منى زيتونتُعرَّف السرقة على أنها أخذ ممتلكات شخص آخر دون إذنه، بقصد حرمانه منها، وانتفاع السارق بهذه الأشياء، وتملكها.

والسرقة من أهم المشكلات التي قد تعاني منها الأمهات مع أطفالهن، خاصة في مرحلة الطفولة المبكرة؛ إذ لها نصيب كبير من شكاياتهن، فيحدث كثيرًا أن يعود الطفل من الحضانة وهو يحمل معه متعلقات ليست له، مما يصيب الأمهات تحديدًا بالذعر. كما قد يسرق الطفل الوالدين، وإن كان هذا يجعل الوالدين أقل ذعرًا، غير مدركين أن اكتشاف حدوث السرقات من الوالدين يعني أن هذا من الممكن أن يحدث مع الآخرين.

وبداية، يجب أن نفهم أن سلوك الطفل في هذه المرحلة العمرية المبكرة بأخذ ما ليس له، والذي يشابه ظاهريًا سلوك السارقين من الكبار، لا يعتبر سرقة حقيقية لأسباب عديدة أهمها أن الطفل لا يفهم بالأساس المفاهيم المتعلقة بالملكية، وأهمها مفهومي الملكية الخاصة والملكية العامة، وكذا مفهوم ملكيته وملكية الآخرين. كما أنه لا يقصد كثيرًا بسلوكه حرمان الشخص من ملكه، وإنما تكون له دائمًا دوافعه الخاصة للسرقة التي تميز سرقات الأطفال.

بعض سمات الطفل النفسية في مرحلة الطفولة المبكرة

يُعد دخول الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة بداية انفكاك اعتماده الكلي على الكبار، وبداية احتكاكه بالبيئات الخارجية المليئة بالغرباء.

في هذه المرحلة يدرك الطفل نفسه كشخص مستقل، ولكنه يكون من الناحية النفسية متمركزًا حول نفسه، فليس لأقوال الآخرين أو أفعالهم أدنى أهمية لديه ما لم تكن مرتبطة بذاته أو مؤثرة عليه. كما أن الطفل في الطفولة المبكرة لا يميز بين الواقع والخيال.

وفي الطفولة المبكرة يتلقى الطفل أول دروسه الاجتماعية حول الأعراف والتقاليد، ويبدأ تكوين الضمير وتعريفه بالصواب والخطأ.

فما هي دوافع الأطفال التي تؤدي بهم إلى هذا السلوك السيء، الذي نسميه سرقة الأطفال؟

دوافع الأطفال للسرقة

لعل أهم دوافع الأطفال التي تؤدي بهم إلى السرقة هي:

- إشباع حاجة فسيولوجية مثل سرقة الطفل الطعام للأكل، وهو ما قد يحدث من جراء تفاوت المستويات الاقتصادية بينه وبين أقرانه، أو ضعف مستواه الاقتصادي بوجه عام؛ فتمركزه حول ذاته يجعله يبحث عن إشباع فوري لحاجاته الفسيولوجية، ولا ننسى أنه حتى قريب كان يبكي لمجرد تأخر الطعام، ولا يتحكم نهائيًا في إخراجه لفضلاته.

وكلما كبر الإنسان وصار أكثر نضجًا فهم أنه يجب عليه ضبط حاجاته الفسيولوجية، والصوم الذي يتدرب عليه الأطفال الأكبر سنًا هو إحدى الطرق إلى ذلك.‏

- إشباع عاطفي؛ فأحيانًا يكون افتقاد الطفل للاهتمام والحب دافعًا للسرقة لافتقاده ما لدى غيره من الأطفال، ‏ومحاولته إسعاد نفسه بامتلاكه. على سبيل المثال عندما يعطي خاله إلى ابنه هدية، بينما هو يفتقد مثل هذا الاهتمام من أبيه المنشغل عنه، تمثل له تلك الهدية رمزًا للحب والاهتمام الذين يفتقدهما، فيحاول الحصول عليها.

- الغيرة؛ فقد تكون الغيرة من امتلاك غيره لما يحب دافعًا للسرقة. وهنا يكون فهم الحالة النفسية للطفل دليلنا إلى التمييز بين الدافع في هذه الحالة وحالة الرغبة في الإشباع العاطفي، وتكون هناك صعوبة حقيقية في التمييز بين الحالتين.

- الانتقام؛ ‏قد يسرق الطفل للانتقام ودعم احترامه لذاته عندما يضربه طفل آخر مثلًا أو يتسبب له في العقاب.‏

- إشباع هواية؛ ويشيع هذا الدافع عند سرقة ألعاب الأطفال الآخرين، ويكون تركيز الطفل منصبًا على الغرض الذي سرقه، وليس على أي مشاعر سواء كانت افتقاد حب أو غيرة أو انتقام.

أسباب قد تؤثر في تكوين دوافع السرقة لدى الطفل

هناك أسباب عديدة قد تؤدي إلى نشأة تلك الدوافع للسرقة عند الأطفال، من أهمها عدم الاهتمام بالطفل، والمعاملة السيئة من الوالدين أو أحدهما، وأحيانًا قد تكون المبالغة في الاهتمام والتدليل بإعطاء الطفل كل ما يحب بلا ضابط هما المؤديان بالطفل لمحاولة الحصول على كل ما يرغب فيه وامتلاكه.

وينبغي أن نتفهم أن التفكك الأسري يفقد الطفل الأمان والطمأنينة، وقد يتسبب في محاولته التعويضية للإشباع العاطفي التي تؤدي به للسرقة.

وقاية وعلاج الأطفال من السرقة

لعل أهم سؤال تسأله الأمهات دائمًا كيف نقي أبناءنا من اقتراف هذا السلوك؟ وكيف نضمن أن يفهم من فعله مرة أن هذا خطأ فلا يكرره؟ وأقدم هنا أهم وصفات العلاج التي يجب إتباعها كاملة.

- بناء المفاهيم المتعلقة بالأمانة والملكية في ذهن الطفل

معروف أن أفكارنا تحكم سلوكياتنا، وهو ما ينطبق على الصغار كما ينطبق على الكبار. وأهم ما يجب أن نتأكد من تكوينه من مفاهيم في البنية المعرفية للطفل في مرحلة الطفولة المبكرة هو مفهوم الملكية بجناحيها العامة والخاصة، ومفهوم الأمانة.

ومن الأخطاء الشائعة أن يتصور الآباء أن مفهوم الملكية العامة يُكوَّن أولًا لدى الأطفال، وذلك من باب تحبيبهم في التعاون واللعب الجماعي، لكن عقلية الطفل ونفسيته تختلف تمامًا عما للكبار، فهو لن يفهم من جملة "دي بتاعتنا كلنا" إلا أن كل ما يحبه هو ملك له! وعليه يمكن أن تجده الأم قد أحضره معه من الحضانة أو من بيت صديقه!

والواجب أن يبدأ الوالدان والمعلمون بتوضيح مفهوم الملكية الخاصة، وبعد أن يعي الطفل ما له وما للغير يحدث التدرج إلى مفهوم المشاركة، كما يتم التوضيح له أن هناك أشياء تكون ملك الجميع أو ملك مجموعة من البشر كالمنزل الذي تمتلكه العائلة، وتوجد به ثلاجة واحدة ولكنها للجميع.

- توفير مناخ جيد في الأسرة والمدرسة

في حالات كثيرة تبدأ سرقات الأطفال بسرقة الوالدين، ثم تتوسع إلى السرقة خارج المنزل. وتكون بداية العلاج إضافة إلى تكوين المفاهيم هو خلق مناخ صحي لتنشئة الطفل.

إن إعطاء الطفل الحب والتقبل، والاهتمام الصحي به في المنزل والمدرسة؛ فلا إهمال ولا تدليل، وكذا إعطائه الحرية، وتجنيبه الخبرات المقلقة كقصص خطف الأطفال والجن والساحرة الشريرة ما أمكن، يؤدي إلى شعوره بالأمان والاستقرار، والثقة في الكبار، والحرص على أن يحوز ثقتهم في المقابل، وعدم اقتراف سلوك يهز هذه الثقة.

كما ينبغي أن نعي أن الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة يحتاج التعزيز بكافة أشكاله. ربما أكثر من احتياجه له في أي مرحلة عمرية لاحقة، فهي بداية استشعاره الاستقلالية، لكن لا بد أن يكون ذلك بحذر حتى لا تسوء العواقب؛ فيصبح مدللًا أو مغرورًا ولديه ثقة زائدة في نفسه لا تقابلها قدرات حقيقية. ومثل هذا الفرد عندما يكبر قد تصدر عنه سلوكيات سيئة كثيرة، ربما لا تكون السرقة أسوأها.

- الابتعاد عن العقاب البدني للأطفال عند السرقة

أوضحت أن سلوك السرقة لدى الطفل ليس سرقة حقيقية، لعدم وضوح مفهوم الملكية لديه في هذه المرحلة العمرية، ومن ثم فإن استخدام العقاب البدني معه، بل وحتى أساليب العقاب التربوية الأخرى لا تكون ملائمة في حالات السرقة، خاصة سرقاته الأولى.

واستخدام العقاب لا يكون إلا بعد أن نتأكد أن الطفل قد أدرك مفهوم الملكية، ويعلم أن الشيء الذي أخذه ليس له ومع ذلك قد امتدت يده إليه.

نتمنى لأبنائنا أن يحظوا بتنشئة حميدة وحياة سعيدة.

 

د. منى زيتون

 

ابوبكر خليفة ابوبكرالمقدمة: لا شك أن الباعث الأول لإنتفاضات الربيع العربي هو التخلص من ربقة الإستبداد والديكتاتورية، والتي دامت عقودا وذلك من أجل نيل الحرية والتي هي المفتاح الذهبي لما تبقى من الحقوق، يفهم ذلك من شعارات هذه الإنتفاضات العارمة حينما زحفت جموع الجماهير الهادرة وهي تهتف مطالبة بالحرية والمساواة والعدالة الإجتماعية، فسقطت أنظمة جاثمة وعاتية، بكل ترساناتها الأمنية والمخابراتية والعسكرية، تهاوى نظام زين العابدين، وتصدع وإنهار نظام حسني مبارك، وانتهى نظام القذافي الموصوف بالجماهيري، وتوارى نظام علي صالح في اليمن، وتزعزع نظام الأسد في سوريا.. لم تكن هذه الإنتفاضات مخطط لها، رغم أنها بحكم تغول الأنظمة الشمولية فإن حدوثها كان مسألة وقت، ولكن غير المتوقع هو توقيت حدوثها المتزامن، والزخم الذي جاءت به، وسقوط الأنظمة المتوالي كأحجار الدومينو، وحيث إستفاد الثائرون أيضا من وسائل الإتصال التي أتاحتها ثورة التكنولوجيا، وليدوي ايضا صدى هذه الإنهيارات الهائلة حتى هزت أنظمة دول أخرى، أضطرت إلى إحداث إصلاحات إقتصادية أو ديمقراطية عاجلة حتى تتفادى إنتقال تيار التغيير الجارف إليها.. "وقد قامت الديمقراطية -كمبدأ- لمحاربة الحكم المطلق وإستئثار الحكام بالسلطة من دون غالبية المواطنين ومنع الإعتداء على حقوق وحريات الأفراد؛ ولهذا فإن الديمقراطية -كمذهب أو نظام للحكم-ترمي إلى كفالة الحقوق الفردية وحماية ممارسة الأفراد لمختلف الحريات، وعلى الأخص الحرية السياسية.(1) "إن مضمون الحرية كان معروفا لدى الأفراد في المجتمعات القديمة، فقد عالج إفلاطون في مؤلفاته العلاقة بين الدولة والفرد، وأبدى إحتراما كبيرا لشخصية الفرد في كتابه (القوانين) إلا أنه قصر ذلك الإحترام على الأحرار دون العبيد، أما أرسطو فيختلف رأيه عن معلمه إفلاطون بالنسبة لعلاقة الأفراد بالدولة، فالدولة في رأيه هي التي تمكن الفرد من تحقيق غاياته، وذلك عن طريق القوانين التي تصدرها لتنظيم حياة الأفراد، والتي يجب أن تتوخى فيها العدالة وأساس العدالة هي المساواة."(2) ويعد مبدأ المساواة على علاقة وطيدة ومباشرة مع الحريات العامة، فهو مبدأ دستوري وأساسي تستند إليه كافة الحريات العامة، وإعتبره الكثير من فقهاء القانون أنه ' المفتاح الرئيسي للوصول إلى الديمقراطية الحقيقية وكفالة الحرية منذ القدم، إذ أن المجتمع الذي تنعدم فيه المساواة وتسوده روح التمييز والتفريق يصل الأمر به في النهاية إلى الإنكار التام للحرية.(3)" ومن ثم لا مفر من إعتبار المساواة مرتبطة بالحرية، لأن المساواة إنما تعني قبل شي تنظيم الفرص organization of opportunities، ثم تعني بعد ذلك أن فرص الفرد لا يجوز أن يضحى بها في سبيل فرص فرد آخر، إلا من أجل الصالح المشترك".(4) وقد قسم الدكتور ' ثروت بدوي " الحريات العامة الى قسمين رئيسين من الحقوق؛ الحقوق الفردية التنظيمية والحقوق الإجتماعية، وتتضمن الحقوق الفردية التنظيمية: الحقوق الشخصية/ وتنقسم إلى حرية التنقل، حق الأمن، حرمة المسكن. الحريات الفكرية/ حرية العقيدة والأديان، وحرية التعليم والصحافة، وحرية المسرح والإذاعة وحرية الرأي.حرية التجمع/ حرية تكوين النقابات والجمعيات، وحرية الاجتماع .الحريات الإقتصادية/ حق الملكية وحرية التجارة والصناعة. والحقوق الإجتماعية وتتضمن: حق العمل وكل ماينتج من حقوق وحريات وضمانات. (5) .... فإلى أي مدى تحققت الحرية التي كانت الهدف الأول لحدوث هذه الإنتفاضات؟ أم أن الطريق مازال معقدا وشائكا؟ ماهي الحريات المتحصل عليها بعد الضريبة الباهضة التي قدمتها هذه الشعوب خاصة تلك التي تحولت الإنتفاضة فيها إلى صراع مسلح خلف آلاف الضحايا والمهجرين ?، والأمر متعلق في دراستي هذه بالحالة الليبية لذلك فإنني إرتأيت تقسيمها على النحو التالي:

اولا: الحريات في ظل أيديولوجيا " النظام الجماهيري".

ثانيا: الحريات التي تحققت بعد إنتفاضة فبراير 2011 .

ثالثا: مصير الحريات بين الإنقسام السياسي وهيمنة الإسلام السياسي وسطوة المليشيات.

أولا: الحريات في ظل أيديولوجيا "النظام الجماهيري"

جاء النظام السياسي الموصوف والمعرف ب" النظام الجماهيري" بزخم من الشعارات التي تمثل حزمة من الحقوق والحريات، هذا النظام الذي قام وتأسس على أنقاض النظام الملكي والذي تمت الإطاحة به في سبتمبر من عام 1969، وفق تغيير جذري للوضع الذي كان قائما، بدءا من التحول الى الجمهورية ثم " الجماهيرية" أو "النظام الجماهيري" في شكل للحكم لا ينتمي لأي من تصنيفات الأنظمة السياسية المعاصرة، هذا التغيير الذي يراه 'المؤيدون' له ثورة حقيقية بكل ما يحمله مفهوم الثورة من مضامين أزاحت نظاما ملكيا متكلسا وغير ديمقراطي قام بحظر الأحزاب وقمع الحريات. " وحيث كان يسيطر في هذا النظام الملكي نخبة من شيوخ القبائل والأعيان الحضريين بين ذوي الذهنية الأبوية، وهذه النخبة هي التي صاغت الدستور، وسيطرت على الدولة وإستغل أفرادها مواقعهم في إدارة الدولة بحثا عن الثراء لأنفسهم ولإفادة أتباعهم وجهاتهم"(6) وأيضا وصم هذا النظام بأنه كان رهينا للقوى الإمبريالية، "فعند تسلم السنوسي الحكم عمل على توقيع معاهدات مع دول أجنبية ومنها بريطانيا، حصلت الأخيرة بموجبها على نفوذ وسيطرة واسعة على بعض المناطق الليبية مما أدى الى عدم رضاء الشعب الليبي على هذة المعاهدات التي أعتبرها إعادة للسيطرة الأجنبية التي ناضل طويلاً للتخلص منها وفي يناير 1964اجتاحت المظاهرات ليبيا احتجاجا على سياسة الملك الذي اعلن تنحيه عن الحكم الا انه تراجع عن قراره فيما بعد واستمرت حالة المناوشات والمظاهرات المتكررة حتى قيام 'الثورة' والتي غيرت اسم ليبيا إلى (الجمهورية العربية الليبية)".(7) بينما يرى'المعارضون' للتغيير الذي حدث في سبتمبر عام 1969أنه كان "إنقلابا عسكريا" مكتمل الأركان لا يمت إلى الثورة الحقيقية بأي صلة، "إنقلاب" أطاح بنظام ملكي دستوري مستقر كان يتجه قدما نحو الإصلاح، في ظل بنية إقتصادية جيدة عززتها مداخيل الثروة النفطية الهائلة، لينخرط النظام الملكي في سياسات عامة " اجتماعية" إستهدفت التعليم والصحة والضمان الإجتماعي، حتى جاء هذا "الإنقلاب" ليطيح بمشروع الإصلاح والذي كان يتولاه الملك بذاته، ويذهب بالبلاد في ظل نظام شمولي فوضوي جمد ليبيا ما يربو عن الأربعين عاما ونيف. جاء النظام الجديد الذي كان مازال يتشكل والذي يمتليء خطابه بمفرادات الحرية والتحرر يتضح ذلك من "البيان الأول("8) له في سبتمبر عام 1969 ..مثلا/ " أيها الشعب العظيم تنفيذا لإرادتك الحرة وتحقيقا لأمانيك الغالية، واستجابة صادقة لندائك المتكرر الذي يطالب بالتغيير والتطهير، ويحث على العمل والمبادرة، ويحرض على الثورة: ..الخ وأيضا.. "وهكذا منذ ألآن تعتبر ليبيا جمهورية حرة ذات سيادة تحت اسم(الجمهورية العربية الليبية)، صاعدة، بعون الله إلى العمل إلى العلا، سائرة في طريق الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية . كافلة لأبنائها حق المساواة، فاتحة أمامهم أبواب العمل الشريف، لا مهضوم ولا مغبون ولا مظلوم ولا سيد ولا مسود، بل إخوة أحرار في ظل مجتمع ترفرف عليه - إن شاء الله- راية الرخاء والمساواة" ..الخ. وفي العاميين التاليين أصدر " مجلس قيادة الثورة" لضبط الأوضاع ولجم المعارضين للتغيير وتقنين معاقبتهم ومطاردتهم، مثل القانون رقم (45) لسنة1972، والذي يحرم الإضرابات والإعتصامات والمظاهرات، وقانون رقم(71) لسنة 1972، والذي إعتبرت أحد مواده ممارسة الحزبية خيانة في حق الوطن، حتى جاء خطاب " النقاط الخمس" في عام1973 بمدينة زوارة والذي هو في جوهره تفكيك للدولة التي كانت قائمة سياسيا وقانونيا وإداريا وتتمثل هذه النقاط في:

1 - تعطيل كافة القوانين المعمول بها.

2 - القضاء على الحزبيين وأعداء الثورة

3 - إعلان الثورة الثقافية.

4 - إعلان الثورة الإدارية والقضاء على البيروقراطية.

5 - إعلان الثورة الشعبية.

وبعد اختلاف المقاصد والرؤى بين "الضباط الوحدويون الأحرار" فيما يتعلق بمايلي إسقاط النظام الملكي، وانفراد العقيد القذافي بالسلطة الأمر الذي ترتب عنه محاولات إنقلابات متوالية، تم على إثرها تصفية بعض العناصر مع فرار بعض العناصر الآخرين، وبعد ذلك يكتفي القذافي ببعض من الضباط الذين يكنون له الولاء ... من أجل إزاحة المعارضين بكل حسم وعنف، حتى جاء عام 1977 حيث "إعلان قيام سلطة الشعب" ترجمة للكتاب الأخضر الذي ألفه معمر القذافي، وهو بمثابة دستور غير معلن، والذي قمعت وفق طروحاته الحريات المتعارف عليها عالميا مع صياغة حريات وفق إيديولوجيا "النظام الجماهيري" النابعة من "الكتاب الأخضر" ..وتبعا للنظام الجماهيري يصبح اسم ليبيا هو: الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية..وتم إضافة صفة العظمى لاحقا بعد الغارة الجوية الأمريكية على ليبيا في أبريل 1986 والتي كانت تستهدف خصيصا إغتيال العقيد القذافي...هذه "الجماهيرية" والتي كما يرى الدكتور 'علي عبداللطيف' "على الرغم من أنها دولة تسلطيةAuthoritarian وشعبويةpopulist وريعيةRentier إلا أنها كانت تقدم حلولا لأبرز المشاكل السياسية البنيوية في ليبيا الحديثة، والمتمثلة في الموروث الأليم للدولة الإستعمارية(1911-1943)، وضعف الدولة الإتحادية خلال فترة الملكية السنوسية(1951-1969)" .(9) ويقوم مفهوم الحريات والحقوق حسب" النظام الجماهيري " على مبدأ أن السلطة للشعب وهي الأطروحة الأساسية في الكتاب الأخضر، هذه السلطة التي يمارسها الشعب دوريا خلال أنعقاد مؤتمرات الشعبية لكي يقرر سياساته العامة، وبما أن الشعب هو الحاكم، بالتالي ترتب على هذه المرجعية الأتي:

1- إن الحزبية مرفوضة وتجرم لأنها تعني إنفصال مجموعة من الشعب عنه لتمثل وتعبر عن مصالحها، لذلك يقول الكتاب الأخضر " (الحزبية إجهاض للديمقراطية) و (من تحزب خان)"(10)، "حيث كانت ليبيا تصنف من أبرز دول العالم التي تمنع إقامة أحزاب سياسية، وفقا للوثيقة الصادرة عن ' مؤتمر الشعب العام ' الهيئة التشريعية في ليبيا سابقا: الأحزاب السياسية ممنوعة ويعتبر كل من يمارس الحياة الحزبية خائن وعميل ويقف أمام نهضة وتطور البلاد" .(11)

2- وتبعا لذلك فإن التمثيل النيابي " الليبرالي" يتناقض مع حكم الشعب، وفي ذلك يقول الكتاب الأخضر: " أما إذا إنبثق المجلس النيابي عن حزب نتيجة فوزه في الإنتخابات، فهو في هذه الحالة مجلس الحزب وليس مجلس الشعب " وأيضا " المجلس النيابي يقوم أساسا نيابة عن الشعب، وهذا الأساس ذاته غير ديمقراطي؛ لأن الديمقراطية تعني سلطة الشعب لا سلطة نائبة عنه..ومجرد وجود مجلس نيابي معناه غياب الشعب"12. لذلك فإن خطاب هذا النظام ظل رافضا للديمقراطية بمفهومها الليبرالي التعددي، بحجة أنها ديمقراطية زائفة وغير حقيقية.

3- ويترتب على ذلك أيضا أن المجتمع المدني المتمثل في الاتحادات والجمعيات والروابط المهنية هو جزء من الشعب ويجب أن يكون منضويا تحت مظلة سلطة الشعب ويجب أن يعبر عن همومه وقضاياه في دورات إنعقاد المؤتمرات الشعبية، فالمجتمع المدني بصيغته العالمية المتعارف عليها غير معترف به في " النظام الجماهيري"، لأنه أي المجتمع المدني إذا تكون مستقلا تبعا للنظام الليبرالي؛ فهو إذن خارج الشعب الذي هو الحاكم وصاحب السلطة، هذا المجتمع المدني الذي يتحرك بين المجتمع والسلطة، وبناء على ذلك فإن الخارج على سلطة الشعب هو خارج على الدولة ويجب محاربته.

4 - وأيضا ينطبق الأمر على الإعلام فيجب أن يكون نابعا من النظام الشعبي وسلطة الشعب والذي يعبر عن نفسه في المؤتمرات الشعبية. يقول الكتاب الأخضر: إن الصحافة الديمقراطية هي التي تصدرها لجنة شعبية مكونة من كل فئات المجتمع..في هذه الحالة فقط ولا أخرى سواها تكون الصحافة أو وسيلة الإعلام معبرة عن المجتمع ككل، وحاملة لوجهة نظر فئاته العامة".(13) ولقد ورد في الفقرة الثانية من "الوثيقة الخضراء" الصادرة في عام 1988 أن الصحافة إذا تجاوزت المحافظة على المصلحة العامة والمتعلقة بالمجتمع أو حاولت الإفساد فإنها سوف تجد من يصدها .(14) وأيضا "قانون تعزيز الحرية" الصادر في عام 1991 جعل من حرية الصحافة حقا للأفراد على أن يكون الرأي أو الفكر منسجما مع توجهات المجتمع وتطلعاته والمحافظة على الإنجاز الإنساني المتمثل في (سلطة الشعب).(15) لذلك تم تأسيس المؤسسة العامة للصحافة والتي تقع تحت إدارتها أربع صحف هي: الجماهيرية والشمس والفجر الجديد والزحف الأخضر الناطقة بشأن حركة اللجان الثورية، وهذه الصحف مكلفة بالترويج لفكر القائد المتمثل في الكتاب الأخضر، كذلك هناك قنوات تلفزيونية رسمية وهي: قناة الجماهيرية - قناة الليبية-قناة البديل-قناة ليبيا الرياضية- قناة ليبيا الهداية- قناة التواصل.

وقد تأسست في نهاية سبعينيات القرن الماضي حركة "اللجان الثورية" المكلفة بحماية سلطة الشعب، هدفها المعلن ترشيد ممارسة السلطة الشعبية ومنع الانحراف عنها، لذلك تم تمكين عناصرها في كل مؤسسات الدولة، وكلفت بمواجهة المعارضين للنظام الجماهيري في الداخل والخارج . "يقول القذافي في خطاب لرابطة الأدباء والكتاب في ليبيا في عام 1988 :" إن الجماهيرية هي البؤرة التي ترتكز فيها تطلعات الفوضوية والشيوعية والمدينة الفاضلة, إن الجماهيرية هي خلاصة وثمرة الجهود التاريخية الإنسانية لتطلعات الفوضويين والشيوعيين , إنها النعيم المفقود والفردوس الأرضي". ثم يضيف قائلا " أنا تعديت الشيوعية والفوضوية الباكونية (نسبة إلى باكونين) أنا عملت شيئا منظما ابعد منها".(16)

ثانيا: الحريات التي تحققت بعد إنتفاضة فبراير 2011

سقط النظام السابق الموصوف والمعرف بالجماهيري عبر انتفاضة 17 فبراير 2011 وبمساندة المجتمع الدولي بمنظماته بدءا من منظمة الأمم المتحدة والتي تحركت معها أيضا المنظمات الإقليمية كالجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي، من أجل مساعدة المنتفضين لإنهاء نظام القذافي الذي أبدى شراسة في المواجهة مع "الثوار" وحلف الناتو الذي تؤازره قرارات منظمة الأمم المتحدة...حتى جاءت لحظة السقوط النهائي بموت قائد هذا النظام " معمر القذافي" .. وكانت الحرية أبرز شعارات هذه الانتفاضة، حيث ورغم شعور المؤمنين بضرورة قيام الثورة على النظام السابق بالغبن الإقتصادي وعدم تمتع الليبيين بثروات بلدهم كما يجب وكما هو الحال في بعض الدول النفطية الغنية كدول الخليج العربي، إلا أن التعطش كان لنيل الحقوق والحريات أكثر منه للحاجات الإقتصادية وتحسين مستوى المعيشة.. ليتلمس الليبيين أول خطوات تحقيق الحريات بصيغتها الليبرالية وذلك عبر الخطوات والمراحل التالية :

1- أصدر المجلس الوطني الإنتقالي الإعلان الدستوري المؤقت(17) لتقنين وتنظيم 'المرحلة الإنتقالية' قبل إقرار الدستور .... وقد تم تخصيص الباب الثاني من الإعلان الدستوري لتقنين الحريات والحقوق، وقد تم عنونته ب: "الحقوق والحريات" وضم عشرة(10) مواد، وتنص المادة (7) على: " تصون الدولة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتلتزم بالإنضمام للإعلانات والمواثيق الدولية والإقليمية التي تحمي هذه الحقوق والحريات، وتعمل على إصدار مواثيق جديدة تلزم الإنسان كخليفة الله في الأرض.اما المادة(8) فقد نصت على:" تضمن الدولة تكافؤ الفرص، والعمل على توفير المستوى المعيشي اللائق وحق العمل والتعليم والرعاية الصحية والضمان الإجتماعي لكل مواطن، كما تكفل حق الملكية الفردية والخاصة، وتضمن الدولة وعدالة توزيع الثروة الوطنية بين المواطنين وبين مختلف مناطق الدولة" . وأيضا تنص المادة(14) على مايلي: تضمن الدولة حرية الرأي وحرية التعبير الفردي والجماعي، وحرية البحث العلمي، وحرية الإتصال، وحرية الصحافة ووسائل الإعلام والطباعة والنشر، وحرية التنقل وحرية التجمع والتظاهر والإعتصام السلمي، وبما لا يتعارض مع القانون. أما المادة (15) فإنها نصت على: تكفل الدولة حرية تكوين الأحزاب السياسية والجمعيات وسائر منظمات المجتمع المدني، ولايجوز إنشاء جمعيات سرية أو مسلحة أو مخالفة النظام العام أو الآداب العامة، وغيرها مما يضر بالدولة ووحدة التراب الوطني. وفي المادة(30)من الوثيقة تم تحديد مراحل عملية صياغة دستور دائم للبلاد، أولها إنتخاب " المؤتمر الوطني العام" الذي بدوره عليه أن ينظم إنتخاب الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، مع مهل زمنية لكل إجراء حتى أن الدستور كان ينبغي أن يتم بحلول ديسمبر 2013 في أقصى تقدير ." وأيضا وبعد إنتفاضة فبراير 2011 أصدر المجلس الوطني الإنتقالي المؤقت باعتباره السلطة التشريعية في الدولة القانون رقم (2) لسنة 2012; بشأن إلغاء تجريم الحزبية، وقد نصت المادة الأولى من القانون على مايلي: يلغى القانون رقم(7) لسنة 1972 بشأن تجريم الحزبية لتعارضه مع أهداف ثورة17 فبراير، وبتاريخ 2-5-2012 أصدر المجلس الوطني الإنتقالي القانون رقم(29) لسنة2012بشأن تأسيس الأحزاب السياسية، وقد نصت المادة الثالثة من القانون على : من حق المواطنين الليبيين تأسيس الأحزاب السياسية والإنتساب إليها وفقا لأحكام هذا القانون، ولايجوز للمواطن أن يكون عضوا في أكثر من حزب واحد في الوقت ذاته".(18)

2- وبناءا على هذه الأسس الدستورية والتشريعية بدأ الليبيون بممارستهم السياسية بتكوين الأحزاب للإنخراط في العملية السياسية، وبلغ عدد الأحزاب الناشئة عشرون حزبا أو يزيد، وأبرزها حزب تحالف القوى الوطنية بقيادة "محمود جبريل"، وكذلك حزب العدالة والبناء الممثل للإخوان المسلمين والجبهة الوطنية للإنقاذ، ليتم بعد ذلك إنتخاب اول برلمان بعد الثورة وهو "المؤتمر الوطني العام" وذلك وفق إنتخابات شفافة...رغم ان هذه التجربة لم تكتمل نظرا للصراعات التي تأججت تحت قبة هذا البرلمان، " فبخلاف ماحصل في بلدان الربيع العربي الأخرى، جاءت نتيجة التصويت على القوائم الحزبية لمصلحة التيار الموصوف بالليبرالي بزعامة 'محمود جبريل'' بواقع 39مقعدا، وجاءت نتائج الجبهة الوطنية للإنقاذ بزعامة "محمد المقريف" دون التوقعات، حيث لم يحصل إلا على ثلاثة مقاعد فقط، لكنها نجحت فى الحصول على رئاسة المؤتمر الوطني العام، وكذلك على رئاسة الحكومة بعد تحالفها مع حزب العدالة والبناء الممثل لجماعة الإخوان المسلمين الليبية، والذي حصل بدوره على 17 مقعدا وحصل أيضا تياران إسلاميان على ممثلان في حزب الأمة والحزب الوطن على مقعدين لكل منهما، كما حصل حزب الإتحاد من أجل الوطن بزعامة السويحلي المنتمي إلى مدينة مصراتة على مقعدين، وتنوعت بقية المقاعد على عدة أحزاب صغيرة بمقعد لكل منها".(19) .غير أنه عندما بدأت العملية السياسية بقيادة "المؤتمر الوطني العام" ظلت تتقاذفه الاستقطابات والتجاذبات السياسية فظهرت التكتلات داخل المؤتمر وخاصة تكتلات الاسلامويين في مواجهة الحزب العلماني حزب تحالف القوى الوطنية المتحصل على أكبر نسبة من المقاعد، وتم تمرير قانون 'العزل السياسي'، والذي يشبه قانون إجتثاث حزب البعث في العراق، هذا القانون الذي يمنع الذين عملوا مع النظام السابق من تولي مناصب في الدولة الجديدة، وبالطبع فإن هذا القانون يشمل أيضا حتى "محمود جبريل" نفسه، وهو القانون الذي تم الدفع إلى إقراره عنوة وبضغط من المليشيات المرتبطة بالتكتلات الإسلاموية والجهوية في البرلمان.

