عدنان عويدكثيراً ما يحدث الخلط برأيي بين المسألة النِسويّة والجندرة بالنسبة للمرأة، الأمر الذي تضيع فيه قضية المرأة الأساسية على اعتبارها إنساناً من لحم ودم، لا تختلف عن الرجل إلا في السمات والخصائص البيولوجية، وبعض السمات النفسية التي ولدتها هذه السمات البيولوجية من جهة، ثم الاقصاء والاضطهاد اللذين تعرضت لهما تاريخياً، وبناءً على ذلك ظلت قضية المرأة تدور على محور وحيد هو تحرير المرأة وإعطائها حقوقها، أي حل قضية اختلافها عن الرجل، أمام من يعتبرها ضلعاً قاصراً أو كشاردة الإبل.

نقول: إذا كانت القضية النِسويّة تدور حول تحقيق العدالة للمرأة بينها وبين الرجل، ومن حيث رفع الحيف والظلم عنها، أي من حيث اعتبارها ناقصة عقل ودين، ومن حيث ضعف مكانتها الاجتماعية في الأسرة والمجتمع، وبالتالي ضرورة العمل على تخليصها من العادات والتقاليد البالية التي وضعت فيها تاريخياً، والعمل على تحريرها اقتصادياً، وتحرير جسدها من كونه باباً للدعاية التجارية، او سلعة لتحقيق اللذة الجنسية، وكذلك العمل على مشاركتها في الحياة العامة للدولة والمجتمع. فإن قضية الجندرة هي أعمق من ذلك بكثير. فالجندرة تركز هنا بالنسبة للمرأة على العمل من أجل اثبات أنها والرجل خلقا من نفس واحدة، وأنها من الناحية الاجتماعية شريك حقيقي  للرجل في بناء الأسرة والدولة والمجتمع، وأن لها قدرات عقلية ربما تضاهي الرجل أو حتى تتفوق عليه في بعض المجالات الحياتية، ومن الناحية السياسية هي مواطنة لها حقوق وعليها واجبات، شأنها شأن الرجل، وبالتالي  يجب أن تنال حقوقها وتؤدي واجباتها، وأن تساهم في المؤسسات السياسية والقانونية والخدمية للدولة. إن الجندرة تعني أيضاً، الكشف عن القدرات العقلية لديها كي تمنحها المساهمة أو الاشتغال في مجالات البحوث العلمية بكل مستوياتها إن كانت على مستوى العلوم الطبيعية، كالميكانيك والذرة والهندسة والرياضيات وغيرها، أو على مستوى العلوم الإنسانية كالاشتغال على علوم الفلسفة والتاريخ والجغرافية والدين والقانون وغيرها.

ختاماً نقول: لا شك أن هناك تداخلاً بين المسألة النِسويّة والجندرة بالنسبة للمرأة، ولكن تظل الجندرة أكثر أهمية وشمولية وقدرة على الغوص في أعماق قضية الجنس النسوي، للوصول إلى ما يثبت جذرها وجوهرها الإنساني الذي غيب منذ آلاف السنين بسبب سيطرة عالم الذكورة واضطهاده لها حتى فقدت تاريخياً هذا الجوهر الإنساني، وأصبحت هي ذاتها تشعر بأنها أقل مكانة من الرجل، وأن الرجل يظل بالنسبة لها هو الحامي والسند والقاني كما يقول المثل الشعبي..

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

محمد الورداشييُعدُّ نيتشه فيلسوفا منَ الفلاسفة القلائلِ الذين أثروا في العالمِ المعاصرِ بأفكارهمُ الجرّيئة، والتي تقومُ على النقد، والتقييمِ قبل التقويمِ وإعادةِ البناء. لهذا نَجدنا، ونحن نحاولُ الوقوفَ عند هذا الفيلسوف، مُطالبين بطرحِ سؤالين أساسَيْن:

- ما الغايةُ من العودة إلى نيتشه في هذه الظرفية؟

- وهل يمكننا الحديثُ عنْ تجربةٍ صوفيةٍ في فكره الفلسفيِّ المتأخرِ؟

إنّ ما يجعلنا نعودُ إلى فلسفة نيتشه، في الوقت الراهن، هو كونُنا في أَمَسّ الحاجةِ إلى إنسانٍ متفوقٍ عقليا، وجسديا، وروحيا، ومتسلحا بالعلم، ومتحررا من قيود وأغلالِ التفكيرِ العقلانيِّ، قديما وحديثا. وحتى نتبينَ معالمَ الطريق، فإننا سنقفُ عند الجانبِ الصوفيِّ لديه، مُحاولين مقارنتَه بالتجربة الصوفيةِ الإسلامية.

فمن خلالِ تأملِنا لفكرِ نيتشه المتأخر، نجدُ أن ثمةَ حسا صوفيا ظاهرا فيه. ويعزى هذا الزعمُ إلى أن المتصوفةَ المسلمين قدْ بدأوا رحلتَهمُ الصوفيةَ بتحليلِ أوضاعِ المجتمعِ الذي عاشوا فيه، فضلا عن قياسهم لدرجة التدينِ في نفوس الأفراد. ولمّا وجدوا أن هنالك غاياتٍ دنيويةً كثيرةً قد شغلتِ القلوبَ عنِ الإيمانِ الحقيقيِّ، قرروا الفرارَ بأنفسهم إلى الخلوة، تاركين وراءهم كلَّ ملذاتِ وشهواتِ الحياة، زاهدين في المجتمعِ بأناسه وغاياته، وذلك طلبا للمعرفة الإلهية والارتقاءِ إلى الملكوت الأعلى عن طريق التجربة. وفي هذه النقطة، نجد أن نيتشه، أيضا، قد حلل وضعيةَ المجتمع الذي عاش فيه، ودرجةَ الانحطاطِ التي تسببت فيها أزماتٌ كثيرةٌ، فقرر الخلوةَ واعتزالَ أناسِ عصرِه باعتبارهم مرضى الحداثة، وجبناءَ خاضعين مستعبَدين من قبلِ نظامٍ أخلاقيّ للعالَمِ تتساوى فيه فئاتُ المجتمع، ويقومُ على إرادةٍ إلهية، حسب الكنيسةِ المسيحية، ما دفع به إلى تقديمِ نقدٍ للنظم الأخلاقية المسيحية. بيد أن غايتَهُ لم تكن غايةً دينيةً بالدرجةِ الأساس، بل كانت غايةً فرديةً وإنسانيةً في الآن.

أما الغايةُ الفرديةُ، فإنها تتجلى في التشكيكِ في كلّ المعتقداتِ والتقاليدِ من أجل بناءِ عقيدةٍ ذاتيةٍ راسخةٍ قائمةٍ على الشّكّ المُتحرر المُدقق، ولن يبلغَ الفردُ هذه الدرجةَ من القوة والنقد والتقييم، إلا عن طريقِ الانتصارِ على الذات، وتعويضِ إرادةِ الحق بإرادة القوة المبدعةِ لقيمٍ جديدة.

في حين أن الغايةَ الإنسانيةَ تظهرُ في خلقِ مجتمعٍ متفوق، حيث يحتلُّ فيه المسيطرون عقليا المكانةَ الأولى، ثم يليهم أولئك المتصفون بالرجولة الجسدية، وفي الأخير، تأتي عامةُ الناسِ الذين لا ينتمون لأيّ من الصنفين الأولين؛ لأنهم يألفون الاستكانةَ إلى القيم السائدة، قيم العبيد، ولا يسْعَون إلى بلوغ القيم الأرستقراطية، أي قيم السادة.

إذن، فالغايةُ التي يصبو إليها نيتشه ليست هي نفسها التي سعى إليها المتصوفة؛ لأنه كان يهدف إلى خلق إنسانٍ أعلى متفوقٍ مبدعٍ لقيمٍ جديدةٍ خاصةٍ به، وهم، أي المتصوفة، كانوا يهدفون إلى بلوغ المعرفة الإلهية. كما أنهم يَروْن أن السفرَ الروحيَّ العرفانيَّ يبدأ من الزهد في ملذات وشهوات الحياة، وترفها سواء أكان في المأكل أم الملبس أم المسكن، في حين أن نيتشه يدعو إلى ترسيخ كلّ القيم التي تشجعُ الفردَ على الحياة، وتُعلي من قيمة الجسدِ الذي هُمِّشَ طويلا في التعاليم المسيحية. لذلك فإن نقصَ التغذيةِ (التقشف والشظف في العيش)، واعتبار الجسد عدوا وشيطانا وغواية، مجردُ تعذيبٍ للجسد وحطّ من شأنه، حسب نيتشه. والمرحلةُ الثانية، عند المتصوفة، هي التحلي ومجاهدةُ النفسِ رياضيا ووجدانيا، لكن هذا خلاف لما نجده عند نيتشه، حيث إنه يدعو إلى التحلي بإرادة القوة المبدعة. وبعد التخلي والتحلي، تأتي مرحلة التجلي، بحيث يتجلى للمتصوفة الوصالُ والتجلي الرباني. بيد أن ما يلي المرحلتين الأوليين، لدى نيتشه، هو تجلي وبلوغُ الإنسان الراقي الذي ستكون مهمتُه هي إبداع وخلق قيم جديدة، إنه الإنسان التوّاق إلى المستقبل؛ لأن الماضي لا يعود ولن يعود، لذلك فإن طاقتَه ستتوجه صوبَ الإبداع، فضلا عن الثورة على كل قديم بال.

لقد وضع نيتشه تصورا للبشرية يراه هدفا مستقبليا لها، وهو أن تتفوق الإنسانية على ذاتها عبر ذاتها؛ لأنها مطالبةٌ بإعادة إبداع قيمها الجديدة في كل الأزمنة. وهذه مهمةُ العقولِ الحرة التي تأبى السلاسلَ والأغلال، أي الواجبات القديمة. وأصحابُ هذه العقولِ سيأتون في العصور القادمة، مُشهرين مطرقتَهم في وجه السائد، وداعين إلى القيم الجديدة التي سيبدعونها. كما أن المجتمعَ هو الذي سيفسح المجالَ لظهور هذه العقولِ المتفوقة، وذلك من خلال الفصل بين طبقاته، مما ينتج عنه ظهورُ أفراد راقيين واستثنائيين.

بناء على ما سبق، يمكن القولُ إن نيتشه كان يحمل همّ المجتمع الألماني أكثرَ منِ اهتمامه بالإنسانية جمعاء، ومن ثم فإننا مطالبون، في مجتمعاتنا العربية، بتشجيع المبادرة الفردية، وإفساح المجال لذوي الكفاءة حتى يثبتوا كفاءاتِهم ويطوروا أنفسَهم، ثم الأخذ بيد الذين يأتون بعدهم من حيث الذكاءُ؛ لأن رُقي المجتمع لا يأتي إلا بالعمل على ارتقاء أفراده. وهكذا نصل إلى أن ما جعلنا نعود إلى نيتشه هو كون فلسفته مشدودةً إلى المستقبل؛ لأن العودة إلى الماضي دون تجاوزه تحجب علينا النظرَ إلى الحاضر، وبالتالي إلى المستقبل، فضلا عن استحضاره لمصلحة الأجيال التي ستأتي بعده، وستنهض بمجتمعها بناء على الأسس التي وضعها في فكره الفلسفي. كما أن الخلقَ والإبداعَ يبقيان عملا فرديا، وضرورةً مجتمعيةً تراعي المصلحةَ العامة.

أما التصوفُ، فإنه السبيلُ الفعّالُ لإعادة بعث روح الإيمان في الفرد العربي؛ لأن ما يُلاحظ من تَدين، في عصرنا الحالي، هو تدينٌ شكليٌّ أكثر منه روحاني. ولعل هذا التراجعَ يُعزى إلى إبداعنا في الشكليات وممارسةِ الطقوس التعبدية على حساب الروحانيات، كما أن للتصوف الإسلامي قيما إنسانيةً نبيلة، كالتعايش بين الأديان، وحب الآخر باعتباره إنسانا، وغيرها من القيم التي تجعل عودتنا إليها محاولةً لإقامة جسرٍ بينها وبين القيم التي تطمحُ الإنسانيةُ إلى بلوغها.

 

  محمد الورداشي - باحث وناقد

 

 

نبيل عودةيشكّل محمد أراكون في الفكر العربي ظاهرة فريدة، إذ جعل من الفكر مقياساً انسانياً، بعيداً عن حالة اللاتفكير التي باتت مميزاً لجميع مجتمعاتنا العربية.

لم أقرأ إلاّ القليل من طروحات أراكون، وقرأت عنه أكثر مما قرأت له، خاصة على الشبكة الانترنيتية، والسبب صعوبة (وبالنسبة لي استحالة) إيجاد مؤلفاته في مكتباتنا العربية الغارقة بكتب تقليدية، هزيلة وسطحية، لدرجة أن كتب الأبراج، وكتب الخرافات والخوارق، أصبحت أكثر تسويقا وربحا من أي كتاب فكري أو ثقافي، ويبقى أملي أن يترجم أراكون للعبرية لأستطيع الابحار في فكره. لكن للأسف لم أجد مؤلفاته حتى اليوم، وهو امر مستهجن بثقافة لم تترك موضوعا ثقافيا فكريا فلسفيا لم تنقله للغة العبرية. ربما هو تجاهل مع سبق الاصرار على فكر عربي متنور؟

رغم ذلك البعض الذي عرفته من كتابات قرأتها عنه، فتحت لي آفاقاً فكرية، وأعادت لي بعض الثقة بقدرة العقل العربي على الإبداع، إذا ما أنقذ من حالات التسيب التي تسود مجتمعاتنا في كل مرافقها.

النموذج الذي يقدمه الراحل الكبير أراكون، للأجيال العربية الناشئة، أن تعتمد العقل منهاجاً تستنير منه، وأن تبتعد عن مظاهر الجمود والنقل والمحاكاة والتلقين، مقبرة كل فكر ومقبرة القيمة الإنسانية للشخص نفسه.

في الكثير من طروحاته، انتقد المناهج المغلقة، خاصة في الدين. ودعا إلى أنسنة الفكر لتصبح معايشة المجتمعات المختلفة، وخاصة المجتمعات الأرقى تطورا ممكنة ومتاحة، للتعلم منها ومن تجاربها وتطورها.

أراكون اختار لكتابه الأخير عنواناً دالاً: "الأنسنة في الإسلام -مدخل تاريخي نقدي" ويؤسفني ويحزنني أن هذا الكتاب الذي صدرت ترجمته في اللغة العربية، مفتقد، كالعادة، في مكتباتنا، وربما لو عرض لما اقترب منه قراء الأبراج وفكر الخوارق. وكل ما استطعت معرفته هو من مقالات كتبها مفكرين عرب عن أراكون، ولولا وجود الشبكة العنكبوتية لما تسنى لنا أن نطلع على مضمون مقالاتهم أيضا.

أراكون حدّد معالم الانغلاق في الفكر العربي، بأنها بدأت تبرز منذ القرن العاشر وتتجذر بشكل ملحوظ في القرن الحادي عشر حتى يومنا هذا، بل يشير إلى أن الانغلاق أصبح أكثر عمقاً وشراسة، وهو يرجع ذلك إلى  أن الثقافة العربية لم تكترث بوجود الأنسنة، رغم أهميتها، ومن هنا نجد أراكون يجعل من بحثه الانسنة هدفاً فلسفياً في أبحاثه وربما في مشروع حياته.

بالطبع أتجاهل الدخول المباشر لبعض التفاصيل، حتى لا أثير نقاشاً عدوانياً في مضامينه.

يقول أراكون في لقاء أجرته معه صحيفة عربية، نحن المغاربة وكذلك المشارقة لدينا مرجعيتان، هي العربية الكلاسيكية من القرن العاشر والثانية هي الحداثة الأوروبية، ويدحض أراكون موضوعة الاستعمار وتأثيرها على الفكر الأوروبي، لأن الاستعمار لحظة تاريخية لم تؤثر على الفكر الأوروبي.

من وجهة نظر أولية، أعتقد أن تأثير الاستعمار كان إيجابياً على تطوير العلوم والثقافات في أوروبا، وقاد إلى تطوير العلوم والتكنلوجيا والثقافة أيضا، بصفتها جهازا في تسويق سيطرته وسيادة ثقافته على ثقافات المجتمعات ضعيفة التطور، ولا شك أن الثقافة أساسا شكّلت الواجهة الإعلامية للاستعمار في مرحلة صعوده، وهذه الظاهرة نجدها في كل الفتوحات والحروب الاستعمارية أو التي غلفت بسط سيطرتها ونفوذها برسالة الهية. وقد انتبه لهذه الظاهرة وأكّدها المفكر الفلسطيني الكبير، المرحوم إدوارد سعيد في كتابه "الثقافة والإمبريالية". لكن جعل الظاهرة الاستعمارية معياراً لنبذ الحضارة الغربية فهذا خطأ قاتل، هذه الظاهرة حملت جوانب متناقضة عدة، بينها الايجابي وبينها السلبي. السلبي تلاشى أو يتلاشى باستمرار، وظلّت الظواهر الإيجابية هي السائدة والحاسمة في الرقي الحضاري، وتشكل مضمون الحضارة والأنسنة في المجتمعات الغربية اليوم.

ليس صدفة أن أراكون اشتكى من عدم وجود ظواهر إيجابية في ذاكرتنا، ربما نتيجة نوع الفكر (أو الحضيض الفكري) الذي ساد العهد العثماني. ولم يتردد أراكون في نقد المقولات الدينية الثابتة، والتنويه بأن الزمن تجاوزها.

ومن الجدير ذكره، أن أراكون لاحظ إشكاليات اللغة العربية وعجزها عن التعبير عن بعض المصطلحات، مما جعله رغم ثقافته العربية الواسعة، يكتب بالفرنسية، حتى لا تخونه التعابير.

وهي ظاهرة شبيهه بما يواجهه الباحثين والمفكرين والكتاب والمترجمين العرب في إسرائيل، ولا أعرف ما هو الوضع في العالم العربي، إلا من بعض الترجمات غير المفهومة والمبهمة التي تصلنا، حتى عندما تُنقل بعض الكتب في ترجمات عربية، لا يمكنني نقد لغة مترجمها وإلمامه الموسوعي بلغة الضاد،  كما حدث مع كتاب "الإستشراق" لإدوارد سعيد مثلا، الذي تحتاج لغته العربية إلى ترجمة للغة عربية مفهومة حتى لقراء مثقفين ثقافة عالية، وكنت أظن أن المشكلة شخصية،  حتى اعترف لي أكاديميون عرب انهم لم يفهموا النص العربي أيضا، واضطررت لقراءة الكتاب بترجمته العبرية الرائعة، وآمل أن لا يشتمني أحد لصراحتي!!

أراكون انتقد بثقة مطلقة ما سمّاه رفض الإسلام للحداثة وتعامله معها بحذر شديد وخاصة في وقتنا الراهن، حيث بلغ الرفض أشده وظاهرة هذا الرفض تتجلى حسب رأيه... في تنامي الإرهاب والعنف الديني بشكل ملموس، ويعبر عن خوفه من أننا ننغلق فكرياً أكثر وأكثر.

ألعديد من الكتّاب العرب رأوا في طروحات أراكون نزعاً للقداسة عن القرآن وكل ذنبه أنه أخضع النصوص الدينية والتراث الديني للتحليل والدراسة وفقا للمناهج الدراسية العلمية الحديثة، معتمدا المساءلة العقلية. واتُّهم أنه يقلد الفكر والثقافة الغربية، وغيرها من الثرثرات التي لا تعي مسألة عالمية الفكر وعالمية الحضارة بغض النظر عن مصدرها، إذ لا قومية للعلوم ولا دين للفلسفة، ولا طائفية للفكر.

وكل حديث عن اختلاف البيئة، هي هرطقة لا أساس عقلاني لها. ووصل الأمر ببعض التافهين أن يعزوا أنفسهم بأنهم لم يخسروا كثيراً برحيل نصر حامد أبو زيد المفكر الإسلامي القدير، وبالتالي لم يخسروا كثيراً برحيل المفكر الكبير محمد أراكون، ويبدو أن غياب كلّ المفكرين العرب لا يؤثر على مجتمع التخلف والتلقين.

حسناً لو كانت الراحلة روبي (أطال الله عمرها وغنجها) لشعر العالم العربي بحزن وأسى وأعلن الحداد لستة أشهر قمرية كاملة.

يبدو واضحاً أن فكرنا ما زال خاضعاً لخزعبلات زغلول النجار واكتشافاته العلمية التي رغم كثرتها لم تغير الواقع العربي بل زادته تخلفاً وفقراً.

يقول هشام شرابي: "شئنا أم أبينا يستمد الفكر العلماني النقدي مفاهيمه ومصطلحاته وأبعاده من التجربة الأوروبية للحداثة بمفهومها الشامل وقد وجدت هذا الأمر جليا في مراجع أراكون". نفس الأمر ينطبق على دراسات جميع المفكرين العرب البارزين وفي مختلف المواضيع التي تتناولها أبحاثهم.

هل هذه صدفة؟!

لم أجد ما يستحق الذكر في ردود التيارات الرافضة للحداثة والعقلانية، والمتمسكة بالجمود الفكري والديني، كل ما لديهم هو تكرار ممل لمقاطع جاهزة، نجد ما ينفيها من نفس المصادر التي استقوا رفضهم منها.

ألمضحك أن البعض يدعي أن الحداثة الغربية، لم توفر السعادة والطمأنينة للإنسان، بتجاهل كامل لواقع الإنسان العربي، واقع 140 مليون إنسان عربي تحت خط الفقر، واقع نسبة أمية رهيبة خاصة بين النساء تتجاوز ال 60%. وواضح أن خط اللافقر العربي يعتبر أدنى بكثير من خط الفقر في المجتمعات الغربية.

من هنا أستصعب فهم تهم الإلحاد التي تُطيح بمفكرين عرب من مستوى أراكون ونصر حامد أبو زيد والقائمة طويلة.

ولولا مساحة الحرية في الغرب، التي انطلق الفكر العربي حرا في أجوائها، لما استطاع الفكر العربي أن يخرج من قرونه الوسطى!!!

 

نبيــل عــودة

 

بليغ حمدي اسماعيلأصبح السؤال الأكثر احتداماً في البحث عن إجابة عنه هو: هل نجحت النخب الدينية بعد انتفاضات الربيع العربي المزعوم في التقريب بين وجهات النظر لدى عموم المسلمين في البلدان العربية التي اشتعلت بها هذه الانتفاضات لاسيما مصر وتونس؟. وباستقراء بسيط وسريع للطروحات الفكرية والأيديولوجية التي دارت حول هذا السؤال ولم تتناوله بصورة قصدية مباشرة نستطيع إقرار حقيقة مفادها أن التناول لم يخرج عن سياج الحديث المطلق دون عمق في ضرورة الالتحام بسدة الشريعة ورغبة عموم المصريين والتونسيين في تطبيق شعار الإسلام هو الحل الذي لم يعد حكراً على جماعة الإخوان المسلمين وحدها بل صار الشعار طرحاً جماعياً لكافة الفصائل والتيارات الدينية، ولكن هذا الطرح لم يستعرض إجراءات ووسائل تطبيقه وتغلغله في نسيج المجتمع .

لذا اجتهد الكثيرون في الالتحاف بهذا الطرح الأيديولوجي وتقديمه بصورته الخام مع التقاط بعض التفاصيل الفرعية المرتبطة به والتي من شأنها باعدت كثيراً بين هؤلاء العموم وبين الطرح الديني ذاته .ولكن الأمر الذي لابد من الإشارة إليه بغير مواربة أو استحياء فكري هو أن هذا الطرح العام للنخب الدينية ساهم في تأزيم الموقف الاجتماعي، وازدياد استعار اللغط السياسي الذي أدى إلى زيادة انقسام المسلمين إلى فرق وجماعات، ولخطورة الموقف كان بعض صور الطرح الديني طعاماً شهياً يغذي الشحن الطائفي أيضاً.

على النقيض من دور النخب الدينية في التواجد الشرعي لها بين عموم المسلمين، فشلت هذه النخب في جذب المواطن وسلب عقله بمنطق أن الدين سلاح سريع وخطير في دغدغة مشاعر المرء، لكن خلو خطاب النخب الدينية من المصطلحات السياسية التي صارت من مفردات لغة المواطن اليومية مثل الثورة الشعبية والحرية وتداول السلطة والفصل بين السلطات كانت من أبرز العوامل التي باعت بين النخب الدينية وبين المواطن .

في الوقت الذي نجحت فيه بعض الفصائل السياسية ذات الطابع الديني كجماعة الإخوان المسلمين وأحزاب الحرية والعدالة والنور والبناء والتنمية والإصلاح في استلاب المجتمع بخطاب سياسي ذي هوية دينية، مبرزة أن مشكلة تأخر المجتمعات الإنسانية ومنها المجتمع المصري هو البعد عن الدين ومبادئه وتعاليمه، وتجريده من البدع وتبرئته من الخرافات رغم ما شاب عملية الدعاية الانتخابية الخاصة بهم من خرافات وادعاءات افتراضية هي بالأساس بعيدة عن الدين الإسلام الحنيف .

ونحن بإزاء المشهدين المختلفين للطرح الديني بين مشهد النخب الدينية وبين التيارات السياسية الدينية نستطيع أن نقرأ كيف تعامل كل منهما مع المواطن ومعارفه وأيديولوجياته الفكرية الحاكمة له، فالنخب الدينية تعاملت مع معارف المواطن الدينية بطريقة عرضية سطحية مثل سرد الرقائق والقصص المسلية أكثر منها الداعمة له والاعتماد المباشر على النقل والرواية والحكاية رغم ما تتمتع به هذه النخب من حرية مطلقة في الظهور وتناول التراث الإسلامي بغير اتهامات مسبقة توجه إلى أقطابها .

أما التيارات السياسية الدينية التي برزت بقوة جنونية عقب انتفاضات الربيع العربي  فنجحت في التعامل مع معارف المواطن الدينية بطريقة رأسية أي التي تعتمد على النقد والتحليل وتأويل التراث بما يتوافق أولاً مع مرجعية تلك التيارات، وما يجد صدى وقبولاً في التلقي لدى المواطن ذاته . وبالرغم من أن كافة الكتابات والطروحات الليبرالية اتفقت على هجوم التيارات الدينية السياسية والدفاع عن النخب الدينية المتمثلة في الأئمة والشيوخ وأساتذة الشريعة واللغة العربية بالجامعات، إلا أنه من الصدق أن نقول بأن هذه النخب وطرحها الديني خلق حالة من الفصام بين المواطن المثقف وواقعه، وأن هذا من شأنه أفرز تخلفاً فكرياً، وبات واضحاً حاجة هذا الخطاب أو الطرح الديني لتجديده وإصلاحه وبناء قدرات المواطن المفكر والنقدي.

ومأساة النخب الدينية في الوطن العربي أنها اقتصرت على الحكمة والموعظة الحسنة التي تدعو إلى الخير والرشاد فحسب، دون التماس طريق مباشر بينها وبين المواطن وواقعه وعالمه المعاش والافتراضي أيضاً،وهذه المأساة هي التي دفعت بالنخب الدينية إلى الشعور بالكمال والاكتمال المعرفي والغرور الديني . في الوقت الذي أمسكت فيه التيارات والفصائل السياسية بزمام المبادرة نحو الاتصال الفعال مع المواطن من خلال الخطب والندوات والمنشورات والمطبوعات الدينية المجانية والتي حاصرت المواطن في كل بقعة يرتادها لذا كان طبيعياً أن تجد هذه التيارات وطرحها الديني والفكري قبولاً لديه.

ولم تدرك النخب الدينية الرسمية أن واجباتها ومسئولياتها أكثر شمولاً من النخب السياسية والثقافية، وهي بذلك القصور في إدراك تلك الواجبات لم تفهم متطلبات المجتمع والمواطن بالقدر الكافي فكان خطابها الديني مجرد رصد لإحداثيات المشهد السياسي دون تحليله أو تأويله، واقتصر دورها على التسليم المطلق بما تقرره الميادين الثائرة فقط، أما طرح التيارات الدينية السياسية فبدا مختلفاً كل الشئ، كان ثائراً كثورة الميادين، وكان محفزاً ودافعاً للمواطن نحو المشاركة في صناعة الحدث السياسي .

ولو قارنا بين إمكانات ومقدرات النخب الدينية الرسمية وبين التيارات الدينية السياسية لاكتشفنا على الفور أن تلك النخب الرسمية تمتلك أدوات مؤثرة في تكوين المجتمعات وفي التأثير فيها، ورغم ذلك وجدناها بعيدة تمام البعد عن تجديد الفكر الديني، أو عن ممارسة النقد العلمي للتراث أو صياغة مشروع حضاري، اللهم سوى فئة قليلة من هذه النخب التي اجتهدت بصورة فردية دون حراك جماعي ممنهج ففقد جهدها وسط تخاذل جمعي واستعلاء وغرور وابتعاد القدر الأكبر من النخب الدينية .

وإذا كان المواطن قد وقع في شَرَك وفخ القضايا الدينية الثانوية والهامشية مثل تفسير الأحلام ومشروعية النقاب واللحية وإخراج الجن من الجسد وهل العولمة حرام أم حلال، فإن النخب الدينية كانت فريسة سهلة المراس لهذه القضايا، فبدلاً من أن تهتم بتصحيح مسار العقل لدى المواطن نحو هذه القضايا وجدناها أكثر تناولاً لمثل هذه الفتاوى السطحية والساذجة، مما ساعد على انتشارها وهيمنتها على واقع وقلب وعقل المواطن .

وكم هو محزن حقاً أن التحول الديموقراطي المصاحب للانتفاضات الشعبية لم يصب النخب الدينية في مصر وتونس وليبيا واليمن، وأن الاهتمام بالشأن العام لم يكن أمراً ضرورياً لديها، وكان الحديث الرائج ولا يزال لدى النخب المثقفة هو حديث عام وعائم أيضاً مفاده الحرص على وحدة الصف وعدم الفرقة وهم بذلك لا يعلمون أن تلك الانتفاضات  قامت في الأساس عن طريق توحيد صفوف المواطنين  في المطلب الجماعي واختلافهم الفطري في الأيديولوجيات الفكرية، لكن النخب الدينية تتعامل مع مواطن الانتفاضة  كما كانت تتعامل معه قبلها، وهي في ذلك لم تدرك بعد أن ثورة الشعوب علامة فارقة في حياتها .

حتى في تعامل النخب الدينية والتيارات الدينية السياسية مع الملف الطائفي ندرك الخلل والقصور الواضح في الرؤية والطريقة، فالتيارات الدينية التي تسيدت المشهد السياسي في مصر وتونس عقب الانتفاضة الشعبية كانت ولا تزال تتناول الآخر المخالف في العقيدة أقصد المصريين الأقباط بصورة مباشرة وبغير تحايل دعوي من حيث إنهم شركاء في الوطن وأنه من الضروري المساهمة يد بيد من أجل إصلاح الوطن حتى وإن ظهرت بعض الرؤى الفردية المتطرفة التي استبعدت التواجد القبطي في المشهد السياسي فإن ذلك الاستبعاد السياسي نحو السلطة ومنافذها الرسمية لم يكن ذا صلة بالحياة الاجتماعية التي يشارك فيها المسلم نظيره المسيحي .أما النخب الدينية الرسمية فاستمرت في تطبيق منهجها الرتيب والقديم في التعامل مع الآخر حيث إنها تظهره دوماً في صورة لوحة الإعلانات أو التعامل معه عن طريق الكيانات المسيحية الرسمية من خلال اللقاءات والمؤتمرات .

إن مستقبل النخب الدينية في الوطن العربي  بهذه الصور والمشاهد المختلفة ينذر بحرج شديد لها، ويلزمها أيضاً بدور فاعل في المجتمع، وإذا كان بعض هؤلاء فسر صلاة الرئيس المعزول شعبيا محمد مرسي ممثل جماعة الإخوان المحظورة في حكم مصر  بالأزهر الشريف عقب تأديته لليمين الدستوري الرسمي تفسيراً دينياً محضاً، فأنا وغيري لم نره كذلك، بل أولناه أن الرسالة واضحة للمؤسسات الدينية ونخبها بأن صار لزاماً عليها الوعي برسالتها وبدورها الاستشرافي في إصلاح وتطوير وتجديد المجتمع وفكره، وبأنه على النخب الدينية الرسمية أن تجد لنفسها خطاباً دينياً متوافقاً مع مطالب واهتمامات المجتمع .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

ميثم الجنابيالقضية الكردية- أفق مغلق وبدائل محتملة (6)

لقد اشرت في المقال السابق إلى أن حصيلة الرؤية السياسية الكردية وانعكاسها في الوثائق الرسمية للحركات القومية الكردية نفسها تقوم ان الحد الاقصى لرغباتها وهمومها، كما صورته وثيقة «البيان السياسي لمؤتمر المعارضة العراقية المنعقد في لندن نهاية عام 2002»، يقوم في «تطبيق وتطوير بنود اتفاقية 11 آذار سنة 1970 نصا وروحا»، بينما ظهرت لاحقا فكرة الفيدرالية السياسية والقانونية وحق تقرير المصير وإعادة النظر بتغيير التركيبة القومية لبعض المناطق وكثير غيرها.

