عبد الجبار الرفاعيورد اسمُ "الرحمن" 44 مرةً في القرآن الكريم، ولو احتسبنا معها ورودَه في البسملة 113 مرة، يصبح العددُ 157، منها 11 مرةً في سورة مريم فقط. والرحمنُ من أسماء الله الحسنى، وهذه الأسماءُ يتّصف بها الإنسانُ وتجد تجليَها فيه كما يرى الشيخُ محيي الدين بن عربي: "فصفات العبد كلّها معارة من عند الله، فهي لله حقيقة، ونعتنا بها، فقبلناها أدبًا على علم أنها له لا لنا"[1].

ويحتلّ اسمُ الرحمن موقعًا محوريًا في نظرية الخلق والإيجاد في الرؤية التوحيدية لابن عربي، فعمليةُ الإيجاد لديه تعني الرحمةَ بالموجود، وذلك ما تحدّث عنه بقوله: "فاعلم أن الله سبحانه ما استوى على عرشه إلا باسم الرحمن، إعلامًا بذلك أنّه ما أراد بالإيجاد إلّا رحمة الموجودين، ولم يذكر غيره من الأسماء"[2]. أما المضمونُ الجوهريّ للتوحيد في مفهومِه فهو الرحمة، إذ "تفتح صور التوحيد الـست والثلاثين المغمورة بنَفَس الرحمن الألوهة على العالم والإنسان بنسب متعدّدة غير مترادفة"[3].

التديّنُ الرحمانيّ يعني اسحضارَ اسم "الرحمن" في بناءِ الصلةِ بالله، وتمثّلَ الصورة الرحمانية لله في الرؤية التوحيدية للمتديّن، وهذا التديّنُ يبدأ بمشاعرَ عفويةٍ بسيطةٍ تتطوّر بنموِّ التجربةِ الدينيةِ وتراكمِها في الحياة الروحية للمتديّن، وفي مراتب عليا يمكن أن يصل المتديّنُ بهذا النوعِ من التديّنِ في سيره وسلوكه الروحي إلى مقامٍ لا يرى فيه إلا الرحمن، ولا يعيش صلةً أصيلةً في الوجود إلا به، وقتئذٍ تتجلّى له صورةُ الرحمان في كلّ فعلٍ وموقف، ولا يصدر عن المتديّن إلا الرحمةُ بالخلق. عندها تتحوّل الرحمةُ المكتسبةُ إلى مادةٍ لروحِه ومقوِّمًا لحقيقتِه الوجودية، بنحو تكون الرحمةُ فيه سجيةً ومَلَكةً ثابتة، فيصير راحمًا لكلِّ من حوله من الناس، بل حتى مختلف الكائنات الحية [4]، لأن التديّنَ الرحماني مادتُه محبةُ الخلق.

المتديّنُ الرحماني مرآةٌ تتجلّى فيها صورةُ الرحمن، لذلك تكون الرحمةُ مقامًا أنطولوجيًا ساميًا في الحياة الروحية، إذ تشكّل مكوّنًا لهويته الوجودية، فيتميّز بها عن غيره من المتدينين. وهو مقامٌ يتعذّر على كلِّ متديّن أن يسمو إليه. الرحمةُ حالةٌ نسبية، حضورُها وتحققُّها على درجات، وبعضُ تعبيراتها أوضحُ ظهورًا في التديّن الفطري لدى عامة الناس الذين يكون تديّنُهم تديّنًا شعبيًا، ولا تظهر في مراتبها العليا إلا نادرًا لدى بعض الشخصيات الروحانية المُلهِمة.

التديّنُ الرحماني نمطُ تديّنٍ نادر، وإن كانت أمثلتُه موجودةً في كلِّ الأديان، سواء أكانت إبراهيميةً أو غيرها، ولا يتجسّد هذا التديّنُ إلا في شخصيات تمتلك مشاعرَ مرهفةً وعواطفَ شديدةَ الحساسية لكلِّ ألمٍ يصيب الآخر، فهي تتألم بشدّةٍ لما يُؤلِم الآخرَ بشدّة، وتحزن لما يُحزِن الآخرَ، وتكتئب لاكتئابِ الآخرَ، ويؤذيها كلُّ أذىً يصيب الخلق، ولا يسعدها إلا إسعادُهم. لا ينظر المتديّنُ الرحمانيُّ لأي إنسانٍ إلا بوصفه إنسانًا، لذلك نراه عندما يتعامل مع الناس لا يفتّش عن معتقداتهم، ولا يسأل عن أديانهم، ولا تهمُّه أعراقُهم وقبائلُهم. إنه مستثمرٌ بارعٌ في الرحمة، لا ينظرُ إلا لمن يستحقها فحيثما وجده رحمه. المتديّنُ الرحماني قدوةٌ مُلهِمةٌ لتأسيس علاقات تراحمٍ مجتمعية، من دون وجودِه يفتقرُ بناءُ هذه العلاقات للأسوة، ولا يُبنى التراحمُ ويتطور ويترسخ بلا رحمةٍ مُجسَّدةٍ في إنسان، يهتمُّ بغيره أكثر من اهتمامه بنفسه، ويمنح غيرَه ما لا يمنحه لنفسه بلا مقابل، يبهجُه العطاءُ مثلما يبهجُ الأمَ وهي تُعطي الأبناء. في التديّنِ الرحماني يظلُ أفقُ المعنى الروحي ثريًا متدفقًا مُلهمًا، يتجدّدُ بتجدّدِ احتياجاتِ الروحِ للسكينةِ والسلامِ الداخلي.

لا يُخلَق المتديّنُ الرحماني رحيمًا بالطبع، وكأنه مجبورٌ على هذه الحالة، إنما هو إنسانٌ مثلُ بقية البشر، وإن كان أكثرَ استعدادًا للاتصاف بالرحمة من غيره، عندما يكون شديدَ التأثر لآلامِ الناس وعذاباتِهم، ومع ذلك لا تكتسب هذه الحالةُ إلا من خلال تربيةٍ على القناعة بالقيمة العظمى لمعنى الرحمة التي تتفوّق على قيمةِ كلِّ مصلحةٍ ومنفعةٍ في الحياة، وارتياضٍ روحيّ يدمن عليه الإنسان، حتى تكفَّ نزعاتُ الشرِّ في داخله أن تجدَ ما يسمح لها بالظهور، بل يستطيع في مراحلَ متقدمةٍ من التربيةِ والارتياضِ أن يقتلع الجذورَ الغاطسةَ للشرِّ ولكراهية الآخر في باطنه، ويسعى للظفر بالمعاني الروحية الأصيلة، لأن المعنى الروحيّ أثمنُ من كلِّ معنىً في العالَم.

الكائنُ البشريّ ليس رحيمًا بالطبع، بل إنه ينزعُ بطبيعته للتسلّطِ على غيرِه؛ ليسحوذَ على كلّ شيءٍ في حياته، ولعلّ في ذلك سرَّ تركيزِ القرآن على الرحمةِ وكثافةِ حضورها فيه، ووضعِها إطارًا مرجعيًا وبوصلةً دلاليةً تُرشِد لما تؤشّر إليه مدلولاتُ سورِه وآياتِه. الرحمةُ حالةٌ لا يستوعبها الكائنُ البشري ولا يتّصفُ بها بيسر، ولا يتمثّلها بسهولة، بل لا يطيقها أكثرُ الناس، لأنها شديدةٌ على النفس، وطالما عجز الكائنُ البشريّ عن التحقّقِ بها، إذ إن نزعاتِ العدوان التي تترسّب في أعماقِ هذا الكائنِ تمنعه من امتلاكِها. والإنسانُ في سلوكه ومواقفه كائنٌ طالما تغلّب في شخصيته الشرُّ على الخير، والتوحشُ على الرحمة. ولولا القيمُ الروحية والأخلاقية والجمالية في الدين والثقافة والفن لم تكن الحياةُ ممكنة. الأديانُ والثقافات والفنون خفّضت كثيرًا من الطاقة التدميرية للتوحّش البشري في الأرض، فأضحت حياةُ الإنسان ممكنة. لا يتأنسنُ الكائنُ البشريّ إلّا بالرحمةِ، ومن دونها يتساوى هذا الكائنُ وأيَّ وحشٍ مفترس[5].

فاعليةُ المتديّن وحيويتُه وتفاؤله يستمدُّها من كيفيةِ تصوّره لله، وطبيعةِ استحضاره لأسمائه وصفاته وتحقّقه بها، فإن كانت صورةُ الله في ضميره قاسيةً، مخيفة، شديدةَ العنف، لا تعرف المغفرةَ والعفوَ والسلام، ولا تحضر فيها رحمة، حينئذٍ يستولي عليه الخوفُ والقلقُ والإحباطُ واليأس، وتصاب قدرتُه على المبادرةِ والفعلِ البنّاء بالشلل. وإن كانت هذه الصورةُ مرآةً يرى فيها الرحمةَ بوصفها صوتَ الله، والسلامَ بوصفه اسمَ الله، والعدلَ بوصفه شريعةَ الله، والمحبةَ بوصفها ضميرَ الدين، فسيكون مُبادِرًا فاعلًا حيويًا متفائلًا. إن رسمَ صورةٍ مرعبةٍ مفزعةٍ لله، تحجب صورتَه بوصفه الرحمنَ الرحيم، الذي "كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ"[6]، ورحمتُه "وَسِعَتْ كلَّ شيء"[7]، والذي سبقت رحمتُه غضبَه[8]. ولا ترى اللهَ إلّا بصورةِ مُعاقِبٍ عنيفٍ بالغِ القسوة. ينتجُ تمثّلُ المتديّن لهذه الصورة شخصية ًكئيبةً حزينةً قلقة، تميلُ للعنف، ولا تطيق التعامل مع المُختلِف في الدين والثقافة، إلى الحدِ الذي يصلُ فيه بعضُ هؤلاء المتديّنين إلى العجز التام عن محبة أيّ إنسان، لأنهم عاجزون عن محبة حتى أنفسهم.

أعرف بعضَ المتديّنين الذين تنتابهم حالاتُ هلوسةٍ واضطرابٍ وهلعٍ من الصور المفزعة التي ترسمها قصصُ عذاب القبر، والمشاهدُ المهولة للعالَم الآخر، وحكاياتُ بعض الوعاظ التي لا تنشد سوى إثارة الذعر في قلوب الناس، من خلال التشديدِ على ما يمتلئ به القبرُ من نيران، فضلا عن الصور المفزعة للحساب والقيامة وأهوالها. وكأن اللهَ لم يخلق الإنسانَ إلا ليتلذّذ بعذابه. لذلك نرى الذين لا يتجلّى لهم اللهُ إلّا بصورة معاقِبٍ عنيفٍ شديدِ البطش والقسوة، تختنق حياتُهم بكوابيس مرعبة، أما الذين يتجلّى لهم اللهُ بصورة الرحمنِ السلامِ العفوِّ الجميل، وهم الأقلّ في الحياة الدينية، فلم أرَ أحدًا منهم إلّا وهو في حالةِ سكينةٍ روحيةٍ وسلامٍ قلبي، وثقةٍ بالله وبذاته.

المؤسفُ أن بعضَ رجال الدين منهمكون في رسم صورٍ مرعبةٍ لله، وترسيخِ اليأس من رحمته، وخلقِ حالةِ صراعٍ بين الله والإنسان، وكأن اللهَ عدوُّ الإنسان، لم يخلقه إلّا لأجل أن يزجّه في معركةٍ أبديةٍ معه، ويظلُّ يطارده كي يبطش به، لكنهم يتكتمون على صورة "الله الرحمن الرحيم"، إلهِ المحبة والسلام والجمال، وينسون أن الحياةَ الروحيةَ ليست خاصةً بهم وبأمثالهم، بل إن كلَّ إنسانٍ يحتاجُ بطبيعته إلى الحياة الروحية، وإن كلَّ شخصٍ يغترفُ من معين الحقِّ على شاكلته، وتشرق روحُه بأنواره، ويتذوّق لذةَ وصاله بمقدار ما تتسع له هويتُه الوجودية، وذلك ما تشير إليه الآية: "أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا"[9].

التديّنُ الرحماني والتديّنُ الأخلاقي بينهما مشتركات كثيرة، إلى الحدِّ الذي يدعو البعض للاعتقاد بتطابقهما كليًا، بمعنى أن الشخصَ ما دام متديّنًا أخلاقيًا فهو متديّنٌ رحمانيّ، وما دام متديّنا رحمانيًا فهو متديّنٌ أخلاقيّ، لكن التأملَ يُظهر أن المتديّنَ الأخلاقيّ لا يكون بالضرورة رحمانيًا، وإن كان كلُّ متديّنٍ رحمانيّ أخلاقيّا بالضرورة، أي إن بعضَ الناس ربما يكون أخلاقيًا في تديّنِه وحياتِه الشخصية، وتعاملِه مع الغير، غير أن حالةَ الرحمة لم تصبح مكوّنًا لهويته الوجودية، لذلك تراه يجسّد العدالةَ والإنصافَ في سلوكه وتعامله مع الناس، إلا أنه لا يسمو في بعض المواقف التي تتطلب منه التسامي إلى الرحمة. المتديّنُ الرحمانيّ يجسّد العدالةَ والإنصافَ في سلوكه ومعاملاته المختلفة مع الناس، ومع ذلك يتسامى إلى مرتبةِ الرحمة، حيثما تطلّب الموقفُ ذلك، والرحمةُ لا تفوقها مرتبةٌ لأنها أسمى مراتبِ الاهتمامِ بالناس ورعايتِهم والتضحية من أجل أمنِهم وسلامتِهم وسعادتهم.

مازالت الكتاباتُ الدينيةُ المختلفةُ تفتقر للحديث عن الرحمةِ الإلهية، فقلّما أقرأ مقالةً أو عملًا عنها، على الرغم من الحاجة الماسّة لها في عصر تتسلّط فيه بعضُ القراءات الفاشية للنصوص الدينية، ويحاصر الحياةَ الروحيةَ والأخلاقيةَ والجماليةَ فهمٌ مغلقٌ للدين. وتلك واحدةٌ من الثغرات الكبيرة في الثقافة الدينية.

كذلك قلّما تتحدّث الكتاباتُ الدينيةُ عن الأخلاق، وإن تحدّثتْ عنها تأتي في سياقِ الكلام عن غيرها، وبمنطقٍ وعظي، ولا تقاربها في ضوء الأفق التاريخي الذي يعيشه المتديّنُ اليوم واحتياجات حياته الماسة للقيم.

الدراساتُ الدينيةُ في معاهدِ التعليم الديني أكثرُها تكررُ المكرراتِ المملة، وتشرحُ الشروحَ المتراكمة على هامشِ المتونِ القديمة، ولا تطلُ بأي أفقٍ مضيء يواكبُ المتطلباتِ القيميةِ لحياةِ المتديّن. ولا تسعى لإنقاذ الأبناء الذين ضيّعتهم متاهاتُ الفهمِ المغلق للدين والقراءةُ الحرفيةُ لنصوصه، فغرقوا في تديّن عنيف لا يعرفُ سلامًا ولا رحمة.

المتديّنُ الذي يتجلى اللهُ له في صورةِ الرحمن يعيشُ سلامًا في روحه، وحيثما كان يكونُ سلامًا في كلِّ قولٍ وفعلٍ. إن التشدّدَ في الدين، والأسلوبَ العنيفَ في التعامل مع الناس، نتيجةً طبيعية لكسوفِ "اسم الرحمن" واحتجابه عن الحياةِ الروحية.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

..............................

[1] ابن عربي، الفتوحات المكية، باب 409، ج10، ص166. ج8، ص19.

[2] ابن عربي، الفتوحات المكية، باب 198، ج6، ص142. ج5، ص 8.

[3] الديري، علي أحمد، لماذا نكفّر؟ ابن عربي من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن، تقديم: عبدالجبار الرفاعي، بغداد، مركز دراسات فلسفة الدين، بيروت، دار التنوير، 2019، ص 81 – 82. هذا الكتاب تلخيص جيد للرؤية التوحيدية للشيخ محيي الدين بن عربي، ومركزية اسم الرحمن وتنويعات حضوره في هذه الرؤية.

[4] يقال إن عدد الحيوانات المستغلة في مختلف التجارب الطبية وغيرها ما بين 17 و70 مليون حيوان في السنة الواحدة، وأحيانًا يجري "بشكل متعمد جرح الكلاب، بطريقة تجعل الطلاب يتعلمون كيف يكونون مستعدين لمداواة الجروح والكسور". راجع: ديفيد رزنيك، أخلاقيات العلم: مدخل، ترجمة، عبد النور عبد المنعم، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2005، ص 203، "سلسلة عالم المعرفة العدد 316".

[5] للمزيد راجع: الرحمة مفتاح فهم القرآن، فصل 1 من كتابنا: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ط2، ص 23.

[6] الأنعام، 12.

[7] الأعراف، 156.

[8] ورد الحديث في صحيحي البخاري ومسلم بهذه الصيغ: "إن رحمتي سبقت غضبي"، "إن رحمتي تغلب غضبي"، "إن رحمتي غلبت غضبي".  

[9] الرعد، 17.

 

محمود محمد عليلكي تخوض دولة ما حربا ضد دولة لا بد من أن تكون هناك أهداف مشروعة لتلك الحرب؛ حيث ثبت علي مر التاريخ أن الحروب قد ارتبطت بالصراعات بين الأفراد، ثم بين الجماعات، كما تطور وتنامي نطاقها عبر التاريخ في فنونها، وأدواتها، وطرق إدارتها، من جيل إلى جيل، شأنها شأن أي تطور طبيعي يطرأ على مناحي الحياة المختلفة،  فهي قدر محتوم على البشرية منذ قديم الأزل، تكون حيناً واقعاً مفروضاً للدفاع عن الأرض والعرض، أو لتحقيق مطلب، وحق استعصي نيله بالطرق السلمية، وتكون في حين آخر صراعاً بين طائفتين، أو فئتين، أو دولتين، لتحقيق مكاسب معينة سواء، اقتصادية، أو سياسية، أو أيدولوجية، أو لتحقيق أغراضٍ توسعية، يراها كل طرف بمثابة الحاجة الملحة لتأكيد هدف معين  .

وهذا الهدف هو ما يطلق عليه "صناعة العدو"، يقول هنري ميشو Heneri Michaux  بطريقة واضحة وضوح الشمس، إن تحديد الأعداء أو الأصدقاء والتحقق منهم يشكل آلية ضرورية قبل شن الحرب، وعند انتهاء النزاع يحتسب المتنازعون الحصيلة السلبية ذاتها : لقد كانت الحرب أسوأ الحلول لكن الناس خضعوا لها، مرة أخري، ومن المنطقي أن نحاول فهم كيفية إنتاج العجرفة الحربية التي تدفع الناس إلي أن يقتل بعضهم بعضا بطريقة شرعية  .

ذلك أن الحرب هي، قبل كل شئ، ترخيص ممنوع شرعيا لقتل أناس لا نعرفهم أو أحيانا تعرفهم حق المعرفة علي غرار الحروب الأهلية، لكنهم يتحولون فجأة إلي طرائد يجب تعقبها والقضاء عليها . إن الحرب هي اللحظة " غير الطبيعية"، إذ يمكن معاقبة من يرفض قتل العدو بالموت، لذا يتعين علينا القيام بذلك عن طيب خاطر والاقتناع بما نفعل .

وللكشف عن كيفية نشوء علاقة العداوة، وكيف يبُني المتخيل قبل الذهاب إلي الحرب ولتوضيح ذلك يمكن القول بأنه علي مر التاريخ، تكثر أمثال صناعة العدو. فلقد عرفنا " الخطر الأصفر"، أي الاختراع العبقري لغيوم الثاني Guillaume II بغية تبرير مشاركة ألمانيا في تقسيم الصين . وعرفنا " ألبيون الغدارة"، وهو الوصف الذي أطلقته فرنسا العظمي، متهمة إياها بأنها منعتها من الاستعمار بطريقة هادئة. وعرفنا" المؤامرة اليهودية- الماسونية" للبلوتوقراطيين (أي الأثرياء المتنفذين) التي ازدهرت في فترة ما بين الحربين العالميتين،والتي استخدمت لتبرير المحرقة النازية (الهولوكوست) وتجريد حملات الاعتقال قبل أن تعود إلي الظهور بصورة  مشتتة . لكن هل اختفت تماما هذه الآلية التي أنتجت هذه الأساطير، والتي شرعنت الكثير من الحروب ؟ يشكل خطاب الرئيس جورج بوش في 29 من يناير 2002 حول حال الاتحاد، والذي يشير بشكل أحادي إلي بلدان " محور الشر " الثلاث، مثالاً معاصراً للإنتاج المصطنع للأعداء قدمته أقوي ديمقراطية  في العالم . ولم يكن ممكناً بالنسبة إلي أي دولة من الدول الثلاث المذكورة (إيران والعراق وكوريا الشمالية) أن يُشك في تورطها باعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001، لكن الرئيس بوش أعلن للشعب الأمريكي، المصدوم نفسيا من الإرهاب، قراره بمحاربة .. انتشار أسلحة الدمار الشامل ! وانقسمت أوربا التي كانت دوماً متحدة ضد العدو السوفيتي إلي معسكرين  متعارضين، فقد كانت" أوربا العجوز" تعد صدام مشكلة، لكنها كانت ترفض اعتبار طاغية بغداد مبرراً للحرب. أما " أوربا الجديدة" فتبعت واشنطن وشاركت في الحملة العسكرية علي "التهديد العراقي" .

وقد أبرزنا في كتابنا "حروب الجيل الثالث ونظرية تفتيت الوطن العربي" أن الولايات المتحدة بنت فكرة حروب الجيل الثالث علي افتراض، أن العدو سيبدأ الحرب في المسـتقبل القريـب، وبالتـالي ستصبح ملائمة جداً للطرف الذي يباشر بها، بمعنى أوضح، فهي تعبر عن القيام، أو التحول في الرد على هجوم فعلي، إلى المبادرة بالهجوم لمنع هجوم معاد محتمـل من قبل خصوم أمريكا .

وهنا برزت فكرة حروب الجيل الثالث كاستراتيجية أمريكية جديدة، بعد أحداث الحـادي عشـر مـن سبتمبر 2001م، وتبنتها الإدارة الأمريكية للرئيس جورج بوش الابن، كعقيدة، ونظريـة معتمـدة فـي السياسة الخارجية، بعدما تم نشرها من قبل البيت الأبـيض فـي سـبتمبر 2002 ضـمن وثيقـة " استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحـدة National security strategy of the US، فهي تعبر - مفاهيمياً- عن سياسة أو إطار عمل، تحتفظ فيها الولايات المتحدة بحق مهاجمة دول تعتبـر طامحة، لأن تشكل تهديداً، أو منافسة محتملين على الصعيد العسكري .

وتكمن النواة الأساسية لحروب الجيل الثالث ضمن وثيقة استراتيجية الأمن القومي، في الجمع بين تهديدين بالغي الخطورة من منظور أمريكي، وهما الدول المارقة والإرهابيين من جهـة، وإمكانيـة حصولهم على أسلحة الدمار الشامل من جهة أخرى  ؛ يقول فرانسيس فوكوياما:" إن أحداث 11 سبتمبر، قد غيرت إدراك الولايات المتحدة للتهديد المتغير،لأن الهجمات جمعت معاً تهديدين أكثر خطورة فـي حزمة واحدة، وهما الراديكالية - التطرف، والتكنولوجيا - أسلحة الدمار الشـامل، حيث رفعت القضيتان لأول مرة الاحتمال الوشيك لتهديد نووي مباشـر لا يمكـن  ردعه" .

إن أسلوب حروب الجيل الثالث يمنع العدو من فعل التهديد، فالولايات المتحدة تريد القضاء على العدو قبل أن يهددها، وهى تري أيضاً في أسلوب حروب الجيل الثالث، هو الذي يعيد استراتيجية الردع، فمثلاً كان الرد الأمريكي ضعيفاً على تفجير سفارتها في كينيا وتنزانيا، من خلال قصف صاروخي لمواقع في السودان وأفغانستان، وهذا الرد لم يخلق الردع للأعداء، لذا وجدت الولايات المتحدة أن أفضل وسيلة، هي البدء بالهجوم من أجل إعطاء فرصة للعدو أن يهدد الأمن القومي الأمريكي، فوجدت في النظام السياسي في أفغانستان والعراق أفضل فرصة لحروب الجيل الثالث القائمة على الحرب الوقائية، فهي رأت في أن هذا النظام يأوي الإرهاب، ويسعى لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، وفي مثل هذه الحالة سيكون اللجوء للقوة، هو الأفضل من أجل منعه من تهديدها وردع الآخرين .

ولخوض هذا النوع الجديد من الحرب ضد الإرهاب داخل الولايات المتحدة وخارجها، حدّد الرئيس "بوش" استراتيجية الحرب الاستباقية، والتي تُعرف في بعض الدوائر باسم "عقيدة بوش"، حيث مضى قائلاً: "إذا ما انتظرنا حتى تستكمل التهديدات استعدادها، فمعنى ذلك نكون قد انتظرنا لأكثر من اللازم، ويتطلب أمننا أن يتحلى جميع الأمريكيين ببعد النظر والعزيمة، وأن نكون مستعدين للقيام بعمل استباقي، وتعلن تفاصيل الحرب الاستباقية الموضحة في استراتيجية الأمن القومي، إن الولايات المتحدة لن تتردد في العمل بمفردها إذا لزم الأمر، لممارسة حقها في الدفاع عن نفسها بشن حرب استباقية ضد الإرهابيين، ومنعهم من إلحاق أضرار بشعبنا وبلدنا"، وإذ تؤكد استراتيجية الأمن القومي الأمريكي على ما كفله القانون الدولي من حق الدول في العمل ضد "خطر من هجمات وشيكة"، فإنها تقترح إعادة النظر في تفسير كلمة "وشيكة"، بسبب الطبيعة الثورية للعدو الإرهابي، وتمضي الوثيقة قائلة: "ينبغي أن نكيِّف مفهوم التهديد الوشيك مع مقدرات وأهداف أعداء اليوم؛ فكلما كان التهديد أكبر، كلما ازدادت مخاطر السلبية، وأصبح من الضروري اتخاذ عمل بالاعتماد على توقعاتنا لحماية أنفسنا، وحتى لو اكتنف الغموض زمان ومكان هجوم العدو، فإن الولايات المتحدة سوف تقوم بأعمال استباقية عند الضرورة. وحتى لا يشكِّل العدو تهديداً وشيكاً، فإن الولايات المتحدة سوف تشن الضربة الأولى ضد الإرهابيين، ومن يأويهم بعلم منه، أو يقدّم لهم المساعدة" .

وتحت شعار "مبدأ بوش" شنت الولايات المتحدة حروب الجيل الثالث، وهي الحروب الوقائية والاستباقية، ويعنى مبدأ بوش الأيديولوجيا أو العقيدة السياسية التي وضعها للعمل بها في مجال السياسة الخارجية الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر إبان فترة رئاسته الأولى، وهو ما يمكن أن نطلق عليه أيضاً استراتيجية "الحروب الاستباقية" التي تمثل بذاتها العمود الفقري استراتيجية الأمن القومي الأمريكي ككل التي وضعت عام 2002؛ أي بعد عام من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وقد تم الاستناد إلى هذا المبدأ في الحروب الأمريكية على الإرهاب والدول المارقة تحديداً ضد كل من أفغانستان والعراق .

ولذلك اخترعت الولايات المتحدة فكرة حروب الجيل الثالث، أو الحرب على الإرهاب، فأخذ شكل الحرب الأمريكية علي الإرهاب، بمعاونة حلفائها، والتي بدأتها بالحرب علي أفغانستان، واحتلال العراق في مارس2003م، والتي انتهت بتدمير العراق .

وبعد عشر سنوات من التواجد العسكري الأمريكي في أفغانستان والعراق، استشعرت الإدارة الأمريكية أنها تورطت في هذه الحرب، حيث كشفت الدراسة التي نشرتها جامعة براون الأمريكية بأن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة إثر هجمات 11 سبتمبر 2001 م أسفرت عن ما لا يقل عن 225 ألف قتيل وبلغ تكلفتها المادية 3700  مليار دولار على  الأقل ؛ وبحسب بيانات الدراسة فإن الإحصاءات تشمل الحرب على أفغانستان والعراق، بالإضافة إلى الغارات التي تشنها الطائرات الأمريكية على أفغانستان. وتبين الدراسة أن قتلى الجيش الأمريكي في هذه الحروب بلغ ستة آلاف قتيل فيما بلغ عدد قتلى حلفاء أمريكا 1200 قتيل، و10000 جندي عراقي، و 8800 جندي أفغاني، و 3500 جندي باكستاني، و2300 من موظفي الشركات الأمنية الخاصة "المرتزقة" .

وهنا قررت الولايات المتحدة الأمريكية أن تغير من نمط إدارة الحروب الدائرة في العالم؛ حيث اكتشفت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) عقب الهزيمة في العراق، بأن نموذج حرب الناتو "Nato -model" المبنى على القطاعات الضخمة المزودة بالآليات، غير فاعل إلى درجة كبيرة أمام قوات العصابات المدعومة من قبل الأهالي، وهذا جعل الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن نموذج آخر مؤسس على عدم توريط الجيوش الأمريكية في اشتباكات عسكرية مباشرة، وبالتالي أهمية الاعتماد على قيمة ومنطقية القوات الخفيفة (Lighter Forces) التي كانت منبوذة في السابق من قبل ألوية الجيوش التي تزحف عبر الأنهار والوديان على سكان القرى، وبالتالي التخلص من "الفشل العسكري" وتقليل المخاطر البشرية والاقتصادية لأي تدخل من قبل الجيوش الكبرى .

