنفذين والانتهازيين وتوغلهم في كل تنظيم، يحاول القيام بأداء المهام الموكلة على عاتقها، هذا ما جعلها في النهاية، أسيرة الفوضى والتبعية، وجعلت الشباب من أبرز ضحايا الانقسام الدائم،ناهيك عن الديكتاتورية والتفرد في الحكم، أي الزعاماتية في منطق المجتمع الأبوي الذي تجلى في بنية الحزب الشمولي، وغياب أدوار الشباب المعرفي في التغيير والعمل عليه، كل ذلك قاد المجتمع إلى الفوضى، وانسداد آفاق الحل، إزاء عجز النظم الشمولية، عن تقديم الحلول والبدائل العملية،

فالأنشطة السياسية، باتت مشاريعاً ربحية، تصب في خدمة الفئة الخفية المتحكمة في بنية وقرارات الحزب، وغياب الديمقراطية الجوهرية، جعل فئات الجماهير تسير دون وعي بحقيقة مسعاها، ومبتغاها الأصلي، غير دارية بحقيقة الفئات التي تقودها، حيث تتجلى الفوقية والاتكالية، وبروز الأنانية والتجهيل الكلي، والتجاهل لرغبات الشباب وهممهم، وعدم احتواءهم لطاقات الشباب، أو مراعاة طموحاتهم وأفكارهم الجديدة في التغيير والبناء، إلى جانب تفكك الأصدقاء وكذلك الأسر نتيجة طغيان الجهل والفقر، إلى جانب التنقل بحكم الظروف، فمن آخر يغيبه الأمن إلى آخرين يعيشون حالة الاغتراب التي عمت في النفس وتأصلت في ظل انعدام الحرية، والاختيار،وكذلك فإن ابتعاد الفرد عن طبيعته، ونكران رغباته، هو مواكب في الآن ذاته إلى سعي التنظيمات الشمولية لتفريغ محتوى وطاقات أفرادها من أي إرادة في الاختيار أو النقد الحقيقي، وكذاك ابتعاد التنظيم عن غاياته التي جاء من أجلها، حيث نشأ ذلك التباعد فيما بين الأجيال، وهذا أربك من فعالية التفكير النقدي وشتت الإبداعات، واحتمالية ظهورها، الأمر الذي جعل الأفراد في حالات نفور وعدم التقاء فيما بينهم، وعم الاغتراب كافة الأوساط، وبات الناس أشبه بفوارغ رصاص متناثرة على الأرض، فالحديث عن ذلك التناقض في الشخصية والعدول عن المبادئ والمثل في لحظة سلوك تكشف عن طبيعة ذلك العقل الرافض لاستقبال الأفكار الجيدة، بل ويصر على تمثل تلك الأفكار على نحو مزاعم بائسة مزيفة، جعلت المجتمع يعيش في أسر القوالب أو المتاهات الموغلة بالضبابية.

تلعب الأحزاب الطفيلية، دورها في تخريب كل صميم وحي في المجتمع، ليصبح ذلك التهافت على الثروة والنهب هماً شاغلاً، للرؤوساء والمرؤوسين وما بينهما، حيث يعم ذلك الانحلال، ويتفشى مع استيطان وترسخ منظومة السلطة الشمولية، وقمعها المستمر، للشباب عن طريق أحزاب انتهازية، ومجتمع بائس محاط بالقيود، ومؤسسة تربوية تفرِّخ الجهل تلو الجهل، وإزاء هذا الدمار، يحاول القلم الإبداعي تصوير ما يجري عن معاناة المعرفيين في بيئاتهم، التي تطفح بمعاناة لا تكاد تنتهي، لإيجاد بدائل وحلول نهضوية لا تبور.

فالحدث يتناول ترجيح المجتمع للمادة، اعتبارها أولوية على كل شيء، إذ يمكن من خلال المال تكميم الأفواه، وإلزامها على سلوك الضعف، وتحوير المواقف الهشة والتحكم بها، لصالح من يملك الثروة، ووفقه يمكن شراء الذمم، واللعب على كل شيء، على مبادئ الأحزاب، وكذلك التحكم بمسار كفاحها وإيديولوجياتها، وكذلك تكريس الحرب في أوساطها، ونشر الفوضى في المجتمع، حيث يمكن للمرء تبرير كل شيء، ليخفي من خلالها تعلقه بالمال، وضعفه إزاءها،فتجسيد الإخفاق في صيانة الحب، هو إبراز لحصار المجتمع، وإحكام قيود التجهيل حوله، ليسهم هذا التباعد الأسري بمزيد من الانحلال وضياع الروابط الطبيعية بين فئاته وشرائحه، وكذلك إشارة إلى إفلاس مؤسساته وتنظيماته في ظل ذلك الخراب، وغياب مشروعها القائم على التغيير المزعوم، والذود عن أهدافها، لتصبح المنفعة المادية، الغاية التي تبرر وجودها، بل ولعلها تستفيد من تهويمها النفسي للمجتمع وتغييب معرفييها، على الدوام، عبر محاربتهم وتهميشهم،كما تفعل المنظومة القمعية الحاكمة، حيث يتعاظم هذا الوباء والاستمرار في الأخطاء، لدرجة يعم الاغتراب بصوره الفردية والجمعية الفرد والمجتمع ككل، حيث أن ربط: ضياع الحب بضياع الحقوق السياسية هو لإيصال رسائل مفادها ما يلي:

- بيان أن التحرر الاجتماعي متوقف على ضمان الحقوق السياسية وتجسيد الهوية القومية الغائصة في أوحال الاغتراب والتبعية والانطماس

- تجسيد أساليب السلطة القامعة، الحريصة على إذكاء مظاهر الكراهية داخل المجتمع، عبر زجها في بوتقة الجهل والخرافة والفقر

- مكافحة النخبة المعرفية الشابة، وتقويضها، عبر دفعها لصدامات نفسية بينها وبين العائلة، وتصفيتهم روحياً وفكرياً، واستنزافهم عبر الحفاظ على التقاليد القائمة على أساس المنفعة والأنانية والاستبداد

- إظهار بؤس الجانب التربوي، وانعدام وجود آليات إصلاحية جديدة، تحد من التجاوزات التي يتعرض لها الأطفال، إن في المدرسة، أو خارجها.

- فساد التنظيمات الحاملة في ذهنيتها روح الانشقاق والعجز عن مواكبة تطلعات الشعب، في نهضته وحريته، وسلوكها مسلكاً منسجماً مع السلطة التي تعارضها، عبر إقصاءها للشباب الساعي إلى التغيير الجوهري.

- تجسيد طبيعة المجتمع الذكوري، والنظام الأبوي، الذي اعتمدته قيادات الأحزاب الكوردستانية في سوريا، ومالها من رواسب ونتائج على شريحة الشباب، وقدراتهم على التغيير وصعوبه انقيادهم وتبعيتهم لإملاءات حزبية لا تتناسب وطموحاتهم، وفضح ممارساتهم في الدخول لحياتهم الشخصية، ومحاكمتهم بالإباحية والانحلال، استناداً لشعارات واهية يطلقها رواد نظرية المؤامرة، بين حين وآخر لتغطية إفلاسهم الفكري وجهالتهم الواضحة.

حيث لا شك أنه في إيغالات لدلالات وسياقات اللغة الطافحة بالتأويل والإسقاطات الفكرية والسياسية والغائصة أيضاً في روح الفلسفة يمكن أن نوغل أكثر للحديث عن مستويات الخطاب الوجداني، وعن تلك النزعة الذاتية التي تقوم بمحاورة الذات وتعبئتها بحس الإنتماء لجوهر التراجيديا، وهولها، وآثارها على الحالة العامة للناس، وكذلك سلوكياتها، وكذلك فإن غياب العقل النقدي الشاب، هو من أفسح المجال أمام الفوضى القيمية، وجعل الأفراد ينتقلون من انحطاط لآخر، حيث أن التركيز وراء مظاهر الاستغلال والنفاق الاجتماعي، هو تسليط في الآن ذاته، على حقيقة هذا الضعف المزري الذي يعكس بطبيعة الحال، غياب الشعور بالطمأنينة والثقة بالمستقبل، ومما لاشك فيه فإن الثقة هو أساس كل عمل جماعي، وغيابها يعني غياب الفعل الصحيح، والعمل المثمر، وانقياد تعسفي لمفاهيم السلطة الأمنية الرقابية، التي اكتفت بتأمين أسباب بقاءها، وتثبيت نفوذها، عبر دوام قمعها واستبدادها،فهما اشتدت الرغبة في التحليل، تسارعت وتيرة الانقياد لأكثر المعاني غموضاً وانقياداً، بغية كشف الغطاء عنها، وإبرازها لتكون بمستوى الفهم والإدراك السلس والجيد، وهكذا نجد انعدام الروابط القائمة على الحب والاحترام،داخل العائلة، ونجد سيطرة العلاقات الانتفاعية إلى جانب الحاجة المتراكمة، والألم العميق، حيث صعوبة الحياة، والفقر، وفساد المؤسسات، وطغيان الاستبداد، في العائلة والمدرسة، جعل المجتمعات تعيش في حالة اغتراب مزمنة عن الوعي، والتحضر والحياة الإيجابية، إثر استبداد الخطاب الذكوري الاستعلائي، الخالي من أي مظهر حضاري، وكذلك تحطم تلك البنى الأخلاقية الطبيعية بل وانعدام تأثيرها داخل مجتمعات تعيش في سباق صعب لنيل معقولية الحياة الطبيعية، حيث يحارب أفرادها على حدة قسوة الحياة الناتجة عن الفقر والمعاناة، إلى جانب ضعف الشعور بالمسؤولية، حيث أن فساد المؤسسة التربوية، بشقها المتعلق بالتأهيل والتعليم، جعل الأفراد في حالة تشرذم، والعائلة في حالة تمزق، كل ذلك حال بين رؤية تلك الحرية في الواقع،

حيث يخبرنا التأويل بوجوب الوقوف عند العبارات، وجس مواضع التأثير فيها، فالنظم القمعية حددت نمط وآليات التربية الفاسدة لدى المجتمع الذي تتحكم بمسارات عيشه، حيث ينجم عن ذلك، تعمد تكرار الإساءة، ونبذ الإفراد، لبعضهم البعض، حيث يعم التخويف والتسلط والاستبداد بين الأفراد، ويسهم العنف في تفكك المنظومة الأسرية، وتباعدها، الأمر الذي يصل بهذه المجتمعات إلى سلوك نوع من الإجرام الذاتي أو الموجه للآخر، فالحديث عن مسار العنف ومآلاته في واقع الشرق الأوسط، يقودنا إلى تنقيب عميق السبر لتلك الظاهرة، التي خلّفت أضراراً وخيمة، على المجتمعات، حيث يُعتبر العنف خبزها وملاذها، ويعتبر الدين بمثابة دستور يشرعن ذلك العنف، ويعطيه مسوغات مقدسة، للتباهي به عبر مفهومي الشرف والفضيلة، ومما لاشك فيه، فإن للعنف تفرعات تاريخية، اجتماعية، نفسية وسلطوية، تجعل المجتمع، أفراداً وتنظيمات، يمارسون هذا العنف، حيث يلعب التصادم والتنازع دوراً كبيراً في تمزيق العائلة وتفككها، ويؤصل من السلطة القامعة في دوام تسلطها، وتحكمها بالعقول، عبر زرع الخوف وتربيته في الأجيال عن طريق المدرسة، حيث كانت ظاهرة العنف تجاه الأطفال شائعة، في كل مؤسسة تربوية، حتى أن قوانين منع العنف تجاه الأطفال، ظلت شكلية، فلم يتوقف استغلالهم بمختلف الأشكال، فجملة الاضطرابات النفسية، لعبت دورها في تحوير سلوك الفرد، ليمارس دوراً سلبياً في مناحي حياته، فإبقاء المؤسسة التربوية في فشل ذريع، هو من مهام النظم الشمولية المستبدة، حيث أن العائلة كإطار مصغر، يمثل مخفر أمني، مصغر للتحكم بالأطفال منذ نشأتهم، زيادة نسبة التجهيل والأمية، توريط الشرائح المعدمة، بداء العنف والتسلط، يوقع المجتمع في ظل أسر وعزلة خانقة، لهذا بتنا نجد التطرف الديني والقومي بوجهه الشوفيني، قد حقق نتائج كارثية في صناعة العقل المعتقل، حيث جعلت الناس تعيش في متلازمة السادية والمازوشية في آن معاً، ونجد بالمقابل منها سلطة تستميت وتحرق الأخضر واليابس، لأجل بقاءها في الحكم، وما الإشارة إلى العنف الأسري، الفشل المتخمض عنه، إلا شكلاً صارخاً من أشكال نقد السلطة القامعة، حيث انعدام المساواة والضوابط التربوية التي تحدد نمط تنشئة الإنسان منذ طفولته، وكذلك ضياع المرأة بين فكي كماشة العزلة والشعور الدائم بالعوز، وهذا ما ينجم عنه ذلك السبات القهري الذي تعاني منه الأمومة، في مراحل تربيتها للأطفال،حيث تفوق الرجل البدني، جعل منه فيلاً ثملاً، وجعل من قرينه المثقف، ذئباً ساحراً،، حيث نجد المرأة دمية لا قوة لها على دفع الرذيلة باسم الشرع، حيث يغدو الزواج الاستهلاكي بغاء مقدساً تجيزه الأديان، وتفرضه العوامل المادية، والتجهيل المركز، فنحن أمام أورام وعيوب تاريخية طالت المجتمع بمؤسساته الفاسدة، جعلت المرأة مدجنة، بأشكال جديدة، اتخذت تغييراً بوضع عبوديتها، بلبوس ناعم يشي بتحرر شكلي، لا يتعدى من كونها بشكل أو بآخر مستعبدة للذكورة الانتفاعية، إنه ذلك التفوق المكتسب بالسطوة والانتفاخ السلطوي المعزز بطبقة سميكة من المصالح السلطوية، المبقية على الأمية، والسطحية، والاحتقان إلى إشعار آخر، حيث أن تغير النظرة ليس إلا رهين تغيير يصل مراكز السلطة من أعلاها لأدناها، حيث لا يمكن فسخ هذا التعاقد السلطوي الجائر ما بين أعلى الهرم وأسفله، بمجرد وضع نظرية طوباوية، بادعاء أنه يمكن إشادة عقد إجتماعي مبني على سلطة ذاتية منطلقة من الشعب، وليست مفروضة فرضاً عليه من الأعلى، حسب التسلسل التنظيمي، حيث أن العقد هو بذرة يمكن أن نساعد على تفتحها برعايتها فكرياً، وليس بإيهام الجماهير، أنها ممكن أن تكون نظاماً من وحي القائد الملهم، بل إنها في الحقيقة تبنى بناء على إيحاء عام تشترك فيه فئات الجماهير قاطبة، عبر مراحل، وسياقات فكرية، متنوعة، تستمد متانتها من التلاقح بين الألوان والأطياف الاجتماعية، على اختلاف وعيها وموقعها الطبقي، بعد إزالة قيود الذكورة المتأصلة في النفوس، والتي تشي بالمزيد من المعضلات السلطوية الاجتماعية على نحو مركب، إنها ليست آفة اجتماعية ، إنما هي مرتكز يمهد لتغيير طبيعة النظام السياسي، المسؤول عن كل فوضى روحية، تعم في أوساط مجتمعاتها، فهو ردة فعل مركزة على طبيعة العقلية السائدة لدى المجتمع والسلطة، في إيجاد تلك القرائن الأولية التي تدين إخفاق المجتمع في إيجاد ملاذ آمن لأفراده ـ يقيهم من العسف والجور، وكذلك ممارسات تلك السلطة التي رسخت الفساد والعنف الأسري كراع يلجم من أي محاولة باتجاه التغيير والتقدم، فما الكتابة إلا شكل من أشكال التحدي ـ ورغبة في تناسي الموت، للمسير قدماً في سبر أغوار الحياة، وتنظيم طاقة الإنسان العقلية والوجدانية على معايشة أكثر تفاءل، للعالم المعاش، فهنا نجد النقد اللاذع كامناً في داخل رواية تتحدث على نحو متسلسل عن طاقة التغيير والطموح التي يحاول الآخرون كبح لجامها، فالفرد يتعرض لتعذيب وتعنيف كامنين في ممارسات خاطئة ومضطربة، تسود المجتمع، حيث تجبره على الفشل وتقبله بطريقة ما، حيث أن تلك المحاولات الجمة في الرغبة في صنع عالم بديل عن عسف وجور الأقوياء، هو ما يلاقي هجوماً وازدراء كبيرين، حيث يُنظر للفرد على أنه كتلة من الانطواء والاضطراب، نظراً لخضوعه لعنف ممنهج منذ تنشئته، ولاشك أن هذه الحالة رافقت الكثيرين من تلك الشرائح الفقيرة والعاملة، حيث ثمة ذلك الإهمال بسبب الضغط الاقتصادي، الذي شكل بطبيعة الحال ذلك التباعد الأسري والفظاظة في التعامل