3- إندفعت فئات من الشعب الليبي بشكل محموم نحو تأسيس جمعيات المجتمع المدني . " فقد أبصرت النور مئات من منظمات المجتمع المدني في جميع قطاعات الحياة في ليبيا تقريبا، وقد أدت هذه الشبكة من منظمات المجتمع المدني دورا حاسما في دفع عجلة بناء السلام وتوحيد ليبيا، ويتراوح عدد منظمات المجتمع اليوم بين 1800و 1900منظمة وجمعية منتشرة في كل ربوع ليبيا.(20).

4 - وتم إنتخاب مجلس النواب الليبي ليبدأ عمله في 4 أغسطس 2014 خلفا للمؤتمر الوطني العام "وهو نتيجة مقترحات تقدمت بها لجنة قانونية عرفت بإسم (لجنة فبراير) وإلى المؤتمر الوطني العام الذي إنتهت ولايته الدستورية من دون تحقيق النتائج التي يفترض به تحقيقها، حيث تركزت نتائج اللجنة على هدفين أساسين للمرحلة الإنتقالية الثالثة وهي: إنتخاب مجلس نواب بطريقة الإقتراع المباشر من الشعب، إنتخاب رئيس للدولة بطريقة الإقتراع المباشر من الشعب، إلا أن المؤتمر الوطني العام وافق على الفقرة الأولى من مقترح اللجنة ورفض الفقرة الأخرى.(21)

5 - قبل إنتهاء ولاية المؤتمر الوطني العام قام هذا المؤتمر أو البرلمان بالإشراف على عملية إنتخاب الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور أو ما يعرف بلجنة الستين كان ذلك في 20 فبراير2014 هذا الدور الذي تحدد للمؤتمر الوطني العام في الإعلان الدستوري المؤقت، وكان يفترض أن تنتهي هذه الهيئة المنتخبة من أشغالها في إعداد مشروع الدستور في عام 2013، لكن نظرا لحالة التشظي السياسي وأوضاع البلاد فإنها انتهت من وضع مسودة الدستور المقترح في عام 2017. ليقر مجلس النواب في عام 2018قانونا للإستقتاء على مشروع الدستور؛وقد كرس مشروع الدستور(22) الباب الثاني منه المعنون ب " الحقوق والحريات" (ويتضمن 36 مادة) لتنظيم وتقنين شتى أنواع الحريات والحقوق المتعارف عليها في دساتير الدول المتقدمة، من أجل تعزيزها وتحصينها من التجاوز والانتهاك. ونذكر من هذه المواد أبرزها وأهمها على النحو التالي: نصت المادة(41) المتعلقة بالمجتمع المدني على الآتي :تضمن الدولة حرية تكوين منظمات المجتمع المدني والإنتساب إليها وفق المعايير اللازمة للتوازن بين مطالب إستقلالها، ولوازم الشفافية، ولايجوز وقفها عن عملها، إلا؛بأمر قضائي، ولا حلها إلا؛بحكم قضائي. أما المادة(42) المتعلقة بحق المشاركة، فقد نصت على مايلي: تضمن الدولة للمواطنين ومنظمات المجتمع المدني في مجال نشاطها حق المشاركة الديمقراطية؛ بتقديم إلتماسات، أو مقترحات تشريعية؛ وفق ماينظمه القانون. أما المادة(43) المتعلقة بحق الإجتماع والتجمع والتظاهر فقد نصت على مايلي: تضمن الدولة حق الإجتماع والتجمع والتظاهر سلميا، وتتخذ التدابير اللازمة؛ لحماية الممتلكات والأشخاص، ولا تستخدم القوة ؛ إلا في حالة الضرورة، وفي حدها الأدنى. أما المادة (49) المتعلقة بدعم حقوق المرأة، فقد جاءت كما يلي: تلتزم الدولة دعم ورعاية المرأة، وسن القوانين التي تكفل حمايتها، ورفع مكانتها في المجتمع، والقضاء على الثقافة السلبية، والعادات الإجتماعية التي تنتقص من كرامتها، وحظر التمييز ضدها، وضمان حقها في التمثيل في الإنتخابات العامة، وإتاحة الفرص أمامها في المجالات كافة، وتتخذ التدابير اللازمة، لعدم المساس بحقوقها المكتسبة ودعمها.

6 - وأيضا إنطلق الإعلام ما بعد عام 2011 بقوة بعد أن حطم القيود التي كان مكبلا بها في ظل الحكم الشمولي، لكنها أيضا كانت انطلاقة بلا ضوابط أو كوابح فأنتجت مشهدا إعلاميا صاخبا ومرتبكا، ويمكن تصنيف مجتمع مابعد الإعلام الليبي في حقبة مابعد القذافي إلى ثلاثة مجموعات مختلفة لتشمل: (23)

الأولى/ موظفي جهاز الإعلام الرسمي السابق، ويعمل عدد قليل من هؤلاء الإعلاميين في المؤسسات الإعلامية بعد الثورة، وبعضهم عادوا إلى الخارج، وإتخذوا منابر إعلامية مضادة أولها أجندة مختلفة.

الثانية/ مايسمى بإعلام الثورة – أو إعلام خط المواجهة- من صحافيين مواطنين وثقوا عمليات الثورة وعلى الأرض. وتضم هذه المجموعة عموما أطباء ومهندسين وعامليين أخرين.

الثالثة/ تتألف من معارضين من عهد القذافي، وهؤلاء لايمتلكون خبرة سابقة لتحرير الصحافي، ومعظمهم من الكتاب والشخصيات الثقافية، ويدور رحى الصراع بين هذه المجموعات من أجل السيطرة على قطاع الإعلام.

ثالثا: مصير الحريات بين الإنقسام السياسي وهيمنة الإسلام السياسي وسطوة المليشيات

قدمت المرأة الليبية تضحيات جسيمة، حيث ساهمت بعض الرموز النسائية في دعم التغيير كالمحامية والحقوقية المعروفة سلوى أبوقعيقيص، والتي تم إغتيالها بدم بارد، وقد أشارت أصابع الاتهام إلى عناصر ذات توجه اسلاموي بضلوعهم في حادثة القتل، وأيضا العديد من حوادث الخطف والقتل والإعتقال التي طالت بعض الناشطات والصحفيات، المرأة الليبية والتي رغم مكتساباتها التشريعية، حيث منحتها الكثير من التشريعات والقوانين العديد من والحريات والحقوق إسوة بالرجل، ورغم ماحققته في سبيل تأسيس ذاتها إلا أنها ظلت محدودة الحركة وسط مجتمع ذكوري وقبلي تقليدي محافظ مثقل بالعادات والتقاليد...لتصبح المرأة بين مطرقة البيئة الإجتماعية المحافظة وسندان التيارات الإسلامية المتشددة في نظرتها لدور المرأة، خاصة وأن هذه التيارات صار لها أصوات سياسية وأذرع مليشاوية مسلحة بأدواتها القمعية، وأيضا تظل الحريات المكتسبة بعد التغيير تتخبط وسط حالة متفاقمة من التشظي المجتمعي والسياسي والتجاذبات والاستقطبات السياسية الحادة، وإنتشار السلاح فعلى سبيل المثال / في الوقت الذي أقر فيه مجلس النواب في الشرق الليبي قانون " العفو العام" وذلك ردا على قانون " العزل السياسي" الذي أقره البرلمان السابق له " المؤتمر الوطني العام"، حيث ترتب على إقرار مجلس النواب لقانون العفو العام عودة بعض الشخصيات التي كانت محسوبة على النظام السابق لأرض الوطن، وخاصة في المنطقة الشرقية، فإن قانون العزل السياسي مازال نافذا في المنطقة الغربية من ليبيا، وأيضا /فإن تغول المليشيات يحول دون ممارسة الحريات، خاصة المليشيات المتحكمة والمسيطرة على طرابلس، والتي شهدت العديد من حوادث الإبتزاز الخطف والإعتقال التعسفي حتى للشخصيات السياسية البارزة مثل حادثة خطف الأبرز والتي كان ضحيتها " على زيدان" رئيس الحكومة السابق ...أيضا/ فإن 'السلطة القضائية' والتي كانت توصف بأنها ظلت متماسكة رغم كل التجاذبات، إلا أنها اتهمت بأنها رضخت لضغط وهيمنة المليشيات خاصة في العاصمة طرابلس في أكثر من مناسبة ولعل حادثة طعن الدائرة الدستورية للمحكمة العليا في شرعية مجلس النواب أشهرها، "حيث قضت الدائرة الدستورية بالمحكمة

العليا في ليبيا، ومقرها العاصمة طرابلس بعدم دستورية مقترحات "لجنة فبراير" وكل ما ترتب عنها، ما يعني ضمنيا حل مجلس النواب المنتخب.

ونص قرار المحكمة الدستورية على "عدم دستورية الفقرة 11 من المادة 30 من الإعلان الدستوري المعدلة بموجب التعديل الدستوري السابع الصادر بتاريخ 11 مارس 2014 وكافة الآثار المترتبة عنه"، ما يعني حل مجلس النواب وكل المؤسسات المنبثقة عنه".(24) لترد محكمة في مدينة البيضاء في الشرق الليبي بحكم يطعن في هذا الطعن حيث" قضت محكمة البيضاء الابتدائية الليبية بانعدام حكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، الذي قضى بعدم دستورية تعديل الإعلان الدستوري المؤقت للبلاد والذي انتخب بموجبه مجلس النواب المعترف به من الأسرة الدولية، إضافة إلى انعدام الحكم، ونص قرار محكمة مدينة «البيضاء» الابتدائية الذي صدر في 5فبراير2015، على أن يتم "وقف نفاذ الحكم الصادر عن المحكمة العليا الليبية في الطعن الدستوري رقم 17/61 ق بتاريخ 6 نوفمببر 2014″، كما نص القرار على "انعدام الحكم الصادر عن المحكمة العليا الليبية في الطعن الدستوري رقم 17/61 ق بتاريخ 6 نوفمبر 2014 وإلزام الداعي عليه بالمصاريف".(25) لينتج عن هذا التنازع القانوني صراع مسلح على الأرض بين قوات أطلقت على نفسها قوات " فجر ليبيا " نسبة إلى عملية فجر ليبيا والمنبثقة عن المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته، والذي أعاد إحياء هذا المؤتمر وشكل حكومة الإنقاذ الوطني برئاسة " عمر الحاسي"، في مواجهة قوات " الكرامة" نسبة إلى عملية الكرامة والمنضوية تحت مجلس النواب ومقره مدينتي " طبرق" و " البيضاء " في الشرق الليبي، وبعد صراع خلف الكثير من الضحايا والخسائر المادية المتمثلة في بعض المنشآت الحيوية كمطار طرابلس العالمي، وانهاك الإقتصاد الوطني نتيجة الصراع على المواني والحقوق النفطية، وإستغلال الجماعات المتطرفة للفراغ لتتغلغل في بعض نواحي ليبيا، جاء إتفاق الصخيرات بين الأطراف السياسية المتنازعة لنصل إلى المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق المنبثقة عنه، والذي يتضمن أيضا تمديد عمر مجلس النواب، والذي ظل هو وحكومة الوفاق على طرفي نقيض، حيث رفض تضمينه في الإعلان الدستوري حتى اليوم، ليزيد الصراع تأججا، وتتسع هوة الإنقسام السياسي.

"وقد شهد الإعلام في ليبيا تغييرات جذرية بعد سقوط نظام القذافي، حين إبتعد عن المحتوى الإعلامي والدعم المعنوي الذي كان يقدمه للجماهير، كما إبتعد عن المعايير المهنية والأخلاقية للإعلام الوطني، وأصبح جزءا من الأزمة الأمنية والسياسية والإجتماعية في طول البلاد وعرضها، من خلال تبنيه لخطاب سياسي يوحي بالتحيز وإثارة الفتنة والإنقسام".(26) وكذلك/ تستمر التجاذبات بين الرفض والتأييد، حول مشروع الدستور الذي أعدته الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، حيث تم مؤخرا إقرار قانون الإستقتاء على مشروع الدستور من طرف مجلس النواب، بين من يرى بأنه دستور معيب وبه الكثير من الهنات الشكلية والموضوعية، والتي تفتح الباب على مزيد من النزاعات والأزمات، مثل الدكتور "إبراهيم أبوخزام" أستاذ القانون الدستوري حيث يرى تحديدا بأنه "ولكي يحقق الدستور غاياته، فان الامم المتحضرة، تذهب الي صناعة دساتيرها في ظروف الهدوء والاستقرار، ففي هذه الظروف، يولد التوافق وتتحرر الإرادة ويبلغ الحماس الوطني ذروته ويولد الدستور باعتباره تعبيرا عن التوازنات الطبيعية في المجتمع وانعكاسا للرغبة في العيش المشترك، اما حين يوضع الدستور في ظروف الصراعات المريرة والحروب الأهلية المدمرة، فانه يتحول الي اداة مغالبة ووسيلة ارغام ؛ تفرضهاالجماعات الاقوي ؛ ليس للحفاظ علي توازنات المجتمع ؛ بل تكريس انتصار زائف، وهي بذلك تؤجج الصراع، ويتحول الدستور المفروض، الي ظاهرة ظلم وليس أداة للتوافق" .(27) وبين من رأى أيضا في مشروع الدستور مكسب كبير في إشارة ضمنية إلى عقود من الأستبداد والفوضى، في ظل نظام لاينتمي لأي من تصنيفات الأنظمة السياسية المتعارف عليها. كالنائب "صالح افحيمة" الذي يرى "إن مشروع الدستور الذي بين يدينا يلبي ولو الحد الأدنى من طموحاتنا، وعلينا ألا نضيع الفرصة، لأنها الدرجة الأولى في سلم الصعود نحو بناء الدولة". أما المحامي الليبي "صلاح طاباق" فقد اعتبر مشروع الدستور متوازنا في جميع بنيانه، سواء في توزيعه للسلطات وخلق التوازن بينها، أو من خلال جملة الحقوق التي نص عليها.(28) ومن القضايا الساخنة في صياغة الدستور الليبي والتي ظلت تواجه الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور:(29)

1 – تحديد دور الدين في الدولة (دور الشريعة الإسلامية في النظام القانوني).

2 – ميزان القوى السياسية بين الحكومة المركزية والمسؤولين المحليين (الفدرالية والمركزية).

3 – مسألة الهوية، فقد أكدت الدساتير في مصر وتونس بعد الثورة على هوية الدولة العربية الإسلامية.

4 – حقوق الأقليات، فالغالبية العظمى هم من العرب، ولكن لايزال هناك جالية كبيرة من الأمازيغ تنظر إلى الأمازيغية بإعتبارها لغتهم الأم، بالإضافة إلى عدد صغير من السكان" التبو" التي تتحدث باللهجات المحلية، وسيكون منحهم الحقوق اللغوية مؤشرا هاما على مراعاة حقوق الهوية الإثنية لللأقليات العرقية.

 أيضا مازال المجتمع المدني مكبلا ومغلولا برغم أدواره في كبح جماح النزاعات القبلية المترتبة خاصة، على الانقسام حول النظام السابق بين مؤيدين ومعارضين، وأرى بأنه يمكن أرجاع ذلك للأسباب التالية:

1- حالة التشظي والإنقسام السياسي والتي ترتب عليها الإنفلات الأمني وتغول سطوة المليشيات في ظل تفكك الدولة، الأمر الذي يحول دون أداء المجتمع المدني لأدواره كما يجب .

2- هيمنة الولاءات القبلية والجهوية والتي تتعارض مع قيم ومباديء المجتمع المدني الذي يقوم أساسا على صهر هذه الولاءات الضيقة في بوتقة المواطنة الحقة.

3- إنعدام ثقافة المجتمع المدني الموروثة من النظام السابق، مما يجعل الناس ليسوا مستوعبين لماهية المجتمع المدني والأدوار التي تستطيع مكوناته أدائها.

الخاتمة

ختاما أرى أن ليبيا رغم كل هذا الواقع الراهن المتشابك بين الأجندات المتباينة والتجاذبات والاستقطابات الدولية والإقليمية وكذلك النزاعات المحلية فإن الليبين قد قطعوا أشواطا نحو دولة الحريات والحقوق، بعد أن أنجزوا خطوات دستورية وأهمها الإعلان الدستوري المؤقت، ثم مشروع الدستور الذي ينتظر من الشعب الإستفتاء عليه، وأيضا بعد أن إنتخبوا برلمانين في انتخابات نزيهة وشفافة، وإن لم يكتمل نضوج هذه التجربة الديمقراطية بعد، في إنتظار الإنتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة، والتي يعلق عليها الكثير من الآمال، ولكي تخطو ليبيا نحو ترسيخ أسس الدولة المدنية دولة المؤسسات فإنه يجب كما أرى:

أولا / أن يكون المجتمع الدولي أكثر جدية في التعامل مع القضية الليبية للمساعدة في رأب الصدع بين الأطراف المتنازعة، من أجل تحقيق المصالحة الحقيقية والعميقة والشاملة كأساس موضوعي وصلب لبناء الدولة الجديدة.

ثانيا/ البحث عن آلية صارمة وحاسمة لجمع السلاح وتفكيك المليشيات بأصنافها الجهوية أو الإجرامية المشبوهة أو المتسترة بمسميات حكومية، لتأسيس وتعزيز جيش حقيقي وشرطة وأمن كما هو متعارف عليه عالميا.

ثالثا/ ضبط المشهد الإعلامي بأدواته وقنواته للحد من إنفلاته، ودفعه لتوحيد خطابه في إتجاه مفاهيم المصالحة والوفاق بين كل المكونات والأطياف السياسية رابعا/ ضرورة تجاوب المكونات الإجتماعية والسياسية المختلفة لإستيعاب التعددية السياسية، والتداول السلمي على السلطة، وقيم ومرتكزات الديمقراطية، وتجاوز النزعات الحزبية والجهوية والقبلية الضيقة والمحاصصة، في سبيل التأسيس للدولة المدنية دولة المواطنة والمؤسسات والحقوق والحريات.

خامسا/ السعي قدما نحو تحقيق المصالحة الحقيقية، والعميقة والشاملة ونبذ الخلافات وتخطي العراقيل، وإفساح المجال نحو هيئات وجمعيات المجتمع المدني للقيام بأدوارها لجسر الهوة بين المتنازعين، وإكمال دوره الذي بدأه في تحقيق هذه المصالحة، رغم التضحيات في ظل التشظي السياسي والإنفلات الأمني.

 

د . أبو بكر خليفة أبو بكر

.............................

المراجع والمصادر

بشناق صبحي، الوجيز في النظم السياسية والقانون الدستوري، منشورات كلية الشريعة والقانون، غزة، ط 5 . 2017 .

عبد الوهاب محمد رفعت، مبادئ النظم السياسية، منشورات الحلبي الحقوقية بيروت، لبنان، ط1، 2002 .

سانة رابح، محاضرات في الحريات العامة، معهد الحقوق والعلوم السياسية، المركز الجامعي نور البشير، البيض، الجزائر، السنة الجامعية 2015 /2016 .

زريق برهان، فلسفة الدولة، وزارة الإعلان السورية، ط 1، 2016.

الطعيمات هاني سليمان، حقوق الإنسان وحريته الأساسية، دار الشروق، عمان، ط 1، 2003 .

احميدة علي عبد اللطيف، دولة ما بعد الإستعمار والتحولات الإجتماعية في ليبيا، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، ط1، 2012.

ابراهيم علي، معارضة الشعب الليبي لسياسة الملك وقيام الثورة، موقع الراصد الليبي، نشر في 07/06/2014 .

البيان الأول لثورة الفاتح من سبتمبر 1969

معمر القدافي، الكتاب الأخضر، 1975 .

القطروني حسين يوسف، الوضع السياسي الليبي (2011 / 2016) : معوقات بناء الدولة وإشكالية استقرار النظام، شبكة ضياء للمؤثمرات، نشر 14/11/2016 .

الوتيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان، الصادرة 1988

قانون (20) لعام 1991 بشأن تعزيز الحرية .

دون دكر الكاتب، القذافي.. تناقض غريب: القذافي مجنون عظمة أم زعيم فلتة ؟ نشر في 10/08/2003، صحيفة اليوم www.alyaum.com.

الإعلان الدستوري الليبي المؤقت، الصادر في 2مارس 2011 .

الشيخ محمد عبد الحفيظ، ليبيا بين جماعات العنف والديمقراطية المتعثرة، مركز دراسات الوحدة العربية، مجلة المستقبل العربي بيروت، العدد (432)، فبراير 2015 .

قوي أبو حنية، المجتمع المدني بليبيا وموريتانيا : صراع القبيلة والدولة، الجزء الثالث، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة 2014،

القطروني حسين يوسف، الأداء التشريعي للسلطات الإنتقالية في ليبيا (2011 /2016)، (كتاب دراسات عربية في العلوم السياسية . الجزء الأول) إشراف : سيف النصر عبد السلام بالحسن، منشورات جامعة بنغازي، ط 1، 2017 .

مشروع الدستور الليبي، 2017 .

العيساوي فاطمة، الإعلام الإنتقالي في ليبيا هل تحرر أخيرا ?، نشر في 14 /05/ 2013 مركز كارينغي الشرق الأوسط www. Carnegie mec .org

المحكمة الدستورية تقضي بحل مجلس النواب، نشر في 6/11/2014 موقع قناة روسيا اليوم، https://arabic.rt.com/

خالد صالح، محكمة "البيضاء الليبية تقضي ببطلان حكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، نشر في 06/02/2015 صحيفة اليوم السابع www.youm7.com

أ .د ابراهيم أبو خزام ملاحظات حول مشروع الدستور الليبي نشر في 22/04/، 2016ly@blogspot www.aldalel

تقرير، مشروع الدستور الليبي بين الرفض والتأييد، نشر في 3/08/2017، موقع الجزيرة نت، www.aljazera.net

مارتينيز جيري، كريستوفر تيفيز، الآثار المستقبلية: ليبيا بعد القذافي، : ترجمة : ادريس محمد علي قناوي، مؤسسة RAND، ط1، 2014. 

1) صبحي بشناق، الوجيز في النظم السياسية والقانون الدستوري، منشورات كلية الشريعة والقانون، غزة، ط 5 . 2017، ص 67-68.

(2) محمد رفعت عبد الوهاب، مبادئ النظم السياسية، منشورات الحلبي الحقوقية بيروت، لبنان، ط1، 2002، 247 .

(3) – رابح سانة، محاضرات في الحريات العامة، معهد الحقوق والعلوم السياسية، المركز الجامعي نور البشير، البيض، الجزائر، السنة الجامعية 2015 /2016، ص 11 .

(4) - برهان زريق، فلسفة الدولة، وزارة الإعلان السورية، ط 1، 2016، ص 45 .

(5) هاني سليمان الطعيمات، حقوق الإنسان وحريته الأساسية، دار الشروق، عمان، ط 1، 2003، ص 187 .

(6)علي عبد اللطيف إحميدة، دولة ما بعد الإستعمار والتحولات الإجتماعية في ليبيا، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، ط1، 2012، ص5.

(7) علي ابراهيم، معارضة الشعب الليبي لسياسة الملك وقيام الثورة، موقع الراصد الليبي، نشر في 07/06/2014 .

(8) للمزيد أنظر، البيان الأول لثورة الفاتح من سبتمبر 1969 .

(9)علي عبد اللطيف حميدة، دولة ما بعد الإستعمار والتحولات الإجتماعية في ليبيا، ، مرجع سبق ذكره، ص5 . (10)

(10) للمزيد أنظر، معمر القدافي، الكتاب الأخضر، 1975 .

(11) حسين يوسف القطروني، الوضع السياسي الليبي (2011 / 2016) : معوقات بناء الدولة وإشكالية استقرار النظام، شبكة ضياء للمؤثمرات، نشر 14/11/2016 .

(12) للمزيد أنظر، معمر القدافي الكتاب الأخضر، مرجع سبق ذكره

(13) معمر القدافي، الكتاب الأخضر، مرجع سبق ذكره

(14) للمزيد أنظر، الوتيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان، الصادرة 1988

(15) للمزيد أنظر، قانون (20) لعام 1991 بشأن تعزيز الحرية .

(16 دون دكر الكاتب، القذافي.. تناقض غريب: القذافي مجنون عظمة أم زعيم فلتة ؟ نشر في 10/08/2003، صحيفة اليوم www.alyaum.com.

(17) للمزيد انظر، الإعلان الدستوري الليبي المؤقت، الصادر في 2مارس 2011 .

(18) حسين يوسف القطروني الوضع السياسي الليبي (2011 / 2016) : معوقات بناء الدولة وإشكالية استقرار النظام، مرجع سبق ذكره

(19) محمد عبد الحفيظ الشيخ ليبيا بين جماعات العنف والديمقراطية المتعثرة، مركز دراسات الوحدة العربية، مجلة المستقبل العربي بيروت، العدد (432)، فبراير 2015، ص 125 .

(20) أبو حنية قوي، المجتمع المدني بليبيا وموريتانيا : صراع القبيلة والدولة، الجزء الثالث، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة 2014، ص 6 – 7 .

(21) حسين يوسف القطروني، الأداء التشريعي للسلطات الإنتقالية في ليبيا (2011 /2016)، (كتاب دراسات عربية في العلوم السياسية . الجزء الأول) إشراف : سيف النصر عبد السلام بالحسن، منشورات جامعة بنغازي، ط 1، 2017، ص73 .

(22) للمزيد أنظر، مشروع الدستور الليبي، 2017 .

(23) فاطمة العيساوي، الإعلام الإنتقالي في ليبيا هل تحرر أخيرا ?، نشر في 14 /05/ 2013، موقع مركز كارينغي الشرق الأوسط. 

(24) المحكمة الدستورية تقضي بحل مجلس النواب، نشر في 6/11/2014 موقع قناة روسيا اليوم، https://arabic.rt.com/

(25) خالد صالح، محكمة " البيضاء الليبية تقضي ببطلان حكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، نشر في 06/02/2015 صحيفة اليوم السابع www.youm7.com

(26) حسين يوسف القطروني الوضع السياسي الليبي (2011 /2016) معوقات بناء الدولة وإشكاليات استقرار النظام، مرجع سبق ذكره .

(27) أ .د ابراهيم أبو خزام ملاحظات حول مشروع الدستور الليبي نشر في 22/04/، 2016ly@blogspot www.aldalel

(28) تقرير، مشروع الدستور الليبي بين الرفض والتأييد، نشر في 3/08/2017، موقع الجزيرة نت، www.aljazera.net

(29) جيري مارتينيز، تيفيز كريستوفر، الآثار المستقبلية: ليبيا بعد القذافي، : ترجمة : ادريس محمد علي قناوي، مؤسسة RAND، ط1، 2014، ص 45 /46 .

 

عدنان عويدبروكوست: شخصية اسطورية يونانيّة، كان يعمل قاطعاً للطريق، حيث يقوم  بعد سلب ما لدى ضحيته من أموال، بضعها على سريره الخشبي، فإذا كان طول الضحية أطول من السرير قصقص من قدمي الضحية حتى تتناسب مع طول سريره، وإن كان طولها أقصر قام بمط الضحية حتى تتناسب مع طول السرير أيضاً. فسريره وساطوره في نهاية المطاف هما التعبير العملي عن قيمه وقناعاته تجاه الآخر المختلف.