بينما نراها تخفف بشكل درامي قبل الغزو الأمريكي وظهور خطر التدخل التركي من سقف مطالبها. ففي البلاغ الختامي للاجتماع الأول للجنة التنسيق والمتابعة للمعارضة العراقية المنعقد في أربيل في نهاية شباط بداية آذار عام 2003، أي قبيل الغزو الأمريكي بأسابيع نقرأ ما يلي:«نمد يد الصداقة والتعاون إلى الجمهورية التركية ونؤكد لها أن إخوتنا الكرد وسائر الأطراف المعارضة العراقية يرفضون تقسيم العراق ويؤمنون بعراق موحد». وإن المؤتمر يؤكد على «رعاية اهتمامات تركيا الأمنية المشروعة» و«يدعو الحكومة التركية إلى حوار مباشر وصريح وبمشاركة أميركية لنؤكد لها حقيقة أهدافنا المتمثلة في العراق الموحد» و«تعزيز وحدته الوطنية على الأسس الديمقراطية والفدرالية وحق المواطنة».

بعبارة أخرى، إن الأحزاب القومية الكردية لا تجرأ على الحديث باسمها، بل يجري توكيل الأمر للعراقيين (العرب) حالما تحس بعنف القوة المعارضة. وهو أمر يشير إلى الضعف التاريخي الذاتي للحركة القومية الكردية، أكثر مما يشير إلى «تكتيك» السياسة العقلانية، كما سيجري الحديث عنه بعد سقوط السلطة الصدامية والإعلانات العديدة عن «إقامة الدولة الكردية» و«الانفصال» وما شابه ذلك. لكنها إعلانات ليست غريبة أو أنه كان يستحيل توقعها، بقدر ما أنها كانت تتراكم في مجرى الزمن اللاعقلاني للدولة العراقية، التي جعلت من العرقية المبطنة أسلوب القوة المفتعلة للأحزاب القومية الكردية. ولعل من بين أهم الأفكار التي تراكمت في مجرى التسعينيات من القرن العشرين، التي ساهمت في إذكاء الأيديولوجية العرقية عند الأحزاب القومية الكردية (والتي وجدت طريقها إلى «الوثائق» المشتركة للقوى السياسية المعارضة المكتوبة باللغة العربية) تجدر الإشارة إلى خمس وهي:

1- فكرة الاضطهاد العنصري والتصفية العرقية والتهجير ضد الأكراد (لا وجود لكلمة تعريب)،

2- فكرة الاتحاد الفيدرالي ضمن المؤسسات الشرعية الدستورية العراقية (وليست القومية)،

3- فكرة الاتحاد الاختياري (دون حق الانفصال)،

4- فكرة حق تقرير المصير على أساس المبدأ القانوني الدولي (مع الإقرار بمبدأ وحدة أراض العراق)،

5- فكرة ضرورة إعادة النظر بتغيير الواقع القومي لمناطق معينة (دون فكرة الاستفتاء حول مرجعية كركوك أو ضمها إلى «كردستان» العراق، أو فذلكة «كردستانية» كركوك!!).

لقد كانت هذه الأفكار جزءا من زمن الانحطاط الشامل للدولة العراقية. وبهذا المعنى تتمثل بعض جوانب الرؤية "البراجماتيكية" في الموقف من تحصين النفس ضد ظاهرة الخروج على منطق العدل والمواطنة والحقوق التي جسدتها مركزية السلطة (وليس الدولة) في احد نماذجها الأكثر همجية. وهو تحصين يعكس ما أسميته بالمسار الذاتي أو الداخلي لتراكم «الانفصال» القومي الكردي. وفيها ومن خلالها تراكمت أيضا نفسية وذهنية الغنيمة، والوساطة والوصاية الأجنبية، والتجزئة والانعزال. وهي نفسية وذهنية تعبر عما يمكن دعوته بالقوة الضعيفة، أي الحالة التي تجتمع فيها مظاهر القوة المستلبة. بمعنى وحدة الابتزاز والخنوع. فكلما يزداد ضعف الدولة وقوى المعارضة، كلما تزداد مطالب الأحزاب القومية الكردية. والعكس بالعكس. وفي هذا يكمن سر ما أسميته بانحطاط الأحزاب السياسية القومية الكردية. وليس اعتباطا أن نرى هذا الرمي السريع للأبعاد القانونية والوطنية العامة والعراقية بعد أول شعور بالنصر (وليكن مزيف من حيث قدرته الذاتية)، والإبقاء على «الأبعاد الكردية» و«تطويرها» في مطالب جديدة في مجرى الفوضى التي لفت العراق وما تزال تلف مرحلته الانتقالية من تقاليد الاستبداد إلى الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي. وهو السر الذي يفسر المغامرات والمؤامرات والتصعيد المستمر من جانب الحركات القومية الكردية (والبارازانية بشكل خاص او بشكل علني) لفكرة مركزية الدولة.

ونعثر على هذه الظاهرة في «تطور» الأفكار الخمس المشار إليها أعلاه، بحيث تحولت فكرة محاربة الاضطهاد العنصري التي سلكتها السلطة ضد الأكراد إلى سياسة عنصرية كردية ضد العرب والتركمان والآشوريين. حيث اتخذت أبعادا تكشف حقيقة المجرى المبطن للادلجة السياسية التي سلكتها الأحزاب القومية الكردية في مجرى عقد من الزمن. بحيث استطاعت أن ترسي أسس ما يمكن دعوته بنفسية الانغلاق والعداء (للجميع). إذ لم تعد تفرّق، كما هو جلي في الخطاب الجماهيري والنفسية الاجتماعية للقومية الكردية الواسعة الانتشار، بين سياسة السلطة والقومية. مما جعل من الفكرة القومية الكردية مجرد نفسية عداء تجاه العرب والعروبة، التي أصبحت تتماهى في العبارة الكردية مع ظاهرة سلبية!! رغم أن كل ما يمتلكه الأكراد في العراق هو من فضيلة وجودهم فيه. بل يمكن القول، بأن وجود الأكراد بمقاييس التاريخ والثقافة غير معقول بدون العرب والعروبة بوصفها فكرة ثقافية. بينما تحولت كلمة العربي والقومي العربي والعروبيين والشوفينية والفاشية إلى مترادفات في الخطاب القومي الكردي!! بل أنها أصبحت محل اتهام سياسي شنيع، بحيث نرى نموذجها الخفي يظهر للعلن في مجرى الصراعات الكردية الكردية، كما هو الحال على مثال الخلافات بين الأحزاب القومية «العلمانية» و«الإسلامية» في انتخابات نهاية 2005، حيث نعثر على العبارة الأكثر انتشارا واتهاما ودعاية في موقفهم من خروج الحزب الإسلامي من القائمة الكردستانية، هو وصفه بعبارة «عميل للعرب»!! وان الإسلام ليس إلا الصيغة الظاهرية للسيطرة العربية!! وهي أوصاف تطلقها أحزاب لم يكن تاريخها بهذه المعايير أكثر من زمن الخضوع لأكثر السلطات العربية والتركية والإيرانية والأمريكية والإسرائيلية، التي مارست مختلف أصناف التنكيل والخديعة بالأكراد أنفسهم!! وهي صيغة لا علاقة لها بالفكرة القومية، بقدر ما أنها تعكس مستوى الانحدار صوب الفكرة العرقية.

بينما تحولت فكرة الاتحاد الفيدرالي ضمن المؤسسات الشرعية الدستورية العراقية إلى «فيدرالية عرقية»، بحيث يمنع على العربي أو غيره شراء دكان في «كردستان» التي تعيش بأكملها على مساعدات العراق!! بينما تحولت فكرة الاتحاد الاختياري إلى أسلوب الابتزاز السياسي الفارغ بحق الانفصال، وذلك ليس فقط لصعوبة بل ولاستحالة القيام به، لأنه يعادل من حيث الجوهر الانتحار، خصوصا بالنسبة لأحزاب لم يشكل الهمّ الاجتماعي بالنسبة لها بعدا جوهريا.

في حين تحولت فكرة حق تقرير المصير على أساس المبدأ القانوني الدولي إلى صيغة أيديولوجية للمؤامرة والمغامرة. بمعنى أنها لم تعد جزء من تعميق وتنظيم فكرة النظام والحرية على مستوى الوعي الفردي والاجتماعي، بقدر ما أصبحت أداة للابتزاز السياسي والقومي.

 بينما تحولت فكرة ضرورة إعادة النظر بتغيير الواقع القومي لمناطق معينة من قضية حقوق المواطنة والعدالة الاجتماعية والاقتصادية والقيم الإنسانية إلى مطلب الاستفتاء حول مرجعية كركوك وضرورة ضمها إلى «كردستان» العراق بوصفها «قدس الأقداس» الكردية! وليس اعتباطا أن تتحول «قضية كركوك» والمادة 58 من القانون المؤقت وحشرها في «الدستور الدائم» (المادة 140) (حشر مطلب مؤقت في دستور دائم!!) سوى الصيغة الأكثر فجاجة لمعالم الانحطاط السياسي للأحزاب القومية الكردية.

أما ذروة هذا الانحطاط فهو تغلغل السيطرة العرقية بوصفها الصيغة الأكثر تخلفا للنزوع التوتاليتاري القومي. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار مستوى وطبيعة الحالة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للاكراد، فمن الممكن توقع نمو إخطبوط الرذيلة السياسية المترامية ما بين القمع المباشر وغير المباشر والتحكم بالروح والجسد إلى الرشوة والسرقة والابتزاز السافر. ولعل انتخابات نهاية 2005 والفوز «الساحق» للحزبيين الكرديين بين الأكراد، الذي يصل إلى نسبة 95% هو الوجه الآخر لهذه الحالة. بمعنى إننا نقف أمام حالة صلبة صلدة لا تنوع فيها ولا اختلاف، أي لا حياة فيها لغير الكبت المرفوع، تحت يافطة الإكراه والتزوير والضغط العرقي، إلى مصاف «الوحدة القومية». ومن ثم لا يعني «الفوز الساحق» سوى السحق التام لفكرة الديمقراطية والتنوع الاجتماعي ومضمون الحياة المدنية والحرية. بعبارة أخرى، لم يكن «الفوز الساحق» سوى بداية الانكسار التاريخي للفكرة العرقية الكردية. وهي عملية يمكن رؤية ملامحها الأولية في البرنامج الانتخابي لقائمة التحالف الكردستاني لانتخابات نهاية 2005. حيث نعثر هنا على بروز وتنامي خجول للفكرة العراقية العامة من خلال تعميم الموقف المتعلق بحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتربوية والاتصالات، بحيث يشمل العراق كله. غير أن «البرنامج السياسي» مازال يعاني من ثقل «مرحلة الانفصال» وبروز العقدة العرقية. ففيه نرى أولوية العمل من «اجل تعزيز أواصر الصداقة والمحبة والإخوة بين الشعبين العربي والكردي وسائر المكونات الأخرى في العراق»، والعمل من اجل «استتاب الأمن والاستقرار في أنحاء العراق»، و«إدانة جميع أشكال الإرهاب في العراق». إلا إننا نرى في نفس الوقت نفسية الاستحواذ على الأقليات الأخرى من التركمان والآشوريين والأرمن واليزيديين والشبك من خلال تبني مهمة الدفاع عنهم. بينما هي مهمة هذه "المكونات". كما لا يحق للعرب تبني قضية الأكراد. فنسبة هذه الأقوام للأكراد هي أكثر من نسبة الأكراد للعرب في العراق!

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام نفسية الوصاية المخفية بحب الاستحواذ وذلك لأن فكرة الحرية تفترض نشاط "المكونات" العراقية من اجل الخير العام، وليس تبني مصالحها بالضد من الآخرين، كما نراه على سبيل المثال في الفقرة التي تقول باعتزاز التحالف الكردستاني(!) «بنضال الايزديين ومقاومتهم الباسلة ضد مشاريع التعريب وبرامج إلغاء الهوية القومية». وهي صيغة مبتذلة لمحاولات «تكريدهم»!! والقضية هنا ليست فقط في حماقة الصياغة بل وفي جعل الاعتزاز «بمقاومة التعريب» مادة من مواد «البرنامج السياسي»!! غير أن هذه القضايا تبقى جزئية ويمكن فهمها بمقاييس الصراع السياسي من اجل كسب الأصوات في زمن الانتخابات، مقارنة بقضية «كركوك» وإعادة ربط مناطق معينة بإقليم «كردستان»، أي بحصيلة روح الغنيمة التي سال لها لعاب الغدة العرقية الكردية بعد سقوط السلطة الصدامية. والقضية هنا ليست فقط في كونها لم ترد في أي من مواد الاتفاقات السياسية (وليس القانونية) التي تراكمت في وثائق «المعارضة العراقية»، بل وفي بروزها المفاجئ، الذي يعكس تراكم نفسية الانغلاق والانعزال والغنيمة. وهي مكونات لا يمكنها الصمود طويلا في واقع العراق الحالي والمستقبلي.

مما سبق تتضح بعض معالم العملية المتناقضة لصعود وهبوط الأحزاب السياسية القومية الكردية. وهو صعود كان يلازم من الناحية التاريخية هبوط الدولة العراقية وانحطاطها المادي والمعنوي. من هنا يمكن النظر إلى صعود وبأس الأحزاب القومية الكردية الحالية على انه الوجه الآخر لهبوط الدولة العراقية وبؤس الجماهير الكردية. وهي نتيجة يمكن رؤيتها بجلاء في كل من انحسار الفكرة القومية الكردية في نزعة عرقية ضيقة، واختزال برامجها السياسية العملية إلى كركوك + حلبجه + الفيدرالية الكردية + المادة 58 من القانون المؤقت (أي كركوك أيضا) (او المادة 140 في القانون الدستور الدائم!). إضافة إلى خلو الخطاب والممارسة العملية لهذه الأحزاب من مهمة تعميم التجارب السياسية بالشكل الذي يسهم في بناء الدولة الشرعية.

أما الهمّ الدفين الأكبر فهو محاولة توظيف كل ما يمكن توظيفه من اجل جني أرباح وهمية يحددها بقاء وفاعلية نفسية وذهنية الغنيمة والعداء العنصري للآخرين بشكل عام والعرب بشكل خاص. وهي نفسية وذهنية لا يمكنها أن تؤدي في نهاية المطاف لشيء غير العداء للعراق. وفي هذا يكمن مضمون الانحطاط التاريخي للأحزاب السياسية القومية الكردية الحالية. وشأن كل مضمون تاريخي فإنه رهن الإرادة السياسية والرؤية النقدية ومنظومة القيم الواقعية والعقلانية. بمعنى أن السقوط ليس مصيرا ملازما لها، ومن ثم يمكن تذليله في حال إعادة النظر النقدية بمجمل الفكرة القومية الكردية ونموذج تجسيدها على أسس الواقعية والعقلانية العراقية (الوطنية العامة)، وليس القومية الضيقة او العرقية (الكردية او الكردستانية). وهي قضايا سوف اتناولها في مقالات لاحقة.

وفيما لو جرى تعميم وتدقيق حصيلة هذه العملية لانحطاط الفكرة القومية الكردية واحزابها السياسية، فمكن الممكن ملاحظة ذروتها الاولية في استفتاء 2017 للانفصال. وهو مشروع يهودي صهيوني خالص لم يفهم الاكراد مضمونه وغايته. فقد تعودت الاجزاب السياسية القومية الكردية على الخضوع للاخرين ولعب دور البيدق النشط في تمرير سياسة الغرباء متوهمين الحصول على ارباح اضافية. وهي فكرة تعكس نوعية الغباء الكردي، الذي يعتقد، بأن أفضل السبل للحصول على "حقوق" تقوم في العداء للعراق. وهي حالة غريبة لا نعثر على مثيلها في التاريخ العالمي الحديث والمعاصر. وينطبق هذا على كل القضايا المغلوطة المتعلقة "بالفيدرالية" و"المكونات" و"حق تقرير المصير" و"التغيير الديموغرافي" و"الاراضي المتنازع عليها" وما شابه ذلك.

اذ لا يوجد في العراق أرض كردية، بل اكراد فقط. وذلك لأن الأكراد ليس قوما عراقيا أصيلا، بل مغترب عنه وقادم عليه بأثر موجات الهجرات التاريخية للقبائل الجبلية في مجرى السياسة العثمانية في مجرى القرون الثلاثة الأخيرة. (وسوف اتناولها في مقالات لاحقة). وهو احساس دفين في الوعي "القومي" الكردي، الذي جعل من الأرض غاية رؤيته السياسية.

وهي نفس الذهنية اليهودية الصهيونية. وبالتالي، فإن العمل المشترك بينهما ليس غريبا! وفي كلتا الحالتين هي مجرد أوهام "تاريخية" مؤقتة. من هنا يمكن فهم الأسباب القائمة وراء تشبث الأكراد بالأرض، لأنهم يعرفون إنها ليست لهم، وانه يمكن اقتلاعهم منها بسهولة كما نراها في الوقع السوري الحالي. إذ مجرد هجمة تركية صغيرة ذابت بأثرها "كردستان الغربية"!! وبأثر ذلك ظهرت حالة الكراهية العارمة والشاملة في سوريا تجاه الأكراد بشكل عام. والمصير التاريخي هنا بعد القضاء على الوجود الأمريكي هو تنظيف سوريا من "الضيوف الغرباء".

وفيما يخص العراق، فإن كل ما يسمى بكردستان العراق وكردستان تركيا، هي من الناحية التاريخية أراضي وادي الرافدين وسكنتها الآشوريون، الذين تعرضوا إلى إبادة تاريخية كان الأكراد طليعتها بفعل السياسة العثمانية (كما فعلوا نفس الشيئ تجاه الأرمن. والأرمن يكنون كراهية شديدة للأكراد اكثر مما تجاه الأتراك أنفسهم) ويطلقون عليهم عبارات قاسية جدا. ولاحظت نفس الحالة والموقف عند الجورجيين والتركمان والكازاخ والاوزبيك. بمعنى إن المواقف لا علاقة لها بالقومية والدين. وهي قضية سوف اتناولها لاحقا. أي لماذا يظهر العداء للأكراد في كل مكان. ولماذا لم يجر اعادة النظر النقدية في السلوك الكردي. هذه قضية مصيرية وغاية في الخطورة بالنسبة للأكراد انفسهم. لقد وضعوا انفسهم في عداء تجاه الجميع باستثناء ممن لا علاقة له بالمنطقة ومعاد لها كما نراه على مثال خنوعهم وعبوديتهم وارتزاقهم أمام الامريكيين والصهاينة. وليس غريبا أن نرى ملامح الصيرورة الجديدة في النفسية والذهنية الكردية التي تجعلهم أكثر فأكثر "أكرادا صهاينة"!! الأمر الذي سيجعلهم مع مرور الزمن غرباء في المنطقة ومعادين لها. مع ما يترتب عليه من نتائج وخيمة ومدمرة بأشد الصورة قسوة.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

لايوجد فن كالتحقيق الصحفي الجريء والرصين بإمكانه كبح جماح الباطل وفضح الفساد المستشري في بلد ما وتعريته أمام الملأ " ففي زمن الخداع يكون قول الحقيقة عملا ثوريا " كما يقول الروائي البريطاني الشهير جورج اورويل، والأهم من ذلك هو سحب التحقيق الصحفي الجاد ومكتمل الأركان - بعد أن بات فتح ملفات التحقيق الجنائية المسيسة في جل القضايا الشائكة مجرد حبر على ورق ليس أولها التحقيق في أسباب سقوط الموصل ولا آخرها القناص وجرائم الطرف الثالث - البساط من تحت أقدام الإعلام المضلل الذي يسعى عبر أدواته المختلفة الى غسل العقول مستثمرا ماقيل قديما في هذا الإتجاه من إن" الكذبة بإمكانها أن تجوب نصف العالم قبل أن تلبس الحقيقة حذاءها "، وبرغم أن حبل الكذب قصيرالا أن وزيرالدعاية النازية غوبلز وأمثاله من الكذبة والمخادعين يعلنونها مدوية على الدوام " أكذب ثم أكذب ثم أكذب حتى يصدقك الناس ..أعطني إعلاما بلا ضمير أعطيك شعبا بلا وعي" لثقتهم التامة بذات المبدأ المتمثل ببطء الحقيقة وتقاعس المؤمنين بها في الدفاع عنها وتخاذل المهتمين بترويجها ونشرها بخلاف الشائعة التي ينشط ذبابها الالكتروني ببثها فتنطلي على المجموع وبالأخص في ساعاتها الأولى بطريقة مثيرة للشفقة ما يدفع المغفلين والشامتين لتناقلها من غير وعي ولا أدل على ذلك من مقطع الفيديو الذي إنتشر مؤخرا لما زعم إنه لوزيرالعمل والشؤون الاجتماعية العراقي ليتناقله الناس بمنتهى الحماقة من غير تمحيص برغم بشاعته ليتضح فيما بعد انه مقطع من فيلم برازيلي مقزز يروج للشذوذ الجنسي وقس على ذلك الآف البوستات الوهمية عن وفاة الفنانين والمشاهير وانهيار سد الموصل وانتشار انفلونزا الخنازير والطيور وظهورغرير العسل، والارملة السوداء وعنكبوت الساعة الرملية القاتل وما شاكل، كلما أدلهمت الخطوب لحرف انظار الجمهورعن حقائق مرعبة وليست متخيلة يراد حجبها أبرزها إغتيال الناشطين والإعلاميين والمتظاهرين، إضافة الى الاف المقاطع والصور المفبركة ومقاطع الفوتو شوب، وما قيل عن الكذب سابقا قيل يوم كانت الكذبة بحاجة الى أسابيع وربما عدة أشهر حتى تصل الى الأسماع وتؤثر في الناس أيما تأثير وتغسل عقولهم، أما اليوم فالاعلام الشريف يخوض صراعا مريرا ضد الإعلام المضاد الزائف، الأول لبناء الوطن وتشجيع منتجاته الوطنية، فيما الثاني لتدميره واقتصاده بنفس القوة وبعكس الاتجاه، مستغلا هذا العالم الافتراضي المخيف والفضاء السبراني الهائل وثورة المعلوماتية المرعبة بما تضمه من مواقع لا حصر لها للتواصل الاجتماعي يتابعها مليارات البشر حول العالم ففيما يهدف الإعلام المضاد الى زعزعة الاستقرار الوطني واشاعة الفوضى العارمة وخلط الحابل بالنابل وخلق فجوة هائلة مبنية على عدم الثقة بين مكونات الشعب المتباينة عرقيا ومذهبيا ودينيا لدق اسفين الفرقة والخصام بينها بما يخدم أغراضه الدنيئة متكئاُ على الشائعة والكذب لقلب عالي الحقائق واطيها عبر الفيس بوك، تويتر، انستغرام، تلغرام، تيك توك، سناب شات، فايبر واتس اب ونحوها، تجد ان الاعلام الجاد الوطني الرصين يفتقر الى السرعة المطلوبة لبيان بطلان دعاوى هذا التضليل الإعلامي وفضحه واذا ما استمرالحال على ماهو عليه فإن الامور ستتدهور بما لاتحمد عقباه ومن الخطأ بمكان أن تفعل الشائعة فعلها من دون ان يتحرك الاعلام الشريف بجميع وسائله المقروءة والمرئية والمسموعة ليحرك ساكنا بسرعة كبيرة وعدم الاعتماد على الوسائل الراكدة والصحافة الخامدة كالصحف الاسبوعية والمجلات الشهرية أو الدورية لتحقيق غايته كونها وسائل مالبثت ان اصبحت قديمة وغير متابعة وتسير بسرعة السلحفاة ولاشك ان التحقيق الصحفي والاستقصائي الشامل له القدرة على ذلك لضرب التضليل في عقر داره واصابته بمقتل ان أحسن إستخدام أدواته واستثمر معلوماته جيدا على النحو الأفضل ولتحقيق ذلك الهدف:

 لابد للتحقيق الصحفي الرصين من أن يبدأ بقصة خبرية - حقيقية ..أكرر حقيقية - وليست متوهمة وإن كانت مستلهمة من الواقع مكتوبة بطريقة مؤثرة لا تتجاوز 50 كلمة تلخص موضوع التحقيق برمته تمهد لولوج تفاصيله وتهيئة القارئ لهذا الغرض تستلهم ايقاعها وتقتبس وقعها من الشارع، واياك اياك ان تضيف الموسيقى الحزينة الى التحقيق اذا كان مصورا وبالاخص في دقائقه الاولى اذ يكفي ايقاع الشارع له مقطوعة موسيقية " كصوت عربة خشبية يجرها حصان والتركيز على صوت زينته وصوت حدوته أثناء حركته (جق جق جق)، صوت حركة الملعقة داخل استكانة الشاي، صوت بائع اللبلبي وهو ينادي زبائنه، صوت مطرقة الحديد "تن تن تن" ..صوت بائع الصميط " هذا الصميط ..حار وطيب "، صوت ارتطام اقداح العرق سوس ببعضها " ترن ترن ترن" يعقبها صوت البائع " برد كلبك ياولد "، اما ادخال الناي والكمان وبقية الالات الحزينة مع التركيز على الدموع منذ بداية الحلقة فهذا تحقيق مُسَوق بطريقة رخيصة جدا يحاول استدرار دموع المشاهدين " تشبه اللطمية " وتشبه " إغراء الفيديو كليب الذي يركز فيه المخرج على جسد المطربة وسيقانها العارية بدلا من اللحن والكلمات " ولا يقدم شيئا له قيمة فنية .

- تحقيقات " الريموت كونترول " والتي دأب بعض الصحفيين المحليين على كتابتها، فاشلة وباهتة واعني بها التحقيقات التي يتم كتابتها عن بعد داخل المنازل أو المكاتب المغلقة موهمة القراء بأنها ميدانية وحصرية وهي ليست كذلك بالمرة، ومعظمها عبارة عن تجميع  وتكديس لتقارير سابقة اكثر منها تحقيقا استقصائيا متفردا بمعلوماته ووثائقه غير المنشورة سابقا .

- لابد للتحقيق الرصين من أرقام واحصاءات موثقة على لسان متخصصين، وثائق مسربة غير منشورة من ذي قبل، صور لم يتم تداولها بتاتا، معلومات لم يسبق نشرها اطلاقا تحدث دويا هائلا لن يسكن لفترة طويلة ..بغير ذلك " عيد واصقل بالك تنسى " .

- ليس من الصحيح جمع التقارير والأرقام التي تتداولها وسائل الاعلام واقحامها في تحقيق وجعلها محوره الاساس لأنها عبارة عن استهلاك وتكرار واستنساخ لجهود الآخرين فقدت بالتكرار بريقها وتأثيرها وعصفها الذهني المأمول .

- من الخطأ الفادح اعتماد مقاطع فيديو اشبعت نشرا ومشاهدة عبر مواقع التواصل وتضمينها التحقيق على انها جزء منه، صحيح انها تثير انتباه من لم يسبق له مشاهدة كل هذه التقارير المصورة دفعة واحدة الا انها منشورة سابقا ولاتضيف شيئا جديدا للتحقيق الاستقصائي بخلاف التقارير المصورة التي لم تنشر سابقا والتي يتم الحصول عليها من مصادرها ..من كاميراتها العامة والخاصة ..من البوماتها الشخصية ..من ملفاتها السرية ..من أدراجها !

حتى تحقيق النيويورك تايمز الاخير كان سخيفا ولم يأت بجديد مع كل الضجة التي أحيط بها وبرغم الزوبعة التي أثيرت  من حوله والدليل انه لم يطح بأي من رؤوس البصل التي وردت فيه إطلاقا .

تحقيق عن المخدرات أنموذجا:

يجب ان يلتقي كاتب التحقيق او فريق العمل احد المدمنين ..المتعاطين ..المروجين ليروي لنا تفاصيل غير مروية من قبل ...لقاء عالم دين شيعي، سني، مسيحي، صابئي لبيان رأي كل دين ومذهب بالمخدرات وفق نصوصه الدينية لكل منهم، لابد من لقاء ضابط شرطة في مكافحة المخدرات للحديث عن انواعها وطرق تعاطيها، مشرف تربوي لبيان اسباب انتشارها في المدارس، ضابط في المنافذ الحدودية للحديث عن كيفية تهريبها وادخالها الى العراق، طبيب  لبيان اسباب الادمان وآثاره  الصحية المدمرة، باحث إجتماعي لتوضيح تأثيرات الظاهرة اجتماعيا، قانوني لبيان احكام وعقوبة الجريمة ونوع القضايا المرفوعة في المحاكم العراقية بهذا الصدد، من اين تدخل المخدرات والى اين تذهب، كم تبلغ ارباحها، أبرز العشائر والشخصيات السياسية والاحزاب المتورطة بتهريبها ولماذا ؟!

- يقسم التحقيق  المكتوب الى ثلاث فقرات ما خلا المقدمة الخبرية الانسانية كل واحدة منها بعنوان متميز ينتهي بخاتمة مثيرة تكتب بطريقة احترافية وكأنها سيناريو لفيلم سينمائي .

- كلما زادت نسبة الملفات، الوثائق، الارقام، الصور، الاحصاءات، المقاطع، المعلومات غير المنشورة سابقا ضمن التحقيق كلما احدثت دويا هائلا بما يميز التحقيق ويؤهله للفوز بجميع المسابقات ذات الشأن او التنافس على مراكزها الاولى والعكس صحيح، واقترح تحقيقات استقصائية متفردة عن الانتحار وعلاقته بجرائم القتل العمد المدون على انه انتحار، ملف المخدرات تصنيعها وتعاطيها وترويجها وزراعتها وتهريبها من والى العراق بالوثائق والصوروالخرائط، ملف بيع الاعضاء البشرية، العبث بجثث الموتى في دوائر وثلاجات الطب العدلي، استبدال المواليد واختطافهم من اقسام الولادة،السحر والتنجيم في الفضائيات والمكاتب والمقابر،ملف البغاء والاتجار بالرقيق الابيض،تجارة السلاح وسرقة الاثار وتهريب المخطوطات واللوحات الفنية لكبار التشكيليين في العراق، ملف صالات القمار والروليت، انتهاكات حقوق الانسان والتعذيب في السجون والمعتقلات ومراكز الاحتجاز السرية والعلنية، ملف المفقودين والمختطفين والمختفين قسرا،ملف حرق البساتين وتجريف الاراضي الزراعية، ملف تزويرالانتخابات والتلاعب بأصوات الناخبين وصناديق الاقتراع، ملفات تهريب النفط، ملفات تسريب الادوية من المخازن الحكومية الى الاسواق السوداء وادخال المغشوش منها اسوة بالاغذية التالفة الى العراق، ملف إبادة الثروة السمكية ونشر الاوبئة في حقول الدواجن والمواشي وتهريب الاغنام، ملف تعطيل المصانع العراقية المتعمد والعمل على ايقافها وتدميرها وتفكيكها والتلكؤ في تأهيلها لصالح الصناعات - الستوك - المستوردة، ملفات حرق الطوابق المخصصة للعقود في المؤسسات الحكومية وحرائق الاسواق الشعبية، ملف عصابات التسول والجريمة المنظمة ونحوها من ملفات مثيرة للجدل لم تفتح كما ينبغي لها ان تفتح حتى الآن وكل ما كتب بشأنها من تحقيقات كان عابرا ومكررا ولم يأت بجديد قط وكلها عبارة عن تركيب معلومات بعضها فوق بعض لا أكثر والمطلوب همة أعلى ومهنية اكبر لكشف مالم يكشف من قبل وإسقاط آخر ما تبقى من أصنام اللعبة السياسية ومزدوجي الولاء والجنسية والايقاع بأحجار الاستدمار والعمالة على رقعة الشطرنج المحلية .

 

أحمد الحاج

 

حاتم حميد محسنحسب تعريف البنك الدولي، الفساد هو "اساءة استخدام السلطة لأجل منافع ذاتية". في استبيان carnegie لعام 2016 عن العالم العربي، أجاب تقريبا نصف عدد المستجوبين البالغ عددهم 103 بأن الفساد واحد من بين ثلاث قضايا اقليمية ضاغطة. في الدول العربية هناك مستويات مختلفة من الفساد، تبدأ من الحجم الصغير، مثل رشوة شرطي المرور، الى المتوسط مثل المحسوبية والمنسوبية في عمليات التأجير، الى فساد كبير يُمارس على نطاق واسع، مثل التوزيع غير العادل للموارد في تفضيل جماعة اثنية او دينية او على شكل حكومة لصوص كاملة Kleptocracy(1).