فكيف يمكن أن نرى تغييراً جوهرياً للسلطة، والمجتمع مستعبد، فحري بنا تغيير تلك التقاليد القائمة على الجور والعسف، قبل أن نفكر بتغيير البنية العليا الحاكمة، حيث البعض يرى بأن أسبقية التحرر السياسي تسهم بالتغيير الاجتماعي، ولكن الحقيقة، أنه بانعدام الروابط الأسرية الحقيقية، لا يمكن الوصول للتحرر السياسي، حيث خلو العلائق الطبيعية بين أفراد العائلة الواحدة، يسهم في ضعفها الاقتصادي وتخلفها الاجتماعي الذي يعتاش على مبدأ إقصاء المرأة، تحويلها إلى آلة مطيعة وأليفة، وتحويل الأبناء إلى صعاليك متفرقين في كل صوب وحدب، هل بتلك الحالة يمكن تغيير السلطة أو الثورة عليها؟!!، إن ذلك تساؤل مشروع وطبيعي، حيث يمر النقد على أكثر الجوانب النفسية السلوكية استعصاء، حيث يتحرى وينقب ويدخل في دلالة الحدث، ليسدي عملياً جملة توجهات وإرشادات، يمكنها أن تساهم في تحسين فهم المعاني والدلالات، وتقديم أجوبة أكثر منطقية حولها، فهي ليست ممارسة عمومية تتسم بالشمول، إنما تمتاز بالتنقيب حول الغوامض العالقة في السلوك الباطن، حيث يسعى النقد إلى تفكيك الحدث، والتعامل معه كجزئيات تستخلص المرامي من وراء هذا الفعل أو الحدث، فهي ممارسة تأويلية تفكك المعنى، لتستخلص الخلاصة من وراء طريقة المبدع في رسم الصورة المركبة من هيئة تعانق الموجود مع الوجود، بالاستفادة الحثيثة من مسعى المعرفيين في الوجود، ضمن حلقة الصراع اللا نهائية فيما بين قوى الإبداع وقوى الجمود، فهي تأكيد على عظم هذه المواجهة، وامتداداتها في ميادين الحياة المتقابلة،فهي ليست مجرد ممارسة تعتمد أحياناً على التأويل وربما تندرج في إطار سوء الفهم، إنها ألمام بالموضوع، وإيضاح لجوانبه المبهمة والمهملة، لتكون بمثابة إبداع ذكي يتغدى من إبداع جاهز موضوع على طاولة التنقيب والكشف، إلى جانب مناقشة القضايا المتعلقة بطبيعة المجتمع ودراسة السلوك بالتزامن مع الظواهر الناجمة عن الصراع الدائر، ما بين السلطة القائمة والبديلة، التي تزعم بأهدافها النظرية الدفاع عن المسلوب والمنتهك في المجتمع، والتي تجسد عبر ممارستها، سعيها لتكون الحالة البديلة عن السلطة القائمة، نجد أن المسافة ما بين الحب والفقر يتم ملئها بالحديث عن الفساد وسوء التنظيم، وكذلك افتقاد الحياة لمنهجية معيارية تصون الأفراد وتمنع تفككهم، إثر تفشي العنف الذي أخذ أشكال شتى، عدا أن وصف الحدث انتصر للفن، وكشف عن جودة تناوله وتعدد أساليب طرحه، حيث يصعب الإجابة على كل ما ينجم عن تأويل أو تساؤل بشكل وافٍ، ولكن الواقعية تكشف النقاب بنفسها عن ضغوطات الحاجة التي تضطر الأفراد إلى الانكماش حيناً والتوتر حيناً آخر، فعقد المقاربات يعتبر أمراً متجلياً في فهم النص، واستكشافه، حيث يسهم ذلك بطبيعة الحال، إلى إعطاء التأملات الفلسفية حيزاً أكبر في تناول الحدث بشقه الوجداني والواقعي، حيث يبرز دور المعرفة برسمها لسياقات متعددة ومناهج متباينة، حيث أن طبيعة الحياة القائمة سيطرة الفقر وسوء التدبير المتأت عن إهمال وفظاظة تربوية كانت وراء حقيقة التنشأة، أثبتت أن ضعف الروابط الأسرية ناتجة عن فشل المنظومة الأسرية، إنه الصراع الجوهري ما بين الرذيلة والفضيلة، وسط حياة صعبة، وسلوكيات تنم عن خلل نفسي

- إن التنقيب عن القيمة المستنبطة من إرث العلاقة بين الإنسان والمكان، فحواها أنه ما من قوة يمكنها قطع تلك الصلات الخفية بين الذات وجذوره، بسبب وجود تلك الإرادة المنحازة بطبيعتها الأولية لمن يحمل عنها عبء الاغتراب، وهي بمثابة تطلع حكيم لحياة أبهى، ففي معيار الفن والعمل المبدع، تتغير كلياً النظرة نحو الزمان والمكان، منها إلى الواقع، فهي تجسد طرق الصراع بين البشر في إطار المنافع والمفاهيم على نحو متزامن،حيث يتردد في ذهن الفرد تحقق إرادته التي يعتبرها انتصاراً لجزئية بسيطة من العدالة، في حين يجد المقابل، أن الإنصاف لم يتحقق، بسبب لهث المقابل لتحقيق هذه الجزئية على حساب تعاسته، وهكذا نجد أن الحوار يلتف حول نفسه، ليصف بطريقة ما، حالة العبث، لطالما أن مشكلة الوجود عصية الفهم، وفقاً لغريزة الموت والبقاء التي تحفل بها كل الفلسفات التأملية، وتحاول فهمها، حيث يشعر الفرد بفرديته من خلال تفكيره التأملي المفضي إلى التحليق أكثر، بمعنى أن المعاني المترسخة في الذهن ما تلبث أن تتحول لسلطة تفرض نفسها على الكينونة وتلزمها على خوض المعترك إلى النهاية، والنهاية هنا هي النتيجة البعيدة، المستقاة من تجارب تمارس في الذهن، للدفع بالأفكار للترسل أكثر، وهذا ما نعنيه بالفن، الذي يتماهى مع الوجود والنفس، من خلال الآخرين وسكناتهم، ويذهب للبعيد للتخلص من كل قيد أو قانون يقيد من حرية الحركة العقلية داخل الذهن المتوقد معرفة، لهذا نجد أن تلك الطاقة، يستمدها المعرفي من تعلقه بالوجود، عبر أطواره الأولى ومنها إلى النضج المستدام، ومع بروز هذا التفكير وصعوده، يكمن ذلك التساؤل الرامي لممارسة فنون الحياة المتوارية، والتي يسعى المعرفي المبدع لكشفها، من خلال أدواته الخامة، يمكن القول أنها أولى محاولات المرء للانعتاق من تلك القيود المنفعية التي تحصل نتيجة تعاقد حتمي ما بين السلطة والمجتمع الأبوي،حيث نتفاجئ بهذا الوضوح المفعم بالكشف عن ماهية التأمل وقدرته على اقتحام الذهن وتطويقه بكل شحنات الدفق المستمر بالتفكير غير الخاضع لكل الأحكام المسبقة التي من صنعها تعطيل هذا التوقد، نحن أمام ذاتية تتماهى أمام حقيقةالفناء الواضحة وهي أن الجسد يترهل وينخره الدود، وبذلك فخيار المرء المتبصر كامن في انتقاء المعنى الذي من أجله يعيش بجمالية منتقاة وحدس فني، ومعايير قائمة على الحب ومتانة التعلق ما بين الإنسان والمكان، التي عبرها يتشكل الوعي المعرفي ويتم صقله،فكل الجهود التي يبذلها الإنسان على مسرح المكان، تنتهي بهذا الفناء الذي يتحدث عنه سلو حين تأمله لجسده، ولعله منطق أخير يتوصل إليه بشكل منطقي، يحاول من خلالها إدراك الكون، إشارة إلى الصعوبة التي يمكن أن يواجهها المرء في فهمه لأشياء تتعدى حدود إدراكه كعقل ووجدان، وبذلك فهو يرى أن كل تلك الجهود ينتج عنها المزيد من الضحك والغموض، حيث أن إدراك جوهر الفناء أمر عصي على الفهم، بل سيقود لأبواب مسدودة حتماً، وهكذا فإن المرء في سباق مع الزمن، في حراك دائم للسعي إلى الأفضل، في ظل ذلك الزمن القصير الذي يحظى به، والخيارات المحدودة التي في حوزته، ففهم الجسد، والوقت، وفقاً للوجود، يتطلب إلى جانب الرغبة وعياً وزمناً، وكذلك إيغالاً عميقاً في كنه المعاني والإصطلاحات، لمناقشة كل غامض والكشف عن المكنون المخبأ والذي يقودنا إلى تفسير معاني مفتوحة التآويل حول الحرية فمهما كان الاعتقاد أن بناء أي معنى منطقي أو هرم معرفي ليس أمراً مجدياً، تبقى للمرء شهية مفتوحة للتجريب وممارسة الوقت المتاح، لهذا كان الوجود بمثابة المساحة المطلقة ليمارس الإنسان فيه فناءه الخاص به، بقدر كبير من ابتهالات تنشد للبقاء والخلود زعماً، حيث أن الرغبة في الضحك والفن، والكشف عن الرؤى والدلالات، أمراً ممتعاً بالنسبة للمعرفيين، فإن غمارهم وكدحهم في سبيل الخلاص كهاجس افتراضي هو أيضاً رحلة ممتعة ومهمة في غمار التاريخ الحافل بالموت والصراع، وثنائية الهزيمة والنصر، فلا انحياز مسبق للعدمية، أو التشاؤم، لقد وضع الإنسان ما يسمى بمفهوم العدالة الإلهية كبديل عن الهوس التشاؤمي الدائر حول ماهية الفناء ومشكلة الموت الأزلية، الأمر الذي برر للإنسان سلوك العنف، كما برر له في الآن ذاته سلوك الفعل الإبداعي، وهما في تصارع مستمر، إن ابتكار المأساة، قاد المرء لسباق الموت المجنون في سبيل انتصار العقائد، وذلك شكل خطراً، لكنه في الآن ذاته مارس عبادة الجمال في الموجودات، ليمثل نوعاً من الخلاص الذهني الواقف بوجه الموت بماهيته الغامضة، وعلى نحو ذلك

