"توضأ بالمحبة قبل الماء، فإن الصلاة بقلب حاقد لا تجوز" - جلال الدين الرومي

هذه حكمة يتجلى فيها معنيان متباينان متضادان؛ الأول المعنى المطهّر للقلب المتجسد بالمحبة عند العرفاء والمتصوفة؛ جاء في المقطع الأول منها، والثاني المعنى المدنس أو الملوّث للقلب المتجسد بالكراهية، التي تفضي الى الحقد عند بعض العامة من الناس، ورد في المقطع الثاني منها.

قادني الفضول المعرفي للبحث المتواضع في معنى هذه الحكمة عند المتصوفة  والعرفاء، وإن كنت لستُ على اطلاع واسع على تراثهم. وليس المغزى من البحث تبني مقولة الرومي هذه بقدر ما أجد فيها معنىً جديدا للمحبة أود الخوض فيه، وقد فتح لي نافذة أطل من خلالها على باحة البحث عن معنى المحبة عند العامة سيما نحن في موسم المحبة... شهر رمضان الكريم.

المحبة مصطلح يختلف اللغويون في تفسيره، فبعض عبّر عنه بأنه أحد أسماء الحب، "المحبة أيضا أسما للحب"[1]، وبعض عبّر عنه بأنه أعم وأشمل من الحب، وبعض قال  إنه أخص من الحب الذي هو معنى شامل.

و"المحبة لغويا تعني الثبات واللزوم في الحب، أما معناها اصطلاحا فتعني الحب الطاهر، وهو ميل النفس الى ما تراه ساريا ووصولها في بعض الأحيان الى التعلق"[2].

المحبة في القرآن الكريم جاءت بثلاثة مسميات وهي المحبة والحب والمودة؛ فالمحبة وردت في الآية الكريمة (وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني)[3] والله جل وعلا هنا يخاطب فيها النبي موسى(ع)، وهي محبة من عامة الناس للنبي موسى. ووردت بعنوان الحب، كالحب المتبادل بين الله وعباده (يحبهم ويحبونه)[4]. ووردت بعنوان المودة؛ وهي خاصة بالجنسين الذي تتدخل فيه مصالح بيولوجية، وهي الحب الخاص بين الزوجين الذي يسكن صميم القلب كما ورد في القرآن الكريم (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة)[5]؛ وهو ليس محل بحثنا.

أما في السنة النبوية فقد احتلت المحبة حيّزا كبيرا وجاء على لسان الرسول(ص) الحديث القدسي" المتحابون في جلالي، لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء"، وفي موضع آخر،"والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أَوَلا أدلّكم على شيء اذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم".

ويعّرفها ابن القيم بقوله: "معاني الحب لا تعلم حقيقتها الاّ بذوقها ووجودها، وفرق بين الذوق والوجود، وبين التصور والعلم، والحدود والرسوم التي قيلت في المحبة صحيحة غير وافية بحقيقتها؛ بل هي إشارات وعلامات وتنبيهات"[6].

المحبة عند المتصوفة تعني" ميل القلوب" أو"الإيثار للمحبوب" أو"المحبة لذة في المخلوق واستهلاك في الخالق". [7]

وعرّفها ابن عربي بقوله "الحب صفة الوجود الموجود دوما في الوجود الاّ الله، فلا محب ولا محبوب الاّ الله عزوجل؛ فما في الوجود الاّ الحضرة الإلهية وهي ذاته وصفاته وأفعاله". وسئل الجنيد عن المحبة قال"كأسٌ لها وهجٌ اذا استقر في الحواس وسكن النفوس تلاشت"[8].

وفي الديانة المسيحية احتلت المحبة مركز الصدارة واعتبرت محورا لها وجاء في إنجيل يوحنا بأن "الله محبة"[9] ودعا المسيح (ع) الناس الى ممارسة المحبة حتى مع الأعداء.

المحبة أشمل من الحب، وهنا لا نعني بها الحب البيولوجي بين شخصين، بل هي أشمل وأطهر وأزكى وأسمى، وهي التي أطلق عليها ب"الحب الافلاطوني" المجرد من المصالح المادية، و "المحبة تعبر عن علاقة خالصة بين المحب والمحبوب لا يشوبها أي رغبات أو حاجات مادية بالمقابل"[10].

وهي على أنواع؛ منها محبة الله، والرسل والأنبياء، والصالحين، والأهل، والأصدقاء، و ما يكتنز به الكون من مظاهر مادية ومعنوية؛ لكن ما يهمنا هنا هي المحبة للآخر سواء المقدس أم غيرالمقدس عند المتصوفة والعوام.

النفس مركز المحبة

والنفس عند الفلاسفة لها تعريفات كثيرة نتعرّض لها باختصار؛ لأنها ليست هنا محل البحث؛ وأحد تعريفاتها أنها جوهر غير جرمي أي "ليست جسما ولا جزءا من  جسم ولا عَرَضا"[11]، وهي قابلة لإدراك الأمور العقلية والحسية بالقوة معا ثم بالفعل أخيرا على التمام و الكمال[12]،  ولها مراتب هي العقل الهيولاني[13]، والعقل بالملكة[14]، والعقل بالفعل[15]، والعقل المستفاد[16]  .

ويقسّم عالم النفس "سيجموند فرويد" النفس الى ثلاث بُنى؛ هي: الهو، والأنا، والأنا العليا. فا "الهو" الجزء الأساسي الذي ينشأ عنه فيما بعد الأنا والأنا العليا، ويتضمن جزئين هما: جزء فطري؛ وهو الغرائز الموروثة التي تمد الشخصية بالطاقة بما فيها "الأنا" و"الأنا العليا"، وجزء مكتسب؛ وهي العمليات العقلية المكبوتة التي منعها الأنا (الشعور) من الظهور. و"الهو" لا يراعي المنطق والأخلاق والواقع ويعمل بمبدأ اللذة وهو لا شعوري كلية. و"الأنا" هي شخصية المرء اعتدالا بين الهو والأنا العليا، فتقبل بعض التصرفات وتمارس الرغبات وفق قيم المجتمع والأخلاق، بينما "الأنا العليا" هي شخصية المرء في صورتها المتحفظة العقلانية، حيث أن أفعال المرء تتحكم فيها القيم الأخلاقية والمجتمعية والمبادئ مع البعد الكامل عن جميع الأفعال الغرائزية[17].

والنفس في القرآن الكريم وردت بعدة معانٍ، الأول بمعنى ذات الشيء وحقيقته ونفس الإنسان هي جملته من الجسم والروح، والثاني بمعنى الروح التي بها الحياة، والثالث بمعنى الضمير، والرابع صفة توجه الإنسان نحو الخير والشر، والخامس صفة في الإنسان ترافقه في حالة الإحساس وتفارقه في حالة النوم، والسادس بمعنى جنس الإنسان وفصيله[18]، وهي على أنواع  "النفس الأمارة"، وهي الأمارة بالسوء، وظيفتها التحريض على عمل المنكر وسيئات الأعمال(إن النفس لأمارة بالسوء)[19]؛ و"النفس اللوامة" وظيفتها اللوم وتأنيب ضمير صاحبها اذا أقدم على فعل سيء (ولا أقسم بالنفس اللوامة)[20]؛ و"النفس المطمئنة"، وهي التي هجرت المعاصي، فبلغت مرحلة الاطمئنان والراحة والطاعة التامة لله؛ و"النفس الراضية"، وهي القانعة بما قدمت؛ و"النفس المرضية" التي أرضاها الله بما قدمت من عمل الخير(يا أيها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية)[21]؛ و"النفس الملهمة" وهي التي ألهمها الله فعل الصالح والطالح؛ و"النفس الكاملة"، وهي التي سلكت سبيل الصلاح؛ فاستقرت وسكنت واستقامت.

لكن مسميات النفس عند المتصوفة هي خمسة: "الحيوانية" وهي نفس الطفل،  و"الأمارة"، وهي التي تميل بالطبيعة البشرية فتأمرها بالتدني والتسافل، و"اللوامة"، وهي المتيقظة، التي كلما أساءت استدركت وتداركت نور التنبيه الإلهي فتلوم نفسها وتؤوب الى ربها؛ و"المطمئنة"، وهي التي تنورت بنور القلب، وانخلعت  عنها الصفات الذميمة، وتوجهت بالقلب نحو الترقي الى جانب عالم القدس متنزهة عن الرجس؛ و"الملهمة"، وهي التي تفعل الخير بإلهام إلهي أو تفعل الشر بالإقضاء الطبيعي [22]؛ وأضيف اليها مسمى سادسا هو"النفس الكاملة"، وهي التي بلغت الكمال.

- حسب ظني - وأستند فيه الى الحديث القدسي الذي يخاطب فيه الله العقل(لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل فأقبلَ، ثم قال له أدبر فأدبرَ، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب الي منك، ولا أكملتك الاّ فيمن أحب، أما إني إياك آمر، وإياك أنهي، وإياك أُعاقب، وإياك أُثيب)،  فإن العقل أول مخلوقات الله، فهو المسؤول عن تبني موقف ما سواء سلبي أم إيجابي بعد تلقيه إيعازا من النفس. والنفس هي ميدان الصراع  بين المعاني المتضادة... بين الخير والشر، الحق والباطل، الصالح والطالح، الحسن والقبح، المحبة والكراهية...وغيرها الكثير، فهناك صراع الإرادات والرغبات والنزعات في داخل النفس. مثل النفس مثل المقود للسيارة، فهي القائد المتحكم والمتبصر وهي تختار الصح أو الخطأ، وظيفتها النظر والإحساس المعنوي بالشيء ايجابا أو سلبا؛ فهي تتحكم بالعقل وليس العكس؛ فتقوده نحو فعل الخير أو الشر. الصراع في داخل النفس محتدم بين المعاني المتناقضة، فإن استطاعت النفس الانتصار لصالح المعنى الإيجابي كالمحبة مثلا؛ فقد كسبت المعركة وأعطت إيعازا للعقل نحو تبنّيها، وإن انتهى الصراع لصالح المعنى السلبي كالكراهية مثلا؛ فقد قادت العقل نحو تبنّيها(ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها)[23] . فالنتيجة تنتهي بالعقل الذي به يعاقب الله وبه يثيب، وقد يكون معناه في الآية هو النفس (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها)[24].

يظهر هذه الحقيقة أبو حامد الغزالي بقوله "كل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك الاّ على وفقها لا محالة. وكل فعل يجري على الجوارح فإنه يرتفع منه أثر على القلب"[25].

المحبة عند الأنبياء

المحبة عند الأنبياء مفروغ منها، وتنتجها النفس الكاملة التي وصلت الى درجة الكمال والاتزان التام. تتجلى المحبة في نفوس الأنبياء بأفعالهم المتجلية بالطاعة المطلقة للمحبوب الذي هو الله، والتفاني من أجله؛ فالله جل وعلا اختار الأنبياء لمهمة النبوة؛ لأنه وجد في قلوبهم حبا له وتفانيا لأجله ومحبتهم مباشرة مكشوفة يحبهم ويحبونه، فالمحبة متبادلة بينه وبينهم. إذا تتبعنا سيرة بعض من الأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم لألفينا محبة الله حاضرة في قلوبهم وطاعته مطلقة، فمحبة النبي ابراهيم(ع) لله وتقديم ابنه قربانا له، هي أبرز تجلٍ لمحبة الله في نفوس الأنبياء. ومعاناة الأنبياء، وهم كثر في سبيل قيادة البشرية نحو الخير والكمال ومحبة الله، فالنبي موسى(ع)، مذ كان في المهد صبيا امتحنه الله فأوحى لأمه أن تلقيه في صندوق في النهر، وخاطبه الله بالآية الكريمة(وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني)، والمحبة التي وردت في القرآن الكريم مع النبي موسى هي محبة ملهَمة وملقاة على خَلْقه لنبيه لضرورة إلهية؛ ليكون نبيا للأمة، ومن بعدها تعرّض لأنواع من الابتلاءات، وصَبَر وهو أكثر أنبيائه ذكرا في القرآن الكريم، وغيره من الرسل والأنبياء الذين عانوا الكثير في مسيرة محبة الله، وكانوا كلهم محبين ومطيعين له كل بحسب ظرفه وزمانه.

هنا يُثار سؤال هو: إذا كان الأنبياء محبين ومطيعين لله فلماذا عصى النبي آدم ربه وهو أول أنبياء الله وأول خلقه؟، هل كان في معصيته صالح للبشرية أم طالح؟ وهل  كان ينطوي على النفس الكاملة التي انطوى عليها بقية الرسل والأنبياء؟، وهل كان يفقه المعصية التي ارتكبها، وانتهت به الى الهبوط من الجنة على الأرض؟ وهل إن أنبياء الله كانوا على نفس الدرجة من الخَلْق والخُلُق أم مختلفين حسب الزمان، وطبيعة الحياة، وتدرج وعي العقل عند المجتمعات؟

الإجابة عن التساؤلات يتطلب بحثا مطولا لكن يمكن القول إننا لا توجد لدينا معلومات مفصلة عن أول الأنبياء(آدم) وشخصه وطبيعته، والآية الكريمة أفصحت عن وضع المجتمع البشري في بدايات تكوينه (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين)[26]- حسب فهمنا – للآية إن العقل البشري سابقا كان بسيطا غير معقد، والمجتمع صغير وبدائي لا يحتاج الى تعدد النبوات والرسالات، ثم بعث الله رسله تترى كلا حسب ظروف وطبيعة مجتمعه، وزمانه، وجغرافية المكان. والتعدد ينتهي الى تدرّج في وعي وفهم ونضج عقول الناس، ومدى تقبّلهم للرسالات السماوية والمرسلين، والموضوع ليس محل بحثنا هنا.

المحبة عند العرفاء والمتصوفة

طبيعة النفس عند المتصوفة مختلفة عن نظيرتها عند عامة الناس؛ فالنفس عند المتصوفة هي ميدان جهاد، همهم إعدادها إعدادا معنويا، وهم مشغولون بها، وعن كل ما يمت بصلة للعالم الخارجي المادي. و-بحسب رأيي طبعا- فإن منطق العقل عند المتصوفة أقوى من منطق النفس؛ فالعقل يتمعن بعمق ووعي في الصراع الحاصل داخل النفس ثم اعطائها ايعازا باتخاذ موقف تجاه تبني المعنى الايجابي ونبذ المعنى السلبي، والعقل هو المسؤول عن حسم الصراع بين القوى المتضادة والمتناشزة في داخلها، لذلك ينتصر الصوفي على نفسه؛ فالعبودية عند الصوفي هي لله، وهي الأساس الذي ينفي الأنا(الأمارة بالسوء)، وحين تنفيها تبدأ النفس بالتدرج  على السلم المعنوي. النفس عند المتصوفة في سيرورة تصاعدية متدرجة، تخضع فيها لرياضات روحية، ووفقا لمحبة الله تسير النفس في مسالك الكمال حتى تبلغ مرحلة النفس الكاملة التي تؤدي بالسائر الى الطاعة المطلقة للحق تعالى، وتزيح الموانع بينها وبين نور ذاته المقدسة، فتنفصل ذات العابد وتذوب في ذات المعبود حتى تصل الى الفناء التام فيه، وتشتعل فيها جذوة محبة الله فيصبح القلب محلا لتجلي أوصاف الربوبية. و"تتلاشى الأبعاد غير الحسية التي يعبر عنها بالحجب بين الرب والمعبود، هي الطريقة التي تجعل العابد ينتقل من الحضور مع العبادة الى الحضور مع المعبود فيعبد الله كأنه يراه، ثم توصله الى مرتبة فناء العابد في المعبود، حيث يذوب بنور المحبة، فلا يبقى لنفسه شيء فيذهب المحب الفاني وتتجلى فيه أنوار المحبوب الباقي، أي يفنى عن نفسه ويبقى بربه"[27].

المتصوف أو العارف حينما يخوض تجربة السفر نحو الحق يُسمى (سالك)؛ لأنه يسلك أربعة أسفار معنوية متدرجة "يرحل السالك فيها من العالم السفلي الى العالم العلوي؛ فيسافر في قوس الصعود من عالم المادة لتنتهي رحلته الى الحق تعالى، وهي رحلة روحية ارتقائية تكاملية، يطوي فيها السالك الى الحق أربعة أسفار في مدارج تكامله المعنوي يمر عبرها بعدة منازل، ويرتقي من مرحلة الى أخرى يتصاعد من الدنيا الى ما هو أسمى وأكمل من السابقة، وهكذا حتى يصل الى غايته التي هي منتهى كل غاية وهو الحق سبحانه"[28]. فتنتهي رحلته بالفوز بساحة المحبوب؛ فينفصل السالك عن أناته وذاته ليتحد ويذوب في محبة الحق فينشغل به عما سواه. وبالطبع فإن إرادة الله تتدخل حسب طبيعة النفس، حين ترى من الصوفي رغبة جامحة في بلوغ الوصال والاتحاد بالمحبوب، فيّلبس الله قلبه بجلباب الربوبية، فيخلع عليه الصفات الجمالية استحقاقا ذاتيا له، فتسري فيه الأنوار الإلهية" النور جند القلب كما أن الظلمة جند النفس، فإذا أراد الله أن ينصر عبده أمده بجنود الأنوار، وقطع عنه مدد الظلم والأغيار"، "الأنوار مطايا القلوب والأسرار"، "ما يزال عبدي يتقرب اليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته ولئن أستعاذني لأعيذنه". وقال جل وعلا(عبدي أطعني تكن مَثَلي تقل للشيء كن فيكون). "حتى أقاموا عند باب حجرة القلب، وأخرجوا من قلوبهم كل ما سوى الله من جنة ونار، وأرواح وأجسام وغير ذلك، ليس لهم شأن سوى طلب الحق"[29].

والمحبة عند المتصوفة مكتفية بذاتها لا تأخذ ولا تعطي حسب تعبيرهم، ومفروغ منها. والمحبة لديهم هي الانقطاع التام والذوبان في حب الله والعروج في مسالك العشق والوجد الإلهي، وهو قد اختصر كل ألوان الحب والمحبة وهم أساسا مستغنون عن حب البشر أو محبتهم، فحينما "يجتمع نور العقل ونور القلب فهما مجتمعان بكلمة الله التي هي  المحبة" "الحق تعالى عندما يجعل عبدا لائقا بمقام القرب ويذيقه شراب لطف الأبد، يصفي ظاهره وباطنه من الرياء والنفاق، فلا يبقى لمحبة الأغيار في باطنه متسع، ويغدو مشاهدا للطف الخفي وينظر بعين الاعتبار في حقيقة الكون، وينظر للمصنوع الى الصانع، ويصل من المقدور الى القادر. واذ ذاك يمل المصنوعات وينشغل بمحبة الصانع. لا يبقى للدنيا خطر لديه ولا يبقى للعقبى مرور بخاطره. يغدو غذاؤه ذكر المحبوب، ويتباهى جسده بهيجان الشوق الى المعبود، ويذوب روحه في محبة المحبوب، لا وجه لديه للإعراض ولا عدة للإعتراض. وعندما يموت وتخرج حواسه الظاهرة عن دوران الفلك، تمتنع كل أعضائه عن حركة طبيعته، وهذا كله تغير للظاهر، لكن الباطن مملوء بالشوق والمحبة(أموات عند الخلق أحياء عند الرب) لدى الناس أموات ولدى الحق أحياء"[30].

يعبّر المتصوفة عن محبتهم للحق تعالى على لسان الحلاج المتصوف البغدادي:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا         نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرتني أبصرتَه              وإذا أبصرتَه كان أنا

روحه روحي وروحي روحه        من رأى روحين حلاّ  بدنا

والمعاني عند المتصوفة مُؤَوّلة لا تشبه المعاني التي نعني بها نحن العوام؛ فالصوم عندهم لا يعني الإمساك عن المفطرات، بل له رمزية تتمثل في الإمساك عن سائر الخلق، والانقطاع للمعشوق، ولها مفاهيم متعددة معبرة عن مسلكهم الروحي. والصوم هو معراج الى الحضرة الإلهية والانفصال عن كل ما سواها، الذي يضفي على قلوبهم نورانيته. "الصوم هو إشارة الى الامتناع عن استعمال المقتضيات البشرية ليتصف بصفات صمدية"[31]. و"كل ليلة للعارف بمنزلة ليلة القدر" لأن كل أيامه ولياليه وساعاته تدور حول محور محبة الحق تعالى.

المحبة عند العوام

النفس الأمارة، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة هذه الثلاث تتبادل الأدوار عند أغلب العامة من الناس. والمحبة عند عامة الناس مختلفة عن مثيلتها عند الأنبياء والمتصوفة. والمحبة كما عبرنا منجمها النفس، وهي شعور له درجات في النفس الإنسانية فبعض يبالغ بها، وبعض آخر يعتدل بها، وبعض آخر ليس بالضرورة أن يوجد حيزا لها في نفسه. والمحبة محورالصراع داخل النفس؛ فإن استطاعت أن تكسبها وتتجلبب بها فقد حسمت الصراع وتحققت سكينتها، وإن لم تحسم الصراع فقد تغلبت الكراهية على المحبة، والنفس هي في صورة النفس الأمارة " ان الخلق ليس فعل الجميل أو القبيح ولا القدرة على الجميل أو القبيح، والتمييز بين الجميل والقبيح، وانما هو الهيئة التي بها تستعد النفس لأن يصدر عنها الإمساك والبذل. فالخلق اذن هو عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة"[32].

مقولة جلال الدين الرومي "توضأ بالمحبة قبل الماء" فيها أمر بالتحلي بالمحبة، والأمر يتعلق هنا بالإرادة المتحكمة بالنفس البشرية، وهو أمر موجه بشكل مباشر الى تلامذته ومريديه. تعني المحبة التي لدى عامة الناس كأن تكون محبة لله أم لأي من خلقه، وتأخذ صورا وأشكالا مختلفة. محبة الله عند العوام يشوبها القلق والاضطراب، فهي مترددة قلقة غير ثابتة؛ تارة تكون مشوبة بالخوف والرهبة، وأخرى بالرغبة وجزيل الجزاء الأخروي على معنى محدد، يتجلى معناها في قول المتصوفة التالي: "مؤمن مضطرب! إذا صام المرء شهر رمضان كلّه باسم الله، وقدم خروفا أو عنزة كل عيد ليغفر الله له ذنوبه، واذا جاهد المرء طوال حياته ليحج الى بيت الله الحرام في مكة المكرمة، واذا سجد خمس مرات كل يوم على سجادة صلاة، وليس في قلبه مكان للمحبة، فما الفائدة من كل هذا العناء؟ فالايمان مجرد كلمة، إن لم تكن المحبة في جوهرها، فإنه يصبح رخوا، مترهلا، يخلو من أي حياة، غامضا وأجوف، ولا يمكنك أن تحس به حقا"[33].

بعضٌ من العامة تتجلى في نفوسهم محبة الله الحرة الخالصة التي لا يشوبها شيء سوى توحيد الله وتمجيده وشكره جل وعلا، ومحبة خلقه كذلك؛ وهم ممن يحملون النفس المطمئنة القارة الساكنة المستقرة. وهؤلاء محبون لله ومحبون للناس، ومحبة الله لديهم هي الشغل الشاغل. والمعاني عندهم فيها تأمل عميق. للإمام جعفر الصادق (ع) حديث عن معنى الصوم عند هذه الفئة من الناس؛ وهو"الصوم يميت مراد النفس وشهوة الطبع، وفيه صفاء القلب وطهارة الجوارح وعمارة الظاهر والباطن والشكر على النعم و الإحسان الى الفقراء وزيادة التضرع والخشوع والبكاء وجل الالتجاء الى الله وسبب انكسار الهمة وتخفيف السيئات وتضعيف الحسنات"[34].

في بعض الأحيان تكون المحبة عند بعض الناس طبعا ذاتيا للنفس وليس مكتسبا، فهي مبنية على كمال داخلي فطري، ونعني أن بعض الناس خُلقوا بالفطرة مجبولين على المحبة لمن حولهم، لكن قد تتدخل عوامل لها دور مؤثر في المحبة عند العوام؛ وهي:

البيئة الأولى: ونعني بها المنزل، فالمنزل له دور وأثر كبيران في النقش على صفحة حياة ساكنيه، خصوصا حينما يفيض عليهم معاني المحبة، والدفء، والاحتضان، والاهتمام، فيحملون أنفسا تتحلى بالشجاعة، والثقة العالية، والاتزان في شخصياتهم، وبالنتيجة ينفتح في نفوسهم حيز كبير لمحبة الآخرين.

قلب الطفل صفحة بيضاء، يستقبل العادات والأخلاق الحسنة والسيئة، ويستبطنها في وعيه وفي لا وعيه. وأهم عامل في البيئة الأولى الذي يؤسس للمحبة الكبرى هما الأبوان، فوجود أبوين محبين رحيمين يمنحان الإبن محبة كبيرة تحقق له سعادة على امتداد الحياة وتُشبع ذاته منها؛ وتمنحه قوة وشجاعة في تحقيق طموحاته ومآربه التي يريدها، ومواجهة المحيط الخارجي، وما فيه من تحديات ومخاطر ومخاوف. ويتحقق الأمان لديه نتيجة تلقيه حبا عظيما من المنزل وينشأ عليه آمنا مستقرا غير خائف ومتوجس.

وقد أكد بعض من متخصصي علم النفس أن الإحتضان والقبلة في المنزل الأول منذ الصغر لهما دور كبير في التنشئة السليمة للفرد، والقُبلة وفق تحليلهم هي أهم عوامل الإستقرار النفسي للفرد، وعلى المدى البعيد "كثير من الدراسات التي عملت بخصوص القبلة والاحتضان تؤكد أن الإنسان الذي ينشأ في بيت فيه تقبيل واحتضان يكون أصح نفسيا من الإنسان الذي ينشأ في بيت لا قبلة فيه ولا احتضان"[35].

إذا كبر الطفل وشبّ على المحبة التي تلقاها من حضنه الأول، واختزنها عقله الباطن؛ فإنها ستكبر معه، وستؤول به لتأسيس حياة آمنة قارة في المستقبل؛ فيما إذا اقترن بشريك حياة يحمل نفسا مشبعة بالمحبة، التي بدورها ستكون عامل خصب ونماء في العلاقة الاجتماعية مع باقي الأسر التي تربطهم معا جغرافية المكان. لكن كثيرا ما يقترن أحد الأبوين بشريك غير مشبع عاطفيا في طفولته، وهذا الاقتران يحدث خللا في منح المحبة بينهما، فضلا عن الطفل الذي ينشأ عليها، وستصل اليه مشوّهة وناقصة وتحدث خللا، وفراغا عاطفيا يفضي بدوره الى مشاكل على صعيد النفس أولا، والمجتمع ثانيا.

الشخص المشبع ذاتيا من حضنه الأول يستبطن المحبة في نفسه، وينفقها بسخاء على من حوله، والمجتمع كذلك؛ وإن منحها للمجتمع والحياة فإنها ضمن منظومة قيم اجتماعية ضرورية كان قد تلقّاها على بيئته الأولى؛ لتؤسس لحياة آمنة، مستقرة، متزنة. الشخص المشبع عاطفة ومحبة منذ الصغر يكون آمنا ومطمئن النفس، وسعيدا في نفس الوقت، لا يتمحور حول ذاته؛ فحبه ممنوح للناس وللمحيط، وحينما يمنح المحبة تُعَد له مكسبا مبهجا لنفسه، وليس همّا يقصد منه الأمان على ذاته أو اتقاء خطر محدق، فهو آمن ومطمئن.

إن الشخص المحروم من المحبة نتيجة خلل في السلوك الذي منشؤه إعاقة في التربية والتنشئة الأولى ينشأ ضعيف الشخصية، مهزوزا، وليس ذا ثقة عالية بالنفس، وغير شجاع، وغير مغامر، وانطوائيا يخاف الحياة. وحين يفقد المحبة في الصغر يستجديها من المحيط والناس عند الكبر بأي صورة؛ ليكون معترفا به؛ ليعوض ما فقد من محبة وأمان واحتضان في الصغر؛ فيعوضه من المحيط والمجتمع. وإذا لم يتلقَّ الشخص المحبة من حضنه الأول بشكل صحيح ويشبع ذاتيا منها، فهو لا يمكنه منحها لأحد؛ ف(فاقد الشيء لا يعطيه)، وإذا استطاع منح المحبة لمجتمع، أو لشخص بعينه فسوف تكون مشوهة، فضلا عن كونها صمامَ أمانٍ وحماية له من الأخطار الاجتماعية المحدقة؛ لأن محوره هو ذاته المنكمشة والانطواء عليها، وهو بالأحرى يعيش في سجن ذاته الذي لا يمهله فرصة عيش سعيدة تتحقق فيها الراحة والسكينة النفسية، وما زال في سجن الذات لا يستقبل المحبة الحقيقية من المحيط، ولا يمنحها ما لم يتحرر من ذاته، ويطلق سراحها، وإن تحرر فهو يحرر المحبة، والمحبة لا تقبل السجن وهي حيوية فعّالة؛ لأن المحبة من المفترض أن تكون ذات معيار واحد ومتكافئ من الطرفين. الخوف من منح المحبة من شخص محروم منها لشخص ما أو للمجتمع هو في حقيقته خوف من الفشل والضعف، أو الاستغلال من قبل بعض أفراده، وكل ذلك – حسب رأيي – هو ضعف في ذات الشخص وجبن؛ فالشجاع يعطي المحبة، والمحبة بنفسها قوة عظيمة، من الشخص ومن المجتمع على حد سواء، ويحاول ما بوسعه أن يداري شعور المحبة، ويمنحها المزيد من الجهود النفسية المضنية حتى يصل الى بر الأمان الذي هو هاجسه الدائمي مازال على قيد الحياة. توليد المحبة في القلوب الضعيفة صعب كونها تعاني نقصا منها منذ الصغر، ويكون إنفاقها للآخر صعبا، وشاقا، ومخيفا في نفس الوقت، ويعبر القرآن عن هذا الصنف من الناس بقوله (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بينهم)[36]. والألفة في الآية الكريمة تعني التأليف بين القلوب وجمعها على المحبة.

المحيط الخارجي

ونعني به الفضاء العام خارج المنزل، والمتضمن الناس والحياة وما يتعلق بهما.

في السابق كان المحيط الخارجي رحيما، وكانت الحياة تشوبها المعاني المضيئة؛ فالمحبة، والألفة، والتواد، والتضامن، وكلها تمنح الإنسان محبة لسواه وللمحيط؛ لأن إيقاع الحياة آنذاك كان مختلفا عن الزمن الحاضر؛ فالمادة ومظاهرها محدودة؛ وهو ما جعل المعاني تشرق في النفوس، وتتجلى مصاديقها العملية في حياة الناس. وبالطبع فإن المحيط إذا كان مشبعا محبة وتآلفا فإن الأفراد المتساكنين سيسود حياتهم الهدوء والسكينة والراحة؛ فإن في المحبة راحة النفوس وطمأنينتها. والناس آنذاك كانوا على قدر كبير من الشعور بالمسؤولية إزاء بيئتهم، فالمحبة هي من أولويات التساكن أولا، وهي تؤسس لحياة اجتماعية آمنة مطمئنة فهي مشتركة، ولابد أن تسودها المحبة والاحترام بعيدة عن المصالح المادية الصرفة. ومن المحبة يستمد أفراد المجتمع المتعايش القوة، وهي تكون منبع العطاء لحياة اجتماعية سعيدة، فالمحبة الحقيقية هي شجاعة، وأصالة، وحرية برغم كون المحبة تعني الألفة والوحدة التي تربطنا بالآخرين لكنها تطلق سراح الذات.

الشعارات التي يطلقها منظرو علم النفس والاجتماع، وأهل التصوف والعرفان هي موضع تأمل وتحليل، فالمعاني لا تلقّن - بنظري- في الكبر، والناس يتلقوْنها في مقتبل حياتهم وفي سنيّهم الأولى. التنظير لم يجدِ نفعا مع الكثيرين، أغلبنا يمر مرور العابرين حين نقرأ نظريات ومقولات لمشاهير في علوم الاجتماع والنفس والتصوف، وهي تلقينية مفروضة؛ لأن – حسب رأيي - النظريات في الأخلاق والقيم ما لم يعمل بها لا طائل من ورائها. بعض من متخصصي علم النفس يفعّلون مقولاتهم بالعمل، فيوجهون المرضى نحو الاندماج في المجتمع، والانخراط في العلاقات الإنسانية، لأن لها مردودا ايجابيا على الصحة النفسية للفرد؛ وقد حثّ الدكتور ألفرد أدلر "بتوجيه مرضاه النفسانيين الى الاهتمام بالناس الآخرين واندماجهم معهم ومساعدتهم، ويقول: متى فعل المريض ذلك فإنه يكون قد برئ من مرضه"[37].

ولا نخفي ما تحفل به الحياة الحاضرة من قيم مشوهة ممسوخة؛ فالمادة موجوة بإسراف، وهي حجبت عنا لذة الاستمتاع بنقاء المعاني وصفائها ونورانيتها، فضلا عن أن الاختلاف السائد بين البشر على أساس الأديان، والمعتقدات، والأفكار؛ أنتج القسوة، والحقد، والكراهية، والخداع، والمكر، والكذب، والكيد، والظلم. والإنسان اليوم حذر حينما يمنح المحبة للآخر، ومنبع الحذر والخوف هو تبدل الحياة وانقلاب موازين القيم والأخلاق، فلم تعد مقولة(أشعر بوعي كل شخص وكأنه وعيك أنت) أو(أحبب جارك كما تحب نفسك)؛ نعم كانت هذا المقولة وأمثالها سارية المفعول في الماضي، وهي اليوم صعبة عند الكثيرين، وعالمنا قائم على الحروب والشرور التي مصدرها القلوب غير المحبة، والكراهية تأتي من النفوس التي تألف الظلم، والظلم يأتي من الظلام أي السواد؛ وإذا منحت محبة لأحد فقد ارتدت قناعا كاذبا، وفيها تصنّع ونفاق يحمل بين طياته شرور الحياة الحاضرة.

وفي رأي الكثيرين أن منح المحبة بإسراف في حياتنا الحاضرة نابع من نفسٍ محبة للعبودية، فالمحب يكون فيها عبدا لشخص أو جماعة، و- نقول- لنسجن الذات في المحبة بدلا من سجنها بالكراهية، لأن المحبة تفيض على حاملها الراحة والسكينة والطمأنينة، والكراهية تجعل الذات مكبّلة بالشر، فضلا عن أن شعور الكراهية مؤلم للنفس وذو مردود سلبي عليها. والمحبة العامة للناس أيضا تنتج بدورها محبات للمحيط والطبيعة وبدورها تفرز حرصا وحفاظا عليهما. مع زيف الحياة وخدعها وحيلها فإن القلوب المحبة مضيئة، مبتهجة، ساكنة؛ بيضاء؛ والقلوب المبغضة مظلمة، متجهمة، مضطربة، سوداء.

نحو منحى جديد للمحبة

المحبة الأولى تنطلق من الله؛ فالله هو "المحبة" كما وصف نفسه، وهو نفخ المحبة في نفوس خلقه(ونفخنا فيه من روحنا)[38]؛ فهو منجم المحبة العظيمة والحرة غير المقيدة، المحبة عند الله واسعة وذات فضاء رحب وحر، لا يحدها دين، أو مسجد، أو كنيسة، أو دير، والله القائل في حديث قدسي(ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن). وهي المحبة التي ينطلق منها حب خَلق الله كيفما كانوا. والمحبة الأصلية التي تحملها القلوب المحبة لله هي المحبة العظيمة التي لا تحتمل القوالب الضيقة ولا التشييء، إذا شُيئت المحبة استحالت الى مادة للمقايضة، وخرجت من كونها معنى. هذه المحبة تجلت في إحدى جلاليات الرومي وهي"ذلك المسجد الذي انطوت عليه قلوب الأولياء هو مسجد للخلق كافة فهناك الله".

المحبة دينامية، حيوية، تتدفق من الذات الإنسانية لكل ما يحيطها من أفراد، ومجتمع، وطبيعة، وحياة، لأن منبعها الروح الأصيلة.

نحن اليوم أمام محنة حقيقية اجتاحت سكان الأرض، بعد جائحة"كورونا" التي هزّت الكرة الأرضية برمتها، ووحّدت العالم بأسره، ووضعته في حلبة صراع ومواجهة مع شيء هو ليس كائنا حيا، بعد أن نسى العالم حروبه، واختلافاته، وأعراقه، وأديانه، وانشغل في كيفية مواجهة خصمه على الأرض، فهل سيحتفل العالم بالانتصار عليه،  ويكسب المعركة، وتلتئم جراحاته التي خلّفتها الصراعات، ويلمّ شمله المشتت،  كما احتفل ثقب "الأوزون" بالتئامه فوق قطب الأرض الشمالي، والتم شمله؟

وهل يا ترى سوف تجتمع قلوب البشرية وتعيد تشييد بنى العلاقات الاجتماعية على أسس المحبة القوية التي تشدّها للأرض وللإنسانية جمعاء بعيدا عن التشرذم والاختلاف والتقاتل؟؛ وهي بارقة أمل في أن تنسى حروبها وعداواتها و(رب ضارة نافعة).