بالتعبير الفكري والسياسي لهذه الأسطورة، نقول إن هناك من الشخصيات التي تحجر عقلها فكرياً، وراحت تأخذ من أفكارها قيماً معيارية ثابته تطالب الآخرين وبقوة الترهيب أن يقيسوا قيمهم وأفكارهم عليها، وأي خروج عن هذه القيم والأفكار يعتبر بدعة أو انحرافاً عن معاييرهم. وهذه النماذج من الشخصيات نجدها لدى اليسار المتطرف ولدى اليمين المتطرف معاً.

فعند اليسار وصفت هذه الحالة من التطرف بـ (اليسار الطفولي أو اليسار الحرن). ودلالاتها: أن الطفل عندما يريد حاجة من أمه أو أبيه يجب أن تتُحقق له حاجته دون مراعاة لظروف والديه وإمكانياتهما المادية والمعنوية على تحقيقها، أي دون مراعاة لقدرتهما المادية والمعنوية على تأمين هذه الحاجة المطلوبة للطفل.

أما نعت أصحاب  هذه الحالة باليسار الحرن، فهو تشبيه بليغ بسلوكية الحمار وعقله غير القابل على الأخذ والعطاء، وبالتالي مراعاة للظروف التي تحيط به. فالحمار مثلاً قد يحرن في وسط الطريق ويقطع السير دون مراعاة  أو اهتمام بكل ما يحيط به.

ففي كلتا الحالتين، نجد غياب العقل والمنطق هنا في مراعاة الظروف الموضوعية والذاتية وكل القيم الأخلاقية التي تحكم الواقع  وتفرض على الفرد أن يمارس قناعاته، أو يعبر عن قيمه الاجتماعية، من باب (الضرورات تبيح المعذورات).

إن هذا الموقف المتزمت الرافض لرأي وقناعات الآخر، نجده لدى اليمين المتطرف أيضاً الذي يعتبر فهمه للدين والحقيقة معاً هو الفهم المعياري الذي يجب على الآخرين تبنيه والسير على هديه، وكل ما عدا فهمه، أو لا ينطبق عليه، يعتبر كفراً وزندقة وخروجاً عن القيم المعيارية الصحيحة التي فهمها هذا المتطرف اليميني. وبالتالي فهو  يعتبر كل ما يقوم به الآخر المختلف أو يفكر به هو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

وعلى هذا الموقف المتطرف القائم على رفض الاخر في (اليمين واليسار) يأتي الارهاب، ممثلا بسرير بروكوست وساطوره بكل حيويتيهما لقتل وتدمير المختلف.

إن  أصل الإرهاب إذاً، هو عدم الاعتراف بالآخر حتى ولو بالحدود الدنيا التي تفرضها الضرورات كما أشرنا أعلاه. فالعنف سيقابله العنف، وهنا يأتي  العنف وسيلة للتعامل مع الآخر المختلف، أي بين من هم في أقصى اليمين مع من هم في أقصى اليسار بالضرورة.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

 

صادق السامرائيالشخصية البشرية غالبا ما تشير إلى نمط ثابت من الوعي والإدراك والفهم والتفكير والتفاعل تجاه الذات والمحيط يمكن ملاحظته في مواقف اجتماعية وفردية مختلفة.

واستجابة الشخصية بمجملها ثابتة إزاء المواقف التي تمر بها، وأسلوبها مبني على قوالب منغرسة ومتمكنة في الأعماق، ومن الصعب أن تخرج الشخصية منها.

أي أنها تمشي على سكة معينة ذات إتجاه محدد في تفاعلاتها، ولهذا يمكننا أن نتنبأ بالإستجابات السلوكية للشخصية بعد معرفة مواصفاتها التفاعلية مع المحيط والذات.

وعندما تكون الشخصية البشرية طبيعية فأنها تبدو قابلة للمرونة والتكييف والتفاعل الصحيح مع المحيط الذي تتحرك فيه، ومع ذاتها والمتغيرات المتجددة حولها.

والشخصية قد تصاب بإضطرابات تؤدي إلى إضعاف أو إعاقة قدراتها على المرونة والتكيف مع المحيط الذي هي فيه، وتفاعلاتها ذات تأثيرات سلبية عليها وعلى وسطها، وعادة يكون الاضطراب منغرسا في أعماقها ويؤثر تأثيرا قاسيا على أطراف التفاعل.

أي أن الشخصية قد تكون سوية أو مضطربة.

والشخصية السوية هي الغالبة في أي مجتمع بشري، أما الشخصية المضطربة فأنها ذات نسبة معينة قد تتسبب بأضرار إجتماعية تتناسب وموقعها ودورها في المجتمع.

الشخصية بصورة عامة وجود معقد وصيرورتها تتأثر بعوامل متعددة منها وراثية ومنها محيطية، والتفاعل بين الذات والمحيط يحدد أنماط الشخصية ويرسم سلوكياتها وإستجاباتها.

وقد حاول الكثير من العلماء في القرن الماضي التوصل إلى نظرية لتفسير السلوك البشري الناجم عن تفاعل الشخصية مع المحيط لكنهم لم يتمكنوا من الإمساك بمنطوق شامل، وإنما إستطاع كل منهم أن يضيف شيئا قليلا في محاولته لسبر أغوارهما.

والكثير من الإفتراضات التي ظهرت في بداية القرن العشرين لم تتمكن من الصمود أمام المقاييس والمعايير العلمية الحديثة، التي تبحث عن الحقيقة العلمية وليس عن الرؤى والتصورات والتقديرات الخالية من ضوابط البحث العلمي الدقيق.

وقد درس علماء النفس والطب النفسي الشخصية البشرية، وبرعت في ذلك مدارس التحليل النفسي منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين.

وظهرت مدارس ونظريات ومحاولات جادة وعلى مختلف الأصعدة، وجميعها قد أعطت بعضا مما يفيدنا في محاولة الفهم والدراسة. لكن أيا منها لم تتمكن أن تعطي الإجابة الوافية والمطلقة. وفي العقود الأخيرة برعت المدرسة الذهنية وخضعت للعديد من البحوث والدراسات الرصينة، التي تفيد بربط السلوك بالفكرة التي تتمكن من الدماغ وتتسيد عليه.

وأصبح من الواضح أن السلوك له علاقة متينة بما نفكر به ونراه ونعتقده.

وتعددت الدراسات وتعمقت وأظهرت التأثير المعقد ما بين المحيط القائم والحي الذي يتفاعل معه، وأن الظروف المحيطية تحقق تغيرات تؤدي إلى إنتاج بروتينات تؤثر على التفاهم ما بين العصيبات الدماغية وطريقة توليدها للإستجابات السلوكية والمعرفية.

وقد أثبت ذلك الدكتور أرك كانديل وحصل على جائزة نوبل لإكتشافه سرا من أسرار التفاعل ما بين الذات والموضوع، وكيف يحقق كل منهما تأثيراته البيولوجية والسلوكية على الآخر مما عزز دور العلاجات النفسية، وأعطى دورا أكبر للذاكرة في تقدير توجهات السلوك ورسم حدود الشخصية.

وفي كل المحاولات والدراسات العلمية لا زالت هناك صعوبة في فهم الشخصية البشرية وإخضاعها للدراسة العلمية الدقيقة والمحكمة.

وكلما إزددنا معرفة بعلوم الدماغ كلما إستطعنا أن نفهم شيئا جديدا عن الشخصية والسلوك البشري، يضع ما نعرفه على المحك ويدفعنا إلى مراجعة وتمحيص ما نراه ونعتقده.

وفي بداية القرن العشرين تسيّدت مدرسة التحليل النفسي بقيادة فرويد، ومَن إنشق عنها من مدارس في التحليل والرأي في نظرتها للشخصية.

ففرويد مثلا يرى أن ملامح الشخصية هي نتاج الثبات أو التوقف عند مرحلة من مراحل التطور النفسجنسي وأكد على الأنا والأنا العليا والسفلى.

ورايخ يرى أنها ناجمة عن نمط معين من الآليات الدفاعية ( وهي عمليات لا واعية يستخدمها الأنا لحل الصراع القائم) ويتعود على دوام استخدامها. وعندما تكون الشخصية سوية فأن الآليات الدفاعية تكون مرنة وقادرة على التكيف المحيطي والذاتي.

بينما تفقد مرونتها وقدراتها التكيفية في الشخصية المضطربة، مما يتسبب في إعاقات وظيفية متنوعة وعلى جميع المستويات. ومن خلال معرفة الآليات الدفاعية من الممكن فهم الشخصية والسلوك الناجم عن تفاعلاتها وتوقع ما ستقوم به.

وأدلر الذي إختلف مع فرويد وإعتبره قد أعطى قيمة أكثر مما يجب لدور الجنس في الشخصية والسلوك العصابي، يعتقد أن الغضب أو العدوان aggression  أكثر أهمية في تحديد معالم الشخصية والسلوك، كما أنه أكد على عقدة الدونية Inferiority complex في تحديد معايير السلوك والشخصية البشرية، وعلى الدونية العضوية Organ Inferiority .

بينما جوردن أليورت يرى أن كل شخص يمتلك قابليات موروثة لسلوكه ونموه، ويعتقد أن السلوك ناجم عن الفشل في تلقي الحب والحنان الكافي من الأم أثناء الطفولة، مما يحدو بالفرد أن يبحث بإستمرار عن إرضاء هذه الحاجة.

أما أرك بيرن فيرى أن المنبه الصادر من الشخص يولد إستجابة ما عند الشخص الآخر، ويفترض أنها لعبة نفسية سلوكية ما بين المتفاعلين ذات قدرة تعميمية وإنعكاسية ثابتة، ويمضي على مدى الحياة ويرى الأنا على أنها طفل وبالغ وأبوين.

أما يونغ الذي أكد على اللاوعي الجمعي والذي يمكن أن يفسر الشخصية بوضوح أكبر، فنتجاهله تماما. وكذلك سكنر ونظريته في التعلم والتي أثرت كثيرا في معارفنا عن السلوك البشري وتحديد إستجابات الشخصية لما يحيطها.

وهناك العديد من العلماء الآخرين الذين أفنوا أعمارهم لتسليط الضوء على جانب ما من شخصيتنا، ويبدو أننا نهملهم جميعا ونتمسك بنظرية التحليل النفسي التي أصبح معظمها في رفوف الماضي، وما عاد لها الدور الكبير في فهم السلوك ودراسة الشخصية، ونرفض تجاوزها إلى محطات التطور العلمي الجديدة.

السادية والماسوشية من المصطلحات القديمة في أدب التحليل النفسي، وقد كتب عنهما الكثير جدا في النصف الأول من القرن العشرين.

فالسادية هي إضطراب سلوكي يصيب الشخصية ويبدأ في سن مبكرة من العمر، وهو نمط سلوكي عدواني وحشي وقاسي ويمتلك قدرة عالية على إحباط الآخر، والقسوة والعنف فيه من أجل الإيلام وحسب وليس لهدف آخر.

والسادي يمتهن ويهين الآخر أمام الآخرين، ويكون تفاعله مع غيره وخصوصا الأطفال بقسوة بالغة، ويكون ميالا ومغرما بالعنف والسلاح والإضرار والتعذيب، ويكون صاحب رغبة نزقة لإيلام الآخرين بواسطة التعسف الجسمي والنفسي والفكري.

وقد أطلقت كلمة سادي بعد الكاتب ماركوس دي ساد في القرن الثامن عشر، والذي وصف أشخاصا يتلذذون جنسيا وهم يؤذون الآخرين.

ويُعتقد أنها ناجمة عن عقدة الإخصاء، وهؤلاء يحققون اللذة الجنسية فقط بواسطة فعل ما يخافون أن يُفعل بهم من قبل الآخرين.

والماسوشية مشتقة من إسم الروائي الألماني في القرن التاسع عشر ليويولد فون سجر- ماسوش، وتعني تحقيق الإرضاء الجنسي بواسطة إيلام الذات.

ويُعتقد أن الماسوشيي قد فقد قابلية تحقيق رغباته الجنسية إلى ذروتها، أو بلوغ ذروة الإشباع الجنسي بسبب القلق ومشاعر تأنيب الضمير عن الجنس، ويمكنه أن يتخلص منها بواسطة العناء ومعاقبة النفس، وفي الغالب يكون الشخص مصابا بالإضطرابين معا أي ساديماسوشي، هذا وفقا لرؤية مدارس التحليل النفسي التي نقيم عندها.

إن تعميم إضطراب الشخصية على مجموعة بشرية ما، مهما كانت، من الصعب أن يكون طرحا علميا موفقا أو بحثا جادا، وإنما محاولة لتطبيق تعريفات محددة ذات خصوصية معلومة على مجتمع بأسره دون أسباب كافية.

كما أن تفسير ما يجري على أنه سلوك الإيلام اللذيذ للذات والآخر وحسب، قد يجرد الأحداث من أهدافها ويسجنها في الذات الفردية، ويبرئ الذين يشاركون وبقسوة فائقة في تحقيق المشاريع اللامرئية، والتي يتم الوصول إليها وفق برامج وخطط وآليات سلوكية معقدة جدا، وفي غاية الدقة والخداع والتشويش والتضليل والتمويه والخلط المنظم، الذي يحول الضحية إلى جلاد ويستثمر طاقات الهدف من أجل الوصول إلى مبتغاه.

فالعنف الذي يكون مصحوبا بهدف غير اللذة لا يمكن أن يكون ساديا، وإنما هو شيئ آخر وآخر كبير.

ولكي نكون منصفين وموضوعين من الأفضل أن نستند على دراسات وبحوث رصينة ونظريات ذات قيمة تعيننا على فهم أنفسنا.

ولنتساءل ماذا سيحصل لمجموعة بشرية ما في مدينة متحضرة في العالم لو إنقطعت عنها الكهرباء لمدة شهر، وتوقف النقل وشح الماء وعز الطعام والفرصة لتحصيل لقمة العيش، ومنع الأطفال من الذهاب إلى المدرسة خوفا من اللاعودة.

وشاعت البطالة وفقدت الدولة سيطرتها، وتجولت الدبابات والمدرعات في شوارعها، وحلقت المروحيات فوق الرؤوس وضاع الأمان وعم كل ما هو مرعب ومخيف، وأصبحت مدينتهم عبارة عن ثكنة عسكرية أو ساحة لمعارك لا تنتهي.

كيف سيتصرف أبناء أية مدينة على وجه الأرض تحت هذه الظروف، وما هي التأثيرات النفسية الناجمة عن كل ذلك.

سؤال بحاجة لجواب واضح ومستند على دراسات وبحوث ومقارنات.

إن السلوك البشري هو إبن الظروف المحيطة المتفاعلة مع الشخصية على جميع مستوياتها وكياناتها الإجتماعية، ومن العسير تجريد الشخصية من التأثيرات الخارجية والجزم بالحكم عليها من غير موازنة دقيقة وجادة ما بين الذات والموضوع.

والمجتمعات البشرية مثل الماء الجاري، فماذا سيحصل لو حولنا الماء الجاري إلى بركة أو مستنقع.

إن قدرة الشخصية في بلاد الرافدين على التحمل والعيش في الظرف الإستثنائية الخيالية بالنسبة لبشر الدول المتطورة، يؤكد على أنها سوية بمرونتها وقدراتها الإبتكارية على التكيف لظروفها المحيطية القاسية، وهي تعطي الدليل القاطع على أن وصفها بالإنحراف والإضطراب غير صحيح.

ويبدو أن معظم الكتابات التي تتناولها متأثرة بدرجات متباينة بكتابات الدكتور علي الوردي رحمه الله في حقل علم الاجتماع، والذي حاول وفقا لرؤاه أن يفسر السلوك ويطرح منطقا لفهمه، وليس كل ما ذكره يمكن أن يكون قانونا وحجة ومعيارا، وإنما محاولات وإفتراضات تفسيرية نابعة من الملاحظة العلمية الدقيقة والمنهج الذي بنى عليه كتاباته بهذا الخصوص.

أن الموروث الحضاري الغائر في القدم له تأثير على الشخصية، إضافة إلى أن أول الحضارات قد ولدت على أرض الرافدين جعلتها تتصرف كما يتصرف الإبن البكر في العائلة.

ونحن نغيّب الكرسي في سلوكنا وهو صاحب الدور الأكبر في تشكيل مفرداته.

ويمكننا أن نرى الكثير من الدلالات والسلوكيات المتشابهة في حضارات وادي الرافدين.

وحبذا لو إستطعنا القيام بدراسات عن الشخصية في الحضارات الأربعة الأولى التي قامت على أرض الرافدين، لأنها ستغنينا كثيرا وتوسع آفاق تفكيرنا وتدفعنا إلى مجاورة الموضوعية والعلمية أكثر منا على مجاورة الإفتراضات والإستنتاجات الأخرى.

إن ملامح الشخصية في بلاد الرافدين قديمة ومتنوعة بقدر تنوع التأريخ، وما جرى على أرضنا من أحداث وتغيرات قد أثرت على التركيبة الخاصة للشخصية، وأملت عليها سلوكيات تحقق لها القدرة على البقاء والتواصل والإبداع والصيرورة برغم الصعوبات القاهرة.

كما أن للنهرين دور كبير في تشكيلها وكذلك النخلة، والآثار ساهمت في بناء معالم شخصيتنا وسلوكياتنا المتميزة.

ودور الأشهاد الأخرى ومعالم الثقافة والثورات الحضارية على مختلف مستوياتها وإقامة رموزها في العراق.

وكذلك تواجد قبورهم وإنتشار الأضرحة ومعالم الإسلام المتنوعة الأخرى، كلها طبعت الشخصية بسماتها وبدرجات متفاوتة.

البيئة والأحداث والجينات الموروثة والتأريخ والحروب وأنظمة الحكم جميعها لها دور في تشكيل الشخصية، وهناك عوامل أخرى عديدة قد ساهمت في تحديد ملامح شخصيتنا السوية.

ولا يتفق مع ما سبق ما نقرأه عن الشخصية من الإمعان بنعتها بالأوصاف والمسميات السلبية العديدة. وأن يكون كل ما يتعلق بها عبارة عن موجودات متناثرة بلا كيان ولا ترتبط ببعضها، وما تساءلنا هل أن مثل هذا قائم في شعوب الأرض الأخرى.

فظهرت كتابات عن الشخصية الشيعية والسنية والكردية والتركمانية، وربما سنقرأ عن الشخصية الكظماوية والعظماوية والكرادية والصدرية والمأمونية والمنصورية واليرموكية، والشخصية النجفية والكربلائية والحلاوية والبصراوية، وتتشعب المسميات والتوصيفات لتصل إلى شخصية الشارع والمحلة والبيت وأفراد العائلة الواحدة، ونمضي بتقطيع وجودنا بكل ما فيه وكأنه شاة ملقاة على مسلخ الجزارين.

وكأن الإنسان كما يراد له أن يكون متنافرا وممزقا إربا، ولابد من تسميته بأسماء أخرى تخرجه من منظومته البشرية والوطنية والإنسانية.

ووفقا لهذا التقطيع الفكري والتدمير النفسي وعن غير قصد نمعن بالقسوة على النفس والروح والعقل والوطن، كالضحايا التي عليها أن تعبر عن نفسها بكل ما تنتجه من فعل وقول وبحبر اليأس والإحباط اللذيذ.

نقرأ عن الشخصية وكأنها خيمة يمكننا أن نصفها ونحسب أوتادها وأعمدتها، وكيف تتفاعل مع الرياح التي تهب عليها بين الحين والآخر، ولا نجرؤ على الدخول فيها ومعرفة حقيقة ما يحصل تحتها بل نتخيله كأننا عشناه، ونحسبها موضوعا سهلا يمكن تناوله دون إسناد علمي وبحثي يأتي بنتائج ذات قيمة معرفية مفيدة، و نقفز إلى إستنتاجات وإفتراضات ونعدها نظريات.

وقد يكون ما نذهب إليه قريبا من الصواب فقط من زاوية نظرنا التي نقترب بها منه لنفسره ونحاول فهمه.

وختاما، لنثمن جهود الأخوة الذين تكلفوا العناء في البحث في هذا الموضوع الشائك ونشد على أيديهم جميعا، ونشجعهم، ولنتفاعل بصدر رحب من أجل أن نتعلم من بعضنا ونساهم في تحقيق ما يفيدنا.

وكل الكتابات إنما هي محاولات وخطوات تدفعنا إلى إكتشاف أنفسنا والوصول إلى حل معاصر لمشاكلنا، ولن يتحقق ذلك من دون تبادل الآراء وتفاعلها بروح رياضية معاصرة ذات قيمة حضارية متطورة.

وأنه لمن الشجاعة والمغامرة أن يخوض الكاتب في الشخصية ويحاول أن يفسر السلوك الإجتماعي ولا عيب في الأخطاء، فالمهم المحاولة لأن دراسة الشخصية أعيت جهابذة العلوم والدراسات النفسية، وما تمكن أحد منهم أن يقول أنا صاحب الحقيقة وسر المعرفة في فهم الإنسان معجزة الخالق في الأرض.

ولتتواصل كتاباتنا وبحوثنا ومراجعاتنا لشخصيتنا.

وما أوتيتم من العلم إلا قليلا. وقل ربي زدني علما.

مع أطيب التحيات وأحلى الأمنيات وخالص المحبة والاعتزاز للأقلام التي تكتب عن الشخصية، وتجتهد في بحثها المضني للتوصل إلى بعض الأجوبة، التي قد تنفعنا وكل رأي ووجهة نظر في هذا الميدان له قيمة وتقدير.

 

د. صادق السانرائي

 

تعريف التطرف والغلو:

التطرف: لغة هو حد الشيء وحرفه وعلى عدم الثبات في الامر والابتعاد عن الوسطية والخروج عن المألوف ومجاوزة الحد .

التطرف : هو الشدة او الافراط في شيء او في موقف معين وهو اقصى الاتجاه او النهاية والطرف او الحد الاقصى، هو مصطلح محدث يكون في الدين كما يكون في السياسة والفكر والاخلاق والسلوك وهو اتيان الشيء ومنتهاه، ويعني مجاوزة حد الاعتدال والغلو يطلق على الميل والانحراف ومن هنا كان الغلو والتطرف بمعنى واحد وهو مجاوزة الحد اي مجاوزة حدود الوسطية والاعتدال ً .

الغلو في الدين او التطرف والتشدد فيه عبارة عن (الزيادة او المبالغة في امور الدين وادخال ما ليس من الدين في الدين) فيكون هذا بمثابة تجاوز الحدود المشروعة، فالتشدد في العبادة غلو وتشدد وتعسف وميل عن المطلوب، والتشدد في المعاملات هو انحراف بها عن المعروف عرفاً والمشروع شرعا .

انواع التطرف

1- التطرف الاعتقادي الفكري: وهو الاعتقاد بآراء خاصة ويتعارض مع القران الكريم والسنة .

2- التطرف السياسي: هو ممارسة السلطة بتعسف ودكتاتورية ومصادرة الآراء السياسية المخالفة لتوجهاتها

 3- التطرف العلمي : هو استعمال العلم في غير مضامينه الصحيحة كأن يكون انتاج الاسلحة المحرمة دوليا وكذلك انتاج العقارات التي تنشر الامراض وكذلك في صنع المواد الكيمياوية التي من اجل الارباح وزيادة الاموال على حساب الناس، وايضا مصادرة الجهود العلمية من الشركات الاحتكارية ونسبها لغير مؤلفها مقابل الاموال.

4- التطرف الدولي (الارهاب): وهو احداث الثعر والخوف في اراضي الدول بأساليب مختلفة كتفجير القنابل وهدم المباني وتجريف الاراضي الزراعية والمفخخات والقتل على الهوية وغيرها .

اسباب الغلو و التطرف

 1- الفهم الخاطئ للآيات القرآنية والاحاديث النبوية الشريفة وكتب التراث الاسلامي

2- تفسير النصوص تفسيراً ينطلق من النفس والهوى بعيداً عن المفهوم الصحيح للدين الذي ينطلق من حفظ امور الدين والدنيا معاً .

3-الزج بالدين في مفاهيم التيارات السياسية المختلفة والتخفي وراء الشعارات السياسية للتأثير على الناس وكسب تعاطفهم

4- قلة الاقتراب من الشباب والتعامل معهم مما أفقد بعض الدعاة لغة التأثير .

5- ترك مساحة كبيرة للدعاة المغرضين في الفضائيات وخاصة في تلك الايام

6- دخول الكثير من الناس الذين لهم انتماءات وافكار معادية للأوطان والبشرية في ميدان الدعوة، وهذا ما نحذر منه

7- الغلو والمبالغة في الخلاف مما يؤدي الى صنع التعصب والتشرذم

8- المبالغة في الفروع الفقهية والعقائدية واشعال الخلاف فيها مما يؤدي الى اختلاط الفكر لدى الشباب .

 9- انفكاك بعض الدعاة عن مشاكل المجتمع وعدم ربط الدين بالواقع.

10 – الجهل الديني لدى الشباب نظراً لقلة البرامج والمقررات الدينية المشتملة على ثقافة الوسطية والاعتدال في المدارس والجامعات مما جعل فكر الشباب ارضاً خصبة لاستقبال كل ما يرد اليها من فكر سقيم .

11 – طغيان لغة المال وشراء الكلمة مما جعل الجماعات المتطرفة تخرج على الناس في الفضائيات التي تدعم افكارهم التطرفية وتدعو الى الفتنة وتفريق الامة .

12 – نشر فكر الجماعات المتطرفة من خلال الفضائيات والمجلات والمساجد والمنابر وعبر مواقع التواصل الاجتماعي التي كان لها الدور الكبير في استقطاب الشباب وزجهم في الصراعات الدينية والسياسية المتشددة .

13 – ان التطرف والغلو صنيعة الانظمة السياسية التي استطاعت ان تنشأ جماعات تنتهج الافكار المتطرفة والمذهبية واستطاعت تلك الانظمة السياسية ان تنشأ شبكات من المتطرفين وزودتهم بالمال والاعلام حتى تطورت تلك الافكار الى حمل السلاح وقتل المخالفين لهم بالعقيدة والدين والمذهب، فمن رحم التطرف ولدت القاعدة وداعش وغيرها من الحركات المتطرفة .

خطر الغلو والتطرف والتشدد على المجتمع

قال تعالى (أدعُ الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)

فالغلو والتطرف والتشدد ليس من الحكمة والموعظة الحسنة فتاريخ الامة وما سجله من مصائب عن الغلو والتطرف حيث كانت الشرارة الاولى في دفع الامة نحو الفرقة والتفرق الى احزاب وجماعات مما ادى الى ضعفها وتفرق كلمتها .

فالغلو والتطرف لم يرحم المسلم او غيره فالكل دمه مستباح عند اصحاب هذا الفكر مما جعل العالم يجمع ان الارهاب لا وطن له ولا دين.

ان الاسلام الحنيف جاء ليحذر من سفك الدماء والاعتداء على الاعراض والانفس وترويع الامنين قال تعالى (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الى بالحق) وتحذير الاسلام من الغلو والتطرف واضح قال تعالى (قل يا اهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا اهواء قوم قد ظلوا من قبل واضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل) ففي هذه الآية نداء لاهل الكتاب وتحذير للمسلمين حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم (وان الغلو والتشدد من قبيل التنطع في الدين وهو طريق الى الهاوية والهلاك) معنى التنطع (تعني التكلف والغلو) حيث قال صلى الله عليه وسلم (هلك المتنطعون) ويعني هلك المغالون المتجاوزون الحدود في اقولهم وافعالهم .

وقد ظهرت فرق التطرف والغلو منذ الصدر الاول للإسلام حيث ظهرت فرقة الخوارج التي قاتلهم الامام علي عليه السلام والذين كانوا يريدون تطبيق الحدود الاسلامية بالقوة والسيف .

وظهرت فرق كثير في ايام الدولة العباسية وقد تصدى ائمة اهل البيت عليهم السلام لكل مغالً من الشيعة والسنة، وقد كانت الفرقة الخطابية من ابرز الفرق المغالية في عهد الامام الصادق عليه السلام حيث ادعى زعيمها محمد بن مقلاص المكنى بابي الخطاب الذي قال بألوهية الامام الصادق عليه السلام وهذا من اشد المغالين حيث قال الامام الصادق (اللهم العن ابا الخطاب فأنه خوفني قائماً وقاعداً وعلى فراشي.. اللهم اذقه حر الحديد) وقد امر الامام الصادق بمقاطعة الخطابية حيث قال للمفضل بن عمر اتق السفلة واحذر السفلة فأني نهيت ابا الخطاب فلم يقبل مني، يا مفضل لا تقاعدوهم ولا تواكلوهم ولا تشاربوهم ولا تصافحوهم ولا توارثوهم) .

وهذا التحذير الشديد من الغلاة جاء على لسان ائمة المسلمين الذين حاولوا التصدي لهم

وهذه الفرق المتطرفة قديماً وحديثاً انما هي صنيعة سياسية اريد بها تفريق الامة والخروج عن مسارها الذي رسمه لها الشارع المقدس وذلك للاستئثار بالسلطة السياسية وهذا ينطبق على ما نعانيه اليوم من ازمه الغلو والتطرف والتشدد الذي انتج الارهاب، وما القاعدة وطالبان والنصرة و داعش الا نتيجة لهذا الفكر .

فالمواجهة التطرف يجب تحصين الفكر بالوسطية والاعتدال

الوسطية والاعتدال

الوسطية : مأخوذة من كلمة تدل على العدل والفصل والخيرية والتوسط بين الطرفين لذا كانت الوسطية في الشرع بمعنى العدالة والتوسط بين الافراط والتفريط قال تعالى (وكذلك جعلناكم امة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)

ومن هنا كانت الوسطية وهي العدل والطريق الاوسط الذي تجتمع عنده الفضيلة .

وخير تطبيق لها انما يظهر في كل ما يتعلق بمسائل الاحكام العامة المتعلقة بحياة الناس. فوسطية الدعوة تخرج من مفهوم عام يحدده المنهج العلمي وهو قوله تعالى (ادعُ الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)

فقدم تعالى الحكمة على الكلمة لتكون خير ضابطاً لها ثم اختار للداعية ان يخرج من منهج وسطي وهو الموعظة الحسنة التي تمتاز باليسر والسهولة لا الخشنة وغير الحسنة .

والوسطية في الفتوى هي اصل من اصول الفتوى وعلامة صحيحة على جودة الفتوى فالمفتي الجيد هو الذي يسهل على الناس امور حياتهم .