وقد بدأ كثيرون من صناع القرارات في الولايات المتحدة الأمريكية  يتحدثون عن الحرب غير المتماثلة والحرب طويلة الأمد، حيث ستشارك الولايات المتحدة الأمريكية- تحت مظلة هذه النماذج من الحروب- في أنشطة مكافحة الإرهاب في منطقة واسعة من العالم الإسلامي لفترة طويلة جدًا. وبدا صراع الند للند peer-to-peer conflict  قد عفى عليه الزمن؛ وهنا أدرك صناع السياسات الأمريكية بأنه في ظل الظروف المناسبة قد تستطيع "العصابات" أن ترجح الكفة أمام "الجيش التقليدي"، حتى لو كان الأخير يمتلك مميزات خارقة في الجو، أو البحر، أو في القدرة النارية .

وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

مركز دراسات المستقل – جامعة أسيوط

 

رائد عبيسالإيمان بالحكومات غير الايمان بالدولة، ومجتمعاتنا العربية والإسلامية مازالت لا تؤمن بمفهوم الدولة بمعناه الحديث، فهي تؤمن بالحكومات التي تقودها وتؤسسها وتوجدها وتديرها، ولا تسعى للحفاظ عليها كسعيها للحفاظ على حكوماتها!! وهذه في الواقع إشكالية كبيرة وخطيرة موجودة، وما زالت راكزة في وعي الأجيال وقناعتهم بها، فهم ما زالوا يخلطون بين مفهوم الدولة وبين الحكم الإسلامي أو الديني. وهذا ما يفسره عدم اطمئنان أصحاب الديانات الأخرى كالمسيح، أو اليهود، أو الصابئة، أو غيرهم من مشروع الدولة الإسلامية؛ لأنه ربما يهدد وجودهم واقعاً ومستقبلاً، وهم لديهم تجارب في ذلك وتاريخ من الإقتتال المشترك، فهم لا يطمحوا أن يكون مفهوم الدولة يحمل عنوان لدين واحد، وهذا يدفعهم أما للمشاركة في الحكم والمطالبة به أو يتوجهون للمقاومة واثبات هويتهم بالقوة اذا منعوا من ذلك، ولعل مرد ذلك إلى جملة اسباب :

١-ان مجتمعاتنا تؤمن بالرمز الذي سرعان ما تضفي على رمزية الحاكم صفة القداسة، والخلافة الربانية للدين والرعية، وهذه تشجع على أن يتخذ من الدين غطاء بحكمه.

٢-  لم تؤثر بهذه المجتمعات تجربة حكم الدولة الحديث بسبب ارتهانهم تاريخياً للحكم بمفهوم الخلافة الذي يستمد شرعيته من المؤسسة الدينية.

٣- طبيعة هذه المجتمعات مازالت بدوية وريفية أو متحضرة قهراً أو منذ مدة حديثاً نسبياً لا يلائمها الحكم بمفهوم الدولة الحديثة الذي يتطلب مجتمعات متمدنة.

٤- مازالت هذه المجتمعات تعيش بيوتوبيا الحكم الإسلامي ودولته التي هي مطمح الأجيال المتلاحقة، وهذا ما تفسره كل الصراعات الاجتماعية داخل بلداننا العربية والإسلامية مع الحكومات المتعاقبة عليها، وان كان هذا التعاقد لم يعش بالكامل، فما زالت اغلب بلداننا تعيش تجارب الحزب الواحد والحاكم الواحد، ولم تألف التنوع في الحكومات الا بعد الربيع العربي. ولعل اسبقها العراق الذي فشل به الحكم الإسلامي الذي كانت تناضل من أجله شريحة كبيرة من المجتمع.

هذه الأسباب وغيرها حالت دون نجاح تجربة مفهوم الدولة الحديثة،والدليل أن كل سقوط نظام حكم في بلداننا تنهار معه الدولة وتفقد استقرارها، لأن المجتمع كان يؤمن بكرزمة الحاكم، وليس بحنكة إدارته وحسن تدبيره لشؤون البلد، ما ان غابت هذه الرمزية الكرزمية بدأ يحلم بظلها أو شبيه لها. ونحن نتذكر كيف لعبت قضية شبيه صدام حسين في عقول الناس وتركت الحيرة والامل عندهم، والأمثلة من البلدان الأخرى كثيرة .

فمجتمعاتنا وصلت إلى حد تأليه الحاكم وتقديسه، حتى بلغ الحال في بعض المؤسسات الدينية إلى تحريم الخروج عليه،ومعارضته، ومعصية عدم طاعته.

هذه كلها معطيات تنبئنا بتلاشي الدولة وانهيار مفهومها من قناعات المجتمع العربي تماماً، لأنها عجزت عن تحقيق متطلبات الدولة المدنية، أو الدولة الحديثة، من الخدمات وحتى الأسس المعرفية لهذه الدولة وثقافتها، فهي تعيش تجربتها الحديثة، وتثقف مجتمعها في الوقت نفسه على انتظار وترقب دولة الإسلام وحكمه ! فكيف تؤمن الأجيال اذان بمفهوم الدولة الحديثة ! التي أخذت صبغة علمانية في أعم تجاربها. فضلا عن إيمان أمة المسلمين بمفهوم الأمة، ورفض فكرة وواقع الحدود المصطنعة التي جاء بها "الاستدمار" وهو مصطلح بديل عن مصطلح الاستعمار نفضل استخدامه هنا،لأنه قريب من توصيف المسلمين له، لانهم يعدون الاستعمار مفردة قرآنية توحي بإعمار الارض الذي استهدف الله الإنسان فيها، فمفهوم الأمة هو مفهوم واسع، يتجاوز حدود الدول الصغيرة أو الكبيرة، ليمتد شرقاً وغرباً في المعمورة، فهي مشروع للدولة الكونية التي تقترب بها من الطروحات الفلسفية حول الفضاء الكوني الموحد لمفاهيم وتجارب مشتركة. وهذا يعني أن مفهوم الدولة الضيق الذي صنعته حدود سايكس بيكو، أو التقاسم الجغرافي لهذه البلدان بعد احتلالها من قبل الامبراطوريات والدول الاوربية لا تؤمن به مجتمعاتنا العربية والإسلامية، صحيح انها تتقاتل عليها، وتثار المشكلات السياسية حولها، فالأنظمة الحاكمة هي من ترسخ حدود دولتها بفكر مجتمعها عبر هذه الصراعات وحقيتها.

وبعد انهيار هذه الأنظمة ونظام الدولة ومؤسساتها، اصبح من الواضح أن تشكل الدول العربية ككيانات مستقلة أصبح من الصعب جدا، وهي تكشف عن انفتاح بين الحدود وتلاشيها، وهذا لا يعني توحدها بل لأنها فقدت السيطرة على إعادة هيكلها التقليدي الذي نشأت عليه، فكل دولة من الدول العربية ربما بعضها لا يتجاوز قرنا من الزمن، وان كان أ كثر فهو الأضعف أمام المستقبل الحامل لهذه الأفكار التي تأتي بفعل حركة التاريخ وسيرورته أو بفعل وعي المجتمعات، أو بفعل القوى الكبرى التي تطمح بالاحتلال لهذه البلدان. بفكرة الحدود المشتركة التي أصبحت مستباحة في سوريا مثلا، فضلا عن تجاوزها وعدم التقيد بها أمام التحركات العسكرية أو الدبلوماسية أو التجارية وغيرها.

وهذا الأمر سواء تم بعوامل وظروف استثنائية كالحرب والصراعات وغيرها، أو يأتي بواسطة اتفاقيات ونسخ تجارب وتعزيز وحدة، كما هو الحال في وضع مجلس التعاون الخليجي مثلا، وقبلة فكرة الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق التي انهارت وتبددت، فشعوبنا العربية تملك فكرة تلاشي الدولة وواقعها من خلال هذه التجارب، والمبادرات، والطموح بالوحدة القومية، سواء وجدت اليوم ام لم تجد فهي تبقى طموح الاجيال، وكذلك الأمة أو الشعوب الإسلامية، فهي تملك فكرة تلاشي الدولة وتوحيدها بعنوان أمة لا تعترف بالحدود بل تعترف بالمشترك، وهذا ما يجعلها تعبر الحدود وتتجاوزها، كما في فكر الدول التي تدعي أنها ترعى الإسلام في المنطقة كإيران والسعودية. وبكلا الأمرين لا يمكن اذان أن تتحقق الدولة بكيان مدني علماني حديث ومتطور في بلداننا العربية.

والمقال تتمة.....

 

الدكتور رائد عبيس 

 

مصطفى غلمانلا يتشكل الوعي من دون إدراك معنى القيمة التي تشغل عقل الانسان. إذ الوجود الحتمي للتفكير كضرورة لا تنضبط دون إقامة البرهان على الفهم الحقيق بالحياة.

إن من يعيش على الفراغ لا يدرك كنه وجود الذات من عدمها. لهذا يكمن السؤال الفلسفي في فرضية اللاشعور كضرورة مشروعة، في التأثير الممارس على الذات داخل نطاق محدود لا تستوعبه المنطقة السيكولوجية للإنسان.

فما الذي يمنحنا سلطة الشعور ـ الوعي كحد من حدود المعرفة؟ وهل يستطيع العقل الإنساني السيطرة على حزمة من الغرائز، بما في ذلك مظاهر التدين ونوازع الأخلاق وضروب السياسة والأيديولوجيات الثقافية والأثنية، المرتبطة أساسا باللاوعي؟؟.

الفيلسوف الفرنسي إميل شارتي كان قد رفض نظرية فرويد القائلة بالدور الخطير للاوعي في توجيه السلوكيات والأفكار الذاتية والتحكم فيها والانصياع لرغباتها المكبوتة، وذهب إلى خيالية فرويد وأسطوريته، متشبثا بالروابط العميقة بين الأفكار والسلوكيات البشرية، بما هي نتائج وخلاصات للوعي، بمعنى أنها نتاج لإرادة صادرة عن الذات الواعية الفاعلة والمتحكمة.

ونحن لا نشك أبدا في هذه البصيرة المترنحة التي تنسج مفهوميتها من أن كل وعي أو شعور هو عقلي ومفكر فيه حتما من قبل العقل الواعي. لكننا أحيانا نتقاطع مع إدراكنا الجزئي في النظر بالعقل الواعي لكل الأشياء التي لا نتحكم فيها، والتي تقع بين الشعور واللاشعور، والتي نرفض أن تكون أساسا لعلاقاتنا. ولهذا يجب ألا نبالغ في تقدير خاصية الوعي. ألم يقل هيجل في الإستيتيكا "الإنسان ولكونه، كائنا ذا عقل له وجود مزدوج فهو يوجد على نفس شاكلة الأشياء الطبيعية، لكنه، من جهة أخرى، يوجد من أجل ذاته، يتأمل ذاته، يتمثلها ويفكر فيها، وهو لا يكون فكرا سوى لأنه فاعلية تشكل وجود الأصل ذاته".

2 ـ اللغة اليوم ليست فقط رموزا يشكلها العقل الإنساني، ولا صياغة تفحصية مستمرة لمشكلات الفروع الفلسفية المعاصرة؛ خصوصا ما يتعلق بعلم الاجتماع وعلم النفس اللغوي.

اللغة فوق التحولات السلوكية التعبيرية التي نجتاز مرحلتها الراهنة بكثير من الخوف وقليل من الإيمان . إنها ظاهرة معقدة تتماهى داخل فرنها كل مواقد السلطة والفكر والإيديولوجية والمنطق.

الأعجب أن يظل احتماؤنا قائما بنظرية اللغة السلطوية التي يعتبرها البعض" ليست إلا الحد الأدنى للسان المشروع" . فاللسان اليوم أضحى أكبر مقبرة للصمت، وباقي الأعضاء في الجسم البشري مجرد صابون لتليين الوجود وكبح إرادته.

والبحث عن ممكنات العيش باللغة العارفة يجتاز ردة؛ فوق كل ما لا يتحمله العقل.ذلك الاحتمال الذي اعتبره رولان بارط طافقا تحت تأثير الطقوس والعادات وضغط الطابوهات؛ بما هو وسيلة لتخفي الذات المتكلمة، أو ما تود قوله ..

فما عسى الذات تقول وهي مجنزرة تحت تأثير سلط التعتيم والبروباجندا وسياسة التعمية والتخويف والتخوين ..

3 ـ إذا كان الأمل حكمة الحياة، فنحن أولى به .. نستحضره في كل سلوكياتنا اليومية . لولا أننا نتجاهله .. بالأحرى نتناسى أنه جزء من عقيدتنا الوجودية ..

هناك كتاب عن الأمل الذي يخلف التفاؤل، وهو للناقد الأدبي الإنكليزي تيري إيغلتون، عنونه ب "أمل بلا تفاؤل" ..

عنوان مثير للسخرية، يستدرجنا ضمنيا إلى واقعية راهنة تحتاج إلى فورة أمل ناذرة، كأنه يبتعد عما يثير كمية التفاؤل المغلول بالسذاجة، ما يولد شيئا من قيمة الفرج. وكما يقول إيغلتون متماهيا: للأمل المنشود مرجع أبدي الحضور ..

 

د . مصــطفى غَــلْمَـان*

 

محمد عرفات حجازيتُعاني الأخلاق العربية المعاصرة من حالة انحطاط وتردّي يُرثى لها، ولكن، هل هذه الحالة البائسة (أزمة) أخلاقية، أم أنّها فقرٌ أخلاقي؟ ربّما هذا يتطلّب أولًا تحديد كلا المعنيين، واستعراض العديد من تلك الأخلاقيات؛ لتحديد المُسمىّ المُناسب لها، من جهة، وعرض أسبابها وما تنطوي عليه من طرق حلول، من جهة أخرى.

الأزمة في اللغة العربية هي الشِّدةُ والقَحْطُ، والسَّنةُ المُجدبة. يُقال إن الشِّدة إذا تتابعت انفرجت وإذا توالت تولّت. ولكن، هل أزمة (شِّدة) الأخلاق العربية المُعاصرة ـ المُتتابعة والمُتوالية قد انفرجت وتولّت، أو أوشكت، أم أنّها في تنامي وازدياد؟

أمّا الفقر في اللغة فهو ضدّ الغنى، وهو الحاجة، والفقير الذي لا شيء له، والمسكين الذي له بعض ما يكفيه، يقول تعالى: "أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر" (سورة الكهف/ 79)، وقال ابن عرفة: الفقير المحتاج، لقوله تعالى: "أنتم الفقراء إلى الله" (سورة فاطر/ 15)، أي: المُحتاجون إليه.

أصبح الكذب أمرًا مقبولًا في حياتنا اليومية، بدءًا من ردّنا التلقائي حين يسألنا أحدٌ عن حالنا بأنّنا "على ما يُرام". كما أنّنا، مثلًا، نكذب يوميًّا على سبيل المُجاملة، كي لا نجرح مشاعر الآخرين، ونتجاهل بذلك نداء الضمير.

أيضًا، فقد انتشرت الرشوة والمحسوبية لدى شريحة واسعة من المجتمع العربي، والمثير أنّهم يطلقون عليها "إكرامية"، وغيرها الكثير والكثير.

من جهة أخرى، انتشر انحلال أخلاقي جنسي على نطاق واسع، فمن ألفاظ اعتدنا على سماعها في الشوارع، حتى باتت جزءًا من حياتنا اليومية، إلى انتشار تبادل الصور ومقاطع الفيديو الخاصة، وانتشار ظاهرة التحرش اللفظي والجسدي، وصولًا إلى ممارسات واقعية اعتادت شريحة واسعة عليها بدعوى الحب، أو الحرمان العاطفي الجنسي والإهمال الأسري..

أحد أبرز أسباب ما نحن فيه هو انتشار الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، والتي عملت على نشر الكثير من أوجه الانحلال الأخلاقي، إلى جانب بثّ الكثير من المعلومات المغلوطة، ونظرًا لنقص الوعي العام، انقادت شريحة واسعة من مجتمعنا وراء ذلك، دونما أدنى إعمال للعقل أو الفكر، وساعدهم في ذلك إمكانية تغيير الهوية والدخول بأسماء مستعارة، أدت في النهاية إلى ارتفاع عدد الضحايا.

كما لعب تردي الخطاب الإعلامي دورًا خطيرًا في حالة الفقر الأخلاقي السائدة، فنجد العديد من الأفلام والمسلسلات الهابطة والمُروِّجة للإباحة الجسدية واللفظية دون معالجة جادة للقضية المطروحة، وأغاني الخلاعة، والدعايات وما تحويه من ترويج لموضوعات مثل السحر والشعوذة والتعري الجسدي واللفظي، والبرامج الحوارية العديدة وما فيها من تطاول وحروب لفظية... إلخ، وقد تناولنا أغلب تلك الموضوعات وأثرها على الأخلاق في مقالات منفصلة، (مقال الدعايات الفضائية والقيم الأخلاقية؛ ومقال البرامج الحوارية وبث القيم؛ ومقال برامج صناعة النجوم ـ قراءة فلسفية؛ ومقال صراع توم وجيري وقلب القيم؛ ومقال السينما وعلاقتها بالأخلاق)، وقد أدى جميع ذلك إلى حالة جفاف أخلاقي ميؤوس.

أيضًا، فقد عمل تدنّي مستوى الوعي على اتخاذ نماذج هابطة كقدوة أو مثل أعلى، كبعض نجوم السينما والغناء مثلًا، واقتباس أدوار تلك الشخصيات وتطبيقها في الحياة اليومية، ما ساعد بشكل قاطع على الانحطاط الأخلاقي. ناهيك عن التبعية الغربية، والتمسّك بشكليّاتها وماديّاتها ما أدّى إلى تخبّط عربي عام في الملبس وطرق الردّ وأسلوب المعيشة (لنا مقال حول ذلك بعنوان الملابس بين الحياء والحرية).

كذلك نجد ضعف الخطاب الديني، وبثّه فكرة التخويف من الله بدلًا من محبته، فباتت شريحة واسعة تخاف الله وتخاف ممن يعرفه، وأخذت تتوسّد فكرة طول الحياة وإمكانية التوبة لاحقًا، وقد عمل ذلك على ذيوع التدين الشكلي وتراجع دور الضمير.

إنّ غياب الدور التوعوي والرقابي الأسري، وتأصّل الأفكار المتوارثة، والأمثال الشعبية، فمثلًا قيل: "الأقارب عقارب"، ولكن الله تعالى يقول: "الأقربون أولى بالمعروف"، وقد سبّبت هذه القيم المدمرة للعقول والنفوس في تمزق العلاقات بين الناس، وتجاهل القراءة والبحث عن الفضائل، وعدم امتلاك الشجاعة للظهور بمظهر الجاهل والسؤال عن حقيقة القيم، أدّى جميع ذلك إلى حالة فقر أخلاقي يُحتّم علينا ضرورة التكاتف الجاد والمُلخص عسى أن ترتقي أخلاقنا..

 

محمد عرفات حجازي/ كاتب من مصر

 

رائد عبيسلا تشابه بين دين الرغبة ودين الرب، فكلمة دين توحي تنوع بعد ضمها إلى أي كلمة تحمل بعداً سلبياً أو ايجابياً، تبقى تشير إلى تأثير اعتقادي يترك أثره على المرء، وهذا التأثير يعزز في الإنسان أبعاد مختلفة واهمها هو البعد العقلاني، والبعد المعرفي، والبعد الخيالي. ما أن يتغلب اي من هذه الابعاد وبدون ضابطة ما على الآخر، سوف تنتهي بعلاقة المرء بدينه إلى علاقة مضطربة يسودها عمق من النفاق أو مستوى من السطحية.

ما المقصود بالدين الرذيل؟ الرذالة هي منقصة وسوء ومثلبة،التي تضاد معنى حسنة ومأثرة ومحمدة.

فالدين الحسن هو نقيض الدين السيء، والدين الناقص هو غير الدين الكامل، وتقابل الأضداد في كل معنى نضع قبله الدين ليكتمل أو لينتقص منه.

فالدين الرذيل: هو الدين السيء الناقص الذي لم يكتمل بأحكامه وتعاليمه وفقهه على وفق فهم الرجال له، فالدين لا يمكن أن تحكمه هذه المفاهيم وتحاكمه. بل فيه من العمق ما يجعل من الدين يتجاوز كل الاعماق المدعاة من قبل السطحيين الذي بهم يبدأ يتنامى الدين الرذيل ويقتصر على رؤى واحكام وأحلام فردية، تريد من الدين الحكم، والملك، والشهرة، وتوسيع الحاشية، وكسب الأنصار، والمؤيدين، وخلق المؤلفات من الفراغ، والاحكام من اللاشيء، واصدار الفتاوى الناقصة، والمبطنة بالفتن، والتكفير، والتفسيق، وتحريم المحلل، أو تحليل المحرم، والخروج عن الثوابت، وتشريع المستهجن، وتشريع سنن مشبوهة، وغيرها من الأفعال التي تؤسس على وفق افكار ونوايا مختلفة، مثل التي تسمى بالإسرائيليات، أو باليهوديات، أو بالشبهات، أو بالانشقاقات، أو البدع وغيرها من الأمور التي تؤسس بقصدية التخريب.

وعندما نعود إلى الأبعاد التي حددناها في مقدمة المقال، نجد بعد هذه الأسطر الأخيرة أن المبدأ الأول منها غائب تماماً، وهو العقلانية التي تختزلها الطروحات الدينية المعتدلة، البعيدة عن المزاجية والارتجالية، والأنانية التي تعاني منها الأوساط الدينية أيضا، بدوافع متعددة كالغيرة أو الحسد او التسقيط، وغيرها من الأمور التي تدخل في مسألة التنافس، فالدين لا يستدعي التنافس وان كان كل ما يصدر منه يشكل خاصية ذاتية بتجربة ما، كتجربة الرسول أو من يقترب منه، وهذه شهدناها في مزاحمة الرسول محمد على أمر الخلافة عند بعضهم، لأنهم يتصوروها ملك وسلطة.

فعقلنة الدين يعني اظهار كل محاسنه وكمالاته ومزاياه، وعندما تغيب العقلانية يدخل في تراذله و تهافته وضحالته. و عمق الدين يتضح في عقلانيته واعتداله وتسامحه.

إلى جانب العقلنة وسيادتها، تبدأ المعرفة بالموازاة،ويبدا الدين باظهار علومه المكنونة لفاهميه بهذا البعد، لمعرفة الدين وتحويله من دين احكام وتعاليم، إلى دين معرفة وعلم وفكر، نكون قد ركزنا الدين في عقول أجيال أتباعه اذا ما كسب اتباع جدد من ديانات أخرى بشكل ذاتي وقناعات فردية.

ما المقصود بمعرفة الدين؟

المعرفة الدينية من أجل أن تكون معرفة يجب أن تستند إلى عدة أمور أهمها :

١- اللغة الواضحة البريئة البعيدة عن التشنج والتشدد في العبارة بما توحيه من تقاطعات مع الآخر.

٢- الابتعاد عن الافكار والأحكام التي تعزز الذاتية والنرجسية العقائدية لما لها من أثر سايكولوجي يؤثر على علاقة صاحب الدين بالأديان الأخرى.

٣- محاولة إصدار أحكام وفقه ديني قريب من قناعات جميع أتباع الدين حتى نتجاوز بها الطائفية.

٤- المعرفة هي ضد التعصب للرأي والتعنت للأحكام لأنها توفر مساحة كبيرة من الموضوعية.

٥- المعرفة تزرع السلام العقائدي والتسامح والانبساط عند اتباع الدين.

إن أهمية تنامي البعد المعرفي في الدين، يعني أنه لا يسمح بتنامي التراذل في الدين و رذيلته ورذيلة متبعيه، كما كان عند القاعدة وداعش وغيرها من الحركات المتطرفة والتي تتبع البعد الثالث الذي ذكرناه في هذا المقال، وهو الخيال الديني الذي يتنامى عند الفرد نتيجة غياب البعد الاول والثاني، وبسبب هذه المغادرة للبعد العقلاني والمعرفي، ينشأ الخيال الذي تنميه الاوهام العقائدية والذي يظهر بشكل اساطير، وقصص مختلقة، وأحلام، وتصورات، وخيال جانح نحو أبعاد كبيرة وخطيرة منها إيروسية، وعبادية، وماورائية ميتافيزيقة، وفلكية وحتى طبيعية، كالتي تتعلق بالكرامات المزعومة باطلاً عند مقلدي بعض رجال الدين الأموات منهم والاحياء، فضلا عن قصص عقاب القبر البرزخ، وتخيلات الجنة والنار، وما يحاك حول يوم القيامة من روايات متخيلة بعيدة جدا عن منطق العقل، فضلا عن تصور شكل الله وتخيلهم له بصور متعددة، كبشر أو حيوان أو جماد.

مثل هذا الخيال يمسخ القيم الدينية المعتدلة والأحكام العقلانية عند متبعيه وليس من الدين ومضمونه، فالدين المتخيل هو دين متراذل سيء لا يحمل عمقاً معرفياً، ولا حقيقة تتفق مع العقل يمثل دين الهمج الرعاع الذين ينعقون مع كل ناعق، و السذج من شريحة كبيرة من شرائح المجتمعات التي تتلقى الدين بهذا البعد دون غيره، والمشكلة الأكبر في هذا الأمر أن هناك اجندات خارجية وداخلية يقودها ويمثلوها أناس ما مغرضون، يحاولون أن يكون الدين ممثل بهذا البعد فقط، لجرف المجتمع إلى متبنيات هذا الدين الرذيل، المتراذل بهم وبتوجهاتهم النفعية فيه.

ومن اجل أن يكون الدين عامل سلام بين الشعوب جميعاً، يجب إشاعة نمط عقلانيته المتضمنة فيه و بجوهره، وليس بتسطيحه أو تسخيفه وتسذيجه وتتفيهه في قناعات الناس فيه.

وللمقال تتمة ....

 

الدكتور رائد عبيس

 

صادق السامرائيلكل مكان أفكاره، ولكل زمان موجباته، ولا يمكن للأمكنة والأزمنة أن تتطابق، ولا يجوز فرض حالة مكانية وزمانية على غيرها، فمثلما لا يمكن عبور النهر مرتين، لا يمكن التواجد في المكان والزمان مرتين، بمعنى أن يكون المكان ثابتا وكذلك الزمان.

وسبب ذلك أن الأرض تدور ولا تعرف التوقف عن الحركة ولو للحظة واحدة، مما يعني أن التغيير ديدن الوجود فوق التراب، وأن التغيير منهج الحياة، فلا حالة تبقى على حالها، ولا يمكن الجزم بالثبات لأنه يتنافى وإرادة الدوران التي تتحكم بالموجودات الأرضية.

ووفقا لإرادة الأرض ونواميس الكون المحكومة بها فأن آليات الرؤى والتصورات والتقديرات والتقيمات تتبدل وتكتسب معاني متفقة وما أدركته أو توصلت إليه، فما نراه اليوم لا يتوافق تماما مع ما سنراه غدا أو بعد غد، وما كان فيما مضى غير كائن فيما حضر.

وهذا يعني أن النسبية فاعلة في الوجود على مستوياته المتنوعة، وأن الإطلاقية لا وجود لها ولا أساس، فلا مطلق إلا الذي لا ندركه ولا نراه، وهذا المطلق نعجز عن تصوره وتحسسه، لكنه خارج المدارك الحسية للمخلوقات ومنها البشر.

وعليه فأن الإعتماد على رأي أو تصور متحقق في مكان وزمان ما، وإستحضاره لمواجهة ما هو حاصل في مكان وزمان آخر لا يتوافق ومنطق الدوران ومناهج الأكوان.

وهذا السلوك هو الذي أوقع البشرية في متاهات ومطبات خسرانية مروعة، فلو أخذنا مواقف الفقهاء في قرن ما إزاء حالة ما، وعملنا بها في زمننا المعاصر، فأننا نهينها وندمر ذاتنا وموضوعنا، وهذا ما يتأكد في الحركات التي تدعي الدينية، وتتبع هذا الفقيه أو غيره وتستهدي بآرائه وأفكاره، وتعزله عن مكانه وزمانه والضرورات التي حتمت عليه القول بما قاله ورآه.

فلو أخذنا منطلقات الفقهاء في القرن الثالث عشر، لتبين بأنها ذات قيمة عملية في مكانها وزمانها، وقد أدت دورها وحافظت على الوجود العربي والدين، وحمته من الإنقراض الأكيد والإبادة الحتمية التي عصفت به بعد سقوط بغداد على يد هولاكو وإندفاعه نحو بلاد الشام ومصر، ولو أنه تمكن منهما لما بقي للإسلام والعرب مقام ودور في الدنيا، لكن أولئك الفقهاء والأمناء على الأمة رفعوا رايات التحدي والجهاد وإنتصروا على الهولاكيين، وأدلوا بفتاواهم ورؤاهم التي حافظت على العرب والدين.

وما أطلقوه في مكانه وزمانه لا يصلح لأي مكان آخر وزمان غير زمانهم، وقد ينفع إستخلاص المعاني والعبر مما إجتهدوا به، لكن لا يمكن للتبعية الحرفية العمياء أن تكون دواء وإنما داء فتاك.

وأكثر الفقهاء العرب الذين أثروا في مسيرة الأمة ومقامها هم من الجهابذة النبغاء، الذين إمتلكوا قدرات ذكائية معرفية متميزة إستطاعوا توظيفها لخدمة الصالح العام والحفاظ على الدين، ولا يوجد تناقض بينهم وإنما رؤاهم ذات زوايا متعددة وإقتراباتهم محكومة بمكانهم وزمانهم، ولهذا الكثير منها أدت غرضها وإنتهت.