وعلى الرغم من ان المستويات الحقيقية للفساد قد لا تسير نحو التصاعد، لكن انطباع الناس عن الفساد يؤكد ذلك. ومع ان معظم الناس في المنطقة سواء كانوا داخل او خارج الحكومة يتفقون على اهمية مكافحة الفساد، لكن تلك الجهود باءت بالفشل. الفساد، فيما عدا تونس، اصبح نظاما يتعزز ذاتيا بمعنى انه "جزء لا يتجزأ" من الانظمة الاقليمية ذاتها، و طبقا لأحد الاكاديميين المصريين، فان الدول العربية تحوز على سمات اوتوقراطية مختلفة مترابطة مع الفساد. في الانظمة السلطوية، تسيطر النخبة بدرجة ما على جميع دعامات السلطة. المعالجة الكافية للفساد في المنطقة تتطلب ليس فقط اصلاحات مثل ممارسة حرية المعلومات، وقوانين التصريح بالاصول او حلول تكنلوجية مثل المبادرات الحكومية، وانما تحتاج ايضا الى تغيير جذري في الثقافة السياسية التي يزدهر في ظلها الفساد. في عدة أماكن، مثل دول الخليج ولبنان والمغرب، تكون معالجة الفساد ضارة للنخب الحاكمة التي تستفيد من الوضع القائم. لكن الفشل في معالجة هذه المشكلة يقود الى عدم الاستقرار الذي قد يؤذي النظام كثيرا وكذلك مصالح النخبة . هذه النخبة عادة تسيطر على المفاصل الاساسية مثل قنوات الاعلام الرئيسية، القطاع الخاص، الصناعات الاساسية، وفي اوقات معينة حتى على منظمات المجتمع المدني الفاعلة. من خلال هذه المفاصل هم يستطيعون تأجيل القرارات التشريعية والأحكام القضائية. العديد من الدول العربية تميل لإمتلاك قطاع عام كبير ومترهل، والذي هو حافز أخر للفساد.في الدول الغنية بالبترول، يتم توزيع الريع بطريقة تغذي الفساد. حيث يذكر احد النشطاء اللبنانيين ان "عدم تعيين ذوي الكفاءة في الادارة العامة وشيوع الزبائنية والمحسوبية والاعتبارات الطائفية عادة يقود الى ايجاد موظفين عموميين غير كفوئين هم اما يشاركون في ممارسة الفساد او يساهمون في تغطيته". المحسوبية في عموم المنطقة تقود الى حلقة دائرية مخيفة من البيروقراطيات السيئة الآداء، والتي تُضعف الثقة في المؤسسات والتي بدورها تغذي مزيدا من الفساد .

أضرار الفساد

يُعتبرالفساد مكلفا. فهو يعمل على إعاقة النمو الاقتصادي، حيث في البلد الفاسد او الصناعة الفاسدة "يختفي الحافز لدى الشركات لتحسين نوعية السلعة، وستتوقف مكاسب الانتاجية والابتكار اللذان يأتيان من شركات جديدة ". بكلمة اخرى، الفساد يُضعف تنافسية الاقتصاد ويكبح الاستثمار ويحول دون خلق الوظائف. في احدى الدراسات وُجد ان المستوى المنخفض من العائد الضريبي في العالم العربي هو جزئيا يعود الى الفساد. هذا الامر خصيصا مثير للقلق في ضوء عدم مقدرة الدول العربية النفطية الإعتماد على الموارد النفطية، وحيث الاحتياطات تنضب بسرعة وعوائدها بدأت تتناقص بشكل كبير في السنوات القليلة الماضية. وكما يشير احد التقارير"بالنسبة للدول ذات الاحتياطات الكبيرة من النفط والغاز، مثل السعودية، فان زيادة العائد الضريبي لم يعد مطلباً اساسيا، مع انه لايزال ضروريا للاستدامة المالية الطويلة الأجل"، خاصة في ضوء الزيادة الكبيرة في الانفاق منذ بداية الربيع العربي. الفساد له ايضا تأثير أمني ضار. انه يوفر فرص لتهريب السلاح والمخدرات والاشخاص في محاولة لجلب البضائع المهربة للبلاد. التراخي في السيطرة على المنافذ الحدودية الناتج عن نظام مرتكز على الرشوة يمكنه ان يصنع غسيل اموال بسهولة ويسمح بانتشار الارهاب. وكما لاحظ محلل أمني تونسي، ان الرقابة في المنافذ الحدودية ليس لها اهمية اذا كان مسؤولو الكمارك يستمتعون بفسادهم ويسمحون بعبور البضائع المهربة . كذلك، المواطنون الذين تنشأ لديهم عدم ثقة وكراهية نحو الحكومات سيتصورون تلك الحكومات فاسدة ويكونون اكثر رغبة للالتحاق بالجماعات الارهابية التي يمكن ان تدّعي انها تقاتل قادة الفساد او تمارس أنشطة اخرى ضارة بالدولة ومصالحها.

واستنتج البحث ايضا ان الدول العربية لديها غموض كبير وعدم شفافية عالية في قطاعات الأمن بالاضافة الى نقص الرقابة وضعف مشاركة المواطن بما يقود الى مخاطر فساد كبيرة داخل هذه القطاعات. تقرير الشفافية الدولية لعام 2013 وجد ان الجزائر ومصر وليبيا وسوريا واليمن جميعها فيها مستويات خطيرة من الفساد".

كذلك يقلل الفساد ايضا من مستوى نوعية مؤسسات الحكومة خاصة البيروقراطية. عندما يصبح البيروقراطيون معتادون على الاشتراك في ممارسات الفساد، فانه يصبح من الصعب تنفيذ السياسات العامة التي تصب في مصلحة الدولة والمواطن. في الدول الغنية بالموارد، يؤدي الهبوط في نظام الريع الى فساد آخر وبالتالي الى تمييز اكثر ضد العمال الوافدين وغير المواطنين الذين يتنافسون على الموارد المحدودة.

طرق المواجهة

1- تتطلب مواجهة الفساد اطارا قانونيا يتضمن تشريعات تتعلق بالوصول الى المعلومات وتصريحات بالاصول ونظام قضائي قوي وجهات متخصصة لمعاقبة الجرائم المتصلة بالفساد. في كل دول المنطقة، عادة لايتم فرض وتطبيق قوانين مكافحة الفساد المنشورة رسميا . بدون مسائلة، تصبح حقوق المواطنين والرغبة السياسية لفرضها، وقوانين الوصول الى المعلومات واجراءات الشفافية القانونية الاخرى كلها بلا معنى.

2- احدى الوسائل الفعالة في مكافحة الفساد هي وجود هيئة وطنية مستقلة لمكافحة الفساد، مثل تلك الهيئة القائمة في تونس، حيث الوكالة الوطنية لمكافحة الفساد INLUCC التي تُموّل من جانب الحكومة لكنها تعمل كهيئة مستقلة للتحقيق في الفساد. ولكي تنجح هذه الهيئات، يجب ان تكون متحررة من التدخل الحكومي ولديها التمويل الكافي وعدد لا بأس به من الموظفين للتحقيق في الحجم الهائل من حالات الفساد.

3- وهناك آلية اخرى لمواجهة الفساد نجحت في مناطق اخرى هي اجراءات وعمليات الحكومة الالكترونية. رقمنة العمليات البيروقراطية مثل عمليات الكمارك وتسجيل شركات الاعمال واجراءات الجباية يمكنها ان تكبح فرص الرشاوي والمحسوبية والصفقات الجانبية عبر تطبيق جميع الاجراءات من خلال بوابة الكترونية غير بشرية. ومع ان الحكومة الالكترونية قد لا تكون ملائمة لجميع الظروف، لكن الحكومات العربية التي تستخدم التكنلوجيا الرقمية وتعمّم تطبيقها سوف تخلق مزيد من الثقة لدى الناس الذين سيفضلون إكمال اجراءاتهم عبر القنوات الرسمية الملائمة.

4- يجب ان تستمر الشعوب العربية (بالاضافة الى المنظمات الدولية مثل الشفافية الدولية) بالضغط على القادة العرب لإيقاف الفساد، حتى بطرق بسيطة. كذلك، إبراز الارتباط بين الفساد والأمن، وبين الفساد والهبوط الاقتصادي من شأنه ان يحفز على المزيد من الوعي والعمل . المجتمع المدني واللاعبون الدوليون يجب ان يستخدموا الى اقصى حد الميديا والتغطية الاعلامية الدبلوماسية للفساد، لأن الأنظمة عادة تهتم بصورتها في الداخل وفي الخارج، وتسعى الى إعطاء مثال ايجابي لجهود مكافحة الفساد.

 

حاتم حميد محسن

......................

المصدر: الحوكمة ومستقبل العالم العربي،

Carnegie Endowment for International peace

الهوامش

(1) كليبتوقراطية، مفردة من اصل يوناني تعني حكم اللصوص، حيث يقوم نظام الحكم على القادة الفاسدين الذين يستخدمون سلطتهم لإستغلال الناس والموارد الطبيعية في بلدانهم كي يضاعفوا ثروتهم الشخصية وقوتهم السياسية. هذا النظام يستلزم الاحتيال على المال العام على حساب جموع الناس. تختلف الكليبتوقراطية عن البلوتوكراسية (حيث يُحكم المجتمع او يُوجّه بواسطة افراد من ذوي الثروة الكبيرة) وعن الاوليغارشية (وهو شكل من حكم تستقر فيه السلطة لدى عدد قليل من الناس المتميزين بالثروة او التعليم او المكانة الدينية وغيرها). النظام الكليبتوقراطي هو حكومة يديرها سياسيون فاسدون يستخدمون سلطتهم السياسية للاستحواذ على الرشاوي والامتيازات الخاصة على حساب السكان، او ببساطة، يوجّهون موارد الدولة لأنفسهم او لأقربائهم او للمرتبطين بهم. الكليبتوقراط يستخدمون قوتهم السياسية لتمرير القوانين التي تثري جيوبهم او جيوب حاشيتهم وهم عادة يخرقون او يلتفون على حكم القانون. هذا النظام اكثر شيوعا في الدول النامية او الدول المنهارة التي يعتمد اقتصادها على التجارة بالموارد الطبيعية، حيث تبيع هذه الدول مواردها لتحصل على ريع اقتصادي، وهو ريع يسهل على القادة الفاسدين سرقته دون إحداث نقص في عائدات تلك الموارد، بما يقود الى تراكم الثروة لدى النخب.

 

بليغ حمدي اسماعيليملك العقل العربي شهوة متمايزة تتمثل في الأسئلة، فهذا العقل الذي اجتهد في الجمع والتصنيف والتبويب وصياغة هوامش لمتون النصوص القديمة استفاق وهو يدجج حضارته الأصيلة على شهوة الأسئلة التي قادته بالضرورة إلى إنتاج ثقافة اجتاحت الغرب الأوروبي، ونجحت في استغلال المرونة اللغوية واحتباك ألفاظ العربية الفصيحة في تطويع العلوم التطبيقية، وهو بذلك ـ العقل العربي ـ استطاع أن يجمع لحظتين غير متماثلتين في آن واحد، الإشراق الإنساني المتمثل في فنون اللغة والتفسير والفقه والفلسفة، والتثوير العلمي في مجالات الرياضيات والفلك والطبيعة، وهي خصوصية عجيبة انفردت بها الثقافة العربية ولا تزال تتفاخر بهذه اللحظة الاستثنائية في تاريخها رغم قرون طويلة من التصارع السياسي والتناحر المذهبي .

ولعل من أجمل اللقطات التي سجلتها ذاكرتي من لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع المخرجة المتألقة الرائعة ساندرا نشأت خلال الفيلم التسجيلي شعب ورئيس هو حديث السيد الرئيس عن التعليم المصري ومشروع إصلاحه الذي سيمتد أربعة عشر عاما، ولاشك أن أي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي لا ولن يتم أبدا إلا عبر بوابة التعليم ليس كما هو الآن حسب وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي، بل التعليم الذي يعني التنوير والتثوير والتجديد، وأعتقد أن مصر العظيمة تستحق نوعا استثنائيا راقيا ولائقا للتعليم يليق بقدرها وتاريخها التنويري الضارب في القدم .

التَّرْبِيَةُ العَرَبِيَّةُ الرَّاهِنَةُ:

من أجل تطوير التربية العربية الراهنة، فنحن بحاجة ماسة إلى تجديد الخطاب التربوي نفسه، وإيجاد إطار مرجعي يحكم الظاهرة التربوية التي تمارس في مؤسساتنا التعليمية الضاربة بالوطن العربي شرقا وغربا، وإذا كانت الحياة اليوم تتسارع بصورة رهيبة، فبات أولى الاكتراث بضرورة تنويع خطابنا التربوي العام مستهدفين خلق جيل جديد من الطلاب يستطيعون مواجهة تحديات المستقبل . وإذا كانت التربية الفوقية التي تصدر عن صانعي القرار التعليمي لا تعكس واقعنا المدرسي الحقيقي فغن هذا يزيد من تفاقم أزمة التربية التي تشارف نهاياتها إذا لم ندرك المفارقة القيمية بين قرار تربوي يصدر، ومشهد تعليمي مغاير .

فحتى الذين لا يدركون كنه التربية، يفطنون حد اليقين أننا على مشارف نهايتها التي تبدو منطقية بعض الشئ، وهذا الوعي الذي امتثل ليقين الفعل جاء من سؤال مفاده هل تمتلك المؤسسة التعليمية العربية مقومات التربية؟ . والسؤال بهل يقتضي دوما إجابة بالإيجاب أم بالنفي، وفي المشهد التعليمي الراهن وفي ظل أزمات التربية المتلاحقة تغدو الإجابة الحتمية بالنفي غالبا .

ومشارف النهاية تجئ على عجل كوننا على كفاءة ومهارة في توصيف واقعنا التربوي، وتوافر إمكاناتنا الهائلة في رصد الخلل ومواضعه، والتردي ودوافعه، وهذه سنتنا التي لا تنقضي أننا نجيد توصيف العَرَض وسرده، ثم ندخل في حالات من الجدل الواسع في علاج المرض، الأمر الذي يؤدي بنا دائما إلى تبني سياسات تربوية لا تتوافق مع واقعنا الراهن ومستقبلنا الذي يبدو غامضا معرفيا وتعليميا . وهذا الجدل يعكس قصورا شديدا في العلاج.

تلك مقدمة تدفع القارئ إلى تعكير صفو سعادته، وربما إيقاظه على حقيقة صادمة بأن أبناءه الذين يذهبون كل صباح إلى مؤسسته التربوية لا تفي بمسئولياتها، ولا تكترث بأنها تقدم أكبر خدمة إنسانية لأبنائه وهي أن يستحيل عضوا فاعلا في مجتمعه ومن بعد وطنه العربي الكبير.

ويسألونك عن التطوير التربوي، وسيخرج عليك رجال يدغدغون أسماعك بأحاديث تشبه حواديت وحكايات جدتي عن ملامح تطوير التربية، والدور التنموي للمدرسة والواقع يشير إلى أننا بالفعل لا نقدم تربية ممكنة التحقيق، فالمؤسسة التعليمية صارت مشغولة بفعل السياسات التعليمية والقوانين المنظمة لها بالتحصيل والترويج لثقافة الاختبارات والدرجة النهائية ولا تهرول إلى صيحات تنمية القدرات أو تعديل الاتجاهات وتنمية المواهب وتعزيز الإمكانات المتاحة لتلاميذنا، فكل هذه الأمور ورقية تزين أرفف وجدران مؤسساتنا التعليمية وخير دليل حرص بعض المحافظين على تتبع مراكز الدروس الخصوصية لأن المدرسة بالفعل صارت ورقة امتحان ودرجة نهائية ومرحلة لاحقة ينتقل إليها الطالب .

ونحن بالفعل أمام ملامح عصية على التأويل وصعبة المراس في تفسيرها أيضا، تلك الملامح التي لا يمكن حصرها وقصرها على وجود إدارة تعليمية فاشلة وباهتة وأكثر خيبة لواقع تعليمي متأزم بالفعل، ولا على مستوى المعلم الذي صار ينتظر قرارات وزارته كمن يقبع خلف باب زنزانته انتظارا لأخذه غرفة تنفيذ حكم الإعدام من خلال قرارات وتعليمات ودورات تدريبية وهمية وورش عمل كارتونية، وتطبيق أنظمة لا تصلح لبيئة تعليمية تحتاج إلى تطهير شامل وكامل.

وماذا أيضا؟ نكتشف على الدوام أننا نمارس قبيل المعاناة عشوائية في التخطيط التربوي لمؤسساتنا التعليمية، وبسؤال لأحد أساتذتي الذين غفل عنه صانعو القرار التربوي رغم أنه الرائد في مجال التربية الراهنة عن عدم وجوده في مكان صناعة القرار التربوي أفادني بأن السياسة التعليمية العربية منذ سنوات بعيدة لا تشجع على الاستقرار، وأن القادم يطبق فكرة تربوية ستمحي بعد زوال منصبه وهكذا، أصبحت لدينا قناعة بأننا نعشق الانطلاق من نقطة الصفر .

ونقطة الصفر الغالبة على سياساتنا التربوية تجعلنا نؤكد على ملمح رئيس للتربية العربية التي تشارف على النهاية، أحادية الرؤية التربوية، فمشكلة التخطيط لا تزال تقف عند عائق الأحادية وجنوحها بغير اكتراث أو اقتناع للأخذ بفكرة المشروع الجماعي للتخطيط، حتى ورش العمل والندوات الجمعية التي تعقد ليل نهار بمؤسساتنا التربوية العربية نجدها تدور حول فكرة محددة سابقا وهو أمر محمود، لكن غير المحمود أن هناك ثمة محاور ثابتة لا يمكن الخروج عنها رغم كوننا نردد صباح مساء بضرورة إمطار الأدمغة وتكريس ثقافة العصف الذهني للرؤى والطروحات النقدية البناءة .

الطَّالِبُ .. من دَورِ التَّعَلُّمِ إلى مَصِيرِ الضَّحِيَّةِ:

ولا يمكن اقتناص أزمة المؤسسة التربوية العربية في المنتفع الأول بها، ألا وهو الطالب نفسه، الذي يظل المصطلح حائرا على تسميته، فمرة يدعى طالبا، ومرة أخرى تلميذا، ومرة ثالثة متعلما بحجة الالتزام بتطبيق استراتيجيات التعلم النشط . وهو في الحقيقة رغم شغبه واستمرائه الفوضى مسكين يستحق الشفقة، لأنه ضحية بعض الإدارات التعليمية الفاشلة التي قد تعاني من فقر الإعداد التربوي المهني، ومعلم خائب لم يكترث بالحصول على درجات علمية تتخطى حاجز الشهادة الجامعية الأولى، ومناهج بائسة انتهت صلاحيتها التعليمة في ظل عالم تربوي متسارع ومتصارع معرفيا ومهاريا.

وَاقِعُ التَّرْجَمَةِ العَرَبِيَّةِ:

وإذا كنا نتحدث عن نهاية وشيكة للتربية فإن هذا يدفعنا إلى تحديد أبرز عوامل النهاية، وهو التغيرات التربوية المفاجئة والمتسارعة، فإذا كنا نعتقد بأننا على اتصال مستدام بالفكر التربوي الغربي فإن هذا الاتصال حقيقي فعلا لكنه بات اتصالا متأخرا زمنيا، فالترجمة التربوية عادة تقتصر على أطروحات أكاديمية مقرها ومقامها الرسائل العلمية التي لا توظف في ميدانها الحقيقي، وحركة الترجمة تتجه غالبا في هذه الأحايين إلى مجالات الطب والهندسة والفيزياء وكثيرا ما يكون الاتجاه صوب ترجمة إنسانيات النظريات النقدية أو تحليل النفس الإنسانية إلى مكوناتها التي لو فكر المترجمون قليلا لوجدوا علاج النفس وأصول تفسيره في القرآن الكريم .

فالترجمة بالفعل قائمة لكنها باهتة وتتناول ما أنتجه العقل الغربي منذ سنوات بعيدة، رغم علم القائمين على القرار التربوي بأن التربية اليوم متسارعة وتصعب متابعة كل جديد بها .

ووجود حركة بطيئة للترجمة، مع تزامن عقدة التخطيط الصفري التي أشرنا إليها منذ قليل، يجلعنا نقف أمام ظاهرة تربوية عربية وهي تقليدية الإدارة، فإذا كان القرار التربوي الفوقي في بعض الأنظمة التعليمية العربية لا يهتم بفكرة التخطيط للمستقبل أو جماعية اتخاذ القرار، فإن الإدارة التنفيذية التي تدير المشهد التعليمي على مستوى المدرسة تتسم بالتقليدية وغياب الحضور عن الاستخدام الإلكتروني، والاستخدام الإلكتروني لا يعني أن المدرسة بها معمل يشتمل على كثير من أجهزة الحاسوب المتطورة فالأمر لا يتعد حد الاستخدام والاستهلاك لا الإنتاج أو تطوير التقنية ذاتها . لكن الإدارات التربوية المعاصرة تطبق اليوم فكر الإدارة إليكترونيا وتسعى لربط المؤسسة التعليمية بالطلاب والمجتمع والمؤسسات ذات العلاقة بالتربوية عن طريق شبكة معلوماتية متخصصة تسهم في رفع الوعي المعلوماتي والمهاري لدى العاملين بالمدرسة وبالتلاميذ وتجعل شركاء المجتمع على علاقة وطيدة بإحدى المؤسسات الوطنية ألا وهي المدرسة .

مَلامِحٌ مِن خُطَّة عِلاجِ الأزْمَةِ:

حسنا، هذا هو العرض في الإدارة، فماذا عن العلاج ؟ العلاج يبدو بسيطا عن طريق تفعيل الإدارة الإلكترونية من ناحية، ومن ناحية أخرى يكمن العلاج في سؤال فعن طريق الأسئلة يعمل العقل ويتفجر بالإبداع، والسؤال هو: ماذا يحدث لو جعلت المدرسة طلابها يشاركون في إدارة المدرسة ولو لمدة يوم واحد كل أسبوع؟

ليس الأمر بكارثة لأننا في الأصل نجرب ونطور ونعدل ونحذف هذا ونعيد تجديد هذا، وشراكة الطلاب في الإدارة سيجدد شبابها ويحيي شرايينها المتصلبة .

وربما وأنا أستعرض ملامح نهاية التربية، استقر بي الحال على ربط المشهد الانتخابي لبرلمان النواب بمصر مؤخرا وحال التربية القائمة، فكثير من المحللين عبر الفضائيات تناول ظاهرة عزوف الشباب عن المشاركة في التصويت، وظهر رجل يدلل على المستوى الثقافي للناخب، وراح آخر يبرهن على أن العزوف مفاده قصور برنامج المرشح، وهكذا تعددت الأسباب والحجج والدوافع التي أدت إلى ظاهرة العزوف .

لكن العزوف ليس مقره ومستودعه سياسيا هذه المرة، إنما الممارسات التربوية داخل أسوار المؤسسة التعليمية هي التي أدت إلى تلك الظاهرة، وعلاج هذا لا يكون فقط بممارسة الطلاب لأنشطة مدرسية محددة ومكرورة وأصبحت بائدة في بعض الأحيان، لكن عن طريق تجديد الحراك المدرسي إما بأنشطة يقترحها الطلاب أنفسهم تعكس مطامحهم وآمالهم ودوافعهم للتعلم، ووجود ديموقراطية تعليمة تفرز لنا جيلا استثنائيا قادرا ليس فقط على مواجهة التيارات والأفكار الوافدة، بل في بناء الأوطان العزيزة التي تستحق بذل الجهد والمجهود .

تَجْدِيْدُ الخِطَابِ التَّعْلِيْمِيِّ .. تَغْرِيْدٌ خَارِج السِّرْبِ:

الذين هرولوا من التربويين العرب وراء التقرير الأمريكي ذائع الصيت والانتشار (أمة في خطر) والذي أعد بشأن النهوض بالتعليم الأمريكي عن طريق الاهتمام والتسارع المعرفي بمادتي الرياضيات والعلوم لم يستفيقوا بعد على وضع أخطر يحتاج إلى مزيد من الهرولة بل هوس الاهتمام أيضا لا مجرد نقل الحذر وترقب الخوف الذي يحذو بسياساتنا التعليمية فحسب . ولاشك أن الأخبار المتعلقة بالشأن المدرسي في مصر على وجه الاختصاص تتصدر مشهد المتابعة، ورغم أن هناك حالة غير مستدامة لتتبع أخبار ترشح الراقصة سما المصري وقبول طعن أحمد عز الرجل الحديدي في انتخابات مصر إلا أن أخبار المؤسسة التعليمية تظل دوما في مقدمة اهتمام المصريين بغير إطلالة على أن كثيرا من المصريين لم يعودوا يهتمون بالعلم وأهله .

وفي الوقت الذي نتبارى ونتراهن وأخشى أن أقول نتناحر في قنص فرصة تجديد الخطاب الديني كان علينا بصدق ووطنية أن نتبارى لصالح الوطن في تجديد خطابنا التعليمي الذي يستحق الشفقة عليه، وأذكر مجددا بغير كلل أو ملل لم يكن في خاطر أو هواجس محمد علي باشا وهو يدشن لامبراطوريته المصرية أن دعائم الثقافة التي سعى إلى تكوينها وتأسيسها ستكون باعثا قويا ودافعا إيجابيا لحرية الوطن الذي تربع هو وأسرته متعددة الأنساب والأصلاب على عرشه قرونا طويلة . الأمر نفسه الذي لم يكن بخاطره وخاطر المؤسس الثاني للدولة المصرية الخديثة الخديوي إسماعيل باشا أن نظامه التعليمي الرائع سواء على مستوى العصر الحديث والعصر الراهن في تمصر الوطن والحفاظ على هويته الرئيسة التي لا يمكن أن تشوبها عاطفة سياسية موجهة أو تقتنصها تيارات وفصائل لها أطماع ومطامح أيديولوجية معينة أن تؤدي بنا إلى حال تعليمي متردٍ وأكثر ترهلا.

وهذا الخطاب التعليمي ليس مجرد وثيقة ورقية مثل وثيقة الانضباط المدرسي التي قرأتها مرتين وقبلت بنودها بشرط توافر تحقيق واجبات وزارة التربية والتعليم وصدقها في التنفيذ، والخطاب أيضا ليس مجرد بنود تنظيرية تفيد بأنه يجب على المعلم أن يفعل كذا ويقابل بكذا أو أن على الطالب الالتزام بقواعد معينة لأن المحك في الالتزام بتلك الشرائط التنظيرية هو ما تابعناه بخوف وخشية من أخبار أرجو أن يكون الوزير بغير غفلة عنها وإلا فحقا تعليمنا في خطر . وآخر الأخبار الموحشة التي أفزعت واقعنا التعليمي هو تعرض طالبة بمدرسة الخصوص للاغتصاب الوحشي على يد مجهول داخل المدرسة وتنظيم الطلاب وقفة احتجاجية من أجل المطالبة بأخذ حق زميلتهم وأخبار أخرى متناثرة يفيد بأن الوطن لن ينهض إلا بتعليم مستنير وخطاب تربوي بعيد عن النفاق والتقليد والمبالغة والأخذ بأسباب الحضارة دون امتلاك مقوماتها.

التَّعلِيمُ مِن التَّلقِينِ إلى اسْتِثْمَارِ العُقُولِ:

لكن اليقين يؤكد أن الأمم التي تسعى للنهضة وتسير في طريقها للارتقاء تأخذ بمبدأ أن التعليم استثمار للعقول والمهارات والأداءات وتربية وتنمية للمشاعر والجوانب الوجدانية، وربما هذا ما يصر المسئولون على تجاهله باستثناء استخدام بعض المفهومات التربوية المستحدثة والتي لا تتوافق مع واقع مجتمع لا يزال يعاني من شلل الأطفال والأمية ورغم ذلك نجد وزير التربية والتعليم والقائمين على أمر التعليم في مصر يحدثوننا بحديث غريب ويبدو عجيباً أيضاً عن تعليم قد يأتي يواكب أحداث المشهد السياسي لكن ما يمكن استشرافه أن التعليم الجيد لا يقتصر على قرارات وزير أو استحداث نظم تعليمية متقدمة قد تبدو كالجسم الغريب بالجسد الحي، بل يتمثل التعليم في أبهى صوره عن طريق الشراكة الحقيقية بين أولياء الأمور والطلاب ورجال الأعمال المهمومين بالقضية والمؤسسة الرسمية للتعليم .

وربما تتجسد مشكلة النظام التعليمي في الكتاب الذي صار مريضاً بالفعل من ناحية المعلومات الباهتة ويكفيك أن تعلم حقيقة مفادها أن اللغة العربية بكتبها المدرسية تقدم معرفة وبيانات ومعلومات وتجهل المهارات اللغوية وكأن القائمين على تعليمها أخطأوا القصد وظنوا أن اللغة معرفة لكنها في الحقيقة مجموعة من المهارات والأداءات وليست كالدراسات الاجتماعية، مثلها في الحال مثل مواد الكيمياء والفيزياء والأحياء التي خرجت من طبيعتها العلمية الأدائية وأصبحت حبيسة ورقة الاختبار وتسجيل مجموعة من الحقائق العلمية بغير تطبيق أو تطوير لها .

لكن إذا كان الوطن بحق يسعى للارتقاء فينبغي أن يكون على وعي تام وكامل بأسس المدرسة الحديثة التي يمكن وصفها بالصدق من حيث مطابقة الواقع وحاجات المجتمع ومطالبه التي لن تنتهي لأنه بالفعل لا يزال وليداً لاسيما بعد ثورته السياسية وإسقاط النظم الحاكمة التي سيطرت على التعليم من أجل مصالحها لا من أجل مصلحة الوطن . والمدرسة بهذه الصورة تتطلب شروطاً ومواصفات  قد يراها معظم المواطنين رفاهية لكنها في الحقيقة هي صلب التطوير والتحديث، منها موقع المدرسة نفسها، فكثير من المدارس التي يتم تشييدها تقع وسط البنايات السكنية مما يجعل الطالب يذهب إلى مدرسته وكأنه لم يفارق بيته الضيق، لكن ينبغي للمدرسة أن تكون في مناطق خالية من العمارات الشاهقة والبنايات السكنية التي تتعالى منها أصوات الجيران ومشاجراتهم، وكم كنا ونحن صغار أكثر شغفاً بمراقبة السكان وهم يطلون من شرفات مساكنهم غير مبالين لشرح المعلم، لكن يبدو أن الوزارة لا تريد التفكير في مشكلات قصور انتباه المتعلمين لأنها بالفعل مشغولة بقضايا أخرى تراها أكثر أهمية .

إن المكان التعليمي هو الذي يسمح أو يعيق نجاح التعليم وهذه الحقيقة يمكن ملاحظتها من خلال متابعة ومشاهدة القنوات التعليمية الأجنبية التي تعرض المدارس وتصميمها لا الذي يشبه مدارسنا الأقرب للمراكز الصحية أو المؤسسات الإدارية التي تجعل من الطالب موظفاً لا مبدعاً ويسير بحركات ثابتة تبعاً لطبيعة المكان والتصميم الهندسي .

والشرط الثاني للمدرسة العربية الحديثة هو توافر مدير تعليمي يتسم بمواصفات ومؤشرات تحقق الريادة والإبداع والتفوق الأكاديمي وفاعلية النشاطات المدرسية، وما أفجع حقيقة أن غالبية مدرائنا بالمدارس غير مؤهلين أكاديمياً وتربوياً وشرط ترقيهم فقط هو حصولهم على دورات تدريبية تنظمها مديريات التربية والتعليم أو رضا رؤسائهم فقط . لكن المدير مثل الحاكم عليه أن يكون أكثر خبرة بالنظم التعليمية وأن يكون قد جرب وشاهد وعاين واختبر كثيراً من المشاهدات الصفية وغير الصفية، بالإضافة إلى قياس حجم إنجازاته المرتبطة بمجال المهنة نفسها لا بقدر مساهماته الحزبية أو النقابية أو السياسية .

 

الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسْمَاعِيل

 

زهير الخويلدياستهلال:

"كل عبد له في يديه القدرة على كسر سلاسله" - وليام شكسبير

لو لم تكن فكرة الحرية في المركز، فهي على الأقل واحدة من النقاط الجوهرية التي تدور عليها الفلسفة منذ القديم ولقد زاد ذلك كثيرا في الأزمنة الحديثة وعصر الأنوار ووقت الثورة العلمية والصناعية. أما اليوم فهي تعبر عن عدة طموحات مختلطة وتلخص الكثير من أحلام اليقظة والتطلعات الشبابية الواعدة.

 قد يرفض أحدهم تمتع الآخرين بها ويؤثر بقائهم في العبودية لكي يحتكرها لذاته ويتمتع بفضائلها لنفسه ولكنها ترفض ذلك وبدل أن يمتلكها تقوم هي بامتلاكه وتنتقل عدواها إلى غيره وتفيض على العالم بأسره. إذا كانت فكرة الحرية تتضمن كفايتها الذاتية وتملك القدرة على التحديد الذاتي فإن العبودية لو قلبناها كما هي في المسار التاريخي والحالة الاجتماعية يمكن الوعي بها والانقلاب عليها ونفيها وتحويلها إلى حرية.

بيد أن المشكل الفلسفي الذي يطرح لا يتعلق بمسألة الحرية بقدر ما يثار ضمن الدروب التي تكتسب فيها وبالتالي يجدر الابتعاد عن الخلط بين الحرية وغياب الإكراه وانتفاء الضغوطات وزوال الموانع والعقبات وتحريك الوعي حول معنى الحرية في الوجود الإنساني والغوص في العمق الذي ترتكز عليه وتتبع تحول الجدلية التي تتشكل بمقتضاها ووصف الظهور المرئي للأحرار في الأشكال الكبرى والصور اللامعة.

