مجدي ابراهيمتحت كلمة "ثقافة" تتعدَّد الوجهات المعرفية، بمقدار ما تتعدد تحت هذه الكلمة الفضفاضة عقائد المثقفين، حتى لكأنك لم تعد تدري: إلى أي معنى تصيبه كلمة "الثقافة" حين تطلق على علاتها كلمة فضفاضة واسعة بغير قيود ولا حدود على بعض خلق الله. إنه لكثير جداً ما تروح فتجد بعضاً من أولئك المثقفين، أدعياء "العقل"، والمنطق، والتحليل، تغالبهم نفوسهم فيما يعتقدون ويرتأون ثم يزعمون؛ تغالبهم نفوسهم؛ إذْ تنتصر عليهم في اعتقاداتهم وفي تصوراتهم، وتغالبهم في مسالكهم وأحوالهم تماماً كما تغالبهم نفوسهم في قناعاتهم، فيكون مبعث هذه الغلبة غربة روحيّة ونفسية عنيفة، ونتيجتها (أي هذه الغلبة) دعوى عريضة لا يقوم عليها دليل!

وكل صاحب دعوى "غلبان"! تغالبه نفسه بدعواه، وتقهره تحت إلحاح الدعوى حتى ليمضي بها إلى درجة لم يكد يعرف فيها: ماذا عَسَاه يريد؟ وماذا عَسَاه يأخذ؟ وماذا عَسَاه يدع؟ إن دعواه العريضة لتحجُبه عن معرفة نفسه في مطالبها وحاجاتها بل في حقوقها وواجباتها؛ فلم يعد يدرك شيئاً من أوهامها، لكأنما الوهمُ كثيراً ما يأخذه بعيداً عن مداركه الواعية فيتصوَّر على الغفلة أن ما يعيه لهو الواقع المحقق فعلاً في كافة الحالات، غير أن الواقع الذي يعيشه، ناهيك عن واقع نفسه هو، بخلاف ما يدَّعيه.

ثمَّ إنه ليعترف بدعواه، وقد لا يبرئ نفسه مطلقاً من تهمة الدعوى، بل يماريها فيما ترى من مغبِّة الوقوع فيها صباح مساء. ربما كان صاحب الدعوى من المحقق، قصداً وفعلاً، يروم التغيير فيفر من واقعه إلى خيال يرتجي فيه محاولة التغيير، ولكن هذا الخيال لا يوجد إلا في نفسه، ولا يتصور إلا في أحلامه. بيد أنها أحلامُ منمقة وأوهامُ منظمة كأنها تمسُّ الواقع بصلة قريبة، يظل صاحبنا يكدح وراءها، إنشاءً وتعبيراً وطرحاً مقصوداً إلى أن يستفيق على الواقع الذي هو أشدُّ من الحجارة قسوة وصلابة.

ومن ها هنا؛ تأتي "المُغالبة": نشدانُ التغيير من جهة، وقلة الاستجابة الواقعية من جهة ثانية، وحياة النفس على التوتُّر والرَّبْكة الجوانيِّة فيما عساه يقع بين الجهتين، ثم مقاومة كل ما يحيطه في حياته لكل ما يريده هو، بما فيه نفسه التي بين جنبيه.

ولو أن هذا المثقف كان وجه نظره إلى خاصة نفسه قبل كل شيء لهان الخطب وخف البلاء، ولهوَّن - من ثمَّ - من قدر مغالبته؛ لأن تركيزه على أخطاء نفسه سيضيق عليه مقدار "المغالبة" التي يُعاني، وحجم المصارعة التي يتصارعُ فيها الباطن مع الظاهر، والخفيِّ المستتر مع المكشوف البادي، ولكن "المثقف" صاحب الرأي يستمد رأيه في الغالب من خياله المريض ونفسه الملوثة ومزاعمه الدَّعيَّة ثم يطرحه على الناس طرحاً مبالغاً فيه ليأخذوا به أخذاً حرفياً، كما لو كان قراراً يسنَّه حاكم مستبد على رعية أجراء.

المثقف، صاحب الرأي؛ لا يرى إلا نفسه فلا يقبل في باطنه نقداً لرأيه، ولا تفنيداً لدعواه لكأنما يستوحي مثل هذا الرأي استيحاءً من مناهل السماء. وحين يعزف عنه الناس يشعر بألم ما قبله وما بعده من ألم: يشعر بالغربة والتوهان، فيعتزل المجتمع؛ لأنه لا يرى سوى نفسه ولا يخاطب إلا أوهامه ولو أنه كان وجه نقده ابتداءً إلى حاله لعَرَفَ كيف يحتاج هو نفسه أكثر من غيره إلى إصلاح.

هذه أولى الأزمات النفسية - ولا أقول الروُحيِّة - التي تقابل بعض المثقفين وتطاردهم في حياتهم، فضلاً عن ملاحقتها لهم في حلِّهم وترحالهم: أعني الاغتراب عن الواقع مع قلة فهمه والإدِّعاء بإصلاحه؛ فلا هو -  أي المثقف -  أصلح واقعه ودنياه، ولا هو أنقطع لآخرته وعمل لها، وبين هاتين الغايتين يكون الاغتراب خاصَّة المثقف المخصوصة، ولم تكن غربته التي يستشعرها دوماً في غير انقطاع غربة من خارج بل هى غربة باطنة. إنها شعورٌ دائم لا يفارقه، وإحباط يلازمه نتيجة مرارة الغربة يحسها في أعماقه من غير أن يدري لها سبباً مباشراً معلوماً أو معقولاً.

ولم يكن "أبو حيان التوحيدي" الذي عاش مغترباً في القرن العاشر الميلادي، ببعيد عن تجسيد الملامح الشاهدة على "غربة المثقف" في عبارات مؤثرة وأخاذة، وذلك حين قال في كتابه (الإشارات الإلهية؛ من تحقيق وتقديم عبد الرحمن بدوي؛ طبعة جامعة فؤاد الأول؛ القاهرة سنة 1950م) يصف حاله في عصره:" أما حالي فسيئة كيفما قلبتها؛ لأن الدنيا لم تؤاتني لأكون من الخائضين فيها؛ والآخرة لم تغلب عليّ فأكون من العاملين لها".  هذه أول أزمة نفسية يعانيها المثقف ولا أقول الروحية. فهو بين أملين لا عمل لهما؛ وبالتالي لا ثمرة لها.

ثم يخفق قلبه ويصرح ضميره فيقول في نفس المصدر "الإشارات الإلهية": " فإلى متى نعبد الصنم بعد الصنم، كأننا حُمُرُ أو نَعَمْ (أي أنعام)؟! إلى متى نقول بأفواهنا ما ليس في قلوبنا؟! إلى متى نَدَّعي  الصدق، والكذبُ شعارنا ودثارنا؟! إلى متى نستظل بشجرة تقلص عنَّا ظلُّها؟! إلى متى نبتلع السموم ونحن نظن أن الشفاء فيها؟!".

وبقليل من التأمل في نص التوحيدي؛ ندرك من أين يأتي الشعور بالاغتراب لدى المثقف، وقد بينه المؤلف حين وصف لنا حاله: التي لا هى إلى الدنيا تواتيه ليخوض فيها مع الخائضين، ولا هى إلى الآخرة تغلب عليه، فيكون لها من العاملين. وبعبارة أخرى؛ لكأنه يقول: نحن في عبادتنا عَبَدة أصنام وأوثان؛ نعبدُ الصنم بعد الصنم, كأننا بلا ضمائر ولا قلوب, بل حُمُرُ وأنعام! وتلك ثورة روحية باطنة في تصحيح العلاقة بين العبد والرب، ناهيك عن خلخة في نظام القيم، وازدواجية في المعايير الخُلقية: أن نقول بأفواهنا ما لا تحمله قلوبنا وندَّعي الصدق إدعاءً في حين يكون الكذب هو الشعار لنا وهو الدثار، ونستظل بظل الشجرة واهمين ونحن نعلم أن ظلها إلى زوال، ونبتلع السموم وفي الحق أن هلاكنا محققٌ فيها. حقاً .. إلى متى نبتلع السموم ونحن نظنُ أن الشفاء فيها؟! أو إلى متى نقول بأفواهنا ما لا تكنه قلوبنا؟! ألا يؤدي هذا حتماً إلى الشعور بالاغتراب؟!

أما الأزمة النفسية الأخرى - ولا أقول الروحيّة كذلك - التي يعانيها "المثقف"، والتي تقوده أيضاً إلى اغترابه عن الواقع، فهى تتمثل في إدعاء "العقل" والمنطق والبرهان، وإهمال القلب والشعور والوجدان؛ فالإفراط في النزعة العقلية الجافة وجعل الإنسان كله كتلة ماديّة صماء وركل الجانب الروحي فيه لهو شعور آخر بالاغتراب عن قيم العالم العلوي، وهذا الشعور في غاية القسوة والحيرة والضلال؛ لأنه شعور يمس مصدر الطمأنينة القلبية في الإنسان مسَّاً مباشراً.

وأني لأعني بالعقل هنا؛ العقل التجريبي، والعقل الاستدلالي المنطقي، العقل المادي، لا العقل مطلق العقل؛ إن المثقف المزعوم الذي يَدَّعي العقل والمعقول، وهو لا يعرف كيف يدير نفسه، لا ينتظر من المجتمع أن يؤهله لأن يتقدّم إليه بخطة فكرية وثقافية ينصلح عليها شئونه وأحواله ومرافقه الحيوية. ومَنْ فقدَ الشيءُ لا تتوقع منه أن يعطيه؛ فلا تستغرب - من ثمَّ - فشل النظم والتيارات الأرضية في إصلاح المملكة الإنسانية! واستغناء الناس بعد التجربة، لا قبلها، عن كل الأوهام الفكرية والأنظمة الأيديولوجية التي جاءت زاعمة - على مرض الخيال العاطل - أنها تقدِّم للمجتمع خطط إصلاح وميادين تعمير وتقدّم، ثم اعتبارها في المجمل ترفاً فكرياً وثقافة؛ مجرد ثقافة, ليس إلا.

هذا صحيح إلى حد ما؛ لأنه لا يمسّ حقيقة الإنسان ولا روحه ولا جوهره الباقي. نعم! قد يوفِّر له فيما لو طبق بعض شيء من الإصلاح المادي، لكنه مهما يكن لا يوفر له إصلاحاً روحياً ولا سعادة يخلص إليها ضميره من وطأة الثقالة والوخامة والإرث البغيض والميراث الغليظ.

مهما يكن من أمر النزوع المادي الذي تتبناه التجارب العلمية والمذاهب البرجماتية والذي هو نتيجة إيغال العقول في الدعوات المادية، ومهما يكن من أمر دعوتها الجافة بعيداً عن وعي الضمير الحر اليقظ؛ فهى لا تعطي الإنسان نوراً يمشـي به في الناس، بعد أن يكون قد عَرَفَ من خلاله نفسه وأضاء له الطريق الذي يسير عليه.