وعلينا أن نعرف مكاننا ونعي زماننا وننطلق في تقديراتنا من العناصر الفاعلة في المكان والزمان، أما الإقرار بنفي المكان والزمان، والعمل بآليات عمياء ذات شحنات عاطفية هوجاء ولصقها بفكرة أو عقيدة ودين، إنما يشير إلى جهل مرير وإندحار خطير.

فهل من وعي لمقتضيات المكان والزمان؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

علي محمد اليوسف- عندما ييأس الانسان العربي يقوم بمقارنة السيء بالاسوأ لأنه لم يعش العدالة في حياته ولا يجد النزيه في مجتمعه.

- لا غرابة أن يكون عمر الانسان الغني عشرات أضعاف عمر الفقير زمنيا و(نوعيا).

- أن القول بأن الله خلق الكون من عدم، هي قدرة أعجازية خارقة لقوانين الطبيعة لن تتكرر، وأهميتها في جعل الخالق حياة الانسان قائمة على السببية والضرورة ومبدأ المادة لا تفنى ولا تستحدث ولا شيء يخلق من عدم، وبغير هذه القوانين لا تقوم الحياة عند الانسان، ولا تلزم هذه القوانين الله خالق الكون والاشياء والانسان والطبيعة بها.ومن هنا يأتي الاعجاز الالهي متفردا في خرقه قوانين الطبيعة والعلم والكون، بما لا يقدر الانسان القيام بجزء ضئيل جدا من تلك الخوارق.

- تخليق العقل للفكر واللغة التي تؤطره في أدراك الاشياء والتعبير عنها، لا ينتج عنهما خلق وجود مادي مغاير للاشياء، لأن الفكر واللغة هما توصيف للوجود المادي في ظواهره والتعبيرعنه وليس خلقه وأيجاده، كما أن تخليق العقل للاشياء أنما يكون في تغيير ظواهرها وليس في خلق وجودها من جديد. .

- أن تعي ذاتيتك بصدق وضمير، معناه أنك قذفت وجودك في مجهول ومأساة حياتية لا ينهيها سوى الموت.

- في تأكيد المتصوفة أهمية القلب الايماني المنفصل عن العقل العاجزعندهم، ويعبّرون عنه أن حدود العقل تتوقف ادراكيا نهائيا، في قفزة المتصوف من الوجود الانساني الارضي، الى وجوده المتسامي الروحي في محاولة الاتحاد بالمطلق النوراني الالهي وهي تجربة لا يمكن شرحها ولا التأكد منها لدى المتصوف وغير المتصوف.لذا يعتبر المتصوفة أدراك حقيقة التجربة الصوفية باطلا في توسّلهما العقل، لأن العقل يعجز عن أدراك حقيقة التجربة الصوفية.

- لا يبقى هناك مفاهيم خلف ألغائنا مبدأ الاحتكام الى أحالة، ولا تبقى معلومة فلسفية أو معرفية وأفكار صحيحة في تدمير مرجعيات الاحالة الى بعض الثوابت الافتراضية لأهميتها الوصول الى حقيقة الاشياء، منها العقل،.

- الوعي هو وعي الذات بالآخر، ويبقى الآخر وجودا مغايرا لمدركه.

- أخذ هيجل عن أسبينوزا مبدأ وحدة الوجود بقوله (الله هو الوجود).

- النومين او الوجود بذاته، هو كل وجود مكتف بذاته،ولا يشترط أن كل وجود بذاته يعي وجوده والمحيط، وأغلب الوجود بذاته هو لا وعي غير قابل للتغييرأو أدراكه يقينا، والانسان لا يكون وجودا بذاته فقط في أستحالة أدراكية لوجوده الحقيقي الذي لا يتحقق من غير كونه وجودا في عالم متغير وطبيعة متغيرة.والفلسفة المادية وبعض الفلاسفة ينكرون الوجود بذاته في الطبيعة وليس الانسان، انه حالة من الوجود غير حقيقية لا ماديا ولا حتى تجريديا وكل ماندركه ظواهر الاشياء فقط.

- الوجود (لذاته) هو شكل الوجود الذي يعي ذاته وجودا متغيرا ويتعامل مع الكلية المجتمعية بجدل وجودي ومعرفي وعلمي متخارج.

- نظافة الضمير هبة روحانية لا يتمتع بها سوى أنسان يعي مسؤوليته الانسانية.

- الفكر المجرد الأعزل من دون أرادة الانسان في التغيير لا يغيّر الواقع أو الوجود ولا قيمة حقيقية له.

- الفلسفة عند ماركس ليس فهم الحياة فقط وانما واجب تغييرها نحو الافضل، بخلافه يذهب براتراندرسل، أن الفلسفة نظام مفاهيمي في تفسير الحياة ومعرفتها وليس من مهام الفلسفة تغييرالحياة وتبديلها.

- يعتبر ميرلوبونتي أنه لا فكر خارج الكلمات أو العالم،ولكن الفكر موجود في صمت اللغة وفي عالم الخيال في التعبير عن الجمال في الفن الذي لا يحتاج الكلمات.

- في مجتمع بلا ضمير ومنافق كاذب لا يضمن الانسان حقوقه وصيانة كرامته.

- يقول برجسون (هناك في الصيرورة أكثر مما هناك في الوجود) ونقول أن الوجود بأكمله صيرورة دائمية مستمرة، وما هو غير صيرورة وجودية يصبح في حقيقته لا وجود يمكن التحقق من وجوده.والوجود من غير صيرورة دائمية هو عدم لا يمكن أدراكه.

- عندما أدخل دريدا الهدم والتدميرعلى فلسفة اللغة التفكيكية، يكون أدخل الفلسفة في غرفة انعاش مرّكزة قصيرة الأمد في عمر الفلسفة التاريخي.

- بداية نهضة أي مجتمع متخلف يكون في ربط التعليم بجميع مراحله في خدمة التفكير العلمي والاقتصاد أولا وتطوير الحياة الاجتماعية والسياسية تأتي لا حقا كناتج عرضي حتمي لمنجزات العلم والاقتصاد.

- الدين قيمة حقيقية مطلقة مثل الاخلاق والجمال،. ولفهم مطلق الحقيقة الدينية او الجمالية او الاخلاقية، علينا التعالي عليها بقدرة العقل الذي يعجز ويتوقف عند حدوده الادراكية والمنطقية التي لا تتحدد بالفهم العام بل بمنطق التسليم بالدين أيمانا قلبيا.

- ليس الفرق بين المثقف العربي ونظيره الاجنبي، أعتياش المثقف العربي على الثقافة الاجنبية وحسب، وأنما المثقف العربي غير متطابق بأمانة مع ضميره في كيفية تعامله مع ثلاثة أوساط تحكم وجوده.....هي السلطة اولا، والمجتمع ثانيا، والوسط الثقافي الموبوء الذي ينتسب له ثالثا.وهذه الاثافي الثلاث متحرر منها مثقفي الغربة عن اوطانهم.

وهذه العلائقية الاشكالية تشير الى خلل في المثقف وليس في الضد المناويء له،فالمثقف الذي يجد في نفسه التعالي على السلطة والمجتمع والوسط الثقافي، عليه قلب المعادلة ويبدأ بأصلاح نفسه والوسط الثقافي الموبوء الذي ينتمي له، بعدها يصبح له الحق أن يقوم باصلاح المجتمع وتقويم السلطة السياسية الغاشمة.

- الاحلام نوع من الاسطورة التي مارسها الانسان قديما في ميثالوجيا السحر وطقوس الاديان الوثنية التي يتم بها خرق قوانين الطبيعة في الزمان والمكان خرافيا وليس علميا حقيقيا.وأنتقلت الاسطورة في ملازمتها الانسان في غيبيات الاحلام لاشعوريا أثناء النوم بفرق أن الاساطير تتوسل الالهة والاحلام متحررة منها.

- الاحلام نوع من الاساطير التي يبتدعها اللاشعور في خرقه قوانين الطبيعة اثناء النوم ولا تنفع الانسان أكثر من تفريغ أمانيه المحروم منها في حياته، في تعويض الاحلام الكاذبة لها.

- المكان هو الوجود في الزمن ولا مكان لوجود خارج الزمن.

- الزمان لا يدرك ولا يقاس بغيراستدلال مكاني ملازم له.

- مكان الشيء وزمانيته مظهران لحقيقة واحدة هي ادراك وجوده .

- الفكر لا ينوب عن العقل في التفكير وادراك الوجود بل هو وسيلته اللغوية في التعبير عن الاشياء بعد تخليق العقل لها.

- أدراك وجود الشيء مكانا يتم في قياس زمانيته، ولا أستقلالية لموجود مكانا لا يقاس أدراكه بغير الزمن.وأدراك الاشياء زمانيا يتجاوز ادراك الحواس.

- حركة الشيء هي مقياس زمانيته في أدراكه وليس في تبديل وجوده مكانا.

- الانسان يفكرعقليا ولغويا وهو صامت يتخّيل ماضيه وحاضره ومستقبله، وهذا غير متاح للحيوان مطلقا. بمعنى أن الانسان يعي زمنه بخلاف الحيوان.

- أكثر الامور كراهية و مقتا في الثقافة وكراهية في السلوك هي تبادل المجاملات الرخيصة في تسويق الفشل الثقافي، ومحاولة بناء ثقافة تقوم على التزوير والاكاذيب، لتكريس لا معنى الثقافة الحقيقية الابداعية، التي تشق طريقها بصعوبة كبيرة في مسارات الدفاع عن وجودها، قبل استكمال مهمتها في تبديل قناعات بالية اجتماعيا وأنظمة حكم غاطسة في مستنقع الفساد.

- لغة الخيال هي قسمة مشتركة بين الفلسفة والشعر، بأختلاف أن لغة الفلسفة تخضع لسطوة العقل المنطقي في لجم الخيال أن يكون تهويميا،بينما الشعر يعيش ويخضع لمرجعية تنظيم اللغة وتنظيم خيال اللاشعورجماليا فنيا أيضا. بعد برودة عاطفة الشعر وبرودة تهويم اللاشعور العقلي في تدوين النص الابداعي.

- اللغة قرينة الخيال أكثر من أنها قرينة الواقع، فالخيال محاورة ذهنية داخل الذات، أكثر منها تعبير عن وجود الاشياء قبل الاحساس و التفكير بها.

- الامجاد الزائفة الكاذبة بالحياة تستقي جذورها دوما من مستنقع الرذيلة، وأدامة دورة حياتها مستمدة من أخلاق الحثالة الاجتماعية.

- نفاق القطيع الضال لا يغيّر حقائق الاشياء في الحياة.

- أنعزالية تختارها بأرادتك تحفظ لك نقاء الضمير، أفضل الف مرة أن يحتويك نفاق القطيع المضّلل الضال.

- الالحاد قلق وجودي لا يغيّر حاجة الانسان الى التديّن بمعناه الروحي الاصيل، ويدخل الانسان في خواء عدمي يزيد من قلق لا مخرج منه.

- الصمت لغة حوار العقل مع ذاته داخليا، وتفكير الصمت ذهنيا بدون لغة تعبير عن الموجودات والاشياء التي يتم أدراكها تخييليا فقط،والصمت تفكير لا يلغي دور العقل في تنظيم وضبط الخيال، كي لا يكون التعبير عنه هلوسة وهذاءات أصوات بلا معنى.

- اذا كان الله وجودا متعاليا على الادراك والفهم الانساني المحدود، لذا لا يمكن للانسان أدراك الله اللامتناهي وغير المحدود لا بصفاته ولا جوهره ولاماهيته كوجود بذاته، ولا زمان ولامكان يحدّه، الا بملكة الخيال الايماني الانساني فقط، كما أن المحدود العقلي في الانسان يعجزعن أدراك غير المحدود اللانهائي المقدس لا بالصفات ولا بالوجود ولا بالماهية.ولا يشترط هنا الخيال على صواب في التفكير لأن مرجعية العقل في الاحتكام لها غائبة.

- الانسان كينونة وجودية تمتلك وجودها الظاهراتي والعقلي وماهيتها التي هي مجموع صفاتها وكيفياتها كانسان، تجعل منه هوية جوهرية ماهوية مستقلة. وفي هذه الخاصية يتأكد أستحالة الاتحاد غير القابل للتسوية بين الوجود في ذاته، والوجود من أجل ذاته، أي بين الخالق الالهي والمخلوق الانساني كما تدّعيه الصوفية في تغاير (كيفيتين) احداهما روحانية لا يدركها الانسان هي الخالق، والاخرى مادية تتمايز ذاتيا مع غيرها بقوانين الطبيعة زمكانيا وهي الانسان، ولا تلتقي كيفية الانسان المادية الا مع كيفيات مادية تتجانس معها في كل او بعض الصفات والماهيات.

- كل متفرد متعال موجود فوق الزمان والمكان هو خارق لقوانين الطبيعة بما لا يستطيع العقل الانساني ادراكه، لذا فهو غير موجود انطولوجيا بالنسبة لغيره المتناقض مع وجوده ماهويا (الانسان)، وهكذا يستطيع الانسان أدراك وجود الخالق في ذاته أيمانيا فقط وأدراكه وجدانيا في غيره من الموجودات التي تعقل او لا تعقل ذاتها في الطبيعة.

- الصمت لغة حوارية داخلية في الذهن العقلي المفكّر فقط، وصمت الحيوان (عدما) غير متعيّن في الذهن والتفكير، يغيب عنده و عن او مكتوبا او جماليا ممثلا في لوحة فنية وفي جميع انواع التشكيل الفني التي تكون اللغة فيها في حالة كمون يستنطقها المتلقي المشاهد ولا تحتاج تعبير اللغة الصوتي.

- عبقرية اللغة سابقة على الفكر رغم أن أنتاجية العقل للفكر سابق على انتاجية العقل للغة الصورية، وفي حالة الصمت تكون اللغة هي الفكر، والفكر واللغة داخل الذات هما حوار غير معلن لشيء واحد، ويفترقان (اللغة والفكر) عن الخيال العقلي، والتمايز الدلالي بينها أيضا، متى ما أصبحت الفكرة واقعا ماديا معبرا عنه لغويا يدركه الاخرون.

- كل عمل شاق جادا يقود الى نتيجة لا تزول بسهولة،وكل عمل ساذج ينتهي في ولادته قبل وفاته بحتمية زوال وجوده الطاريء التافه من الحياة.

- اذا كانت الصفات السيئة مثل الانانية والغيرة والحسد، غرائز متأصلة بالانسان، فسوف لن يجد الانسان قيمته الحقيقية بالحياة دون التخلص منها.

- أجد ان الثقافة الحقيقية ليس في مهادنة ترسيخ المخطوء في الحياة على أنه من حقائق الامور المفروضة الواجب الاستسلام والانصياع لزيفها،بل في الاصطراع الحتمي معها وفي ألاصرار على تغييرها.

- قيمة الانسان الحقيقية هي في تحرره من غرائز الغيرة والانانية والكراهية والنفاق التي تسلبه الموقف المبدئي الصائب بالحياة، وتمنع عنه أن يعيش حياته في نظافة الضمير المتطابق مع حقيقته الانسانية الاخلاقية ضمن مجتمع يروم خلقه وتجديده باستمرار.

- اسمى قيمة يحققها الانسان في الحياة حين يتطابق مع ضميره في مناصرة الحق وقيم الفضيلة والخير ويترك أثرا في نفوس و سلوك الاخرين.

- خسارة لا يمكن تعويضها أن يبيع الانسان ضميره في وقت لا يمتلك غيره رصيدا متبقيّا من أجله يعيش الحياة. ..

- قيمة الانسان الحقيقية ان يترفع عن الغيرة والانانية والنفاق وبيع ضميره، وهي مهمة ليست سهلة وفي متناول الامنيات، بل هي صراع مع النفس وصراع مع قيم مجتمعية بالية متجذرة تمجد الزيف كما تمجد المقدس في الحياة على هامش كل قيمة حقيقية تخدم التقدم بالحياة.

- من لا يستحقون صداقتك في نظافة الضمير و قيمك الانسانية، غير مأسوف عليهم أخراجهم من حياتك وتطويهم في غياهب النسيان، فهم خلقوا لأناس مثلهم وليس لأناس مثلك.

- ليس من الحكمة أن يظهر المثقف بمظهر الحريص على اصلاح مجتمعه وهو الاولى بمراجعة نفسه واصلاح عيوبه. مع الاسف كلنا في مجتمعاتنا العربية الاسلامية نعيش هذه الازدواجية التي أحتقرها العالم في تقدمه ونحن حريصون على عدم أضاعتها في تجذير تخلفنا اكثر. وفي هذا المعنى البليغ الذي خانتني اللغة التعبير عنه جيدا يقول برناردشو: أن أعظم المصلحين في العالم هم الذين بدأوا بانفسهم.

- لا تطلب حاجتك من لئيم فهو لا يلبيها لك، ولا تستطيع استرجاع كرامتك

منه.

- اذا أردت مصادرة العقل عن التفكير فيكون مجاله الدخول في مجاهل الميتافيزيقا، واللاهوت الديني تحديدا.

- الانسان ذات وموضوع يتبادلان الادراك بالتناوب.فالانسان يدرك الموضوع في وعيه العقلي أو الخيالي. والانسان يدرك ذاته بذاته عقليا أيضا.والموضوع لا يشترط أن يدرك ذاته الا بشرط علاقته بمن يدركه وهو الانسان، اذا كان وعي الذات ووعي الموضوع من نفس النوع.بمعنى ان يدرك الانسان غيره من البشر لا غيره من الكائنات في الطبيعة والعالم الخارجي. فهنا لا يكون الادراك بين الذات والموضوع متبادلا، بمعنى أن الانسان في هذه الحالة يدرك موضوعه، لكن موضوعه لا يدرك الانسان ولا وعيه به كموضوع.

- في تحول اللاهوت او الفكر الديني الى ايديولوجيا دينية سياسية، ذلك يجعل من الايمان الديني متعذرا أخذه من رجال الدين والفقهاء فالايمان بالله لم يعد اليوم بحاجة الى وسيط قام به الانبياء على مر التاريخ والعصور وانتهى دورهم.

- الوجود الذي يعقبه عدم لا يسبقه عدم،والا كان ليس موجودا.بمعنى أن المادة لا تفنى ولا تستحدث نفسها عقليا تجريبيا، وأنما يمكن أن تستحدث ايمانيا روحيا فقط في خرق قوانين الطبيعة ومفهومي الزمان والمكان.

- خطأ الاعتقاد امكانية الاتحاد الصوفي او الذوبان في الذات الالهية في الاديان تقوم على امكانية اتحاد (كيفيتين) مختلفتين في هوية مؤقتة واحدة اثناء المرور بالتجربة الصوفية والعودة كلا منهما الى كيفيته المتمايزة عن الاخر بعد انتهاء المرور بالتجربة التصوفية، فهذا يستحيل ماديا وروحيا أيضا.

- الفهم الاسبينوزي لمذهب وحدة الوجود في أبسط عبارة له أن الله هو الطبيعة في كل شيء، وبالعكس أن الطبيعة في تنوعها وظوهرها وقوانينها هي الله.وهو تعبير لايمكن التسليم به ما لم يتم الغاء وجود أحدهما من أجل أثبات وجود الآخر. فهما (الله والانسان) كيفيتان مختلفتان طبيعة وجوهرا، وافتراض اتحادهما يستلزم عدم ادراك واحدا منهما على حساب تغييب وجود الاخر.

- فكرة وحدة الوجود في المسيحية مرتبطة ارتباطا وثيقا في اللاهوت الديني في ولادة المسيح ومعجزاته وقيامته كخوارق فوق طبيعية ربانية، أكثر من ارتباط الصوفية المسيحية بالاشراق التصوفي في ان يحقق الانسان حلمه ان يكون جزءا مؤقتا من الذات الالهية في سعيه وسلوكه مدارج العرفان والحال غير الطبيعي الخارق لنواميس للطبيعة، كما في الصوفية الاسلامية والبوذية والهندوسية.

- لا بديل لنا عن السعي تحقيق مجتمع تسوده ثقافة الضمير النظيف، لنتجنب السقوط في لا معنى الحياة، وجحيمها الارضي، فمباديء التقدم الحضاري نخبوية دائما تسعى تعميمها على المجموع، والنخبة مستهدفة من السلطة والمجتمع ولا فرق بين قساوة وغباوة الطرفين في أستهداف الفكر التقدمي وحامله.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

مهدي الصافيثبت ان العالم انشتاين لم يكن مخطئا في علوم الفيزياء، يوم حددت نظريته النسبية بعض الحقائق العلمية حول الابعاد الاربعة للاشياء، وتحديد قوة الجاذبية الهائلة للثقوب السوداء، والمسافات الزمنية الضوئية للمجرات والكواكب وبعدها عن الارض، حيث خرجت قبل عدة ايام وكالة ناسا لتظهرلنا حقيقة تلك الظاهرة الكونية الغريبة (صور الثقوب السوداء)، مؤكدة على ان الخيال العلمي لافلام هوليود كانت دقيقة وقريبة نسبيا من الواقع ...

نعتقد ان الخيال العلمي للعباقرة والمفكرين والعلماء والباحثين وبدرجات متفاوتة لبقية البشر (الذي يسمى في الازمنة الغابرة بالالهام او المعجزة او الاتصال الروحي مع السماء اوعلم الغيب او حتى مايقال عنه في الشارع المقدس بالوحي) هو الاصل في الاكتشاف والاستنتاج والتجربة والانجاز، اي بعبارة اخرى يمكن القول ان كل خيال علمي هو حقيقة او امر قابل للتطبيق ان توفرت له الظروف الملائمة،

ولعل اول من ركز على حقيقة التأمل والتفكر واعمال العقل في الكون لتوليد مجالات الخيال العلمي هي الحضارات القديمة(الاله والخلود والاختفاء او الصعود الى السماء)، والقران الكريم، وفلاسفة القرون الاخيرة، فكانت تلك الاشارات والمحاولات العلمية هي احدى اهم الاسس المنطقية للاكتشافات العلمية الحديثة، الا ان الاهتمامات العلمية والفكرية تبقى دائما داخل الاطر المحدودة، هي ليست مهنة او تجاربة مربحة، انما خيال علمي يتجسد في صورة حقائق علمية نظرية مؤجلة مخزونة في خيال المفكرين والعلماء، بمعنى اخر اننا نود ان نطرح تلك الظاهرة او هذه الحالة الخاصة (والعامة فلكل انسان خيال عاطفي وانساني واجتماعي وعلمي محدود او نسبي) على انها مفهوم او نظرية علمية شبه ثابتة، اي ان التسارع العلمي التكنولوجي الذي يراه العالم هو نتاج خيال علمي لدى الاذكياء، فتحت له الحضارة الالكترونية الابواب ليصبح اقرب للحقائق العلمية القابلة للتطبيق والتنفيذ كما ذكرنا، وهذه الحالة يمكن تصنيفها على انها ظاهرة متقدمة في مسألة تقارب او تقليص المسافات بين الحقيقة والخيال العلمي، اذ اصبح بالامكان ان يتم تطويع التكنولوجيا عقليا لانجاز اية مشاريع تعد خيالية بالنسبة للكثيرين، فقد بات يسمع في البرامج والنشرات والمجلات العلمية عبارة"العقل الصناعي"...

ان الحاجة والاهمية التربوية والعلمية في الاوساط التعليمية والاكاديمية لاعطاء فضاءات ومساحات واسعة لاستيعاب وتطور الخيال العلمي للاجيال المختلفة كبيرة جدا، عبر فتح مراكز بحوث ودراسات علمية متدرجة، تبدأ من المراحل الدراسية الابتدائية، مرورا بالمراحل الثانوية الى المراحل الجامعية ومابعد التخرج، واعتبارها جزء من دراسة العلوم التطبيقية الطبيعية العملية المعتمدة رسميا، تعطي مجالا كبيرا لتطوير طرق واساليب وادوات البحث والتفكير والابتكار والابداع العلمي، وكذلك تسمح للطلبة والشباب بالابتعاد جزئيا عن النمط الروتيني الكلاسيكي المتحجر او الجامد المعتمد منذ عقود في وسائل التربية والتعليم، اضافة الى انها سترفع من درجة ثقافة ووعي الشارع بتحويل الانظار لى تلك الاهتمامات الدقيقة والمتقدمة علميا، بتحريك العقول وتوجيهها نحو مجالات الابداع العلمي، ولهذا نؤكد على ان الثقافة والوعي لايمكن لها ان تؤثر في اي مجتمع متخلف علميا، مالم يتم اعتماد وسائل العلم والمعرفة الالكترونية، لتطويرالعقول السليمة وتشجيعها على استخدام الادوات والتقنيات القابلة لتنمية الادراكات العقلية لدى بقية بسطاء المجتمع، فتكون عندها القرية والريف عموما قادرة على التواصل مع حضارة المدن عبر وسائط الاندماج والتقارب للحضارة الالكترونية المتاحة، ثم يمكن بعدها ان تسجل النجاحات والطموحات النسبية للمحاولات الثقافية الجادة الموجهة للمجتمع لرفع درجة وعيه وثقافته، لم يعد الخبز كافيا لانقاذ فقراء المجتمع، انما بالعلم يمكن لهم ان يشاركوا بجدية في صناعة دولة الرفاهية، فقارة افريقا ليست اكثر فقرا من اسيا او اوربا، الا ان الجوع والفوضى والحروب القبلية والصراعات الداخلية والانخراط في مافيات تجارة الحروب جاءت بعد الفشل العلمي والاجتماعي والثقافي والاخلاقي المتجذر في المجتمعات البدائية ....

ان رؤية او معرفة وتشخيص مفهوم اونظرية الحقائق داخل الخيال العلمي الانساني، يمكن ان يلمسها الانسان عن طريق العودة بالذاكرة الى الماضي، وكذلك بالعودة الى معظم او اغلب الاسس التي استندت اليها ابحاث وتجارب وبدايات تفكير العلماء والمفكرين، سنجد انها بدأت بمايسمى بالفكرة والتأمل البسيط الذي تطور ليصبح حقيقة في المستقبل (كعلوم الطيران والفضاء والتحكم عن بعد، وجميع الابتكارات والصناعات الدقيقة)، فالخيال العلمي الواسع هو ليس امرا غريبا او خارج المنظومة الفطرية الكونية، انما هو اساس التفكير النظري العلمي، الذي يمكنه ان يشرح او يوضح للناس حقيقة الخلق والتكوين، ونشأة او بدايات تكون الحضارات والاساطير القديمة، والاديان والطوائف والمعاجز، وحركة وتطور المجتمعات الانسانية، وطبيعة حياة الكائنات الاخرى واسرارها، واسباب الانقراض والهجرة لقسم منها، ومعرفة مواقع النجوم والكواكب والمجرات بالنسبة للارض، وتأثير تغير المناخ والبيئة على الحياة الانسانية، الخ.

ان العصر الحالي هو عصر دراسة الفضاء الخارجي المحيط او القريب من الارض نسبة للمجرات البعيدة الغير مكتشفة، وهذا يعني ان العقلية او الفكر الانساني العلمي بدء مرحلة جديدة من البحث والاكتشاف، وهي في طور التكون كحضارة خاصة بعلوم وتكنولوجيا الفضاء التي يمكن اعتبار انها جاءت بعد مرحلة الحضارة الالكترونية او التكنولوجية، فالقوى والامم العظمى اليوم تتسابق فيما بينها في مجال العلوم والاكتشافات الفضائية، مما يتطلب من الدول النامية او الناشئة التي تعتقد ان مجرد الحصول على التقنية النووية او الذرية كافية للدخول في موسوعة او منظومة الدول القوية المتقدمة علميا وعسكريا، ان تبدا مرحلة الدخول الى حضارة تكنولوجيا الفضاء، من خلال انشاء مراكز البحوث والدراسات الفضائية...

الخيال الانساني العلمي او المنطقي او المعرفي هو اساس الفكر والابداع والابتكار والاكتشاف، يشعر الانسان المفكر او العالم ان كل ماموجود في الكون هو نتاج خيال علمي ينزل من السماء الى الارض كالمعجزة..

 

مهدي الصافي

 

علي رسول الربيعيإنً محاولة اقامة مقاربة- رابطة بين الإسلام والحكم بدون الألتفات الى ان محاولة الربط هذه فيما يمكن أن تكون عليه العلاقة تلازمية تبدو ربطاً لا يتقوم بهذه الصورة ولا يستقيم بهذا المعنى. إنه يتعاطى مع الطرفين بطريقة أيديولوجية استغراقية ناضحة عن عقلية قروسطية في نظامها الأبستمي- المعرفي المستدعى الى الحاضر. السؤال ماذا يعني الإسلام اليوم؟ فكأن "الإسلام" يتأول ويمر باوضاع تمعينية دائماً في مسارالتجربة التاريخية وأثرالمتلقين بإختلاف مراحلهم واوضاعهم التاريخية، مما يدفع الى أهمية الإعتراف بتاريخية ونسبية النتاج الفكري للعقل الإسلامي. فالإسلام اليوم لا تتعين معرفيا حدوده بالتمسك بمقولات اللاهوت ـ الكلام وإتجاهاته الكبرى، ولا حتى الفقه وأصوله القائمة على آليات النظام المعرفي القروسطي؛ وبالتالي فأن كان في مرحلة ما تلازما بين الإسلام والحكم فليست تلك المرحلة الماضية حاكما على الحاضر، الراهن، المختلف.

يتطلبَ الدور الكبير الذي يمارسه الدين في الفضاء العمومي للمجتمعات في السياق الإسلامي، في العقود الأخيرة، إعادة النظر في هذا الدور من قبل علماء الدين والمختصين في العلوم الاجتماعية. فلا يزال يتعين على المناقشات الدستورية معالجة دور القناعات والقيم الدينية في تطوير المؤسسات الديمقراطية لضمان الحريات والحقوق الأساسية في البلدان ذات الغالبية المسلمة.