فاليسر والسهولة والتوسط والاعتدال من سمات الشريعة الاسلامية التي تتميز بها ومن هنا وصفت هذه الشريعة بالحنيفة السمحة قال تعالى (يريد الله ان يخفف عنكم) وقال تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) اي التسهيل في العبادة وقال تعالى (لا يكلف الله نفسً إلا وسعها) فيقول النبي صلى الله عليه واله وسلم (اذا امرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) .

اذا كانت هذه النصوص وغيرها من القران الكريم والسنة النبوية قد ارست المبادئ والاسس حول وسطية الشريعة واعتدال منهجها فكيف لهذه الفرق الضالة التعنت والتشدد والتنطع نحو الضيق والحرج فهل لهم من دين يبيح لهم ما يفعلون؟

هل من دين يبيح التطرف والارهاب؟

ان المغالين والمتطرفون لا يدينون بدين ولا يؤمنون بعقيدة انما هم جماعة صنعتهم الانظمة السياسية المتحكمة بالعالم واستطاعت تلك الجماعات ان تغري الشباب المنحرف وتزين لهم اعمالهم باسم التوبة والجنة والجهادة وحور العين وتكفير الاخرين واعطائهم سلطة القتل والارهاب .

التوصيات والنتائج

من خلال ما تقدم تبين لنا ان دعم الفكر الذي ينطلق من رحم الوسطية والاعتدال هو الحل الانجع لمواجهة الغلو والتطرف .

ان دعم المؤسسات وإقامة الندوات والمؤتمرات التي تدعم الفكر الوسطي وتفضح التطرف والارهاب هي واحدة من الحلول لمعالجة الفكر المتطرف .

ومن التوصيات

1- تعميم فقه الوسطية والاعتدال في المدارس والجامعات في كافة البلدان الاسلامية

2- دعم المؤسسات الدينية كالحوزة العلمية في النجف الاشرف ودار الافتاء العراقية والازهر الشريف بكافة السبل من اجل رفض التطرف والغلو ونشر روح التسامح والدين الحنيف وفتح باب الحوار بين الاديان والمذاهب

3- دعم الدورات والندوات التي تنمي لغة التأثير لدى الشباب بالنسبة للدعاة مع استبعاد الدعاة الذين يميلون للفكر التكفيري .

4- وقوف المجتمعات صفاً واحداً ضد من يتاجرون بالدين ويتخذونه ستار للوصول الى اهدافهم السياسية وغيرها

5- فضح فكر تلك الجمعات المتطرفة في كافة وسائل الاعلام المحلية والدولية

6- دعم منظمات المجتمع المدني من اجل نشر الوعي عند الشباب ومحاربة التطرف .

7- زيادة اواصر التلاقي بين المؤسستين الدينية والاكاديمية وضرورة الانفتاح على بعضهم الاخر

8- معالجة اليأس والفقر والجهل والبطالة التي تشكل روافد للغلو والتطرف عند الشباب

9- اقامة مؤتمر دولي للحوار والتقريب بين المذاهب الاسلامية وتوحيد المناهج الدراسية للتربية الاسلامية وابعادها عن لغة العنف والتطرف

10- ضرورة نشر الفكر الاسلامي المعتدل وتعريف شعوب العالم الغربي بمبادئ الاسلام الحنيف وحث الشعوب من اجل الضغط على الحكومات التي تدعم الجماعات المتطرفة لإيقاف الدعم والتمويل وتجفيف منابع الارهاب في كل العالم

 

م . م . علاء كاظم ربع الموسوي

م . م . حميد ابولول الماجدي

.............................

المصادر والمراجع

1- القرآن الكريم

2- دور العلماء في الوقاية من الارهاب والتطرف، عبد الحي عزب، بحث منشور في المؤتمر العلمي جامعة نايف العربية للعلوم الامنية، السعودية

3- التطرف اسبابه وعلاجه، هشام الهاشمي، مكتبة عدنان للطباعة والنشر بغداد 2016

4- ذهنية التكفير الاصوليات الاسلامية والعنف المقدس د. حسن حماد القاهرة 2015

5- سوسيولوجيا العنف والارهاب، ابراهيم الحيدري، دار الساقي لبنان، 2015

 

نبيل عودةكارل بوبر (1902 – 1994) فيلسوف نمساوي استقر به المقام في انكلترا وحصل على مرتبة شرف (سير). يعتبر من اهم فلاسفة القرن العشرين ومن أبرز نقاد الفكر الماركسي، كان جل اهتمامه يتركز بفلسفة العلوم والفلسفة السياسية والاجتماعية. من كتبه الهامة كتاب "المجتمع المنفتح واعدائه" كتبه اثناء الحرب العالمية الثانية وصدر عام (1945). يشير في كتابه الى الفيلسوف الاغريقي افلاطون بصفته الأب للنزعة العسكرية الحديثة، وهي النزعة التي ميزت الأنظمة النازية في المانيا والفاشية في ايطاليا والعسكرية في اليابان، والنظام السوفييتي في فترة ستالين.

قال عنه الفيلسوف البريطاني الشهير برتراند راسل ان كتابه عن "المجتمع المنفتح واعدائه" له اهمية كبيرة جدا ويستحق ان يقرأه الكثيرين، بسبب نقده لأعداء الديموقراطية في الماضي والحاضر. وأضاف أن نقد بوبر لأفلاطون هو نقد صادق تماما، وانه نجح بتشريح ماركس الى اجزاء واعطاه الوزن الذي يستحقه.

حسب مفاهيم كارل بوبر تحتاج النظريات العلمية والاقتصادية والفلسفية الى نقد ونقض وبدون ذلك لا تثبت صحتها، وهذه الحكاية الساخرة تصيب بدقة المفهوم النقدي الذي طرحه كارل بوبر امتدادا من افلاطون الى ماركس. كانت لبوبر رؤية تقول" ان الفاشية تشكل تهديدا للعلم والحضارة الانسانية كلها". هناك أهمية خاصة لنقد بوبر للفلسفات السياسة والتاريخية التي ظهرت في القرن التاسع عشر (خاصة الماركسية بطرحها فلسفة المادية التاريخية) والتي سادت في الفكر السياسي والأيديولوجي بشكل واسع، خاصة بتيارات اليسار الماركسي، واستمرت بقوة حتى نهاية القرن العشرين، وما زالت الأحزاب الشيوعية متمسكة بها رغم ان التجربة التاريخية والسياسية اثبتت بطلانها. وهي فلسفات سياسية معادية للفلسفة السياسية الليبرالية.

من ناحية أخرى كانت رؤية بوبر أن فلسفة العلوم لها اهميتها في الدفاع عن المجتمع المفتوح عبر التصدي للفاشية السياسية ومحاولاتها العودة للمجتمع المغلق، وهي ظاهرة تتزايد اليوم في المجتمعات الأوروبية لأسباب مختلفة. كانت رؤية بوبر ان الدافع للعودة للمجتمعات المنغلقة (الفاشية) يرتبط من ناحية بصدام الحضارة ومن ناحية أخرى بفشل المشروع الليبرالي للإصلاح. وحض في فلسفته على تقديم معيار للتمييز بين العلم من ناحية وبين العلم الزائف من ناحية أخرى، كسبيل وحيد لتحقيق التحالف على مقاومة الفاشية التي تهدد لا العلم فقط، بل تهدد مجمل الحضارة الإنسانية بما ذلك المجتمع المفتوح.

قصة ساخرة تلامس نقد بوبر للفكر المنغلق.

هل تسقط شرائح الخبز على جهة واحدة فقط؟

التقى الصديقان سامر وجميل على وجبة افطار في منزل أحدهما، واخذا يعدان ساندويشات الجبنة. كان سامر يدهن شرائح الخبر بالزبدة، وجميل يجهزها مع شرائح الجبنة للفران.

 سقطت احدى الشرائح من يد سامر وللأسف كانت الزبدة من جهة الأرض. بعد ان دهن شريحتي خبر أخريين سقطت من يده شريحة أخرى، وكالشريحة الأولى ايضا، كانت الزبدة من جهة الأرض.

قال سامر: هل لاحظت يا جميل ان شرائح الخبز إذا سقطت تكون الزبدة دائما من جهة الأرض؟

اجابه جميل: لا اظن ذلك.. نظريتك خاطئة.. هذا ما يخيل اليك ان الشريحة حين تسقط تكون الزبدة من جهة الأرض، السبب يا صديقي سامر انك لا تريد ان تنظف الزبدة التي لوثت الأرض. هل تعرف انا مستعد على رهانك ان نسبة سقوط الشرائح على الأرض بحيث تكون الزبدة من جهة الأرض لا تختلف عن نسبة سقوط الشرائح والزبدة من الجهة العكسية للأرض.

قال سامر: اعتقادك خاطئ، نظريتي صحيحة.. انا على ثقة ان شريحة الخبز تسقط دائما بحيث تكون الزبدة من جهة الأرض.  

تناول جميل شريحة خبز كان سامر قد دهنها بالزبدة وأسقطها على الأرض ..

 قال جميل: انظر يا سامر .. هذا اثبات لصحة نظريتي.. الزبدة من الجهة العليا.. وليس من جهة الأرض. هذا يعني ان نسبة السقوط على احدى الجهات لا تختلف عن الجهة الأخرى.

فكر سامر هنيهة  شبه مصدوم مما يرى، ثم قال: اعتقد انك مخطئ يا جميل، انا اعرف ما جرى.. السبب اني دهنت الزبدة على شريحة الخبز على الجهة الخطأ!!

******

اذن كل التبريرات والدلائل لن تنجح بإثبات صحة نقد بوبر للماركسية!!

هذا يقودنا الى عالم السياسة، انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، وتقلص تأثير الأحزاب الشيوعية، بل واختفاء الكثير منها، لم يقنع بعد الحركة الشيوعية بان هناك تجاوزات وأخطاء يجب علاجها، وعنتريات حان الوقت للتخلي عنها والعودة والانفتاح على النقد والنقض للفكر الماركسي كطريق لتطوير النظرية الماركسية في عصرنا.

لنأخذ واقعنا كنموذج.

 يدعون منذ اصبحوا "لا في العير ولا في النفير" ان هزائم حزبهم وتقلص نفوذهم وسقوط قوائمهم، ليس بسبب سياساتهم الفاشلة، وعنجهيتهم الغبية، وتآمرهم على أقرب الناس اليهم، بل يدعون بدون خجل ان منافسيهم باعوا انفسهم للشيطان، في مثل حالتنا الشيطان قد يكون خيانة المبادئ السياسية، بوهم ان لا مبادئ في السياسة الا ما يثرثرون به، رغم ان معظم افكارهم لم تعد صالحة للتسويق. طبعا هناك تهم اخرى مثل التحالف مع اعداء الشعب، دعم السلطة، العضوية في أحزاب صهيونية، ولا ينسون اللعب على الوتر الطائفي، مثيرين بذلك نعرات سلبية بدل المساهمة العقلانية بالإقلاع عن هذه الأفكار التي حتى لو كان لها اثرا ما، يجب نفيها حتى لا ننميها ونكون كلنا خاسرين. طبعا هناك تهم اخجل من أن اسجلها ولا تصدر الا عن عقليات حاقدة.

هكذا الزبدة حسب مفاهيمهم تسقط دائما من جهة الأرض...ولن يغير هذا المفهوم أي اثبات عملي مناقض لما اغلقوا عليه عقولهم!!

 

نبيل عودة

 

ابراهيم أبراشفي عام 1893 كتب الشيخ عبد الله النديم (١٨٤٥-١٨٩٦) كتابا أو دراسة معمقة بعنوان :(بِمَ تقدّم الأوربيّون وتأخرنا والخلق واحد؟!)، وفي بداية القرن العشرين وضع المفكر الإسلامي الأمير شكيب أرسلان (1869-1946) مؤلفا تحت عنوان : "لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم ؟" وكان يقصد آنذاك الغرب المسيحي، ومن بعدهما توالت الكتابات حول سر تخلف العرب والمسلمين وتَقدُم غيرهم، وتفاوتت المقاربات دون يقين أو حسم في الإجابة .

إن كانت تساؤلات هؤلاء تزامنت مع مرحلة الاستعمار الغربي المسيحي وبالتالي كانت الإجابات ترجع غالبا السبب إلى الاستعمار وعدم تمسك المسلمين بدينهم أو خروجهم عن النهج الإسلامي الصحيح، فإن طرح نفس التساؤلات بعد مائة عام أو أكثر وفي زمن ما بعد الاستقلال وفي ظل وجود أنظمة حكم عربي ثورية وتقدمية وتحررية وإسلامية وإسلاموية الخ يتطلب إعادة النظر في اغلب التفسيرات أو الإجابات عن التساؤلات السابقة .

 أعاد مفكرون معاصرون طرح إشكال تخلفنا وتقدم غيرنا بتواضع وواقعية متسائلين ليس عن سر تخلف العرب والمسلمين وتقدم الغرب بل عن سر تخلف العرب وتقدم اليابان والصين وكوريا، وبعض هؤلاء كمحمد عابد الجابري ومحمد أركون وجورج طرابيشي وطيب تيزيني وصادق العظم وعبد الاله بلقزيز وبرهان غليون وهشام شرابي وغسان سلامة وحامد أبو زيد الخ عزوا السبب لبنية العقل العربي، ثقافة البداوة والموروث الثقافي بشكل عام، الشطط والانحراف في فهم وتفسير الإسلام، الاستبداد السياسي، غياب الديمقراطية، والتبعية للغرب الخ .

واليوم نتواضع مُكرَهين في طموحاتنا وفي النماذج والقدوة التي نريد الاحتذاء بها ولم نَعُد نقارن حال العرب بحال أوروبا والأمريكتين أو اليابان وكوريا والصين بل سنقارن ونضرب المثل بنماذج من مجتمعات كان حالها كحالنا بل أقل شأنا في مرحلة ما قبل الاستعمار أو بعده مباشرة كالهند ودول افريقيا .

ودون التقليل من شأن ما تم انجازه في بعض الدول العربية والإسلامية، ومع الأخذ بعين الاعتبار الجغرافيا السياسية للمنطقة وتأثير وجود إسرائيل في قلب العالم العربي، نتساءل :لماذا نجحت شعوب العالم الثالث التي كانت مثلها مثل الشعوب العربية تخضع للاستعمار والاستغلال الغربي كالدول الأفريقية والهند الخ في الخروج من دائرة التخلف والجهل ودخول عالم الحداثة والتطور والديمقراطية، بينما الدول العربية، وباستثناء قلة منها، ما زالت تراوح مكانها بل وتتراجع مكانتها على سلم التطور الحضاري ؟ .

هل العقل العربي عصيٌّ على الديمقراطية، وبنيته وبراغمادياته ومورثه التاريخي والديني مركبة بطريقة تجعلها في حالة رفض للديمقراطية ؟ هل تحتاج بنية العقل العربي وخصوصا السياسي إلى تفكيك ومراجعة وإعادة بناء ؟.

لماذا العرب يتصرفون كالقُصر الذين يحتاجون دائما لمن يوجههم ويقودهم، وإن ولجوا المسار الديمقراطي تكون ديمقراطيتهم مشوهة وأبوية وموجهة من الخارج وسرعان ما تنقلب إلى حكم استبدادي أو عسكري بواجهة ديمقراطية شكلية ؟ .

لماذا ما تسمى ثورات الربيع العربي والتي قامت أساسا، كما يزعم مؤيدوها والمدافعون عنها، كثورات ضد أنظمة استبدادية ترفض الديمقراطية وتنتهك حقوق المواطنين الخ، لماذا آلت للفوضى والحرب الأهلية والطائفية وتقويض مرتكزات الدولة الوطنية وإعادة انتاج أنظمة الاستبداد وحكم العسكر؟.

سأكتفي بشعبين كان العرب يتعالون عليهما فأصبحا نموذجين يُحتذى بهما وهما الهند وإفريقيا غير العربية أو السوداء .

1-  الهندي الذي تفوق على سيده الأول

 منذ عقود وإلى وقت قريب كان بعض العرب ينعتون كل جاهل أو متخلف بـ (الهندي) من منطلق أن الهند بلاد الجهل والتخلف من وجهة نظرهم، واليوم أصبحت الهند من الدول العظمى التي يُحسب لها ألف حساب ويُضرب بتقدمها الاقتصادي المثل ويصل معدل النمو فيها إلى نسبة 7.2 في المائة خلال العام المالي الحالي بينما يصل نمو الانتاج الصناعي إلى 8,3 بالمائة، وهي تحتل الترتيب الخامس عالميا وبالتالي تتجاوز المملكة المتحدة – بريطانيا - الدولة التي كانت تستعمرها، ويتوقع المختصون أن تحتل الترتيب الثالث بعد سنوات قليلة، وما ساعد الهند على نهضتها اهتمامها بتكنولوجيا المعلومات وما يرتبط بها من صناعات .

وفي مجال التنمية السياسية تعتبر الهند أكبر الديمقراطيات في العالم من حيث عدد السكان وأهمها من حيث مواجهة التحديات المُعيقة للديمقراطية سواء كانت ثقافية أو اجتماعية او دينية، وقد نجحت في بناء نظام ديمقراطي علماني بالرغم من أن تعداد سكانها يفوق المليار وربع المليار نسمة يعيش أعظمهم في الريف ويستعملون مئات اللغات ودستور الهند يعترف باثنين وعشرين لغة كلغات رسمية، كما أن السكان موزعون على عدة طوائف دينية، فيما العرب، الذي تحرروا من الاستعمار في نفس مرحلة استقلال الهند –استقلت الهند عام 1947 - ويتكلمون لغة واحدة ولهم ثقافة واحدة وتاريخ مشترك ومنَّت عليهم الطبيعة بثروات يُحسدون عليها، يراوحون مكانهم حضاريا بل ويتراجعون، ويستوردون من الهند ما تعجز (العبقرية) العربية عن انتاجه ؟ .

2- افريقيا تبيِّض صفحتها

إلى وقت قريب كان العرب ينظرون باستخفاف إلى افريقيا والإفريقيين ويعتبرونهم متخلفين وجهلة أو مجتمعات ما قبل الدولة والحضارة، وهي نظرة عنصرية فوقية لا تقل سوءا من نظرة الأوروبيين البيض لغيرهم من الشعوب، كما أنها تستحضر وتستلهم الماضي حين كان العرب يتعاملون مع إفريقيا كمصدر للعبيد .

في السنوات القليلة الماضية وبالرغم من سوء الوضع الاقتصادي إلا أن دولا افريقية وَلَجت عالم الديمقراطية حيث اليوم غالبية الدول الأفريقية تخوض تجربتها الديمقراطية باقتدار وتمر بحالة مقبولة من الاستقرار، والاتحاد الافريقي يراقب الحياة السياسية في افريقيا ويتدخل عندما تنحرف دولة عن المسار الديمقراطي، وقد تَدَخل الاتحاد في 18 محاولة انقلابية في القارة وأجبر الانقلابيين على الانصياع لإرادة الشعب، وكان آخر تدخل له عندما قرر قبل أسابيع تجميد عضوية السودان في الاتحاد حتى يلتزم المجلس العسكري بتسليم السلطة لحكومة مدنية .

أما بالنسبة للعالم العربي وباستثناء بعض الحالات فإن كل محاولات الانتقال الديمقراطي والتنمية الشمولية تتعثر بل ويفقد العرب حتى القليل من الانجازات التي راكموها في زمن ما قبل فوضى الربيع العربي، وجامعة الدول العربية بدلا من أن تكون الحارس والموجه للمسار الديمقراطي وللوحدة العربية أصبحت أداة بيد أنظمة تعادي الديمقراطية وشاهد زور على حالة الفوضى السائدة إن لم تكن مغذية لها .

لا نريد ممارسة جلد الذات أو الترويج لليأس وقطع الأمل بإمكانية تغيير حال العرب إلى الأفضل بل نؤمن بأن دوام الحال من المحال ولا بد للشعوب العربية أن تتغلب على مشاكلها وتأخذ بناصية الحضارة والديمقراطية يوما ما، ولكنها خواطر وتساؤلات فرضت نفسها ودفعتنا للتفكير بصوت عال عسى ولعل أن يصل الصوت ويحدُث التغيير المنشود .

من الجيد الإحساس بالمشكلة ومن الجيد أكثر تلمس أو وضع إجابات عن التساؤلات المرتبطة بالمشكلة أو السؤال عن سبب تعثر العرب وتقدم غيرهم، ولكن الأهم من كل ذلك هو كيفية تحويل الإجابات إلى استراتيجيات عمل ؟ ومن يأخذ بناصية الانتقال والتغيير ؟هل هي نفس الأنظمة والنخب القائمة التي تماهت مع حالة التخلف وأنتجت التخلف والاستبداد، أم أنظمة حكم ونخب جديدة بثقافة وعقلية جديدة؟.

 

ا. د. إبراهيم أبراش

 

 

 

منى زيتونمقالي اليوم سأحاول أن أضع فيه خلاصة خبرتي ومشاهداتي فيما يخص الأثر السلبي للأسلوب التربوي المعزز للتنافس التعليمي في تربية الذكور في مجتمعنا.

لعل من الملحوظ للجميع زيادة أعداد المتفوقين من الإناث عن أقرانهم من الذكور بدءًا من المرحلة الإعدادية، وتزيد الأعداد كلما ارتقينا في المرحلة الثانوية، ثم تتزايد أكثر في المرحلة الجامعية، مما يعني أن عددًا متزايدًا من الذكور يخرج من ركب المهتمين بأمر التعليم عامًا تلو الآخر. والظاهرة ملحوظة منذ سنوات، ولا شك أن لها أسبابًا كثيرة سأحاول اليوم التركيز على أحدها مما لم يُوجه الانتباه له من قبل الباحثين.

تزامنت ظاهرة ضعف اهتمام البنين بالتعليم مع تدرجهم في مراحله مع ظاهرة أخرى وهي تكثيف الأمهات الضغط التنافسي على أبنائهن وبناتهن في المرحلة الابتدائية، وكثرة حديثهن عن الدرجات الكاملة full marks التي يحصلون عليها، وضرورة أن يكون الطفل هو الأول على أقرانه، حتى صار الأمر مظهرًا من مظاهر تفاخر النساء مثله مثل كثير من المظاهر التافهة التي استشرت في المجتمع دون قيمة حقيقية لها.

هذه الظاهرة لم تكن موجودة حتى قريب، فلم ألحظها في أمهات جيلي إلا قليلًا. أما الجيل السابق على جيل أمهاتنا فكن لا يفتحن كتابًا مع طفل ليتعلم، بل يُترك العبء في تعلمه عليه وعلى مدرسيه بالمدرسة، ونادرًا ما كان الطفل يُعطى درسًا خصوصيًا للتقوية.

لم تكن الدرجات بالنسبة للأجيال القديمة لها نفس القيمة التي تُعطى لها في عصرنا، وكان الأوائل بل النابغون تنقص درجاتهم كثيرًا عن الدرجات النهائية، ومع ذلك كانوا يُحصّلون علومهم جيدًا، ولم يكن أحد حتى أوائل الثانوية العامة يحصل على درجات نهائية. لم يكن أحد يأمل بها من الأساس أو يبحث عنها.

ومع مرور الزمن، تواتر اهتمام الأمهات المدفوع بحمى الدروس الخصوصية على تدريب الأبناء على تجاوز الاختبارات والحصول على درجات مرتفعة فيها، مع علمهن أنهم لم يُحصِّلوا من العلم ما يتفق وتلك الدرجات. ومنذ بدأ الاهتمام المبالغ به بالدرجات لوحظ التراجع المتواتر في مستوى التعليم، وتراجع أعداد من لديهم رغبة حقيقية ذاتية في الاستمرار به، وليس بضغط من المجتمع.

ولا أكتب اليوم لأقارن مستوى التحصيل قديمًا وحديثًا، فلا يخفى على بصير ما آل إليه مستوى خريجينا، ولكنني أكتب لألفت النظر لتأثيرات تربوية أكثر خطورة لتلك المستويات المرتفعة من التنافسية في التحصيل، ومعاتبة الطفل على نقصان نصف درجة، والاهتمام المبالغ فيه بترتيب الطفل على فصله وبين أقرانه، وأكثر من تضرر من تلك التصرفات غير الواعية كانوا الأطفال الذكور.

واقع الحال أن الأمهات –خاصة- والآباء لا يعوون تأثيرات الضغط على الطفل ومعاتبته على أي نقص في التحصيل الذي تعبر عنه درجاته، حتى وإن بدا لهن أنه قد حصّل علومه بشكل جيد، وعليه فإن أول التأثيرات التربوية الخطيرة التي خلّفها ذلك الوضع هو شعور الطفل الذكر بأنه فاشل دراسيًا، ومن ثم نفوره من التعليم والتحصيل عندما يدخل في المراهقة وترتفع سلطة الأبوين عنه رويدًا رويدًا.

ولمزيد من التوضيح، فإنه بمقارنة الماضي بالحاضر، نجد أن أمهات الماضي كن يتركن أطفالهن يدرسون ويتعلمون دون تدخل سوى بالتعزيز عند النجاح، فنشأ جيل يُقدر المسئولية والعلم، ويُقدر ذاته ويعلم حجم ومستوى كفاءته، والأهم أنه يعلم أنه غير فاشل، وبإمكانه النجاح وحده، أما أمهات اليوم فيحشرن أنفسهن في تدريس أبنائهن ويؤدين بعض المهام عوضًا عنهم –خاصة النشاطات المدرسية- ويصررن على الطفل أن يحصل على الدرجات النهائية وأن يكون الأول، فيفشل في ذلك لأنه لا يوجد غير فرد واحد بإمكانه الحصول على هذا المركز في كل فصل بمدارسنا، ولأنه لم يحقق ما أرادته منه أمه فحتى درجاته المرتفعة وترتيبه العالي لا يشعرانه بأنه ناجح، ويتعاظم إحساسه بالفشل ويكره المدرسة والتعليم لذلك، ويفقد اهتمامه به، والمؤسف أن هؤلاء الأمهات لا يفهمن أنهن قد تسببن في خراب جيل بأكمله، وأن النصف درجة والدرجة والدرجتين بل والثلاثة لا وزن لها ولا قيمة قياسًا بشعور الطفل أنه ناجح وتقبله لنفسه.

والغريب أن كراهية التعليم تبدأ بسبب رفع سقف التنافسية بين الأقران، ولكن مرور الأطفال –خاصة الذكور- بنفس الحالة تكون سببًا في تقاربهم؛ إذ تدفعهم عندما يكبرون إلى تكوين جماعات لها أنشطة غير تعليمية، يشكل وجودها في حياة المراهق الذكر دعمًا اجتماعيًا له بإزاء الضغط المقابل من الأسرة للاستمرار في التعليم والنجاح فيه، والذي يتزامن مع تراجع طموحات الأبوين كثيرًا وكفهم عن الحديث عن الدرجات النهائية والأمل بها.

أما عن سبب تأثر الذكور تحديدًا بشكل أكثر من الإناث برفع سقف التنافس مع الأقران، فيرجع في نظري إلى عاملين، العامل الفسيولوجي المتمثل في تأثير هرمون الذكورة المتزايد في نهاية مرحلة الطفولة مع اقتراب الطفل من مرحلة المراهقة ثم دخوله فيها، والعامل الاجتماعي المتمثل في ضعف السلطة الأبوية على الذكور بدءًا من المراهقة بدرجة أكبر بكثير مما يكون عليه الحال مع الإناث.

ويمكن القول إن الإناث لا يستطعن الانفلات من ضغط الأسرة ويستمررن في الاهتمام بالتعليم مكرهات رغم معاناتهن الأكيدة من الشعور بالفشل مثلما هو الحال لدى الذكور، ولكن تتحول المشاعر السلبية المتخلفة عن هذا الأسلوب غير التربوي إلى التحاسد والتغاير من القرينات. والأمر لا يخلو من إضمار المراهقين الذكور أيضًا لمشاعر سلبية تجاه من استمروا بالاهتمام بالتعليم من أقرانهم، ولكنهم يجدون عوضًا فيما يتلقونه من دعم اجتماعي من جماعات النشاط التي يندمجون فيها حتى لا يكاد يصبح للأسرة تأثير عليهم مقارنة بها، ولا تتُاح للإناث عادة في مجتمعنا نفس الدرجة من الحرية للمشاركة في نشاطات شبيهة وبنفس القدر.

والآن لنأتي إلى الأثر الأسوأ للأسلوب التربوي المعزز للتنافس التعليمي لدى الأطفال، والذي سيكون صادمًا للقراء. هذا الأثر هو الإلحاد‏!‏

كلنا يلحظ زيادة أعداد الملحدين والمتشككين من المراهقين والشباب في مجتمعاتنا، وأغلبهم أيضًا من الذكور، ولكن لا يلحظ أغلبنا أثر التنافس التعليمي في الصغر ودفع الطفل لأن يكون الأول على أقرانه بكل وسيلة، وأن يحصل على الدرجات النهائية دائمًا وأبدًا، في زعزعة ثقته في وجود الله.

ما يحدث ببساطة أن الطفل بعد أن يبذل كل ما في وسعه لأجل تحصيل الدرجات التي تؤهله للمركز الأول ولا يحصل عليه عادة، يلجأ إلى الله تعالى فيدعو ويدعو، وهو لا يدرك أنه ليس وحده من يدعو بل كل أقرانه يفعلون، ولمّا لا يُستجاب لهم لأنه من المحال أن تُجاب دعواتهم جميعهم يبدأ الشك يتسرب إليهم من وجود الله في أواخر مرحلة الطفولة تحديدًا؛ ذلك أن إيمان الأطفال هو إيمان شكلي وليس حقيقي؛ فهم يقلدون الكبار ويكررون كلماتهم بغرض إرضاء الكبار فقط، وطالما الطفل قد قرر التمرد لأنه فشل في إرضائهم وصار يشعر أنه هو ذاته فاشل، فلا يعنيه ذلك التقليد ولا يرغب في الاستمرار في فعل ما ليس مقتنعًا به، لذا فقد تظهر عليه بوادر الإلحاد في نهاية الطفولة وبداية المراهقة، وتكون إشارته الأولى عدم انتظامه في الصلوات من تلقاء نفسه، والكذب حول أدائها عندما يكون بعيدًا عن رقابة الكبار.

لذا أقول للأمهات، رجاءً خففن من المنظرة الفارغة بعدد المواد التي حصل فيها أبناؤكن على الدرجات النهائية، وبترتيبه بين أقرانه، فلا الدرجات ولا الترتيب يساويان أن يشعر ابنك بالفشل ويهجر التعليم ويكرهه بعدما ترتفع سلطتك عنه، ولا يساويان أن يشك في وجود خالقه.