إن هذا النور لا يوجد في أنظمة الفكر وتيارات الثقافة النظرية؛ لأن هذه الأنظمة والتيارات قاصرة مهما بلغت من إدِّعاء الكمال عن تلبي في الإنسان نداء الروح ومطالب الضمير، ناقصة مهما طالبت المزيد من بلوغ التمام عن أن تعطي للإنسان "هداية النور" الذي يمشي به في الناس؛ لكونها لا تعبِّر عن الحقيقة المطلقة بل تعبر عن أهواء أصحابها، وفوق كونها كذلك، فهى لا تخاطب في الإنسان ضميره الحر الأبيِّ، بل تخاطب فيه عقله الجاف مفصولاً أو معزولاً عن شعوره، وتنسى غافلة قلبه وخوافيه. وقلب الإنسان هو كيانه، هو كينونته، هو روحه الباطنة وراء الشحم منه واللحم، هو كل شيء فيه، وإنمَّا الأنظمة الفكرية والعقلية تريد فقط أن تشطر الإنسان وتفصله عن قلبه، وعن روحه، وعن وعيه بكينونته وجوهره، لتجعله كتلة مادية صماء يتحرك بذرِّ كما تتحرك في يده لُعْبَة الإنسان الآلي.

قد تفلح تلك الأنظمة في اختراع هذا الإنسان الدُّمْية، لكنها لن تفلح أبداً في اختراع الروح الإلهي الخالد أو في شجبها عن الإنسان بما هو إنسان. والباحثون في تلك الأنظمة الفكرية والعقلية ممَّن جعلوا من عقولهم أصناماً يعبدونها من دون الله، وألغوا حقيقة الإنسان: قلبه وعقله، لم يفلحوا قط في غرس الطمأنينة في القلوب قدر ما غرسها "الإيمان". ومما لابد له للعقل المروَّض على معرفة الحقائق الكبرى - كيما لا يُصَابُ الإنسان بالغربة عن أصله - أن يحيلَ إلى العقيدة الملهمة حين يحيل في الوقت نفسه إلى الإيمان.

ولأستاذنا الراحل "عباس العقاد" - طيَّب الله ثراه - رأي وجيه كان ذكره في مقال عن "ماكس نوردو؛ منشور بجريدة البلاغ في 29 يناير سنة 1923م, ثم جُمع ضمن ما جمع من مقالات في كتاب "مطالعات في الكتب والحياة" من طبعة دار المعارف؛ القاهرة سنة 1987م؛ نثبته هنا في هذه المسألة: مسألة إحالة العقل إلى الإيمان إذْ يقول:" وصفوة القول أن البحثَ خليقٌ أن يجدينا ويسعفنا في الحيز الذي ندركه ونحسن أن نتأمله ونتقصاه. أما إذْ نعبره ونوغل بالأمل خلف رتاجه، فهناك فلتسعفنا العقيدة والإلهام، ولنثق أن العقول لم تجعل لنا أداة للضلالة والفوضى والاختباط، فإذا هى أختلط عليها الأمر ورانت عليها الفوضى، ولم تأوْ بنا إلى ظل من طمأنينة العقيدة الملهمة، فليس الذنب ذنب العقيدة ولكنه بلا ريب ذنب العقول (ص31).

لا شك نجحت رسالة الأنبياء في حين أخفقت أنظمة الفكر والثقافة ولازالت تقدم للإنسانية ما يشغلها من إخفاقات وسخافات، تبعدها عن حقيقتها، وتدخلها في شواغل وأزمات تؤخرها عن نهضتها الروحيّة ووعيها الأمين.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

علي اسعد وطفة"أعني بالحكمة: النظر في الأشياء بما تقتضيه طبيعة البرهان" ابن رشد.

هل يمكن تحرير السُذج من الأوهام التي يبجلون؟ وهل هناك أشد عميا من ذاك الذي لا يريد أن يرى؟ يحاول أفلاطون  في "أسطورة الكهف" أن يحدد لنا طبيعة العلاقة بين عالمي النور والظلام. في هذه الأسطورة يحدثنا أفلاطون عن كهف مظلم فيه أسارى مثقلون بأصفادهم، مشدودون بأغلالهم، يستمتعون بالنظر إلى غور الكهف حيث ترتسم لهم ظلال وأشباح، تلقيها عليهم نار مشبوبة في الخارج، وهم يخالون ما يرونه على الجدار، من إسقاطات وخيالات وظلال وأشباح، حقائق كونية لا تقبل الشك أو الجدل. وحين يتاح لأحد الأسرى (وهو الفيلسوف المنوِّر) أن يتحرر من أغلاله وأن يكسر أصفاده ليخرج من بوابة الكهف، فيرى الشمس حقيقة مشرقة بضيائها وسحرها الكوني، يعود إلى الكهف ليساعد المخدرين بالأوهام على تحطيم أغلالهم وتبديد أوهامهم والخروج من عالم الظلام إلى عالم الحق والجمال والخير والنور، فيأبى المنوّمون ويرفضون الخروج لمواجهة الحقيقة ورؤية النور، مفضلين البقاء في ظلام الكهف، تحت سطوة أهوائهم وغرائزهم وأوهامهم، بعيداً عن العيش في الأنوار التي تفيض بها شمس الكون الساطعة.

فالتنوير إذن، كما ترمز إليه أسطورة أفلاطون، حالة ذهنية وقّادة، يدك فيها الإنسان جدران الأوهام، ويدمر عبرها أركان الوصاية على العقل بوصفه الجوهر الإنساني في الإنسان. إنها وفقاً لمنظور "كانط" الوضعية التي يخرج فيها الإنسان من دائرة الخرافات والأوهام، ليحطم كل أشكال العطالة الذهنية والجمود ومقاليد الوصاية على العقل. وفي هذا كله تأكيد لسيادة العقل وسلطانه حيث لا يكون سلطان فوق سلطانه؛ ولذا غالبا ما يقترن مفهوم العقل بمفهوم النور أو التنوير في الحضور والغياب، يقابله هذا الاقتران الكبير والجوهري بين الجهل والظلام. وضمن توجهات هذه المعادلة التنويرية، يكون حضور العقل حضوراً للتنوير وغيابه حضوراً للجهل والظلام. ومن الواضح تاريخياً في هذا السياق، أن حضور العقل والعقلانية كان في أصل كل حضارة وتقدم، حيث كان العقل، وما ينتجه من حكمة وعلم وبرهان، هو أداة الإنسان لفهم الكون والإفادة الرشيدة من الطبيعة؛ بما يحقق الغايات الإنسانية النبيلة. فالعقلانية هي التي منحت الإنسان القدرة على التحرر من غوائل الطبيعة والانتصار على كل أشكال الضعف والقصور لبناء حضارة الإنسانية والإنسان.

إنها حالة مأساوية في حقيقة الأمر عندما تأخذنا المؤشرات الإحصائية العالمية الموظفة عادة لقياس مدى تقدم الأمم وتحضرها، إلى استحضار الصورة المأساوية للتخلف الذي تعيشه أمتنا العربية في مختلف مستويات الحياة والوجود. فالمجتمعات العربية تصنف وفقاً لهذه المؤشرات، بين أكثر المجتمعات الإنسانية تخلفاً وجهلاً وعسكرةً وتسلطاً ودمويةً واستبداداً وغرقاً في مستنقعات الظلام. فالدول العربية تأتي دائما في أدنى سلم التحضر الإنساني من حيث التعليم والإبداع والبحث العلمي والتصنيع والديمقراطية وحقوق الإنسان!

إنها صورة صادمة حقاً، عندما نتأمل في مدى غياب العقل والنقد والتنوير والعقلانية عن العقلية العربية، وفي مستوى انحسار العلم وتراجع المعرفة العلمية والنظرة العقلانية إلى الوجود. وتكون هذه الصورة أكثر صدماً ومأساوية، عندما نتأمل في مستوى الانحدار الأخلاقي والقيمي، وفي مستويات انتشار الفساد والرشوة والتسلط والظلم والخرافة والأوهام والتعصب والتسلط والطائفية والحروب الدموية والانقسام، وغياب حقوق الإنسان، وتغييب حقوق المرأة والطفل، إنه عالم متخلف بنيوي التخلف بامتياز.

لقد أبلى المفكرون والباحثون العرب في الكشف عن عوامل هذا التخلف الأسطوري الذي تعيشه الأمة اليوم، وقد أجمعت غالبيتهم على أن غياب العقل وتغييبه كان من أبرز عوامل تخلف هذه الأمة، وأكثرها أهمية وخطورة. وقد بين كثير منهم أن تخلف هذه الأمة يتم تحت تأثير استبداد سياسي، يقوم على محاصرة العقل والعقلانية؛ بتغييب كل أشكال الحرية والديمقراطية، وإخضاع الأمة لحالة من الاستبداد الوجودي الشامل.

وفي مواجهة هذه الوضعية المتردية، حاول المفكرون والمصلحون العرب، منذ عصر النهضة حتى اليوم، اختراق جدار الظلام الحضاري للأمة، وتفجير أعتاب العتمة الوجودية التي لحقت بها. ومما يؤسف له أن المساعي التنويرية لهؤلاء المفكرين التنويريين لم تؤت أكلها، كما كان يتوخى أصحابها. ويعود هذا الإخفاق إلى نسق من العوامل الموضوعية والتاريخية التي حالت دون نهوض هذه الأمة وتحضرها، كما حالت دون استحضار الحالة التنويرية العامة في المجتمعات العربية، على غرار الحالة التي شهدتها أوروبا في القرن الثامن عشر، إذ بقي الفكر التنويري سجين النخب، ولم يتحول إلى حالة تنويرية جماهيرية فاعلة في العالم العربي.

وضمن هذه الوضعية خفتت أضواء التنوير، وتراجع تأثيره، وبقيت الساحة الثقافية غارقة في العتمة، لأن محاولات النهضة في العالم العربي أخفقت تحت تأثير الطابع النخبوي للتنوير، فلم تستطع هذه المحاولات أن تخترق حجب الظلام، وبقيت الجماهير العربية تحت سيطرة الغرائز والعواطف والميول البدائية المناوئة بطبيعتها لكل أشكال العقلانية والتنوير. وكانت القوى المناوئة الظلامية أكثر قدرة على تدمير منصات التنوير، وحجب أضوائه، ومحاصرة مريديه، وتجريدهم من القدرة على التأثير حضاريا في الحياة والمجتمع.

ومع الزمن، وبفعل هذه العزلة التنويرية، تكاثفت في المجتمع عقلية سحرية خرافية ظلامية تنتفض، إيمانا بكل أشكال الخرافة والأساطير، لتتحول إلى عقلية عمياء تتميز بخصائص الانصياع والاتِّباع والخضوع والقبول الصاغر لكل الإيحاءات التقليدية، التي تفرضها نصوص وتعاليم مفرغة تماما من جدواها، لا تسندها أدلة وبراهين مقبولة، لترسِّخ ثقافة جماهيرية استلابية، بنيوية التخلف، تعاند كل توجه منطقي عقلاني.

ومن المدهش أن هذه الموجات الاغترابية التسطيحية، استطاعت أن تجد طريقها إلى فئات الأكاديميين الضالعين في حمل الشهادات العلمية العالية. حتى إنك لَتُذْهل عندما تجد أن جوهر ثقافة الأكاديميين قد لا تختلف كثيراً عن ثقافة العامة، ولاسيما في مدى قبولها لمختلف أشكال وأنماط التفكير الخرافي الأسطوري النصي المنغلق على الأصول الذي فرض نفسه في عقولهم كمقدسات غير قابلة للنقد والنقض والتحليل. ويبقى هذا دليلاً على أن الإنتاج الثقافي التربوي ما زال يعمل بقوة على إنتاج أجيال مصممة على القبول الصاغر لشكليات النص، والتناغم مع مستويات عالية من الانصياع التلقائي المبرمج، وإضفاء الطابع القدسي على كل ما تعلموه من خرافات ونصوص وتعاليم وأوهام وأساطير.