برهن الإنسان المعرفي صدقية كفاحه من أجل الخلاص بمفهوم العقل والوجدان الذكي حيث يبين النص المنتقى، ذلك الغموض الذي يحيط سلوك الإنسان وتصرفاته، وتلك المسافة الرفيعة الفاصلة ما بينه وبين الموت، أو القبح، إن ولع الإنسان بالنظام بقدر ولعه بالتدمير أيضاً، وكأن البناء والهدم عمليتان متقابلتان متوازيتان، فلا هدم إن لم تكن النية معقودة على بناء بديل، حيث يستخدم الإنسان كل أدواته، لإيجاد موطأ قدم له إلى جانب العديد الساعي إلى استلام الدفة، فالعالم الخاضع لتغييرات جمة، وتعقيدات متشعبة، أمسى بمنظور المدرك، عبارة عن كتلة هواجس وأفكار تتناطح فيما بينها، فعملية نقل النص من حالته الإبداعية المعروضة، إلى حقيقته المتجلية بالنقد، جعل منها المساحة القابلة لكل تأويل أو معنى، يراه المدرك بطريقته، مبرزاً في نظرته، طريقة الفهم والإدراك اللذين يعمدان على فحص الجودة الفنية، وكيفية عرض المأساة، ابتغاء للفكرة التي تلبس الفن في مدى قربه من النفس وأثره عليه،حيث تعمد العلوم الإنسانية، إلى إيضاح التقابلات المحكمة ما بين الإنسان والعالم، عبر كشف العلاقة ما بين العلم والفن، التاريخ المغاير لما دونته السلطات، في تجميل انتصاراتها، وزخرفة مفاهيمها، بما يتناسب ومصالحها في كل زمان ومكان، حيث أن تجسيد التاريخ من سياق الإبداع الإنساني، لأمر من شأنه أن يضع النقد في اختبار حقيقي، من حيث إلزامه بالتأويل المبني على كشف المزيد من الرؤى والأفكار الإيجابية، العامدة إلى تحريك الأدمغة ومحو ثقافة التلقي المفرط، دون السبر والتنقيب ومعرفة ما هو قابل للحياة مما هو غير صالح للبقاء والديمومة مع الزمن، ولا يسعنا في هذا الصدد سوى التأمل والتمييز بين غث الكلام وهزيله، وبين جودته المبنية على حسن الإسلوب وطريقة عرضه، ومن خلال نافذة الكشف لمستويات اللغة، وترفعها عن الكلام العادي غير الهادف، يمكن تقديم سياقات بنائية تتسم بالجدة والواقعية أكثر، حيث يرى هيدجر7 في كتابه كينونة وزمن "بأن ما نفهمه أولاً في خطاب ما ليس شخصاً آخر، بل تطلُّع ما، أي مجمل عالم معيش جديد، والكتابة وحدها، بتحررها فقط من مؤلفها بل من ضيق

" الحالة الحوارية أيضاً، تكشف عن توجه الخطاب الذي هو تطلع إلى عالم ما، فتأكيداً على حقيقة التطلع نحو مستويات أرقى من الخطاب العفوي المدرك لقنوات التواصل ما بين الذات والأشياء، لهذا يعمد النقد الجاد والنوعي، على تقديم طرائق أكثر إثارة وتأثير لفهم طبيعة النص، استناداً لمتناقضاته، ومؤولاته المتعددة، عبر تجسيد مستويات التخاطب وفهم إشاراته، فتناول الحدث من سياق عرض الأفكار وكذلك تطرقها الدائم لقضية العلاقة ما بين المجتمع والسلطة، وأثر ذلك منظومة الفكر الجمعي المتضمن خليط العادات والتقاليد هو ما يعرض لنا تلك الجودة ومدى قدرتها على تحقيق الأثر البعيد والرؤية الثاقبة لطبيعة الزمن القائم على حالة التبدلات والتغييرات الكثيرة

نظرة المعرفيين حول الجنس والحب

فالبحث عن الفضائل يبدأ بعد تحقيق الاتحاد الجنسوي ما بين الرجل والمرأة على صعيد القيم الأصل، البعيدة عن الذكورية الدينية، أو الفلسفات التشاؤمية التي نسجت على منوال الأديان قالباً حاد من خلاله الرجل عن المرأة والعكس، والجنس يمثل أصدق حقيقة عن تعانق المادة مع الروح، أو عودة الروح لقالبها المادي، فتجسيد التلاحم العضوي هو في أصله تشبه بالاتحاد الطبيعي المفتقد في عالم غزته التقاليد والأعراف، وداهمته أشباح الأساطير والتابوهات، حيث تأخذ منحى إيجابياً على صعيد ترميم ما تحطم على صعيد الواقع المضطرب، حيث أن الحب الذي يشكل في أبعاده المبررات الحتمية للإبداع ووحدة الدماغ الكلي للبشرية، يضع الجانب البيولوجي في صميم معادلته المحتكمة لتداعيات الاحتكاك بين الموجودات البشرية والطبيعية، الأمر الذي أعطى النسل، والامتداد والتوالد الدائم، من خلال السمو بالجنس لمراتب اللذة والكمال المعتمد على النظر لجمالية ذلك الفعل المتحد ما بين الثنائيات المختلفة،، والتي من خلالها أمكن أن نسهب في الحديث عن الطاقة الإبداعية، فذلك الحب هو ذلك الفعل، من لم يتحرك في سبيل أن يعي الحب، لا يمكنه فهم كنه الوجود، الحركة تمثل السعي للقيمة، والقيمة تتمثل بالمنتوج الحركي المتفاعل في هيئته الكلية، وما الجنس سوى منطوق الحب المتجلي في الحركة المعتمدة على السعي نحو الأفضل من خلال مضاعفة الجهد،حيث ان تلك الجهود والمدارك متأتية من حاجة الإنسان إلى التزواج مع الوجود من خلال احتكاكه واتحاده مع نصفه الآخر، وهنا أمكن أن نعطي الجنس ذلك الوعاء المتسع لقيم العلاقة المتبادلة والهادفة إلى الإعمار والحضارة، حيث نجد أن المعرفي هو الجدير بتسيد الوجود، لأنه لا يخجل من أن يكون خادماً له، عبر إعمال الوجدان والعقل على نحو منتظم ومتزامن، إن أعداء الوجود هم الذين شوهوا قيمة الجنس بعد أن قصموا ظهر منظومة الاتحاد الجنسي القائمة منذ أزل التاريخ إبان عصر الألهة، لهذا نجد الكواليس هو الفعل الذي يلجأ إليه عشاق زمن الظلام، زمن تعسف قبضة الذكورة التي باركتها الأديان السماوية وبخاصة الإسلامية، حيث بات المكان الذي يتم ممارسة الطقس الطبيعي الاتحادي بين الرجل والمرأة، مما بات الجنس في الوجه المقابل وسيلة للتسليع والترويج الإعلاني، وتم تحريف مساره مع تقادم عصر الإعلام وترويج السلع التجارية، وكذلك التأثير السلبي على العقول، حيث يمر المعرفي من بوابات الحس لينقل لنا ما يجري في عوالمها التي يطلق عليها منتشياً بالروح، فما تفرزه تلك الغريزة ليست بمعزل عن الوعي الأسمى الذي يربط الموجودات بوجودها، لهذا فإن الإبتكار والبناء، والطاقة كلها من مصادر ذلك التشارك، الذي يربط الكائنات بعضها ببعض، لهذا ينحو التحليل منحى إيجابياً في اكتشاف الأثر الكامن في تفاصيل العلاقات الحميمة التي يهبها الجنس من خلال كونه مصدراً للتناسل ومتمماً لنضارة الحياة وبهاءها، وهاجساً لدى الفلاسفة في تنازعهم الجدلي حول ماهيته، وطبيعته، فذلك الترابط المنطقي ما بين المادة وابنها الروح، يعتبر منطقياً خالياً من أي أوهام قد تفرزها أقاصيص ما وراء الطبيعة وتلك الروحانيات الغارقة في أخطاء الميثولوجيا، التي تشي عن رهبة الإنسان وخوفه من التجرد والركون لمنطق المعرفة المتمثلة بديمومة الارتقاء للأفضل، وفهم الوجود عبر تطوراته وتغيراته، وما الجهل إلا تلك العقبة الكبرى الواقفة بالمرصاد لصلابة ومتانة ذلك البناء الهندسي المحكم المتمثل بالعمران والفكر، والتي يترصدها صناع الحروب في كل زمان ومكان، والتي يقع العاشقون ضحاياها عبر الحقب المتزامنة، فهنا تنتصر الرواية لرواد الكواليس، ممن هم عازمون على الانتصار لذواتهم المنتهكة في مسرح الحياة والأحداث بكل تعقيداتها ومصاعبها، ولذلك فلا نجد سوى تلك المواءمة المعبرة عن وحدة الحب والجنس المحفزين على الإبداع والحرية في بيئة سحقت فيها الأحلام وتجمدت، حيث تعمل الانفعالات وردات الفعل المتمخضة عن التجاذب والتوق إلا إطالة أمد المعركة من أجل تحقيق المثل الأسمى الراكن في الأذهان المرهفة، والتي يتلبسها شبح المأساة العارمة والتي لا تقتصر على إتمام مراسيم وطقوس الوله الجسدي فحسب وإنما تتخطاها لتعبر عن هواجس مجتمع يعاني بكافة ميادينه واتجاهاته، لقد تضمنت العلاقات الحميمية التي تمتاز بالصدق والجمال الحي بمدى قدرتها على أن تتجسد بأساليب راقية لا تعادي الفهم في محاولة لإلباسها ثوب التماثل الفني القائم على الوعي وتحقيق رسالة المادة في معاكسة الكون وكائناته المتوالدة جيلاً بعد جيل، فلا تخلف الحميمية الطبيعية، شعوراً بالندم والعار، بقدر ما تعطي شعوراً مميزاً بالتفوق والراحة النفسية،، فبخلو الحب وبهجته، يقدم المرء على ارتكاب النزوة دون وعي، وإنما محاولة منه لسد منافذ الوحدة والشعور بكراهية الذات، حيث تغترب النفس عن ما يكتنز الطبيعة من بهجة ونضارة، يصبح الانقياد للغرائز الوسيلة الأسهل لدرء الخوف من المجهول، ففي ظل المشاعر الآنية، والرغبة في التعويض عن الحرمان، تصبح الرغبة في التحرر والانعتاق من الأسر مضطربة، متأرجحة تحت سلطان الهوى الزائف، ونيران الغرائز المعقوفة، ما بين ضغط الثوابت والجوع الجنسي، حيث تتجلى الطاقة هنا لتعبر عن رغبة في تحقيق حلم تأخر تحقيقه، ولكن نظراً لسواءات الأنانية وأوبئة الأنانيين، حيث يتدخل الجنس في فكرنا ونظرتنا للأشياء على نحو غير مباشر،لتعبر في أحد فصوله الجميلة عن رغبة عارمة بتحقيق السلام الداخلي المفقود، في حين تبدو في أحد صورها تعبيراً عن الأنانية التي لها أفرع تمتد إلى الجشع والكراهية، لكنها في عرف العاشقين شكل من أشكال تفعيل الطاقة الإنسانية لحب الوجود برمته، لهذا يعد المظهر الجميل للسمو بكل تعابير النفس المبصرة للجمال، وموقف ما في حضرة العوائق التي لا تتغلب بقسوتها على طبع الوفاء والتشبث بالأحلام لحين تحقيقها، فهنا يتحول الفعل الحركي بين ذاتين عاشقتين ملتحمتين، إلى تحوير لفهم الحياة ومعاني الاتحاد بين الرجل والمرأة، إخلاصاُ لحقيقة المثل ودورها في صناعة فكر الفرد وقدرته على إيجاد مناخات أفضل للإبداع المستمر، حيث يعتبر الجنس توقاً للحياة الأفضل، وإنعاشاً للجمال المتجسد في حقيقة الوجود الهندسي.