ومن هذا الذي ينطوي على نفس قوية هي منجم محبة خام نقية لها القدرة الخارقة على تكسير تكلّس النفوس واختزال كل اختلافات البشرالمتراكم عبر الأزمان نتيجة ظروف الحياة المتلونة التي اكتنفتها الانتصارات والانكسارات؟ وإذا تحلى بهذه النفس فهو الانسان ذو الروح البكْر القادر جدا على قيادة البشرية نحو شاطئ المحبة النقية والسلام والأمان ففيه الإنسانية الأصيلة.

أروع تجلٍ للمحبة الأصيلة ما ورد عن خطبة لجبران خليل جبران بلغة صوفية في كتابه "النبي" اقتطع نصا منها:

المحبة لا تعطي الاّ نفسها، ولا تأخذ الاّ من نفسها. المحبة لا تملك شيئا ولا تريد أن يملكها أحد لأن المحبة مكتفية بالمحبة. أما أنت إذا أحببت فلا تقل: إن الله في قلبي، بل قل: أنا في قلب الله.

 

بقلم: إنتزال الجبوري

...................................

[1]  ابن منظور. لسان العرب.

[2] امام، محمد علي محمد. المحبة.

[3] طه – 39.

[4]  المائدة – 54.

[5]  الروم- 21.

[6] بندق، د. صهباء محمد. الحب كيف نفهمه وكيف نمارسه. القاهرة: دار السلام، الطبعة الأولى، 2006، ص25.

[7]  أبي خزام، د. أنور فؤاد. معجم المصطلحات الصوفية. بيروت: مكتبة ناشرون، ط1، 1993، ص157.

[8] نفس المصدر والصفحة.

[9] انجيل يوحنا4:8.

[10] معجم المصطلحات الصوفية، ص157..

[11] مسكويه، أحمد بن محمد بن يعقوب. تهذيب الأخلاق. دراسة وتحقيق: عماد الهلالي. بغداد- بيروت: منشورات دار الجمل، ط1، 2011، ص238.

[12]نفس المصدر، ص239.

[13]  أي الاستعداد المحض لإدراك المعقولات بالقوة وخالية من الفعل. نفس المصدر والصفحة.

[14] أي الاستعداد لإدراك المعقولات أما بالفكر أو الحدس. نفس المصدر والصفحة.

[15] أي حضور المعقولات متى شاءت من غير طلب لحالة تكرار المشاهدات. نفس المصدر والصفحة.

[16] أي كمال النفس فالمعقولات حاصلة بالفعل مشاهدة، وشبهت بالمبادئ العالية، صائرة عالما عقليا يضاهي العالم العيني في الصورة لا في المواد. نفس المصدر والصفحة( نقلا  عن دغيم، سميح. موسوعة مصطلحات صدر الدين الشيرازي. بيروت: مكتبة ناشرون، 2004، ص934).

[17] موقع المعرفة الألكتروني.

[18] توفيق، محمد عز الدين. التأصيل الإسلامي للدراسات النفسية. القاهرة: دار السلام، ط2، 2002، ص64-65.

[19] يوسف – آية 53.

[20]  القيامة – آية 2.

[21] الفجر- الآيات 27-30.

[22]  أبي خزام، د. أنور فؤاد. مصدر متقدم، ص174.

[23] الشمس – الآيات 7-10.

[24]  الحج- 46.

[25]مبارك، زكي. الأخلاق عند الغزالي، ص133.

[26] البقرة- 213.

[27] بن أحمد، حسن. الحب ومحبة الله عند الصوفية. موقع نفحات.

[28]  الرفاعي، د. عبد الجبار. إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين. بيروت: دار التنوير، ط2، 2013، ص35.

[29] الرومي، جلال الدين.  المجالس السبعة. ترجمة وتقديم: د. عيسى علي العاكوب، دمشق: دار الفكر، 2004،ص113.

[30]  نفس المصدر، ص110-111.

[31] الجيلي، عبد الكريم. الإنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر، ج2، ص88.

[32] الغزالي، أبو حامد.  احياء علوم الدين. ج3، ص56.

[33] شمس الدين التبريزي. قواعد العشق الأربعين.

[34] خير الدين، عادل. العالم الفكري للإمام جعفرالصادق، ص169.

[35] الدريع، د . فوزية. القُبلة. منشورات الجمل، ط1، 2006، ص47.

[36] الأنفال- 63.

[37]  نجاتي، د. محمد عثمان. الحديث النبوي وعلم النفس. القاهرة: دار الشروق، ط2، 1993، ص85.

[38] الأنبياء- 91.

 

 

بليغ حمدي اسماعيلحينما بدأ الشعب المصري مشروعه القومي في التخلي عن الكتاب والقراءة بوجه عام، رافضين غير مستسلمين لمحاولات قرينة الرئيس المصري الأسبق سوزان مبارك ومجموعتها الثقافية المنتخبة لمشروع القراءة للجميع رغم أنه تضمن إصدار كتب رصينة بجانب عشرات الكتب الباهتة والتي شكلت عبئاً على عقل المواطن، كنت أعلم وقتها أن المد الثوري للفتوى لا ولن ينقطع، بل وسيصير شهوة لدى البعض من علماء الوطن العزيز .

وأصبح جملة هذا الشعب وتفصيله مؤهلين تماماً لتقبل أي ثقافة فقهية مسموعة أو مرئية أو في صورة كتيبات صغيرة لا تتجاوز الوريقات العشرة، المهم أنهم ينأون عن مغبة الكتاب الكبير والآراء الفقهية المتباينة والمسائل التي تنتظر تأويلاً وتحليلاً مضطرماً لها.

وحينئذ فقط أدركت لماذا كان يصر أصحاب هذه الآراء والفتاوى على محاربة كلمات بعينها مثل التأويل وظاهر النص وتفكيك الخطاب ؛ لأن مثل هذه العبارات والمواضعات ستحيل نتاجهم المسموع والمرئي إلى مقصلة العقل وهو ما يرفضونه أيضاً جملة وتفصيلاً .

ولأن واقعنا الديني الافتراضي نسبة إلى العالم الإلكتروني الافتراضي المعاش الآن أصبح يشبه السيرك ؛أي يقدم كل الفنون الممكنة وغير الممكنة تحت خيمة أو مظلة واحدة، ولكن مظلة الواقع المجتمعي ليست قماشية بل هي فوضوية تشبه الضباب الذي أصبح ملمحاً رئيساً من ملامح العقل المعاصر، ولن أدعي بأن كل من هب ودب على الأرض بقدميه يقدم لأنصاره فتاوى عجيبة، لا بل هناك بعض من الشيوخ ذوي العلوم الدينية الرصينة من ارتضى أن يعمل في السيرك المقام بالعقل المصري، ولكم تمنيت أن أريهم من تعليقات بعض أصدقائي العرب إزاء ما قدموه من فتاوى .

هذه الفتاوى التي طالما سمعتها تذكرت شاعر العربية الأوحد أبا الطيب أحمد المتنبي حينما قال عن مصر وأهلها: (وكم بمصر من المضحكات ضحك فيها كالبكا)، والدليل على ذلك ما طفق به بعض علماؤنا الأجلاء وشيوخنا الأبرار من آراء فقهية عقب اندلاع انتفاضة الشباب في يناير 2011  كضربات الجزاء القاتلة في الوقت بدل الضائع، مثلاً عدم جواز تزويج المصري ابنته لأي من أعضاء الحزب الوطني المنحل، لأنهم غير أمناء ومضيعون للأمانة، وأفسدوا الحياة  السياسية في مصر وساهموا في تضليل الشعب طوال ثلاثين عاماً وأنهم جميعاً قاموا بتصدير الغاز للكيان الصهيوني، وأنهم أرشدوا جمال مبارك إلى كيفية تهريب أموال المصريين إلى بنوك سويسرا.

وكم كنت  أشعر بالخجل وقتئذ وأنا أقرأ وأسمع مثل هذا اللغو وكانت مصر ساعتها تنجرف نحو هاوية سياسية، وفتنة طائفية، ومستقبل مزدحم بالاعتصامات والإضرابات والخلل الوظيفي والفساد الذي بالتأكيد تعدى الركب منذ سنين طويلة حتى تكلل هذا الانحدار بوصول جماعة الإخوان إلى سدة الحكم في مصر والسعي إلى ممارسة الاستلاب وكل صنوف التهميش والإقصاء والتمييز صوب كل من يخالف عقائد وأيديولوجيات تلك الجماعة.

والحمد لله أنني رأيت قبل الموت رجالاً يملكون صكوك رفض التوبة والغفران لخطايا لم يرتكبوها في الأصل، وأحمد الله كثيراً أيضاً أنني عرفت لماذا الخطاب الديني في مصر أصبح منعزلاً في جزيرة سرنديب أو سيلان أو بلاد تصنع من عاج الفيل الشوربة أو الحساء.

ومنهم من احترف هوس الحديث منذ سنوات حول أزمة تعيين المرأة قاضية بمجلس الدولة، وكثر الجدل واللغط حول هذه القضية التي أثيرت على صفحات الجرائد والمجلات بصورة محمومة لاسيما الصحف التابعة للتيارات الراديكالية وكذلك القنوات الفضائية الأكثر إعتاما وتعتيما، واستغلوا واستخدموا هؤلاء الأمراء وشيوخ التيارات والطوائف الدينية الضاربة في القدم مثل جماعات التكفير والهجرة والسلفية الجهادية وبالضرورة جماعة الإخوان كل الأسلحة في محاربة جواز تعيين المرأة قاضية .

فمنهم من حدد أهم المواصفات التي قام بتوصيفها المتقدمون دون المتأخرين من أمراء تيارات الإسلام السياسي  لاختيار القضاة شرط الذكورة، وهذا الشرط من أكثر المواصفات والشروط التي أثير حولها الجدل في الماضي قبل العصر الحاضر أي قبل شعارات تمكين المرأة والمواطنة وتفعيل دور المرأة في المجتمع والشراكة النسائية وغيرها من شعارات الألفية الجديدة.

وقد اختلف الفقهاء اختلافاً ضيقاً حيناً، واختلافاً واسعاً حيناً آخر، فمنهم من يرى عدم جواز ولاية المرأة للقضاء مطلقاً، وهذا هو رأي جمهور الفقهاء من العلماء المسلمين استناداً لحديث البخاري عن النبي (صلى الله عليه وسلم ): "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"  . ومنهم كابن حزم والطبري من يرى جواز ولاية المرأة للقضاء مطلقاً . وهناك فريق ثالث من الفقهاء وأغلبهم من الحنفية من يرى أن المرأة تجوز ولايتها في القضاء في غير الحدود وأحكام القصاص.

وفي مقابل هذا الرفض المطلق لقضاء المرأة، نجد فريقاً على الشاطئ الآخر مثل الفقيه المجدد ابن حزم يشير إلى تولية الفاروق عمر بن الخطاب الشفاء بنت عبد الله العدوية أمر الحسبة في السوق، وأن اختياره للشفاء جاء من باب مقاومتها المنكرات المتعلقة بالنساء في السوق . والمستقرئ لهذه الحادثة يستبين أن تعيينها جاء من باب الحسبة لا القضاء.

ولن أقول لأصحاب هذه الفتاوى العجيبة وأنصارهم قصص الصعود العلمي لإسرائيل، فسيقولون فوراً قاتلهم الله، ولن أحكي لهم حكايات الارتقاء الاقتصادي الهندي أو الماليزي أو التركي، فسيهرعون بالحكم عليهم بالعلمانية الماجنة الكافرة السافرة، لكن سأنتظر منهم رداً على حيرتي تجاه هذا التردي العلمي الحقيقي الذي نحياه ونحن بمواجهة الجائحة الكونية، وسأبقى على عجل في انتظار خطاب ديني يحترم عقلي ويشكل هويتي التي باتت مهددة بالفناء .

حقاً، سأدعي الصواب حينما سألني صديق لي عن سبب صدور مثل هذه الفتاوى فأجبت  : لقد اشترى الشعب المصري جهازاً لاستقبال القنوات الفضائية وأدار مفتاح التشغيل على قناة فضائية فراغية فظهر شيخ يصول ويجول ويكر ويفر ويدبر ويقبل من عل، وحينما طفق يبحث في ميدان التحرير وبين المعتصمين من فئات وطوائف الشعب المعترضة على أي شئ وكل شئ عن ريموت الجهاز كي يديره على قناة أخرى اكتشف أن الريموت نفسه ضاع، واستطرد الشيخ حديثه .

وإذا كان الجميع يتحدث هذه الآونة بل منذ ثمة عقود منصرمة أيضا عن التحديات التي تواجه الإسلام، لاسيما بعد حملات الهجوم عليه من بعض العناصر في الغرب، وأنه دين يدعو إلى التخلف والرجعية، وأؤكد أن الإسلام لن يعود إلى قوته المنشودة إلا من خلال جعل العبادة تتسع في معناها لتشمل بكل جدية واهتمام محاولات الكشف العلمي عن أسرار الكون كشفاً لا يقتصر على مجرد العلم في ذلته بتلك الأسرار، بل يجاوز ذلك إلى تحويل العلم إلى عمل.

ولكن بالرغم من هذا التقدم العلمي الإسلامي، نجح الاستعمار في إزكاء الثغرات الجاهلية في الأمة، كما نجح في تجزئة الوطن الإسلامي الكبير، وجعل منه كيانات صغيرة منفصلة، بهدف الحيلولة دون تماسك الأمة الإسلامية وتسخير مواردها الكلية في سبيل نهضة كلية في العالم الإسلامي.

ولم يعد خافياً على أحد من المسلمين المدركين لرسالة الإسلام في توحيد جهود المسلمين أن تمزيق العالم الإسلامي قد حال دون وشيجة إسلامية تجمع المسلمين، وبالتالي فقد حيل دون وجود وحدة اجتماعية تجمعهم، تؤازرها وحدة اقتصادية، فأدى ذلك إلى إضعافها اقتصادياً وسياسياً وعلمياً، وضياع طاقاتها البشرية، وضياع ثرواتهم في أسواق المال الأجنبية.

كذلك عمل الاستعمار على تربية الأجيال المسلمة في الأقطار الإسلامية على إبعادهم عن الإسلام، وسلخه من مفهومه الصحيح كدين شامل يعني بحياة المسلم وآخرته. وعلى هذا الأساس وضعوا سياسة التربية والتعليم في أقطار المسلمين بواسطة المستشرقين، ومن حذا حذوهم من أهل الأقطار الإسلامية نفسها، وقد رسموا سياستهم على أسس منها إضعاف الروح الدينية لدى الطلاب، والاهتمام بالمواد المدنية وتدريسها بمعزل عن الدراسات الدينية، مع العلم بأن الإسلام يدرس كل العلوم على أساس قاعدته الكلية، سواء كانت العلوم متعلقة بالمسائل الضرورية أو الحاجية. كما عمل على إشعار الطلاب منذ نعومة أظفارهم باستعلاء اللغة الأجنبية .

كما أن الأمة الإسلامية تواجه حملات التشويه والتزييف لديننا الحنيف، ومهمة هذه الحملات هدم المجتمع الإسلامي، وإقامة مجتمعات على شاكلة المجتمعات الأوروبية، وكذلك ما قام به زعماء الفتنة والتشويه من إدعاءات كاذبة مضلة بدءاً من أن القرآن الكريم من تأليف سلطة بشرية، وأن ما جاء به لا يزيد عن كونه نوعاً من الحيل.

إن دراسات المستشرقين حول القرآن الكريم لا تصدر عن العلم، بل تنحرف نتائجه عنه؛ لأنها عن هوى واعتقاد حاقد عن الإسلام، أو غير قادر عن فهمه. إن المستشرقين ينتمون إلى نوعين لا ثالث لهما؛ فالمستشرق إما أن يكون علمانياً مادياً لا يؤمن بالغيب، وإما أن يكون يهودياً لا يؤمن بصدق الرسالة الإسلامية التي أعقبت رسالته.

ويعمل الاستشراق على الحيلولة بين الشعوب وبين الإسلام، وذلك بحجب محاسن الإسلام وتشويه صورته؛ لإقناع الناس بعدم صلاحية الإسلام. هذا بالإضافة إلى فصل المسلمين عن جذورهم الثابتة الأصيلة بتشويه تلك الأصول، وعزلها عن مصادرها، والعمل على هدم الكيان الفردي والاجتماعي والنفسي والعقلي، وذلك للاستسلام أمام المستعمر وثقافته وفكره.

ومما لاشك فيه ـ ومن خلال استقراء التاريخ والواقع المشاهد ـ أن أساليب الكيد والحقد للإسلام قد تنوعت، وكثرت محاولات استئصاله عبر التاريخ قديماً وحديثاً، ولكن الحمد لله تبوء جميعها بالفشل في النهاية، لأن الله عز وجل قد تكفل بحفظ هذا الدين وأهله وأتباعه.

ومن الإدراك الواعي لهذه الأمة أن العودة إلى سياج الإسلام عقيدة ونظاماً هي مسألة مهمة، وأن الواجب الأكبر والسبيل الوحيد للإنقاذ من حياة الشتات هو أن نفهم الإسلام فهماً واعياً مشرفاً صائباً ونقياً وذلك بالتصديق الجازم بعقيدته. واستخدام الفرد المسلم الحقائق والمعلومات التي يستقيها من القرآن الكريم والسنة النبوية، ليربط بها الواقع فيصبح مفكراً إسلامياً قادراً على إيجاد الحلول الصحيحة لكافة المشكلات.

هذا بالإضافة إلى الاهتمام بالمرأة من حيث التربية الدينية والثقافة الإسلامية الصحيحة، لا تلك السائدة في الفضائيات الفراغية التي تعمل جاهدة على تلويث المرأة، وتدمير حياتها الأسرية والعملية. كما يجب أن تقوم أجهزة الإعلام برد الشبهات والدعاوى الباطلة الموجهة ضد الإسلام، وتوعية المسلمين بإخراجهم من موقف الضعف والدفاع، إلى موقف القوة والمجابهة.

وإذا كنا نعني بالتحديات التي تواجه الإسلام المعاصر، فينبغي أن نحذر المسلمين من النشاطات المعادية للإسلام والتي تتقنع في مؤتمرات ومؤسسات بأسماء مختلفة مثل نوادي الحياة، أو منتديات الصداقة. ولقد قدم الإسلام الحنيف نموذجاً أخلاقياً ثابتاً لمواجهة مثل هذه التحديات.

لقد قدم الإسلام مبادئ أخلاقية عامة تأتلف فيما بينها لتكون في مجملها نموذجاً أخلاقياً  يشكل قاعدة أساسية  لكل الممارسات العملية، ويتمثل هذا النموذج الأخلاقي في المحددات المعرفية التي تتمثل في العلم والمعرفة، كما تتمثل في المحددات السيكولوجية التي تتعلق بالإنسان والطبيعة البشرية كالإلزام والمسئولية والحرية وإرادة الاختيار.

كم يتجسدا النموذج الأخلاقي ـ أيضاً ـ في المحددات الجزائية التي تتعلق بجزاء الإنسان على أعماله من ثواب أو عقاب. أما المحددات العملية فتبين مدى اتساق سلوك الإنسان مع منظومة القيم الأخلاقية الإيجابية التي أمر الله بها من ناحية، واتساقه مع منظومة القيم السلبية التي نهى الله عنها من ناحية أخرى. فالممارسات العملية هي المحك الوحيد لاتساق سلوك الإنسان مع النظرية الأخلاقية في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

ومما لا شك فيه وجود عدد من العوامل والأسباب التي تدفعنا للتأكيد على النموذج الأخلاقي الثابت في الإسلام، من أهمها أن دراسة الأخلاق دراسة علمية دقيقة تؤدي إلى فهم أفضل لسلوك الأفراد والجماعات، وبالتالي القدرة على التعامل معه والعمل على تعديله للوصول به إلى مستوى معين أو لتحقيق أهداف محددة.

كما أن دراسة الجانب الأخلاقي في الإسلام والتأكيد عليه تنطوي على أهمية كبيرة فيما يتصل بإعادة تكوين الفرد المسلم السليم الذي بعد عن الإسلام حتى أصبح في كثير من الأحوال لا يحمل من الإسلام إلا اسمه، والذي خضع لتقاليد لا يعرف مصدرها، ولكنه يتبعها على أنها من الإسلام، وهي ليست من الإسلام في شئ.

والمستقرئ لظواهر المجتمعات العربية والإسلامية يدرك مدى تفشي ألوان متعددة ومتباينة من الرذائل، فتصور كثير من الناس، لاسيما غير المسلمين أن هذه الرذائل ترتبط بالإسلام مثل الجهل والحسد والبغضاء والطبقية والرشوة، وغيرها من الصفات الذميمة. لذا وجب على كل فرد مسلم ألا يقتصر على إبراز مبادئ الإسلام الخلقية فقط، لأن هذا لا يكفي لإعادة بناء الفرد والجماعة، بل لابد أن نجذب المسلمين إلى دائرة السلوك وفقاً لهذي المبادئ، وجذب المسلمين إلى دائرة السلوك الأخلاقي الإسلامي يحتاج إلى تكاتف القوى في المؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمعية. وهذا يحتاج إلى مرشدين ومفكرين وتنويريين قادرين على ربط المبادئ بالسلوك، أو بمعنى آخر قادرين على تضييق الهوة بين النظرية والتطبيق.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

حمزة بلحاج صالحعندما أنظر لاخواننا المشتغلين بفلسفة الدين وعلم الكلام الجديد وولعهم وهوسهم بالظاهرة الايمانية في تشاركها مع الإديان وبعض الفلسفات الايمانية. وتمسكهم بها كخلاص أوحدي يستبعد بقية الجهود أو يتفهها ويقلل من قيمتها ويتنكر لها، أراهم يقفون على سطوح المفاهيم وتشكلها دون حفر عميق وسبر لأغوارها.. وأراهم يقتبسون مثلا لا حصرا من موران الكثير من مفاهيمه دون صرامة ويقظة ايبستمولوجية في مسار وسيرورة تشكل المفاهيم عنده والحفر في جذورها ونواظمها ومرتكزاتها في كل مسارها التاريخي وتوظيفاتها ...

 رغم استبحار موران في علم الانسان والإناسة أي الانثربولوجيا وقضايا النسق والنهج وتوظيف العلوم والمعارف المتعددة في مقاربة الظاهرة المعقدة...

رغم جهوده في بعث مخابر البحث في النظم القيمية طبعا الأرضية بامتياز تطلعا لمطلق محايث وارضي وترابي...

نجد موران كفيلسوف وسوسيولوجي وإناسي قد عجز عن بناء تعريف ورؤية مستقلة للحياة ونراه في النهاية قد لخصها في التطورية-الفوضوية الباكونينية الجذور والبرودونية الإرهاص نسبة الى " برودون " باعتباره إرهاصا سابقا لفوضوية باكونين...

 كما يعتبر كروبوتكين تتويجا وتلخيصا لباكونين واستيعابا وتطويرا لنظريته التي تلاقحت مع التطورية الداروينية ومن عجز عن تلمسها في نصوصه عاد الى تلك الحوارات التي دارت بين كروبوتكين الروسي وداروين ...

ان كثيرا من العناصر البانية للمنجز الفلسفي تتعذر وتتمنع عن الظهور بجلاء في نصوص اصحابها للباحثين في ميتافيزيقا تكوين وبنية النص وأسسه ونواظمه ومرتكزاته...

وقد تفوت الباحث أن يتلقفها في منعطفات هامة كما هو الحال هنا في مراسلات بين كروبوتكين وداروين...

ولا يقوى نقد منظومات الأفكار علميا ويتمكن من النفاذ الى أسس النظم والعناصر البانية لها الا اذا استقل وتحرر الباحث من سطوة وهيمنة النسق وانفلت من قبضته...

وهذا نهجي الذي اشتغل عليه وأقوم في صمت على بناء وتشييد صرحه المنهجي وهو يقف متوسلا بكل النقود الداخلية والخارجية والهوامش والمراكز المعرفية...

إن التحرر من هيمنة النسق الفهمي السائد هي التي تحول دون الوقوف على انتظامات الفلاسفة والمفكرين داخل الأنساق كما هو الحال هنا بالنسبة لموران الذي رغم العطاء الهائل طيلة عمر طويل بقي سجين منظومة الفكر الغربي المادية وتحكمت في جميع إضافاته والتي تندرج تحت عنوان انطولوجي يمفهم الحياة تحت ناظم الفوضوية-التطورية...

أردت ايضا أن أقول لا تكفي أن تكون المشتركات عناوينا بل يجب ان تكون مفاهيما تناقش وتجدد...

واذا بقيت عناوينا كانت مجرد توافقات ومواثيق يجب أن تعمق لا علما ومعارف تحدد الوجهات الإيمانية وتعرف بالدين وبمعاني العقل والإنسان والإنسانية وتعالج الخواء الروحي...

والا فكل عنوان له إحالاته المفهومية والنظرية وأطره الانطولوجية ولا يسعفنا ان نقول انها التجربة الانسانية التي تجمعنا...

 فالتجارب الانسانية تؤطرها النظريات والفلسفات والمعارف (الأطر الإجتماعية للمعرفة - جورج غورفيتش) وتشجبها وتحرفها فلا يبقى منها الا الغلاف مشتركا...

ونحن نبحث عن الروح لا الغلاف فلاهوت غيرنا غير لاهوتنا...

التوافقات هي مواثيق للتعايش وأسقف مشتركة للسلم وليست بدائل دينية نتعبد بها لله...

ثم إن من جعلوا همهم ومركز اهتمامهم لاهوت الايمان وضعوا أنفسهم على حافة العلمانية وتبنوا كهنوتات الاديان الاخرى مبررا للنكوص فنكصوا وهم لا يشعرون...

وبات البون شاسعا بينهم وبين اسلام للحياة كلها ولسياسة الانسان في الدار الدنيا من اجل فوزه بالاخرة...

ليس هذا انغلاقا بل تحيزا تقتضيه طبيعة التدين لا يمنعنا من التعايش فقط وجب التفريق والتمييز ...

لقد تحولوا لى رهبان ألفاظ وانتزعوا العرفان من روحه وحولوه الى عرفان غنوصي شارد معلمن للدين...

وتوسلوا بعلم الكلام الجديد الذي بات لاهوتا اخر مشحونا برمزية اللاهوت الاخر الذي يبرر هذا المسعى الروحاني الخالي من بصمة الدين لمفاصل الحياة ...

 

حمزة بلحاج صالح

 

عقيل العبودتعد فكرة التداخل المطلق، أي تداخل الأجسام مع بعضها البعض، من الموضوعات المهمة في الفكر الرواقي.

ومن الضروري الإشارة هنا الى ان التداخل المطلق لا يلغي اويغير من الكيفيات بحسبهم، بل يتفاعل معها بحكم هذا النسيج الحركي من التوتر وهذا ما يميزه عن عن المركب، كونه في "حالة المركب يحدث تغيرا في الكيف، أي استحالة في الأجزاء المركبة"، المقطع الثاني السطر ٧-٨، ص٣٩

والمعنى ان كيفية العالم الذي نعيش فيه واحدة لا تحصل فيها استحالة، كما يحصل في تغيير الكيفيات اثر اختلاط الأجزاء المركبة.

والصورة هنا كما يبدو، هو ان العالم يبتدئ في تركيبته المادية على شاكلة نقطة صغيرة غير متلاشية، هي المركز ، وهذه النقطة الصغيرة تحيطها دوائر دون حدود بينها، وهكذا حتى تكبر رقعة هذا العالم بهيئة محيط كبير وفضاء شاسع متماسك، هذا الفضاء بحجمه الكبير الممتد الى نقطة المركز متداخل مع بعضه دون حدود تفصل بين إجزائه ومسمياته المتداخلة مع بعضها.

"التداخل بالنسبة الى شئ ، مهما قل حجمه، تداخل مطلق في كل الوجود. فيقول كريسفوس مثلا ان قطرة من النبيذ كافية ليس فقط لتلويث بحر بأكمله، بل ولتلويث العالم كله بأسره" السطر ٤-٧، ص ٤٠

وهذا معناه ان الأثر الذي تتركه قطرة النبيذ يشمل كل اجزاء هذا العالم ابتداء من المركز وانتهاء بالمحيط وبالعكس. وهذا التشبيه يفيد في تحليل التداخل المطلق بين الأجسام.

 

سيما وان هنالك ترجيحا للإعتقاد المادي في الأشياء والموضوعات، وذلك نابع من التصور الخاص بحركة المسميات، حيث أن مصدر هذه الحركة هو (التوتر) ما يسمى عندهم ب (التونوس). وهي عبارة عن عملية تداخلية حركية للنفوس بين المحيط والمركز حيث بحسب زعمهم انه ما دامت قضية هذا التداخل قائمة وفقا لحالة التوتر الذي يحدث في الماديات ، فإن جميع الصفات بما فيها الألوان تكون مادية، ولذلك فإن النفوس عندهم من الماديات، بما في ذلك معادلات السلوك الخاصة (بالفضائل والرذائل).

والتفسير كما يبدو لي هو ان الفضيلة عندهم والرذيلة اصلها توتر، والتوتر يخلق فعل، والفعل مصدره النفس، والنفس مادة، كونها متداخلة مع المحيط الذي تستقر فيه، وهذا المحيط هو بطبعه مادي، وعلى هذا الأساس فإن السلوك هو فعل مادي داخل محيط مادي، وبما ان الفضيلة والرذيلة من سنخ هذا النوع من الحركة، فأصلهما مادي لأنهما افعال حية ،وكل حي هو مادي إذ بحسب زعمهم. "ان كل ما يفعل فهو حي" المقطع الثاني، السطر ١٦، ص٤١

ومن المناسب هنا فإن مبدأ (الكرازيس) يعد من المبادئ التي يعتمد عليها الرواقيون في تفسير معنى التغيير في المركبات والأجسام والأخلاط والمخلوطات ذلك وفقا لهذه الصورة:

"بأن يحدث في الجسم امتداد، وذلك بذهاب النفوس من المركز الى المحيط، وان يحدث فيها تركز وتقلص بأن تعود من المحيط الى المركز" السطر ١٤-١٦ص٣٨

وهذا هو الأساس الذي اعتمده الرواقيون ليبرروا (النزعة المادية) التي آمنوا بها ذلك بإعتبار ان أي حركة من المركز الى المحيط وبالعكس تحدث انقلابا في الكيف وهذا الإنقلاب هو انقلاب مادي وأصل هذه الحركة هو التوتر الذي بسببه تحدث الحركة بين النفوس والأجسام.

"وفكرة النفوس أوالبنويماتا تلعب الدور الأكبر في تفسير الرواقيين لتكوين الأجسام ولما يحدث فيها من تغيرات. فهم يقولون إن هناك حركة جزر ومد في النفوس التي تخترق الأشياء، وهذه الحركة صفتها الرئيسية أنها على شكل توتر يسمونه باسم تونوس-...-بأن يحدث في الجسم امتداد، وذلك بذهاب النفوس من المركز إلى المحيط، وأن يحدث فيها تركز وتقلص بأن تعود من المحيط الى المركز" السطر ٩-١٦ ص ٣٨

ان الرواقيين هنا يبررون فكرة الفعل الحركي وإنتمائه الى الأجسام على انها صفة ملاصقة للنفس، وهذه الصفة هي التي تمنح ما ينتج عن هذه النفس ما يسمى بالماديات، فكل شئ مصدره النفس وهو مادي كونه متداخلا مع بعضه البعض ولا يوجد حد، اومسافة بين المتداخلات المادية لأنها تحصل بالتوتر داخل الأجسام.

فالنفس مثلا بحسب الفكر الرواقي من الماديات (والفضيلة والرذيلة) من الماديات ايضا، لأنهما من منشأ مادي، وهما نتاج هذا المنشأ الذي اصله التوتر، الذي يحصل داخل النفس والذي هو صفة ملازمة لها وبفعله يكون هنالك تكوينات جسمية مادية، وهذه التكوينات اجسام مادية. ص ٤١

حواشي:

"كما ان هذا المذهب من ناحية اخرى يفسر لنا تفسيرا واضحاً فكرة الفعل من بُعد، وهي الفكرة التي تلعب دوراً خطيراً جداً في الفيزياء منذ العصور القديمة حتى اليوم، فهم عن طريق مذهبهم في التداخل المطلق يقولون أن ليس في الواقع بُعد ، لأن الأشياء توجد توجد بعضها في بعض"السطر ٣-٧، ص ٤١

وهذا معناه ان فكرة رفض الفعل عن بُعد قائم على أساس مبدأ التداخل المطلق بين الأجسام، فالفعل عندهم جسم، وهذا الجسم غير مسبوق بجسم اخر، ولا يوجد (حد) بحسب زعمهم بين الأجسام.

مصطلحات مهمة مع المعاني:

أوالبنويماتا: النفوس وهي الفكرة التي اعتمدها الرواقيون في تفسير حركة الأجسام ومسمياتها

الكرازيس: التداخل المطلق بين الأجسام

تونوس: التوتر اوالحركة الذي بفعله يحصل التداخل المطلق (الكرازيس)

 

عقيل العبود

......................

هوامش

- دكتور عبد الرحمن بدوي، خريف الفكر اليوناني، السطر ٤-٧، ص ٤٠ فكرة الفعل عن بُعد

دكتور عبد الرحمن بدوي، خريف الفكر اليوناني، السطر ٩-١٦ ص ٣٨، فكرة النفوس عند الرواقيين

دكتور عبد الرحمن بدوي، خريف الفكر اليوناني، السطر ٣-٧، ص ٤١ ، فكرة " الفعل من بعد"

المقطع الثاني، السطر ١٦، ص٤١

دكتور عبد الرحمن بدوي، خريف الفكر اليوناني، السطر ١٤-١٦ص٣٨، فكرة النفوس عند الرواقيين

 

الطيب النقرالدكتور الترابي الذي تعقدت حياته ولم يتعقد عقله، كان من العسير أن تتحقق فلسفته التي يريد أن ينتهي إليها لعوامل عدة، أولها البون الشاسع في التفكير، فهو ما مهما تأنى في طلبه الذي يسعى إليه فلن يكون من السهل أن تتحقق بغيته التي كان ينشدها سواء في السياسة أو في النهج الديني الذي كان يرى أنه من الواجب أن يحصى ويستقصى، والشعب الذي ينحدر منه يريد أن يحيا الحياة التي عاشها أسلافهم، ولا يسلكوا طريق إلاّ الذين سبقوهم، وقد دأب هو أن ينتقد كسلهم الفكري هذا انتقاداً عنيفاً ولا يتحرج في التعريض به في فصول كتبه التي دونها، هو يريد أن يمس عقائد أهله بالتغيير والتبديل، وهم لا يريدون صيغة أخرى لتلك المسلمات التي يعتقدون فيها اعتقاداً راسخاً، كما أن حياتهم السياسية لا تعرف الإذعان، والدكتور الترابي يؤمن بأن العربي الساذج في مجاهيل الصحراء قبل البعثة كان يدرك أن الطاعة التي يذعن إليها عن رضا أو عن كره هي التي تجعل قبيلته تتوقل في معارج الشرف وأعراف المجد.

لقد كان هناك تفاوتاً كبيراً بين الطريقة التي يفكر بها الدكتور الترابي وبين غيره، فالناس كانوا يجدون شيئاً من العسر في فهم تفكير الترابي ومراميه، ونستطيع أن نذهب هذا المذهب في تأويل كل المصاعب التي واجهت الدكتور الترابي سواء في السياسة أو في الفكر أو في الفتيا، فدائماً ما يزهد الناس في بضاعة الدكتور الترابي ولا يستكثروا منها لأنهم يجهلون قيمتها ولا يعرفون من أي القمم تنحدر، ولعل هذا حظ شائع عرفناه في طبقات العلماء الذين لا يستطيع الناس أن يتوافقوا مع أحاديثهم وأفكارهم، ويروا أنها غامضة مضطربة، وبعبارة بالغة في الدقة لا تلائم كل الملاءمة لزوم حياتهم وقسوتها.

والمقام هذا يجعلنا نستحضر مقال الكاتب الصحفي الأستاذ جمال عنقرة، الذي تحدث عن جماعة من الإخوان في المحروسة كانوا ناقمين على الدكتور الترابي ولم يكتفوا بحملاتهم المحمومة ضده، فتوجهوا إلى الشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله حتى يساندهم في حملتهم الضارية على الترابي، ولكن الشيخ كشك ردهم قائلاً:" الشيخ حسن ده راجل فقيه، وأنا لست في مقام التعليق على أرائه الفقهية، وعالماً آخر من علماء المحروسة ذهبوا إليه فقال:" الدكتور الترابي يكتب إلى جيل لم يأتي بعد" ثم ألفّ الشيخ محمد الغزالي بهذه المناسبة كتاباً أسماه" دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين" ناقش فيه آراء الدكتور الترابي بجسارة فاقت كل الحدود،  ولما انتقده بعض المتشددين أصدر كتاباً ثانياً أسماه" السنة النبوية بين أهل الفقه والحديث" الأمر الذي قاد لمنعه من زيارة المملكة العربية السعودية، وتمّ حظر هذين الكتابين وبقية كتبه، وبعد مدة طالت أو قصرت فاز الشيخ الغزالي رحمه الله بجائزة الملك فيصل، فرفع الملك فهد بن عبد العزيز عن الكتب وصاحبها الحظر فذهب الشيخ الغزالي إلى السعودية واستلم الجائزة".