في مواجهة هذا الواقع الفكري العربي المأزوم، الذي يجأر بكل دلالات التخلف ومؤشرات السقوط، ما زالت فئة واسعة من المثقفين تحمل شعلة التنوير والضياء، وفي قلب هذه العتمة الوجودية التي خيمت على صدر الأمة بدأت الشموع الثقافية المضيئة تتلألأ هنا وهناك، حيث انبرت طائفة كبيرة من المفكرين -من كل الاختصاصات والمشارب العلمية والفكرية - للعمل بصمت وصبر وإيمان وعمق وتُؤَدَةٍ من أجل تشكيل حزمة هائلة من الضوء قادرة على تبديد الظلام الذي تعيشه الأمة.

ومما لا شك فيه، أن الساحة الفكرية العربية تضم بين جناحيها عددا كبيرا من المفكرين التنويريين الراغبين في عملية البناء الحضاري للأمة، ولكن تفرقهم وتشرذمهم في الأنحاء كان وما زال يضعف مسيرتهم التنويرية، ويقلل من دورهم الحضاري الفاعل، وهم اليوم في أمسّ الحاجة إلى تشكيل حزمة ضوء كبيرة قادرة على ممارسة الدور الحضاري المنشود في مجالي النقد والتنوير.

وإذا كانت الحكمة القديمة تقول:" أن تُشعل شمعة خير لك من أن تلعن الظلام"، وهو قول جميل نبيل، فإننا نقول لقد آن الأوان لمثقفي هذه الأمة المتنورين ان يوقدوا شمعة تنوير مضيئة تعزز الإيمان الكبير بالدور الحضاري للثقافة في بناء حضارة العقل والإنسان. وأن يحدثوا صدمة تنوير قادرة على إيقاظ هذه الأمة من غفلتها التاريخية وأن تهزّ غفوتها فتنهض بها من سباتها الأبدي في دياجير الظلام إلى يقظة حضارية تنهض بالحياة والحضارة والإنسان. .

نعم، نحن بحاجة اليوم إلى صواعق التّنوير لتبديد ظلام التخلّف وكسر جموده وتحطيم تصلّبه، نعم نحن بحاجة إلى "بروموثيوس" مزلزل قادر على تحطيم أصنام التخلّف وحمل شعلة الحق والخير والعقل التي تصعق ظلامنا وتبدّد تخلفنا، وتعيد لنا إنسانيتنا المهدورة. نعم، نحن بحاجة إلى نخبة فكرية شابّة جديدة تحمل نور المحبة والسلام والعقلانية إلى أوطاننا المقهورة. بل كم نحتاج إلى عمالقة من المفكّرين الجدد القادرين على حمل الصّواعق التنويرية من أمثال الجاحظ والمتنبيّ والمعرّي والتّوحيدي وابن عربي وجلال الدين الرومي، وابن خلدون، وابن رشد...نحتاج إلى عقول متفجّرة بالحبّ والسلام والبحث عن الحقيقية أمثال غاليلو غاليلي وفولتير وغرامشي ونيوتن وبورديو وجاك لاكان... نحتاج إلى جيل من المفكرين الجدد الذين يملكون القدرة اللاّزمة على تغيير المصير، والانطلاق قدما نحو عالم النور والحياة.

 

علي أسعد وطفة – جامعة الكويت

 

فتحي الحبوبيبصرف النظر عن مفهوم المثقف البالغ الالتباس والتعقيد، والذي سنعرض إلى بعض مداليله الإشكالية، فانّه من المفترض أنّ الرسالة الأهم، التي على المثقف النقدي المتفاعل مع محيطه والفاعل فيه، المنحاز إلى الجماهير في غير ما مهادنة، ولا سكوت عن مظالم السلطة، إنّما هي الرسالة التي يحملها تجاه المجتمع الذي ينتمي إليه -لا بل تجاه كلّ المجتمعات إن بلغت طروحاته وأفكاره مرتبة العالمية- والتي لا تقتصر، على إنتاجه للأفكار ولصنوف الثقافة في تمظهراتها المختلفة ولا في محاولة بثّ الوعي المعرفي في النّاس وتحفيزهم على التفكير النقدي وتحريضهم على السعي إلى التغيير، بل تتجاوز ذلك إلى ما أهمّ، وهو قيادة تغيير الوضع القائم. ليس هذا فقط، بل من مهام المثقف النقدي الأساسيّة قبل وبعد ذلك مهمّة طرح حلول للتحدّيات التي يواجهها المجتمع في منعطفاته الصعبة ولحظاته التاريخية الحرجة التي قد تفضي إلى التحوّلات الكبرى، وتبلغ أحيانا، حدّ استهداف وجوده في حاضره وفي مستقبله أيضا، مثلما هو حال الوطن العربي اليوم الذي يعيش أعراض المخاض "القيصري" العسير للثورات العربية المنحرفة عن مسارها. لذلك فهو ينتظر من المثقف، بما هو ضمير الأمّة وعقلها وقائدها إلى التغيير وبما يمثّله من حقّ الإعتراض ومن قوّة إقتراح للبدائل، ينتظر منه بلورة رؤيته الإستشرافية- المستندة إلى علم المستقبل لا إلى التخمينات والتهويمات اليوتوبيّة- ثمّ طرح تصوّراته للنهوض من وضع التشضّي والتردّي لهذا الوطن العربي المكلوم، بهدف تحقيق التقدّم المأمول في اتجاه صناعة غد أفضل للأجيال القادمة. بهذا المعنى، الذي يتحفّظ عليه الماركسيون ويرون فيه نفخا مبالغا فيه في صورة المثقف، فيما هو منسجم مع أنساق وسياقات المقاربات الحداثية لأنطونيو غرامشي (المثقف العضوي) وما بعد الحداثية لميشال فوكو، ذات الصلة بتعريف المثقف، دورا ومفهوما، في السرديات الغربية. وهو منسجم كذلك مع ما جاء لاحقا في كتاب "المثقف والسلطة" للمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد الذي أفاض في طيّاته في تفكيك مفهوم "خيانة المثقف" الذي إصطلحه جوليان بندا قبل ذلك بعقود طويلة، فانّه يظلّ من الصعب الإقرار بأنّ العرب، راهنا، لهم مثقّفون يستحقّون أن نخلع عليهم هذه الصفة المقترنة أساسا - منذ الارهاصات الأولى لمفهوم المثقف - إن في أوروبا الشرقية او في فرنسا فيما بعد- بالنزعة العقلانية النقدية الإحتجاجيّة وتحدّي السلطة ومعارضتها. بما يعني ضرورة لعب المثقف دورا توجيهيّا ونحريضيّا فاعلا ومؤثّرا في الحياة العامة، تعضدعه المواقف النبيلة والشجاعة ضدّ المظالم الاجتماعية والسياسية كما اشتغل على ذلك في فرنسا بالأمس" إميل زولا" في قضية "درايفوس" الشهيرة التي اتّهم فيها باطلا بالجوسسة لصالح ألمانيا (الخيانة العظمى)، وقد سبقه"فولتير" في مسعى مماثل في قضية "كولاس" الذي أتّهم على وجه الشبهة وأعدم على عجل على خلفية الصراع الكاثوليكي البروتستنتي (1). وهذا المسعى (الإعتراض الشجاع على السلطة والدفاع عن المظلومين) هو ذاته ما يشتغل عليه اليوم ( لا بل ومنذ عقود طويلة) في أمريكا أشهر المثقفين المعاصرين الأحياء، الفيلسوف وعالم اللسانيات نعوم نشومسكي (2)، المندّد دوما ودون هوادة بالسياسات الأمريكية الظالمة للشعوب الضعيفة، ولا سيما بمظلمة القرن العشرين، ألا وهي قضية الشعب الفلسطيني واغتصاب دولته ومباركة الولا يات المتّحدة لذلك في صلف وصفاقة لا حدود لهما.

قطعا، كان للعرب والمسلمين، في أحقاب سابقة، سبقت بقرون عديدة، الثورة الفرنسية التي أسفرت عن بروز مصطلح المثقف بمفهومه النقدي والنضالى، كتّاب ومفكّرون وفلاسفة وفقهاء سلاطين وعلماء دين صدرت عن القلّة القليلة منهم بعض المواقف الجريئة التي خلّدتهم وأبانت عن استقلالية مواقفهم لكنّها لم تكن، في الأغلب الأعمّ، في علاقة بقضايا الإنسان الأساسية، منخرطة على نحو ما في الرهان على بحث حلول لها، فيما لو استثنينا مواقف نادرة تهم الشأن العام، كموقف أحد أبرز الكُتّاب المسلمين غير العرب، ألا وهو عبد الله ابن المقفع. وهو الموقف الذي ضمّنه رؤيته في إصلاح الحكم والحاكم في ما وسمه ب"رسالة الصحابة". تلك الرسالة الشهيرة إلى الخليفة المنصور، التي لم تكتف بالإشارة إلى مساوئ النظام في علاقة بمن يحكم من ولاة وأمراء وحتّى الخليفة المنصور ذاته، وبمظاهر الفوضى والفساد وشقاء الرعية، بل طرحت الحلول الضرورية لتغيير الوضع نحو الأفضل، بما يجعل بن المقفع موضوعيّا أوّل مثقّف نقدي مسلم، فيما لو طبّقنا عليه بأثر رجعي مفهوم ومواصفات المثقّف كما أسلفنا تفصيلها. ما يعني تصنيفه خارج فئة المثقفين الذين إعتبرهم جوليان بندا خائنين- إشتقاقا من مصطلحه "خيانة المثقّف"- ووضعهم"خالد الحروب" في خانة «المثقف القطيع»، وبداهة، خارج قائمة من أسماهم بول نيزانPaul Nizan ب« كلاب الحراسة» من المطبّلين المدافعين عن خيارات السلطة. لذلك كان جزاء بن المقفع لا يختلف عن جزاء المهندس البيزنطي"سنمار"، وكانت نهايته شنيعة(2) ومأساوية إلى أبعد مدى، لا على صعيد الواقع فحسب بل وكذلك على صعيد ما فوق الواقع أي على الصعيد السرياليSurréalisme))، لا بل وعلى صعيد ما فوق توثّب االخيال والتخييل الروائي والتسريد. اللافت في ذات سياق والفترة، أنّ الامام مالك بن انس، وهو قامة سامقة في الفقه والحديث، كان مطيعا لهذا الخليفة العبّاسي، حتّى أنّه ألف كتابه "الموطّأ" الشهير استجابة لطلبه ووفق أهمّ المعايير التي رسمها له مسبقا. أستذكر ذلك بصرف النظر عن القيمة العلميّة لكتاب"الموطّأ" الذي يعدّ اليوم مرجعا لا غنى عنه، إن في الفقه أو في علم الحديث.