هكذا تظل الحرية تتأرجح بين غياب الإكراه الخارجي والتحديد الباطني من جهة واختراق الحد المسموح به وتخطي العتبات المرسومة وفق قدرات الملكات البشرية واستعمال الحرية لكي يتم التخلي عن الحرية.

لو أردنا اختزال الموضوع بوضوح أكبر حول القسمة السهلة بين التصورات المتعارضة حول الحرية فإنه يمكننا أن نعارض بين اتجاهين كبيرين: الاتجاه الأول يقر بوجود تطابق بين الوعي الحر والطبيعة العليا، والاتجاه الثاني يقوم بالانقطاع والتعالي الذي يميز الحرية عن كل طبيعة واقعية أو ممكنة. فماهي العلاقة بين الطبيعة والحرية؟ وهل يتناقض القول بطبيعة الكائن والكائن الطبيعي مع مطلب الحرية؟

لعل التفكير في شيء معين على أنه موضوع يعني تحديده بصورة طبيعية وبالتالي تمثل الطبيعة بالأساس نظاما من التحديدات للأشياء والمواضيع ويتعلق الأمر بالتسجيل القبلي لنظام الأشياء في نظام الفكر الإلهي ضمن جبرية لاهوتية ولكن يمكن أن يتعلق من جهة أخرى بالضرورة المنطقية وبالسببية الطبيعية.

لكي نفهم العالم يجب أن نفترض مبدءا تحديديا، فإذا كان العالم مفهوما ألا تصبح الحرية غير مفهومة؟

 لو كان العالم مفهوما لكانت الحرية مشكلا ولو رفضنا القول بالحتمية الكونية فإن الحرية نفسها تفقد معناها: ليس من خلال افتراض أن الإرادة هي سبب وجود ما نريده ونختاره وإنما أيضا لأننا دون افتراض سلسلة من الأسباب الضرورية في الطبيعة فإنه يتعذر علينا رؤية تتابع الأشياء من بعضها البعض ولزوم شيء معين من شيء آخر نريده. فما يجعلنا أحرار بهذا المعنى هو معرفة السلسلة السببية الطبيعية لكن إذا كانت هناك سلسلة سببية طبيعية فإن ما يقع يترتب منها ويصدر عنها ، أما معرفة كيف تكون الحرية ممكنا فإنه يعود إلى معرفة كيف ننزل الإرادة ضمنها وبالمقارنة مع الأسباب المولدة لها.

هناك عدة حلول قدمها الفلاسفة حول هذه المشكلة:

- القبول بأن نظام الطبيعة ليس هو نفسه ضروريا بل حادثا وجائزا ويمكن للأشياء أن تحدث من ذاتها دون علة ضرورية ويمكن أن تحدث من شيء آخر .

- القبول بأن نظام العالم ضروري وبأن الأفعال الإنسانية تنتمي إلى الطبيعة وبأن ما يحدث لنا تابع لنظام الطبيعة وأننا لا نقدر على أي شيء بخلاف ذلك.

- القبول بأن نظام العالم هو ضروري وأن الإرادة الإنسانية تمثل جزء من هذا النظام وبالتالي فهي ليست سببا حرا بل نحن نريد هذا الشيء بدل ذاك وفق شرط محدد ولا نقدر على إرادة أي شيء.

- وجود ضرورة كونية تحكم الكون وبالتالي امتناع وجود الحرية الإنسانية بما أن الرغبة تتفوق على الاستطاعة.

- إمكانية قبول القوانين التي تتحكم في الطبيعة ومحاولة تكييف ميول الطبيعة البشرية والأهواء مع هذه القوانين وتفادي التناقض بين المنشود الإنساني والموجود الواقعي.

ألم يقل ديكارت:" من الأحسن تغيير رغبات بدل نظام العالم"1[1]. هكذا تطرح الحرية دوما مشكلا أنطولوجيا ولا يمكن حله إلا بافتراض انتماء الإرادة إلى نظام مغاير لنظام الطبيعة وغير خاضعة للقوانين الطبيعية والاستنجاد بفكرة الذات التي برزت في الفلسفة الحديثة. لكن حريتنا في العالم لا يمكن التفكير فيها خارج علاقتنا بالنظام الطبيعي بما أن حركاتنا مرتبطة به وبالتالي تعود الصعوبة بالظهور مجددا ولقد تفطن إلى ذلك ديكارت عندما عرف الجوهر المفكر ضمن الحرية اللاّمتناهية ولكنه أخفق في التفكير في علاقة الفكر بالمادة وبقيت المشكلة عند كانط الذي سيجعل من الذات الحرة شرط وجود القانون الأخلاقي.

يمكن التطرق إلى جدلية الحركة الحرة ، وأشكال الحرية والحرية الملتزمة ، والحرية من حيث مشروع وجود ولكن هل يمكن الاعتقاد كما ترى الفلسفة الريبية الحديثة بأن تكون الشعور بالحرية مجرد وهم؟

فكرة الحرية عند هيوم:

"الانفعال هي وجود بدئي أو ، إذا أردت ، وضع بدئي للوجود"

يعتبر دافيد هيوم الحرية مجرد فكرة مختلقة وغير لازمة ويقول بوهم الحرية. كما أن التعارض بين الحرية والضرورة ليس سوى عبارة عن الفتور واللامبالاة في الانتقال من فكرة إلى أخرى والإحساس بأن أفعالنا ناتجة عن إرادتنا واستخلاصها من بواعث هو مجرد تكرار وخلط بين ظواهر متشابهة.

ضرورة الفعل ليست خاصية الفاعل وإنما خاصية الكائن الذكي الذي يستنتج الفعل من الظواهر السابقة. إن الإرادة الإنسانية التي لا تخضع لأي شيء وتتحرك في جميع الاتجاهات تنتج صورة سلبية عن نفسها.

فالحرية الخيالية هي الحركة الواقعية التي تتشكل في الرغبة العجيبة في إثبات أن الفاعل هو باعث الفعل.

في هذا السياق يثني هيوم على الاعتقاد بقوله:" الاعتقاد ليس سوى كائن أكثر حيوية وأكثر حياة وأقوى وأكثر حزما وأكثر استقرارا من ما يمكن أن يحققه الخيال وحده." ويضيف "ليس من العسير تفضيل تدمير العالم بأسره على خدش إصبعي"ولكنه ينقد السببية بهذا التصريح:" تأتي أفكار السبب والنتيجة من تجربة تُعلمنا أن مثل هذه الأشياء المعينة، في جميع الحالات الماضية ، قد تم دمجها مع الآخرين؛ عندما ننتقل من انطباع كائن ما إلى فكرة أخرى ، فإننا مصممون ليس عن طريق السبب، ولكن عن طريق التعود أو مبدأ الارتباط"2[2]، فهل يؤدي هذا النقد الريبي لفكرة السببية إلى الإقرار بوجود الحرية الفيزيائية؟

فكرة الحرية عند روسو:

" الحرية هي أقل ما تفعل إرادة الفرد من عدم الخضوع لإرادة الآخرين."

يتناول روسو الحرية في إطار علاقتها بالعبودية ويصرح:" لا يمكن أن يكون المواطن حرا تماما إلا إذا كان العبد عبدا إلى أبعد حد" و"لا يستطيع المرء أن يحافظ على حريته إلا على حساب حرية غيره"

في كتاب العقد الاجتماعي يعود روسو إلى الإغريق ويقسمهم إلى أسياد يفعلون بأنفسهم ما يردون ، يعيشون في منطقة هادئة ويجتمعون في الساحة العامة ويقررون ما يتفقون عليه، في حين أن العبيد محرومين من هذه الامتيازات ويعيشون في مناخ قاس ووضعية بائسة ويتعذر عليهم الإقامة في الساحة العامة ونادرا ما يستعملون لسانهم ويقوم بأشغالهم ويعطون قيمة كبيرة لكسب قوتهم أكثر من حريتهم ويخافون من الحرمان والعوز أكثر من خوفهم من البقاء في حالة العبودية. بهذا المعنى كان الشغل الشاغل هو الحرية ولا تبقى الحرية على ماهي عليه بعيدة المنال إلا بفضل العبودية وتأخر وعي العبيد بأهميتها.

ان الطاغية لا يضمن لرعاياه الطمأنينة المدنية لأانه يرضي دوما طموحه وجشعه اللامحدود واستعماله للقوة في حل الخلافات يجلب له الحروب وتتكاثر حوله الفتن وتتحول حياة الرعايا الى حياة بائسة وجحيم.

بينما في الشعوب الحديثة عرفت نهاية العبودية بالمعنى القديم وبداية عهد الشعوب الحرة وصار الإنسان يدافع على اختيار حرية غيره من خلال الديمقراطية التمثيلية ومنح ثقته لعدد من النواب في البرلمان[3].

من هذا المنطلق يميز روسو بين الحرية الطبيعية التي يحصل عليها الشخص عندما يعثر على شكل من التجمع البشري يدافع ويحمي بكل القوة الموحدة عن خيراته والحرية القانونية المدنية التي يحصل عليها عن طريق المواضعة ومن خلال إبرام ميثاق اجتماعي يقوم بمقتضاه كل شخص بتذويب كل حقوقه لفائدة المصلحة المشتركة بشرط أن ترجع له كل حقوقه الأولى وأن تضمن له كل حقوقه التي اكتسبها بالقانون.

هكذا ينقد روسو الحرية الطبيعية ويرى بأن الإنسان يستمد قيمته كذات حرة وأن التنازل عن الحرية تحت أي سبب أو عنوان يؤدي إلى التنازل عن الإنسانية والى فقدان القيمة التي منحت له وخلع الكرامة البشرية وفي هذا السياق يصرح في العقد الاجتماعي :" إن تخلي المرء عن حريته يعني تخليه عن طبيعته كانسان وعن حقوق الإنسانية جمعاء بل وعن واجباته وليس هناك تعويض ممكن لمن تخلى عن كل شيء"4[4].

على هذا الأساس التخلي عن الحرية يكرس الخضوع غير المحدود ويسلب الناس حقوقهم وإرادتهم ويجعلهم يسلمون ما بحوزتهم من ممتلكات لغيرهم وينزع الصفة الأخلاقية عنهم ويجعلهم غير ملزمين بأي شيء أو قيمة تجاه أي جهة أو إزاء أي شخص،ويمثل شرط بطلان العقد وتشكل السلطة المطلقة. يحدث الانتقال من حالة الطبيعة الى حالة التمدن بسبب العقد الاجتماعي تغييرا جذريا في الإنسان حيث يستبدل الغريزة بالعدالة في سلوكه ويضفي الطابع الأخلاقي على أفعاله ويفقد حريته الطبيعية التي لا تحدها سوى قوى الفرد وحقه اللامحدود في فعل ما يشاء ويربح حرية مدنية لا تحدها سوى الإرادة وملكية ما في حوزته ويربح الحرية الأخلاقية التي تجعله سيدا على نفسه ومتحررا من عبودية الشهوة5[5].

في هذا السياق يحدد روسو الحرية المدنية كما يلي: " أما الامتثال للقانون الذي قمنا بتشريعه لأنفسنا فهو الحرية"، وبالتالي لا يرى وجود تعارض بين إرادة الفرد وإرادة العامة إذا ما تم احترام العقد الاجتماعي بين الشعب والسلطة السياسية المنبثة عنه في مستوى الحقوق والواجبات وتمتع المواطنين بمختلف حرياتهم الأساسية والمعنوية وتمكن الجميع من المشاركة في سن القوانين ووضع التشريعات المناسبة.

لكن استفاد كانط كثيرا من هذه الجهود الجبارة التي بذلها روسو في المجال القانوني والأنثربولوجي؟

فكرة الحرية عند كانط:

"الحرية هي مجموعة الحقوق التي لا يستطيع أي مجتمع عادي افتكاكها من أعضائه دون انتهاك العدالة والعقل. الحرية ليست حقًا ، إنها واجب. الحرية هي الحق في فعل ما تريد مع ما تملك"

يعبر كانط عن عدم ارتياحه للقول بأن بعض الشعوب لم تنضج من أجل منحها الحرية وينادي بتهيئة الناس لكي يمارسوا حريتهم الشرعية ويرى أنه يشبه من يقول بأننا لسنا ناضجين من أجل حرية الشعور ويعتبر أن المحاججة بهذه القولة يعني أن الحرية لن تتحقق أبدا ويكشف عن الدوران في حلقة مفرغة مفادها: أننا لا يمكن أن نكون ناضجين من أجل الحرية، إذا لم نكن مسبقا أحرارا ويجب أن نكون أحرار لكي نستطيع استخدام قوانا بشكل يخدم حريتنا"6[6].

كما تعاني الحرية من الكثير من العوائق بالنظر للخضوع لأوامر السلطة والاشتغال برعاية الغير ولذلك تظل المحاولات الأولى التي يبذلها الناس قاسية وخطيرة. على هذا النحو ينبغي أن يتحرر الناس من الظروف الصعبة والقيود الثلاث – الدولة والأسرة والكنيسة- التي تمنعهم من استعمال عقلهم بحرية لكي ينضجوا من أجل العقل ويقوموا بما يردون فعله ويعبروا عن قدرتهم على تحقيق مبدأ الحرية ويعلموا أن الله ذاته خلق الإنسان من أجل الحرية، فكيف يكون له الحق في إبعادها عنه؟

الإنسان الحر هو المواطن الفرد الذي يعيش في دولة مدنية يحكمها القانون وتسير مؤسساتها بشكل ديمقراطي ويقترح كانط في مقالة في البيداغوجيا7[7] تربية الإنسان على الحرية من خلال القواعد التالية:

- يجب أن نترك الطفل حرا منذ طفولته الأولى شريطة ألا يشكل عائقا أمام حرية الغير.

- عليه أن يتهذب لأنه لا يمكنه الوصول إلى غاياته إلا إذا ترك الآخرين يصلون إلى غاياتهم.

- نبرهن له أن الإكراه الذي فرضه عليه هدفه هو أن نجعله يستخدم حريته وأن نربيه لكي يستطيع أن يكون مستقلا حرا وأن يستغني عن اللجوء إلى الغير.

هكذا تساعدنا التربية على معرفة قياس قوتنا والحدود التي يفرضها علينا حق غيرنا وأننا لا نتمتع بأي امتياز. في هذا السياق يؤكد كانط في المجال الأخلاقي على أن الإرادة الحرة هي الإرادة الأخلاقية وعلى استقلالية الإرادة هي ميزة العقل العملي سواء في أسس ميتافيزيقا الأخلاق8[8] أو في نقد العقل العملي.

يبرهن على ذلك بالقول بأن حرية الإرادة هي التي تجعل الوعي بالقانون ممكنا وتجعله الإنسان يوافق ويتقبل المبادئ النظرية الخالصة على أنها ضرورة يفرضها عليه العقل وليست مستقاة من التجربة ولا مقيدة بإشباع الشهوة المباشرة ولا نتيجة تعرض للتهديد وتمسك بحب الحياة ، في هذا الإطار نراه يصرح: "انه بإمكانه فعل شيء ما لأنه يعي أنه يجب عليه القيام به ويتعرف أيضا بداخله على الحرية التي كانت ستظل مجهولة من طرفه لولا وجود القانون الأخلاقي"9[9].

فاذا كانت الضرورة خاصية الكائنات الطبيعية وإذا كانت الإرادة ترتبط بالعقل والحياة فإن الحرية السلبية موصولة بالاستقلال عن الأسباب الخارجية بينما الحرية الايجابية تكون سببية تعمل وفق قوانين ثابتة.

 من هذا المنطلق" يمكن أن نعرف الحرية العملية بأنها استقلال الإرادة تجاه كل قانون ما عدا القانون الأخلاقي" كما " يشتق مفهوم الحرية من الواجب الأخلاقي المشروط" و"مما لاشك فيه أن الحرية هي مبرر الوجود، انه شرط القانون الأخلاقي... إن القانون الأخلاقي هو ما يجعلنا نتعرف على الحرية". ويضيف كانط أيضا: " بالنسبة لي لا شيء مطلوب غير الحرية ، بمعناها الأكثر براءة ، أي تلك التي تقبل على استخدام علني للعقل في جميع الميادين".

 على هذا الأساس يقر كانط بوجود ضرورة في الظواهر وحرية في الجواهر. بطبيعة الحال الاستقلال هو قوام حرية الإرادة والخاصية التي تجعلها قاعدة نفسها واستقلال الإرادة هو المبدأ الوحيد لكل القوانين الأخلاقية والواجبات التي تتطابق معها وتتعارض أخلاقية الإرادة مع مبدأ الإجبار والتبعية لأن الإرادة الحرة والإرادة الخاضعة لقوانين أخلاقية هما في النهاية نفس الشيء".

لكن لا يتوقف احترام القانون على الجانب المضموني وإنما يرتبط بالخصوص على الجانب الشكلي أي القاعدة. لكن كيف نرفع من درجة الحرية ونرد لها الاعتبار في الحياة اليومية؟ وماذا تفعل الحرية أمام سلطة المجتمع وفي مواجهة الفردانية؟ وهل تنحني أمام ضربات ضرورة التاريخ وتغترب في العالم الطبيعي؟ والى أي مدى يمكن أن تصمد الحرية بالمعنى الأخلاقي والتربوي أمام التحديات التي تتعرض لها من العنف السياسي وحيلة العقل ومكر التاريخ والقوى الطبيعية؟

خاتمة:

" ليس من الجيد أن تكون حرا جدًا. ليس من الجيد أن يكون لديك كل الضرورات" – باسكال-

لا يمكن البرهنة على حرية الاختيار وإنما يمكن اختبارها وممارستها في الحياة اليومية والفكرية وكل فلاسفة حرية الاختيار قد انطلقوا من مجرد وصف لتجارب نفسية أو أخلاقية كانوا قد مروا بها أو عاشوها، لقد أعلن ديكارت بأن "حرية إرادتنا تعرف دون حجج بواسطة التجربة التي نجريها وحدها" ويذكر لايبنتز بالشعور الداخلي القويsentiment vif interne بحرية الاختيار. أما برجسن فقد كشف عن الحرية في المعطيات المباشرة للشعور، في حين عثر عليها مين دي بران في الظاهرة الأولية fait primitif التي تتكون من تجربة الجهد العضلي. بالنسبة لديكارت نحن نقوم في وعينا بتجربة حرية الاختيار لامتناهية مثل تجربتنا اللامتناهية مع الله ونستطيع أن نرفض بالبداهة اي شيء يحول دون ظهور القدرة على حرية الاختيار وذلك لان قضية بديهية مثل أنا أفكر إذن أنا موجود تفرض التصديق وجوبا. ولكني أحوز دائما على الحرية على الامتناع عن تثمينها وعلى توجيه انتباهي إليها: أعتقد في ما أراه بوضوح وتميز بواسطة نور الذهن، ولكن لا أرى إلا ما أشاهده ولا أشاهد الا ما أريد. حتى بداهة الحق خاضعة لإرادتي الطيبة لانتباهي الحر". غير أن هذا الرأي قابل للنقاش لأن تمرين الانتباه لا يبدو انته غير محدود لأن الإنسان لا ينتبه سوى لما يهمه ويمكنه أن يسحب انتباهه من موضوع هام بشكل مباشر ويحمله على موضوع مختلف يعيره اهتمامه بصورة مباشرة أو غير ذلك، ولا يمكن بالتالي عزل قدرة الانتباه عن سياق الحياة الذهنية الذي يحددها. فما علاقة الحرية بالتربية والتنوير؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.................................

المصادر والمراجع:

Descartes René, Méditations métaphysiques, 1641. In Œuvres et lettres, édition Gallimard, collection la pléiade, Paris, 1953.

Hume )David(, enquête sur l’entendement humain, 1748, Traduit par M. Beyssade, édition GF, Paris,1983.

 Rousseau Jean Jacques, Du contrat social, édition Garnier-Flammarion, Paris, 1966.

Rousseau J-J, Emile, direction de Bernard Gagnebin et Marcel Raymond, in Œuvres complètes, édition Gallimard (Pléiade), Paris, 1959-1995.

Rousseau J-J, discours sur l’origine de l’inégalité parmi les hommes, collection 10-18, union générale d’éditions, 1973.

Kant (Emmanuel), la religion dans les limites de simple raison. Edition de Laurent Galloi , Classiques Garnier, coll. « Textes de philosophie », Paris ,2015, 302 pages.

[1] Kant (Emmanuel), Traité de pédagogie. Traduction de J. Barni, revue et actualisée, introduction et notes par Pierre-José About, édition Hachette, Paris, 1981.

Kant (Emmanuel), fondements de métaphysique des mœurs, 1785, traduction de Victor Delbos, éditions les Echos du Maquis, juin 2013.

Kant (Emmanuel), critique de la raison pratique,1788, traduction Picavet, édition librairie Félix Alcan, 1921.

 

ميثم الجنابيالقضية الكردية- أفق مغلق وبدائل محتملة (5)

لقد توصلت في المقال السابق، إلى أن دراما «الانفصال الكردي» قد أدت في مسارها السلبي إلى ترسيخ وتعميق ثلاث مكونات (نفسية وذهنية) فاعلة عند الأحزاب القومية الكردية الكبرى وهي كل من:

- نفسية وذهنية الغنيمة،

- والوساطة والوصاية الأجنبية،

- والتجزئة والانعزال.

 وهي مكونات تراكمت فيها ذهنية ونفسية الأحزاب القومية الكردية في مجرى عقد كامل من الزمن، وجدت طريقها وتهذبت جزئيا من خلال المسار العام أو الخارجي (العراقي) كما نراه في اشتراكها الفعال ومساهمتها في أعمال ونتائج «مؤتمرات» المعارضة العراقية حتى سقوط السلطة الصدامية.

طبعا أن الصيغة الأولية للتوجه العراقي، الذي برز بوضوح في الوثيقة التي جرى توقيعها في واشنطن على اثر الاحتراب الدموي الطويل بين الحزبين، لم تكن نتاجا للرؤية العراقية (الوطنية) الكردية، بقدر ما كانت جزء من رؤية الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة، وتركيا من جهة أخرى. وهي رؤية جرى التعبير عنها بوضوح في احد البنود التي تقول، بأن الحزبين يتفهمان «بان الولايات المتحدة تحترم هذه التطلعات لجميع العراقيين». ومن أهم هذه «التطلعات» الواردة في بنود الاتفاقية كل من الإقرار «بسلامة ووحدة الأراضي العراقية، والمحافظات الشمالية الثلاث دهوك، أربيل والسليمانية هي جزء من العراق». و«كل من الحزبين دون استثناء يقبلون بالحدود الدولية العراقية»، و«يسعى كلا الحزبين لخلق عراق موحد، تعددي وديمقراطي الذي يضمن الحقوق الإنسانية والسياسية للأكراد في العراق، وجميع العراقيين وفق أسس سياسية مقررة من قبل الشعب العراقي»، ويطمح «الحزبين بعراق مبني على أسس فيدرالية بشرط أن تصان وحدة أراضيه الإقليمية».

لقد قيدت هذه الوثيقة وغيرها، وواقع وإمكانيات الحركات القومية الكردية في العراق والمنطقة، مكونات النفسية والذهنية المتراكمة فيما أسميته بالمسار السلبي للأحزاب القومية الكردية. ونعثر على هذا التقييد فيما أسميته بالمسار العام (العراقي) أو الخارجي لدراما «الانفصال الكردي»، أي كل ما نعثر على مفاصله في اختلاف وتباعد وتقارب وتمازج وتناقض وتوافق الهمّ الكردي والهمّ العراقي. وهي عملية طبيعية في ظل

- انحطاط الدولة المركزية بعد سلسلة الحروب الداخلية والخارجية التي لازمت كل زمن الدكتاتورية الصدامية،

- وفي ظل تنامي الوعي القومي الكردي المحكوم منذ البدء باختلاف أصوله عن العرب واغترابه عن العراق بالمعنى التاريخي والثقافي.

ومن هذين المكونين (السياسي القومي والتاريخي الثقافي) تراكمت عناصر الفكرة العرقية والانعزالية في أيديولوجيات الأحزاب القومية الكردية. وهي عملية متناقضة يصعب الحكم عليها بصورة وحيدة الجانب، إلا إننا نستطيع تتبع ملامحها الكبرى المتراكمة في وعي ولاوعي الأحزاب القومية الكردية في غضون العقد «الحاسم» من زمن «الحواسم» التوتاليتارية والدكتاتورية.

ففي نص ميثاق العمل الوطني المشترك المنعقد في دمشق نهاية عام 1990 نعثر على فكرة «إنهاء ممارسة الاضطهاد القومي» وكذلك مطلب «إلغاء سياسة التمييز القومي وإزالة الآثار السياسية والسكانية لمحاولة تغيير الواقع القومي والتاريخي لمنطقة كردستان العراق، وحل المشكلة الكردية حلا عادلا، ومنح الكرد حقوقهم القومية والسياسية المشروعة من خلال تطبيق وتطوير بنود اتفاقية 11 آذار سنة 1970 نصا وروحا».

في حين نرى تغير النبرة والصيغة بعد الأحداث الدرامية لعاصفة الصحراء وفشل الانتفاضة وظهور «المنطقة الآمنة» في شمال العراق. ففي البيان الختامي الصادر عن الاجتماع الموسع للمؤتمر الوطني العراقي الموحد المعقود في أربيل عام 1992 نعثر للمرة الأولى على صيغة سياسية عامة وأولية لفكرة الفيدرالية. ففي احد بنود النص المتعلقة بالنظام السياسي البديل في العراق نقرأ ما يلي:«إقامة البديل الذي يستجيب لإرادة الشعب ويتمثل في النظام الدستوري البرلماني الديمقراطي الفيدرالي التعددي، الذي يلغي التمييز والاضطهاد العنصري».

وفي هذه الوثيقة تبرز للمرة الأولى حدود القضية الكردية بصورة مستقلة وقائمة بحد ذاتها. حيث تجري الإشارة في نص الوثيقة إلى أن الاجتماع المذكور أعلاه في مجرى «دراسة القضية الكردية وسبل الحل المنشود أكد حقيقة التنوع والتعدد في تركيبة المجتمع القومية... وأجمع على أهمية تعزيز وترسيخ الوحدة الوطنية الطوعية والمساواة التامة بين جميع المواطنين، معبرا عن احترامه للشعب الكردي وإرادته الحرة في اختيار الصيغة المناسبة للشراكة مع أبناء الوطن الواحد». أما بصدد الفكرة الفيدرالية، فإننا نعثر على العبارة التالية:«وتوقف عند قرار الاتحاد الفدرالي، وناقش صيغة وتجارب النظام الفدرالي واعتبره يمثل صيغة مستقبلية لحكم العراق ينبغي الاستناد إليها كأساس لحل المشكلة الكردية في أطار المؤسسات الدستورية الشرعية». واستكملها بفكرة أن وحدة العراق والتعايش بين قومياته ينبغي أن تبنى «على أساس الاتحاد الاختياري». كما شدد الاجتماع على «تلبية المطامح المشروعة والعادلة للشعب الكردي وتصفية جميع مظاهر الاضطهاد والقمع العنصري على أساس المبدأ القانوني الذي يقر حقه بتقرير المصير».

أما في البيان الختامي الصادر عن اجتماع المعارضة العراقية في نيويورك 1999 فإننا نعثر على عبارة الإقرار بالحقوق «القومية المشروعة لشعب كردستان العراق على أساس الفدرالية». وهي فكرة أكدت عليها وثيقة البيان السياسي لمؤتمر المعارضة العراقية المنعقد في لندن نهاية عام 2002.

فمن بين الفقرات المتعلقة بالقضية الفيدرالية نعثر على ما يلي: «العراق دولة ديمقراطية برلمانية تعددية فدرالية (لكل العراق)». وان المؤتمر يعبر عن احترامه لشعب كردستان وإرادته الحرة في اختيار الصيغة المناسبة للشراكة مع أبناء الوطن الواحد. كما «توقف المؤتمر عند تجارب النظام الفدرالي واعتبره يمثل صيغة مناسبة لحكم العراق ينبغي الاستناد إليها كأساس لحل المشكلة الكردية في إطار المؤسسات الدستورية العراقية بعد القضاء على نظام صدام الدكتاتوري وإحداث التغيير المنشود». أما في مجال المشاركة السياسية، فقد أكد المؤتمر على «ضرورة إشراك جميع مكونات الشعب العراقي من العرب والأكراد...». وفي موقفه من سياسة السلطة الصدامية تجاه الأكراد أكد على إدانته لما «يتعرض له شعب كردستان العراقي من تمييز وقهر واضطهاد منظم من قبل نظام صدام العنصري» و«تهجير قسري وتطهير عرقي واستخدام الأسلحة الكيماوية وتغيير الهوية القومية وتغيير في الواقع القومي لمناطق كركوك ومخمور وخانقين وسنجار والشيخان وزمار ومندلي». كما أكدت الوثيقة في موقفها من فكرة حق تقرير المصير على ما أسمته بتلبية «المطامح المشروعة والعادلة لشعب كردستان وتصفية جميع مظاهر الاضطهاد والقمع على أساس المبدأ القانوني الدولي الذي يقر حقه في تقرير المصير».

ولا تخرج جميع الوثائق اللاحقة من حيث المضمون على ما جرى استعراضه بصورة مكثفة لما يمكن دعوته بالمطالب القومية الكردية المتراكمة في مجرى عقد من الزمن. فعندما نقارن بين الوثيقة الأولى الصادرة عن قوى «المعارضة العراقية»، أي «ميثاق العمل الوطني المشترك المنعقد في دمشق بنهاية عام 1990» وبين آخر وثيقة مشتركة كبرى بهذا الصدد، أي وثيقة «البيان السياسي لمؤتمر المعارضة العراقية المنعقد في لندن نهاية عام 2002»، فإننا نقف أمام تغيرات جوهرية فيما يتعلق بالأولويات في مواقف الأحزاب القومية الكردية من النفس ومن العراق. بمعنى التحول من الحد الأقصى آنذاك والقائم في «تطبيق وتطوير بنود اتفاقية 11 آذار سنة 1970 نصا وروحا» إلى فكرة الفيدرالية السياسية والقانونية وحق تقرير المصير وإعادة النظر بتغيير التركيبة القومية لبعض المناطق وكثير غيرها. (يتبع...)

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

الوارث الحسنالتعليم الابتدائي القاعدة الأساس لكل تعثر دراسي

- منذ أن أخذ المغرب استقلاله وتخلص من الاستعمار الفرنسي سنة 1956 م، أولت الدولة ومازالت تولي اهتماما كبيرا بمجال التربية والتعليم، وذلك رغم الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي عانى منها المغرب في القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة .

ومنذ مطلع التسعينيات من القرن العشرين، مر النظام التعليمي بالمغرب بعدة إصلاحات بهدف تقليص الفوارق في التعلم وضمان نشر التعليم بين صفوف أبناء الشعب المغربي، فكان المنطلق سنة 1963م، بإلزامية التعليم للمتعلمين الذين تتراوح أعمارهم بين 07 و13 سنة . وفي سنة 1990م، أعيدت هيكلة المنظومة التعليمية سواء في التعليم الأساسي أو التعليم الإعدادي والثانوي . ومع مطلع القرن 21 جاء الميثاء الوطني للتربية والتكوين، في ظل ظرف سياسي خاص وانتقال جزء أساسي من المعارضة إلى المشاركة في الحكومة وإعداد الميثاق سنة 1999م عبر مشاركة كل الأحزاب والنقابات في اللجنة الخاصة للتربية والتكوين لصياغة مرتكزاته ومبادئه أملا في إنجاح الإصلاح .

وقد تم بحق،الحرص في صياغة المبادئ الأساسية للميثاق على الرفع من وتيرة الإصلاح وتجديد مجالاته، من خلال توخي الدقة والوضوح في إصدار القرارات مع الاستحضار الدائم لضرورة التوفيق بين ماهو مرغوب فيه وما هو ممكن التطبيق في انسجام تام مع الخصوصيات الوطنية. ومن هنا، جاءت دعامات التغيير في صيغة مقترحات عملية مضبوطة التطبيق وآجال التنفيذ تتوخى نشر التعليم وتعميمه على فئات المجتمع وربطه بالمحيط الاقتصادي والتنظيم البيداغوجي مع الرفع من جودة التربية والتدريس وتثمين الموارد البشرية وتكوينها فضلا عن الاهتمام بالتسيير والتدبير التربوي وكذا تفعيل الشراكة وإيجاد التمويل اللازم للمشاريع المدرجة.

وأمام عدم تحقيق الميثاق لما كان منتظرا منه وعجزه عن الوصول إلى إنجاز أهم الرهانات والدعامات التي سطر لها خاصة فيما يتعلق بالتعميم والجودة، سارعت وزارة التربية الوطنية سنة 2009م إلى إنقاذ فشل الميثاق واستكمال بعض دعاماته، بمخطط استعجالي بديل وجدير بتخليص المدرسة المغربية من مشاكلها الوظيفية ووضع حد لأزماتها البنيوية العويصة والتخفيف من التعثرات العديدة التي تتخبط فيها المؤسسات التعليمية.