 

د. منى زيتون

 

إن الوضع الصحي لسكان البلاد العربية سيئا وسيئا بلا حدود، ويعتبر مرض القلب هو السبب الرئيسي للوفاة وليس بعيداً عما نراه فأنه يعد مشكلة مستمرة في النمو بشكل عام، وهناك عوامل عديدة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند تحليل سلوك ظاهرته في كل بلد، ولكن العوامل السياسية المحفزة للمرض لا بد من تأجيلها لتحقيق نتائج إيجابية في الحد من معدلات الاعتلال والأزمات وارتفاع معدل الوفيات المفاجئ، وإن هناك علاقة وثيقة تعمق العلاقة بين الإقصاء السياسي والاجتماعي وبين الأمراض القلبية الوعائية مما يثير بقوة تساؤلا عما إذا كان كلا من الاستعباد السياسي والاستبعاد الاجتماعي يؤديان دورا مؤثرا وحاسماً في ارتفاع معدل الوفيات القلبية المفاجئة في العصر الحالي؟ غير انه قد لا يمكن العثور على الإجابة الوافية على هكذا تساؤل إلا عبر ادراك واستيعاب الأنظمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية السائدة في الدول العربية !

هنا نتساءل ونحن جميعا نعرف الإجابة !! هل أوضاع البلاد العربية تتيح لمواطنيها الحصول على العلاجات والتكنولوجيات الجديدة والمتطورة في مجال الطب لمواجهة التحدي الكبير المتمثل في زيادة وباء القلب والأوعية الدموية؟ وان آفة الموت المفاجئ تتسبب كل يوم بضحايا أكثر من فيروس نقص المناعة البشرية "الإيدز" أو السل أو وباء السرطان إذ قد لا تسبب اغلب الإمراض في جميع تطورات ومعدلات الفتك الموتية كما تتسبب بها افة الموت المفاجئ, وإن نطاقها قد يكون قابلا للمقارنة فقط مع تأثير هجوم إرهابي واسع النطاق والذي يؤدي فجأة إلى الموت، وتأثير تلك الظاهرة يتجاوز حجمها إطار عدد الأحداث المؤدية للموت التي تحدث سنوياً والتي يحدث ثلثاها خارج محيط المستشفيات ليصل الضحايا إلى أنظمة الطوارئ فيها مع سجلات تشير إلى نهاية حياتهم المأساة قبل الأوان وهم في الأعمار الصغيرة لتحدث الوفاة مثل البرق ولتعطي دلالة مريرة ونظرة مريرة لا تقدر بثمن لهذه الخسائر المتواصلة ما تتسبب بنكسات في اوضاع الأسر وفي الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وإن الحزن الذي يترجمه الموت المفاجئ والأسئلة المحيطة بالحدث تساهم بزيادة الشكوك ومشاعر التشاؤم في الأسرة وأصدقاء الضحية.

متعددة ومتنوعة هي العوامل التي تشترط هذه الحقيقة غير إن أبرزها يتكشف على شاكلة العوامل الطبية كتلك المتعلقة بانتشار مرض الشريان التاجي والتي تكون مسؤولة عن اغلب الوفيات المفاجئة نتيجة لعدم وجود أو توفر السجلات الإحصائية الرسمية لتحليل مديات الاستعدادات لهذه الآفة او على الاقل توفير الظروف السياسية والحياتية المكافحة لها، إضافة إلى وعدم وجود تعريف مقبول من قبل المختصين خاصة عند التعامل مع الوقت الذي يجب أن يمر المستهدف قبل أن يعتبر الحدث فجأة، ومما لا شك فيه أن النقطة الأكثر أهمية في الأمر والنظر في حالات الوفاة المفاجئة لذا يجب أن تؤخذ هذه العوامل في الاعتبار عند تحليل سلوك الظاهرة في كل من البلدان ولذا يمكننا أن نطرح تساؤل حول هل هذه العوامل الطبية هي محددات لذلك الواقع المحزن في بلاد العرب عندما تواجه الارتفاع التدريجي لهذا الوباء المفاجئ لأمراض القلب والأوعية الدموية؟ مما يعني ترابطها وتشابكها مع العوامل ذات الطبيعة السياسية الحاسمة لكنه لن يغرب عن بالنا مسألة الاستبعاد الاجتماعي الذي يتترجم إلى عدم وجود الفرص للجميع في الصحة والفقر وشيوع التهميش والأمية وتعقيد النماذج الاستهلاكية التي تبعد المجتمعات عن المساهمة في تطوير الطب فلا تمتد نتائج الثورة العلمية والتقنية بشكل متساوٍ إلى الطبقات الاجتماعية المختلفة.

إن النوبة القلبية هي نافذة لتقييم آثار الطبقة الاجتماعية على الرعاية الصحية المختلفة، من أحداث الموت القلبي المفاجئ تتجلى في عموم السكان مع عوامل الخطر التي تعزز تطور بعض أنواع أمراض القلب والسمنة وداء السكري وعدم النشاط البدني وارتفاع ضغط الدم الشرياني، وتشكل الأوبئة الحقيقية في القرن الواحد والعشرين تغذيها النزعة الاستهلاكية وإساءة استخدام التطور التكنولوجي على حساب نظام النشاط البدني والأنماط الثقافية وفقدان المعايير والظروف المعيشية والتوتر المزمن والحتمية للحياة مع النتائج المنطقية التي تجلبها كالتدخين وسوء التغذية الجودة وقلة النشاط البدني والسمنة وارتفاع ضغط الدم وارتفاع الكولسترول والإجهاد هي أكثر شيوعا بين الأقل حظا من التعليم والدخل وأيضا صعوبة تحمل تغيير نمط الحياة لا يبقيه بعيدا عن خطر الوقوع بنوبة قلبية محتملة. فكيف يمكن للأنظمة الاقتصادية التي تعزز الإقصاء الاجتماعي والنزعة الاستهلاكية أن تسهم في منع تطور أمراض القلب والأوعية الدموية؟ وهناك سؤال آخر سيكون وهل سيتم ضمان إمكانية الوصول إلى هذا النوع من الرعاية بالتساوي لجميع المرضى، بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية والحالة الاقتصادية التي هي مشارك فيها؟ كما يجدر طرح السؤال التالي هل يمكن أن يؤدي الاستبعاد الاجتماعي، الذي يقوده النموذج الاستهلاكي الرأسمالي حتمًا، إلى تحديد نوع الرعاية والتشخيص والعلاج للمرضى الذين تم إنقاذهم أحياء من الموت القلبي المفاجئ؟ ويسمح لنا بطرح سؤال آخر هل الاستبعاد الاجتماعي من الضحايا هم حتما الملايين من البشر في المنطقة العربية سوف تلعب دورا حاسما في ارتفاع حالات توقف القلب المفاجئ في عصرنا الحالي؟ ومن الواضح أن الإجابة على هذه الأسئلة بغض النظر عن الأيديولوجية التي لديها، لا يمكن العثور عليها في مصدر آخر غير النظام الاقتصادي والسياسي وبالتالي الاجتماعي الذي يسود في الدول العربية، وسياسات الحكومات العربية للحفاظ على الصحة والحياة "الإرادة السياسية"، وينبغي أن توجه لتوفير الرعاية الطبية ممتازة مع أقل قدر من المخاطر للمريض، بغض النظر عن القوة الاقتصادية والحالة الاجتماعية أو الدين أو العقيدة أو العرق أو الجنس أو الأيديولوجية لأولئك الذين يعانون من فقدان الصحة.

هنا يجب أن نكون مدركين أن الحكومات هي المسئولة الحقيقية عن مصير شعوبها ولذلك فهي بسببها يجب أن تكون الإرادة السياسية للحكومات لعكس هذا الواقع المشترك قاسما مشتركا لجميع الدول العربية بهذه الطريقة فقط يمكن التصدي للتحدي الهائل لوباء القلب والأوعية الدموية في القرن الحادي والعشرين .وان الفقر والجهل ما هو إلا نتيجة الأمية والإقصاء الاجتماعي للأنظمة الطبيعة الأنانية لا تكون بالضرورة أفضل مستقبل نحلم به للبشرية، مهما كانت الإجابة كقناعة بالنموذج والقيم التي ندافع عنها، فلذا ما الذي يجب أن يكون الحل الأساس للنموذج السياسي والاجتماعي للشعوب العربية المنهكة هل هو الوجود أم انه غير الوجود؟ وذلك هو من سيحدد في النهاية الحلول وهو ما سيسمح بالنظر في العلاقة القائمة بين الاستبعاد الاجتماعي والموت القلبي المفاجئ.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

كتبَ المُستَشرِقونَ كتباً عديدةً، وفي مختلفِ حقولِ المعرفةِ، وصَنَّفوا مصنفاتٍ ضخمةً بمجلداتٍ كثيرةٍ، تَناوَلُوا فيها تأريخَنا وحضارتَنا ودينَنا. وكان أكثَرُهُم منحازين متعصبين، لم يَكُن رائِدُهم البحثَ العلميَّ؛ لانَّ اغلبيَتَهُم كانوا موظفينَ يعملونَ لصالح وزارة المستعمرات. واستثني القليلَ القليلَ منهم الذين كتبوا بانصاف .

اثارَ المستشرقونَ قضيةَ قسوةِ العقوباتِ الاسلاميَّةِ ووحشيتِها ؛ وانها عقوباتٌ أَفرَزَتها الصحراءُ وَقَسوَتُها وَجفافُها . وتابعهم في مقولتهم هذهِ بعضُ الحداثويينَ من أَبناءِ امتنا.

العقوبةُ والأَلَمُ

قبلَ أَن يَتَهِمَ هؤلاء الباحثونَ نظامَ العقوباتِ في الاسلام، كان عليهم أَن يَتَأَمَلُوا في العُقُوباتِ بشكلٍ عامٍ، فهل بامكانِهم أَن يُقَدِّمُوا لنا عقوبةً من دون المٍ؟ لايمكن ذلكَ؛لانَّ العقوبةَ متقومةٌ بالالم، والالمُ جزءٌ لايتجزأ من العقوبة ؛ لان الغرضَ من العُقُوبةِ هو تحقيقُ الردع، ولايمكنُ أَن يحصَلَ رَدعٌ من دون ألَمٍ.

وانا هنا أتَكَلَمُ عن اصل الايلام في العقوبة، لاعن كميةِ الالمِ وكيفيتِهِ.

فالعقوبةُ قد تَتَضَمَنُ أَلَماً خفيفاً او شديداً، ولكنَّهُ الم. هذا عن الكميّة، امّا الكيفيّةُ ؛ فالعقوباتُ انواعٌ مختلِفَةٌ وليست نوعاً واحداً .... فقد تكونُ العقوبةُ سجناً أو اِقامةً جَبريّةً، أوابعاداً، اوحرماناً من بعض الامتيازات، أَو غرامةً ماليّةً، ولكنّها جميعاً تشتركُ بعُنصر الالم؛ لانَّ وظيفةَ الالمِ في العُقُوبةِ هي تحقيقُ الردع.

التَجانُسُ بين الجريمةِ والعُقُوبةِ

في العقوبةِ لابُدَّ أَن يكونَ هناك تَجانُسٌ بينَ الجريمةِ والعقوبةِ؛ من اجل أَن تَكونَ العقوبةُ عادِلَةً . فلايصح ان يعاقبَ كبار المجرمين مع من ارتَكَبَ مخالفةً بسيطةً بعقوبةٍ واحدةٍ، كما يحصل -اليومَ- في اغلب سجون العالم .

المُماثلةُ بين الجريمةِ والعُقُوبةِ

من اجلِ أَن يَتَحَقَقُ الردعُ في العقوبةِ، لابُدَّ ان تكونَ هناك مُماثَلَةٌ بينَ الجريمةِ والعقوبة .

في نظام القصاص الاسلامي هناك مماثلةٌ بين الجريمةِ والعقاب، وهذا مااشارت اليه الاياتُ التاليةُ :

(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). البقرة : الاية:179.

(الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).البقرة : الاية : 194.

(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). المائدة: الاية : 45.

(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ). النحل: الاية : (126) .

والمماثلة بين الفعل والعقوبة ليست مماثلةً تامةً في كل الخصوصيات، فالقاتل الذي مثَّلَ بضحيتهِ، يقتلُ قِصاصاً ولايجوزُ التمثيلُ به مماثلةً لفعلِ القاتلِ .

ولاتشترط المماثلةُ بالخصوصيات الطارئة، كأن يقتصَّ منه في الليل ؛ لان القتلَ وقعَ في الليل.

العقوباتُ الاسلاميّةُ وحمايةُ القِيَمِ

العقوباتُ الاسلاميةُ تستهدف حماية الكليات الضرورية، كحماية الدينِ والعقل والنفس والمال، اي حماية القيم الكبرى، ولاتستهدف حمايةَ حاكمٍ او نظامٍ او مصالح فئاتٍ محدودة، وطبقاتٍ معينّةٍ .

الذين يتحدثون عن قسوة عقوبة الزنا، لايتحدثون عن هذه العقوبة ضمن سياقها الثقافي والقيمي، فاقامة الجلد اوالرجم في مجتمعٍ أُطلِقَت في الغرائزُ والشهواتُ من عقالها، اقامتها في مجتمعٍ لايقيم وزناً للفضيلةِ .. تكون العقوبة قاسية.. اما العقوبة في السياق الثقافي والاخلاقي للمجتمع المسلم الذي تسود فيه الفضيلة، مجتمع تؤمن فيهِ حاجاتُ الناسِ الغرائزية عبر الزواج، ومجتمع تسيجه الفضيلة وتحرسهُ القيم، لاتكون فيه هذهِ العقوبة قاسيّة .

الذين يتحدثون عن قسوة عقوبة الزنا،ينبغي ان ينتبهوا الى ان الشروط التي وضعها المُشَرِّعُ في اثبات الزنا شروطٌ صعبةٌ يصعبُ اثباتُها. فالاسلامُ يشترط لاثبات الزنا حتى يقام الحد، اربعة شهداء يرون العملية كاملةً .وفي حياة رسول الله (ص) لم تثبت جريمة الزنا الا بالاقرار، لحالتين هما: ماعز بن مالك، والمرأة الغامدية، هما أَقَرّا على نفسيهما بالزنا .

والذين يتحدثون عن السرقة يتناسون ان السارق في عام المجاعة لاتقطع يده .ويتناسون ان الفقه الاسلاميَّ وضعَ قاعدة: (درءُ الحدودِ بالشبهات) .

الاسلام وصفةٌ كاملةٌ للحياة، يجب ان تطبقَ كاملةً غيرَ منقوصة . الذين طبقوا الحدود مبتورةً عن سياقها التشريعي، قدموا صورة مشوهة للاسلام . شوهوا لوحة الاسلام الجميلة باقتطاعِ جزءِ مهم من التشريع وانتزاعه من سياقه التشريعي، فشوهوا اللوحةَ الجميلة.

 

زعيم الخيرالله

 

 

اياد الزهيرييحكي تاريخ الأنسانيه بأنه مسيرة كفاح من أجل الحريه، وهي أنشودتها التي تغنت بها عبر الزمن، ومعشوقتها التي هامت بها عبر مسيرتها النضاليه . بدون الحريه لا يمكننا الكلام عن الأنسانيه، فهي عنوانها وصميم وجودها، فلا معنى للأنسانيه بدون الحريه، ولكن من المفارقات أن هناك من يهرب منها وكأنها تمثل حالة الا معقول والمقبول، وهذه لا شك مفارقه لا يمكن فهمها الا بالغوص بها والتعرف عليها والكشف عن أسبابها أملآ بأجلاء هذا الغموض وتعرية دوافعه الحقيقيه لكي يتجلى السبب الحقيقي للنكوص الذي أصاب بعض المجتمعات والأشخاص عبر أستمراءهم للعبوديه والتأقلم معها، بل والرغبه بعدم مغادرة قفصها الى حيث فضاء الحريه . لاشك ولا ريب بأن هناك علل قادت الى التلبس بالعبوديه وأستمراءها بل والممانعه عن مغادرتها. من الواضح أن هناك نوع من البشر تعرضوا الى حاله طويله ومزمنه من الأستعباد والقمع مما أنساهم حريتهم وأفقدهم الأحساس بها تمامآ. هذا النوع من البشر خضعوا الى نوع من الحكام الذين يتسمون بالساديه، والمصابون بأدمان السلطه، ويتمتعون بسلوك عنفي شديد، ومصاديق هؤلاء الحكام المستبدون من نيرون وفرعون الى هتلر وستالين وصدام حسين الى ملوك السعوديه، مقابل شعوب خضعت لظروف قاسيه في جو من الأستبداد والقهر والحرمان البسهم ثوب العبوديه والخضوع، طبعآ الناس في هكذا ظروف تنقسم الى ثلاث أصناف، واحده مقاومه وأخرى منزويه ومنكفئه وثالثه متزلفه خانعه، وطبعآ طبيعة الشعوب وموروثها الثقافي والقيمي يساهم في أتساع واحده من هذه الأصناف على الأخرى، ومن الملاحظ أن هناك نسبه غير قليله من الشعوب العربيه قد تكيفت مع الأستبداد وألفته حتى عادت تعتبره شرطآ من شروط السلامه والعيش الهنيء . هذه الشريحه التي أستطيبت العبوديه يطلق عليها صفة المازوخيه وهي شريحه تتلذذ بالقسوه الموجه لها من قبل الحاكم الذي يتصف بالساديه، وهو بالضد من الأول حيث يستمتع بتوجيه القسوه والعنف الى الأخر الضحيه، وبالحقيقه أن الفئتين مصابه بالشذوذ النفسي وأحد الطرفين ضحيه للأخر، فواحد كان له أستعداد للقسوه أما  الآخرفكان له أستعداد لتقبل القسوه، وخير من عبر عن هذه الحاله المفكر الأسلامي الجزائري مالك بن نبي عندما وصفهم بأن هناك جهه مستعمره وأخرى لها القابليه على الأستعمار، ولو رجعنا الى هذه الظاهره لوجدنا لها حضور شديد في بلداننا العربيه وخاصه الشرقيه منها ومنها العراق، حيث تعرضت شعوب هذه المنطقه الى زمن طويل من القسوه من قبل حكامها حتى قال أحد طغاة بني أميه ( من قال لنا برأسه هكذا قلنا له بسيوفنا هكذا) أنه أسلوب القوه والعنف وهو المبدأ الذي سار عليه كل من حكم هذه الشعوب ومنذ قيام الدوله الأمويه ولحد هذه الساعه ترزخ هذه الشعوب تحت حد السيف والقوه العنفيه الظالمه، حتى أن بعض هؤلاء الحكام ممن قتل أخوانه خوفآ من أن ينازعونه الحكم ومنهم المأمون العباسي والسلطان العثماني مراد الأول الذي قتل شقيقه محمود وأبنه وعمل على نفس المنوال السلطان محمد الفاتح وسليم الأول وهناك الكثير في تاريخنا الملطخ بالدم والجريمه. ولو رجعنا لما تعرض الشعب العراقي من تاريخ طويل من الظلم والأضطهاد من قبل الدوله الأمويه والعباسيه والعثمانيه أنتهاءآ بحكم البعث الذي أستمر 35 سنه والذي تعرض فيه الشعب العراقي الى أقسى أنواع الظلم والأضطهاد مضاف اليه الحروب والحصار الأقتصادي والذي تعرض له الشعب الى مجاعه قاسيه .كل هذه الظروف ساهمت بكسر أرادة الكثير، وأستسلام العديد من الشرائح الأجتماعيه، وهي حاله معروفه ومشخصه لدى علماء النفس الأجتماعي والتي يتعرض فيها الأنسان الى ضغوط قاسيه تساهم في تغير منظومته القيميه والأخلاقيه ويستسلم فيها الى القدر وتنتج شعبآ يمتاز بالأتكاليه واللأمسؤوليه بالأضافه الى أستخدام أساليب التذلل والخنوع من أجل البقاء.أي يتعايش مع الظلم والعبوديه من أجل السلامه. هذه الأسباب والظروف التي مر بها الشعب العراقي هي ما فسرت لي أسباب ميل الكثير لرجوع النظام الصدامي، بل والترحم على الدكتاتور .صحيح فشل الحكام الجدد كان أحد الأسباب لكن الشعوب التواقه للحريه لا تسمح لنفسها بأن تعبر عن رغبتها برجوع الدكتاتور مهما كان الثمن .

من الواضح أن القبول بالخضوع والتكيف معه لم يكن نتاج الأنظمه الحاكمه فقط،بل نوع التربيه الأسريه ذات الطابع البطريركي، والنظام العشائري بمنظومته القيميه وأعرافه العشائريه القائم على أساس السطوه والقوه أتجاه الأبناء،والذي يخلق منهم أبناء خانعين الى حد الذله والمسكنه، مما يفقدهم حس الحوار والأعتزاز بالذات، ويسلبهم القابليه على النقاش فيكونون فقد متلقين قانعين، كما أن هذه المنظومه الأجتماعيه دفعت بالفرد الى القناعه التي تصور له أن لا مفر من العيش بسلام والحصول على فرصة القبول أجتماعيآ الا من خلال التأقلم مع الواقع الأستبدادي وأعتباره هو الحاله الطبيعيه والتصور أن العكس هو المشاكسه والشذوذ، وهذا هو ما جعل من الأغلبيه هي الخانعه والأقليه هي المناهضه والمقاومه، والواقع في كل العالم يظهر وبوضوح أقلية الطبقات المكافحه مقابل أكثريه مهادنه خاضعه . يمكننا أضافه لما سبق من الأسباب للتأقلم للعبوديه هو أن هناك أسباب أخرى لا تقل أهميه من الأولى الا وهو الأميه الثقافيه والتي يعبر فيها الفرد عن أهماله للقيم الحضاريه وعلى رأسها الحريه، فتراهم يضحون بها من أجل حفنه من المال، كما حصل عندنا بالعراق في فترة الأنتخابات البرلمانيه والتي باع فيها الكثير أرادتهم البرلمانيه مقابل بطانيه أو مدفأه كهربائيه، بل هناك من باع صوته مقابل شريحه تلفون، هذا المواطن يكون مستعد لبيع وطنه بأقل الأثمان، وله القابليه أن يبيع حريته حتى للشيطان، كما أن أزدياد ظاهرة الأستهلاك وبروز النزعه الماديه ساهم وبشكل مخيف بظهور ظاهره غايه في الخطوره على مستقبل الوطن الا وهي غياب الشعور بالمواطنه، وهذه لا تظهر الا عندما ينكفأ المواطن على نفسه ولا يفكر الا بمصلحته ورفاهيته فقط، وهذه الظاهره تنضج في الظروف الماديه وغياب المثل العليا في المجتمع، فيصبح كما يقول المثل (كل شيء يباع ويشترى في روما). ان الشعوب التي تخضع لفتره طويله للقمع والقسوه تصاب لا شك باليأس والأحباط والركون للأستسلام فتفقد أحساسها بالحريه وتكون تبعيتها للأقوى، وهذا ما يفسر تصفيق الجماهير لكل حاكم قادم وخاصه اذا كان دكتاتورآ، لذى تكون الحكومات المستبده في غاية السعاده والأطمئنان عندما تتصف شعوبهم بالمسكنه وقبول الأمر الواقع، وهذا ما يذكرني بواقعه عندما كنا في معسكر اللجوء في المملكه السعوديه عندما سأل احد المحتجزين الحرس السعودي لماذا انتم لحد الان يحكمكم ملك فكان رد الجندي بجواب يفوق التصور وقد شكل لي صدمه عندما قال (ان الملك متفضل علينا نحن نعيش على ارضه) انه يعتبر ان الملك يملك الأرض وما عليها ويملكه هو، هذه الشعوب وصلت الى هذا المستوى من الآستلاب، وهذا المستوى هو ما يسعد كل دكتاتور لأنها الحاله التي توفر له قدر كبير من الأستقرار وعدم خروج المعارضه عليه . كما ينيغي ان نشير الى ان هناك مذاهب دينيه تكرس حالة الخضوع الى ولي الأمر وتثقف عليها على انه التزام ديني وعقائدي وان ولي الأمر احق ان يتبع ويطاع في كل الظروف والأحوال وأن الخروج عليه من الموبقات، وأعتبار الخروج عليه خروج على الجماعه وهنا يعاقب بحد السيف، حيث يسوقون عليه مبدأ ( من خرج على الجماعه أضربوه بالسيف كائن ما يكون)، وما أحكام قطع الأعناق بالسيف في المملكه السعوديه الا مصداق لهذا . أن أستئناس بعض الشعوب بالعبوديه يشكل أخطر حالة نكوص أجتماعي مما يستصعب فك أسرها منها، ويشكل عائقآ كبيرآ لكل رجالات الثوره الذين يبغون تحرير هذه الشعوب من واقعها فتشكل لهم حاجزآ منيعآ لحماية الدكتاتوريات، ويعطون فرص أكبر لبقائهم متسلطين على رقاب الناس، وهذا ما يتطلب جهدآ أضافيآ لكل الأحرار الذين يسعون الى رفع الحيف والظلم من شعوبهم، ومنها على سبيل المثال توفير جهد أستثنائي للقيام بحاله التوعيه لهم وهو أمر صعب في ظروف يستخدم فيها النظام أقسى درجات العنف ضد معارضيه وكل من ينشط في تعريف الناس بحقوقهم الأساسيه والذي تعتبرها هذه الأنظمه أخلال بالأمن العام وجريره يحكم على القائمين بها بالخيانه العظمى والتي تكون أحكامها الأعدام أما شنقآ او رميآ بالرصاص وفي زمن صدام أضافه لذلك الأعدام بالتيزاب أو الدفن حيآ . كل ذلك لا يمنع صيرورة الشعوب من المسير الى الأمام عن طريق التوعيه الجماهيريه التي يتعرف من خلالها الجمهور على حقوقهم الأساسيه، وغرس حب الحريه في نفوسهم، وأن الأنسان لا يمكنه العيش بدونها، وأنها هي من تعطي المعنى الحقيقي للحياة، وأن يتعلم الأنسان بأن مطلب الحريه هو مطلبآ دينيا كما قال الأمام علي (متى أستعبتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارآ، وكذلك القران الكريم (وكرمنا بني أدم).

 

أياد الزهيري

 

منى زيتونكثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن التحرش الجنسي والمسئول عن انتشاره في المجتمع المصري، والقاهري تحديدًا، وكان الحديث مصحوبًا بتبادل لإلقاء التهم عن النوع المسئول عن انتشار الظاهرة، هل هم الرجال أم النساء؟ والعجيب أن كلا الجنسين قد تباينت آراؤهم حول إلقاء مسئولية تلك الجريمة الاجتماعية التي انتشرت في مجتمعنا؛ فقسم من الرجال والنساء بالمجتمع يصرون على أن ثياب النساء المثيرة –على حد وصفهم-  هي السبب الرئيسي، في الوقت الذي يعجزون فيه عن تفسير عدم وجود تلك الظاهرة في عقود مضت كانت أزياء النساء فيها أكثر تحررًا، وقسم يُصرون على أن الثياب لم تكن يومًا في مجتمعنا وفي مجتمعات أخرى سببًا في انتشار التحرش كما هو الحادث في المجتمع المصري في السنوات الأخيرة، وعليه فهم يرون أن سلوكيات الشباب أصبحت مشينة، وحدث تغير في الثقافة الفرعية لتلك الفئة العمرية إزاء ما يكون مقبولًا عند التعامل مع المرأة.

في بدايات القرن العشرين كانت المرأة محوطة باهتمام وعناية الرجل المصري بشكل يكاد يقارب الوضع في المجتمعات الخليجية اليوم؛ فهو يبالغ في حمايتها ويقلل وقت خروجها من المنزل قدر المستطاع، وحتى عندما بدأ تعليم المرأة في الانتشار كانت أغلب النساء يتعلمن حتى يبلغن، ونادرًا ما كان يُسمح لهن بإكمال دراستهن الثانوية، وفي النصف الثاني من القرن العشرين، خاصة مع بدء عقد السبعينيات، انتشر التعليم الجامعي بين النساء في مصر، وأصبح المجتمع المصري ككل أكثر تحررًا إزاء تقبل تعليم وأزياء المرأة، ومع ذلك بقي الرجل شهمًا معها، يحرص عليها ويحميها، ولكن بدرجة أقل بكثير من الحماية المفرطة التي كانت تُحاط بها في بدايات القرن.

ثم تغيرت ثقافة المجتمع المصري فيما يخص المرأة. تغير الرجل المصري بشكل لافت في العقود الأخيرة، فلم تعد المرأة تحظى بالحماية والرعاية مثلما كان يحدث في جيل أبيه، ولم يتوقف الأمر عند انتشار ضعف الإحساس بالمسئولية لدى فئات عريضة من الرجال، بل انتشر التحرش الجنسي في المجتمع المصري‏!

فماذا يرى علم النفس؟ وكيف يفسر انتشار هذه الظاهرة الاجتماعية؟

وإجابتي أنا شخصيًا عن هذا السؤال بأنه يمكن تفسير انتشار تلك السلوكيات في ضوء نظرية التعلم الاجتماعي بالنمذجة، لعالم النفس الأمريكي المعاصر روبرت باندورا.

قديمًا، كان النموذج الذي يعرض ‏سلوكًا معينًا ذا نتائج تعزيزية، فيما يتعلق بمعاملة النساء، هو نموذج الشاب الشهم الجدع، الذي ‏يرعى الحرمات ويحافظ على بنات منطقته، حتى أنه يمكن أن يدخل في مشاحنات لأجلهن مع ‏شباب من منطقة أخرى، ولا يجرؤ شاب غريب أن يتعرض لهن، وإلا ووفقًا لتعبير أهل الشام (راح ياكل قتلة من شباب الحارة). هذا النموذج يكاد يكون اختفى الآن من المجتمع المصري، وسبق ‏اختفاؤه من المجتمع اختفاؤه من الإعلام؛ حيث ساعدت النماذج السلوكية الحقيرة التي يعرضها الإعلام على تعلم الأنماط ‏السلوكية الجديدة الخاصة بالتحرش، وعلى كف السلوكيات التي سبق أن تعلمها المصريون طوال تاريخهم عن معاملة ‏الشهم للنساء؛ حيث يسهم التعلم بالملاحظة والنمذجة في نقل ثقافة المجتمع إلى الناشئة، والتي من الواضح تمامًا أنها قد تغيرت.