 لذلك، فأنا أزعم - بل أكاد أجزم- أنّ أغلب مواقف النخب الفكرية العربيّة الإسلاميّة في الحقب التاريخية البعيدة كانت تدير الظهر لقضايا عصرها ولا تسعى إلى التغيير والإصلاح الإجتماعي والسياسي أو تطرح حلولا لمشاكل المواطنين/ الرعايا، بل كانت تتعلّق بقضايا فكرية مثل (علاقة الفلسفة بالدين) أو مسائل دينية خلافية مثل (قضية خلق القرآن) و(قضيّة التشبيه والتجسيم) وهي، لعمري، لا تهمّ الرعيّة في شيء، ضرورة أنّها ( أيّ الرعيّة ) لم تكن ترداد المدارس -على قلّتها آنذاك- بالكثافة التي هي عليها اليوم، وذلك لتدنّي الوعي بأهمّية المعرفة والعلم. ليس هذا فقط، بل إن الرأي السائد عند قادة الفكر العربي والإسلامي، إلى زمن قريب، إنّما هو عدم تشريك العوام في الخوض في مثل هذه المسائل، من باب التحقير والإزدراء. وهو ما يستبطنه عنوان مستفزّ لأبي حامد الغزالي" ألّفه في الغرض ووسمه ب"إلجام العوام عن علم الكلام". بما يعني الدعوة إلى عدم دمقرطة المعرفة، والإقرار بوجود هوّة سحيقة بين النخبة والعوام، مؤدّاها انحسار جهود قادة الفكر، في البحث والتدريس والمناظرات العلمية والسجالات النقدية في الفضاءات المغلقة داخل أسوار الجامعات وفي بطون الكتب ليس أكثر. بما يجعلهم منكفئين على أنفسهم في ابراجهم العاجية خارج دائرة الفعل المؤثر في المجتمع.

 فحتّى فرقة المعتزلة رائدة العقلانيّة في الفكر الإسلامي، وإن نظرت إلى الإنسان باعتباره غاية الوجود وصاحب الإرادة والاختيار، فإنّها لم تواجه ما واجهته من حملات القتل والتعذيب، في عهد الخليفة المتوكّل، إلّا لرؤاها الفكريّة ولمتبنّياتها بتأسيس الدّين على العقل، واعتباره أقوى الأدلّة، ثمّ لمواقفها المخالفة لمواقف عموم المسلمين في قضيّة مرتكب الكبيرة وقضيّة خلق القرآن وليس لأنخراطها في الشان العام وتفاعلها مع قضايا المجتمع. لا بل وحتّى بن رشد، سليل الفكر المعتزلي هو الآخر، وهو من هو، أحد أعظم الفلاسفة العرب، إن لم يكن أعظمهم، لم ينل ما ناله من متاعب وتكفير ونفي جرّاء المؤامرات التي حيكت ضدّه وعصفت به، إلّا لانّه مشتغل « بالحكمة وعلوم الأوائل» أي بالفلسفة ولأنّه يرى أنّ الحكمة (الفلسفة) والشريعة (الدين) لا يتناقضان مثلما ذهب إلى ذلك ابو حامد الغزالي في “تهافت الفلاسفة”، ثمّ لانّ بعض شروح بن رشد لأرسطو أوّلت بانّها نالت من المقدّس كقوله «فقد ظهر أنّ الزهرة أحد الآلهة»

لقد إستدركت النخب العربية هذه النقيصة، في العصر الحديث، وتحديدا على مدى القرنين الماضيين، بفعل تاثّرها وانبهارها بالحضارة الغربيّة فبذلت جهودا غير قليلة في مجالي الإصلاح الديني والنهوض الاجتماعي بدءا برفاعة رافع الطهطاوي(1801-1873) في مصر وخير الدين باشا (1825-1889) في تونس وبطرس البستاني في لبنان، ثمّ مع محمّد عبده ورشيد رضا ومن سار على نهجهم. ولكن لضيق المجال سنعرض فقط إلى أكثرهم شهرة وتاثيرا، لأنّ مبحثنا في هذه الورقة إنّما هو المثقف النقدي وليس رواد النهضة العربية رغم دورهم المحوري في الإصلاح والتحديث .

فأمّا رفاعة الطهطاوي فقد طرح الإرهاصات الأولى للإصلاح ومنها فكرة الحريّة كسبيل للتقدم، واحترام خصوصيات الأقلّيات غير المسلمة. وهو الطرح الذي يتماهى بالتأكيد مع مفهوم الدولة المدنيّة الديمقراطيّة التي يشكل التعايش الآمن الناتج عن حريّة المعتقد أحد مرتكزاتها الأساسية وتمظهراتها في آن معا. وهو ينظر إلى الحكم باعتباره يرمي إلى سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة في آن معا. وأن سعادته في الدنيا تقتضي، توفّر حضارة مدنية كالتي قامت في أوروبا الحديثة. لذلك نادى الطهطاوي، لتحديث المجتمع المصري، بضرورة التطوّر وإرساء الديمقراطية والحكم الدستورى وإشاعة التعليم للذكر والأنثى على حدّ السواء. وهي المفاهيم الفكرية الأساسيّة التي قامت عليها الدول الحديثة والمتقدّمة، والتي من بينها مبدأ المواطنة الذي وصفه بأنّه «المنافع العمومية التي تقوم على الحرية والإخاء والمساواة بين أبناء الوطن الواحد» وهو تماما ما ترجمه قبل ذلك، شعار الثورة الفرنسيّة الذي أصبح لاحقا شعار فرنسا، منذ الجمهوريّة الثالثة. وقد حاول الطهطاوي وضع بعض أفكاره موضع التنفيذ بإنجاز مشاريع ذات طابع علمي لعلّ من أهمّها إنشاؤه لمدارس في احتصاصات متعددة وبعث مطبعة ومجلّة ثقافيّة ومكاتب محو الأمية. إلّا أنّ قدر هذه المحاولة، كان العرقلة والإجهاض من قبل السلطة، فكان جزاؤه النفي. ولكنّه يظلّ، رغما عن ذلك مثقّفا نقديّا فيما لو وظّفنا المفهوم بمفعول رجعي.

وأمّا خير الدين باشا المعروف في المشرق بخيرالدين التونسي فيعتبر هو الآخر أحد أبرز أعلام النهضة والتنوير في تونس، بل هو أبرزهم تاريخيا ومن حيث المساهمة-نظريّا وعمليّا- في بناء نهضة تونس الحديثة تماما كما الطهطاوي, حيث أنّه لم يكتف ببثّ روح اليقظة والنهوض في الأمّة وشحذ عزائم الإصلاح عن طريق نشر الفكر فحسب، بل إنّه طبّقه على أرض الواقع, فأنشأ سنة 1875، باعتباره رجل سياسة ونفوذ، المدرسة الصادقيّة لتعليم الفنون والعلوم الحديثة وطوّر مناهج التعليم التقليدي في جامع الزيتونة وأنشأ المكتبة العبدلية.ونظّم مؤسسّات الدولة تنظيما حديثا، ضمن خطة شاملة للإصلاح شملت التعليم والزراعة ونظام الضرائب وأتاحت سنّ تشريعات تخدم الإصلاح والتطور. كما سعى لبعث مصنع بخاري للسفن وتطوير شبكة الطرقات. أمّا عصارة أفكاره التي وفّقت بين الفكر الليبرالي القائم على الحكم الدستوري والحريّة الاقتصاديّة وبين التقاليد الإسلاميّة، فقد توزّعت بين كتاب "دراسة الأسس التي قامت عليها المدنيّة الغربيّة وكتابه الخالد “أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك” الصادر 1868، وهي السنة ذاتها التي ظهر فيها الجزء الأوّل من كتاب “رأس المال” لكارل ماركس منظّر الفكر الشيوعي. وقد لمسناه فيه -كما الطهطاوي- متأثّرا بما شاهده في فرنسا من معالم نهضة حضاريّة وفكريّة واجتماعيّة وسياسيّة .فهو يؤكّد ضمن مقدّمة الكتاب، الذي دعا فيه معاصريه إلى الاستعارة من الغرب من أجل الارتقاء بالأمة، أنّ الحكم المطلق الشمولي لا يؤدّي إلّا إلى التخلّف المزمن. وأنّ لا خوف على المسلمين إن هم اقتدوا بالحضارة الأوروبية، وأن لا غضاضة في اعتماد النظم الأوروبيّة في المجالات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصادية؛ لأنّها لا تتعارض في جوهرها مع النظم الإسلاميّة، بل إنّها تتوافق معها بشكل يكاد يكون كلّيّا، وأنّ استلهامها ليس سوى تنفيذ لروح الشريعة الإسلامية ومقاصدها. وهو ما جعله ينادي بأن تؤسّس الدولة على دعامتي الحرية والعدل وتعدد مؤسسات الحكم ومشاركة “الرعايا”/المواطنين في إدارة شؤون الدولة، ملحّا على توفّر وعي الأمّة واستنارتها لتطالب بحقوقها ولتضمن مراقبة دواليب الحكم لتجنّب الاستبداد والانفراد بالحكم . يضاف إلى ذلك دعوته إلى العدل والمساواة بين المواطنين وإصلاح أنظمة الحكم، ومناداته بمقاومة الدكتاتوريّة. ليس هذا فقط، بل نادى (وفق تعبيره) بحرية “المطبعة” بما هي حرية للرأي والكتابة والنشر وركن أساسي في إرساء الديمقراطيّة.

ومثلما عرقلت محاولة طهطاوي فإنّ محاولة خير الدين باشا عوّقت من قبل المعارضين للإصلاح وخاصةّ منهم باي تونس /الملك الحاكم. لذلك قال بلهجة المنكسر: « لقد حاولت أن أسير بالأمور في طريق العدالة والنزاهة والإخلاص، فذهب كل مسعاي سدى(...)»

ورغم أنّ خير الدين باشا لم يحقّق مراده من الإصلاح إلّا أنّه ترك بصمته الإصلاحيّة الواضحة في المجتمع التونسي الذي أصبح في موقع المركز، على الأقل، من حيث المساواة في الحقوق بين المرأة والرجل ومن حيث انطلاق شرارة الثورة العربيّة الراهنة وتثبيت مسار ودعائم الحكم الديمقراطي في تونس رغم تعدّد المعوّقات الظرفيّة وكثرة الانفلاتات وتعدّد الأعداء المنربّصين بتونس وبثورتها من بين الأصدقاء والاشقّاء

وما يمكن الإشارة إليه في النهاية، هو أنّه رغم أنّه قد برز إلى السطح في العالم العربي فكر تنويري نقدي، إصلاحي وتحديثي، إلّا إنّه لم يمثّل حركة نقدية إصلاحية جذريّة كإفراز لمنظومة فكريّة متكاملة تحمل مشروعا واضح المعالم وتمثّل مرجعيّة صلبة كما حدث في أوروبّا خلال القرنين السابع والثامن عشر بفضل لفيف من فلاسفة التنوير الغربيين الذين اعتبروا مثقّفين -بمفعول رجعي- وقد جمعهم هاجس القطع مع النظم السائدة والدفع إلى صياغات لفكر ونظم سياسية جديدين. بينما ما جمع بين المفكرين المعاصرين العرب الإصلاحيين إنّما كان مجرّد تفاعل إيجابي مع الحضارة الغربيّة أو ردّة فعل على مشاريع التغريب، أكثر منها إبداع فكر إصلاحي ثوري لم يسبق إليه الآخرون، معضود بالانخراط في قضايا الشأن العام, تلك هي الإشكاليات االتي واجهت التفكير الاصلاحي العربي الذي اكتفى باسنجلاء الأسئلة والطروحات القديمة.التي طرحها الغرب فبل وأثناء نهضته.