حيث لا يمكن فصل الحياة العاطفية من منظور الفلسفة التي تعمل لإعادة كشفها وفهمها بطرائق أرحب وأشمل، فغياب الألفة يعني بالضرورة غياب العقل، فحقيقة الضعف البشري كامنة في إبتعادها عن الحب الذي يمثل العاطفة الأرقى التي تجيش بالمدركات العقلية المفيدة، والتي بدورها تؤسس لمعرفة قويمة، في مواجهة تقاليد الموت المتمثلة بالتطرف والكراهية، وبذلك ترتقي الذات المعرفية عن مفاهيم التشاؤم وصناعته باتجاه تمجيد الموت وتقديس الرب والشخص خدمة للمنافع وتهديداً للرابطة الطبيعية بين المجتمعات، فالحب يوقظ في داخل النفوس العقل الباطن الذي بدوره يهدف لصون الوجود أبداً، من مخاطر الإنسان الأناني الساعية إلى تهديد مكتسبات الإنسان المعرفي عبر العصور، فاستمرارية الحياة على نحو مزيف يقود العالم اليوم إلى سباق التسلح وصنع الأزمات والحروب لما لانهاية وذلك في مجتمعات لا تترابط ولا تتآلف، بل تتنافر وتتنابذ، الأمر الذي جعلها فرائس سهلة للأنظمة الساعية إلى تفتيتها وطمس معالمها، وقتل عشاقها، وتشريد معرفييها على الدوام، بمقدار حرصها على زيادة عبيدها ومرتهنيها، وكثرة تنظيماتها ومريديها، فنحن نشير إلى بواعث من شأنها أن تسهم في إذكاء شرارة الوعي بين المجتمعات، الأمر الذي يساهم تدريجياً في نهضتها وإنعاشها، لمزيد من الرضا والاطمئنان

الجنس والسياسة حسب نظرية الحب وجود والوجود معرفة:

حيث تسهم غريزة الجنس في بيانها لعجز الإنسان على العيش بتوازن، إثر تقاليد أربكت فعالية العقل الناجح، وجعلت الأذهان تتجه لتأمين قوتها اليومي، وتنشغل في فقرها، وحرمانها واغترابها الذي يزداد سوء وفظاعة يوماً بعد يوم، وعلاقة الجنس بالمجتمع، هو ما يتعلق بقضية وجودية تتعلق بدافع البقاء، والصراع من أجله، ولعل عزم المجتمعات باتجاه الحرية والرفاهية، يتعلق بمدى قدرتها على تحقيق التماسك، وهذا لا يتم في ظل تباعد الرجل عن أنثاه، وعدم استقرار الحياة الجنسية في أوساط شرائحه وفئاته، مما يباعد في آن ذاته بين المجتمعات وتقدمها وكذلك عزمها لتغيير نخبتها الحاكمة، لهذا فالتعبير عن جوانب النقص مسألة هامة، فتعاون المرأة والرجل يتم بعد ديمومة اتحادهما، والنظم القمعية تحارب ذلك الاتحاد من خلال الفقر وسيادة الأعراف والتقاليد انطلاقاً من خرافة القضاء والقدر، التي تسهم من خلالها في تخدير المجتمعات وتكبيلها أكثر، منعاً من أن تكون قوة مربكة لها، تساهم في زلزلتها، بلقيس احتاجت الطمأنينة، في عصر رأت فيه أنها لوحدها، هذا ما جعلها تعود لجذورها، لتقتات ذلك السلام المفقود، لهذا نجد الجنس والوصال معبرين عن حقيقة التطلع للأمان والحماية، وكذلك رغبة في الاستمرارية والبقاء في ظل توازن حقيقي، يرحب به العقل الباطن وترتاح له النفس بشكل كامل، حيث يعمل الدافع الجنسي المغلف بحب عميق على تقديم رسائل تتمثل بقدرة المرء على صناعة العائلة الحقيقية التي عمادها الأساس الحب والانسجام الفكري الروحي الموحد.

حيث نجد أن عبء المجتمعات أكبر في عدم قدرتها على معرفة ما يعتريها من جوع ورغبة في تذويب الهوة بين الرجل والمرأة، لخلو ذهن أفرادها من ثقافة الجنس، التي حرمتها الأديان الذكورية التي استخدمت الإله الذكر لإرضاء فئة السلطة ونسف رغبات العامةمن الشعب، وذلك بتكبيله على مدى قرون عبر قيود الأعراف والتقاليد التي أسبغ عليها المقدس فيما بعد، لقد تم استخدام الأخلاق بوصفها شماعة يتبجح بها أرباب السلطة والمال، التي هرطقت العقل المبدع بل وسخرت منه، وأدانته، بيد أن الحقيقة المعرفية تنتصر على الدوام في كل موقف، ولا يعلوها أي علو، وبذلك تشكل العبارات المجسدة اتحاد الرجل والمرأة في ظل الحب، بمثابة النصر المعرفي التي تزهو عبره قامات الوجود، فغياب مظاهر التقديس السائدة قديماً عبر تقديس الثقافة الشرقية واليونانية لأعضاء الرجل والمرأة التناسلية لصالح سيادة اتخاذ المرأة وسيلة خدمة وإمتاع وكذلك شيطنتها وجعلها أشبه بمسخ، جعل الحياة الطبيعية في تدهور مستمر، وقاد البشرية إلى مزيد من الحروب التي تدفع المرأة ضريبتها في كل عصر،

إن تناول الغموض في الطبيعة البشرية، هو ما يجعل الفكر هائماً في خياراته المتشعبة لسبره بصورة جيدة، يمعن فيها الكشف عن علل الإنسان وسلوكيات الجماعة المعبرة عن حصيلة تلك الأفكار والعوائد المشتقة من المعتقدات الروحانية منها وكذلك المقتبسة من حالة الانتفاع العامة، ولعل علاقة الرجل والمرأة تتأثر تبعاً لذلك،  حيث لم يعد ثمة من وحدة إنسانية معبرة عن دواعي رقي وانفتاح، وإنما ثمة ضياع مطبق ومستقبل غامض، فتلك العلاقات القائمة خارج دائرة الانفتاح على الآخر، تسودها الاضطرابات النفسية والمزاجية التي تؤثر على القيم التي يؤمن بها الفرد، ويضعها وسيلة للمحافظة على الروابط الإنسانية مع أقرانه، وبضياع ذلك التعاقد الطبيعي، يستفيق المجتمع على كارثة قيمية، تلغي أدواره شيئاً فشيئاً،حيث يتوج الحب بالسخف والخوف والنفاق، وتنقلب اللحظة الهادئة، إلى فخاخ من الحيل تنشد المزيد من الزيف والتسطح، فهذا الفشل الذريع في العلاقات الإنسانية هو انعكاس لمنظومة السلطة الفاسدة في هيمنتها على عقول المجتمع، وذلك من خلال إبعادها عن عملية البناءوالتحول الديمقراطي، وجعلها مكبلة بأغلال المفاهيم وضغط الفقر، وسيادة المفاهيم النفعية الأنانية، الأمر الذي أدى إلى ذلك التحلل وفقدان الارتباط الحقيقي بين أفراد المجتمع ولاسيما نخبته الشابة، حيث تغدو الغرائز أقل من أن ننعتها بالحيوانية لبراءة الحيوان منها، وكذلك خالية من أي معنى يشير إلى الشفافية والصدق، حيث تمارس النشوة بطرق مبتذلة، تكشف عن علل الذات وتشوهاتها، حيث يتشارك الرجال والنساء أدوار الاتجار بالقيم وخيانة الجمال، فهذا الواقع الذي أفرز عن علل جمة قاد المجتمع إلى مطبات متعددة، وعرقل أدوار الفئة الشابة في صنع حياة واضحة المعالم، حياة عمادها التشاركية والتطلع لمستقبل أفضل، بعيد عن التحقق بسبب سيادة روح الاغتراب،وتفشي الاستبداد الذي باعد بين الفرد والآخر، وجعل كل الرغبات الإنسانية الطبيعية مغلفة بغلاف الاضطراب والرداءة والتحلل الخلقي، فلم يعد ثمة من بوادر عن علاقة أفضل على صعيد الميدان العاطفي، فالشهوة رديفة السلطة، وهي بالتالي تبرر لديمومة الاستبداد، فما من ثورة ضد هذا الواقع الذي تتنازعه الأنانية بين أفراد تلبسوا الشعارات،وزيفوا من خلالها كل جميل، حيث تأتي رداءة الطباع البشرية إلى طبيعة نظام الحكم المستندة على تعبئة الجماهير بالأوهام عبر تشويه الجنس والحب، والزواج، عبر عريضة الوعظ الساذج يتم تلقيها، كبديل عن منهجية النظام التربوي، إن انعدامه هو بمثابة انعدام الأوكسجين عن الرئتين، مما يفسر تفشي العلاقات ماوراء الكواليس، والفشل المتكرر في إقامة علاقة طبيعية مثمرة، إزاء إفلاس الدولة، عجزها عن حماية أفرادها، واستبدال النظام التربوي بنظام يرتكز على تجديد الأساطير والمعتقدات الشعبية والعقائد الدينية التي تحض على طاعة الحاكم، وتبين ألوهيته، وكذلك تحويل المساواة بين الرجل والمرأة إلى حلم إبليس بالجنة، مقابل إقامة معادلة السيد والعبد

حيث تم المحافظة على هذا الموروث بطريقة تدعو للتساؤل، ما علاقة قيم الذكورة بمبدأ المحافظة على قيم السلطة الاستبدادية!؟، بالطبع نجد العلاقة الحميمة والمتممة بين تلك المفاهيم والقيم التي تبني السلطات الأمنية عليه أسس بقاءها، تفخيخ المجتمع بأحزمة العهر وعبواته، مبدأ فعال في حماية موروث السلطة الديكتاتورية، وجعل الأساطير والمعتقدات الشعبية وسيلة لاستيطان العنف في أروقة المجتمع الذي يعاني من العنف الأسري والحزبي والتعليمي، عبر قنوات تواصله مع المساجد والمدارس، والاجتماعات الحزبية، والإعلام، وهكذا لم يبقى مكان إلا وتشرّب فيه المجتمع كل ما يكبل فكره وفكر نخبته الشابة على وجه الخصوص، حيث يتم تكبيل الأفراد بمفاهيم قامعة لكل مسعى من شأنه خلق بذور الاتحاد بين الرجل والمرأة، إذ ثمة ما يستدعي الغرابة من طبائع النفس البشرية وذئبيتها، وأصالة التدمير التي تنتابه في لحظات الجنون كردة فعل عن التشويه الحاصل في الحياة، فالحرب جاءت بعد صراعات اجتماعية عززت مفهوم العنف وجسدته، فالعهر والفساد، والخوف عزز من بوادر قيام فوضى كالتي يشهدها الشرق الأوسط والعالم العربي تحت يافطة الربيع العربي، لم تسلم المجتمعات منها، ومن نارها المتلظية في كل مكان، وبات الخيار محصوراً في الفرار أو الموت، حيث تم إطلاق العنان لهذا الجنون الذي أحال الأخضر إلى هشيم ورماد، وأعاد العالم إلى عهود الغطرسة والوحشية، عبر سباق بيع الأسلحة وتدمير موارد الشعوب وتشريدها فلم يستطع مطلب الحوار أن يزيل هذا الاستشراس، ولم تستطع الحلول الموضوعة على الطاولة، في استمالة الإنسان للهدوء وتسيد الوجود بالحب والفن والسلام، حيث تخلى المرء عن ذاته، وتحولت معارفه إلى وحش رابض في كل ركن وميدان، مما أخذ ببث السم في شرايين الطبيعة التي دبت فيها أصوات الفناء والانهيار، وكأن الإنسان مجبول على أن يكره ويمقت ويحقد على من حوله، فلم يسلم الحب من الأذى، والعلاقة الحميمة، لتصبح فيما بعد طريقاً إلى بث الاضطراب والمرض، فالحديث عن البشاعة والألم هو الأكثر واقعية ومصداقية من تخيل إمكانية خلق الأمان والوئام الإنساني، فدعاته في الآن ذاته يميلون لإظهار كراهيتهم لفئة ما بعينها بين فينة وأخرى، لهذا تستمر تلك المعركة ما بين الأخلاق والانحلال، والتي يصر الفكر على الانتصار بها، كون ذلك يشير إلى قوة الطبيعة في تشبثها الخارق بمدلولات الجمال المترامي بأبعاده،

لهذا وجدنا الدخول للمعنى والتأويل على ضوءه مجدياً في سياق بحثنا عن ما يجول في دواخل الأفراد في محاولة ما لعقد قرائن ومقاربات فلسفية نفسية، من خلال ذلك يمكن معرفة التاريخ المرتكز على حماقات البشر وصولاتهم في عالم السلطة والاقتصاد وإدارة المنافع وما يطرأ على ذلك من تحول في مسيرة القيم والتعايش بين البشر، الأمر الذي يسهم في زلزلة الأخلاق واتخاذ الغايات المادية مطلباً رحباً في الولوج لحياة المجتمعات البسيطة، حيث يتجلى البؤس الاجتماعي كرمز للفساد السياسي، وكذلك يتجلى اضطراب الحياة الجنسية للأطفال، كرمز عن تشوه الأخلاق وبقاءها مجرد ضريح مهتز،

فالحائل الواقف أمام سعادة الإنسان وأداءه الجيد، هو الجهل المتفشي في مدارك ووعي المجموع المنقاد للعادات البائدة والسلوكيات المتوحشة، المتوالدة عن الاعتقاد بأن أصول هذه العوائد مشتقة عن المقدس، ولعل التنظيمات حافظت على الموجود كما هو،كونه تمثيل لذائقة الناس المتمثلة بعبادة القوة، والبطش، فلا شيئ يروضهم إلا الخوف من الأقوى والامتثال لطاعته مادام على السلطة جالساً، وهكذا دأبت في المحافظة على سنن الخضوع، لأنها كفيلة بدوام البقاء، إن قطع الصلات مع الحاضر وتغييراته، يمثل ديدن تلك السلطات والأحزاب، إنها تعمل على محاربة العقل المعرفي، ومحاصرة المعرفيين، أصحاب الملكات الإبداعية، والأعين الفاحصة للمجتمع والمتكلمة عن عيوبه وعلله