شيء آخر جعل الكثير من الناس لا تتصل حياتهم بالدكتور الترابي اتصالاً قوياً ولا بمؤلفاته التي أنفق فيها بياض أيامه وسواد لياليه، أن الدكتور الترابي لم تخلو حياته من خصومات متصلة وحروب تندلع حيناً وسلام ينعقد في أحايين أخرى بسبب السياسة، ولعل هذه الخصائص ليست قاصرة على الدكتور الترابي رحمه الله، فهذا هو ديدن كل الساسة وهذه هي طبيعة حياتهم، فنحن نعلم إلى أي حد أبعدت المشاحنات السياسية الناس عن شخصية الدكتور الترابي وأقصتهم عن فكره، كما أن الكثير من شيعة الترابي حتى لم يهتدوا إلى نفسه أيضاً رغم معرفتهم بأنه شخصية مهيبة الجانب، عظيمة الدراية، لأنهم أجروا حياتهم على قواف مختلفة تقبل وتدبر بحجم المنفعة التي يرتجونها، فالعوائد وحدها هي التي تتصل بأفئدتهم وليست القيم والمبادئ، وهؤلاء حال الدكتور الترابي معهم كحال المثل الذي أجراه الله وبسطه في كتابه الجليل الجامع الذي لا حشو فيه ولا ركاكة قال تعالى:"وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" سورة النحل:76.

وقد علق ابن القيم رحمه الله على هذا المثل القرآني بقوله: "إذا كان لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر على شيء وغني موسع عليه ينفق مما رزقه الله فكيف تجعلون الصنم الذي هو أسوأ حالاً من هذا العبد شريكاً لله وكذلك إذا كان لا يستوي عندكم رجلان أحدهما أبكم لا يعقل ولا ينطق وهو مع ذلك عاجز لا يقدر على شيء. وآخر على طريق مستقيم في أقواله وأفعاله وهو آمر بالعدل عامل به لأنه على صراط مستقيم فكيف تسوون بين الله وبين الصنم في العبادة" لقد تركت جماعات عديدة الشيخ القديم العهد بالحركة الإسلامية، البعيد السابقة بالاستقامة والنزاهة والورع، وانساقت وراء فئة تقف هذه الجماعات نفسها منها موقف التردد وتعلم لو أن هذه الفئة ثبت لها سند صحيح أو قريب من الصحيح في كيان الحركة الإسلامية فهي لا تتردد في القطع بأن هذه الفئة التي ناوأت الشيخ وأقصته لا حظ لها من العفة والإجادة والإتقان مثلما للشيخ،  وأن الشيخ صادق كل الصدق في حديثه عن الفساد الذي طرأ على قيادات الإسلاميين والمسؤولين، وأنه أيضاً بعيد كل البعد من إذكاء هذه النار التي بعثها القيظ، لقد تحدث الترابي عن الفساد الذي وصلت إليه أمور الدولة، وصور بأحاديثه حجم هذا الفساد من جميع نواحيه الفردية والاجتماعية، واضطر أن يضيف لهذه الأحاديث خيبة أمله في الجماعة التي انتقاها وأوكل إليها أمر قيادة البلد، كان الدكتور الترابي في أحاديثه هذه يستدل بمنهجه الجلي الواضح عن تلك المناهج التي خاضت في الكذب والتدليس، وحتى لا نطيل ولا نسرف نقول أن حظ الشيخ من التصديق والمؤازرة كان مثل حظ غيره ممن سبقوه من الثقات المخلصين الذين لا يبغضون شيئاً كما يبغضون السفاهة والفسق والضلال وحصد النزوات، فكان فمن الطبيعي أن يميل عنه الناس إلى شخص آخر بيده النفوذ والسلطة حتى لو كان عاجزاً لا يقدر على شيء.

أمر آخر جعل الناس لا تسيغ فكر الدكتور الترابي ولا تدانيه، أن سعة معارفه حببت إليه الغريب بصورة أو بأخرى وجعلته إلى حد بعيد جداً متأثراً بالمعاظلة والتعقيد في مؤلفاته التي لم يكن يبذل فيها جهداً عنيفاً، مؤلفات الدكتور الترابي التي تشابه أحاديثه التي كان يهضب بها في سوح السياسة والدين لم تكن بسيطة ولا يسيرة للكثير من أبناء جلدته، وهي خاضعة لسلطان ثقافته التي لم يتقلص ظلها رغم انغماسه في عدة نواحي، لقد تحققت إذن هذه الحكمة التي تقول "أن الناس أعداء ما جهلوا" فجلّ من لم تنشأ صلات وثيقة بينهم وبين جزالة اللغة العربية وآدابها، وقنع بتلك العامية الساذجة السمجة التي يتحدثها والتي أثرت في عقله تأثيراً عظيماً، لن يكلف بكتب الترابي ولا بصاحبها، هذه هي الأسباب التي جعلت مؤلفات الدكتور الترابي محصورة بين العلماء وبين من يبذلون جهداً مقدراً لهضم مصنفات ظلت كما هي تعيد ما تبدأ وتبدأ ما تعيد كما يقول عميد الأدب العربي، فمحاور فكر الدكتور الترابي تدور حول التوحيد وتجديد الفكر العقدي الإسلامي وقضايا المرأة والشورى والديمقراطية، كم كنا نتوق أن ننتفع بهذه العقلية المتفردة في فروع الحياة المختلفة، ونجد له مؤلفات في ميادين لا نستطيع بوجه من الوجوه أن نقرر في أمرها شيئاً، نعم كنا نريد منه أن يتحفنا برؤية متكاملة في تلك المواضيع التي يجب أن تعتمد في البت فيها على الجدال والنضال بالحجة، لا بأشياء تضطرنا إلى الصيال الذي يبلغ الرعونة و الإسفاف .

ونحن لا ندري هل كان الدكتور الترابي شديد الاعتماد على حواسه عند تأليفه لكتبه وأسفاره، فالشيء الراجح أن معظم هذه الرسائل والمتون كانت شديدة الاتصال بعقله، فالألفاظ المتينة الرصينة لا نجد عاطفة تحركها خلا النزعة الدينية التي ينتصر لها، لم يفصح الدكتور الترابي عن دخيلة نفسه فيما يكتب كثيراً، فكتاباته لا تفيض بما تفيض به النفس في العادة، فنحن نرى دائماً تقبله للقدر، وإذعانه للقضاء، دون أن نرى مجالاً للجزع أو الحسرة، لم نرى الدكتور الترابي يعود كثيراً إلى أعماق نفسه يستثير عواطفها ويدفعها دفعاً لما يستدر مآقيه رغم أن حياته حافلة بطوائف من الشجا والحزن، لم يكن الدكتور الترابي يمنح كتاباته رقة أو عذوبه لأنه لا يكترث بالصور المادية في فكره ومؤلفاته، القليل فقط من التفصيلات الدقيقة التي نجدها هنا وهناك والتي لا يستطيع أي شخص رصدها إلاّ في مشقة وجهد، ولعل عظمة مكانة العقل عند الدكتور الترابي واعتداده به هي التي حجبت الحواس الأخرى وأضعفتها في وضائعه ومجلداته، فالغاية التي يرتجيها الشيخ هو أن يقيم حجته ويثبتها ويجعلها داحضة على خصومه، وصناعة الحجة وبلورتها تستدعى العقل في الغالب الذي يصاول ويناضل، ومهما اختلفت ذائقتنا لفكر وكتب الدكتور الترابي وحواشيه، فهناك حقيقة نحسها ونشعر بها وهو الإعجاب بفلسفتها ومنطقها رغم خلوها في الكثير الأعمّ من العاطفة والرواء.

 

الطيب النقر

 

سليم جواد الفهدتأملات في الفكر السياسي الإسلامي (13)

هذا هو المحور الثالث والأخير من محاور (القرآن والعدل والمساواة) وصلنا في التأملات السابقة الى تقرير أن العدالة تقوم على قاعدة الإنصاف وهي قاعدة تقتضي من جهة حق كل شخص في (المساواة) ومن جهة أخرى قاعدة للحرية الإنسانية التي تتأسس عليها المسؤولية والحرية من أهم حقوق الإنسان العاقل وقيد العاقل هنا مهم جدا لأن المجنون فاقد للعقل ولذلك فهو لا يمتلك الإرادة ومن لا يمتلك الإرادة لا تنفعه الحرية.

الحق في الاعتقاد:

ألغى النص القرآني حق الاعتقاد بغير الإسلام على ثلاثة مستويات:

المستوى الأول: داخلي يخص المسلمين وهو حد (الردة) فمن أرتد عن دين الإسلام يخسر الدنيا والآخرة بنص القرآن ويقتل بنص الفقهاء.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (المائدة54).

(وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة217).

﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾. (النحل (106).

والنص القرآني كما هو واضح يخلو من حد القتل واكتفى بالتهديد والوعيد الاخروي إلا أن الفقهاء أجمعوا على قتل المرتد شيعة وسنة معتمدين على السنة في استنباط حكم الردة. ومن خلال مناقشاتي مع المثقفين والمتعلمين الشيعة تبين لي أنهم يجهلون التشدد والتطرف في أحكام الفقه الجعفري ويظنون أن المذهب الجعفري مذهب معتدل والحقيقة أن المذهب الجعفري له آراء متشددة ومن هذه الآراء رأيه في حكم المرتد الذي يجري تكفيره فهو أقسى وأقل رحمة من الفقه السني. ففي الفقه السني لا ينفذ حكم الردة فوراً بالمتهم حتى لو توافر الدليل القاطع ضده بل يستتاب ثلاث مرات ويترك ثلاثة أيام لا يقطع عنه الطعام والشراب فإذا أصر على كفره وارتداده عن الإسلام نفذ فيه حكم المرتد وهو (قطع الرأس) أما المذهب الجعفري الاثني عشري فيضع فروق بين المسلم بالولادة ويسمونه (الفطري) والمسلم بالهداية ويسمونه (الملي) ويعني الذي دخل الى الإسلام من ملة أخرى أما الاستتابة عندهم فهي للمرتد (الملي) فقط أما المسلم بالولادة (الفطري) فيقتل فوراً ودون استتابة.

"باب (حد المرتد): علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعا، عن ابن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن المرتد فقال: من رغب عن الاسلام وكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله بعد إسلامه فلا توبة له وقد وجب قلته وبانت منه امرأته ويقسم ما ترك على ولده". (الكافي - الشيخ الكليني - ج ٧ - الصفحة ٢٥٦).

المستوى الثاني: المشرك غير الكتابي وهذا ليس له إلا حد القتل فالمشرك الذي يمتنع عن الدخول في الإسلام يقتل بنص القرآن وتعليل ذلك أنه بلا دين يرجع إليه فلا خيار له إلا الإسلام أو القتل.

قال تعالى:( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها). (محمد 4).

(وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (36التوبة).

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾(التوبة 123).

(فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). (التوبة5).

(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ). (الانفال 12).

أحكام المشرك في التشريع الإسلامي:

1- المشرك لا يُقبل منه أي عمل مع الشرك.

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. [الزُّمَر: 65].

2- المشرك لا تحل مناكحته.

قال الله تعالى: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. [البقرة: 221].

3- المشرك حلال الدم والمال.

قال الله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. [التوبة: 5].

4- المشرك نجس لا يحل له دخول المسجد الحرام.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. [التوبة: 28].

5- المشرك لا يرث المسلم.

6- تحرم ذكاة المشرك، وتسقط ولايته ويسقط حقه في الحضانة لأنه كافر.

7- إذا مات المشرك على الشرك فإنه لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدعى له بالرحمة ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يورث لأنه كافر.

المستوى الثالث: غير المسلم الكتابي (يهود ونصارى) وهؤلاء يقسمون قسمين الأول الذين يقيمون إقامة دائمة في دولة الإسلام ويسمون (أهل الذمة) وهؤلاء وضعوا بين ثلاثة خيارات (الدخول في الإسلام أو دفع الجزية أو القتل). فما دام يدفع الجزية وهو صاغر فهو آمن على دمه وماله وعرضه والقسم الثاني المستأمنون وهم المعاهدون الذين يقيمون في دولة الإسلام دون الانضواء تحت حمايتها الدائمة ولهم ميثاق وعهد وقتي عندما ينتهي يجب أن يغادروا أو يجددوا العهد والميثاق.

 قال تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (التوبة 29).

{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85].

مسلم أم مواطن

الإيمان بهذه النصوص واعتبارها صالحة لكل زمان ومكان أي دون الإقرار بتاريخيتها يحول المؤمن بها الى كائن مسخ يعيش خارج التاريخ - وهذا ما يرده ضباع الإسلام السياسي- كمن يعيش في كهف في الوقت الحاضر والكهف الجغرافي هين إذا ما قورن بكهف النصوص لأن هذا الكهف في حقيقته أيديولوجيا أي نظام فكري شمولي نشأ في حقبة زمنية ولواقع لم يعد موجودا الآن وفي هذا العمى الإيديولوجي تكمن المصيبة فالمؤمن يرى في عقيدته صلاحية لما يقتضيه الواقع أو بتعبير أبسط يرى أن نظامه الفكري هو ما يجب تطبيقه لأنه هو الصائب باعتباره صادر من الله وأحكام الله لا تقبل التغيير والتبديل ولذلك تكون تطبيقات الأيديولوجيا الدينية ذات طابع وثوقي عند المؤمنين بها غير قابل للشك ولا يسمح لأحد بالاعتراض عليها. وفي نفس الوقت يكون المكون القيمي للأيديولوجيا الدينية عند المؤمن به مكوناً خالصاً يمثل أعلى ما يمكن أن يصبو إليه الفكر الإنساني وهذا الوعي الزائف عند المؤمن يجعله كالمصاب بالشيزوفرينيا فهو يحن الى ماضي لا يستعاد لأن الزمن لا يرجع الى الوراء وبنفس الوقت يتمسك بنصوص لا تصلح للحاضر وهذا ما يجعله بمعزل عن الواقع. واقع اليوم هو واقع المواطنة لا واقع الرعايا والراعي واقع اليوم يقول: الدين لله والوطن للجميع. واقع اليوم لا يسمح لك كمسلم عراقي أن تضطهد المسيحي العراقي وتجعله يدفع الجزية كي يعيش آمنا في وطنه هذا حق من حقوقه الطبيعية والوضعية.

الحق الطبيعي والحق الوضعي

غالبا ما يرجع الباحثون أول تمجيد للحقوق الإنسانية في الوثائق الدستورية القومية والعالمية الى نهاية القرن الثامن عشر وكان أول عمل قانوني من هذا النوع اكتسب شهرة عالمية هو (وثيقة فرجينيا) للحقوق سنة 1776 وهي عبارة عن إعلان الحقوق التي قاوم بها المستوطنون الأمريكيون مطالبة التاج البريطاني بالسلطة وهي أول دستور مكتوب يؤسس للحقوق الليبرالية الإنسانية بوصفها حقا دستوريا هذه الوثيقة كتبها توماس جيفرسون (1743- 1826). وقد نصت الوثيقة على حقوق الإنسان الطبيعية مثل حقه في الحياة والحرية وحقه في الأمن وعلى سيادة الشعب كمصدر للسلطات في المجتمع وعلى سيادة القانون كمظهر لإرادة الأمة وعلى المساواة بين جميع المواطنين أمام الشرائع والقوانين. (زكي نجيب محمود،حياة الفكر في العالم الجديد).

وبدأت الثورة الفرنسية "إعلان الحقوق الإنسانية "سنة 1789 وكان امانويل جوزيف سييس (1748- 1836) قد وضع وثيقة حقوق الإنسان تلك التي أقرتها الجمعية التأسيسية وأصدرتها كإعلان تاريخي ووثيقة سياسية واجتماعية ثورية في (26 آب/أغسطس 1789) بالاعتماد على نظريات جان جاك روسو (1712- 1778) وأنشأت دستور (1791) الذي جسد هذا الإعلان.

ومنذ ذلك التاريخ جرى تدويلها فدخلت مضامينها في ميثاق عصبة الأمم المتحدة سنة 1920 ثم في ميثاق الأمم المتحدة سنة 1945 ثم أفردت دوليا بوثيقة خاصة هي "الاعلان العالمي لميثاق حقوق الإنسان" الذي أقرته الأمم المتحدة في 10كانون الأول 1948.

"ومنذ ذلك الحين صارت الحقوق الإنسانية "القانون الدولي الإلزامي" ولاسيما في الميثاقين المتعلقين بالحقوق الإنسانية اللذين جرى الاتفاق عليهما بالإجماع في الأمم المتحدة سنة1966 وأصبحا نافذي المفعول سنة 1976 والميثاقان مترابطان قانونيا ولكن الدول الأخرى يجب أن تترك نفسها تحاكم وفقا للمعايير التي تشتمل عليها".(كريله،الحقوق الإنسانية في ميثاقي القانون الدولي للأمم المتحدة ص17).

يعرف الحق بأنه المطابقة والموافقة للواقع وشرطه ثبوت واقع معين بحيث تكون مطابقته حقا أي صدقا وموافقة وعدمها كذبا وباطلا لوضوح مقابلة الحق مع الباطل والصدق مع الكذب فلا معنى لكلمة الحق والباطل من دون واقع وراءها تعبر عنه وتحاكيه.

وقد قصدنا بالحق الطبيعي عالم الطبيعة والتكوين وما يتمتع به الإنسان من امكانات وقدرات تتناسب وطبيعته التكوينية فالحق في هذه الحالة هو السير وفق السنن التكوينية التي تنطبق على ذاته. مثل الاكل والشراب والمسكن ومما يحتاجه الإنسان من أمور تحفظ بقاءه وتضمن له الحياة فيقال مثلا أن من حقه أن يعيش وأن يبقى على قيد الحياة وهذا النوع من الحق غير قابل للجعل والاعتبار وبالتالي فإن أي تصرف أو تلاعب فيه سوف يؤدي لا محالة إلى القضاء عليه وهو عين الفساد. وقصدنا بالحق الوضعي أن يكون الواقع جعليا اعتباريا بمعنى انه خاضع لجعل جاعل واعتبار معتبر وفي هذه الحالة تكون حدود الواقع مختلفة سعة وضيقا بحسب الجعل والوضع الذي افترضه له الجاعل بمعنى أنها تابعة لنفس الجعل ومحددة بحدوده المفترضة وهذا من قبيل القوانين والتشريعات التي تضعها الدول والمؤسسات لتنظيم شؤون المنضوين تحت لوائها وسلطتها كقانون الملكية والزواج وسائر العقود والإيقاعات المرتبطة بحياتهم او سلوكياتهم.

طبعا من المفروغ منه أنه لا معنى للتصرف زيادة ونقيصة في الحق الطبيعي والعلة أن الإنسان بل كل كائن في هذا العالم مرهون لمقتضيات سنن التكوين التي لا يمكن تخطيه أو الخروج من دائرته لخروجها عن دائرة قدراته وطاقاته فمثلا لا يمكن جعل الإنسان قادرا على الطيران أو في غنى عن التنفس أو المأكل والمشرب وأمثال ذلك.

وأما الحق الوضعي فيختلف لأنه خاضعا للجعل والاعتبار يفرضه تنظيم حياة الناس فهو يتوقف على ملاكات وأسباب تصحح جعله ووضعها في معرض التنفيذ. والقاعدة الأساسية التي تحكم هذه الملاكات هي مصلحة النوع البشري على العموم سواء في بعده الفردي أم الجماعي وهو ما يرتبط ارتباطا مباشرا بالإنسان وتحقيق السعادة الحقيقية للنوع الإنساني برمته.

إن انتماء الإنسان إلى عالم الطبيعة وكونه جزء لا يتجزأ منها يدل على أن قوانين الطبيعة يجب أن تكون هي المعيار والنموذج الموجه لكل سلوكنا وأفعالنا وأن حقوق الأفراد شأنها في ذلك شأن حقوق باقي الكائنات الأخرى يجب أن تحدد من خلال نظام الطبيعة وقوانينها لأنها وحدها ثابتة ومطلقة ونحن نؤكد على أن حقوق كل كائن تتحدد من خلال الخصائص التي زودته الطبيعة بها والتي تحدد نمط وجوده وحياته تتحدد من خلال ذلك الحق وفق قانون إنساني لا يعارض الحرية الإنسانية ولا يعتدي على الحياة بحجة اي عنوان ميتافيزيقي وهذا هو جوهر القانون الوضعي الذي يؤكد على أن الإنسان كائن حر تنتهي حريته عندما تبدا حرية الناس الآخرين في توازن قانوني رائع يكفل للجميع حق الحرية الفردية ولا يكبل الإرادة الإنسانية بقيود الوهم المقدس ونقده من خلال مخالفته الصريحة للحق الطبيعي للإنسان المبني على حرية الإرادة وحق الحرية الفردية المبني على تفرد الكائن الإنساني وخصوصيته اللازمة له باعتبارها زاوية مقدسه من زوايا حياته الخاصة.

 

سليم جواد الفهد

 

محمود محمد علييقول البرفسور الأمريكي، جوزيف ناي، الذي يعد أهمّ منظري "الليبرالية الجديدة" في العلاقات الدولية، في كتابه "مفارقة القوة الأمريكية" 2003: إنّ أقدم أشكال العولمة هو "الاعتماد البيئي المتبادل"، ويضرب مثالاً على ذلك انتشار وباء الجدري في مصر القديمة، عام 135 قبل الميلاد، ثم وصول المرض إلى الصين عام 49 للميلاد، وإلى أوروبا عام 700 للميلاد، ثم إلى الأمريكيتين عام 1520، ليصل في النهاية إلى أستراليا عام 1789 للميلاد وذلك كما قال سعود الشرفات في مقاله فيروس كورونا: عولمة الأمراض والهلع.

وكلام جوزيف ناي يؤكده هنا كثير من المؤرخين والأنثربولوجيين، حيث أثبتوا أنه على مدار التاريخ ظل البشر حول العالم يتعرضون للأوبئة، فعانوا وباء الكوليرا وغيره من الأوبئة الفتاكة. ووفق الموقع الرسمي لـ"منظمة الصحة العالمية" على شبكة الإنترنت، فإن عصر أبوقراط (460-377 ق.م) وعصر جالينوس (129-216 م) شهدا تفشيًا واسعًا لوباء قد يكون هو الكوليرا، كما أن مرضًا يشبه الكوليرا أيضًا كان معروفًا في سهول نهر الغانج (في شمال الهند) منذ القدم.

وقد شهد التاريخ حالات كثيرة لأوبئة الكوليرا والطاعون والحصبة والإنفلونزا والسارس وأنفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير وغيرها، والتي تسببت بجانب الحروب في هلاك مئات الملايين على مر التاريخ.. ففي عام 165 ميلادية شهد العالم ما يسمى "الطاعون الأنطوني" أو "طاعون الأباطرة الأنطونيين" الذي ظهر في الإمبراطورية الرومانية، وتظهر السجلات التاريخية أن هذا الوباء تسبب في وفاة ما لا يقل عن ألفي شخص يوميًّا. وفي بدايات القرن التاسع عشر، انتشر وباء الكوليرا حول العالم، وكانت بدايته من منطقة جنوب شرق آسيا، حيث أصاب 100 ألف شخص في الصين وإندونيسيا، ثم انتقل تباعًا إلى مناطق أخرى من العالم؛ حيث انتشر المرض في وقت لاحق وتعولم على طول طرق التجارة في آسيا وأفريقيا وأوروبا، كما تم توثيق أوصاف لا لبس فيها لهذا المرض في الصين، خلال القرن الرابع، وفي الهند ومنطقة البحر الأبيض المتوسط خلال القرن السابع الميلادي، فضلاً عن جنوب غرب آسيا خلال القرن العاشر..

وتشير التقديرات إلى أنّ الجدري دخل أوروبا بين القرنين الخامس والسابع مع انتشار الأوبئة خلال العصور الوسطى، وأدخل المستعمرون الأوروبيون الجدري إلى الأمريكيتين (وأيضاً أفريقيا وأستراليا) بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر، مع معدلات إصابة بلغت 90%، ويعتقد أنّ الجدري كان السبب وراء سقوط إمبراطوريات الأزتيك والإنكا في أمريكا الجنوبية وذلك كما قال سعود الشرفات في مقاله سالف الذكر.

وبرغم التقدم الكبير الذي أحرزه العالم في الرعاية الصحية في العصر الحديث، ما زال وباء الكوليرا يُصيب ما يتراوح بين 1.3 مليون شخص و4 ملايين شخص سنويًّا، ويقتل ما يتراوح بين 21 ألف شخصٍ و143 ألف شخصٍ حول العالم كل عام، محدثًا خسائرَ كبيرةً في الأرواح، ومحملًا الاقتصاد العالمي أعباء ثقيلةً.

المقصود من هذا الاستشهاد من نوع "التأريخ بالعدد" هو الإشارة إلى قضية رئيسة وحاسمة في سيرورة العولمة؛ ألا وهي قضية تطور آليات العولمة التكنولوجية وتحديداً المواصلات والاتصالات وعملية الرابط والتشبيك الواسع والعميق لكافة البنى الاجتماعية في العالم القديم والمعاصر، ثم خطورة الأمراض والجراثيم والفيروسات، وانتشارها المتسارع وقدرتها الهائلة على نشر الهلع عالمياً وتأثيرها السلبي على شلّ الحياة الاجتماعية للبشر والاقتصاد العالمي بكلمات أخرى، فإن ما يستفيده الاقتصاد العالمي من انفتاح في ظل العولمة، من خلال جعل انتقال البشر والأيدي العاملة أكثر سهولة ويسرًا، فهو يُعد في الوقت ذاته قناة لنقل الفيروسات بين الدول، وتحولها إلى أوبئة عالمية في أيام معدودة، وهذا ما يمكن وصفه بـ"عولمة الأوبئة".

في الحادي والثلاثين من شهر ديسمبر 2019، أعلنت الصين أول إصابة بفيروس مجهول في مدينة ووهان، بمقاطعة هوبي الوسطى.. لم يكترث الكثيرون له ولم يعيرونه أي اهتمام.. في العاشر من ديسمبر 2019 تعرض 7 أشخاص للعدوي بالفيروس في أحد مدارس ووهان.. لم يخطر ببال أي أحد أبداً أن يحدث هذا كله.. وبعد أسبوعين وبالأخص في 31 ديسمبر 2019 من إصابة الـ 7 أشخاص، انتقل المرض بالعدوي إلي 104 حالة مرضية.. حصرها المركز الصيني للسيطرة للأمراض والوقاية منها، لكنه لم يصنفها مصابة بفيروس كورونا.

وفي 11 يناير 2020 وصلت العدوي إلي 284 حالة مرضية، وقد صُنفت علي أنها مصابة بنوع غير معروف للالتهاب الرئوي، ومن بين المصابين 7 عاملين في مجال الرعاية الطبية، وذلك في دلالة أن هذا الفيروس ينتقل بالعدوي بين البشر.. لم توجه الصين أي تحذيرات للمواطنين ووصل الأمر ببعضهم إلي تنظيم مأدبة طعام حضرها عشرات الآلاف من الأشخاص، بينما كان الفيروس يتفشي بين الناس.. لم يتخذ سكان ووهان الاحتياطات اللازمة ضد الفيروس.. فلم يكونوا علي علم بوباء منتشر بين أرجاء المدينة .

إلا أنه وبوتيرة سريعة ارتفعت أعداد من يشعرون بأعراض مرضية في ووهان، إلا أن تلقي العلاج كان يزداد صعوبة.. منعت حكومة ووهان المواطنين للمغادرة من تجمعاتهم السكنية.. في 30 من ديسمبر 2019م فجر الطبيب الصيني "لي وينليانغ "-طبيب عيون في ووهان الحقيقة عبر تطبيق المراسلة الصيني "واي شات"- بأن الفيروس المنتشر مميت، وطلب من سكان ووهان توخي الحذر.. اعتبرت السلطات الصينية أن الطبيب مروج للشائعات، وأنه قد يواجه تهماً بالإرهاب.. إلا أن العدوي قد أصابت الطبيب ليفارق الحياة.. وقد دوت وفاة الطبيب وسائل التواصل الاجتماعي، وأثارت ردود فعل غاضبة بين أوساط الصينيين.. كانت حياته الثمن الذي أثبت أنه لم يكن مروج شائعات، فحظي بتعاطف واسع بين الناس، لأنهم قد أدركوا أنهم قد يواجهون المصير ذاته، وهذا ما يفسر ردة الفعل السريعة من عامة الشعب الصيني إزاء موته .

إن تحكم وسيطرة الحكومة الصينية علي وسائل الاجتماعي لمحاولة منع تلك المعلومات من الوصول إلي شق واسع من الشعب؛ أدي في حقيقة الأمر إلي تأخير التدخل الحكومي الفاعل طبقاً لتصريحات بعض خبراء الرعاية الصحية الذين قالوا بأن أسبوعين علي الأقل قد تم إهدارهما.. وبالفعل كانت العدوي سريعة الانتشار..

ومع توالي إعلان الإصابات وحالات الوفاة، فقد أعلنت الصين الحجر الصحي في 13 مدينة بمقاطعة هوبي، بإجمالي سكان يبلغ 41 مليون نسمة، كما وضعت السلطات قيودًا مشدَّدة على السفر الداخلي، في محاولة للحد من انتشار الفيروس. وبحلول يوم 2 فبراير 2020 حدثت السلطات الصينية، أرقام الإصابات بفيروس كورونا الجديد حتى الأربعاء الثاني من مايو الجاري ليصبح عدد الإصابات المؤكدة حول العالم ٤٫٣٧ مليون ألف حالة منها ٢٩٨ ألف حالة وفاة .. وبجانب ذلك فقد ظهرت حالات إصابة بالفيروس في 26 دولة أخرى إلى جانب الصين، كاليابان وكوريا الجنوبية وهونج كونج وسنغافورة، ودول أوروبية، ووصل الفيروس إلى الولايات المتحدة وكندا ودول أمريكا الجنوبية.

وبعد بضعة أسابيع من تفشي فيروس كورونا المخيف حول العالم، يكاد الناظر للمشهد العالمي أن يشعر أننا لم نعد نعيش في "قرية صغيرة" أفرزتها العولمة؛ إذ ثبت أنّ العولمة لا تزال غير مكتملة الأسس، لحين انضواء كل الدول والمجتمعات تحت لواء القيم المشتركة للإنسان الحافظة لكرامته وحقوقه الإنسانية بالعيش بصحة جيدة خالية من السموم ومخاطر الأوبئة.. وبالتالي تبقي العولمة وسهولة التنقل والانفتاح بين الدول التي تتباين أنظمتها السياسية والصحية وتعاملها مع "الإنسان" ومواطنيها نقمة دولية تحتاج إعادة النظر بها، وليكن كما قال بديع يونس) في مقاله بعنوان كورونا والعولمة و"المؤامرة") " كورونا درساً مهما في العلاقات الدولية" .

إن انتشار جائحة ال كورونا أثبت أن النموذج النيوليبرالي المعولم المنفلت من كل ضوابط لا يشكل ظلمًا على الملايين من البشر، بل يمثل خطرًا على وجودهم نفسه، ففى لحظة الحقيقة اختفى التصدر الزائف الذى تمحورت حوله اهتمامات الناس وتشكلت كبرى الاقتصادات لعوالم صناعة الترفيه الطاغية من لاعبى كرة القدم والفنانين حتى السياسيين وغيرهم . فى لحظة الحقيقة تحولت إيطاليا، صاحبة الاقتصاد الثامن عالميًا من تقرير “من يحيا ومن يُترك لمصيره” إلى “أتركوهم يموتون.. ليس لدينا إمكانات”!. وتحول السويد، البلد الذي يفترض أنه يملك تاريخًا طويلًا من الاشتراكية الديمقراطية ودولة الرفاه إلى “ابقَ في البيت وتناول براسيتامول.. ليس لدينا إمكانات لاستيعاب المزيد وذلك كما قال إسلام جادالله في مقاله عولمة الأوبئة": اختبار الكفاءة فى زمن الـ"كورونا".

إن فيروس «كورونا» كشف لنا أنه لم يعد قضية محاصرة فيروس ما زال مستعصياً على التشخيص والعلاج، وإنما ما واكبه من انهيار في البورصات العالمية بما فيها البورصة الأمريكية، ومن بعدها أسعار النفط، ونشب خلاف بين روسيا والسعودية بعد انسجام، أصبح الأمر كما لو كانت هناك «سلسلة» من الأحداث الخطرة التي يعقبها أحداث أكثر خطورة، أصبحت الولايات المتحدة المزدهرة على حافة انكماش اقتصادي، وبدا العالم على شفا " الكساد " .. الفيروس عرض قلب العالم الصناعي في الصين إلى اختبار كبير فقد تراجعت معدلات النمو الصينية، وأصبحت صناعات العالم التي تعتمد على الصناعة الصينية في حالة شلل.. انهيار الصناعة العالمية قلل الطلب على النفط، وعلى التجارة العالمية .. فيروس «كورونا» أصبح نوعاً من «نوبة الصحيان» الضرورية للعالم أنه مهما نجحت الدول في بناء الأسوار فإنه لم يعد ممكناً للدول وحدها التعامل مع سلسلة الأحداث الخطرة الممثلة في «الاحتباس الحراري»، والتي أدت إلى كوارث زراعية في العديد من الدول نتج عنها وفق تقارير دولية إلى وفاة 815 مليون مواطن نتيجة ضعف أو قلة الغذاء، وذلك كما قال د. عبد المنعم سعيد في مقاله فيروس كورونا والعولمة وأشياء أخرى.

وفي الختام، لا بد من التأكيد على أن انتشار مثل هذه الفيروسات وتحولها إلى أوبئة على هذا النحو، هو شيء ليس بالغريب أو الاستثنائي في عصر العولمة، فمنظّمة الصحة العالمية تستقبل سنويًّا أكثر من 5 آلاف بلاغ مبكر عن أوبئة متفشية حول العالم. كما أن الاقتصاد العالمي يتحمل تكلفة سنوية تتراوح بين 500 مليار دولار و570 مليار دولار بسبب الأوبئة، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي، وهي القيمة التي تُمثّل نحو 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، كما أنها تعادل التكلفة التي يتحملها العالم بسبب أزمة التغير المناخي كل عام. ومن ثمّ فإن وباء كورونا الجديد ليس إلا وباءً جديدًا يُضاف إلى سجل الأوبئة العالمية لدى منظمة الصحة العالمية، ويُرجّح أن تنحسر مخاطره على الاقتصاد العالمي قريبًا، وذلك كما قال علي صلاح في مقاله عولمة الأوبئة : انعكاسات فيروس "كورونا" على الاقتصاد العالمي..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

يمتلك السُّلوكُ الإنساني قوةً ذاتية قادرة على تحويل الكَينونة إلى فِكرة، أي : تحويل الوجود الاجتماعي المادي والمعنوي إلى منهج فِكري قابل للتطبيق في الأمكنة والأزمنة المتغيرة. وهذه الصَّيرورة هي المنظومة الفلسفية التي تُفسِّر العلاقة المصيرية بين السُّلوك الإنساني والوجود الاجتماعي (الترابط بين الجُزء والكُل) . وإذا حدث توافق وجداني بين الفرد ومُحيطه الاجتماعي، زالَ التناقضُ في شخصية الفرد، وزالت التناحرات في المُحيط الاجتماعي . وهذا التوافق لا يعني تكريس سياسة القطيع، أوْ سَحق وجود الفرد لصالح وجود الجماعة، أوْ صَهر الهُوِيَّات المختلفة في بَوتقة هُوِيَّة واحدة. إن مفهوم التوافق الوجداني في السياق الاجتماعي يقوم على مبدأ فكري ثابت، وهو احتفاظ الفرد بصوته الخاص وأفكاره الذاتية وشخصيته الاعتبارية، واحتفاظ المُحيط الاجتماعي بإطاره الخاص ومصلحته الوجودية وماهيته المركزية، وإيجاد نُقطة مشتركة بين الطرفَيْن في مُنتصف الطريق، وتكوين علاقة تكاملية بين الفرد والمُحيط الاجتماعي، تُحقِّق مصلحة الطرفَيْن، وأحلامهما، وطموحاتهما. وهكذا، يتَّضح المسارُ الفكري نحو مُستقبل مشترك، دُون الحاجة إلى سَحْق الهُوِيَّات، أوْ تذويب الفُروقات الاجتماعية، أوْ إلغاء الصوت الذاتي. والتكاملُ علاقة بين خصائص مختلفة، وأشياء مُتباينة، لتكثير نِقاط القُوَّة، وتقليل نِقاط الضَّعْف، والتكاملُ يظهر في حالة الاختلاف، ولا يظهر في حالة التَّشَابُه .