ما نستخلصه في نهاية التحليل، هو إنّ العرب -عموما-لا يتوفّرون على مثقّفين نقديين وازنين، لأنّ وهجهم الثقافي باهت ولأنّ اهتماماتهم لا تلتفت إلى الشأن العام. ثمّ إن أغلبهم لا يخرج عن فلك السلطة فهو إمّا "مثقّف قطيع" أو "مثقّف خائن" أو مثقّف من فصيلة "كلا ب حراسة" السلطة. ومن بين إستتباعات ذلك إنّ الوضع العربي يزداد إستفحالا كلّ يوم، ولا يكاد يخرج العرب من مطبّة حتّى يقعون في مطبّة أكبر منها. وأنا أردّ ذلك لا إلى ضحالة وبؤس السياسيين وفشلهم المريع فحسب، بل وكذلك إلى غياب المثقف النقدي/العضوي، حتّى لا أقول ضحالة وبؤس وفشل "المثقف" العربي في إثبات الذات في الحياة العامة، خارج الجدران المغلقة والإطار الأكاديمي المحدود.

 

المهندس فتحي الحبّوبي

..........................

 (1) أنظر كتاب فولتير: traité sur la tolérance

 (2) أنظر مقالة الكاتب: نعوم تشومسكي: الإستثناء الجميل زمن الرداءة الأمريكيّة

 

 

عبد الجبار الرفاعيالتديّن الشعبي تديّنٌ عفويّ برئ، يتوارثه الناسُ جيلًا بعد جيل منذ عصر الرسالة. وهذا التديّنُ متصالحٌ مع طرائقِ عيشهم وطبيعةِ حياتهم، ولا يجدون تناشزًا فيه مع فنونِهم الشعبية وفلكلورِهم، ولا يشكّل عبئًا على علاقاتهم بمحيطهم، ولا يفرض عليهم سلوكًا متشدّدًا في علاقاتهم الاجتماعية بالمُختلِف في الدين أو المذهب أو الهوية أو الثقافة. لا تحضر في التديّن الشعبي التدقيقاتُ الفقهيةُ التفصيلية، وفتاوى الاحتياط بالجمع بين الحكم الترخيصي والأصلي، مثل الجمع بين القصر والتمام والصوم والقضاء في السفر. إنه تديّنٌ لا يعرف التشدّدَ والمبالغةَ في الاحتياط، يؤدي المتديّنُ فيه الصلاةَ والصومَ والفرائضَ المتفاعلةَ مع الثقافة المحلية. حدودُ التسامحِ، في هذا النمطِ من التديّن، ليست ضيقةً في التعامل مع المُختلِف في الدين والمعتقد والمذهب.

لكن التديّنَ الشعبيّ طالما وقع ضحيةً للجهل، وافترسته الخرافة، لأن الأميةَ والفقرَ والمرضَ لا تغادر مواطنَ الجماعاتِ الشعبية في القرى والأرياف والأحياء الفقيرة وأحزمة البؤس في المدن، وهذه العوامل تمثّل بيئةً خصبةً لظهور الخرافات والمعتقدات الغرائبية. وعلى الرغم من نفحاتِ الروح الرحيمة في هذا التديّن وحضورِ الأخلاقيات، لكن يلتبس أحيانًا في هذا التديّن ما هو أخلاقيّ بما هو شكليّ، ويصعب على الناس التمييزُ بين الدينيّ والدنيويّ والمقدّس وغيرِه، لذلك تتسع دائرةُ المقدّس باستمرار، لتستوعبَ غيرَ المقدّس وتدمجه في فضائها.

وتمثّل هذه الجماعاتُ بيئةً ملائمةً لولادةِ شكلٍ آخر من التديّن وتغلغلِه في مجالات حياتها المختلفة، وهو ما نعبّر عنه بـ "التديّن الشعبويّ"، والذي هو نمطُ تديّنٍ شكلي ذرائعيّ، يظهرُ في مختلفِ الأديان، لكنه ينشط كلّما تبلّد العقلُ أكثر، واشتدَّ تزييفُ الوعي، بعد أن يحدث انزياحٌ للتديّن عن مجاله، وترحيلٌ لوظيفتِه، فبدلًا من توظيف الدين في بناءِ الحياة الروحية، وإيقاظِ الضمير الأخلاقي، تصبح الشعائرُ المُفتعَلةُ، لأغراضٍ لا صلةَ لها بوظيفة الدين الروحية والأخلاقية، هي محورُ التديّن، ويحدث تطابقٌ بين مفهومِ التديّن ومصاديقِ هذا النوع من الشعائر المُفتعَلةُ، ويفتقدُ هذا التديّنُ الحسَّ الأخلاقي، وتنضبُ فيه الطاقةُ الروحية. وعادة ما يتحوّل التديّنُ الشعبوي إلى سلعةٍ يتداولها الأفرادُ لامتلاكِ رصيدٍ يُعلي من مكانةِ ودورِ الفرد في الجماعة، وترسّخ بواسطته المؤسّساتُ حضورَها المجتمعي، لذلك يدخل سوقَ مزايدات مبتذلة أحيانًا. التديّنُ بهذا النمط يعني أن الشخصَ الذي يبحث عن دورٍ ومكانةٍ في الجماعة لابدّ أن ينخرطَ في مهرجانات الشعائر، فكلّما كان حضورُه فيها أكثرَ صار أكثرَ تديّنًا، على وفق معايير السوق الدينية لهذا التديّنِ، واكتسب بذلك مكانةً استثنائيةً عند الجمهور، ووجاهةً اجتماعيةً مرموقة، ومقامًا دينيًا رفيعًا.

تبرعُ أكثرُ السلطات السياسية وبعضُ المؤسّسات الدينية في تكريسِ التديّن الشعبويّ، واستغلالِه لأغراضٍ على الضدِّ من وظيفة الدين الحقيقية، فيُتخَذُ التديّنُ وسيلةً للاستحواذ على السلطة والثروة. إنه ضربٌ من تنويم العقل وتفشي الجهل الذي يتخذ من الدين غطاء، لذلك تتشوّه فيه براءةُ الروح، ولا تتجلّى فيه عفويةُ وطهارةُ النمط الفطريّ للتديّن الشعبيّ. وعادةً لا يخلو التديّنُ الشعبويّ من افتعالٍ يتولاه دجالون يضلّلون الناسَ لغايات غيرِ سامية، يمتلكون وسائلَ بارعة في تجييشِ مشاعر الناس، وإذكاءِ انفعالاتهم النفسية، والإفراطِ في استغلالِ المقدّس لتغذيةِ هذه الانفعالات وتفجيرِها متى شاؤوا. يسرف من يضلّلون الناسَ لغايات غيرِ سامية في إنتاجِ شعائر لم ترد في النصوص الدينية المعروفة، ولم يعرفها الناس من قبل، ويوظفون لترويجها مختلفَ وسائل التأثير على الرأي العام، ويختلقون من أجل زجِّ الناس فيها شائعاتٍ تثير الرغبةَ والشغفَ للانخراط فيها، تتناغم وأذواقَ عامة الناس، وتوقد مشاعرَهم، وتثير حساسياتِهم النفسية، وتفجّر ذاكرتَهم الطائفيةَ الجريحة.

في هذا النمط من التديّن يلتبس مفهومُ المقدّس، فيجري تقديسُ غيرِ المقدّس، ويُنسى المقدّسُ. إنه تديّنٌ تفترسه الوثنيةُ والخرافة، وهو أشبه بالشعوذة منه بالتديّن. ويستهلك في هذا النمط من التديّن ما هو شكليّ كلَّ ما هو أخلاقي، وتنضب منابعُ إلهام الروح فيه. في هذا التديّن يزحف المقدّسُ على ما هو دنيويّ فتتقدّس أشياءُ وأيامُ وأماكنُ غيرُ مقدّسةٍ بمرور الزمان، وتتفشّى ظاهرةُ تقديس أشخاصٍ لا يمتلكون الحدَّ الأدنى من طهارةِ الروح وسلامةِ القلب وصحوةِ الضميرِ الأخلاقي. ويجهض هذا النوعُ من التديّن محاولاتِ إحياء الحياة الروحية، والتربيةَ على القيم الأصيلة، وبناءَ التفكير العقلاني. التديّنُ الشعبويّ يصيّر العقلَ رميمًا، ولا يضع المقدّسَ في حدوده إلّا العقلُ. إذا لم يضع العقلُ حدودًا للمقدّس يمسي كثيرٌ من الأشياء غيرِ المقدّسة أوثانًا، بل يمسي المقدّس وثنًا. وكلّما اتسع تقديسُ غير المقدّس انحطت مكانةُ الإنسان، وأُهدرت كرامتُه، وانطفأ ضميرُه الأخلاقي، وتشوهّت حياتُه الروحية، وتبلّدت حاستُه الجمالية، ودخلَ عقلُه حالةَ سبات.

وهناك نمطٌ آخر من التديّن وهو التديّن السياسي، ظهر منذ تأسيس الأخوان المسلمين سنة 1928، وتعزّز حضورُه لدى الجماعات الدينية التي نشأت بعد ذلك، وهو تديّنٌ مسكونٌ بالسياسة، لذلك يقترنُ بالسعي للاستحواذِ على الدولة والسلطة والثروة. وهو ضربٌ من التديّنِ استبدت الغايةُ السياسيةُ للدينِ في أدبياتِاته وثقافته وما تنشده أحلامُه، فحجبت المنخرطين فيه عن تبصّرِ أيّ أفق روحي وأخلاقي وجمالي للمعنى الديني خارجَ هذه الغاية. لذلك لا يعبأ هذا التديّن كثيرًا بالقيم والحياة الروحية، ويحرص على الشكل، ولا يهتمُّ بمضمونِ الشريعة ومقاصدِها.

لقد تفشّى هذا الشكلُ من التديّن لدى الجماعاتِ الدينيةِ في نصفِ القرن الأخير، بعد أن غادروا المرحلةَ السريّةَ في عهد الأنظمةِ القمعيةِ، وتخلّصوا من بطش الحكّام المستبدّين، وتفاقمَ بشكل مخيف بعد وصول هذه الجماعات للسلطة. وينكشف ما هو مُضمَرٌ في هذا التديّن لحظةَ تستحوذُ هذه الجماعاتُ على السلطة، إذ يفتقرُ تديّنُ بعض رجال السلطة من أتباعها إلى الأخلاق، ويتراجع حضورُ الحسِّ الدينيّ لدى أكثر من يحتل موقعًا في السلطة، بالشكل الذي يمنعه من تجاوز الحدود التي يسمح بها القانونُ والأخلاقُ والشريعةُ.

وبغيةَ الاحتفاظ برصيده الديني في الجماعة التي ينتمي إليها يحرص رجلُ السلطةِ على تبرير سلوكه ومواقفه من خلال اللجوء إلى الحيلِ الفقهية، وفتاوى "مجهول المالك"، وكلِّ ما يسوّغ له الاستحواذَ على المال العام، فيتخذها قناعًا يختفي سلوكُه اللامشروعُ خلفَه.