بدأ من خلال التطبيق أن هناك عائق أساس أمام إرساء الديمقراطية ألا وهو الطريقة التي يتم بها ممارسة دور القيم الدينية والإصرار على التوحيد العقائدي /اللاهوتي، وهذا ما يقف حائلاً من تطوير شعور شامل بالمواطنة. لاسيما إذ أصر الفقهاء والزعماء الدينيون على جعل الشريعة الإسلامية، المصدر الرئيس لتعريف الحريات والحقوق في الدستور. في حين من المَسلَم أن الشريعة تقتصر على فقه الأحوال الشخصية للمسلم فقط، كما بدا أيضًا مصدر قلق كبير من الطريقة التي تُحدِد بها صياغات الشريعة التقليدية الحقوق الاجتماعية والسياسية. والأهم من ذلك، ما تتطلبه الطبيعة التعددية الدينية للجماعات في السياق الإسلامي أن يضع المَشرِع في اعتباره ليس فقط العلاقات بين المذاهب أو الطوائف، بل بين الأديان أيضاً. لذا أصبحت الحاجة إلى البحث في دور القيم الدينية مسألة ملحة وراهنة.

إن التحدي الذي يواجه المجتمعات في السياق الإسلامي اليوم هو الاعتقاد الراسخ بين المسلمين ذوي التوجه الديني: بأن الأسلام دليل شامل لحياة الإنسان ويجب ألا يكون موجها ومرشدا ودليلاً فقط بل يجب أن يحكم دولة حديثة ذات أغلبية مسلمة. هل يمكن أن نتصور بأن هناك من بين المصادر الكلاسيكية التقليدية الموروثة ما يمكن استثماره لإنشاء الدولة/ الأمة في الوقت الراهن؟! استكشف هنا إمكانية تصور هذا الأعتقاد الديني في ضوء الظروف المتغيرة التي تدير فيها الدول الحديثة شؤونها. من أجل القيام بذلك، سأتناول المصادر الأساسية للخطاب السياسي الإسلامي في السياق الذي شكل فيه هذا الخطاب الأسس السياسية للإمبراطورية الإسلامية.

إن تأمّلاتي حول المصادر التأسيسية مثل القرآن والمصادر التقليدية الأخرى التي تحظى باحترام كبير من قبل المسلمين ستوفر لي الفرصة لتقديم أطروحتي حول الحكم الديمقراطي القائم على نوع من العلمانية الوظيفية ــ سوف أعود إلى هذه العلمانية في وقت لاحق ــ لكن أؤكد من البداية أنني لا أفرض هذا المفهوم على التقاليد الإسلامية، فقد تم الاعتراف بفصل السلطات القضائية واستقلاليتها عن السلطات السياسة في ما يتعلق بالمعاملات بين البشر (بدلاً من الفصل بين الكنيسة والدولة في الغرب) في قانون الإسلام المقدس: الشريعة الإسلامية.

تكشف قراءة التفاعل بين الدين والتاريخ في الإسلام عن ذاك التطور التاريخي للتقاليد الإسلامية، وعلى عكس التصورات الحديثة الدينية أو العلمانية عن دور الدين، التي كانت مصدراً لمشروعٍ عامٍ قائمٍ على مبدأ التعايش، ويعترف (أو يُقر) بالحرية للجماعات الدينية الأخرى أن تحكم ذاتها في مايتعلق بإدارة شؤونها الداخلية في ظل نظام سياسي ديني واجتماعي شامل. فمن بين جميع الديانات الإبراهيمية المستندة إلى الروح التوراتية لتشكيل ثقافتها العامة، كان الإسلام منذ نشأته أكثرَ وعيًا بجدول أعمال الناس الدنيوية، مؤمنًا بعالمها واشتراطاتها.

نَظمَت الشريعة الممارسة الدينية بهدف الحفاظ على حقوق الفرد والجماعة. وتعامل نظامها الشامل مع الالتزامات التي يؤديها البشر كجزء من علاقتهم بالله والواجبات التي يؤدونها كجزء من مسؤوليتهم الشخصية. ومنها الحفاظ على النظام العام للعبادة، والتعامل الأقتصادي، وكافة مجالات التفاعل البشري. كما تعتبر الشريعة الإسلامية المعاملات الاجتماعية كافة قائمة على معيار سلوكي أخلاقي مع إنفاذ القانون من خلال الأخذ بعين الاعتبار ما يظهر علناً أو يُمارس في المجال العام. فلا تملك المحاكم الإسلامية ولاية قضائية على الأفعال الشخصية الخاصة، ما لم يحدث انتهاك للحق العام، وأذا حدث مثل هذا الأنتهاك حينئذ يتم محاكمة القائمين بتلك الأفعال من قبل القضاء دون تحقير.[1]

إن السؤال في سياق البحث عن المبادئ الإرشادية التوجيهية لمجتمع مدني، هو ما إذا كانت الجماعة في السياق الديني/ الإسلامي تتمكن من قبول فكرة أن الجماعات الدينية الأخرى لها وجود مستقل، وحق حكم ذاتها فيما يتعلق بشؤونها الداخلية والأحتكام الى شريعتها؟. هذا هو الجانب الأكثر تحديًا في التزام المرء الديني المؤثر على النظام العام. النقطة الأساس التي تتطلب لفت النظر هي ما إذا كانت الجماعات الدينية مستعدة للأعتراف ببعضها البعض على أنها متساوية روحيا ولها نفس المكانة اللاهوتية، ويحق لكل منها الألتزام بطريقها الخاص للخلاص. ففي ظل نظام ديمقراطي تعددي، يعتمد الإجماع السياسي في الفضاء العمومي على حق ممارسة كل جماعة شعائرها الدينية.

أتعامل، هنا، مع التعددية الدينية بأنها تعني الاعتراف بالقيم المدنيًة البديلة التعويضية عن التقاليد الدينية المتنافسة. فمن المتوقع أن تتعارض المعتقدات والقيم الأساس لمجتمع واحد مع قيم آخرين؛ وهنا يتخفى احتمال الصراع والعنف، ما لم يتم التعبير عن التعاليم الدينية لكل فئة متلازمًا مع الحكمة العملية الضرورية المطلوبة للسلم في الفضاء العمومي وهي الأحتكام الى القوانين المحايدة دينياً.

إن المشكلة الأساسية التي تنعكس في الصياغة الكلاسيكية للهوية السياسية الإسلامية، هي الاستبداد الديني القائم على ادعاء خصوصية استبعادية، تتعارض مع الروح العالمية التي تنشأ مع الديمقراطية التي تعترف بالتعددية الدينية. ينبثق جوهر التعددية الديمقراطية من احترام حقوق الإنسان لغير المسلمين الذين يعيشون في المجتمعات في السياق الإسلامي. كافح المفكرون والاجتماعيون المسلمون والكثير من المؤمنيين الإسلاميين منذ بداية القرن الماضي، من أجل اثبات قدرة الإسلام على بناء مجتمع سياسي يتخطى الحدود التقليدية بين المؤمنين وغير المؤمنين، مما يسمح للكرامة الإنسانية بأن تكون المعيار الوحيد للاستحقاقات الاجتماعية والسياسية.

قدم الإسلام، منذ ظهوره لأتباعه رؤية معياريًة مُنظِمة للأمة أو الجماعة المؤمنة به، تقودها إلى حياة مثالية. هذه الرؤية لها علاقة بإمكانية وجود نظام حكم عادل في المجال العام، من شأنه تشكيل هوية مسلمة للناس الذين "يخضعون" بإيمان لإرادة الله كأعضاء في مجتمع بشري. وهي في المقام الأول إمكانية أعمار الأرض لحياة مجتمع متعدد الثقافات ومتعدد الأعراق محوره الله وتسنده الرؤية القرآنية للعلاقات بين الناس.

من المهم التأكيد على أهمية الخطاب المعياري القرآني الكوني الذي يخاطب كل البشر: يأيها الناس فيدعو الإنسانية إلى الاستجابة لطبيعتها الفطرية الأصلية القادرة على التمييز بين الحق والباطل أو الصواب والخطأ. وأنه لا يمكن لأي إنسان يتمتع بالعقل أن يفشل في فهم هذه اللغة الأخلاقية. والأهم من ذلك، كونه مصدرًا للتوحيد يتخطى الخلافات الدينية، إن هذه اللغة تحدد التوافق الضروري بين التوجيه الأخلاقي الذي يتعلق بالحياة الخاصة والضمير الفردي، والتوجيه العالمي الشامل. وبالتالي، فإن القرآن يربط البشرية طبقاً لأستعدادها الطبيعي، ليس فقط لتكون على بينة من معنى الحقانية والعدالة ولكن أيضا لتحقيق إرادتها على الأرض.

لا يمكن لأي إنسان في أطار هذا الأسلوب العالمي، إذن، أن يدعي الجهل بالمعنى الأخلاقي المميز بين الخطأ والصواب؛ مما يترتب على ذلك أنه لا يمكن لأحد أن يفلت من الأحكام الإلهية ويتهرب من قانون العدالة على الأرض.

يسمح القرآن لغير المؤمنين به بأن يكونوا بمعية الآخرين في مجال الأخلاق، حيث أن المعرفة الطبيعية للخير والشر تجعل الظلم بأي شكل غير مبرر و لايغتفر. وبغض النظر عن كيفية تقسيم الأديان للناس، فإن الخطاب الأخلاقي يركز على العلاقات الإنسانية في بناء نظام عادل للناس كافة. ويزودنا بعلاقات إنسانية على المستوى العام كإطار عمل لتوافق الأديان أو الثقافات الأخرى من حيث "نحن" و "هم". فيصبح تعريف الذات الإسلامية قابلاً للفهم ومتاحًا لغير المسلمين من خلال وصف هذه الذات المفاهيمي للآخر. يقع مثل هذا الوصف للآخر غير المسلم في مجال الشريعة، وهو مجال النشاط الديني والأخلاقي القائم على الوحي.

إنَّ الشريعة القرآنية بوصفها تعبيرًا عن المسعى الإنساني لتنفيذ الإرادة الإلهية على الأرض هي في الواقع مطابقة للاعتقاد بأن الإيمان هو أداة للعدالة. يخلق التساوق بين الشريعة والإيمان في حياة الفرد إحساسًا بالمسؤولية الكبرى لتحقيق العدالة من أجل مصلحته. وعندما يتم عرض هذا التساوق على الحياة الجماعية للمجتمع أيضاً، فإنه يؤدي إلى الأمن والنزاهة والسلام لاجتماعي.

فالسلام إذن، هو الاعتقاد المترجم إلى عمل. ولا يكفي أن نؤمن بالعدالة لتحقيق السلام. إذ السلام هو نتيجة الحفاظ على العدالة في كل مرحلة من مراحل العلاقات بين البشر. بينما يؤدي فصل الشريعة عن الإيمان إلى عدم الالتزام بالعدالة الذي يؤدي بدوره إلى الفوضى والعنف وحتى إلى الحرب. ومن هنا، فإن الوصفة الإسلامية المعيًارية لتجنب المذابح بين البشر هي الأستجابة لوحي الله، الذي يدعو إلى علاقة مخلصة مع الله و علاقات إنسانية صادقة. بعبارة أخرى، يصبح الخضوع لإرادة الله نوعًا من قنوات خلق العدالة والإنصاف والحفاظ عليهما على الأرض. في نهاية المطاف، ترتكز رؤية الإسلام المعياري للعلاقات بين الجماعات المتنوعة على مشاركتها في الاهتمام الأخلاقي الديني عبر المساواة، والسلام، والعدالة.

لكن في غير هذه الرؤية المعيارية نلاحظ أن التفاعل بين هذا الإيمان والتاريخ لم يرسِخ رؤية مشتركة عن المساواة الروحية بين الأديان. لقد أدى هذا الفهم من عدم المساواة الروحية، في الواقع التاريخي المشخص، عند جزء كبير من المسلمين إلى عدم التسامح، بل الى استبعاد الآخر حتى من العلاقة الإلهية – الإنسانية. لا يمكن أن تتصور مثل هذه العقيدة أو اللاهوت الدوغمائي الحصري مجتمعًا بشريًا عالميًا إلا تحت الهيمنة الإسلامية. ويصبح تفسير التقاليد الإسلامية، أداة لتعزيز السلطة السياسية "الإسلامية" على الأمم الأخرى.إنَّ الإصرار على الاتفاق بخصوص مسائل العقيدة، في مجتمع متنوع الملل، كشرط مسبق للتنظيم الاجتماعي يمثل تحدياً كبيرًا ومشكلة معقدة. والحل الذي تقدمه النظرية الليبرالية العلمانية هو: لايأتي الحكم ذو الكفاءة والفاعلية من الأشتراك في العقيدة، بل من نظام سياسي يجسد ويتقبل مبدأ التعددية الدينية.

لا يتطلب حل النزاعات بين الناس دعم بعض المعتقدات الدينية؛ فهي اختلافات في مسائل الإيمان غير قابلة للتوفيق. ولكن ذلك لا يعني أنهم لا يستطيعون مشاركة رؤيتهم عن مجتمع مستقبلي مستوحى من الإيمان الديني. ووفقاً لهذا النمط من التفكير الذي تحافظ عليه الليبرالية السياسية، لا يمكن الوصولالى الأحكام المستندة إلى الأخلاق الدينية أو يتعذر بلوغها لأن بعض المقدمات الأساسية التي تكمن وراء هذه الأحكام لا تخضع للقبول العام أو لأثباتات مقنعة يمكن الوصول إليها بواسطة العقل العمومي".[2]

بوسع الأديان عموما بما تحتله من مكانة في الضمير أن تنشر الثقة بالحياة والمسامحة والتضامن، أن تلعب دورًا هامًا على الصعيد النفسي وتنمي التجدد الروحي وأن تكون سنداً للهوية المنفتحه على الآخر. وفي هذا السياق تتضمن الأديان الإبراهيمية من بين مذاهبها اللاهوتية مفاهيم عن العدالة الإلهية ومفاهيم عن الأخلاق الإنسانية حول المسؤولية الفردية والجماعية لتعزيز النظام الأخلاقي العمومي. فلدى التقاليد الإبراهيمية بشكل عام، والإسلام على وجه خاص، الكثير للمساهمة في خطاب حول استصواب إدراج حجة دينية عالمية تدعو إلى التعاون الإنساني في تأسيس نظام عام عادل. ونحن كمسلمين لديَّنا مسؤولية مواجهة التحدي المتمثل في الحاجة الى التقييم النقدي لأوجه عوائق تبني مبادئ حقوق الانسان، وعدم المساواة بين الرجال والنساء، وتجاهل التجارب الإنسانية، وإعادة تأكيد القيم الإنسانية في سياق إسلامي، وإعادة التوازن للاعتبارات الأخرى مثل المصلحة الوطنية، وغيرها من الأولويات والتقاليد.[3] بالإضافة إلى إجراء تقييم نقدي للفكر والممارسة الإسلاميَين الحاليَين لإثبات "إمكانية الوصول" لتفسيرات دينية تسـاهم في تطوير " أجماع متداخل" أو متقاطع ، طبقا لراولز، ضروري في مجتمع ديمقراطي لأغراض الحكم الرشيد.

أنَّ هدف الوحي هو توجيه البشر، أي أنْ يكون مرشدا ودليلا لطريق الهداية الروحية والأخلاقية، لا نظاما لحكهم، فلا يقدم القرآن نظرية سياسية إلهية للحكم. ولايمكن للإسلام وهو دين كوني لكافة البشر في كل زمان ومكان أن يُوظَف من قِبل جماعة بشرية في زمان ومكان محدد كوسيلة أويديولوجيا للوصول ألى السلطة، نعم قد تكون هناك صلة ما بين الإسلام والسياسة ولكن بمعنى القيم الكونية الكبرى التي تأتي من خلال أطر نظرية تأسيسية كبرى.[4]

اعترف الإسلام صراحةً بالأرضية القيميًة المشتركة بين المسلمين وأهل الكتاب، وبأن اليهود والمسيحيين غير محرومين من الخلاص ومن ثم لا يوضعون في منزلة أدنى في حالة عدم تحولهم الى الاسلام.[5] لم يشعر المسلمون الأوائل، خلافاً للمسيحيين الأوائل، بالحاجة إلى تأسيس هويتهم الاجتماعية والسياسية والدينية على حساب مجتمع آخر.[6] كما أنهم لم ينظروا إلى الناس، كنظرة اليهود حين اعتبروا أنفسهم جماعة مختارة بشكل فريد لتلقي التوجيه والرعاية الإلهية في عالم خالي من ذلك. رأى المسلمون جماعتهم واحدة من بين العديد من الجماعات الدينية ذات الإرشاد الإلهي. وقد نص القرآن على ذلك (المائدة الآية 48)، أي باعتبار المسلمين، كغيرهم من الطوائف الدينية الأخرى، كائن اجتماعي مستقل بذاته وله قوانينه الخاصة لأعضائه.

 

د. علي رسول الربيعي

.....................

[1]Joseph Schacht, An introductory to Islamic Law (Oxford: Clarendon Press, 1964), 189-190

يناقش مراقبة الإجراءات في المحاكم الإسلامية : "لا يمكن اتخاذ أي إجراء دون مطالبة. ويقتصر هذا المبدأ على اختصاص القاضي في اتخاذ إجراءات في أمور الرفاه العام... ليس إلزاميًا تقديم طلب للقاضي... طالما لم يتقدم أي طرف للقاضي لايتخذ القاضي اي إشعار ". 

[2] Kent, Greenawalt, Religious Convictions and Political Choice (New York: Oxford University Press, 1988),68. 

[3]إنها ليست مهمة سهلة لضمير أي مفكر مسلم في العالم الإسلامي أو في الغرب للقيام بهذه المهمة الحرجة دون تعريض حياته للخطر. إن التعصب الذي أبدته المؤسسة الدينية في بعض البلدان الإسلامية ، والذي يشعرهم بالتهديد من التقييم العقلاني للنصوص الدينية في سياقها التاريخي في الجامعات ، أجبر هؤلاء العلماء على التخلي عن دينهم . والمسؤولية الأخلاقية لمجتمعهم. في بعض الحالات ، أُجبر هؤلاء العلماء على النزول تحت الأرض وطلب اللجوء في الغرب. وكما هو معروف ، فقد واجه الأكاديميون اليهود والمسيحيون ، في المرحلة الأولى من دخولهم في عالم الفحص والنقد الأكاديمي ، رد فعل مماثل من السلطات الدينية والجمعيات الدينية في جميع أنحاء العالم. بالنسبة للمسلمين بشكل عام ، فإن الدراسة الأكاديمية للإسلام هي ظاهرة جديدة تسبب لهم الشعور العميق بعدم الأمان تجاه إيمانهم فيكون رد فعلهم قوي وعنيف ضد أي شيء يبدو أنه يتحدى نظام المعتقدات التي طالما اعتنقوها.

[4] حول كونية الإسلام ولايمكن أن يوظف للأحاطة بالجماهيلا للوصول الى السلطة ، وأن صلة الإسلام بالسياسة ترتبط بالواسطة النظرية البعيدة، أنظر الطروحات المهمة التي قدمها: المرزوقي، ابو يعرب في: 1- شروط نهضة العرب والمسلمين ، دار الفكر المعاصر، بيروت،2001. 2- وحدة الفكرين الديني والفلسفي، دار الفكر المعاصرن بيروت، 2001. الوعي العربي في قضايا الأمة، دار الفرقد، دمشق، 2006. صوناً للفلسفة والدين، دار الفرقد، دمشق،2007. 

[5]Karl-Josef Kuschel, Abraham: Sign of Hope for Jews, Christians and Muslims (New York: Continuum, 1995),190. 

[6]MarkR.Cohen,UnderCrescentandCross:TheJewsintheMiddleAges(Princeton:PrincetonUniversityPress,1997),26;MarcelSimon,VersusIsrael:ASh1dyofRelations Between Christians and Jews in the Roman Empire (AD 135--425) (New York: OxfordUniversityPress,1986),especiallychapter3.

 

منى زيتونعلى غلاف العدد الأخير من صحيفة In Touch Weekly الأسبوعية، ظهرت صورة للأمير ويليام حفيد الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا، وصورة أخرى لزوجته الأميرة كيت، مع عنوان صادم عن أسوأ كوابيس الأميرة؛ بخيانة زوجها لها، التي اكتشفتها مؤخرًا، وفقًا لما أوردته الصحيفة.

نشرت الصحيفة القصة الكاملة لما زعمت أنه خيانة الأمير ويليام لزوجته كيت ميدلتون، مع إحدى صديقاتها، والتي بدأت عندما كانت كيت حاملًا في ابنها الأخير لويس. لكن يبدو أن الزوجة المخدوعة تأكدت من شكوكها فقط في الشهر الماضي.

وأشارت التقارير الصحفية أن ويليام لا يظهر عليه الشعور بالذنب، بل ولم يعترف! ونفى لكيت أنه خانها كما تعتقد. ولست محققة قانونية معنية بتحري صحة الواقعة، ولكن كان هذا الخبر لافتًا؛ فالأمر أعم من أنه ابن الأمير تشارلز الذي خان أمه الأميرة ديانا في شهر العسل، واستمر في خيانته لها طيلة سنين زواجهما؛ إذ أنه بالرغم من أن الرجال عبر العالم وعبر التاريخ لديهم استعداد طبيعي لزوغان العين، لكن الملاحظ أن التبجح المصاحب للخيانة قد زاد مرة أخرى في العصر الحديث، بعد أن كانت قد تقلصت نسبته منذ منتصف القرن العشرين، مواكبًا لدعاوى احترام المرأة والمساواة بينها وبين الرجل في الحقوق التي سادت في تلك الحقبة.

كثيرًا ما تغضب النساء مني، وتتهمنني بانحيازي للرجال في كثير من القضايا الاجتماعية التي أناقشها في مقالاتي. وحقيقةً فإنني ربما كنت أرى النساء أكثر احتمالية لاستخدام أساليب اللف والدوران والتوقيع والكيد وغيرها من خبائث الأساليب الاجتماعية، لكن فيما يخص الخيانة الزوجية، فإنني أرى النساء أكثر إخلاصًا، ولا وجه للمقارنة بينهن وبين الرجال، بل وليت الرجال يكونوا في معشار قدر إخلاصهن، وليس هذا تحيزًا مني للنساء. وصدق من قال: إن الرجل قلبه كحبة الرمانة تسع ألف من الأحبة، إنما المرأة عندما تحب رجلًا يستحيل أن تطرف عينها على رجل غيره، بل هي تعمى عن غيره حتى لو كان خائنًا متمرسًا في الخيانة! ومن وجهة نظري، فهذا من حكمة إباحة التعدد للرجال دون النساء؛ فالله خالقنا وهو أدرى بخلقه. وليس هذا الأخير موضوع نقاشنا هنا على أي حال.

وخلاصة رأيي أنني أرى الخيانة الزوجية أكثر شيوعًا في الرجال، فقد نجد نساءً خائنات لأزواجهن، وأغلبها خيانة غير جسدية –وهذا ليس تبريرًا مني لهن-، لكن كم النسبة؟ كما أنني أرى أن مسئولية الرجال عن الخيانة أكبر في أغلب الحالات من مسئولية النساء، وهذا ينطبق عبر العالم وباختلاف الثقافات.

أحد الأصدقاء المُصر على تعادل مسئولية الرجال والنساء في أمر الخيانة، احتج على كلامي قائلًا: دائما يُذكر الرجال عندما يأتي الحديث عن الخيانة؛ ولكن أين النساء من هذا المعترك؟! وهو هنا لا يقصد خيانة زوجة لزوجها، فهو يعترف أنها نادرة ولا تُقاس أعدادها بأعداد حالات خيانات الرجال المتزوجين لزوجاتهم، بل يقصد المرأة الطرف الثالث التي تمت معها الخيانة من رجل متزوج. من وجهة نظر الأخ العزيز فإن هناك إسهامًا متبادلًا وخفيًا بين النساء والرجال في سقطة الخيانة.

بدوري أرى أن النساء اللاتي تتم الخيانة معهن بعضهن من نوعية الباحثات عن منفعة من الرجل، وهن من يُطلق عليهن فئة "المصلحجية"، سواء كانت المصلحة هدايا أو خدمات تُقدم لهن، وبعضهن صائدات رجال ساعيات في خراب البيوت العامرة، وكلا هاتين الفئتين من النساء هن من تبدأن بالمبادرة ومحاولة لفت وجذب انتباه الرجل، الذي دائمًا ما يكون رجل ناجح وصاحب مركز اجتماعي ومادي مرموق.

 لكن النسبة الأكبر من النساء اللاتي ينخرطن في علاقات خيانة لسن أكثر من ساذجات، لم يكن يعلمن بالأساس أن الرجل متزوج أو خاطب أو مرتبط، وهذا رأيته في كثير من الحالات. وبعض الرجال الخونة أيضًا يوهم الساذجة بأنه في طريقه للانفصال، أو أنه يريد أن يتزوجها مع الإبقاء على زواجه البائس الذي لن ينهيه حرصًا على الأطفال أو حرصًا على رضا أمه التي لا تريده أن يطلق الأولى التي لا يحبها ولم ينجب منها بعد، أو أن ما يؤخر ارتباطه بها هو ضيق ذات اليد وأنه ينتظر فرصة ما لتحسين دخله أو للسفر إلى الخارج ليتزوجها ويأخذها معه. وفي كثير من البلاد العربية لا زال الزواج الثاني شائعًا ولا مشكلة فيه. ولو اجتهدت لحصر مختلف الحالات التي اطلعت عليها، والأسباب المتنوعة التي يطلقها الرجال الخونة لخلق علاقات خارج إطار الزواج، لأعياني الحصر، وكأن الواحد منهم لا يكتفي بأن تكون له ضحية واحدة وهي زوجته، فيخونها مع خائنة على شاكلته، بل يُصر على أن تكون له ضحيتان!

إذًا فالمسألة نسبية، ولكن مساهمة الرجال في القضية تكون بالنسبة الأكبر، بدليل أن الرجل الخائن تتكرر منه الخيانة مرارًا، وليس منطقيًا أن الله يجعل في طريقه دائمًا نساء متلاعبات! وقطعًا هذا ليس دفاعًا عن المتلاعبات.

إن المرأة يستحيل أن تخون رجلًا تحبه ولو خطب ودها ملك، فعندما تحبك امرأة لن ترى غيرك، وربما لهذا كانت الخيانة أصعب وقعًا على الرجل لأنها تعني له أنه لم يكن مخدوعًا فقط في عفة زوجته، بل ومخدوع في استشعاره حبها له، بينما المرأة تعرف أن عيون الرجال طوامح، والرجل أكثر استعدادًا للخيانة مع اختلاف درجاتها، ولا يمنعه حبه لزوجته عن خيانته إياها! ونزوات الرجل لا تنفي حبه، ففي قلبه متسع لأخريات! وربما لهذا تكون النساء أكثر استعدادًا للمسامحة والغفران بعد فترة من حدوث الخيانة، عندما يعود لها الرجل، وبراءة الأطفال في عينيه، لتبدأ معه الحوار رافضة عودته بـ "أيظن أني لعبةٌ بيديه؟" وفي النهاية تحن إليه وتقول: "ما أحلى الرجوع إليه!".

ومن الملاحظ لي أيضًا أن الزوجة ذات الشخصية القوية تميل لإلقاء الذنب على الرجل أكثر من المرأة التي شاركته الخيانة، بينما المرأة الضعيفة –وأكثرهن كذلك- تميل إلى تحميل المرأة التي شاركت زوجها خيانته لها الذنب، صابة جام غضبها عليها وحدها! حتى وإن كانت تعلم أن زوجها معتاد الخيانة، وليست هذه سقطته الأولى.

وربما كانت هذه السلوكيات من قِبل النساء آثار غير مباشرة تسهم في تكرار حالات خيانة الرجال.

 

د. منى زيتون

 

فخري مشكوريقوم العلم التجريبي على رفض القبول بالافكار المسبقة والاعتماد على الواقع المحسوس في اكتشاف الحقائق والحصول على المعلومات.

ولأجل ذلك وضع العلماء قواعد العمل في العلم التجريبي ليكون منهجاً في البحث العلمي، وصار هذا المنهج أساساً لا للقيام بالبحوث العلمية فقط بل للتحقق من المعلومات المتوفرة واختبار صحتها ايضاً.

يُستخدم المنهج التجريبي في العلوم المادية كالفيزياء والكيمياء والاحياء، كما يستخدم ايضا في العلوم الانسانية كعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم التاريخ.

يقوم المنهج التجريبي على الانطلاق من الواقع للوصول الى النتائج وذلك بالعمل على مراحل متتالية يجب طيّها جميعاً للوصول الى الحقائق التي تصبح في النهاية نظريات أو قوانين صالحة للتطبيق على الحالات المماثلة.

يمر البحث العلمي بالمراحل التالية:

الملاحظة: وهي مشاهدة الواقع الملموس باستخدام الحواس الخمسة (السمع والبصر واللمس والشم والذوق). وغالباً ما تستخدم التقنية لتقوية الملاحظة فيستخدم التسلكوب لتقوية البصر، والمكرفون لتقوية السمع....الخ. ويبغي ان تكون الملاحظةُ فاحصةً ودقيقةً وذكية لكي توصِلَ الى العقل ما يستحق الدراسة.

الفرضية: بعد ان تصل الى العقل ملاحظة أو مجموعة ملاحظات مصدرها الواقع يبدأ العقل في وضع فرضية لتفسير هذه الملاحظات. أي يضع العقل تفسيراً أولياً مشتركاً يكشف عن سبب هذه الظواهر.