المعرفيون بمواجهة الفساد السياسي

لهذا برز الخداع كمذهب فردي وتنظيمي، وشاع ليغطي على أكثر الأعمال مثالية، إلا أن الهدف منه هو تحقيق أكبر قدر ممكن من المنفعة والوصول إلى السلطة،فلن يتم التخلص من طور الأمية السياسية والدهاء الذي يهدف للتلاعب بالعقول، إلا عبر سلوك الوصف وإبعاث النفور والإزدراء من تلك الطبائع السلبية، لهذا يبرز الانتقاد هنا بمظهر الوصف الفني، ليخاطب الوجدان والذائقة معاً، للتعامل مع الواقع السياسي على نحو أكثر عملية وفهم لمقتضياته، حيث يمارس التحايل على حساب القيم المزمع الدفاع عنها، فالتلاعب لا يتوقف في ظل دوام غفلة الناس وتجويعها، ومحاصرتها فكرياً، وإشغالها بتقديم طقوس الطاعة والولاء للأشخاص المرؤوسين، لهذا فحتى صياغة القوانين المدنية لا تشفع لمجتمعات اعتادت على الخضوع والولاء للأقوى الباطش، حيث يخفت العمل من أجل المبدأ حباً، لصالح المتاجر بها بغية المنفعة، كتخدير الفئات المسحوقة بحقن الشعارات أو القضاء والقدر، لإدامة الجهل والتجهيل، ونشر الاحتقان الإيديولوجي القائم على المعاداة والاحتقان،وحروب السلطة لا حصر لها، فيما لو واكبنا حقيقة الصراعات بين البشر، تحت مسميات بريئة، تقود لأفعال غير بريئة، لهذا يتجلى الكذب والخداع كمبدأين أساسيين لاستمرار السلطة في ابتزازها وتأليب الناس بعضها ببعض، على هذا المبدأ تتعدد الذرائع التي تشن لأجلها حروب العصر، ويبقى العنف بأشكاله شعاراً للمرحلة، حيث يبقى على الطرف الآخر من الصراع القديم الجديد، المعرفيين، أصحاب الملكات العقلية والتفكير النقدي، غير المرتهنين والمنقادين لمكائد السلطة، والذين يغدو غالبهم ضحية مواقفه، ليكونوا إما في السجن، أو في القبر، أو ما بينهما صامدين لا يئنون، والقسم الضعيف المنغر ببهرج السلطة يسير لخدمتها، ليزيل عن ذاته مواهبه ومدركاته لصالح الذين يعتاشون على مبدأ الكذب وعزلة الأفراد، حيث لا ثوابت في الممارسة الشمولية للسياسة، سوى بدوام الارتزاق، ولا حرية في ظل القيود، ثمة دائماً تآمر يتم بمعزل عن الآخرين الذين يعملون وفق قناعاتهم الطبيعية التي جاؤوا لممارستها، حيث يتحرك أي نظام بفاعلية بسبب وجود الغافلين عن مكر ودهاء الساسة المتصدرين المراكز العليا، كونهم يتحركون حسب اعتقادهم بأهداف ما جاؤوا لأجله، ويموتون في سبيله، لكنهم بطبيعة الحال يخدمون الفئة المتحكمة في كل شيء، لهذا فوقود كل الحروب عبر التاريخ،هم تلك الفئات الغافلة التي تقاتل لأهداف معينة انقادت إليها على نحو عاطفي ووفق إطار ضيق، فيه من الخيال الذاتي ما جعل غالبية الناس تموت لأجل ولاءها التصوفي لقادة رموز،لم يجالسوهم بتاتاً، وتحت يافطة الدفاع عن الغايات السامية، لهذا أضحت تلك الحروب تقاليداً تزعم الخلاص، باتت تحتفل بالموت وصخب الزغاريد المواكبة لمشي الجنائز، وهكذا نجد أن حقيقة التنازع تتصدر نمط عيش الفئات المعانية من رداءة المنهج والمسار، وانعدام المنطق والاجتهاد، فالله وفق جدلية الفساد هو المال المقترن بالعهر الأخلاقي،والجهل المفضي للمزيد من الاغتراب والفوضى والاحتقان بين شرائح وفئات المجتمع المسحوق، حيث القمع ومحاكمة الآراء وفبركة التآمر ضد أصحاب العقول الحرة والأفكار الجديدة، ليكون الديدن والمذهب الشائع في إدارة الحياة، فالمستقبل محكوم بفشل أجياله، إثر فساد نظرية الإدارة، فالواقع الاجتماعي والسياسي على مستوى السلطة والعائلة والحزب، متصدع البنيان، لذا وجب الكشف عن تلك العلل والمفاسد التي قوضت القيم الأخلاقية وزعزعت إيمان الأفراد بعضهم ببعض، إنه العنف المركز الذي يسلط قيوده على كافة مراكز الحياة والعمل، حتى تربية الأطفال، افتقاد المنهجية الصحيحة لتربيتهم وتعليمهم سواء في البيت أو المدرسة، الأمر الذي ربى البؤس والقسوة في حياتهم منذ البداية، حيث نرى أفراداً عنيفين، متطرفين في الرأي والسلوك، وأفكارهم تؤولها روحهم المتشاءمةوالتي ولدت إيماناً متزعزعاً بالذات والآخر،

فتناول الفساد بات عبئاً نفسياً مدرجاً، والعزم في خوضه متأتي عن خطورته على مختلف الجوانب الحياتية، حيث هبت نيرانه لتصل إلى العلاقات البريئة الحالمة، ولعل ذلك الميل للسلطة المطلقة، هو ما جعل الفساد السلطوي أصلاً لأي فساد اجتماعي أو أخلاقي أو ثقافي، ولاسبيل لتجاوز ذلك إلا عبر الاعتراف به، والعمل على درءه، فالسلوك الأناني ما يلبث أن يسيطر على تصرفات الأفراد من خلال السلطة المنحازة للثروة وتحصيلها من قوت المجموع البائس، ففي ظل غياب الفكر المنظم، والمعرفة الخلاقة، تتجلى العقبات الواضحة في طريق نهضة المعرفيين وتطلعاتهم نحو الغد، الأمر الذي يجعل مستقبل الأجيال على المحك، حيث لا يمكن انهاء الفساد من جذوره، ولكن يمكن الحد من مخاطره ما أمكن، لقد بات الفساد عاملاً لقتل الأحلام والتطلعات الفتية،ولعل الفساد هو رب التنظيمات والسلطات في الشرق الأوسط والعالم العربي، ومرد ذلك يعود لطغيان القمع بشكل ممنهج عبر تطعيمه بمبررات دينية، قومية، مذهبية، الأمر الذي جعل من الصعب إنقاذ المجتمع من هذه الفوضى، وحتى تلك الحركات المضادة لتلك السلطات الفاسدة عاجزة عن إسقاطه، لارتهانها لقوى خارجية ذات أجندات معينة، وتجربة الربيع العربي خير شاهد على ذلك، فكانت بمثابة جرس الإنذار الذي لا يتوقف عن إصدار الرنين، بين شعوب صمّت آذانها عن سماعه، وسلطات غيبت السمع عن جماهيرها المعلقة في الهواء، فالسعي إلى السيطرة والتفرد هو جزء من آفة التفكير الشرق أوسطي،ولعل ذلك يعتبر المعطل الحقيقي لبروز أي نهضة تنويرية ذات فاعلية وتأثير، ولعل القمع والاعتقال والإبعاد هو من نصيب المعرفيين الذين لا يكفون عن بيان عيوب السلطة ودورها السلبي على الحياة والمستقبل، إن افتقار السلطة لروح الفلسفة وفهم الحياة برقي وانفتاح، يسهم في استمرار المظالم الاجتماعية والتي يتقاسم عبئها الرجل والمرأة على حد سواء،وتلاعب السلطوي بعواطف المجتمع من خلال ترديده لنظرية المؤامرة والاتجار بمفهوم الثورة والتضحية بالأفراد، هو ما يجعل أي مسعى وراء رد الظلم والحرب الخارجية هو بمثابة الجلوس طويل الأمد على كرسي السلطة وتحويل الشعوب لعبيد وخدم، والمعرفيين إلى مرتهنين أو معتقلين، لهذا لن يجدي الحديث عن تضحية فردية يقوم بها ثائر يسعى بعد ثورته ليكون سلطوياً رديئاً يتاجر بمبادئ ثورته، ليبرر عبرها استبداده واحتكاره العائلي لمقدرات البلد الذي ينتمي إليه..، هكذا يتم سلب الأمان والصفاء عن الفئة الشابة، لتكون إما نازحة أو وقوداً لمعارك سلطوية لا علاقة لها بمسوغات الدفاع عن البلد وأمنه من المخربين،حيث يسعى الفكر السلطوي والإيديولوجي لاختزال العالم على هيئة منتجعات وفق تعبير حليم يوسف، إلا أنه يفشل مراراً في هذا المسعى حينما يصطدم بوعي وليد مناهض لهذا التشويه الممنهج، حيث أن التصورات الحقة لا يمكنها أن تستسلم لسبات الوأد، وتثبت فعاليتها في صورة الصدام السافر الذي يأخذ شكل محاكمات وتساؤلات تعزز من مفهوم صراع الأضداد القائم، لهذا نجد الحديث عن العنف والغرائز هو ديدن المجتمعات المقموعة من قبل السلطة وعبيدها السعداء، وباتت خبزاً طازجاً يتم تناوله في كل وقت، حيث يكتسب المجتمع العنف، عبر ظروف الحصار الاقتصادي والتشتت الأسري الناجم عنه، وهي بذلك تصبح عاجزة مع الوقت عن مكافحته، فما بين وجوده كدافع باطني لدى الفرد وما بين اكتسابه كعرف وتقليد ناجم عن أطوار العزلة والتقوقع في مناخ من الرهبة والقلق النفسي، يكمن ذلك الجهل المحاصر شرائح المجتمع وفئاتها الشابة التي تعاني وتستغيث، وتنادي بالإنصاف على كل الصعد والميادين الحياتية، فيتحول الأفراد إلى ساديين ومازوشيين، إثر طفولة قاسية وحياة اقتصادية رديئة، تولد عند المرء شعوراً ممنهجاً بالتشاؤم والإحباط، ولعل رواية سوبارتو تزخر بذلك، حيث أن ترسخ العدائية على نحو قاتم يعطي شعوراً فظيعاً بالضياع، ولعل أنماط السذاجة والبدائية المتجلية تكشف عن تبلور العنف في تلك البيئة التي يعمد أفرادها إلى التوحش والتطبع بالقسوة والرغبة بالانفجار، حيث يستمتع المرء الأرعن بالقتل، وما أكثر مسوغاته إذ تتجلى دينياً وقومياً في كامل رقعة العالم النامي، والتي تتفشى فيها البطالة ونقص الغذاء والخدمات، وسوء التربية، الأمر الذي يجعل من العداء والانتقام قانوناً وعرفاً، على الرغم من أن المرء تخطى أطوار التوحش القديمة، إلا أنه ما يلبث أن يحافظ عليها لمزيد من السيطرة وتفخيخ العقول وتدمير الوجود، لأسباب تتعلق بالموارد الباطنية، فذاك الميل لتدمير الحياة، بات يهدد المستقبل البشري برمته، فما عمل عليه المعرفيين في كل أنحاء الوجود هو وقوفهم ضد الجهالة والخرافة وغريزة السلطويين في تدمير المكتسبات الفكرية والجمالية القائمة في روعة الكون الهندسي، فلا حاجة للحب في ظل منظومة تعج بالفوضى وتعاني ذلك الاستلاب والعجز المحاط بهالة الشعارات المتناقضة مع الفعل والسلوك، حيث يسود الكذب في كافة الميادين الحياتية، وتغدو العلاقات البشرية زائفة ومضللة، فكما يمس الكذب عالم الساسة المشبعين بالكلام والوعود،