وبذلك، اعتبر البرنامج الاستعجالي 2009/2012 بمثابة خارطة طريق تحدد الخطوات العملية التي يجب الالتزام بها من أجل إصلاح المنظومة التعليمية المغربية وإعادة الثقة من جديد إلى المدرسة العمومية لكي تكون فعلا مدرسة النجاح ومدرسة الحداثة ومدرسة المستقبل التنموي ورصدت له بالتالي،مزانية ضخمة فكانت الفرصة مواتية لبعث روح تربوية وتعليمية جديدة في المدرسة المغربية بجعل المتعلم والمنهاج والموارد البشرية والبنية التحتية في قلب عجلة التغيير والإصلاح، لكن الغايات من هذا البرنامج لم تتحقق أيضا لسوء تدبير الموارد المالية والمادية والبشرية المرصدة حسب التقارير المنجزة في الأمر.

ثم جاءت الرؤية الاستراتيجية 2015/2030، من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء، بثلاثة وعشرين رافعة تستجيب على الورق لمتطلبات المدرسة المغربية الحديثة، وتلبي الحاجيات الملحة للأمة من أجل إصلاح المنظومة وتأهيلها وتجديد هياكلها وجعلها تطلع مرة أخرى بأدوارها على النحو الأمثل، وجعلها مواكبة لتحولات العالم ومستجداته في العلوم والتكنولوجيا والمعارف الجديدة والتربية والتكوين والبحث العلمي والتقني والابتكار لتعزيز تموقع المغرب ضمن البلدان الصاعدة.

ولكن وبعد كل هذه الإصلاحات التاريخية، القديم منها والجديد، فإن المدرسة المغربية مازالت تعاني من بعض الظواهر السلبية والمقلقة التي يكاد جل الفاعلين التربويين يجمعون على تصاعد خطورتها واستفحالها بين صفوف المتعلمين اليوم، ومنها على الخصوص الفشل الدراسي والتعثر المدرسي وتدني مستواهم العلمي والمعرفي، وذلك رغم ما بذل من مجهود للحد منها أو محاولة التقليص من انتشارها على امتداد الأطوار التعليمية .

وفي هذا الصدد، وتجاوزا لكل المطبات التي حالت وتحول دون أن يحقق الإصلاح أهدافه المنشودة، فإن الرؤية الاستراتيجية كفيلة برافعاتها أن تصل قبل سنة 2030 إلى الأهداف المسطرة، إيمانا منها بأن الإصلاح يجب أن ينطلق من التعليم الابتدائي، وهذا هو مربط الفرس، حيث أن  هذا الطور التعليمي، يعتبر القاعدة الأساس لكل إصلاح تربوي هادف، مبني على الجودة وتكافؤ الفرص والمساواة والإنصاف أيضا، وتيسير النجاح في هذا المسار الدراسي والتكويني المهم، مما يستدعي النهوض به أولا بالتدرج في حدود السنوات الجارية والقيام بخطوات إجرائية لتجاوز المعيقات المستقبلية في التعليم بالطوريين الإعدادي والثانوي .

لذلك، فإذا ظلت الأعطاب المعرفية والبداغوجية والتربوية مستفحلة بشكل مؤثر في الطور الابتدائي، فإن أثر ذلك، يبقى عالقا في المسار الدراسي والتكويني للناشئة على مر الأطوار التعليمية القادمة، مما يسبب التعثر الدراسي والتكرار مستقبلا ويوسع دائرة الهدر المدرسي والفشل في النجاح . وتتمظهر أولى هذه الأعطاب في ثلاثية، المتعلم نفسه والمدرس وكذا الأسرة والمنظومة التعليمية بشكل عام .

هكذا يلاحظ كل المهتمين بالشأن التربوي، أن الفشل في النجاح والتعثرفي الاكتساب المعرفي والنماء الثقافي والعلمي ما بعد الطور الابتدائي، راجع بالأساس إلى الوسط الاجتماعي الهش والفقر والهشاشة والأمراض الصحية واللاتوازن الأسري والأمية وعدم وجود فضاء أسري مناسب للتتبع الدراسي، هذا فضلا عن صعوبة المنهاج وكثرة المواد واللغات الدراسية، وغياب الدعم المادي والاجتماعي للأسر المعوزة والفقيرة .

كما نجد عدة عوامل سلبية أخرى مرتبطة بالمؤسسة التعليمية نفسها، وبالعاملين فيها تنعكس سلبا على المنتج التربوي . وبالتالي تساهم في ترسيخ هذه الظاهرة منها : غياب الاستقرار النفسي والاجتماعي للمدرسين خصوصا لدى العاملين في المجال القروي، من نقل وضعف الخدمات الاجتماعية والثقافية والترفيهية وغياب شروط العمل المهنية المريحة وانعدام الوسائل الديداكتيكية والاكتظاظ والأقسام المشتركة وكثرة المواد وساعات العمل، فضلا عن غياب التأطير والمراقبة التربوية وعدم نجاعتها في حال وجودها  ويزداد ذلك سلبية أكثر مع الرغبة في متابعة الدراسة الجامعية مع ما يصاحب ذلك من تغيبات وهدر لزمن التعلم وكذا هزالة الأجرة أمام متطلبات الحياة، علاوة على انتشار الموظفين الأشباح، هذا بالإضافة إلى فشل جل الإصلاحات في منح رجل التعليم ما يستحقه من مكانة وتقدير لحقوقه ومتطلباته الإدارية والعملية، حيث غياب الدعم البيداغوجي لهيئة التدريس والإدارة التربوية على حد سواء، وكذا ضبابية البرامج والمناهج والكتب الدراسية المعتمدة وتقادمها في بعض المواد، كما يمكن أن نضيف أيضا نقص الكفاءة والفعالية البيداغوجية المرجوة، بسبب سوء التوظيف وغياب التكوين والتكوين المستمر للمدرسين ورجال الإدارة . ولاغرو أن وزارة التربية الوطنية بدأت توظيف مجموعة من المدرسين بالتعاقد وبدون تأهيلهم وتكوينهم تأهيلا بيداغوجيا وديداكتيكيا، أو قد تكونهم تكوينا سريعا لا يحقق النجاعة الحقيقية ولا يعطي الثمار المرجو، داخل القسم الصفي.

ويمكن الإشارة أيضا، إلى الخصاص المهول على مستوى الأطر الإدارية خاصة في التعليم الإعدادي والتأهيلي، وإثقال كاهلها بأعباء إضافية، فضلا عن عدم تمكنها من وسائل العمل الإدارية والتربوية الكافية، ولا ننسى كذلك، الوضعية المتدهورة لبعض الفضاءات التربوية والتعليمية على مستوى البنيات والتجهيزات وكذا عدم قدرة مجموعة من المؤسسات على استيعاب العدد الهائل من المتمدرسين والذين يتزايدون كل سنة .

ومن الأسباب الأخرى كذلك، هو تراجع صورة ووظيفة المدرسة العمومية لدى المجتمع المغربي، بشكل عام من منظور جدوى التمدرس وبالأحرى التخرج في ظل تراجع قيمة الشهادة المحصل عليها وعدم مواكبتها لما يستجد في سوق الشغب وبطالة الخرجين.

وعلى هذا الأساس، يمكن اعتبار الفشل الدراسي وتراجع المستوى المعرفي للمتعلمين ظاهرة بنيوية مركبة، ومستفحلة بشكل مخيف في المغرب، غير أن محاربتها والحد منها ليس بالمهمة المستحيلة والمعقدة، وإنما يمكن تجاوزها إذا توفرت الإرادة السياسية والحقيقية للإصلاح أولا، ثم إنجاز رافعات تعد  بنتائج ملموسة وفق مقاربات تشاركية للمتدخلين في الشأن التعليمي والتفعيل الناجح لمبادرات التجديد في التعليم الابتدائي على المدى القريب، مع اعتماد برامج تشجيعية لتعبئة وتحسيس الأسر بخطورة الانقطاع عن الدراسة في سن مبكرة وتقوية دور (مدرسة الفرصة الثانية) في إعادة إدماج المنقطعين والمفصولين أو إعدادهم للمنهاج السيوسيو مهني، ثم وضع آليات جديدة لبعث وإحياء المناهج والكتب المدرسية وتوحيدها وتقليص مواد التدريس في الطور الابتدائي وتعزيز القدرات التعليمية في اللغات العربية واللغات الأجنبية والرياضيات.

ومن هذا كله، واستدراكا للتعثرات الحاصلة والمستقبلية، ومن أجل تحقيق الأهداف المنشودة وتنفيذ هذه الخطوات العملية المقترحة، وجب على الدولة توفير المستلزمات الميسرة للتربية والتكوين المادية منها والمالية وتفعيل مراقبتها في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة وبذلك تكون خطوة مهمة نحو النجاح.

 

بقلم : الدكتور الوارث الحسن / المغرب

باحث تربوي حاصل على الدكتوراه

 

 

ميثم الجنابيالقضية الكردية- أفق مغلق وبدائل محتملة(4)

إن دراما الانفصال والتجزئة والانغلاق في الأحزاب السياسية وبرامجها لم تكن صفات مميزة للأحزاب الشيعية السياسية والقومية الكردية، بل مست الجميع دون استثناء. غير أن البحث هنا سوف يكون مخصصا لهذين النوعين من الأحزاب بسبب نموذجية التحول فيهما بهذا الصدد. وهو تحول راديكالي صنعته شراسة الطائفية السياسية وهمجية القمع القومي المعجونة بالانحطاط الشامل في مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والخروج على ابسط مقومات الوطنية من جانب السلطة الصدامية، أي كل ما أدى إلى صعود نفسية وفكرة الرجوع إلى «المصادر الأولية». وهو رجوع اتخذ في حالة الأكراد ما يمكن دعوته بدراما «الانفصال القومي».

فقد اتخذت نفسية وفكرة الرجوع إلى «المصادر الأولية» عند الأكراد بحكم الضرورة طابع النزوع العرقي، وذلك بسبب الضعف التاريخي والذاتي للأكراد وبدائية الفكرة الكردية. وذلك لأن "القومية الكردية" هي "قومية" بحكم الإمكانية وليس الواقع. وهي إمكانية مقطوعة بسبب خلوها من تاريخ الدولة ومنظومة الثقافة التاريخية. مما جعلها على الدوام أقرب إلى المعشر والقوم منها إلى قومية ودولة.

إن تعميم حصيلة التجربة السياسية للأحزاب القومية الكردية بهذا الصدد تشير إلى أنها مرت بأربع مراحل وهي:

- الأولى ترافقت مع نتائج عاصفة الصحراء(1991- 1992)،

- والثانية تشكيل إقليم تحت المراقبة (أمريكي بريطاني تركي) (1992- 2003)،

- والثالثة بعد سقوط الصدامية (2003)،

- والرابعة في ما يسمى بالاستفتاء على الانفصال عام 2017

ويمكن ملاحظة التغيير النوعي في سلوكها الخارجي والداخلي من خلال تبدل القوة المؤثرة في سياسة الأحزاب القومية الكردية. بمعنى الانتقال من تأثير العامل الإيراني إلى الأمريكي البريطاني التركي، وأخيرا إلى الأمريكي العراقي. وهو تحول كان يعمل في اتجاهين خاص (قومي كردي) وعام (عراقي)، أو داخلي (كردي) وخارجي (عراقي)، لعل فكرة الفيدرالية العرقية وليست حتى القومية هي احد مظاهرها اللاحقة.

فقد تراكمت في دراما «الانفصال» نوعية خاصة من الانفصام الوطني في الوعي السياسي القومي الكردي. وهو تراكم تدريجي في الزمن، راديكالي في النوعية، أي منذ عام 1992 حتى 2002. وهي الفترة التي تشكل مرحلة انحطاط الدولة العراقية بوتيرة سريعة وتعرضها إلى تدخل وضغوط خارجية شديدة. وشكلت هذه الحالة المرتع الذي عاشت عليه ونمت النزعة العرقية الكردية كشكل من أشكال التعويض عن المهانة التي تعرضوا إليها من جانب الدكتاتورية الصدامية.

لكننا حالما نحلل طبيعة ومسار هذا التحول بمعايير الرؤية العلمية، فإننا نتوصل إلى انه لم يكن مجرد رد فعل على السياسة الصدامية، بل ونتاجا مترسبا في قاع الفكرة القومية الكردية غير العميق. بمعنى أن ضعف وهشاشة الفكرة القومية الكردية وطبيعة البنية التقليدية (الجبلية والقبلية) والضعف الثقافي التاريخي هو المصدر الأساسي لهذا التحول. وهو أمر برز بوضوح بعد فترة قصيرة من «الاستقلال» بأثر تراكم الصراعات الداخلية الكردية – الكردية. رغم أن هذا "الاستقلال" كان محكوما بحماية قوى عسكرية خارجية (أمريكية بريطانية) وممولا من دكتاتورية داخلية (عراقية)!! ويمكن فهم هذا التمازج بمقاييس الابتذال الحزبي باعتباره «تكتيكا سياسيا». غير أن التكتيك السياسي مهما كان محسوبا بتوازن القوى من الناحية العملية، لا يمكنه أن يصنع في حال خضوعه لابتزاز الدينار والدرهم وقوى الاحتلال شيئا غير نفسية وذهنية المؤامرة والمغامرة. انه يتحول مع مجرى الزمن إلى مراوغة حزبية. أما في مجال «الصراع القومي»، فإنه لا يؤدي إلا إلى ابتذال الفكرة القومية التحررية نفسها.

وشكلت «الاتفاقية» الموقعة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في واشنطن في السابع عشر من أيلول عام 1998 نموذجا لهذا الابتذال الكلاسيكي. ففيها نقرأ في أول فقرة من «الاتفاقية» شكر الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني الوزيرة أولبرايت وكذلك الحكومة الأمريكية لتحقيقها سلسلة من اللقاءات الودية والناجحة خلال أيام في واشنطن!! ويعكس هذا الشكر واقع انعزال الأحزاب القومية الكردية. فمن الناحية الجغرافية لا يعزل احدهما عن الآخر سوى جبال قليلة. أما في معناه الرمزي فقد كان الذهاب إلى واشنطن يعكس حقيقة المسافة الفعلية بالمعنى الجغرافي والغاية. ولا يمكن للرؤية الحزبية أن تجعل هذه الغاية قادرة على الارتقاء إلى مصاف الرؤية الوطنية العراقية. لهذا أصبح الذهاب إلى واشنطن الطريق الأقرب للرجوع إلى «كردستان»! إذ يفتقد هذا الرجوع الجغرافي إلى الأبعاد القومية والاجتماعية السليمة. ونعثر على هذه النتيجة في «الوثيقة» نفسها. ففيها نقرأ شكر الحزبين للولايات المتحدة وقيادتها على مساعدتهم في اجتماعهما من اجل «دعم آلية عمل للتعامل المستقبلي»!! بل يجري وصف نتائج اللقاء بكلمة «عظيمة»، وذلك لأنه استطاع أن يعمل من اجل «إنهاء النزاع بشكل تام ودائم» بين الحزبين. وهو إنهاء يمكن فهم حوافزه الداخلية على انه مرهون بتدخل القوى الخارجية. بمعنى انه ليس نتاجا لوعي ذاتي، ومن ثم لا قومية فيه.

كما يمكن رؤية هذه النتيجة بوضوح في حدة الموقف المعادي للحركات الكردية التحررية في تركيا وغيرها من مناطق انتشار الأكراد. كما نراه في الفقرات التي تتكلم عن «منع الإرهاب وذلك بتوفير حماية أقوى للحدود العراقية». ولعل الاتفاق على ما يسمى بمهمات المرحلة الانتقالية تصب في هذا الاتجاه. كما نراها في البنود المتعلقة بالمحافظة على الحدود التركية والإيرانية، والقيام بإجراءات معقولة للسيطرة على مراقبة تدفق الأشخاص عبر هذه الحدود ومنع تحركات الإرهابيين. كما يجري تحريم وتجريم حزب العمال الكردستاني ومحاربة «أي ملاذ له داخل إقليم كردستان العراق»، كما يجري التعهد بضمانة «عدم وجود أي قواعد لهذا الحزب داخل هذه المناطق، وسوف يمنعونه من زعزعة الاستقرار والإخلال بالأمن أو استعمال القوة عبر الحدود التركية».

ولم يكن مضمون هذه العبارات محكوما بأولوية الرؤية الوطنية العراقية، بقدر ما أنها تشير إلى الاستعداد الفعلي للحفاظ على المصالح الضيقة الخاصة. وإلا فمن الصعب فهم أو تبرير كلمة «الكردستاني» بوصفها الكلمة الجوهرية في أسماء الحزبين!! أما الاستمرار اللاحق لهذه الرؤية الحزبية فقد شق لنفسه الطريق أيضا إلى الموقف من قضايا العراق والقوى العراقية. وفي حصيلتها كانت النتاج غير المرئي في بداية الأمر لضعف الرؤية السياسية الاجتماعية وغلبة فكرة ونفسية الغنيمة. وفيها تنعكس أمزجة الرؤية الحزبية التي تتعامل مع إشكاليات أكراد العراق بنفسية وذهنية الرهينة، أي لا أبعاد اجتماعية حقيقة فيها. من هنا الاهتمام المفرط بفكرة الوساطة والوصاية الأجنبية.

ففي الجزء المتعلق بما أسمته «اللقاءات المستقبلية بين القيادات» تجري الإشارة في الفقرة الثانية منه إلى رغبة الحزبين في أن يكون «أول لقاء في أنقرة واللقاء اللاحق في لندن»! كما توضع ضمن مهمات «هيئة التنسيق العليا» حق طلب «وساطات عالمية» وليس وساطة واحدة! ولا تعني نفسية الائتمان والثقة بالوساطة الخارجية بالنسبة لقوة «قومية تحررية» في بداية معتركها سوى هوة التجزئة العميقة وانعدام الثقة التي ترتقي إلى مصاف الغريزة الحيوانية. ومن الممكن العثور على هذه النفسية في مظهر وباطن اغلب البنود الأساسية للوثيقة. ففي الموقف من الانتخابات لا نعثر من حيث الجوهر على فكرة الديمقراطية والحقوق، التي سوف يجري المتاجرة الرخيصة بها في وقت لاحق، وبالأخص بعد سقوط السلطة الصدامية. إذ ليست البنود المطالبة «بإجراء انتخابات حرة ونزيهة لبرلمان إقليمي جديد» و«الاعتماد على أدق المعلومات الإحصائية المتوفرة حول تعداد السكان للمحافظات الشمالية الثلاث وتوزيع القوميات والمذاهب». و«العمل مع هيئات دولية، بأجراء إحصائية وذلك لتهيئة التسجيل الانتخابي»، سوى الوجه الفعلي على نفسية التجزئة وعدم الثقة والشك وانتشار التزييف والتزوير في الإحصاء والمواقف. وسوف تبرز هذه الممارسة من جديد بعد ظهور أول إمكانية للاندماج الوطني بالعراق بعد فترة «الاستقلال»، التي لم تصنع في هذا المجال سوى نفسية وذهنية التجزئة والانعزال وعدم الثقة. ولعل عبارة معرفة تعداد سكان المحافظات الشمالية الثلاث على أساس «توزيع القوميات والمذاهب» هي الصيغة الأولية المبطنة التي ستكشف عن مضمونها السياسي بعد عام 2003. كما أن التجزئة في المواقف والنيات مازالت عميقة لحد الآن في كل شيء، بما في ذلك تجاه مهمة ما دعته الوثيقة بتوحيد وحدات الميليشيا (البشمركة). وهي نفس الممارسة التي سنراها لاحقا. بمعنى بقاء الميليشيات مجزأة على أساس حزبي، في حين يجري رفعها الآن إلى مصاف «الجيش»!!(يتبع....)

 

ميثم الجنابي

 

 

عبد الله الفيفيقال (زيد بن عُبيد):

- نحن في كثيرٍ من أمورنا بين مُقيَّدٍ داخل موروثات اجتماعيَّة، ومنبتٍّ، مُقيَّدٍ خارج موروثاته الاجتماعيَّة، أو مُقيَّدٍ داخل موروثات اجتماعيَّة أخرى، غربيَّة، بطبيعة الحال. ذلك أن الموروث الأصيل، السليم، هو هُويَّةٌ وشخصيَّةٌ إنسانيَّة، ينبغي أن نأخذ منه ونَدَع، ونُدَوِّر ونُطَوِّر، لا أن نرميه وراء ظهورنا بدعوَى المعاصرة، وما هي إلَّا تقليدٌ سعدانيٌّ، واعتناقٌ لموروثٍ بديل.

فأجابه (عُبيد بن زيد):

- صدقتَ، وإنْ بالغتَ أحيانًا متحمِّسًا في صدقك.  ومِن هؤلاء مَن قد لا يتورَّع عن جرح مشاعر الناس في معتقداتهم وخياراتهم وحرِّيَّاتهم الشخصيَّة، بألوان السُّخريَّة والاستفزاز، منفِّسًا عمَّا يُكِنُّ صدره، لا لشيءٍ إلَّا لأنهم يختلفون معه في التوجُّه والرأي!

- في الوقت الذي ينادي فيه- زورًا وبهتانًا- بالحُريَّة!

- إنَّما يقصد هؤلاء حُريَّتهم هم! حُريَّة لا تستحقُّ لديهم هذا الاسم إلَّا حينما تخدم ميولاتهم وتوجُّهاتهم. وتلك في حقيقتها دعوةٌ مؤدلجةٌ إلى الحُريَّة، لا تحتمل الحُريَّة الحقيقيَّة، وليست مؤهَّلة لمسؤوليَّاتها الحضاريَّة؛ بدليل ما يتميَّز به خطاب أعلامهم من تشنُّج، وإقصاء لمخالفيهم، وتنقُّص لهم، واعتقادٍ أنهم هم وحدهم قد اعتقلوا الحقيقة المطلقة تحت أُهبهم، ساعين إلى فرض نمطٍ معيَّن من الحياة والتفكير، مدَّعين أنه هو سبيل النجاة الأمثل الذي يَجُبُّ ما عداه.

- وهنا نقف على تطرُّفٍ يشكو من تطرُّف، وأصوليَّةٍ تناضل لدحر أصوليَّة، وعصبيَّةٍ تجأر في وجه عصبيَّة، لا تني في مناوأة من تشتمُّ منه انحرافًا عن الخطِّ الذي تسير عليه. متَّخذةً في سبيل ذلك وسائل العنف اللغويِّ والمعنويِّ كافَّة، وأساليب الإرهاب الفكريِّ والدعائيِّ بشتَّى تقنياته. والسبب، ببساطة، أن هؤلاء، كسائر الأطراف الثقافيَّة، أبناء ثقافةٍ واحدةٍ، لا تؤمن بالتعدُّد، ولا بالتعايش؛ لأنها ليست ثقافةً في الأساس، بما تعنيه الثقافة من تنوُّعٍ وحِوارٍ وقبولٍ بأطياف وطوائف أخرى، وإنَّما هي عقيدة.

- إنْ لم تكن معها، فلا شكَّ أنك مصنفٌ ضِدَّها، ومن ثمَّ فأنت عدوٌّ، تتربَّص بك الدوائر!

- صحيح.  وفي هذه الحالة يُصبِح أيُّ حِوارٍ أو نقاشٍ مع مَن شَبَّ على هذه العقليَّة مضيعة وقت، وإهدار جهد، وبلبلة عقل، وإيذاء نفس؛ لأنك داخلٌ حينئذٍ في معركة أحزاب، ومقحمٌ ذاتك في مواجهاتٍ جاهليَّه، مع مَن لا يتعامل إلَّا بعقيدة: "يا قاتل يا مقتول"!

- إنك في الوقتِ الذي تؤمن فيه بحقوق المرأة، على سبيل المثال، وبحقِّها الشرعيِّ والقانونيِّ في أن تنال مكانتها المناسبة في مجتمعها، تُصدَم بمَن يصوِّر الأمر بهذه السذاجة: "المرأة لن تنال حقَّها إلَّا إذا التصقت بالرجل، ولم تتلفَّع بأخلاقها"!

- هكذا.. بهذه المعادلة؟!

- هكذا.. بهذه المعادلة "القماشيَّة"، صدِّق أو لا تُصدِّق!

- الحجاب- بضروبه المتباينة- مسألة حُريَّةٍ شخصيَّة، بالبداهة، بكلِّ مقاييس العقل والعدل والحُريَّة.

- هذا رأيك أنت. لكنه، قبل ذلك، ليس باختراعٍ إسلاميٍّ، كما يصوِّره بعضٌ، بل هو تقليدٌ قديمٌ في المجتمعات البشريَّة، توحيديَّة وغير توحيديَّة.

- كيف؟

- كان يُعرَف- مثلًا- في (بلاد الشَّام)، قبل الميلاد بقرون، ويسمُّونه، حسب اللغة الأكديَّة: «كتموم». وهو تعبيرٌ شبيهٌ بكلمة "حجاب" في العربيَّة؛ إذ كان لا يجوز للمرأة المتزوِّجة أن تَخرُج من بيتها دون أن تضع الـ(كتموم) على رأسها، فتُغطِّيه.(1)

- حُلوة "كتموم" هذه!

- وفي الثقافة الإسلاميَّة اختُلِف في حدوده وموجباته، بل اختلفت البلدان الإسلاميَّة في أنماطه، بحسب البيئات والظروف.  ومن الجليِّ اليوم أننا أمام ذوقٍ غربيٍّ صِرف، يتبنَّاه خطابٌ، معتقدًا- أو مغالطًا- أنه هو الكفيل بتغيير عقل المرأة العربيَّة، وكأنها ما أن تكشف عن جمجمتها- بحسب التفكير النِّسوي القماشي- حتى تتنزَّل عليها أنوار العقل وإيحاءات المعاصرة! كأنْ ليس هناك أمام المرأة إلَّا ذلك، وإلَّا فهي متخلِّفة لدَى هؤلاء، مهما حملتْ من شهادة وأنجزت من إنجازات.

- عند هذا الفِكر الذي يربط مكانة المرأة الحضاريَّة بمقدار ما ينكشف من جسدها، ويجعل ذلك هو المعيار الأوَّل والمقوِّم الأهم، يَبين أن الهدف ليس بالمرأة ولا عقلها ولا حقوقها. إنَّ الأمر لا يعدو صورةً اجتماعيَّة، قد تكون لها مسوِّغاتها النفسيَّة والاجتماعيَّة، لكنها لا تؤدِّي إلى الهدف المدَّعَى وليست شرطًا للوصول إليه. وتتمثَّل تلك الصورة في أن يصبح نسيج المجتمع، ونُظمه السلوكيَّة، وأعرافه وترتيباته، نسخةً مستنسخةً، وفي مظهرها قبل كلِّ شيء.

- هو ذاك، وإلَّا فلا علاقة بين ما تلبسه المرأة، أو كيفيَّة ما تلبس، أو في أيِّ مكانٍ تجلس، وبين حقيقة دماغها وكيف يعمل، ولا بما يمكن أن تحوزه من مكانة اجتماعيَّة ووطنيَّة وعالميَّة. ولأن الأمر كذلك ما سمعنا قط أحدًا يُلقِي بتبعة تخلُّف العرب على الطاقية والغترة والعقال، أو الثياب والمشالح، وغيرها من أزياء الرجال المتراكمة، مع أنها تغطِّي الجسم والرأس، وربما تُخفي أجزاء من الوجه أكثر أحيانًا ممَّا تفعله بعض طرائق الحجاب!

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

.......................

(1)  انظر: عبدالله، فيصل، "المرأة في مملكة حَـلَب (يمحاض) في القرن الثامن عشر قبل الميلاد"، مجلَّة دراسات تاريخيَّة، العدد 17، دمشق، ص111.

 

محمد عرفات حجازيمع ازدياد الفضائيات الخاصة بالأطفال، في وقتنا الراهن، تغلغلت شخصيات أفلام الكرتون في أطعمة الأطفال وألبستهم وألعابهم... ودخولها ليس مجرد رسوم مُلوّنة، بل بما تحتويه من قيم ومفاهيم وأدوار درامية تحملها هذه المسلسلات. وعلى هذا الأساس، تلعب الرسوم المتحركة دورًا هامًا في مرحلة الطفولة ومفاهيم التربية، بما لها من آثار إيجابية (الآثار اللغوية ـ تنمية الحسّ الجمالي ـ حبّ الاطلاع ـ وتعزيز القيم...)، وآثار سلبية في (الأخلاق ـ الهويّة ـ العقيدة ـ الفطرة ـ هدم القيم...).

بالتأكيد، أنت واحد من ملايين العشاق لسلسلة الأفلام الكرتونية الكوميدية الشهيرة (توم وجيري)، تلك السلسلة التي أضحكت الملايين، إن لم يكن المليارات في مختلف بقاع الأرض.

بدأ إنتاج تلك السلسلة في بداية عام 1940م إلى سنة 1967م، في أمريكا، وفازت بسبع جوائز أوسكار كأفضل فيلم رسوم متحركة قصير، لتصبح من أشهر البرامج الكرتونية، وهي من تأليف وإخراج وليام هانا وجوزيف باربيرا.

يُظهر المسلسل الصراع بين القطّ (توم ـ الحارس الشرعي للمنزل)، وبين الفأر (جيري ـ اللّص الدخيل)، ويتناول موضوع الحلقات ـ في أغلبها ـ محاولة توم الإمساك بجيري، كوليمة له، لكن جيري ينجح في الفرار في كل مرة، إما لسرعته وصغر حجمه، أو مراوغته وحيله الذكية في الفرار من قبضة توم. وخلال ذلك، غالبًا ما يقع توم في مأزق ويصطدم أحيانًا بالكلب (سبايك ـ حارس الحديقة)، أو يقوم بكسر أثاث المنزل وأدوات المطبخ، ليصطدم بصاحبة المنزل.

ويكمن سبب مُطاردة توم لجيري، غالبًا، لمحاولة الأخير إفساد منزل سيدة القط، والتهام طعامها الذي تأتمن عليه توم. ويقوم جيري، بمحاولات أخرى لاستفزاز توم، مثل إنقاذه للفرائس التي يحاول توم أكلها، مثل البطة الصغيرة، والسمكة الذهبية، وعصفور الكناري، أو العمل على الوقيعة بينه وبين الكلب، أو القط المتشرد بجوار صناديق القمامة... ورغم قيام توم ببعض الحِيَل، أحيانًا، للإمساك بجيري، إلا أنّه نادرًا ما يستطيع الإمساك بجيري؛ لمهارة الأخير، أو لمكره وذكائه. وفي أحيان كثيرة، يكون الحظّ هو العامل الأساسي في فرار جيري.

وتبدو العلاقة بينهما كعلاقة حبّ للمضايقة والاستفزاز أكثر من الرغبة في التخلّص من الآخر، ومع ذلك، كما ترى، أحيانًا، يجمعهما الاهتمام والعناية ببعضهما في بعض اللقطات، بل وأحيانًا أخرى، يتحدا معًا ضد صاحبة المنزل للحصول على محتويات الثلاجة.

وما لا يعرفه البعض، أنّ آخر حلقة لتوم وجيري تنتهي بإقدامهما على الانتحار. والمُفارقة، أنّ أفلام توم وجيري لم تتوقف عند هذا الحدّ، بل تمّ إنتاج مجموعة أخرى في بداية عام 1990م باسم Tom& Jerry Kids Show، أو أبناء توم وجيري، والتي يتوارث فيها الأبناء صراع الآباء.

وعلى مدار ساعات مشاهدتك، تجذبك الموسيقى التي تلعب دورًا كبيرًا في الحلقات، من خلال إضفاء الإثارة والأحاسيس، وهي توليفة من موسيقى الجاز، والبوب، والموسيقى الكلاسيكية. والتي عزّزت غياب الحوار بين توم وجيري؛ إذ نادرًا ما يتكلمان، وعوضًا عن ذلك، يستخدمان الضحكات، وتسمع أصوات الفزع المصنوعة بآلات موسيقية.

ويحتوي المسلسل على العديد من المشاهد العنيفة؛ إذ استخدم توم وجيري في صراعهما العديد من الأسلحة، كالعصا، والسكاكين، والطلقات النارية، والديناميت.. وبرغم شعبية المسلسل، إلا أنّه يُوصف بالعُنف المُفرط، لكن المدافعين عنه يذكرون بأنّه لا توجد دماء أو طعنات في أي مشهد من المشاهد. ولم تجد ـ مثلًا ـ الرقابة الفنية في بريطانيا غضاضة من كل تلك المشاهد، ولكنها طالبت، في الآونة الأخيرة، بحذف مشاهد التدخين من تلك الأفلام، بحجّة ما ينتج عنها من ضرر على الأطفال.

وكما رأينا، تقوم شخصية توم على أساس أنّه حاد الطباع، ومُرفّه للغاية؛ أما جيري، فهو انتهازي، ويعتمد على ذاته، بالإضافة إلى امتلاكه قوة كبيرة مُقارنةً بجسمه الصغير، ويملك ذكاءً حادًا، مما يعطيه ميزةً كبيرةً على توم. وبرغم انتهاء معظم الحلقات بفوز جيري، إلا أنّه في حلقات أخرى تكون النتيجة مُغايرة تمامًا ويفوز توم، وأحيانًا تكون النتيجة خسارة الاثنين معًا أو تصالحهما.