التجربة (اختبار صحة الفرضية): في هذه المرحلة تصمم تجربة (أو تجارب) قائمة على الفرضية، لاختبار صحتها أي قدرتها على تفسير الظاهرة موضع الدراسة.

النظرية: اذا استطاعت الفرضية تفسير عدد كبير من الظواهر تصبح نظرية.

 القانون: أما اذا استطاعت الفرضية تفسير جميع الظواهر فان الفرضية تصبح قانونا.

تلك هي باختصار مراحل البحث العلمي التجريبي.

***

فيما يلي سوف نقوم بتطبيق المنهج التجريبي على قضيتين يتعلقان بشجرة تفاح:

 في التطبيق الاول يحاول المنهج التجريبي ان يكتشف سبب سقوط تفاحة على الارض،

وفي التطبيق الثاني سوف يحاول المنهج ذاته  الكشف عن سبب وجود الشجرة على الارض.

في التطبيق الاول سنرى كيف يؤدي المنهج التجريبي الى اكتشاف الجاذبية.

وفي التطبيق الثاني سوف نرى كيف يقودنا المنهج التجريبي الى اكتشاف وجود الله.

التطبيق الاول للمنهج التجريبي: اكتشاف الجاذبية

كيف توصل العالم الفيزيائي الشهير اسحاق نيوتن الى قانون الجاذبية؟

لقد كان نيوتن جالساً تحت شجرة تفاح يتأمّل العالَم  تأمُّلً العالِم. فجأةً سقطت من الشجرة تفاحة فوقعت على الأرض.

درس نيوتن سقوط التفاحة مروراً بالمراحل التالية:

المرحلة الاولى: الملاحظة

كان سقوط التفاحة على الارض هي الملاحظة التي اثارت انتباه نيوتن.

سأل نيوتن نفسه السؤال التالي:

لماذا وقعت التفاحة على الارض؟ لماذا لم ترتفع الى الأعلى نحو السماء؟ او – على الاقل – لماذا لم تبقَ التفاحة معلّقةً في الهواء؟

 

في مرحلة الملاحظة كان دور الحواس هو الأول.

الحواس هي الوسيط بين الواقع والعقل.

الحواس تمثل دور القناة التي نقلت الملاحظة من الواقع الى العقل... العين رأت التفاحة، الأذن سمعت صوت سقوطها.

الحواس نقلت الى العقل ما احسته في الواقع.

المرحلة الثانية: الفرضية

الحواس الخمس هنا لا دور لها. لقد انتهى دور الحواس بنقل ما حصل في الواقع الى العقل؛ والباقي على العقل.

هنا بدا العقل يعمل. على العقل ان يفسر ظاهرة سقوط التفاحة على الارض (وعدم ارتفاعها الى الاعلى أوعدم بقائها معلّقة في الهواء).

عقل نيوتن قاده الى فرضية مفادها: ان قوةً ما هي التي جذبتها الى الاسفل لذلك اتجهت التفاحة باتجاه القوة ولم تصعد الى الاعلى، ولم تقف في مكانها. لقد ادرك وجود هذه القوة من خلال آثارها.

العلماء يدركون الاشياء من خلال اثارها، ولو اعرضوا عن الآثار وتمسكوا بالمشاهدة العينية لاصطدم العلم بصخرة تحطّمُ رأسه وتوقف مسيرته.

لم يقل نيوتن - كما يقول الجاهلون بالمنهج العلمي-: " انني لا ارى هذه القوة، ولا اسمع صوتها، ولا المسها بيدي، ولا اشمها بأنفي، ولا اذوقها بلساني؛ فهي اذاً غير موجودة " بل قال: " ان سقوط التفاحة يدل على وجود هذه القوة وإن لم أرها ".

ثم فكّر اكثر لمعرفة مصدر القوة فقال له عقله: لابد ان تكون هذه القوة موجودة في الارض، لأنها تسحب الاشياء نحو الارض.

وفكّر نيوتن أكثر فاسعفته ذاكرته (وليست حواسه) بأن كل شيء سبق ان لاحظه يسقط انما كان يتجه في حركته الى الارض.

بتجميع الملاحظات التي وصلته من الحواس حول الاجسام الساقطة قاده العقل الى صناعة الفرضية التي تقول:

[لابد ان تكون في الارض قوة تجذب الاجسام اليها].

ثم انتقل الى المرحلة التالية

المرحلة الثالثة: اختبار الفرضية

بقي نيوتن عدة سنوات يوسّع ملاحظاته ويصمم تجارب للتثبت من صحة فرضية الجاذبية التي وجد انها لا تختص بالارض فقط بل تشمل كل الاجرام السماوية.

بعد إجراء التجارب وجد ان الفرضية صالحة لتفسير ظاهرة سقوط الاجسام نحو الارض.

ثم انتقل الى المرحلة التالية:

المرحلة الرابعة: وضع النظرية

 بعد ان وجد ان الفرضية نجحت في تفسير عدد كبير من الظواهر في الواقع وفي التجارب التي اجراها ادرك عقله (وليست حواسّه) ان فرضية الجاذبية تصلح ان تكون نظرية.

تحولت  الفرضية الى نظرية

المرحلة الخامسة: القانون

ولما وجد نيوتن – وبعد بمزيد من التجارب وتحليل الآثار- ان هذه النظرية تنطبق على كل الحالات تحولت النظرية الى قانون، وهكذا اصبح لدينا قانون الجاذبية.

***

مما تقدم نستنتج نقطتين في غاية الاهمية:

النقطة الاولى: ان الحواس تنقل الى العقل ظواهر، وأن العقل هو الذي يقوم بتحليلها والتوصل الى الحقائق. اي ان العقل صاحب الدور الحقيقي وليست الحواس الا قنواتٍ تنقل الواقع وظواهره الى العقل.

والدليل على محورية العقل وعدم محورية الحواس هو: ان الظاهرة الواحدة تجد تفسيرات مختلفة عند الناس مع انها في مرحلة الحواس واحدة، اي ان الجميع شاهد سقوط التفاح على الارض لكن عقل نيوتن - لاعقلَ باقي الناس - هو الذي توصل من هذه المشاهدة الى قانون الجاذبية.

كما ان الحواس قد تخطئ ويتدخل العقل لاصلاح الخطأ ومعرفة الحقيقة التي فشلت الحواس في نقلها بأمانة (كما في ظاهرة السراب التي تنقلها العين على انها ماء لكن العقل لا يصدق العين، وكما في رؤية الشمس تتحرك من المشرق الى المغرب لكن العقل يقول ان الارض هي التي تدور حول نفسها فيتراءى للحواس ان الشمس هي التي تتحرك).

النقطة الثانية: ان بعض التفسيرات العلمية لا تصل الى درجة اليقين بل تبقى في اطار النظرية التي تنتظر اكتمال العمل عليها حتى تصبح قانونا. وهذا امر طبيعي في مسيرة العلم التي لا تتوقف.

هذا يعني انه ليست كل نظرية علمية صالحةً لبناء أحكامٍ قطعيةٍ عليها، بل علينا ان نفرق بين النظرية وبين القانون.

النظرية تشبه "جواز السفر الموقت" او "الهوية قيد الدرس"؛ تُستخدم موقتاً للضرورة ريثما تكتمل التحقيقات ويستحق حاملها جواز السفرالدائم او الهوية الدائمة.

وقد يتطور العلم فيكتشف ان كثيرا من نظرياته لم تكن صحيحة؛ مثال ذلك: كان العلماء يعتقدون بأنه لا يمكن للاجسام ان تسير بأكثر من سرعة الضوء، وبقي هذا الاعتقاد سائداً وراسخاً اكثر من خمسين سنة، لكن العلم اكتشف لاحقاً انه بالامكان تجاوز سرعة الضوء وذلك في تجربة حديثة جدا اطلق فيها جسيم سار باعلى من سرعة الضوء.

 

التطبيق الثاني للمنهج التجريبي: اكتشاف وجود الله

سنحاول هنا ان نطبق قواعد العلم التجريبي على مسألة الايمان بالله لنعرف هل يثبت وجود الله بطريقة تجريبية ام لا؟

وسوف نستخدم – لهذا الغرض- نفس المنهج والمراحل التي استخدمها نيوتن وأدت به الى اكتشف قانون الجاذبية لنرى صلاحية العلم التجريبي لاكتشاف وجود الله.

كما قلنا في القسم الاول من المقال: تبدأ عملية الوصول الى الحقيقة من الواقع وتمر في المنهج التجريبي بالمراحل التالية:

الملاحظة

الفرضية

اختبار الفرضية

النظرية

القانون.

لنبدأ كما بدأ نيوتن حين لاحظ سقوط التفاحة ووصل اخيرا الى قانون الجاذبية:

 المرحلة الاولى: الملاحظة

نلاحظ ان شجرة التفاح فيها جذور تمتد في الارض وتثبّتها لكي تحمل ثقل الجذع والاغضان والاوراق والثمار.

ونلاحظ ان الجذور تقوم بامتصاص الماء والاملاح من التربة وترسلها الى الاوراق عبر الساق والاغصان

ونلاحظ ان الاوراق تحمل مادة الكلوروفيل الخضراء لتقوم بوظيفتنين: احداهما تخدم البيئة اذ تصنع الاوكسجين وتطلقه للهواء لكي يتنفسه الانسان وباقي الاحياء، والثانية صنع الغذاء للشجرة نفسها، وللانسان لاحقاً.

ونلاحظ ان ازهار شجرة التفاح تتفتح في فصل الربيع وتتكون من اعضاء ذكرية واخرى انثوية في نفس الزهرة

ونلاحظ ان الرياح والحشرات تقوم بنقل حبوب الطلع من الاعضاء الذكرية الى الاعضاء الانثوية في الزهرة فتتكون الثمرة

ونلاحظ ان الثمرة لها وظيفتان: توفير الغذاء للانسان، وتوفير البذور التي تضمن تكاثر شجرة التفاح وبقاء نسلها من خلال امكانية زرع البذور للحصول على شجرة تفاح جديدة.

ويلاحظ ان كل شيء في الشجرة يجري وفق نظام معقد ودقيق، وأن هذا النظام شمولي يحكم كل شجرة تفاح في الارض، وأنه يمتاز بالديمومة والتكرارية، ويمتاز كذلك بالحفاظ على نفسه، ويمتاز كذلك بالمقاصدية، او تحقيق هدف ذكي او اهداف ذكية مقصودة.

المرحلة الثانية: وضع الفرضية

لتفسير ظاهرة نظام الشجرة يبدا العقل بالعمل ليعرف:

هل وراء نظام الشجرة قوة ذكية وقديرة ؟ ام لا؟

يضع العقل فرضيتين:

الاولى: فرضية الصدفة التي تقول: ليست هناك قوة ذكية وقديرة خططت للشجرة ان تقوم بهذه الوظائف.

الثانية: فرضية التصميم الذكي التي تقول:إن هناك قوةً ذكيةً وقديرةً خططت للشجرة ان تقوم بهذه الوظائف.

المرحلة الثالثة: اختبار الفرضية:

يقوم العقل باختبار الفرضيتين كليهما ليرى ايهما اقدر على تفسير مجموع الملاحظات حول شجرة التفاح.

يبدأ بالفرضية الاولى (فرضية الصدفة) فيبحث عن امكانية نشوء نظام مشابه او مقارب لنظام الشجرة بطريقة الصدفة.

يبحث في الانظمة التي صنعها الانسان فلا يجد نظاما يمكن ان يظهر بطريق الصدفة....كل الادوات والاجهزة التي يصنعها الانسان لا تصنع بالصدفة بل بالذكاء والقوة..كل ما صنعه الانسان يعبر عن تصميم وارادة وتفكير وابداع....من الفأس والرمح الى المحراث الى العجلة....الى السفن الفضائية..لا شيء يمكن صناعته بدون ذكاء وقوة وعلمٍ وإرادة.

يدقق في الاحداث العشوائية فلا يجدها الصدفة قادرة على ان تصنع دائرة هندسية واحدة، فضلاً عن صناعة نظام متطور معقد.

يلجأ الى التجربة ليرى هل يمكن للصدفة ان تصنع نظاما بأبسط اشكال النظام؟

يدرس تجربة القرود التي قام بها المجلس الوطني البريطاني للفنون لاكتشاف امكانية بروز قصيدة من قصائد شكسبير بطريق الصدفة حيث وضع ستة قرود في قفص فيه كومبيوتر وترك القرود تضرب عشوائياً على لوحة المفاتيح لمدة شهر طبعت القرود خلالها خمسين صفحة جرى فحصها بدقة فكانت النتيجة ان الصفحات الخمسين تخلو من كلمة واحدة ذات معنى..ولو كلمة من حرفين مثل: ان، أو، يا، ما....الخ فعرف ان الصدفة لا يمكن ان تصمم نظاماً مهما كان بسيطا.

وسأل الرياضيات عن احتمال بروز نظام بطريق الصدفة فقالت له الرياضيات انه لو وضع عشرة قطع معدنية مرقمة في كيس وحاول سحبها بالترتيب لكي تظهر متسلسلة من الواحد الى العشرة فانه يحتاج الى عمليات سحب مقدارها 10 مرفوعة الى القوة العاشرة، اي عشرة وامامها عشرة اصفار.

اما اذا اراد ان يكون جزيئاً بروتينيا واحداً عن طريق خلط عشوائي للعناصر المكونة له فان احتمال تكوين هذا الجزيء تبلغ 10 مرفوعة الى القوة 243  اي عشرة مضروبة في نفسها 243 مرة، وهو احتمال يساوي الصفر في علم الرياضيات. وقالت الرياضيات ايضاً: انه يحتاج لاجراء هذا العدد من عمليات الخل العشوائي مواد اولية اكبر مما تحتويه الكرة الارضية. ولو تحقق له ذلك – على سبيل الفرض- فسوف يحصل على جزيء ميت لا حياة فيه.

عرض الامر على نظرية التطور فوجد ان نظرية التطور – لو صحّت- فلا يمكنها تفسير النظام القائم فعلاً بنظرية الصدفة، ولا تفسير النظام الذي قام في الخلية الاولى بنظرية الصدفة كذلك، لأن الرياضيات ترفض بروز هذا الاحتمال العشوائي، ولأن ابسط جزيء حي يحتوي من التعقيد ما يفوق بملايين المرات احتمال طباعة قصيدة واحدة لشكسبير بالضرب العشوائي للقرود على لوحة الحروف مهما طال الزمن.

***

يقوم العقل بمحاولة اخرى لفحص امكانية قيام نظام بطريق الصدفة.

يقوم بفحص ما حول الشجرة...يلتفت يمينا ويساراً فيجد خلف شجرة التفاح عمود اضاءة في الحديقة. يتفحص العمود جيداً فيراه مصنوعاً من معدن ومطلياً بدهان لمنع الصدأ وموصولاً بسلك كهربائي اخفي بداخله لحمايته من بلل المطر وحرارة الشمس.

فكّر في احتمال بروز هذا العمود الى الوجود بطريقة الصدفة وبدون تخطيط وارادة من الفريق الفني الذي نصبه فيها.... رأى ان من المستحيل ان يبرز هذا العمود بسبب تراكم صدف في اكوام حديد ملقاة قرب الحديقة، والتفاف اسلاك نقلتها الرياح من سلة مهملات، وانسكاب بقايا علبة دهان القى بها دهّان وهو يطلي مقاعد الحديقة، وسريان التيار الكهربائي من صاعقة ضربت المنطقة فاستطاع العمود ان يتلقف الكهرباء منها ويحتفظ بها....وسرح في الخيال فوجد ان التفكير بظهور عمود كهرباء ميت عن طريق الصدف العشوائية المتراكمة هو نوع من الجنون ولا يليق بعاقل ان يفكر فيه.

عاد بنظره الى شجرة التفاح ليقارن بينها وبين عمود الاضاءة، وسال نفسه: ايهما اعقد نظاماً وارقى تطوراً ؟ العمود الميت ام الشجرة الحية التي تثمر كل عام وتتكاثر وتخدم الانسان والبيئة ؟

هل يستطيع ان يقول ان الشجرة تنشأ عن طريق تراكم الصدف العشوائي ، بينما لا يمكن للعمود ان ينشأ بنفس الطريقة ؟

توصل الى النتيجة التالية:

[لا يمكن ان ينشأ اي نظام مهما كان بسيطاً من تراكم صدفة عشوائية، بل ينشا النظام بالعلم والقوة والقصد والارادة]

***

يبدأ بفحص الفرضية الثانية: فرضية التصميم الذكي

يجد ان فرضية وجود قوة ذكية قادرة تمتاز بالعلم والارادة يكفي لتفسير لنظام الشجرة ولكل الانظمة الاخرى التي يراها الانسان في الوجود، وهي ايضا فرضية صالحة لتفسير كل نظام صنعه الانسان سواء في عالم الصناعة ام في عالم المجتمع و الاسرة والقضاء والادارة...لا يوجد نظام بدون علم وقدرة و تصميم ذكي.

 

***

يقارن بين الفرضيتين فيستبعد فرضية الصدفة لانها عاجزة عن تفسير النظام في اي شيء، ويختار فرضية التصميم الذكي لقدرتها على تفسير النظام في كل شيء.

ينتقل الى المرحلة الرابعة

المرحلة الرابعة وضع النظرية

يضع النظرية التي تقول:

[ ان نظام الشجرة صنعته قوة عالمة قديرة ارادت للشجرة ان تقوم بدور خدمة الانسان و البيئة وان توفر الغذاء للبشر، وان تعيد انتاج نفسها عن طريق التكاثر، وان هذه النظرية تصلح ايضا لتفسير كل الانظمة الموجودة في الكون والتي لم يصنعها الانسان بل نراها في الطبيعة].

***

لكنه لا يصل بالنظرية هذه الى مرحلة القانون قبل ان يحد اجابة على اسئلة جديدة هي:

 صحيح ان النظام يسود كل اجزاء الكون، وعلى هذا الاساس تعمل الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والجيولوجيا؛ لكننا نجد ايضا جوانب من النظام الكوني لا وظيفة لها ولا معنى، مثال ذلك: الزائدة الدودية في الانسان، والصخور والاحجار في بعض جوانب النظام الكوني، والكثير من المواد الموجودة في الارض اوف الكواكب مما لا وظيفة له ولا فائدة، فاذا كان موجد النظام هو خالق حكيم فلماذا وجدت اشياء لا حكمة وراءها؟

 ان وجود الظلم والشر والألم في الحياة يدل على عدم وجود رحمة ولا نظام يحفظ للضعيف حقه ويمنع القوي من القضاء عليه، وهذا واضح في الغابة التي يفترس بعض حيواناتها البعض الاخر، او في المجتمع البشري الذي تسوده الحروب والصراعات وتسلط الاشرار الاقوياء على الاخيار الضعفاء...فاذا كان هناك اله رحيم قادر على نصرة المظلومين فلماذا لا يفعل ذلك.

اذا كان هناك اله خلق كل شيء فمن خلق هذا الاله؟ ولماذا يشذ الخالق عن حاجته الى من خلقه؟ لنقل ان هناك خالقاً خلق الاله وهذا ايضا له خالق، فما المشكلة في التسلسل الى ما لا نهاية؟

كيف أؤمن باله غيبي لا يمكن اثباته باستعمال الحواس الخمسة؟

***

يتوصل العقل بعد فحص هذه الاسئلة الى النتائج التالية:

 اننا حين حاولنا تفسير ظاهرة النظام توصلنا الى فرضيتين ثنتين لا ثالث لهما: فرضية الصدفة، وفرضية التصميم الذكي. ورفضنا نظرية الصدفة لعجزها عن تفسير اي نظام مهما كان بسيطا. ولم يبق لنا الا القبول بالفرضية الوحيدة الباقية وهي فرضية التصميم الذكي، فاذا رفضنا نظرية التصميم الذكي (بسبب عدم تفسرها لعدد محدود من الحالات) فالبديل هو نظرية الصدفة التي لا تفسر شيئا على الاطلاق. ولا يوجد عالم يترك نظرية فيها بعض جوانب الغموض ويلجأ الى نظرية تعجزعن تفسير اي مفردة من الظواهر محل الدراسة.

من الناحية العلمية عندما تتوفر لدينا الاف الادلة على صحة نظرية معينة فيها بعض الغموض؛ لا يُقدم اي عالم ولا (متعلم) على نفي النظرية بسبب بضعة شواهد على خلافها ويترك الاف الشواهد على صحتها. ان طلبة الجامعات في شتى الفروع يواجهون في بداية رحلتهم العلمية ما يتصورونه اخطاءً واضحة في المصادر العلمية المعتمدة بسبب عدم تعمقهم في ذلك الاختصاص، لكنهم يكتشفون بالتدريج ان الخلل في فهمهم المبتدئ لا في المصارد العلمية.

في الجزء الكوني من الحالات الشاذة (وجود اشياء لا وظيفة لها ): لأن مسيرة العلم لم تتوقف وانها مستمرة في الكشف عن اسرار الكون وقوانينه فلا يجوز لأحد ان يعتبر نفسه قد ملك العلم المطلق الذي يفسر كل شيء. فكم من الاشياء التي كانت تبدو بلا فائدة ثم ظهرت فوائدها؟ هل كان الانسان قبل القرن العشرين يعرف فائدة اليورانيوم مثلاً؟ وماذا نقول للذي نظر الى مناجم اليورانيوم قبل قرن من الزمان وحكم على عبثية وجودها؟.... لابد اذاً من التوقف عن الموقف غير العلمي في نفي فوائد ما لا تُعرف فوائده وترك الامر الى مسيرة العلم في الاجيال القادمة لتكتشف ما عجز عنه الجيل الحالي.

في الجزء الاجتماعي من الاسئلة والمتعلق بمشكلة الشر والألم والظلم: علينا ان نبحث في الاجابة على هذه الاسئلة بعقل مفتوح لا يستبعد ان تكون هذه الظواهر من جملة النظام الاجتماعي القائم على ضرورة التنوع وأهمّية الصراع بين الخير والشر في خطة وضعها المصمم الحكيم للحياة تقضي بمنح حرية العمل لكل البشر في مرحلة اولى ثم تأتي مرحلة ثانية يُكافأ فيها المظلوم ويجازى فيها الظالم...ما المانع من ذلك علمياً في تخطيط الخالق؟  وهل اذا خلت الحياة من الصراع او من الشر سوف تكون الحياة سعيدة وهانئة؟ ام سوف تتجمد الحياة عندما تتوفر للناس كل ما يريدون بلا معاناة ولا صبر ولا كفاح؟

 ان سؤال من خلق الخالق ينطوي على مغالطة، فالخالق غير المخلوق، ولو كان مخلوقاً لما كان خالقاً. الخالق ازلي لا اول له ولاخالق له. واذا قال الملحد انه لا يمكن ان يكون الخالق ازليا نقول له: اذا كانت المادة الفاقدة للعقل والارادة ازلية، فلماذا ترفض ان يكون الخالق المتصف بالعلم والارادة ازليا؟ لابد ان يكون هناك موجود أزلي لم يُخلق، اما الله او المادة، فأي الاحتمالين اقرب للعلم والعقل؟

يصعب على البعض ان يقبل بفكرة استحالة التسلسل حين يسأل عن من خلق الخالق ولا يقبل استحالة التسلسل في وجود خالق. ان العقل السليم يرفض فكرة التسلسل في الخالق الى ما لا نهاية، ويقبل فكرة خالق لا خالق له هو مصدر الوجود ولا وجود قبله. هذه الفكرة يمكن ببساطة شرحها عن طريق مصدر العملة...المال الذي في جيبك اخذتَه من رب العمل وهذا اخذه من الزبائن وهؤلاء اخذوه من غيرهم وغيرهم  اخذها من غيرهم....الخ. هل يمكن ان يستمر هذا التسلسل الى ما لانهاية؟ طبعاً لا، فلابد ان ينتهي الامر الى المصرف المركزي الذي اصدر العملة ولم يأخذها من احد، فكذلك الخالق هو المصدر النهائي للوجود الذي لم يأخذه من احد.

على فرض عدم الاقتناع بهذه الاجوبة، فهل يجوز لنا الرجوع الى فرض الصدفة الذي لا يفسر لنا اي نظام على الاطلاق؟ ام الموقف الصحيح هو القبول بالتصميم الذكي الذي يفسر لنا القسم الاكبر من الظواهر ونبحث لاحقا في تلك الاسئلة في مظانها وعند اهلها؟

ان التوصل الى معرفة الخالق لا يتم بطريقة غيبية، بل بطريقة علمية تجريبية كما شاهدنا وكما توصل نيوتن الى معرفة الجاذبية.

***

نخلص من هذا البحث الى النتيحة التالية:

يمكن التوصل الى وجود الله بالطريقة العلمية التجريبية وذلك باتباع نفس المراحل المقررة في المنهج التجريبي ودون الحاجة الى اي عناصر غيبية.

كل ما في الامر اننا يجب ان نفكر في انظمة السماوات والارض ونطوي مراحل الملاحظة ثم الفرضية ثم التجربة ثم النظرية ثم القانون.

ان في خلق السماوات والارض لآياتٍ لقومٍ يتفكرون.

 

د. فخري مشكور

 

قبلَ الخوضِ في هذا الموضوعِ الحَيَوِيِّ، لابُدَّ من تحديدِ المُصطَلَحاتِ، وَفَرزِ الالفاظِ . الفلاسفةُ طَرَحَوا ثَلاثَةَ مُصطَلَحاتٍ وهي: الواقعيات، الاعتباريات، والوهميات. وقالوا: اِنَّ مهمةَ الفلسفةِ التمييزُ بينَ هذهِ الامورِ الثلاثة. فماذا تعني هذهِ المفردات؟

والجوابُ هو:

1- الواقعيات او الحقائق: هي تلكَ المفاهيمُ التي لها مصاديقُ واقعيَّةٌ في الخارج.

2- الاعتباريّات: هي المفاهيمُ التي ليسَ لها مصداقٌ واقعيٌّ في الخارج ولكنَّ العقلَ يَعتَبِرُ لها مصداقاٌ . ومثال الاعتباريات: لو شَكَّلَ الفُ جنديٍّ فوجاً، فالواقعيُّ هو الجنودُ الالفُ الذين تَشَكَّلَ منهم الفوجُ امّا الفوجُ نفسه فهو اعتباريٌّ لامصداقَ لهُ في الخارجِ ولكنَّ العقلَ يعتبرُ له مصداقاً.

3- الوهميّات: وهي الادراكاتُ الذهنيَّةُ التي لامصداق لها اطلاقاً لافي الخارج ولافي الاعتبار.

الاعتبارياتُ وَتَشَكُّلُ الدُّوَلِ

هل يمكنُ ان تَتَشَكَّلَ الدُّوَلُ على اساسِ الامورِ الاعتباريّةِ، من قبيل ان تقوم الدولةُ على اساسِ القبيلةِ؟ القبيلة مُنَظَّمَةٌ تقومُ على اساس الاعتباريات، تقومُ على اساسِ النَّسَبِ، ومَقامُ المَشيَخَةِ يتُّمُّ تَوارِثُهُ، وافرادُ القبيلة يرتبطونَ بعضهم ببعضٍ بلحمة النسب . القبيلة لايمكن ان يكون في افرادها عناصر خارج القبيلة ... فهي كيان مغلق على افرادٍ مرتبطينَ نسبياً.. ويقابلُ منظمةَ القبيلةِ منظمة المجتمع المدني، التي تحاول الابتعاد عن الاعتباريات والاقتراب من الواقعيات، فهي مُنَظَّمَةٌ مفتوحةٌ، وافرادها متنوعون دينيا وعرقياً ومذهبياً، تجمعُهُم وتوحدُّهم قضيةٌ مشتركةٌ .

القبيلةُ ساهمت في الدفاعِ عن الاوطانِ، كما في ثورة العشرين، وساهمت في حل مشكلاتٍ كثيرة عجزت الدولةُ عن حلها، ولها دورٌ هامٌ في السلمِ الاهليِّ .

الدولةُ لايمكن ان تقومَ على اساسِ القبيلة؛ لانها لاتقومُ على اساسِ الاعتباريّات، وانما يجب ان تُؤسسَ على اساس الواقعيات، واذا اقيمت على اساس الاعتباريات فستكون دولة مُشّوَهة.

في بعضِ الدولِ، هناك مفاهيم استعلائية للمواطنة، وفي بعضها يتُمُّ التمييزُ بين المواطنين وتقسيمهم الى درجات . في اسرائيل يتُمُّ التمييزُ بين اليهود من اصلٍ شرقيٍّ (السفارديم) واليهودِ من اصلٍ غربيٍّ (الاشكيناز) .

اسرائيلُ دولةٌ قامت على اساس (الوهميات) . قامت على اساس اوهام . وهناك كتابٌ الَّفَهُ المفكر الفرنسيُّ روجيه غارودي، اسماه: (الاساطيرُ المُؤَسِسَةُ لدولةِ اسرائيل)، فشعب الله المختار، وارض الميعاد، والحق التاريخي، اوهام قامت عليها هذه الدولة .

العنصرية من الاعتباريات التي قامت عليها دولة جنوب افريقيا السابقة، والتي لاتستندُ على ايِّ اساسٍ علميٍّ، وكذلك الامرُ مع دولة هتلر النازية في المانيّا، فافضلية الجنس الاريِّ لم تستند على اي اساسٍ علميٍّ وواقعيٍّ، وانما قامت على اعتباريات، وانتهت هذه الدولُ ؛ لانهُ لامستقبلَ لها .