حيث ينشغل الحالمون في ترتيب أرواحهم المنتهكة جراء تلك التشوهات التي تحاول النيل من انشغالهم بالصفاء، حيث ثمة خوف على النفس ومنها، ومن ذلك الآخر الذي يضمر بعكس ما يعلن، وعلى ذلك الآخر الذي لا يملك الوسيلة لحماية ذاته من هذا العالم، وهكذا فالخائف يحلم، ولا يملك وسائل قوية تجعله بمأمن من الغد، حيث تنشطر الأحلام على مسرح ضياع الحقوق، في ظل ذلك الاغتراب الكبير بين المرء وواقعه، ولعل المكر الايديولوجي المرتدي شعائر الاشتراكية والمساواة، بات ضلعاً في الجريمة المنظمة بحق المجتمع وفئته الشابة، فأن تتحول القناعات الطبيعية إلى مجرد أقاويل وخطابات رنانة، معناه أن الإنسان لا يملك سوى أن ينساق للاكتئاب والعزلة، مما يجعل من نفسه أسير حلقة مغلقة، وما حوله يعمدون إلى البطش والترهيب والتخوين، ليتسع الشرخ بين العائلة وبين الرجل والمرأة أكثر فأكثر، حيث لا تعاطف ولا وئام، إنما تأجيج مستدام، للعنف والتباعد الإنساني، وهذا يفسر الفساد والضياع بين الأفراد عبر مراحل نموهم وتطورهم، مما يكشف عن آثار العنف الديني تاريخياً على المجتمعات عبر تحكم السلطة بها، وبتأثيراتها على الفرد منذ ولادته وحتى فناءه، حيث يعمل الدين على مبدأ الوعد والوعيد، كما لعبت لاحقاً الأحزاب الشمولية على مبدأ الإستقامة أو الخيانة، وهكذا رعت على ذات النسق منظومة التجهيل والتلاعب بالحقوق والواجبات، من خلال التمسك بتقديس التعاليم والموت لأجلها، وكذلك حالة العداء المعلنة ضد الأفكار والمساعي الجديدة، كما هو الحال في الشرق الأوسط، كل منظومة سياسية وليدة، تهدم منجزات ما سبقتها في عقول مريديها وتلامذتها، بينما تقوم المنظومة المحافظة باتهام كل حركة وليدة خارج سياقها، بالخيانة والاتجار بالمبادئ، ولن نذكر أمثلة معينة بهذا الصدد، حرصاً على الفكرة التي نقوم بطرحها، والتي تبدو بالفعل رسائل لكل ذي فكر ناشئ، يبحث عن الموضوعية الحرة، إنما الأجدى هنا أن نربط ذلك الفساد والتحايل الإيديولوجي بالتربية والظروف التي طرأت على أنماطها، حيث يسقط مفهوم الطاعة والولاء الصوفي الأعمى، أمام سلوك تفجر كنتيجة عن ممارسة قمعية رافقت الأفراد منذ نشوئهم، إنه نمط الحياة القائم على الاستبداد والقسوة والتعسف، حيث نلحظ ميل الفئة الشابة لعوالم مضطربة تحرض فيهم الانفعال والكآبة والكبت، فما إشارة الجوع للجسد إلا تعبيراً عن إيجاد العزاء فيه كتعويض عن خيبة الأمل في الحب أو في الوصول لمجتمع أفضل ومستقبل واضح المعالم، فالخوف مهيمن في ذاكرة المجتمع، والعاطفة تتعرض للانتهاك على نحو مرعب، يشي بالمزيد من الألم والمأساة، ولا ينفصل التعبير عن التشاؤم إزاء الحالة السياسية عن غلالة الكآبة المنبعثة عن سذاجة الأفكار التي تتحكم بمصائر الشبان وتدفعهم دفعاً لمزالق اليأس والجنون، حيث للعنف صلة بمفهوم القضاء والقدر، والتسليم الأعمى بالخرافات الناجمة عن العوائد الدينية المتخمة بالعرف التقليدي، وكذلك تتحول المدارس إلى ساحات اعتقال، لا يتعلم منها الأطفال سوى المزيد من العنف والتجهيل، من خلال تدجينهم، وجعلهم مجرد آلات مبرمجة على تلاوة النشيد الوطني والحزبي كل صباح، ناهيك عن الخروقات التي يتعرض لها الأطفال في مدارس السلطة، من خلال تمجيد القائد واعتباه شبه إله على الأرض، كل ذلك جعل العقل أضحوكة، والفكر ألعوبة، والمستقبل سجناً دائري الشكل يفضي إلى العتمة حتى إشعار مجهول، فالعقل التلقيني الذي يجد في جسد الأنثى عزاء، حينما تصدمه خيبات الذات أمام يافطة التقاليد النفعية، دائماً يعبر عن سوادوية الحال وقتامة المشهد اليومي، وكذلك يبرر بؤس الحب والفلسفة عن تحقيقها للتمرد والانتفاضة المنظمة، مما تتعمق الغربة أكثر فأكثر،حيث يتغدى المجتمع من أقاويل الماضي المشحون بالخيبة والقصص الغريبة، ويغدو التعليم في جوهره تحايلاً على الوقت والذهن، فحين يغدو العنف خبزاً وشراباً للمجتمع، تصبح كل قناعاته مع الوقت أحزمة ناسفة بوجه التغيير والدمقرطة، نجد مجتمعاً جائعاً فلا يتردد عن خلق الفوضى أو السرقة بمبررات القيم الدينية وتحت مسماها، ليبرر جوعه من خلال شتى الوسائل، حيث أن تعابير الاحتقان والاستعداد الغريزي للعداء جعل من مجتمعات الشرق الأوسط بصورة خاصة فريسة سهلة لأي أجندة يتم استخدامها بهدف جني الموارد،  حيث القانون يستخدم ضد أمن المجتمع وليس لأجل تنظيمه، ليكون بمثابة الساحة الرحبة لممارسة الحقوق والواجبات، حيث ينمو التعصب إثر التشبث البغيض بمفهوم المقدس الغيبي، ليغدو السباق الأعمى لنيل وسام أفضل مرتهن، أو أفضل من يضاهي ثغاء الأغنام، نتيجة طبيعية عن ذلك الانغلاق الاجتماعي، حيث ذلك القهر المتصاعد في حياة المجتمع يحاكي في جوانبه ذلك التباعد الأسري، والانتماء لحامي حمى الجماعة، والمفكر نيابة عن قطيع كامل استغنى عن روح التفكر والتدبر لشؤونه،هنا تنشأ لدى المجتمع سلوكيات متصلبة تميل إلى الانفعال ومواجهة الفعل أو التحدي بردة فعل أكبر، حيث أن العقل المبرمج على مواكبة الفعل وردة الفعل، لا يجيد التفكير بمسائل أخرى، تتطلب تفرغاً ذهنياً مشبع بالصفاء والهدوء، لهذا نجد العنف قد تأصل في ذوات الأفراد، إثر خيباتهم المتلاحقة، ومعاناتهم التي تزداد، إثر ثقة متزعزعة بالنفس وبالقدرة على التغيير، في ظل التقاليد، الأسرة، العشيرة، الحزب، السلطة الحاكمة، فجميعها تضافرت كعوامل لبناء شخصية مغتربة منفعلة تعيش ليومها ومستقبلها الغامض، إذاً في ظل تلك العلائق المشوهة، التي تتخللها مشاعر اليأس والإحباط، لهذا نجد حتى مدعي العلمانية قد حافظوا على هذه الطقوس جزئياً، لتثبيت حكمهم للمجتمع وتحكمهم بذائقته وأسلوب حياته، حيث لم تعد المشكلة هي مسألة فصل الدين عن الدولة، بقدر ما هي تمثيل جوهري لها على أرض الواقع، وليس أي تبجح يخفي نقيضه، فالشعائر والإيديولوجيات التنويرية أضحت حبيسة صفحات الكتب، ومحاولة فهمها وتطبيقها على الأرض أضحى بمثابة الهدف الضائع، لهذا نجد الألم هنا مؤسساً على سلسلة العلاقات النفعية الغرائزية المتنافرة مع الحب والعيش الطبيعي، هكذا يتم عيش الأحاسيس في ظل منظومة تكافح التعددية لصالح بروز منهج الإبادة الثقافية وطمس الهويات، ويفسر ميل الشباب للجنس كتعبير عن سطوة المنظومة النفعية، وكذلك تمثل شكلاً من أشكال جلد الذات، وتفشي المراهقة السياسية، والأمية الإيديولوجية، والتي تعني بطبيعة الحال: سلوك الإيديولوجي منهجاً نفعياً يربي من خلالها ذائقته التقليدية المبنية على التقاليد الاستهلاكية، وولاءه المبطن لها، رغم ترفعه المزعوم عنها، بغية استمرار الفساد القيمي الذي تغلفه مصالح الآخرين الذين وجدوا في الحزب ميداناً يكفل الحفاظ على الامتيازات من منصب ووجاهة واعتبار.

إن شيوع الهوس بالجنس في المجتمعات المكبوتة،هو نتيجة طبيعية عن تلك العادات والتقاليد المبنية على الإجحاف بالرغبات الطبيعية والدوافع التي أهمل تنظيمها بسبب سلوك المؤسسات الاجتماعية المرتبطة بالسلطة، مذهباً رجعياً فاسداً، وكذلك تجاهلها لحاجات الشباب للعمل وتحقيق المستقبل المبني على الطموحات الفكرية والمهنية، مما جعل الميدان المعرفي ساحة للأمية والخواء، لهذا نعتقد أن التجديف في خضم أمواج الطبائع البشرية يعتبر أمراً مجدياً،فهناك صراع مستميت بين الذين يقومون بإعادة إنتاج المفاهيم التقليدية وضخها على نحو شاذ في روح المجتمع وبين آخرين بؤساء يحاولون ما أمكن الصمود في وجههم، وهؤلاء يعيشون حالة من التذبذب ورد الفعل، قياساً بمدى قدرتهم أم عدمها على المواجهة والتأثير، فحالات الخضوع والضعف البشري للمال واللهث وراء الانتفاع، أربك كل فعالية متوقدة تحاول الصمود بوجه الأزمات المتلاحقة، أبرز ذلك البون الشاسع بين المرأة وذاتها، كما الرجل وذاته، وقاد الفئة الشابة للمزيد من التخبط والانفعال، فالتقاليد الشمولية قادت القيم الطبيعية إلى استنزاف كامل، وجعل الفوضى هو المآل الخطر، حيث قادت ذكورية الرجل وتباهيه بفحولته العضوية إلى تحلل على صعيد المرأة، حيث يتمترس الرجل وراء حصن التقاليد والأعراف الماضوية، وتنغمس المرأة في عبادة الأقوى على نحو مرضي، مخلفة حالة من الانغلاق والاغتراب،فهنا نجد الشقاء والأسى كقدر ناتج عن طريقة التفكير، وسوء الأدوات، والمزاج المهيأ لاحتضان كل تربية خشنة وروح مزاجية تفتقر للتهذيب والتروي، وهذا نتاج مجتمع مستعد للعداء تلقائياً، نال قسطاً وفيراً من الضغط الاقتصادي والإبادة الثقافية، والانصهار على مدار عقود، لهذا نجد أن التغيير يمثل أهم تحدي بوجه تلك المفاهيم الضارة بالمجتمع وسلمه، نجد الغرق في الضياع والإحباط، وابتذال الحياة السياسية كما الاجتماعية،وكذلك فإن تصوير المعاناة واعتبارها محط إيحاء بالأفكار المتآخمة قرب بعضها البعض، حيث يمكننا على ضوء المأساة فهم التراجيديا الطبيعية التي يعيشها الإنسان في كل محطات حياته في ظل الجهل المغلف بالأصالة حيناً وبالعصرنة حيناً آخر، فعرض مظاهر الحياة البائسة وكذلك بؤس الفكر وتفكك الحياة الأسرية هو تجسيد دقيق لأزمات المجتمع ومؤسساته المتردية، حيث نكران الإنسان للآخر لأجل لأنانيته الهدامة، وكذلك انزواء المعايير الجمالية والأخلاقية في ركن قصي ومهمل، إلى جانب ترهل الفكر وتسطحه، حيث ركز الكاتب على النمط الدرامي المفعم بالمأساة ليعالج بذلك طرائق التفكير والمزاج العام للأفراد، وحالة التجهيل المتبعة والمغلفة بالقسوة التي يتلقاها الفرد إن في البيت أو في المدرسة أو مكان العمل، وكذلك يبين الالتزام الواقعي بمعضلات المجتمع الجانب الأكثر دلالة في خضم الواقع المعاش، فضياع الحقوق الإنسانية يمثل النقطة الأكثر احتجاجاً في مسار الرواية العام، وكذلك غرق الفئات الفقيرة بمستنقعات الجهالة وعطالة الفكر، والتباعد الأسري، إثر هذا الضغط الهائل على موارد الكسب والعمل، حيث أن بنية المجتمع تبدو هزيلة ومعرضة لأقصى درجات الفوضى والتبعية والانحلال، حيث تؤثر أساليب السلطة القمعية على نمط حياة المجتمع وتمهد لمرحلة ما إلى حدوث أزمات داخلية في أوساطه، لهذا فغياب التنمية والعدالة، هو مؤشر خطير لبروز أزمات تودي بالمجتمعات إلى نفق مظلم، إنها الفوضى بكل أشكالها ونتائجها وتشعباتها، إثر غياب الحريات، وتفشي الفساد، ومحاصرة الإنسان في كل مناحي حياته ومحاربته في قوته ولقمة عيشه، كل ذلك سبب التباعد الأسري، والتفكك الاجتماعي، وأعطى بوادر للانقسام والفوضى والحرب الأهلية، حيث قادت المصالح الفئوية الناس كعبيد في ميادين الحياة، وجعلت الحركة الفكرية تتعطل، لتصبح الحياة ضرباً من الرغب والخشية المستمرة من المستقبل، حيث بغياب الإصلاح والفكر والمعرفيين الساعين لتنظيم حركة الحياة وإعادتها لطبيعتها، تنعدم أفق الحل، وتتلاشى المكتسبات الطبيعية، ويصبح الإنقسام على أشده، لاغياً حالة التآلف الطبيعي، إثر ضرب منظومة القوانين التي تكفل للإنسان حياة أفضل، وأكثر أماناً وديمقراطية،وبهذا نبين مغزى كفاح المعرفيين الشاق في ظل مطارق الفساد والقمع الذي هوت على رؤوس يقظة، تعمل على إذابة الجهل عبر إصرارها على الحياة الطبيعية والحب الحقيقي، لم يكن التداوي بالجنس هو الحل الأمثل، بل كان سبيلاً لمعرفة حجم هالة الاغتراب والضياع.

 

ريبر هبون

 

هَل عمليةُ الاجتهادِ تَتَوقَفُ على خَمسِمِئَةِ ايةٍ وُصِفَت بِأَنَّها (اياتُ الاحكامِ)، أَم أَنَّ القُرانَ كُلَّهُ بِجَميعِ اياتِهِ مجالٌ واسعٌ لِعَمَلِيَّةِ الاستنباط الفقهي للاحكامِ الشَّرعيَّةِ؟

ويتضحُ هذا الامرُ جَلِيّاً في القِصَّةِ القُرانِيَّةِ يُستَفادُ الحُكمُ منها خلالِ مشاهدَ ولقطاتٍ وحواراتٍ اشتملت عليها القصةُ القُرانيّةُ.

اياتُ الاحكامِ

هُناكَ اياتٌ واضحةُ الدلالةِ في استفادةِ الحكم الشَّرعيِّ منها وهي: (اياتُ الاحكامِ)، كما في قولهِ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). (البقرة: الاية: 183). فالايةُ المذكورة يُستفادُ منها وجوبُ الصومِ مباشرةً.

وقولُهُ تعالى في اصنافِ المستَحِقِّين للزكاة:(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ)

(التوبة: الاية: 60) .وقوله تعالى في تحديد رضاعة الطفل بحولينِ كاملين لمن ارادَ ان يُتمَّ الرضاعة: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ)

(البقرة: الاية: 233) .هذه الايات واضحة الدلالة وقطعية الصدور لانها ايات قرانية .

ايات الاحكام واضحة الدلالة في استفادة الحكم الشرعي منها . ويستفاد منها الحكم الشرعي بشكل مباشر . وهناك ايات احكام يُستفادُ منها الحكمُ الشَّرعيُّ بشكلٍ غيرِ مباشر، كقوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ)، وقوله تعالى: (وَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ). (الاحقاف: الاية: 15). فسيتفادُ منها بصورةٍ غيرِمباشرةٍ حكمٌ هو: (ان اقلَّ الحملِ ستةُ اشهُرٍ) .