ولمزيد من الإيضاح أعرض لأهم ملامح النظرية؛ إذ يرى باندورا أنه بما أن الإنسان في تفاعل دائم ومستمر مع بيئته، فإنه يتلقى العديد من المثيرات التي تؤثر عليه وتدفعه للاستجابة لها، وأن الإنسان يتعلم المعايير والقيم والعادات الاجتماعية والمعارف والمهارات من خلال النمذجة، حيث يحدث هذا التعلم من خلال المواقف التي تتضمن علاقة فرد بآخر أو فرد بجماعة، حينما يحدث تأثير متبادل بينهما، فيتم تعلم أنماط السلوك من خلال ملاحظة الآخرين وتقليدهم؛ والبيئة الخارجية تقدم للفرد نماذج كثيرة من السلوك التي يقوم الفرد بتمثل سلوكها، كالطفل الصغير يحاول دائمًا أن يقلد سلوك الكبار.

والتعلم الاجتماعي يؤكد أننا نتعلم الكثير بملاحظة من حولنا، فعملية النمذجة هي عملية نسخ سلوك آخرين مهمين للفرد، واكتساب السلوك الاجتماعي يقوم على الملاحظة، فإذا فعل أشخاص صغارًا أو كبارًا سلوكًا غريبًا في المجتمع فهذا دليل ملاحظتهم لشخص قام به أمامهم. ولا يُشترط أن يتم تنفيذ ما تم تعلمه من خلال الملاحظة مباشرة، أي بعد الانتهاء من عملية الملاحظة، وإنما يتم تخزينه في الذاكرة على شكل حوادث حسية أو استجابات رمزية، على أن يتم استدعاؤه لاحقًا عندما يتطلب الأمر القيام به.

كما أن الملاحظة لا تتم بشكل أوتوماتيكي بل تتم على نحو انتقائي، وقد لفت باندورا الانتباه إلى النموذج أو القدوة أو ما يسمى بـ البطل (hero) بالنسبة للطفل أو للمراهق. فإن كان الوالدان هما الأبطال لدى الأطفال، فإن الأفراد ذوو المكانة الاجتماعية العالية أو الجاذبية يمكن أن يكونوا مثارًا للملاحظة والتقليد، خاصة من قبل المراهقين، وقطعًا نعرف من هم هؤلاء النماذج الأبطال الذين يقلدهم المراهقون بمجتمعنا في العقود الأخيرة.

والأدهى أن المراهقين يقلدون بعضهم بعضًا إذا كانوا متشابهين؛ فجماعة الرفاق تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل سلوك المراهق، وإذا ما اعوج أحدهم فقد يؤثر في الباقين حسب وضعه ومكانته في الجماعة الصغيرة.

والآن، وبعد هذا التحليل والتفسير، ما هو العلاج لظاهرة التحرش السلوكية الخطيرة؟

1-  الناس يتعلمون فعل ما يقومون بملاحظته في سلوك الآخرين، فيجب أن نكون منتبهين إلى تقديم نماذج من السلوك المرغوب أمامهم، والإقلال ما أمكن من نماذج السلوك غير المرغوب. ولا يلزم فقط تقليل انتشار نموذج المتحرش والبلطجي في المسلسلات والإعلام، وهو ما يُلقي العبء على الرقابة على المصنفات الفنية، بل إن تلك الحملات التي تتم ضد عرض تلك الأفلام وإظهار الاستهجان والكراهية لتلك النماذج السلوكية هو أمر ضروري لتحويل التعزيز الإبدالي لدى المراهقين الذين يقلدونها إلى عقاب.

والجيد أن ما يتأثر به المراهق بدرجة أكبر هي النماذج التي تنتمي لمجتمعه، ومن ثم فإن أي مزاعم تُلقى عن عدم القدرة على التحكم في الأفلام الأجنبية التي يمكن للمراهقين مشاهدتها عبر شبكة الانترنت ليس ذي بال؛ لأن ما يؤثر فيهم أكثر ويقلدونه هو السلوكيات التي يقوم بها أفراد من مجتمعهم.

2- يجب أن يتلقى المراهق عقابًا على سلوكه الشخصي السيء تجاه المرأة، كي يتمكن من مقارنة التعزيز في المقابل على سلوكه وأفعاله الحميدة في مواقف أخرى، وفي كلتا الحالتين يؤثر الثواب والعقاب على السلوك تأثيرًا كبيرًا. وينبغي ألا يكون هذا العقاب فقط بالحبس أو الضرب من الآباء، بل يجب أن نعي جيدًا أن إظهار الاستهجان والاحتقار لتلك السلوكيات أقوى تأثيرًا من أي عقاب آخر.

3- إذا تغيرت الأفكار تغيرت السلوكيات؛ لذا يجب تعزيز مفاهيم الرجولة الحقة لدى النشء؛ فالرجولة لا تعني إظهار فحولة زائفة قذرة، والرجل الحقيقي لا يتهافت على النساء حتى لو كن متبذلات، بل إن إهمال الرجال للمتبذلات واحتقارهن هو مدعاة لهن لتغيير سلوكهن. فهل تسمح لنفسك بأن تغير متبذلة سلوكك؟

4- يجب إعادة نموذج ابن البلد الشهم الجدع كنموذج يُقتدى به في حياتنا وفي إعلامنا، مع إظهار الإعجاب به؛ كي يكون هذا تعزيزًا كافيًا للمراهقين يدعوهم لتقليده، مع التأكيد على نماذج دينية وتاريخية تؤكد على السلوكيات المرغوبة عند التعامل مع المرأة، تعطي مزيدًا من التعزيز.

5- مراقبة الآباء والأمهات لسلوكيات جماعة الرفاق التي ينخرط فيها أي من أبنائهم ضرورة؛ لأن المراهقين يقلدون بعضهم بعضًا، ورأي الرفاق في سلوكيات المراهق يكون أهم من رأي والديه؛ لذا يجب أن تعرف مع من يقضي ابنك أوقاته.

 

د. منى زيتون

 

قاسم حسين صالحتنويه: عقدت منظمة الجوهرة للتعليم والخدمات العامة مؤتمرا علميا تحت شعار (من اجل مجتمع خال من المخدرات). وفي عصر اليوم ذاته (السبت 22حزيران 2019) اقام الأتحاد العربي للأعلام الألكتروني بالتعاون مع تجمع عقول ندوة علمية في ملتقى رضا علوان الثقافي بعنوان (المخدرات: حجمها، أسبابها، مخاطرها، والحلول).. وكان لنا شرف ادارة النشاطين وتقديم ورقة فيما يأتي عرض مكثف لها.

مؤشرات

كان العراق يحتل مرتبة متأخرة بقائمة المخدرات في سبعينيات القرن الماضي بحسب تقارير دولية اشارت الى انه كان ممرا لها فقط، فأصبح بعد 2003 مستهلكا لها وشاع تعاطيها وصارت تباع على ارصفة الشوارع.

وتقدم الأحصاءات مؤشرات خطيرة عن حجمها، اذ تشير أولها الى وجود ثلاثة مدمنين على المخدرات من بين كل عشرة افراد وفقا لمستشفى ابن رشد للمراض النفسية، فيما يذكر تقرير الامم المتحدة ان من بين كل عشرة اشخاص اعمارهم بين 18 -30 سنة، يدمن ثلاثة.. وبين كل ثلاثة منتسبين في القوات الامنية يتعاطى واحد منهم مادة مخدرة. وتفيد إحصاءات العيادات الخارجية بالمستشفيات الحكومية في العام 2009 بأن عدد المدمنين على الكحول والحبوب الطبية المؤثرة عقليا بلغ 2017 مصابا، يرقد منهم في المستشفيات نحو 320 شخصا، فيما تذكر إحصائية الهيئة الوطنية لمكافحة المخدرات بإن عدد المدمنين المسجلين هو( 16) الفا بينهم أكثر من ألف طفل أعمارهم بين (10-14) بمحافظة بغداد لوحدها. وبحسب آخر إحصائية للهيئة الوطنية العليا لمكافحة المخدرات، هناك أكثر من 7000 حالة إدمان في العراق، مضيفة بان "الحبوب المخدرة أُسيء استخدامها من بعض الشباب فتعاطوها كمواد مخدرة رخيصة الثمن يسهل الحصول عليها" . وفي ذي قار لوحدها بلغ عدد المراجعين من مدمني المخدرات والحبوب بمستشفى الحسين التعليمي بمدينة الناصرية إلى 25 شخصا اسبوعيا، عدا كثيرين لا يراجعون المستشفيات، لأن تعاطي المخدرات يمثل عارا بالمجتمع العراقي.

 وفي اقليم كردستان أعلن العميد جلال امين بك مدير مكافحة المخدرات بمديرية الاسايش في السليمانية اعتقال (310) شخصا عام 2016 بتهمة تعاطي المواد المخدرة والاتجار بها مقابل اعتقال (150) شخصا عام 2015 صدرت بحقهم أحكام بالسجن تصل الى (15) عاما، فيما شهد عام 2016 انخراط النساء بتجارة المخدرات، وتشير تقارير بأن الشباب يشكلون الغالبية العظمى من المتعاطين للمخدرات والمؤثرات العقلية بكردستان إذ بلغت نسبتهم (91%) من الموقوفين، ينتمي 38% منهم لأسر فقيرة.

وتثبت الوقائع بأن المنافذ الحدودية مع ايران هي المصدر الرئيس لدخول المخدرات، اذ تم ضبط 16 مليون حبة مخدرات تم ادخالها الى العراق عن طريق ميناء البصرة الدولي، وايقاف شحنة حقائب مدرسية محشوة بحبوب مخدرة من نوع (الكبتاجون) يصل سعرها الى 500 مليون دينار عراقي، وحرق اكثر من طن مخدرات في كردستان دخلت من ايران.

 ومع ان هنالك مبالغة في بعض النسب اعلاه، وعدم دقة تعود الى ان المتعاطي والمتاجر لا يكشف عن نفسه خوفا من العار الاجتماعي، فان هذه الجهات الرسمية وشبه الرسمية بمعظم المحافظات، والدولية ايضا تتفق على ان المخدرات شاعت في العراق.. وأن الحقيقة المؤكدة التي نخرج بها ان حجم المخدرات قد اصبح ظاهرة خطيرة منتشرة في جميع المحافظات تتصدرها البصرة، بغداد، ذي قار، وكربلاء!

الأسباب

 تتنوع الأسباب وتتداخل، غير أن أهم سببين بين ما كان وما حصل أن الدولة قبل 2003 كانت قوية في تطبيق القانون بعقوبات تصل حد الأعدام لمن يتاجر بالمخدرات، وان تعاطي الكحول كان مباحا، وبالصريح فأن الفضل يعود الى العرق العراقي.. لأن من يتعاطاه لا تكون لديه حاجة الى أي مخدر مهما كان قويا.. فيما الذي حصل بعد 2003 أن الدولة بمفهومها الأمني لم تعد موجودة، وان محلات بيع الكحول تم غلقها بمعظم المحافظات، فضلا عن دعوة ممثلي احزاب الاسلام السياسي في البرلمان العراقي بتحريم الكحول، وقيام بعض المليشيات بحرق عدد من محلات بيعها لاسيما في البصرة.

وتتلخص الاسباب العراقية الجديدة بان حكومات المحاصصة بعد 2003 كانت منتجة للازمات عبر سبع عشرة سنة ومنشغلة فقط بمصالحها، ولا يوجد هنالك حزب في السلطة يقدّم المصلحة العامة على مصالحه الخاصة. وطبيعي أن حالا كهذا يؤدي الى نشوء حالات اجتماعية سلبية تتطور بتوالي الأزمات الى ظواهر كان أخطرها تضاعف حالات الطلاق والانتحار وتعاطي المخدرات.

واقتصاديا وسيكولوجيا، كان تفشي البطالة بين الشباب بشكل غير مسبوق، وتوالي الخيبات أحد أهم الأسباب التي دفعت الشباب الذين يشعرون بالضياع وانعدام المعنى من الحياة والأكتئاب والخوف من المستقبل الى تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية، فضلا عن عدم وجود معالجات واقعية وصحية وعلمية من الحكومة الاتحادية. ومن المفارقات.. ان الحكومة في العراق هي بيد احزاب الأسلام السياسي، وان الدين الذي تدعو الى تطبيقه يحرّم المخدرات، فيما واقع الحال انها صارت في زمنها مشاعه ولم تكن موجودة في زمن الحكم العلماني!. والثانية الأقبح يشخصّها مركز الفرات للدراسات بأن" الاشكاليات السياسية والدستورية، استغلتها قوى سياسية متنفذة لتعزيز مواردها المالية.. وأن انخفاض اسعار النفط عام 2014 وحاجتها لتمويل نشاطاتها عبر لجانها الاقتصادية في ظل توسع نشاطها السياسي والاعلامي الذي يتطلب تمويلا كبيرا، دفعها الى الامعان في السلوكيات غير القانونية، استغلت قوتها وقدراتها في موضوعات الاتجار بالسلاح والمخدرات والتهريب.. ".

ويؤكد تجار ومهربون، تفاقم ظاهرة تهريب العرق والخمور المستوردة من العراق إلى إيران مقابل تهريب الحشيشة والحبوب المخدرة منها للعراق، وأن تخلخل الاستقرار السياسي دفع القوى السياسية الى ما هو مشروع و غير مشروع في تحصيل مكاسب من بينها سيطرتها على المنافذ الحدودية وممارستها الاستيراد والتصدير، وتوريط مسؤولين عراقيين باشراكهم واعطائهم نسبا من الارباح.. لهدف سياسي ايضا هو الهاء الشباب بالهلوسة وتخديرهم

المخاطر

 يصاب المتعاطي بالهزال بسبب فقدانه لشهية الطعام وتعرضه للاصابة بالأمراض لضعف مناعته، واضطراب بالأعصاب والجهاز الهظمي والتنفسي وفقر الدم وانفجار في الشرايين وفقدان الذاكرة وتآكل الخلايا العصبية بالمخ والصرع والهلوسة وضعف النشاط الجنسي، والأصابة بالعقم وانجاب اطفال مشوهين. وقد يصاب بالذبحة الصدرية والتدرن الرئوي والسرطان.. ويبدو متعاطيها الذي هو في الثلاثين من العمر كما لو كان بعمر الخمسين.

وعلى صعيد الأسرة فأن المخدرات تعدّ من اخطر اسباب التفكك الأسري الذي يبدأ بعدم قدرة افراد الأسرة على تحمل تقلبات مزاج المتعاطي الذي يتطور الى الشجار والعدوان والفراق والطلاق اذا كان متزوجا، و تاثيراته السلبية على الأطفال الذين يرحل عليهم عدوان الأب والأم ايضا، وامتداد تاثيراتها الى مرحلة الرشد، فضلا عن العار الاجتماعي وخجل الأسرة من وجود مدمن فيها. وعلى صعيد المجتمع يؤدي تعاطي المخدرات الى ظهور عصابات ومافيات تتاجر بالمخدرات، وتشكل السبب الرئيس في زيادة حوادث القتل والطرق والسرقة والاحتيال وأختطاف اشخاص او اطفال بهدف الحصول على المال لشراء المخدرات التي يصل فيها سعر الغرام الواحد اكثر من خمسين دولارا(الكرستال مثلا).. تتداخل مع تعطل طاقات الشباب على صعيد الدولة وتورط بعض افراد اجهزتها الأمنية بالتعاطي او المتاجرة بها، وانشغال اجهزتها الصحية في الحد منها ومعالجة الآف المدمنين، وهدر اموال كثيرة يمكن ان تستثمر في بناء المدارس وتأمين الخدمات العامة.

 على أن أخطر وأقبح ما تحدثه المخدرات انها تسلب من المدمن ارادته وتشلّ وعيه.. فيرتكب أبشع الجرائم بقتل أحبته. ففي العراق، قتل شاب مدمن على المخدرات أمه!، وآخر قتل جدته، وآخر قتل شقيقه وشقيقته.. والسبب أنه طلب منهم مالا لشراء المخدرات ولم يعطوه. وتشير الدراسات العربية والأجنبية الى ان المدمن على المخدرات اذا استنفد وسائل التحايل والسرقة والنشل فأنه يقتل أعز ناسه اذا رفضوا اعطائه مالا.

والجريمة الأقبح.. ان متعاطي المخدرات اذا وصل حالة الأدمان عليها فأنه يرتكب فاحشة الزنا بالمحارم. تؤكد ذلك دراسات سعودية ومصرية، حيث افادت اللجنة الوطنية بالمديرية العامة لمكافحة المخدرات في السعودية أن " المخدرات تسلب الفرد ارادته وتدفعه لغشيان محارمه". وفي مصر، يشير استشاري الطب النفسي الدكتور جمال فرويز ان اسباب تكرار زنا المحارم في المجتمع المصري يأتي نتيجة "تعاطي الأشخاص المخدرات.. لاسيما الحشيش والأبتريل.. "، يؤيده الدكتور هاشم بحري أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر" إن زنا المحارم يرجع لعدة أسباب اهمها:غياب الضمير، والوازع الديني، والعادات والتقاليد العائلية، لكن السبب الرئيس في اللجوء لزنا المحارم، وعمليات القتل والسرقة، هو تعاطي المخدرات بنسبة 99%!، بينما النسبة ضئيلة جدًا في مرضى الأمراض العقلية".

اما في العراق.. فالحال موجود ايضا لكنه مسكوت عنه لأسباب تعرفونها.

الحلول

 تتعدد الحلول لكننا ندعو الى تبني حلّ واحد يتمثل بوضع استراتيجية علميه تنفذ على مراحل، يسهم في صياغتها أكاديميون بعلم النفس والاجتماع والتربية، وممثلون عن مجلسي النواب والوزراء، والهيئات المعنية بمكافحة المخدرات، وقانونيون شاركوا بكتابة قانون مكافحة المخدرات رقم (50) لسنة (2017)، يرفع الى مجلس النواب للمصادقة عليها ويلزم الحكومة بتنفيذها.. وبدونه يصح توقع الامم المتحدة بان المخدرات ستفتك بالشباب العراقي ان بقي الحال كما هو.. المجتمع يتعاطى المخدرات والدولة مشغولة بالسرقات!.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

 

عبد الرضا حمد جاسمفي حواره المفتوح مع المثقف الحلقة (41) بعنوان: [اين اختفت خطب الرسول؟] كتب الأستاذ الفاضل ماجد الغرباوي التالي:

http://www.almothaqaf.com/c/c1d-2/922972

 [اتضح مما تقدم أن الرسول لم يتصد لجمع القرآن بنفسه، ولم يجمع أحاديثه وخطبه، ولم ينص صريحا على خلافة أحد من بعده. وهذا يجعلنا نشك بكل ما جاء في التراث، ويفتح آفاقا واسعة للتفكير بجدوى الانقياد لماضٍ لم نعاصره، ولم نستطع التحقق من صدقه. فمن أين جاءوا بهذا العدد الكبير من الأحاديث، وكيف تراكمت الموسوعات الحديثية عبر السنين؟ وما هي حقيقة فتاوى وأحكام رجال الدين؟] انتهى

ووفق ما وصلنا اضع تصور على بعض ما جرى ودار في تلك الحقبة:

الحلول وبشكل مباشر في تطوير مفاهيم الإسلام التي فصلت على مشاكل تلك الحقبة والحدود المحدودة لتطلعات وأمنيات الناس هناك.

أما المشاكل فأعتقد هي بمن نّصب نفسه وصياً على الإرث الخالد الذي تركه محمد الذي قاد ثوره بكل مقاييس عصرنا الحالي مستخدماً ما متوفر من إمكانات فكريه وحركيه ماديه ومعنوية لمعالجة مشاكل عصره وساهم مساهمه راقيه في رفد الفكر الإنساني بشكل لازال محل تقدير ودراسة وتحليل منها:

1- اهتمامه بالقراءة والكتابة بشكل مبكر لما لها من تأثير على الواقع وللمستقبل.

2- أبدع في اقامة تنظيم سري منظم ومتسلسل ومحدد الواجبات وعمل من خلاله على تحريك الناس وتوعيتهم وتثوير ما كان راكد لديهم.

3-  فكر بإقامة تنظيم بديل خارج منطقته من خلال انتدابه لثلة مختارة من أتباعه لترك المنطقة والتوجه إلى الحبشة طالبين اللجوء السياسي وهذه أوائل عمليات اللجوء السياسي الموثقة.

4- قدم نموذج راقي للتكافل الاجتماعي والرعاية الاجتماعية من خلال بيت المال الذي وضع أسسه التنظيمية.

5- قدم نموذج راقي للنظام الضريبي من خلال الزكاة تعمل به كل دول العالم اليوم تقريباً.

6- قدم نموذج للتسامح والعفو عند المقدرة من خلال العفو الذي أطلقه بعد فتح مكة.

7- قدم نموذج مبدع لمكافحة العبودية من خلال احتضانه بلال الحبشي وتكليفه برفع الأذان ووقوفه مرتفعا أعلى من هامات من كانوا أسياداً قبل الاسلام.

8- قدم ما لم يأخذ حقه من التفسير ولم يتم التطرق اليه بما يناسبه من قبل المفسرين والمحللين وهو أنه أدارَ رأسه عن المسجد الأقصى وتوجه للكعبة رغم قدسية الأول ليتفرد ويترك للآخرين ما يتعبدون لأنه أدرك مبكراً أن هذا الموضوع سيكون مثيراً للمشاكل مع العقائد الأخرى التي يحترم ويقدر ولتأكيد ذلك لم يفكر بأن يحرك جيوشه باتجاه المسجد الأقصى بينما تحرك ومن بعده أبو بكر شمالاً وجنوباً.

9- وضع الأسس لتنظيم الجيش والقيادة والخطط العسكرية وتهيئه ما يحتاج له من أعدد وإعداد وإمداد وشحن معنوي.

10- قدم نموذجاً للتواصل وإدارة اللقاءات واحترام المواعيد من خلال تحديده لمواقيت الصلاة التي كان يديرها ويتابع من خلالها تقلب الأحوال وتطورها وألزم اتباعه بضرورة حضور الجمعة كموعد أضاف عليه القدسية لأهميته والمستمر لليوم حيث يهرعون اليه ويتعطرون له دون حتى امر فهو موعد ثابت للاجتماعات في كل مكان منذ أكثر من 1400 عام لا يوجد موعد بقدسيته واكتظاظه وطواعية حضوره الكثيف وانضباط المشاركين فيه والتهيؤ له من الذي قبله.

لقد قاد محمد ثوره هادئة متصاعدة بشكل مدروس سواء في الطروحات النظرية أو المعالجات العملية في مجتمع متخلف مستخدماً فيها خزينة الاجتماعي وشخصيته المتميزة كما يبدو وذكاءه وما تعلمه واستنتجه وطوره من خلال احتكاكه بالحركة التجارية وتواصله مع المحيط القريب والبعيد في رحلتي الشتاء والصيف وكما معروف إن التجارة وأجوائها تعني الصدق والدقة والأمانة والاحترام الغير والوقت والشجاعة والقدرة على خوض العملية والنجاح بها والتقدير الجيد للأمور وحسابات مستقبليه متجددة. لقد استفاد كثيراً من رحلات الشمال التي كانت متواصلة مع شمالها ولاحظ اختلاف الأشكال والمعتقدات والآراء والطباع والطبيعة وأستمع جيداً وناقش تلك المختلفات ليحاول نقل ما يجده مناسب إلى محيطه القريب في مكة والى الجنوب إن أمكن.

كان يقارن بين جمال الطبيعة هناك وبين قساوة الصحراء عند قومه وبين التسامح هناك والعصبية المقيتة عند قومه أثارت فيه هذه الأمور الكثير مما دفعه للتفكير جيداً بعمل شيء وكان كلما أراد أن يستمع لنفسه ويكلمها بصوت عالي يبتعد لينزوي في غار حراء مقتفياً آثر من فعل ذلك قبله من الذين سمع عنهم فقرر البدء بمعالجة الحال سالكاً طريقين هما::

1- سرد حكايات لم يعرف بها الناس للتشويق والاستفادة والتحذير والتخيل لحال أحسن مثل قصص الأنبياء والعقائد السائدة رغم عدم الحاجة إليها دينياً لكنها تثير الاهتمام وتتداول وتتبادل بسرعة.

2- البدء بحل المشاكل التي تواجه الناس يومياً بشكل مقنع ومتدرج مراعياً الحساسيات المتنوعة متبعاً الإقناع وتقديم المثل الحسن فعالج وأد البنات والخمر والزنا والمال والتعاون والاحوال الشخصية وتعدد الزيجات التي حددها بالعدل بعد إن كانت مشاعة وسائبه وبلا ضوابط وغيرها الكثير.

بهذه الطريقة أصبح محمد مع مرور الوقت هو المرجعية لكل من يتعرض له البشر لذلك تجد إن الكثير من هذه الأمور أتُبِعَتْ بعبارة (سؤل ...فنزلت الآية......عمل كذا فنزلت الآية.... "أُعْتُرِضَ" عليه فنزلت الآية).

بمثل هذا المنهج أصلح عصره ومجتمعه ولما كانت مشاكل البشرية لم/لا تنتهي أو تنحصر بمشاكل تلك الحقبة عليه يجب أن نسمع الآن عبارة  (ف....نزلت الآية) مع تطور المشاكل بتطور الحال.

إن محمد كان يستمع للمشكلة ويحللها ويتفنن في إدارتها وإيجاد الحلول التي تُرضي الجميع لأمرين الأول إن يكون مقبول من الجميع والثاني إشاعة الاهتمام بالأخر.

ناضل سياسياً في مكة بالممكنات المتوفرة كأي مفكر ثم أنتقل إلى يثرب لمعرفته أنه ترك أثر مهم في مكة وفي يثرب أشاع اللحمة بين أهلها والوافدين اليها وتعاهد مع اليهود بشكل يجنب ما يفكر به وما جاء من أجله إي هزات أو صدامات غير محسوبة وأستمر بهذه السلوكية في صلح الحديبية.

لقد كان يفكر بأن كل ما يقوم به متسلسلاً يراعي موازين القوى وعندما يشعر بأنه لصالحه كان يتصرف ليقدم شروطه ويحسن موقفه حتى لو أضطر لخوض معركة.

لقد تحولت هذه الحركة إلى دين وبالذات بعد تحويل أنظار الناس من التوجه إلى الأصنام إلى التوجه الى السماء البعيدة غير الملموسة ولكن هذا التحول أزداد بعد أن ترسخت الدولة واحتياج السياسة والسياسيين من أولي الأمر إلى فرض سيطرتهم على عامة الناس وبداء يتصاعد تقديس أولي الأمر على حساب مبادئ محمد معتمدين على نصوص وأحاديث هم من كتبها او شجع على كتابتها.

لم يسجل محمد ما أعلن أنه نزل عليه أو ما قاله لأنه كان يريد التطور من بعده تاركاً الباب مفتوح للاجتهاد والتفكير لكن أولي الأمر أعادوا كتابة ما جرى بعد عشرات ومئات السنين وهنا ظهرت المذاهب حسب أهواء أولي الأمر أو اجتهاد البعض بعد أن قارن ما بين ما يعرف وما مكتوب وما يقول به العقل والمنطق لينتقل التقديس من محمد إلى أولي الأمر ثم إلى أصحاب المذاهب ومن هنا بداء التخلف والانغلاق والجمود والاعتماد على ما قاله الأولياء الأولين وتم اشتقاق طرق وأساليب للسياسة الدور الكبير فيها.

وهنا أسرد حادثه شخصيه فيها عبره هي:

1- سألني أحدهم لماذا لم تؤدي الفرائض ..قلت له هل تستطيع إقناعي ..قال نعم...حددنا الموعد وحضر ومعه ما يريد أن يستند إليه فبادرته مشترطاً أن يعتبر نفسه محمد وأنا من جاهلية مكة ولا يستند إلى أي نص قراني أو حديث لافتراض اني لا اعرف ذلك أو أن هذا اللقاء في بداية الدعوة، فارتبك وضاعت عليه الأمور ليتحول إلى مصلح اجتماعي ويتكلم عن الصدق والإخلاص والسلام وصلة الرحم والجيرة وحب الناس والعادات والمستقبل.

2-  كان جاري يحمل شهادة الماجستير في علوم التربة وموظف بدرجه مرموقة ويؤدي الفرائض وفي أحد أيام الجمع ظهراً التقيته وهو يهم للصعود إلى سيارته المرسيدس الحديثة للذهاب الى الجامع "جامع فخري شنشل" الذي لا يبعد عن سكنه أكثر من 200متر وبعد التحية رأيته يضع السواك في فمه فقلت له مازحاً ...ما هذا؟ قال إنها سنه فقلت له أليس من السُنه أن تذهب ماشياً إلى الجامع أو تعتلي بعير فضحك وقال هذا التطور

هذا هو مصدر التخلف ليس بسبب السواك انما بسبب عدم الانتباه الى مثل هذه السنن البسيطة ذات المعاني الكبيرة حيث كما اعتقد لو فكر المسلم بالموضوع لأصبح المسلمين اليوم الأكثر ابداعاً بمشاكل الفم وصناعات تطبيب الاسنان والفم وأدوات ومحاليل ومواد تنظيفها والعناية بها. وهناك الكثير على هذا القياس.

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

قاسم حسين صالحلنبدأ بتحديد مفهوم التحرش الجنسي ولنعتمد تعريف المركز المصري لحقوق المرأة بأنه "كل سلوك غير لائق له طبيعة جنسية يضايق المرأة أو يعطيها إحساسا بعدم الأمان.. يأخذ صيغة من الكلمات غير المرحب بها أو الأفعال ذات الطابع الجنسي والتي تنتهك جسد أو خصوصية أو مشاعر شخص ما وتجعله يشعر بعدم الارتياح، أو التهديد، أو عدم الأمان، أو الخوف، أو عدم الاحترام، أو الترويع، أو الإهانة، أو الإساءة، أو الترهيب، أو الانتهاك ". ونضيف بأن التحرش الجنسي هو اكراه على فعل جسدي، او وعد غير لائق او غير مرحب به بمكافآت مقابل خدمات جنسية. وهناك تعريفات أخرى تختلف باختلاف الثقافات.

أسبابه التقليدية:

تحدد الدراسات العلمية اهم اسباب التحرش بـ: سوء التربية الأسرية والحالات الناجمة عن التفكك الأسري، الكبت الجنسي واعتبار التحرش وسيلة ترفيهية من العناء، ثقافة مجتمعية متخلفة تزود المراهقين بفكرة ان التحرش يعدّ نوعا من الرجولة، ضعف الوازع الديني، عدم وجود عقوبات قضائية رادعة، وجود تاريخ سابق من التحرشات الجنسية او تاريخ اجرامي او تاريخ من الأمراض النفسية.