تجاوزت الدولة الحديثة كلَّ الاعتباريات، واتجهت نحو الحقائق والواقعيات، اقامت كياناتها على اساسِ المواطنة، والمواطنةُ مفهومٌ عابرٌ لِلّونِ والعنصرِ والقبيلةِ وكلِّ الامورِ الاعتباريّةِ .المواطنةُ مفهومٌ مَدَنِّيٍّ في الدولة المدنيّة، وحضاريٍّ في الدولة الحضاريّة، يتجاوزُ القبيلةَ والعنصرَ، واللغةَ والدينَ والطائفةَ .

الدول الاوربية حينما كانت تعيش على اعتبارياتها، كانت مسرحاً للحروب بين القبائلِ والاثنيّاتِ والقومياتِ، وكانت تسفكُ على اراضيها انهارٌ من الدماء، وحينما اقتربت من الواقعيات بنت دولها الحديثة على مفاهيم جديدة واقعية، بنت دولها على العلم والحقائق والارقام.

داعش اسست دولتها على الاعتباريات والاوهام، فتبنت مقولات ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب باعتبارها حقائق، تقتل الناس على اساسها، وتقطع الرؤوس، وتجلد، وتصادر الحريّات .

الدولة المدنية تجاوزت الاعتباريات، واقتربت من الواقعيات ... والدولة الحضارية اعلى انموذجِ بَشريّ للدولة يَتُمُّ فيه تجاوزُ كل الاعتباريات، واقامة الحياةِ على اساسِ الحقائقِ والارقامِ والواقعياتِ.

 

زعيم الخيرالله

 

ظل خطاب إصلاح التعليم في المغرب منذ الاستقلال وإلى الآن، هو الخطاب الأكثر تداولا في دهاليز السلطة وصالونات النخبة السياسية والثقافية والاقتصادية، ومنتديات نساء ورجال التعليم،  وفضاءات الطبقات الشعبية.

فإصلاح التعليم الذي أقيمت له عشرات المؤتمرات والندوات والملقيات، وسطرت له العديد من المشاريع والمخططات، واختيرت له كثير من اللجان، حتى عد من الأولويات الإستراتيجية للدولة بعد الوحدة الترابية.

هذا التعليم الذي حضي بكل هذا وصرفت عليه الملايير من الدراهيم، بقي وضعه سيئا كما كان وربما أسوأ، ينتج البطالة والعطالة كما هو ظاهر للعيان، ولا يلبي حاجات الدولة من الأطر التقنية والمتخصصة كما تدعي، ولا يجيب على الأسئلة الحارقة لتنمية أصبحت تقوم على اقتصاد المعرفة أكثر من نوع آخر، ولا يلبي طموحات الشعب في النجاح وتحسين الوضع المادي والترقي الاجتماعي.

وعليه نتساءل كما يتساءل كثير من صناع الرأي والفكر في بلادنا:

هل إصلاح التعليم في المغرب مشروع استراتيجي للدولة، نابع من قناعة واعية ورغبة صادقة في تطوير المنظومة التعليمية باعتبارها رافعة للتنمية والتقدم؟ أم أن المخططات والمشاريع الإصلاحية كما تقول هي مجرد تكتيكات تسعى إلى ربح الوقت وخلط الأوراق وتعميق الأزمة وتعميمها، للإبقاء على الوضع كما هو مهلهلا، تلبية لرغبة جهات داخلية وخارجية مستفيدة من هذا الفشل التعليمي والتربوي؟.

معظم المعطيات والتقديرات والتحليلات تذهب إلى أن الدولة ونخبها الحاكمة، لا تريد إصلاحا حقيقيا لمنظومة التربية والتعليم رغم إدراكها العميق لنقط ضعفها وأسباب فشلها، وهو الأمر الذي يبدو واضحا في تقرير الخمسينية، وتقارير المجلس الأعلى للتعليم وخاصة تقرير 2008، وذلك لاعتبارات كثيرة نذكر الواضح والصريح منها:

- التغيير المستمر وغير المفهوم لوزراء التعليم ببلادنا، حيث وصل عدد وزراء التعليم منذ الاستقلال (1956 م) إلى الآن إلى32  وزيرا بمعدل وزير كل 22 شهرا، وهذا دليل واضح على غياب الإرادة السياسية للإصلاح،  فهل يعقل أن يتم إصلاح قطاع التعليم أو أي قطاعا آخر بمثل هذه التغييرات المستمرة والمفاجئة في كثير من الأحيان.

- تعدد محاولات الإصلاح وتنوعها؛ حيث وصلت منذ الاستقلال إلى اليوم إلى 14 محاولة توزعت بين مخططات ومناظرات وبرامج ولجان ملكية...

- التسرع في تنزيل سياسة التعريب رغم عدم توفر شروط نجاحها، مما عجل بفشلها أو بالأحرى إفشالها ليتم التراجع عنها سريعا، ويستقر الأمر على تعريب التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي والإبقاء على التعليم العالي مفرنسا في الشعب العلمية والتقنية،وهو ما خلق حالة ازدواج في لغة التدريس لا مثيل لها في كل التجارب التعليمية في العالم،  فكانت النتيجة المباشرة هي مغادرة عدد كبير من المتعلمين للجامعات  لأسوار الجامعات دون الحصول على أي شهادة.

- ازدواجية السياسة اللغوية والتعليمية في مسالة اللغة، بين لغات وطنية رسمية (العربية والأمازيغية) مهمشة في كل مناحي الحياة الاقتصادية والتعليمية والبحث العلمي وفي الفضاءات العامة والخاصة، ولغة أجنبية (الفرنسية) تحظى بالأولوية في كل القطاعات والمجالات.

- الخلط المتعمد بين لغات التدريس وتدريس اللغات، وبين لغة الهوية ولغات الانفتاح، وتجاهل أن لغات الوطن أيا كانت درجة تطورها، هي اللغات التي يجب أن تكون لغات التدريس في كل التخصصات بما فيها  العلمية والتقنية، بينما اللغات الأجنبية هي لغات للانفتاح على اللغات والثقافات الأخرى. وهناك دول لا تصل لغتها إلى مستوى اللغة العربية من حيث حمولتها الحضارية وعدد الناطقين بها كالسويدية والهولندية والبولونية ومع ذلك نجد السويدي والبولوني والهولندي يعلم ويتعلم بلغته ويعتز ويتشبث بها، وفي نفس الوقت يتعلم اللغات الأجنبية الأخرى التي تساعده على الانفتاح.

- غياب تخطيط لغوي يحدد وظائف اللغات وأدوارها في ظل تعدد لغوي غير حقيقي رغم واقعيته، لأنه من مخلفات السياسة الاستعمارية.

- سن نظام العمل بالعقدة في مجال التدريس رغم غياب شروط ضمان الحريات والحقوق، مما يهدد الأمن الوظيفي والاستقرار النفسي والاجتماعي للمدرسين، مما سينعكس تلقائيا على مردوديتهم وفاعليتهم التربوية والتعليمية.

هذه العناصر وغيرها، تدل بوضوح تام على غياب الإرادة السياسية لدى الدولة ونخبها الحاكمة في إصلاح قطاع حيوي لا بديل عنه في أي نهوض أو تنمية محتملة.

هذا الفشل لمنظومة التربية والتعليم في بلادنا له مظاهر متعددة، من بينها:

- احتلال المغرب للمرتبتين 119 و111 من أصل 137 على التوالي في جودة النظام التعليمي وجودة مؤسسات البحث العلمي.

-  الضعف المهول للبنية التحتية في كثير المؤسسات التعليمية وخاصة في المجال القروي وشبه القروي يصل إلى حد غياب المرافق الصحية.

- انتشار ظاهرة الاكتظاظ في التعليم العالي والتعليم الثانوي والإعدادي، والأقسام المشتركة في التعليم الابتدائي، رغم المجهودات التي بذلتها الدولة في السنوات الأخيرة.

- ضعف ميزانية البحث العلمي؛ حيث لا تتعدى 0.8  بالمئة من الناتج الداخلي الخام، في حين تصل مثلا إلى: 4 بالمئة في كوريا، و4.7  بالمئة في إسرائيل، و3  بالمئة في تركيا... .

- ضعف أو غياب توظيف التكنولوجيات الحديثة في التدريس، رغم الشعارات التي رفعتها الوزارة الوصية على القطاع.

- غياب الإنترنت عن معظم المؤسسات التعليمية، وخاصة في العالم القروي.

كل هذه الأمور وأخرى، أبقت التعليم الذي كان على مدى التاريخ محركا للنهضات الحضارية والثورات العلمية والفكرية، غارقا في فشله وتخلفه، مكرسا للتبعية اللغوية والثقافية والاقتصادية...كمظاهر للتقهقر الحضاري الذي تعيشه الأمة بشكل عام وبلادنا بشكل خاص.

 

بقلم: د. بوجمعة وعلي

أستاذ باحث في اللغة والمجتمع- المغرب

 

رائد عبيسلا يمكن تعريف "الدولة الباهتة" دون أن ندرك نقيضتها، والحكم بالنقائض أصبح سمة مقارنة الأجيال على حكمهم وتفضيل ما به على غيره وإن كان هذا الحكم يفصل عنه آلاف السنين، تجده يتمناه أو يحلم به أو يدفع به نحو المستقبل، فيحلم بدولة موعودة يتحقق له بها مراده ويستغل به طموحه بحكم يتفق مع نفسه. والبحث عن اتفاق ربما يسبب نفاق، وهذا ما نسمعه في المجتمع العراقي والذي يتفقون به مع بقيه المجتمعات العربية أو الإسلامية، مثل قولهم بأننا نرغب بدولة كالتي حكمها الرسول أو يحلمون بحكم عمر أو علي أو أي خليفه تعجبهم سيرة حكمه، وهناك ايضا من يحلم بحكم من استخدم القوة والسلطة والقتل، مثل أمنية جماعة بحكم معاوية أو يزيد أو الحجاج أو صدام أو أي حاكم قاسي بحكمه لرعيته إذ يجدوا بهذه القسوة هيبة للدولة او عزة المحكومين، لأنهم يعيشوا في دولة تحميهم من غزو الأعداء وتحقق لهم الاستقرار كما يتصورون.

فبين هذا وذاك اختلف مفهوم الدولة ورغبة الحكم وطريقة النظام إذ لو اتيح الاختيار عبر تجربة ديمقراطية اختيرت للناس حتى يحددوا نظام الحكم الذي يشبه نفوسهم لاختلفت نسب الاختيار تبعا لقناعته بطبيعة الحكم.

كيف نشخص الدولة الباهتة؟

حتى نستطيع بعدها أن نعرفها على وفق ذلك التشخيص، أو على مدلول كلمة باهتة، يرد معنى بهت باهت بثلاثة معان الاول بمعنى الحيرة والتكذيب والبهتان، والثاني بمعنى فاقد زهوه ولمعانه وسطوعه وجماله، والمعنى الثالث بمعنى الدهشة ،دهش فلان أي تعجب وتفاجئ وسكت باهتاً.

بين المعنى الاول والثاني والثالث مشتركات تحققت في فعل الدولة ومعناها ونظامها وحكوماتها وسياستها اتجاه شعبها المتأمل دولة تحقق استقراره باستقرارها!

فالدولة العراقية اليوم بحكومتنا هذه تحمل معنى بهتانها وتكذيبها على شعبها وهي حكومة محيرة ومدهشه من الغباء الإداري الذي تمارسه، وهي كذلك تدهش العقول وتبهت النفوس وتحير الناس بإجراءاتها الغريبة تجاه متطلبات حياة المواطن!!

وبهذا التوصيف يمكن أن نعرف "الدولة الباهتة" : على انها الدولة الفاقدة لرونق وجودها وزهو حضورها وسطوع قوتها بين الدول، والفاقدة لمقومات ستراتيجيتها الصادقة إزاء متطلبات تنميتها ونهضتها واعمار بلدها والمدهشة للعقول الواعية، بغباء تفكيرها وتخطيطها وانعدام جديتها وفسادها.

ما علاقة المجتمع بإنتاج الدولة الباهتة وقيامها ؟

قلنا في ما تقدم أن المجتمعات عندما تتاح لها حرية الاختيار بواسطة نظام انتخابي حر سوف تختار النظام الذي يشبهها الى حد ما ، وبهت الدولة وقوتها تأتي من جدية المجتمع في إقامة دولة أو لا ، فإذا كان الطموح موجود برغبة وجود دولة قوية سوف يختار لها رجال أقوياء لديهم رغبة وقوة في حكم الدولة وتقويتها وعدم التنازل عن مقومات قوتها استنادا إلى رغبة مجتمعها الذي تم اختيارهم له على هذا الأساس، بمعنى معيار حكم الأشخاص يمنحه المجتمع لمن يمتلكه ،ولا يجب أن يُحكم المجتمع بمؤهلات عائلية أو قبلية أو حزبية يقدمها الاشخاص للمجتمع بغير قناعة المجتمع لها وهذا ما يحصل في العراق! بواسطة هذا الزيف من المؤهلات الموهومة عند من يرون في أنفسهم هوس الزعامة تنشأ الدولة الباهتة وتتضح معالمها وكيانها.

فبهتان الدولة يأتي من بهتان من تسلط عليها، وبهتان المجتمع الراغب بذلك، فالرغبة بهذه الحالة هي رغبة غير محترمة وما تنتجه الآليات المزيفة في العملية الاختيارية التي تسمى ديمقراطية أو انتخابية يجب أن تعالج وتوجه البوصلة صوب عناصر القوة في المجتمع وليس عناصر بهتانها وضعفها، وهذا ما تعمل عليه الشخوص الفاسدة التي تحكم الدولة بدفع الجمهور إلى التفكير وممارسة الانفصالية عبر فكرة الأقاليم والاستقلال مثلما كان قد حصل في كردستان وفشل واليوم تتحرك البصرة بنفس الاتجاه، فضلا عن غيرها من المحافظات التي تتجه صوب الاقلمة، وهذا سبب ودليل بهتان الدولة وضعف رونقها وكسر شوكتها حتى أمام جمهورها وضياع هيبتها امام البلدان المجاورة والإقليمية والعالمية.

فسياسة بهت الدولة، مازالت سياسة قائمة عند الطبقة السياسية في العراق من خلال برامج معدة من قبل اجنداتها ، كأحزاب عازمة على نخر عظم العراق وأهله، أو بمساعدة دول مجاورة تسعى إلى اضعاف دور العراق كدولة تملك مقومات قوة بمساعدة اذرعها في الداخل. وكذلك حال الدول الكبرى كأمريكا وروسيا ودول أوربية أخرى تعمل على استغلال بهت وضعف رجال الحكم في العراق التي صنعت منهم واجهات حكم في العراق.

واذا استمر حكم الطبقة المعارضة في السابق للعراق سوف ينتهي به إلى توصيف شبه الدولة ومن ثم ضياعها وتبديدها بين أطماع الدول الذين يعملون كعملاء لها، لذلك نطمح إلى إزالة هذه الطبقة الفاسدة بطبقة رجال حكم لديهم حس وطني عالٍ يحققون للعراق وضع طبيعي ينعم بالاستقرار وخيره.

 

دكتور رائد عبيس

 

حاتم حميد محسنيستمر المنظّرون وفلاسفة السياسة بالنقاش حول ما اذا كانت هناك قيمة وفائدة للشعوب المتنورة. سنبيّن هنا ان الشعب المتنور هو اساسي لتقدم المجتمعات الحرة.

مقدمة

حاليا، نرى الحاجة تتصاعد لمزيد من الناس المتنورين، ولكن ما معنى التنوير؟ كذلك، كيف يجب على الناس ترجمته الى واقع سياسي؟ ايضا، ما هي وظيفته وقيمته؟ الهدف هنا هو اولا لإستكشاف ماذا يعني المتنور سياسيا من خلال عدسة فيلسوف القرن الثامن عشر عمانوئيل كانط. بعدها، سنقارن رؤية كانط للمواطنة، لنبيّن كيف ان التشابه بينهما يساعد في تزويد المرء بفهم أعمق عن الكيفية التي يجب ان يعبّر بها السكان المتنورين عن انفسهم سياسيا. اخيرا، باستخدام فهم امارتيا سين للنجاح الاقتصادي للدول التي تشجع التوسع في الحريات (سيكون موضوعا لمقال لاحق)، سوف نتمكن من الوصول الى موقف يشترك فيه برؤية مشابهة لرؤى كانط او روسو في الناس المتنورين الذين يشكلون الاساس لإستمرار تطور المجتمعات الحرة.

كانط والتنوير

الفرد المتنور لدى كانط هو الذي يتبنّى النضج الفكري، او المقدرة على التفكير الذاتي بشكل مستقل. الاساس لهذه الادّعاء هو ان الناس يمتلكون قدرة عامة على التفكير، جاعلين منها واجبا عليهم كأفراد، لغرس وتربية تلك القدرة، وبالنهاية هم يستطيعون العيش مجتمعين بانسجام اكثر. للقيام بهذا، يقترح كانط ان الناس يجب ان يتصرفوا فقط طبقا للمبادئ الاخلاقية التي تحمي خيارات قراراتهم وجميع الكائنات العقلانية الاخرى. بكلمة اخرى، عندما يؤكد الناس حقهم في التقرير لأنفسهم بينما يمتنعون عن مخالفة حق اي شخص آخر في القيام بذات الشيء، هم يقومون بهذا بطريقة تنويرية. هذا الميل التنويري يعتبره كانط انعكاس للاستقلالية او الفرد المحكوم ذاتيا لأن اولئك الذين هم حقا احرار يطبّقون انتباههم الذهني التام في جميع القرارات خاصة تلك المتعلقة برفاهية انفسهم والآخرين.

وبالنتيجة، يدّعي كانط بانه في مجتمع ما، من المهم جدا للناس احتضان هذه الرؤية للحرية او السيادة او التنوير. احد الاسباب لهذا هو لا احد يشكل كل السكان، وبسبب هذا فانه من الصحيح جدا النظر الى المجتمع كعالم تتعايش فيه جنبا الى جنب الرغبات العقلانية . وبهذا، فان السيادة الحرة او الفرد المتنور يعترف بهذه الحقيقة، طالما كون المرء تام الانتباه ذلك يستلزم الاعتراف بحقه في ادّعاء الحرية بطريقة تتفق مع رغبته، بينما يؤدي ايضا واجبه في احترام حق الاخرين للقيام بذات الشيء. من هنا، يدّعي كانط ان المرء الذي هو عضو جيد في الجماعة هو الذي يعيش بهذه الطريقة المتنورة لأنه عندما يعترف الناس بحقهم في الحرية بالارتباط مع واجبهم للاعتراف بالروابط المشتركة للعقل الذي يشتركون به مع الاخرين، فان السلام والازدهار سيسودان. وعليه، عندما يعمل المجتمع بطريقة تحمي حرية الفرد بينما لا تمنع احدا من التمتع بحريته، فهي تعمل بشكل صحيح. اخيرا، المجتمع الذي يسير بشكل جيد يعتمد على الاستقلالية والتنوير او الحرية المخلصة طالما انها الطريقة الاكثر منطقية وعملية لتجنب العنف وحكم الغوغاء والانقسامات في الحكم .

الان يوافق كانط بان الشعب يجب ان يكون واع لمسؤوليته عن آخرين باعتبارهم كائنات عقلانية فطريا وذوي رغبة يشتركون بحقيقة مشتركة، لأنهم فقط حينذاك يستطيعون العمل بأحسن طريقة . لكي ننجز هذه الغاية يقترح كانط بان المناخ التحرري الذي ينتعش به العقل سيساعد في صقل وتعليم الناس للتخلص من الجهل والتحيزات والكذب والخرافات المرتبطة بها. اي عندما يعيش الناس في مكان يزدهر فيه الصدق والاتصالات المفتوحة، وحيثما يمكنهم الاستخدام الحر لقوة عقلهم لتمحيص عقائد الاخرين لأجل المصلحة المشتركة، فان ذلك الشعب يكون شعب واع لا يواجه خطر العمى الدوغمائي او التصورات البربرية. باختصار، كانط يعتقد ان الناس المتنورين هم عنصر ضروري لعمل الدولة لعدة اسباب:

اولا، التماسك الاجتماعي الذي هو اساس الانسجام السياسي يبقى سليما عندما يتبنّى المرء الافتراض المنطقي بعدم وجود قدرة للعقل اقل او اكثر من الاخرين، وبسبب ذلك فان جميع الناس يستحقون بجدارة احترام الفرد المناسب. وطبقا لذلك، الامة التي هي مجموعة من الرغبات العقلانية المتعايشة في نفس المكان، تتطلب اناسا متنورين لأنه اذا لم يوجد هناك ناس احرار مخلصين للواجب يتصرفون فقط بما هو احسن لأنفسهم ولمواطنيهم، فان المجتمع سينزلق نحو حكم الغوغاء . وعليه، يرى كانط ان وجود الناس المتنورين ليس فقط ممكن مفاهيميا وانما ايضا هو ضرورة لإستمرار المجتمع طالما ان البديل هو العنف المفرط وجماعات الاستبداد.

ايضا، ربما يدّعي احد ان الروح القومية او الارضية المشتركة التي يتحدد ويرتبط بها كل افراد الامة تعتمد على الناس المتنورين ايضا. اولا، الكائنات العقلانية يمكن ان تعترف بالقدرة المشتركة للآخر في التفكير، وتصنع طريق لتلك القوة المشتركة لتعمل كارضية اساسية للاحترام بين اعضاء نفس المجتمع. الان، طالما كل المواطنين في الامة لديهم قوة مشتركة للتفكير والرغبة والفعل فسوف لن يكون هناك حق لأي شخص آخر في منع الاخرين من التمتع بتلك القدرة الطبيعية.وبالنتيجة، يدّعي كانط ان السكان المتنورين سيحافظون على روح الامة لأن قوة المشاركة في التنوير او الحوار العقلاني سيساعد في منع القمع الضيق الافق، وبالنهاية منع العصابات غير المتنورة من الحكم القمعي.

كذلك، تقدّم الامة يعتمد على السكان المتنورين ايضا. ذلك بسبب ان الناس اذا كانوا غير قادرين على التفكير، فان اكتشاف وتطبيق واستعمال النظام والمنطق والاستقرار سيكون مستحيلا، وتكوين المجتمع سيبقى احتمالا غير مؤكدا.

لكن حقيقة المجتمعات المنظمة التي تتقدم الى الامام بثبات، يعطي مصداقية لفكرة ان العقل هو حقيقي وتقدمي. ومن هنا، قد يدّعي المرء ان الناس المتنورين الذين يعترفون بان الاوقات تتغير كنتيجة لطبيعتها المؤقتة المتأصلة يساعد في حركة الامة نحو الامام بطريقة عقلانية، ويمنعها من الجمود بالمقارنة مع الدول الاخرى. ولهذا فان تقدم الامة يعتمد على المقدرة المتأصلة لدى الناس للنضج الى فهم واع للتاريخ كعملية من الحركة الى ما وراء الحاضر تماما مثلما يتقدم الزمن طبيعيا او عقلانيا نحو الامام . اخيرا، اذا لم يكن لدى الناس القدرة للاعتقاد بالتقدم بهذه الطريقة، فان فهم كل شخص للتاريخ سيكون بلا معنى .

رؤية روسو للمواطن

من خلال عدسة روسو فان معنى المواطن هو الشخص الذي يعلن عن رغبته في صناديق الاقتراع ليقرر بطريقة تأخذ بالاعتبار رغباته وحاجاته بالارتباط مع رغبات وحاجات المواطنين الاخرين الذين عليهم ان يقرروا وبنفس المستوى العام من الفهم في الذهن. بكلمة اخرى، ربما يستنتج المرء بان الديمقراطية العاملة تعتمد على المواطنة العارفة والمثقفة او على اولئك الذين يأخذون بالاعتبار ما هو احسن لأنفسهم وللآخرين ايضا . بتشابه اكثر مع فهم كانط للفرد المتنور، روسو، لديه رؤية مشابهة للمواطن او لاولئك الذين تعتمد عليهم المجتمعات الحرة لمقدرتهم للعمل بالشكل الصحيح.ذلك ان انواع الحكومات القائمة تكون مجسدة لنوعها فقط اذا كان شعبها يحافظ عليها .وطبقا لذلك، في المجتمع الليبرالي، عندما يعكس كل صوت ما هو احسن للفرد ولبقية المواطنين، فان اولئك السكان ينجزون معنى شكل الحكم الذي يتبنّونه. وعليه، فان الفرد المتنور في المعنى الكانطي او المواطن الاصيل في المعنى االروسوي، الذي ياخذ بالاعتبار رغباته ورغبات الاخرين في المجتمع، سوف تناسب الديمقراطية بافضل حالة.

ايضا رؤية روسو للمواطن تماثل العقد الاجتماعي الذي تعتمد عليه الديمقراطية. ذلك ان التضامن الاجتماعي او تلك الاتفاقية التي يعترف بها الناس والحكومة ضمنا كاساس صلب لمجتمعاتهم الديمقراطية، وحيث يتخلص الناس من الحرية الجامحة للحماية من الحكومة، هي الاكثر ملائمة للمواطن في المعنى الروسوي.

اولا، العقد الاجتماعي يستلزم من الجميع الاعتراف بهيئة حاكمة لتحكم باسمهم، والتي هي بالنهاية علاقة تفاعلية بين طرفين، انها العديد الذين يخضعون للقلة. طبقا لذلك، لكي نحفظ التوازن في السلطة بين الحاكم والمحكومين فمن الضروري للمحكومين ان يكونوا في تضامن.

وبالنتيجة، المواطن الحقيقي او الفرد الذي يقرر في ضوء مصالحه ومصالح الاخرين، يساعد للحفاظ على التوازن بالسلطة بين الحاكم والمحكومين طالما ان الفرد يختار بطريقة تجسد الاتحاد في جماعته او في عدد من الناس. وعليه عبر التضامن، يمكن للمرء الدفاع عن الحاجة الاساسية لسلطة متساوية بين الحكام والمحكومين لكي تبقى المواطنة التي يشكل الفرد جزءا منها سليمة من قمع الحكومة. اخيرا، طالما المواطن الصحيح هو الذي يحتفظ بهذه العوامل في الذهن، يتبع ذلك ان مزاجه التنويري يناسب افضل للديمقراطية او ذلك الشكل من الحكم الذي يقوم على الاتفاق الاجتماعي.

كذلك، رؤية روسو للمواطن تشبه فهم كانط للفرد التنويري، باعتباره يقرر دون اي اكراه او قسر. اي ان هناك حالة عامة للذهن موجودة يجب ان ينمو اليها الفرد، وهي ذاتها مع زملائه لأجل الخير العام، روسو وكانط يدّعيان ان ذلك الفرد يجب ان يقوم بهذا بنفسه. من هنا، قد يستنتج المرء ان روسو وكانط يجادلان بان الفرد المتنور او المواطن الحقيقي يساعد في الحفاظ على روح امته، او على الرؤية الثقافية العامة التي يعترف بها كل الافراد كونها متأصلة ومميزة لبلدهم.ذلك لأن الفرد عبر الاختيار الاصيل للاعلان عن رغبتة بالطريقة التي يراها الافراد منسجمة مع روح امتهم، وعبر الاخذ بالاعتبار لذات الفرد وكل الاخرين، فان الفرد يقوم بهذا حرا ومجسدا الاحترام الحقيقي لأمته. وهكذا، عندما يعتبر المرء رغبته حقا كقناة لكل من آمان وتقدم الثقافة التي يتميز بها ذلك الفرد ويشارك بها مواطنيه، هو يقوم بهذا بطريقة تناسب الكائن المتنور او المواطن الحقيقي.

من هنا، قد يدّعي البعض ان رؤية روسو للمواطن هي المساوي السياسي لفهم كانط للفرد المتنور. هذه الدعوة مبررة لسبب واحد وهو ان كل من روسو وكانط يشتركان بالرؤية ان الناس يمكنهم التفكير لانفسهم ويتصورون التفكير للاخرين. وبهذا، فان مواطن روسو او فرد كانط التنويري، يتبنّى الفردية عبر الاعتراف بحق الاخرين للقيام بنفس الشيء، والذي يكون ممكنا فقط من خلال استعمال العقل كمرشد لكيفية التعامل مع الاخرين بشكل ملائم بالمعنى الكانطي، او بالرعاية السياسية كما يرى روسو.

 

حاتم حميد محسن

....................

INQUIRIES Journal for social, Arts, and humanities, 2017, vol 9 No 10

 

محمود محمد عليشهدت أقسام العلوم الإنسانية في كليات الآداب بالجامعات الأمريكية في أوائل ثمانينيات القرن العشرين عدداً كبيراً من الأساتذة والمفكرين الفرنسيين الذين يتبنون أفكار ما بعد الحداثة، وقد ثبت أن طريقة هؤلاء في معالجة قضايا الواقع ومستجداته " خالية من أية معان عميقة، أو بلا معنى على الإطلاق"، وقد ذكر الصحفي اللامع الأستاذ "فاضل السلطاني" في مقال له بجريدة الشرق الأوسط، بعنوان " الفرنسيون آخر من يعلم "، أن هذا الانطباع عن الفلاسفة والنقاد الفرنسيين المحدثين ليس جديدًا في أمريكا. فهو معروف منذ دخلت بعض أفكارهم إلى بعض الجامعات الأمريكية العريقة.

ويصور هذا الانطباع مقال نشر في المجلة الأسبوعية لجريدة نيويورك تايمز منذ عام 1985م عن "الغزو الفرنسي" لأقسام الأدب في الجامعات الأمريكية ( وقد نشرت جريدة الهيرالد تريبيون Herald Tribune ) ملخصاً وافياً له؛ بعنوان: التفكيكية وما إليها: من غابة النقد في جامعة ييل".