الائمةُ (ع) واستخراجهم الاحكام من غير ايات الاحكام

كانَ أَئِمَةُ اهل البيت عليهم السلام يستخرجون الاحكامَ الشرعيةَ من غير ايات الاحكام، فالامام الهادي اجاب المتوكل الذي نذر مالا كثيرا ان عافاه اللهُ من مرضهِ فامره ان يتصدق بثلاثة وثمانين استنادا الى قوله تعالى: (ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة) وهي عدد حروب النبي (ص) وغزواته . والايةُ ليست من ايات الاحكام، والامامُ الهادي (ع) استخرج لنا منها حكما شرعيا. وكذلك الامام الجواد عليه السلام استخرج الحكم من قوله تعالى: (وان المساجد لله فلا تدعوا مع الله احدا)، استخرج حكم قطع يد السارق من اصول الاصابع الاربعة في الكف . والاية ليست من ايات الاحكام .

علماء المسلمين وعدم حصر الاستنباط بايات الاحكام

ذهب مجموعةٌ من علماء المذاهب الاسلاميّة الى ان مجال استنباط الاحكام الشرعية غير منحصر بايات الاحكام، بل ان كل الايات القرانية هي مجال لاستنباط الاحكام الشرعية، ومن الذين ذهبوا الى هذا الرأي، نجم الدين الطوفي الذي يقول:

(والصحيحُ أَنَّ هذا التقديرَ غَيرُمُنحَصِرٍ ؛ فَانَّ احكامَ الشَّرعِ كَما تُستَنبَطُ من الاوامرِ والنواهي، كذلك تُستَنبَطُ من الاقاصيصِ، والمَواعِظِ ونحوها، فكلُّ ايةٍ في القُرانِ الا ويستنبط منها شيءٌ من الاحكامِ، واذا اردت تحقيق هذا، فانظر الى كتاب أدِّلَّةِ الاحكام للشيخ عز الدين بن عبدالسلام، وكأنَّ هؤلاء الذين حصروها في خمسمئة اية، انما نظروا الى ماقصد منه بيانُ الحكمِ دونَ مااستفيدَ منهُ، ولم يقصدوا بيانَها) .(شرح مختصر الروضة، ج3، ص 415) .

ويقول القرافي: (فلاتكادُ تجد ايةً الا وفيها حكمٌ، وحصرها في خمسمئة ايةٍ بعيدٌ) .

(شرحُ التنقيح، ص 476) .

القصصُ القُرانّيُّ واستنباطُ الحكمِ الشَّرعيِّ

وردت في القصص القراني بعض المشاهد واللقطات التي يمكن ان يستفاد منها حكم شرعي، مثل قوله تعالى:

(فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ). المائدة: الاية:31.

فتعلم قابيل حكما شرعيا من فعل الغراب، وهو وجوب دفن الميت. وعن مشروعية القرعة جاء في قصة يونس (ع):

(فَسَاهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) . الصافات: الاية: 141. وكذلك جاء عن مشروعية القرعة فيما قصه القران عن زكريا بشان القرعة في كفالة مريم:

(ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) . ال عمران: الاية: 44.

وفي زواج النبي موسى (ع) من ابنة شعيب، يقول الله تعالى:

(قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ). القصص: الاية: 27. وفيها من الاحكام: وجوب لفظ انكحك في عقد النكاح عند الامامية، وتحديد الزوجة (احدى ابنتي هاتين)، وتحديد المهر، ولامانع ان يكون المهرُ منفعة . وقد استفاد منها بعض المذاهب الاسلامية (وجوب الولي) في عقد النكاح .

وفي قصة يوسف ورد الاشارة الى حكمين شرعيين، هما الجعالة والكفالة:

(قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) .يوسف: الاية: 72.

الاستفادةُ من القصة القصةِ القرانيّة في استنباط هذه الاحكام متوقفٌ على مناقشة موضوع(شرع من قبلنا)، هل هو حجة علينا ام لا ؟

اختلفت الاراء في قضية: (شرعُ من قبلنا، هل هو حجة علينا ام لا ؟) فالحنفية قالوا: ان شريعة من قبلنا لازمة لنا الا مادل الدليل على نسخه، مذهبُ الشافعي ووافقهم ابن حزم: ان شرعَ مَن قبلنا ليس بشرعٍ لنا، واستدلوا بقوله تعالى: (لكلٍ جعلنا شرعةً ومنهاجاً) . المائدة: الاية: 48.

والشرائع متفقة في اصولها وكلياتها، ولكن تختلف الشرايع في تفاصيلها وجزئياتها، وقد ثبت ان الشرائع السابقة قد طالتها يدُ التحريف، فكيف يتسنى ان تكون هذه الجزئيات في الشرائع السابقة شرعاً لنا؟ وقد اوضح هذه المسألةَ بشكلٍ جليٍّ العلامة السيد محمد تقي الحكيم في كتابه القيّم: (الاصول العامة للفقه المقارن)، بقوله:

(واذا اردنا ان نتكلمَ -باسم الفن- قلنا: انَّ طُرُوَّ العلمَ الاجماليَّ بالتحريف عليها يمنعُ من الاخذِ بظواهرها جميعاً . وتقريبهُ انا نعلمُ ان هذه الشرائع المتداولة ليست هي الشرائع بكامل خصوصياتها لتناقض مضامين كل شريعةٍ على نفسها، وانتشار السخف في قسمٍ من محتوياتها) . الاصول العامة للفقه المقارن -السيد محمد تقي الحكيم - ص 431.

 

زعيم الخيرالله

 

أصبحت مشكلة سلطة المثقفين (البيروقراطية) معقدة بشكل خاص في عصرنا حينما شهدنا تدفق هائل من المثقفين إلى مختلف مجالات النشاط بما في ذلك السياسية ومدى التناسب والنسبية الذي أبداه كل فرد منهم بأنتمائهم إلى طبقة اجتماعية معينة من المثقفين أو البيروقراطية، وظهرت أدوار مهنية جديدة كمنظم العلوم عندما يقوم عالم كبير دون التوقف عن محاولة توليد أفكار وفي وقت واحد يقوم بأداء وظائف إدارية في الحكومات ليتم تشكيل العديد من خدمات الخبراء والتنبؤ وأيضا، ليشاركوا بنشاط في النضال السياسي وغالبا ما يشغلون مناصب حكومية عالية وقد تمكن البعض منهم من الجمع بين تلك المناصب وأنشطتهم المهنية الأساسية، ليكون اليوم هو مثقف وغدا هو بيروقراطي وبعد غد مرة أخرى مثقف أو حتى أكثر ففي الصباح بيروقراطي وفي المساء مثقف.

إن الطبيعة الجماعية للنشاط الفكري مع التقسيم المتزايد للعمل والتنقل المهني تقضي تدريجياً على المثل الأعلى للمفكر وإذا حاولت وصف هذا المثل الأعلى فإنه يفترض أن تلك السمات لشخصية شاملة للأخلاق العالية والاستيعاب الفكري والإنسانية والتي يتم التعبير عنها ليس في الحب المجرد للإنسانية بشكل عام بل في اللطف مع الناس واحترام الشخصية والإحساس المتزايد بالعدالة، وفي حياتنا هناك عدد أقل وأقل من الناس الذين يمكن التعرف عليهم مع هذا المثل الأعلى غير إن هنالك أشخاص آخرون في الحياة ربما ليسوا شخصيات شهيرة على نطاق واسع من حيث تأثيرهم على الوعي العام وحمل مسؤولية الروح الفكرية وليست بالضرورة مبدعين وعظماء في العلم أو الفن أو الابتكارات في الثقافة التي لديها مجموعة واسعة من المظاهر الممكن لها أن تصبح كالحياة الأخلاقية للفرد ونموذج ثقافي مؤثر في اختيار المستقبل.

يمكن تعزيز القوة واكتساب المصداقية إذا تم إعطاء الأشخاص هدفًا واضحًا لبرنامج إلى أين نحن ذاهبين، وإذا لم تكن هناك إستراتيجية للتحرك نحو الهدف فإن الوسائل تتحول إلى هدف سوقي كنهاية بحد ذاته ويضيع الإصلاح والذي غايته مستوجبة في حد ذاته ثم يبدأ الإجراء في تجاوز فكرة الوضع الحالي في بعض دول الالم العربي المتمثلة في وضع مسؤولية خاصة على المثقفين والقوة وواحدة من أهم مهام الإصلاح اليوم هي إنشاء دول قوية مع الحفاظ على بناء المؤسسات الديمقراطية وتطويرها وتشكيلها من ممثلي المثقفين المعارضين الذين وصلوا إلى السلطة والمديرين المحترفين لتوفير الكفاءة اللازمة في إدارة البلاد لتحسين كفاءة الإدارة وزيادة مستوى السيطرة على تصرفات الحكومة وقد تنشأ تلك الآليات عندما يتم تعزيز المؤسسات الديمقراطية العربية التي فشلت لحتى الآن بأن توحد بأي شكل من الأشكال معنى الحرية بفحوى المسؤولية. ومع إننا نشهد المثقفين الذين يقفون تقليديًا في تأييد السلطات وهي قوية ومعارضتها حين تهوي غير إننا نتمناهم إن ينأوا بأنفسهم عن السلطة وانتقادها أحاديًا إذ يمكنهم تطوير ونشر أفكار جديدة غير تقليدية على أن يدمجوا شروط الحرية الإبداعية في عمل الفكر الإبداعي المتمثل في البحث عن القيم التي تضمن انضمام دولهم إلى حقبة جديدة من حقب تطور الحضارة العالمية.

لدينا قناعة بأن الشخصيات الثقافية لا تحتاج إلى أفكار على الإطلاق فقط إذ لربما أنها تحتاج إلى الحد الأدنى من مخزونها العقلي، والذي يمكنها العثور عليه دائمًا في طيات الأفكار التقليدية الطويلة البرودة والمتحيزة إحصائيا، ولذلك فأن لم يتغلب مثقفينا على ذلك التقليد القديم ولم يتمكنوا من تقديم قيم حقيقية للمجتمع توفر سيناريو التحديث الأكثر ملائمة لأوطانهم فإن ذلك سيعني أنه حطموا مهمتهم التاريخية والأكثر أهمية تغييبهم لمستقبلهم. واليوم يعتمد مصير العرب إلى حد كبير على مدى فعالية التفاعل بين المثقفين والسلطات والذي لا ينبغي أن يبنى وفقًا للمبدأ القديم حينما تناشد السلطة من وقت لآخر مثقفي النظام الأجتماعي لإيجاد أيديولوجيات معينة من شأنها أن تسهم في تقوية (القوة) وتتوافق مع فهمها الأهداف السلطوية، وإن ذلك الفهم لا يتناسق مع الاحلام ولا المهام المستقبلية لان الواجب بالمثقفين يتمحور في تقديم قيم جديدة للمجتمع في المقام الأول وليس إلى تقديمها للسلطة ومع إن ذلك التفاعل بين المثقفين والسلطات احيانا يعد مثاليًا غير إننا من المهم أن ندرك على الأقل الفواجع القادمة وحاجاتها واتجاهاتها الغير المواتية والخطيرة لحاضر العرب ومستقبلهم والتي أصبحت واضحة بالفعل وينبغي تجنبها، فلذلك كله يستوجب على المثقفين القيام بتكييف الابداع مع القيم مع الظروف الحقيقية للحياة العربية وربطها بالتقاليد بدلاً من مجرد إعلانها كمشروعات طوباوية للمستقبل المحتضر.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

محمود محمد علينعود هنا لنعرض الجزء الثالث من مقالنا عن الطابور الخامس ودوره في إفشال الامبراطوريات والدول الوطنية، حيث نقول: في أوائل بداية ثورات الربيع العربي جاءت وزيرة الخارجية الأمريكية "هيلاري كلينتون" Hillary Clinton، في عهد الرئيس "باراك أوباما"، لتعلن  في حفل تسليم جوائز المعهد الوطني الديمقراطي، الذي افتتح منذ 2010م فروعاً له في عدد من المدن العربية قالت بالحرف الواحد في كتابها خيارات صعبة "إن قادة المعهد كانوا يحولون الشتاء العربي إلى ربيع في الوقت الذي كانت الشوارع العربية هادئة وصامتة "، وأضافت " الربيع العربي ليس ثورتنا، ولكن كان لنا دور فيه" وتابعت تقول " لقد أنذرنا الحكومات العربية قبل حدوث الربيع العربي في مؤتمر الدول الثماني G8 الذي عقد في الدوحة أواخر عام 2010 م، بأن أسس المنطقة تغرق في الرمال، وأنه لا بد من الإصلاح والديمقراطية"، وتطرقت لمخاطر العملية" قائلة:" لا يمكننا تفويت فرصة الاستثمار في الديمقراطيات الناشئة في العالم العربي، رغم وجود مخاطر واحتمالات، لأن تحدث أمور صائبة أو خاطئة، والولايات المتحدة الأمريكية، لها مصلحة وطنية فعليه بتغيير الديمقراطية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لأن معادلة التطور، أو الاستقرار التي فرضتها الأنظمة الديكتاتورية، وقبلتها سابقاً الولايات المتحدة، تحولت اليوم إلى معادلة الإصلاح أو الاضطرابات".

ومنذ ذلك الوقت بدأ الحديث عن مفردة الربيع العربي تكون حديث الصباح والمساء في الدراسات والمقالات الأمريكية، حيث نشرت مؤسسة راند Rand البحثية التابعة للبنتاجون عام 2012م، "دراسة مكونة من "250 صفحة "تحت عنوان" آفاق الديمقراطية في العالم العربي "Prospects for democratic transformation in the Arab world، أعدها الباحث الأمريكي الشهير " لوريل ميللر " Laurel Miller و6 باحثين آخرين أكثرت من استعمال مفردة " الربيع العربي" وربطته بــ" التحولات الديمقراطية العالمية " وحللت الأسباب الأمريكية لدعمه".