اسبابه العراقية

بهدف تحديد اسباب التحرش الجنسي في مجتمعنا العراقي، توجهنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي باكثر من استطلاع.. لحضراتكم نماذج من الأجابات:

- احسان الفرج: ثمة انهيار تام لمنظومة الاخلاق يمر بها المجتمع العراقي ولن تنفع اية حلول آنية للحد منه.

- امير القيسي: عملنا بحثا عنه في الجامعات واقتصر على الطالبات وكانت النتائج ان التحرش الجنسي موجود وله عدة مظاهر وموجه نحو الطالبات من قبل بعض الطلبة وقلة جدا من التدريسيين ولكنه لا يشكل ظاهرة.

- هدى العزاوي: نعم ظاهرة اجتماعية ظهرت على مجتمعنا خلال ال 15 سنة الماضية، اسبابها انهيار الحكم، وضياع التوازن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ادى الى الاستهانة بالقيم الاخلاقية وكذلك غياب الرادع والعقوبات.

- خالص ابراهيم: موجود ولكن ليست ظاهرة مستشرية سببه انهيار منظومة القيم الاجتماعية وطريقة اللبس والمكياج واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة لا تتناسب مع قيم المجتمع العراقي الاصيل وغياب الوازع الديني والفارق في المستويات المادية للمجتمع.

- أمل التميمي: تحرش الرجل العراقي بالمرأة يعتبره غنيمة يتلذذ بها.

- اكرم الانصاري: نعم موجود ولكن بسبب عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والثقافي، ولأنه كلما زاد التدين بالمجتمع زاد التحرش.

- عامر المعموري: التحرش الجنسي والجنسية المثلية ظواهر شاذة في ظروف ضياع القيم الناجم عن ضياع السياسي والامني والمجتمعي بسبب اناس لم يحسنوا ادارة البلد.

- د جمال العزازي: 75% من جانب الانثى بسبب التبرج باشكاله المختلفة الناجم عن انهيار الاخلاق الحميده وعدم مخافة الله من الطرفين. الحجاب امر الهي في حالة الالتزام سيكون الاستقرار الاجتماعي الرقيب الداخلي اقوى من الخارجي.

- نضال السعدي: الانغلاق المجتمعي بسبب تحريم الاديان واسلمة المجتع.

- ابراهيم ملا : تشهد هذه الايام تحرش البنت بالولد، وحالما يتم التواصل تستنفر العشائر امكانياتها لتبدأ المشكلة الكبرى حيث يتم التشهير بالبنت مقابل حفنة ملايين.

- حسين راشد الجبوري: اصبح ظاهرة وسببها زيادة في المعروض الانثوي الذي قلل من شموخ المراة حتى اضحى بعض الرجال لا يقيمون لها وزنا من الاحترام بعد ان كانت سورا منيعا.

- انس الغزي: اضطراب السياسة ادى الى غياب القانون مع توافر مصادر تشجيع الرغبات وغياب الواعز الديني وضعف المؤسسة التعليمية .

تحليل واستنتاجات

اختلفت الآراء ما اذا كان التحرش الجنسي في العراق اصبح ظاهرة ام لا، وهذا يعود الى اختلاف مناطق المستجيبين، ففي الناصرية، مثلا، لا يعد ظاهرة فيما يعذ ظاهرة في العاصمة بغداد بحسب المستجيبين. واتفق المستجيبون على وجود الاسباب التقليدية للتحرش في المجتمع العراقي، مضيفين لها بطالة الشباب، وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.

وعلميا، يعدّ التحرش حالة معقدة يتداخل في دراستها الطب النفسي، علم النفس، علم الأجتماع، العلوم الجنائية، وعلوم الدين. وهو حالة موجودة في كل المجتمعات بما فيها المجتمعات الأوربية، لكن نسبتها تختلف اذ تبلغ بحدود 5% في المجتمعات الأوربية، فيما تزيد على 80% في المجتمع المصري، وتشكل ظاهرة مقلقة اجتماعيا ومتعبة انضباطيا للأجهزة الأمنية في دول عربية واسلامية.. وللأسف فاننا لا نمتلك مؤشرات احصائية عن حجم وجوده في العراق.

وعراقيا، كانت اول (حملة) للحد منه حصلت في سبعينيات القرن الماضي يوم قامت شرطة الآداب بصبغ سيقان من تلبس (تنورة) قصيرة من طالبات اعدادية الحريري بـ(البويه).

وفي الثمانينيات عملت خبيرا بمركز البحوث التابع لوزارة الداخلية، وكانت وقتها قد زادت حالات التحرش، فعمدنا الى التحقق من الأسباب ميدانيا بينها ان لون الملابس التي ترتديها الفتاة يشكل سببا. فتم تكليف فتاتين تعملان بالوزراة ارتداء الوان مختلفة وكانت احداهما تقف بمدخل جسر الصرافية (محمية من مفرزة شرطة بمكان خفي).. فتبين ان اللون الأصفر جذب سائقي السيارات الخصوصي الى التوقف عند (فتاة الأختبار) يليه اللون الأحمر. وتبين لنا ان الفتيات اللائي يمشين في الشارع ويتناولن الآيس كريم (الموطه) يتعرضن للتحرش، وكانت أحدى اجابات الشباب :

-(دكتور اذا هي تمص موطه وتمشي تتمايل اشلون ما اتحرش بيها!)

وقد نوقشت الدراسة في ندوة علمية دعوت لحضورها الصديق الراحل الدكتور علي الوردي وكانت احدى تعليقاته الجريئة قوله باننا اذا منعنا الاختلاط بين الجنسين فان الذكور سيلجأون الى اللواط والاناث الى السحاق.

وعلميا، ليس صحيحا تحميل المسؤولية لطرف دون آخر، فكل الأطراف مسؤولة بدءا من الفرد، شابا كان ام فتاة، مرورا بالأسرة، والمؤسسات التربوية وصولا الى السلطة.. غير ان نسب هذه المسؤولية تتباين من طرف الى آخر.

واللافت ان التحرش الجنسي بنسخته العراقية!أفرز ثلاث مفارقات:

الأولى: ان كثيرين اشاروا الى غياب الوازع الديني.. والمفارقة.. أن الدولة تحكمها احزاب الاسلام الساسي وهنالك اكثر من خمسين فضائية عراقية بينها من يملكها قادة احزاب اسلامية واخرى يملكها معممون!

والثانية: ان التحرش الجنسي اصبح قضية عشائرية، اذ يطلب من المتحرش دفع ملايين الدنانير لعشيرة البنت التي تحرش بها، او اجباره على الزواج منها.

والثالثة: ان كثيرين يدعون الى الحجاب بوصفه وسيلة ضامنة ضد التحرش الجنسي، فيما افادت محجبات عراقيات بأنهن تعرضن الى التحرش.

والاستنتاج (العراقي الجديد) هو ان التحرش الجنسي.. ازمة قيم ناجمة عن ازمة سياسة، تتعلق بالضمير الاخلاقي تحديدا. فما لا يدركه كثيرون ان افدح كوارثنا الاخلاقية والاجتماعية هو ما حصل (للضمير العراقي) في السنوات الأربعين الأخيرة، بوصفه (القاضي) الذي يحاسبنا على اخطائنا، او(الحارس) او (الرادع) الذي يردعنا حين نهم في القيام بعمل غير اخلاقي.

وتشير الدراسات الاجتماعية عبر التاريخ الى ان ألد ثلاثة أعداء للضمير هي: الحروب والظلم والكراهية، وأن افدح الاضرار الاجتماعية للحرب الطويلة انها تحدث تخلخلا في المنظومات القيمية للأفراد، وتضعف الضمير عند كثيرين، وتهرؤه عند آخرين، وتدخله في غيبوبة عند اغلبية مطلقة.. فكيف بالعراقيين الذين خبروا اربعة حروب كارثية في الأربعين سنة الأخيرة. فضلا عن اننا نفتقد الحاكم القدوة، بل ان البرلمان الذي ينبغي ان يكون ممثلا للشعب في الأخلاق ايضا، صار مضرب الأمثال في الفساد المالي والأخلاقي.

ومع ان بعض الدول اتخذت اجراءات صارمة بحق المتحرش جنسيا في العمل الوظيفي، فان دولا اخرى بينها العراق ما تزال اجراءاتها دون مستوى الحد منه. فالمشرّع العراقي، وفقا للدكتور رياض السندي( لم يورد تعريفا محددا لـ (التحرش) في قانون العقوبات العراقي رقم 111لسنة 1969 المعدل النافذ، بل اورده ضمن الجرائم المخلة بالاخلاق والاداب العامة حيث نصت المادة 402 منه على ان:

1- يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة اشهر وبغرامة لا تزيد على ثلاثين دينارا او باحدى هاتين العقوبتين :

أ- من طلب امورا مخالفة للاداب من آخر ذكرا كان ام انثى،

ب. من تعرض لانثى في محل عام باقوال او افعال او اشارات على وجه يخدش حياءها).

ويضيف بأن تعريف التحرش الجنسي ورد (في قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 النافذ بأنه اي سلوك جسدي او شفهي ذو طبيعة جنسية، او اي سلوك اخر يستند الى الجنس ويمس كرامة النساء والرجال ويكون غير مرغوبا وغير معقولا ومهينا لمن يتلقاه ويؤدي الى رفض اي شخص او عدم خضوعه لهذا الوضع صراحة او ضمنا لاتخاذ قرار يؤثر على وظيفته، ونصت في المادة 11 منه بعقوبة الحبس مدة لا تزيد على ستة اشهر وبغرامة لا تزيد على مليون دينارا او باحداهن). ومع ان هذه العقوبة تبدو مقبولة لكنها تتعرض لأنتهاكات في التطبيق فضلا عن عدم وجود ثقافة اعلامية تشيعها بين الشباب بشكل خاص.

ولأن اصلاح العملية السياسية في العراق امر صعب ما يعني انها ستبقى منتجة للأزمات فان هنالك أربعة مصادر قوية يمكنها ان تحول دون تحول التحرش الجنسي الى ظاهرة تتمثل بالأسرة لاسيما متابعة الفتاة من حيث نوعية ملابسها، مساحيق الزينة، وطريقة مشيها في الأماكن العامة، والحركات ونظرات العيون وكل ما يجذب المتحرش او يفهمه بانها دعوة ليتقدم، والمؤسسات التربوية، ووسائل الأعلام، ورابعها خطباء الجوامع والحسينيات.

ولتحقيق ذلك، فأن الأمر يتطلب عقد ندوة علمية تخرج بتوصيات ملزمة، يشارك فيها ممثلون عن الحكومة(وزارة الداخلية)، ومجلس النواب، واكاديميون ورجال دين.. ونقترح على وزارة الثقا فة او وزارة التعليم العالي ممثلة بمركز البحوث النفسية.. القيام بهذه المهمة الأخلاقية النبيلة.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

رئيس المجلس الاستشاري للثقافة والاعلام بالعراق

الأتحاد الدولي للصحافة العربية

 

عدنان عويد(رداً على  مبدأ الجبرية عند الشاعرة)

لقد كان للفيلسوف العربي العقلاني ابن رشد، موقفا كلامياً وفقهياً من مسألة القضاء والقدر، أو ما يسمى عند علماء الكلام بالتجوز، كما يقول المتكلمون الأشاعرة. أي القول بأن كل شيء في هذا الكون مخلوق لله، وبالتالي كل حركات الإنسان وسكناته مسجلة في لوح محفوظ. مع إنكار طبائع الأشياء وأسباب قيامها، فالله في مسألة التجويز والقدرة، قادر على أن يخلق (من الفأرة جملاً أو العكس) على سبيل المثال هنا لا الحصر. وهذا هو مبدأ التجويز الذي لا يؤمن كما قلنا بثبات سمات وخصائص الأشياء، حيث أثبت العلم أن للجينات تأثير على المورثات، ولقانون الجاذبية دور في سقوط الأشياء من اعلِى، وغير ذلك من قوانين في الطبيعة والمجتمع أثبتتها الخبرة والتجربة الإنسانيتين.

لقد انطلق ابن رشد في بناء موقفه العقلاني هذا الرافض أو الناكر للموقف الجبري التجويزي في عصره على مسألتين أساسيتين، وجد فيهما إنكاراً لدور العقل الإنساني وحرية الإرادة الإنسانية، وهما:

الأولى قوله بالحكمة الإلهية في الخلق:

حيث يؤكد هنا : بأن الله هو خالق هذا الكون بنظامه وبطبيعة الأسباب المتحكمة في هذا النظام. وبالتالي فإن مسألة نظام هذا الكون القائم على (السببية) عنده، يؤكد وجود الله وقدرته وحكمته في خلق الكون على سنة ثابته، (سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً.). الفتح- 23.

إن الله عز وجل وفق هذه الرؤية كما يقول ابن رشد له سنة ثابته في خلقه لهذا الكون، قائمة على النظام وليس على الفوضى في الخلق من جهة، ومن جهة أخرى إن كل ما يقوم بخلقه له أسبابه، وهناك آلية عمل أو ميكانزيم  تتحكم في حركة الظواهر أي مخلوقاته وتطورها وتبدلها، ولم يكن الله بخلقه عبثياً أو مزاجياً. وهذا ما أكده العلم وتطوره المستمر برأينا في عصرنا الحالي من حيث سمات وخصائص وطبائع المخلوقات، فعلم الجينات استطاع أن يبين لنا الكثير من السمات والخصائص والطباع البيولوجية للإنسان والنبات والحيوان على سبيل المثال لا الحصر.

الثانية  المصالح والغايات من وراء الخلق:

يقول ابن رشد: إن الله جل جلاله لا يخلق من أجل التسلية وإثبات الذات وإدهاش الآخرين وتبيان قدرته في الخلق حتى يقنع الاخرين به وقبول عبادته والانصياع لأوامره. (إن الله غني عن العالمين). وإنما الخلق عنده يأتي وراءه مصالح الناس وحاجاتهم من أجل البقاء وإعمار هذه الحياة، فالإنسان خليفة الله على هذه الأرض وهو الذي سخر له هذا الكون بكل ما فيه لمصلحته ورعايته.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور- سورية

 

صادق السامرائيالإنتحار ظاهرة سلوكية رافقت البشر مثلما رافقه القتل منذ الأزل وقد تشترك معه العديد من المخلوقات الأخرى، بل أن الكواكب والنجوم وغيرها من الأجرام في تفاعلات إنتحارية متواصلة.

ومنذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين والمختصون بالعلوم النفسية والسلوكية يحسبون الإنتحار عَرضا ولا يخطر على بالهم أنه مرض، ولهذا تجدهم يوعزونه إلى الكآبة وما يتسبب بها من سلوكيات كتناول العقاقير والمخدرات والإدمان بأنواعه ومشاربه.

وحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية فأن أكثر من مليون شخص ينتحر سنويا، وهذا المعدل لم تطرأ عليه تغيرات واضحة بعد إكتشاف الأدوية المعالجة للكآبة، وكلما إزداد عدد البشر إزداد عدد المنتخرين، وهذا يعني أن الجهود المبذولة للقضاء على الإنتحار لم تتكلل بنجاحات باهرة.

فالإنتحار ثاني سبب لموت البنات ما بين عمر (15-19)، وهو السبب العاشر للوفاة، وفي أمريكا ينتحر أكثر من (44000) شخص سنويا، وكل إنتحار يترافق مع (25) محاولة إنتحار، والإنتحار يكلف الخزينة أكثر من (51) بليون سنويا.

وينتحر (13.26) من (100000) شخص سنويا، أي بمعدل (121) شخص يوميا، وإستخدام الأسلحة النارية يكون في (50%) من الإنتحار، والرجال ينتحرون أكثر من النساء بمعدل مضاعف (3.5)، وتكون أعلى نسبة له في متوسطي الأعمار.

والعديد من دول العالم لا تحتفظ بإحصاءات دقيقة يمكن بها دراسة نسب الإنتحار فيها، لكن ما يقارب (800000) شخص ينتحر في العالم كل عام، فالإنتحار هو السبب الثاني للوفاة للأعمار مابين (15-29) و ويبدو أن أكثر من (78%) من المنتحرين في المجتمعات الفقيرة وذات الدخل المحدود.

ومعظم العوامل المؤدية للإنتحار هي الإقتصادية والإعتقادية والعلاقات بين الناس والأمراض المزمنة والآلام المرافقة لها وكذلك الأمراض الخبيثة، كما أنها أكثر في المجتمعات التي تعاني من الطائفية والتميز العنصري وفي المهجرين واللاجئين وغيرهم، وما يقرب من (30%) من المنتحرين يستخدمون المبيدات الحشرية، والمعروف أن كل شيئ قاتل يكون في المتناول يُستخدم للإنتحار.

وتسعى الأمم المتحدة والمنظمات العالمية لوضع مناهج توعية لكي يكون الناس على دراية بمخاطر الإنتحار وما يؤدي إليه وهل يمكن التفاعل للحد منه، وهناك خطة عالمية لتقليل الإنتحار بنسبة (10%) في عام 2020، وهذا قد يكون بعيد المنال، لأن نسبة الإنتحار تتخذ منحى تصاعدي، ولا تقل إلا في زمن الحروب والتحديات المصيرية الشاملة، عندما يقف الناس جميعا في مواجهة مصيرهم ويستشعرون بأن الحياة قد تضيع منهم.

لكن الإنتحار كسلوك قد يتخذ توجهات جماعية وإجتماعية، كأن تقرر جماعة من الناس الإنتحار، أو مجتمعات عن وعي أو لا وعي تخوض غمار الإنتحار، وكم من المجتمعات والشعوب قد إنتحرت عبر العصور، وحتى بعض الحيوانات لديها مسيرات إنتحار جماعية، وكم من الحيوانات تعبر المياه المحتشدة بالتماسيح في قفزات إنتحارية ينجو فيها مَن ينجو ويموت مَن يموت.

ومن الواضح أن العرب قد إنتحروا في الأندلس، فسلوكهم على مدى قرون كان إنتحاري الطباع حتى أدى بهم إلى الفناء، واليوم تحصل في المجتمعات العربية ذات السلوكيات الإنتحارية التي مارسوها في الأندلس، وهذا يعني أن الضعف سيدب والصراعات ستتواصل حتى تحقيق غايتها الفنائية.

فهل من قدرات وعي لما تتسبب به السلوكيات الإنتحارية الفاعلة في مجتمعاتنا؟!!

إنها تساؤلات قد تبدو غريبة لكن الواقع يتكلم بلغة يمكن حل رموزها ومعرفة عباراتها ومدلولاتها.

وهي تقول إنكم يا عرب تنتحرون!!

 

د. صادق السامرائي

.......................

* الإحصاءات قد تتباين وتتغير وفقا لمصادرها.

 

حسين سرمك حسنمؤامرة: البدء بتأسيس الجماعات الاسلامية المسلحة في أفغانستان قبل الغزو السوفيتي لها بستة أشهر:

أمريكا بدأت بتأسيس تنظيم القاعدة في افغانستان قبل الغزو السوفيتي لأفغانستان بستة أشهر .

مَنْ الذي اعترف بذلك؟

إنه مستشار الأمن القومي الشهير: زينغيو بيرجنسكي

كان الكثيرون يعتقدون أن بدء المخطط الأمريكي في تشكيل جماعات الحركات الإسلامية في أفغانستان والتحشيد لها عالميا بين الشباب المسلم الذين بلغ عددهم 35000 شخصاً آنذاك جاء بعد الغزو السوفيتي لأفغانستان، في حين ثبت الآن – وباوثائق - أنّ الرئيس الأمريكي جيمي كارتر وقّع في 3 تموز/يوليو 1979 - ولاحظ التاريخ سيّدي القارىء - أمراً بتقديم المساعدات السرّية للمعارضين المجاهدين ضد النظام الموالي للسوفيت في كابول (لاحظ أن التدخل الأمريكي قبل الغزو السوفيتي لأفغانستان، وكانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تُدرّب المجاهدين منذ عام 1978) . وفي كانون الأول / ديسمبر 1979 غزا الجيش السوفيتي أفغانستان، وبعده بدأت وكالة المخابرات المركزية بتقديم المساعدات للمجاهدين علناً. وكانت الغاية اصطياد السوفيت في حرب طويلة ومُكلفة مُصمَّمة لاستنزاف مواردهم مثلما حصل للولايات المتحدة في حرب فيتنام. وهذا ما اعترف به نصّاً زبينغيو بيرجنسكي في مقابلة مع صحيفة لونوفيل أوبزرفاتور الفرنسية - 12/تشرين الأول/  1998 حين قال بكل وضوح:

(حسب الرواية الرسمية للتاريخ، فإن مساعدة الـ CIA للمجاهدين بدأت في عام 1980، أي بعد غزو الجيش السوفيتي لأفغانستان في 24 كانون الأول 1979 . ولكن الواقع الذي حُفظ سرّاً لحد الآن، مغاير لذلك تماماً: في الحقيقة، في 3 تموز 1979 وقّع الرئيس كارتر الأمر الإداري الأول للمساعدة السرّية للمعارضين للنظام المناصر للسوفيت في كابول. وفي ذلك اليوم تحديداً، كتبتُ ملاحظة للرئيس شرحتُ فيها له أنّ هذه المساعدة سوف تسبّب التدخل السوفيتي العسكري في أفغانستان. ونحن لدينا الفرصة الآن لأعطاء الروس فيتنام الخاصّة بهم).

973 سرمك 1

(صورة: قال زبينغيو بيرجنسكي في مقابلته مع صحيفة لونوفيل أوبزرفاتيور الفرنسية 15 جانون الثاتي 1998: "أدوات الإرهاب الإسلامي خُلقت من قبل مخابرات الولايات المتحدة كسلاح جيوبولوتيكي"

973 سرمك 2

(صور من عام 1979: مستشار الأمن الأمريكي بيرجنسكي ويُزعم أن مَنْ يقف بقربه هو أسامة بن لادن أيام كان يتدرب في باكستان)

 مؤامرة: بيرجنسكي لا يندم على ما فعله من إنشاء الإرهاب "الإسلامي" ونشره في العالم:

سؤال: بالرغم من الخطر، انت تتبنّى هذا العمل السرّي . ولكن ربما أنت نفسك كنتَ ترغب بدخول السوفيت في الحرب وسعيتَ لإثارته ؟

بريجنسكي: ليس الأمر بالضبط كذلك. نحن لم ندفع الروس للتدخل، ولكننا رفعنا احتمالية أنّهم سوف يتدخّلون.

سؤال: عندما برّر الروس تدخّلهم بأنّهم كانوا يقصدون مواجهة تدخّل سرّي للولايات المتحدة في أفغانستان، الشعب لم يصدّقهم . ومع ذلك كان هناك أساس للحقيقة . ألست نادماً على أي شيء اليوم ؟

بريجنسكي: ندم على ماذا ؟ تلك العملية السرّية كانت فكرة ممتازة . كان لها تأثير في استدراج السوفيت إلى فخ أفغاني، وتريد منّي الندم عليها ؟!! في اليوم الذي عبر فيه السوفيت الحدود كتبت للرئيس كارتر: نحن لدينا الفرصة الآن لأعطاء الروس فيتنام الخاصّة بهم . وفعلاً، ولأكثر من عشر سنوات، كان على موسكو أن تشن حرباً غير محتملة من قبل الحكومة، صراع حطّم معنويات السوفيت ثم أهار امبراطوريتهم . 

سؤال: ولست نادماً حتى على مساندة الإسلأميين المعادين للحداثة، مقدّماً السلاح والنصيحة للإرهابيين مستقبلاً ؟

بريجنسكي: ما هو الأهم بالنسبة لتاريخ العالم ؟ الطالبان أم انهيار الامبراطورية السوفيتية ؟ بعض التعزيز للمسلمين أو تحرير وسط أوروبا ونهاية الحرب الباردة ؟

سؤال: بعض التعزيز للمسلمين ؟! ولكن قيل ويُعاد القول: الأصولية الإسلامية تمثل رعب العالم اليوم .

بريجنسكي: هُراء . لقد قيل إن الغرب لديه سياسة عالمية تجاه الإسلام . هذا سخف . لا يوجد إسلام عالمي . انظر إلى الإسلام بطريقة منطقية وبلا غوغائية أو انفعالية . إنّه الدين الرئيسي في العالم وله 1,5 مليار من التابعين . ولكن ما هو الشيء المشترك بين الإصوليين السعوديين، والمعتدلين المغاربة، والعسكرية الباكستانية، وحلفاء الغرب من المصريين، أو العلمانيين في وسط آسيا ؟ ليس أكثر من الشيء المشترك الذي يوحّد البلدان المسيحية".

مؤامرة: حتى في توصيل طبعة كاملة من عدد مجلة لونوفيل أوبزرفاتيور إلى أمريكا

هناك على الأقل طبعتان من عدد هذه المجلة ؛ ومع استثناء مكتبة الكونغرس، فقد كانت الطبعة التي أرسلت إلى الولايات المتحدة أقصر من الطبعة الفرنسية، ولم تكن فيها مقابلة بريجنسكي !!) .

مؤامرة طالبان: حكاية هذه الصورة: وفد طالبان في البيت الأبيض بضيافة الرئيس رونالد ريغان الذين قال عنهم "إنهم مقاتلون من أجل الحرية يحملون قيم آبائنا الأمريكان المؤسسين الأوائل !!!"

973 سرمك 3

عندما أصبح رونالد ريغان رئيساً للولايات المتحدة في 1981 قيّم المجاهدين بدرجة أكبر ووصفهم بـ "مقاتلين من أجل الحرّية" و "إنهم يحملون قيم آبائنا المؤسسين الأوائل !!!!"، وضاعف المساعدات لأمراء الحرب الأفغان . وقد تعاونت باكستان مع الولايات المتحدة لتـوصيل تلك المساعدات إلى المجاهدين .

في 21 آذار/مارس 1985 أعلن الرئيس ريغان "يوم أفغانستان" لدعم قضية المجاهدين، وأصدر الأمر المرقم 166 المتعلق بالأمن القومي الذي ينص على زيادة المساعدات العسكرية السرّية للمجاهدين وبضمنها التكنولوجيا والتدريب العسكري . بدأت وكالة المخابرات بتزويد المجاهدين بمعلومات الأقمار الصناعية الاستطلاعية عن الأهداف السوفيتية ومواجهة الإتصالات السوفيتية . درّبت الوكالة المجاهدين على أعمال التخريب، والقنص، وتكتيكات حرب العصابات، ومتفجرات الـ C-4، وزوّدتهم أيضاً بالـ C-4، والقذائف المضادة للدبابات، وصواريخ ستنجر المضادة للطائرات (وهذه حققت انقلابا في جسامة خسائر القوات الجوية السوفيتية)، وتجهيزات أخرى وتدريب سرّي .

مع عام 1987 حصل ارتفاع دراماتيكي في المساعدات العسكرية حيث بلغت 65,000 طن سنوياً، مع سيل لا ينقطع من اختصاصيي البنتاغون والسي آي إيه، الذين كانوا يسافرون إلى موقع سرّي للمخابرات الباكستانية على الطريق الرئيسي قرب روالبندي في باكستان (واشنطن بوست – 19/تموز/1992) .

وبين عامي 1978 و 1992، وهي فترة حكم الحزب الديمقراطي الأفغاني، قامت واشنطن بإيصال نحو أربعة ملايين دولار لجماعات المجاهدين . وكانت خطة بريجنسكي هي العمل على تكوين حركة دولية يمكن أن تتولى نشر الأصولية الإسلامية في وسط آسيا، وزعزعة الاتحاد السوفيتي على نحو ما كتب في مذكراته.

مؤامرة: أسقطت أمريكا الحكومة العلمانية في أفغانستان .. وجاءت بحكومات التطرّف "الإسلامي" .. هكذا:

وضعت الحكومة العلمانية في أفغانستان إطارا لبرنامج إصلاحي تضمّن إلغاء النفوذ الإقطاعي في أقاليم الدولة، وحرّية العبادة، والحقوق المتساوية للنساء، ومنح الحقوق التي كانت منكورة حتى ذلك الوقت لمختلف الأقليات الإثنية . وتم إطلاق سراح ثلاثة عشر ألفا من المسجونين . كما أُحرقت علنا ملفات الشرطة.

وفي ظل النظام القبلي والإقطاعي كان متوسط العمر لا يتجاوز خمسة وثلاثين عاما، وكان واحدا تقريبا من بين كل ثلاثة أطفال يموت خلال مرحلة الطفولة . كان تسعون بالمائة من السكان يعانون من سوء التغذية، ووفرت الحكومة الجديدة الرعاية الطبية المجانية في أكثر المناطق فقراً . وأُلغى نظام العمل بالسخرة، وبدأ تنفيذ حملة جماعية شاملة لمحو الأمية. وحصلت النساء على مكاسب لم يُسمع بها من قبل، "فمع نهاية الثمانينات كان نصف طلبة الجامعة من النساء، وكان النساء يشكلن نسبة أربعين في المائة من عدد الأطباء في أفغانستان، وسبعين في المائة من المعلمين، وثلاثين في المائة من موظفي الخدمة المدنية .

مؤامرة مع سبق الإصرار والترصّد: اقرأ بيان السفارة الأمريكية في أفغانستان عام 1979 عن الخسائر "الجانبية" المتوقعة من إسقاط أمريكا للحكومة العلمانية !!!!!

في صيف 1979، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية مذكرة عرضت فيها موقف الحكومة الأميركية من الوضع بوضوح شديد لا علاقة له بِكَمْ هي حديثة عقلية حكومة تاراقي ولا كمْ هم إقطاعيون خصومها المجاهدين. إنّه مقطع آخر سوف يخجل منه الأحفاد الأميركان:

ففي أغسطس عام 1979، ذكرت السفارة الأمريكية في كابول في تقرير لها: "إن مصالح واسعة النطاق للولايات المتحدة يمكن خدمتها في حال سقوط (حكومة حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني) على الرغم مما يمكن أن يعنيه ذلك من انتكاسات بالنسبة للإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية في افغانستان.. إن إسقاط حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني سيظهر لباقي دول العالم، خصوصاً دول العالم الثالث أن وجهة نظر السوفييت حول حتمية المسار الإشتراكي للتاريخ غير صحيحة" (!!)