وفي أواخر تسعينيات القرن العشرين نشبت ظاهرة حروب العلم Science Wars داخل أقسام الإنسانيات؛ حيث أخبرنا عنها المفكر الأمريكي " جيمس تريفل"،  قائلاً:" يمكن القول في البداية إن حروب العلم نشبت بفعل فلسفة ما بعد الحداثة غير التقليدية التى سرت كالعدوى داخل أقسام الإنسانيات فى الجامعات الأمريكية في أواخر القرن العشرين . وتأسيساً علي النظرية الأدبية الفرنسية فقد أكدت وجهة النظر هذه البناء الاجتماعي للمعرفة، ومن ثم تنكر عادة صواب فكرة الحقائق الموضوعية . ونعرف أن أشد دعاتها تطرفاً ( وما أكثرهم ) قد إنحدروا إلي صورة مبتسرة من الذاتية أو الأحادية المطلقة.

ولم يكتف هؤلاء بذلك، بل شنوا هجوماً عنيفاً علي صحة العلم؛ حيث رأوا أن أحكام العلم لا تعبر عن وقائع طبيعية، ولا تنطلق من أساس تجريبي أو واقعي معين، إنما تنبع من أحكام سابقة سبق أن حصل الاتفاق حولها بنسبة ما، فتكون أحكام العلم مقبولة لدى جماعة العلماء، وهذا القبول لا يأتي من كونها تحمل تفسيراً صائباً لوقائع معينة، ولا من كونها تتمتع بموضوعية ما، بل إن ذلك القبول مشروط بالتضامن بين الجماعة التي تأخذ بها لاعتبارات ظرفية. وهذا أدي إلي قلق كثيرين في الأوساط العلمية؛ خاصة ما جري للغة البناء الاجتماعي من استبدال وتغيير بعض المصطلحات ومحاولة السيطرة السياسية للعلم في المجتمع .

وفي عام 1996م أخرجت جامعة Duke الأمريكية مجلتها الأكاديمية التي كانت، بعنوان "النظرة النقدية لما بعد الحداثة "، وأشارت فيها إلي حروب العلم في مقالات مختصرة ووجيزة . فقد استخدم الاكاديميون لغة وفكر ما بعد الحداثة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وظهر بذلك دور المجتمع والسياسة في العلم.  وفي مقدمة الاطروحة علق المحرر " أندروا روس Andrew Ross " قائلا أن الهجوم علي دراسات العلم كان نتيجة تقليص الدعم المادي للعلوم في الولايات المتّحدةِ مع نهاية الحرب الباردة، وعندما كان الكونجرس يهدد في وضع تخفيضاتَ أخرى من التمويل الحكوميِ للعِلمِ، بالإضافة إلي نقص التمويل المادي للعلوم الانسانيةِ.

وهنا يؤكد بعض الباحثين فيقول:" إن ما يسمي بحروب العلم يتمثل في أن أنصار العلوم الإنسانية تقفون في مواجهة ضد كل ما يتعلق بالعلوم الطبيعية، هذه المواجهة أخذت شكل معارك فكرية حول نظرية المعرفة، والميثودولوجيا، والابستمولوجيا، والمنطق . واشتعال الحروب بينهم، أثار اهتمام الرأي العام علي نطاق واسع؛ خاصة بعد أن شن أنصار الثقافة التقليدية هجوماً عنيفاً علي صحة العلم، مما أدي إلي قلق كثيرين في الأوساط العلمية "

وإذا ما حاولنا أن نؤصل لتاريخ حروب العلم نجد أنه حتي منتصف القرن العشرين قد شن أنصار العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية هجوما عنيفا علي صحة العلم، مما أدي إلي قلق كثيرين في الأوساط العلمية؛ خاصة ما جري للغة البناء الاجتماع، مما أدي إلي قلق كثيرين في الأوساط العلمية، لا سيما ما جري للغة البناء الاجتماعي من استبدال وتغيير بعض المصطلحات ومحاولة السيطرة السياسية للعلم في المجتمع . ويمكن أن نذكر علي سبيل المثال " علم خلاق creation Science و" التصميم الذكي" واستمر التقييم الخلاق موضع خلاف في كتاب بعنوان " الخرافة الأعلي – اليسار الأكاديمي ومشاجراته مع العلم Higher superstition – The Academic Left and its Quarrels With Science عام 1994. وقد هاجم  "بول ر. جروس Poul R.Gross  و " نومان لفيت  Norman Levitt هجوما مضادا لدعاة ما بعد الحداثة العقلية ورأو أنهم لا يعرفون سوي القليل عن النظريات العلمية، حيث حدث سوء فهم للمناهج النظرية، كما أن قراءتهم كانت خاطئة ولم يكن لديهم الدليل والحجة. وهذا ما حدث حين أثبت كتاب " شرارة لحروب العلم . ويمكن القول أن المؤتمر الذي عقده "جروس" و"لفيت" و"جيرالد هولتون بعنوان " الرحلة من العلم والعقل " . والذين حضروا المؤتمر انتقدوا النظرة الأنفعالية لـ  "جروس" و"لفيت" و"جيرالد هولتون والتي نجم عنها تضارب ثقافي بين العلماء الغير المتخصصين.والمثقفون في الدراسات الاجتماعية التي تتعامل مع العلم .

في عام 1996م أخرجت جامعة Duke مجلتها الأكاديمية التي كانت بعنوان "النظرة النقدية لما بعد الحداثة "، وأشارت فيها إلي حروب العلم في مقالات مختصرة ووجيزة . فقد استخدم الاكاديميون ما بعد الحداثة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وظهر بذلك دور المجتمع والسياسة في العلم. وفي مقدمة الاطروحة علق المحرر " أندروا روس Andrew Ross " قائلا أن الهجوم علي دراسات العلم كان نتيجة رد فعل لانخفاض التمويل للأبحاث العلمية . وحدد المؤتمر خصائص العلم والعقل معاً وما يواجههما من تهديدات خطيرة مثل النزعة العلمية الخلاقة Scientific Creationism، البدائل والطوائع الخاصة بالعصر الجديد، علم التنجيم، الجسم الغريب، حركة التضامن الدولية، علوم الحركة الراديكالية لما بعد الحداثة، دراسات العلوم الحرجة جنباً إلي جنب مع الدراسات التاريخية الجاهزة وأشباح من النازية الأرية والخطأ السوفيتي أيضاً .

ويذهب " دروثي نيلكن Dorothy Nelkin إلي أن المزج بين العلم والدولة فاشل، ويري علماء الاجتماع أنه من الأفضل تجنب المشاركة في التهديدات السياسية المتصورة مثل العلم الخلاق وحركة حقوق الحيوان والإجهاض ومحاولات مضادة للحد من البحوث المتعلقة بالأجنة والحرب الباردة بين الاتحاد السوقيتي والولايات المتحدة الأمريكية (1945-1991) ورفض التمويل العسكري للعلم . كذلك ذكر " نيلكن" أن نقاد ما بعد الحداثة كانوا كبش فداء مناسب إلي تحويل الانتباه عن المشكلات في العلم .

وفي هذا الإطار قدم الفيزيائي " آلان سوكال" بالمجلة الأكاديمية للنص الاجتماعي مقال بعنوان "انتهاك الحدود : نحو هيرمينوطيقا تحويلية لجاذبية الكوانتم، ويقترح فيه أن جاذبية الكوانتم تمثل نزعة لغوية وبناء اجتماعي وأن فيزياء الكوانتم تؤيد النزعة النقدية لما بعد الحداثة إزاء الموضوعية العلمية ز والنص الاجتماعي هو مقال منشور في في ربيع – صيف مايو 1996بعنوان "حروب العلم" .وفي مقال لاحق في مايو صدر في Lingua Franca وعنوانه التجارب الفيزيائية من خلال الدراسات الثقافية يتعرض سوكال لما ذكره في مقال له في " انتهاك الحدود"، وهنا يستخدم سوكال التجربة لاختبار دقة الفكر، فهو يري إذا كان (أ) يبدو في الظاهر واضحاً و(ب) يمكن أن تعلمها بالمعرفة الايديولوجية المسبقة .ويري سوكال أن فحوي الغش التجاري بين العلماء الاكاديميين هو السبب من وجهة نظر الجمهور في حروب العلم الموضوعية .

بعد سنوات قليلة من المجادلات حول مقال حروب العلم من خلال النص الاجتماعي،كانت هناك مناقشات واسعة تركزت حول التوفيق بين دعاة ما الحداثة والعلماء . وفي أوائل عام 1997م عقد مؤتمر من قبل العديد من العلماء والباحثين لدراسة العلوم، وظهر كل من " آلان سوكال"، "ستيف فولر Steve Fuller كمتحدثين رئيسيين . ولقد لقي هذا المؤتمر تغطية كبيرة من خلال وسائل الأعلام والدوريات العلمية علي حد سواء، وذلك علي الرغم من عدم وجود وسائل لحل المسألة الأساسية بين البناء الاجتماعي والموضوعية في العلم.

ولقد بذلت محاولات أخري للتوفيق بين المعسكرين، فقد أقام الفيزيائي "Mike Nauenberg " في جامعة كاليفورنيا في سانتاكروز مؤتمر صغير وذلك في مايو 1997م وقد حضر هذا المؤتمر لفيف من علماء الاجتماع والعلماء المتخصصين في العلوم الطبيعية علي حد سواء , وكان من بين الحضور آلان سوكال وديفيد ميرسن، وهاري كولينز . وفي العام نفسه، نظمت منظمة كولينز ساوتامبتون للسلام ورشة عمل، والتي حملت معا مرة أخري مجموعة واسعة من العلماء الطبيعيين وعلماء الاجتماع .

وقدمت هذه الورشة فكرة الكتاب الذي يهدف إلي رسم بعض الحجج بين الأطراف المتنازعة . وقد أكد عالم الفيزياء "جاي لينجز" فكرة " الثقافة الواحدة" وأخرج لينجز بالتعاون مع عالم الاجتماع "هاري كولينز" الكتاب في عام 2001.ويتضمن هذا الكتاب برنامج لثقافتين، كما يتضمن الكتاب مساهمات كل من آلان سوكال وجان بيروكمونت Jean Bricmont وستيفن وينبرغ Steven Weinberg وستيفن شابين Steven Shapin .

وفي عام 2001 أيضاً قام الاستاذ "بينت فلفيبرجBent Flyvbjerg  الأستاذ بجامعة كمبردج بإخراج كتابه " موضوع صناعة العلوم الاجتماعية بالتعرف علي طريق للخروج من حروب العلم بالقول بأن:

1- أن العلوم الاجتماعية هي Phronsis، في حين أن العلم الطبيعي هو ابستيمي Episteme.

2- فكلمة Phronsis هي تحليل وانعكاس لمناقشة القيم والمصالح والتي هي أساس تكوين ونمو أي مجتمع في حين كلمة ابستمي Episteme نجدها جيدة لتطوير النظرية التنبؤية .

3- المجتمع الذي يريد أن يعمل بشكل جيد، يحتاج كل من Phronsis، Episteme بشكل متوازن.

وهناك منشورات هامة أخري متصلة بحروب العلم مثل "هراء حصرية " لسوكال وجان في 1998." مما يتكون البناء الاجتماعي بواسطة لان هاكينج في 1999، وكذلك من " قواعد في العلوم " لجيمس روبرت براون. وكذلك الشئون في 2002م ويعتبرغلاف للجدل من قبل سوكال. ويري سوكال أن أي شئ يعتبر هراء في مقابل الفيزياء . ويري دعاة ما بعد الحداثة أن المرء يمكن أن يعرف علي وجه اليقين ما هو صحيح وما غير صحيح، في حين يري البعض مثل كورنيل وهو استاذ للفيزياء، وكذلك بول جيتسبرج بأن الحالات الإنسانية ليست جميعا متشابهة في واقع المر، بل أن المعايير والمؤسسات تختلف .

ويمكن القول أن الفائدة من حروب العلم قد تضاءل كثيرا في السنوات الأخير علي الرغم من أن حروب العلم لا تزال تمثل الأحداث الأساسية في الرئيسية وكانت تؤثر علي المجتمع، ويري الطرفان أن كل منهما لا يفهم الآخر وأن الحوار بينهما هو حوار الصم والبكم ولذلك فكل منهما ينتقد الآخر. وقد وضع برونو لاتور مؤخرا كتاب بعنوان " العلماء دائما أثناء مقابلتهم يتحدثون عن سد الفجوة بين الثقافتين، لكن عندما يبدأ الأشخاص في بناء هذا الجسر يجدوا كبت للحرية وذلك منذ سقراط . لهذا اقترح لاتور إعادة تقييم في نظرية المعرفة وعلم الاجتماع بناء علي الدروس المستفادة من حروب العلم "... العلماء جعلونا ندرك أنه ليس هناك فرصة وأن هذا النوع من القوي الاجتماعية التي نستخدمها هي سبب للحقائق الموضوعية وآثارها.

ومع ذلك في الآونة الأخيرة أتضح أن الانتقادات الموجهة إلي بعض العلماء جاءت بنتائج عكسية . ويري برونو لاتور أن المتطرفين الخطرين يستخدمون نفس الحجة من البناء الاجتماعية، وذلك لتدمير الأدلة التي يمكن أن تنقذ حياتنا . ويذهب لاتور إلي أنه كان مخطئا في اختراع هذا المجال المعروف باسم دراسات العلوم، ويذهب إلي أنه هل كان أفضل أ يقول اننا لا نعرف ما المقصود، ويري البعض أن هذه الورقة تمثل "لا تور" في وقت سابق من ادعاءاته.ولكن يري البعض الآخر أن هجومه علي البناء الاجتماعي تتفق مع مواقف سابقة لديه أخذها من كتابه" مختبر الحياة" الذي كان قد نشره في عام 1979.

 

د. محمود محمد علي

 

عبد الرضا حمد جاسمختمت الجزء السابق بالتالي: [لا اعتقد ان هناك إمكانية لأخذ هذا الجزء "من جد وجد" من فكر الوردي دون التقرب من الكتاب الذي كان محوره هذا القول واقصد: كتاب خوارق اللاشعور/ 1952. عليه لابد ان اقَدِمْ/ أطرح بعض الشيء من/ عن هذا الكتاب الذي اثار ويثير الجدل،

خصص الوردي صفحة كاملة (ص7) هي الأولى في متن الكتاب أي قبل المقدمة وهو الكتاب الأول الذي ينشره الوردي بعد كراسة/ شخصية الفرد العراقي/ 1951، وذلك لتحذير القراء تحت عنوان: "تحذير" اليكم نَص ما ورد فيه: [تحذير: إن هذا الكتاب ربما ينفع الراشدين من الناس أولئك الذين خبروا الحياة واصابهم من نكباتها وصدماتها ما اصابهم. أما المستجدون والمدللون والأغرار الذين لم يمارسوا بعد مشكلة الواقع ولم يذوقوا من مرارة الحياة شيئاً فالأولى بهم أن لا يقرئوا هذا الكتاب. أنه قد يضرهم ضرراً بليغاً] انتهى.

أجد من الضروري وعنوان هذه الأجزاء "رحلة في خوارق اللاشعور" التي تعني انها رحلة في او بين الكتاب والخوارق واللاشعور، ان اُبَين رأيي في ذلك التحذير الغريب في حينه الذي استهل به الراحل الوردي مشواره في التأليف والنشر...اعتقد انه يحاكي ما جاري اليوم في التحذير بالعبارة الشائعة: "يمنع على القاصرين دون سن كذا". ان الراحل الوردي تخرج في علم الاجتماع وكان قد قرأ/ دَّرَسَ شيء عن علم الاجتماع قبل التحاقه لبعثة الماجستير والدكتوراه، ويَتَوَقَعْ/ يُتَوَقَعْ ان يكون محل/ مجال عمله في هذا الاتجاه بعد عودته الى الوطن، فكان عليه وهو المهتم بعلم الاجتماع وأصبح متخصصاً به وهو العارف قبل البعثة وبعدها بحال المكتبة العربية والعراقية وفقرها من ناحية الكتب والمصادر بشكل عام وبهذا التخصص الحديث نوعما من العلوم بشكل محدد. فكان عليه كما اتصور وهو العاشق لكتب وعلم الاجتماع ان تكون حقيبة/ حقائبه في العودة ممتلئة بهذه الهدايا الثمينة "إصدارات علماء الاجتماع وكتبهم"، كان عليه المساهمة في رفد المكتبة العراقية او مكتبة جامعة بغداد الفتية بتراجم لكتب علم الاجتماع، والتفرغ لترجمة وطبع اطروحتيه للماجستير والدكتوراه ونشرهما في كتاب ليستهل بهما حياة التأليف والنشر، يَكونْ/ يُكَّونْ أساس لمكتبة علم الاجتماع الحديث في العراق. لم اقرأ انه ترجم كتاب او جلب معه كتب تبرع بها لمكتبة الجامعة.

لم يحقق الدكتور الوردي هذا الواجب كما أتصور لأسباب هو اكثر من يعرفها، وبذلك فَقَدَ هو وعلم الاجتماع والمجتمع فرصة كبيرة تضاف اليها فرصة مهمة اخرى فَوَّتَها الراحل الوردي ايضاً وهي تأسيس تجمع او لجنة او هيئة او جمعية تهتم بعلم الاجتماع ودراسة المجتمع العراقي وإشاعة ثقافة علم الاجتماع في العراق وكانت تلك الفرصة ممكنه كما اتصور وربما كانت متيسرة ويمكن ان تكون مدعومة حكومياً فلا اعتقد ان حكومات العهد الملكي او الجمهوري ربما حتى منتصف السبعينات كانت تعارض او لا تدعم بقوة مثل هذا التوجه وقد أشار الى ذلك في ص 145 من نفس الكتاب حيث كتب التالي وهو يتكلم في ص144 عن (جمعية المباحث النفسية البريطانية التي تأسست عام 1882 في جامعة كامبرج ) حيث كتب التالي: [ونحن نتمنى تأسيس فرع لها في العراق...].

والعجيب ان الوردي في ص14 من نفس الكتاب/ خوارق اللاشعور كتب التالي عن جامعة كامبرج واتهمها بأنها تحارب كل جديد حيث كتب في ص 14 خوارق اللاشعور التالي: [ان موضوع القوى النفسية موضوع جديد كل الجدة فهو لم يبدأ بشكله التجريبي الراهن إلا حوالي سنة 1930.ففي هذه السنة التي يمكن اعتبارها نقطة تحول في تاريخ الفكر البشري. أسست جامعة "ديوك" في أمريكا فرعا خاصا لدراسة هذه القوى دراسة مختبرية تحت اشراف البروفسور "راين" وقد ألف راين هذا عدة كتب لخص فيها نتائج بحوثه حيث اثار بذلك ضجة كبرى في الأوساط العلمية وقد جابه العلماء هذا الموضوع بشيء من السخرية والاستنكار اول الامر وقاومه كثير من الأساتذة والهيئات الجامعية اذ اعتبروه نكسه في تطور العلم ورجوعا الى الخرافة والسذاجة البدائية. هذا ولكن جامعة ديوك ثابرت على خطتها في تشجيع الموضوع. وقد اخذت الضجة ضده تخفت أخيرا وبدا العلماء ينظرون اليه نظرة جدية بعد ان لمسوا نتائجه التجريبية التي تكاد لا تقبل الشك. وقد شرعت عدة جامعات أخرى تُدْخِلْ هذا الموضوع في مناهجها تدريجيا واخر ما وصل الينا من نبأ في هذا الصدد ان بعض الجامعات المشهورة بتزمتها وبنفرتها من كل جديد كجامعتي اوكسفورد وكامبرج اخذت تشجع أخيرا هذا الموضوع عن طريق الهبات وتوزيع الزمالات] انتهى

كيف يكتب ان جامعة كامبرج مشهورة بتزمتها وبنفرتها من كل جديد حتى وصل الى الوردي اخيراً في عام 1952 انها بدأت تدخل هذا الموضوع في برامجها والجامعة حسب الوردي أسست هذه الجمعية عام 1882 أي قبل ولادة الوردي بأكثر من ثلاثة عقود وقبل حصوله على الدكتوراه واصدارة خوارق اللاشعور بحوالي سبعة عقود؟؟؟!!!!!

 المهم لأسباب "الله يعلمها"، وانا اعتقد انها ليست خاصة بعلم الاجتماع او المجتمع العراقي ""مجرد اعتقاد"". قرر الراحل الوردي الكتابة بعد عودته الى العراق بأيام كما يبدو فألف وطبع وأصدر كتاب "خوارق اللاشعور" في مجتمع الغالب من عناصره لا يعرف الفرق بين الشعور واللاشعور وضَّمنه ذلك التحذير. والغريب انه في الصفحة 31 من الكتاب بَيَّنَ لماذا اختار له هذا العنوان وكان الاحرى به ان يضعه في الصفحة الأولى بدل ذلك التحذير غير البريء كما اعتقد، حيث كتب في ص31خوارق اللاشعور التالي: [لقد سميت هذا الكتاب "خوارق اللاشعور" أو "اسرار الشخصية الناجحة" لأني أريد بذلك ان ألفت نظر القارئ العربي الى ناحية من الشخصية البشرية ربما كان غافلا عنها هي: ناحية اللاشعور او ما يسمى أحيانا بالعقل الباطن] انتهى

انتبهوا لطفاً الى العلاقة التي رسمها الراحل الوردي بين الكتابين خوارق اللاشعور/ 1952 والاحلام بين العلم والعقيدة/ 1959. من يعيد قراءة الكتابين يجد انهما يدوران حول او يعرضان "خوارق اللاشعور" "العقل الباطن" رغم انهما صَدرا/ نُشِرا في نقطتين زمنيتين مرتبكتين من حياة الوردي والعراق رغم ان الفارق بينهما سبعة أعوام او هكذا...سيجد القارئ الكثير من "المتداخلات" في الكتابين، الأفكار، المفاهيم، "جُمَلْ وعبارات" / نصوص بشكل متطابق/ حرفياً احياناً.

 ان ظروف اصدار كتابه الحلم بين العلم والعقيدة عام 1959 معروفة أي بعد ثورة 14 تموز1958 وما حصل/ جرى من احداث في عام 1959 وظهر فيه الراحل الوردي مرتبكاً وكشف في الكتاب عن الكثير من الأمور التي عن شخصيته والظروف التي مر بها سواء في مقدمة الكتاب التي كانت بعنوان: "كلمة لابد منها" او خاتمة الكتاب التي كانت بعنوان: "كلمة الوداع"، أشار فيهما الوردي عن امتناعه عن الكتابة في تلك الفترة الحرجة وعن الحال العام في البلد واشارات تعكس خوف الراحل الوردي وقلقه...

عليه اعتقد من المهم لتفسير ذلك الربط بين الكتابين ان نعود لدراسة الحال الذي كان عليه العراق خلال الفترة من عودته عام 1950 الى صدور هذا الكتاب عام 1952وما جرى فيها فقد عاد الراحل الوردي لتوه من بلاد "الضربة النووية لليابان وظاهرة/ ضربة مكارثي" التي عاش الوردي ايامها هناك ومحاولة الولايات المتحدة استثمار نتائج الحرب العالمية الثانية والاستحواذ على اطراف الإمبراطورية البريطانية المهمة وقضية فلسطين/ 1948وتداعياتها دعوة الملك فيصل الثاني لزيارة أمريكا ليكون اول ملك عراقي يزورها...و الوضع المضطرب سياسياً في العراق وعملية تهجير اليهود واصدار القانون المدني العراقي/ 40 لسنة 1951 حيث كانت المادة الثانية منه :"لا مساغ للاجتهاد في مورد النص" والمادة الثامنة منه :"درء المفاسد أولى من جلب المنافع" وغيرها من المواد التي ربما تطلبها الحال في ذلك الوقت.وتأميم النفط في إيران من قبل حكومة مصدق و"خطورة "انزلاق ايران باتجاه الاتحاد السوفيتي واتساع المد الشيوعي في ايران والعراق وغيرها.

المثير ان هناك عبارة وردت في ص380 381 من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ 1965 بخوص نفس جوهر كتاب خوارق اللاشعور والاحلام واقصد "المبدأ السخيف من جد وجد" وهي تعني ان الوردي بعد ثلاثة عشر عاماً من إصداره خوارق اللاشعور وبعد ستة أعوام من إصداره كتاب الاحلام لايزال على موقفه من مبدأ "من جد وجد" الذي نناقش رأي الوردي فيه الذي لم يتغير...اليكم ما ورد:

[هنا ينبغي ان لا ننسى ان الانسان بوجه عام إذا فشل في امر فهولا يحب ان يعزو فشله الى نفسه بل يميل عادة الى البحث عن سبب خارجي ليعزو اليه الفشل .فإذا كان التلميذ بليدا صعب عليه ان يعترف ببلادته ولعله يعتبر نفسه من اذكى الناس فهو في ذلك كالمجنون الذي يرى نفسه العاقل الوحيد بين الناس وهو حين يخفق في دراسته يحاول ان يضع اللوم على عداوة المدرس له او على سوء تدريسه او ما اشبه اما اذا تخرج من المدرسة ولم يحصل على الوظيفة المنشودة فهو قد يشعر بالامتعاض من "الوسطاء" الذين ساعدوا غيره ولم يساعدوه وهو لابد في نهاية المطاف ان يجد التنفيس في مجال السياسة فيرفع صوته هاتفا بسقوط الحكومة والاستعمار. انه يؤمن بمبدأ "من جد وجد" لكنه لا يطبقه على نفسه اذ هو يرى نفسه من أكثر الناس سعيا وجدا ومثابرة كما ما يرى نفسه من أكثر الناس ذكاء و"عبقرية" فهو يعتقد جازما بان الأوضاع "الشاذة" هي التي عرقلت سبيل نجاحه ولولا ذلك لاستطاع ان يخدم الامة والوطن ولما ضاعت "عبقريته" هذا الضياع الفظيع! وقد يصح القول بأن المدارس أصبحت كأنها مصانع تفريخ للتذمرالسياسي في العراق،فالتلميذ حين يجدالعقبات تعرقل عليه سبيل"الترقي" يأخذ بالحماس في سبيل "الوطن" الخ].

هذا الربط بين "المبدأ السخيف من جد وجد" وبين المدارس والتذمر السياسي او الحراك السياسي في العراق والمنطقة ...يربك ؟؟؟؟!!!!

 أعود للتحذير ولماذا قلت عنه "غير بريء" وقبل الجواب أجد من الضروري ان أوضح لماذا هذا الاهتمام بتفاصيل صغيرة قد لا تعني الكثيرين وجوابي على ذلك هو ان هذا الكتاب هو الأول للراحل الوردي بعد الضجة التي افرزتها محاضرته التي تحولت الى كراس أصدره الوردي تحت عنوان :"شخصية الفرد العراقي في ضوء علم الاجتماع الحديث" الذي تطرق فيها الى بعض المشاكل الاجتماعية التي تنخر المجتمع العراقي التي كما اعتقد كان على الراحل الوردي إعطائها أهمية بدل الانشغال في اصدار هذا الكتاب الذي يحوي او ان خلاصته تخص "خزعبلات" "خوارق اللاشعور" حسب فهم العموم في ذلك الوقت. وأشار الراحل الوردي الى ذلك بعد أكثر من سبعة أعوام في كتابه الذي لا يختلف كثيراً عن خوارق اللاشعور واقصد كتاب: الاحلام بين العلم والعقيدة حيث كتب في ص23التالي: [ساءني ان أجد بعض المفكرين والادباء من بيننا يمطون شفاههم سخرية واستخفاف ويعتبرونه كتابا خرافيا غير معقول واني أخشى ان ينظر هؤلاء في كتابي هذا على منوال ما نظروا في كتابي السابق].

لماذا هذا التحذير غير بريء حسب فهمي المتواضع وتفسيري الذي قد يكون قاصر:

الجواب هو: من الصيغة التي ظهر فيها ذلك التحذير، ومن معاني كلماته أجد وربما أكون على خطأ أن فيه فن من فنون الإعلان / الإشهار / الترويج ربما تعلمه الوردي خلال دراسته في الولايات المتحدة الامريكية، او نُصِحَ به وقد اتهمه البعض في حينها وهذا ليس عيباً.

 كان ذلك التحذير ملفتاً كون الوردي في اول رحلته بالتأليف والنشر كما اشرتُ اعلاه وهي اول خطوة في تلك الرحلة الطويلة، والموضوع الذي يدور حوله الكتاب ملفت للنظر لكنه غير مفيد وعنوان الكتاب جذاب يدعو للاستفسار عن ماهية هذا الجديد "اللاشعور". عليه أجد ان من حقي ان اناقش هذا التحذير او اطرح رأيي/ تصوري/ فيه/ به أو تحليلي له...ورد في ذلك التحذير التالي:

1- [إن هذا الكتاب ربما ينفع الراشدين من الناس أولئك الذين خبروا الحياة واصابهم من نكباتها وصدماتها ما اصابهم] انتهى.

تعليق: من هم أولئك الراشدين من الناس؟ حتى لو كان مقصد الوردي هو الراشدين اجتماعياً وليس بايولوجياً فقط، اعتقد ان اول ما يقفز جواباً على هذا السؤال حينها وربما الان ايضاً هو انهم كل من بلغ "سن الرشد" الذي يعني ان الانسان أصبح في عرف ذلك الوقت رجل يُعتمد عليه ويحضر مقامات/ محاضر الرجال في المقاهي والدواوين والمجالس. وهذه مرحلة حساسة بالنسبة للشباب وعوائلهم والمجتمع...حيث أصبحوا في سن العمل والزواج "صاروا رجال". اولئك هم الذين خبروا الحياة واصابهم من نكباتها وصدماتها ما اصابهم وهم يعيشون وسط المصائب التي تعيشها عوائلهم ويعيشها مجتمعهم بحلقاته القريبة والبعيدة، المعيشية الخاصة والسياسية العامة.

نحن نعرف والوردي يعرف ايضاً ان بلوغ سن الرشد بالنسبة للمتعلمين او من يواصلون الدراسة يكون في الغالب مع الوصول للجامعة او المدارس العليا او التخرج من مرحلة دراسية معينة والبحث عن وظيفة حكومية او عمل. فهؤلاء يجذبهم هذا التحذير ويدفعهم الفضول الى محاولة تصفح هذا الكتاب بأي طريقة عندما ينتشر هذا التحذير في هشيمهم، تصفح الكتاب سواء بالاقتناء للقادرين او الاستعارة من الغير "الأشخاص او المكتبات العامة" او تتناقله الايدي والألسن بين المجاميع ويدخلوا معمعته التي هي: اولاً: حيث اُشير اليهم فيه "الراشدين" اي انه يخصهم من خلال ما سيُشاع/ يُتداول من عبارات وجمل منها تلك التي تدغدغ تفكيرهم ومن هنا يتعلمون/ تعلم بعضهم، أخطر درس في الثقافة والتعليم وهو النقل من فلان عن فلان... قال العالم الفلاني وورد في كتاب فلان الفلاني وكل واحد منهم "متروسه اذانه من كَال فلان وحجه فلان"... وهي فرصة لكي اقدم ما أتصور في هذا الجانب حيث اعتقد انه أحد اعظم المصائب التي حلت وتحل على شعوب هذه الرقعة الجغرافية المبتلات وهي كما أتصور سبب رئيسي او من أسباب حالها اليوم ودوام ذلك في الاجيال حيث استقر في العقل الباطن وربما تحرك للجينات الوراثية...و ربما اصبحت شعوب هذه المنطقة من اكثر شعوب العالم اجتراراً لأقول من سبقوهم والاستشهاد بها على حالهم اليوم بمناسبة او بدونها وحتى دون العمل بالمفيد منها وكأن تلك الاقوال تصلح لكل زمان ومكان ويتمسكون بها حتى بعد ان يصدر من أصحابها نفيها او ما يناقضها... ويتفاقم هذا الحال بعد ان أصبح بعض قادتها "متصدري المشهد"/ "أصحاب السيادة والسمو والمقام والشيوخ والوجهاء وبعض المؤرخين والكتاب والناشطين في الاعلام من المصابين بهذه العاهة المستدامة والمدمنين على هذه الحالة" اعتذر عن هذا الوصف" حيث صار البعض "حتى أتجنب احراج التعميم "مثقف او متعلم المختصرات المنقولات من فلان عن فلان الفلاني... وبعضهم اليوم من النخبة التي تكتب وتتكلم وتناقش وتتحذلق وتنشر وتدير ندوات انقاذ هذه الامة وهم لا يبدؤون عملهم بأقوالهم وافعالهم واعمالهم انما بأقوال وأفعال واعمال من قال وفعل وعمل ومضى . والعجيب ان البعض ينقل بدون انتباه. لذلك نجدهم قادوا ويقودون التمجيد بالمختصرات والأقوال ويستعيرونها كما هي وبعضها فيه تحريف ... وهم سادرون/ سائرون في ذلك حتى بعد حصول البعض منهم على أعلى الدرجات العلمية وبعضهم تخصص في علم الاجتماع او قريب منه. وهذا أخطر مرض معدي "وباء" انتشر ولا يزال بين صفوف شباب هذه الامة وقادة مستقبلها الذين عليهم ان يغادروا ذلك لأنه المرض الخبيث الذي يقتل الابداع والاختراع ولا أقول هذا تنكراً للماضي أو القطع معه انما لنعرف كيف نقرأ ونحلل ونحترم صاحب القول من خلال عدم الصاق بعض ما لم يقله به كما يجري بعضه الان ولكي نتعلم عندما نقرأ ونقتنع بالنص نعتبره ملكنا حيث من قال له الاحترام الكبير مؤيدين له او مخالفين، قال ومضى "خلف الله عليه وألف رحمة عليه وعلى والديه"، وما قاله لم يعد ملكاً له انما ملك من اقتنع به ...الا في الأطاريح والتوثيقات العلمية الصرفة فواجب ذكر المصدر او المصادر حتى يعود لها من لا يعرفها ليستفيد او ليدقق.

وكتب الوردي مخاطباً أمثال هؤلاء كما ورد في ص46 خوارق اللاشعور: [إن الاختراع والابداع هو تركيب بين شيئين قديمين ولهذا السبب كان المتعصب لرأي من الآراء أو طريقة من الطرق بعيداً عن الابداع أو الاختراع أو التجديد ولهذا السبب ايضاً كانت خُطَبْ المقلدين وابحاثهم خالية في الغالب من كل روعة او فكرة جديدة أنهم يكررون ما قال السلف من معنى بلفظ جديد] انتهى. (مع تحفظي على بعض مما ورد في هذا القول). (عندما اتطرق الى الأساتذة الذين كتبوا عن الراحل الوردي سأشير الى بعض ذلك). (وهذا يشمل من نقلوا وينقلون عن الوردي نفسه) (قبل يومين قرأتُ قول منسوب للراحل الوردي هو: [لا خير في امه مآذنها أكثر من مداخنها] انتهى. الحقيقة انا لم اطلع على هذا القول ربما لقصور مني.. استفسرتُ من ناشره: اين ورد هذا القول؟ ... لم أحصل منه على جواب)

2- [أما المستجدون والمدللون والأغرار الذين لم يمارسوا بعد مشكلة الواقع ولم يذوقوا من مرارة الحياة شيئاً فالأولى بهم أن لا يقرئوا هذا الكتاب. أنه قد يضرهم ضرراً بليغاً] انتهى

هؤلاء كما اعتقد جانبين: الأول منهم "المدللون والاغرار" أولاد العوائل الميسورة غير العارفين بما يدور حولهم "ما يعرفون إن شّْرِجَتْ لو غَّرُبَتْ" والذين لا يزالون وفق " بعده مصاصته بحلكه"" حسب وجهة نظر البعض، فهم مدللون وربما لهم خدم خاص من أولئك الراشدين او ابائهم او امهاتهم... والجانب الثاني من هؤلاء هم "المستجدون" من كان منهم دون سن الرشد البايولوجي والاجتماعي حيث يجدون في هذا التحذير دفع له لمعرفة ما يخص من هو أكبر منه عمراً او فهماً ومن يرافقونهم. وهؤلاء سيجذبهم التحذير لأسباب اولاٍ شعورهم بأنهم راشدين ولرغبة في التعرف على ما في هذا الكتاب الذي لا ينصح كاتبه اطلاعهم على ما يرد فيه... والوردي يعرف ان الممنوع مطلوب في كثير من الأحيان او يدفع للبحث عنه والاطلاع عليه. قد يقول قائل ان الراحل الوردي يقصد المتعلمين والمثقفين فقط...أقول انهم جزء من العموم.

 

عبد الرضا حمد جاسم

..............................

بخصوص القراء ورأي الراحل الوردي بهم اشيركم الى الاطلاع على: علي الوردي في ميزان/ غرائب/ الكتابة والتجارة

www.almothaqaf.com/a/qadaya2019/933835

 

 

محمود محمد عليمنذ زمن بعيد وللعلم علاقة مضطربة بغيره من أوجه الثقافة بدليل محاكمة جاليليو Galileo (1564م-1642م) بدعوى الهرطقة في القرن السابع عشر أمام الكنيسة الكاثوليكية التي لم تعترف رسمياً بخطئها إلا منذ فترة قليلة، أو بدليل الهراء الذي كتبه الشاعر" وليم بليك William   Blake (1757م-1827م) ضد نظرة "إسحاق نيوتن Isaac Newton (1642م-1727م)" الميكانيكية للعالَم .أما نظرة الأدباء إلي العلم فهي تتمثل في شكلها الانتقادي، بكلمات " جوزيف كراتش"، حين يقول: " لقد خاب أملنا في المختبر لا لأننا فقدنا إيماننا بحقيقة ما يتوصل إليه من نتائج، وإنما لأننا فقدنا إيماننا بقدرة هذه النتائج علي مساعدتنا بالشكل الكامل الذي كنا نرتجيه ".

وهذا أيضا نفس ما ذهب إليه "جورج جيسنغ" George Ginseng، أحد القصصين في العصر الفيكتوري إذ يقول: " إنني أمقت " العلم" وأخشاه استناداً إلي قناعتي بأنه سيكون للبشرية عدواً فاقد الضمير، وذلك لمدة طويلة جداً إن لم يكن للأبد . إني لأراه وقد أتي علي كل ما في الحياة من بساطة ووداعة وكل ما في هذا العالم من جمال ؛ إني لأراه وقد أعاد الهمجية تحت قناع المدنية ؛ إني لأراه ينشر الظلام في عقول البشر ويقسي قلوبهم ؛ إني لأراه يجر في أعقابه عهداً من المنازعات الكبري أين منها " الحروب الألف في العالم القديم " ويبعثر جميع الجهود التقدمية التي بذلها البشر في بحران دموي من الفوضي".

وثمة مثل آخر علي هذه النظرة مأخوذ هذه المرة من الفيلسوف الألماني شلينج، إذ يسجل احتجاجه ضد "تلك الطريقة العمياء الخالية من التفكير في تفحص الطبيعة، التي رسخت قواعدها بشكل عام منذ أن عمد فرنسيس بيكون Francis Bacon (1561م-1626م) إلي إفساد الفلسفة ومنذ أن قام " روبرت بويل"Robert Boyle (1627م-1691م) ونيوتن بوضع أسس الفيزياء ".

وثمة فئة ثانية من معارضي العلم تستاء مما يواكب التصنيع والتكنولوجي من أمور قبيحة أو سيئة كأن يفقد الإنسان عمله، مثلا بسبب التحسينات التكنولوجية أو الأمراض الناشئة من نوع العمل الذي يقوم به، أو التكتل ضد هذه المصلحة أو تلك، أو بسبب ما تشيعه الحروب من دمار في أيامنا هذه، الخ ... ويشعر الذين ينتمون إلي هذه الفئة من المعارضين أن العلم، ومن ورائه الآلة التي أوجدها، قد أديا إلي إسفاف الحياة البشرية وجعلها تسير علي وتيرة واحدة . لذلك نراهم يدعون للعودة إلي المزرعة والقرية والمشغل اليدوي .

ومن ناحية أخري تساءل بعض الباحثين:هل يؤدي التقدم العلمي والتكنولوجي البارز في هذا العصر إلى تهميش البحث في الإنسانيات؟.

وفي هذا الصدد يؤكد الدكتور "أحمد أبو زيد" فيقول:" يشعر كثير من المفكرين والكتاب والأكاديميين في الخارج بالقلق إزاء الوضع الحالي للإنسانيات ومدى قدرتها على الصمود في المستقبل أمام التقدم العلمي الجارف الذي يبدو أنه لن يتوقف عند أي حدود، وتوجيه الدول في العالم المتقدم معظم اهتمامها إلى تحقيق مزيد من الإنجازات التكنولوجية المتقدمة والمعقدة، والانصراف بشكل واضح عن الاهتمام بالبحوث والدراسات الإنسانية ما أدى إلى تراجعها وعدم إقبال الأجيال الجديدة على التخصص في مجالاتها المختلفة، على عكس ما كان عليه الحال في النصف الأول من القرن الماضي، ما قد يكون له آثار سلبية في المستقبل على العلاقات الإنسانية، وتفاقم المشكلات الاجتماعية التي بدأت تطفو بالفعل على السطح بكثرة، وتقض مضاجع المسئولين أنفسهم نتيجة لغياب القيم والمبادئ الدينية والأخلاقية التقليدية، التي تعتبر الركيزة الصلبة التي يقوم عليها بناء المجتمع الإنساني" .

فإذا كان ثمة ما يقال، فإن الهوة قد اتسعت بين العلم والإنسانيات، كما بيَّن " تشارلز بيرس سنو Charles Percy Snow (1905م-1980م)" في مقاله الكلاسيكي «الثقافتان والثورة العلمية» عام 1959؛ وهذا المقال كان في الحقيقة عبارة عن محاضرة ألقاها سنو في جامعة كامبردج عرفت باسم " محاضرة ريد " وسبب هذه المحاضرة ملاحاة شديدة وجدلاً عنيفاً بين مؤيد ومعارض . وفيما بعد نشر " سنو " هذه المحاضرة في كتيب يحمل العنوان " الثقافتان والثورة العلمية " . ويذهب " سنو " في محاضرته إلي وجود هوة سحيقة ضارة تفصل في الوقت الراهن بين العلوم في جانب، والثقافة التقليدية التي يشكل الأدب جزءاً في جانب أخر .

وكان الجدل الذى طرحه سنو يتمثل فى تأكيده أن الثقافتين منفصلتان تقريبا بلا تواصل، ولا يدرى أفراد كل فئة الكثير عن نشاط الفئة الأخرى. الكارثة أن أفراد الثقافة العلمية، قلما يقرأون الأدب أو التاريخ مثلا، وأفراد الثقافة الأدبية لا يعرفون إلا أقل القليل عن القوانين العلمية حتى أبسطها كقوانين الكتلة أو عجلة التسارع .

وأضاف أن هذه الهوة ليست جديدة . إذ أنها كانت قائمة بدرجات متفاوتة منذ ما أسماه بالثورة العلمية " التي بدأت علي أقصي تقدير ما يقرب من نصف قرن تقريباً ) . وكانت نتيجة هذه الهوة الثقافية، أننا نري المفكرين الأدباء في واد، والعلماء في واد أخر، وقد تقطعت بينهم كل اسباب التفاهم، وتمزقت كل وشائج الاتصال، ويقول " سنو " في هذا الشأن: " اعتقد أن الحياة الفكرية في جميع أنحاء المجتمع الغربي تزداد في انقسامها واستقطابها إلي مجموعتين: هما مجموعة المفكرين الأدباء في جانب، ومجموعة العلماء في الجانب المقابل " .

ويستفيض " سنو " في حديثه عن هذه الهوة التي تفصل بين الأدباء والعلماء، فيقول: " ونحن نجد ان هوة من سوء التفاهم المتبادل، بل من العداء والكراهية (وبخاصة في نفوس الشبان) تفصل بين الأدباء والعلماء، ولكننا في أغلب الأحيان نجد انتقاء التفاهم بينهم " ويعمل سنو علي إقامة جسر ليصل ما انقطع من أسباب الوصل بين أصحاب هاتين الثقافتين اللتين آل أمرهما إلي الانفصام التام . ورغبة منه في التوفيق بين هاتين الثقافتين، يقترح سنو علي بني جلدته الانجليز إعادة النظر في برنامجهم التعليمي بقصد تخريج أدباء يلمون بقدر من المعرفة العلمية والأدبية . والرأي عنده ان الأدباء يجهلون أبسط الحقائق العلمية فهم يعجزون عن تعريف أبسط مصطلحات العلم مثل الكتلة والسرعة والقانون الثاني الديناميكا الحرارية . ويتهم سنو معظم المشتعلين بالفنون والآداب في القرن العشرين مثل بيتس وازرا باوند وويندهام لويس بالرجعية ويصفهم بأنهم ليسوا سخفاء من الناحية السياسية فحسب بل أنهم أشرار أيضاً . كما أنه يتهمهم بالإسهام في التمكين للفاشية والتمهيد لمعسكرات الاعتقال النازية . ولكن "سنو" لا يلقي تبعة الهوة الثقافية علي الأدباء وحدهم فنصيب العلماء من المسؤولية لا يقل عن نصيب المشتغلين بالفنون والآداب . ويقول سنو أن خيبة الأمل تصيبه عندما يجد ان معظم العلماء لا يفقهون شيئاً من أعمال ديكنز الأدبية .

الكارثة إذن أن أفراد الثقافة العلمية، قلما يقرأون الأدب أو التاريخ مثلا، وأفراد الثقافة الأدبية لا يعرفون إلا أقل القليل عن القوانين العلمية حتى أبسطها كقوانين الكتلة أو عجلة التسارع. مثل هذا الكلام، الذى يجب أن يطلع عليه المثقفون من الفئتين . وهنا يشير "سنو" إلى الانفصال بين الثقافتين الذى من شأنه أن يضر بالمجتمع، ذلك أن الثقافتين كلتيهما من ضروريات تقدم الأمم محلياً وعالمياً، وأن استمرار هذا الانفصال يعوق كثيرا من تقدم المجتمع، ورفاهة الإنسان عموما. الكتاب يفضح ما يفعله المثقفون من الجانبين. نعرف أن معظم مثقفينا التقليديين، لا يقرأون إلا فى الأدب أو التاريخ، أو كل ما يخص العلوم الإنسانية، ولا يقتربون من العلوم الطبيعية إطلاقا. وقد يتباهى البعض بأنه يعرف علم النفس أو القليل من الفيزياء. وعن هذا يقول سنو: « لدينا مجموعتان مستقطبتان: هناك عند أحد القطبين مثقفو الأدب، وهؤلاء فيما يعرض أخذوا فى غفلة من الأنظار يشيرون لأنفسهم على أنهم «المثقفون»، وكأنه لا يوجد مثقفون غيرهم». ولتوضيح رأيه، أشار سنو إلى استخدامنا إلى كلمة intellectual التى تعنى مفكراً عقلانياً أو مثقفاً، وهى لا تنطبق مثلاً على علماء الفيزياء أمثال «روذرفورد»، و«إدنجتون»، و«أدرياك .

ويذكر سنو أن غير العلماء ينحون إلى التفكير فى العلماء على أنه فيهم وقاحة وتبجحاً، ويشير إلى أحاديث الناقد الإنجليزي الكبير ت.س. إليوت التى أكد فيها: «أنه لا يمكن لنا أن نأمل إلا أقل الأمل». في حين نرى صوت عالم الفيزياء «روذرفورد» يقول: «هذا هو العصر البطولى للعلم، هذا هو العصر الإلزابيثى !». ويكمل سنو أنه «يوجد لدى غير العلماء انطباع مغروز بعمق بأن العلماء متفائلون تفاؤلا فيه ضحالة، وغير واعين بحال الإنسان. والعلماء من الجانب الآخر يعتقدون أن مثقفى الأدب ينعدم لديهم تماما أى تبصر بالعواقب، وهم على وجه خاص لا يهتمون بإخوانهم من البشر، وهم بمعنى عميق ضد العقلانية، ويعملون بلهفة على أن يقصروا كلا من الفن والفكر على اللحظة الوجودية .

وهنا نعيب علي سنو في أنه دافع عن العلماء دفاعاً ضارياً، حط فيه من شأن الأدباء، واصطنع لهم عدواً وهميا. لعل ذلك وقتها كان منطقياً بعض الشىء، حين كان الطلاب يقبلون على الدراسة الأدبية، وقليل منهم من يقبل على الدراسة العلمية؛ لأن الطريقة الملكية وقتها لم تكن للعلم وكانت للآداب والحقوق، وكان الأدباء يلقون اهتماماً واسعاً من الجمهور والملوك، لكن هذا الأمر تغير الآن تمامًا، أنظر إلى ما يحدث فى الغرب، حيث يتحدث العلماء بطلاقة وكل غرور، وتراجع الأدباء بشدة».الملاحظ أن سنو لم يحط من شأن الثقافة الأدبية أو الثقافة العلمية، بل أكد ضرورة الإلمام بهما معا، بدون انفصال.

لتكن الحياة الأكاديمية علي ما هي عليه،فثمة أيضا رؤية جديدة مطروحة بشأن الهوة بين الثقافتين (الثقافة الأدبية والثقافة العلمية) ظهرت خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين . رؤية لم يكن ليحلم بها سنو .وأشير هنا إلي شئ تطور، إلي ظاهرة تسمي حروب العلم في أواخر تسعينيات القرن العشرين ؛ والتي قال عنها " جيمس تريفل:"... ولا عليك إن لم تكن قد سمعت شيئا عن هذه الحروب، وذلك لأن أغلبية العلماء لم يسمعوا عنها أيضا (وكثيرا ما تساءلت في دهشة عما إذا كان بالإمكان القول بأن ثمة حرباً قائمة بينما أحد طرفيها لا يدري  بها) .

ومن هذا المنطلق فلقد شن أنصار العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية هجوما عنيفا علي صحة العلم، حيث رأوا أن أحكام العلم لا تعبر عن وقائع طبيعية، ولا تنطلق من أساس تجريبي أو واقعي معين، إنما تنبع من أحكام سابقة سبق أن حصل الاتفاق حولها بنسبة ما، فتكون أحكام العلم مقبولة لدى جماعة العلماء، وهذا القبول لا يأتي من كونها تحمل تفسيرا صائباً لوقائع معينة، ولا من كونها تتمتع بموضوعية ما، بل إن ذلك القبول مشروط بالتضامن بين الجماعة التي تأخذ بها لاعتبارات ظرفية. وهذا أدي إلي قلق كثيرين في الأوساط العلمية ؛ خاصة ما جري للغة البناء الاجتماعي من استبدال وتغيير بعض المصطلحات ومحاولة السيطرة السياسية للعلم في المجتمع .

 

د. محمود محمد علي

مركز دراسات المستقبل = جامعة أسيوط

 

عبد الجبار الرفاعيلا تتطابقُ تمثلاتُ الدين في الواقع الذي يعيشه الإنسانُ لدى كلِّ الأشخاص والجماعات، لذلك تختلفُ أنماطُ التديّن تبعًا لطبيعةِ البناءِ النفسي للأشخاص، وتكوينِهم التربوي والتعليمي والثقافي، والواقعِ الذي يعيشون فيه. وهكذا تختلفُ أنماطُ التديّن في حياة الجماعات تبعًا لسياقاتِ تاريخها السياسي والاقتصادي وطرائقِ عيشها، وثقافاتِها، ولغاتِها، وهوياتِها، ومعتقداتِها الماضيةِ المترسبةِ في اللاوعي الجمعي.

إن التديّنَ الذي تظهر فيه التعبيراتُ العمليةُ للدين يتجلّى في أنماط متنوعة في حياة الفرد والجماعة. كثيرٌ منها تديّنٌ شكلي، وقليلٌ منها تديّنٌ أخلاقي. وإن كانت بعضُ أنماط التديّنُ الشكلي لا تتميّز بوضوحٍ عن التديّن الأخلاقي، عندما تتخفّى بذكاء، فتتداخل مع التديّن الأخلاقي، على الرغم من التضادِّ في الجوهر الروحي والأخلاقي بين هذين الضربين من التديّن.

التديّن الأخلاقي تديّن يتجلّى فيه صوتُ العقل، بموازاة حياةِ الروح، ويقظةِ الضمير الأخلاقي، ويتذوّق فيه المتديّنُ تجلياتِ الجمال في العالَم. تديّنٌ تتكرّس فيه كينونةُ الكائن البشري، ويحقّق فيه الدينُ وظيفتَه في إرواء ظمأ الإنسان للمقدّس. تديّنٌ يتموضعُ فيه الدينُ في مجاله الخاص به، وينجز وعودَه في الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية.

إنه تديّنٌ مُتصالحٌ مع العقل والروح والقلب. لا يقترنُ الدينُ في هذا النمط من التديّن بالخوفِ، ولا المقدّسُ بالرعبِ. الإيمانُ بالله في هذا التديّن حالةٌ يتذوقها الإنسانُ وليس معلومةً يدركها، والتوحيدُ يعني نمطَ حياةٍ توحيديةٍ مُلهِمة، وليس اعتقادًا بمفاهيم ذهنية محنطة. الإيمانُ فيه ليس فكرةً يتأملها المتديّن، أو معرفةً يتعلمها، أو معلومةً يتذكرها. الإيمانُ فيه حالةٌ للروح يعيشها، وتجربةٌ للحقيقة يتذوقها.

يحتفي هذا التديّنُ بالفن، ويدرك حاجةَ كلِّ كائن بشري العميقةِ للجمال، كحاجته لكلِّ ما هو أساسيّ من الاحتياجات في حياته. إنه تديّنٌ يدرس الدينَ بوصفه ظاهرةً لها حقيقةٌ تقع داخلَ أفق الدين ذاته، ويمكن إدراكُ جوهرها في الفضاء الخاص للحياة الروحية. الدينُ حقيقةٌ يمكن اكتشافُ تعبيراتِها وتجلياتِها وآفاقِها من خلال العقل والعلوم والمعارف البشرية، لكن هذه المعارفَ والعلومَ لا تدرك تمامَ مدياتِها الباطنية القصيّة وجوهرَها الروحي العميق، وإن كانت تستطيع أن ترسم حدودَها، وتحدّد خارطةً لتمييز ما هو ديني عمّا هو دنيوي.

يدركُ هذا التديّنُ أن احترامَ الآخر المختلف ضرورةٌ تفرضها ثقةُ الذات بدينها وهويتها وثقافتها، والتدليل على أخلاقية دينها وانسانيته، فمن لا يحترمُ الآخرَ المختلف في مجتمعه تعوزه الحجةَ في البرهنة على مصداقية أخلاقية دينه وانسانيته، ويغتربُ عن مجتمعه وعصره.

يرى هذا التديّنُ أن أكثرَ الأساليب الموروثة للتبشير بالأديان انتهت صلاحيتُها. لذلك تجده يشدّدُ على أهميةِ الذكاء العاطفي للمتديّن، وأثرِه النفسي الإيجابي الفاعل في نظرة الآخَر لمصداقية تديّن أيّ إنسانٍ وأخلاقيةِ دينه، فللعواطف الصادقة سحرٌ آسرٌ على مشاعرِ كلِّ إنسان، ومن طبيعة البشر أنهم ينجذبون بقوةٍ لكلِّ إنسانٍ يحبُ الناسَ، ويشفقُ على البؤساء ويرعاهم، مهما كانت ديانتُهم. عبر العواطفِ الصادقة، والكشفِ عن الجوهر الروحي المشترَك لدى البشر، والحوارِ الأخلاقي البعيدِ عن المنطق الوثوقي للمقولات الاعتقادية المغلقة، يمكن التدليلُ على الدورِ الذي يقوم به الدينُ اليومَ لإنتاج ما يمنح الحياةَ معناها، ويمكن التدليلُ على ضرورةِ التديّن الأخلاقي لإنتاج ما يمنح الروحَ سكينتَها وطمأنينتَها، وإيقاظِ الضمير الأخلاقي.

يذهبُ هذا التديّنُ إلى أن الحاجةَ للمعتقدات تكفي لاعتناقِها، واعتناقُ الإنسان لها لا يعني بالضرورة إقامةَ الدليل عليها والقناعةَ العقليةَ بها، فمهما حاولتَ أن تقيمَ من أدلةٍ على عدم صحة معتقدٍ ما، لن يتخلى عنه صاحبُه مادام محتاجًا إليه. واذا أردتَ تحريرَ إنسانٍ من معتقداته المغلقة المتشددة حرِّرهُ من احتياجاتِه النفسية والمادية التي تدعوه للاعتقادِ بها، وحاول أن تُعيد موضعةَ احتياجاته في أفق تدين أخلاقي منفتح.

ينشد هذا النمطُ من التديّن التحرّرَ من كلِّ ألوان الاستعباد والصنمية. هذا التديّنُ ضدّ كلّ ما يستعبدُ الروحَ، وضدّ كلّ ما يستعبدُ القلبَ، وضدّ كلّ ما يستعبدُ الضميرَ، وضدّ كلّ ما يستعبدُ العقلَ، فكلُّ صنم يستعبدُ على شاكلته. جوهرُ الصنمية موقفٌ اعتقادي يعبّر عن الإعلاء من قيمةِ شيءٍ وتوثينِه، مقابلَ الحطِّ من قيمة الإنسان وهدرِ كرامته، بنحو يكون معه ذلك الشيءُ معبودًا من دون الله، ويصيرُ الإنسانُ مسخًا.

لا تختصّ الأصنامُ بالأوثان المصنوعة من الحجر أو الخشب أو الحديد، الصنمُ كلُّ ما يُعبَد، لذلك تصير أحيانًا ديانةً أو مذهبًا أو عقيدةً أو فكرةً أو أيديولوجيا صنمًا، أو يغدو طقسٌ أو عبادةٌ أو شعيرةٌ صنمًا، أو قد تتحوّل كلمةٌ أو شعارٌ أو كتابٌ إلى صنم، أو يصبح زعيمٌ سياسي أو عسكري أو روحي صنمًا، وربما يمسي حزبٌ أو جماعةٌ أو طائفةٌ أو قوميةٌ أو قبيلةٌ أو عائلةٌ صنمًا. ومن أجمل ما قرأتُ في توضيح هذه الحقيقة جوابًا لأبي يزيد البسطامي على سؤال: "مالنا نعبد الله ولا نجد لذة العبادة؟ قال: إنكم عبدتم العبادة، ولو عبدتم الله لوجدتم لذة العبادة".

التديّنُ الأخلاقي هو الأقلُّ حضورًا في الحياة الفردية والاجتماعية اليوم، وعادةً ما تصدر الأحكامُ السلبية على الدين بسبب شيوعِ الأنماط الأخرى للتديّن في حياة الفرد والجماعة، ويظن كثيرون أنها المعبّرةُ عن الدين لا سواها، وقلّما يتنبه من ينتقد الدينَ إلى وجود التديّن الأخلاقي لدى شخصياتٍ روحانيةٍ أخلاقيةٍ مُلهِمة.

إن أخطرَ ما يهدّدُ وجودَ الدين في المجتمع هو ضمورُ الحسِّ الأخلاقي في حياةِ الفرد المتديّن، واتخاذُ الدين وسيلةً للارتزاق، وتوظيفُه في صراعات السلطة والثروة، واستغلالُه كقناعٍ يُخفي الكثير من الممارساتِ اللاأخلاقيةَ والمواقفَ اللاإنسانية.

 

د. عبدالجبار الرفاعي