2

المشكلةُ المنتشرة في النسق الاجتماعي تتجلَّى في اختراع لوازم ذهنية لَيست بلازمة على أرض الواقع . على سبيل المثال لا الحصر، كثيرٌ مِن الناس يعتقدون أنَّ بناء المجتمع وتقدُّمه لا يتحقَّقان إلا بوجود دَولة الدِّين الواحد، والمذهب الواحد، والحِزب الواحد، والفِكر الواحد . وهذا وَهْمٌ كبير، واعتقاد خاطئ . إنَّ توحيد الجُهود لا يَستلزم توحيد الأفكار، لأن الجُهود سلوك بشري يَضمن مصالح جميع الأطراف، أمَّا الأفكار فهي بُنى ذهنية تُشكِّل منظومةً معرفية داخل الفرد . وأيضًا، تماسكُ المجتمع لا يستلزم توحيد الأديان والمذاهب. تُوجد مجتمعات كثيرة متماسكة وقُوَّية، معَ أن أفرادها ينتمون إلى أديان مُتعدِّدة ومذاهب مُختلفة . والأمرُ يُشبِه وُجود بَحَّارة على ظَهْر سَفينة، كُل بَحَّار لَدَيه دِينه ومَذهبه وعقائده الخاصَّة به، ولكنَّ هذا الأمر لَيس له أيُّ دَور في عُبور البحر، الذي يَقوم على خِبرة البَحَّار ومهارته وكفاءته والأخذ بالأسباب . وجميعُ البَحَّارة يَعرِفون هذا الأمرَ، لذا يُوجِّهون طاقاتهم نحو هدف مُشترك، وهو الوصول إلى بَر الأمان، وهذا يُحقِّق مصلحةً للجميع، ويَجلب منفعةً للكُل، بعيدًا عن الصِّراعِ الديني والتناحرِ المذهبي والصِّدَامِ الأيديولوجي .

3

بناءُ الأنظمة السياسية في الدُّوَل المتماسكة ظاهريًّا، المُفكَّكة باطنيًّا، قائم على الولاء، وليس الكفاءة . وهذا الولاء المُتجذِّر يعتمد بالدرجة الأُولَى على العصبية الدينية المشتملة على روابط المذهب والقرابة والحِزب، وجميعُ الدُّوَل يُوجد فيها حِزب حاكم، سواءٌ بمعناه اللغوي أَم الاصطلاحي، وسواءٌ كان ظاهرًا أَم مَخْفِيًّا . وكُل بُنية سياسية تستبعد أصحابَ المواهب والكفاءات، بحُجَّة التركيز على الولاء والانتماء، هي منظومة طائفية مُنغلقة ومُنكمشة، تُشكِّل خطرًا على نَفْسها، وهي أكبر تهديد لوجودها، لأنَّ النهر لا يَقْدِر على الاستغناء عن روافده،فهي الضمانة الأكيدة لحياته وحيويته وحركته،وبدون الروافد سيجف النهرُ معَ الزمن. وكُل نظام سياسي مُنغلق، هو بالضرورة نظام معزول عن المجتمع، ومُنفصل عن الواقع، وعائش في عَالَمه الخاص، وهذا سيُؤدِّي إلى شيخوخة النظام، وتآكله مِن الداخل، وسُقوطه عاجلًا أوْ آجِلًا . وكما أن الحفاظ على حياة النهر، لا يكون إلا بكثرة روافده واستيعابها، كذلك الحفاظ على حياة النظام السياسي، لا يكون إلا بكثرة المُبدعين وأصحاب الكفاءات، واحتضانهم في بُنية السُّلطة، كَي يُمارسوا دَوْرَهم في البناء الحقيقي على أرض الواقع، ولَيس كتابة الشعارات، وترديد عبارات الوطنية، وتغيير المواقف تحت ضغط الراتب الشهري.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

صالح الطائيالتصحيح ضرورة تاريخية يستوجبها التطور التاريخي، وتغير السنن حتمية يوجبها تطور الإنسان نفسه واتساع مداركه وتنوع علومه، والفرق بين الحركي والسلفي الجامد هو أن الأول يتمكن من استيعاب معطيات التحضر والتماهي معها دون أن يخدش روح الدين بما في ذلك إيمانه أن تاريخية القرآن حقيقة لا تقبل النقاش، أما الثاني فيعتقد أن ما حدث خلال العشرين عاما من عمر البعثة وهي المدة المحصورة بين اليوم الأول للبعثة وموت النبي هي لب الكون وعلى الكون مهما تغيرت أنماطه أن يبقى ملتفا حولها مثل التفاف الذرات حول النواة. وهذا تواز يستحيل معه التقاء الآراء أو تقاربها من بعضها لذا يجب على المسلمين التنويرين أن يبادروا لنشر ثقافة جديدة تمهد الطرق لخلق مشاريع جديدة تستلهم روح الدين وتستوعب عطاء الحضارة، ومشاركة مني في رفد هذا المشروع وضعت عدة مؤلفات، اخترت منها هذه الأقوال.

ـ إن الفكر الديني حينما يتعامل مع المتغيرات اليومية بفكر العسكر، لا بالبحث عن الجوهر، يحول الحياة إلى مواجهة شرسة لا رابح فيها، تلحق الضرر بالجميع.

ـ خروج الدين من المسجد إلى القصر كان أول محاولة ناجحة لتحويله إلى حزب سياسي ومشروع دنيوي يخدم السلطة لا هي التي تخدمه، ولا علاقة للسماء به.

ـ الدين الذي وصلنا ونتعبد به الآن صورة مشوهة أخذت عن الصورة الأصلية للدين ولكن صناعها لم يكونوا ماهرين فمسخوها، ووضع وعاظ السلاطين أحكاما تكفر من يعترض عليها.

ـ إن ما يخدم الإنسانية ومشاريعها التطورية هو الإسهام الفعلي في التناغم مع المتغيرات الدولية دون التخلي عن الثوابت الحقيقية، ويجب أن يبدأ التناغم من هذه الساعة؛ ودون تأخير لأن كل يوم يمر، يزيد بُعدَ المسافة بيننا وبينهم.

ـ إن العالم بحضاراته المتنوعة؛ الذي يتقبل اليوم ديانات مثل: الشنتوية، الطاوية، الجينية، الكونفوشيوسية، البوذية، السيخية، المهاريشية، ويتقبل الكثير من الديانات والمعتقدات الأخرى بما فيها عبادة الشيطان، يستحيل أن يرفض الاعتراف بدين سماوي عظيم مثل دين الإسلام؛ وهو دين تجده في خصوصياته إنسانيا بلا حدود، وأنا أعزي الرفض ـ هذا إذا اعترفنا بوجوده ـ إلى أننا كمسلمين، عجزنا عن إظهار جمالية الإسلام، وابتعدنا عن الوسطية والاعتدال، وألغينا مبدأ الحوار، ورفضنا الخروج من دائرة الصراع التي حبسنا أنفسنا داخلها، وبدل ذلك وضعنا الآخر ندا في موضع السيف، فكفرناه وفسقناه، وأبحنا عرضه وماله ونفسه، وسوقنا وجها قبيحا للإسلام محصورا في مصطلحات يكرهها العالم أو في الأقل لا يعترف بصحتها ولا بموائمتها للعصر الراهن، مثل الجهاد والردة والتكفير، تلك المصطلحات التي سوقناها مقرونة بفعل، يرقى إلى مستوى الجرائم الأقبح في التاريخ الإنساني، مثل الذبح وحرق الأحياء. ومعنى هذا أننا نتحمل جزء مهما من أجزاء بناء ثقافة رفض الإسلام، وعلينا إذا ما كنا نحترم ديننا صدقا أن نمد للعالم كله يدا بيضاء ندية تحمل غصن زيتون بدل البندقية.!

ـ إن الإسلام السياسـي مشـروع تخريبي ولد بعد عصر البعثة مباشرة من رحم علاقة غير شرعية بين فكر مجاميع إسلامية والموروث الجاهلي، وكان يسعى وراء السلطة من خلال استخدام الدين أرضية عقائدية، وأنه خلال كل السنين المنصرمة، تجاهل الظروف الموضوعية، ولم يلتفت إلى حجم التضارب القائم بين فكره وواقع التطور الحاصل في النظم السياسية والدولية عبر التاريخ، وبقي متمسكا بجمود رؤاه ومشاريعه. ولذا لم ينجح بالصمود أمام المتغيرات حتى بعد نجاحه بتأسيس إمبراطوريات عظيمة مثل الإمبراطورية الأموية والإمبراطورية العباسية، وهو اليوم أكثر فشلا من أي وقت آخر، وجل ما تمكن منه أنه دمر الإسلام والشعوب الإسلامية، وأعطى للعالم صورة مشوهة عن دين عظيم.!

ـ إن الإسلام يواجه اليوم تحديات داخلية نتيجة النشاط المتنامي للجماعات المتطرفة والتكفيرية؛ التي ترتكب أفظع الجرائم باسمه وتحت راياته المذهبية، كما يواجه تحديات خارجية مبعثها كره بعض العقائد الدينية والسياسية الأخرى للإسلام أو تحسسها منه، فضلا عن رد الفعل الذي تبديه شعوب العالم على أعمال التخريب وجرائم القتل التي يرتكبها الإسلاميون.

ـ من أجل مواجهة التحديات، والإسهام في تصحيح الفهم الخاطئ للإسلام، وهو فهم مشترك بين الجماعات المتطرفة الإسلامية وجماعات مغرضة خارجية، علينا العمل بجد وإخلاص لتقديم الإسلام للعالم بصورته الحقيقية المشرقة؛ لا بالصورة التي أنتجتها السياسة وطلاب الدنيا، وعلينا التحلي بالشجاعة لمحاكمة كل تلك الدخائل التي هيمنت على الإسلام الصحيح، وصادرت منهجه، والفرصة اليوم متاحة أكثر من أي وقت آخر وهي تحتاج لمن يقتنصها.!

ـ إن المشروع الإسلامي الرسالي الذي جوبه بالمعارضة أولا، ثم بالتخريب والتشويه لاحقا، يواجه اليوم تحديات خطيرة على الصعيدين الداخلي والخارجي؛ إن لم تواجه من قبل المسلمين أنفسهم بمزيد من التخطيط والدراسة والتحليل، ووضع البرامج للتصدي لها وبيان بطلانها، ومن ثم التغلب عليها، فإنها لن تعيق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى فحسب، وإنما ستعيق التطور البشري كله، لأن الإسلام ركن مهم من أركان السيرورة الحضارية عبر التاريخ، وكلما ازداد ضعفا خسرت الإنسانية فرصة للتطور والبقاء.

ـ إن الذين يعملون على محاربة الإسلام ورموزه إنما هم أعداء حقيقيون للإنسانية، وهم أكثر خبثا من الشيطان نفسه، وهم بعملهم الأهوج وثقافتهم المنحرفة التي يروجون لها سيسهمون في خراب العالم، وسيصيبهم الخراب قطعا.

ـ أنا لا ابغي من وراء ما أطرحه وأكتبه دعوة المسلم إلى التخلي عن قيمه ومثله ومعتقداته، بل أدعوه لأن يفيد مما وفره العالم من وسائط المعرفة والعلوم والمعارف لكي يتأكد من صلاحية الكثير من القيم التي يؤمن بها، فهي بمجموعها وصلتنا عن طريق أشخاص غير معصومين، أشغلوا فكرهم في البحث عن معانيها، وخرجوا بنتائج اعتقدوا أن النص المقدس عناها دون غيرها، أو أنها الأكثر موائمة لمعنى النص المقدس، ولم يضعوا أمام أنظارهم كل ذلك العسف والجور الذي تعرض له النص المقدس على أيدي من نصبوا أنفسهم وكلاء عن الرب يوقعون نيابة عنه.!

 

صالح الطائي

 

عقيل العبودمقاربة فلسفية بين الصفات الثبوتية والصفات السلبية

مما لا شك فيه ان فكرة السلب والثبوت؛ هاتان المقولتان مهمتان للبحث في حقيقة الذات الالهية، كوجود يتصف بالمعاني الكلية للمفاهيم، لا المعاني الجزئية، بإعتبار ان الصفات الإلهية كمقياس للامتناهى، هي غيرها الصفات الخاصة بالمتناهى.

فالبشر غير الله في صفاته، باعتبار ان قدرة الخالق غير قدرة المخلوق، وكذلك الحال لو تم إدراج باقي الصفات الإلهية ومناقشتها في هذا الباب فيما يتعلق بالخير والشر.

ولكن الذي يهمنا الآن هو كيف ان فيلون يجمع الصفات الإلهية كمفاهيم في مصداقين أساسيين هما الخير، والقدرة؛ وهذا ما يرتبط بدوره بموضوع الحدوث والعلة من حيث الأسباب والمسببات.

ومن المناسب الإشارة الى ان هذه الموضوعات ترتبط بما تم مناقشته عن الفرق بين المتناهى واللامتناهى، بإعتبار ان للصفات الإلهية معان مطلقة كلية، بينما تتسم صفات البشر بمعانٍ جزئية، وهذا الفرق

يدلنا على الطريق الواضح للبحث في مقولة الخير كحقيقة وجودية مطلقة يتصف بها الخالق متميزاً عن باقي المخلوقات. 

كونه أي الخالق لا يخرج منه الشر بلحاظ الوصف الذي يتميز به كقوة للخير، بينما يتصف الإنسان بالشر والخير معا.

علما ان الخير يقترن بقدرة الخالق الكلية، كونه عندما يفعل خيرا، فإن فعله غير مقتصر على مساحة صغيرة اوجزئية من هذا العالم، بل كونية وهذه القدرة على فعل الخير هي العلة الوجودية في الموجودات، والأشياء، وجميع موضوعات الكون.

وبما ان هذه القوة الكلية سارية في الوجود، فإن هنالك وسائط أوقوى تخضع اليها، وهذه الوسائط بها يظهر الفعل الإلهي بلحاظ القدرة والعلة.

" والقوى الالهية عدة أنواع عند فيلون، يُعنى بأن يذكر من بينها خصوصًا أربعة أنواع: فهو يذكر اولا الأنواع التي على مثال الصور الأفلاطونية وهي التي تكون نماذج يُخلق على غرارها ما هو موجود، والقوى الثانية من نوع القوى العنصرية السائدة في الطبيعة عند الرواقيين، والنوع الثالث هو الملائكة في المعتقدات اليهودية، والنوع الرابع هو الجن في المعتقدات الشعبية اليونانية. وعن طريق هذه القوى المختلفة يتصل الله اوفعل الله بالكون. والله لا يدرك في الواقع في فعله من حيث هو فعل، ولكن في آثار هذا الفعل. والذي يعنينا خصوصا فيما يتصل بنظرية الوسائط هذه " فكرة الكلمة" أواللوغوس*"". السطر ١٠-٢٠ ص ١٣٤

والمراد من المعنى ان إثبات الحقيقة الإلهية تقتضي ادراك آثار الفعل الإلهي، عن طريق ادراك دور القدرة الإلهية في التسخير الوجودي للقوى اوالوسائط التي بسببها تحدث الأشياء والظواهر.

وهذا معناه ان قانون الحدوث والحركة هو قانون العلة الذي ترتبط به الوسائط الأربع والتي منها تشكلت فكرة اللوغوس والذي يجمع هذه القوى.

وهذه الفكرة منها يتم ادراك الصفة الوجودية لحقيقة الذات الإلهية، ومنها ايضا يمكن اشتقاق باقي الصفات، على أساس إرجاع جميع الصفات الأخرى الى صفة واحدة، وهي الوجود . وهذا ما تم مناقشته في التعليق ادناه بحسب الدكتور بدوي:

"ولهذا نجد فيلون لا يريد ان يبقى على أية صفة من صفات الله، بل ينعته بأنه الموجود بلا كيف ولا صفة....، ويخرج كل الصفات الأخرى عن الله، ولا يبقي له غير صفة واحدة هي صفة الوجود : فنحن نعرف ان الله موجود، ولكننا لا نعرف مطلقاً كيفية هذا الوجود ؛ فهو إذن وجود بلا كيف ، لأنه ليس في مقدورنا ان نحدد طبيعة هذا الكيف. ولذا يجب الا نبقي من بين اسماء الله الا على اسم واحد، وهو الاسم الذي يدل على الوجود أعني" يَهـوَا " ". السطر ٥-١٣ المقطع الأول ص ١٣٢

وعليه وبحسب تفسير الدكتور بدوي، فإن فيلون قد وقع في تعارض واضح بين الفلسفة والدين، حيث ركن الى الدين من خلال مناقشته لوجود الذات الإلهية بعيدا عن تحليل قانون الكيف الذي به يتم المعنى الأشمل والأدق للذات الإلهية، حيث بحسبه فان اسماء الله التي تدل على صفاته تنسب الى الصفة الوجودية لإسم يهوا الذي يشار به الى الخالق بحسب الفكر الديني الذي ورد في الإنجيل وما يتعلق به من كتابات، وهو ما يتلازم وفكرة المبدأ العلي للذات الإلهية التي أراد فيلون الوصول اليها.

حاشية: "وتاريخ الفكرة (اللوغوس) تاريخ شائق فقد تطورت كثيرا عند اليونان، وعند اليهود، وعند فيلون، وعند المسيحية بوجه خاص. فهناك مقدمات تاريخية كثيرة لنظرية اللوغوس سواء في الكتابات اليهودية أوفي الفلسفة اليونانية". نهاية المقطع الثاني، السطر ١-٤، ص ١٣٤-٣٥

 

عقيل العبود

........................

هوامش

- دكتور عبد الرحمن بدوي خريف الفكر اليوناني الطبعة القديمة ١٩٤٢، الصفحة، ١٠-٢٠ ص ١٣٤، فكرة الكلمة اواللوغوس.

- دكتور عبد الرحمن بدوي خريف الفكر اليوناني الطبعة القديمة ١٩٤٢، السطر ٥-١٣ المقطع الأول ص ١٣٢، صفات الله السلبية والثبوتية

 

يسري عبد الغني(عن الخصوصية والذاتية نتحدث..)

ـ لقد آمن أستاذنا الأديب الكبير / يحيى حقي بأن مسؤولية الناقد ينبغي أن تؤدى كما تؤدى الفرائض، وعندما تفحص المشهد التعليمي، فقد لاحظ زيادة في التعاليم ونقص في التثقف، لذلك حذر من تعقيدات ومخاطر نظريات النقد المستوردة التي تخنق الفن.

إن نقد يحيى حقي للمشهد التعليمي في مصر أتبعه بالدعوة إلى ضرورة أن نركز كل جهودنا على التعليم لا على التثقيف، مؤكدًا على أننا نبذل أموالا طائلة لخلق إنسان متعلم، ولكن لا نكاد نفعل شيئاً لخلق إنسان مثقف !!.

ـ من الأهمية بمكان أن نقف دائمًا أمام جدل الخصوصية والهوية في نقدنا الحديث، فالهوية والخصوصية من القضايا المثارة الآن بفعل العولمة، وانه لمن حقنا أن نصون هويتنا ونعض بالنواجذ على خصوصيتنا اقتداءً على الأقل بالآخر المعني ـ جداً ـ في وعيه وأهدافه واستشراقاته ومخططاته ومستقبل ثقافته .

إن «الثقافة الموحدة» كانت هاجس الاتحاد الأوربي وقادته الذين وعوا خطر التشرذم الثقافي، وهو ما قاد إلى الاتحاد، وكان الشعار: أوربا لا تحتاج إلى عملة موحدة بقدر حاجتها إلى ثقافة موحدة                               .

أتذكر هنا ما قاله أستاذنا / عباس محمود العقاد  وتحذيره من الأخذ بمذاهب الآخر بأنماطها أخذًا مطلقًا، ودعا إلى ما أسماه الهوية الواقية، لأن الدعوات العالمية خليقة أن تجور على كيان القومية، وأن تؤول بها إلى فناء كفناء الغالب للمغلوب                          .

أقول لكم : اجعلوا الشعار المرفوع دائمًا هو الحرص على الهوية الذي هو  لا يرادف على الإطلاق «الانغلاق»، وان «توحيد الذات» لا ينافي الانفتاح والتفاعل مع الآخر، أي أن الخصوصية هي التي تعبر من منطلق انتمائنا إلى المنظومة الإنسانية، عن هويتنا الأدبية والنقدية بعيداً عن أية بواعث عقدية وعرقية قومية تعصبية ومنطلقات جغرافية سياسية.

وهذا ما يخشاه آخرون وكثيرون ممن يرفضون فكرة أي منظور نقدي ذي خصوصية عربية يؤكد إسهامنا في المنظومة الإنسانية بحجة ماذا يمكن أن نضيف إلى الفكر العالمي في نظرياته ومناهجه ومصطلحاته؟ هل يمكن أن نضيف إليه ونحن نعتبره وليد بيئة لم نشترك في صناعتها؟

إن البنية التي لم نشارك في صياغتها هي التي توجب ما للنص العربي من خصوصية، لأن أي منهج نقدي ظهر في الغرب ظهر لحل مشكلات واقع اجتماعي معين، مما يعني أن له واقعا أدبيا معينا لا بد للناقد من أن يتعامل معه ويستمد منهجه وأدواته منه ويحل مشكلة النص الأدبي في ضوئه.

فإذا ما كان هذا المنهج جزءاً من واقع أدبي معين فكيف يمكن فرضه على واقع أدبي آخر له مشكلاته  كالأدب العربي ؟ أليس في فرضه ظلم؟ .

إذن النص العربي نص مغاير في روحه وفضائه ولغته للنص الغربي الذي تمت إليه المناهج العربية بصلات اللغة والذاكرة والتاريخ، وهو ما يستدعي التعامل والتفاعل معها بحذر وحيطة منهجية ونظرية، كي لا نقع في وهم فكري مزدوج، ينكشف الأول في إغفال التاريخ الثقافي العربي، ويتجلى الآخر في جهل التاريخ الثقافي للآخر.

انه لا مندوحة من اشتقاق المعايير النقدية وتحديد الأدوات من خلال الحركة الإبداعية الأدبية المادة الرئيسية للنقد، أي من السياق الأدبي والثقافي المحلي بالدرجة الأولى.

أنجح خطابنا النقدي في هذا أو شيء منه أم انه كرَّس إشكالية جديدة..؟!!

إن الحرص على الهوية الثقافية والأدبية ليس بدعاً، فالانجليز وصفوا النقد الفرنسي انه «نقد فرنسي» مما حمل المؤمنين منهم بالبنيوية على تقديم اطر نتجت عن التفاعل المثمر بين النقدين الانجليزي والفرنسي.

وفي أميركا اشتكى عدد من الأكاديميين في حقبة الأساليب الجديدة في النقد وازدهار البنيوية وما بعدها مما دعوه «الاستعمار» للأقسام الإنسانية في الجامعات الأميركية حتى أطلق على جامعة «ييل» أنها : القاعدة الإمامية لضفة باريس اليسرى

نقول : في شأن تقاعس النقد العربي عن تناول التجارب الأدبية الجديدة، فهو ليس تقاعساً بل أصبح تقليداً راسخاً تقريباً. فالنقد اليوم وهذه حاله منذ أكثر من عقدين يعاني من إشكاليات عديدة تجعله مقصراً عن مواكبة الإبداع. ولكن علينا هنا أن نميّز بين أنواع من النقد السائد. هناك، أولاً، ما نسميه النقد الأكاديمي، حيث يواجه الناقد النص الأدبي من منطلق قراءته وفق زمنه التاريخي وزمنه الإبداعي، فضلاً عن تبويب هذا النص وتصنيفه مع ما يجاوره من نصوص، ومع ما سبقه وما سيتلوه أيضاً.

إن الناقد الأكاديمي يدرس النص غير غافل عن طبقاته المتعددة وتراكماته التاريخية والتخييلية، وهذا أمرٌ جيد طبعاً، ولكن المشكلة أن هذا النوع من الممارسة النقدية لم يعد يجد مساحة يحضر فيها، فالمجلات الأدبية والثقافية الرصينة والمحكمة في حالة تراجع وانقراض. الزمن تغير، كما يقولون، ولم يعد زمن المجلات الفصلية والشهرية، ويشهد على ذلك توقف عدد كبير ومهم من المجلات العربية كالطريق ومواقف والناقد، أما الدوريات التي لا تزال تقاوم، فيكاد يكون تداولها محصوراً بين أدباء من الأجيال الأقدم أو بين الأكاديميين والدارسين الجامعيين. وهذا يعني أن هذا النوع من النقد حتى لو وجد مكاناً له في مثل هذه المنابر، فإنه سيظل بعيداً عن متناول الجمهور العريض من القراء والمهتمين بالأدب والثقافة عموماً.

المشكلة في صد د المسافة بين النقد والكتابات الجديدة وحتى التي كانت جديدة في السبعينات والثمانينات فإنها مسافة محكومة بانحسار دور المجلات في لعب دور حقيقي وفعّال في هذا السياق. كما أن القارئ العربي اليوم ليس له صبر وجَلَدٌ على قراءة مقالات نقدية محكمة ورصينة وطويلة. هذا القارئ غالباً ما يكتفي بالعروض النقدية السريعة التي تقدمها الصحف اليومية. وهذا يأخذنا إلى نوع ثانٍ من النقد، وهو النقد الصحافي.

ويجب أن نوضح هنا أن هذا النوع من النقد الرائج في الصفحات والأقسام الثقافية للصحف العربية وكذلك مواقع التواصل الاجتماعي، لا يمكن وضعه بالكامل في خانة ما هو سلبي مقارنة بالنقد الأكاديمي المحكم. إذْ هناك الكثير من الجهود النقدية العربية الأكاديمية ما هي إلا عبارة عن تشريح ميكانيكي مملّ ومتكرر في جثث النصوص الأدبية، حيث نلاحظ غياباً شبه تام لعلاقة النصوص الأدبية بما هو دارج وحقيقي.

نادرون هم النقّاد الذين لا يتواضعون، وعديدون هم الأدباء الذين يرفضون الاعتراف بأي دور للنقد، بل يعتقدون أنهم هم من علّموا الأجيال، ومن أثروا فيهم، وأنهم هم شيوخ الإبداع وصانعو مسيرته بكل تفاصيلها، وما المبدعون الجدد إلا مريدون في حلقاتهم ومجالسهم ومدارسهم.

قد يبدو الأمر مبالغاً به على نحو ما، فالمبدع الحقيقي بالضرورة لديه حصيلة نقدية، لا يستطيع عاقل أن يدعي أن المبدعين لا يكنزون في دواخلهم معرفة نقدية مهمة، بل البعض يزاوج بين النقد والإبداع، وهذا شأن كثير من المبدعين في العالم. ليس هناك أديب لا ينتمي إلى اتجاه أو مدرسة، بل ربما كان الأديب يدعي أحياناً أنه صاحب مدرسة نقدية، وهو إنما يحفر الخطوط العريضة لمدرسته من خلال ما يكتب، وإن من شأن قارئ نصه أن يعرف مضمونه النقدي. بل إن البعض يقول إن النقاد يمشون خلفنا ويقتاتون بالفتات الذي نرميه خلفنا، فنحن نشق الطريق الذي يسلكونه في النقد. قد يكون هذا الكلام صحيحاً إذا ما قسنا الدور الذي لعبه مبدعون كبار، ليس في الأدب وحسب، إنما في العديد من صنوف الإبداع، لكنه لا ينطبق على الجميع.

وإذا ما تساءلنا هل يوجد نقد حقيقي؟ فيكون الجواب بالطبع لا، فوجود القلة لا يعني الواقع، فالنقد الحقيقي كالأدب الحقيقي أساسه الكشف عن المستقبل الذي لا يمكن أن يكون له حدود وهذا كما نرى مع المفهوم السائد والشائع صعب. والحل الوحيد هو أن يخرج النقد العربي وبكل قوة إلى تأصيل التراث العربي فعلاً ولن يكون ذلك إلا بالغوص العميق في أعماق هذا التراث لينطلق منه كركيزة أساسية للإبداع وإلا سيكون مصير هذه الأمة الذبول والشتات.

 

بقلم د. يسري عبد الغني

 

 

عبد الصمد البلغيثيلا أحد يُنكِرُ أن ظهور وباء كورونا وانتشارهُ خلف الكثير من النقاش الفكري، وأفرز تنوعا في المواقفِ حول مصدرهِ وطبيعتهِ وطُرق الوقايةِ والعلاج منهُ، وهو نقاش صحي وطبيعي إنخرطت فيه جميعُ المجتمعات اليوم، غير أن الملاحِظَ سيجدُ أن هذا النقاش إتخذ أتجاهين: الأولُ، إتجاه سِحريٌ ميتافيزيقي في تفسيره لمصدر الوباء وطبيعته. والثاني، علميٌ تجريبي يحاولُ البحث في الأسباب الطبيعية لظهوره وسبل الوقاية منه.

وكباقي دول العالم إنخرطت مجتمعاتنا العربية والإسلامية في هذا النقاش، وظهرت أدبيات وبائيةٌ حول فيروس كورونا إتخذت أيضا في تعاملها مع الوباء، نفس التقابل بين إتجاهٍ سحري ميتافيويقي واتجاهٍ علمي تجريبي، وقد انتشار الإتجاه الغيبي والسحري عند فئات واسعةٍ في هذه المجتمعات مما جعلها تستخفُ بخطرهِ وترى أن لا جدوى من الوقاية منه، ويرجعُ سبُبُ ذلك في انتشار ثقافة دينيةٍ سطحيةٍ تقومُ على خطاب فقهي تقليدي جامدٍ، وتهميشُ الخطاب العقلاني المتنور للكثير من الأطباء والعلماء في تاريخنا القديم والحديث. لذلك نرغبُ في هذا الموضوع أن نُوضح بعض الأسباب لما يحدثُ الأن من تعامل سحري وغيبي مع وباء كورونا، وأن ذلك ليس وليد اللحظة بل نتيجةُ نصوصٍ وأدبيات فقهيةٍ جامدةٌ كانت رائجةٌ منذُ قرونٍ، وخاصة  في زمن الإنحطاط الفكري وتوقف الإجتهاد، ما يفسر لنا لجوء الكثيرين إلى الأدعية والصلوات وممارسة الشعائر الدينية لمواجهة الوباء، كما يظن الكثيرون أن سبب الوباء عقاب إلهي أنزله الله على الكفار وابتلاءٌ للمسلمين، لذلك فهو حسب  فهمهم قضاءٌ وقدرٌ لا ينفع رده ولا الوقاية منه، كما لا ينفع حذرٌ من قدرٍ.

وقد غاب عنِ الكثيرِ منا وهُو يتأملُ هذا النقاش، أن ذلك يجدُ أصولهُ في تاريخنا العربي الإسلامي، الذي عرف الكثير من الجوائح من الطاعون والمجاعة والجذري في حقب متنوعة، ونفس الشيء إنقسم النقاشُ بين العلماء فريقين، فريقٌ يفسرُ مصدر الوباء تفسيرا غيبيا وسحريا، وفريقٌ يفسرهُ تفسيرا علميا. فكيف كانت تفسيرات هؤلاء للأوبئة؟ ومن هم العلماء الممثلون لكل فريق؟

أ- فريقٌ من الفقهاءِ الذين تكلمُوا عن الوباء وخاصة الطاعون من خلال نصوص من القران أو الحديث دون أي نظر عقلي، فجائت تفسيراتهم ميتافيزيقية وغيبية، ساهمت في إنتشار الأوبئة والجوائح ولم تساعد أو تشجع على ظهورِ فهمٍ علمي لأسباب وعوامل ظهور الأوبئة وطرق العلاج والوقاية منها. ومن بينهم الفقيه الجليل ابن حجر العسقلاني 773/852ه في كتابه "بذل الماعون في فضائل الطاعون" (تح. أحمد عصام. دارالعاصمة. الرياض (الذي يرى فيهِ أن للطاعون فوائدُ كثيرةٌ على المسلمين، من بينهَا أن المتوفي به يعتبرُ شهيدا، لذلك فالطاعون عذابٌ للكافرينَ وشهادة للمسلمين ورحمةٌ، بل يذهبُ إلى تحريم الفرار من الطاعون والبحث عن مكان أمن منه، لأنهُ قدرٌ من الله ولا ينفع فرار من قدر الله. ويستشهدُ في ذلك بالكثير من الأحاديث المنسوبة للنبي منها: "إن هذا الطاعون رجسٌ وبقية عذابٍ عُذبَ بهِ قومٌ..." و"إن هذا الوباء رجس أهلك الله به بعض الأمم، وقد بقي في الأرض منه شيء يجيئُ أحياناً ويذهبُ أحيانا..." و"أتاني جبريل عليه السلام بالحمى والطاعون، فأمسكت الحمى بالمدينة، وأرسلتُ الطاعون إلى الشام، والطاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم، ورجس على الكافرين". ويذهب الفقيه في تفسيره الغيبي حد اعتبار الوباء مرضا يصاب به الإنسان عن طريق الجن، وليس أي وباء وانما يخصُ بذلك الطاعون حين يقول: "ويفارقُ الطاعونُ الوباءَ بخصوصِ سببه الذي لم يرد في شيء من الاوبئة نظيرهُ، وهو كونهُ من طَعنِ الجن..."(م.ن.ص104(ويستشهد بحديث نبوي يقول: "فناءُ أمتي بالطعن والطاعون. فقيل: يا رسول الله هذا الطعنُ قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: وخزُ أعدائكم من الجن. وفي كُلٍ شهادةٌ." (م.ن.ص109(ويستنتج ابن حجر العسقلاني في الأخير أن الطاعون ملحمة من الجن، وكل منهما بتسليط العزيز الحكيم، عقوبة لمن يستحق العقوبة، وشهادة ورحمة لمن هو أهل لها. وفي اعتقادي أن هذه الصورة الغرائبية والميتافيزيقية التي قدمها العسقلاني عن الطاعون كانت بسبب عجز الأطباء في ذلك الزمن عن علاجه، وما كان يُخَلِفُهُ من قتلا وما يتركه من مجاعةٍ حتى أنه كان يمحوا قرى ومدننا من الوجود، الأمر الذي جعل التفسيرات الخرافية والسحرية له تنتشر.

ب- فريق الفقهاء المثقفين والأطباء، وهو إتجاه ظهر بالموازاة مع الفريق السابقِ، ويُمثِلهُ بعضُ الفقهاء الذين تميزوا بميلهم إلى العقلانية، وعدم إغراضهم في سرد النصوص بل حاولوا التوفيق بينها وبين ما وصل له العلم في زمانهم، ولا يعني هذا انهم تخلصوا نهائيا من التفسيرات السحرية وإنما كان أثرها في كتبهم أخفُ من غيرهم، ومنهم إبن خلدون والسيوطي والمقريزي والرازي ابن زكرياء وعلاء الدين ابن النفيس وابن سينا وغيرهم كثير...وسوف نقف عند تقي الدين المقريزي 764/845ه، الذي عبر عن أرائه من الطاعون في كتابه "إغاثة الأمة في كشف الغُمة" (تح. كرم حلمي فرحات.ط.2008.1 (الذي خصصه لوصفٍ علمي دقيقٍ لحالِ الأمة أثناء الجوائح والأوبئة وخاصة الطاعون، وقد وقف على ظاهرة الغلاءِ الذي يؤدي إلى المجاعة وهي أحدُ أسبابِ ظهور الطاعون، طبعا المقريزي هنا ينطلقُ من مشاهداته وكذلك من أحداث تاريخية، وهو يسرد الكثير من الشواهد التي تؤكد على أن سوء الحالة الإقتصادية للبلد بسبب انقطاع المطر أو الحروب، يؤدي إلى إرتفاع الأسعار وندرة الغذاء فتظهر الأمراض وتنتشر الأوبئة. مما يدل على أن المقريزي في نظرته للطاعون لم يكن يعتقد أن مصدره الجن أو غضب إلهي.

كما أن الأطباء كان لهم موقف متقدم من الأوبئة والطاعون، وحاولوا إنطلاقا من مما وصلهم من كتب أبقراط وجالينوس وغيرهم، البحث في الأسباب الحقيقية للأوبئة وأقترحوا من خلال تجربتهم وما تيسر لهم في زمنهم طرقاً للوقاية كالحجر الصحي وعدم المخالطة وتهوية البيوت والإعتناء بالتغذية والنظافة.