أما الكلب سبايك، فيأتي في بعض الحلقات كارهًا توم بسبب مطاردته لجيري، ونادرًا ما لعب دور الوسيط بينهما.

والآن، دعني أسألك: ألا تعتقد أن اسم توم وجيري أصبح مرادفًا للمشاكل والمُلاحقات بين الأطفال مثلًا، فأصبحنا نُشبهّهما بالقطّ والفأر؟، وهل تأثر أحد أفراد أسرتك بتلك المشاهد العنيفة، وحاول استخدام آلة حادة، مثلًا، في شجاره مع قرينه؟، ألم تسأل نفسك، ومن قبل، ألم يسألك أطفالك: لماذا توم وجيري لا يرتديان الملابس إلا أثناء ذهابهما للمصيف؟، وهل أخبروك عن حُبّهم المُفرط لجيري (رغم كونه لّص) وبُغضهم لتوم (الحارس الشرعي) الشرير؟. وفي مشهد الحساب الأخروي، طلب توم من جيري التوقيع على وثيقة المُسامحة، ولكن، مَن يطلب السماح من الآخر: صاحب الأرض، أم اللّص؟، ومن جهة واقعية عربية: ألا تجد وجهًا للشبه بين توم وجيري، وما يحدث من اليهود في فلسطين؟، ألم تُصوّر لنا كافة وسائل الإعلام، في أغلب موادها، أنّ اليهود إنما يعتقلون الفلسطينيين، بل ويطلقون عليهم الرصاص، نظير هجوم الأخيرين عليهم، ورشقهم بالحجارة؟، حتى اقتنع البعض بإمكانية التواجد اليهودي مع الفلسطينيين في سلام، شريطة عدم اعتداء الأخير على الأول!

ومن منظور فلسفي، فقد عبّر الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (1844ـ 1900م)، في العديد من مؤلفاته، عن صراع القيم وقلبها على يد اليهود؛ إذ رأى أن أخلاق السادة، النابعة من قوة الشخصية، كانت صاحبة السيادة قديمًا، وبخاصةٍ عند الرومان. أما أخلاق العبيد، الضعفاء، فقد جاءت موجتها مِن آسيا، ومِن اليهود بصفةٍ خاصة أثناء خضوعهم السياسي؛ لأنّ الخضوع يولّد الضّعة. وقد رأى نيتشه أنّ الإنسانية قد بلغت آخر مراحل التدهور حينما مجّدت الرحمة والتضحية، عن ضعف، والتي تمثّلت في قِيم المسيحية. وقد لخّص التاريخ بذلك، الصراع بين قِيم السادة، وقِيم العبيد، والذي اتّضح مِن خلاله انقلاب القِيم، فأصبح الخير شرًّا، والعكس بالعكس. وهذا هو جدل الصراع عند نيتشه: صراع ثنائيّ بين قِيم مُتناقضة ورغبات مُتفاوتة.

ومن جهة واقعية عصرية، ألم تنقلب أغلب القيم في حياتنا اليومية؟، أوـ لم يتحول الكذب إلى ذكاء؛ والطيبة إلى غباء وعبط؛ والعدل إلى ضعف؛ والتواضع إلى ذلّة؛ والتكبّر إلى وجاهة؛ والوقاحة إلى شجاعة؛ والأدب إلى سذاجة؛ والصدق إلى حماقة؟!

وختامًا نقول: لقد تمّ تصوير بعض الموضوعات، في شتى مجالات الحياة، بأسلوب يُضفي على السلوك المُنحرف هالة من البطولة والذكاء والشجاعة، أو تقديمه على أنّه ضحية ـ كما تمّ في توم وجيري ـ مما عمل على تغيير الاتجاهات، ومن ثمّ القيم، نحو هذا السلوك. وعليه، نقترح ضرورة تشجيع صناعة الكرتون العربية؛ وتوسيع دائرة إعلام الطفل؛ وترشيد أوقات بثّ برامج الأطفال؛ إلى جانب إحداث مراكز دراسات تنمية الطفل..

 

محمد عرفات حجازي

باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية ـ مصر

 

فلسفةُ السُّلوك الاجتماعي ليست ظاهرةً مَصلحية مَحصورة في الأُطُر المادية، والسلوكُ الاجتماعي ليس فِعلًا روتينيًّا يوميًّا عابرًا، لأن أفعال الإنسان تنبع من قناعاته الداخلية والقيمِ الفكرية الرمزية المُسيطرة على مشاعره . وبعبارة أُخرى، إن أفعال الإنسان _ مهما بَدَت سطحية وساذجة وظاهرية وعَرَضِيَّة _ تنطلق من جوهر رمزي مركزي في داخل الإنسان، وهذا هو المنبع الفكري الذي يُسيطر على روافد السُّلوك الاجتماعي، ويتحكَّم فيها، كَمًّا ونَوْعًا، رُوحًا ومادةً. وكما أن فَلَتَات اللسان البسيطة تَكشف _ في الغالب الأعَم _ عن مُحتويات القلب، كذلك الأفعال الإنسانية البسيطة تكشف عن أنساق ثقافة المجتمع، وطبيعةِ النظام الاجتماعي المُسيطر على القيم الفردية والجماعية . والإنسانُ أوَّلًا وأخيرًا هو ابن بيئته، ونتاج عَصْره .

2

لا يُمكن إنكار تأثير العقل الجَمْعي في ثقافة الفرد ومبادئه وقناعاته، ولا يُمكن تجاهُل الإحساس الإنساني بإفرازات الشُّعور العام في المجتمع. وهاتان المُسَلَّمَتَان تُجسِّدان الأساسَ الفلسفي لمنظومة الوَعْي والوَعْي المُضاد. ومهما كان الإنسانُ قويًّا، لا يَستطيع الإفلات مِن سَطوة المكان (بمعنى الذِّكريات المُتمركزة في الذهن، وليس التضاريس الجُغرافية)، كما أنه لا يَستطيع الخُروج مِن جِلْده، والقفز في الفراغ، تمامًا كالسَّمكة التي لا تَستطيع الخُروج مِن البحر، والقفز على اليابسة. وهذه البُنية الإنسانية المحصورة في إطار الزمان وحَيِّز المكان،تُنشِئ وَعْيًا خاصًّا بها، يتماهى مع ذاتية الإنسان كبُنية اعتبارية مُستقلة نسبيًّا، ويندمج مع مصالحه الشخصية ضمن التيار العام في المجتمع . وفي نفْس الوقت، يَنشأ وَعْي مُضاد ناتج عَن العقبات الاجتماعية في طريق الإبداع الشخصي للإنسان. وهذا الوَعْيَان الجُزئي (الفردي) والكُلِّي (الجماعي) سَيَصطدمان عندما تتناقض مصلحةُ الفرد معَ مصلحة الجماعة، وتُصبح الحُرِّيةُ الفردية تهديدًا لوُجود المجتمع. وبالتأكيد، لا تُوجد حُرِّية مُطْلَقة في الأنساق الاجتماعية، ولا يُمكن ترك الحبل على الغارب . والحُرِّيةُ المُطْلَقة هي الفَوضى الشاملة. وهذا الأمر يَدفع باتجاه بناء حُرِّية الإنسان النِّسبية على قاعدة العمل الجماعي لتحرير المجتمع مِن الأمراض الروحية، والخَوفِ مِن المُستقبل، وتَطهيرِ الفكر الاجتماعي مِن الاتِّكالية، والسَّلبية، وجَلْد الذات، وانتظار الخَلاص والحُلولِ السِّحرية، والبحثِ العبثي عن مُجتمع مثالي. وإذا أدركَ الإنسانُ أن حُرِّيته الحقيقية تعني أن يَبدأ فَوْرًا بإصلاح نفْسه، ويَقتلع شَوْكَه بيده، ولا يضع أخطاءه على الآخرين، ولا ينتظر مجيء أحد ليُساعده، فإن المُجتمعُ _ عِندئذ _ سيُصبح مُتَقَدِّمًا، بدون صِدام بين وَعْي الفرد ووَعْي الجماعة، وبدون نزاع بين الحُلم الجُزئي والمصلحة الكُلِّية . ولا يُمكن للإنسان أن يَحصل على حُجرة هادئة ومُريحة في سفينة تغرق، وهذا يعني وُجوب تحويل الحُلم الإنساني إلى مشروع للنهضة الجماعية. ومِن غَير المَعقول حُصول صِدام بين الإنسان ومُجتمعه، إذا تَكَرَّسَت النَّهضةُ كحُلم جماعي يُوازن بين الرُّوح والمادة، وإذا صارت فلسفةُ السُّلوك الاجتماعي سفينةَ نجاةٍ تتَّسع للجميع، لأنه عندئذ لن يخاف الإنسانُ مِن المجتمع، ولن يَشُكَّ المجتمعُ في الإنسان، وهذا يعني الوصول إلى حالة السلام الرُّوحي، والسِّلْم الاجتماعي، والمُصالحة الداخلية، ولن يخاف البَحَّارَةُ مِن بعضهم البعض، ولن يُوجِّهوا جُهودهم لتدمير أنفسهم، وإغراق السفينة، لأنهم أمام خطر واحد يُهدِّد حياتهم جميعًا، وهو مَوج البحر . وإذا تَكَرَّسَ الخَطَرُ كتهديد وُجودي شامل وعام، اتَّحدت الجُهودُ لمُواجهته، والتَّصَدِّي له .

3

إن كَينونة السُّلوك الاجتماعي نتاج لتفاعُل الفكر الإنساني مع الجَوْهَر (حقيقة الوُجود). والوُجودُ الإنساني لا يتم تحليله إلا مِن خلال خصائص الثقافة الاجتماعية ورُموزِ الظواهر العقلية . وإذا تَمَكَّنَ المجتمعُ مِن التفريق بين الخصائص والرموز في أنساقه، وصناعة توازُن منطقي بين الفاعلية الذهنية والدافعية الواقعية، ومعرفة الحدود الفاصلة بين العناصر الوجدانية والتراكيب العملية، استطاعَ النُّهوضَ، والانطلاق إلى الأمام . وعمليةُ النهضة لا معنى لها إذا انفصلت عن قيمة الانطلاق، لأن النهضة لَيست مقصودة لذاتها، وأهميتها تتجلَّى في كَوْنها مرحلة أساسية لصناعة الوَعْي بأهمية الانطلاق . وإذا صار الوَعْيُ ثقافةً اجتماعيةً عامَّةً، انطلقَ المجتمع إلى أحلامه، وتَجَاوَزَ حاضرَه، وتَقَدَّمَ إلى المُستقبل، بدون خَوف ولا تردُّد . وكما أن الخَوف يَشُلُّ قُدرةَ الإنسان على التفكير،كذلك يَشُلُّ قُدرةَ المجتمع على الانطلاق واقتحام المُستقبل .

4

لا يَستطيع الإنسانُ أن يَلعب دَور البطولة على خشبة مَسرح الحياة، إلا بعد خُروجه مِن الكواليس وإزاحة السِّتار الفاصل بينه وبين الناس، ومُواجهتهم . وهذه المُوَاجَهَة ضرورية، لأنها تُمثِّل لحظةَ الحقيقة، وتُجسِّد عمليةَ صناعة الحَدَث . وكُل حَدَثٍ منطقي هو نظام مِن العلاقات الفكرية، التي تُشكِّل إيقاعًا اجتماعيًّا واعيًا، يَربط بين القواعد التفسيرية للمعنى الإنساني وطبيعةِ الإنسان بكل تناقضاتها. وقُوَّةُ النظام الاجتماعي لا تتجلَّى في مَنْع تَشَظِّي الأنساق الإنسانية، وإنَّما في السَّيطرة على الشظايا، لأن التَّشَظِّي لا بُد مِنه. وأيضًا، إن المجتمع المُنظَّم ليس الذي يَخلو من عناصر الفوضى، وإنَّما الذي يُسيطر على عناصر الفوضى، ويجد لها مكانًا ضِمن آلِيَّة البناء الاجتماعي رُوحيًّا وماديًّا .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

علي اسعد وطفةإن الذي ملأ اللغات محاسناً***جعل الجمالَ وسرّه في الضّاد .

أحمد شوقي

اللغـة اختراع تفرد به الإنسان في مملكة الكائنات الحية، وفي عمق هذا الاختراع تكمن عبقرية الإنسان اللسانية التي مكنته من اختزال الوقائع في رموز وصور وإشارات تتداخل وتتكامل في نظام لغوي بالغ التعقيد. وقـد هيـأت اللغة، بوصفها ظاهرة اجتماعية نفسية بيولوجية، المخاض لولادة فـروع علميـة لسانية، تبحـث في نشأة اللغة وتاريخها وأشكالها وقانونية وجودها. (وطفة، 2011، 289).

يمكننا تعريف علم اللغة (Linguistics) ببساطة بأنه الدراسة العلمية للظواهر اللغوية بحثا في طبيعتها واستكشافا لأنساق تفاعلاتها الداخلية والخارجية. وعلم اللغة يدرس بنية اللغة فيما يتعلق بأصواتها Phonetics, Phonology وبنية كلماتها Morphology وتشكيلات جملها Syntax ودلالاتها ومعانيها Semantics (حجازي،1997،17).. واستطاع رواد هذا العلم أن يطوروا البحث العلمي في هذا المضمار، وأن يؤسسوا لمناهج علمية جديدة تتناسب مع القضايا اللسانية والظواهر اللغوية، واستطاعوا في نهاية الأمر ترسيخ منظومة متكاملة من التقاليد العلمية والمناهج البحثية في مختلف مناحي واتجاهات الظاهرة اللغوية.

وفي خضم التطور الذي شهدته الدراسات والأبحاث اللسانية ظهرت فروع علمية لسانية متعددة أبرزها علم اللغة الاجتماعي (Sociolinguistics) الذي يعنى بدراسةِ العلاقة بين اللغة والمجتمع بوصفها ظاهرة اجتماعية. ويندرج تحت هذا العلم فروع أخرى كعلم اللهجات (Dialectology)، و التخطيط اللغوي (Language Planning)، والتحول اللغوي (Language Shift)، والموت اللغوي (Language Death).

ويعود إلى دوركهايم Durkheim فضـل السـبق في النظر إلى اللغة في جوانبها الاجتماعية، ويتبـدى ذلـك حين يقرر منذ البداية أن اللغة ظاهرة اجتماعية، أو "شيء اجتماعي" بالدرجة الأولى (Grawitz, 1984, 314). وتجد رؤية دوركهايم هذه تعزيزا لها في أفكـار جـون ديـوي Dewey الـذي ينظـر إلى اللغة بوصفها نمطا من السلوك الاجتماعي. هذا ويجمع كل من دوركهايم وديوي وساسور Saussure على أهمية العلاقة التي تربط بيـن اللغة والحياة الاجتماعية، كما يجمعون على أهمية الشروط الاجتماعية للغة بوصفهـا الإطار الموضـوعي لنمـو اللغة وتطورها وتباينها بتباين المجتمعات الإنسانية. وتأسيسا على هذا التصور يعلن كثير من الباحثين والدارسين أن البحث اللغوي في مجال المجتمع يمكن من استكشاف معمق لمختلف القضايا الاجتماعية في المجتمع.

واستطاع عالم اللسانيات المعروف إدوار سابير أن يستكشف العلاقة الجوهرية بين اللسانيات والحياة الاجتماعية في دراساته وأبحاثه الأنتروبولوجية المعمقة حول اللغة والمجتمع، فوضع الأسس المنهجية لدراسة العلاقة بين الأنتروبولوجيا واللغة. ويرى سابير في هذا الصدد أن اللغة الأم التي يتكلمها أبناؤها ويفكرون بواسطتها تنظم تجربة المجتمع وتصوغ المعالم الأساسية لوجوده وكينونته الذاتية لأن اللغة – كل لغة - تنطوي على رؤية مميزة وخاصة للعالم، واستطاع ساسور بعبقريته المعهودة أن يكتشف "أن جزءا كبيرا من العالم الحقيقي يوجد بشكل لاشعوري في العادات اللغوية لشعب ما (بركة،2002،84). وفي هذا الاتجاه يقول عالم النفس الأمريكي دينلاب Dunlap: "إنه يمكننا أن نعـرف أشياء كثيرة عن حياة الشعوب والأمم عن طريق دراسة وتحليل اللغات التـي تتكلمهـا" (عبد الواحد،1951،99).

2- في مفهوم اللغة:

جاء في القول في القول المأثور أن " اللغة تفكير منطوق والتفكير بأنه لغة صامة".

ويعرف ابن خلدون اللغة بقوله: «اللغة في المتعارف هي: عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل اللسان، ناشئة عن القصد في إقامة الكلام. فلا بد أن تكون ملكة مقررة في العضو العامل لها وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم» (أحمد، 1991).

ويعد تعريف ابن جنّي (المتوفى 392 هـ) للغة في كتابه "الخصائص" من أكثر التعريفات تواترا وتأثيرا إذ يقول في تعريفها: " أما حدّها فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم". وهذا التعريف يتضمن في جوهره مختلف المعطيات الحديثة لعلم اللسانيات في مجال تعريف اللغة، ويتوافق مع معظم النظريات الحديثة التي عرّفت اللغة (حجازي، 1997، 10). ويتطابق تعريف ابن جني مع التعريف الذي جاء في لسان العرب، وفيه " أن اللغة هي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم "(ابن منظور، 1300، 116).

وجاء في المعجم الرائد عن تعريف اللغة الفصحى بأنها: كل لغة نهجية تخضع لقواعد الصرف والنحو ولأصول التركيب اللغوي. وهي لغة الأدب والعلم ووسائل الإعلام والصلاة وما إليها. وعكسها « اللغة العامية»، وهي اللغة المحكية. (المعجم: الرائد). وجاء في معجم اللغة العربية المعاصر أن اللُّغة العربيَّة الفُصحى: لغة القرآن والأدب، وهي لغة خالصة سليمة من كلِّ عيب، لا يخالطها لفظ عاميّ أو أعجميّ، خلاف العاميّة ". ويحرص الخطباء والدعاة على استخدام الفُصحى في كلامهم، - تذاع نشرات الأخبار باللغة العربية الفُصحى ".(معجم للغة العربية المعاصر).

فاللغة كما تنص عليه هذه التعريفات القاموسية: ألفاظ وضعت لمعان، وهي لسان القوم به يتعارفون ويتواصلون. هذا يعني أنها كلام يتفق عليها الناس في مجتمع محدد ويحددون نسق الدلالات فيه والمعاني وطرق الاستخدام. ولا يخرج المحدثون كثيرا عن هذا السياق القاموسي في تعريفهم للغة، وعلى هذا النحو يعرف ناصر الدين الأسد اللغة فيقول:"بأنها ماهية دلالية قوامها حروف وأصوات: حروف حين تكون مكتوبة، وهي أصوات حين تكون ملفوظة منطوقة. ولكنها في دورها وحقيقتها إنما هي معان ومدلولات تصبح أحيانا صورا بيانية وخاصة حين تنضو اللفظة إلى غيرها في سياق من الكلام"(الأسد، 2004،16). " ويتطرق الأسد إلى وظيفة اللغة بوصفها أداة اتصال وتفكير فيقول: " واللغة بما تكتنزه من معان ودلالات وأحاسيس وسيلة للتفكير، كما أنها وسيلة للتعبير والتواصل بين الناس " (الأسد،2004،17).

ومن أكثر تعاريف اللغة تداولا اليوم التعريف الذي يقول " إن اللغة نظام رمزي يستعمل للاتصال بين بني البشر وهو يتكون من عناصر متناسقة أصغرها الأصوات وأكبرها الجمل والعبارات" (بغول، 2004). واللغة كما يرى عدد كبير من المفكرين أكثر من الكلام وأعمق من الكتابة وأشمل من التفكير، وعلى هذه الصورة يراها يحيى الرخاوي الذي يقول: " إن اللغة هي الأصل، وهي التركيب الغائر للكيان البشري، والكلام إحدى مظاهرها"(الرخاوي، 2003). ويرى السيد "أنّ مفهوم اللغة مفهوم شامل وواسع، لا يقتصر على اللغة المنطوقة، بل يشمل المكتوبة أيضا، ًوالإشارات، والإيماءات، والتعبيرات الوجهية التي تصاحب عادة سلوك الكلام"(السيد، 1988،11).

ومن التعريفات الشمولية التي أعطيت للغة التعريف الذي يسوقه محمد عبد القادر أحمد فيقول: "اللغة مجموعة منظمة من الرموز الصوتية أو المكتوبة التي ترمز إلى المعاني والأفكار، يتفاعل بواسطتها أفراد المجتمع الإنساني، ويستخدمونها في أمور حياتهم، وبها يتم التواصل والتفاهم بين الناس، ونقل ثقافة الآباء والأجداد إلى الأجيال القادمة، وهي من هذه الزاوية وسيلة اجتماعية تؤدي وظيفة حيوية في الحياة الإنسانية "(أحمد، 1991).

ويؤكد أحمد على الطابع الرمزي للغة فيقول: " اللغة منظومة رمزية كبرى تشتمل على عدد من الأنظمة الفرعية التي يتألف كل منها من مجموعة من المعاني تقابلها مجموعة من المباني المعبرة عن هذه المعاني، ثم من طائفة من العلاقات التي تربط فيما بينها" (أحمد، 1991). وتؤكد هذه التعريفات في أغلبها على اللغة بوصفها أداة تفكير وتواصل واتصال في المجتمع وهي ضرورية للاستدلال على المعاني المتوخاة من كل الرموز والمعاني والدلالات المطلوبة.

ويقدم الرخاوي تعريفا يماهي فيه بين اللغة والوعي والوجود فيقول:" اللغة ليست إضافة لاحقة بظاهر الوجود البشري، الفردي أو الجماعي، بل هي الوجود البشري في أرقى مراتب تعقده، إذ هي التركيب الغائر الذي يمثل الهيكل الأساسي الذي يصدر منه السلوك" (الرخاوي، 2003).

ويميز سوسور في بنية اللغة بين صورتين: فهناك اللغة بوصفها ملكة فطرية في الإنسان، وهناك اللغة بوصفها طاقة رمزية مكتسبة. فاللغة في صورتها الأولى قوة فطرية بطبيعتها يزود بها كل مولود بشري، وهي من أهم السمات الفطرية التي تميز الإنسان عن الحيوان. أما اللغة المكتسبة فهي تنويعات لغوية مكتسبة تأخذ صورة نظام من العلامات التي تتحد بمعانيها (De Saussure,1968, 32).

ويميز بسام بركة ثلاث سمات أساسية للغة في مفهومها الشامل، هي:

أ- اللغة نظام يتغير بتغير المجتمعات تاريخيا ومكانيا وهي دليل على الواقع الاجتماعي.

ب- اللغة مؤسسة ثقافية واجتماعية وهي نسبية متغيرة واصطلاحية.

ج- تقوم بدور مهم في عملية المعرفة عند الفرد وعند الجماعة على حدّ سواء (بركة،2005، 25).

وهذا التصور الشامل يركز على أهمية التغاير والصيرورة في بنية اللغة بوصفها مؤسسة اجتماعية ثقافية كما يؤكد على الأداء المعرفي للغة ودورها في بناء الثقافة والوعي.

ونستطيع أن نقول مع الفيتوري بأن اللغة "‏ منهج فكر، وطريقة نظر وأسلوب تصوير، وهي رؤية متكاملة تمدها خبرة حضارية متفردة، ويرفدها تكوين نفسي مميز، فالذي يتكلم لغة هو في واقع الأمر يفكر بها، فهي تحمل في كيانها تجارب أهلها وحكمتهم وخبرتهم وكلمتهم وبصيرتهم وفلسفتهم"‏ (الفيتوري، 1986،20). وهي " إبداع إنساني يلبي الحاجات الطبيعية والروحية والاجتماعية وهي قابلة دائما لاستيعاب الجديد وهي منهج فكر وأسلوب تصوّر لأننا نفكر بلغتنا التي تعبر عن هويتنا وحكتنا وتجارب حياتنا وفلسفتنا وتراثنا وبصيرتنا مما يؤكد قدرتها على مواصلة دورها الحضاري واستيعابها للمعرفة البشرية في كل زمان" (محجوب، 2012).

ويمكننا أن نستخلص بناء على ما تقدم من تعريفات أن اللغة نظام رمزي ذهني معقد التكوين، يعبر عن هوية مجموعة بشرية، ويرسم حدود حضورها الإنساني في الوجود، وأنها تشتمل على فلسفة المجتمع والبنية الذهنية له وطريقة التفكير فيه، وهي تشكل بنية وظيفية شديدة التعقيد بها يتواصل أفراد الأمة ويتفاعلون ويبدعون إنسانيا ويرسمون حدود تاريخهم وحضارتهم. ويمكن النظر إلى اللغة بوصفها الإطار العام للوجود الإنساني والحضارة البشرية، إذ لا يمكن لأمة أن تكون من غير لغة، ولا لحضارة أن تقوم وتزدهر في قطيعة مع اللغة التي تشكل خصوصية الإنسان عبر التاريخ. وباختصار ترمز اللغة - بوصفها ماهية إنسانية مثقلة بالمعاني- إلى الوجود البشري في أرقى تجلياته، وأعظم إبداعاته، إذ هي صيرورة وعي دائم التشكل والتجدد والتغاير تتجلى في صورة إبداع لخطاب متدفق بالدلالات والألفاظ والمعاني.

3- في مفهوم الفصحى:

الفصاحة عند العرب هي "البيان" كما جاء في لسان العرب. وهي اللفظ الفصيح أي "ما يدرك حسنه بالسمع". والإنسان الفصيح هو الذي "يحسن البيان ويميّز جيد الكلام من رديئه". وفصح الرجل؛ "انطلق لسانه بكلام صحيح واضح "، والفصيح: من يحسن الكلام ويميز جيده من رديئه ". والفصيح في كلام العامة المُعْرِبُ (لسان العرب). وجاء في تاج العروس: الفَصِيح: المنطلق اللِّسَان في القول الذي يعرفُ جيِّدَ الكلام من رديئه. وقد أَفصحَ إِذا تكلَّم بالفَصاحةِ. وجاء في المعجم الوسيط: فصح الرجلُ: انطلق لسانه بكلام صحيح واضح.(الفَصَاحَة ): البيان. و سلامة الألفاظ من الإبهام وسوء التأليف. يقال: رجل فصيح: يحسن البيان ويميّز جيّد الكلام من رديئه. وكلام فصيح: سليم واضح يدرك السمع حسنه والعقل دِقّته. ولسان فصيح: طلق يعين صاحبه على إجادة التعبير. ويجمل القول في الفصحى كما يقول الدجاني "أنها تحرص على صحة اللفظ ووضوحه" (الدجاني، 2000، 16). ومقياس الصواب في الفصحى يكون في المحافظة على سلامة اللغة العربية ومراعاة التطور الذي تخضع له (الدجاني، 2000، 16).

ويمكن القول في هذا السياق: إن العربية الفصحى توازن ما يسميه الغربيون Classical Arabic أو العربية الفصحى Fusha Arabic، أو العربية الأدبية Literary Arabic وما يرمز له فيرغسون بالنمط العالي أو المرتفع ورمز له بالحرف (H) (الزغلول، 2000، 56).

وغالبا ما يقصد بالفصحى اللغة العربية التي تستخدم في الكتابة والتأليف والترجمة، وهي ذات اللغة التي حافظت على قواعد اللغة العربية وما تنطوي عليه من أصالة، وهي لغة الشعر العربي القديم، ولغة القرآن الكريم، وهي اللغة التي يتكلمها العلماء والمفكرون والمثقفون في عالمنا العربي. ويمكن القول في هذا الخصوص إن اللغة العربية الفصحى هي لغة الفكر والأدب والعلم، وهي اللغة ذاتها التي تعتمدها الدول العربية لغة رسمية في مختلف مؤسسات الدولة ودوائرها بوصفها اللغة الوطنية القومية. (الأنصاري، 2008،114). ويحدد محمد حسن عبد العزيز سمات الفصحى فيقول إنها " مكتوبة، تستخدم في التعليم، وفي العلم، وفـي الأدب، وفي الصحافة، وهي اللغة الرسمية المشتركة في العالم العربي اليوم"(عبد العزيز، 1992،11).

ومن حيث الخصائص والسمات اللسانية، فإن الفصحى تتميز بصحة ألفاظها، ودقة معانيها، ووضوح مبانيها، في حين تعاني العامية من تحريف اللفظ، وغموض الكلمات، وإبهام المعاني، والخروج عن المألوف في قواعد الفصحى. وقد عني علماء اللغة بالحديث عن "مقياس الصواب اللغوي" الذي تلتزم به الفصحى. ويرى كثير منهم أن الفصاحة تقوم على دعامتين: المحافظة على سلامة اللغة العربية من جهة، ومراعاة التطور الذي تخضع له من جهة ثانية. والفصحى في جوهرها أن يجري الكلام على المقاييس الجمالية والنحوية للغة العربية القديمة في أكثر تجلياتها الأدبية وأدق معانيها الفكرية وهي اللغة التي تحاكي القرآن الكريم بوصفه أعلى مراتب الفصاحة وأكثرها جمالا وبيانا واكتمالا.

و"الفصحى" كما يقول خليل كلفت " واحدة مشتركة في العالم العربي كله، من المحيط إلى الخليج، كما يقال، رغم السمات الخصوصية الأقل جوهرية هنا وهناك. أما "العامية" أو "العاميات" العربية فتتباين تباين الأقطار العربية (العراق، المغرب، السودان...إلخ)، أو المناطق اللغوية داخل القطر العربي الواحد(لهجات مصر، على سبيل المثال)، أو المناطق اللغوية العابرة للحدود السياسية (اللهجة الشامية) (كلفت، 2012).

ما بين الفصحى والفصيحة:

يُقصد باللغة الفصحى اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم بوصفه النصُّ المقدس في قواعد العربية ومرجعٌها في القياس النحوي. والفصحى هي الأصل والمرجع للهجات العربية التي كانت موجودة في صدر الإسلام، حيث اتسم اللفظ القرآنيُّ بجزالة اللفظ الذي لا تشوبه أي شائبة ولا يعتريه أي نقص.

ويجري بين أهل اللغة والمهتمين بااللغة العربية جدل لطيف حول أفضلية استخدام مفهومي " اللغة الفصحى" و"اللغة الفصيحة". ومن الواضح أن استخدام عبارة " اللغة العربية الفصحى" هو الاستخدام الشائع بين المفكرين والكتاب والباحثين بصورة واسعة. وهذا الاستخدام يفرض نفسه بقوة في كتاباتهم وأعمالهم. وهذا الأمر هذا لا يتعارض مع استخدام عبارة "اللغة العربية الفصيحة" فكلاهما يؤديان إلى المعنى نفسه من حيث وضوح اللغة العربية واشتمالها في ذاتها على بيانها وبلاغتها والتزامها بقواعد اللغة وأصولها.

ومع سلامة الدلالة للتعبيرين فهناك من يميز بينهما فيما يتعلق بالدلالة. إذ يرى بعضهم أن الفصحى تتطلب يلتزم المتحدث الالتزام بأعلى درجات الفصاحة والبلاغة، ولا يقوى على ذلك إلا الأدباء والخطباء وأهل الوعظ والارشاد وكبار أساتذة اللغة. وعلى خلاف ذلك يقتضي وصف اللغة العربية بالفصيحة أنه يجب على المتحدث فيها أن يستخدم الحد الادنى من الجزالة اللغوية والبيان في الاعراب، وهي صالحة للتواصل والتفاهم بين الناس لتسهيل معاملاتهم وقضاء حاجاتهم اليومية. وضمن هذا السياق تكون الفصحى للأدب والأدباء والشعر والشعراء والعلماء بهدف التأثير والبلاغة، وقد نزل القرآن الكريم وتربع على عرشها وهي معجزته في عملية التأثير والاقناع.

 فـ "الفَصاحة" كما يرى بعض الباحثين " مَزيّةٌ في الكلام أو صفة تفضيل، كما في الآية: «وأخِي هارون هو أفصحُ منّي لسانا" [القَصص: 34]؛ و"أَفْصحُ" هُنا صفةُ تفضيل للمُبالَغة مُؤنَّثُها "فُصحى". فكُلّ "كلامٍ كان أشدّ بيانًا وأقوى إفادةً يُنعَتُ بـ"الفصيح"، وإذَا زاد عن غيره يكون "أَفْصَح".! والأرجح أنّها تدل على كفاءة الكلام كإجادةٍ للتّأْليف تبليغا وتدْليلا وتوجيها، بحيث إنّها تُنافي كل عُيوب الكلام وآفاته من عِيٍّ وتكلُّف وتقعُّر ولَحْن وحَشْو وإسهاب. وبهذا، فـ"الفصاحة" تعني القُدرة على إتيان القول بما يُناسب حالَ المُخاطَب بلا زيادة ولا نُقصان. ويقول الجُرجاني في هذا المقام «إنّ الفصاحة وصفٌ يجب للكلام من أجل مَزيّة تكون في معناه، وأنّها لا تكون وصفا له من حيث اللّفظ مجردا عن المعنى" (الجرجاني، 2004، 442).