في هذه الدراسة تم التعامل مع الحراك العربي منذ 2011 م، على أنه يمثل "عملية تشتمل على مجموعة من الأنشطة المتفاعلة أو المترابطة، التي تحول المدخلات إلي مخرجات". والعملية ترتبط بالضرورة بمشروع، وتشكل إحدى عملياته، فلها بداية ولها نهاية، ولها استراتيجيات، ولها أدوات وبرامج ومراحل، وأهداف وسياسات وجهات للتنسيق والتمويل وإدارة الموارد، ولا بد من مدخلات تفضي بعد توظيفها إلي مخرجات"، وذلك حسب ما ذكرة الأستاذ " محمد حسن الزين في كتابه " الربيع العربي آخر عمليات الشرق الأوسط الكبير"

أما مدخلات (Inputs) "الربيع العربي"، فهي وفق الآتي:

1- وضع التصور السياسي للمرحلة الانتقالية العربية وقد أنجز في 21/1/2010 قبل سنة من الثورات مع انتهاء معهد السلام الأمريكي من مشروع " دعم الأمن والديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير"، بمشاركة عدد من الخبراء العرب.

2- الانتهاء من تدريب آلاف الناشطين العرب، وتبليغهم في مؤتمر سري بقرب بدء المرحلة الانتقالية، وذلك في شهر سبتمبر من عام 2010م (قبل شهرين من الثورات).

3- تسخين الأرضية السياسية العربية، وتحضير مزاج الرأي العام العربي، لتقبل هذه العملية، من خلال نشر وثائق ويكيليكس  WikiLeaks، عن فساد ودكتاريورية الأنظمة العربية، وتم ذلك في شهر ديسمبر من عام 2010 م (قبل الثورات العربية بشهر).

4- دفع الناس والمعارضات العربية للنزول إلى الشوارع، لاحتلال الميادين العامة، وكان أول من تحرك في الشوارع العربية، القوي، والمنظمات الشبابية، والليبرالية المدربة أمريكياً، وتمت الاستفادة من حادثة إحراق الشاب "محمد البوعزيزي" في تونس (وهي ليست أول حادثة من نوعها، تتكرر شهرياً في تونس)، وحادثة ضرب الشاب "خالد سعيد" في مصر (وهي ليست أول حادثة من نوعها تتكرر شهرياً في مصر) وغيرها من الحوادث الرمزية.

5- بدء نزع الشرعية عن الأنظمة العربية، ودفع رؤساء وقادة النظم العربية، للتنحي وتسليم السلطة، عبر حياد الجيوش العربية والانشقاق الضمني، لبعض قادة أركان الجيوش العربية من جهة وبإيعاز أمريكي أكيد.

6- وقف العمل بقوانين الطوارئ، وحل وزارات الداخلية، والشرطة، وتسليم دفة الملف الأمني للجيوش.

7- تعيين مجالس الحكومة الانتقالية، لإدارة البلاد وتحضير المرحلة الانتقالية.

8- المباشرة بتغيير الدساتير العربية عبر المجالس التأسيسية .

وأما عن مخرجات العملية outputs " الربيع العربي:

أ- إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية وإفراز مجموعة من القوي الجديدة متحالفة مع الإدارة الأمريكية.

ب- تطبيق العدالة الانتقالية Transitional Justice في محاسبة قادة ورجالات الأنظمة السابقة، برفع دعاوي قضائية لإدانة وتجريم قادة ورموز المرحلة السابقة وتجريدهم من أموالهم.

ج- بدء الانتقال إلى منظومة إقليمية جديدة تضم نظماً عربية جديدة تتجاوز النظم السابقة شكلاً لا مضموناً، وتحافظ على المصالح الأمريكية والغربية والصهيونية.

وقد يتساءل البعض لماذا تعاملت الولايات المتحدة مع الربيع العربي على أنه يمثل عملية وليس ثورة؟، وذلك لعدة أسباب منها :

1- أن العملية تستبطن مشروعاً له استراتيجيات وأدوات تنفيذية.

2- تحضير مسرح الأحداث والأدوات التنفيذية لإنجاز العملية لخدمة المشروع.

3- إدارة العملية قبل وأثناء وبعد حدوثها مع قدر كبير من التحكم والسيطرة.

4- أن السياق الدلالي لمفردة " عملية" كشفت لنا بالأدلة والوثائق كيف أن الإدارة الأمريكية توقعت هذه الثورات وسعت لإدارة أدواتها على الأرض قبل حدوث العملية.

والسؤال الآن: كيف تم تجهيز الطابور الخامس لحروب الجيل الرابع في دول الربيع العربي؟

والإجابة علي هذا نقول مع الأستاذ عمرو عمار (صاحب كتاب الاحتلال المدني والمارينز الأمريكي): لقد اختلف المفهوم التقليدي للحرب من حرب عسكرية لغزو الأرض بالاحتلال العسكري إلي حرب اقتصادية لتدمير الاقتصاد القومي، ليتحول أخيراً إلي مفهوم جديد يسمي بالحرب الفكرية، وهي " حروب الجيل الرابع"، لتغيير العقول والقلوب للشعوب في سبيل الوصول إلي الاحتلال المدني بديلاً عن التدخل العسكري في الدول المستهدفة. وهنا تختلف طبيعة الأسلحة المستخدمة لطبيعة الحرب الفكرية، طبقاً لآليات ممنهجة لزعزعة الاستقرار، ثم الفوضى المنظمة، ومن ثم إفشال الدولة، وتستخدم هذه الآليات أفكاراً وشعارات رنانة، كالحرية، والعدالة، ومبادئ حقوق الإنسان، وكمثل التي تدعو للتحول السلمي إلي الديمقراطية، وتستخدم هنا مع الشعوب التي تعاني من عدم ممارسة الديمقراطية بمفهومها الحقيقي، وتعاني من كبت للحريات بمختلف درجاته، لترسم خارطة طريق لغزو هذه العقول (زلزال العقول)".

والمقصود بزلزلة العقول هنا، يعتمد علي فلسفة الرجوعية التي تدعو إلي تحرير الفرد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والدينية، وبالتالي يعود الفرد إلي طبيعته بعد أن يتم تفريغه من المضمون الديني والوطني،" ليبدأ في الاندماج مع ما يسمي بالعالم الجديد، بعد تحريره من الماتريكس، أو المصفوفة التي كان يخضع لقوانينها ومعتقداتها، طبقاً لطبيعة المجتمع والبيئة المحيطة به، لينطلق من دون التقيد بالعقيدة والهوية، إلي عالم بلا حدود يغتصب فيها العقل ويتحول إلي عقل مفكر جديد، طبقاً لمنهجية وآليات ديناميكية محددة، تستخدم شعارات ومفردات لغوية براقة، مثل المدنية، والديمقراطية، والحرية وكلها ذخائر حروب الجيل الرابع، إلي أن تتم زلزلة هذه العقول واحتلالها "، وهناك نظريات ودراسات نشأت خصيصاً لخدمة زلزلة العقول من خلال  مشروعين: المشروع الأول:- الأول: مشروع النهضة عند جاسم سلطان، وهو مشروع يدعو إلي استنفار الشباب العربي نحو التظاهر والاحتجاجات والعصيان المدني. المشروع الثاني: أكاديمية التغيير القطرية،، وهي أكاديمية قام بتأسيسها " هشام مرسي"، زوج ابنة الشيخ "يوسف القرضاوي"، مفتي جماعة الإخوان المسلمين، ويأتي أهمية اختيار هشام مرسي، لكونه المنفذ لما ينظر له ويضعه جاسم سلطان، من خطوط فكرية ومنهج للتغيير والنهضة، وبذلك حدث الاندماج الفكري والأيديولوجي الإسلامي بين "هشام مرسي" وإدارته لأكاديمية التغيير من جهة، وبين المشروع النهضوي لجاسم سلطان من جهة أخري. وبذلك يمكننا رؤية أن مشروع النهضة يعتبر المنظر والمرجعية لأكاديمية التغيير، وكلاهما يكمل الآخر في مسيرة تحريك الشباب ودفعهم للتغيير والاحتجاج. وحيث يستلزم مشروع النهضة هذا قيادات مدربة، فقد أعلنت أكاديمية التغيير علي موقعها الإلكتروني، أن الأكاديمية تتبني وتدير نظام تدريب "أون لا ين" لبرنامج إعداد قادة النهضة، حيث يحاول كلا المشروعين تفتيت ثوابت الأنظمة العربية، ولعل أهمها نقده لما يسميه سلسلة الخديعات في الاستقرار، الثقة، الرموز، الصورة التاريخية، والتضحية، وهو ما يزيل لدينا علامات الاندهاش من كذب وتضليل جماعة الإخوان المسلمين في تصريحاتهم المشككة والمزيفة في كل وسائل الإعلام بعد أحداث 25 يناير 2011 كما قال الباحث "عمرو عمار" في كتابه " الاحتلال المدني".

انطلقت الأكاديمية في العمل من خلال شبكة الإنترنت، واستطاعت أن تؤسس لهذا العمل على مستويات عدة، حيث أنتجت خمسة مطبوعات متعلقة بحرب اللاعنف وهي: "حرب اللاعنف.. الخيار الثالث"، "حلقات العصيان المدني"، فضلاً عن الدراسات غير المطبوعة المقدمة إلى جامعات عربية وأوروبية، كما قدمت الأكاديمية العديد من الاستشارات للباحثين في هذا المجال، "وقامت عن طريق التدريب الإلكتروني بتدريب ما يزيد على الـ 500 متدرب من بلدان شتى على عدة دورات مثل "تكتيكات حرب اللاعنف" و"رسالة الإعلام المقاوم"، وبدأت في الاهتمام بتبسيط الأفكار ونشرها عبر الأفلام، فأنتجت فيلماً قصيراً بعنوان "الدروع الواقية من الخوف" بالإضافة إلى العديد من مختصرات الأفلام المعنية بنشر ثقافة التغيير".

وتقول في موقعها على "فيسبوك":" أنها قد استلهمت  أفكار وآراء "جين شارب" في حروب اللاعنف، وحاولت تطويرها، حيث تبنت أكاديمية التغيير نظريات "شارب" وتلميذه "بيتر اكرمان" في التغيير اللاعنفي، وأن هدفها "نشر ثقافة التغيير، وتوفير الأدوات اللازمة لإحداث الثورات، وتدريب كوادر مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب والأفراد على استراتيجيات ووسائل التغيير، ولهذا انضم لها ثوار مصريون" .

كما وجدناها أكاديمية التغيير القطرية تركز أيضاً على" تعليم النشطاء المصريين والعرب، وسائل العصيان المدني، وأساليب جديدة للاحتجاج، ووضعت كتباً لتعليم النشطاء، إرشادات حول طرق حماية الشخص لنفسه، في مواجهة هجمات قوات الأمن أثناء المظاهرات، ووضعت كتباً لتعليم النشطاء إرشادات حول طرق حماية الشخص لنفسه في مواجهة هجمات قوات الأمن أثناء المظاهرات" .

ثم بدأوا ينشرون هذه الأفكار للتغيير ومواجهة قوات الأمن في المصانع، ثم بدأ تعليمهم كيفية استغلال الـ "فيسبوك" والإنترنت في التواصل بين النشطاء للتظاهر ونشر الأخبار التي يريدونها،" وكان لبعض النشطاء الذين شاركوا في هذا البرنامج دور في "ثورة 25 يناير" في مصر وبقية الثورات التي اجتاحت العالم العربي في كل من تونس، وسوريا، وكثير من الدول العربية".

وتعدد الأكاديمية عدة أهداف تقول أنها ترمي إليها:

1- نشر ثقافة التغيير ومنهجيات التفكير المتطورة واستراتيجيات التحول الحضاري.

2- توفير الأدوات العلمية المساهمة في إحداث ثورات حضارية في عالم الفعل الاجتماعي والسياسي.

3- تدريب كوادر مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب والأفراد على استراتيجيات ووسائل التغيير.

4- تقديم الاستشارات للحكومات والمؤسسات والأحزاب والأفراد التي تسعى لتنمية مجتمعاتها.

5- أن إنتاجها الأكاديمي مبنى على أدبيات اللاعنف، والنضال السلمى والاحتجاج الشعبى، وترتكز على ما تسميه "ثورة العقول، أدوات التغيير، استشراف المستقبل".

من هنا يتضح لنا أن " أكاديمية التغيير القطرية"، تمثل الحربة التي استخدمتها قطر لتدمير الشعوب العربية، وذلك حين تدرب من خلالها آلاف الشباب العرب، خاصة من مصر وتونس على "حرب اللاعنف واصطياد رجال الأمن لإسقاط الأنظمة العربية"، وأصدرت العديد من الكتب والمطبوعات حول علوم وفنون صراع اللاعنف باللغة العربية، وعملت الأكاديمية على تهيئة وتدريب ما سمته "حركات التغيير" في مصر، وتونس، وليبيا، وسوريا، وبدأت في طرح برامج تستهدف الجاليات العربية في أوروبا وأمريكا، بهدف تفعيل دورهم من أجل ضمان استمرار الضغط الدولي على الحكومات العربية، لتبدأ التغيير الفوري والاستجابة لمطالب الشعوب العربية بزعم الحرية والديمقراطية. ولاشك في أن التغيير المزعوم الذي أرادته قطر كان كفيلاً بأن يدهس كل شيء ويلقي بالمنطقة، لولا عناية الله ويقظة معظم أبنائها، في أتون المجهول.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط