ابراهيم أبراشكل كاتب أو مثقف فلسطيني يجد نفسه متورطا بالاشتباك والتعامل مع القضية الفلسطينية في أبعادها الوطنية والقومية والدينية والأممية، فالمثقف الفلسطيني لا يستطيع إلا أن يكون سياسيا وطنيا ومنفتحا على جميع الهويات حتى وإن لم يشأ ذلك، وهو ما عبر عنه المفكر إدوارد سعيد عندما قال إن المثقف يجب أن يكون متعدد الهويات، وفي هذا الشهر تمر ذكرى وفاته عام 2003.

مع أن العلاقة بين المثقف والثقافة بشكل عام علاقة الحامل والمحمول، حيث المثقف يحمل ويعبر عن ثقافة مجتمعه ومنها يلامس أو يستبطن الثقافة الإنسانية ويعبر عنها مدافعا أو منتقدا بكل الوسائل المتاحة، إلا أنه بالنسبة للمثقف الفلسطيني المشتت بين مجتمعات بثقافات متباينة ما بين صديقة وعدوة فإن مفهومه للثقافة الوطنية وكيفية التعبير والدفاع عنها تضعه أمام تحديات كبيرة وخصوصا إن أراد أن يكون مثقفا وطنيا عضويا قريبا من حس وضمير شعبه وملتزما بقضاياه .

في الحالة الفلسطينية تأخذ العلاقة بين المثقف والمتلقي والسلطة والمكان طابعا خاصا يجعل هذه العلاقة تدخل في حيز التراجيديا ويكون للجرأة على الكلام محاذير كثيرة بسبب تعدد السلطات التي يخضع لها الفلسطيني وتباين أماكن إقامته وبسبب تشابك الأطراف التي تلعب في القضية الفلسطينية . المثقف أو المفكر الذي يعيش في بلاد الغربة لا يجرؤ على الكلام بحرية وصراحة في قضايا سياسية تخص القضية الفلسطينية إلا في أضيق الحدود حيث الخوف على النفس والمال وعلى فقدان جواز السفر أو الإقامة أو مصدر الرزق أو حرية التنقل، فكيف إن كان يعيش في بلدان سياسات حكوماتها معادية للشعب الفلسطيني أو خاضعة للنفوذ الصهيوني .

في عام 2009 كتب النائب الأمريكي السابق في الكونجرس بول فندلي كتاباً بعنوان (من يجرؤ على الكلام؟) وهو كتاب أثار ضجة كبيرة في الأوساط الأمريكية والإسرائيلية حيث تحدّث عن الهيمنة الصهيونية على السياسة الأمريكية وحالة الإرهاب المُمَارس ضد كل من يجرؤ على نقد الهيمنة التي تمارسها إسرائيل واللوبي الصهيوني على أصحاب القرار في الولايات المتحدة الامريكية، وكان فندلي نفسه أحد الذين دفعوا الثمن غالياً بسبب جرأته على قول الحقيقة، ونفس النهج أتخذه نعوم تشومسكي وإدوارد سعيد، إلا أنه كان لهذا الأخير رمزية وأهمية بسبب أصوله الفلسطينية العربية .

وعود على بدء حيث قلنا بأن خصوصية القضية الفلسطينية من حيث تعدد أبعادها وأطرافها انعكست على المثقفين والمفكرين الفلسطينيين أو ذوي الأصول الفلسطينية أينما كانت إقامتهم فإن المثقف والمفكر الأمريكي فلسطيني الأصل والانتماء إدوارد سعيد مثل نموذجا للمثقف والمفكر والأكاديمي والسياسي الفلسطيني اللاجئ الوطني والقومي والأممي.

كانت اهتمامات ادوار سعيد متعددة ولم تقتصر على مجاله الأكاديمي الجامعي كأستاذ للغة الانجليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك بل طاف بفكره ليغوص في مجالات متعددة مما جعل اسمه من بين أهم المفكرين والمثقفين في النصف الثاني من القرن العشرين، وفي كثير من كتبه ومقالاته كانت فلسطين دائمة الحضور.

 فلأن قضية اللاجئين تعتبر قضية جوهرية بالنسبة للفلسطينيين ولأنه لاجئ فلسطيني من مدينة القدس ثم اكتشافه بأنه مريض بسرطان الدم عام 1993 واستمرار الغربة عن الوطن وتوجعه عندما زار بيت العائلة في حي الطالبية الخاضع للاحتلال، والاغتراب داخل المجتمع الأمريكي وما آلت إليه القضية الفلسطينية من تراجع وتدهور، كل ذلك أرجعه لزمن البدايات والإحساس أنه خارج المكان الطبيعي الذي كان يُفترض أن يكون فيه وهو فلسطين الحرة والمستقلة، فكتب كتابه "خارج المكان" (200) .

ولأنه لمس تحيز المجتمع الأمريكي لإسرائيل والتباس أو تشوه صورة الفلسطينيين في المجتمع الأمريكي والغربي عموما، كتب مدافعا عن عدالة القضية من خلال كتابيه "المسألة الفلسطينية " (1997) و "غزة – أريحا : سلام أميركي " (1994) بالإضافة إلى عديد المقالات حول الموضوع، وبسبب هذه الكتب والمقالات اختلف مع القيادة الفلسطينية وانسحب من عضوية المجلس الوطني الفلسطيني وتم منع كتبه من دخول أراضي السلطة الفلسطينية، ولكنه تصالح نسبيا مع الرئيس أبو عمار عندما وقف هذا الأخير موقفا صلبا في اجتماع كامب ديفيد 2 عام 2000 .

 ولأنه لمس من خلال عمله الأكاديمي ليس فقط التحيز في الحاضر بل افتئات على التاريخ وتزوير له من خلال كتابات المستشرقين الامبرياليين عن الشرق والإسلام فقد كتب محاولا إنصاف الشرق والإسلام من خلال كُتبه الثلاثة :"الاستشراق" (1978) و"تغطية الإسلام" (1981) و "الامبريالية والثقافة" (1993)، و شكل كتابه حول الاستشراق ثورة زعزعت مرتكزات الأسس التي قامت عليها المدرسة الامبريالية الغربية حول الاستشراق وهي المدرسة التي تنطلق من الأنوية الحضارية الغربية وروجت للشرق والإسلام بطريقة تعزز تفوق الغرب ومغايرته عن الشرق وخصوصا الإسلام والعرب، و قد أثار كتابه عن الاستشراق كثيرا من ردود الأفعال ما بين مؤيد ومعارض .

ولأن فلسطين، وبلاد الشام عموما، كانت على المستوى العربي سبَّاقة في مجال الفن والموسيقا ومن بلاد الشام انتقلت الحركة الفنية إلى مصر وبقية الدول العربية، ولأن شعب فلسطين شعب متحضر ومنفتح ومتعدد المواهب فقد أراد ادوارد سعيد تأكيد ذلك من خلال إبداعه الفني العملي وتأليفه ثلاثة كتب حول الموسيقا، وهي: "متتاليات موسيقية" (2002) وكتاب "المتشابهات والمتناقضات :استكشافات في الموسيقا والمجتمع" بالاشتراك مع دانييل بارينبويم (2002)، و"النموذج الأخير: الموسيقا والأدب ضد التيار" (2006).

بالإضافة إلى ذلك ألف عديد الكتب في مجالات مختلفة و مئات المقالات والدراسات في أهم الصحف والدوريات العالمية حيث كان يُتقن بالإضافة للغة العربية اللغتين الإنجليزية والفرنسية، بالإضافة إلى تدريسه في أكثر من مائة جامعة داخل الولايات المتحدة وخارجها .

كان ادوارد سعيد ظاهرة فكرية عابرة للحدود وللثقافات، و تُرجِمت كتبه لعشرات اللغات، وفي كتاباته امتزجت الأكاديميا مع السياسة مع الثقافة مع الأدب والفن، امتزجت الوطنية الفلسطينية التي ولدت معه وحملها في طوافه الإجباري كلاجئ فلسطيني من القدس إلى القاهرة إلى نيويورك، مع استحقاقات المكان والعمل والجنسية الأمريكية .

نفتقد ادوار سعيد كجزء من افتقادنا لمرحلة تألقت فيها القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني، والإحساس بافتقاد شيء يعني الحنين لعودته، وفي سياقنا فإن الحنين لزمن التحرر الوطني حنين لمرحلة تألق فيها النضال الوطني ضد الاحتلال وتميزت بحالة فكرية وثقافية قادها مثقفون من شتى التوجهات والقارات وكان تأثيرها على الاحتلال وروايته الملفقة لا يقل عن تأثير العمل الفدائي .

 

إبراهيم أبراش

 

يتم بادئ الأمر الأعلان الأحتفالي بالأتهام أو النقض، ويتخذ الإجراء الثاني اتجاه عكسي معاكس للأول حيث يتم توضيح نقطة بنقطة كما يتم إيجاد كل ما يدين المتهم، ويتم قرار التجريم في كثير من الأحوال إن لم يكن في كل الأحوال في حالة غياب المذنب والذي يتم إحضاره أثناء مراسيم إجراء التحكيم الإلهي، ومن مهمتها توثق لنا نصوص ماري كيفية سير وإجراء التحكيم الإلهي وهي النصوص الوحيدة التي تذكر لنا تفاصيل ذلك أثناء فترة حكم نبوخذ نصر ويتم ذكر كل ما يجري .

هناك العديد من الرسائل التي تذكر التفاصيل بعد التحكيم الإلهي والتي تعرّفنا وتنقل إلينا ردود أفعال الذين حضروا وعاصروا الحكم الإلهي (حكم الإله)، وهنا يجب أن نذكر إن نصوص ماري هي الوحيدة من هذا النوع، في حين ان النصوص البابلية لا تشير إلا إلى قرار اللجوء إلى التحكيم الإلهي .

أ - الإثباتات الرسمية:

إن الحالة الأكثر تكاملاً هي التي وردت في الرسالة (A. 1251) للأمير Subram حيث ان كل طرف يقول شيء يناقض الآخر كلمة بكلمة . فالفعل في صيغة Permansif "الماضي المستمر" يؤكد استعمال الأداة أو أداة التوكيد lu : lu nadin " تجد نفسها أنها قد أعطيت " .

ففي الرقم 254 [A 350] نجد الإثبات بسيطاً إن لم يكن الأكثر بساطة . ويكتفي الخطاب بإعلان الحقائق باستعمال الفعل المضارع، ولا توجد أية إشارة قواعدية لتوكيد الإعلان . أما في الرقم No. 253 [A 4187] تستعمل الأم في أحاديثها أفعال في صيغة المنصوب ولكن بالصيغة الحقيقية أي بأستعمال النفي عندما يتضمن الكلام التكذيب والعكس بالعكس . والتعبير له صيغة مستقلة لكنها لا تتضمن جملة تابعة .

في الرقم AEM 1/2 الرقم 488 [A. 267] خضعت المرأة المشكوك فيها إلى استذكار الأحداث الماضية :

" قبل أن  يتزوجها Sin-iddinam (أو قبل أن يتزوجني) قال نعم للأب وللابن. وعندما كان غائباً أرسل لي أخباره عن طريق ابن Asqudum، وهذا الأخير قال لي: (أريد أن أتزوجك) وقد قبّل شفتاي ولامسني إلا أنه لم يجامعني، وقلت له: (لا يمكنني أن أرتكب خطيئة تجاه Sin-iddinam ) . ففي البيت الذي كنت فيه لم أفعل ما لا يتوجب فعله لسيدي ".

وفي الرقم No. 249 [A. 457] تم التعبير عن قرار الأتهام بأستعمال سلسلة من الأفعال في صيغة المنصوب تم تقديمها من قبل Summa وتم استعمال الأفعال على الضد من صيغتهم الحقيقية أي التعبير بصورة إيجابية لما يجب إثبات صفته الخاطئة .

لنكون أكثر دقة في الدوافع الحقيقية التي تؤدي إلى اللجوء إلى التحكيم الإلهي فقد ورد ذلك في الأستجواب. وقد كشُف النقاب عن نوعين من النشاطات في رسالة 23 Subram و A 1251 حيث تم توجيه السؤال إلى أولئك الذين يجب تغطيسهم في النهر وإصدار صيغة الحكم وأخذ تراب من المدينة في أياديهم epir alim sati lilqu-ma . والإجراء متماثل مع انتخاب دعامة مادية خاصة عندما يتعلق الأمر بمدينة ويطلب kirbanum، والذي ذكر في الرقم No. 254 [A. 380] موازي للاستجواب الذي تم في ماري وقبل أن يعلن Iddin-lltim مطالبته (أو ادعاءه) فإن زوجته التي أكملت الغطس في النهر رأت نفسها أنها تسكب الماء على يديها وقد أعلنت بصيغة معينة لم يتم إعلامنا عنها . وهناك تعبير في اللوح اذ تم استعمال ظرف الزمان mustertam الذي يفصل الفعلين بحيث أنه لا يدعو إلى أن الوقتين قد تزامنا ...

ب- اختبار التحكيم الإلهي:

في بلاد وادي الرافدين هناك تحديد للتحكيم الإلهي فقط في الماء . وأوضح (جان بوتيرو) بكل جلاء مشروعية اللجوء إلى التحكيم الإلهي إلى إله النهر وإن تفسيره يعطي أهمية أكبر لقوة العزامة أو الرُقية أو التعويذة  أكثر مما يعزوها إلى القوى العادلة. ويبدو هذا التوضيح اللامع غير قابل للنقاش بالنسبة للألفية الأولى إلا أنه وجد حدوداً له ولا يبدو هناك أي تحكيم إلهي في تلك الفترة باستعمال النار، علماً أن الموت بالحرق تؤيده الكثير من الوثائق، ولكن ضمن المدوّنات المتوفرة لدينا يشكّل غياب أي نوع آخر من التحكيم الإلهي مشكلة ويجب الأخذ بالحسبان التوضيح الشامل لهذه الظاهرة وتأويلها.

إن الفعل الرئيسي الذي يشير إلى المشاركة في التحكيم الإلهي هو Saium والذي ترجمه (جان بوتيرو) بالفعل "يغطس" وإن الناس الذين يتوجب عليهم أن " يغطسوا " لأي سبب كان يطلق عليهم تسمية "sulum" وبهذه الكلمة اقترح (جان بوتيرو) أن يكون معناها " فريق الغطس " . وفي الرقم 249 [A 457] لا يمكن أن تشير كلمة sulum إلاّ إلى الأشخاص .. ومع الإبقاء على المعنى الذي قدمه (جان بوتيرو) أعتقد بأن المصطلح يعود (يرجع إلى) Sula2um وهي صياغة متماثلة مع rubaum أو suharum وهنا صيغة أخرى هي PURAS تستعمل لتشير إلى الناس وكذلك إلى الأشياء .

كما أن كلمة sulaum تعني "الغطاس المهني" أو على أقل تقدير الشخص الذي يغطس، وربما يعني ذلك الشخص الغطاس الذي يعرض خدماته للآخرين .

ومن السمات الأساسية للتحكيم الإلهي في ماري هو التغيير أو التعويض الدائم من قبل الغير بالنسبة للشخص الذي يخضع للتحكيم الإلهي . إنهم ليس الأمراء الذين يغطسون وإنما الناس في مدنهم، فقد تم تمثيل Subram وHaya-Sumu من قبل sulum التابعين لهم . والملكة نفسها Zalmaqqum، وعلى الرغم من الاتهامات الثقيلة الملقاة عليها نراها أنه تم الاستعاضة عنها أو استبدالها بسيدة أخرى من صديقاتها . وفي الرقم No. 254 [A 380] نجد أن Iddin-lltim أرسل زوجته إلى النهر بدلاً عنه . وفي الرقم No. 253 [A 4187] فإن الأم تغطس بدلاً من ابنتها . ومهما كانت الحالات التي تم ذكرها في القوانين فإننا نؤكد على التطبيقات الجارية منذ الفترة السابقة .

وقد أوضح (جان بوتيرو) الطريقة التي يتم فيها التحكيم الإلهي وهي طريقة بسيطة جداً حسب اعتقاده . ويبدو أنه يتم اقتياد الشخص أو الفرد المعني إلى حافة نهر وعرة أو منحدرة hursanum ويغطس . فإذا خرج من الماء فإنه سوف يعدّ بريئاً . ولكن في هذه الحالة نجد أن الاختبار أبعد من أن يكون قابلاً للتحمل ولا نفهم لماذا يمتنع عنه الكثير على الرغم من خطورة العقوبة وبصورة خاصة هل يتوجب أن نفكر أن أبطال lli-Estar كانوا ضعفاء للقيام بغطس بسيط وهل يمكننا أن نجد أناساً قادرين على ذلك ؟ فهل نعتقد أنهم يتراجعون إذا ما طُلب منهم ذلك ؟ ولهذا من دون شك  فان القوانين تجابه حالات رفض التحكيم الإلهي . وفي الحقيقة في كل مرة نؤكد عليها هناك نوع من الأداء الجسمي الذي يُنجز .

أما من ناحية القوة الرياضية التي يحتاجها التحكيم الإلهي فقد تمت ملاحظتها في النص القانوني وتتمتع هذه الناحية بأهمية استثنائية . وحسب هذه الوثيقة التي تتعلق بحقل تنازع عليه يترتب على خدم الملاكين (من أجل إقامة حقوق أسيادهم) أن يدفعوا مسمنة (قرص) ويقومون بالعبور (أي عبور النهر) فإن غطاس بسيط لا يقدر على ذلك .

ويترتب تفحص الرقم No. 249 [A. 457] بشيء من التفصيل وهو نص صريح، إذ يتعلق الأمر باللجوء إلى المساعي الحميدة من قبل أناس معنيين من أجل الناس الضعفاء حيث يتم إغطاس (تغطيس) Sulum من سبعة أشخاص : رجل مسن وستة من النساء، اثنتين من النساء يغطسن (ويخرجن) (ittasi) ثم يغطس الرجل المسن (العجوز) " وفي دواخل الإله " ipsur بعد عن (80) قياس ثم يخرج . إن التعبير ipsur يجب فهمه على الفور مع ما يحدث للأم Marat-Estar في الرقم No. 253 [A 4187] وتسقط داخل الإله، وتموت، ثم لا "ipsur" .

ان الواقعتين متعاكستين ففي الحالة الأولى المعنى السياقي ينص على " انه نجح في الاختبار " أما في المعنى الثاني " انه اخفق في الاختبار " .

ولكن ماذا يعني الفعل Pasarum ؟ يقترح (بوتيرو) ان معناه هو " يخلِص، ينقذ " وهناك استعمال خاص يعني " يشق الماء ليتقدم " إلا ان المسألة  معقدة .

أ - هناك سياقات يبدو فيها الفعل Pasarum أنه فعل حركة .

" قل لسيدي: هكذا (تحدث) Habdu-Amim خادمك" .

Ami-Esnb ابن واراد، رجل ipsur Mislan (لـِ / نحوي / تجاهي) قادم من Saggaratum . وينبغي على سيدي استجوابه . نرى إذن الذهاب تحت الماء " يكون قريباً للمعنى ولا يمكننا الأفتراض ان الأمر يتعلق بالجذر PSR " يمر أو يعبر دون أن يُرى أو يشاهد " .

ب- من ناحية أخرى نجد Pasarum في سياق قانوني حيث يكون فيه معنى اللجوء إلى التحكيم الإلهي دون اعطاء أية تفاصيل، فالتعبير ipsur (NP) متبوع بخطاب طويل يرفض اتهاماً بالزنا، وفي هذه الحالة تم استعمال Pasarum وكذلك umma-mi . وفي هذا السياق تم استعمال Pasarum كفعل خبري .

من المحتمل أن الحل يمكن أن نجده في AEM / 1/2 No. 488 حيث ان المعنى واضح هنا وهو : " أنها نجحت في إثبات الإثباتات الآتية ..." إذن يعد معنى Pasarum (يبرئ) من تهمة أو من سجن، ومن الممكن أن يكون أصل التعبير الكامل وهو raman-su pasarum لذلك نترجم المثال الموجود في A. 4162 " برأ نفسه وجاء من sagaratum " .

ويتضمن هذا الإثبات عدم " الغطس والخروج " وإنما هو " السباحة تحت الماء " . في وقت معين، أو طول معين . وهذا يعكسه تعبير " داخل الإله " فهذه ذات دلالة إذ نقول في No. 249 [A. 457]g useridu " جعلناه ينزل " أو " أنزله " أي هنا أنزل الزوجة الثانية . والتعبير جعلناها تذهب إلى العمق . وعندما ذُكر أن الزوجين أو المرأتين الأولتين في الوثيقة No. 249 [A. 457] تغطسان وتعودان إلى السطح مباشرة وأنهما جرّدا من حقوقهما أو امتيازاتهما . أما الثالثة فقد غرقت . ويتم البدء عادة  بتغطيس الأشخاص الأقوياء أو الاحتفاظ بالآخرين إلى النهاية . وقد  أدت توسلات العجوز بإعفاء النساء الثلاثة الآخرين (11 . 17-2) . وعلى كل حال إذا نجحن فيما ينتظرهن والذهاب إلى بعد معين أو السباحة فإن مبلغ أدائهن لا يكفي، ... ولا حاجة بطلب إيقاف العمليات .

ينبغي أن تقدم كل هذه التفاصيل التقاليد العامة السابقة للوضع في الماء وهو ما تحدث به القانون الآشوري الوسيط لنقول أنهن يستطعن أو لا وجود لهن ... ومن الممكن أن تكون الملاحظات غير ذات جدوى في No. 254 [A. 350]، إذ أكد الحاكم أرسل كل من الرجل والزوجة إلى الملك والزوجة التي غطست ثم صعدت أو خرجت (1.28) . إن هذه "التقاليد الأولية " مشهودة في الرقم No. 249 [A. 457] حيث قيل ان الرجل العجوز " أقام 80 قياساً " ومن المحتمل إذن ان على الذي يخضع للتحكيم الإلهي أن يكون على بعد معين من النهر وضمن شروط معينة . وعلى كل حال إذا كان الامر متعلقاً وبكل بساطة بوضع الرأس تحت الماء وإخراجه سوف لا نفهم وجود شهود رسميين من نمط ebbum الذين يكمن دورهم في تقييم حقيقة العمل وبصورة خاصة لتبرير أي نقص أو إخفاق .

 

الدكتورة هبة حازم النعيمي

كلية الآثار جامعة الموصل

 

حسيب الياس حديدعندما قرر لورنس السفر الى الجزيرة العربية كان لزاماً عليه تعلّم العربية. لذلك شرع في دراستها في جامعة اوكسفورد لكي يتمكّن من فهم لغة التخاطب فقط. لذلك تلقى دروسا من قبل ن. اودي وهو قس سوري الاصل كان يعيش في اوكسفورد آنذاك. وبعيد وصوله الى سوريا بأربعة اشهر عام،1909 استطاع لورنس ان يتعلم 80 كلمة ثم واصل دراسته في البعثة البروتستانتية الامريكية في جبيل لمدة ثلاثة اشهر تلقى خلالها دروسا من قبل فتاة عربية تدعى فريدة العقل. وخلال اقامته في سوريا، كان يقيم في كل ليلة في اقرب قرية مستغلا كرم ضيافة القرويين السوريين. وتعرّف على اشخاص من طبقات شعبية ساعدته على تعلم اللهجة المحلية الا انه كان يفضّل لهجة البدو وخاصة بدو الحجاز لانهم يمثلون العربية الحقيقية حسب وجهة نظره. الا انه لم يكن يفضّل اللهجة اللبنانية كما انه رفض بصورة قطعية التحدث ولو بكلمة واحدة باللهجة المصرية . واثناء عمله في المنطقة العربية قبيل اعلان الثورة العربية، كانت له علاقات طيبة مع العاملين العرب وهذا ساعده على تعلم اللهجة المحلية وفي هذه الفترة تعلم لورنس اربعة الاف كلمة الا ان هذه الكلمات لاتشكّل اللغة العربية باجمعها حيث كانت لغته مقطّعة ومجزّءة ولربما يتعلق معظم هذه المفردات بعمله في مجال الاثار. وبعد سنتين واجه مشكلة كبيرة في تذكر ما سبق تعلمه من كلمات علما انه ذكر لروبرت غريفز انه تعلم في حدود 120 الف كلمة(1) والاكثر من ذلك ادعى  مبالغا انه يتكلم افضل من العرب انفسهم  بحيث يستطيع ان يخبرك بقبيلة  الشخص او منطقته من خلال لهجته سواء كان من الجزيرة العربية ام من سوريا او من بلاد الرافدين ام من فلسطين"(2) ولابد من القول ان هذا الادعاء يتسم بالمبالغة لان لورنس لم يدرس اللغة العربية دراسة اكاديمية صرفة ولم يدرس قواعدها واساسياتها فان ما تعلمه ليس سوى  كلمات مستقاة من اللهجات المحلية وذلك نتيجة لاحتكاكه بالعمال الذين كانوا يعملون معه في مجال الاثار. وعند اعلان الثورة العربية استمر لورنس بتعلم اللغه العربية على يد اثنين من العاملين وذكر في كتابه " ان الاثنين لم يتوقفا عن تذكيري بالاخطاء اللغوية التي كنت اقع فيها"(3

ومن الاهمية بمكان ان نشير الى ان لورانس كتب  مايربو عن الف رسالة بالانكليزية  ولكن لم يتم العثور الا على رسالة واحدة باللغة العربية وجدت ضمن اوراق الامير زيد مؤرخة في 25/6/1918 وموجّهة الى الملك الحسين تتعلق بتقرير عسكري حول المواقع التركية في معّان وحول تحركات الجيوش العربية .وختم الرسالة قائلا" ارجوكم سيدي ان تحرقوا هذه الرسالة بعد قراءتكم لها لانني اكتب اليكم مواضيع لااستطيع التحدث بها شفويا" (4) ويذكر ان هذ الرسالة طبعت لاول مرة في صحيفة التايمز اللندنية في 30/6/1967. ومن المفيد ان ننوه ان هذه الرسالة مليئة بالاخطاء القواعدية والاملائية ويعتقد انها كتبت من قبل السير هربرت يونج(+) الذي عاش مدة في العراق. وفي كتاباته اشار لورنس الى الصعوبات الجمّة التي تكتنف اللغة العربية فهي لغة شاعرية وفيها الكثير من الاشتقاقات لذلك فان المفردات التي تعلّمها لورنس قلّت ام كثرت ربما تكون جيدة بالنسبة لتعلم اللغة الانكليزية مثلا الانها غير كافية لتعلم اللغة العربية. وبهذا الصدد يؤكد توماس لويل الصحفي الامريكي الذي كان متواجدا اثناء الثورة العربية قائلا" ان اللغة العربية واحدة من اصعب اللغات في العالم وليس من اليسير اتقانها.. فهي لغة غزيرة بمفرداتها ومعقّدة بالوانها"(5) وهذا بحد ذاته يمثل رأيا غربياً. وبناء على ذلك، يمكننا ان نستنج انه ليس باستطاعة لورنس اجادة العربية بدرجة كبيرة طالما ان العربية لغة غنية جدا بالمفردات والصور المتأتية من البيئة العربية بما في ذلك الصحراء. فكيف يستطيع لورنس ان يدرك هذه الصور الغريبة عنه؟ وحتى اذا ترجمت حرفياّ فانها ستفقد لامحالة عذوبتها وروعتها وربما تكون مبهمة وغير مفهومة بالنسبة للاجانب. وحتى ان لورنس اعترف قائلا" لم يكن باستطاعتي ان اسمع من انكليزي يتكلم اللغة العربية بامكانه ان يتحدث مثل العرب ولو  لدقيقة واحدة(6) ثم انه لم يقم في الجزيرة العربية سنوات طويلة تمكّنه من ان يتقن العربية من جهة وان يحكم على عربيته وعربية االاجانب من جهة اخرى. وفي "اعمدة  الحكمة السبعة" ذكر وبوضوح ان عربيته كانت في البداية عبارة عن تجميع من اللهجة القبلية للفرات الاوسط الا انها اصبحت فيما  بعد مزيجا من لهجة الحجاز العامية ومفردات منزلية وبعض التعابير الشفافة من نجد"(7) ومن اعترفاته بات متضحا ان عربيته خليط من لهجات محلية لا تمكّنه من التكلم بطلاقة وحتى انه لم يستطع ان يجيد اللهجات المحلية وافضل دليل على ذلك عندما قام عودة ابو الطي بالقاء قصيدة لم يفهمها لورنس وعلى حد اعترفاته لم يفهم سوى ثلاث كلمات منها علما ان عودة كان بمرافقته مدة طويلة.  ثمة عامل  اخر يمكن اضافته للادلة على عدم اجادة لورنس للغة العربية هو القواعد فهل كان يعرف قواعد اللغة العربية؟ من الافضل ان نجد الاجابة من خلال رأي زملائه فهذا السير رونالد ستورز السكرتير الشرقي للمقر يخبرنا "ان لورنس لم يتعلم اللغة العربية ولم يتعلم أي لهجة جيدة" وعندما سأله توماس لويل فيما اذا كان يتحدث العربية بطلاقة اجاب بالنفي " انها عربية المطبخ"(8) ويقصد من ذلك ان لغته العربية كانت ضعيفة.  ومن ناحية اخرى اكّد صبحي العمري  ان فيلبي ويونج يتكلمان العربية افضل من لورنس بكثير.

وفي الحقيقة يوضح ما تقدّم وبصورة لا لبس فيها ان معرفة لورنس للغة العربية محدودة وغير كافية ليفهم الاخرين. فهذا غلوب باشا مكث في المنطقة العربية ثلاثين عاما وفيلبي الذي عاش اربعين عاما في المنطقة العربية ولكنهما لم يتحدثا العربية بطلاقة. فكيف يمكن للورنس الذي عاش سنوات قليلة في الجزيرة العربية ان يتحدث بطلاقة؟ وفي الحقيقة هناك الكثير من الاوهام والمزاعم من ان لورنس يجيد اللغة العربية اجادة تامة الا ان الحقيقة تنص على انه ربما كان يتحدث بلهجة محلية ولهجة أي اجنبي مثله وربما بلهجة لورنسية خاصه به. ومن المؤسف حقاً ان نجد البعض يؤكد على ان لورنس يجيد اللغة العربية اجادة تامة وبأستطاعته ان يميز اللهجات وان يخبر المتحدث بانه من المنطقة كذا وكذا وانه عمل مترجماً للامير فيصل بن الحسين. ومن الجدير بالذكر انني درست لورنس لمدة اربع سنوات ونصف واطلعت على اكثر من (250) مصدر باللغتين الانكليزية والفرنسية فضلاً عن الوثائق السرية التي حصلت عليها من مركز حفظ الوثائق في لندن لم اجد اي مصدر معتمد ينص على ان لورنس يجيد اللغة العربية ولا اقول  اجادة تامة وخير دليل اعترافاته ان عربيته لا  تزيد عن كونها "عربية مطبخ" اي انه كان يعاني من محدودية كبيرة جدا في مجال اللغة العربية.

 

الدكتور حسيب الياس حديد

.................................

(1) Robert Graves and Liddell Hart: T.E .Lawrrence to his Biographers, p.57

(2)  Ibid

(3) Ibid

(4) Stanely and Rodelle Weintraub:op.cit, p.134

+  sir Hurbert Young (1883-1950) ضابط بريطاني عمل في العراق بين 1915-1917 وعمل في الدائرة الخارجية ودائرة المستعمرات وكان مستشارا للمندوب السامي البريطاني 1929-1923 وهو مؤلف كتاب The Independent Iraq

(5)  Thoms Lowell: With Lawrence in Arabia , p.128

(6) Robert Graves : op.cit, p.166

(7)   T.E. Lawrence: Seven Pillars of Wisdom,p.240

(8)   Rolland Storrs: op.  cit.p1093

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الثامن عن وهبة طلعت أبو العلا ودوره في صياغة نظرية الوجود المقلوب، حيث نستأنف بقية حديثنا عن الحكم الأمريكي الأول للعالم وفي هذا يقول وهبة طلعت : ولهذا، لتعلم أيها الإنسان أن الفكرة القائلة بأن هذا العصر قد اتسم بكونه عصر التحرر من الاستعمار أو عصر الحريات، كما سمي في الغالب، هي فكرة زائفة مخادعة للجنس البشري كله – فحقيقة الأمر الخفية أو المقلوبة هي أن الاستعمار أو الاحتلال العسكري قد رحل وحل محله نوع آخر من الاستعمار السياسي وما يقترن به أو يترتب عليه من صور الاستعمار الأخرى . فبدلا من تبديد الجهود في احتلال العالم احتلالا عسكريا، فرضت أمريكا علي العالم أن يحكم نفسه بنفسه، ولكن  لصالحها هي . فالكل ينفذ سياسية عليا هي السياسة التي يراها حكام العالم، الذين يعتبرون في الآن عينه، ومن اعتبار آخر، الأب الروحي له، والتي تكون سياسة مرسومة ومدبرة سلفا والكل لا يملك إلا القيام بتنفيذها باعتبارها السياسة التي تدار ضد الكل من اعتبار، ولصالح الكل من اعتبار آخر .