وقد وجد الكثير من الباحثين في التاريخ أن الموقف من الإجراءات الصحية والإحترازية من الوباء، التي ظهرت في أوربا الحديثة كانت موضع رفض من بعض الفقهاء وبعض العلماء المسلمين الذين زاروا بعض الدول الاوربية في وقت الأوبئة، وكتب الباحث محمد الامين البزاز في مؤلف "تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب" عن بعض هذه المواقف من الحجر الصحي la quarantaine ويذكر منها:

-مثال السفير المغربي ابن عثمان المكناسي توفي 1799م في كتابه "الإكسير في فكاك الأسير" ذكر أنهُ وصل إلى سبتة سنة 1779م ووجد الحجر الصحي بها وقال: "وقد ذكرُوا لنا قبل أن لا بد أن نجعل الكرنتينة ومعناها أن يقيم الذي يردُ عليهم في موضعٍ معروفٍ عندهم مُعدٍ لذلك أربعين يوماً لا يخرجُ منهُ ولا يدخل إليه أحد...ولهم في ذلك تشديد كثير حتى أن الذي يأتي إلى صاحب الكرنتينة بالطعام يطرحهُ لهُ من بعد ويحمله الأخر ولا يتماسان. وإن ورد عليهم بكتاب ذكروا أنهم يغمسونهُ في الخل بعد أن يقبضُوهُ منه بقصبة".(م.ن.ص404(  وقد انتبه الباحث إلى أن هذا الوصف الدقيق للحجر الصحي دليلٌ على أنهُ كان غير معروفٍ عند المغاربة.

- مثالٌ عند أبو القاسم الزياني 1734/1833م في كتابه "الترجمانة الكبرى" ذكر فيه تعرضه للحجر الصحي بتونس في السفينة التي كان يركبها مع بعض الحجاج وقال: "وبعد يومين جاءنا الإذن بالنزول إلى الكرنتينة الشنعاء الممنوعةُ عرفاً وشرعاً" وقال مستنكراً إجراءات الحجر الصحي "وأنزلُونا بقلعةِ تيكي وسط البحر بقصد بدعة الكرنتينة التي جعلُوها دفعاً للوباء قبح الله مبتدعها". (م.ن.ص404).

- مثال العربي المشرفي توفي 1895م وهو ذاهبٌ إلى الحج وجد في مصر السلطات الفرنسية تضعُ الحجاج بالحجر الصحي وقال: "نعوذُ بالله من هذا الإعتقاد فلا يموتُ ميتٌ دون أجله".(م.ن.ص404)

- الناصري 1835/1897م في كتابه الإستقصاء يذهبُ في فتوى تحرم الحجر الصحي لأنه إعتراضٌ على قضاء الله وقدره، وأنه مخالفٌ لإعتقادات المسلمين الدينية ويقول: "فالحاصلُ أن الكرنتية اشتملت على مفاسد كل منها محقق فتعين القول بحرمتها، وجَلبُ النصُوصِ الشاهدةُ لذلك من الشريعة لا تعوز البصيرة". (م.ن.ص404)

بعد هذه الشواهد نصل إلى أن الفقهاء اختلفُوا حول الموقف من الأوبئة، بين من ذهب في اتجاه قدري وغيبي يناقشُ في شرعية الوقاية واتخاذِ الحيطة والحذر، ويعتبر أنه لا ينفع حذر مع قدر بل ويُرغبُ الإنسان المسلم في الإصابة بالوباء و ينهاهُ عن تجنبه، باعتباره إبتلاء من الله ورحمة، واتجاهٌ كان أكثر عقلانية في تفسيره للأوبئة التي شهدها التاريخ، وقدم الوباء كمرض لهُ أسبابهُ الطبيعية التي يمكن معرفتها، وحاول البحث في طرق الوقاية والعلاج التي كانت متوفرة ومن هؤلاء الأطباءُ المسلمون الذين تركوا الكثير من الرسائل والكتب في الأوبئة والطاعون خاصة. ولا حاجة لنا بعد هذا العرض المختصر إلى القول بأن الزمن يتحرك ببطء في مجتمعاتنا وأن نفس النصوص والمواقف الخرافية والغيبية من الأوبئة لا زالت حاضرةٌ وانتعشت أكثر مع وباء كورونا، كما كانت في تاريخنا مع الطاعون وأوبئة أخرى.

 

عبد الصمد البلغيثي

 

قاسم حسين صالح(لمناسبة ذكرى استشهاده)

كنت اكتب دراسة عن علاقة الحاكم بالمحكوم في تاريخ السلطة الأسلامية من الخلافة الراشدية الى سلطة احزاب الاسلام السياسي في العراق، واحتجت لأعرف "مواصفات الحاكم" في السلطة الاسلامية.. فبدات بقراءة مؤلفات الكاتب الكبير احمد امين (ضحى الاسلام باجزاءه الثلاثة) فافادني كثيرا في فهم العقائد والمذاهب الدينية والفصلين الخاصين بالمعتزلة والشيعة.. وانتهيت بما كتبه الراحل المفكر العراقي الكبير حسن العلوي.لكنني وجدت ضالتي فيما اسعى اليه في كتاب نهج البلاغة، وتحديدا في نص وثيقة عهد علي للاشتر النخعي لمّا ولاّه على مصر (وهو اطول عهد واجمع كتبه للمحاسن )، شرح الشيخ محمد عبده، الصفحات 365 الى 382.).

كان الراحل الدكتور شوقي يوسف بهنام (أحد طلبتي)، باحثا علميا جيدا فاتفقنا ان نعتمد اسلوبا علميا للعهد هو تحليل المحتوى (المضمون)، وحددنا اهدافه بثلاثة:

- معرفة القيم السيكولوجية الخاصة بشخصية الحاكم،

- الكشف عن القيم الخاصة بعلاقة (سلوك) الحاكم بالرعية،

- ومقارنة القيم في عهد الأمام علي وما عليها في عهد حكّام أحزاب الآسلام السياسي في العراق.

لماذا القيم؟

كان اختيارنا (للقيم Values) مقصودا، لدورها الرئيس في صناعة الانسان وتحديد سلوكه وتوجيهه، ولأنها في عملها بنا تشبه (داينمو) السيارة.. فكما ترى السيارة تتحرك (وحركتها سلوك) ولا ترى الذي حرّكها (الداينمو) كذلك الانسان، ترى سلوكه ولا ترى (المنظومة القيمية) التي تحرّك هذا السلوك.ولأنها (القيم) نظام متكامل من الاحكام والقواعد الاخلاقية والمعايير يخلقه النظام السياسي والمجتمع في نسق مميز ويعمل على اعطائه اساسا عقليا يستقر في اذهان افراده، ويزودهم بمعنى الحياة والهدف الذي يجمعهم من أجل البقاء، وتكون أشبه بـ" الاسمنت" الذي يربط "طابوق" العمارة، لنتبين بالنتيجة حجم الكارثة الأخلاقية الخفية التي اصابت العراقيين بعد التغيير، ودور الحاكم فيها.. وما يجب القيام به في عهد السيد مصطفى الكاظمي.

دلالات العهد

يتضمن عهد الإمام (ع) لمالك الأشتر النخعي حين ولاّه مصر مجموعة قيم هدف منها تحقيق ما توصل اليه علماء النفس المعاصرون في ثلاث قضايا اساسية:

الأولى: ان يتمثل الحاكم القيم الايجابية في شخصيته بوصفه القدوة التي تتماهى به الرعية وتقلده،

والثانية: ان القيم هي التي تحدد سلوك الحاكم مع الرعية، وهي التي تحدد موقف الرعية منه،

والثالثة: ان القيم هي الرابط الذي يوحّد افراد المجتمع، وبدونها يتهرأ النسيج الاجتماعي وتشيع الكراهية والعنف والعدوان.

فضلا عن ان الأمام اراد لهذا العهد ان يكون وثيقة تستقى منها المباديء التي ينبغي على الحكّام ان يهتدوا بها في كل زمان ومكان.

تحليل النتائج

اجرينا تحليلا احصائيا (للعهد) بجدولين تضمن الأول القيم الخاصة بشخصية الحاكم وكانت (16) قيمة، بينها (تقوى الله واتباع ما أمر به، اختيار أفضل الرعية للحكم، الأستعانة بأهل الخبرة في طلب المشورة، اكرام العلماء ومجالستهم.. وانتهاءا بسعة الصدر وعدم التسرع في اتخاذ القرارات).

وتضمن الثاني القيم الخاصة بسلوك الحاكم مع الرعية وكانت (15) قيمة، بينها: (العدل والانصاف في التعامل، عمارة الأرض، اعتماد مبدأ التدرج الوظيفي، عدم اشعار الرعية بالمنّية، مراقبة دور الحاشية والمتملقين والمنافقين، الأصغاء للعامة من الناس، وانتهاءا بالأبتعاد عن الغضب المؤذي والقسوة).

ولدى المقارنة بين مواصفات الحاكم وسلوكه مع الرعية في عهد الامام علي وبين عهد حكّام احزاب الأسلام السياسي، تبين ان واقع الحال هو بالضد من تلك القيم، وسنكتفي بواحدة تخص الضمير تحديدا، بوصفه الرقيب على افعال الانسان، أو القاضي الذي يحكم بالعدل، أو صوت الله في الانسان.. وفص العقيق في الخاتم الذي اذا نزعته منه صار لا يساوي شيئا.

أقبح الضمائر

مع بشاعة الضمائر الميتة، فأن أقبحها هو خيانة الأمانة التي تخص الناس حين تكون بذمّة حاكم مسؤول عن الرعية، وأوحشها حين يكون هذا الحاكم قياديا في حزب اسلامي، وافجعها حين يعلن هذا الحزب انه يقتدي بالأمام علي.

وللتاريخ فان السيد نوري المالكي يعدّ هو المسؤول الأول عن خيانة الذمة بشهادته الصريحة عبر الفضائيات: (لديّ ملفات للفساد لو كشفتها لانقلب عاليها سافلها) لأنه كان على يقين بأنه ان كشف الفاسدين من الخصوم فأنهم سيفضحون حيتان فساد من حزبه.

ولم يصغي هو ومن بعده للرعية كما أمر الأمام، ولم يستجيبوا لمطالب المتظاهرين بالأصلاح التي استمرت تظاهراتهم من شباط 2011 الى انتفاضة تشرين/اكتوبر 2019، ولم يكترثوا بما نشرته الصحف من كاريكاتورات ساخرة بمرارة عن وزير هرب بأموال الناس المساكين بما يعادل ميزانية موريتانيا، وموظف كبير يستحرم أخذ الرشوة في الدائرة لأنه صائم، ويطلب من الراشي ان يأتيه بالدبس الى بيته بعد الافطار! .

الحاكم.. سيكولوجيا:

يقدّم العهد مآثر في فلسفة الحكم وسيكولوجية الحاكم. ففي قوله (لا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم اكلهم..)، فانه يطرح مقياسا كاملا للعدالة فيه بعد سيكولوجي هو ان يضع الحاكم نفسه موضع المحكوم، فيكره له ما يكرهه لنفسه. والتقط حقيقة سيكولوجية بثلاث مفردات في قوله (اجتنب ماتنكر أمثاله).. اي عدم فعل ما لا تحب ان يفعله الآخرون بك. ويذكّر الذين جاءوا الى السلطة من داخل الشعب انهم كانوا قبل ذلك يثيرون النقد ضد سيئات الحاكم السابق، فيدعوهم الى ان لا ينسوا مواقعهم النقدية السابقة فيصغوا الى النقد الآتي من القاعدة الشعبية.. وتلك اثمن نصيحة لم يأخذ بها من جاء بهم الشعب الى السلطة بعد التغيير، مع اننا كنّا اطلقناها في (2004 ) وموثقة في كتابنا (الشخصية العراقية بين المظهر والجوهر)لأنهم كانوا لا يستعينون بأهل الخبرة في طلب المشورة ولا يجالسون العلماء، بل انهم احاطوا انفسهم بالذين يقولون لهم ما يحبون ان يسمعوه.. ولهذا كانوا هم الأفشل والأفسد في تاريخ العراق الذي اعتبروه غنيمة لهم فتقاسموه.

دعوة لحكومة السيد الكاظمي

تواجه حكومة السيد مصطفى الكاظمي ملفات صعبة ومعقدة وخطيرة (محاصصة، فساد.. ) ينضوي اخطرها في الملف الأكبر:الفشل في بناء مؤسسات دستورية تحفظ حق المواطن وتعيد هيبة الدولة.

ونرى ان السبب الرئيس لما حصل من خراب ناجم عن الضربات التي سددت للقيم والاخلاق عبر اربعين سنة (1980-2020) بدءا بنظام الطاغية وانتهاءا بنظام المحاصصة.فشيوع الفساد، مثالا، قدم قانونا اجتماعيا خلاصته (اذا زاد عدد الافراد الذين يمارسون تصرّفا يعدّ خزيا، وتساهل القانون في محاسبة مرتكبيه، وعجز الناس عن ايقافه او وجدوا له تبريرا، تحول الى ظاهرة ولم يعد خزيا كما كان).

وعليه فاننا ندعو الى عقد مؤتمر علمي وطني لأعداد أستراتيجية تنفذ بمراحل تستهدف احياء القيم وانعاش الضمير الأخلاقي في ضوء منظور الامام علي في عهده لمالك الأشتر والرؤى الحديثة لعلماء النفس والاجتماع السياسي، فهي الضمانة الأكيدة لتسهيل تحويل العملية السياسية في العراق من سكة المحاصصة الى سكة الدولة المدنية الحديثة.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية، امين عام تجمع عقول.

 

بدايات القياس الكمي للمؤشرات الاقتصادية:

في بداية الثلاثينيات استضافت احدى لجان الكونغرس الامريكي مجموعة من الاقتصاديين ورجال الاعمال لتوجيه بعض الاسئلة عن حالة الاقتصاد الامريكي في تلك المرحلة معبّراً عنها بالارقام، لكن المجموعة  عجزت عن تقديم الاجابات للجنة. على ضوء ذلك تم تكليف اقتصادي شاب مهاجر من الاتحاد السوفيتي السابق، بوضع مؤشرات عن حالة الاقتصاد يمكن استخدامها لقراءة توجهات الاقتصاد الوطني، وكان ذلك الاقتصادي هو (سيمون كوزنتس) وهو مولود في روسيا البيضاء.

وقد كانت مساهمات كوزنتس اساس الحسابات القومية الحديثة . وبعد الحرب العالمية الثانية تطورت احصاءات الحسابات القومية ومنها الناتج المحلي والدخل القومي ونصيب الفرد منهما. ولقد تم استخدام نصيب الفرد من الدخل القومي او الناتج المحلي باعتباره مؤشرا على مستوى الرفاه بين الامم وتم قياس التقدم الاقتصادي الاجتماعي على اساس نصيب الفرد من الناتج والدخل وترتيب الدول في سلم التقدم الاقتصادي بناء على تلك التراتبية.

وكما هو معروف، فأن احتساب نصيب الفرد من الناحية الاحصائية يقوم على اساس قسمة مجموع الناتج او الدخل على مجموع السكان.

وهذا يعني توزيعاً متماثلا على جميع السكان بغض النظر عن العمر والجنس والمهنة والتعليم . وهذا بطبيعة الحال أمر غير واقعي لانه لايوجد توزيع من هذا النوع في اي مكان في العالم.

كانت هناك اعتراضات على استخدام هذا المؤشر لقياس الرفاه الانساني، ولكن الرد كان انه لايوجد مؤشر آخر يمكن استخدامه لهذا الغرض وانه، مع مافيه من عيوب، يعكس بعض الحقيقة عن الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلد المعني.

في الستينيات اعترض على استخدام هذا المؤشر السيناتور الامريكي الراحل روبرت كينيدي، حينما قال قوله المشهور الذي خلاصته: ممكن استخدام اي مؤشر آخر لقياس مستوى الرفاه، ماعدا نصيب الفرد من الدخل والناتج لانه لايعكس اي قيمة حقيقية او دلالة اقتصادية لانه يطبق في عالم يبتعد عن العدالة في التوزيع باضطراد.

كذلك كرر الاعتراض السيد بيل غيتس في بدايات القرن الواحد والعشرين حينما ضمّن كلمته في منتدى دافوس الاقتصادي نقدا مشابها لنقد السيناتور كينيدي.

واستخدمت تقارير التنمية البشرية عند بداية ظهورها عام 1990 نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي كأحد عناصر بناء دليل التنمية البشرية .

وكانت هنالك اعتراضات على استخدامه لانه يتضمن عوائد عناصر الانتاج الاجنبية في البلد والتي ستخرج الى مواطنها الاصلية وكذلك فهو لايتضمن عوائد عناصر الانتاج المحلية في الخارج والتي ستعود الى البلد ايضا.

وبالفعل تم استبداله بنصيب الفرد من الناتج القومي الاجمالي في السنوات الاخيرة لانه اكثر واقعية.

ويقول الاستاذ امارتيا سين الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد وأحد الذين طوَروا دليل التنمية البشرية: ان مفهوم التنمية البشرية هو اوسع بكثير من ان يتم التعبير عنه بهذا الدليل وبالمؤشرات التي يتضمنها ومنها الدخل، ولكننا اردنا فقط اثارة رغبة الناس للاهتمام بالاحصائيات والارقام التي تعبر عن اوضاعهم الحياتية بدل الوصف الانشائي الذي لايمكن قياسه.

في ظل هذا الجدل بل ومنذ فترة مبكرة بدأ التفكير بايجاد مؤشرات واقعية وقابلة للقياس للوقوف على مستوى الرفاه الاجتماعي بدل الاعتماد على الدخل فقط.

الرفاه الاجتماعي والسعادة كمؤشرات بديلة:

تعريف الرفاه الاجتماعي:

هنالك العديد من التعاريف لمعنى الرفاه، من ابرزها التعريف التالي والذي تم تبنيه في كندا لكي يكون التعريف المعتمد في صياغة دليل قياس الرفاه الكندي:

(هو توفر اعلى مستوى ممكن من نوعية الحياة بكل ما يمكن التعبير عنه من ابعاد وبالتركيز على الجوانب التالية بدون الاقتصار عليها بالضرورة: مستويات معيشة جيدة، السلامة الصحية، بيئة مستدامة، مجتمعات مفعمة بالحيوية والنشاط، سكان متعلمون،استخدام متوازن للوقت، مستوى عالي من المشاركة الديمقراطية، التمتع بأوقات الفراغ والقدرة على الوصول الى النشاطات الثقافية).

بدايات نشوء فكرة احتساب دليل الرفاه الاجتماعي:

تعتبر مملكة (بوتان) الصغيرة الواقعة في الهملايا، اول من صاغ الدليل المعروف ب: (دليل السعادة الوطنية الاجمالية) وذلك مقابل مؤشر (الناتج المحلي او القومي الاجمالي).

وكان ذلك بتوجيه من ملك بوتان الرابع (جيغم سينغي وانغجوك) في العام 1970 عندما اعلن هذا الملك:  " السعادة الوطنية الاجمالية تعتبر اكثر اهمية من الناتج المحلي الاجمالي ".

واعلن الملك ان العقائد الاربعة التي يتشكل منها دليل السعادة الوطنية الاجمالي هي: تنمية اجتماعية / اقتصادية مستدامة وعادلة، المحافظة على البيئة، الحفاظ على الثقافة وترويجها وأخيرا الحكم الرشيد.

ويتضمن هذا المنهج الجديد فهما جديدا للتنمية المستدامة ويتبنى فهما جديدا شاملا لمعنى التقدم يعطي اهمية متساوية للأبعاد غير الاقتصادية للرفاه الاجتماعي.

ويتشكل دليل السعادة الوطني في بوتان من تسعة ابعاد، هي:

1- الرفاه النفسي

2- الصحة  

3- التعليم

4- استخدام الوقت

5- التنوع والتسامح الثقافي

6- الحكم الرشيد

7- الحيوية المجتمعية

8- التنوع والمرونة البيئية

9- مستويات المعيشة

(لعل من المناسب الاشارة الى ان مستوى المعيشة او الدخل جاء في المرتبة الاخيرة من حيث الاهمية حسب تقديرات الناس الذين تم استفتائهم)

وقد تم اختيار 33 مؤشر فرعي توزعت على الابعاد التسعة المذكورة اعلاه..

وبموجب نتائج حسابات هذا الدليل،فان الافراد الذي يحصلون على اقل من 50% من الرضا يعتبرون غير سعداء . اما الذين يحصلون على درجة رضا تتراوح ما بين 50%- 65%، فانهم يعتبرن سعداء بدرجة محدودة. والذين يحصلون على درجة رضا تتراوح ما بين 66% -76% فانهم يعتبرون سعداء بشكل واسع . اما الذين حصلوا على 77% فاكثر  فانهم يعتبرون سعداء بشكل عميق.

ابرز تطبيقات دليل السعادة او الرفاه الاجتماعي:

يستخدم الدليل المذكور في ميادين مختلفة، منها:

-   استخدامه من قبل صناع السياسات قبل تبني اي سياسة مقترحة للتأكد من طبيعة تأثيرها على قيمة الدليل اضافة الى متابعة نتائج تطبيق السياسات المختلفة بعد ان يتم تبنيها وتطبيقها لتقييم آثارها على قيمة هذا الدليل.

- ان هذا الدليل يعتبر من ابرز مظاهر استخدام المعلومات الاحصائية في بناء وعي الجمهورولاسيما  في سياق العملية الديمقراطية، ففي سياق عملية صنع القرارات هنالك فرق بين ما يراه المختصون وبين ما يراه الفرد العادي من عامة المجتمع، حيث ان هنالك علاقة بين الراي العام وبين الخيارات السياسية. لذلك، فان الافراد سيكون لديهم ادوات احصائية ملموسة حول انجازات الحكومات وبالتالي ترتيب مواقفهم السياسية من مختلف الاحزاب السياسية في الانتخابات.

- يتأثر الافراد،عادة، بميولهم الايديولوجية في دعمهم لهذا القرار او ذاك في حالة عدم امتلاكهم المعلومات الاحصائية التي تتوفر لديهم عن الحالة الاقتصادية في البلد .وتم اختبار هذه الفرضية على المواطنين الامريكان واثبتت صحتها.ان التأثر بالايديولوجيا سلوك غير بناء ويجب استبداله بعوامل علمية واقعية.

- لذلك اصبح نشر وترويج المعلومات الاحصائية السليمة قضية مهمة في تحسين مواقف الراي العام من القرارات الاقتصادية التي تتخذها السلطات السياسية.

- تلعب وسائل الاعلام دورا هاما سلبيا او ايجابيا في تثقيف الجمهور والتأثير في بناء مواقفه وتوقعاته، لاسيما تصريحات الاشخاص المختصين التي تتعلق بالتوقعات المستقبلية للاقتصاد، ووجود الاحصاءات لايسمح بالتلاعب في مزاج الجمهور بالكلام الانشائي الفارغ ويحد من قدرة الاعلام المتحيز في التلاعب بتوجهات الراي العام.

- تزايدت المبادرات على المستويات الدولية والوطنية والمحلية من اجل الاستجابة للمطالب المتزايدة التي تدعو الى ايجاد مقاييس اكثر مصداقية للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ولغرض تطبيق قدر اكبر من التحاسبية على السياسات العامة من قبل الجمهور.

الابعاد التي تدخل في حساب قيمة دليل الرفاه الاجتماعي في كندا:

سوف نستخدم التجربة الكندية في مجال قياس الرفاه الاجتماعي لانها من بين اكثر دول العالم اهتماما بهذا المقياس، لايضاح طبيعة وكيفية احتساب هذا الدليل.

تستخدم الابعاد التالية في قياس قيمة الدليل الكندي للرفاه الاجتماعي، وتحتسب ثمانية مؤشرات فرعية ضمن كل بعد من الابعاد الثمانية، اي ان مجموع المؤشرات سيكون 64 مؤشرا:

- التعليم

- السكان الاصحاء

- الحيوية المجتمعية

- المشاركة الديمقراطية

- مستويات المعيشة

- استخدام الوقت

- البيئة

- وقت الفراغ والنشاطات الثقافية

ولإعطاء مثال على المؤشرات الفرعية التي يتكون منها كل من الابعاد اعلاه، سوف نورد مؤشرات الصحة المجتمعية الفرعية  كمثال على الطبيعة التفصيلية لهذه المؤشرات:

- العمر المتوقع

- نسبة السكان الذين يعتبرون انفسهم يتميزون بوضع صحي جيد جدا او ممتاز

- نسبة السكان الذين يعتبرون انفسهم يتميزون بصحة عقلية جيدة جدا او ممتازة

- نسبة السكان الذين لا يعانون من قيود في الحركة ناجمة عن اسباب صحية

- نسبة المدخنين من المراهقين سواء بشكل يومي او في المناسبات

- نسبة السكان الذين ابلغوا ذاتيا عن اصابتهم بالسكري

- نسبة السكان الذيم حصلوا على التلقيح ضد الانفلونزا في العام الماضي

- نسبة الكنديين الذين لديهم طبيب يعودون اليه بانتظام

كيفية حساب قيمة الدليل الكندي للرفاه الاجتماعي:

يعتمد اعداد الدليل على مجموعة من المسوحات التي تجرى دوريا مثل: (مسح الصحة المجتمعية في كندا،مسح القوى العاملة، مسح استخدام الوقت، مسح الشبكات الاجتماعية،مسح عمليات الإيذاء والاحتيال،مسح السفر، مسح آليات العمل والدخل). اضافة الى احصاءات تؤخذ من دائرة البيئة الكندية ومكتب الاقتصاد الداخلي ودائرة الانتخابات الكندية . واخيرا فان هنالك مجموعة من المؤشرات يتم الحصول عليها من  مجموعات ومنظمات مستقلة.

ملاحظات عامة حول تجارب العالم مع بناء دليل الرفاه الاجتماعي:

- يمكن احتساب الدليل على اسس ديمغرافية مختلفة، مثل احتساب الدليل للرجال وللنساء بشكل منفصل او احتسابه حسب المناطق الجغرافية او حسب ابعاده المختلفة لإيضاح اي الجماعات التي تفتقر الى التعليم مثلا. ان تصميم الدليل ومكوناته يهدف الى التأكيد على الابعاد المختلفة للرفاه وكذلك الطرق المختلفة لتحقيق  الحاجات الانسانية.

- ان استخدام هذا الاطار، حتى وان كان بدون بيانات، يمكن ان يساعد في تغيير اسلوب تفكير وعمل الناس فيما يتعلق بالرفاه. انه يسلط الضوء على مصادر للرفاه او التعاسة ربما لم تكن جزءاً من ثقافة المجتمع لفترات طويلة كما انها تساعد في تغيير قوائم المطالب الاجتماعية التي تعرض على السياسيين وعلى المؤسسات.

- في بريطانيا وفي فترة رئاسة السيد توني بلير للحكومة البريطانية، تقرر اعداد دليل لقياس الرفاه والسعادة للبريطانيين. وتم تشكيل لجنة موسعة تضم مختلف الشرائح لتقرير ماينبغي ادراجه من مؤشرات. وقد اقترحت اللجنة 51 مؤشراً من بينها:(طبيعة الروائح التي تصل اليك عنما تفتح زجاج السيارة وانت تقود في الطريق ونوعية المناظر التي تشاهدها وشعورك بالامن عندما تعود الى بيتك مساء ووجود شخص مستعد لمساعدتك عند الحاجة وشعورك بانك في صحة جيدة وشعورك بالاحترام والاطمئنان للمستقبل ورضاك عن مشاركتك السياسية وشعورك بوجود كرم اجتماعي يحيط بك وأنك تنام بشكل جيد في الليل وتستطيع التخطيط لمستقبل اطفالك وانك تطمئن الى نوعية الماء والطعام الذي تتناوله.الخ).

- في كل التجارب لم يكن الدخل هو النقطة الاولى التي تحدد السعادة والرفاه بل تقدمت عليه عوامل اخرى يراها الافراد اكثر اهمية لسعادتهم من الدخل النقدي.

- اجتماعات الامم المتحدة حول السعادة والتنمية:

في العام 2011 تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع القرار الذي قدمته دولة بوتان بدعم من 68 دولة عضو أخرى، والذي يدعو الى صياغة منهج شامل للتنمية يروج للسعادة والرفاه المستدامين.

ولقد اتبع ذلك القرار في شهر ابريل من عام 2012 عقد اجتماع عالي المستوى في الامم المتحدة حول موضوع: السعادة والرفاه: صياغة تعريف لنموذج اقتصادي جديد .

ولقد كان الهدف من ذلك هو جمع قادة العالم والخبراء والمجتمع المدني والقادة الروحانيين سوية للاتفاق على تطوير مثال اقتصادي جديد يستند على الاستدامة والرفاه.

- ولقد ارتكز ذلك على العمل الريادي الذي قامت به حكومة بوتان في تطويرها لدليل السعادة الوطني العام .وبناء على ما تقدم، صدر في العام 2012 تقرير السعادة العالمي الاول وبدأ العالم يدرك ان السعادة تعتبر مقياسا ملائما للتقدم الاجتماعي وهدفا مناسبا للسياسات العامة.

 وفي شهر مارس 2020 صدر تقرير السعادة العالمي الجديد الذي يتضمن من بين امور اخرى تصنيفا لدول العالم حسب مستوى السعادة في مجتمعاتها. واصبح تاريخ العشرين من شهر مارس من كل عام يوم السعادة العالمي. ويصدر التقرير عن شبكة الحلول التنموية المستدامة التابعة للامم المتحدة ويمول عن طريق المنح.

- اخيرا لابد من الاشارة الى السبب الكامن وراء كون مملكة بوتان الصغيرة في الهملايا مصدرا لهذا التوجه، والذي يعود الى الفلسفة البوذية التي تعلي من شأن الاشباع الروحي والمعنوي ولاتعطي قيمة اساسية للاشباع المادي.

 

د. صلاح حزام

 

مجدي ابراهيم"اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كتَاباً مُّتَشَابِهَاً مَّثَاني تَقشَعُّر مِنه جُلُودُ الذَّين يَخْشَونَ رَبَّهُم ثمَّ تَلِينُ جُلُوُدُهُم وَقُلُوُبُهُم إلى ذِكرِ اللهِ، ذلكَ هُدَى اللهِ يَهدِي بِهِ مَن يَشَاءُ، ومَنْ يُضلِلِ اللهُ فمالَهُ من هادٍ".

ليلحظ القارئ "أحسن الحديث" الذي تقشعرُ منه الجلود وتلين القلوب، وليلحظ فضل الله لمن يريد أن يهديهم إلى هذه الحقيقة؛ فعلى قشعريرة الجلود من خشية الله، وعلى إلانة الجلود والقلوب إلى ذكر الله وما نزل من الحق، تقوم الحلاوة كذاتية خاصّة للقرآن.

للإمام محمد عبده - طيّب الله ثراه - عبارة قويّة في رسالة "التوحيد" جاء فيها قوله: وأنفس ما كانت العرب تتنافس فيه من ثمار العقل ونتائج الفطنة والذكاء، هو الغلبة في القول والسّبق إلى إصابة مكان الوجدان من القلوب، ومقر الإذعان من العقول".

ففي العبارة كما يلاحظ نوع من الترتيب المنطقي لا يكون مطلقاً من باب الصدفة العارضة وإنما من باب التحقيق الأمين؛ فالملاحظ أنه قد رتّب منطقياً مقر الإذعان من العقول ترتيباً مباشراً على مكان الوجدان من القلوب .. لماذا؟ لأن القناعة التامة والمذعنة من تطلعات العقل لا تتيسر طفرة واحدة بغير مقدمات تمهيدية يحسُّها الشعور الذي هو مكان الوجدان من القلوب. فإذا العبارة أمامنا تنقسم إلى قسمين: الأول يتعلق بحركة الوجدان، والثاني: يتّصل بإذعان العقل.

القسم الثاني لا يكون ولا يحصل وحركة الوجدان بمنأى عن التأثير، معزولة عن الوعي بما يفعله العقل. ولكن القسم الأول يشعر ويحس ويعي؛ فإذا بإذعان العقل يترجم من فوره عن الشعور ويدرك الإحساس ويعي المخبوء من آثار "البؤرة" الشعورية الدافعة إلى كل هذا، وأبعد من هذا وهو في مستطاع الإدراك. فكأنما كانت عبارة الإمام محمد عبده لها أهميتها في تعليل الربط بين "الشعور" الذي هو مكان الوجدان من القلوب من ناحية، وبين "الفكر" الذي هو مقر الإذعان من العقول من ناحية ثانية. فإذا جاء القرآن فكانت له الغلبة في هذا الميدان، صار ذلك دليلاً لا شك فيه على ارتقاء هذه الخاصة الذاتية فيه، يصيب منها مكان الوجدان من القلوب، ومقر الإذعان من العقول، وهي من بعدُ بلا شك خاصّة "الإعجاز" القاهر للعادة التي جرت عليها ألسنة العرب من التسابق والتنافس في ميدان الغلبة بالقول، والمسابقة بوقع الكلم في الوجدان. فلم يكن لهم من فضيلة غير هذه الفضيلة المقهورة بغلبة القرآن، حتى إذا ما كانت مرتفعة لديهم، وكانت موطن تسابق وموضع تنافس ومبارزة، فقد قهرها القرآن فيهم بأعلى ضرب من ضروب الفطنة والذكاء؛ فلتتسع إذن دائرة الشعور ما شاء الله لها الاتساع، وليرتفع ميدان التعبير من بلاغة وخطابة ورصانة وسبك أسلوب وجودة إخبار؛ فكل هذا كله لا وجود له بالقياس إلى وحدة القصد الموجّه في القرآن.

القرآن إذن لا هو بكلام كأي كلام ولا ككل كلام ولكنه الكلام الإلهي. وعليه؛ فالشعور الي يستوعبه لا بد أن يستشعر فيه "الوحدة"، والوحدة هذه إنمّا هى "وحدة قصدية" إذا هى وجدت في الشعور، صدرت عنها لامحالة إحادية التجربة التي يتولّد عنها سبحات الفكر من جهة، ويقظة الإحساس من جهة ثانية؛ فالشعور الديني من هذه الجهة مصدرٌ للفكر في فرع أول، بمقدار ما هو مصدر للعاطفة والوجدان في فرع ثان، وكلا الفرعين هما من وحدة القصد أو قصد الوحدة في منب الشعور.

وكل تجربة شعورية تظهر فيها بصورة أو بأخرى وحدة القصد هذه، وأعلاها وأرفعها وحدة القصد في فهم القرآن هى تجربة شعوريّة حيّة ونابضة بالحياة إذ كان القرآن نفسه كائن حيّ، لتجيء وحدة القصد في قوله تعالى:"والله غالبٌ على أمره"، فتتحقق بهذه الغلبة الظاهرة نفوذ سلطان القرآن في الضمائر والقلوب، وفناء ما دون هذه الوحدة من مظاهر الغلبة الظاهرة، وكأنها - مظاهر الغلبة الظاهرة - من جنس الغلبة وهى في الحقيقة لا غلبة لها ولا سلطان. إنما الغلبة حقاً لله في قوله وفي فعله وفي كل صفة يتجلى بها على عباده بنسب ومراتب لا يعلمها إلا هو، لكنها في حكم الغلبة على وجه التحقيق.

"الله غالب على أمره"، بماذا؟ الله غالب على أمره، بشرف التجليات الإلهية في حضراته الخمس: حضرة الذات، وحضرة الأسماء، وحضرة الصفات، وحضرة الأفعال، وحضرة الأحكام. وكلها حضرات مباركة تعطي الغلبة الظاهرة والباطنة في قوله تعالى: "والله غالب على أمرة"، فإذا شاء الحق تبارك وتعالى أن يعطي مثل هذه الغلبة لكلمته العليا قال:" ما فرَّطنا في الكتاب من شئ"، وهو قول يدلُّ على احتواء القرآن على أصول المعارف والعلوم في كلمته المقدّسة. وممّا يناسبه في القرآن من حكم الغلبة القاهرة، ظاهرة وباطنة، قوله تعالى:"ليس لك من الأمر شئ"، وقوله تعالى:"وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"؛ فإذا وجدت وحدة القصد في شعور أحد يريد أن يعرف من تجليات المراتب والحضرات الإلهية شئياً على الحقيقة، كان كل ما يريده من علوم ومعارف مجلى من هذه المجالي الإلهيّة، وصار كل ما يطلبه من هذه المعارف والعلوم موجوداً في الكتاب: "ما فَرَّطنا في الكتاب من شئ".

ذلك هو حكم الغلبة .. وذلك هو حكم الإعجاز الباهر الوضَّاء.