تحرص الجماعاتُ الدينيةُ في تربية أفرادها على التمسّك الحرفيّ بالأحكام الفقهية، لأنها لا ترى حدودًا للإسلام خارجَ المدونة الفقهية، وتشدّد في أدبياتها على ما يخصّ الفكر السياسي، والتكييفَ الفقهي للسياسة والإدارة والاقتصاد والمصارف والمؤسسات المتنوعة في الدولة.

وينتج عن اقترانِ التربية في هذا التديّن بالتخويف، حالاتُ حذرٍ وتوجّسٍ وسوءِ ظن بالآخر، لذلك تضمحلّ فيه منابعُ محبةِ الناس والعفو والغفران والرحمةِ في التعامل معهم، بل يتحول أحيانًا إلى بيئةٍ لنموّ نزعاتِ الكراهية.

حدودُ التسامحِ ضيقةٌ في هذا النمطِ من التديّن، فهو غالبًا لا يعرف حقَّ الإنسان في الخطأ، ولم يتكرّس في تقاليد التربية في هذا التديّن الحقُّ في الاختلاف، لذلك لا يستطيع أغلب الأشخاص الذين يتمسكون بهذا النوع من التديّن تحمّلَ أصحاب المعتقدات الأخرى، ويتعذّر على كثيرٍ منهم العملُ مع من يختلف معه في رؤيته للعالم، ويصعب عليهم قبولُ التفكير الذي لا يتطابق مع تفكيرهم، لذلك نجدهم عندما يتحدثون عن المُختلِف يسود لغتَهم تخويفٌ منه، وتحذيرٌ من دسائسه ومكائده ومؤمراته. يعيشُ الشبابُ المنخرطون في هذا التديّن حالةَ توجسٍ من المختلف، بنحوٍ يصابُ فيه بعضُهم بالشلل النفسي في إدارة علاقاته خارج جماعته. وأحيانًا تصلُ الحالةُ عند بعض أفراده إلى أن يتحولَ هجاءُ المُختلِف واتهامُه إلى مهنته الأبدية، بل ربما يشعرُ أن استمرارَ حضوره في العالَم يقترنُ بهجاءِ المُختلِف والانشغالِ به، من دون أن ينشغلَ هو بنفسِه وإصلاحِ أحواله. وتشيع بين أفراده كتاباتٌ تضع  المسلمَ في مواجهة أبدية مع العالم1 ، ونتيجةً لانتشارِ هذه الكتابات وتأثيرِها الشديد يولد موقفٌ عدائيّ من كلِّ ما ينتمي للغرب الحديث، ويمتدّ ليشمل مختلفَ العلوم والفنون والآداب وكلَّ ما يمثّل معارفَ الحداثة وقيمَها ومكاسبَها. ومن الطريف أن بعضَ أشدِّ الكتاب مناهضةً لقيم الحداثة ومعارفها يقيمون في الغرب، ويحملون جنسياتِه منذ سنوات طويلة، ويتشبّثون بكلِّ الحقوق والحريات التي منحتها لهم الحداثةُ السياسيةُ والأنظمةُ الديمقراطية في الدول الغربية.

في تقاليد هذا التديّن يعجزُ أكثرُ الأفراد عن بناء الذات، لأنهم يستهلكون كلَّ طاقتهم بمعارك أكثرُها مُفتعَلٌ مع المُختلِف، وتبعًا لذلك يعجزون عن بناءِ العقول والأرواح والضمائر والأوطان.

وهناك نمطٌ آخر للتديّن يتمحور حول الفتاوى الواردةِ في المدونة الفقهية، ويهتمُّ بتطبيق الفتاوى حرفيًا على كلِّ واقعة في الحياة الشخصية والاجتماعية، تُختزَل في هذا التديّن الشريعةُ بالفقه، ولا يكترثُ كثيرًا بتربية الروحِ، وترسيخ الضميرِ الأخلاقي، وتنميةِ الذوقِ الفنيّ، وإلهامِ الحسِّ الجمالي، مادام المتديّنُ مُلتزِمًا بتطبيق الفتوى على الواقعة الحياتية. نجد أحيانًا في هذا النمطِ من التديّن ما هو أخلاقي، لكن طالما صار هذا التديّنُ غطاءً للتديّن الشكلي.

لا يشدّدُ هذا التصنيفُ للتديّن على أن كلَّ نمطٍ من أنماطه المذكورة مستقلٌ بذاته ولا يلتبسُ بغيره، فالتديّن الشعبي يتداخل أحيانًا بما هو شعبوي، والتديّنُ الشعبوي أوضحُ مثال للتديّنِ الشكلي، وأحيانًا يكونُ التديّنُ السياسي مثالًا للتديّن الشكلي.

كما يشير تصنيفُنا لأنماط التديّن إلى أن الدينَ يتخذُ شكلَ المحيط المجتمعي الذي يحلُّ فيه، ويصطبغُ بنوع الشخصية البشرية وطبيعةِ العمران ومختلف الظروف التي يعيشها الناس. الدينُ مثلما يؤثّرُ في حياة الناس يتأثرُ بثقافاتِهم وتقاليدِهم وطرائقِ عيشهم. وهذا يعني أن حضورَ الدين بالشكل الذي يكون معه فاعلًا إيجابيًا في البناء والتنمية يتوقفُ على نمطِ تديّنٍ مُلهِمٍ للروح والضمير الأخلاقي والحسّ الجمالي، ويرتبطُ ذلك عضويًا بإعادةِ بناءِ أنظمة التربية والتعليم في ضوء مكاسب العلوم والمعارف الحديثة، والاهتمامِ بالقيم الكونية المشتركة بين البشر، وخلقِ وعي جديدٍ مواكبٍ للتحولات الكبرى في العالم.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

................

مثل: " قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام أبيدوا أهله" لجلال العالم، وعشرات العنوانات غيره. كان الدعاةُ السلفيون يوزعون هذا الكتيب بكثافة في مدارس الخليج والسعودية. وهو كتيب يعتمد إثارة الشباب واستفزاز غيرتهم الدينية، من خلال نقل معلومات تخويفية، كثير منها ليس دقيقًا ومضلل.

 

عبد الجبار الرفاعيأعني بالتديّنِ الشكلي ذلك النمطَ السطحي المجوّف من التديّن، المفرّغَ من نبضِ الحياة الروحية، ووهجِ الضمير الأخلاقي، الذي يضع معاييرَ ظاهريةً شكليةً تُقاس درجةُ التديّن بمدى الالتزام بها، بغضّ النظرِ عن بناءِ الكيان الداخلي للمتديّن. وكثيرًا ما ينتهي التديّنُ الشكليّ إلى تديّنٍ زائفٍ يمحق روحَ الدين، بعد أن تنطفيءَ فيه جذوةُ الإيمان، وتتهشم القيم، وتتحوّل المفاهيمُ المولّدةُ للطاقة الروحية إلى مفاهيم محنطة، وطالما تحوّل هذا التديّنُ إلى نوعٍ من الفلكلور المبتذل، لذلك كان سببًا أساسيًا لنفور الناس من الدين.

ويتداخل هذا التديّنُ مع بعض الأنماط الأخرى، فالتديّنُ الشعبويّ أظهرُ أمثلة التديّن الشكلي، ويظهر التديّنُ الشكلي أيضًا بوضوحٍ في بعض حالات التديّن السياسي. وقد انتهى النموذجُ الذي صنعه التديّنُ الشكلي الى المبالغةِ في التشديد على السلوك الظاهري للمتديّن، وأسرف كثيرًا بالاهتمام بالشعائر والاحتفالات الجماعية، وانشغلَ بشكلِ اللباس، ولغةِ الجسد، وتعبيراتِ الوجه، ونوعِ الحركة والمشي، ونبرةِ الصوت، ما دعا أكثرَ المتديّنين بهذا النمط من التديّن لصناعة جدارٍ سميك بين شخصيته الحقيقية المحتجبة في داخله، وبين ما يُظهره للخارج من سلوك، وأفضى ذلك إلى انشطار الشخصية إلى كيانين: خارجي لا يشبه الداخلي، وداخلي لا يشبه الخارجي. وربما حاول بعضُهم أن يظهر بملامح غامضة، بغيةَ إخفاءِ شخصيته الداخلية وحجبِها عن الأنظار. وربما أسرف بعضٌ آخر في التمثيل بغيةَ إخفاء أكثر ملامح شخصيته، حتى صار ذلك الشخصُ لفرط التمثيل بلا ملامح.

تعرّفتُ في حياتي على شباب أصبحوا متدينين بهذا النمط من التديّن، وعندما تديّنوا افتقدوا بالتدريج لكثيرٍ من وضوحِهم وبساطتِهم وعفويتِهم وتلقائيتِهم ومباشرتِهم في التعبير عن أنفسهم، بعد أن فرضتْ عليهم بيئةُ التديّن الشكلي محاكاتَها بكلّ ما يتفشى فيها من تمثيلٍ زائف.

وصار همُّ المتديّن المزمنُ إيصالَ رسالةٍ للجماعة التي ينتمي إليها تعلن تديّنَه المفتعَل وتقواه الصورية. لذلك تراه حتى لو مارس عبادةً في السرّ كنافلة الليل مثلًا، يحرص على إفشائها وترويجها في العلن. ولو تطوّع بعمل خيري، يسلك الطرقَ المختلفةَ للإعلانِ عن عمله، وإن كان ذلك الإعلانُ مذمومًا في بعض الموارد في الشريعة، لأن كلَّ ما ينشده المتديّنُ الشكلي من فعلِ الخير هو إبلاغُ الآخرين كي يشهدوا على أنه متديّن. ويرمي المتديّنُ من الإعلانِ لجماعته عن أنه متديّنٌ الى الفوزِ باعترافِ الجماعة وثقتِها. وهو رأسُ المال الرمزي المهم الذي يحرص على امتلاكه، كي يوظفه في تعزيزِ نفوذه الاجتماعي، وتسويقِ شخصيته للاستحواذ على مواقعَ ومكاسبَ يسعي إليها، في مجتمع يشيعُ فيه هذا اللونُ من التديّن، وتحكمه تقاليدُه ومفاهيمُه.

وأظن أن هذا الضربَ من التديّن نشأ في قصورِ الخلفاء والسلاطين في عالَم الإسلام، ثم تسرّب بالتدريج إلى مجالاتٍ أخرى في المجتمعات الإسلامية. ومن قبله وُلد وترعرع في دولةِ الكهنوت الكنسي في أوروبا العصور الوسطى.

وطالما تقمّص التديّنَ الشكلي التجّارُ ورجالُ الأعمال وكلُّ من يسوّق البضائعَ للناس، ووظّفه السياسيون ورجالُ الحكم في المجتمعات الدينية. ويتغوّل هذا التديّن عادةً في مجتمعات تعتمده معيارًا في التوثيقِ والتصديقِ في المعاشِ والمعادِ.