وهنا يقرر وهبة طلعت أن أمريكا قد خطت بتقسيمها للعالم خطوة أخري ربما أبعد بكثير من تقسيماتها السابقة. فهي لم تقصر هذا التقسيم علي حد تقسيم الدول فيما بينها أو حتي علي حد شطر الدولة الواحدة – ما دام ذلك ممكنا- إلي شطرين أحدهما ينضم إلي أمريكا العلنية، والآخر إلي أمريكا الخفية، وإنما خلقت القسمة حتي بين أفراد الشعب الواحد علي نفس النظام السابق الذي يطلق عليه الآن اسم نظام فرق تسد. هذا يفسر السر في انقسام الشعب الواحد إلي طوائف عديدة متناقضة – وذلك قد يكون بسبب الجهل وقصور الإدراك، أو قد يكون مرده إلي التجاهل والقسر أو الإجبار أو حتي المنفعة – يمكن حصرها في نهاية المطاف في طائفتين رئيستين إحداهما تمثل عنصر السلب، والأخرى تمثل عنصر الإيجاب، وإحداهما تدعو، علي سبيل المثال، إلي التمسك بالماضي ونبذ كل ما هو جديد وافد، والأخرى تدعو، علي سبيل المثال، إلي نبذ الماضي والانفتاح علي كل ما هو جديد، إحداهما رجعية أصولية، والأخرى تقدمية، إحداهما محافظة، والأخرى متحررة . ولا شك في أن هذا التناقض الكامن في جدل السلب – الإيجاب جعل كل الطوائف المختلفة المتصارعة في داخل الشعب الواحد تراقب بعضها البعض وتصارع بعضها البعض وتجهض بعضها البعض في ظل شعارات وهمية كاذبة وخادعة ولا تخدم في النهاية إلا مصلحة القوة الأعظم أو السوبر باور الوحيدة كما تطلق علي نفسها الآن .

يقول وهبة طلعت: وأنا لا أملك عزيزي الإنسان إلا أن أحذرك من عدم الوقوع في شرك هذه الطائفة، أو تلك، ومن الانخداع بهذه الشعارات، أو تلك، أو حتي بهذا التغير، أو ذاك . فكل تغير يحدث علي أرض الواقع أصبح تغيرا محسوبا ومدبرا سلفا الغرض منه تغيير الواجهة السياسية ليس إلا، لأن جوهر السياسة الخفي يكون ثابتا دوما وباستمرار . فالكل، كما ذكرت، ينفذ في الخفاء سياسة واحدة مرسومة سلفا، أما العلن ( أو الواجهة ) فهو الذي يتغير فقط . هذا التغيير لا يعني سوي إسقاط لافتة قديمة، ووضع لافتة جديدة تجذب الأنظار إلي حين، غير أنها سرعان ما تصبح قديمة في نفس اللحظة التي توضع فيها، ومن ثم تستمر إلي حين ثم تستبدل بلافتة أخري جديدة، سوعان ما تصبح بدورها قديمة ... وهكذا . ويكفيك للتحقق من صدق هذا – عزيزي الإنسان – أن تنظر إلي سائر الحكومات التي قامت، وستظل تقوم، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية واعتلاء أمريكا لعرش العالم . وسرعان ما ستجد أن هذه الحكومات لم تكن سوي واجهات أو لافتات تحل الواحدة منها محل الأخري تباعا  . هذا التغير في اللافتات لم يحدث أي تغير جوهري في محيط الواقع الذي ظل تقريبا كما هو، أعني ظل خاضعا لمبدأ السلب – الإيجاب، الهدم – البناء، لا تدعه يعيش، ولا تتركه يموت . والولايات المتحدة الأمريكية هي وحدها التي جعلت الواقع يثبت هكذا أعني يتوقف تقدمه عند نقطة واحدة لا يتعداها إلا بمعرفة الولايات المتحدة أيضا . لقد جعلت العالم يتوقف في مكانه من خلال إخضاعه لمبدأ لا تدعه يعيش، ولا تتركه يموت، أما هي فقد سارت إلي الأمام في تقدم مضطرد فاقت به العالم بمئات بل وبآلاف من السنين، ومن خلال هذا التقدم تخلصت من القديم الذي فسد وبلي، واستبدلته بالجديد الذي ستظل دوما تستبدله بكل ما هو جديد حتي تحقق دوما وباستمرار تقدما فريدا وحقيقيا وأصيلا، بدلا من تحقيق شئ من التغير أشبه بترقيع الثوب القديم أو بتغيير قطعة في جهاز تلفاز قديم سيبلي حتما ويصبح خردة في أسرع وقت .

في ضوء تجريد العالم هكذا من سائر أنواع التسليح وعدم السماح له بالحصول عليه إلا بقدر محسوب كما يري وهبة طلعت، وفي ضوء تقسيم العالم علي هذا النحو، كان من الطبيعي أن تحكم أمريكا قبضتها علي العالم – إلي حد ما – خاصة من الناحيتين العسكرية والسياسية . وإذا كنت قد أشرت في ثنايا حديثي السابق إلي الأهداف التي حققها حراس العالم من وراء ذلك، فسوف أحاول فيما يلي، توخيا للوضوح والدقة، وإعادة تلخيص هذه الأهداف في النقاط التالية كما يري وهبة طلعت :

أولا :  إن تجريد العالم من السلاح في الخفاء قد مكن أمريكا من إحكام قبضتها عليه إلي حد كبير، هذا علي الرغم من أنها لم تكن تملك في ذلك الحين كافة المقومات التي تمكنها من مراقبة ما يدور في العالم كله علي الأقل، الأمر الذي اضطرها إلي الاعتماد بكيفية ما علي سائر الدول . هذا التجريد من السلاح ينسحب علي سائر دول العالم، باستثناء قلة قليلة حرمتها أمريكا من وسائل التدمير الشامل – أقصد من الأسلحة النووية – وتركتها تنتج الأسلحة التقليدية ذات الخطر المحدود . هذه الدول هي التي أطلقت أمريكا عليها – لأسباب سيأتي ذكرها – اسم الدول الكبري وهي تضم بصفة خاصة دول أوروبا الغربية . هذه الدول هي الدول الصديقة لأمريكا العلنية في العلن، وهي أيضا وفي نفس الوقت الدول التي تعتبرها أمريكا عدوها الحقيقي الذي تتفنن في إجهاضه دوما وباستمرار بطريقة خفية أو غير مباشرة تحت ستار التحالف الدولي الذي سيأتي الحديث عنه فيما بعد .

ثانيا :- إن تقسيم أمريكا للعالم مكنها من تنفيذ الوجه السلبي – الخفي لسياستها تحت اسم مستعار هو الاتحاد السوفيتي . فبينما راحت أمريكا تخدع العالم في العلن مدعية أنها الدولة التي قامت لإحلال السلام والرفاهية والعدالة والإخاء بين بني البشر قاطبة، راحت أيضا وفي نفس الوقت تنفذ نقيض هذه السياسة في الخفاء وذلك تحت ستار المعسكر الشرقي الذي تتزعمه روسيا في العلن، والذي يدور في حقيقة الأمر في فلك أمريكا الخفية . هذا هو جدل السلب – الإيجاب، الهدم – البناء، لا تدعه يعيش، ولا تتركه يموت، إنه الجدل الذي يمثل عصب السياسة الأمريكية التي بمقتضاها تحكم العالم .

ثالثا:- هذا التقسيم مكن أمريكا من جعل سائر دول العالم رقباء (جواسيس) علي بعضهم البعض، ومدمرين لبعضهم البعض، باعتبار أن هذا التقسيم قد حول كل دول العالم إلي أقطاب بعضها موجب، والآخر سالب، الأمر الذي خلق التنافر والصراع المستمر بين الجميع، وذلك تحقيقا لمصلحة أمريكا أولا قبل كل شئ .

رابعا :- إن هذا التقسيم قد مكن أمريكا من أن تجعل سائر دول العالم تبدو في العلن كما لو كانت تحطم نفسها تحطيما ذاتيا، كما لو كانت هذه الدول نفسها هي المسؤول عن الصراعات التي تنشأ بينها باستمرار، الأمر الذي جعل أمريكا تبدو في العلن كما لو كانت بعيدة كل البعد عما يحدث من صراع بين الدول، هذا علي الرغم من أنها هي التي تدبره وتحركه في الخفاء تحقيقا لجدل لا تدعه يعيش، ولا تتركه يموت .

خامسا :- إن هذا التقسيم مكن أمريكا في نهاية المطاف من تحويل العالم أجمع إلي دولة واحدة مقسمة إلي ولايات أمريكية في الخفاء – غير أمريكية في العلن وتحتم عليها جميعا تنفيذ سياسية خفية واحده (مختلفة في العلن) لا تخدم في النهاية إلا المصالح الأمريكية نفسها التي تهدف أساسا إلي جعل العالم بأسره يتوقف عن التقدم – أو حتي يسير إلي الوراء من أجل أن تحقق أمريكا مزيدا من التقدم يجعلها تترك العالم وراء ظهرها بملايين السنين، ويجعلها بالتالي تكعن في المزيد من إحكام قبضتها ليس علي هذا العالم فحسب، بل علي الكون كله إن أمكن .

هذا لا يعني أن أمريكا تحاول تحويل سائر أقطار العالم إلي أقطار أمريكية عن طريق المحاولة التي يمكن أن يطلق عليها اسم أمركة Americanization  غير الأمريكيين، إن العكس هو الصحيح يري وهبة طلعت ؛ بمعني أن أمريكا لا تهتم علي الإطلاق بأمركة غير الأمريكيين أعني تحويلهم إلي ولايات أمريكية متشابهة . ونفس الأمر ينطبق حتي علي سائر الطوائف الأمريكية المختلفة التي تعيش في داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها . فأمريكا تتركهم يعيشون علي هواهم، يعيشون كيفما اتفق، يعيشون بكل سلوكياتهم، ومعتقداتهم المختلفة والتي كثيرا ما تكون متناقضة بصورة صارخة، وهي تستمد من تناقضاتهم التي تظهر نماذج تتعامل في ضوئها مع سائر المجتمعات، باعتبار أن سكان الولايات المتحدة الأمريكية هم نخبة ممثلة من سائر بقاع العالم، ومن ثم فهم يمثلون نموذجا أو خليطا فريدا من سائر البشر أو البشرية نفسها . هذا يعني أن أمريكا – أو حراس العالم – ترحب دوما باختلاف وتناقض حتي الطوائف التي تعيش في داخلها، وهي لا تخشي علي نفسها من ذلك، فكل شئ تحت التحكم أو السيطرة حتي أن بدا متناقضا في الظاهر، لأن كل شئ في يد الصفوة، في يد حراس العالم الذين يملكون تحريك وتوجيه كل شئ سواء في داخل الولايات المتحدة نفسها أو حتي في العالم أجمع . هذا بالإضافة إلي أن التناقض سواء داخل أمريكا أو حتي خارجها هو شئ يرحب به حراس العالم دوما . فلكما زادت حدة التناقض بين الدول أو حتي في داخل الدولة الواحدة كلما سهل ذلك من مهمتهم في خلق صراع السلب – الإيجاب، الذين يتفننون دوما في خلقه أو صنعه من عدم أعني حتي في حالة عدم وجوده .

في ضوء ما سبق، يعلق وهبة طلعت فيقول : دعني أذكرك من جديد عزيزي الإنسان بأنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أو، علي وجه الدقة، منذ امتلاك أمريكا لوسائل التدمير الشامل لم تعد هناك قوة عظمي أو سوبر غيرها، وليست هناك قوة غيرها تمتلك وسائل التدمير الشامل، وليست هناك حادثة تقع في العالم – يستثني من ذلك الاحداث الطبيعية التي لا دخل للإنسان فيها كالزلازل والبراكين ... وغيرها – إلا وتكون مرتبة لها سلفا وبكل خفاء . ولهذا يجب عليك عزيزي الإنسان ألا تصدق ما يقال في العلن عن وجود قوي عظمي خلاف الولايات المتحدة الامريكية . فحكاية وجود دول كبري Great  -  عظمي super –  هو اختراع أمريكي لإنقاذ ماء وجه الدول التي كانت حقا دولا كبري في أبان آخر عصور توازن القوي التقليدية مثل ، بريطانيا وفرنسا وغيرهما . فأمريكا لم تشأ أن تسحب البساط مرة واحدة من تحت هذه الدول في أعقاب اعتلائها لعرش العالم حتي تأمن جانبها في العلن وإلي حين . ولهذا خلعت عليها هذا اللقب المزعوم الذي ستسحبه منها، كما سأوضح فيما بعد، بعد ذلك بسنوات . كما يجب ألا تصدق ما يقال في العلن عن وجود دول أخري تمتلك أسلحة نووية يمكنها أن تهدد بها الولايات المتحدة أو المجتمع الدولي، لأنه إذا حدث ووجد سلاح نووي ذات قوة تدميرية شاملة في أي دولة من الدول، يجب عليك أن تدرك علي الفور أن هذا السلاح موضوع في تلك الدولة بمعرفة الولايات المتحدة وأنه موضوع تحت سيطرتها التامة، كي يخدم أهدافا أمريكية خفية معينة كأن ترهب به دولة أو دولا أخري أو تضغط به علي دولة أو دول أخري، أو تشيع به الهلع النووي حتي تستجيب سائر الدول وتنفذ السياسة الأمريكية التي يراها حراس العالم ملائمة وتحقق مصلحة أمريكا أولا وقبل كل شئ . وفي النهاية يجب عليك عزيزي الإنسان ألا تصدق أن هناك خلافات حقيقية بين الولايات المتحدة الامريكية وسائر دول العالم . فحقيقة الامر الخفية أو المقلوبة هي أن الخلافات التي نسمع عنها بين الحين والآخر بين أمريكا وبعض الدول ليست سوي خلافات علنية مزعومة الغرض منها – وهذا علي سبيل المثال لا الحصر – جعل العالم ينخدع ويصدق في العلن أن هناك حرية فعلية في هذا العالم، وأن الهالم ليس محكوما، وأن لكل دولة الحق التام في قبول أو رفض السياسة الامريكية، ومن ثم يصبح جاهلا بالحقيقة الخفية أو المقلوبة التي مؤداها أن الخلاف العلني ليس سوي خلافا ظاهريا مزعوما الغرض منه إلقاء ستار من الغموض – الذي هو من طبع السياسة التي يديرها حكام العالم – وكذا جعل العالم يعيش في وهم الحرية حتي لا يبصر أنه محكوم في الخفاء وأنه يستحيل عليه الخروج عن الإطار الذي حدد له سلفا . هذا الحكم الأمريكي الاول للعالم لم يكن حكما عسكريا – سياسيا فحسب، بل اتخذ أيضا طابعا اقتصاديا... وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

عبد الجبار العبيديفي هذا الزمان الصعب نحن بحاجة الى جريء يقول الحقيقة دون وجل من خوف.. وبحاجة الى قارىء او سامع يتفهم الحقيقة دون مجاملة او مخاتلة من عيب قد يظنه صعب عليه من الاخرين.. فالامة بحاجة الى الحقيقة وليس الى المجاملة والتردد في قولها.. ساعتها ستنتصر..

لا احد ينكر ان الاسلام دينا مثل كل الاديان الاخرى التي سبقته.. كلها من مصدر واحد هو الله.. فكان خاتمة الاديان، "اليوم أكملت لكم دينكم.. المائدة 3". بعد ان أوصى الله محمد (ص) بضرورة معرفة تلك الاديان واحترامها كما في قوله :"ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والأنجيل، آل عمران 48". في قرآن محمد الوصايا العشر التي جاءت في الديانات التي سبقته.. والتي تضمنت "ان لا تكن خائنا ولا معتديا ولا مزورا.. " هذه المصطلحات هي ما تضمنته الدساتير العالمية اليوم التي كونت دول عظمى لا زالت تتقدم.. فلماذا لم يُكون الاسلام دولة عبر الزمن حتى بقي يعيش في رؤوس الناس وليس في واقعهم..؟.. اعتقد وبقناعة المنطق ان المسلمين الآول لم يكونوا بمستوى فلسفته حين توجهوا الى انفسهم دون قيمه ومبادئه.. مثل كل الذين يدعون الوطنية اليوم منهم.. فاذا ما وصلوا تخلوا عن الوطن والوطنية.. فماتوا قبل ان يموتون..

نعم ولد الاسلام مبشرا بالحق والعدل "ان الله هو الحق، الحج 62".. جاء ليطرح نفسه عقيدةً وسلوكا ومنه نصل الى حل المعضلات التي تواجه المجتمع في ذلك الزمن الصعب، مثل اطروحة القضاء والقدر، والحرية، ومشكلة المعرفة، ونظرية الدولة، والمجتمع والاقتصاد والديمقراطية وتفسير التاريخ.. لينتج عن ذلك فكر اسلامي آيديولوجي معاصر يحمل مقومات المعاصرة استنادا الى النص لينهي عصر ما قبله، لكنه فشل في هذا التوجه حينما فُسر النص لصالح الفقه الفردي الذي حوله الى الترادف اللغوي الفاقد لمعنى العقيدة ولم تكن التسميات الحسية قد استكملت في اللغة العربية بعد تركيزها في تجريدات..

وبهذا سرعان ما تحولت الى السيف الذي جاء بدلا من قناعة المنطق والقانون حين طبقوا نظرية "أسلم تَسلم" يوم كان قويا.. فحل السيف بالمعارضين الذين سموهم بالمرتدين، وهم لم يكنوا كذلك بل المطالبين بحق الاشتراك في اختيار زعامة الدولة وكيفية بنائها وحقوق الناس فيها.. التي بشر بها صاحبها انها ملك الجميع "وشاورهم في الأمر، آل عمران 159". وبنظرية السيف تدرج في القوة حتى نسي اصحابه تأويل النص المقدس واللجوء الى مواقف فكرية سياسية تراثية قامت على الجبرية وضرب الفكر الاخر متحدين النص"لكم دينكم ولي دين، الكافرون 6".

من هنا ورغم استمرارية وجوده واستمراريته، الا ان المسلمين عاشوا ويعيشون اليوم في ازمة فكرية فقهية حادة سببتها المذاهب الاجتهادية اللامعترف بها في النص.. لذا وجب علينا البديل في فقه معاصر جديد والغاءالقديم مخترقين فقه الفقهاء الخمسة الذين انتهى زمانهم حين كانوا يرون الحياة بنظارات انتهى زمانها اليوم، ولم تعد تصلح للرؤيا.. لامكانية صنع دولة تخدم شعب او امة دون تفريق.. لكن اتباعهم فشلوا اليوم حين تجاهلوا صيرورة الزمن في التغيير.. فما الذي تغير اليوم.. الاسلام ام المسلمون..؟

من يقرأ بداية ظهور الاسلام بتمعن وبحيادية تامة يدرك او يتكهن بما سيحصل له مستقبلاً.. لأن من يتخلى عن القانون والحقوق ويتحلى بالقوة والمصلحة والقبيلة يدرك تماما ان قوانين التاريخ تجري مثلما تجري قوانين الطبيعة.. بعد ان اصبحت اركانه غير صالحه لاستمراره، ولم تعد قادرة على حمله امام العواصف الهوجاء.. انه في دور السقوط..

أمنيات عاطفية مناها الاسلام لمن ينتمي اليه هي الشهادة له وضمان الجنة بعد الممات.. "جنات تجري من تحتها الانهارخالدين فيها أبداً، النساء 122" والأمنيات الاخرى التي تعود عليها العرب وهي المال والنساء.. "وما ملكت ايمانكم، النساء 36 " وهكذا جيل بعد جيل يُمنى بالأمتيازات يحملون نفس الامنيات .. لكنهم بمجرد ان يصلوا يقلبوا لنا ظهر المجن.. للمنتظرين.. فهل ان المرض اصبح مزمنا بلا علاج.. أم ان أيمانهم بالعقيدة كان وما زال وهما في الصدور.. ؟

يقول الفقهاء ان الاسلام بني على خمس.. هي اركانه الاساس.. تكوين الامة الاسلامية، والسيف لمن يعارض، والمال لتمويل حروب الدولة، والجنس الدنيوي والاخروي لأشباع النفوس وهو الذي حرك الغزو، والرقابة على المعارضين للحد من المخالفين والمنتقدين.. مصحوبا بالدعاية له، .هذه الاركان متشابكة ومعقدة كانت بحاجة الى مؤازرة القلم فكان الفقهاء خيرعون لها.. نفس الدعاية الكلامية التي جاؤا بها يوم قبلوا مرافقة الغريب لاحتلال الوطن مع الفارق في اللفظ اللغوي اليوم.. وأستفردوا بالدولة والحقوق دون الناس.؟

قال النبي في احدى دعواته :"اللهم أيد الاسلام بأحب هذين الرجلين اليك: بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب" أنظر السيرة النبوية لأبن هشام ج1ص423.. وأنا اشك في هذا القول لفساد ابن هشام في تحريف الاحاديث المنقولة، من هنا ندرك ان محمدا كان في بحث دائم عن الرجال الاقوياء الذين يمكن الاعتماد عليهم في نشر الدعوة والمحافظة عليها.

وحين قويت الدعوة والانتقال الى الطاعة الحدية المطلقة التي لا اعتراض عليها حتى لو خالفت الاعراف كما حصل مع زينب بنت جحش وزوجها زيد حيث طلقت من زيد ليتزوجها النبي كما في الاية 36 من سورة الأحزاب.. والقضية تمثل وجوب الطاعة المطلقة دون اعتراض من احد.. هذه هي بداية دكتاتورية الاسلام تجاه المرأة لا بل تجاه المجتمع لتطويعه.. لذا ظلت القبيلةهي الاساس حتى ولو اصبحت في اسفل معاني التقدم والتحديث.. ألم يتشابهوا القادة العرب اليوم مع من جاؤا في بداية الاسلام.. "النرجسية والطائفية والحقوق لهم دون الاخرين والانتقام من الأخر.. وابقوا حقوق المرأة في الصف الأخير.

وحلت اللغة العربية بعد الفتوح محل كل اللغات للشعوب التي دخلت الاسلام وان لم تتقنها فصارت الصلاة والادعية وقراءة القرآن عربية مفروضةعلى الجميع وان لم تعرف معانيها منهم تماما.. انها مآساة حقيقية.. ثم كانت القراءة بالعربية التي اعتبرت جزءًمن الدين حين أضفي عليها هالة التعظيم واصبح غير العربي ملزم بها مع ان الكثيرين لا يفقهون منها غير حفظ الاصوات والطرب على صوت القارىء المرحوم عبد الباسط عبد الصمد، لا.. فهم المعاني فضاعت عليهما منفعته.. نعم انها مآساة اخرى.

ومنذ ان ظهرت عندنا كلمة أقرأ اصبح كل شيء عندنا مبني على الاستظهار لذا فالعالم عندنا لا يبتكر بل يحفظ لا بل أختفى عندنا عالم العلوم.. لذا بقينا نفتخر بمسلم والبخاري وبحار الأنوار للمجلسي لحفظهم الالاف من الاحاديث النبوية حتى اصبح السؤال يتعبنا لانه بحاجة الى تعليل وهذا ما نخشاه.. "يا ايها الذين امنوا لا تسألواعن اشياء ان تُبدَ لكم تسؤكم..، المائدة 101 هكذا فهمت الآية عندهم.. لذا ظل منهج الطالب في المدرسة والجامعة يحفظ دون ان يُفكر او يَبتكر.

وعلى مستوى القبيلة ظلت الشهادة الجامعية ومراكز البحث العلمي مجرد ديكور يعلق في البيوت وخريجها لا يفقه من العلم الا قليلا باستثناءات معينة بسبب عناوين الاطروحات المقدمة في الجامعات العربية.. كاطروحة الضراط وفائدته على الصحة المقدمة في جامعة محمد بن سعود ومئات غيرها احط واسخف.

وتأتي السرقات العلمية في الفكر وبلا حماية حكومية ووطنية.. والتزوير لمن لا يملكها وبعلم الدولة.. حتى اصبحت السرقات في الاطاريح الجامعية عامة ومقبولة.. مثل تزوير الشهادات لاعتلاء المناصب المتقدمة دون حسيب او رقيب فكانت النتيجة كما نراها اليوم..

ومن سمات العرب تطبيق عادات وتقاليد القبيلة قبل القانون "انصر أخاك ظالما او مظلوما". حتى تحولت المقولة على يد الفقهاء الى نظرية "الولاء والبراء" يقول القرآن:"لا يتخذ المؤمنون الكافرون اولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء، آل عمران 28". لذا لا يحق لغير المسلم بموجب العرف القبلي ان ينتقد المسلم او النص، أنظر "قضية سلمان رشدي صاحب كتاب الايات الشيطانية الملاحق للقتل مثالاً دون مناقشة، أما كان الأولى بهم مناقشته في افكاره قبل الحكم عليه بالأعدام.. "انظر فتوى الخميني فيه".. والخلافة في كل الارض لهم دون الناس، والدولة يجب ان تكون تحت حكمهم الشرعي لا القانوني والفرق بين الاثنين كبير لصيرورة الزمن فيهما.. ويكبر الطفل المسلم ولايعرف الا عدل عمر وسيف ذو الفقار لعلي، ولا يعرف سوى الحدود لدرء الخطر والمفاسد فهو القانون في المجهول.. لذا ظلت القبيلة في مواجهة الفردية.. بمجرد انتهاء دولة الخلافة العثمانية التي انتهت دولتها.. لأنها صنعت على غير اساس قانوني.

ثم تأتي نظرية السيف: الذي تأسس عليه الاسلام لا الكتاب فكانت الفتوحات الاسلامية، وهي في حقيقتها غزو استيطاني واستيلاء على خيرات الشعوب.. ولا زالوا الى اليوم لا يعترفون بالخطأ بل يبررونه بنشر الاسلام . .ثم يرددون لكم دينكم ولي دين.. اصرار على الخطأ غريب.

وللفشل المستمر في الدولة الاسلامية التي بنيت بعيدا عن التشريعات والقوانين الملزمة.. "لا فتى الا علي ولا سيف الا ذو الفقار.. أما نهج البلاغة وقوته الفكرية فقد نسيت وابعدت عن المنهج الدراسي".واتخذت من الفتوى التي هي "-اصلا لا يعترف بها الاسلام ذريعة للتطبيق –أنظر فتاوى "قدس الله سرهم"، لذا نرى الاسلام اليوم يحتضر.. واذا لم تتدارك مؤسساته اسباب ضعفه المستمر بعد ان تحول الى متحف من الاوامر والنواهي.. حتى انهار هذا الركن المؤسسي اليوم بفضل المليشيات المتحكمة بالقانون والخارجة عليه.. فعليهم اليوم ان يدركوا الحقيقة المرة ان ذلك التاريخ لن يعاد مرة اخرى وان الغلبة اليوم للعقل وليس للسيف.. فهل سيصحى اصحاب العقل على الواقع المر قبل فوات الآوان.

والركن الاخر هو المال :"المال والبنون زينة الحياة الدنيا الكهف 46". وبمنظورهم هو حياة القبيلة لذا عبدوه والا هل يعقل ان يفضل المال على الوطن، ويكون عرضه لخيانة الثوابت الوطنية مع الاعداء.. لو كانوا يؤمنون بعقيدة او دين.. ؟.. ناهيك عن الجنس الذي هو الاخر محرك من محركات القبيلة:" زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطر المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المُسومة والانعام والحرث ذلك متاع الدنيا، آل عمران 14" نعم المال والجنس احدى محركات القبيلة منذ عصر العرب قبل الاسلام.. لذا ارهقت المناطق المفتوحة بالضرائب والجزية والخراج وملك اليمين.. حتى ظل المال والسيف متلازمان لا يفترقان.. ولنا في المؤلفة قلوبهم مثالاً لاغتصاب المال والجاه واليوم الطبقة السياسية والقبيلة والعشيرة مثلهم في العمل والتطبيق.

بقيت الزعامة والجنس وهما عاملان لا يمكن للقيادة التنازل عنهما بعد ان منحهم الله القدسية والعصمة --حسب رأي مرجعياتهم الدينية - والبقاء لهم دون عامة الناس، هكذا الى اليوم يعتقدون.. فهم اصحاب الدماء الزرقاء .الشعب يموت جوعا بلا مأكل ولا مشرب ولا سكن لا بل تهدم دورهم على رؤوسهم بأية حجة يدعون.. ومن يعترض يقتل او يغيب.. بالضبط كما كانوا في عهد الخلفاء لا دام ظلهم الوارف.. والمرأة اصبحت ناقصة عقل ودين، واذا مرت من امام المصلي تُفسد صلاته.. كما في صحيحي مسلم والبخاري وبحار الانوار قرآنهم الجديد.

واستخدمت الآية "وما ملكت ايمانهم لاغراء القادة والمتنفذين.. وقد مارسوها جميعهم مستندين الى الآية وما ملكت يمينك، الأحزاب 50". وبزوجات بلغن التسعة.. انظر كتاب ازواج الخلفاء.. وامور اخرى يصعب تعدادها في هذا المقال. القصير.. فاذا كانت الزوجات بهذا العدد وما ملكت ايماهم فمن اين لهم الوقت للعمل والتشريع.. ؟

في الختام نقول : ان سقوط دولة الاخوان في مصر هي اول قلعة سقطت امام التقدم والمعاصرة.. لذا عليهم ان يتعاملوا مع الواقع فمن المستحيل ان تتعامل اليوم مع شريعة اصبحت من الماضي.. بعدهم سقط حزب النهضة في تونس.. لكن الاحزاب الاسلامية في العراق وايران واليمن وغزة اليوم تهتز من تحتها الارض وشعوبها كارهة لها.. فليتحمل العرب الشجاعة للوقوف بوجههم وانقاذ اوطانهم من هذا الاخطبوط الذي نستطيع ان نقول عنه بالرجل المريض.. شرط ان لا يسمحوا للاسلاميين من ان يعودوا لحكم الدولة مرة اخرى.

نعم نحن بحاجة اليوم لتطهير اصول الدين من الخُرافات.. ونقد الحديث الديني الذي هو اساس كل تقدم، والاعتراف بألخطأ الذي لا زمنا زمنا طويلاً، لفهم اسباب الفشل في الحياة، وعدم الاعتراف بالخطأ يشكل منقصة في الفقه الديني الملزم على الناس يقول الحق:".. وما جعل عليكم في الدين من حرج، الحج78.

من يدخل الميدان ضد هؤلاء المتوحشون من سلاطين العالم الاسلامي.. عليه ان لا يخشى السيف، ولا الرقابة، ولا حكام الجور، ولا الدكة العشائرية وقانون العشائر الجائرة.. لا لاجبار للطاعة فيما يقولون.. فلا مقدس في الدين الا الله والكتاب.. وانما يؤمن بالقانون والحرية والعدالة الاجتماعية وحكم الجماهير.. هكذا يقول لنا التاريخ لننهي عصر خرافة القبيلة واسلام الفقهاء المزيف وأحزاب التزوير والفساد.. واحاديث مسلم والبخاري والمجلسي والمذهبية الزائفة الى الابد لنلحق بالشعوب المتقدمة..

قولوا للطامعين المعتدين على شعب العراق.. " ان وطننا وطن شعب وليس وطن مذهب فات زمانه وانتهى.. ". أرحلوا عنا فقد أذيتمونا كثيرا.. فقد تأخرنا كثيرا..؟

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

 

رائد عبيسشغل الفيلسوف بيتر سلوتردايك منصب مستشار جامعة الفن والتصميم في كارلسروه، يظهر دائماً على التلفزيون الألماني ولديه لقاءات كثيرة، وهو يتبنى آراءه حول مجموعة واسعة من القضايا الأيديولوجية والثقافية المعاصرة.

بعد الانتهاء من دراسته الجامعية، أمضى سلوتردايك السنوات بين عامي 1978 و1980 يدرس على يد الصوفي الهندي بهاجوان شري راجنيش، وهي فترة وصفها لاحقًا بأنها "لا رجعة فيها" عن كتاباته اللاحقة. بدأ سلوتردايك في نشر سلسلة من المقالات والأعمال الفلسفية، ولفت انتباه الجمهور لأول مرة في عام 1983، مع نشر كتابه " نقد العقل الساخر"، في هذا الكتاب يستمد سلوتردايك من أفكار المفكرين الألمان، مثل فريدريش نيتشه، ومارتن هايدجر، ومن الممثلين البارزين للنظرية النقدية الألمانية في القرن العشرين مثل ماكس هوركهايمر، وتيودور أدورنو.

مرددًا على نقد هوركهايمر وأدورنو لعصر الأنوار في عملهم "جدلية التنوير" سعى سلوتردايك إلى دفن التنوير، وليس الثناء عليه، والنتيجة هي نقد صارخ  للتنوير والفكر العلمي، مشتركًا مع هايدجر بذلك، ويشير سلوتردايك إلى أن الفكر الغربي قد ضل عندما أحتضن شكوك سقراط العقلانية.

يعلن سلوتردايك أن قيم التنوير في العصر الحديث، قد تدهورت وانخفضت إلى "وعي كاذب مستنير"  وإن محاولات التنوير لفهم العالم وتحسينه، قد تم إبطالها بفظائع ارتكبت في القرن العشرين  والمجتمع ممكن - كل ما تبقى لنا هو شظايا".

ويؤكد أن خيبة الأمل الحديثة في مُثُل التنوير المتمثلة في العقلانية، والعلوم والمساواة، والعدالة قد تحولت إلى سخرية في الفصل الافتتاحي من نقد العقل الساخر، أوضح سلوتردايك أن الماركسية هي أحد المرشحين الرئيسيين لتصنيفه "الوعي الخاطئ المستنير".

تماشياً مع رفضه للأسلوب العلمي والتحليل التاريخي، ومع ذلك فإن سلوتردايك غير ملزم بإثبات أطروحته بهذا البعد، وهو نفسه يقول أن كتابه لا ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد. واعتمادًا على "الموقف المرح" للمفكرين في مرحلة ما بعد الحداثة، أعلن أن عمله "عمل ترفيهي وتسلية : ليس الكثير من العمل مثل الاسترخاء " يتم حل الصعاب التقليدية للفكر الفلسفي مباشرة بواسطة سلوتردايك الذي يسعى إلى "إعادة دمج القدرة الحقيقة للأدب والسخرية والفن مع الخطاب العلمي، لا توجد أي فكرة أصلية واحدة يمكن العثور عليها في الحجج المطوّلة والهادئة التي تدور في كل كتابه نقد العقل الساخر  Critique of Cynical Reason ليس من المستغرب أن يكتشف التنقيب الذي قام به سلوتردايك عن التنوير أن نقطة النهاية المنطقية هي التقليد المسيحي المتمثل في التعاسة والقنبلة النووية.

 حتى هنا، فإن سلوتردايك يعيد الشعور بالضيق والتشاؤم العالميين لأحد مرشديه، ثيودور أدورنو، الذي كتب: "لا توجد نظرية عالمية تقود" أشار مقال "موقع الاشتراكي العالمي" إلى أن عضو مجلس إدارة البنك المركزي الألماني تيلو سارازين استخدم في مقابلة مع مجلته قوالب نمطية عنصرية و"لغة مرتبطة عادة بأحزاب اليمين المتطرف.. لإثارة الكراهية ضد طبقات المجتمع الأكثر ضعفًا - العاطلين عن العمل والفقراء - وعلى وجه الخصوص، ضد السكان الأتراك والعرب " في مقابلته، جمع سارازين التحريض العنصري ضد "الغزاة" الأجانب مع الكليشيهات المعادية للسامية.

دخل الفيلسوف الألماني بيتر سلوتردايك في الجدل الدائر حول هذه المسألة، من خلال دفاع مفتوح عن التصريحات العنصرية التي أدلى بها سارازين، في مقابلة نشرت في مجلة ثقافية أوروبية بارزة تيلو سارازين هو عضو منذ فترة طويلة في الحزب الاجتماعي الديمقراطي، وكان لعدة سنوات عضوًا بمجلس الشيوخ عن ائتلاف مجلس الشيوخ للحزب الديمقراطي الاشتراكي اليساري في برلين. بعد بضعة أشهر فقط من تعيينه في اللجنة التنفيذية للبنك المركزي الألماني، أطلق سارازين تصريحات ضد الفقراء والمجتمعات المحرومة اجتماعياً، وعلى الأخص مجتمعات المهاجرين في ألمانيا. 

دافع سلوتردايك الفيلسوف والإعلامي المعروف، عن آراء سارازين في مقابلة مع مجلة سيسيرو السياسية الألمانية، ينتقد سلوتردايك أولئك الذين ينتقدون سارازين بوصفهم انتهازيين. قد يعتقد المرء أن دائرة صناع الرأي الألمان، قد تحولت إلى قفص من الجبناء الكاملين الذين يشكون ويتشائمون ضد أي انحراف عن قواعد القفص " يعلن سلوتردايك ويواصل التأكيد على أن سارازين لفت الانتباه إلى "الوجود الذي لا يمكن إنكاره لعدم وجود إرادة للتكامل مع بعض الأوساط التركية والعربية في برلين".

وفقًا لما قاله سلوتردايك، حتى رئيس البنك المركزي الألماني، أكسل ويبر، أثبت أنه لم يكن "محصنًا من طاعون الانتهازية" لأن ويبر وجه بعض الانتقادات لتصريحات سارازين بعد نشرها في الواقع، رأى ويبر نص سارازين ولم يفعل شيئًا لمنع نشره، يخلص سلوتردايك إلى أن انتقاد آراء سارازين من قبل العديد من المعلقين في وسائل الإعلام يدل على "عمق تغرقنا في المستنقع اللغوي".

إن المحاولة المخادعة التي قام بها سلوتردايك بحسب منتقديه، للتأكيد على أن النقاش حول التعليقات التي أدلى بها سارازين ينطوي على نوع من "الارتباك اللغوي" هو أمر سخيف، لا يمكن أن يكون هناك أي لبس حول المصطلحات المستخدمة من قبل سارازين، إذ أن أي شخص مطلع على التطور الإيديولوجي لـ سلوتردايك لن يفاجأ تمامًا بتعليقاته ومع ذلك، فإن السرعة والفظاظة التي تدخل بها لتقديم دعمه لسارازين لافتة للنظر.

وهنا نؤكد أن الفلسفة هي بعيدة عن العنصرية، ولكن التماهي مع النقد السياسي يدخل الفيلسوف والناقد طرق الانحياز الذي هو مناقض للعقلانية والموضوعية والتي يجب أن يتحلى بها الفيلسوف، تبعاً لمعنى الفلسفة ذاتها، صحيح أن الفلسفة ربما فقدت معناها التقليدي الا أنها تظهر على الدوام الميل المنصف في حكم الأشياء ومنطقيتها.

 

الدكتور رائد عبيس

 

جواد بشارةلجأ الناس إلى ثلاث مقاربات في محاولاتهم لمعرفة سر الطبيعة  والواقع والكون والخليقة، وهي: الدين، والفلسفة، والعلم. في البدء استحوذ الدين على مواضيع وجودية أساسية للبشر من قبيل لماذا يوجد الكون والحياة بهذه الصيغة وليس بصيغة أخرى مغايرة أو مختلفة؟ وكيف ومتى وأين ولماذا وجد الكون والحياة والوجود برمته ومن الذي أوجده؟ وقدم رؤيته وقصته الخاصة المليئة بالخرافات والأساطير عن خلق السماوات والأرض وآدم وإبليس  والشياطين والملائكة والجن وثبت ذلك في نصوص دينية قيل عنها أنها منزلة وأضفيت عليها القدسية، خاصة في الديانات السماوية الثلاثة الكبرى اليهودية والمسيحية والإسلام، كما جاء في قصة سفر التكوين التوراتية وأخذتها عنها المسيحية والإسلام. ومنذ العصور القديمة تدخلت الفلسفة في هذا المضمار وتناوله العديدة من الفلاسفة مما خلق صراعات بين المؤسسات الدينية ورجال الدين من جهة والفلاسفة، خاصة المناوئين للرؤية الدينية، من جهة أخرى.

كانت البداية الحقيقية للتفكير المخالف  لنظرية الفعل الإلهي، سواء من قبل آلهة الإغريق  المتعددة أو الإله الواحد التوراتي  المسيحي الإسلامي، مع أول شخص يمكننا أن نصفه بصاحب التفكير العلمي وهو الفيلسوف السابق للحقبة السقراطية وهو آناكسيماندر Anaximandre 615 -536 قبل الميلاد. وهو أول من بحث عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء ظواهر طبيعية تحدث في الطبيعة وبحث عنها في الطبيعة نفسها وليس عند رغبات الآلهة المزاجية.  في ذلك الوقت كان حتى أكثر الناس معرفة وتعمقاً وتأملاً يعتقدون أننا نعيش في كون محصور بين محيطين أو مكانين منبسطين أحدهما يوجد تحت أقدامنا وهو الأرض، يمتد في جميع الاتجاهات، من حولنا، والآخر يوجد فوق رؤوسنا وهو السماء. وكان الناس يرون ويلمسون أن كل شيء يسقط من فوق إلى تحت على الأرض فلو لم تكن النجوم والقمر معلقة بالسماء بشيء ما فلماذا لا تسقط على الأرض؟. ولماذا لا تسقط الأرض نفسها نحو الأسفل؟ هل يوجد شيء ما تحتها يسندها؟ بعض الأساطير الخرافية قالت أن الأرض تستند على ظهر سلحفاة عملاقة . ولكن من يسند السلحفاة ويمنعها من السقوط نحو الأسفل؟ فتخيلوا عدداً هائلاً لامتناهي من السلاحف العملاقة، الواحدة تحت الأخرى مهمتها إسناد الأرض ومنعها من السقوط نحو الأسفل، نحو الهاوية الكونية. أدرك آناكسيماندر  أن الناس بحاجة لثورة مفاهيمية ضرورية لصياغة نظرية مقنعة عن الكون يتفادون فيها هذا الحل العبثي  المتمثل بعدد لانهائي من السلاحف. فقال إن الأسفل ليس إتجاهاً كونياً بل مجرد اتجاه نحو الأرض فالقانون يجب أن يكون كل شيء يسقط نحو الأرض وليس نحو الأسفل ما يعني أن الأرض ليست مسطحة تشبه القرص وتسبح في الفضاء  بل كروية، وإن السماء موجودة فوق رؤوسنا وتحت أقدامنا، وهي أول صورة كسمولوجية شبه علمية مخالفة للرؤية الدينية. وقال إن الشمس تشرق من الشرق وتغيب في الغرب وهذا أمر طبيعي فيزيائي لأن الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس، و لا حاجة للآلهة كي تخلق يومياً شمساً جديدة في كل صباح تؤدي دورها في خدمة الأرض كما ساد الاعتقاد  آنذاك. كان فكر آناكسيماندر أكثر ثورية من أفكار خلفه كوبرنيكوس.

هدف العلم هو اكتشاف  الحقائق والقوانين وآليات عمل الطبيعة عن طريق المشاهدة والرصد والتجربة والتفكير والتأمل العقلي حيث جاء العلم بمنهجيته النقدية والبحثية التجريبية وأدلى بدلوه في هذه المواضيع الحساسة ما أجج مرة أخرى صراعاً دامياً مع الدين والمؤسسات الدينية ورجال الدين في جميع الأديان، لأنهم رأوا فيه خطراً محدقاً ينسف رواياتهم ويثبت بطلانها. لابد من الاعتراف بأن العلم والدين وجهان من وجوه الحياة الاجتماعية وكان الثاني هو المهيمن والمنتصر على مدى قرون طويلة، أما الأول فقد بدأ متردداً ومتخوفاً في باديء الأمر، مع العلماء والفلاسفة الإغريق وعند الفلاسفة والعلماء العرب، ثم اعتلى مقدمة المشهد المعرفي في القرن السادس عشر والقرن السابع عشر وصار يصيغ الأفكار بطريقة أو بأخرى ويغذي ذهنية ورؤية البشر للواقع والحياة والطبيعة والكون. استمر الصراع  والحرب بين الجانبين، العلم والدين، لفترة طويلة من الزمن وأسيلت دماء وزهقت أرواح وخرج العلم دائماً منتصراً من تلك الحرب الضروس. 

تبدأ القصة قبل 13.8 مليار عام في اللا مكان واللا زمان، عندما كانت هناك نقطة صغيرة شديدة الكثافة والحرارة والضغط، لا أحد يعرف سبب وجود الكون بهذه الحالة، إحدى الفرضيات أو النظريات العلمية التي تسمى (الأكوان المتعددة) تتحدث عن تصادم كونين مشابهين لكوننا هي التي أنتجت هذا الكون، وأخرى تشير إلى أن الكون في حالة تكرار وتعاقب فهو يتوسع ثم يصغر أو ينكمش ويتقلص ثم يتوسع ثم ينكمش ويصغر، وتسمى بفرضية (الكون المتذبذب). حدثت اختلالات وتقلبات أو ارتجاجات كمومية كوانتية fluctuations quantiques في تلك النقطة  singularité  المسماة " الفرادة"   مما أدى لتوسّعها تدريجيًا فيما يشبه الانفجار في حادث يسمى الانفجار العظيم ومن هنا بدأ كل شيء، فقد نتج عن الانفجار الطاقة والمادة ونسيج الزمكان (الزمان والمكان)، ونشأ كون متبعثرأو نوع من الحساء البلازمي، لا يوجد فيه أي عناصر كيميائية أو أي تركيبات أو أجسام وكل مافيه هو الظلام والحرارة والضغط الكثيف ومن ثم ظهرت بعض الجسيمات المادية الصغيرة جدًا التي تسمى الكواركات والليبتونات، ومن ثم انبثق الضوء، وفيما بعد القوى الكونية الأساسية أو الجوهرية الأربعة ــ الثقالة أو الجاذبية، والكهرومغناطيسية، والقوة النووية الضعيفة والقوة النووية الشديدة أو القوية. الكواركات هي العناصر الأساسية لتشكيل البروتونات والنيوترونات، والليبتونات هي العناصر المشكلة للإلكترونات. وجراء التصادم أفنت جميع الجسيمات المتضادة، أي المادة والمادة المضادة، بعضها بعضًا، ولكن التفوّق الضئيل  لعدد الليبتونات على الكواركات كان له الفضل بنجاة مليارات الإلكترونات واختلال التوازن الذي كان من الممكن أن يجمِّد الكون إلى الأبد وألا تتشكل المجرات والنجوم والكائنات الأخرى  بما فيهم نحن البشر.

وبفعل وتأثير الجاذبية أو الثقالة والضغط تشكلت أولى النيوترونات وأولى البروتونات خلال  المليون سنة الأولى  التي أعقبت الانفجار العظيم ثم تكونت أول نواة في تاريخ الكون إثر تفاعلات كمومية  للمكونات والجسيمات الأولية وهي نواة الهيدروجين H.

تكاثرت ذرات الهيدروجين تدريجيًا، وتحت الضغط الكبير حدثت أول عملية اندماج نووي في التاريخ، إذ اندمجت نواتا ذرتا هيدروجين مشكِّلَتين ثاني العناصر الطبيعية الهيليوم He ومولّدتين طاقة حرارية هائلة تقدر بملايين الدرجات. وفي الحقيقة فإن هذا الاندماج صنع نجمًا. فـنواة النجوم هي خليط من الهيدروجين والهيليوم ووقودها الذي يبقيها على قيد الحياة هو التفاعلات النووية.

قام قلب النجم بإجبار العناصر على الإندماج، وهكذا و في داخل النجوم  تفاعلت العناصر واندمجت لتنتج عناصر الطبيعة بالترتيب واحدًا تلو الآخر، فقد اندمج الهيدروجين مع الهيلوم فتشكل العنصر الثالث (الليثيوم) ثم اندمج الهيدروجين مع الليثوم فتشكل العنصر الرابع (الباريوم) ثم الخامس فالسادس فالسابع وهكذا . المقصود هنا هو اندماج نووي (أي نواة مع نواة) وليس تفاعل كيميائي (تبادل وارتباط إلكترونات). وهكذا تشكّلت معظم العناصر الطبيعية اللازمة لتشكيل الحياة لكن فقط عندما وصلت العملية إلى العنصر الـ 26 وهو الحديد Fe بدأ هذا الأخير بالتراكم في نواة النجوم بسبب ثقله، بعض النجوم الفائقة العملاقة تستهلك وقودها النووي  في أواخر عمرها فتنفجر في ما يعرف بالمستعر الكبير السوبرنوفا  ومن أشلاء النجم المنفجر تتشكل المذنبات والكواكب، وهناك نجوم صغيرة وأخرى متوسطة مثل شمسنا ولدت بعد مرور مليارات السنين في أعقاب الانفجار العظيم فالشمس ولدت بعد 4 مليار سنة ونيف من حدوث البغ بانغ. فيما تجمعت أشلاء النجم العملاق المنفجر  حول الشمس وتشكلت منه الكواكب، كعطارد والأرض والمريخ والمشتري وغيرها، بعضها غازي وآخر صخري ولم يكن أي منها كوكباً صالحاً للحياة في باديء الأمر. نظامنا الشمسي له مايماثله من الأنظمة الشمسية التي تعد بمليارات المليارات في كل مجرة وحول كل كوكب هناك وتوابع تسمى أقماراً تدور حول الكوكب  مثلما يدور الكوكب حول شمسه المركزية في النظام الشمسي . وعندما بردت الأرض  ووصل إليها الأوكسجين من أحد النيازك الذي ارتطم بها  تكونت المياه  وتشكل الغلاف الجوي  . ويعتقد أن نيازك آخر اصطدم بالأرض وكان يحمل  جزيئات الــ DNA و RNA التي تكونت من بروتينات أولية قادمة من الفضاء في محيطات الأرض، وهي عملية تم تقليدها ومحاكاتها علمياً ومختبرياً. 

لم يستسلم الدين بسهولة لهذا السيناريو العلمي واستمر بقوة السلاح  والعنف يفرض رؤيته الثيولوجية الخرافية عبر المؤسسات الدينية والكنائس  ويعاقب جسدياً ومعنوياً من يخالفها ويصر على أن هناك خالقاً لهذا الكون ولهذه الحياة هو " الله" ولكن أين هو " الله"؟ في أي مكان في الكون؟ هل هو في داخله أم خارجه؟ يجيب رجال الدين أن الله ليس محدوداً بمكان أو بزمان، فهو الأول بلا بداية فلم يوجد شيء قبله، لأن ليس هناك قبل، ولا معه، فهو سابق لكل شيء، و لا يجوز تشييئه أو تحييزه، أي حصره بحيز مكاني كما يقول المجسمة وإنه لا يتحول ولا يتغير ولا يتنقل فلا مكان له ولا أوان و لايمر عليه الزمان . فمن كان بمكان فهو شاغل لذلك المكان ومتناهي بتناه المكن وهي صفات للكائن المحدود والله بلا حدود. هناك نصوص دينية تقول بأن لله مكان " وعلى العرش استوى" لكن علماء الدين حاولوا تأويل ذلك النص وإبعاد شبهة التحييز المكاني لله والحال إن هناك تقول أن هناك ملائكة تحمل العرش الإلهي وعددهم ثمانية كما جاء في النص الديني ولا يمكن تأويل ذلك لأنه نص صريح. بعض العلماء نزه الله عن الجلوس على العرش واعتبروا ذلك التعبير مجازياً بينما تمسك السلفية بحرفية النص ومعناه وقالوا بجلوس الأنبياء إلى جانب الله يوم القيامة وهذا يعني إضفاء صفة التجسيم على الله .

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

المحنة او التحكيم الالهي اجراء قانوني يمكن بواسطتة معرفة براءة المتهم من ادانته وكان هذا الاجراء متبعاً في بلاد الرافدين واشارت اليه كتب القانون الحديثة. ويتم التحكيم الالهي ضمن حدود تطبيقات معينة ولأسباب موجبة ويتم تطبيقه على جرائم معينة ويرافق المحنة طقوساً تفصيلية.

الإجراءات القانونية:

لعل المحنة هي من  أكثر الإجراءات القانونية أهمية في الشرق الأدنى القديم وقد أدى وجودها وظهورها إلى التعتيم على إجراءات قانونية أخرى موجودة في مناطق أخرى مثل نوزي وعيلام .

المحنة (التحكيم الإلهي): (عنوان الملتقى-التحكيم الالهي في القوانين البابلية)

يعد اللجوء إلى التحكيم الإلهي إجراءً معروفاً ومألوفاً في الحياة القضائية لبلاد وادي الرافدين، فإن مجاميع القوانين ذكرته بصورة جلية في الفترة البابلية الحديثة والفترة البابلية القديمة على حد سواء أو الآشورية الوسيطة وقد أجريت دراسات عديدة حول موضوع تاريخ القانون . ومن بين أهم تلك الدراسات نشير إلى الدراسة التي قام بها (جان بوتيرو Jean. Bottéro) . ويأتي اهتمامه بهذا الموضوع من الأهمية التي يتمتع بها هذا العرف في بلاد وادي الرافدين . وبرفضه لوجهة نظر قانونية محضة أو لرفضه لمجرد مقارنة بسيطة لتاريخ الأديان مع ظاهرة التحكيم الإلهي في حضارات أخرى. فإنه  أراد أن يُظهر العلاقات الوثيقة التي تربط ذلك مع النواحي الأخرى للحياة الدينية في بابل مثل الجوانب الإلهية والإجراءات الخاصة بالرقية أو التعزيم (التعويذة)، ولدينا محاولة جيدة من ()Sitz im Leben. إلا أن أهمية الدراسة الحالية تتأتى بالدرجة الأولى مما بلوره (جان بوتيرو)  بفضل كل ما هو غير منشور من  مملكة (ماري) . ومن جهته وضع ج. (دوسن (G. Dossin تحت تصرفه تدوين أولي لرسائل عديدة. وسمحت له هذه الرسائل الأخيرة بفضل المعلومات الجديدة التي تتضمنها أن يتفصّح  الموقف حيث انها توثّق النواحي العديدة من التحكيم الإلهي الذي لم يكن يُعرف إلى حد تلك اللحظة . وبصورة خاصة هنالك رسالتان منشورتان تصف كل ما كان يجري أثناء تلك المراسيم. وإلى الوقت الحاضر لم يكن تحت تصرفنا سوى الإيعازات والأوامر الخاصة بالتشريعات أو بالقوانين وإشارات لوثائق إدارية سومرية أو أكدية وخاصة سوس (البابلية القديمة) أو نوزي (البابلية الوسيطة) وكذلك سرد يعظّم من عصمة العدالة الإلهية اي (عدم قابلية الخطأ). وقد عمدت الأخيرة على إظهار رضا الآلهة عن الملك الممتاز (المتميّز) نبو خذ نصر الثاني ملك بابل . فإذا ما أضفت النصوص الجديدة المزيد من التوضيحات حول إشكالية المسألة فإن التوضيح اللغوي أو التوضيح الخاص بفقه اللغة للوثائق التي تم إيصالها إلى (جان بوتيرو) لم تصل بعد وبصورة خاصة الوثائق الأساسية المرقمة [A.457](No.249) التي تعزى إلى قلم أو غزارة Meptum، الموظف الرئيسي في ماري في الوادي المتوسط جنوب الفرات، وتعدّ التغييرات مهمة لكي نكون على بيّنة من الاستنتاجات التي قدمها (جان بوتيرو) . فقد تم أخذ هذه الوثائق التي سيرد ذكرها في أدناه  وتم إكمالها بوثائق أخرى استطعت الحصول عليها بالمراسلات غير المنشورة .

A – حدود تطبيقات التحكيم الإلهي:

تعد أسباب اللجوء إلى التحكيم الإلهي ذاتها في (ماري) مثلما هي الحال مع قوانين بلاد الرافدين وبالقوانين السومرية أو السامية . ولابد من تصحيح خطأ (لبوتيرو) فقد أكد الأخير هذا ومرات عديدة على أن خصوصية أرشيفات (ماري) تكمن في توثيق التحكيم الإلهي في مجال التطبيقات السياسية   والأمر ليس كذلك  اذ تبدو المسألة سياسية لأنها تتعلق بالأمراء . وفي الحقيقة، إذا كان هؤلاء الأخيرين أفراد معينين نعتبر ان الخصومات ترتكز على اختلافات خاصة بالملكيات العقارية . ومن جهة أخرى سوف نلاحظ أن الأمراء في حالة الخصومات يمارسون سلطاتهم ضمن الإطار الجغرافي لمناطق الشرق الأوسط التي تشير إلى أنها كانت تحت السلطة المطلقة لملك (ماري) . ولا يتعلق الأمر هنا بمشكلات دبلوماسية أو اقتصادية تعكس علاقات الدول . ولم يتم استعمال التحكيم الإلهي في حالة وجود خلافات وخصومات بين الدول ... ونلاحظ إذن ان حدود استعمال التحكيم الإلهي تعكس حدود ممارسة السلطة في بلاد وادي الرافدين، فإن أي نزاع مع دولة أخرى يتم حسمه بالحروب ... لذلك لا يستعمل التحكيم الإلهي بين الدول ... ولابد من تقديم ملخص مهم. ويجب أن لا يتم استنتاج ان المحنة او التحكيم الالهي موجودة بين أصحاب الاقطاعيات لـ Zimri-Lim ولا توجد المحنة بين الدول ويمكننا ان نعرّف مناطق النفوذ لمماليك الشرق الأوسط كمناطق وحسابات تحكيم إلهي، فالوضع السائد في تلك الفترة بين lli-Estar ملك Suna و lli-Addu ملك Kiduh لم يكن صراعاً سياسياً وإنما نزاع قبلي بين قبيلتين بينهما صلات قرابة. ...

أسباب اللجوء إلى التحكيم الإلهي:

إن السبب العام الذي يدعو إلى اللجوء  للتحكيم الإلهي هو عدم قدرة القاضي  على اتخاذ (قرار قطعي)، وخطأ في الاثباتات أو مناقشات أخرى غير قابلة للطعن. في هذه الحالة، يجب إخضاع الأطراف إلى (حكم الإله) (أو التحكيم الإلهي) وإلى الماء: النهر . وهناك حالات أخرى تقتضي اللجوء إلى التحكيم الإلهي  اختصرها (جان بوتيرو) في بداية المقال  استناداً إلى المدونات القضائية المتأتية من الأرشيفات الخاصة، أو من قوانين وادي الرافدين . وتشمل الحالات الخصومات المتعلقة بالأموال المنقولة والأموال غير المنقولة أو سرقة المواشي أو التجاوز على التقاليد والأعراف أو جريمة القذف. وكذلك يتعلق الأمر بالاتهام بممارسة السحر أو الإشاعات أو تناقل الأخبار الكاذبة بخصوص سمعة امرأة متزوجة وفي المجالات التي يصبح فيها الإثبات أمراً صعباً ما عدا الحالات التي تثبت التلبس بالجريمة. وتتفق وثائق ماري مع كل هذه المبادئ .

 

الدكتورة هبة حازم النعيمي

كلية الاثار – جامعة الموصل

 

الحسين اخدوشبالرغم من كون التعليم في الدولة الحديثة يرفع شعار تكافؤ الفرص، ويروّج لأديولوجيا الاستحقاق والأحقية، إلاّ أنّ واقع الممارسة يشي بعكس هذا الشعار، حيث التفاوت الاجتماعي سيّد الموقف. فالأصل الاجتماعي الطبقي هو ما يسمح بالنجاح من خلال ما يوفّره من شروط ماديةة تساعد على تحقيق التفوّق الدراسي موضوعيا. الواقع إذا يؤكّد أنّه كلّما كان الانتماء الطبقي / الاجتماعي مرفّها وذي خلفية ثقافية حديثة، إلاّ وكان سببا مباشرا في تحقيق رأسمال رمزي مساعد للمتعلمين على النجاح والتفوق. والعكس أيضا يحدث عندما يكون هذا الأصل الاجتماعي متواضعا، وأقل من المتوسط كما لدى الفئات الهشة والضعيفة في المجتمع، حيث تنعدم الشروط الموضوعية والذاتية لتحقيق التفوق في زمن تسليع التعليم.

وعندما نظيف إلى هذا المعطى الاجتماعي المعطى المؤسساتي، فلسوف نلحظ، كما تحدّث عن ذلك عالم الاجتماع بيير بورديو، أنّ أفعال الترسيخ (actes de consécration) المؤسساتية التي تقوم من خلالها المؤسسات التعليمية على شرعنة طبقية التفوق الدراسي، ومن ثم الشروع في إعادة إنتاج نفس التفاوتات الاجتماعية الواقعة أصلا في المجتمع. لقد انخرطت البيداغوجيات المعاصرة على تحليل سلوك التخلّف المدرسي، واضعة في الاعتبار دور المعلم والمتعلم في تحقيق النجاح وتجاوز الموانع البيداغوجية التي تحول دون ذلك؛ غير أنها، من جهة أخرى، عادة ما تسكت عن هذه الخلفية الاجتماعية لصالح الأبعاد السيكولوجية والثقافية، ممّا يفسّر كونها هي نفسها ليست سوى أدوات أيديولوجية لتكريس العنف الرمزي من خلال الممارسات البيداغوجية المقنّعة (حسب بورديو).

لقد اتضح بموجب عملية الترسيخ هذه أنّ النظام التعليم الفرنسي، مثلا، ينزع نحو فرض ثقافة الطبقة المهيمنة على الفعل التربوي اعتبارا من كونها هي الأفضل والأمثل للمجتمع، وذلك رغم أنّه ليس هناك أي مبرّر لاعتبارها الأفضل حقّا. إن فرض ثقافة النخبة المهيمنة من خلال المدرسة يعيد مساءلة الوظيفة الأيديولوجية للتربية والتعليم، فإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي القائم أصبح واقعا معاشا تكرّسه الاعتبارات التبريرية للأيديولوجيا الرسمية التي تعمل المؤسسة التعليمية على تصريفه.

تقع خلف هذه المعضلة السوسيولوجية خلفية مادية سبق وأن فسّرها ماركس بنظرية الصراع الطبقي. إنّه صراع يعود إلى إرادة استدامة الفئات المحظوظة في المجتمع لهيمنتها وتوريث معظم الخيرات الموجودة لأبنائها، وأيضا الى عملية الترسيخ التي تشرعن بها المدرسة لهذا التفاوت وتبرير إعادة إنتاج نفس الواقع الاجتماعي القائم. وحسب تحليل بورديو، ينقسم هذا الترسيخ الذي تمارسه الأدوات البيداغوجية الرسمية في الواقع الاجتماعي إلى ترسيخ ضمني عبر الطرائق البيداغوجية التي تتم بها العملية التدريسية، وترسيخ صريح من خلال عملية التوجيه التربوي التي تفرز متعلمين متفوقين وآخرين فاشلين. يعمل النمطان من الترسيخ على تكريس هيمنة أرستقراطية النخبة التي سيعمل النظام التعليمي على فرزها، وبالتالي تتم عملية إعادة إنتاجها بنجاح، لتتسيّد هذا الواقع الاجتماعي عبر أصلها الاجتماعي المساعد لها.

إنّ إنتاج نخبة المجتمع في المدرسة يمرّ عبر عملية تحويل قاسية، حيث يلزم المؤسسة التعليمية الانخراط فيها القيام بها حتى تتم عملية فرز الضعفاء من الأقوياء، بالتالي يضمن النظام الاجتماعي السائد ديمومته وسيرورته عبر اختيار المؤهلين والنجباء من أبناء المحظوظين. يستفيد أبناء الطبقات العليا من مميزات هذا النظام أكثر من غيرهم، ولذلك يتمكنون بيسر وسهولة من إقامة علاقات حرّة مع هذه الثقافة المؤسساتية التي تشيعا المدرسة في المجتمع.

بذلك يصبح الاحتمال الموضوعي للنجاح المدرسي متوقفا على الانتماء الاجتماعي، خاصة لدى أولائك الذين يمتلكون رأسمالا ثقافيا ورمزيا كبيرا (ينحدرون من أوساط اجتماعية عليا)، حيث تتم عبرهم عملية إعادة إنتاج "نبالة الدولة" نظرا لما يتوفرون عليه من حظوظ وافرة للتغلغل في مختلف مؤسسات الدولة. فقبل أن يتخرج المتفوقون من بعض الثانويات ومدارس الأقسام التحضير ومن ثم المعاهد العليا، يكون قد تم عزلهم عن باقي فئات المتعلمين وفق أنظمة خاصة للتكوين وفي داخليات معدّة لتعويدهم على نمط من التعليم النخبوي المنعزل عن المحيط الاجتماعي العام للحياة التربوية والتعليمية. يتم إكسابهم قدرات وأذواق خاصّة ستجعل منهم فيما بعد نخبة النخبة منفصلين عن أقرانهم البسطاء والمتوسطين الذين يتكونون في الكليات العادية. ولأنّ الدولة تحولت إلى جهاز تنظيمي عام يركز ويوحد مختلف الرساميل في بنياته البيروقراطية، فغنّها هي التي تتولى عملية إعادة الإنتاج هذه التي تستهدف إنتاج نبالتها من خلال التعليم والمدرسة بالخصوص.

وبلا شك، فإنّ الحدود التي ترسمها لجان الامتحانات في المباريات التعليمية والجامعية المختلفة بين الناجحين والساقطين وبين المتفوقين والبسطاء العاديين، تفضي بالنهاية إلى فرز للتفوق الذي يجد ما يزكّيه ويبرّره في العالم الاجتماعي. فأبناء الفئات الميسرة والمهيمنة ينقل إليه الإرث الثقافي الرمزي والمادي الذي يمكنهم من تحقيق النجاح والتفوق في الوسط المدرسي، وفي هذه الحالة لا تفعل المدرسة والتعليم عامة سوى تزكية وترسيم وترسيخ تفوق الطبقات العليا في المجتمع باسم الاستحقاق المكتسب من هذا الواقع الذي يعيد إنتاج هيمنة الفئات العليا على الدنيا، لتكون بذلك هيمنة هذه النبالة مفروضة وواقع يعيد إنتاج نفسه.

ونظرا لخطورة هذه الوظيفة الايديولوجية للتعليم، انتقد بورديو فكرة الاستحقاق والكفاءة معتبرا فكرة النجاح إحدى أهم الأفكار الموجّهة للتقويم والامتحانات في الوسط التعليمي. غير أنّ الذي ينبغي الانتباه إليه، حسب هذا المنظور، هو أنّ المدرسة التي أصبحت من أهم أدوات إعادة إنتاج ارستقراطية الدولة، من خلال تكريس هيمنة المتفوقين اجتماعيا، قد حولت مسألة التربية التعليم من منظور يدّعي كون المدرسة وسيلة للترقي والمساواة الاجتماعية إلى مجرّد أداة للهيمنة وإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي.

لقد عرّى بورديو، وفقا لهذا التحليل النقدي، التباس فكرة التفوّق المدرسي منتقدا وهم الأحقية الذي يروج لأيديولوجيا الاستحقاق التربوي. وأبرز أنّ المؤسسة التعليمية، من خلال النموذج الفرنسي الذي يحلّله، هي التي تضمن الامتياز لأبناء الذين يملكون رأسمالا روزيا عاليا مقارنة مع أبناء الفئات الدنيا في المجتمع. إنّ النجاح والتفوق الدراسيين، وفقا لهذا المنظور، هو العلامة الفارقة التي تشهد على الامتياز الطبقي لأولاد وبنات المهيمنين في المجتمع. لذلك، فالفاعلين التربويين الذين يفهمون الفروق المدرسية على أنها فقط نتيجة للكفاءة والاستحقاق، هؤلاء ينسون أنّ الخلفية الطبقية للنجاح والتفوّق قائمة وحاسمة في تفسير بعض الظواهر التربوية السلبية منها بالخصوص، خاصة منها الهدر المدرسي (L'échec scolaire).

تجعل المؤسسة التعليمية  ظاهرة الفرز بين المتعلمين على أساس فكرة التفوق مسألة عادية بين المتعلمين، وهي بذلك تكرس للتفاوتات الاجتماعية والطبقية بين فئات المجتمع الواحد، وهي بذلك تعيد إنتاج هيمنة المحظوظين من خلال جعل القدرات المُمَعيرة بمعايير النجاح الدراسي مجرّد قناع للتفوق الاجتماعي وامتلاك الرساميل الرمزية والثقافية والمادية. بهذا المعنى، تكون أيديولوجية التفوق لا تبرّر فقط نجاح التعليم، بل إنها تغطي أيضا على الخلفية الاجتماعية للعنف الرمزي وإعادة الإنتاج.

هكذا، يكرس الطابع السلبي للفعل التربوي، بما هو فعل سوسيولوجي بامتياز، واقع هيمنة الطبقات المحظوظة على نسق الدولة الحديثة. يفضي هذا الفعل التربوي "المؤدلج" إلى إعادة إنتاج نفس التفاوتات الاجتماعية القائمة في المجال الاجتماعي وتبريرها. لذلك، وخلافا للمنظورات السعيدة للتعليم الحديث، انتقد بورديو ظاهرة الفرز والتمييز الذي يسمح به الفعل التربوي انطلاقا من تعرية الأساس الأيديولوجي لفكرة التفوق المدرسي الذي ينتج العنف الرمزي ويكرس هيمنة الأقوياء على الحقل الاجتماعي عبر آلية إعادة إعادة الإنتاج.

 

الحسين أخدوش

 

 

ابراهيم مشارةتثاءب عمرو إذ تثاءب خالد **بعدوى فما أعدتني الثؤباء

كان الشاعر المصري عبد الحميد الديب (1898/1943) شاعرا موهوبا ولكنه عاش بائسا ومات فقيرا أرسله والده للدراسة في الأزهر فضاق بمناهج الأزهر وعاش حياة بوهمية حتى أن سيد درويش(1892/1923) نابغة الموسيقى احتضنه اعترافا بنبوغه واستدرارا لشاعريته التي فكر في استغلالها بتحويل شعر الديب إلى أغاني لكن سيد درويش عاجلته منيته فعاش الديب بعد ذلك حياة الصعلكة والجوع دون أن يكف عن هجاء الناس والحياة وكان الناس يتبادلون نكته وشعره حتى أن إحدى الجرائد اتفقت معه على نشر قصيدة له مع منحه قليلا من الأفيون كمقابل ودأب الديب على نشر قصيدة كل أسبوع مقابل الأفيون لكن الجريدة لم تستطع بعد ذلك تلبية رغبة الديب لغلاء سعر الأفيون فقرر أصحابها خداعه بتقديم مسحوق غذائي على أنه أفيون استدرارا لشعر الشاعر لأن الديب هو الذي ساهم في انتشار الجريدة ومواظبة قرائها على قراءتها لكنه علم بعد ذلك أن المسحوق الذي كان يستهلكه لم يكن أفيونا فانهال على رئيس تحرير الجريدة بالسب والشتم ولم يعد إلى نشر شعره في الجريدة، وعاد إلى التشرد والصعلكة والنوم في المساجد وعلى الأرصفة حتى اخترمته المنايا في شرخ الشباب شأنه شأن النابغين الذين لم يعيشوا أمدا طويلا.

وأنا أسوق هذه القصة للدلالة على أن ما يحدث للناس في مجتمعنا العربي من تداول للغة يشبه كثيرا مسحوق الديب الذي لم يكن أفيونا والعجيب في القصة أن الديب كان ينتشي ويغيب عن الوعي من اعتقاده أنه يستهلك أفيونا فالناس تستسلم لخدر الكلمات دون فهم معناها وتفكيكها للوصول إلى ما تدل عليه وما هو رصيدها في دنيا العلم والواقع، واللغة العربية لغة حافلة بما يشبه مسحوق الديب مع إحداث التأثير نفسه الذي يحدثه الأفيون فانظر إلى كلمة "عالم" و"علامة" و"شيخ العلماء" إن الإنسان العربي يستسلم لخدرها بمجرد سماع اللفظة دون أن يكلف نفسه عناء البحث والتساؤل عن صلة الكلمة حقيقة بالعلم (العلم بالمفهوم الكونتي) وبالتالي يصدق الفرد العربي حتى ولو كان متعلما في أرقى الجامعات كل ما يقوله هذا الذي يدعى بالعالم حتى لو قال أن الأرض ليست كروية ، وأن أفضل العلوم الأراجيز، ولا يقف الأمر عند لفظة عالم بل يشمل الألقاب العلمية ككلمة" دكتور " إن اللفظة وحدها كفيلة بذيوع الكتاب حتى لو كان تافها لا يستحق القراءة وكفيلة بنيل احترام الناس وعدم الاعتراض على المتصف بها وهو صاحب الحجة والحق والحقيقة حتى لو كان فاشلا علميا بمقاييس العلم الحقيقية ولذا ترى المشرقي يلهث خلف الألقاب ويشتريها بالمال حتى أن الدرجات العلمية في جامعاتنا مجال للسمسرة والنصب والسرقات العلمية والتزوير لأن سلطة الكلمة كفيلة بإعطاء الاعتبار للشخص وكم ترى في تلفزيوناتنا التراشق بلفظة الدكتور والكل ينتشي بهذه اللعبة ويستسلم لسلطة اللفظة دون فحص لرصيد الكلمة في دنيا العلم بينما ترى في الغرب العلماء حقيقة والأساتذة الكبار ينادون بأسمائهم مجردين من كل لقب حتى لا يكون لكلامهم سلطة تضلل وتخدع المستمع عن الفحص والنقد والاعتراض ، ويمكن أن تجد آلاف الأمثلة لهذا المثال فالألفاظ التي تشبه مسحوق الديب سواء في السياسة أو العلم أو الثقافة أو الأدب أو الدين وألقاب الدين أخطر أنواع الألفاظ التي تشبه مسحوق الديب مثل" الإمام الأكبر" أو" المفتي الأعظم "أو "لجنة كبار العلماء،" و"جمعية العلماء" ولاحظ التلاعب دائما بكلمة العلم فهي لا تشير حقيقة إلى العلم ، وأنت ترى لو ناظر أحد من العلماء الحقيقيين (العلم بالمفهوم الكونتي) لهزمه رجل الدين بسب امتلاكه للرأسمال الرمزي وتلاعبه اللامعقول بمعاني الألفاظ بل أن لفظة "الدين" ذاتها أكثر الكلمات شبها بمسحوق الديب إن الفرد العربي يعيش في فضاء ديني لغته دينية وثقافته دينية وتاريخه ديني وأعياده دينية والأمة العربية هي الأمة الوحيدة التي لم تحسم أمر الدين والعلم وتفرق بينهما وتبني مناهج تربوية على أسس علمية لا يختلط فيها الحابل بالنابل حتى أنى محمد أركون علل التوجه إلى الكتابة بالفرنسية إلى هلامية الألفاظ العربية وسيطرة الدين عليها والنزوع إلى التبجيل والتقديس والفراغات المفهومية وسوء التأويل من جهة أخرى. والأمر نفسه ينسحب على السياسة وما في تراتبيتها إن مجرد التلفظ بها يجعل المواطن العربي يستسلم لخدر الكلمة بينما ترى الأمم الناهضة تخلصت من هذه الألفاظ حتى لا تخدر العقل بالوهم وتحاصر الوعي بالسلطة مهما كانت.

ولا تكتفي الثقافة العربية بالألفاظ مفردة بل تزيد سلسلة من الإضافات على سبيل الوصف التي تشل الوعي تماما وتغيب العقل لتفسح المجال للعاطفة للتمجيد والتقديس مثل" فريد دهره" و"وحيد عصره" "عالم العلماء" "أسطون العلماء""الجهبذ" "حجة الزمان الفهامة والحبر العلامة " وتقرأ الكتاب بعقل ناقد لا يستسلم لخدر الكلمة ومدرك تماما لسلطة اللغة فترى الكتاب لا يستحق صاحبه كل هذا التمجيد . وسلطة اللغة أدت إلى سلطة الرمز فوجود قصاصة جريدة مكتوبة باللغة العربية مرمية في الشارع تؤدي بالمواطن العربي إلى المسارعة بانتشالها وربما تقبيلها مع أن الجريدة قد تكون سياسية ولكن سلطة اللغة هنا تماهت مع سلطة الرمز فالأحرف العربية مقدسة ولربما ذلك المواطن نفسه يرى قصاصة أخرى مرمية على الرصيف مكتوبة بالفرنسية فلا يهتم لها مع أنها قد تناولت مسألة دينية.

إن حضور رجل دين مثل القرضاوي أو عميد جامعة ما في حديث تلفزيوني أو مناقشة مع شخص آخر أو مواجهة يجعل المشاهد يميل لجهة القرضاوي أو عميد الجامعة إذا ما كان الطرف الآخر لا يمتلك شهادة العميد أو الرأسمال الرمزي الذي يمتلكه القرضاوي مع أن الحقيقة قد تكون في حوزة هذا الشخص المتواضع وهذه معضلة العقل العربي الذي يرفض في صلف التحرر من ديكتاتورية الألفاظ.

وتكفي الألفاظ الأخرى التي يطلقها رجل الدين أو الأكاديمي المالك للقب على التنفير من الطرف الآخر إنها لعبة الألفاظ وكيمياؤها الساحرة وأفيونها المخدر علماني، زنديق، مارق، مرتدـ رجعي ، حداثي مخرب، فوضوي ، يساري.....إلخ

لقد قيل مرة أن المستبد يسرق الإرادة ورجل الدين المتحالف مع المستبد يسرق الوعي وهو أخطر وما خطره آت إلا من كيمياء الألفاظ التي تحدث في العقل تفاعلا كيميائيا يجعله يستقيل من مهمة الفحص والمراقبة والاعتراض. أذكر هنا بالمناظرة التي جرت بين فؤاد زكريا من جهة والشيخ القرضاي والغزالي في أواسط الثمانينات وقد تابعت هذه المناظرة في مدرج جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية وسط حشد من الأصوليين وخلتني في ملعب لكرة القدم بين مشجعين للزمالك أو الأهلي لا متابعين وناقدين وباحثين عن الحقيقة والمعرفة بغض النظر عن صاحبها "أن تعرف الرجال بالحق لا أن تعرف الحق بالرجال لقد كانت حشود الأصوليين تهيج كلما تكلم فؤاد زكريا وتشوش عليه وتكبر كلما تكلم الغزالي أو القرضاوي مع أنهما كانا يستعملان مسحوق الديب ويتلاعبان بالرأسمال الرمزي حتى أني أذكر أن فؤاد زكريا طلب من القرضاوي خفض صوته والتكلم بهدوء فاعترض الشيخ مجلجلا صوته: (إن صوتي في الحق جهير عال) وانظر إلى التلاعب بلفظة الحق إنه يدعي أنه مالكها بينما غريمه على ضلال ، وهو الأمر ذاته الذي رأيته في مناظرة بين شريف حتاتة ونوال السعداوي من جهة ومحمد عمارة من جهة أخرى لقد طلب حتاتة من عمارة التكلم بهدوء وعدم رفع الصوت وهي ميزة تميز كل الإسلاميين معتدلين أو متطرفين إنها ثورة باطنية لا واعية تندفع كالبركان لتجعل الخصم يتفحم ويحترق لا بالعلم وبالتي هي أحسن بل بشيء من سلطة اللفظ وسلطة التاريخ وسلطة الرموز فالعمامة أو العباءة التي يرتديها عمارة على الثياب الأروبية في تركيب متنافر بين الحداثة والأصالة تجعل لكلامه مصداقية أمام خصم أعزل إلا من المعنى.

والأمر ذاته حدث في معرض القاهرة أثناء المناظرة الشهيرة بين محمد الغزالي ومحمد عمارة ومأمون الهضيبي من جهة وفرج فودة من جهة أخرى لقد كان الطرف الآخر هائجا مائجا كاصطخاب موج البحر يتلاعب بالألفاظ وبالرأسمال الرمزي بينما كان فرج فودة هادئا وكانت اللفظة الأخرى التي أشبهت مسحوق الديب عدم التخصص أي أن فرج فودة مهندس زراعي لا يجوز له التكلم في الدين وليترك الكلام فيه لرجل الدين وهو الأمر ذاته الذي عاناه زكي نجيب محمود ومصطفى محمود حتى جاءت اللفظة التي أقصت فرج فودة من الحياة وهي كلمة" مرتد "فدفع حياته ثمنا لتلك المناظرة التي واجه فيها بشجاعة هؤلاء الثلاثة الذين كانوا في ملعب القاهرة حيث المدرجات كلها أهلاوية أو زملكاوية وكانت الجماهير الأصولية تناصر وتشجع ولكن لا تتعلم وتفهم وتنقد وتعترض إنه الاستسلام التام لسلطان الألفاظ.

إن للألفاظ مفعولا سحريا وطاقة عجيبة تشل وتبهر وتكتم على الأنفاس بل تشل حتى الإرادة وسأسوق هذين المثالين كدليل علمي على ما أقوله فقد أجرى مجموعة من العلماء تجارب في أمريكا على ثلاث عينات من الطلاب تمثلت في عمل مقابلة مع شخصيات نافذة منها الرئيس الأمريكي ووزير وشخص إعلامي كبير وفنان مشهور وثري ووجيه وقيل للفئة الأولى من الطلا ب إن المطلوب عمل مقابلة مع شخصيات يستحيل الوصول إليها (واحتفظ بكلمة يستحيل) بينما الفئة الأخرى قيل لها المطلوب عمل لقاء مع شخصيات يمكن الوصول إليها (واحتفظ بكلمة يمكن) أما الفئة الثالثة فقيل لها شخصيات (يسهل الوصول إليها) واحتفظ بكلمة يسهل فماذا كانت النتيجة ؟ لقد نجحت الفئة الثالثة نجاحا باهرا ونجحت الثانية قليلا بينما فشلت الأولى تماما والسبب الألفاظ الثلاث (يستحيل) (ممكن الوصول إليها)(سهل الوصول إليها) ألا ترى أن الألفاظ لعبت بالعقل وبالإرادة معا وقس هذا على واقعنا: من أنت حتى تعترض على فلان؟ يستحيل نقد هذا العالم مع أن ما عند هذا العالم- لو سلمنا جدلا بعلمه- بعض أوهام مختلطة بالحق رضعناها من ثدي أمسنا وترهات اقتبلناها من كف يومنا .

وكمثال ثان أسوقه فقد أعطى أستاذ في أمريكا لطلابه مسألة رياضية غاية في التعقيد وقال للطلاب إن هذه المسألة صعبة محيرة وعرة وحدث أن وصل طالب متأخرا إلى قاعة الامتحان فنجح في حل المسألة لأنه لم يخضع لكيمياء الألفاظ وسلطة الكلمات (صعبة محيرة وعرة)

ما أكثر ما في ثقافتنا وحياتنا وسياستنا واقتصادنا وديننا من ضلالات وأوهام تم توظيبها في كلمات لها مفعول سحري مثل مسحوق الديب فشلت العقل عن التفكير والإرادة عن العمل والعاطفة عن الاعتدال.

والمطلوب من العقل العربي التحرر من هذه السلطة المستبدة "سلطة اللغة " والاحتكام إلى الحق وحده وهو أن يكون الحق بغية الإنسان وطلبته ومنيته فيعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال

 

ابراهيم مشارة

 

جميل عودةما حجم حالات الانتحار في العالم؟ ما هي أسباب الانتحار؟ لماذا ينهي هذا العدد الكبير من الناس حياتهم كل عام؟ هل هو بسبب الفقر؟ البطالة؟ انهيار العلاقات؟ أم هو بسبب الاكتئاب أو الاضطرابات النفسية الخطيرة الأخرى؟ هل الانتحار نتيجة لفعل متهور، أم أنه نتيجة التأثريات الخافضة للتثبيط كالكحول أو العقاقير؟ وما هو الموقف الإنساني؛ والديني؛ والقانوني من فعل الانتحار؟ وما هي الاستراتيجيات اللازمة للحد منه؟

الانتحار (لغة) هو قتل النفس، فيقال: انتحر الرجل؛ أي قتـل نفـسه. والانتحار مصدر للفعل انتحـر، وهو إصابةُ الإنسان نفْسه لقصدِ إفنائهـا. ويقال: إن الانتحار من النحر الذي هو أعلى الصدر، وعبر بـه للغالب؛ إذ غالباً ما يكون قتل النفس من النحر والصدر، بقصد الإسراع لهلاكها.

والانتحار (اصطلاحا) هو كل حالات الموت التي تنتج بشكل مباشر أو غير مباشر من فعل سلبي أو إيجابي ينفده الضحية نفسه، وهو يعرف أن هذا الفعل يصل به إلى هذه النتيجة، أي الموت. وعٌرف أنه عدون ضد النفس، شعوري أو إرادي يؤدي إلى الموت. وعٌرف أيضا أنه ظاهر اجتماعية، ومشكلة طبية، تجعل شخص يزهق روحه بسبب عجز عن مواجهة الواقع، أو لفشل شخصي في المشكلات الطارئة، أو يأس لعدم القدرة على التكيف مع الظروف الطارئة المستجدة والمفاجئة.

يخلف الانتحار أرقاما مرتفعة من الضحايا؛ إذ يلقى ما يزيد على (800) ألف شخص حتفه كل عام، جراء الانتحار الذي يحتل المرتبة الثانية بين أهم أسباب الوفاة بين الشباب، في الفئة العمرية بين (15-29) سنة، على مستوى العالم. وهناك مؤشرات على أنه مقابل كل شخص بالغ مات منتحراً كان هناك ما يزيد على (20) شخصاً آخرين حاولوا الانتحار.

وأشارت تقارير منظمة الصحة العالمية الصادرة في عام 2013 إلى أن هناك أكثر من (1200000) شخصا يقدمون على الانتحار، على مستوى العالم سنويا، أي (3000) آلاف شخص ينتحرون يوميا، وأن كل حالة انتحار تامة تقابلها (20) محاولة فاشلة، أي أن هناك ما يقارب من (20) إلى (60) مليون محاولة انتحار على مستوى العالم سنويا،

وتتباين الأرقام بين البلدان، إلا أن البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل هي التي تتحمل معظم العبء الناجم عن عمليات الانتحار على الصعيد العالمي، ويقع ما يقدر بـ (75%) من جميع حالات الانتحار في هذه البلدان، وينتشر الانتحار - بشكل كبير - بين الفئات التي تعاني من التهميش والتمييز في المجتمع. ويكون الأثر الواقع على الأسر والأصدقاء والمجتمعات أثراً مدمراً، وبعيد المدى، حتى وإن مر وقت طويل على انتحار أشخاص أعزاء عليهم.

يقول علماء الاجتماع والطب النفسي إن الكثيرين من الناس تراودهم فكرة حلم الموت والخلاص من حياتهم؛ عندما لا يستطيعون مواصلة الحياة في ظل المعوقات والملمات التي تصاحبهم، وخاصة عندما تنتابهم حالات الاكتئاب النفسي الذي يفقد فيه الإنسان أي رابطة بالحياة من خلال الظلمة التي يعيش بها في تلك اللحظة، فلا يرى حلا ومخرجا لمعاناته وعذاباته سوى إنهاء حياته طوعا بيده. ولكن القلة من هؤلاء من يجرؤ ويمتلك القوة والإصرار على تنفيذ هذه الفكرة وتصفية نفسه جسديا.

هناك بعض الناس من يقدم على الانتحار الجزئي، أي لا يكون في تفكيره وتصميمه على وضع حد لحياته حتى الموت، وإنما يسعى من وراء ذلك إلى تفريغ ما في نفسه وروحه من شحنات الألم، حتى يستعطف من حوله، ليشعروا به، وبمعاناته والإحساس به، وبالتالي ليحوز على اهتمامهم ومشاركته أحزانه، والتخفيف عنه، ومساعدته بالخروج من هذه الأزمة التي ألمت به، ولم يستطع التغلب عليها لوحده.

أسباب الاقدام على الانتحار

ولا يوجد تفسير واحد للسبب وراء وفاة الناس عن طريق الانتحار، لأن السلوك الانتحاري هو ظاهرة معقدة، تتأثر بعدة عوامل، تتفاعل مع بعضها البعض، وهي عوامل شخصية؛ واجتماعية؛ ونفسية؛ وثقافية؛ وبيولوجية؛ وبيئية.

وقد كشفت منظّمات رسمية عن معظم الأسباب التي دفعت بالأشخاص إلى التّفكير بالانتحار سعياً للخلاص من الحياة التي يعيشونها، ومن هذه الأسباب: الاضطرابات النّفسيّة: حيث يعاني بعض الناس من أمراض نفسيّة تؤدّي به إلى الانتحار؛ كالهوس، والانفصام، والاكتئاب الحادّ، كما أنّ الصّدمات قد تؤدّي بالأشخاص إلى مثل هذا العمل المشين. ومن الأسباب هي إدمان المخدّرات وتعاطيها: حيث تعد المخدّرات من مذهبات العقل التي تؤدّي بالإنسان إلى فعل كلّ ما لا يتقبّله العقل البشريّ السّليم، فمن الممكن لمدمن المخدّرات أن يمارس سلوكيات، ويقدم على أفعال، وهو غير مدرك لها تحت تأثير المخدّر، كالقتل والاغتصاب والانتحار.

ومن الأسباب أيضا المشكلات الصحية التي تمنع الإنسان من ممارسة حياته طبيعيا، حيث أكّد أطبّاء على وجود ارتباط وثيق بين المشاكل الصحيّة والانتحار، ومن بينها إصابات الدّماغ المرضيّة، والسّرطان، والفشل الكلويّ، والإيدز، وغيرها من الأمراض، كما أنّ الانتحار قد يكون نتيجةً للآثار الجانبيّة لبعض الأدوية، ومن أبرز الأسباب التي تشكّل حالةً نفسيّةً للشّخص الاعتداء الجنسيّ، والتّحرّش الجنسيّ، والتّفكّك الأسريّ، والبطالة.

ومن بين الأسباب المشجعة على الانتحار هو ما تقوم به بعض وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي التي تظهر حالة الانتحار على أنه عمل مبرر، وصاحبه بطل يستحق الاحترام والتقدير، مما يشجع الشباب ممن يتأثرون بمثل هذه الدعايات على الانتحار بهدف لفت انتباه المجتمع لحالته. الأمر الذي يزيد من خطر (تقليد) عمليات الانتحار. كما تعد سهولة الحصول على وسائل الانتحار أحد الأسباب على تزايد الانتحار.

ولا خلاف حول تجريم فعل القتل والشروع والمساهمة فيه في القوانين الجنائية كافة دون استثناء، أما الانتحار فعلى الرغم من أنه يمثل اعتداء على حق الإنسان في الحياة، إلا أن القوانين قد اختلفت حول مدى اعتباره جريمة في حد ذاته من عدمه، كما طال هذا الخلاف الشروع في الانتحار والمساهمة فيه، فبعضها تبيح كل هذه الأفعال، وبالتالي فلا عقاب، وبعضها تجرم هذه الأفعال وتفرض لها عقوبة جنائية. فقد ذهب الفقهاء المؤيدون لتجريم أفعال الشروع إلى إمكانية معاقبة الشارع على الانتحار إما بالحبس، أو بالغرامة، أو بحرمانه من بعض حقوقه المدنية والعائلية، أو حرمانه من حقوقه السياسية، وذلك بهدف تحقيق الردع العام.

أما من وجهة نظر الإسلام فانه ليس للإنسان حق التصرف في حياته أو إنهائها بإرادته متى شاء؛ لأنه لا يملك الحياة أساسا حتى يملك الموت، فهذا الحق هو هبة من الله، وهو من بيده التصرف فيه. والشرائع السماوية مجتمعة اعتبرت أن الحياة ليست ملكا للإنسان، وإنما هي ملكا خالصا للخالق وحده. وعليه فان الانتحار فعل محرم، وهو من الكبائر في الإسلام؛ لأنه قتل للنفس المحترمة، حيث قال الله تعالى (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بالحق) وقال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً، وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرا).

وفي الأحوال كلها، فلا شك أن الانتحار ظاهرة اجتماعية سلبية تهدد أمن الأفراد والجماعات والدول، وهي تستفحل في كثير من البلدان لاسيما البلدان الإسلامية، وهي مرض خطير لابد من السيطرة عليه، حيث إن الانتحار هو أمر يمكن التصدي له، والحد منه، وأول وسائل التصدي له هو الاعتراف بوجوده، ووضع بيانات ومعلومات عن أسباب انتشاره، بين عموم السكان، لا سيما الشباب على وجه التحديد، وأسباب الانتحار ليست واحدة في كل دولة، وليست واحدة في حدود الدولة الواحدة، بل هي مختلفة ومتعددة، ومعرفة ما هي أسباب أكثر حالات الانتحار يمكن أن يكون الخطوة الأولى لتشخيص هذا المرض الخطير.

ولكي تفلح الاستجابات الوطنية للتصدي له، هناك حاجة إلى وضع إستراتيجية شاملة متعددة القطاعات، بشأن الوقاية من الانتحار. ويمكن أن تنقسم استراتيجيات التصدي لعوامل خطر الانتحار إلى نوعين من الاستراتيجيات، هي:

1- استراتيجيات الوقاية العامة: وهي إستراتيجية مصممة للوصول إلى جميع الفئات السكانية. وهي تهدف إلى زيادة فرص الحصول على الرعاية الصحية، وتعزيز الصحة النفسية، والحد من تعاطي الكحول على نحو ضار، والإدمان على المخدرات، والحد من فرص الحصول على وسائل الانتحار وغيرها.

2- إستراتيجية الوقاية الانتقائية: وهي إستراتيجية تستهدف تحديدا الفئات الأكثر قابلية للتأثر، مثل الأشخاص الذين سبق لهم أن عانوا من الصدمات النفسية أو الانتهاكات، وأولئك المتضررين من الصراعات أو الكوارث، واللاجئين والمهاجرين، والأشخاص المفجوعين بسبب الانتحار، من خلال تدريب(الحراس) الذين يساعدون أشخاصاً قابلين للتأثر، ويقدمون خدمات المساندة لهم.

ومن خلال ما تقدم يمكن أن نذكر بعض الوسائل التي تحد من الانتحار أهمها:

- ينبغي التنسيق والتعاون بين قطاعات متعددة في المجتمع، القطاعين العام والخاص على حد سواء، بما في ذلك القطاعات الصحية وغير الصحية مثل التعليم، والعمل، والزراعة، والأعمال التجارية، والعدل، والقانون، والدفاع، والسياسة والإعلام. ويجب أن تكون هذه الجهود شاملة ومتكاملة ومتآزرة، نظراً لأنه لا يوجد نهج واحد يمكن أن يؤثر وحده على مشكلة معقدة مثل الانتحار

- ينبغي إدماج الوقاية من الانتحار في خدمات الرعاية الصحية، بوصفها مكوناً أساسياً. فالاضطرابات النفسية، وتعاطي الكحول على نحو ضار يسهم في كثير من حالات الانتحار حول العالم. فالتحديد المبكر للأعراض الانتحارية وإدارتها على نحو فعال عنصران مهمان في ضامن حصول الأفراد على الرعاية التي يحتاجونها.

- يقع على الأسرة مهمة مراقبة تصرفات الأبناء والبنات، ومدى نفورهم واستجابتهم للمتغيرات في حياة الأسرة، وما يوجههم خارج المنزل، فمراقبة الأبناء ومشاركتهم حياتهم من شأنه أن يدفع عنهم خطر الانتحار أو التفكير به.

- تلعب المجتمعات دوراً حيوياً في الوقاية من الانتحار، إذ أن باستطاعتها تقديم الدعم الاجتماعي للأفراد المعرضين لمخاطر الانتحار، والمشاركة في رعاية المتابعة، ودعم المفجوعين من انتحار المقربين إليهم.

- وضع قيود على إتاحة الوسائل المستخدمة في الانتحار. مثل الحد من إمكانية الحصول على المبيدات الحشرية، والأسلحة النارية، أو وضع الحواجز على الجسور.

- إعداد التقارير الإعلامية المسؤولة، بشأن عمليات الانتحار في وسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، وذلك من خلال تجنب الوصف التفصيلي للأعمال الانتحارية، وتجنب إثارة التمجيد، واستخدام لغة مسؤولة، وتوعية الجمهور العام بموضوع الانتحار، والعلاجات المتاحة له، وتوفير المعلومات عن مكان طلب المساعدة.

- أن تقوم الأجهزة المختصة في محاولة احتواء حالات الانتحار، خاصة عندما يستعرض المنتحر نفسه، ويبدأ بالتهديد، ويخاطب الجمهور بكلمات مقتضبة غير مفهومة تدل على الخوف، وعدم السيطرة على نفسه في هذه اللحظة، وهنا يأتي دور المختصين في إجراء الحوارات اللازمة من أجل التأثير على المنتحر لثنية عن إلقاء نفسه مثلا عن سطح بناية، بالإضافة إلى ضرورة إيجاد كادر مدرب وله خبرته وأخذ الاحتياطات اللازمة من أجل توفير سقوط آمن ومحاولة إنقاذ حياة المنتحر.

- يقع على الدولة القدر الأكبر من المسؤولية بالقيام بواجباتها تجاه مجتمعها وأبناءها، وإيجاد الحلول المناسبة لتخفيف معاناتهم، وتوفير الاحتياجات الضرورية التي تكفل للفرد والأسرة حياة كريمة تغنيه عن العوز ومد اليد لاستجداء حاجته، وذلك بتوفير فرص العمل للجميع، ومد يد العون للمحتاجين، ودعم المواد الأساسية في حياة الفرد من مأكل وملبس ومرافق حيوية ورعاية صحية حتى يسهم الجميع على المحافظة على هذا الفرد الذي يشكل جزءا من المجموع الذي يشكل بالتالي المجتمع كاملا شعبا وحكومة ودولة. 

 

جميل عودة/مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

 

لسنا متأكدين من أن أحدًا سوف يتغلب على الآخر.. وأن تلك النوايا ستسود على الشر أو على الألم... إن الحياة ميدان معارك.. فيه ستطول وتبقى معاركنا.. فهي كانت دائما.. وستظل دائما.. موجودة!!! "

اليوم هو الذكرى السنوية والعيد العالمي ليوم السلام العالمي غير إن أي متأمل لمجريات عالمنا سيقر سريعا إننا في عالم بلا سلام نعيش ونتصرف ونفعل، نعم نحن في عالم حتى الكلام والحوار فيه بلا سلام!!! كما إن في عالمنا أصبح النهج الاستطرادي أكثر انتشارًا في الحياة السياسية فأرتبط خطابها وعبر مجال العلاقات الدولية بمشاكل الحرب والسلام والعدوان والتعاون التي يغطيها هذا الفهم الأمني أو ذلك، ولذا فأن الغرض هو بيان وايضاح خصوصيات اتصال الإنسان بالعالم والمجتمع وهو عمليا وتواصليا محكوم بتقسيم تصرفاتنا وفقا لكلاسيكيات تحليل الحدث وشؤونه إلى مادية ولفظية، وتنقسم الأعمال اللفظية في مجال العلاقات الدولية إلى محبة السلام والقتال أو على نحو أدق خطاب السلام والحرب الذي يتمثل بأن يكون الحالة الطبيعية للإنسان ومفهومه له دلالة ويمكننا أن نجعل الحرب تجريبية بمثابة حدث تاريخي، بينما يتمحور مفهوم "السلام" في كونه فكرة مجردة ويتضح ذلك القاسم في عبارة معاهدة السلام وليس فقط السلام لانه مجرد حالة وقتية لا اكثر، ومع ذلك فيمكن استخدام خطابي السلام والحرب في بناء مفاهيم الأمن لكلا من النخبة الحاكمة والشعوب.

في عالمنا الغير مسالم تعتبر المدرسة الواقعية للعلاقات الدولية أن الأمن مشتق من القوة، بينما تعد مدرسة المثالية السياسية ذاتها نتيجة للسلام لأنه الدائم يوفر الأمن للجميع ولأنها تعتبره ممارسة إستراتيجية تهدف إلى تغيير ترتيب الأولويات السياسية ويشمل الأمن الجوانب السياسية والاجتماعية والبيئية والثقافية والاقتصادية، لذا يدرك الأمن كما تقول عبر المحبة للسلام وعن طريق الخطاب المتشدد غير إن الجانب الهام منه يتحدد بالتهديدات التي يجب منعها أو التغلب عليها فبذلك يمكن النظر إليه عن طريق نظام العلاقات الدولية في أنه سمة للدولة وكصفة للمجتمع الدولي، وعبره يرتبط الخطاب السياسي باعتباره استخدامًا فعليًا لممارسات الكلام دائمًا بالاستعارات المجازية فتستخدم كوسيلة لعرض الأفكار وتصور العلاقات مع الشركاء، على أنها أداة لتحقيق السلام إذ تتجسد في مفهوم إستراتيجية للتنمية المستقبلية للمجتمع فيتم توزيعها على نطاق واسع كخريطة لطريق الدبلوماسية خطوة بخطوة ويتجسد توحيد التهديد في الأعلام والحرب المجيدة المواجهة ضد العدوان الغادر.

واضافة لعبارات الصراع والشؤم فهناك تعبيرات أخرى يضيفون لها اقنعة لطيفة كي تستخدم بشكل نشط في الخطاب السياسي وتعبيرات عامة محجبة المفاهيم وهذه الطرق تعد مبررة لأجل الحفاظ على مناهج الصواب السياسي غير أنها مناسبة في المفردات الدبلوماسية حينما يتم استبدال البيانات الحادة بأخرى محايدة لذلك لا يمكن للمرء أن يبقى غير مكترث بالأحداث، ومع ذلك تتحول العبارات الملطفة بسهولة إلى جهاز تلاعب في الاتصال الجماهيري كاستبدال كلمة "تعذيب" بعبارة "طرق الاستجواب الصعبة". وهناك مصطلحات في الخطاب السياسي كمصطلح "الحرب" الذي وفي كثير من الأحيان يتم تمرير تعيبرها في صمت، وبغض النظر عن الموقف الأيديولوجي فأن الأسس الخطابية في أي حرب حديثة هي وسيلة قوية وفعالة لتحقيق المعلومات والهيمنة السياسية والايديولوجية والاقتصادية. كما إن استخدام التلميحات في الخطاب السياسي العدواني ضد كل سلام هو فن بتوظيف التلميحات في الأحداث التاريخية والسياسية والأدبية ويمكن وضع التلميحات في شكل غير لفظي ولا يمكن الاستغناء عنها في الخطاب السياسي حتى لو تسببت ببعض الأخطاء الأسلوبية، لأنه دوما ما يمكن استخدام التناقض اللفظي للتسبب في التنافر المعرفي وتشجيع مراجعة الصور النمطية الراسخة، كما وقد استخدمت طريقة معروفة ب "الوسم" في الخطاب السياسي المعاصر بشكل فعال في شكل "وصمة العار" لوصفها و ولصقها بزعيم سياسي أو قوة سياسية بربط العرض من الحرمان الاجتماعي بالجرح النازف، وبعد ذلك يأتي احتكار المفاهيم والاسماء ويتم إيلاء اهتمام خاص للضغوط التي تبدو كأنها بيانات عادية ولكن يتم صياغتها بحيث لا تسبب الشكوك لإعطاء المرسل إليه تثبيتًا لإجراء معين وعلى النقيض من مفهوم الأمن على أنه انسجام وسلام فإن ما يسمى بالافتراضات المسبقة للخطر تتشكل عبر تهديدات أمنية وجنبا إلى جنب مع احتكار المفاهيم والأسماء لتشكل وجهات نظر موحدة للصور النمطية.

ولتقنيات معاداة السلام في حواراتنا وكلامنا فعالية كبيرة إن كان هناك مستوى كاف من الثقة في مصدر المعلومات وإذا لم تكن هناك ثقة فلا يوجد أي تأثير متوقع لصراعات الخطابات السياسية والتي حتى إن اعتمدت على تطبيق أية تقنيات خاصة، لأنه غالبا ما يؤدي عدم تحقيق التفاهم والتواصل إلى سوء الفهم في ادراك واستيعاب تطبيق تحليلات خطابات العلاقات الدولية المعاصرة التي تسمح للكشف عن المعنى الحقيقي من الإجراءات المادية والبيانات اللفظية عبر توظيف واستخدام تقنيات لغوية معقدة، فحتى خطابات مشاكل الأمن الدولي يتم تسيّسها لمحاولة فهم الأمن الذي يمكن أفتراضه عن طريق افلام ومسرحيات "محبة السلام" أو حتى عبر التهديد والخطاب المتشدد، لذلك كله يمكن تحليل إستراتيجية الخطابات بمساعدة الأطراف المتعددة وحتى المتعادية على فهم بعضهم البعض بشكل أفضل غير إن الدور الفيصل في كل ذلك هو الذي فد تقوم به وتؤديه وتحركه الإرادات السياسية المفترضة لإن تكون هي لا غيرها القائمة والموجهة والمحققة لتوازن مصالح واهداف ومساعي جميع الأطراف المتعددة. وحينما لا تكون هناك فائدة من اللجوء إلى الأساليب الصحيحة سياسياً يتم الاستعانة بالاستقطاب عبر استخدام فئات التقييم السلبية في عبارات الكلام الفصيح وحتى في توظيف كلمات اللهجات العامية والتي أحيانًا ما تعرف وتسمى بالتصريحات الاستفزازية الحادة، وعبرها وعبر غيرها يتم كثيرا استكشاف مسار ومساق العمليات السياسية الداخلية وتأرجحات العلاقات الدولية بشكل فعال بواسطة تحليلات جذوا وجذور الخطابات المضادة لكل روح سلامية بما في ذلك دراسة الطرق اللغوية الخاصة بالروح الإنسانية الحالمة بالسلام المفقود.

 

بقلم: الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

حسيب الياس حديدمقدمة:

أولا وقبل كل شيء تتمتع شبكة الانترنت وتكنلوجيا المعلومات بأثر عملي على إجراءات فض النزاعات: ارسال الوثائق بصورة متزامنة الى المحكّمين بكلفة معقولة ويتجنب الأطراف تعرضهم لتكاليف السفر وبالنسبة للمحكّمين انفسهم تقدم الوثائق الالكترونية مزايا مهمة وبصورة خاصة عندنا يكون خضوع الأطراف كبيراً بسبب انهم يستطيعون البحث عن الكلمة المفتاح دون مراجعة الملف بأكمله وكذلك يكون المحكًمين قادرين على استعمال تكنلوجيا جديدة بصورة واسعة وبالإضافة الى ذلك الاستعمال اليومي لمعدات تكنلوجيا المعلومات بحيث ان للأنترنت اثر عميق على إجراءات فض النزاعات. وعلى الرغم من ان خيار فض النزاعات يعتمد بصورة تقليدية على المقابلات والاجتماعات بين أصحاب الدعوى والمحكّمين او المحكّم او الوسيط فالإنترنت تشجع الان على فض النزاعات عن بعد . فاللقاءات المباشرة استبدلت بتبادل الكتروني فان الإلغاء الكلي او الجزئي للقاءات المادية والجسمية المباشرة بين المدعين واطراف ثالثة اختاروا الان فض نزاعاتهم بإجراءات الكترونية وبنفس الدلالة أدى استعمال الانترنت (IT تكنلوجيا المعلومات) الى استبدال الوثائق التقليدية والاثبات المكتوب بالوثاق الالكترونية والإجراء الالكتروني ويمكن تنظيمه باستعمال عدة نماذج تعمل على الغاء جزئي او كلي للوثائق الورقية .

ولكن لا يزال اجراء التحكيم الالكتروني، وعلى الرغم من انه يجب تنظيمه بطريقة خاصة بسبب استعمال التكنلوجيا يخضع الى مبادئ تحكم بصورة تقليدية حالة التحكيم. وتبين الدراسة المقارنة للتحكيم المقارن تقارب للمبادئ العامة التي تحكم اجراء التحكيم في الأنظمة القانونية المختلفة، هنالك مبدئان مقبولان يرتبطان بإجراءات التحكيم الالكتروني، يسمح مبدأ الاستقلال الاجرائي وللأطراف بتنظيم اجراء التحكيم (الاجراء التحكيمي). وبصورة عامة عندما تتبع حالة التحكيم المؤسساتي ينبغي على المحكّم تنظيم الاجراء طبقا لقواعد التحكيم التي وافق عليها الأطراف، ويترك مبدأ الاستقلالية الإجرائية الامر الى الأطراف والى المؤسسات التحكمية لتكييف الاجراء الى المجال الالكتروني. وتعتبر الحالات الالكترونية مسموح بها عندما يكون هناك حرية تعاقدية . الا ان الحرية التعاقدية لا يمكن ان تؤثر في التنظيمات (التفويضية والالزامية) التي تحكم اجراء التحكيم . ومن بين هذه اللوائح التنظيمية الإلزامية وتلك التي تنتج عن محضر القانون . فالوقائع الخاصة بالتحكيم يجب ان تحترم حيادية المحكمة والمساواة بين الأطراف ومبدأ التناقض والاجراء الالكتروني الذي تم تنظيمه ويمكن ان يخفق في الاعتراف في هذه المبادئ وعلى سبيل المثال، الوصول غير المتساوي او غير المكافئ لأعضاء الى مواقع الانترنت يمكن ان يلحق الضرر بمبدأ المساواة او التعارض.

وعندما يتم تنظيم الاجراء الالكتروني طبقا لمبادئ القضاء الجيد فان الحاجة الى احتياطات مضافة لاتزال قائمة ويجب اخذها بنظر الاعتبار في النزاعات التجارية الالكترونية للحفاظ على حقوق الأطراف وتعتمد محصلة التحكيم على دعم الدليل المقدم من قبل الأطراف . وهذا الدليل نفسه هو الذي سوف يحدّد قرار المحكّم وعلى شبكة الانترنت .وتثير مسألة الدليل العددي من الأسئلة الخاصة بسبب مخاطر الاحتيال وتغيير ملف المعلومات. اذن كيف يمكن تجهيز دليل العمل الالكتروني؟ ماذا يمكن للمحكّم عمله اذا ما تمت معارضته حقيقة الوثيقة . بكل اختصار هنالك خطر ان التجارة الالكترونية يمكن ان تشجع المنازعات على الدليل كي تظهر ضمن الوقائع التحكمية .

ب) الطلب الالكتروني للتحكيم

ينطلق الطلب للتحكيم من طلبات الأطراف والمسائل التي يجب ان تحل امام محكمة التحكيم وتعمل على تعريف القواعد الرئيسة التي سوف تحكم الاجراء التحكيمي. وبصورة مبدئية يجب ان تحمل توقيع المحكّمين والأطراف ومن الممكن ان تكون ذات استعمال خاص في الإجراءات الالكترونية عندما لا تعالج قواعد التحكيم بصورة خاصة قضايا معينة . وباستطاعة الأطراف استعمال الطلب للتحكيم للموافقة على تبادل الوثائق الكترونياً او ان يقرر حول (قاعدة) التحكم الالكتروني .

ج) تقديم البيانات والوثائق المدونة

ينبغي على المتقاضين في هذه المرحلة تقديم بيانات ووثائق مدوّنة ترسل الى المحكّم والى الطرف الخصم لاحترام مبدأ التعارض في النزاعات الالكترونية في التجارة الناجمة عن العقد الالكتروني ويكون الأطراف قادرين على تقديم وتبادل الوثائق الالكترونية بصورة حصرية على شكل ملفات ترتبط بالبريد الالكتروني E-MAIL وعلى سبيل المثال خوّلت المادة (2)3 من قواعد (ICC) الاتصال الالكتروني مع المحكمة والسكرتارية. وعلى كل حال يمكن ان تكون الوثائق المادية ضرورية لدعم المناقشة على سبيل المثال، ربما يقدّم احد الأطراف شهادة خطية. وفي دول عديدة لم يتم وضع إجراءات خاصة بالصيغة الالكترونية والمتقاضي يستعمل الخدمة البريدية .

هـ) المشاورات المستمرة

في نهاية الاجراء لابد من القيام بتقديم مادة للمشاورة الالكترونية عندما تتشكّل المحكمة التحكيمية من المحكّمين والتي تستند الى دول مختلفة ولم تمنع النصوص الحديثة التحكيم الالكتروني طالما انهم لا يشترطون صيغة المشاورات وتسمى الممارسة التحكمية بالتداول او بالمداولة عبر الهاتف والفاكس وحتى المؤتمر الفيديوي .

- المبادئ التي تحكم الوقائع الالكترونية

تخضع الوقائع التحكمية الالكترونية الى مبادئ القضاء الجيد الذي يحكم الوقائع التحكمية وعلى كل حال، تتطلب المشاركة الالكترونية للأطراف في الاجراء والنشر السريع للمعلومات عناية خاصة لضمان ان اثنين من المبادئ لم يتم انتقاص قيمتها مبدأ التناقض الذي من الممكن عدم مراعاته اذا كان استعمال الحاسوب غير متكافئ . والنشر الالكتروني السريع للمعلومات في النزاع الذي يهدد مصداقية التحكيم وينبغي على المؤسسة التحكيمية والأطراف ضمان احترام هذه المبادئ.

أ‌. مبدا التعارض

تم تعريف مبدا التناقض بصورة مختلفة في أنظمة وطنية مختلفة فهو يغطي ما يشير اليه المتخصص في القانون العام بالإجراء المناسب للقانون اذ ينبغي ان يكون الأطراف في وضع بحيث يقدمون مناظراتهم بصورة متساوية . ويهدد التحكيم الالكتروني المعاملة المتساوية للأطراف في مراحل مختلفة من الوقائع .

ويعني احترام مبدأ التناقض بصورة ضمنية ان للأطراف حق متساوي للوصول الى الوثائق . فالوثائق الالكترونية المرسلة من قبل احد الأطراف الى المحكّم يجب ان ترسل الى الطرف الاخر اما بصورة مباشرة او عن طريق المؤسسة التحكيمية .

ينبغي تبادل البيانات المدونة ضمن اطار محدّد جداً من اجل احترام المساواة بين الأطراف وبصورة تقليدية يقدّم الأطراف بياناتهم للإجابة (طلب مقابل) لمناقشة الطرف الخصم . اذن هنالك مناظرة حقيقية بين الأطراف مدعومة من قبل ممثليهم القانونيين ومهما كانت الحالات الالكترونية محدودة لفترة قصيرة في بعض الأحيان تسمح فقط لتبادل البيانات المكتوبة، وعندما يفشل احد الأطراف في الاعتراف بقواعد التحكيم يقدم اجابته ويجب على محكمة التحكيم ان لا تأخذ المناقشة التي قدمت في هذه الإجابة بنظر الاعتبار واذا لم يتم تجاهل هذه المناقشات فإنها سوف تميل الى احد الاطراف .

ويجب منع التبادل من جانب واحد بين المتقاضي والمحكّم . هذه سمه للوساطة والتصالح ولكن لا يسمح لهم في حالات التحكيم لذلك فانه من غير المرغوب فيه استبدال التبادلات وسلسلة التبادلات بالبريد الالكتروني بسماع التحميم اللاسلكي وعلى الأقل يجب ارسال نسخة من البريد الكتروني الذي تم تبادله بين المحكّم واحد الأطراف يرسل الى الطرف الاخر، ومن الناحية الفنية ان الحل الأمثل بالنسبة للمحكّم وللأطراف هو ان يتم لقاء بينهم (في غرفة الحديث) وهذا يجعل التبادل متزامن اكثر مما يكون متعاقب وهكذا يتم احترام مبدأ التعارض .

ويثير تنظيم المؤتمرات الفيديوية مشكلة أخرى فالتبادلات تكون متزامنة وهكذا يبدو مبدأ التعارض قد تم احترامه .وعلى كل حال، ينبغي على الأطراف ان يكون لهم القدرات الفنية ذاتها ونوعية الارتباط ذاته فاذا كانت نوعية الاتصالات اضعف لاحد الأطراف فان هذا الطرف سوف لا يستفيد من تقديم المناقشة خلال التحقيق (السماع) الالكتروني وان بعض التفاصيل الحقيقية مثل التركيز على موقع الكاميرا يمكن ان تؤثر على ادراك المحكّم لمناظرة احد الأطراف . واذا تركز الكاميرا على وجه احد الممثلين القانونيين يمكن ان تلقي الضوء وبصورة مبالغ فيها على صيغة لغة المتقاضي ويمكن ان تلقي بالشك على مناظرته. وقد عبّر بعض المراقبين في الولايات المتحدة عن قلقهم حول العملية القانونية متى ما كانت شروط وضع الكاميرا لم تكن مماثلة تماماً وهذه الشروط يمكن ان تكون متماثلة اذا كانت بيانات الدفاع وبيانات الطلب متأتية من غرف السماع الالكترونية المتماثلة ومن الصعب تصور ان كل طرف سوف يستعمل اجهزته الفيديوية للمشاركة في التحقيق (السماع) الالكتروني وعلى الأقل يحتاج البروتوكول ان يتم تبنيه وهو الذي يحكم التحقيق الالكتروني في كل التفاصيل.

ب) السرية في التحكم الالكتروني

يعتبر مبدأ السرية في اجراء التحكيم ناحية مهمة في التحكم الدولي وتقدم السرية عادة كعامل حاسم في اختيار الاسلوب الاختياري لفض النزاع وذلك حسب تفضيل قضاء الدولة وفي بعض الدول مثل المملكة المتحدة وفرنسا تحتفظ بالسمة السرية لأجراء التحكيم، وعندما لا تكون الحالة كذلك فان مبدأ السرية يرتكز على عوامل أخرى مثل قبول الأطراف لقواعد التحكيم التي تضمن السرية او الاتفاق العلني والصريح من قبل الأطراف لضمان سرية التحكم.

ويعتبر مدى التزام السرية واسع تماماً يغطي الأطراف والمؤسسات التحكمية أولا وأخيرا كل شيء يتعلق بكل الوثائق والمعلومات المسلّمة من قبل الأطراف خلال الاجراء الالكتروني ويجب عدم افشاء ذلك الى طرف ثالث وباي ظرف كان . وعندما يعطي الحكم من قبل المحكمة التحكيمية فان مراسلات هيئة المحلفين يجب ان تبقى سرية وينبغي عدم كشفها الى طرف ثالث او الى سكرتارية المؤسسة التحكيمية. وأخيرا يغطي التزام السرية الحكم الصادر من قبل المحكمة التحكيمية وينبغي ان يكون علنيا فقط في حالة الموافقة الصريحة للأطراف . ففي كل مرحلة من هذه المراحل من الوقائع التحكيمية يعمل الاتصال الالكتروني السرية اقل قوة طالما ان المعلومات الالكترونية عرضة للسقوط بالايادي من السجلات الورقية، والأكثر من ذلك مع الانترنت، المعلومة السرية يمكن ان تنتشر بسرعة واقلّ انتهاك للسرية يمكن ان يكون له عواقب خطيرة على المتقاضين.

اذن انه الزامي على المؤسسات التحكمية والأطراف ان يعملوا ما بوسعهم من اجل ضمان سرية الوقائع التحكمية وانها محمية من أي انتشار بسبب استعمال تحايلي لتكنلوجيا المعلومات

أولا وقبل كل شيء يجب حماية ((E-MAIL والتبادل للمعلومات خاصة عند ملئ الاستمارات، وقد كشفت دراسة حديثة ان المؤسسات التحكيمية الموجودة نادراً ما تطابق نظام الامن على (E-MAIL) البريد الالكتروني انهم يضمنون فقط الصيغ المستعملة من قبل بروتوكول (SSL) ولكن يبدو ان ضمان البريد الالكتروني باستعمال فك الرموز ووسائل التوقيع الالكتروني حيوية خاصة عندما يتم تبادل البيانات المكتوبة.

ثانيا، تحتاج كل مؤسسة كي يتم تجهيزها بموارد (IT) من اجل حماية قاعدة المعلومات من أي هجوم خارجي .وفي التطبيق العلمي، من الصعب تقييم الجدران النارية المتوفرة لدى المؤسسات التحكمية .

وأخيرا، يصعب تقييم فيما اذ كانت المؤسسات التحكيمية محترمة لسرية القرارات (الاحكام)لأنه لا يوجد الا كمية قليلة من الحالة التحكمية ولا يوجد هنالك احكام تحكيمية منشورة على الرغم من ان بعض المؤسسات التحكمية تخطط للنشر اما بأجماع كل الأطراف او بعدم الاجماع (أي بدون اجماع كل الأطراف) .

وتضع (ICC) مدخلا منظما ًحول سرية الوقائع الالكترونية مع نظام إدارة الكترونية لإجراء التحكيم (يسمى نيت كيس "NETCASE") وسوف يتم فتح خط لكل حالة تفتح فقط للأطراف وأعضاء المؤسسة التحكمية وكل فرد بالاعتماد على وضعه في الاجراء سوف يكون له مستوى معين للوصول الى وثائق معينة وعلى سبيل المثال سوف لا يكون لسكرتارية (ICC) السبيل للوصول الى المداولات عندما ينفذون العمل وبذلك فانهم يحافظون على السرية ولابد من اجراء مراجعة شاملة حول ضمان الاتصالات وكذلك سرية الوصول اليها فان جهاز حاسوب غير جيد (او تصرّف ملي بالإهمال تتم دراسة من قبل الأطراف يمكن ان يؤدي الى كثير من الاضرار وعلى الصعيد التعاقدي يمكن اتهام المؤسسة التحكمية والطرف الخصم بالإخفاق في مراعاة التزام السرية وعلى الصعيد الجنائي يمكن اتهام الواحد الاخر بجريمة اذا اما استعمل جهاز الحاسوب بإهمال .

3.3 إدارة "تقديم" الدليل الالكتروني

في الغالب، كما لو ان الحقوق ليست موجودة بسبب عدم القدرة على اثباتها هنالك قول مأثور اجاد التعبير عن ذلك :

ان لا تكون هو كما لو انه لم تُبٌرهَن"

هذا القول المقتبس من قبل دين كاربونييه يركز على الاهمية التقليدية للإثبات لدعم المناظرة في الوقائع القانونية والناحية الوحيدة لعمليات التجارة الإلكترونية هي ان دليل الاعمال القانونية او الحقائق غالبا ما يتم نقلها بالوسائل الالكترونية لذلك فان آلية العقد الالكتروني سوف يتخذ شكل ملف الكمبيوتر ولا يدخل العاملين في التجارة الالكترونية من ان يضعوا " استراتيجية اختبارية " ليُجهزوا انفسهم بالدليل الالكتروني للأعمال القانونية والحقائق التي يستند اليها حقهم . ومن المهم امتلاكهم من هذه الاستراتيجية (الاستراتيجية الاختيارية او الاستراتيجية الاثباتية " لان الدليل الوحيد لديهم هو انهم سيكونون قادرين على الإنتاج وان يكونوا الكترونيين . فان جمع الدليل الالكتروني مفيد بحيث يصبح هذا الدليل مسموح به امام المحكمة التحكمية ويحمل القوة الثبوتية ويصبح من الضروري تحليل كيف يستطيع ان يدبّر المحكّم الدليل الالكتروني وماهي الشروط التي يصبح فيها الدليل الإلكتروني مسموحا به ؟ وماهي القوة الثبوتية؟ سوف نتطرق الى هذه الأسئلة في الصفحات الاتية:

3.3.1 جمع الدليل الالكتروني

في التجارة الالكترونية يتم تنفيذ العمليات جزئياً او كلياً وعندما تدار العمليات جزئيا بصورة الكترونية يكون للأطراف عناصر مادية تحت تصرفهم يمكن ان تقدم الدليل أحد اوجه العقد فقط (تشكيل او تنفيذ) واذا لم يتم ابرام العقد بصورة الكترونية يكون بحوزة كل واحد من المتعاقدين الشركاء النسخة الاصلية للعقد. ومن ناحية أخرى، اذا تم ابرام عقد المبيعات الكترونياً وينص على تجهيز وتسليم مادي للبضائع فان لدى الأطراف دليل مادي للتنفيذ الصحيح او غير الصحيح للعقد ويمكن للبائع ان يشير الى ملاحظة التسليم في حين يستطيع المشتري انتاج مادة اذا كان فيها بعض النواقص. وفي كل حالة من الحالات سوف يقدم الأطراف (الدليل الالكتروني) لوجه (لمرحلة) الكترونية للعقد وعندما يتم تنفيذ العلميات بصورة كلية فان ذلك يتضمن تبادل رسائل المعلومات بين المتعاقدين المشاركين، فقد تم ابرام العقد بصورة الكترونية دون اية وثيقة مرسلة ومن ثم يتم تنفيذها الكترونيا دون تسليم مادي . هذه هي الحالة مع العقود مع إعطاء فرصة للوصول الى قاعدة المعلومات. وفي هذه السيناريوهات فان محاولات تشكيل وتنفيذ العقد يتم على الحاسوب للزبون ويرتبط الدليل الإلكتروني بالعملية التعاقدية .

وفي التطبيق العملي, يتم حفظ الوثائق الالكترونية بصورة اوتوماتيكية في الكومبيوتر وحتى في بعض الأحيان في الحاسوب لدى الزبون. ومن الطبيعي يتم حفظ المعلومات (المرسلة او المستلمة) في الحاسوب. ان حقيقة حفظ الوثائق بصورة اوتوماتيكية ليس كافية لإقامة او إدارة الاثبات ومن الضروري بالنسبة للمتعاقدين الشركاء الحفاظ على المحاكمة ومن الممكن على سبيل المثال اتخاذ خطوات إضافية لحماية انفسهم ضد أي مسح او عارض للمعلومات ان الوسائل الأساسية لصيغ أوامر الحفظ تبدو انها في متناول مستعمل الانترنت .ومن الممكن ان تتخذ عملية جمع الدليل صيغ معقدة وباستطاعة خبير أنظمة الحاسوب ان يجمع كم هائل من المعلومات .

3.3.2 الدليل الالكتروني امام محكمة التحكم

تسمح حرية المحكّم تنظيم الاجراء وضمان السماح للقوة الثبوتية للوثائق الالكترونية بتطبيق قواعد موجودة فان المحكم سوف يقيّم مصداقية هذه الوثائق باستعمال معايير مقاربة .

حرية المحكّم في تنظيم الاجراء

عندما لا يختار الأطراف القانون الواجب التطبيق على الاجراء يتمتع المحكّم بحرية واسعة في إدارة الاثبات. في هذه الحالة يمكن للمحكّم اختيار القانون المناسب ويكزن عادة قانون الدولة . ففي القانون الفرنسي حول التحكيم الدولي، على سبيل المثال يمكن ان قرر المحكّم بان قانون او (قوانين) الدولة هي التي تحكّم الاجراء وربما يشير الى قواعد التحكيم او حتى حل المسائل الإجرائية بصورة مباشرة باتخاذ القرارات على أساس كل حالة بمفردها. وهنالك أنظمة عديدة تشاطر هذه الطريقة الحرة بحيث تترك الامر الى المحكّم لتنظيم التحقيق وإدارة الدليل . ويقرر المحكّم قابلية السماح والقوة الثبوتية للوثائق المقدمة . وتمنح المادتين 24 و 25 من قواعد التحكم UNCITRAL للمتحكم مجال واسع في إدارة الدليل وتنص المادة 25.6 على ما يأتي :

"سوف تقرر محكمة التحكيم إمكانية القبول ووثوق ومادية الدليل المقدم وثقله "

ونجد الحكم ذاته في قانون التحكيم التونسي المادة (64.2).

حيث تنص على ان:

" القوة الممنوحة لمحكمة التحكيم تتضمن الصلاحية في الحكم على إمكانية السماح ووثوق وفاعلية ومادية وتقل الدليل المقدم ".

وتسمح الحرية للمحكّم بان يقوم بتكييف صيغ جديدة من الدليل التي سلّمت من قبل الأطراف وبعد ذلك يقرر إمكانية السماح بالوثائق الالكترونية المقدمة من قبل الأطراف ولا يثير ذلك الا القليل من الصعوبات بسبب ان جميع صيغ الاثبات مسموح بها بالنسبة للمحكّم.

ب) المحكّم والوثائق الالكترونية:

تتعلق معظم الصعوبات الجدية بالقوة الثبوتية للوثائق الالكترونية وتستعمل مخاطر التحايل بصورة خاصة للتأثير على معلومات الرسائل. وتستعمل هذه في المناقشة من اجل منح القوة الثبوتية للوثائق الالكترونية التي تستحق الثقة . ان مثل هذا المدخل يمكن تبريره (لا يمكن تبريره) لان قانون الاثبات لا يرتكز على اليقين المطلق. ويكمن المتطلب الوحيد في اقناع المحكّم على اساس احتمالية معقولة. وعلى كل حال وكما ذكرنا انفاً نلاحظ ان التحايل موجود مع نسخ الوثائق وكذلك مع الوثائق الالكترونية. ولهذا السبب يترتب على المحكّمين عدم رفض او معارضة الوثائق الالكترونية كمشاركة مبدئية، ويختلف تقييم إمكانية السماح للقوة الثبوتية طبقاً لمسألة تتعلق فيما اذا اعتمد الأطراف الواجب التطبيق على الاجراء او لم يعتمدوه.

وعندما يختار الأطراف القانون الواجب التطبيق لإجراء التحكيم يجب على المحكّم ان يطبق مواد قانون الاثبات ليثبت وجود عمل قانوني. وعلى سيل المثال اذا تم اخضاع اجراء التحكيم الى القانون الفرنسي ينبغي على المحكّم ان يقيم مقدار السماح للوثائق الالكترونية طبقا للمعايير الواردة في المادة (1316-1) من القانون المدني(1). المتعلقة بالنزاعات المدنية اذا زادت القيمة عن (800) يورو ومنذ الإصلاح الذي طرأ على قانون الثبات :" يتمتع الدليل المكتوب على وسيلة الكترونية بنفس القوة الثبوتية كالدليل المكتوب على وسائل ورقية" استناداً الى احكام المادة 1316-3 من القانون المدني . وينبغي ان تحمل الاتفاقية الخاصة المبرمة بالوسائل الالكترونية التوقيع الالكتروني الموثوق والمجهزين من اجل الأطراف. وفي القانون الفرنسي,يعد التوقيع الالكتروني موثوقاً عندما يستجيب للشروط الواردة في المرسوم الذي يستند الى توجيهات التواقيع الالكترونية ويجب على المحكّم في هذه الحالة ان يتحقق بان التوقيع الالكتروني مصحوب بشهادة صادرة من قبل سلطة متح الشهادات المصدّقة .

وعندما لا يُخضع الاطراف اجراء التحكيم الى قانون خاص كيف يستطيع المحكّم ان يقرر على اية قوة ثبوتية للوثيقة الالكترونية؟ كيف يستطيع حل النزاعات فيما يخص القوة الثبوتية بين وثيقتين الكترونيتين؟ يقدم ظهور القانون الانتقالي حول الوثائق الالكترونية تسهيلاً للمحكّم في حالة فض هذه الصعوبات باستعمال القانون الوطني .

ويستطيع المحكّم ان يستند الى قانون نموذجي UNCITRAL حول التجارة الالكترونية والى قانون نموذج UNCITRAL حول التواقيع الالكترونية. وقد اقتبست الكثير من القوانين الوطنية هذه النصوص. ومن الجدير بالذكر ان المادة الخامسة من قانون النموذج الخاص بالتجارة الالكترونية نصت على مبدأ عدم التمييز بين الوثائق الالكترونية والوثائق الورقية وبذلك يستطيع المحكّم ان يبني قراره على هذه المادة والمواد التي تليها (2) لكي يعلن بانه من الممكن السماح للوثائق الالكترونية المقدمة من قبل الاطراف.

وينص القانون الخاص بالتواقيع الالكترونية ان المحكم مع المعايير حول تقييم مصداقية التواقيع الالكترونية بخصوص الوثائق الالكترونية . ويركز هذا القانون بصورة ضمنية على نموذج مفتاح غير متناسق . ويتضمن التوقيع الالكتروني مفتاحين (الأول عام والثاني خاص) يطبقه المستعمل على الوثيقة التي يوقعها. انها مسؤولية الطرف الثالث – سلطة التصديق – ان تؤيد مصداقية هاذين المفتاحين ومن الممكن التأكيد على مصداقية التوقيع الالكتروني بوجود ربط بين المفتاحين والتوقيع .

وتنشأ صعوبة عندما يعترض على مصداقية الوثائق المقدمة من قبل الطرف الاخر بحيث انه يؤكد على وجود احتيال في الوثيقة الالكترونية وهنا تقع المهمة على المحكّم ان يتحقق من هوية الكاتب عندما يكون هناك اعتراض على مصداقية الوثيقة، وعندما يتعلق الامر بالدليل الالكتروني في هذه الحالة يخضع التحقيق من مصداقيته للوسائل التكنلوجية ومن قبل أربعة خبراء .

ومن الناحية العملية يكفي للمحكّم ان يؤكد بان شهادة التوقيع الالكتروني فد صدرت من قبل سلطة منح الشهادات ومعترف بها من قبل الدولة وتتضمن الشهادة الالكترونية الصادرة عن سلطة شهادات معترف بها تشكّل صيغة من دليل خبراء.. وينبغي على الطرف المعترض ان يقدم تقرير مكتوب من قبل خبير في مجال تكنلوجيا المعلومات (IT) وربما يتخذ المحكّم مبادرة حيث يأمر بأخذ راي الخبير ولا يعدّ ملزماً بتعيين خبير حتى اذا طلب الأطراف منه ذلك .

4.1 موقع التحكيم الالكتروني

من الصعوبة بمكان وضع اجراء التحكيم الالكتروني في موقع واحد فقط طالما ان الاجراء يجمع بين متناقضين ومحكّمين من أماكن مختلفة فالإجراء المختلف يتم بوسائل الاتصالات الالكترونية وتبادل المعلومات. وربما تثير تعددية المكان قلقاً بسبب انه من الضروري تحديد مكان التحكيم لغرض تحقيق قواعد معينة . وسوف يقضي مفهوم مكان التحكيم على مشكلة تعددية المواقع وفي الحقيقة يعتبر محل التحكيم مفهوماً قانونياً.

ويعتبر ربط اجراء التحكيم بدولة امر وحيد لتحديد القواعد واجبة التطبيق ولفترة طويلة سمح موقع التحكيم للقانون الواجب التطبيق بتحديد الاجراء وان تعيين القاضي المساعد وتعريف أساليب ضمان قانونية الحكم التحكيمي يتطلب تحديد مكان .

أ‌. القانون الواجب التطبيق على الاجراء

بصورة تقليدية، اذا لم يتم اختيار الأطراف القانون الواجب التطبيق لإجراء التحكيم فان الامر يرجع الى مكان التحكيم ويعتبر اختيار مكان التحكيم إشارة ضمنية للرغبة في تطبيق قانون تلك الدولة وقد تم التخلي عن هذا المفهوم في معظم القوانين الوطنية ويعتبر الان بان المحكّم يمتلك كل الحرية في ان يقرر القواعد الواجبة التطبيق على اجراء التحكيم عندما لم يتحدث الأطراف حول الموضوع .

وتعطي اتفاقية نيويورك حول الاعتراف بالأحكام التحكمية الأجنبية وتعزيزها إشارة الى قانون مكان التحكيم وتخول المادة (ي)7.1 القاضي في الدولة حيث يتم البحث عن التعزيز والاعتراف ولكن يرفض الاعتراف بالقرار في حالة عدم وجود اتفاق بين الأطراف، فالإجراء التحكيمي لا يعتبر متطابقاً مع قانون الدولة التي يجري فيها التحكيم " اذن مكان التحكيم لا تعدّ محايدة عندما لا يسمح قانون التحكيم المحلي بالإجراءات الالكترونية .

4.1.2 مكان التحكيم – مفهوم قانوني محدد

تعدّ مسالة اختيار مكان التحكيم على أساس دلالات موضوعية يصعب فهمها عندما تتم معالجة موضوع التحكيم الالكتروني فالأعمال الإجرائية يتم تنفيذها عن بعد . وعندما يكون هناك هيئة تحكيم (وليس محكّم واحد) فانه ليس من الممكن تحديد مكان التحكيم بالاعتماد على المكان او إقامة المحكّمين، كما انه ليس بوسع احد استعمال موقع المعدات الفنية للمؤسسة التحكيمية بسبب ان موقعهم طاريء ولا يتمتع بأهمية كبيرة. وفي القانون المقارن هناك اتجاه حول عدم اعتماد الحضور الالكتروني للمشغل وا المعدات الفنية لتحديد الموقع وبناء على ذلك يجب ان يركز تحديد مكان التحكيم على معايير قانونية محدّدة .

ومن ناحية أخرى يجب ان يكون هناك ربط بين الموقع الجغرافي أي يجب ان يتم تحديد موقع (مكان / محل) التحكيم اي وجود ربط بين التحكيم أي إجراءات التحكيم والدولة . ويبقى اختيار مكان التحكيم على عاتق الأطراف أولا اما بصورة مباشرة او بالإشارة أي قواعد التحكيم . وعند الاخفاق في تحقيق ذلك يقوم المحكمون بأنفسهم بتحديد مكان التحكيم ويسمح القانون بان يكون محل التحكيم مفهوماً قانونياً بحتاً ويقع على رغبة الأطراف. وقد اشارت الاحصائيات ان (80%) من (ICC) أي التحكيم في (C) يتم عن طريق اختيار الأطراف لمكان التحكيم .

اذن على الأطراف في وقائع التحكيم الالكترونية ان يختاروا مكان التحكيم : واذا فشل الأطراف في تحديد مكان التحكيم فانه ليس من المؤكد ان تستطيع محكمة التحكيم القيام بذلك عندما لا تنص قواعد التحكيم على أي شيء حول هذا الموضوع .

4.2 القرار الالكتروني

هل بالإمكان اجراء التحكيم الالكتروني اي ان يتم من خلال الارسال بالوسائل الالكترونية ؟ وهل ان غياب الورق يلحق ضرراً بفاعلية القرار؟ وبصورة اعتيادية, يتم تقديم القرار المكتوب على الورق الى القاضي لغرض تصديق الوقائع لذلك يجب التأكيد فيما اذا كانت الصيغة الالكترونية للقرار مؤثر في فاعلية الدولة.

4.2.1 صيغة القرار الالكتروني

تبدو النصوص الانتقالية او الدولية انها تتطلب بان تتم كتابة القرار وان يتم توقيعه من قبل المحكّمين في حين ان القوانين الوطنية لم تتخذ الكثير من الوسائل الثابتة .

أ‌. النصوص الدولية

نصت اتفاقية نيويورك على ان الأطراف يبحثون عن اعتراف بالقرار ويجب تقديم القرار الأصلي المصدّق، فاذا لم يتم تقديم القرار الأصلي فان الطرف الناجح في التحكيم يتعذر عليه اثارة نظام اتفاقية نيويورك وحسب خبراء تكنلوجيا المعلومات (IT) ان متطلب إعطاء الأصلي لا يكون كافياً فقط بإعطاء ملف الكمبيوتر وهذا يثير الاعتراض ولذلك يمكن التغلب على هذه المشكلة عن طريق تحليل وظيفة الأصلي وحسب وجهة نظر المؤلفين : يكمن دور الأصلي وبصورة أساسية في اعتباره نقطة دالة ووسيلة لقياس مصداقية النسخ"

وفي هذه الظروف يتم تصديق الوثيقة الالكترونية من قبل طرف ثالث وبواسطة التكنلوجيا ومن الناحية العملية يكفي للمحكمين بان يطبقوا توقيعهم الالكتروني على الوثيقة مع تأييد من سلطة التصديق وسوف يكون هناك تناقض اذا لم يتم قبول القرار الالكتروني المصدّق كالأصل في حين ان دول أخرى تسمح بالشهادات المصدّقة والمنفذة بالوسائل الالكترونية .

 

ترجمة الدكتور حسيب الياس حديد

.............................

* المصدر: مؤتمر الامم المتحدة (UNCTAD)حول التجارة والتنمية وفض المنازعات والتحكيم التجاري

1)  تنص المادة (1316-1) من القانون المدني على ما يأتي :تعد البيانات المكتوبة بصيغة الكترونية مسموح بها كدليل بنفس الطريقة التي يقدم بها البيانات المكتوبة على نسخ من الورق طالما ان الشخص الذي صدرت عنه يمكن تشخيصه مع مراعاة الشروط وضمان تكاملها ".

2) المواد التالية لها: المادة الخامسة " الاعتراف القانوني بمعلومات الرسائل " المادة السادسة " الكتابة " والمادة السابعة " التوقيع " وأخيرا المادة الثامنة " اصل ".

 

الدليل المكتوب: يوجد دليل للسماح للوثائق المكتوبة في المحكمة وكانت تتطابق مع معايير متفق عليها اجتماعياً وكما هي الحال مع الصيغ الشفوية والمدوّنة لابد من وجود دليل عليها ان الوثيقة وجدت بمعرفة الأطراف وموافقتهما. ففي الأزمنة القديمة كان الدليل يقوم على شهادة العين وان حضورهم كان يعدّ أساسياً وتكوينياً وقد استمر هذا الحال لفترة طويلة من الزمن. كما ان الوثائق نفسها تتطلب التوثيق ويتم ذلك عن طريق الختم. ويمكن استنتاج ذلك من الفترات البابلية القديمة تم ختم كل وثيقة قانونية وهنالك ايضاً الشهود عليها ولا يوجد أي قانون يؤكد على ان الرجل بأستطاعته استعمال ختم اخيه ألا أن الأهمية القانونية للختم واضحة من إعلان المبلغ في حالة الفقدان او الخسارة. وتم توثيق قضية في المحاكم تشير الى عقوبة لأمرأة لأنها فقدت ختمها . ويستعمل الختم عادة لكي يثبت حضوره وموافقته واستمر هذا الاسلوب لفترة طويلة ويمكننا ملاحظة ذلك في النصوص الخاصة لبيع الاراضي.علماً ان وجود وثائق قانونية يمكن تمييزها وأن الوثائق الأولى تثبّت على الحجر وظهر هذا الاسلوب مرة ثانية خلال فترة سلالة أكّد. وفي بعض الأحيان لوحظت مشاهد ايقونية محفورة . ولا يمكن دحرجة الاختام الاسطوانية على الحجر ولكن يمكن ان نشك بالنفاذ القانوني لهذه الوثائق على اقل تقدير كان لها دور كبير . وكانت تستعمل ايضاً في بيع الحقول والبيوت سنة 2500 ق.م وعثر على هذه الكتابات على الواح مستديرة مع ذكر تفاصيل حول الاموال التي تم بيعها وكذلك المدفوعات التي أدوها الى البائع الرئيس. وقد ذكر في الالواح دفع (بخشيش) الى الاقارب والجيران وكذلك للشهود.كما تم العثور على الواح طينية غير مختومة. ففي هذه الحالة يمكن معرفة دليل موافقة البائع من خلال كلمات تحدث بها حول الصفقة وفي بعض الاحيان كان هنالك موظف يحضر عملية البيع . وتعدّ الوثائق سجلات للأشخاص وهذا يمثل دليلاً على ذلك وإن الالواح التي كانت بوضع جيد تشير الى أنها كانت مأخوذة من دائرة السجلات المركزية حيث يتم خزنها هناك . اما الخطوة التالية فتأتي من نهاية السلالة الاولى وهنالك امثلة من كيرسو اذ تم العثور على وثائق تشير الى بيع بيوت إلا ان هذه الوثائق غير مختومة. وفي بعض الحالات نجد ان النص نفسه تعاد كتابته على الطين وتشير النصوص الى أن المبلّغ قد وضع الوتد في الحائط ووضع الزيت عليه وهنالك حركة رمزية أخرى إلا أنني أؤكد هنا بأن سلطات المدينة تتدخل بالموضوع كما أن المبلّغين غالباً ما يذهبون الى الشهود ويحضرون عمليات البيع ومن المحتمل جداً ان عمليات بيع العقار يسبقها إعلان خاص بذلك لإعطاء فرصة لأي شخص يهمه الموضوع ولم تؤكد النصوص لمن يعود الختم الذي طبع على الطين وربما يكون ذلك ختم المبلّغ وبعد ذلك يتم أخذ مصادقة السلطة العامة على الصفقة. وفي الالفية الثالثة من النادر ان نجد وثائق مختومة من قبل البائع وان هذا الضوء الذي نسلطه على الأختام الموجودة على وثائق البيع في الفترة البابلية القديمة ربما كانت مصنوعة من الخشب وتستعمل للصفقات الفردية لأنه لدينا أسماء الشهود الحاضرين في تلك المناسبة. ان ظاهرة ختم الشهود على اللوح يعكس التركيز على إبراز وجود الشهود في وثائق الالفية الثالثة وعندما يتم هناك دفوعات صغيرة فإنه يتم تسجيلها وهذا يعكس لنا اهتمام المجتمع كله حول انتقال ملكية الاراضي .

تعد وظيفة وضع الاختام علامة ودليل للتنازل عن الحق اذ ان هنالك اتفاق قانوني ثنائي اكثر مما يكون سجل مصدّق من جانب واحد وتم تنظيم هذا الأجراء خلال فترة اور الثالثة حيث كانت تطبق على الملكية. ويعدّ ذلك التزاماً يجب تنفيذه ولم يكن معروفاً قبل الفترة الاكدية . وتوجد إشارات مدوّنة تشير الى القروض والديون وليس عقد قانوني واحد وكان ينبغي تصديق أي قرض من قبل الشهود ومن دون شك يتم ذلك بموجب صيغة شكلية ولكن لا يوجد في نصوصنا ما يعطي تلميحاً للإجراءات المتّبعة كما أن مضامين العقود المدوّنة قانونياً تشير الى الروابط الاقتصادية وتوسيعها بين المجتمعات الحضرية والريفية وبالإضافة الى ذلك نجد عقود اجتماعية تتمتع بأهمية بالغة .

العقوبات

من الواضح لا يوجد هنالك أي استعمال لإجراءات معترف بها من قبل المجتمع ان لم يكن المجتمع في موقف يطبّق العقوبات على اولئك الذين ينتهكون الاعراف والقوانين او يتجاهلونها . وفي المجتمعات الصغيرة تعدّ العقوبات الاجتماعية وهي مواقف مشتركة غير مؤسساتية كافية ولكن بعد تطور الدولة بدأ هناك إجراء نقلت بموجبه هذه العملية الى الإدارة المحلية او المركزية كما ان تعقيد المجتمع أدى الى خلط مجاميع لا يمكن فيها تطبيق العقوبات الإجتماعية.

ولاحظنا سابقا إجراءات إداء القسم في سياق إدارة المحكمة وكذلك تعزيز عقود البيع عن طريق القسم وغالبا ما يؤخذ القسم أمام الاله أو الالهة . وتحت ظل نرام -سين تم إدخال الملك في القسم حيث يذكر في القسم (بأسم الملك) وأصبح ذلك جزءا مهما من العقود في فترة اور الثالثة وقد انعكس ذلك بإدخال اسم الملك في النصوص البابلية القديمة . ويصاحب القسم مجموعة من الطقوس الرمزية وكما هي الحال في السياقات الدبلوماسية والقضائية فإن القسم يعدّ جزءً اساسياً سواءً تم التعبير عنه أم لا وكانوا يخشون من غضب الاله الذي يقع على من يحنث باليمين. وفي الوقت الذي نجد نصوص من جنوب بلاد وادي الرافدين مكتوبة بصيغة مقتضبة فإن نصوص أخرى من مناطق محيطة مثل السوس او الفرات الاوسط تشير الى غضب الاله على من يحنث باليمين وربما يعتبر ذلك انعكاساً للقوة النسبية للتطبيقات الرمزية الشفوية والمكتوبة وقد تمت ملاحظة الإجراء نفسه فيما بعد في بلاد اشور حيث هنالك تهديدات أكثر خطورة تنتظر من يحنث باليمين .

الإصلاحات الملكية

بعد ذكر تفاصيل حول عمليات القانون في مجتمع بلاد وادي الرافدين لابد من القاء نظرة على القوانين التي جلبت الانتباه كثيراً حيث الأعمدة (42) من مسلة حمورابي الذي كان يعرف بملك العدالة تعدّ المصدر المعلوماتي الوحيد للتاريخ القانوني ولكنها في الوقت نفسه تثير اسئلة عديدة ينبغي الإجابة عنها وهنالك الكثير من الادبيات خاصة باللغة الألمانية وما ذكره المؤرخون القانونيون . ان احد المواضيع المهمة هو ما هو قانون حمورابي؟

وهل انه مجموعة قوانين وهل كان يعتبر تأليفاً أدبياً من دون تطبيق عملي أو شيئاً بين ذلك؟ للإجابة عن هذا السؤال لابد ان نقر أولا بأن نص حمورابي هو اطول نص قانوني وأكثرهم كمالاً من المجاميع الاربعة حيث أن هذه المجاميع تختلف في التفاصيل ولكن يجب اعتبارها موضوعاً واحداً فهي ليست قوانين إذا ما نعني بذلك أنها تعالج بصورة شاملة ومنهجية جميع جوانب القانون وإنما هي مجموعات لمواد فردية قسم منها منعزل والآخر مجتمع وذلك حسب الموضوع الذي تعالجه. ألا أن هذه المواد يمكن اعتبارها قوانين وبذلك تكون هذه القوانين قد ثبّتت مبادئ وممارسات يجب تطبيقها في إدارة القانو.ن وقد لاحظنا ان الآليات القانونية التي تعمل ضمن اطارها كانت موجودة قبل ذلك فهي إذاً تعديلات لهيكل موجود للقانون سواء كان مكتوباً ام لا وعلى كل حال تعتبر هذه اصلاحات . ولكن إذا ما نظرنا بتفاصيل أكثر في محتوياتها فإنه من الواضح انها تعد حقيبة مختلطة . وان قسم من القوانين موجودة لأنه من المعروف تقليدا ان نشملهم أما تلك الموجودة في قانون حمورابي فإنها تنظم حقوق الملكية للكاهنات وربما تعدّ إجابة للتغيرات للمجتمع المعاصر . وتفترض لنا هذه يد المصلح الملكي كما أن دور الملك كان واضحاً في بعض المواد التي تتخذ طبيعة اوامر تنفيذية وخاصة الشروط المتعلقة بتثبيت الايجار . وتختلف القوانين عن مؤشرات الإصلاح الأقتصادي فإنها تتعلق بإلغاء الديون وغير ذلك من المسائل . وتعمل القوانين على وضع قواعد للمستقبل وفي الحقيقة لا تعدّ هذه القوانين تجميعاً لقضايا فردية وكما لاحظنا بأن سجلات القضايا تم الاحتفاظ بها قبل السلالة الأكدية وتم أخذ محاكمة في جريمة قتل في نفر وتم استنساخ ذلك بإعتباره نصا مدرسياً. وعلى كل حال لا تعد القوانين وصفية وإنما توجيهية ومبادئ يجب اتباعها وعملت على خلق مبادئ عامة. فإذا ما كان هنالك حكم خاص يقع وراء أي مادة فإنه لا يشار الى أي مصدر خاص وهنا لا يشار الى الاسماء والأزمنة والأمكنة . فإن عملية اقتباس إشارة قضائية من قضايا فردية تمت الإشارة الى ذلك في سجلات محكمة اور الثالثة التي تدوّن عادة الاسباب التي دعت القضاة الى أتخاذ مثل هذا القرار بسبب أن الشهود تناقضوا عند إدلائهم بالشهادة. وحتى في قوانين حمورابي لا توجد الاّ توضيحات قليلة حول هذا الموضوع وهنالك سجلات من المحاكم تعطي اسباباً عديدة وكما ذكرنا ان قوانين حمورابي لم تعط تلك التوضيحات (المادة107) لأنه نكر وكيله المتجول ورفض قريته وهرب (المادة 136) وبسبب انها أخذت طفلا ثانيا من دون موافقة والديه ووالدته (المادة 194) وبسبب انه لم يعزز البيت الذي بناه بدرجة كافية (المادة 232) وفي بعض الفقرات هنالك قواعد خاصة بالتعويض. وهكذا فإنه من الواضح من هذا المستوى ان الهدف الاساسي هو وضع مجموعة قوانين قابلة للتطبيق بصورة عالمية في المستقبل أيضا ومن الممكن ان نلاحظ من المصطلحات التي وصفها حمورابي نفسه ووظيفته مثلما هو مثبت على المسلة . (المادة 196-9) وفي هذا السياق من المهم ان ندرك ان القوانين تم اعلانها من قبل الملك كما اعلن ايضاً المناطق التي ينبغي تنفيذ القوانين فيها .

مقدمة قانون حمورابي حول الرجل المخطئ

وهنالك مبادئ اساسية في القانون مثل العين بالعين والسن بالسن وهنالك ايضاً قوانين حول التعويضات التي تدفع والجرائم المرتكبة والتي عقوبتها تكون مالية وتؤكد قوانين حمورابي على الطبقة الاجتماعية وكأنما هذه القوانين تشير الى قانون الصحراء. ومن الواضح بأن قوانين حمورابي تمثّل حالة قانونية متقدمة جدا لأنها تتضمن قضايا عديدة تعمل على تنظيم الحياة في المجتمع. وتوجد امثلة عديدة منها المواد 42 و 55 و 62 ونجد انه في لارسا هنالك وثائق قانونية خلال فترة حكم ريم – سين تشير الى العقوبات ايضاً وهنالك ما يتعلق بالراعي وغنمه وفيما اذا فقدت الاغنام بسبب الجهل الذي اتصف به الراعي او ان الغنم تعرضت الى هجوم مفاجئ من قبل اسد او بسبب مرض مفاجئ .

تطبيق القانون

عملت هذه القوانين على وضع مقاييس وموازين معينة ومن الصعب ان نتصور في مثل هذه الحالات ان مواد القوانين لم يتم تجاهلها في ذلك الوقت وفيما بعد لم يكن لها أي تاثير في التطبيق القانوني. وقد عانى كل الباحثين الكثير من الصعوبات في وضع اصابعهم بثقة على النصوص الاولى وما كان يطبّق ميدانياً في مجال القضاء وبسبب ذلك ان كثير من البنود كانت تمثل القانون التقليدي. اما المضمون الدقيق للأمر الملكي كان موضوعاً لمناقشات حادة وعندما اعلمنا قضاة بابل انه في حالة المقاضاة بين خصمين فانهم يقومون بدراسة قضيتهم ويقوم بالحكم فيها طبقا لأمر سيدهم وهو الملك كما أن هنالك قاضي آخر أصدر حكمه طبقا لأوامر سابقة كانت موجودة أمامه مع الأخذ بنظر الاعتبار الأوامر التي كانت تصدر والتي تمثل قوانين ملكية يتم تدوينها وتطبيقها على ارض الواقع.

 

الدكتورة هبة حازم محمد مصطفى النعيمي

كلية الآثار – جامعة الموصل

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا السادس عن وهبة طلعت أبو العلا ودوره في صياغة نظرية الوجود المقلوب، حيث نتحدث عن الحكم الأمريكي الأول للعالم وفي هذا يتساءل وهبة طلعت فيقول : إذا كانت الحرب قد انتهت هكذا بحكم أمريكا للعالم، فلماذا لم تبرز أمريكا علي السطح باعتبارها حاكمة له في أعقاب الحرب مباشرة؟ لماذا فضلت أمريكا أن تظل – إلي حين – مستمرة في حكم العالم في الخفاء لا في العلن؟ إن الإجابة علي هذا السؤال في اعتقادي هي أن أمريكا فضلت أن تستمر في حكم العالم في الخفاء حتي تبدو في نظره- في العلن علي الأقل – الدولة الصديقة التي دخلت الحرب من أجل إرساء دعائم الحرية والعدل والمساواة بين كافة البشر . ولو كانت أمريكا اعتلت عرش العالم في العلن في أعقاب الحرب – وهذا هو بالتحديد ما فعلته في الخفاء – لبدت في نظره دولة قامعة مسيطرة ومقيدة للحريات الأمر الذي كان سيفضي إلي معاداة سائر البشر لها . ولا شك في أن هذا كان سيفضي إلي عواقب وخيمة بالنسبة لها لم تكن علي استعداد – هذا علي الرغم من انها كانت تملك المقومات التي تمكنها من التعامل معها – للتورط فيها في ذلك الحين . فهي أرادت أن تضمن ولاء الشعوب وترحيبها بها كدولة صديقة تدعو إلي السلام والإخاء، حفاظا علي مصالحها ومنعا لنبذ المواطن الأمريكي في العالم ... كل ذلك إلي حين؛ .

والشعب الأمريكي نفسه ليس هو الشعب الذي يدير هذا الحكم ؛ حيث يقول وهبة طلعت: كلا وألف كلا ؛؛ فالشعب الأمريكي – مثله في ذلك مثل غيره من شعوب الأرض – هو شعب برئ بطبعه ويتمتع ببراءة تعادل تلك التي نجدها عند سائر البشر الذين أجد معظمهم يعيشون علي الفطرة . هذا الحكم يدار بمعرفة تلك القلة القليلة النادرة الذين يعرفونك الآن ولا تعرفهم، يبصرونك ولا تبصرهم، الذين هم بيننا ولكن لا نعرف عنهم شيئا، والذين يرقبون سائر حركاتنا وسكناتنا ولكن أعيننا تفشل دوما في إدراكهم . هذه القلة القليلة هي التي أريد أن أطلق عليها اسم حراس العالم، وذلك علي غرار أولئك الذين أطلق عليهم كارل ماركس اسم حراس الثورة . وحراس العالم في نظري هم أولئك الذين يحركون كل شئ في العالم دون أن يبصرهم أحد حتي المواطن الامريكي نفسه الذي يحركونه مثل يحركون سائر الأشياء . وهم نجحوا في تحويل العالم إلي مسرح للعرائس يحركون خيوطها دون أن يدرك أحد أنهم يفعلون ذلك لأن الجميع لا يرون سوي العرائس ؛ وهم جهابذة السياسة الذين ينشرون ستارا من الغموض علي سائر الأحداث بحيث تراها في الظاهر وكأنها حدثت بصورة عفوية وتلقائية وبحرية وبحكم الصدفة، في حين أن حقيقة الأمر الفية أو المقلوبة هي انها حدثت بفعل تدبير طويل الأمد وبفعل الصدفة المدبرة سلفا كي تبدو صدفة، وذلك تحقيقا لأهدافهم وغاياتهم الخفية أو البعيدة التي تختلف عن، بل وتناقض في العادة الاهداف المباشرة المعلنة علي الجميع . وهم الذين يوجهون سائر الشعوب – ومن ثم سائر البشر – إلي تحقيق الأهداف التي يريدونها هم (حراس العالم) حتي وإن بدا هذا التحقق في الظاهر علي أنه يحدث بحرية . فما تظنه الشعوب – يدخل في ذلك الشعب الأمريكي نفسه - أنه يحدث بحرية وإنما يحدث في حقيقة الأمر – وبفضل التوجيه الخفي للأحداث الذي يقوم به حراس العالم – في ضوء وهم الحرية أعني بحكم الضرورة التي يفرضها حراس العالم والتي بفضلها يستطيعون إدارة دفة العالم .

إذا كان هذا باختصار هو مجمل السياسة الخفية التي اصطنعها حكام العالم منذ الحرب العالمية الثانية، كما يري وهبة طلعت، فإن السؤال الذي يتحتم التعامل معه الآن كما يعلن وهبة طلعت: ماذا فعل هؤلاء الحراس في الخفاء من أجل محاولة إحكام قبضتهم علي العالم بعدما اعتلوا عرشه في الخفاء في أعقاب الحرب؟ إنني أري أن أول شئ فعله هؤلاء الحراس هم أنهم حرموا علي العالم امتلاك القنابل الذرية أو أي شئ من وسائل التدمير الشامل . فهؤلاء الحراس تعلموا تماما الدرس المستفاد من خبرة الاجيال علي مدار العصور والذي يؤكد علي أن اقتسام الدول لسلاح معين فيما بينها من شأنه أن يفضي إلي حدوث توازن في القوي يجعل من المحال علي دولة بعينها حسم أي صراع لصالحها، ولهذا قرر هؤلاء الحكام أو الحراس حرمان العالم أجمع من هذا السلاح حتي تظل أمريكا وحدها سيدة العالم أو الحاكمة له .

في ضوء ذلك يقول وهبة طلعت: إن الدعوة الزائفة التب تشيع أن هناك دولا من بين دول العالم تملك أسلحة التدمير الشامل هي في اعتقادي دعوة علنية مزعومة لا اساس لها من الصحة . فحقيقة الأمر الخفية أو المقلوبة التي أراها في ضوء منطق الامور هي أن جميع دول العالم – باستثناء الولايات المتحدة الامريكية أو، بتعبير أدق، باستثناء حراس العالم – لا تمتلك هذا السلاح وليس لها الحق حتي في امتلاكه ( اللهم إلا بمعرفة حراس العالم وتحت إدارتهم )، كما أنه ليس هناك ما يسمي ب القوي الكبري أو العظمي خلاف الولايات المتحدة الامريكية . إن ذلك كذلك لأنه لو كان هذا السلاح ملكا مشاعا، كما قد يظن البسطاء من البشر، بين دولة معينة لحدث توازن في القوي علي غرار ذلك التوازن الذي حدث علي مدار التاريخ واستحال معه سيادة طرف علي غيره من الأطراف .