وأكمل ما تتمثل فيه هذه الغلبة تمثَّلها في تحدي "وحدة القصد" في كوامن الشعور والتذوق، فكلنا يعلم أن جهابذة العرب كان تذوقهم لفن الكلمة ولوقع اللفظ في كوامن الشعور أمضي وأقوى من تصنيفهم لعلوم البيان والبديع، ولواحق هذه العلوم من الاستعارة والتشبيه والحصر والقصر، وخلاف هذا كله مما يجري مجري العلم والتقعيد، وأن النحو العربي من حيث هو قواعد وصروف، لم يبدع فيه عربياً بل أبدع فيه وقعّده "سيبويه" وهو فارسي الأصل. لكنما العربي تقوده "السليقة" الجوانيّة" يحتكم إليها ويحكِّمها في غزارة ما ينتج من فنون البيان إن شعراً وإن نثراً، وأن الطبع الذي يعتاد عليه لهو طبع السليقة الذواقة بحكم العادة وهى عنده بمثابة "وحدة القصد" في الشعور والتذوق. وربما كان تعبير "المتنبي" شعراً إذ قال:

وأبلغ ما يطلب النجاح به        الطبع وعند التّعمُّق الذَّلُلُ

تأكيداً على طبع العربي في تناوله الشئون المعنويّة والثقافية بما يُبدعه من ألوان البيان، تعتمد على قوة المدارك وصفاء الوجدان وسرعة الملاحظة. أُثر عن الوليد بن المغيرة أنه قال حين سمع شيئاً من القرآن:"والله .. إنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة" من أين؟ من أين لك يا وليد بهذه الحلاوة وبتلك الطلاوة، وأنت لم تُسلم ولم تعتقد عقيدة الرجل الذي نزل عليه هذا القول, إذ وصفته بالحلاوة والطلاوة؟

هنا، وهنا فقط، تبلغ الغلبة ذروتها في تحدي النفوس الجبارة، تحدي السليقة النافذة والطبع المستقيم، وتحدي المدارك القوى المعجونة بصفاء الإحساس وسرعة الملاحظة، بل هو قبل هذا وذاك تحدي وحدة القصد في كوامن الشعور والتذوق، بوحدة قصد غلابَّة تعلو ولا يُعلى عليها. الله الله على القرآن ساعة أن ينفذ بسلطانه شغاف القلوب. ويا ألطاف الله على هاته الحلاوة التي تخرق أسجية الضمائر والقلوب، فوالله لو ذابت البشرية كلها جميعاً لما قدّرت حلاوة القرآن حق قدرها في تلك الساعة حيث تمس حلاوته القلوب شاعرة بشعوره العلوي أو غير شاعرة بهذا الشعور ولا دارية له مصدراً أو منبعاً أو تحديداً.

إنّ الوليد  حينما عبّر عن حلاوة القرآن بتلك الكلمات اللطيفة القاصدة كان يتّجه مباشرة لوحدة القصد لما في القرآن من تأثير مباشر على الشعور والوجدان هو هو عينه منبع الحلاوة وموطن تجلياتها، وأن سليقته الجُوَّانيَّة التي يتغلب فيها حكم الطبع لم تستطع أن تقاوم "وحدة القصد" الغلابّة لوقع القرآن: وقعه على بؤرة الضمير، وعلى شغاف القلب، ووقعه على الشعور الدفين، وعلى الإحساس بالغيب؛ كلام لا ككل كلام ولا كأي كلام؛ كلام ألفاظه من لغة العرب بيد أن معانيه العجيبة تُميِّزه عن أجناس الكلام البليغ. هذا الوَقْع ليس شيئاً، لا.. بل هو كل شيء فيه: خاصَّة ذاتية تتجه إلى وحدة القصد بالمباشرة.

أين موطن الحلاوة فيما سمع الوليد؟ وأين موطن الطلاوة فيما شعر به من قوة هذه الوحدة القصديّة في هذا القول؟ ذلك ما لم يقدر الوليد على الإجابة عنه سوى أنه قال: ليس بقول بشر! كل ما هنالك أنه استسلم لحكم السليقة الجوانيّة الباطنة فيما تصيبه السليقة من وقع على الشعور والوجدان، وأنه ارتفع بارتفاع التذوق الرفيع لديه فأدرك، غير أن إدراكه لمعاني هذا القول الغلاّب قد أصاب منه كوامن النفس وبواطن البؤرة الدفينة في منب الشعور. لقد اتّجه بالسليقة الذوَّاقة والشعور الوجداني اتجاهاً مباشراً إلى وحدة القصد في القرآن، هذه الوحدة التي تشمل روح القرآن كله، وهى روح عليا لا وصف لها عندنا سوى سرِّ قوله تعالى:" والله غالب على أمره".

لقد قضى وحكم أزلاً أن تكون كلمته هى العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وبهذه القدرة الإلهية النافذة تسري حضرات التجليات في الكون كله على ما يشاء وفيما يشاء أن يسريها:" قُلْ لَو كَانَ البَحرُ مِدَادَاً لِكَلِمِاتِ رَبي، لنَفَدَ البَحْرُ قَبْلَ أن تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبّيِ وَلَو جِئنَا بِمثلِهِ مَدَدَاً ". كان كفار الجاهلية يتحاشون سماع القرآن، ويقول بعضهم لبعض:" لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه"، وكان الواحد منهم يضع إصبعيه في أذنيه ويستغثي ثيابه، لكي لا يسمع آية واحدة تؤثر عليه! لماذا؟ لأنهم يتجنبون سماع شيء هم يعلمون فيه الغلبة، بيد أنهم لا يفقهون لها مصدراً ولا يدركون لها تحديداً أو مبعثاً فيتحاشون وقعها في بؤرة الشعور بدايةً. يعرفون أن في هذه الحلاوة روحاً عليا ما إن يستلموا إليها أصابت بدورها فيهم كوامن الشعور وايقظت بغلبتها شعلة الوجدان. وأنه بهذه الحلاوة وبغيرها حقٌ لا باطل فيه، هو الحق الظاهر من حقوق غلبة التجليات الإلهية في تنوع الحضرات الخمس المشار إليها سلفاً.

إنّ كلمة "الحلاوة" لتعني كل ما تعنيه الكلمة من مدلول رُوحي ينفذ إلى صميم الوجدان فيهز البصيرة الذواقة هزاً. وحلاوة القرآن - على ما تقدَّم - ليست كامنة في بلاغته وكفى، ولا هى في أسلوبه وإخباره عن قوانين الغيب فقط، ولكنها، بالإضافة إلى هذه وذاك، الحلاوة التي تستوقف العقل والفكر والضمير وقفات التذوق والتأمل والحياة على المراد المشروط فيها لا في غيرها وهو بلا شك مراد "التدبُّر" كما في قوله:" أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها". وفي قوله تعالى:" كتاب أنزلناه إليك مباركٌ ليدَّبَّروا آياته وليتذكَّر أولوا الألبَاب". فالتدبُّر معرفة، والتدبر إحاطة، والتدبُّر إطلاع، والتدبر حضور، والتدبر فهم عن الله آياته؛ فإذا بالقارئ ينتقل مع حلاوة التدبر من رياض إلى رياض، ومن حياة إلى حياة، ومن وجهة في التفكير إلى وجهة؛ ليستبصر على اليقين الذي لا مرية فيه أنه ليس ككل كتاب ولا كأي كتاب من الكتب السماوية الأخرى، ولكنه كتاب يحوى من قوانين الغيب وقوانين النفس والضمير، "وفي أنفسكم أفلا تبصرون"، ما حوته الكتب السماوية، ثم سيطر وهيمن بما حوى عليها ..

في لفظه نموذجٌ لترحال القريحة وحياة خصبة للأساليب البديعة، وفي معناه أفاق لصقل المعنى حين يكون المعنى أطيب وألطف وأصدق مما يوصف به معنى في كتاب. وفي الحق أن كل ما يُقال في حلاوة القرآن على هذه الدلالة الشعورية الوجدانية من أوصاف لا توفيها مكانتها، ولا تقدّر على الحقيقة لها حقها ومقدارها، فتجئ من أجل ذلك كلماتنا مهما وصفت فقاصرة عن التعبير عما في هذا الكتاب من روعة داخلية وحقائق ذوقية هى بالضبط النموذج الأخَّاذ من مقاييس التقرير والإعجاز.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم      

 

 

عادل بن خليفة بالكحلةنحو قاموس جديد للعلوم الإنسانية والتغيير الإجتماعي

الدّولة الناجحة؟

«الدولة الناجحة» هي الدولة القادرة على تأدية وظائفها الأساسية.

كل الدول مطالبة، منذ ظهور الدّولة، بتأمين «النظام والسلام الداخلي، وإقامة العدالة»[1]، ومن ذلك «السهر على احترام السنن»[2] والاستقلال. ولما توسّع الفائض الذي تتحصل عليه الدولة، كلما توسع واجبها في تأمين الخدمات العامّة والأمن والمواصلات والصحة واستدامة الحياة، والنظر في شؤون المستقبل، و«السهر على راحة الرعيّة وكفايتها، والاهتمام بالتعليم العام، وتعبئة الأوقات الخارجة عن العمل (..) والضمانات الاجتماعية»[3]، والترفيه[4]. وتجتهد الدولة الحديثة، على اختلاف أنظمتها السياسية والاقتصادية وأصولها الإبِسْتميّة، فتجتهد في «حماية حضارتها، وتجدّ في نشرها بتشجيعها العلوم والفنون، التي تُسهم في تأمين امتدادها وانتشارها بالتعليم والإعلام»[5].

إن مصادر شرعية الدّولة أن تكون ناجحة، وذلك يعني «موافقة الرأي العام»[6]. ذلك أنّ الدّولة ينبغي أن تكون «قادرة على أن تفرض نفسها حَكَمًا [فوق القوى الداخلية المتنازعة] بفضل ولاية خاصة بها»[7] ذلك «أنّ الديمقراطية تفترض الدّولة»[8].

من معايير الدّولة الناجحة أن تكون قادرة على السيطرة على حِمَويتها، والتعامل بفعّالية وندّية مع الاجتماع الدُّولي. وليس بالضرورة أن تكون ذات مَصَادر مادّية بحِمَاها، ولكنْ يجب بالأقل أن تكون قادرة على توفيرها من الخارج دون أن يتسبب ذلك في تبعيّتها. وليس بالضرورة أن يَكون لها تناصُحٌ عِرْقي أو لغوي أو ديني، ولكنْ يجب أن يكون لها حدّ أدنى من التوافق أو الانسجام بين مكوّناتها

وليست العبرة في حجم البناء القانوني، وإنما في قدرته على اكتساب المشروعية الاجتماعية له ولدولته بما يقدم من استجابات ثقافية أو مَعاشية أو غيرها لأوسع النّاس. وكذلك الأمر للمؤسسات السياسية والمَعاشية.

وذلك بقطع النظر عن مسألة العدالة أو الديمقراطية (حقيقية كانت أو وهميّة أو غير مطلوبة[9]). وبقطع النظر عن أنّ هذا النجاح متأتٍّ عن سلطة نجاحٍ وحدها، أو لوجود معارَضة ملائمة أيضا، فدولة عبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك سليمان بن عبد الملك مثلا ما كانت لتكسب نجاحًا لولا اختراق المعارضة الإيجابية للسلطة (سكّ العملة المستقلة، ارتقاء ضبّاط تلك المعارَضة لقيادة الجيش الفتحيّ[10]، تنظيمها لمَعاش مستقلّ عن إكراهات الدّولة الاستبدادية...). ودولة كوبَا ما كانت للتجاوز أزمة انهيار المعسكر السوفياتي لولا مبادرة شعبها، لا مبادَرة السلطة، باتجاه الفلاحة البيولوجية والامتياز المقَارني الدّوائي والطِّبابي وباتجاه الإصرار السّيادي.

ولكن من الأكيد أنّ الدقرطة تزيد مشروعية الدّولة الناجحة قوّة.

كما أننا ينبغي أن نجد فيها القيادة ذات المشروعية الكثيفة الدرجة. فينبغي ان تكون نزيهة، عقلانية،حتى وإن كانت لَدُنِّيَّةٌ ( كارزمية)، قادرة على إدارة الأزمة، بل على إدارة التعارف، وتعبئة موارد الولاية الجماعية ومصادر العدالة بالمقاييس الخصوصية بالزمان والمكان.

مفهوم العالم الإسلامي:

كما اقترنَتْ «الدولة الفاشلة» في الحِموية العربية والحِموية الإسلامية بالليبرالية الكُمْبْرادورية العلمانية، أو المتظاهرة بذلك- بالأقل-، ها نحن نلاحظ اقترانها بالليبرالية الكُمْبْرادُورية المتأسْلمة، أي الرافعة لشعارات «الإسلام هو الحلّ» أي مِلّة[11] تنظيم الإخوان المسلمين العالمي؛ هذا إذا ما لم نعتبر  «دولة» الإسلام الوهّابي المستجدة («الدولة الإسلامية في العراق والشام») دولةً.

ولكننا في الآن نفسه نلاحظ وجود دولٍ في ما يُسمّى «العالَم الإسلامي» نفسه، تُعتبر من صنف «الدولة الناجحة»، من حيث تلبيتُها للشروط الضرورية لوجود الدّولة، بوجوه متقاطعة وأخرى متخالفة أحيانًا، ومِنْ حيث أنها ضمن الدّول الأقل فسادية في العالَم.

ربّما كان من الصعب تعريف «العالم الإسلامي». فهذا دُوپلا نُول يَدْلُف إلى كتابه تاريخ أرض الإسلام دون تعريف محدّد يُمَفْهِمُ دَلالته. إذْ بدأ بـ«نشأة الإسلام ومغزاه الأنثروبولوجي- الجغرافي»، بينما كان عليه- وهو الجغرافيّ أصْلاً- أن يبدأ بالتحديد التَّحْمَويّ وشروطه، أي بتحديد ماهية «أرض الإسلام» قبل الذهاب إلى تاريخها. وهذا المعجم الألماني (معجم العالَم الإسلامي)، وهو من المَعاجم القليلة عن «العالم الإسلامي» لا يبدأ بمقدمة مَفْهَمية لذلك العالم، بل لا نجد إحدى موادّه: «العالَم الإسلامي»[12]. وهذا قاموس الحضارة الإسلامية لإيف تُورَافال، لا نجد في مَوادّه «العالم الإسلامي» ولا ما في معناه تطابقًا أو تجزئةً[13]. وهذا قاموس الشعوب بإدارة جانْ- كْرِيسْتُوف تَامِيِزْييه يُعرّف «مسلمو الفيلپين»، ولكننا لا نجد في موادّه  «المسملون» أو«الشعوب الإسلامية» أو «الشعوب المسلمة» أو «العالم الإسلامي». وهذا ماكس فيبر (وهو من أعظم المتخصصين في علم اجتماع الأديان) لا ينتبه إلى مقولة «العالم الإسلامي». وهذا أنتوني بْلاَكْ، لا ينتبه إليها كذلك رغم أنه من المتخصصين في دراسة الفكر السياسي الإسلامي (الذي احتوى على مقولة «دار الإسلام» على اختلاف مَدْلولاتها من مَدْرسة إسلامية إلى أخرى)[14]. وهذاغِلْنَر يتناول العَالَم الإسلامي أجزاءًا، ولم يُفكّرْ فيه وِحْدةً متنوعة[15].

والأمر نفسه لدى هشام جْعَيّط في: الشخصية العربيّة- الإسلاميّة والمصير العربي، و أزمة الثقافة الإسلاميّة. وهذا مالك بنْ نبي، يكتب وجهة العالَم الإسلامي، ولكنه يبدأ دراسته بـ«مجتمع ما بعد الموحّدين» دون مقدمة مَفْهمية، ويستعمل فيه مصطلح «العالَم الإسلامي» دون أيّ توقف علميّ والأمر نفسه لعالم المستقبليّات مهدي المَنْجرة؛ وكارل بروكلمان صاحب تاريخ الشعوب الإسلامية. وهذا توماس أرنولد، الجغرافي- التاريخيّ على عظمة كتابه الدعوة إلى الإسلام: بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية[16]، لم ينتبه حتى نهاية بحثه إلى تبلور حِمويّة عالمية إسمها: العالَم الإسلامي.

لم يكن أطلس دول العالم الإسلامي لشوقي أبو خليل، حتى جَمْهَرة[17] موجهةً للأطفال، إذ كان جلّه خرائط تدّعي أنها سياسيّة، ولكنها ليست كذلك إذْ كانت تفتقر إلى العمل الخرائطي العلمي في أطْواره الراهنة، بل حتى أطواره في النصف الأول من القرن العشرين؛ وكان في تعاريفه المدرسية دون مَرْجعيّات؛ متعصبّا كأن المسلمين لا يمكن أن يخطئوا في حق غيرهم أو أن خلافاتهم مع الآخرين لا يمكن أن تكون ملتبسة؛ وكان تمجيديّا مطلقا للتاريخ الإسلامي الأقْطاريّ؛ وكانت أرقامه غير دقيقة، أو بالأقل لم ينبّه إلى اختلاف الإحْصاءات للمسلمين في الدّول التي لا يكونون فيها أكثرية مطلقة[18]...

يُمكننا القول أن العالم الإسلامي هو حِموية ذات عالمية أي ذات وجود قارّي، بل إنه يتجاوز القارّة، إذ نجدها في القارّات الأربع (آسيا، وإفريقيا، وأوروبّا الشرقية، وبقُطرين من القارّة الأمريكيّة: سورينام وغويّانة) بأكثرية مُطلقة أو أكثرية نِسْبية أو بأقليّة كبيرة ذات حِموية جهوية مُعتبرة غالبًا.

إنه عالَمٌ يتمثّل للدينَ الإسلامي بتأويلات متقاطِعةً، تقاطعًا كبيرًا أحيانًا وتقاطعًا نسْبيًّا أحيانًا أخرى، ولكنها يجب أن تتطابق في نهاية الأمر في الألُوهية الوحدانيّة والنبوّة المحمديّة (علاوةً على الإيمان بكل النبوّات) والقِبْلة الواحدة (الكعبة- مكة)، وتتقاطع تقاطعا يكاد يكون تطابقًا في طقْس الصلاة وطقس الصوم وطقس الزكاة وطقس الحجّ. ولذلك كان من السهل أن تنتشر فيه أطروحات الجامعة الإسلامية ونزوعاتها (جمال الدين الأفغالي ومحمد عبده في العروة الوثقى، وعبد العزيز الثعالبي...)، وأن تُعبّئ التضامنيّة باتجاه التطوّع القتالي لتحرير فلسطين من البريطانيين أو من ورثائهم الصهاينة من كامل حِمويات العالَم الإسلامي (بلاد المغرب، الهند، اليمن، السودان...)، ومن الممكن أن يُعاد توجيه تلك النزعة التضامنية لتُصْرف باتجاه العالمية الوهّابية التدميريّة أيضا.

لقد ظهر مصطلحٌ «دار الإسلام»، في العالَمية الإسلامية الأولى[19] ليْعني الحموية ذات الأكثرية المسلمة، أو ذات سيادة لدول مسلمة، أو ذات خضوع لـمدونة قانونيّة تدعي انتماءًا ما للإسلام. وربّما كان مقابله: «دار غير الإسلام» يستطيع فيها المسلم أن يعيش مسالمًا، ملتزمًا بقانونها العام، كما حدث لأصحاب النبيّ في دولة الحبشة بعاصمتها أكسوم حتى في زمان دولته[20]، وكان قد أوماهم بالتزام قانونها لأنّ «ملكها لا يُظلم عند أحد» رغم أنه ليس محمّديًّا دينًا. و لا أظن أن هناك مشروعية تقنينية تعلو على المشروعية المحمّدية- نظريًّا- في الاستنباط القانوني للمسلمين. ولذلك نجد الشهيد الأول يوكّد أنّ دار غير الإسلام قانونيّا «لا يَسكُنُ فيها مسلمٌ إلا مسالمًا»، فلا حق لمسلم في الصلاة في دار غير الإسلام بلباس قد يُثيرُ شكوك سكان تلك الدار[21]. فالمطلوب من دَار الإسلام أن تتمثل ﴿ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ ﴾ (سورة البقرة، الآية 208) في علاقتها بدار غير الإسلام قانونيّا؛ ولو أنّ العرفانيين يرون الكثير من الشعوب مسلمين دون وعي أو «بتحريف»، غير مقصود:

لقد صار قلبي قابلاً  كل صورة

فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف

 

وألواح توراة ومصحف قرآن

وفي كل الحالات ينبغي على دار الإسلام أن تلتزم بـ﴿ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ (سورة البقرة، الآية 190). فـ«الكافرُ» إنما هو حسب سورة الممتحنة: المعتدي على دين المسلمين أو حِماهُم (=﴿دياركم﴾ أو مالهم : ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿﴾ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ (سورة الممتحنة، الآيتان 8 و9).

وفي كل الحالات ينبغي عدم إكراه الآخرين على الدين المدني الإسلامي، حتى إن كان صاحب السيادة بالدّولة مسلمًا، فقد جاء في التنزيل المدني ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ (البقرة، الآية 255). ولقد كانت السيادة في العراق وإيران ومصر طيلة تحميّة الخلفاء الخمسة الأوائل  للحاكم المسلم، ولكنْ بقيت تلك البلدان ذات أكثرية غير مسلمة حتى القرن الهجري الرابع بالأقل، وكان مُوحّدوا الهند الأوّائل هم العائلة المغولية ولكنهم لم يفرضوا الدين الإسلامي عُنفا.

يضمّ العالم الإسلامي الراهن حوالي 57 دولة (تنتمي رسميّا إلى منظمة المؤتمر الإسلامي)ـ ذات أكثرية مطلقة أو نسبية أو ذات أقليّة معتبرة ذات حِموية جهوية، معتبرة أو موقع معاشي معتبر[22]، والأهم قبول الأكثرية انتماءًا إلى هذا العالم باسم منظمة المؤتمر الإسلامي، وتمثيل حِمويّته 22% من مجموع اليابسة، بين خطيْ الطول الغربي 61د  والطول الغربي 130د ، وكذلك بين خطيْ العرض الجنوبي 25د والشمالي55د عن خط الاستواء. وتعد غويّانة البلد العضو في منظمة المؤتمر الإسلامي الذي يقع في أقصى الغرب من القارّة الأمريكية وشمال أمريكا الجنوبية، فيما تعتبر أندونيسيا[23] الواقعة في جنوب شرقي آسيا أقصاها في الجهة الشرقية. وقع قازاخستان في أقصى شمال آسيا الوسطى، وتقع الموزمبيق في أقصى جنوب قارّة إفريقيا»[24].

يمكننا القول إنّ العالم الإسلامي هو وَسَط مجموع العالم: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾ (سورة العاديات، الآية 5). وهذا وإن كان من الممكن أن يكون مَصْدر قوّة سَوقية، فإنه يمكن أن يكون مَصْدر ضعف سوقي حسب الحَوافِّ السَّوْقية لهذه الحِمويّة.

يتميز هذا العالم الإسلامي بالامتداد الواسع للأراضي الجافة والقاحلة، ولكنها الحاملة لأهم القدرات الباطنية والمعدنية في العالم (نفظ، غاز، ذهب، ألماس....)، وتقع أقطاهر في مناطق تتصل بمياه العالم الحرّة، بالمضائق السَّوْقية والبحيرات والأنهار والينابيع الأهم في العالَم. ويحوي هذا العالم الإسلامي عديد الأرخبيلات والجزر وأشباه الجزر، وعديد الغابات الأهم في العالم.

يبلغ عدد سكان العالم الإسلامي 24.8 % كان العالم.

وقد تكوّن هذا العالَم الإسلامي بعوامل متداخلة فأوّل حِمويّاته تكوّنت بفعل طلبٍ من سكان يثرب، لم يلبّه النبيّ إلاّ على 3 مراحل حتى يتأكد من جدّية الطلب اليثربي ويضمن أكثر من ما يمكنُ من المُسلمِيّة اليثربية: العقبة الأولى، فالعقبة الثانية، فإمارة مُصْعب بن عُمير التي دامت حوالي سنتيْن. ثم كانت تحميّة اليمن بطلب يمنيّ، وكذلك تحمية عمان والبحرين. ولما كان «القرار» الاستئصالي، البيزنطي الساني لدولة النبيّ الجزيرية[25]، كان اضطرار التّحمية العسكرية الدفاعية متأسسًا بتبُوك باتجاه الحِمَى الإيراني والحِمى البيزنطي، بأمر استراتيجي (من سورة التوبة الآية 33 والآية 111 مثلا ) وكانت إفريقيا الشرقية (وأهمها: دولة الحبشة) خارج المُرادّة المحمديّة- الراشدية لأنها كانت متضامنة مع حرية الدعوة المحمديّة رغم عدم الإيمان الرسخي بها.

لكن الهيمنة الأمويّة- العباسيّة واغتصابها للكنز الإيراني- البيزنطي نِسبيًّا أو كليّا، أوجد عوامل تنافر، علاوة على عواتمل الجذب تجاه الدين الإسلامي، وبعض شعوب توسّط الجَمْع العالمي اختزنت نوازع الجاذبيّة والتنافر، المتضادة، تجاه الإسلام، بلا وعيها الجمعي[26] . كما أنّ الإكراهات المذهبيّة تركت مثل ذلك من العُقد المتناقضة التي لا يمكن أن تصل مهما كان حجمها إلى حدّ الانفصال عن عروة الإسلام[27]. ولكنها لن تسمح بسهولة تبلور إسلام صحيفة المدينة حديثًا، ولا بتبلور سهّل للإسلام العقل والتسامح والاقتدار الحضاري والمَعاشي والدولة الناجحة.

ونلاحظ الاختلاف العميق بين دول هذا العالم الإسلامي، في الاتجاه السيادي أو عدمه الكمبرادوري، وفي اتجاه التضامنيّة الحقيقية من أجل قطلب عالمي غير منحاز للإمبريالية، وفي وجود مَعاشٍ سيادي أو معاشٍ تبعي، وفي وجود انتحالٍ وفنٍّ ورياضات أصاليّة أو مُتماهية بالمُنتحل الآخريّ بحجم فادح... وهذا ما يترك هذا العالم الإسلامي رهين شبكة ارتباطه القديم بالمركز الإمبريالي، عمومًان دون اقتدار على بناء الدّولة الناجحة، فضلاً عن التضامنيّة الفعّالة باتجاه التكتّل والتبادل بين أجزائه والتأثير في مستقبل العالَم ومنعه من الانقراض المهدَّدية[28].

فكيف أفلتت بعض دول هذا العالم الإسلامي من هذا القدر العامّ

مفهوم المِنْوَالُ المَعَاشي[29]؟

«المِنْوَال» في الأصل مفهوم رياضي. إنّه يعني «ترجمة ملاحظة بهدف تطبيق الأدوات والتّقْنيات والنظريّات الرياضيّة، ثم تعميمًا بالاتجاه المعاكس؛ فترجمةُ النتائج الرياضيّة المتحصّل عليها في شكل توقعات وعمليّات في العالَم الواقعي»[30].

يرتبط المِنوال دائما بما نبْتَغي استنباطُه. فالموضوع الواحد لنْ نعالجه بمنوال وحيد، إذْ سنختلف في وضع تجليّاته الفكرية، وفي اختيارنا، عَزْلَهُ  أو إقحامه في مجموعة، فضلاً عن اختيار قِيَم الثابِتات[31].

وحتى مع تثبيت الغرض، ستختلف المناوِيل بالموضوع الواحد، «حسب الاختيار المُسبق للبيئة الرياضية الصالحة لوصف مجموعة الظواهر».

يُمكن أن نَتّجه من الواقعيّ إلى المنوال (المَناويل الوَصفية)، ويمكن أن نتّجه من المنوال إلى الواقعيّ (المنوال المثاليّ) فيكون المنوال قابلاً لمنح القدرة على تقريب المشكل من منوالٍ قديم.

وتختلف المَناويل حسب النجاعة الإجرائية، وحسب التراتب المَنَاويليّ (المِنوال الابتدائي، المنوال البنائي، المنوال التوليدي...).

يبدأ المِنوال بمساءَلة الوضعية المستقبلية مساءَلةً تعقيديَّة؛ ثمّ يكون تحديد حقل المُشكل بالبحث عن المعطيات المفترضة؛ ثمّ يكون البناء بترشيح اللاّانتظامات وبإعادة تركيب العناصر المفقودة لحفظ تَمَاسُك[32] المجموعة؛ ثم ترشّح جملة القواعد أو المعادلات؛ وفي الأخير يَكون  تَصْديقُ المنوال بتطبيق القواعد على المعطيات بحثا عن الوضعية الأصليّة.

وحسب بِنْوَا لِيفَاسْكْ ، ينبغي أن لا يكون تعريف المنوال المَعَاشي مُدْرَكًا بماهو إطارٌ ثابت، ولكنْ ينبغي أن يكون ذلك «في اتجاه هيئة جامعة عناصر مختلفة حيث التّناصح ناتج عن بناء نظريّ بَعْديّ، مُطابق»[33]  لمنهج النمط المثالي لعالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر.

وبذلك نجد خمسة عناصر سامحة بتَبيّن المَناويل المَعَاشية: الفاعلون الاجتماعيون (قوى ورؤيةً وسَوْقًا[34]) و«تحالفاتهم من أجل إنشاء كتلة اجتماعية وپرادِغْم مجتمعيّ يمنحه معنىً»[35]؛ ونمط ضَبْط وأشكال وِلاية[36]، ومنها «الموقع المختصّ بالسُّوق أو الدّولة أو المجتمع المدني»؛ ونسق الإنتاج («أشكال تنظيم العمل، والروابط بين المقاوَلات والسياسات الصناعية والمَعاشية)؛ ونسق الخدمات العمومية وإعادة توزيع الخدمات وتنظيمها؛ و«سياسات الاندراج في المَعاش العالَمي».

إنّ المنوال المعَاشي هو نسق مجرّد، وظيفتُهُ تجسيد الحقيقة «بطريقة مبسّطة جدّا، ولكنها مُقَعَّدة»، أو السماح بدراسة ظاهرة واقعية حيث لا يبحث المنوال عن أن يكون واقعيًّا.

ننتظر مِن الجعْل المِنواليّ تعريف المَفاهيم، وتحديد مجموعة مَنْ ينبغي تدخلهم متزامنين، الذين يجعلهم بناء العلاقات النظري متعيّنين وذوي هيئة[37].

مِن الضروري أن يكون المنوال قادرًا على التوقع، مِنْ أجل التحكم في اختيارات الميزانية، وغير ذلك؛ وعلى الصُّورية من أجل تقدير آثار انخفاض ضريبة القيمة المضافة وغيره، أو التحسين، كما أنّ أرْقَمَة[38] العلاقات تسمح بتقييم المتغيّرات الخارجيّة على المتغيّرات الداخليّة.

إنّ المِنوال المَعَاشي بماهو جملة تآويل وأمثلة وترسيمات لتوجيه التنمية المَعاشية، مختلفٌ عن مَنَاوِيل النموّ. فهذه الأخيرة تُهيّأُ مِن أجل مرحلة تنموية محدّدة، في حين أنّ الأولى تَطْلُب «تعديلاتٍ هامَّة، وحتّى حاسمة، وبُنًى اجتماعية- اقتصادية»[39].

إنّ مناويل تنمية المعاش يعني أوّلاً السيرورات التاريخية للتحوّل الاجتماعي والصّعود المعاشي بالعالَم الثالث.

ودون شكّ أن مناويل تنمية المعاش تختلف من إبِسْتِمية إلى أخرى، ومن اختيار بَرَادِغْميّ إلى آخر، سواءًا كُنّا في أرَانات المركز أو كُنَّا في أرانات التّخوم، أو كنّا في أرانات التمتُّع العالَم- ثالثيّ...

 

د.عادل بن خليفة بِالْكَحْلَة

(باحث إناسي، الجامعة التونسية)

........................................

[1] . بوتول (غسطون)، سُسيولوجيا السياسة، منشورات عويدات، بيروت، 1982، ص 38.

[2] . بوتول (غسطون)، م. س، ص 38.

[3] . م. س، ص 42.

[4] . م. س، ص 46.

[5] . م. س، ص 54.

[6] . بوردو (جورج)، الدّولة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1987، ص 142.

[7] . بوردو (جورج)، م. س، ص 142.

[8] . بوردو (جورج)، م. س، ص 142.

[9] . راجع: حاجي نائف (نبيل)،« الدولة الناجحة والدولة الفاشلة»،

[10] . أفضل مثال لذلك: موسى بن نصير وقتيبة بن مسلم الباهلي...

[11] . استعمل ابن خلدون مفهوم الملة بمعنى «الاديولوجيا» فاستعمل مصطلح الملة الأموية

[12] . راجع: كَريزو (كلوس)، وديم (فارْنَر)، ومايِر (هانس جورج)، معجم العالَم الإسلامي، ترجمة جورج كتّورة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1998.

[13] . Thoraval (Yves), Civilisation musulmane, Larousse, Paris, 2001.

[14] . Tamisier (Jean- Christophe), Dictionnaire des peuples, Larousse, Paris, 1998.

[15] . راجع مثلا: بْلاك (أنْتُوني)، الغرب والإسلام: الدين والفكر السياسي في التاريخ العالمي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، نوفمبر 2012.

[16] . صدرت الطبعة العربية عن مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة عام 1970، رغَم أنه صدر لأوّل مرة عام 1896.

[17] . الجَمْهِرة: Encyclopedie, Encyclopedy.

[18] . أبو خليل (شوقي)، أطلس دول العالم الإسلامي، دار الفكر، دمشق، 2008، (ص19، ص23، ص25، ص27، ص31، ص85، مثلا...).

[19] . العالمية الإسلامية الأولى هي العالميّة (أي التّحمية ذات المدَى القارّي أو ما بعَد القارّي) التي بدأت بتأسيس دولة المدينة لتنتهي بسقوط سيادات الدوّل المسلمة في ما   يسمى العصر الحديث (مِنْدناو تحت الإحتلال الإسباني عدن عام 1880، تونس عام 1881...)

[20] . صفوي (سيد يحيى)، وحدة العالم الإسلامي: أفق المستقبل، المجمّع العالمي، 2010، ص57.

[21] . م. س، ص. 57 أيضا.

[22] . م. س، ص 62 و63.

[23] . أندونيسيا: في الحقيقة: «هِنْدُونيسيا» أي «جزائر الهند»، ولكنها «أُميّة» اللغة العربية المعاصرة!! (انظر:....، هندونيسيا،......، القاهرة، 1967،

[24] . صفوت (سيد يحيى)، م. س، ص. 65.

[25] . أرخت لذلك سورة التّوبة.

[26] . كثرة سبّ الدين وسبّ الجلالة ببلاد المغرب، رغم عمق الإيمان الصوفي بالإسلام فيها، يبيّن أن الزمن الأمويّ الإكراهي لم تحرّر الشخصية المغربية بالتمام من عُقدها.

[27] . راجع: الطالبي كتاب "الصّراع اللاهوتيّ في القيروان، سوتيميديا،تونس،2017؛ وراجع بالكحلة(عادل)، الملة السلفية: التحولات قيد النشر

[28] . انظر مثلا كولبرت( إليزابيث) الانقراض السادس، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ....ابريل 2019..

[29] . «المعاش» في استعمال ابن خلدون هو ما نُسميّه اليوم «اقتصاد» ولكنّ مصطلح «اقتصاد» ليس موضوعيّا بل فيه شحنة من إيديولوجيا رأسمالية- فيزيوقراطية؛ فهناك مَعايش«تبذير» و«تبديد» كما هناك مَعَايش «اقتصاد» وترشيد.

[30] . Mathéron (George), Estimer et choisir : Essai sur la pratique Des probabilités,  Ecole nationale supérieure  des mines Paris, 1978,P12.

[31] . الثابتة: مَقادير محدّدة تتوقف عليها دالّة متغيرات مستقلة.

[32] . التماسك Cohérence، وأعلى دَرجاته: التناصح (Homogeneity)

[33] . Bordeleau(Daniele) t autres, « Quel modèle de développement ? », Revue interventions économiques, 29/2002 P.2.

[34] . « السَّوْقُ » في اللّغات الأوروبية: Stratégie, Strategy.

[35] . بُرْدِلو، م. س.

[36] . الولاية: في اللغات الأوروبية:  Gouvernance (راجع استعمال ابن خلدون لهذا المصطلح).

[37]Echaumaison(C-D), Dicionnaire d'économie et de sciences sociales, Nathan Paris,1998,P.285.

[38] . الأرْقَمة: Chiffrement (أمّا «الرقمنة» فلا وُجود لها في القاموس العربي!!)

[39] . م. س.

 

مهدي الصافيالانظمة العرببة الشمولية جعلت التفكير والثقافة الشعبية البسيطة شمولية ايضا، حيث وجد المواطن نفسه بغياب دولة المؤسسات داخل دائرة الاشتغال والانشغال بجميع مجالات الدولة والمجتمع، في السياسة والاقتصاد والزراعة والصناعة والدين، يتحدث ويتدخل ويناقش لا اراديا في جميع تلك المفاصل والقضايا، فأصبحت شعوبنا من اكثر شعوب دول المنطقة والعالم ترديدا لنظرية المؤامرة، فالثقافة الشعبية تتزاحم مع اهل الاختصاص والنخب المثقفة، وتتقدم عليهم احيانا، لانهم ادوات السلطة والانتهازيين في مواجهة مسيرة المعرفة والتنوير....