ومن ثَمّ، فإن كلمة "الفُصحى" تمثل صفةٌ للُّغة العربيّة في صيرورتها لُغةً مُشترَكةً بين القبائل العربيّة التي كانت تختلف - بهذا القدر أو ذاك في مَناحي الكلام. وهذه الصيرورةُ تمّت بفعل الاشتراك في اللّغة من شدّة الاحتكاك في الأسواق والمَواسم الكبرى التي كان الحجّ على رأسها والتي أتى الإسلام فعزّزها بنصّ "القُرآن" الذي كان حافزا لتدْوين المُتون واستنباط قواعد النّحو وأُصول الفهم. فـ«العربيّة المُشترَكة» صارت "فُصحى" بمعنى أنّها لُغةٌ تغلّبتْ وهَيْمنتْ على مُختلف اللّهجات القَبَليّة والجهويّة بالشكل الذي جعلها تَفْرض نفسَها على ألسنةِ المُتكلِّمين، خصوصا بعض عصر التّدْوين"( الكور، 2013)1 .

يقول أحد المفكرين: " ويجوز أن نقول اللغة الفصيحة أو الفصحى" أما من اعترض على الفصحى بوصفها صيغة تفضيل نقول " لا يلزم في التفضيل أن يكون بين شيئين متماثلين أحدهما أفضل من الآخر في نفس الشيء لقوله تعالى في سورة (الفرقان): وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا. أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا) وواضح أن التفضيل هنا بين أهل الجنة وأهل النار - وهم غير مشتركين في شيء. أما اللغة السليمة فهي اللغة الخالية من الأخطاء بأنواعها". فـ" اللُّغة العربيَّة الفُصحى: لغة القرآن والأدب، وهي لغة خالصة سليمة من كلِّ عيب، لا يخالطها لفظ عاميّ أو أعجميّ، خلاف العاميّة (يحرص الخطباء والدعاة على استخدام الفُصحى في كلامهم وتذاع نشرات الأخبار باللغة العربية الفُصحى" (الأعشير، 2014).

ونحن في تناولنا لأحد هذين المصطلحين في هذا الكتيب يقوم على أساس منهجي خارج دائرة الجدل التقليدي حول الأفضلية. فالمفهومان كلاهما برأينا يدلان على اللغة العربية السليمة التي تتناغم مع قواعد اللغة ومنهجها وفقهها وتلتزم بناصية الصواب والبيان والإعراب. ومع أننا لسنا في وارد القطع في الاستخدام إذ يستوي لدينا استخدام مفهوم اللغة الفصيحة مع اللغة الفصحى، فالمعنى الذي نأخذ به يرمز إلى سلامة اللغة بوصفها لغة معيارية في بيانها وقواعدها وإعرابها. ومع ذلك يجب علينا أن نأخذ باعتبارات عديدة نرجح فيها استخدام الفصحى أو اللغة العربية الفصحى للاعتبارات التالية.

أولا – يجري استخدام تعبير "الفصحى" غالبا كاسم يدل على اللغة العربية بتمامها وكمالها وليس كصفة تفضيل. فعندما نقول "الفصحى" (بدون إضافات) فهذا يعني أننا نستخدم اسم علم يدل على اللغة العربية الفصيحة اسما لا صفة. على سبيل المثال يجري القول " التدريس بالفصحى، أو تكلم الفصحى، يكتب بالفصحى. وهناك مئات التعابير التي تدرج على استخدام الفصحى كاسم للغة العربية وليس كصفة تفضيلة.

ثانيا – مئات الكتب في فقه اللغة العربية دبجت تحت عوان اللغة العربية الفصحى، ويندر أن نجد عنوانا يقال فيه " اللغة العربية الفصيحة".

ثالثا – في البحوث اللغوية يجري استخدام اللغة العربية الفصحى في المدارس والمناهج والجامعات.

رابعا – رَسُخ استخدام مفهوم "اللغة العربية الفصحى" بقوة في بنية اللاشعور اللغوي عند المثقفين، وارتسم في الذائقة اللغوية تفضيلا على استخدام تعبير "اللغة العربية الفصيحة" وهو تعبير صحيح أصيل فصيح لا غبار عليه.

هذه الأسباب والممارسات تفرض واقعا لغويا لا يمكن تجاهله، وهذا يعني أن رفضنا أو قبولنا لاستخدام مصطلح أو مفهوم يجب أن يخضع غالبا لواقع الممارسة الثقافية. ويأخذها بعين الاعتبار.  وقد قرأت مرة أن الزمخشري وسيبويه كان عندما يشكان في صيغة أو لفظ أو كلمة كانا يذهبان إلى البادية وعند مقابلة أول شخص يصافانه من أي قبيلة عربية كانا ستمعان إليه ويقرران مشروعية لفظة ما قاعدة ما كلمة ما بناء على اللغة التي يتكلمها الإعراب. وأخيرا فإن برأينا لا صير من استخدام المفهومين. ولكن في البحث العلمي يفضل دائما استخدام نموذج مفهومي واحد، ولذا وجدنا من الأنسب لنا استخدام مفهوم اللغة العريبة الفصحى في كتيبنا هذا ونرجو أن نكون موفقين في هذا الاستخدام للاعتبارات التي أشرنا إليها.

4- في مفهوم العامية:

استخدم مفهوم اللهجة (Dialect) قديما بمعنى اللغة، واللهجة هي اللغة عند علماء العربية القدماء، "فلغة تميم ولغة هزيل ولغة طيء التي جاءت في المعجمات العربية لا يريدون بها سوى ما تعنيه كلمة (اللهجة). كما أطلق على اللهجة لفظ "اللحن"، وفي هذا قال أحد الأعراب (ليس هذا لحني ولا لحن قومي)"(الضامن، 1989، 32).

ويجري اليوم استخدام لفظة "اللهجة" بمعنى اللغة العامية المقابلة للفصحى. وجاء في المعجم الوسيط أن العَامِّيَّةُ: لغةُ العامة، وهي خلافُ الفُصحَى، واللّغة العاميّة: هي اللُّغة المتداولة بين النَّاس، وهي بخلاف اللُّغة الفصحى المستخدمة في الكتابة والأحاديث الرَّسميَّة والعلميَّة. والعامي من الكلام: ما نطق به العامة على غير سنن الكلام العربي، وكذلك: "العامية: لغة العامة وهي خلاف الفصحى".

وتأخذ العامية تسميات عديدة منها اللغة العامية أو المحكية أو الدارجة أو اللهجة، ويعرفها الزغلول بأنها "النمط الذي يسميه الباحثون الغربيون بالعربية الدارجة Colloquial Arabic، أو العربية المحكية Spoken Arabic، أو اللهجة Dialect، وهي التي أطلق عليها فيرغسون النمط المنخفض ورمز له بالحرف (L). وهو النمط الذي يكتسبه العربي بصورة طبيعية في مختلف أصقاع الوطن العربي. ويختلف هذا النمط باختلاف المناطق الجغرافية والجماعات البشرية المتمايزة (الزغلول، 2000، 60).

 وتميل العامية إلى التبسيط ولاسيما في القواعد حيث تختفي صيغة المثنى تقريبا وينقص عدد الضمائر، وتختفي أوزان الجمع، وحركات الإعراب. وهذا يعني أن العامية العربية غير قادرة على أداء دور ثقافي في مجال المعرفة العلمية والثقافية، وعليه فإنه يجب على المتكلم أن يعود إلى الفصحى ليمزجها بتراكيب عامة إن أراد التعبير عما يقول بشكل أوفى. (الزغلول، 2000، 63).

 وتعرّف الأنصاري العامية بالقول: " هي اللغة التي تستخدم في الشؤون العادية ويجري بها الحديث اليومي، لا تخضع لقوانين لأنها تلقائية متغيرة، تتغير تبعًا لتغير الأجيال، وتغير الظروف المحيطة بهم" (الأنصاري، 2008، 114).

هذا ويرى معظم أهل اللغة أن اللهجة العامية هي لغة الشعب كله تسيل على الألسن بلا عسر ولا تصنع، وتعبر خير تعبير عن مشاعر الناس وأفكارهم وتطلعاتهم وطموحاتهم. ويحدد المجلس الأعلى للغة العربية مفهوم العامية الدارجة بأنها " مستوى تعبيري يتخاطب به العامة عفويا في الحياة اليومية، وهو مستوى غير خاضع لقواعد النحو والصرف ويتصف بالتلقائية والاختزال، إنها عربية فقدت بعض الخصائص الموجودة في الفصحى مثل الإعراب" (المجلس الأعلى للغة العربية،2008،5).

5- بين العامية والفصحى:

شغل الباحثون بتحديد العلاقة القائمة بين العامية والفصحى، واهتموا بتحديد خصائص وسمات كل منهما، كما اهتموا بتحديد الدور والوظيفة التي يجب أن يقوم بها كل منهما في مضمار التكامل بينهما. وفي هذا المضمار يقدم لنا الباحث سليمان العايد تصورا واضحا عن أوجه التشابه والاختلاف بين العامية والفصحى في محاضرة له عن علاقة اللغة المنطوقة باللغة المكتوبة في اللغة العربية إذ يقول ": نريد باللغة المنطوقة اللغة هذه التي يستعملها الناس في واقع حياتهم اليومي، وفي حركتهم المعاشية المتكررة، وما اعتادوا التعبير به عن أغراض ومطالب وشؤون الحياة؛ وهذا شامل للغة حين تنطق، وللغة حين تكتب، ما دامت بهذا الوضع، وعلى تلك الحال. كما نريد باللغة المكتوبة تلك التي اكتسبت صفة الثبات، وتتابعت الأجيال على التزام كتابها، وهذه تشمل ما ينطق من اللغة إذا اتسم بالتأنق والصنعة كما يفعل الخطباء"(العايد، 1996،4). واللغة هي لغة التخاطب الحيّ، وهي "لغة ينفك مستعملها من كثير من سمات اللغة الفصحى، كالإعراب، ونظام الجملة، واستعمال أدوات الربط، ويستعيض عنها بغيرها، ولا يحرص على تجنب اللحن، ويرسلها، دون تحضير أو تزوير. وكل ما لا ينطبق عليه هذا الوصف فليس بلغة خطاب، كالشعر والخطابة، والتأليف، مما يتعمل له الشاعر والخطيب والمؤلف، ويبذل فيه شيئًا من الصنعة، انتقاء واختيارًا وإحكامًا"(العايد،1996، 4). وتتميز اللغة المنطوقة بأنها لغة متحولة سريعة التغير، لا تكاد تثبت على حال، بما فيها من صواب »، بخلاف اللغة المكتوبة التي تقف في طريق التغير الذي يلحق لغة الكلام قد ضبطته معيارية دقيقة، تقف في وجه التغير السريع الذي هو طبيعة اللغة المنطوقة، ولها فائدة في تحسين وسائل الاتصال وصبغ اللغة المنطوقة بصبغة أدبية مشتركة (العايد، 1996، 4).

وفي ضوء هذا التحديد لمصطلحي الفصحى والعامية، يمكن أن نلاحظ أن أهم الفوارق بينهما، هو تحريف النطق ببعض حروف اللغة، وتغييره كليًّا في بعض الأحيان، وإهمال إعراب أواخر الكلمات، وتغيير حركات حروف الكلمة في العامية. وهذه الفوارق تؤدي إلى فارق آخر مهم، هو أن الفصحى العربية تأخذ صورة واحدة لا تغاير فيها من حيث الجوهر، في حين تتعدد العاميات العربية بتعدد أنحاء الوطن الكبير واختلاف اللهجات. وواضح أن هذه الفوارق تضع الفصحى في مكانة متميزة، وتجعلها “الأُنموذج “ للسان الراقي الحريص على النطق الصحيح للحروف، وعلى الإعراب، وعلى سلامة الكلمة. ولافت أن العامية في بلد ما تتفاوت في درجة قربها من الفصحى بين حي وآخر. ولافت أيضًا أن هناك تشابهًا بين العاميات المختلفة في بلاد العرب في جوانب تحولها عن الفصحى صوتيًّا وصرفًا ونحوًا، وإن ذهب كل منها مذهبه.

ويمكن لنا في هذا السياق التمييز بين اللغة العربية الفصحى وبين العربية العامية في التقاطعات الآتية:

1- تتميز اللغة العامية بوصفها لغة شفوية يتحدث بها الناس دون أن يكتبوها في حين تتميز اللغة الفصيحة بأنها لغة الكتابة والتدوين. والعامية لا تستخدم عادة في التوثيق والتدوين والكتابة الأدبية أو العلمية فهي لغة مشافهة وليست لغة كتابة كما هي حال الفصحى.

2- تأخذ العامية أهميتها بوصفها لغة الحياة اليومية والتواصل الاجتماعي في أشمل معانيه، أما الفصحى فهي اللغة الرسمية التي يجري تداولها في الإدارة والإعلام والأدب والسياسة والتعليم والكتابة والمحافل الدولية.

 3- تعتمد اللغة العامية على السجية والانسيابية وعلى العادات اللغوية المألوفة ولا تخضع لمنطق القواعد اللغوية كما هي حال الفصحى التي تعتمد على منظومة من القواعد والمبادئ التي يجب مراعاتها أثناء الكتابة والحوار.

4- تراعي الفصحى متطلبات البيان اللغوي في أرفع مستوياته ضمن نطاق الصرف والنحو والألفاظ الدلالية المتقنة، وعلى خلاف ذلك تعتمد العامية الاقتصاد اللغوي واليسر اللفظي التعبيري دون اهتمام بمقتضيات الدقة اللغوية والبيان اللغوي المتطور.

5ـ تتنوع العامية بتنوع الجغرافية والطبقات والفئات الاجتماعية والمجموعات السكانية في حين تأخذ الفصحى طابع لغة وطنية شاملة على وحدتها على الرغم من التنوعات الاجتماعية والتباينات الاجتماعية.

6- يتضح تأثير العامية وحضورها الواسع في لغة الطبقات الاجتماعية الواسعة في حين يقتصر تأثير الفصحى في النخب الثقافية والاجتماعية ولدى أبناء المتعلمين من الطبقة الوسطى.

7ـ تتباين العامية بتباين اللهجات المحلية في البلد الواحد مثل: اللهجة المصرية، اللهجة اللبنانية، السوريةفي حين تتميز الفصحى بوحدتها وتجانسها وشمولها بوصفها لغة وطنية واحدة في مختلف جوانب الحياة الثقافية والسياسية والعلمية والأدبية.

8- تتصف العامية بفقرها العلمي حيث لا نجد في بنيتها مفردات علمية تتعلق بالعلوم والفنون والآداب. وذلك على خلاف العامية التي تتميز بثرائها العلمي وغناها الكبير بمفردات العلم وألفاظه ومعانيه.

9- تختلف العامية في البلد الواحد باختلاف طبقات الناس وتنوعهم الاجتماعي ولهجاتهم: لهجة الفلاحين، ولهجة العمال، ولهجة الطبقة البرجوازية. وهذا التباين الاجتماعي ليس له حضور في اللغة العربية الفصحى.

وتجدر في هذا السياق الإشارة إلى هذه المناظرة التي يجريها كلفت ما بين فصاحة العامية وفصاحة الفصحى إذ يقول: " "الفصحى" هي لغة الفصاحة، والفصاحة هي الوضوح والسلامة من اللحن. وقد تبدو اللغة المسماة بالعامية واضحة، محليا على الأقل، لكنها تبدو على كل حال بعيدة عن السلامة من اللحن بمعايير "الفصحى". ولكنْ كما أن الوضوح يتحقق بوسائل "العامية" وليس بوسائل "الفصحى"، فمن الواجب أن يُنظر إلى السلامة من اللحن (أيْ السلامة من الخروج على المعايير النموذجية أو من الانحراف عنها) لكل لغة من اللغتين على أساس معاييرها الخاصة وليس على أساس معايير اللغة الأخرى "فالفصحى" سليمة بمعاييرها الخاصة و"العامية" سليمة بدورها بمعاييرها الخاصة "(كلفت، 2012).

وهذا التناظر الذي يجريه كلفت يتضمن رؤية موضوعية غير مألوفة في مجال المقارنة بين العامية والفصحى. فأهل العامية يجدون العامية أكثر وضوحا من الفصحى وقد يعبرون بها بشكل أفضل. وغالبا ما يعتمد المدرسون في الجامعة اللهجة العامية لتفسير ما لا يستطيع الطلاب فهمه بالفصحى. وفي كل الأحوال يجب أن يؤخذ هذا الرأي المقارن على محمل الجد العلمي وألا يستهان بقيمته السوسيولوجية.

ويتابع كلفت تحليله للفصاحة ما بين الفصحى والعامية قائلا: " وإذا كانت فكرة الفصاحة، بشقّيها، تنطلق من جعل "الفصحى" المعيار الأوحد والمطلق أو المثل الأعلى بلا منازع للغة العربية، فإن الانطلاق من "العامية" أو من الحياد الوصفي إزاء الازدواج اللغوي القائم لا يمكن إلا أن يؤدي إلى أن تطالب "العامية" بالاعتراف بفصاحتها، أيْ بوضوحها وسلامتها، وربما على قدم المساواة مع "الفصحى" وربما أكثر منها بكثير، على أساس أن تمكُّن العرب من "العامية" أقوى بما لا يقاس من تمكُّنهم من "الفصحى" (وربما من تمكُّن خاصتهم من "الفصحى"). "فالعامية" بدورها فصحى أو حتى أكثر فصاحة (بما لا يقاس) بمعاييرها الخاصة. (كلفت، 2012). ويعني ما سبق بطبيعة الحال أن الفصاحة سمة طبيعية لكل لغة بحكم بداهة كونها لغة، وهي تزدهر بازدهار لغة وتنحط بانحطاطها وتموت بموتها وتنتقل من خلال التطور اللغوي البطي أو العاصف إلى لغة جديدة تحل محل القديمة (كلفت، 2012).

وباختصار: "الفصاحة لا تحتكرها "الفصحى" ولا "العامية" ولا تمتلكها "الفصحى" ولا "العامية" بصورة مكتملة، لأن "العامية" ليست لغة مكتملة الحلقات، كما أن "الفصحى" ليست لغة مكتملة الحلقات. ذلك أن "الفصحى" عاجزة، منذ قرون وقرون، عن الاستمرار كلغة كلام وحياة يومية. وهي بذلك لغة ناقصة. كما أن هذا النقص، هذا الانفصال عن الحياة اليومية، يُفقرها ويحرمها من حيوية الحياة ويجرّدها من القدرة على التعبير عنها بالحيوية المطلوبة، أضف إلى ذلك أن "العامية" تنافسها منافسة شاملة متفاوتة القوة في كافة مجالات الثقافة والتعليم والإعلام" (كلفت، 2012).

 

علي أسعد وطفة

..........................

1- الكور، عبد الجليل (2013) القُرآن بين "الفُصْحى" و"الفُسْحى"!، هسبرس، الاثنين 02 دجنبر 2013 - 12:40. https://www. hespress. com/writers/95310. html

مراجع

- ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم (1955)، لسان العرب، مج 1، بيروت، دار صادر ودار بيروت.

 - أحمد، محمد عبد القادر (1991).اللغة العربية أصلها وأهميتها ووظائفها وتعليمها لطفل المرحلة الابتدائية، مجلة التربية، س 20، ع 96، مارس/ آذار، قطر: اللجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة والعلوم.

- De Saussure, F.(1968) ours de linguistique général, Paris: Payot.

- الأسد، ناصر الدين (2004). مقدمة لدراسة اللغة وهوية الأمة، مجلة ثقافات.

- الأعشير،عبد الله آيت (2014). اللغة العربية الفصحى، نظرات في قوانين تطورها وبلى المهجور من ألفاظها، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطاع الشؤون الثقافية، الكويت.

- الأنصاري، محمد جابر (1988). التعريب الجامعي وحتمية المقاربة الميدانية أربعة اعتبارات اساسية لحسمها، رسالة الخليج العربي، س 8، ع 24.

- بركة، بسام (2002). اللغة العربية القيمة والهوية، مجلة العربي، العدد 528، نوفمبر/تشرين الثاني.

- الجرجاني، عبد القاهر (2004) كتاب دلائل الإعجاز، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط 5.

- حجازي، فهمي (1997). مدخل إلى علم اللغة، القاهرة: دار قباء.

- الدجاني، أحمد صدقي (2000). الفصحى والعامية: العامية اليافاوية..تأملات وتساؤلات، مجلة مجمع اللغة العربية، نوفمبر/تشرين الثاني، 2000.

- الرخاوي، يحيى (2003). اللغـة العربيـة وتشكيـل الوعـي القومـي، شبكة العلوم النفسية العربية:http://www. arabpsynet. com/Archives/VP/VP. Rakkaoui. ArabLangage. htm

- الزغلول، محمد راجي (2000). ازداوجية اللغة: طبيعتها ومشكلاتها في سياق التعليم، ضمن مجموعة مؤلفين (2000). اللغة والتعليم، الكتاب السنوي الثاني، بيروت: الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية.

- السيد، محمود أحمد (1988). في طرائق تدريس اللغة العربية، دمشق: مطبعة جامعة دمشق.

- الضامن، حاتم صالح (1989). علم اللغة، بغداد: جامعة بغداد، كلية الآداب.

- العايد، سليمان بن إبراهيم (1996). علاقة اللغة المنطوقة باللغة المكتوبة في اللغة العربية، محاضرة ألقيت في نادي مكة الثقافي الأدبي بتاريخ 1/10/1417.

- عبد العزيز، محمد حسن (1992). الوضع اللغوي في الفصحى المعاصرة، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1413هـ / 1992.

- عبد الواحد، علي(1951). اللغة والمجتمع، القاهرة: دار الكتاب العربية.

- كلفت، خليل(2012). الازدواج في اللغة العربية بين الفصحى والعامية، الحوار المتمدن، العدد: 3712. www. ahewar. org/debat/show. art. asp?aid=305504

- الكور، عبد الجليل (2013) القُرآن بين "الفُصْحى" و"الفُسْحى"!، هسبرس، الاثنين 02 دجنبر 2013 - 12: https://www. hespress. com/writers/95310. html.

- المجلس الأعلى للغة العربية (2008). الفصحى وعاميتها: لغة التخاطب بين التقريب والتهذيب. أعمال الندوة الدولية التي نظمت بالتعاون مع وزارة الثقافة ضمن فعاليات الجزائر عاصمة الثقافة العربية 2007 المنعقدة يومي 4- 5 يونيو/ حزيران 2007. الجزائر: المجلس الأعلى للغة العربية.

- محجوب، عباس (2012). التًّعليم باللغة العربية في التًّعليم الجامعي، بحث منشور في موسوعة دهشة الإليكترونية، http://www. dahsha. com/old/viewarticle. php?id=28917

- وطفة، علي أسعد (2011). علم الاجتماع التربوي، الكويت: مطبعة الفيصل.

 

 

الوارث الحسنإغفال المؤسسات التعليمية الدينية وتطبيق الخناق عليها وانشطار التعليم إلى شطرين متنافرين أدى إلى وقوع صدام عنيف بينها وأفرز تباعدا في المنظور الديني والمدنيمما خلق جيلا متطرفا ومتعصبا على المدى البعيد

-إن الاستعمار عند تثبيت أقدامه في البلدان العربية والإسلامية اتجه نحو ترسيخ مناهج للتعليم، تمكن بموجبها من تمرير أفكاره في المقررات الدراسية، وقد ساهم فعلا في تكوين أجيال متعاقبة تحمل أفكارا تبتعد عن الدين والإسلام .

هكذا فإن إنشاء مدارس تعليمية واستخدام أخرى حفز الطبقة البورجوازية إلى الالتحاق بهذه المدارس الحديثة التي تعتمد النمط الجديد من التعليم الحديث والذي كان يهدف الغرب من ورائه إلى خلق جيل جديد له ثقافته لا تتقاطع مع الموروث الأصيل وبخاصة ما يرتبط بالحالة الدينية التي كانت وماتزال جزءا أساسيا من الهوية الاجتماعية للمغرب وللبلدان الإسلامية عامة.

وتنفيذا للتوجه الاستعماري كانت مادة التربية الدينية، مادة غير إلزامية ولا يتعلق النجاح والرسوب بما يحقق المتعلم والطالب من درجة فيها وإنما كانت مادة هامشية جدا وحتى المدرس نفسه لهذه المادة لا يكون جادا في تعليمها في الأغلب الأعم .

كما أن نجاح الغرب المستعمر في إبعاد الشعب العربي عامة عن حضارته وثقافته الجامعية، أدى في نهاية الامر إلى خروج بعض الأشخاص عن السيطرة الإيديولوجية وعندما يبتعد الجمهور عن حضارته وثقافته وهويته ودينه فإنه لا محالة يفرز جيلا متناقضا إما ثائرا أو خانعا .

وهذا ما مكن من ظهور حركات التحرر الوطني وقد نشأت معها تنظيمات مناوئة التي قاومت المحتل واستقطبت جيلا من الطبقة الشعبية المقهورة والفقيرة، وحصل معها المغرب وبعض الدول العربية والإسلامية على استقلالها ولكنها ظلت واقعة تحت تأثير التوجهات الفكرية المتعصبة دينيا،و التي زرعتها السياسة الاستعمارية، فكان ظهور حركات إسلامية متشددة وتابعة، سيطرت على النخب القديمة وانتزعت منها الشرعية القيادية وبدأت تتأهب لتفريخ جيل جديد من المتشددين والممانعين .

إلى ذلك تأثر العرب ومعهم المغرب الكبير بالثورة الإخوانية الإيرانية واعتناق بعض الكوادر من التنظيمات الإسلامية للفكر المتطرف واعتبار الشريعة الاسلامية أساس الحكم والتشريع، بيد أن بقاء الدول العربية والإسلامية على ماهو عليه بعد الاستقلال من التخلف وانفصال مجتمعاتها عن حضارتها وتكوينها الثقافي الأم  والأساس، خلف جيلا بأكمله يغرق في التخلف العلمي وهو ما تعيشه معظم البلدان العربية مقارنة بما تعيشه البلدان الغربية من تقدم علمي كبير وواسع  ولذلك أسبابه ومبرراته الواقعية أفرز لنا مجتمعا يميل إلى التطرف ومحاربة التطورو التقدم، فضلا عن غلبة الفكر الديني على المدني في ظل هذه الإرهاصات والمخاض الذي يعيشه المجتمع العربي مما أفرز لنا نخبا تميل إلى الرادكالية والتطرف .

وفي خضم ذلك تم اتهام الأزهر بالجمود الفكري والخذلان العلمي، وعدم رغبة رجالاته في الانتفاع بتطور الواقع والحياة والاكتفاء باجترار الماضي وهذا ما خالف دورها الديني والتوعوي لتحقيق الرفاهية الدينية . إضافة إلى إنشاء مؤسسات تعليمية حديثة تسير في مسار آخر بعيد عن التعليم الديني، مثل كلية الألسن وكلية الطب وكلية الصيدلة والهندسة.. تضاهي الكليات ذات توجه ديني وعلوم شرعية .

وبذلك، لوحظ توجيه العناية نحو المؤسسات التعليمية المدنية بزيادة أعدادها وتنوع تخصصاتها وإغفال المؤسسات التعليمية الدينية وتطبيق الخناق عليها مما أفضى إلى مزيد من الانحسار فبدأ انشطار التعليم إلى شطرين متباعدين، تعليم ديني محض وتعليم مدني محض، وهذا ما أدى إلى وقوع صدام عنيف أحيانا بينها وأفرز تباعدا في المنظور الديني والمدني .

 

بقلم : الدكتور الوارث الحسن

المغرب-باحث تربوي

  

 

حاتم حميد محسناصبحت العولمة واقعا حتميا، في الاقتصاد و السياسة والتكنلوجيا والأعمال وكل جوانب الحياة الحديثة الاخرى. الطريقة التي نتفاعل بها مع العالم قد توسعت وتسارعت بفضل التقدم الاقتصادي والتكنلوجي الذي سهّل من امكانية وجود شبكة بهذا الحجم . قبل ثورة المعلومات التكنلوجية، اتخذت العولمة في الاساس وظيفة اقتصادية. لكن ما حدث لاحقا فتح الباب امام التأثيرات السياسية والثقافية،  فتغيرت الاهداف الاولى في المساهمة بالتنمية العالمية من خلال التجارة الحرة وتبادل المعلومات، واصبحت العولمة حاليا تؤثر بفهمنا للجماعة واستبدلته بفهم آخر يطمس إحساسنا بالهوية القومية والمسؤولية المدنية.

هناك آثار اجتماعية وسياسية جديدة لهذا المشروع الذي بدأ يزداد في حجمه وتأثيره منذ بداية القرن العشرين. في (الثورة الادارية) لجيمس بونهام James Buonham 1940، لاحظ انه " في التاريخ الانساني، عادة يحدث التغيير بسرعة كبيرة وعنف شديد لدرجة ان الاطار ذاته يتحطم ليحل محله اطار جديد". بونهام اعتقد ايضا ان سرعة التغير التكنلوجي في القرن العشرين كانت شديدة بحيث غيرت طريقة الحياة لتصبح شيء مختلف كليا في النوع وليس في الدرجة. هذا الميل كان له صداه عبر القارة. في "تمرد الجماهير، 1929" كتب الفيلسوف الاسباني اورتيجا بان حضارة القرن العشرين يمكن تلخيصها ببُعدين: الديمقراطية الليبرالية و "التقنية" technicism وهما نتيجة للاتحاد بين الرأسمالية والتصنيع والعلوم التجريبية. لكن هذين البعدين كانا يندمجان وبطريقة صاغا بها رؤية جديدة لمستقبل العالم.

الانسان الواسع

أطلق اورتيغا على الانسان في المجتمع الحديث بـ "الانسان الواسع" mass man حيث ، الانسان الشاب المقتنع بذاته، الذي من خلال تأثيره السياسي وثروته، كان يقلّص فرديته الى هوية جمعية، حيث المساواة والتجانس في المجتمع الاوربي. نحن نستطيع ان نتعلم من هذين المفكرين ان التكنوقراط والسياسيين العالميين cosmopolitan يناصرون العولمة لنفس الاسباب التي اشار لها بونهام واورتيغا في كتابهما وهي اسباب تتعلق بالتأثير السياسي، المكاسب الاقتصادية، والخداع الطوباوي. هنا،  نضيف حافزا آخرا: الاحترام المنسي او المُتجاهل عمدا للحياة المدنية. وبالتالي، لم يعد صحيحا بان العولمة تساهم في تطوير الجالية وبناء الامة محليا او دوليا، لأنها وبدهاء تُضعف رغبة الناس بالمشاركة في شؤونهم المدنية.الفيلسوف السياسي ميشيل ساندل يؤكد بطريقة مشابهة: نحن كنا مجتمع بنظام سوق ،  جئنا لمجتمع سوق. بيئتنا تصبح اكثر استهلاكية ليست فقط بالمعنى المادي(رغم انه الجزء الاكبر).،  نحن بنفس المقدار نتعامل بمبادئنا السياسية والاخلاقية في السوق العالمي، نبيعها للخارج ولكن ليس في الوطن.

واذا كنا منصفين، لابد من القول ان  نظام السوق والاخلاق فيهما شكل  من الخيرية المتأصلة التي تجعلهما مناسبين لأكثر المجتمعات في العالم الحر كأساس لليبرالية التي انشأت العولمة. لكننا لا نفهم الخيرية المتأصلة في فكرة معينة ما لم نتعلمها من التجربة . العولمة تساعدنا في نسيان هذا الخوف. شيء واحد نتعلمه هو كيف نصنع صندوقا ثم نبيعه لأجزاء اخرى من العالم. في وقت ما سيذهب اولئك الناس الذين يعرفون المهنة . لكننا اصبحنا الوارثين للمشاريع المملوكة للعوائل التي تجاهلت قيمة الصناعة المحكمة التي بنت ثرواتنا في المقام الاول. لكن مع ذلك، لابد من المتاجرة. في هذا الصندوق المغلف تكمن الديمقراطية الليبرالية. ضمن مشروع العولمة، لانزال نرى آثار الليبرالية كما تُمارس في قيمها الانسانية. المشجعون للعولمة يعرّفونها دائما بالاشارة الى فكرة الارتباط مع الآخرين والمساهمة في التقدم الانساني. لكن هذا الايثار قد ينقلب في الاتجاه المعاكس: نحن مجبرون اكثر هذه الايام للارتباط مع الاخر البعيد الذي نظن انه اكثر شبها بنا من جيراننا المعروفين. نحن نظن اننا نعرف جيراننا بسبب معرفتنا بمنْ  صوّت لهم ، الديانة التي يعتنقها، من اين جاء، الخ. من جهة اخرى، نحن نشعر مرتبطين مع الاخر البعيد لأننا نبني فكرة عنه تنسجم مع مُثلنا التي لا نستطيع اختبارها بالتجربة في التعامل مع هذا الفرد كزملائنا المواطنين.وهنا تكمن المشكلة. ان التركيز المفرط على التقدم العولمي ربما يساهم في نمو حالة عدم الاستقرار الوطني في الديمقراطية الليبرالية في العالم .عندما يصبح الناس اكثر انقساما على طول الخطوط السياسية محليا،  سيصبحون اكثر ارتباطا في النطاق العالمي لنفس هذه الاسباب. فمثلا، التقدميون يحترمون الارتباطات الذي تخلقها العولمة وهو ما يرفع من ضميرنا العالمي بالاستفادة من ثقافتنا الرقمية ليجعلنا اقرب الى الاجنبي، مع ذلك، هم يلومون الوزن الاقتصادي  الذي تضيفه العولمة الى الرأسمالية والوزن السياسي الذي تضيفه  الى الليبرالية الغربية كأحسن نظام لتحقيق هذه الغايات الانسانية. مناصرو السوق الحر يمدحون العولمة بسبب التقدم الاقتصادي الذي جلبته لكل المجتمعات في العالم من خلال خلق الثروة، الابتكار، التجارة، لكن على المستوى الاجتماعي، المحافظون قلقون من ان تاكيدها على السوق العالمي والربح يتجاهل القضايا الاكثر اهمية،  مثل، الجالية، المحلية، الوطنية. كلا الفريقين ايضا يستجوبان اخلاقية نظام السوق العالمي،  اليسار يدّعون بانه يفقر العمال بجعلهم مربوطين باجور قليلة وخاضعين لمدرائهم،   واليمين يدّعون  بانه يحط من القيم الاخلاقية للمجتمع الذي من خلاله تتأسس وتنمو مواطنة صحية.