صحيح أننا نسمع كل يوم عن امتلاك دولة ما لذلك السلاح ، وصحيح أيضا أن جميع البشر – ربما باستثناء قلة قليلة – علي يقين تام بأن دولا معينة مثل انجلترا، وفرنسا، وروسيا تمتلك هذا السلاح . غير أن وهبة طلعت، ضد هذا اليقين، أقول إن هذه ليست سوي إشاعات وأباطيل لا أساس لها من الصحة . فأمريكا تسمح بمثل هذه الإشاعات الفارغة بغرض تحقيق ما يسمي باسم الرعب النووي تحقيقا لأهداف خفية معينة . وحقيقة الأمر الخفية أو المقلوبة في اعتقادي هي أنه يستحيل علي هذه الدول – بل وعلي أي دولة أخري خلاف الولايات المتحدة الأمريكية – امتلاك هذا السلاح بالذات، لأن مثل هذا الامتلاك سيرتد بالعالم إلي الوراء أعني إلي الوضع الذي ولي زمانه أعني إلي عصور توازن القوي الأمر الذي كان سيفضي بلا محالة – وعلي غرار ما حدث في الماضي – إلي قيام حروب عالمية جديدة بغية تحقيق الحلم أو حكم العالم .

هذا لا يعني أن وهبة طلعت يستبعد وجود ؛ حيث يقول : لا وجود لا امتلاك – أسلحة نووية في أي دولة في العالم، ولا يعني أنني استبعد أيضا قيام حروبا أخري مشابهة للحربين العالميتين السابقتين . إن العكس هو الصحيح بمعني أنني لا أستبعد علي الإطلاق هاتين المسألتين بل واعتقد أنهما متحققتان بالفعل . غير أن حقيقة الأمر الخفية أو المقلوبة هي في اعتقادي أنه لو حدث ووجد وسلاح نووي في أي دولة في العالم – خلاف الولايات المتحدة الأمريكية – فإن هذا يعني أن أمريكا هي التي وضعته تحقيقا لسياسة معينة كأن ترهب به دولة أخري حتي تضطرها إلي القيام بأعمال معينة تخدم مصالح أمريكا . هذا يعني أن وجود القنابل الذرية مثلا في دولة من الدول يفيد بأن أمريكا هي التي وضعت ذلك السلاح في تلك الدولة وأن هذا السلاح تحت السيطرة والإدارة الأمريكية حتي في حالة وجوده في تلك الدولة . والدولة التي يوجد بها ذلك السلاح ليس لها الحق حتي في استخدامه . وذلك لأن استخدام مثل هذا السلاح – في حالة ما تكون هناك مدعاة ملحة إلي ذلك – لن يتم إلا بأمر أمريكا أو بإيعازها وتنفيذا لسياسة معينة تكون في العادة مخالفة لكل ما يقال في العلن . ونفس الامر ينطبق بمعني ما علي قيام أو نشوب الحروب التي تشبه من بعض الاعتبارات الحربين العالميتين . فنشوب مثل هذه الحروب – التي نشب شيئا منها بالفعل كما سأوضح فيما بعد – يحدث علي نحو مخالف تماما لنشوب الحربين العالميتين السابقتين، لأن الحروب العالمية الجديدة تتم تحت إدارة أمريكا وتنفيذا لمخططاتها . هذا يعني، بتعبير آخر، أنه علي الرغم من أنني أري أن العالم لا يزال وسوف يظل يمر من حين لآخر بحروب عالمية أشبه بالحربين العالميتين اللتين عرفهما العالم من قبل، إلا أنني أري أيضا أن الحروب العالمية الجديدة تختلف تماما عن هاتين الحربين . فالحروب العالمية الجديدة أصبحت مدبرة تماما وتدار بمعرفة الولايات المتحدة الأمريكية أو بمعني أدق بمعرفة حراس العالم وتنفيذا لمخططات مدروسة وموضوعة سلفا . أما الحربان القديمتان فقد كانتا تفتقران إلي حد كبير إلي هذه الخصائص – يستثني من ذلك ربما الفترة الأخيرة من الحرب العالمية الثانية .

ولهذا يعلن وهبة طلعت فيقول: لتعلم عزيزي الإنسان أنه لا امتلاك لقنابل نووية – أو لغيرها من أسلحة الدمار الشامل – في أي دولة من دول العالم باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية . وليس هناك استعمال لهذه القنابل إلا بمعرفة هذه الدولة وبواسطتها . وليست هناك حروب أخري أشبه بالحربين العالميتين القديمتين إلا وتدار بمعرفة أمريكا – التي تحارب مع جميع الأطراف، تحارب لصالحهم وضدهم في الآن عينه – ولصالحها . وأي أقاويل لاف ذلك لا أراها إلا أقاويل كاذبة الغرض منها نشر الغموض السياسي وكذا نشر الرعب النووي وذلك بغية جعل سائر الدول تخشي بعضها البعض من ناحية، وجعل جميع الدول تشي الولايات المتحدة الأمريكية وترضخ لجميع مطالبها من الناحية      الأخرى .

إذا كانت الخطوة الأولي التي اتخذها حراس العالم في سبيل إحكام قبضتهم علي العالم تتمثل كما ذكر وهبة طلعت في حرمان العالم من امتلاك أي سلاح نووي – أو حتي أي وسيلة من وسائل التدمير الشامل – فإن الخطوة الثانية بالنسبة لهم كانت تتمثل في اعتقادي في حرمان العالم من التسليح التقليدي – اللهم إلا بقدر ؛ فخطر التسليح التقليدي لم يكن خطرا شاملا- علي غرار التسليح النووي – بل كان خطرا محدودا حيث سمح حراس العالم لدول معينة بإنتاج هذا النوع من التسليح تحقيقا لأغراض سياسية وعسكرية معينة تخدم مصلحة حراس العالم أولا وقبل كل شئ . غير أن هذا الإنتاج كان يحدث تحت مرأي ومسمع مراقبة حراس العالم الذين لم يتركوا أي شئ علي الإطلاق لما يسمي باسم الصدفة أو المفاجأة . هذا الحظر الأمريكي علي إنتاج الدول لهذا النوع من التسليح لم يقتصر علي دولة معينة أو علي طرف معين من أطراف الحرب العالمية القديمة دون آخر . بل شمل الجميع . هذا يصدق في ألمانيا، مثلما يصدق علي إنجلترا، يصدق علي فرنسا، مثلما يصدق علي إيطاليا، يصدق علي اليابان، مثلما يصدق، كما سأوضح فيما بعد، حتي علي روسيا نفسها .... وهلم جرا . فأمريكا أقامت لنفسها قواعد عسكرية للمراقبة المباشرة – هذا بالإضافة إلي سائر ألوان المراقبة غير المباشرة يدخل في ذلك الأقمار الصناعية نفسها التي أراها كلها أمريكية الأصل في الخفاء حتي وإن انتمت في العلن إلي دول مختلفة – حتي في داخل هذه الدول لنفسها . ويمكنني أن أدلل علي ذلك من خلال حادثة حدثت منذ سنوات قليلة وعرفها العالم أجمع أعني حادثة ضرب الولايات المتحدة لثكنات العزيزية    الليبية .

فمن المعروف أن أمريكا أقدمت علي هذا العمل بواسطة طيرانها الذي انطلق من قاعدة أمريكية في إنجلترا وبدون الرجوع إلي، أو حتي استشارة، انجلترا نفسها ؛؛ ويقول وهبة طلعت : لقد كنت يوم وقوع هذه الحادثة في إنجلترا نفسها،والتصرف الذي حدث من جانب الحكومة البريطانية احتجاجا علي تجاهل أمريكا التام لها يمكنني وصفه علي النحو التالي : لقد هاج أعضاء مجلس البرلمان البريطاني علي السيدة تاتشر – التي كانت تشغل منصب رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت – غير مصدقين إمكانية قيام أمريكا بعمل علي أراضيهم دون الرجوع إليهم . ولم تجد السيدة تاتشر مفرا من مواجهتهم بالحقيقة الدامغة التي بررت بها السر في هذا التصرف الأمريكي، والتي أخرست ألسنتهم علي الفور، والتي تقول : هناك معاهدة بين الولايات المتحدة وبريطانيا منذ الحرب العالمية الثانية تنص علي أن للولايات المتحدة الحق في استخدام قواعدها في بريطانيا دون الرجوع إلي بريطانيا نفسها . وإذا كانت السيدة تاتشر قد أعلنت هذا الحقيقة لتبرير موقف خاص – موقف عدم الرجوع أمريكا إليها قبل الإقدام علي ضرب ثكنات العزيزية – فإنني وجدت في هذه الحقيقة تبريرا مقنعا أو مؤكدا للفكرة العامة التي كانت تدور في ذهني، والتي كنت أحاول التثبت منها من خلال كل موقف حياتي ممكن، أعني، أن أمريكا هي حاكمة العالم والمتصرفة فيه طبقا لأهداف وغايات حددتها سلفا . فالحقيقة التي أعلنتها السيدة تاتشر إن دلت علي شئ، فإنما تدل علي أن أمريكا احتلت العالم في الخفاء منذ الحرب العالمية الثانية – لأن ما يصدق علي الجزء (بريطانيا) يصدق علي الكل (العالم) – وجردته من كل أنواع التسليح التقليدي وغير التقليدي – اللهم إلا بالقدر الذي تريده هي، والذي تراه يدم أهدافها ومصالحها . فأمريكا لم تكن تسمح بأن تترك أي شئ للصدفة، لأن ذلك قد يفضي إلي حدوث توازن جديد في ميزان القوي لن تكون عقباه سوي تدمير كوكب الأرض نفسه . لقد فرضت أمريكا علي سائر الدول عد إنتاج أو حيازة أي نوع من أنواع التسليح إلا بالقدر الذي تحدده أمريكا . وفي ضوء ما سبق يمكن القول إنه إذا كانت بريطانيا لا تملك هكذا حق الاعتراض علي ما تريده الولايات المتحدة الأمريكية، فإن هذا يعني أنها حكومة تماما . وإذا كان هذا يصدق علي بريطانيا، فإنني لا أجد سببا واحدا يمنعني من أن أقرر أنه يصدق أيضا علي سائر الدول الأخرى . فجميع الدول محكومة هي الأخرى بمعاهدات أملتها أمريكا علي العالم أجمع في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وذلك ضمانا للتفوق الأمريكي ليس في المجال العسكري فحسب، بل أيضا في سائر المجالات، وذلك منعا لحدوث أي توازن في القوي قد يفضي في النهاية إلي عواقب لا تحمد أمريكا عقباها . فغير أن هذا الحكم الأمريكي للعالم لم يكن يعني، كما سوف أوضح فيما بعد، تكميم الأفواه . وإن العكس هو الصحيح بمعني أننا كثيرا ما نجد دولا تعترض في العلن علي سياسة أمريكا . غير أ، هذا الاعتراض العلني ليس بالاعتراض الحقيقي، وإنما يكون مسموحا به من قبل الولايات المتحدة الأمريكية لخدمة أهداف معينة . هذا يعني، وكما سأوضح فيما بعد، أن الاعتراضات العلنية من جانب الدول الأخرى علي سياسة أمريكية ما، لا يحدث إلا بعد موافقة أمريكا عليه من أجل تحويل الأنظار أو من أجل تحقيق أهداف معينه .

ولهذا يعلن وهبة طلعت فيقول : لتعلم عزيزي الإنسان أن الظن الذي مؤداه أن كل دولة لها الحق في إنتاج ما تشاء من الأسلحة التقليدية هو ظن كاذب ووهم مخادع . فحقيقة الأمر الخفية أو المقلوبة التي أراها هي أن كل شئ تحت التحكم أو السيطرة . ولا شئ يترك للصدفة أو للعبث، وذلك منعا لمجرد التفكير حتي في حدوث أي توازن في القوي، مهما كان ضئيلا، يرتد بالجميع إلي ما كانت عليه الأمور أثناء وقبل الحربين العالميتين . وهكذا حسمت قضية التسليح لصالح أمريكا – لصالح حراس العالم – إلي الأبد، وأصبحت سائر أنواع التسليح لا تتم في سائر بقاع العالم إلا تحت إشرافها، وبالقدر الذي تريده، وبالتوزيع الذي تراه ينفذ سياستها – خارجيا وداخليا – ويحقق ما تصبو إليه من أهداف علي المدي الطويل . وإذا حاولت دولة الخروج – خروجا حقيقيا لا مزعوما وبمعرفة أمريكا – علي هذه القاعدة فلن تلقي سوي التلويح بالتدمير الشامل الذي قد يأتيها من أمريكا نفسها – وهذا في اعتقادي آخر شئ يمكن حدوثه – أو من أحد جيرانها أو من أي دولة أخري تصدر لها الأوامر الأمريكية بالتنفيذ العلني، أو حتي بطريق الصدفة التي تكون قد دبرت سلفا كي تبدو صدفة . هذه هي الخطوة الثانية التي خطاها حراس العالم في طريق إحكام قبضتهم علي العالم . إنها الخطوة المتعلقة بتجريد العالم من التسليح وكذلك عدم تسليحه إلا بالقدر الذي تراه حتي تجعله عالما أعزلا ومن ثم يسهل حكمه، وتوجيهه لخدمة اهدافها.. وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

ان العدالة في بلاد الرافدين كانت تتم في المحاكم التي يمكننا ان نميّزها وذلك من خلال الخطوط العامة الأجرائية وهنالك بعض السمات التي يمكن ان نعتبرها قديمة وهنالك ايضاً اعتراف واضح بأن الحقائق يتم جمعها قبل اصدار الحكم وهنالك علاقة ثابتة بين الجريمة والعقاب. وان سجلات المحكمة ووقائعها جعلت الامر اكثر وضوحاً بحيث يعتبر دليلاً قاطعاً ومن الممكن ان تكون شفوية او مدونة. ان الشهادة الشفوية يتم اخذها عادة من قبل المتخاصمين ويعزز ذلك الاٍدلاء الشفوي للشهود من الجانبين ومن هذه البيانات لابد من وجود شيء ما يكون صحيحاً فاذا لم تكن الحقائق واضحة يعمد القاضي الى اتخاذ خطوات للبحث عن الحقيقة . ولربما يكتبون الى السلطات المحلية ليقوم بارسال شهود او يتم الطلب من السلطات المحلية للقيام بالتحقيق موقعياً وهنالك نص يبين لنا ان القضاة استدعوا امامهم الشهود الاصليين في مسألة بيع بيت وقد دونوا ذلك في (نفّر) حيث ذكروا بأن الشهود تم استدعائهم من اجل التأكيد على الدليل الذي قدمه قبل سبع عشرة سنة في حالة نزاع حول الأبوة وهنالك شهادة للجدّة في ذلك الوقت والتي توفيت في الوقت الحاضر . ان قضايا من هذا النوع تعكس لنا ان الوثائق التي تعتبر نافذة قانونياً هي في الحقيقة تعتبر دليلاً مقبولاً على الرغم من ان المحاكم تفضل ان يتم تعزيزها بشهادة شفوية. وفي احدى القضايا وافق القضاة على نص عمره 52 سنة على الرغم من ان اللوح كان بحالة سيئة وقد تعرض للكسر ولذلك تمت قراءة اللوح من الداخل .

القسم واداء اليمين

عندما يتم الادلاء بالشهادة شفويا امام المحكمة فان الشهود يتم وضعهم تحت القسم كما هي الحال في الوقت الحاضر وهذا امر مألوف وكذلك لا يتم ذكره . كما ان اليمين يؤخذ في الصفقات القانونية اليومية وهي بكل بساطة وعد بعدم الاخلال بالاتفاق. وفي الحقيقة لدى المحاكم صيغ مقدمة وقانونية للاستئناف خاصة عندما يصبح من المستحيل اتخاذ أي قرار على المستوى البشري وذلك اما عند غياب الدليل او وجود ادلة متناقضة ويعدّ يمين التطهير سمة عامة للأنظمة القانونية القديمة حيث كانوا يأخذون بنظر الاعتبار العقوبات البشرية والالهية وفي الحقيقة هو الخوف من الحنث في اليمين حيث كانوا يخشون عواقبه التي تتمثل بالانتقام الالهي وهذا من الممكن ان يتم بصورة مستقلة تماما عن السياق القضائي. وعلى كل حال فان اخذ اليمين يمثل في كل الاحوال دليلاً على المستوى البشري وكما هي الحال في القانون الروماني فان اليمين يظهر بانه له علاقة مع القضايا ضمن المعرفة الخاصة للطرف الذي يعرض عليه . اما الامثلة على هذه الصيغة في الفترة البابلية القديمة فإنها قضايا تتعلق بالميراث وتوزيعه وفسخ شراكات الاعمال. ففي قانون حمورابي ان الراعي الذي فقد غنماً او خروفاً بسبب هجوم من اسد او بسبب المرض الذي يحدث عادة من دون وجود ي شهود فإنه من الممكن ان يطهر نفسه امام الاله وان مالك القطيع عليه ان يقبل الخسارة منه (المادة 226 حمورابي). يرجع هذا المبدأ الى فترة اور الثالثة حيث كان الرعاة يؤدون القسم في المعبد للاله فين – ماركي بسبب فقدان الاغنام . وقد تم اتباع هذا الأسلوب ايضا عندما تكون هناك شهادات متناقضة ولذلك تطلب المحكمة من المدعي عليه بأن يذهبوا الى المعبد ليؤدوا القسم على رمز الاله مثل سلاح مردوك. وفي بعض الاحيان يصبح الرمز الالهي موضع نزاع وبصورة خاصة عندما ينشب نزاع في قضايا الملكية فان القضاة ربما يقررون بأن العقوبة الالهية مطلوبة على الفور ويتم ارسال رمز الاله من اجل اداء القسم من قبل اطراف انزاع وكما هو معروف يعدّ ايجار السلاح الالهي مصدرا لدخل رجال الدين. ففي الفترة البابلية القديمة رمز شمش يدور في اراضي المعبد . وفي الوقت الذي يكون لقدسية اليمين اثر فعّال في الكثير من القضايا فإن احتمال الحنث باليمين وارد وذلك بوجود عقوبة معينة تتمثل بالمحنة النهرية او الاختبار النهري او ما يعرف بالتحكيم الالهي. ففي عهد حمورابي وباتباع التقليد الذي يعود الى اور الثالثة وقانونها فان المحنة النهرية كانت مخصصة لقضايا تتعلق باتهام خطير لا يمكن اختباره الا بهذه الوسيلة ومنها ومن هذه الاتهامات الخطيرة السحر والشعوذة والزنا والقتل ان استعمال المحنة لفض النزاعات والاتهامات ذات الطبيعة الخطيرة وخاصة مهنة السحرة كانت شائعة في مجتمعات عديدة وبخاصة في اوربا وفي بلاد وادي الرافدين كانت هذه العقوبة واردة وان القرارات القضائية تبين بأن المحنة النهرية كانت تستعمل في فترة اكّد لحسم قضايا مدنية وخاصة الملكية المتنازع عليها او الديون وان النتيجة كانت عقوبة صارمة تقع على مثل هذه المسائل الثانوية. ان اعتماد الشهادة الشفوية قد تؤدي كما هي الحال في الصفقات الى نزاعات يصعب حلها في المحاكم في حيث ان السجل المدوّن يضمن بأن النزاع لا يصل الى المحكمة وانه بالامكان ايجاد حل للمشكلة .

موظفي المحكمة وتنفيذ الحكم

لقد لاحظنا ان بعض الوثائق المختومة تعدّ سجلات نهائية لقرارات المحكمة وان دليلنا لسير المحاكم جاء من وثائق تحت عنوان قضايا قانونية متكاملة. وفي الفترة البابلية القديمة كان هنالك لوح حول التصريح المقدس الذي يعدّ ايضاً مهماً  هو الآخر وبكل بساطة تقدم  لنا سجلاً من قرار المحكمة وتشير ايضاً الى ما يتوجب عمله من اجل ايجاد حل للقضية مثل الخضوع للمحنة او الى قسم آخر . وهنالك حاجة لموظفي المحكمة من اجل مراقبة هذه المراحل النهائية. ففي فترة اور الثالثة فان موظف المحاكم يسمى ماشكيم عبارة عن عضو في جمعية مشكّلة من القضاة انفسهم ويعتبرون مسؤولين عن تنفيذ العقوبات على الرغم من عدم وجود أي ذكر لذلك في مصادرنا . وفي خارج نطاق المحاكم البابلية القديمة فان ذراع القانون هو الشرطي وبكل بساطة كان يسمى الجندي حيث كان يحمل الطفل الوليد الى المحكمة لكن يتم تسجيل ولادته او ان يقوم بزيارة الى بيت لاستعادة ممتلكات . وهناك ايضاً موظف محكمة موجود وهو الحلاّق الذي كان يتم جلبه لكي يقوم بحلاقة العبيد بتسريحة معينة ولكن فيما بعد كان له مهام اخرى مثل تحطيم الالواح التي لم تعد نافذة وذلك بامر ملكي ويعتبر المبلغ تحت تصرف المحكمة على الرغم من ان دوره هو فقط تبليغ المعلومات للجمهور وخاصة المعلومات التي لها تطبيقات قانونية وادارية. وفي حالة فقدان الختم يجب اعلان ذلك  من قبل المبلّغ ولذلك فإن الوثائق التي سوف يتم ختمها بعد تاريخ فقدان الختم سوف لا تكون نافذة وقد ذكر قانون حمورابي الأعلان الذي يقوم به المبلغ عند بيع البيوت وكذلك الصفقات القانونية الأخرى .

الصفقات النافذة قانونياً

تعتبر الوثائق المختومة سابقا استثنائية وذلك بتسجيل النفاذ الرسمي للمؤسسة القضائية لمشاركة المبلغ في البيع ولكن من الواضح بدأت المحاكم تقبل اية انواع من النصوص المدونة باعتبارها دليلاً ويتم ختمها وتصديقها ومراقبتها من قبلهم . وقد تطلب قانون حمورابي انه في بعض الحالات لابد من وجود وثيقة مدوّنة وهذا يعني ان القانون لا يعترف بخلق وثيقة كأساس للصفقة ولكن يقبلها كدليل اي ان الصفقة قد تمت فعلاً وذلك بطريقة نافذة قانونياً. ولم نجد في أي مصدر تعريفاً لما يمكن ان يجعل الصفقة نافذة قانونياً ولكن من خلال التطبيقات القابلة للملاحظة على الوثائق نفسها ومن خلال ملاحظات في تقارير المحكمة يمكن وضع معايير معينة .

وفيما اذا كانت الوثيقة رجعية الاثر أي انها سجلت صفقة متكاملة مثل بيع ارض او بيع عبد فإنها تثبّت التزاماً يقع على احد الطرفين ولابد من وجود دليل يتمثّل بكلمات معينة يتم النطق بها وافعال معينة يتم القيام بها بحضور اشخاص معينين. وهنالك اركان الصفقات القانونية موجودة قبل ان يفكّر أي شخص في تدوينها وهذه موجودة في تقليد من الالفية الثالثة في بلاد وادي الرافدين وفي ظروف خاصة تم طلب كتابة وثيقة فيما يخص الدعوة القانونية .

الصيغة الشفوية

لقد اعترفت كل الانظمة القانونية بصفة الكلمات ويفضّل المحامي ان يطلق عليها تسمية الشهادة الشفوية وهي في الحقيقة القيام ببلاغ شفوي معيّن امام شهود ان الصيغة المعروفة للادلاء الشفوي في مجتمعات الوقت الحاضر هي صيغة الزواج حسب الشريعة الاسلامية ولربما الطلاق والصيغة المعروفة بثلاث مرات وهذا يمكن ان يكون صحيحاً في بلاد وادي الرافدين القديمة حيث ذكر  حمورابي في قوانينه (المادة 128 – والمادة 264 والمادة 122-123) وان المكونات الضرورية لهذا العقد مهمة وقد تم عرض بعض العقود بصورة مقنعة اثبتت انه لا حاجة لوثيقة مكتوبة ولابد من وجود مراسيم معينة تصاحب ذلك وفي بعض الحالات في اور الثالثة يقوم الخطيب بأداء القسم بحياة الملك. وبالنسبة لعقد الزواج الفعلي فإن الصيغة التقليدية للكلمات يمكن استنتاجها من النص الأدبي الأخير وذلك من الصيغة المنفية التي تم اقتباسها في سياق الطلاق (أنك لست زوجتي) وهذا يطبق ايضاً على التبّني حيث يقول (أنت ليس أبي). وعندما نشير الى تشكيل عقد الزواج يقدم لنا قانون اشنونا تفاصيل اكثر من قانون حمورابي حيث لا يذكر فقط العقد الشفوي وانما هناك وجبة طعام رسمية يتم تقديمها لوالدي العروس، ويتم اتباع هذه الطريقة من اجل التأكيد على حقيقة ان بعض الحركات الشكلية تصاحب الصفقات القانونية . حيث اننا لا نزال نتصافح بالأيدي من اجل ابرام مساومة او نضع حلقة في مراسيم الزفاف. ان هذه الافعال لا تعتبر تكوينية من الناحية القانونية ولكن عندما تتم بحضور شهود تصبح نافذة . ففي الألفية الثالثة هنالك نصوص تشير الى نقل ملكية العبد لأن العبد مهيأ لذلك وهذا يعدّ رمزاً للعبودية وهنالك افعال رمزية أخرى تم ذكرها في الوثائق القانونية من ضمنها إيماءات استعارية مثل رمي قطعة في القناة للإشارة الى أن الأرض قد تم شراءها وهنالك أيضا حركات يتم استعمال أعضاء الجسم فيها منها الضرب على الجبهة كعلاقة للرغبة في التصرف كضامن وفي فترات اور الثالثة هنال أيضا بعض الدلالات الرمزية التي لها معاني متعددة. وقد علمنا ذلك أيضا من الوثائق ان كل هذه الاعمال وصلت الينا عن طريق الوثائق القانونية اذ ان هذه الحركات الرمزية صاحبها تطور في التقاليد القانونية الأخرى. ففي القرن الثامن الميلادي كان نقل ملكية الأرض في انكلترا الانكلوساكسونية  يتم بوضع تربة على المذبح إلا أن هذا اختفى فيما بعد ومن دون شك في الفترة التي سادت فيها الأمية كان لهذه المراسم الرمزية أهمية معترف بها وغير قابلة للخطأ وكانت في بعض الاحيان تعتبر بديلا عن غياب السجل المدون وفي كلا السياقين هنالك فترة الى ان مثل هذه الاعمال قد حدثت فعلا.

 

الدكتورة هبة حازم محمد مصطفى النعيمي

كلية الآثار – جامعة الموصل

 

عدنان عويدسؤال طرح نفسه على المهتمين بالشأن الفكري والفلسفي منذ بداية وعي الإنسان لنفسه، وهو: ماهي القوى التي تحرك التاريخ البشري وتشكل سيرورته وصيرورته، وتدفع بعلاقاته في سلبها وإيجابها إلى الواقع الذي نعيشه، حتى يترك أثره في حياتنا الخاصة والعامة؟.

نقول: إذا كان الفكر الطفولي للبشرية قد حصر هذه الحركة بقوى أسطورية تمثلت بهذا الإله أو ذاك من الآلهة البدائية التي اخترعها الإنسان نفسه لضبط علاقاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في المراحل الأولى من حياته، وغالباً ما تعددت هذه الآلهة وتقاسمت الأدوار والمهام في قيادة أو إدارة هذه الحركة أو تلك من حركات المجتمع، حيث وجدنا إلهاً للمطر وآخر للحرب وآخر للجمال والحب.. إلخ. إلا أن هذه الاجابات على هذا السؤال راحت بُختزل شيئاً فشيئاً بإله واحد متعال بالنسبة للخطاب الديني، بينما راحت عند الفلاسفة تأخذ منحاً آخر يتعلق بالإنسان نفسه وطبيعة علاقاته بكل مستوياتها الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

نعم... لقد تعددت الاجابات عند المهتمين بالشأن الفلسفي والديني على هذا السؤال. حتى أخذت هذه الاجابات تأخذ طابعاً سلوكياً عبر التاريخ لعبت السياسة فيه (السلطة) دورا كبيراً ترك آثاره  بالضرورة على جملة حياة المجتمعات منذ أن طُرح هذا السؤال حتى اليوم.

على هذه السؤال: أجاب رجال ومشايخ الدين السلفيين في الديانات السماوية الثلاثة، بأن كل شيء مخلوق لله، وهذا ما قال به     في الخطاب الإسلامي مثلاً الأشاعرة والحنابلة والماتريدية والوهابية، وكل من يقول بالجبر من القوى السلفية.

وهناك مَنْ قال مِنْ  الفلاسفة الإسلاميين : إن الله خلق الكون ولكن لم يتدخل في الجزئيات التي ترك الله الأمر فيها للإنسان، كابن رشد والعديد من رجال التيار المعتزلي. فجزئيات هذا الكون عندهم لها قوانينها (سننها) الموضوعية التي تتحكم في آلية حركة ظواهر هذا الكون، وما على الإنسان إلا السعي لاكتشاف هذه القوانين والتحكم بها وتسخيرها لمصلحته، ثم إن الإنسان نفسه هو المسؤول عن أفعاله في خيرها وشرها، وعلى أساس ذلك يأتي الثواب والعقاب. في الوقت الذي نرى فيه من يقول من هؤلاء الفلاسفة الاسلامين إن الله لا يفعل، أو يأتي الشر من عنده، بل من الإنسان نفسه، أما الخير فمن عند الله، وهو الرحمن الرحيم.

التاريخ في الفلسفة الأوربية:

فهذا هيجل يقول: إن محرك التاريخ هو الفكرة المطلقة. والفكرة المطلقة عنده، هي الصيغة العليا للفكرة بعد أن تجلت مفهوماً، كما هو الحال في ظاهرات الدولة والفن والفلسفة والدين، حيث تحولت هذه المفاهيم عند هيجل إلى فكرة مطلقة، تحوز على قوة قادرة عبر حواملها على تحريك الفراد والمجتمع، وبالتالي التاريخ. وحول الفكرة المطلقة انقسم طلاب هيجل  ومتابعي فكره، فمنهم من اعتبرها (الله) مثل "فرانسوا شاتيليه"، ومنهم من اعتبرها المفهوم في أعلى مراتب تكونه مثل فيورباخ وفورباخ وحتى هيجل نفسه، حيث يصل المفهوم هنا في تجليه بعد سيرورة وصيروة تاريخية طويلة إلى قوة يستطيع الفرد والمجتمع أن يعيد تشكيل الحياة من خلاله.. والمفهوم عند هيجل تجلى في الفن والفلسفة والدين والسياسة وخاصة (الدولة) كما أشرنا أعلاه.

أما فيورباخ: فقد رد عن الفكرة المطلقة قائلا: لا، ليس محرك التاريخ هو الفكرة المطلقة، بل هو الانسان الملموس. أي الإنسان الذي يمارس نشاطه في هذه الحياة بغية تحقيق مصالحه. فالمفهوم عند "فيورباخ" يظل مجرداً، بينما يقوم الإنسان وحده في تشخيص التاريخ، أي إكسائه بحوادث فردية واجتماعية من خلال نشاطه اليومي والبحث عن مصالحه وتامين حاجاته، وإن العلاقات التبادلية بين الناس هي من يولد حركة التاريخ.

أما  "فرويد": فقد اعتبر بدوره أن محرك التاريخ، ليس هي الفكرة المطلقة، ولا الانسان الملموس، بل هو تسامي الطاقة الجنسية. فالجنس عنده (الليبدو) هو من يحرك التاريخ.

والتحليل النفسي عند الفرويدية يعتمد على شرطين رئيسيين: الشرط الأول ، الوراثي ، الذي يشير إلا أن التجارب التي يختبرها الطفل في مرحلة الطفولة لها تأثير هائل على تكوين شخصية في مرحلة البلوغ. أما الشرط الثاني، فجوهره يقوم على تلك الطاقة  الجنسية أو الرغبة الجنسية الأولية التي حاز عليها منذ البداية .

إن الغريزة الجنسية كما يرى فروريد يصبح لها دور كبير في سيرورة وصيرورة الحياة الاجتماعية للفرد والمجتمع معاً أثناء التطور البشري، حيث تمر الغريزة الجنسية (اللبيدو) بعدة مراحل وهي (المرحلة الفمية، والمرحلة الشرجية، والمرحلة القضيبية، المرحلة الكامنة، والمرحلة التناسلية)، وليس هنا مجال لشرح هذه المراحل، لأن الذي يهمنا هنا هو أن التطور البشري يُمثلُ في جوهره تلك العلاقة الوثيقة بين الغرائز، والنشاط الجنسي عبر مراحل تطوره، وحركة التاريخ.

إن  الاجابة على السؤال في التحليل النفسي بشكل عام تقوم على عزل الفرد عن محيطه الاجتماعي وإعطاء الدور والقدرة لتخيلاته وشعوره الباطني وغرائزه على تقديم كل ما يساهم في تحريك الطاقة النفسية عنده، كي تقوم هذه الطاقة بخلق أعمالها أو نشاطها كما تتصوره، وهنا تقوم حركة التاريخ.