ليس طبيعيا ان تتقهقر امة ذات تأريخ وحضارة عريقة بمثل ماحصل للامة العربية، تداخلت في ثقافتها التراثية الاساطير والاديان والاحداث المتعاقبة على تلك الارض الثرية، فتحولت بلادهم الى حقول تجارب اممية، وطريق لنشوء الحضارات الجديدة، دمرتها الازمات والصراعات الداخلية والاطماع والحروب والغزوات الخارجية ....

تنقسم كما نعتقد مراحل التطور الاجتماعي الحضاري الحديث الى خمسة مراحل:

اولا: المرحلة البدائية في بناء الدولة والمجتمع اي مرحلة مابعد الاستعمار

ثانيا: مرحلة اشباع الغرائز الشخصية او الفردية (المادية والجنسية والتسلطية والطبقية)

ثالثا: مرحلة التوتر والصراع والانفصام والانفصال السياسي والديني (مرحلة الازمات والمعاناة الداخلية، والدعوات لفصل الدين عن الدولة)

رابعا: مرحلة الديمقراطية البدائية والانصهار التدريجي في الحضارة الالكترونية

خامسا: مرحلة الثورة الاصلاحية الفكرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية الشاملة اي مرحلة بناء الديمقراطية المدنية في دولة المؤسسات

لاشك ان الامة او المجتمعات العربية ظهرت بعد ثورات الربيع العربي فارغة بلا مقومات او نظريات او اسس ديمقراطية او سياسية او حتى فكرية، بل اتجهت وانجرفت بقوة نحو الاسلام السياسي، ومن ثم انتقلت الى مرحلة التطرف والفساد والفشل، بعد ان عايشت ومارست فعليا نظرية الفراغ الفكري والسياسي عند استلامها الحكم او القتال من اجل الوصول اليه،

اذ لا توجد لديهم اية تجارب سابقة في مجال الادارة والحكم، ولايملكون في تراثهم غير تاريخ دولة الخلافة، مما جعلهم يصطدمون بالواقع ويخسرون التجربة تدريجيا، عبر خسارة تفاعل الشعوب معهم، الذين يرون الفرق الشاسع بين الحضارة الالكترونية، وبين مايراد تطبيقه عمليا من تراث سلفي او اسلامي طائفي في الدولة والمجتمع،

لن نتحدث عن المرحلة الاولى، التي بدات نتائجها جليا بعد ٢٠٠٣، وماحصل من انهيار سريع في جدار الانظمة الحديدية (مرحلة مابعد الربيع العربي)، انما عن المرحلة الثانية"مرحلة اشباع الغرائز"، وهي المرحلة التي خرجت فيها كل الموروثات السياسية العربية والاسلامية (الخلافة الاموية والعباسية، الخ.)،

تلك المخزونة في الذاكرة عن السيادة والتسلط، وحب المال والجاه، والجنس وتوريث الحكم،

ولا نبالغ ان قلنا ان الاعم الاغلب يعيش حالة الطموح نحو الاستئثار بالحكم ونهب ثروات الشعوب، الغريب ان الاسلاميبن كانوا اول من اندفع لتنفيذ تلك الامنيات، عبر ضخ فتاوى نهب المال العام (نظرية مجهول المالك)،

واخذ الحقوق الشرعية، وتشجيع مسألة تعدد الزوجات (او كما فعلت الجماعات الارهابية في جرائم بيع النساء والاغتصاب الجماعي بحجة الجهاد)، او العمل كوعاظ مأجورين تحت عصا او سيف الحاكم.

ان الفقر والحرمان والكبت الجنسي هما اهم العوامل المتوارثة المؤثرة في المجتمعات العربية، وكما هو معروف ان التعطش لاشباع تلك الغرائز لاتنتهي بسهولة حتى مع جعلها متوفرة في بعض الدول، لانه عطش تأريخي اخذ فترة طويلة حتى تفككت بعض اجزاءه او اسواره، ولعل ابسط هذه الامثلة النظر الى امراء ومجتمعات الدول النفطية الغنية (بعض حكام الخليج، نظام صدام البائد، وظاهرة القذافي الخ.)،

تجد هناك شراهة في البذخ والاسراف المادي والاشباع الجنسي المتواصل,هذه الجوانب السلبية هي دليل التخلف والانحطاط الحضاري، فبينما تجد ان الحضارة الغربية قد تجاوزت تلك المراحل منذ عقود او حتى قرون، وعبرت الى مرحلة الحضارة الالكترونية، ومايتبعها من انطلاقة جديدة الى مرحلة الحضارة الانسانية والفضائية الحالية،

ترى ان المجتمعات العربية لازالت تدور في دوامة الصراع والتوحش السياسي والاجتماعي البدائي،

لايقدر احد منهم على انتشالهم من هذا الواقع، الا عبر الانخراط والرضوخ الى الارادات الدولية والاقليمية،

وكانهم يتصارعون في قعر بئر او مستنقع واسع، ينتظرون من يمد لهم حبال النجاة من قبل الدول والقوى الاجنبية المنشغلة بشؤونهم، حتى مع وجود امكانية الخروج من الازمات والكوارث، فما ان يخرجوا من ورطة ودوامة، حتى وقعوا في اخرى اصعب واشد...

اكثر الامتلة والتجارب الحية على تلك الانكسارات والهزائم النفسية للمجتمع، هي تصرفات الحاكم او المسؤول العراقي بعد2003، فبعد ان كانت ظاهرة او مرحلة اشباع الغرائز محصورة في الدوائر الضيقة التابعة للانظمة السابقة المتعلقة بالاسر القليلة الحاكمة، نراها اليوم تتسع وتتشعب لتشمل اغلب مسؤولي الدولة الكبار والصغار،

وصولا لاصغر موظف يمتلك امكانية النفوذ لخزينة الغرائز، يبدأ المسؤول بغض النظر عن خلفيته الدينية او الطائفية او العرقية او انتماءاته ومرجعيته الفكرية، بتوزيع تلك الغنائم بين الاسرة والعشيرة، بمنح الوظائف والمنافع والقروض والتعاقدات والاجازات الاستثمارية، والسمسرة وعمليات النهب المنظم لللمال العام وشراء اراضي الدولة، الى مرحلة الابتزاز والضغط والتهديد والاغتيالات ان تطلب الامر، ثم التوسع والدخول في اغلب المجالات والاستثمارات بما فيها المدارس والجامعات الاهلية، ومستلزمات المستشفيات والمراكز الصحية، وبيع المناصب والوظائف الحكومية الخ.

وكأن الامر بازار للمزاد العلني للاشباع الشامل، يستحضر في مخيلته صورة الجواري والإماة والخدم والحشم في العهد العباسي، ولهذا يقال ان الشهيد محمد باقر الصدر قد ذكر لبعض طلبة الدراسات لدينية يوما  (بما معناه) صعوبة مواجهة ومقاومة دنيا هارون الرشيد، جدير بالذكر هنا ملاحظة حجم تأثير التراث العباسي الذهبي على الانسان العربي،

حيث صار ضرب الامثلة به حاضرة في هذا العصر ايضا، لما له من تشابه واقعي في بعض الدول العربية (التي قد يكون بعضها اسوء بكثير من الواقع العراقي، الا ان بعض هذه الدول اهتمت بتوفير وتطوير الخدمات واسباب رفاهية المجتمع، مما سمح باخفاء اغلب تلك الحقاىق، التي سرعان ماظهرت مع اول ازمة اقتصادية عالمية بعد حالة الاغلاق العالمي وانهيار اسعار النفط جراء انتشار وباء كورونا)، فضلا عن اننا امة تعيش في الماضي، بحكم الدين والانتماءات القبلية والطائفية،

مما يجعل من التراث كائن او عضو افتراضي حيا داخل منظومة العقل العربي، الغريب ان التراجع الاخلاقي والقيمي يكاد يكون حالة عامة في الامة...

هناك قلة من النخب العربية عبرت الى المرحلة الثالثة من مراحل التطور الاجتماعي، وهي تحاول جاهدة جذب العديد من ابناء المجتمع، وتشجيعهم على العبور من المرحلة الثانية الى الضفة الاخرى، وهذا يتجسد في الاشارات الاعتراضية والنقدية للتراث الديني والقبلي، الذي يطلق عليه من قبل المؤسسات الدينية المتشددة بظاهرة الالحاد

 (بعد ان كانت تسمى زندقة سابقا)، او الصاق تهمة الانحراف عن الهوية الاسلامية، والهرولة خلف الحضارة العلمانية، الى ماهنالك من اتهامات وشماعات جاهزة، علما انهم يتعمدون الفصل بين الحاجة الى التكنولوجيا وبين الفكر الغربي، ومع ان الابداعات والابتكارات والانجازات العلمية لايمكن لها ان تتم وتنجح تحت الحكم الشمولي او الاستبداد الديني، وخصوصا بعد ان حشر بعض رجال الدين والفقهاء انوفهم في كل المجالات والاختصاصات والعلوم والمعارف الانسانية والطبيعية،

حتى اصبح من الصعب اقتحام او مواجهة هذه التعقيدات المقدسة من وجهة نظرهم، هذه المحاولات التي تارة تتجه لتفكيك الموروث الديني، ووضعه على طاولة النقد العلمي والمنطق العقلي، وتارة اخرى تضع العادات والتقاليد والبيئات الاجتماعية الموروثة تحت ادوات وطرق التحليلات والدراسات الاجتماعية الحديثة، لمعرفة اسباب الانكماش والتراجع الحضاري لهذه الامة..

لايمكننا الحديث عن المراحل الثلاث الاخيرة قبل ان تأخذ المرحلة الثانية مدياتها الواسعة في البحوث النقدية والدراسات الاجتماعية الفلسفية والاكاديمية، حيث يمكننا ان نقسم المرحلة الثانية (مرحلة اشباع الغرائز) الى عدة اقسام او مراحل او عناصر وعوامل الجذب الاجتماعي:

اولا: غريزة حب الاستبداد والتسلط الديني او القبلي او العرقي او العائلي (الابوية الاجتماعية)

ثانيا: غريزة حب المال والتوريث المادي: التاريخ والبداوة وتأخر اكتشاف النفط، تركت هذه لامة عرضة لسهام الفقر والحرمان والمعاناة، مما جعل بعضها يعتمد عل مهنة الغزوات والغارات وقطع الطرق، الى ان جاء الاستعمار الاجنبي واحدث نقلة نوعية في المنطقة، بأكتشاف مصادر الطاقة واستثمارها، بعد ان ازدادت الحاجة اليها عالميا مع التطور العلمي التكنولوجي، تحولت منذ ذلك الوقت الى ماكنة الثراء الفاحش في المنطقة، ولازال اغلب الحكام العرب منغمسين في مهمة جمع وكنز الثروات، واشباع رغبة الاسراف والتبذير التي كانت معروفة تأريخيا عندهم قبل عصور الظلام (بعد سقوط بغداد وانهيار الدولة العباسية)...

ثالثا: الغريزة الجنسية: هذه الامة ومناخها وطبيعتها والبيئة الصحراوية الجافة فيها، اضافة الى العادات والتقاليد والتزمت والانغلاق الاجتماعي، والتي لازالت بعض الدول تقلص مساحات الحرية للمرأة، وتضع شروط وقيود صارمة عليها في الخروج من البيت او مزاولة بعض الوظائف والاعمال، والحالة النفسية المضطربة للمجتمع بشكل عام، جعل مسالة انتشار التحرش الجنسي والشذوذ ظاهرة نسبية لكنها شبه طبيعية مع انها محرمة دينيا واجتماعيا (في ثقافة كانت تتغنى بالجواري والغلمان وهو مرض تراثي خبيث)،

فحالات الكبت والحرمان وتعذر ايجاد الحلول المنطقية لها (الفقر وصعوبة توفير مسلتزمات ومقومات الزواج المبكر)، ادت بالنتيجة الى زيادة الانحرافات والتشوهات الا.جتماعية، من هنا اصبحت هذه الظواهر ثقافة عامة، سواء كانت خاملة او نشطة نفسيا وعمليا، فهي تعد نافذة مهمة من نوافذ الاشباع الغرائزي، والتي تختم بتعدد الزوجات او العشيقات

رابعا: غريزة الخوف من عودة صور الماضي البائسة، والاعتقاد بان المستقبل سيبقى مجهولا، ومن الطبيعي تخيل انه سيكرر نفس المعاناة،

فالدول العربية لم تقدم لشعوبها اية ضمانات مستقبلية عن المصير الاجتماعي، كما تفعل الدول الغربية التي تعنى وتهتم بحياة وخدمات ومستقبل المواطن، عبر ترسيخ مبدأ العدالة والضمان الاجتماعي والصحي والتربوي، الخ.

فالانسان العربي سواء كان غنيا او فقيرا لايثق بسياسات دولته، معتبرا ان النظام السياسي هو نظام قلق غير ثابت، لان الدولة ببساطة ليست دولة مؤسسات ديمقراطية مهنية مستقلة راسخة، هي نموذج سياسي بدائي، يؤمن بلعبة الحظ، وانتهاز الفرص، واستغلال الموقع والظروف من اجل الاثراء على حساب المال العام، من يصل لقمة هرم السلطة يصبح قادر ان يستولي على هذه الثروات ويبعثرها يمينا وشمالا، ولكن غالبا ماتكون بعيدا عن بلاده، كي لاتكون سببا للنقمة والاحقاد والتشهير والحسد او الاثارة...

المجتمعات التي تغيب عن حياتها العامة المرأة كفاعل رئيسي في الادارة وصنع القرار، هي المجتمعات القابعة في مرحلة الغرائز، والامة العربية اكثر الامم تراجعا في مسألة وقضية حقوق المرأة، اما الجدل والنقاش الدائر حول المساواة بالارث، واعطاءها فرصة العمل السياسي والقضائي، فهي محاولات نخبوية قليلة الدعم، مرفوضة دينيا واجتماعيا، ولهذا يكثر ترديد عبارة المجتمع الذكوري في بلادنا...

الحلول هي كالعلاج، وكما يقال معرفة او تشخيص المرض نصف العلاج، وضعنا في هذا البحث المختصر ما نعتقد انها اهم اسباب انهيار منظومة التطور الاجتماعي الطبيعي، المعطلة لعجلة التقدم في بلادنا، وكأننا امة معزولة عن الامم المتحضرة، وذلك عائد لغياب منظومة المبادئ والقيم والاخلاق الانسانية العلمية، اذ لايمكن ان يكون الماضي افضل علميا او اخلاقيا وحتى دينيا من الحاضر، اليوم اصبحت اساليب وادوات الفهم والادراك والمعرفة اكثر وضوحا وتقدما، فكلما تقدم العلم تقدم معه عقل الانسان، واتسعت لديه مدارك ومجالات التفكر والاستيعاب (المعارف والتحليلات العلمية المسموعة والمرئية او المقروءة او التوثيقية الالكترونية)...

النقلة النوعية التي تحتاجها بلادنا هي التركيز على تأسيس مراكز البحوث الاجتماعية والعلمية، وتخصيص ميزانية مناسبة للمؤسسات والمنتديات والجمعيات الثقافية والفنية والمدنية الاخرى، والاهتمام بالمواقع الثقافية الالكترونية، والتفاعل مع شبكات التواصل الاجتماعي، كذلك العمل بصدق من اجل انهاء ظاهرة الفقر والعوز المادي عبر دعم مؤسسات الضمان الاجتماعي والصحي والتربوي، والتأكيد على مسألة الفصل بين السياسة والدين والحاجات الضرورية للمواطن،

وانصاف شرائح المجتمع المبعدة عن مواقعها وماكنتها الجتماعية، بالاعتناء والاستماع وفتح النوافذ للنخب الوطنية العابرة للانتماءات والهويات والمحسوبيات المختلفة، واعطاءها حرية كاملة ومساحة مفتوحة في العمل النقدي الهادف، دون وضع اية محرمات او خطوط حمراء، على اعتبار ان بيئة الفكر الانساني الحر لايمكن لها ان تنموا في الاوحال او داخل الاسوار المظلمة....

الاشباع الثقافي والعلمي او التسلح المعرفي يمكنه مواجهة الاشباع الغرائزي، واعتبارها ظاهرة مرضية تعارض الفطرة الانسانية السليمة، لابد من ايقافها ومعالجتها نفسيا وعلميا..

 

مهدي الصافي

 

عقيل العبودمقاربة فلسفية لحقيقة الذات الالهية

يبدو ان هنالك تعارضا في تفسير المعنى الخاص بكلمة المتناهى، فهو يعني بحسب اصحاب الفلسفة اليونانية انه المتكامل بصفاته وطبيعته، وهو المدرَك المحدد الأوصاف، وبعكسه اللامتناهى كونه بحسبهم إنما يشار به الى غير المدرَك وغير المعرف، اوالمحدد الأوصاف.

ولذلك يعد المتناهى هو الأكمل بنظرهم، اما اللامتناهى فهو الناقص باعتباره غير واضح التعريف.

بينما فيلون يعتبر ان اللامتناهى هو الأكمل، فهو يحيط بالمتناهى، وهو الكلي بصفاته غير المدركة، ولذلك لا يمكن ادراك حقيقته الوجودية، وغير المدرَك يعني ان العقل يعد قاصرا للإحاطة بصفاته وطبيعته اللامتناهية.

ولذلك وبحسب تحليل الدكتور بدوي، فان المعنى ينساق الى تعريفين لفهم حقيقة اللامتناهى، الأول ديني، والثاني فلسفي، اما التعريف الديني فهو متعلق بطبيعة التفكير الخاص بفيلون، والذي يتعارض مع التفكير الفلسفي، كون الفلسفي يسلب لغة الكمال عن اللامتناهى، وذلك من باب السلب والإيجاب، أي انتفاء الصفات وعدم اثبات حقيقتها الوجودية.

والمعنى كما ما يبدو لي بحسب فيلون، هو ان اللامتناهى يدخل في باب (السلوب)، من باب سلوب الإدراك، وليس من باب سلوب الصفات، كون العقل يصعب عليه القيام بمهماته الإيجابية في استكشاف المعنى الوجودي لصفات اللامتناهى.

 

وبعكسه المتناهى فهو يسهل ادراكه والإحاطة به، كونه محدود بطبيعته الوجودية، فهو (محصور الصفات وليس معلوم الصفات كما عبَّرَ فيلون).

وأصل الإشكال ان السلوب بحسب اصحاب التفكير اليوناني من السلب، والسلب نفي لتحقق الذات، وهو بعكس الإيجاب الذي يعني تحقيق الطبيعة الادراكية للذات. ولذلك يعد فيلون ان عدم ادراك اللامتناهى هو قصور الطبيعة الادراكية للتفكير المتناهي.

وهذا بحسب الدكتور بدوي يعد اشكالية وقع فيها فيلون باعتبار ان هنالك تناقضا بين الثبوت والسلب، فهو يقول:

"ولهذا نجد فيلون من ناحية ينظر الى صفات الله باعتبارها سلوبا، ولكنا نجده من ناحية اخرى ينعت الله بصفات ايجابية ، لأنه لا بد ان يحدد هذه الصفات السلبية على أساس فكرة لديه عن ماهية الصفات الثبوتية الواجبة لله، ولم يستطع فيلون ان يتخلص من هذا التعارض بين الصفات الثبوتية وبين الصفات السلبية" [1].السطر ١٨-٢٤ ص ١٣٠-٣١.

وهذا ما يدعو للبحث في خصوصية المعنى الدقيق لقضية الصفات السلبية التي يقصدها فيلون، بغية التمييز بينها وبين المراد من الصفات الثبوتية.

فالسلب الذي يقصده فيلون بحسب اعتقادي هنا يعود الى عدم تحقق المدرَك من الصفات، والإيجاب هو تحقق المدرَك من الصفات. وهذا هو محل الإشكال الذي يعتقده الدكتور بدوي كما يبدو.

وبما ان الله غير محدد بصفاته فهو الكلي، والأكمل الذي لا حدود لطبيعته الوجودية.

ولذلك جاء في تفسير الدكتور بدوي:

"وهذا يبدو اول ما يبدو بأوضح صورة في فكرة فيلون عن الله. وهنا نجد لأول مرة في تاريخ الفكر الديني اوالميتافيزيقي فكرة اللامتناهى، بإعتبار أنه اعلى درجة من المتناهى. فالحال قد انقلب هنا الى الضد تماماً مما كانت عليه الحال من قبل في التفكير اليوناني: فقد كان اليوناني ينظر الى اللامتناهى باعتباره أحط درجة من المتناهى، لأن المتناهى هو الذي له طبيعة وهو المحدود، وما له طبيعة وما هو محدود أعلى درجة قطعاً من الشئ اللامتناهى، غير المحدود بطبيعته"[2]. المقطع الثاني، السطر ١-٨.

وهذا يعني ان فيلون قد ساهم في توضيح وإيجاد المعنى الآخر لفكرة اللامتناهى.

إذن هنالك مدرستين متعارضتين في فهم حقيقة اللامتناهى، الأولى تنفي حقيقة الأكملية عن اللامتناهى وهي المدرسة الفلسفية، والثانية تقر بأكملية المتناهى وهي المدرسة الدينية اوالميتافيزيقية التي اتبعها فيلون.

 

عقيل العبود

.........................

هوامش:

- الدكتور عبد الرحمن بدوي، خريف الفكر اليوناني، السطر ١٨-٢٤ ص ١٣٠-٣١. صفات الله عند فيلون.

- الدكتور عبد الرحمن بدوي، خريف الفكر اليوناني، دار بيروت الطبعة الأولى. ص ١٢٩، سطر ١-٨، المقطع الثاني.

* ملاحظة كُتبت كلمة (اللامتناهى)، هكذا كما وردت في النص.

 

 

عدنان عويدفي المفهوم: إذا كان الاستهلاك في سياقه العام يعني استخدام المنتوج الاجتماعي في عملية تلبية الحاجات الإنسانية، فإنّ الاتجاه الاستهلاكي في "المجتمع الاستهلاكي" – موضوع بحثنا هذا – هو ليس مجرد سعي للاستهلاك من أجل أن يكون الإنسان إنساناً، بقدر ما هو استهلاك من أجل الاستهلاك.

أي استهلاك منتزع من صلته العضوية بالقيم الإنسانية، وبعملية الصرف الابداعي للإمكانات والقوى التي يقوم بها الإنسان. فحق الاستهلاك هنا يدفعه الإنسان ثمناً لحق الابداع.

إنّ استملاك الأشياء أصبح ثمناً في هذا المجتمع لفقدان الشخصية، فالأشياء المنتجة لم تعد تشكل شروط عيش ونشاط الإنسان، بل تحولت إلى مثيل له، أي أنّ – الأشياء – أصبحت هي المقياس الذي يحدد قيمة الإنسان وسمعته الحسنة وثقله وتأثيره على غيره أو أمثاله.

ومن نافل القول التأكيد على أن علاقة الإنسان بالشيء (السلعة)، لا يجوز فهمها على أنها استخدام ذو اتجاه واحد من حيث امتلاكه أو استهلاكه، ان علاقة الإنسان بالشيء في سياق هذا التصور، قد أفقدت هذه العلاقة جوهرها الإنساني. أي أنّ الشيء لم يعد ذا قيمة إنسانية تنطبع فيها كل عملية التطور التاريخي الطويلة، أو بكلمة أخرى، لم تعد تظهر فيه تلك الجهود، والتجارب، والمعارف، والأذواق، والامكانات، وحاجات الأجيال العديدة من الناس. ففي الشيء المؤنسن، تظهر حظوة الإنسان وتاريخه الحقيقي وسيرته الاجتماعية وعناصر فرديته وحياته الإنسانية الواقعية.

كل هذه القيم الإنسانية للشيء، أفقدتها طبيعة المجتمع الاستهلاكي التي أفرزتها أشكال حركة الملكية الخاصة في النظام الرأسمالي المعاصر، والتي راحت بدورها تعمل على خلق انسانها الجديد ذي البعد الواحد والذي لم يعد الشيء بالنسبة له ذا قيمة، إلا إذا امتلكه أيّ استهلكه. والاستهلاك في المحصلة يتحول هنا من وظيفته الاقتصادية والاجتماعية، إلى عقيدة، وذوق، وسلوك، وأسلوب حياة.

الجذور الاقتصادية والفلسفية للمجتمع الاستهلاكي:

في الفترة التي لم يعد فيها أسلوب الانتاج الصناعي القديم ذي الطابع الحرفي بقادر على تلبية حاجات الأسواق المتزايدة، بدأت آنذاك الارهاصات الأولية للثورة البرجوازية تظهر مع حلول (المانيفاكتورة)، وراحت الفئة الصناعية المتوسطة تحل مكان المعلمين وأصحاب الحرف.

ومع اتساع الأسواق وزيادة الطلب على المنتجات، أصبحت (المانيفاكتورة) نفسها عاجزة عن تأمين الحاجات الضرورية للإنسان. عندئذ أحدثت الآلة البخارية انقلاباً في الانتاج الصناعي، وحلت الصناعات الكبيرة الحديثة بقيادة الطبقة البرجوازية الجديدة في السوق بدل المانيفاكتورة، الأمر الذي شجّع الاقتصادي الفرنسي "ساي" ليطلق آنذاك صيحته التاريخية لهذه الطبقة الوليدة: "أنتجوا....". هذه الصيحة التي استطاعت فيما بعد أن تحلل كل ما تبقى. إذ أخذ الانتاج الكبير يخلق الأسواق العالمية التي قادت بدورها إلى توسع التجارة والملاحة والمواصلات. هذا التوسع الذي أخذ ينعكس أيضاً ضمن علاقة جدلية مع الانتاج ليعمل فيما بعد على تشكيل الطبقة الرأسمالية المعاصرة بثوبها الجديد (الكوسموبوليتي).

إنّ هذه التحوّلات المادية الضخمة في الاقتصاد، رافقتها بالضرورة تحولات فكرية مهدت لانتصار الثورة البرجوازية من جهة، ثمّ العمل على خلق الظروف الثقافية والنفسية المطابقة أو المناسبة لهذه الثورة من جهة ثانية.

فمع دخول الإنسان عصر النهضة، (عصر التنوير) أخذ يحضّر أيديولوجيا لقيام الثورة البرجوازية. فإنسانيو عصر النهضة باهتمامهم بتركة القدماء الفكرية عملوا على وضع حجر الأساس للحضارة الجديدة – أي للحضارة المدنية – ذات الطابع الإنساني، هذه الحضارة الموجهة أصلاً للإنسان والصادرة عنه معاً، الصادرة عن إمكاناته وابداعاته الروحية البعيدة عن أيديولوجيا العصور الوسطى عموماً. لقد توجهت الروح الإنسانية هنا إلى الفرد الذي اعتبر غاية الحياة ومنطلقها، أي المقياس الحقيقي للإبداع الحضاري. فالنزعة الإنسانية لهذا العصر، هي التي كشفت هذا النوع من النشاط وأكدت كأنموذج أساسي للتطور الحضاري اللاحق.

إنّ هذا التصور الجديد الذي يقول عن الإنسان بأنّه شخصية حرة مستقلة تمتلك القدرة على الخروج من حدودها الخاصة (الفيزيائية)، للوصول إلى التكامل والعمومية من خلال جهده الشخصي، هذا التصور، يعتبر الاكتشاف الرئيس للإنسانية، والذي سمِّي "باكتشاف الإنسان". الاكتشاف الذي لم يقتصر على الطابع النظري فحسب، بل كان طابعاً عملياً أيضاً، عبر عنه الإنسان بشكل انجازات ملموسة لعباقرة عصر النهضة.

إنّ فلاسفة عصر التنوير الذين استطاعوا باسم الدعوة إلى اعتبار الفرد المهتم بمنفعته الشخصية والمغموس بمصالحه الخاصة، يمكن أن يصبح في الوقت نفسه كائناً عالي التمدن وحاملاً لأعلى قيم الحضارة الإنسانية، ولكونهم قد اعتقدوا بأن قانون المنفعة الشخصية يمكن أن يجتمع بوفاق مع مبادئ الحرية والعدالة والمساواة بين الناس، ومع مبادئ النظام العادل للحياة الاجتماعية، كانوا في الحقيقة قد هيّؤوا تاريخياً طبقة جديدة باسم التنوير، راحت تعمل لوراثة تقاليد الحضارة الماضية. إنّ الفرد الذي تكلم عنه المتنورون والذين عملوا على رفعه إلى مستوى ذات النشاط التاريخي الحضاري، أصبح هو نفسه الممثل النموذجي فيما بعد للطبقة البرجوازية. فعندما أدرك هذا الفرد نفسه – أي وعى ذاته – وراح يتحدث بصوته الخاص، لم يعد هناك مجال لكل الوهم المتولد من قبل التنوير حول الرسالة التاريخية الإنسانية التي ستقوم على اكتشاف فرد التنوير هذا.

إنّ التركيز على الفردية وتنميتها، دفع إلى تشكل الفرد البرجوازي ومن ثمّ الطبقة البرجوازية والعلاقات الرأسمالية، هذه العلاقات التي استطاعت في وضعيتها المعاصرة أن تعمل جاهدة على تقويض أزمتها "الإنسانية" أي بطلان تلك القيم والمبادئ والمفاهيم التي طرحها فلاسفة عصر التنوير. فالرأسمالية المعاصرة لم تعد قادرة على أن تحافظ على الفرد المبدع في عملية الانتاج عن طريق وسائل التكنولوجيا وتنظيمها، ان كل الذي وصلت إليه من ثورتها التكنولوجية، هو احلال هذه الآلة بدلاً عن الإنسان، والعمل على تغريبه واستلابه وتشيئه. فمن خلال الآلة قامت بنسخ وتكرار ونقل المنتوجات الحضارية المعدّة للاستهلاك الجماهيري. أما تطور الفرد الروحي وتشبعه الابداعي وادراكه لحياته وعلاقاته الخاصة ذات المعنى الإنساني العام، فلم يعد لها أي وجود أو حيز في رؤيتها التطورية تلك. ان ما راحت تسعى إليه هو تجهيز مجموعة من القيم الروحية المحضّرة آليا، والتي تعمل على خدمة الفرد كوسيلة خارجية ومساعدة للتكيف مع الوضع المباشر. انّ العلاقات الرأسمالية المعاصرة عملت على شل الروح الإنسانية، أو كما يقول نيتشه: انّ الإنسان مات في هذه الحضارة.

بكلمات أخرى نقول: انّ النظام الرأسمالي المعاصر لم يعد قادراً أن يتابع أهدافه الإنسانية السامية التي طرحها في بدء قيام الثورة البرجوازية على ألسنة فلاسفة عصر التنوير، هذه الأهداف التي ركزت على اعتبار الإنسان كائناً عاقلاً ذا مسؤولية معنوية، بل على العكس من ذلك، لقد عملت على اضعافه وافقاده لوجهه العملي، واخضاعه للآلة ذات الانتاج الجماهيري ذي الطابع الاستهلاكي. انّ هذا النظام راح يعمل بعمق على تغريب نفسه أيضاً عن إنسان عصره، أي لم يعد قادراً على إعادة هيكلة نفسه بما يخدم الإنسان، وهنا تكمن المشكلة الأساسية للنظام الرأسمالي، وهو عجزه عن جعل الإنسان محتوى واقعياً وإنسانياً، وهدفاً للعملية التاريخية الحضارية التي حدد معالمها فلاسفة عصر النهضة كما أسلفنا سابقاً.

ان ما تم  في هذا النظام من افراط في الانتاج دون حدود أو قيود أدّى إلى انتصار التطور المادي الكمي والفرداني للرفاه. لقد افترض هذا النظام أن جودة العيش الإنساني تتحقق مع تراكم الانتاج المنسكب في دائرة المستهلك الفارغة، كما أنّ الوجاهة الاجتماعية ارتبطت هنا أكثر من أي وقت مضى، بالحيازة الشخصية للأشياء أو بانتهاج أنماط عيش ظاهرية معيّنة. انّ النظام الرأسمالي المعاصر الذي قام على الفردانية في نزعته الإنسانية، وعلى الربح واقتصاد السوق في نزعته الاقتصادية، خلق دون أن يدري بنية المجتمع الاستهلاكي الفردي، هذا المجتمع الذي حابى روح الاستهلاك الفردي على حساب الاهتمام بالتضامن والعدالة الاجتماعية.

 

عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

محمد كريم ابراهيمالوسط الذهبي معناه أن لا تفرط في شيء ما ولا تقصر فيه، بل تأتيه بتوسط يلائم الحاجة أو الرغبة التي تريدها بلا مضرة، أو يحل مشكلةٍ ما بأمثل وجه بلا تقصير ولا تفريط. مثلاً الشجاعة يمكن أن تعتبر وسطاً ذهبياً، فإن قللت منها تصبح جباناً، وأن زدت عليها تصبح متهوراً. وقد وصف هذه الأوساط في فلسفة الأغريقية (وبالتحديد فلسفة أفلاطونية) بالفضائل الكاردنالية وهي: الحكمة، والشجاعة، وضبط النفس، والعدالة، كلها أعتبرت وسطاً ذهبياً من المستحب سعيها. وفرق أرسطو بين تصرفات الأخلاقية الفاضلة عن غير الفاضلة بالوسط الذهبي، ما بين التفريط والتقصير، أي أن مصدر الأخلاق يقع في وسط الخير والشر، وفي وسط المنفعة والمضرة، يجب أن تتغير تصرفاتك الاخلاقية مع تغير الحال والواقع، فلا يهم أن كنت شجاعا ام لا، فيجب عليك ان تهرب في بعض المواقف التي تعلم فيها بان الشجاعة لا تفيد. وتبنى الاغريق ايضا فكرة الوسط الذهبي في طبهم: الطب ابقراطي ينص على ان السوائل الاربعة في الجسم (الدم، الصفراء، السوداء، البلغم) يجب أن يكون في توازن وسطي تام بين الكثرة والقلة حتى يظهر الشخص سليما، وينبع الامراض من اختلال في توازن هذه السوائل، فإذا تواجدوا بكثرة في الجسم، يحث الطبيب المريض عندها على تقليل من هذه السوائل، ومن اشهر طرق التقليل كان بتنزيف المريض لتقليله من سائل الدم عندما ظن الاطباء ان كثرة دم يؤدي الى الحمى وما لاحقه من الامراض.

يقال أن فكرة الوسط الذهبي عند الأغريق يعود إلى قصة أسطورية لمهندس ديدالوس وأبنه إيكاروس في جزيرة كريت. حيث بنى ديدالوس لنفسه ولأبنه جناحين مكون من ريش ملصقة بالشمع على الجسد. ونرى في هذه القصة بأن ديدالوس ينصح أبنه أن يتوسط في الطيران ما بين رذاذ البحر وحرارة الشمس. لم يصغي إيكاروس إلى نصيحة والده، وبقي يطير إلى أعالي السماء حتى أذاب حرارة الشمس الشمع الملصق، فسقط من السماء ومات مغرقاً في البحر.

بالنسبة لسقراط (فيلسوف أغريقي)، فقد جسد التوسط في مثالٍ يقارن فيه بين ممارسة الرياضة والموسيقى. ظن سقراط أن ممارسة الرياضة يجعل الإنسان متصلب العقل والمزاج، بينما تعلم الموسيقى يجعله ناعماً ورقيق القلب. وأقتنع سقراط على أن اقتناء أحداهما دون الآخر يؤدي إلى نوع من النقص، بينما امتلاك الموهبتين معاً، ينتج تناغماً وجمالاً وطيبة.

لكن فكرة الوسط الذهبي جاء قبل أفلاطون وسقراط بقرون، وكانت موجودة في قواعد دلفية منقوشة على معابد آلهة أبولو. حيث ذكرت في قاعدة 38 أنه يجب على المواطن الأغريقي أن " لا يأخذ شيئاً إلى حده الزائد " سواءا كان في القضاء، في أرباح التجارية، أو في حياته اليومية، كالشرب وممارسة الجنس.

ويوجد فكرة مماثلة عند البوذية الأصولية تطورت بشكل مستقل عن الأغريق. يصف بوذا طريق النبيل الثماني (وهو طريق الخلاص والتحرر من الولادة مجدداً إلى هذا العالم والرقي إلى عالم آخر) بأنه الطريق الوسط للأعتدال، ما بين فرط في الشهوات والإمتناع عنها، ما بين أبدية الوجود وإبادتها. من خلال توسطك وأمتناعك عن التفريط والتقصير، فأنك تخطو خطوة إلى طريق النبيل عند البوذيين، وهذا طريق يتمثل بثمان اشياء: الفهم الصحيح، الفكر الصحيح، القول الصحيح، الفعل الصحيح، العيش الصحيح، الجهد الصحيح، العقل الصحيح والتركيز الصحيح. سماه بوذا بالطريق الأوسط.

ظهر فلسفة التوسط ايضاً في الصين. ينقل عن فيلسوف كونفيوشس في كتاب المختارات أنه قال: "أن الفضيلة المقرة في مذهب التوسط هو من أعلى درجات الفضيلة. لكنه نادراً جداً في الناس". وكذلك قال:  "أن الزيادة كالنقصان، الحياة في الوسط."