الخوفُ ليس مصدرًا للأخلاق

تقترن التربيةُ في التديّن الشكلي بالخوف؛ لذلك يشدّد هذا التديّن على قيمة العنف في الحياة الدنيا،كما يستحضر على الدوام صورَ العذاب الأخروي، والمشاهدَ التي تثير الهلعَ في الحياة الآخرة. ويسود اعتقادٌ لدى أكثر المتدينين بهذا النوع من التديّن أن الأخلاقَ لا تولد إلّا من الخوف، ولا يمكن بناءُ الفرد والمجتمع الصالح من دون خوف، وكأنهم لا يعلمون ان تأمينَ حقوق الإنسان وحرياته هو الضمانة الحقيقة لحماية الفرد والمجتمع من الأمراض الأخلاقية والنفسية.

الخوفُ ليس مصدرًا للأخلاق، فربما تجد من يخاف حدَّ الهلع لكنه ليس أخلاقيًا، وربما تجد من كان يبدو أخلاقيًا قبل امتلاكه السلطة والثروة، غير أنه لحظةَ يمتلكهما تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية. الخوفُ لا يصنع أخلاقًا، ولا يخلق إنسانًا أخلاقيًا، الخوفُ يغطي لاأخلاقيةَ بعض الناس، لذلك يُفتضح الوجهُ الحقيقي لهؤلاء عندما يتخلصون من الخوف، كما نرى بعضَ الناس ممن يبدو أخلاقيا في الظاهر حين يكون فقيرًا، غير أنه لو استغنى ينزعُ الغطاءَ الأخلاقي الزائف، وبعضَ الناس ممن يبدو أخلاقيًا إن كان ضعيفًا لا يمتلك سلطةً أو نفوذًا، لكنه لو امتلك أيَّ شكل للسلطة تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية فيستبدّ ويطغى.

يستفيق الضميرُ الأخلاقي بالتربيةِ الصالحة، وتأمينِ حقوق الإنسان وحرياته، والبناءِ السليم للمجتمع... بناءُ الأخلاق على الخوف لا يؤسّس أخلاقًا أصيلة، ولا يبني مجتمعًا أخلاقيًا، وكثيرًا ما ينتهي إلى ازدواجيةٍ ونفاقٍ سلوكي.

للأخلاقِ قيمةٌ بذاتها، ذلك أن الحَسَنَ حَسَنٌ بذاته، والقبيحَ قبيحٌ بذاته. ويستمدّ الفعلُ الأخلاقي قيمتَه من كونه فعلاً أخلاقياً لا غير، وذلك ما يجعل أثرَه يظهر مباشرةً على حياةِ وسلوكِ فاعله قبل غيره. جوهرُ الفعل الأخلاقي أنه واجبٌ لذاته بغضّ النظر عن نتائجه، فلو حاول شخصٌ إنقاذَ غريقٍ فإنه قام بفعل أخلاقي، سواء أفلح بذلك أم لم يفلح. للوجودِ ذاكرةٌ أخلاقيةٌ لا يُمحى فيها أثرُ أيّ فعل أخلاقي، لذلك يُعلِن الفعلُ الأخلاقي باستمرار عن نفسه ويتحدّث عن فاعله، ويفرض احترامَه على كلّ إنسان.

أساسُ الأخلاق أحكامُ العقل العملي. وهذا العقلُ هو الذي يحكم بقبحِ الكذب وحسنِ الصدق، وقبحِ الخيانة وحسنِ الأمانة، وقبحِ الظلم وحسنِ العدل. وهو المرجعيةُ في كلّ ما هو حسن أو قبيح، وفي ما نجده من قيم أخلاقية كلية في البنية العميقة للمجتمعات البشرية التي لم تتعرّف على الوحي الإلهي، فلو لم تكن هناك نواميسُ كونيةٌ للقيم والأخلاق، وكان كلُّ حُسن يحيل إلى ما يُحسّنه الوحي، وكلُّ قُبح يُحيل إلى ما يقبحّه الوحي، فسيفضي ذلك إلى تفريغِ الأخلاق من مضمونِها، وغيابِ أيِّ فعل أو سلوكٍ أخلاقي في المجتمعات البشرية التي لم تعرف الوحي. وعلى الرغم من أن تلك المجتمعات لم تعرف الأديانَ الابراهيمية، ولم تصل اليها تشريعاتُ الوحي، فإن تاريخَها يبرهن على أن هناك حضورٌ للكلمات والأفعال الأخلاقية في حياة وسلوك الفرد والجماعة، وأنها تدرك أن للكلمات والأفعال الأخلاقية الأصيلة بصمةً في ضمير العالم.

منابع التديّن الشكلي

يتغذّى التديّنُ الشكلي في مجتمعاتنا من العائلة والمدرسة والعشيرة والمجتمع والسلطة السياسية، كلُّ هذه المؤسّسات تتولى تدجينَ الطبيعة البشرية، وتعمل على تنميطها، فتبثّ الرعبَ ببراعةٍ في القلوب، وتسقي العقولَ والمخيلة أوهامًا خادعة، حتى تودعها في صندوقٍ مقفل. الخداعُ الذي يتغذّى منه المتديّنُ يتضخّمُ ليضفي على ذهنه قشرةً واهيةً، تشعره بتوهم معرفة كلِّ شئ، وأنه على صوابٍ دائمًا، ويترسّخ لديه توهمُ القوة والإنجاز، لذلك لا يجرؤ على أن يعبّرَ عن شعوره العميق بالعجز وعدم القدرة والضعف، خشيةَ الازدراء في مجتمعه، ولئلا يفقدَ تلك الهالةَ الزائفةَ التي تحملتها شخصيتُه وصدّقها.

ويتغذّى التديّنُ الشكلي أيضًا من الازدواجية ويغذّيها، إذ يعملُ هذا التديّنُ على تغذيةِ وترسيخِ الجذورِ العميقة لانشطار الشخص إلى كيانين، كيانٍ باطني يعبّر عنه كما هو في ذاته، وكيانٍ ظاهري يحاكي ما يحقّق له حضورًا ومكانةً مجتمعية، وهذا الكيان لا يعبّر عنه إلا بالشكل الذي يريده الناس، لذلك يفرض عليه ارتداءَ أقنعةٍ تختبئ خلفَها شخصيتُه الباطنية.

كذلك يتغذّي التديّنُ الشكلي من تقاليد التربية والتنشئة المجتمعية التقليدية ويغذّيها. وأكثرُ هذه التقاليد ليست واقعيةً، لأنها على الضدِّ من الطبيعة البشرية، وتتنكر لكثيرٍ من احتياجاتها الأساسية. فهي مثلًا لا تكشف مكامنَ الضعف الطبيعية للإنسان، ولا تكترث بهشاشةِ الكائن البشري وعجزِه الطبيعي، وتشدّد على الدوام على إضفاءِ قوّةٍ وهميةٍ على الأشخاص، والإعلاءِ منهم، ومن تفرّدِهم الاستثنائي بكلِّ شيء، وتفوّقِهم على كلِّ شخص سواهم. وتبدأ هذه الأساليبُ في مرحلة الطفولة، فمثلًا من أسوأ الأخطاء التربوية التي يرتكبها أكثرُ الآباء والأمهات في المجتمعات التقليدية، وعادةً ما يدفع الأطفالُ فاتورتَها مع تقدّم عمرهم، هي ترسيخُ قناعات زائفة عند الناشئة بأنهم أكبرُ من مرحلتهم العمرية، والعملُ على ترويضهم وتدجينهم باستمرار على أن سلوكَ جيلهم هو عبثٌ وطيشُ صبيةٍ غيرُ متزن، لا يليق بعقلهم ومكانتهم وشخصيتهم، ويجد ذلك تعبيرَه بوضوح في حرمانِهم من اللعب، ومنعِهم من العبث البرئ في طفولتهم مع أقرانهم، الذي يتكفّل ببناءِ مَلَكةِ التفكير، وانبثاقِ قدرات الإبداع والابتكار، وإيقاد فاعلية المخيّلة في أذهانهم.

ويتغذّى هذا التديّنُ من استبدادِ السلطة، والأنساقِ العشائرية الراسخة في مجتمعنا وما تشدّد عليه من روحِ الانقياد والإذعان، ويغذّيها. الاستبدادُ أخطرُ منابع التديّن الشكلي، فكلُّ استبدادٍ ينشد التطابقَ وإنتاجَ نسخٍ متماثلة للكائن البشري، ويعمل على محوِ الاختلاف، ومن ثمّ طمسِ الخصوصيات الذاتية للفرد، لأن الاستبدادَ لا يتمكن من إنجاز ما يرمي إليه إلّا بالعمل على محوِ الذات الفردية. على الرغم من أن كلَّ من يريد أن يكرّره الآخرُ لا يفهم الذاتَ البشرية وطبيعتَها المتفرّدة التي يتعذّر محوُها. الفرديةُ هي الهويةُ الوجودية للكائن البشري، فكلُّ كائنٍ بشري لا يتطابق كلّيًا إلّا مع ذاته. ولأن الذاتَ يتعذّر محوُها تمامًا، لذلك تفضي أساليبُ تربية الأنظمة المستبدّة إلى الإصابة بالازدواجية وتفشّي النفاقِ السلوكي، وعلى أثر ذلك تتعدّد أقنعةُ بعض البشر بعدد المواقفِ والحالاتِ التي يكون فيها، والأشخاصِ الذين يخاطبهم. ويلبث الشخصُ من هؤلاء كلَّ حياته منفيًا خارج ذاته،كلَّ مرة يعيش حياةً شخصيةً أخرى مُستعارَة، وكلُّ حياة بشخصية مستعارة نمطُ حياةٍ ينفي الحياة.

وأحيانًا يستفيقُ الشخصُ المدجّنُ على تقاليد التديّنِ الشكلي وينتفض ليعود إلى شخصيته الحقيقية، لأن الطبيعةَ البشرية ينهكها التزويرُ والتمثيلُ الزائف الذي يُكره عليه الإنسانُ في مختلف المواقف. الطبيعةُ البشريةُ صلبة جدًا، تقاوم بصمتٍ من يعبثُ بها، لذلك يرتدّ انتهاكُها على ذات الإنسانِ فيترسب على شكلِ عقدٍ نفسية.

نتائج التديّن الشكلي

يرادفُ التديّنَ الشكلي أحيانًا ازدواجيةٌ ونفاقٌ سلوكي، وادعاءاتٌ ومزاعم، وحيلٌ فقهية، وتوريةٌ، وإظهارُ الحياءِ والعفّة والتواضع المصطَنع، وكثرةُ الكلام في الدين والفقه، والجدلُ العقيم والثرثرةُ في قضايا دينية هامشية، والإلحاحُ في السؤال، وطلبُ فتوى الفقيه لكلِّ شيء يقوله أو يفعله المتديّن، وربما تتورم حالتُه فينتهي إلى مرضٍ نفسي واضطرابٍ ذهني وسلوكي.

المتديّنُ الذي ينخرطُ في هذا النمط من التديّن يهمّه التسويغُ الفقهي لفعلِه وقولِه، مهما كان أثرُه السلبي على حياتِه الروحية والأخلاقية، ومصيرِه الأخروي، وإن كان سلوكُهُ مضرًّا بمصالحِ الناس ومعاشِهم، فهو يحرص جدًّا على أن يعثرَ على فقيه، وما أكثر من يدّعي الفقاهةَ اليوم، يفتي له بجواز فعلِ أو قولِ ما يريده، وإن كان ذلك الفعلُ أو القول قبيحًا على وفق أحكامِ العقل العملي "الأخلاقي"، أو كان يهدم العمرانَ وعلى الضدّ من بناءِ الأوطان، أو كان ذلك الفعلُ أو القولُ يجرح الروحَ وينتهك الضميرَ الأخلاقي.