وعلى ذلك فإن واشنطن قد بدأت علاقة فاوستية مع البعض من أكثر المتعصبين وحشية على وجه الأرض، رجال مثل قلب الدين حكمتيار تلقوا من وكالة المخابرات المركزية (سي . آي . إيه) عشرات الملايين من الدولارات . وكان ما يميّز حكمتيار هو التجارة بالأفيون والقذف بالمواد الكاوية على وجوه النساء اللاتي يرفضن ارتداء النقاب . ولدى دعوته لزيارة لندن عام 1986، كان الترحيب من جانب رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر باعتباره "مقاتلا من أجل الحرية" 

973 سرمك 4

(صورة: رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر استقبلت حكمتيار في لندن باعتباره "مقاتلا من أجل الحرية")

973 سرمك 5

1- هذا حال المرأة الأفغانية قبل إسقاط أمريكا للحكومة العلمانية

973 سرمك 6

(2). وهذا حال المرأة الأفغانية بعد نجاح أمريكا في إسقاط الحكومة الأفغانية وتنصيب حكومة "المقاتلين من أجل الحرية والذين يحملون قيم الآباء الأمريكان المؤسسين الأوائل" حسب وصف الرئيس رونالد ريغان:

973 سرمك 7

(صورة: إعدام امرأة أفغانية بالبندقية في ملعب رياضي في ظل حكومة المقاتلين من أجل الحرية الذين يحملون قيم الآباء الأمريكيين المؤسسين الأوائل كما وصفهم الرئيس رونالد ريغان)

973 سرمك 8

(صورة لمقاتل أفغاني من أجل الحرية يجلد امرأة أفغانية وهو يحمل قيم الآباء الأمريكان المؤسسين الأوائل حسب وصف الرئيس رونالد ريغان)

الدكتور حسين سرمك حسن

16- حزيران – 2019

 

 

محمود محمد عليمن الأمور العسيرة أن يحاول المرء أن يكتب عن إنجازات إنسان قريب إلي عقله وقلبه، فالموضوعية والحياد قد لا يتوافران بالقدر الكافي، لكني سأحاول قدر الإمكان أن أكون موضوعياً في حديثنا عن مفكرنا الكبير . ينتمي الدكتور صلاح إسماعيل عبد الحق أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بجامعه القاهرة، روحاً ومكانة، إلي الجيل الموسوعي من المفكرين الذين يصعب أن تحدد ميداناً بعينه لإسهاماتهم، فعلي الرغم من أن التخصص الدقيق للدكتور هو فلسفة واللغة والعقل، إلا أن كتاباته تعدت هذه المجالات إلي ميادين وموضوعات أكثر رحابة وتنوعاً . أما عن ترجمات الدكتور صلاح إسماعيل فقد تعددت وتنوعت أيضاً لتشمل العديد من الكتب المهمة في مجال فلسفة العقل والفلسفة المعاصرة .

لقد كان الأستاذ الدكتور "صلاح إسماعيل" أحد أعلام الفلسفة الحديثة والمعاصرة المصريين الأفذاذ،  حيث قدم إلي الفلسفة العربية فرعين هما فلسفة اللغة، وفلسفة العقل، إلى جانب إسهامه فى الإبستمولوجيا المعاصرة. ومن خلال علاقتي به وقراءتي لكتاباته وأبحاثه، اكتشفت أنه مفكر جدير، إذ يُعدّ أحد القامات الفكرية المصرية في عالم الفلسفة والفكر، فعندما تستمع إليه في حلقات البحث والنقاش، وفي الندوات أو المساجلات الفكرية تجد نفسك أمام عالم كبير يصعب أن يصمد أمامه أي منافس أو محاور أو مجادل؛ فعندما يكتب عن فلسفة اللغة أشعر بأن أنفاسه تترد بين الكلمات، وأن روحه المترددة القلقة تبعث بداخلي حيرة جميلة، وتثير في أعماقي السؤال تلو السؤال . وصلاح إسماعيل علي الأوراق هو صلاح إسماعيل في الحياة .. لا فرق بين الإنسان المبدع .. كلماته عندما يحادثك هي نفسها كلماته التي يكتبها . وعندما أقرأ عبارة واحدة أو سطراً له في كتاب أو بحث ما لست بحاجة إلي أن أبحث عن الاسم، فاسمه منقوش بثنايا كلماته وتراكيب عباراته .

وقد ولد الدكتور صلاح إسماعيل في الثاني من مارس لعام 1960م في قرية الرياض بمركز ناصر بمحافظة بني سويف (بجمهورية مصر العربية)، وقد حصل على ليسانس الفلسفة من كلية الآداب جامعة القاهرة بتقدير جيد جداً عام 1983 وعين معيدا في العام نفسه، ثم حصل على الماجستير فى الفلسفة المعاصرة من آداب القاهرة بتقدير ممتاز عام 1988، وعين مدرساً مساعداً في العام نفسه، ثم حصل على الدكتوراه في الفلسفة المعاصرة من آداب القاهرة بمرتبة الشرف الأولى، وعين مدرسا عام 1995، وفي عام 2001م عين أستاذاً مساعداً، ثم حصل على الأستاذية بأعلى درجات يحصل عليها أستاذ في الجامعة، وعين أستاذاً للفلسفة المعاصرة عام 2008. وقد عمل مدرساً بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة الإمارات العربية المتحدة في الفترة ما بين عام 1997 وعام 2001. وكان يحصل على أعلى التقديرات في استبانة رأى الطلاب في الأستاذ.

وقد ترك لنا صلاح  إسماعيل العديد من الكتب والأبحاث التي تكشف عن عمق أفكاره وغزارة اطلاعه علي الفلسفة الغربية قديمها وحديثها، ومن بين كتبه وأبحاثه علي سبيل المثال لا الحصر: التحليل اللغوي عند مدرسة أكسفورد، وفلسفة اللغة والمنطق: دراسة فى فلسفة كواين، قضايا إشكالية فى الفكر الإسلامي المعاصر (بالاشتراك)، وبناء المفاهيم: دراسة معرفية ونماذج تطبيقية (بالاشتراك) فى مجلدين، والإبستمولوجيا الطبيعية، ونظرية المعرفة المعاصرة، والنظرية القصدية فى المعنى عند جرايس، ونظرية جون سيرل في القصدية: دراسة فى فلسفة العقل، وفلسفة العقل: دراسة فى فلسفة جون سيرل، والبراجماتية الجديدة: فلسفة ريتشارد رورتى، وفلسفة اللغة، واللغة والعقل والعلم في الفلسفة المعاصرة، ومفهوم الصدق عند ديفيدسون، وفلسفة العقل عند ڤتجنشتين، ودراسة المفاهيم من زاوية فلسفية، إسلامية المعرفة، ومفهوم المعرفة في الفلسفة المعاصرة، ونظريات التسويغ المعرفى، وجون سيرل ومشكلة الوعى.

كما ترجم العديد من الكتب الأجنبية مثل كتاب العقل واللغة والمجتمع: الفلسفة في العالم الواقعي لجون سيرل، وكتاب ڤتجنشتين لهانس سلوجا، وكتاب المنطق: مقدمة موجزة لجراهام بريست، وكتاب ڤتجنشتين: مقدمة موجزة، وكتاب المادة والعقل: بحث فلسفى لماريو بونجى، وبحث عن التحول اللغوي في الفلسفة التحليلية، المخاطبات لبيتر هاكر، وكتاب ممارسة العلم فى ضوء الفلسفة لماريو بونجى.

وكان الدكتور صلاح إسماعيل من المهتمين بدراسة المفاهيم وعلاقتها بالمعني من زاوية فلسفية، حيث يسأل الدكتور سؤالاً مهما وهو : ما العلة في حياتنا الفكرية؟ يقول : وفي كل مرة يأتيني الجواب: العلة هي غموض الأفكار أو المفاهيم تارة، أو تحريفها تارة أخري . ثم يسأل وكيف السبيل لحل ذلك ؟ فيجيب أنه لا بد للنظر إلي المفاهيم من زوايا متنوعة، إذ يمكن دراستها من منظور لغوي أو نفسي أو فلسفي، وهلم جرا، إلا أنه لا يفعل ذلك، بل يلجأ إلي النظر إلي المفاهيم من زوايا فلسفية، وبخاصة من الناحيتين الدلالية والمعرفية، فيؤكد صلاح إسماعيل أنه لا بد من ضرورة توضيح المفاهيم أولاً، ثم تحليل بنية المفاهيم لنميز بين العناصر الأساسية والعناصر الإضافية في هذه البنية ثانياً، ثم يأتي الجزء الثالث ليربط توضيح المفاهيم بنظرية المعني علي أساس أن المفهوم الواضح هو الذي يحتوي علي معان واضحة يمكن إدراكها بسهولة ويسر.

أما بالنسبة لتوضيح المفاهيم فهي في نظر صلاح إسماعيل تمثل ضرورة معرفية، حيث يقول: عندما ننظر إلي أي نسق معرفي لأية حضارة من الحضارات، نجد أنه يتألف علي وجه التقريب من مجموعة حقول معرفية متنوعة. فهناك المعرفة الدينية والمعرفة الميتافيزيقية، والمعرفة التجريبية، والمعرفة الرياضية والمنطقية، والمعرفة الإنسانية والاجتماعية، وهلم جرا. ويتألف كل حقل من هذه الحقول من مجموعة من المفاهيم التي ترتبط فيما بينها بعلاقات معينة، كما ترتبط هذه الحقول بروابط ضرورية تؤدي إلي تماسك أجزاء النسق المعرفي كله. وعلي هذا النحو فإن تحليل بنية المحتوي المعرفي لأية حضارة يرتكز علي ثلاثة عناصر في غالب الأمر هي: المفاهيم، والعلاقات التي تؤلف من المفاهيم حقلاً، والعلاقات التي تشكل من الحقول نسقا.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه علينا كما يقول صلاح إسماعيل هو: "ما الذي نعنيه بالمفهوم؟ إن المفهوم بمعناه المنطقي هو مجموعة الصفات والخصائص التي تحدد الموضوعات التي ينطبق عليها اللفظ تحديدا يكفي لتمييزها عن الموضوعات الأخرى . فمفهوم " الإنسان" بالمعني الأرسطي، مثلاً، مؤداه أنه كائن ناطق، و(ماصدقاته) هي محمد وأحمد وسائر أفراد الناس. ولكننا سننظر إلي المفهوم كما يقول صلاح إسماعيل نظرة أوسع من نظرة رجل المنطق إليه، لأن المفهوم يتألف أيضاً من المعاني والمشاعر التي يستدعيها اللفظ في أذهان الناس، ولهذه النظرة الواسعة ميزة في رأينا وهي أنها تفسح المجال أمام القول بأن الغالبية العظمي من المفاهيم لا تقبل تعريفاً جامعاً مانعاً بلغة المنطق، وإنما تتسم بمرونة مطلقة لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود، فتتسع دلالتها أحيانا وتضيق أخري. والمفهوم في هذه الحالة يشبه البحر الواسع الذي يجوز لكل جيل من البشر أن ينهل منه ويبحر فيه بقدر ما تسعفه طاقته . وعلي هذا النحو فإنني أعني بالمفاهيم المعاني العقلية الكلية أو الأفكار العامة المجردة، وأبرز الأمثلة لها هي مفهوم الحرية، والعدالة، والمساواة، والحق، والخير، والجمال".

ثم يؤكد صلاح إسماعيل أن الفرق بين المفهوم الواضح والمفهوم الغامض كالفرق بين خريطة واضحة المعالم لبلد معين يصطحبها المسافر عند سفره، وورقة خط عليها طفل مجموعة خطوط لا تدل علي شئ، وقيل للمسافر هذه خريطة –علي معان جلية وقيم ومبادئ واضحة يدفع إلي تقدم المعرفة عند ربطه بمفاهيم أخري في نسق، أو يهدي إلي سواء السبيل عندما يسلك المرء علي أساسه . أما المفهوم الغامض، مثل الورقة التي خط عليها الطفل خطوطاً غامضة، فإنه إذا دخل في نسق أفسد نظامه وعلاقاته مما يؤدي إلي تراجع معرفي، وإذا وجه سلوكاً لشخص أضله لأنه لا يهدي إلي شئ ولا يدل علي شئ.

علي أن عملية توضيح المفاهيم بالمعني الذي يريده صلاح إسماعيل لها لا تقتصر علي تحديد المعاني المتنوعة التي قد يدل عليها المفهوم تحديداً يحول دون وقوع اللبس والغموض بين الكتاب أو المتكلمين، وإنما تتسع هذه العملية بحيث تشمل الكشف عما تتعرض له المفاهيم في حالة تخلف الأمة حضارياً وظهور الصراع بين الحضارات وممارسة الغزو الثقافي للحضارة الغالبة علي الحضارات المغلوبة، ففي هذه الحالة يتم تشويه دلالات المفاهيم الأصلية أول الأمر، ثم تفرغ شيئاً فشيئاً من محتواها، ثم يعاد ملء المفهوم بالدلالات المرادة، مثال ذلك ما حدث لمفهوم "العلم". فمفهوم العلم في خصوصيته المعرفية الإسلامية واسع الدلالة، ولكن جرت محاولة لطمس بعض هذه الدلالات أو وصفها باللغو واللاعلم، وتم قصر دلالة المفهوم علي دلالة محددة هي العلم الطبيعي. ليس هذا فحسب، بل تم إدخال دلالات غربية عليه مثل اعتبار العلم مناقضاً للدين. وهذه الظاهرة التي يسميها صلاح إسماعيل "الاحتلال المفهومي" جديرة بالدراسة والتحليل.

وهناك ظاهرة أخري تكشف عنها عملية توضيح المفاهيم بالمعني الذي يريده صلاح إسماعيل، وهي ما يسميه " الحراك المفهومي"، ومؤداه أن بعض المفاهيم تتبادل المراكز فيما بينها، بحيث يصبح المفهوم الفرعي مفهوماً أصلياً يحتل مركز الاهتمام، ويحدث ذلك بقصد في أحيان كثيرة، ويكون نتيجة من النتائج المترتبة علي الغزو الثقافي، أو بغير قصد في أحيان قليلة ويكون نتيجة للظروف الاجتماعية والاقتصادية غير المناسبة التي تمر بها الحضارة في حالة ضعفها . مثال ذلك أن هناك تدرجاً في دوائر الانتماء، فالدائرة الأولي تبدأ بالفرد نفسه، ثم تتسع الدائرة الثانية لتشمل العائلة، ثم الثالثة لتشمل الوطن، ثم الرابعة لتشمل الأمة حيث العقيدة هي الرابط الأساسي بغض النظر عن الوطن واللغة، ثم الخامسة لتشمل الإنسانية جمعاء" كلكم لآدام وآدم من تراب" .

ثم يتحدث صلاح إسماعيل بعد ذلك عن تحليل بنية المفاهيم، حيث يقول : تتألف بنية أي مفهوم من مجموعة من العناصر المكونة له، وهذه العناصر لا تأتي بدرجة واحدة من حيث البناء والأهمية، بل هناك عناصر أساسية وأخري مكملة لها وقد تشتق نها أحيانا، والعناصر الأساسية تتمتع بأسبقية منطقية في بنية المفهوم، إذ أنها لا تشتق من غيرها وإنما يمكن لغيرها أن يشتق منها، وتشبه هذه العناصر الأساسية من هذه الزاوية المصادرات أو البديهيات في الأنساق الرياضية والمنطقية، وهي تتمتع بدرجة أكبر من التجريد إذا ما قورنت بغيرها من عناصر المفهوم .

وتبعاً لذلك يقول صلاح إسماعيل : إذا شئنا فهما أفضل لبنية أي مفهوم، فيجب أن نحلل هذه البنية ونحدد عناصرها الأساسية وعناصرها الفرعية.  ولكي يوضح صلاح إسماعيل مدي أهمية هذه العملية التحليلية في الإدراك الدقيق والصحيح للمفاهيم واجتناب اللبس وتفادي الخلاف، يمكن أن نتأمل قليلاً " مفهوم العقل" . يقول صلاح إسماعيل :" إذا طرحنا هذا المفهوم للمناقشة طرحاً أوليا دون تحليل بنيته، فسرعان ما يظهر النزاع بين مؤيد وجود العقل ومن ينكر وجوده، ولكن إذا حللنا بنية هذا المفهوم نجد أنه ينقسم علي وجه التقريب إلي ثلاث عائلات من المفاهيم هي : المفاهيم المعرفية مثل العلم والفهم والتفكر والإدراك، ومفاهيم الإرادة مثل العزم والاختيار والقصد، ومفاهيم الاحساس مثل الغضب والخوف واللذة والألم، يقول صلاح إسماعيل :" إذا حللنا بنية مفهوم العقل علي هذا النحو فإن الحوار الذي سوف يدور حوله سوف تتغير طبيعته وطريقته والنتائج التي يمكن أن ينتهي إليها... وبالتالي يتضح مما أسلفنا أن تحليل بنية المفهوم يكشف عن أن بعض المفاهيم تتألف من عناصر محورية أساسية وعناصر أخري تطرأ علي المفهوم من خلال سيرورته الفكرية التاريخية، الأمر الذي يفرض علي القائم بعملية تحليل المفاهيم أن يضع نصب عينيه دائما بعض الدلالات التي تكتسبها المفاهيم في مراحل تاريخية معينة، مما قد يحرك الدلالة الأساسية إلي الهامش ويدفع بالدلالة الإضافية إلي المركز".

أما إذا انتقلنا إلي معالجة صلاح إسماعيل للأمراض الدلالية التي تصيب المفاهيم، ألا وهو تحريف المعني، وفي هذا الصدد نجده يميز بين ظاهرتين دلالتين هما " تغيير المعني " و" تحريف المعني". ولقد حاول صلاح إسماعيل أن يرصد لنا الأسباب التي تؤدي إلي تغيير المعني ومنها : ظهور الحاجات الجديدة، حيث يلجأ أصحاب اللغة إلي الكلمات القديمة التي توارت معانيها فيحيون بعضها ويطلقونها علي المخترعات الحديثة، وفي هذه الحالة نستعمل كلمات قديمة لمعان جديدة فيحدث تغيير في المعني، ومن أبرز الأمثلة علي ذلك كلمات المدفع والدبابة والسيارة والقاطرة والثلاثة والسخان والمذياع والصحف وهلم جرا. ثم العوامل النفسية والاجتماعية؛ حيث نجد ان هناك سبب آخر لتغيير المعني هو الحظر أو التحريم، إذ تمنع اللغات استعمال بعض الكلمات ذات الدلالات البغيضة أو التي توحي بشئ مكروه، ولذلك تستبعدها بدلا منها كلمات أخري، وتدخل الكلمة المستبعدة في إطار كلمات " اللامِساس " علي حين توصف الكلمة المفضلة بأنها من كلمات التلطف . وإذا كان " اللامساس" يؤدي إلي التلطف في التعبير، فإن التلطف يؤدي هو الآخر إلي تغيير المعني . ومن أمثلة ذلك أننا لا نكاد نسمع كلمة " مرحاض" أو " كنيف"، وإنما نسمع بدلاً منها كلمة دورة المياه" أو " التواليت"، وكذلك لا نكاد نسمع كلمة " حبلي" وإنما نسمع كلمة " حامل".

ويترتب علي تغيير المعني في نظر صلاح إسماعيل تغيير المفاهيم نظراً لأن المفاهيم التي نعبر عنها بألفاظ أو مصطلحات هي في جوهرها معان مجردة . ولكن عملية تغيير المعني علي هذا النحو تعد عملية طبيعية ولا غبار عليها، وإنما الشئ الذي يتعين علينا الانتباه إليه هو "تحريف المعني"، وهو أمر مغاير " لتغيير المعني "، ذلك أن تغيير المعني يتم بصورة طبيعية إلي حد كبير ويحظي بقبول عند الجماعات اللغوية والهيئات العلمية. أما تحريف المعني فيحدث تحقيقاً لمقاصد معينة ولأغراض فكرية   ومعرفية عند من يمارسه.

وفي نهاية حديثنا عن الأستاذ الدكتور صلاح إسماعيل لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة لأستاذنا الفاضل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

منى زيتونفي أي انتخابات رئاسية أو نيابية تُجرى في البلاد العربية، تظهر جماعات وأفراد يلعبون لعبة السياسة متدثرين برداء الدين، لأجل اكتساب ثقة الناخبين، وغالبًا يحصدون نسبة لا بأس بها من أصوات الناخبين، حتى وإن كانوا عديمي القيمة تافهي القدر، لا شيء يؤهلهم لأن نأمل صلاحًا يعود على المجتمع من ارتقائهم السياسي.

فلماذا ينتخب العرب الإسلاميين رغم وجود سابق خيبات لهم فيهم في انتخابات سابقة؟! فلم يتحقق على أيديهم رخاء منشود، ولا خف الفساد الإداري والمالي في أي بلد أعطاهم أبناؤه أصواتهم يومًا ما.

أحاول في هذه المقالة تفسير سر هذه الثقة التي يضعها فيهم الناخبون من منظور علم النفس مع التبسيط الشديد، وعدم الخوض في مصطلحات، وآمل أن تصل الفكرة لغير المتخصصين.

- يوجد في علم النفس ما يُسمى بالاشتراط (الإشراط) الكلاسيكي البسيط، والذي كشف عنه العالم الروسي ايفان بافلوف في مطلع القرن العشرين.

- وهناك ما يُسمى بالفعل المنعكس الطبيعي، مثل سيلان اللعاب عند تناول الطعام، أو طرفة العين عند لفحة الهواء.

- في المثال السابق: إذا اعتبرنا أن تناول الطعام هو المثير، فهو بالتأكيد يؤدي إلى استجابة سيلان اللعاب.

الطعام ← سيلان اللعاب (استجابة طبيعية)

- ومعنى الاشتراط الكلاسيكي أن مثيرًا آخر يكتـــسب خصـــائص المثـــــير الطبيعي، ويصبح هذا المثير الجديد قادرًا على إحداث الاستجابة.

- فمثلًا: إذا كان يُدق جرس قبل تقديم الطعام مباشرة، فسيحدث ارتباط بين المثير الطبيعي (الطعام) والمثير غير الطبيعي (الجرس)، وستحدث الاستجابة وهي نزول كمية من اللعاب.

الجرس + الطعام ←  سيلان اللعاب

- بعد تكرار هذا الاقتران، يكون دق الجرس (مثير غير طبيعي) وحده، دون وجود الطعام، كافيًا لاستثارة استجابة نزول اللعاب، أي أن الاستجابة تحدث لوجود مثير غير مثيرها الأصلي الطبيعي!

الجرس ← سيلان اللعاب (استجابة غير طبيعية)

والآن ما علاقة كل هذا بالانتخابات ومرشحي الانتخابات؟

- من المفترض أن يعطي المواطن صوته لمن يثق به من المرشحين؛ أي أن المرشح الكفء الذي أعرف شخصيته وبرنامجه القوي هو (المثير)، والذي أعطيه ثقتي وصوتي (الاستجابة).

شخص كفء أعرفه وله تاريخه المشرف لدى الناس ← الثقة (استجابة طبيعية) (1)

 

- وهناك مثير آخر يمكن أن يولد استجابة الثقة عند المسلمين، وهو الدين، فإذا اعتبرنا الدين (المثير)، تكون الثقة (الاستجابة).

الدين ← الثقة (استجابة طبيعية)

-  ولكن، لأنه من المفترض أن أعطي صوتي لشخص وليس لدين في الانتخابات، لذا فأنا أبحث عن شخص يكون موضع ثقتي، فإذا كان هذا الشخص الموثوق به لذاته ولمعرفتي به وبصدقه وبكفاءته غير موجود، هنا يلعب الإشراط الكلاسيكي دوره.

- يمكن أن آتي بشخص عادي مغمور غير معروف للناس، وليس له تاريخ لديهم كاف ليولد تلك الثقة كاستجابة في صناديق الانتخابات، بعد أن أقرن هذا الشخص بمثير يستطيع توليد استجابة الثقة، وليس هناك مثير يستطيع توليد الثقة لدى المسلمين أكثر من الدين.

شخص مجهول التاريخ عديم الكفاءة + التدين ← الثقة

- من ثم، يصبح هذا الشخص غير المعروف عديم الكفاءة والخبرات، بعد اقترانه بالدين، وتكرار وتعزيز هذا الاقتران في أذهان الجماهير، قادرًا على توليد استجابة الثقة كاستجابة شرطية غير طبيعية!

شخص مجهول التاريخ عديم الكفاءة ← الثقة (استجابة غير طبيعية) (2)

ولكن الأمر لم ينته عند هذا الحد، فللاستجابة غير الطبيعية المتكونة خصائص أهمها:

- أنها قابلة للتغير، وتتأثر بالعوامل المختلفة التي تحيط بالكائن الحي وقت اكتسابه لها؛ أي أنه بمنتهى السهولة مثلما تكونت الاستجابة غير الطبيعية (استجابة الثقة) لشخص من المفترض أن لا تتكون تلك الاستجابة له أصلًا، فإنه من الممكن أن تفقد هذه العلاقة قوتها التي تستمدها من اقتران هذا الشخص بالدين (المثير الطبيعي)، إذا ما اهتز هذا الاقتران.

- والأهم من ذلك أنه لا تتساوى الاستجابة الطبيعية مع الاستجابة غير الطبيعية، فالطبيعية أقوى؛ بمعنى أنه في حال وُجد شخص كفء تعرفه وله تاريخه المشرف، قادر على توليد استجابة الثقة بشكل طبيعي، فإن ذلك سيكون أفضل للناخبين من اختيار شخص لأنه اقترن لديهم بالدين، وهم لا يعرفونه ولا يثقون به لذاته.

أي أنه بمقارنة المعادلة (1) والمعادلة (2)، فإن الناخب سيفضل أن يختار الشخص بالمعادلة (1) مقارنة بالشخص في المعادلة (2)، في حال وجود كليهما.

شخص كفء أعرفه وله تاريخه لدى الناس =  الثقة (استجابة طبيعية) (1)

شخص غير كفء مجهول التاريخ يظهر التدين= الثقة (استجابة غير طبيعية) (2)

ولأجل ذلك، فالإسلاميون لا يلعبون وحسب على لعبة بناء الثقة الزائفة فيهم بربط أنفسهم بالدين، وإنما يلعبون لعبة الإشراط الكلاسيكي العكسية مع منافسيهم –في حال وُجد منافس كفء-  سعيًا إلى زعزعة الثقة في هؤلاء الأكفاء، بربطهم بالفساد أو الانحلال وغيرهما مما تأنف منه الجماهير. ولا تتعجب أخي القارئ، حيث يمكن للإسلاميين أن يكونوا ميكيافيليين أكثر من ميكيافيلي، والغاية لديهم تبرر أقذر وأحط الوسائل، مما يجعل أي عاقل يفهم كم يبعدون عن تعاليم الدين، الذي يضحكون على العوام بأنهم أنصاره!

في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة المصرية 2012، وخوفًا من شعبية وزير الخارجية المصري الأسبق عمرو موسى، ارتكزت دعاية الإسلاميين المضادة له على أنه يعاقر الخمر، والله وحده أعلم بصحة الأمر، فلم نسمع به إلا في أيام الانتخابات، فلا سمعنا به قبلها ولا بعدها!

وفي الجولة الثانية من الانتخابات، أعيدت الانتخابات بين مرشح جماعة الإخوان المسلمين، د. محمد مرسي، والذي لم يكن أكثر من مرشح الجماعة، ويفتقد أي خبرة سياسية تؤهله للمنصب الذي ترشح له، والفريق أحمد شفيق، والذي عمل وزيرًا للطيران المدني حوالي عقد من الزمان في عهد مبارك، وكان آخر رئيس وزراء في عهده، ولديه من المؤهلات والخبرات ما يضمن له النجاح الكاسح أمام غريم لا يملك شيئًا ينافسه به، لو كانت الانتخابات أُجريت في بلد متحضر، يعرف أهله على أي أساس يعطون المرشحين أصواتهم. كان برنامج مرسي تمكين الجماعة، بينما كان برنامج شفيق تنمية مصر وإقامتها من كبوتها.

ولكن لأن الثقة تنبني لدى كثيرين منا على الدين، ولأن من يربطون أنفسهم بالدين لا يرون بأسًا في استحلال تشويه سمعة المنافس باتهامات لا أساس لها، لزعزعة الثقة فيه، فقد كيلت لشفيق اتهامات الفساد، وكأنه ليس هو الوزير ذاته الذي لم يكن الإخوان يقدمون طلبات إحاطة واستجواب له في مجلس الشعب لمحاسبته على تقصير أو فساد لأنهم لا يجدون له تقصيرًا ولا فسادًا! كما تم اللعب على فك الارتباط بينه وبين الدين الإسلامي، فكأنه مرشح الأقباط، بينما مرسي هو مرشح المسلمين، فعليك أن تنتخب مرسي –ذلك المجهول عديم الكفاءة-  لتثبت انتماءك لدينك!

ولعل من أطرف الحوادث في التاريخ المعاصر التي تذكرنا بكيف يمكن زعزعة الثقة في الناخب المنافس لتحويل نسبة لا بأس بها عن انتخابه لصالح مرشح لا قيمة له، خسارة أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد الانتخابات النيابية في العشرينات من القرن العشرين، لأن منافسه أفهم أبناء الدائرة الانتخابية بأن وصف لطفي السيد نفسه بالديمقراطي يعني أنه يشجع على الانحلال والفسق! فصدقوه، وما أتفه العوام، وخسر واحد من أكبر مثقفي العرب الانتخابات أمام جاهل!

لكن مع استمرار استشراء الفساد، وقلة المرشحين محل الثقة من الناخبين، سينتخب الناخب العربي الإسلاميين مرات ومرات؛ لأنهم الخيار الأكثر موثوقية بالنسبة له.

صحيح أنه كانت هناك وقائع عديدة عملت على اهتزاز ثقة قطاعات عريضة من الشعوب العربية في بعض رموز التيار الإسلامي، حتى كثرت النكات ورسوم الكاريكاتير التي يطلقونها عليهم، ولكن في كثير من الأحيان لن يجد الناخب عنهم بديلًا.

وكملحوظة هامة على الهامش، فلقد أدى اهتزاز ثقة قطاعات من الشعوب العربية في بعض رموز المتدينين ليس فقط إلى انطفاء استجابة الثقة فيهم، لكونها استجابة شرطية غير طبيعية، سببها اقترانهم بالدين، ولم تكن الثقة يومًا بشخوصهم، بل للأسف كان لذلك أثره على ضعف أو انطفاء استجابة الثقة تجاه الدين، والمفترض أنها استجابة طبيعية! مما أدى لزيادة أعداد من يتطرق إليهم الإلحاد والشك في مجتمعاتنا.

 

د/ منى زيتون