وسع حفيد كونفيوشس فكرة التوسط أكثر في كتابه الذي سماه (مذهب التوسط). حاول زيسي أن يشرح للقارئ مذهب التوسط وكيفية الوصول إليه في جميع نشاطات الإنسان وحالاته. ينصح زيسي الفرد على تبني ثلاث أفكار أساسية للوصول إلى الوسط وهي: مراقبة النفس، التسامح مع الآخرين، والصراحة. يتمثل مراقبة النفس بمحاسبة النفس عند التفريط والتقصير، وبتأديب النفس وتعليمها الطريق الوسط. أما التسامح، فهو يعني أن تفهم المقابل وتحترمه وتتحمله، وأن تعامل المقابل مثلما تريد أن تتعامل. والصراحة هي أن تكون صريحاً مع الطبيعة ومع نفسك ومع الآخرين، فقد رآه زيسي كوسيلة للتقرب من الجنة.

لم يقتصر الوسط الذهبي على الفلسفة فقط، بل ظهرت في أديان عديدة (والذي سبقنا شرحها في الديانة البوذية)، وخصوصاً الأديان الإبراهيمية. ينص سفر الجامعة من التناخ " لا تكن باراً كثيراَ، ولا تكن حكيماً بزيادة. لماذا تخرب نفسك؟ " (جا 7: 16)، وينص الآخر " لا تكن شريراً كثيراً، ولا تكن جاهلاً، لماذا تموت في غير وقتك؟ " (جا 7:17). هذه النصوص من العهد القديم في قلب أقدم ديانة إبراهيمية وهي اليهودية يضع أقدم نقطة تاريخية على فكرة التوسط، أقدم حتى من الأغريق.

الشيء نفسه يظهر في الديانة المسيحية، يكتب القديس باسيليوس: المستقيمين في القلب لديهم أفكار لا تميل إلى الإفراط أو النقص، ولكنها موجهة نحو الفضيلة المتوسطة. (عن المزمار السابع، ص 29ب.244ب). ويقول أيضاً الفيلسوف مسيحي القديس توماس ايكاونوس في كتابه (الخلاصة اللاهوتية): يتكون الشر من التعارض في قاعدتهم أو قياساتهم. قد يحدث هذا أما عن طريق التفريط في القياسات أو التقصير عنه...لذلك فمن الواضح أن الفضيلة الأخلاقية يفضل التوسط.

وأكد الإسلام في عديد من آيات قرآنية وأحاديث نبوية على ضرورة أخذ طريق المتوسط والمعتدل من دون تقصير ولا تفريط. نذكر منها قوله تعالى (وأقصد في مشيك) أي أمشي معتدلاً، لا بطيئاً ولا سريعاً، وقوله (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) وهذه الآية ينصح بالطبع التقصد في المال والماديات، أي لا تمسك يدك بخلاً ولا تبسطهاً بالعطية كل بسط. ونذكر أيضاً قول الرسول (ص): خير الأمور أوسطها. وقد أقر أبو حامد الغزالي على التوسط والأعتدال في جميع الأشياء، وحتى في الزهد بقوله: " نهاية الزهد الزهد في الزهد ".

لكننا لم نفهم من هذه النصائح التي قدمها الفلاسفة والأديان كيف نمضي نحو التوسط، لم يبين لنا القدماء كيف نفعل ذلك، أو كيف نعرف حتى أننا وصلنا إلى الوسط.

كيف نعرف اننا ‌‌‌‌‌‌‌‌‌أفرطنا أم قصرنا في شيء ما؟ وكيف نعلم أننا في الوسط؟ عادةً يوجد في أجسادنا مؤشرات حيوية ودوائر عصبية يعلمنا بهذا ؛ مثلا نشعر بالشبع عندما يمتلئ معدتنا وهذا مؤشر على الوسط وعدم التفريط، ونشعر بالجوع عند أكل القليل، أي عند التقصير. ونشعر بالحر أو بالبرد عند تغير كبير في درجات حرارة الجسم. وكذلك الأمر بالنسبة إلى أدمغتنا، فالمشاعر هي التي تجعل أفكارنا وتصرفاتنا وأفعالنا في وسط ملائم، مثلا عندما نتصرف بشكل يعود بالمضرة علينا، يحفز أعصابنا المشاعر السيئة فينا، ومن هنا، وعن طريق الذاكرة نتعلم أن لا نتصرف أو نسلك ذلك السلوك مجدداً. وإذا تصرفنا بشكل جيد، فيُنتج في أدمغتنا مشاعر إيجابية يحثنا على أن نبقى ونعيد هذا التصرف من جديد. والعقل على عكس الجسد، لا يعرف الوسط الذهبي بالكامل، لإنه لم يولد عليه بل ولد بصفحات بيضاء، فيتعلمه بعد تبرمج الأعصاب للبيئة التي ينشأ فيها الإنسان. هذا يعني أن الوسط الذي نعرفه في عقولنا يأتي من طبيعة تربيتنا وليس من جيناتنا.

يخطو الدماغ نحو الوسط الذهبي بعدة طرق. منه، تعلمه من الخطوات الخاطئة السابقة التي أتخذها العقل نحو الإفراط والتقصير ورجع عليه بآثار ومشاعر سلبية. أي أن الشخص يخطأ مرتين على أقل في جانب من جوانب حياته لكي يعرف مكان وسطه؛ يخطأ مرةً في التفريط، ومرةً أخرى في التقصير لكي يعلم أين يقر الوسط ما بينهما. وفي بعض الأحيان أن كان محظوظاً يخطأ مرةً واحدة في أي واحد منهما حتى يجد وسطه الذهبي ويستقر فيه. ومن الممكن للشخص أن لا يخطأ شخصياً بل يتعلم من أخطاء آخرين أين يقع الوسط الذهبي. اليوم جزء كبير من معرفة الوسط الذهبي يأتي من السابقين ومن الكتب التعليمية الذي يبلغنا بمكان الوسط الذهبي. حتى لا يقع الجميع بخطأ الإفراط أو التقصير ولا يتحمل عواقبه القادمون، يكتب الشخص عن تجارب حياته وأخطاءه. فيتعلم الإنسان ممن سبقوه بالحيز الذي يشغله الوسط الذهبي في جانب من جوانب حياته أو في شيء من الأشياء، سواءاً كانت تلك الأشياء شخصية أم تجارية أم مادية أم دينية أم علمية، يقدم لنا الماضي المدون لمحة عن التصرف الصحيح أتجاه أحداث معينة سبق وأن أخطأ فيه السابقين.

قد نتسائل ،في خضم هذه المعلومات الهائلة التي نملكها اليوم عن التاريخ وعن الاشخاص الذين أرادوا أن يرشدونا نحو الوسط الذهبي، هل يوجد قانون عام للوسط الذهبي؟ بدلاً من الشروع إلى حفظ معلوماتٍ وتجارب هائلة عن السابقين لمعرفة التصرف الصحيح، ربما يوجد قاعدة معينة في الحياة يمكننا من خلالها إيجاد الوسط الذهبي وتجنب أخطاء التفريط والتقصير من دون جهد، تكهن أرسطو بعدمية ذلك.

لأرسطو، الوسط الذهبي هو الفضيلة التي يجب على كل البشر إتباعها. في نظره، يجب أن يتوسط الإنسان في أغلب أمور حياته ما بين التقصير فيه أو التفريط. لكنه لم يعطينا أي دليل أو قانون لإرشاد الناس حول كيفية بلوغ ذلك المسعى. وصف أرسطو الشخص الفاضل ذو الأخلاق بأنه " يفعل الشيء الصحيح، في الزمن الصحيح، بالطريقة الصحيحة، وبالكمية المناسبة، وبأتجاه أشخاص صحيحين ". آمن أرسطو بأن الوسط الذهبي لا يمكن إدراكها من القراءة فقط أو التعلم من الآخرين، بل هي مهارة يُدرك فقط بالتجربة. فبذلك، نستنبط من أفكار أرسطو بأنه حرض الناس على الخوض في تجارب الحياة عالماً بأنهم سوف يخطأون أحدى الخطئين، اما خطأ التقصير أو التفريط، ثم بعد فترة من الأخطاء، يلقح الإنسان من هذه الأخطاء ويجد وسطه الذهبي في جانب معين من الحياة. ونستنتج أيضاً بأن الوسط الذهبي هو شيء نسبي لأرسطو، فالوسط يعتمد على الشخص وعلى حاله وعلى موقف الذي هو فيه. فأن تطلب الأحوال أن تفرط في شيء ما، فيجب عليك الإفراط، وأن تطلب التقصير فيوجب عليك التقصير. لكن في غالبية الأحوال، التوسط هو الخيار الأمثل.

ويجدر الإشارة هنا بأن أرسطو لم يظن بأن هناك وسطاً لكل شيء، بل هناك بعض الأشياء الثنائية لا تقبل التوسط بينهما أبداً، مثلاً هناك الحقيقة وهناك الزيف، وهناك حق وباطل، وهناك عدالة وظلم، وهناك صواب وخطأ، كل هذه الأمور لا تقبل التوسط فيهم، يجب أن تختار أحدى الطرفين من دون مزجه مع الآخر. الوقوع في هذا الفخ الوسطي الكاذب يسمى بمغالطة الوسط الذهبي، وهي مغالطة منطقية يقع فيها الفرد عندما يقتنع بأن الحل أو الحقيقة يكمن فيما بين الوسطين أثنين، لكن في الواقع، الحقيقة يوجد بجانب طرف واحد. مثلاً لو أخذنا موقف شخصين، أحداهما يقول بأن السماء زرقاء، والآخر يقول بأنها صفراء، فأن الحل إذا طبقنا نظرية الوسط الذهبي يكمن ما بين هذين الإدعائين، أي أن السماء يجب أن تكون في الحقيقة خضراء، لإن لون الأخضر هو الوسط ما بين الأزرق والأصفر. لكن كلنا نعلم أن السماء زرقاء وأن طرف الأول هو الصحيح والآخر مخطأ بالكامل.

فليتذكر القارئ أن هناك ثلاث طرق للوصول إلى الوسط:

أولاً – عن طريق التجربة والخطأ.

ثانياً – عن طريق التعلم من أخطاء الآخرين.

ثالثاً – عن طريق قراءة التاريخ والكتب الأخرى للتعلم من السابقين، سواء من الذين أخطؤوا في مجال معين أو من الذين وصلوا فيه إلى وسط مثالي.

هذا الوسط الذي نبحث عنه هو عبارة عن جسر يحاول الربط ما بين الإنسان وبيئته سواء كانت تلك البيئة أجتماعية أم طبيعة مادية، ويريد أن يجعل الإنسان المتبني لهذه الفكرة أن يتناغم وينسجم مع تغير الأحوال والأزمان في بيئته، ثم يرشده إلى رد فعل وأستجابة مناسبة لما يقتضي عليه الأمور والأحوال. أنه مذهب يحقق ثلاث أهداف في نفس الوقت: البقاء على قيد الحياة، وإيجاد المنفعة المثلى في الحياة، والتأقلم مع ظروف الحياة.

لكن يبقى هناك عائقاً يمنع الشخص من الوصول إلى الوسط النافع، إلا وهو عائق المشاعر.

مشاعرنا من الحالات الأستثنائية الثنائية الخاصة التي تمتلك أتجاهاً واحداً فقط لا يحبذ نفسها على التوسط فيه. يتجه مشاعرنا من السلبية إلى الإيجابية، من الحزن إلى السعادة، من الخوف إلى السلام، من الألم إلى الراحة، من الغضب إلى الرضا، من الكآبة إلى النشوة، من الكراهية إلى الحب. كلنا نذهب من أتجاه السلبي إلى الإيجابي دون العكس ودون أخذ طريق الوسط بينهما، لا أحد يريد أن يستقر عواطفه ما بين السعادة والحزن، الجميع يبحث عن السعادة ويخطو خطوات نحوها. هذه الدوائر العصبية مبرمجة سابقاً في أدمغتنا عن طريق جيناتنا الوراثية، فهي الحافز الأهم التي تحفزنا للتقدم نحو مصلحتنا والطمع بالمزيد وأجتناب المضار. لكن مشاعرنا الايجابية معرضة للخطف، فكر في المخدرات مثلاً، فهو واحد من الطرق الذي يتشرد العقل من طوره عند تعاطيها. بل أسوء من ذلك هو طمعنا في المزيد من هذه المشاعر الايجابية، أدمغتنا يجعلنا دائماً مشغولين بالسعي وراء هذه المشاعر الممتعة، حتى لو وصلنا إلى الهدف المنشود وشعرنا بالعواطف التي كنا نرغب فيها، فإن عقولنا لديه خاصية الملل من وضعنا الراهن. هذا الملل يجعلنا أن نطمح إلى المزيد من هذه المشاعر الايجابية التي تألفنا عليها. وهذا الأمر سوف يؤدي حتماً إلى هلاكنا إن لم نردعه. قرارنا في التوسط في المشاعر الايجابية وعدم الطمع بالمزيد هو أصعب قرار ممكن أن نتخذه لكن ذات نتائج نافعة جداً. ثلث مشاكل العالم العاطفية اليوم ينبع من الطمع بالمزيد من هذه المشاعر الايجابية. المخدرات، السمنة، أمراض جنسية، القتل، السرقة، وغيرهم. جميعنا نعلم أن المخدرات مرتبطة مباشرتاً بكمية المشاعر الأيجابية التي يشعرها الفرد عند تعاطيه لتلك المواد، وكذلك الأمر بالنسبة للسمنة، فأن الشخص السمين لا يمكنه التوقف عن التفكير في المشاعر الايجابية التي يحدثها الطعام عند أكل كمية زائدة منه ولفترة طويلة، فأن الطعام يمده بكميات هائلة من هذه المشاعر. القتل والسرقة ممكن أن يدخل إلى هذا النطاق أيضاً، ربما يكون القاتل أو السارق قد أرتكب فعلته من أجل الحصول والرغبة في المزيد، وهذه الرغبة جعله يذهب إلى حد التجاوز لعواقب هذه الأفعال وأرتكابها على أي حال.

ما هو الحل إذاً؟ كيف يمكننا منع هذه المشاعر الايجابية من قيادتنا إلى التهلكة؟ واحد من أبسط الحلول هو تفادي وضع العقل في حالة الغرق بهذه المشاعر الايجابية، لانها فور تجربتها لها، سوف تقوم بالرغبة فيها، وينقلب كل منافع الحياة ومتاعها رأسا على العقب، ويكتئب الفرد في الدنيا وما فيها سوى عند اللجوء الى هذه المشاعر الايجابية، لان كميتها كثيرة جداً مقابل كمية المشاعر الايجابية الطبيعية التي نأخذها من العالم اليومي الطبيعي. ونحن لا نخطو أي خطوة في يومنا من دون المشاعر. أي تصرف نتصرف به يكمن في جوهره شعور من المشاعر المعينة إلى جانب المنطق، بل المنطق بأكمله يبدأ من المشاعر المحفزة له. نتيجة ذلك، يخضع المنطق نحو المشاعر، بل يصبح عبيداً لها، ويعمل ليلاً ونهاراً، ويبتكر خططاً وإرشادات من أجل البلوغ إلى نفس كمية المشاعر التي حسها الدماغ من قبل وجربها. إذاً، ببساطة يمكنك اجتناب تعاطي المخدرات حتى لا يقع عقلك في هذا الفخ ويدور في دوامة دائمة حتى يجر المنطق والجسد إلى القبر.

سوى إن أغلبنا جرب هذه المشاعر من قبل وعاش فيها. من منا لم يجرب طعاماً مضر للصحة الذي دفع لنا بالمقابل كمية من المشاعر الايجابية التي لا يمكن للدماغ رفضها، من منا لم يجرب الشعور الجنسي وطريقتها المميزة في مساس منطقنا وإجبارنا على فعل أفعال نتجرع مرها إلى أبد الدهر، من منا لم يطمح في المزيد من المال والماديات والشهرة التي تدفعنا إلى حسد الآخرين والتصرف بسلبية أتجاههم. 

هنا يظهر لاعبٌ ضروري، حيث لا يمكن للإنسان بدونه بلوغ الوسط الذهبي والإستقرار فيه، إلا وهو ضبط النفس.

تعريف ضبط النفس هو: القدرة على السيطرة على الذات، وتنظيم الإنسان لمشاعره وأفكاره وتصرفاته في وجه الإغراءات والأفعال البدائية الآنية. الهدف من ضبط النفس هو لبلوغ عاقبة أنفع وأسمى من الذي ينتجها مشاعرالآنية والتصرفات التلقائية. وضبط النفس نفسه يحتاج أيضاً إلى التوسط فيه وإلا سوف ينهار الفرد من كثرة السيطرة على مشاعره الطبيعية وتصرفاته الفطرية. يجب أن تعلم أي من الأفعال والمشاعر يحتاج إلى السيطرة عليه في أوقات معينة وفي مكان معين، وتترك التصرفات والعواطف الأخرى التي هي تعتبر أقل أهمية لتعبر كما هي. يركز ضبط النفس على المستقبل وليس الحاضر، فنتائجه يأتي لاحقا في الغالب. هل سوف نجني مشاعر جيدة قادمة او هل سوف نقي انفسنا من مشاعر السيئة القادمة.

نحتاج إلى ضبط النفس لغرضين:

- أولاً: من أجل أنفسنا. يمكن لضبط النفس أن يقينا من مضار الأشياء التي تنتج مشاعر مزيفة جيدة في العقل، مثل المخدرات والسجائر والأطعمة الضارة للصحة.

- ثانياً: من أجل الآخرين. سواء كان الآخرون عائلتنا أم مجتمعنا، فنحن يجب أن لا نتصرف بأنانية أو بشكل يؤذي الآخرين. ويلعب ضبط النفس دوراً في الحد من الغضب، والقتل، والأغتصاب، والتخريب، وتقديم مصلحة ذات على مصلحة العامة. ويمكنه أيضاً تعزيز الأخلاق القويمة عند أفراد المجتمع.

المشاعر هي عملة العقل، فإننا يجب علينا أن نجني أكبر عدد من المشاعر الجيدة، وبالمقابل نجتنب أو نخسر أكبر عدد من المشاعر السيئة. يمكنك أن تشبه العقل بالمصرف، والمشاعر الجيدة بالنقود والثروات التي عندك، والمشاعر السيئة هي الديون التي عليك. فأنت تحاول طيلة حياتك الزيادة من نقودك وفي نفس الوقت التقليل من ديونك، هذه هي قاعدة الدماغ.

نحكم على الأشياء والمواقف بإنتاجها لمشاعر جيدة من خلال ثلاث تقنيات: الأول هي تقنية التجربة، فمن التجربة نعلم أن الجنس ينتج مشاعر جيدة. ثانياً من شهادة الآخرين، سفرنا إلى يونان جاء بسبب توصية أقاربنا عليه. ثالثاً من المنطق، نستنتج إذا كان التسكع مع الأصدقاء ينتج مشاعراً جيدة، فإن السفر معهم على يونان سوف ينتج ضعف من تلك المشاعر الجيدة.

لكننا كما قلنا أن بعض الأشياء في الحياة ينتج مشاعر جيدة بالرغم من عاقبتها السيئة. هنا، نضطر أن نقاوم تلك المشاعر الجيدة التي تأتي من تصرفات خاطئة، وضبط النفس هو الأداة التي يمكن أن تساعدنا في ذلك. أي أن ضبط النفس يجعلنا نقاوم الأشياء التي تنتج مشاعر جيدة آنية ولكن تخلف ما بعدها مشاعر سيئة لاحقة. لو فكرنا في التشابه السابق، فإننا نحاول إجتناب صفقات التي تعطينا نقوداً آنية وقليلة ويتركنا مغرمين بالديون لاحقاً. وفي نفس الوقت، نحاول أن نضبط أنفسنا لكي نتحمل الديون الزائلة القليلة بمقابل النقود طويلة الأمد التي تأتي منها لاحقاً.

هل هذه هي الحقيقة؟ هل فعلاً ضبط النفس يجنينا عملات أضافية أو يقينا من المشاعر السيئة القادمة؟ بالتأكيد، لو ترك متعاطي المخدرات هوايته، فسوف يصحى ويصبح واعياً للأشياء أخرى حوله الذي يجلب المتعة والمشاعر الجيدة للعقل، وهذه الأشياء مجتمعةً سوف يفوق مشاعر الجيدة التي يحثها المخدرات في عقل المتعاطي. وينطبق نفس المنطق للفرد السمين الذي إذا ترك الطعام، لربما زاد من عمره وصحته وقدرته على عيش الحياة بكامل جوانبه.

المشاعر عادةً تنتج تصرفات تلقائية لا يمكن ان يتحكم بها الجاهل غير المتدرب على ضبط النفس. وفي كثير من الاحيان، بل في غالب الاحيان في هذا العصر، يكون إظهار المشاعر امرا غير حسنا (كالغضب)، في البداية على الاقل، وكذلك التصرف بتلقائية وعدم التفكير في الموضوع يؤدي الى الندم ما بعد اختفاء المشاعر والعواطف. لذلك نلجأ الى ضبط النفس حتى نسيطر على مشاعرنا ونستغلها لكي يظهر في المكان والوقت المناسب.

ضبط النفس يساعد ايضا على تبطيأ التصرف بتلقائية، بعض احيان نتصرف بشكل مباشر وسريع للاحداث والمواقف ظنا منا باننا تصرفنا وفق سلوك اكثر منطقيةً، لكن سرعان ما يتضح في النهاية باننا كنا على خطأ، بل هناك شيء اكثر منطقيا نسيناه بسبب سرعة التصرف.

ضبط النفس يجعلنا نتحكم بمشاعرنا ويجعلنا نزن ما نراه منطقياً اكثر. من سهل جداً إيجاد عذر لنعمل ما نراه يستنتج مشاعر جيدة آنية، ومن صعب جدا إيجاد اسباب للمضي الى ما نشعر به بمشاعر سيئة مؤقتة. فهذه المشاعر قد يضللنا بعض الاحيان بالأجمل القادم ومشاعر الجيدة القادمة، وإن تخطينا مرحلة مشاعر السيئة فإننا سوف نقع منطقياً إلى مشاعر جيدة، اذا كان منطقنا صحيحاً.

قبل الخوض إلى تقنيات ضبط النفس، علينا أن ندرك لماذا نضبط أنفسنا؟ ومن أجل ماذا؟ الإجابة على هذا السؤال كانت محددة وجزئية في الفقرات السابقة. بشكل عام، وكقاعدة، هناك أربع أشياء في الحياة يهدف إليه الإنسان، وهم:

1- البقاء على قيد الحياة: ويشمل أيضاً النمو (الطعام وغيره من المواد)

2- الجنس: ويشمل أيضاً النسل (حب الأطفال وما لاحقه)

3- الرتبة الأجتماعية: وتعني رقي الفرد أجتماعياً، ورغبته في الصعود إلى أعالي طبقات الأجتماعية.

4- تقليل من الطاقة وتقصير السبل: أي إيجاد طرق ووسائل بسيطة وسهلة وقصيرة من أجل فعل نفس الشيء بأقل طاقة وجهد من الفرد. مثلاً يمكنك إنارة الغرفة بمصباح ذات خيوط نحاسية أو بمصباح الدايود. أثنانهما ينتجان ضوءاً، لكن الأخير أفضل بكثير وأقل تكلفةً من الأول، لذلك نرغب به ونهدف إليه.

يمكنك أن تسميهم بال"القوى الأربعة"، وهم يأتون بالتسلسل في الأهمية، بدءاً من الأكثر أهمية إلى أقل أهمية. والمشاعر الجيدة والسيئة التي تحدثنا عنهم في السابق يمكن تجسيدهم بداخل هؤلاء. مثلاً يمكننا تجسيد مشاعر السيئة عند خسارة البقاء على قيد الحياة، فعندما نشعر أن حياتنا في خطر، يتحفز في دماغنا مشاعر السيئة من الخوف والقلق والتوتر، وكذلك عندما نضمن بقاءنا على الحياة، فنحن نشعر بمشاعر إيجابية من طمأنينة والسلام ونوع من الحرية ربما. وكذلك الأمر بالنسبة للجنس، فعندما نمارس الجنس، نشعر بمشاعر جيدة من الحب والنشوة والإنتماء والسعادة، وعندما نحرم منها، نشعر بالمشاعر السيئة من النبذ والكراهية والحرمان والحزن.

آخذاً هذه الأهداف البدائية بنصب أعيننا، يمكننا الآن الرجوع لمعرفة أسباب الذي يجعلنا نمنع أنفسنا من بعض الأشياء في بعض الأوقات والمقامات.

نحاول في عديد من المواقف أن نزن مكاسبنا، سواءاً كانت تلك المكاسب مادية أم معنوية، بهذه القوى الأربعة. في أي لحظة من لحظات حياتنا يكون لدينا خياران على الأقل، الخيار الأول هو التصرف بأي شكل من الأشكال، والثاني هو الإمتناع عن التصرف. هذان الخياران يحكم على أفضلية أحداهما عن الآخر عن طريق الموازين الأربعة، فأي منهما ينتج أثقل ربح لنا وأقل خسارة يحكم عليه بالأفضلية.

بالرغم من أن هذه القوى يمتزجان مع بعضهما البعض، إلا أنهم مصنفين حسب الأهمية. إذا كان الموقف فيه ربح قصير معين، فلنأخذ مثلاً الأغتصاب، يشعر الفرد بمشاعر جيدة من النشوة ويحقق القوة الثانية (قوة الجنس)، ولكنه ذات عاقبة سيئة للقوة الرئيسية الأولى وهي البقاء على قيد الحياة (فلنفترض أنه سوف يُعدم بعد هذه الفعلة)، فيحكم على هذا الموقف بالخسارة منطقياً، لأننا أقدمنا الجنس على العيش، ويوجب على الفرد عندها بالإمتناع عن التصرف في مثل هذه المواقف وضبط النفس. أما إذا كان الموقف فيه بعض من الخسارة الوقتية، كالأمتناع عن أخذ منصب معين، ولكنه ذات عاقبة جيدة للقوة الثانية وهو البقاء على قيد الحياة، فيحكم على هذا الموقف بالأيجابية منطقياً. وهكذا..

نأتي بعد هذه الشروحات إلى تقنيات ضبط النفس. كيف نستطيع أن نضبط أنفسنا؟ يجب ان نعلم ان ضبط النفس هي مهارة لا تأتي مباشرة بل تحتاج الى خبرة وتجربة، ويجب عليك ان تدخلها الى حياتك تدريجيا وليس فوريا. هناك عدة تقنيات لضبط النفس نتناول أفضل تقنيتين هنا:

1- تقنية المنطق: وقد شرحناه في النص أعلاه عندما بينا القوى الأربعة وكيف نحكم على إيجابية وسلبية المواقف. فأذا كان الشيء يصدر منطقاً إيجابية شرعنا في التصرف فيه ولا نمنع أنفسنا منه. وإذا كان سلبياً فيوجب علينا ضبط النفس والإمتناع عنه. يساعدنا التفكير المنطقي وتحليل المواقف والاشياء في الضغط علينا على التصرف بالشكل الصحيح. يمكنك أن تذكر نفسك في المواقف التي تتطلب ضبط النفس بالعاقبة الجيدة وبالمشاعر الجيدة وبالأشياء الجيدة التي سوف تأتي بعد الأمتناع عن هذه الإغراءات المؤقتة. هنا، منطقك يدفعك نحو ضبط نفس ويجبرك على الألتزام بها. وهذه التقنية عادة فعالة جداً في تحريض النفس على ضبط النفس وعدم الخروج على أطراف التفريط والتقصير. دائماً فكر في المواقف كأرباح وخسائر، ولا تنسى أن تأخذ عامل الزمن (الربح طويل أم قصير الأمد، الربح آني أم يأتي بعد وقت معين) بنظر الأعتبار.

2- تقنية الإلهاء: ثاني أفضل تقنية ما بعد تقنية المنطق. لكي تمنع نفسك من فعل أفعال أو قول أقوال خاطئة، يجب أن تلهي وعيك مؤقتاً عن هذه الإغراءات والحالات. ويشترط أن تُنتج هذه الملهيات مشاعر جيدة في العقل مثل مشاعر النشوة والسعادة والضحك، وليس مشاعر سيئة كالملل والصبر. مثلاً، بدل الشروع إلى الأغتصاب، يمكن للشخص الذهاب إلى تناول الآيس كريم التي تنتج مشاعر جيدة أيضاً ولكن واحد من شروطها هي عدم اللزوم بالامتناع عنها أيضاً (أي أن لا تكون مجبراً عن الامتناع عن هذه الملهيات في نفس الوقت – مسموح لك تناول الآيس كريم). يحاول تقنية الإلهاء أن يشتت أنتباهك عن التصرف بتصرفات خاطئة في أوقات ومقامات خاطئة أو نحو أشخاص خاطئيين، بتقديم حلول أخرى تنتج مشاعر جيدة قريبة من تلك المشاعر التي تنتجها هذه التصرفات الخاطئة، لكنها تحتاج إلى قرار واعي لكي تشتغل مفعولها، لإنها ليست مثل تقنية المنطق، فيوجب عليك أنت أن تختار سبل الأخرى بدل من سبيلٍ ذات عواقب سيئة. ونذكر مثالاً آخر حتى يثبت الفكرة: بدل من أكل الأطعمة المضرة لصحتك، يمكنك أكل أطعمة المفيدة في الوقت التي تشتهي فيه هذه الأطعمة المضرة، ولكن بشرط أن يكون هذه الأطعمة مفيدة لذيذة ومشهية أيضاً ويجب أن تنتج مشاعر لذيذة متقاربة لمشاعر التي ينتجها الأطعمة المضرة. أو يمكنك حتى أن تلهي نفسك بمصاحبة الأصدقاء بدلاً من الجلوس وحيداً في المطبخ.

ينقسم ضبط النفس إلى ثلاث أقسام:

1- ضبط المشاعر: هنا يحاول الفرد من البداية أن يكبت مشاعر التي يشعره أتجاه شيء سيء أو شيء ذات عاقبة سيئة. لا ينجح هؤلاء عادةً في التحكم على أنفسهم لإن المشاعر يولد في الوعي من دون الوعي. جل ما يقدر عليه الفرد هو الأبتعاد حرفياً عن البيئة والاماكن التي تتواجد فيه هذه الأشياء سيئة. مثلاً، الأبتعاد عن أماكن الملاهي الليلة من أجل عدم ممارسة الجنس مع الدعارات.

2 - ضبط الأفكار: يرقد الأفكار في الوسط ما بين المشاعر التي حفزها وما بين التصرفات التي يتحكم بها الأفكار. السيطرة على الأفكار والتعارض مع مجراها يكون أسهل من التعارض مع المشاعر. يقدر الشخص على تغيير أفكاره عن طريق تقنية المنطق.

3- ضبط التصرفات: تغيير التصرفات لن يكون ذات أثر دائمي على رغبة الفرد في أرتكاب هذه الأشياء السيئة له وللمجتمع ذات مشاعر جيدة، لكنه يُرجع الإنسان إلى رشده وقتياً ويمنعه عن التصرف بسوء في ذلك الموقف المحدد. تغيير التصرفات يمكن أن ينجز بتقنية الإلهاء ويرجع أثره على تغيير المشاعر أيضاً وجرها إلى مجراً آخر دون التي بدأت منها.

قبل البدأ بالخاتمة، نعود إلى فكرة التوسط لنرى إرتباطه بشكل أعقد مع ضبط النفس. التوسط بإختصار هو الإبتعاد عن أطراف التقصير والتفريط، وضبط النفس هو الإمتناع عن التصرفات السيئة. يحتاج التوسط إلى ضبط النفس لإن مشاعرنا التي هي ذات أتجاه واحد –  وهو الإبتعاد من المشاعر السيئة نحو المشاعر الجيدة – يسبب لنا مشاكل في الإفراط في الأشياء التي تحفز فينا مشاعر جيدة كالمخدرات والأطعمة والجنس التي تكون عادةً ذات عواقب سيئة ويعود بمشاعر أسوء علينا. وهذه الإفراط في الأمور السيئة يجعلنا مقصرين في الأمور الجيدة أيضاً، فبالتالي نخرج هنا من الوسط نحو التفريط والتقصير.

يفرض علينا التوسط في الأشياء والتصرفات التي تؤدي إلى الإدمان أو إلى الإفراط فيه إلى حد التقصير في الأشياء الضرورية الأخرى في الحياة. ونحن نتوسط في الكمية بالإباحة أو الإمتناع في الأشياء الروتينية أو في الأشياء التي نفعلها مراراً وتكراراً، بينما نتوسط في التصرف نفسه في الأشياء التي نفعلها مرات قليلة أو نادرة.

الفارق الزمني بين التفريط والتقصير هو أمر مهم أيضاً. علينا أن ننسق بين كمية تصرف معين مع زمن فعله. مثلاً، أكل ألفي غرام من اللحم يومياً يعتبر أمراً متوسطاً للشخص المعتدل، لكن أكل نفس الكمية من اللحم في جلسة غذاء واحدة يعتبر إفراطاً. وبعض الأشياء يمكن تقسيمها على زمن فعلها لكي يتم معرفة الوسط ذهبي فيها، والبعض الآخر لا يقبل التقسيم، ويتصنف من ضمنه الأشياء البحتة مثل الشجاعة والعدل، وكذلك أشياء نادر الفعل والقول، والأشياء التي يجب أن تأتي في أوقات مناسبة محددة، هذه الأشياء نتوسط فيها أما من خلال التجربة كما قال أرسطو أو من خلال التعلم من الآخرين بمكان وسطهم الذهبي.

وفي الأخير يستحيل علينا الخروج من دون الإندهاش والذهول بمرونة الهائلة التي يتمتع بها دماغ البشري، نستطيع من خلالها أن نغير من أفكارنا وتصرفاتنا لنمتنع عن الأشياء التي نعلم مضارها علينا منطقياً نحو أشياءٌ إيجابية تؤمن مستقبلنا وصحتنا الجسدية والنفسية. نحاول بقدر المستطاع أن نستسيغ من حياتنا أكبر كمية من السعادة والمتعة قبل الموت، بل وربما ننافس الآخرين في ذلك. نحن كائنات نكره الشعور بالسيطرة والتقيد والإمتناع، ونسعى إلى الحرية والتحرر والإباحة، لكن في حريتنا عن الإنضباط والتوسط يسكن بأسنا وسقوطنا وقبورنا. لا نختلف كثيراً عن الحيوانات سوى في العقل، ويمكن لأبسط المركبات أن يطيح بهذا العقل، ليعيد الإنسان إلى وحشيته، المخدرات والأطعمة المضرة والإدمان والتصرفات البدائية والسلوكيات المؤذية للنفس وللآخرين، كلهم لديهم عواقب وخيمة، لا يسلم الإنسان منهم سوى بضبط النفس والتوسط، لكي يعيش حياة طويلة وسعيدة وممتعة ومطمئنة ومفيدة وحضارية.

بعض الأحيان مشاعرنا تكون هي المؤشر التي ترشدنا إلى الأعتدال والتوسط والأفضلية، نرى بعض الأحيان أن ما بين السعادة والحزن تقر الفائدة، ما بين النشوة والكآبة تقر المتعة، ما بين الغضب من المعين والتعلق به يقر الرضا، ما بين الشك واليقين التام تقر الحقيقة، ما بين الخوف والطمأنينة يقر الوجود، كل هذه العواطف تنقل لنا لمحة عن طريق الصحيح والمعتدل. كان يمكن لهذه أن تنجح في إرشادنا نحو الصواب لو لم تكن قاعدتها المزيد والمزيد من هذه المشاعر الممتعة والشهية إلى حد الإفراط فيهم، بل يمتلك هذه المشاعر بطاقة الملل مما يزيد من الطين بلة، لإننا نمل من أشياء التي يحفز فينا نفس المشاعر الجيدة، نحاول بقدر المستطاع أن نزيد من كمية هذه المشاعر أو نغيرها بأقوى منها مع مرور الزمن مما يدفعنا إلى الإفراط في ذلك الشيء.

لكن في الحقيقة نحن ننمو بصفحات بيضاء، لا نعرف كيف نشعر أتجاه مواقف عديدة في حياتنا، بل نكتشف شعورنا بعدما نخطأ باتجاه تلك المواقف، ثم نحللها لنعرف أين يكمن درب الصحيح. إلا إن درب الصحيح في دماغنا هو هروبنا من المشاعر السلبية إلى الأيجابية، وليس البقاء فيما بينهم. الهروب من الخوف إلى السلام، الهروب من الحزن إلى السعادة. وكما تعرف أن هذا النظام المؤشر لنا يمكن أن ينكسر بسرعة، والمثال عليه هو السعادة والنشوة التامة التي نشعر بها عند أخذنا للمخدرات، فهذا ليس يعني طريق الصحيح والمعتدل حتى لو كانت مؤشراتنا المشاعرية تؤشر إلى ذلك. إذاً، يبقى القرار لنا نحن لإجتياز الأسوء، وليس على أجسدنا أو أدمغتنا.

 

محمد كريم إبراهيم