مهما كانت وجهة النظر التي نؤمن بها، من الإنصاف القول انه من خلال الفعل و دخول السوق العابر للافكار والسلع ، فان الدول تجد نفسها متغيرة اجتماعيا. نحن نضع انفسنا بجانب الدول التي تنسجم مشاكلها السياسية مع وجهة نظرنا: اذا كنا نقيّم العائلة والتقاليد، فسوف نكيل المديح  لرئيس وزراء هنغاريا فكتور اوربان(المعادي للاجئين). واذا كنا نقيّم حقوق الانسان فسنقف مع الامريكيين من اصول اسبانية. نحن نتجاهل الاختلافات الثقافية والتاريخية البسيطة التي تجعل قضايا كل امة متفردة. اما وطنيا، فان التأثير اكثر خبثا . وكنتيجة لما نرى في الخارج، نحن نفترض الناس داخل دولنا يقعون ضمن فئتين اما صحيح او خطأ: اذا كنت لاتحب بريكست،  فانت اذاً لاتحب المحافظين، وانت تعرف جيرانك هم جمهوريون ، ولذلك، المحافظون في الولايات المتحدة يجب ان يتقاسموا بعض العيوب الفكرية حول بريكست. من المحتمل التوقف عن البحث عن مساعدة ونصيحة الناس  ضمن جاليتنا، وبدلا من ذلك نختار افضل وجهات النظر حول العالم التي تؤيد  وجهة نظرنا.

حاليا لدينا خيار الابتعاد عن جيراننا رقميا من خلال تلفوناتنا وكل الوسائط الالكترونية الاخرى. ابقاء هذا الانفصال من خلال العولمة كما كنا نعمل لسنوات ، سيجعلنا بالتأكيد نصل اليوم الذي لا تعني فيه الهوية والمواطنة اي شيء اذا لم يجددا صلاحية معتقداتنا. حماية المدنية هي اكثر اهمية الان من اي وقت مضى. نحن يجب ان نحذر من الجدال لأجل العولمة المدمرة للديمقراطية الليبرالية على المستوى القومي. في هذه الحالة، يكون الفهم التقدمي للعولمة هي انها تناصر المُثل العالمية التي تتصرف بعدوانية تجاه الدولة القومية وانها تثبط نظام السوق الذي هو اكثر ملائمة للكفاءة الذاتية والاستقلال الضروريين للبلد. انتقاد العولمة الشديد لا يعني المحافظة على الوضع القائم، خاصة في مناخنا الحالي الذي وضع الليبرالية في ازمة.نحن نستطيع زيارة لوك اواللجوء الى توكوفيل، لكن جزءا من الأجوبة والحلول لمأزقنا السوسيوسياسي بحاجة لتُدرس من خلال الظاهرة الحالية هذه.

ديفد هيلد

المنظّر السياسي والباحث في العلاقات الدولية ديفد هيلد، كتب بأن رغبة العولمة بتطوير النماذج التقليدية للتنظيم السوسيواقتصادي هي قوة كبيرة تشكل تحديا مباشرا للدولة الحديثة عبرتحدّي المبادئ التي تجبر المواطنين للمشاركة في المهمة الجمعية في الحفاظ على الدولة. تفضيل المواطنين على الامم الاجنبية هو غير اخلاقي. قيل لنا ان الحدود القومية تعيق التدفق الحر للبضائع والعمل التي تحتاجه كل الدول لتنمية ثرواتها. هدف التجارة وسياسات الهجرة يجب ان لا يكون لمصلحة اي بلد معين، وانما للجنس البشري ككل. هذه المعارضات هي معقولة بما يكفي لذاتها. ولكن بالنسبة للسوق العالمي لكي يحقق هذه الاهداف عالميا يعني انه يحتاج لإذابة الولاء للامة وبهذا يزيل اي معنى للهوية المدنية بين الدول رغم اختلاف تاريخها و تقاليدها وثقافتها. العولمة هي مشروع يسعى ويتطلب مستوىً كبيرا من التجانس الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، اي بكلمة اخرى، تجانس ثقافي لكي يمكن للعولمة التنظيم بين الامم. من بين الاسئلة المهمة حول الموضوع  اثيرت من جانب كينيث مينغو Kenneth Minogue، المشكك بالعولمة، هو كان مهتما بالآثار السياسية والاجتماعية للسوق العالمي، لأنه اعتقد ان الجانب الاقتصادي للعولمة كان يساهم في تآكل الهوية المدنية اكثر من اي شيء اخر. شعبية السوق العالمي ربحت النصر للعولمة، حسبما يرى، وانها وجّهت صفعة ثقيلة للفلاسفة السياسيين في التقاليد الليبرالية عندما اظهرت ان توق الانسان الداخلي للحرية والانجاز الذاتي يمكن اشباعه بسهولة باستهلاكية مجتمع السوق العابر. هذه العولمة نجحت بكونها اصبحت متغلغلة في حياتنا لدرجة جعلت مينوغو يتسائل ما اذا كانت قوانين الاقتصاد تقرر التجانس الظاهر في حياة الانسان. هو لم يجب ابدا على هذا السؤال بشكل محدد وانما استنتج بان الاعتقاد  بعالمية العولمة كان وهما اقتصاديا يمكنه وبشكل خطير ان يخدع المجتمع  حول "ديناميكية العالم الحديث".

عولمة المدن وانهيار الثقافة

لازال العالم الحديث، لم يأت للوجود بعد في عدة اجزاء من دولنا. في عدة اماكن، خلق تأثير العولمة فقط مظهرا للتحديث تنفذ فيه مشروعها، وانه جرى تجاهل مسؤوليته عن عدم الاستقرار الاجتماعي ومن ثم السياسي الحاصل الان في الديمقراطيات الليبرالية. أهم حدث معاصر الان  هو التحول المستمر "للمدن العالمية" global cities. ان الطريقة التي تلتقي بها الثروة والتكنلوجيا في المدن العالمية اليوم وسّع الفجوة الثقافية بين المدن الصغيرة ونظرائها من المدن العالمية. هذه القدور من الحب غير المقدس "حسب تعبير اوغسطين" تشترك بالمسؤولية  عن عدم استقرارنا العالمي .

المدن تؤثر على الثقافة، وعندما تُعولم المدن تصبح مراكز خالية من الثقافة بسبب الاندماج في التعدديات الثقافية. كل المدن المعولمة في العالم هي متشابهة ثقافيا مع بعضها اكثر مما في الاماكن الاخرى ضمن الوطن ذاته. هذا النقص في الثقافة المحلية في المدن يقابله تمسك ثقافي حيث لايزال المقيمون في عدة اجزاء يقيّمون ويمارسون شكلا من الهوية القومية والوطنية التي تقود حياتهم. العديد من الناس الذين يعيشون في الاماكن الهامشية التي هي خارج اهتمام العالم تكون العولمة اما وهما او منافس يتحدى سبل عيشهم. انها  تبدو اشبه بتفاهة لكن اتساع الانقسام بين العالمي والقومي ، العالمي والمحلي، يمكن اصلاحه باعادة التاكيد على الجالية. ولكن في عدة اماكن، بدا التركيز على اصلاح هذه  المشكلة الاجتماعية صعبا في ضوء الحقائق الاقتصادية الملحة. توتراتنا السوسيوسياسية تتصاعد لأن الصعوبات الاقتصادية للناس هي اما صامتة او متفجرة. ازدياد التجارة يتطلب حكومة اكبر. تحرير التجارة يوزع المكاسب بشكل غير عادل، لذا فان العمال ذوي الياقات الزرقاء الذين يخسرون وظائفهم او اولئك الذين يلتصقون باعمال وضيعة سيصبحون اكثر سوءا. لتصحيح هذا التأثير، تُمارس بعض الافعال الحكومية اما بمختلف اشكال التدخل الحكومي او ببرامج الرفاهية الموجودة سلفا والتي تعالج المشكلة فقط في سطحها الخارجي. ولكن بدلا من اعتبار المجتمع المرتكز على السوق ساهم في زيادة الحاجة الى دولة الرفاهية، من الملائم القول ان المشاكل التي تصيب فقراء امريكا، مثلا،  هي ليست مالية في الجوهر،  انها نتيجة الحرمان الاخلاقي والروحي ، حيث الناس لايعطون الاولوية لقيم العوائل الموحدة، الجاليات، الايمان وهو ما يخلق دورة من الفقر لا تستطيع تخفيفه اي حكومة بل  تجعله اكثر سوءاً . الفشل في إعطاء الاولوية للجالية على التقدم الاقتصادي والتكنلوجي، ساعد الناس غير المناسبين في التأثير على هذه القضايا وتشويهها بطريقة مناقضة للمجتمعات الحرة. هذه الفجوات الثقافية بين العالم المعولم وشبه المعولم  بقيت راكدة لفترة طويلة لتأتي اليوم في لحظة خطرة ، حيث قضايا العدالة الاجتماعية والهوية تفرض نفسها على الخطاب العام، واصبحت لها  جاذبية في الاوساط الاجتماعية.

مراحل العولمة

الجغرافي البرازيلي ملتن سانتوس Milton Santos عرض أحسن تحليل عن تأثير العولمة على الفقر الاخلاقي والمالي. وصف سانتوس العولمة بالخرافة التي تدّعي ان السوق الاستهلاكية يمكن ان تكون قوة تجانس اقتصادية. هو اعتقد ان السعي للاتساق والتماثل من خلال العولمة ادى الى مجتمع أقل توحّدا، مع زيادة ملحوظة فقط في "عبادة الاستهلاكية"والاعتماد على الدولة. هو في الاساس كتب  بناءً على تجربة العالم الثالث لكنه عمم  بحثه ليشمل الجماعات ذات الحاجة بشكل عام.

كان سانتوس مندهشا بنظريات وفلسفات التاريخ. العولمة، كما عرّفها مجموعة مركبة من نظام جديد من التقنية والسياسة الى جانب التقدم التاريخي. عندما قال كانط  ان التاريخ تقدّم بدون نهاية، وسّع سانتوس هذا القول مضيفا بان التاريخ هو ايضا "تقدم لا متناهي في التقنية". مع كل تقدم تكنلوجيي، فان مرحلة تاريخية جديدة تصبح ممكنة. طبقا لسانتوس، ان المرحلة الاولى كانت تقسيم العمل الدولي الذي ترسّخ بظهور مراكز المدن والهياكل التشريعية القادمة بشكل رئيسي من الغرب، المرحلة الثانية كانت الثورة ما بعد الصناعية حيث المناطق الحضرية استثمرت في مواقعها الجغرافية عبر تطوير النقل البري والبحري لتسهيل تراكم راس المال على نطاق اوسع ، اخيرا، سمى سانتوس المرحلة الثالثة "ثورة الاستهلاك"التي شجعت التصنيع السريع في الاماكن غير المتطورة.

كانت المدن اول منْ تأثر بالفقر الحضري(اطراف المدن) عندما اصبح من الصعب معالجة قضايا مثل الاسكان، العمل، التهميش، الهجرة، والازدحام. مشكلة المدن الحضرية هي ان العولمة تنشر الابتكار"من المناطق القطبية الى المناطق الهامشية والثانوية، ومن الفترات التاريخية السابقة الى فترات لاحقة. المناطق القطبية (المناطق المتطورة) تسرّع التغيير في المناطق الهامشية (المناطق غير المتطورة). هكذا، جسدت العولمة الاماكن غير المتطورة بشكل من التقدم التاريخي المنهك. تطورها السوسيواقتصادي اعتمد على كيفية وتوقيت احساسها بضغط العولمة وليس بالنمو الطبيعي لها.

العولمة اول ما استقطبت الناس حسب الطبقة والمكاسب الاقتصادية قبل الظاهرة الحالية من الاستقطاب التكنلوجي . سانتوس كجغرافي ركز على التأثيرات المكانية للعولمة في العديد من الدول النامية، وهو ما يفسر سبب ارتباط نقده بتنمية المدينة. هو ادرك ان الطريقة التي نُظمت وصُممت بها الاماكن لها تأثير مباشر على تصور الناس لمكانهم في المجتمع. هو اعتقد ان العولمة كانت تُضعف التصادم الاساسي بين المستهلك والمواطن حين وضعته في بيئة يُنظر فيها للاستهلاكية السائدة والمواطنة  كشيء قديم الطراز.  المشاركة المدنية لها تأثير قليل عندما لايرى الافراد ان حكومتهم تعمل لأجلهم. بدلا من ذلك، فان امكانية وجود مستقبل لمواطنة كاملة دائمة يعتمد على الحلول المحلية ، ومنع امكانية ان يصبح  الانتاج والاستهلاك المواطنة الجديدة حسب سانتوس.

الهوية الثقافية

لو وضعنا كل الانتقادات جانبا، لا استنتاج يمكن طرحه حول العولمة بدون الاعتراف الذي لا مفر منه  بفوائدها، حتميتها، استحالة إبطالها. مساعدة الامم الاخرى هو شيءضروري ونبيل. جرعة معينة من العولمة كانت مفيدة حين حسّنت الصحة والتعليم وثروة العديد من المجتمعات. الخطر يأتي عندما نتوقف عن الاعتقاد بالشكل التعددي لهذه المشاريع ونسعى لجعلها مشروع عولمي واحد. ان اساس النظام العفوي الذي يفخر به نظام السوق هو ان التعددية طبيعية، جيدة، وضرورية للابتكار والتبادل. لكن التعددية يمكن المحافظة عليها فقط من خلال تعزيز الروابط المحلية التي تحفز الناس على تطوير وحماية بيئتهم المعينة. ولو انتقلنا خطوة اكثر، سنرى ان التعددية لن تستمر بدون دولة قومية كأحسن غطاء لتواريخنا و ثقافاتنا المتفردة والمتغيرة . ان مشكلة العولمة وعدم استقرارنا  الاجتماعي تكمن في تأثير العولمة على النفسية المدنية، انها تزيل ارتباطنا بأرضنا والذي بدوره له تأثير واضح على تضامننا القومي،  وعلى التزاماتنا تجاه جيراننا وجالياتنا والتي يجب ان تاخذ الاولوية دائما . العولمة تسألنا لنختار بين الحفاظ على ثقافاتنا او احتضان التعددية الثقافية،  الاخيرة هي فقط مظهر تقليدي.

 

حاتم حميد محسن

.......................

 المصدر:Imaginative conservative,Nov,2019

 

قاسم حسين صالحفي خمسينيات القرن الماضي كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة لا تعترف باللغة العربية، بل كانت لا تجيز الترجمة التحريرية الى العربية الا بشرطين:ان تكون الوثائق ذات طبيعة سياسية وقانونية تهم المنطقة العربية، وان تدفع الدول العربية تكاليف الترجمة!

 وبجهود دبلوماسية مميزة للمملكة المغربية، من خلال منصب رئيس المجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو الذي كان يشغله السيد محمد الفاسي، وسفير المغرب لدى الأمم المتحدة في حينه السيد رشيد الحلو، وباسناد من المملكة العربية السعودية وعدد من الدول العربية، وافقت الأمم المتحدة في العام 1973 بقرارها الرقم 3190 باعتماد الثامن عشر من ديسمبر / كانون الأول يوما عالميا للغة العربية، بجعلها لغة رسمية للجمعية العامة وهيئاتها. واستمر العمل بهذا القرار الى عام 1977 حيث تم ادراج تكاليف الترجمة الى العربية ضمن الأعباء اللغوية للأمم المتحدة، ونالت حظها كلغة اممية الى جانب خمس لغات معتمدة هي: الانجليزية، الفرنسية، الصينية، الاسبانية، والروسية.

وللتاريخ فان اميركا كانت من المعارضين لهذا القرار، مبررة ذلك بان ملوك وأمراء ورؤساء العرب يجيدون التحدث بالأنجليزية!، برغم ان عدد الذين يتحدثون العربية يزيد على (425) مليون نسمة متفوقة على عدد الذين يتحدثون بالروسية اوالفرنسية.

 لا نريد ان نتحدث هنا عن كامل مزايا اللغة العربية بوصفها من اقدم اللغات السامية، وانها لغة القرآن، والبلاغة والبيان، والاستقامة والترادف والمعاني الجميلة، وتفوقها على لغات العالم بمفرداتها الحية التي تبلغ فيها ( 000 303 12)كلمة، فيما عددها باللغة الأنجليزية (000 600) وفي الفرنسية (150000) وفي الروسية (130000)، ولا عن الذين كتبوا فيها من العلماء والمفكرين والأطباء وما كانوا عربا، ولا الشعراء في عالمنا العربي، وابلغ ثلاثة بينهم (احمد شوقي ومعروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي) كانوا من الكورد وليسوا عربا!.

 نشير فقط الى ان العربية لها اهمية خاصة لدى المسلمين كونها لغة مقدّسة لا تتم الصلاة الا باتقان بعض مفرداتها، فضلا عن انها لغة شعائرية رئيسة لدى عدد من الكنائس المسيحية في الوطن العربي، وان الكثير من اهم الأعمال الدينية والفكرية والعلمية اليهودية في العصور الوسطى قد كتبت بها.وكانت، بعد انتشار الاسلام وتأسيسه دولا، لغة السياسة والعلم والادب لقرون طويلة، وما يزال تأثيرها موجودا في عدد من اللغات لاسيما الفارسية، التركية، الكوردية، الماليزية، البرتغالية، والاسبانية.

 وكانت جامعة قرطبة بحضارتها العربية الراقية يقصدها الطلبة من كل بلدان اوروربا.ويذكر ان الشاعر الاسباني لوركا كان قد سئل:هل تعتبر المرحلة العربية بتاريخ اسبانيا.. استعمارا؟ اجاب:المرحلة الوحيدة المضيئة في تاريخ اسبانيا هي المرحلة العربية، وما قبلها كان ظلاما.

ولقد شاهدت في زيارتي الأخيرة لأسبانيا ان الأسبان نحتوا التماثيل لأطباء ومفكرين وقادة عرب تكريما لهم، ليس لهم ذكر في زماننا هذا مع انهم ونحن.. عربا!

ما يعنينا هنا هو التنبيه الى ان لغتنا الجميلة تعيش محنة من اهلها نوجرها في خمس قضايا:

الأولى: ان البلدان التي نجحت في تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية، تم لها ذلك باعتماد لغتها القومية، ولك ان تستشهد بكوريا الجنوبية، فضلا عن الصين واليابان. فلقد كانت كوريا من افقر دول العالم فيما تعدّ الآن سابع دولة صناعيا. وفي كتابه (امبراطورية الكلمة.. تاريخ اللغة في العالم) يتوصل نيكولاس الى ان تاريخ العالم وامبراطوريته ما حدثت من خلال مساحة الوطن او اقتصاد الدولة او تعداد الشعب بل من خلال ازدهار اللغة وانحسارها من عصر الى آخر.ولقد اكتشف الأنثروبولوجيون أن اللغة هي المعبر الأول بين حضارة سابقة وحضارة لاحقة، وأكد المؤرخون أن اللغة تمثل هوية الأمة، فيما الذي يجري الآن في العراق ان حضارته قد صابها انقطاع، وأن اللغة العربية تشكو من هزال، وانها تتعرض فيه الى انتكاسة خطيرة بظهور الهويات القاتلة.

الثانية:  صحيح ان الذين جاءوا الى الحكم احالوا الوطن الى خراب وحياة المواطن الى شقاء، لكننا ما كنّا نتصور ان اساءاتهم ستنال من لغتنا الجميلة.فكثير من المسؤولين السياسيين والنواب يرتكبون اخطاءا لغوية مخجلة حين يتحدثون، ويخطئون ليس فقط في اسم كان وخبر ان ورفع المجرور والمضاف اليه، بل حتى في املاء كلمات بسيطة.. ولك ان تطلع على فضائحهم اللغوية عبر الفيسبوك، فاحدهم بمنصب مدير عام يكتب شكرا بالنون هكذا (شكرن)، وآخر يكتب لكن هكذا (لاكن)!.

 والأساءة الاوسع انتشارا والأكثر خطرا ان فضائياتهم التي تجاوزت الخمسين، ترتكب اخطاءا فاحشة بحق اللغة. فمعظم العاملين فيها من المذيعين والمذيعات يرفعون المفعول وينصبون الفاعل والمجرور!.وتلك فاحشة ما حدثت في تاريخ المؤسسات الاعلامية العراقية.ففي السبعينيات، اعلنت مؤسسة الاذاعة والتلفزيون عن حاجتها الى مذيعين ومذيعات.. تقدم في حينها اكثر من (1200) من حملة البكلوريوس.. خضعوا الى اختبار من لجنة ضمت مديرها العام (محمد سعيد الصحاف)، ومدير اذاعة صوت العرب (سعد لبيب)، وكبير المذيعين سعاد الهرمزي، والراحلان الدكتور عبد المرسل الزيدي وبدري حسون فريد.. اجتاز الاختبار عشرة فقط!.وقد تلقينا نحن العشرة تدريبا بدورة اذاعية في اللغة والصوت والالقاء والدراما وتحرير الخبر لثلاثة اشهر! سمح لنا بعدها دخول الاستديو، لا كما يجري الآن.. ياتون بهم (بهنّ) من البيت الى الاستديو!

الثالثة: ان العرب عموما يتباهون بالتحدث بلغة اجنبية لاسيما الانجليزية، وشاعت في الامارات بشكل خاص ظاهرة اساءت جدا الى اللغة العربية هي ان من يتحدث بها يعدّ متخلفا، وان عليك التحدث بالانجليزية حتى مع العاملين في (المولات) مع انهم عربا!. وتشيع الآن في العراق ظاهرة التدريس باللغة الأنجليزية من رياض الأطفال..  وهذا جيد ومطلوب ان كان الهدف تعلمها بوصفها لغة ثانية، فيما الواضح هو تفضيلها على اللغة العربية.

الرابعة: ان العراقيين في بلدان المهجر الذين تجاوز عددهم السبعة ملايين، لا يتحدث معظمهم مع اطفالهم بلغتهم العربية حتى لو كانوا على مائدةالطعام!.. مع انهم يتلقون تعليمهم بلغة البلد الذي هم فيه، وان المطلوب من العائلة العراقية في المهجر ان تعمل على تنمية الشعور بالانتماء للوطن من خلال التحدث معهم باللغة العربية، وتذكيرهم بانها ما عادت (مخجلة) بعد ان اصبحت سادس لغة يعترف بها العالم. والتوصية ذاتها مطلوبة من الاسرة العراقية في الداخل.. بضرورة تشجيع اطفالهم على تعلم اللغة العربية الفصيحة.

والخامسة: ان جيل (الانترنت) من الأطفال والمراهقين والشباب، تولعوا بمفردات اللغات الاجنبية وتولد لديهم نفور من اللغة العربية، وشاعت بينهم مفردات من قبيل (كنسلها، دلّتها، سيفها.. ).. بعكس جيل السبعينيات الذين تربوا على برامج تلفزيونية تحبب لهم لغتهم مثل (لغتنا الجميلة) و (لغة الحروف.. جعفر السعدي بدور استاذ القواعد ومعه سهى سالم بدور الآنسة قواعد، ومحمد حسين عبد الرحيم الذي يحلم بأنه راى قوري فترد عليه الآنسة قواعد: ليس في لغتنا قوري بل ابريق الشاي)، وبرنامج المناهل.. الذي يبدأ بأغنية (هذي لغتي.. فوق الشفة كالأغنية.. المنـــــاهــل).. وأخرى يتذكرها ابناء ذالك الجيل وما تزال مطبوعة في ذاكرتي كوني كنت يومها مشرفا على برامج الأطفال. 

ما يؤلم حقا ان اللغة العربية كانت، في العراق تحديدا، حزينة في يوم الاحتفاء بفرحها.فلقد مرّ يومها باهتا على الصعيدين الرسمي والاعلامي.ذلك لأن معظم من في السلطة بين من يشعر بالنقص في علو شأن العلماء والأدباء، وبين جهلة لا يدركون ان جعل العربية لغة رسمية أمميا الى جانب خمس لغات عالمية فقط، يعدّ اعترافا بحيويتها وتطورها واعترافا بمساهمتها في تطوير الحضارة الانسانية عبر غزير عطاءات مفكريها وعلمائها واطبائها وادبائها، ولا يعنيهم تكريم علماء اللغة العربية في يومها، وليس في حساباتهم ولا يخطر على بالهم ما تفعله دول تحترم مفكريها. فالصين مثلا اعتمدت العشرين من نيسان يوم اللغة الصينية تخليدا لذكرى سانغ جيه مؤسس الأبجدية، وروسيا اعتمدت السادس من حزيران يوم اللغة الروسية تكريما لميلاد شاعرها الكساندر بوشكين، وبريطانيا اعتمدت الثالث والعشرين من نيسان تخليدا لوفاة ويليام شكسبير. والكارثة تكمن في ان ثقافة القبح التي اشاعها الاسلام السياسي قد شوهت كل جميل في الوطن.. حتى وجه لغتنا الجميلة، وأن على شباب التحرير أن يعيدوا لها حيويتها وبهاءها وايقاعها الموسيقي الذي يطرب كل السامعين!

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

عبد الحسين شعبانتنظر الغالبية الساحقة من الناشطين في ميدان حقوق الإنسان إلى الأديان باعتبارها نقيضاً لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي تتخذه الأوساط الدينية بشكل عام إزاء منظومة حقوق الإنسان، باعتبارها خارج دائرة الإيمان. ويرتفع الجدل حول "أحقية" كل فريق منهما وادعاءاته، في حين تُهمل المشتركات الإنسانية الجامعة لبني البشر، تلك التي تشكل عموداً محورياً للأديان أساسه الإنسان، الأمر الذي يقتضي البحث عن الجوامع المقرّبة وليس الفوارق المُباعدة.

في الدين حقوق للإنسان، مثلما في حقوق الإنسان قيمٌ دينية، وفي الكثير من الأحيان تستمد الحركة الحقوقية الإنسانية قوتها من المنابع الدينية المتأصلة فيها، وهو الأمر الذي ينبغي للعاملين في ميدان حقوق الإنسان إدراكه، لأنه يكسبهم قوة مهمة وأساسية، بل وحليفاً جديداً إلى جانب الشرعة الدولية، مثلما يُكسب الأديان ذاتها بُعداً أكثر إنسانية وتقدّماً ومدنية.

علينا أن نتذكر أن العديد من المعارك الكونية المتعلّقة بالحرّية والكرامة قادتها شخصيات من منابع دينية مثل المهاتما غاندي في الهند رائد المقاومة المدنية - اللّاعنفية والذي اغتيل في 30 يناير (كانون الثاني) 1948، وعبد الغفار خان  الذي شارك في المقاومة السلمية عبر سلاح " الصبر والاستقامة"  وأوسكار روميرو من السلفادور أحد أبرز روّاد لاهوت التحرير الذي اغتيل في العام 1980، ومارتن لوثر كينغ في الولايات المتحدة،  القس الذي قاد حركة الحقوق المدنية من أجل المساواة، والذي اغتيل في 4 أبريل (نيسان) 1968. وكان العديد من قادة حركة التحرّر الوطني ضد الاستعمار من رجال الدين المسلمين والمسيحيين وغيرهم من المؤمنين، ناشطين من أجل التحرّر والاستقلال والعدالة، وغالباً ما يقومون بذلك لإيمانهم الديني الذي يمنحهم قوة أخلاقية وروحية وشرعية شعبية.

لم أجد غضاضة في التلاقي بين حقوق الأديان وحقوق الإنسان، بل أعتبر ذلك أمراً طبيعياً وواجباً على  الطرفين تنميته بما يعزّز الكرامة الإنسانية المتأصلة في البشر، فالأديان عموماً تدعو إلى المحبة بين البشر واحترام حقوقهم بغض النظر عن اختلافاتهم، بما يعني توفير المستلزمات الضرورية لحماية منظومة الحقوق الإنسانية التي تسلّم بها الأديان، فأين تكمن الإشكالية إذاً؟

الإشكالية في استخدام الدين أحياناً لقمع الأصوات الشجاعة المطالبة بالتغيير، بل يتم تبرير القمع وانتهاك الحقوق ممالأة للحكام، وفي أحيان أخرى لخدمة مصالح خارجية، بما يلحق الضرر بحقوق الأديان والإنسان، سواء في الترويج للتعصّب ووليده التطرّف ونتاجهما العنف والإرهاب، مثلما يخطأ بعض نشطاء حقوق الإنسان  حين يعتبرون مثل هذا السلوك يمثّل الدين أو يعبّر عنه، فيكون رد فعلهم معاداة الدين في حين ينبغي عليهم مواصلة الكفاح ضد التعصّب والخرافة والتفسيرات الماضوية للدين بما فيها إضفاء صفة القداسة على ما يطلق عليه "رجال الدين".

وهكذا يبالغ بعض دعاة حقوق الإنسان في مجتمعاتنا العربية والمسلمة بالعلمانية ويضعونها نقيضاً للدين، وبالمقابل يستخدمها بعض المتدينين بصفتها رديفة للإلحاد، ويستند الفريق الأول إلى أن "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" لم يتضمن أي إشارة إلى الله، وينسون إن ذلك وضِعَ لتقبّل الناس هذا الإعلان على اختلاف دياناتهم بمن فيهم الذين بدون دين سماوي أو أرضي. ومثل هذا الأمر يقود إلى إبعاد أوساط واسعة مؤمنة بالله عن حقوق الإنسان والمشتركات الكثيرة التي تجمع المتدينين بالعلمانيين، لاسيّما كونهم بشرٌ مثلهم ولهم نفس الحقوق والواجبات والتطلّعات، حتى وإن كانت هناك بعض الجوانب الاختلافية العقائدية.

ويخطأ بعض الناشطين في حركات حقوق الإنسان حين يبعدون المتديّنين عن التواصل مع هذا الحقل المهم، مثلما يخطأ بعض المتدينين حين يعتبرون هذا الحقل خاص بالعلمانيين، ولذلك لا بدّ من تجسير العلاقة، بما يعزز الثقافة الحقوقية في الأوساط الدينية والمدنية، لكي لا تتسع الفجوة بين المجموعتين، فالدين هو وجهة نظر كونية تتضمن القيم المتأصلة في الإنسان بما فيها حياة الإنسان ونظام الكون وتطلعات المستقبل، إذْ أنّ خسارة حقوق الإنسان للأديان ستكون كبيرة جداً لما فيها من قوة روحية ومعنوية مؤثرة تستحوذ على عقول مليارات البشر، مثلما تكون حقوق الإنسان ضرورة لا غنى عنها لحماية المتدينين من الانتهاكات أيضاً لأسباب دينية أو مذهبية أو طائفية، وذلك عبر الدعوة لنظام يحترم حقوق الجميع ويؤكد على مبادئ المساواة والحق في تأدية الطقوس والشعائر الدينية بحرية.

وعلينا إدراك أن القوة الدينية التي لا ترتبط بالتزامات حقوق الإنسان تتحوّل إلى قوة شيطانية عمياء خطرة ومدمّرة مثلما هو "داعش" والجماعات الإرهابية، بغض النظر عن مسمياتها وشعاراتها،         فالبشر خلقوا من خالق واحد وهم سواسية عند الله، ويتمتعون بحقوق مشتركة ومتماثلة وهو ما تؤكده الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ولعلّ ذلك ما كان مثار حوار معمّق بدعوة من " منتدى التنمية والثقافة والحوار" و" حوار الأديان الدانيماركي- العربي" في أيانابا (قبرص) بحضور وازن لشخصيات فكرية وثقافية وحقوقية.

 

عبد الحسين شعبان - باحث ومفكر عربي