أما سارتر فمحرك التاريخ عنده: لا هذا، ولا ذاك، بل هو المعنى الوجودي المادي. فالوجود المادي للإنسان الذي فقد لحمته الاجتماعية وكل ما يحقق له الأمان، ساهم في دفع هذا الإنسان إلى البحث عن نفسه داخل عالمه الخاص به بالطريقة التي يجدها مناسبة له. أن الوجود عند سارتر يسبق الجوهر، وهو ما يعني أن الاعتبار الأكثر أهمية للأفراد هو كونهم أفرادا (كائنات حية مستقلة ومسؤولة وواعية) بدلا من أي وصم أو دور أو قالب نمطي (نمذجة) أو تعريف أو أي تصنيف مسبق يمكن وضعهم فيه والقول بأنه جوهر هذا الإنسان . إن الحياة الفعلية المباشرة والبعيدة عن التكلف للأفراد هي ما يكوّن وما يُطلق عليه "جوهرهم الحقيقي" بدلا من كونه جوهرا اعتباطيا يستخدمه الآخرون لتعريف بعض الأفراد. وبالتالي فإن البشر، من خلال وعيهم بوجودهم المباشر الطبيعي البعيد عن التكلف والنمذجة، يخلقون قيمتهم الخاصة ويحددون معنى لحياتهم.

أما ميشيل فوكو فيقول: إن كل ذلك الذي قال به الفلاسفة مجرد أوهام.. فمحرك التاريخ الحقيقي هو السلطة.

يقول فوكو: حيثما وجدت السلطة توجد المقاومة، فالسلطة ليس لها الهيمنة المطلقة والثابتة، بل إنَّ المقاومة وبأشكالها المختلفة تخترق السلطة، فهي لا تمارس دورها من باب القانون، أو ما يُسمَّى بحقّ المقاومة، بل إنَّ السلطة والمقاومة تتجابهان بتكتيكات متغيّرة متحرّكة ومتعدّدة، في إطار حقل علاقات القوَّة، أي ليست في إطار القانون والسيادة، ولكن في إطار الصراع والاستراتيجيَّة التي يتوجّب تحليلها. والسلطة هنا لا يعني بها الدولة فحسب، بل كل ظاهرة لها دورها وتاثيرها على الفرد والمجتمع. فهناك السلطة الثقافية بكل انساقها، وهناك الأخلاقية والاقتصادية.. الخ.

هذا وقد ارتكزت رؤية ميشيل فوكو الأبستمولوجيا على النظرية البنيوية التي تأتي في سياقها العام : منهج بحث مستخدم في عدة تخصصات علمية تقوم على دراسة العلاقات المتبادلة بين العناصر الأساسية المكونة لبنى يمكن أن تكون عقلية مجردة، لغوية، اجتماعية، ثقافية. ... من خلال هذه الشبكات البنيوية يتم إنتاج ما يسمى "المعنى" meaning عبر شخص معين أو نظام معين أو ثقافة معينة.

أو عند ليفي شتراوس: فإن  للأثنلوجيا أو الأنثروبولجيا، وهي أيضاً رؤية تصب في البنيوية، ولكنها تركز على حياة المجتمعات القديمة وحتى المعاصرة من خلال دراسة التطور التاريخي لهذه المجتمع أو ذاك، والبحث عن العوامل التي تساعد على تطور تاريخ  المجتمعات من داخلها ذاتها. فللجماعات أو الشعوب أو المجتمعات حياتها الخاصة بها، وهذه الحياة بما تتضمنه من عادات وتقاليد ولغات ومهارات وما يقوم بين أفراد هذه المكونات المجتمعية من علاقات مادية وثقافية / روحية، هي من يقوم بتحريك التاريخ المجتمعي وإعطاء هذا المكون الاجتماعي او ذاك ملامحه المتميزة عن غيره.

أما عند ماركس: فالإجابة عن سؤال من الذي يحرك التاريخ البشري، فتأتي ممثلة بالعلاقة التناقضية الجوهرية على صعيد الانتاج المادي. أي  علاقات الانتاج بمعناها العام مع الطبيعة في مرحلة أولى، ومع البشر والطبيعة في مرحلة لاحقة. وعلى أساس علاقات الانتاج وملكية وسائل الانتاج، قامت التناقضات والصراعات الطبقية داخل بنية المجتمع بين المالك والمنتج. هذا الصرع الطبقي وتناقضاته، هو محرك التاريخ البشري، أو العنصر الموضوعي في حركة التاريخ.

هكذا ظل إذن كل فيلسوف يدلو بدلوه، ولائحة الفلاسفة الذين رشحوا أنفسهم للإجابة عن هذا السؤال المحير، لائحة كبيرة.

وقد تأتي الاجابة عند السياسيين أيضاً مختلفة، فهي عند هذا تكمن في الشورى، وعند ذاك في الديمقراطية، وعند الآخر في الوراثة، وقد نجدها في الأنظمة الاستبدادية قائمة في شخصية هذا الحاكم أو ذاك الذي يجد في نفسه القدرة على اختزال حركة الدولة وتاريخها في شخصه، كما هو الحال عند "لويس الرابع عشر" الذي وجد بأنه هو الدولة والدولة هو.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الخامس عن وهبة طلعت أبو العلا ودوره في صياغة نظرية الوجود المقلوب، حيث نتحدث عن الدور الأمريكي وفكرة ضرب اليابان وفي هذا يقول وهبة طلعت: كانت أمريكا تعلم تمام العلم أنه يستحيل عليها الانفراد بحكم العالم معتمدة في ذلك علي الأسلحة التقليدية وحدها؛ فالتجربة البشرية علي مر العصور قد علمتها أن التسليح التقليدي وحده يمكن أن يكون فعالا علي نطاق محدود فقط، ويستحيل أن يكون كذلك علي النطاق الشامل . كما أن تجربة الحربين بالذات قد كشفت لها صدق هذه الحقيقة. ومن ثم أضحت علي وعي تام بأن حكم العالم لن يكون ممكنا إلا إذا توافر إلي جانب الأسلحة التقليدية سلاح آخر تبلغ فعاليته حد الشمول الذي يعم الكل أو الجميع في لمح البصر. ولهذا سارت أمريكا في هذا الاتجاه منذ البداية إلي أن توصلت في نهاية المطاف إلي اختراع هذا السلاح الذي سمي باسم السلاح النووي أو القنابل الذرية أو وسائل التدمير الشامل .

ولكن اختراع هذا السلاح هو شئ، واستخدامه هو شئ أخر تماما؛ فقرب نهاية الحرب العالمية كانت أمريكا تمتلك بالفعل هذا السلاح كما يري وهبة طلعت، غير أنها كانت تفكر في طريقة لاستخدامه استخداما عمليا حتي يقتنع البشر أنها تمتلكه بالفعل، وأنها لن تتواني عن استخدامه مرات ومرات إذا كانت هناك ضرورة تحتم ذلك . وقد كانت أمريكا تدرك تماما أنها لن تستطيع أن تكتفي بمجرد التلويح باستمرار وإلي الأبد بأنها تمتلك هذا السلاح، وذلك لأنها تعلم تمام العلم أن أحدا من البشر لن يصدقها، وحتي إذا صدقتها سائر الدول، فسوف يشكون في قدرتها علي استعماله بالفعل منتهكة بذلك سائر الشرائع والقوانين الوضعية والإلهية، والأمر الذي يعني في هذه الحالة أن امتلاكها لهذا السلاح يساوي في حقيقة الأمر عدم امتلاكها له بمعني أنه لن يكون سلاحا رادعا بأي حال من الأحوال . لهذا استقر عزم أمريكا علي ضرورة بل وعلي حتمية استخدامه حتي نثبت للعالم أجمع أنها تمتلكه بالفعل من ناحية، وحتي تثبت لهم، من الناحية الأخري، أنها لا تتورع عن استخدامه في أي مكان إذا لزم الأمر وما دام في ذلك مصلحة أمريكا .

غير أن المشكلة الحقيقة التي كانت تواجه أمريكا لم تكن تكمن في استخدام هذا السلاح، بقدر ما كانت تكمن في أين، وفي أي مكان في العالم يجب استخدامه؟ لقد كان من المحال عليها في ذلك الوقت بالذات استخدام هذا السلاح علي أرض أوروبية .

فالأوروبيين هم أصلا أجداد الأمريكيين الذين تربطهم بهم روابط وطيدة تقف علي رأسها رابطة الدم أو العرق الأمر الذي يجعل إجراء مثل هذا العمل علي الأرض الأوروبية شيئا مستهجنا – وإن لم يكن مستحيلا لأن أمريكا علي استعداد لعمل أي شئ يحقق لها مصالحها – حتي بالنسبة لرجل الشارع في كل من أمريكا وأوروبا كما يري وهبة طلعت.

هذا بالإضافة إلي أن إجراء مثل هذا العمل علي أرض أوروبية سوف يجعل أمريكا تخسر كل أوروبا في ذلك الوقت، وستبدو في نظر العالم كما يري وهبة طلعت علي أنها دولة قامعة مكبلة للعالم لا دولة محررة له، وهذا شئ لم تكن أمريكا ترتضيه لنفسها في ذلك الحين لأنها لم تكن تمتلك بعد كافة الوسائل التي تمكنها من إحكام قبضتها علي العالم دون مساعدة أحد، ولهذا كان من المحتم عليها مهادنة الأوروبيين حتي تستخدمهم كأداة تستعين بها في إحكام قبضتها علي العالم إلي حين امتلاكها لكافة الوسائل التي تمكنها من الانفراد بحكم العالم دون مساعدة من أحد .

من هذا المنظور يقرر وهبة طلعت أنه علي الرغم من أن أمريكا كانت تملك كافة الوسائل لتدمير العالم في ذلك الوقت، إلا أنها لم تكن تمتلك بغد كافة الوسائل التي تمكنها من التحكم فيه معتمدة في ذلك علي نفسها – فهي مثلا لم تكن تمتلك بعد كافة الوسائل التي تمكنها من الانتشار السريع في كل مكان – ولهذا فضلت كسب ولاء الأوروبيين وبالتالي العالم أجمع حتي تضمن تقبل العالم لها باعتبارها دولة تريد نشر العدل والحرية والمساواة بين بني البشر، بدلا من النظر إليها علي أنها دولة دكتاتورية تريد قهر العالم أجمع واجهاضه لإرادتها الأمر الذي كان سيجعل مهمتها في حكم العالم مهمة صعبة في ذلك الوقت، حتي وإن كانت غير مستحيلة . لهذا فضلت كسب ولاء الأوروبيين .. ولكن إلي حين .

واستقر عزم الأمريكان علي اليابان باعتبارها الدولة غير الأوربية الوحيدة التي كانت تتمتع بشئ من التأثير الفعال في الحرب كما يري وهبة طلعت ؛ هذا هو السبب الذي جعل أمريكا تعمل عزل اليابان منذ دخولها الحرب وتؤخر أو تؤجل التعامل معها حتي أو لحظة وذلك حتي تنفرد بها انفراد بأحد أفراد القطيع – وبعد أن يكون الأوروبيون قد دمروا بعضهم البعض تماما- وحتي تجد أيضا سببا علنيا مزعوما تضحك به علي العالم وتجعله يتوهم أنها أقدمت علي ضربها لليابان اضطرارا علي طريقة مكره أخاك لا بطل .

وعندما وصلت الحرب إلي النقطة التي أيقنت عندما أمريكا أن أوربا قد انتهي أمرها، تحولت إلي اليابان ؛ واليابان كانت لا تزال تنبض بالطبع بشئ من القوة المزعومة بسبب عزل أمريكا لها لبعض الوقت عن دائرة الصراع كما يري وهبة طلعت. فعزلها لم يحدث بمحض الصدفة بل كان مدبرا من جانب أمريكا حتي توهم العالم بأن اليابان لازالت قوة خطيرة مدمرة يستحيل القضاء عليها بالأسلحة التقليدية ؛ وهكذا خلقت أمريكا الفرصة وأوهمت العالم أجمع أنها لا تستطيع الاستمرار في محاربة اليابان بالأسلحة التقليدية لأ، هذه الحرب سيطول مداها، ومن الأفضل للبشر وللبشرية الإسراع في إنهائها في أقصر وقت ممكن عن طريق عمل عسكري من نوع خاص لم تشهد البشرية مثله من قبل .

وقد كان وضربت اليابان بالقنابل الذرية تحت مسمع ومرآي العالم أجمع كما يري وهبة طلعت ؛ وفرح العالم بإنتهاء الحرب، وصفقوا لأمريكا لكونها أسرعت في إنهاء الحرب التي طال مداها وحاقت بالجميع – عدا أمريكا بالطبع – غير دارين أن ضرب أمريكا لليابان بالقنابل الذرية كان في حقيقة الأمر الخفية أو المقلوبة الشرك الذي وقع فيه العالم أجمع ولن يستطيع الفكاك منه إلي الأبد .

ولهذا يقول وهبة طلعت : لتعلم عزيزي الإنسان أن الاعتقاد الشائع الذي مؤاده أن ضرب أمريكا لليابان بالقنابل الذرية كان من أجل الإسراع في إنهاء الحرب هو اعتقاد زائف ؛ فالتاريخ يشهد أن اليابان كانت علي وشك الانهيار، إن لم تكن قد انهارت بالفعل، مثلما في ذلك مثل سائر أطراف الصراع، في الوقت الذي انفردت بها أمريكا . وحتي البقية الباقية من القوات اليابانية سرعان ما دمرتها أمريكا تماما معتمدة في ذلك علي قوتها التقليدية وحدها .

لقد ضربت طيرانها، وحطمت أسطولها، وقضت علي قوتها البرية من دبابات ومدفعية وغيرها، وأصبحت اليابان مفتوحة تماما وبلا أي غطاء جوي يحمي سماءها، وبلا قوات برية يمكنها أن تدافع عن برها كما يري وهبة طلعت، ولقد كان من السهل تماما علي أمريكا محو اليابان نفسها من علي خريطة العالم بواسطة الطيران التقليدي وحده الذي كان بإمكانه إنجاز هذه المهمة في أسرع وقت بأقل – إن لم يكن بدون – خسائر ممكنة . ولكن أمريكا لم تسلك هذا السبيل، لأن النية كانت مبيته والعزم كان موطدا علي استعمال القنبلة الذرية .

ولكن لماذا القنبلة الذرية بالذات؟، يقول وهبة طلعت : هكذا يجب أن نتساءل علي استحياء . إن الإجابة علي هذا السؤال هي أن أمريكا كانت تريد أن تقدم للبشرية برهانا عمليا علي امتلاكها لوسائل التدمير الشامل بدلا من مجرد الاكتفاء بالتلويح والتهديد به . هذا بالإضافة إلي أن ارادت أن توضح للعالم وبصورة عملية مدي حجم الخسائر التي تنجم عن استعمال هذ السلاح الفتاك . وعلاوة علي ذلك يمكن القول إن أمريكا أرادت أن تثبت للعالم أنها لا تتورع عن استخدام هذا السلاح في أي وقت تشاء وضد أي دولة كائنة ما كانت دون مبالاة حتي بأبسط القواعد والقوانين والشرائع المتعارف عليها ما دام في ذلك مصلحة أمريكا . وأهم من كل هذا وذاك أن أمريكا أرادت ردع العالم من خلال ضرب اليابان، وذلك علي نظام أضرب المربوط يخاف السايب، حتي تجبر العالم علي الامتثال لها والرضوخ لكل شروطها ومطالبها .

في ضوء كل ما سبق يمكن القول إن الحربين العالميتين هما حربان أوروبيتان أساسا – حتي وإن شارك فيهما العالم أجمع – كان الهدف منهما تقديم إجابة حاسمة علي السؤال: من يحكم العالم؟ وسائر هذه الدول لم تنجح في تقديم الإجابة لأن توازن ميزان القوي بين سائر الأطراف قد حال دون ذلك وأفضي في نهاية المطاف إلي تدمير سائر الأطراف لبعضها البعض كما يري وهبة طلعت .

وحكم العالم حسم في نهاية المطاف لصالح الولايات المتحدة الأمريكية التي نجحت في مهادنة الكل – يدخل في ذلك الهتلريون أنفسهم – مثلما نجحت في جعل الكل يحارب الكل، الامر الذي أدي إلي جعل الكل يدمر الكل لصالح أمريكا وحدها . لهذا يقول وهبة طلعت: أكرر من جديد إنني لا استبعد علي الإطلاق أن تكون أمريكا قد اتفقت مع هتلر – في الخفاء علي الأقل – علي أن ينفذ لها أهداف الخفية – أو قد تكون دفعته إلي هتلر دفعا سواء عن طواعية وطيب خاطر أو عن طريق التغرير به – أعني تدمير قوات الحلفاء، مثلما اتفقت في العلن مع قوات الحلفاء علي مساعدتها في تدمير قوات هتلر. وإذا كان الحلفاء قد رحبوا بانضمامهم لأمريكا في العلن، فليس من المستبعد أن يكون هتلر قد فعل نفس الشئ مع امريكا في الحلفاء – سواء بإرادته أو حتي رغما عنه – خاصة بعد أن ضاف الخناق عليه وأصبح أشبه بالفريسة السهلة في أيدي الحلفاء . لقد انقذته أمريكا من براثن الحلفاء لقاء رضوخه – بإرادته أو مرغما، عن وعي أو عن غير وعي – لمطالبها . هذا يفسر السر في عدم تمكن العالم حتي الآن من الوقوف علي حقيقة مصيره .

قد تكون هناك تكهنات حول هذا المصير، ولكن ليست هناك حقائق يقينية علي الإطلاق. والأمر كله لا يخرج في اعتقاد وهبة طلعت عن أيدي الامريكان الذين أصبحوا حراسا للعالم – أو حكاما له – في أعقاب الحرب العالمية الثانية . لقد أوهموا العالم أنهم جاءوا لإحلال العدل والسلام والحرية والمساواة بين سائر البشر، في حين أن حقيقة الامر الخفية أو المقلوبة هي أنهم جاءوا لحكم العالم – لحكم الحلفاء وحكم الهتلرين معا وفي نفس الوقت .....وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

عماد عبدالرزاقتمثل الفلسفة المحور الحقيقي لتقدم الأمم والشعوب، وتعتبر الأساس الذي تنهض عليه الحضارات. لذا يقول الفيلسوف الفرنسي ديكارت في كتابه (مبادئ الفلسفة) أن حضارة الأمة وثقافتها تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها. ونشير في هذا السياق إلى أن من أهم قضايا الإصلاح الفلسفي في الوطن العربي، هي قضية تدريس الفلسفة في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا، والتي تمثل إشكالية حقيقية في واقعنا العربي المعاصر. ومن الملفت للنظر والمثير للدهشة والعجب أن نرى تراجع لتدريس الفلسفة في مدارسنا وجامعاتنا في الدول العربية، ومن مظاهر هذا التراجع تلك الحملة الشعواء والهجوم الشرس على الفلسفة وتدريسها، ومحاربتها على مختلف الأصعدة، والسبب الرئيس في ذلك كما نرى هو ذلك الانطباع الذي رسخ في الأذهان على مر العصور أن الفلسفة ليس لها أهمية، كما أن دراستها عديمة الجدوى والنفع، كما أنها ضد الدين ومتناقضة معه، وفي هذا المسار يوجد تيار ممنهج لمحاربة الفلسفة، والاهتمام بالعلوم الدينية على حساب الفلسفة، في الوقت ذاته يتم تحريم الفلسفة والحد من حضورها في بعض الجامعات العربية عموما، والخليجية خصوصا. ومن هنا تعتبر قضية تدريس الفلسفة في الوطن العربي من القضايا المحورية والمهمة المطروحة على الساحة، والتي ترتكز على سؤال جوهري هل نحن بحاجة إلى تدريس الفلسفة أو دراستها في مناهجنا التعليمية؟ ومن الأهمية بمكان أن نضع في الاعتبار أن هذه القضية يكتنفها عدة إشكاليات يفرضها الواقع العربي المتأزم، كما أنه يوجد عقبات وعوائق تسيطر على تدريس الفلسفة وتقف كسد منيع يعوق انتشارها وحضورها في واقعنا العربي المعاصر. ولعل من أهم هذه العقبات والعوائق سيطرة العقل السلفي بما يمثله من جمود يعوق التفكير العقلي الحر، والوقوف الحرفي عند النص، ومصادرة الاجتهاد العقلي الذي يعتبره من المحرمات أو التابوهات، وهذه هي الطامة الكبرى التي أدت إلى تأخر الوطن العربي بوجه عام، والفلسفة بوجه خاص. أيضا من العقبات التي تعوق انتشار الفلسفة وانطلاقها إلى آفاق رحبة هي عملية النقل والتي ترفض كل تفلسف، وكل استخدام للعقل والتفكير، أيضا طغيان العلوم التطبيقية والتقنية على العلوم الإنسانية. ورغم هذه العقبات والعوائق التي تقف سدا منيعا من حضور الفلسفة وانتشارها، إلا أننا يجب أن نلفت الانتباه هنا إلى حقيقة مهمة وهي الوعي بأهمية ودور الفلسفة في المجتمعات الإنسانية بوجه عام والعربية بوجه خاص، إذا رجعنا إلى أبن رشد مثلًا الذي يمثل رائدًا من رواد التنوير العربي، والذي دعا في كل مؤلفاته إلى نهضة عقلية وتحرر عقلي عن طريق إعطاء الفلسفة مكانة كبيرة، عندما رأى أن الحكمة (الفلسفة) هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة وهما المصطحبتان بالطبع، المتحابتان بالجوهر والغريزة. ويجب أن نوضح ونضع في الحسبان أن معركة تحرير عقول الأجيال العربية، لا تنفصم ولا تنفصل عن واقع إصلاح التعليم الديني في الوطن العربي، بمعنى أن هناك ارتباط وثيق وعلاقة لا تنفصم عراها بين واقع إصلاح التعليم في الوطن العربي، ودراسة الفلسفة . بناء على ذلك نرى أن تدريس الفلسفة والاهتمام بها والعمل على انتشارها، يمثل ضرورة ملحة وحاجة ماسة لا يمكن إغفالها أو غض الطرف عنها، لأن تدريس الفلسفة يؤدي وظيفة محورية وهي تشكيل وتكوين العقل النقدي الذي لا يقف عند حدود الأشياء، بل يبحث عن حلول مبتكرة للقضايا الشائكة، إن مهمة تكوين هذا العقل ترجع بالدرجة الأولى إلى الفلسفة، لما تطرحه من عمق في التفكير، وفتح آفاقًا رحبة من الإبداع ، كما تدعو الفلسفة إلى الحوار المثمر وفتح آفاقًا واسعة من التعددية والاختلاف الذي يثري الحوار الهادف. ومن هذا المقام ندعو إلى تدريس الفلسفة حتى في مدارسنا الابتدائية، لمحاولة غرس التفكير النقدي في عقول النشء. ولما لا والفيلسوف يمثل ضمير عصره، ومرآته العاكسة لكل ظروفها وأحوالها، وعلى عاتقه تقع مهمة التنوير، وتطوير المجتمعات، لأن الفلسفة هي عصرها معبرًا عنه بالأفكار كما قال هيجل. ولعل من أهم عوامل الأمل في تفعيل النشاط الفلسفي في الوطن العربي هو الديمقراطية، التي تشكل عاملًا محوريًا وأساسيًا في تفعيل الفلسفة على مستوى التعليم. لذا يوجد علاقة وثيقة بين الديمقراطية والفلسفة، وليس هناك أوضح على تلك العلاقة من قول المفكر اللبناني نصيف نصار عندما قال أنه يمكن التفكير في العلاقات بين الفلسفة والديمقراطية انطلاقًا من قضيتين مركزيتين هما أن الديمقراطية تحتاج إلى الفلسفة، والفلسفة تحتاج إلى الديمقراطية. من كل ما سبق سواء كان هناك عقبات أو عوامل تدعو للأمل، فإننا بحاجة لإنعاش وتفعيل الفلسفة في جميع مراحلنا التعليمية في الوطن العربي، من أجل خلق جيل واعي متحضر يملك أدوات من التفكير المبدع الذي سوف يعود على مجتمعاتنا العربية بالتطور وأن يلحق بالركب الحضاري، وأن يكون قادرًا على حل المشكلات التي تواجه، لأننا عن طريق الفلسفة وتدريسها والعمل على انتشارها نستطيع التخلص من التقليد والإتباع، ونكون أكثر قدرة على التفكير الإبداعي الحر ومن هذا المنبر أدعو إلى دراسة الفلسفة والاهتمام بها والعمل على انتشارها، وتفعيل وجودها في مناهجنا التعليمية المختلفة من أجل غدًا مشرق، ومستقبل أفضل لوطننا العربي. وفي النهاية يجب أن نشير إلى أن أزمة الفلسفة في العالم العربي هي أزمة الإنسان العربي، فالمجتمعات العربية يجب أن تتخلص من فكرة ضدية الفلسفة أو الضد العقلي، بمعنى الفلسفة الضدية التكفيرية على حد قول عالم الاجتماع خليل أحمد أن أزمة الفلسفة في العالم العربي تمثل محنة العقل العربي التكراري والتراثي، الذي يخاف من الانفتاح والتفكير. لذا يجب أن تدرس الفلسفة بجميع أشكالها ، ومن حق الأفراد في كل مكان أن يدرسوا بحرية الفلسفة، وأن يتولى تدريسها متخصصون متدربون ، كما ينبغي إلا تخضع الفلسفة لاعتبارات اقتصادية أو سياسية أو أيديولوجية ، كما ينبغي ربط الفلسفة بالواقع المهني والأكاديمي. ولو تم ذلك سوف يكون هناك جيلاً واعدًا قادرًا علي التفكير النقدي الإبداعي، ونتخلص من الإتباع والتقليد.  

 

الدكتور عماد عبد الرازق- أستاذ ورئيس قسم الفلسفة-آداب بني سويف

 

ابراهيم أبراشبالرغم من تصنيف البعض لـ (الجماعات الإسلامية) إلى معتدلة ومتطرفة إلا أنه في واقع الأمر فإن كل مجموعة وبمجرد أن تصنف نفسها كجماعة إسلامية فإنها تفصل نفسها عن غالبية المجتمع المسلم وتمنح نفسها صلاحية أو حق احتكار الإسلام وتُنصِب نفسها حاكماً وحكماً، بينما مفهوم الجماعة الإسلامية بالفقه وبالمفهوم الإسلامي الصحيح هي كل أمة المسلمين، وحيث إن هذه (الجماعة الإسلامية) عزلت نفسها عن الشعب وعن الإسلام الشعبي الفطري البسيط والذي حافظ على وجود واستمرار الدين الإسلامي لأكثر من ألف وأربعمائة عام فإنها تصبح جماعة إسلاموية أقلية، تبدأ نشاطها بالدعوة الحسنة وخطاب الاعتدال ومظاهر تديُّن شكلاني مُبالغ فيها، ولكنها سرعان ما تلجأ إلى العنف أو ما تسميه الجهاد، وبداية الجهاد تبدأ مع العدو القريب، أي الحكام الكفرة وأحياناً المجتمع الكافر أو الجماعات (الإسلامية) الأخرى الضالة والمنحرفة من وجهة نظرها، وبما أنها تُنَصِب نفسها وصية على الإسلام وتفسيره فلن تعوزها القدرة على تفسير وتأويل الآيات والأحاديث النبوية أو أحاديث ونهج (سلف صالح) بما يبرر نهجها وسلوكها .

إن تصنيف الاعتدال والتطرف بالنسبة لجماعات الإسلام السياسي لا يصمد أمام شواهد تاريخية ومعاصرة لجماعات كانت تدعي أنها معتدلة وضد العنف ثم انقلبت إلى جماعات عنف وتطرف وإرهاب ليس من وجهة نظر الغرب بل كما يحكم عليها ويراها المجتمع نفسه الذي تتواجد فيه هذه الجماعات، ولا يغرنا اعتراف بعض الجماعات التي تصنف نفسها بالمعتدلة بقوانين البلد وأنظمتها أو مشاركتها بالانتخابات، فهذه تدخل في سياق (التقية) بمفهومهم وفهمهم للإسلام، أو التكتيك بالمفهوم السياسي الوضعي، كما أن الخطورة في هذه الجماعات حتى وإن زعمت أنها معتدلة فإنها تخلق بيئة لنشر الفكر الديني المتطرف وجماعات تمارس الإرهاب وتمارس التخلف والجهل والشعوذة باسم الإسلام، ثم ينقلب المتطرفون منهم على المعتدلين فتندلع حرب أهلية دينية تدمر البلد وتسيء للإسلام .

إن ما يسمى (المشروع الإسلامي) لا أساس له من الدين القويم، لأن الإسلام ليس مشروع تضعه هذه الجماعة أو تلك حسب مصالحها ورؤيتها الخاصة وتفسيراتها المنحرفة، بل واقع معاش لأكثر من مليار ونصف المليار ولا خلاف عليه في جانبه الإيماني والعقائدي عند جميع المسلمين .ومصطلح (المشروع الإسلامي) ظهر حديثاً ويمكن إرجاع بداية تداوله لجماعة الإخوان المسلمين وتعزز بعد الثورة الإيرانية الخمينية، وهو مجرد مشروع سياسي للسلطة والحكم يوظف الإسلام لهذا الغرض، ولو أردنا أن نفكك المصطلح فسنجده مجرد وهْم وأدلجة للدين لخدمة السياسة .

فمن فوض هذه الجماعات أن تنطق باسم الأمة بل وباسم الله ومن قال أنهم يفهمون ويعقلون ما لا يفهمه ويعقله الآخرون ؟ومن فوض رجال الدين والمُفتون بأن يفتون بل ويحاكموا الناس بما يخالف قوانين الدولة ؟ولماذا على المسلم أن يُطيع أوامر زعيم حزب إسلامي غير شرعي أو (أمير الجماعة) ولا يُطيع الحاكم الذي انتخبه أو اختاره الشعب ؟ ومن قال إن الإسلام مجرد مشروع وليس أمر واقع متواصل ويتزايد أنصاره وغير منقطع منذ ألف وأربعمائة عام ؟ ولو ذهبنا مع مزاعم القائلين بالحاجة لمشروع إسلامي فمن من بين آلاف الجماعات الإسلاموية المتصارعة والمتطاحنة مع بعضها البعض ستضع أسس هذا المشروع وتقوده ؟هل هي جماعة الإخوان المسلمين أم القاعدة أم داعش أم النصرة أم حزب التحرير أم الأزهر الشريف أم رابطة علماء المسلمين الخ، وهل سيكون لكل دولة إسلامية مشروعها الإسلامي أم ستخضع كلها لمشروع إسلامي واحد، من تركيا وإيران إلى ألبانيا والبوسنة وماليزيا والسعودية وقطر ومصر الخ ؟.

بالعقل والمنطق وبالفهم الصحيح للإسلام وأهدافه وقيمه النبيلة، ولأنه دين لكل زمان ومكان فإن من ينتخبه الشعب ويحكم بالقانون هو (أمير الجماعة) أو (خليفتها) لأنه كما قال الرسول الكريم :(لا تجتمع أمتي على ضلال)، أو كما قال أحد فقهاء المذهب الحنبلي في النصف الأول من القرن الثامن الهجري وهو أبن القيم : "فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله" . فكيف يزعم حاكم أو جماعة أنها تحكم بشرع الله فيما هي تحكم بالبطش والإرهاب، والعدل مُفتَقد، والفساد يعم، وغالبية الأمة تعارضهم وتعارض نهجهم؟ .

لسنا في وارد مراجعة لتاريخ الإسلاموية السياسية المعاصرة بشكل عام، حيث أفعالهم دالة عليهم، بداية من دورها التخريبي للمشروع التحرري القومي العربي منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي إلى دورهم في الفوضى التي صنعتها واشنطن تحت مسمى (الربيع العربي)، ودورها التخريبي للمشروع الوطني الفلسطيني، حيث كتب كثير من المختصين حول الموضوع، إلا أن ما يدفعنا لمعالجة الموضوع، بالإضافة إلى اهتماماتنا الفكرية، أن هذه الجماعات وفكرها وصلت لفلسطين وتعيث خراباً بفلسطين وأهلها وأخرجت القضية الفلسطينية من سياقها كقضية تحرر وطني ضد الاحتلال لتدخلها في متاهات الصراع الديني مع اليهود، وصراع الجماعات الإسلامية ضد بعضها البعض .

 

إبراهيم أبراش