شاهدتُ وأشاهدُ باستمرار في حياتي، ويشاهد كثيرٌ ممن عاش في مجتمعات دينية، أفعالًا يومية على نمطِ هذا التديّن الشكلي في سلوك ومواقف أكثر من نتعامل معهم. لأن التديّنَ الشكلي أكثرُ أشكال التديّن شيوعًا في مجتمعاتنا، فهو يتحكّم في العلاقات الاجتماعية بين المتدينين، وتسود القيمُ الشكلية التي أنتجها حياتَهم، وهي التي تحدّد أنواعَ اهتماماتهم وأحكامهم.

وأحيانًا يتحولُ التديّنُ الشكلي إلى غطاءٍ لبعض الأمراض النفسية التي تتخذ من هذا النوع من التديّن قناعًا لها. ويمكن تشخيصُ سلوكيات مصابين بأمراض نفسية يتخذون من التديّن العنيف والمتشدّد والمتنطّع والمُغالي أقنعةً يتلفعون بها، وتظهر تعبيراتُ هذه الأمراض النفسية بأشكال متنوّعة، فنقرؤها أحيانًا في اللغةِ وأساليبِ التعبير، ونسمعها في الصوتِ الذي قد يتمثّل في نغمة تخدش السمع، أو نراها على شكلِ تعبيراتٍ في الوجه تثير القرف، أو حركاتٍ منفّرة في لغة الجسد، أو أنماطٍ عنيفةٍ في التعامل مع الآخر. فقد يكون الشخصُ مصابًا بوسواس قهري1 ، فتظهر لديه حالاتُ مبالغةٍ في الاحتياطات الفقهية في كلّ شيء، وإغراقٌ في تكرارٍ مملّ للغسل والوضوء، والصلاة، ومناسك الحج، وغيرِ ذلك من العبادات.

وربما يكون الشخصُ مصابًا بشيزوفرينيا حادّة فيظهر ذلك المرضُ في تديّنه، ويصير التديّنُ غطاءً لسلوكه العدواني. وربما يكون ساديّا فيتلذّذ بذبح البشر. وربما يكون مازوشيا فيتلذّذ بتعذيب جسده بممارسات تعنّف الجسد، وربما يتفجّر مخزونُ الكبت المتراكم لديه فيرتدّ بشكلٍ عنيف ضدّ جسده، كأولئك الذين يجرحون رؤوسَهم في ولائم دامية بذريعة أداء الشعائر. وربما يكون المتديّنُ مصابًا باكتئابٍ شديد، فتراهُ كمن يقيمُ في كابوسِ حزنٍ مزمن، وتنعكس بعضُ أعراض اكتئابه في عباداته، وفي مختلف أشكال سلوكه وأساليب تعامله مع الناس. وغير ذلك من الأمراض النفسية المختلفة التي تتخذُ من التديّن قناعًا تختفي خلفه.

وقد يتحول التديّن الشكلي إلى غطاءٍ لبعض الأمراض الأخلاقية، علمًا بأن هناك صلةً عضويةً بين بعض الأمراض النفسية والأخلاقية، لكن الأمراضَ الأخلاقيةَ أشدُّ فتكًا في المجتمع من الأمراض النفسية والجسدية، والعدوى فيها لا تختلف عن عدوى الأمراض الجسدية المعدية، وتشتدُّ هذه العدوى إنْ سقط بعضُ الشباب ضحايا في أحضان معلّم يغطّي تديّنُه الشكلي مرضَه الأخلاقي. أعرف شبابًا مهذبين أمسوا من ذوي العاهات الأخلاقية عندما تلمذوا على معلّمين مصابين بأمراض أخلاقية حادّة.

وتنحرف الطقوسُ في التديّن الشكلي عن مقاصدها الروحية والأخلاقية. حتى الصلاة قد تتحول أحياناً إلى غاية بذاتها، وربما تصيرُ الطقوسُ وثنًا. توثينُ الصلاة مثلاً يصاب به بعضُ المتدينين، وتظهر أعراضُه على شكل اضطرابٍ وضوضاءٍ وهوسٍ وقتَ الصلاة. وأحيانا يصبح الغرقُ في التديّن الطقوسي ضربًا من التعبير عن شغفٍ بسلطةٍ مُشتهاة. عندها يجري توظيفُ الطقس قناعًا لتكريسِ سطوة الشخص على من حوله، بمعنى أن مثلَ هؤلاء ينشدون سلطةً دنيوية، أكثر مما ينشدون إثراءَ حياة روحية وأخلاقية. لذلك يتعرض من يتعاملون معهم إلى ضربٍ من العنف الرمزي المنبعث من أجسادِ هؤلاء المهووسين بالطقوسِ، ولغتِهم، وأساليب تعاملهم مع الناس، فترى بعضَهم يعيشون حالةَ انفعالٍ وتوترٍ شديدين، ولا تخلو ممارستُهم الطقسَ من تكلّفٍ وتعبيراتٍ تشي بالشغف بسلطةٍ منشودة، وكأنهم لا يفتؤون عن تنبيه الآخَر بسطوتهم، اثر إشعاره بتفوّق مقامهم الروحي.

في التديّن الشكلي طالما عجزَ الإنسانُ عن البوح والاعتراف، لذلك نجد بعضَ الأشخاص يمارس مراوغةً مبتذلة في التعبير عمّا يريده، ويظهرُ العجزُ عن البوح والاعتراف في المذكرات الشخصية بوضوح، إذ قلّما نطالع في مذكرات من يكتب في مجتمعاتنا اعترافات، خلافًا للغربيين الذين نقرأ في مذكراتِهم الشخصية كثيرًا من البوح والحديث المكشوف. إنها اعترافاتٌ شجاعة تبوحُ بطبيعتهم البشرية التي تختزن ضعفَهم وهشاشتَهم وقلقَهم وعبثَهم وأخطاءَهم وتناقضاتهم.

لم يكن هذا الشكلُ من التديّن في يوم ما حلًا لمشكلة، بل كان وما زال، هو المشكلةُ في عالَم الإسلام، فمن الآثارِ الخطيرةِ للتديّن الشكلي أن لادينيةَ أكثرِ الشباب اليوم هي احتجاجٌ على هذا النمط من التديّن، إنها احتجاجٌ على نمطِ تديّنٍ يغيبُ فيه الضميرُ الأخلاقي، تديّنٍ يُفقِر الحياةَ الروحية، تديّنٍ يعجز عن تذوق جماليات الوجود، تديّنٍ ضد الفنون، تديّنٍ ضد الفرح، تديّنٍ حزين، تديّنٍ كأنه اكتئاب.

وأودُ الاشارةَ إلى أن هذا التصنيفِ الذي اقترحتُهُ للتديّنِ جاء محصلةَ خبرةٍ في الحياة الدينية، وعيشٍ داخل جماعات متدينة، وكنت اهتمّ منذ وقت مبكر برصد تمثلاتِ الدين وتعبيراتِه في سلوك الفرد والجماعة، وما ينبغي أن ينتجه من آثارٍ عمليةٍ، يفترضُ أن تجدَ تعبيرها الأخلاقي في سلوك المتديّن.

في هذا التصنيفِ لم أجد الحدودَ صارمةً بين كلِّ واحدٍ من هذه الأنماطِ والآخر، بل وجدتُ التديّنَ الشكلي مثلًا يتداخلُ مع تعبيراتِ التديّنِ الشعبوي، كما يتداخلُ مع شيءٍ من تعبيراتٍ لأنماطِ تديّنٍ أخرى. وقد تنبهت لذلك منذ أكثر من ثلاثين عامًا، كما أشرتُ لبعض هذه الأنماط منذ أكثر من عشر سنوات في بعض كتاباتي، وبعد ذلك كتبتُ مُخطّطًا أوليًا لهذا التصنيف في مقالةٍ نشرتها قبل ست سنوات، أدرجتُ فيها هذه الأنماطَ وشرحتُها بإيجازٍ شديد.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

.....................

1- "الوسواس القهري أفكار أو إلحاحات وساوس متكررة لا يمكن السيطرة عليها. سلوكيات أو أفعال عقلية متكررة يشعر الفرد بأنه مجبر على أدائها". مجموعة مؤلفين. علم النفس المرضي. مكتبة الأنجلو المصرية، 2016، فصل 7 "الوسواس القهري والصدمة والاضطرابات المرتبطة بهما"، ترجمة: د. ملك جاسم الرشيد، ص 399. "الوسواس القهري اضطرابٌ نفسي يشعر فيه المصابُ أنّ فكرةً معيّنة تلازمه دائمًا، وتحتلّ جزءًا من الوعي والشعور لديه بشكلٍ قهري، أي أنّه لا يستطيع التخلّص أو الانفكاك منها، مثل الحاجة إلى تفقّد الأشياء بشكل مستمر، أو ممارسة عادات وطقوس بشكل متكرّر، أو أن تسيطر فكرةٌ ما على الذهن بشكل لا يمكن التفكيرُ بغيرها. كما يعرّف الوسواس القهري بأنّه فكرٌ متسلّط وسلوك جبري يظهر بتكرار لدى الفرد، ويلازمه ويستحوذ عليه ولا يستطيع مقاومته، رغم وعيه بغرابته وعدم فائدته؛ ويشعر بالقلق والتوتر إذا قاوم ما توسوس به نفسُه، ويشعر بإلحاح داخلي للقيام به". جيهان سيد بيومى القط. عمليات الممارسة في خدمة الفرد. حلوان - مصر: مكتبه دار السحاب، 2015، ص 179.

 

نبيل دبابشلقد كنا بالأمس ونحن طلبة جامعيون نميز بين نوعين من المثقفين، مثقف عضوي راديكالي بسبب انتماءه إلى النشاط النضالي الحزبي وتمسكه بأبجديات الممارسة السياسية المنصوص عليها في المنشورات الثورية – وفق تصنيف غرامشي-، وبين مثقف السلطة الذي اختار أن ينتسب إلى مشروع المؤسسة الحاكمة ليكون صوتها لدى الجماهير في مجال الكتابة وإنتاج المعنى وفق أجندة مناسباتية...لم يكن حينها التميّز بين المثقف السلطوي والمثقف الأصولي قائما بشكل واضح .بل هما – في الغالب – يحملان نفس الرؤية وينتجان نفس الخطاب بأسلوبين مختلفين.

غالبا ما كان مثقف السلطة هو من يحتكر إلى جانب الفضاءات العمومية ، قيم المواطنة والوفاء وشرعية الخطاب، في مقابل المثقف العضوي الذي لم يلق إلا التخوين والإقصاء بسبب عداءه لأيديولوجية الدولة الوطنية وأساليبها في معالجة الانشغالات الاجتماعية، بعد أن كان في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي هو من يمثل الخطاب الشرعي. نعم تغيرت الأحكام والمراتب بتغير موازين القوى.

سؤالنا اليوم، هل تغير الوضع كثيرا ؟

 وهل التصنيف السابق يصدق على واقعنا المعاصر بعد انتهاء عصر الإيديولوجيات وتراجع الأصوليات المختلفة، وبعد أن ساهمت الانتفاضات الشعبية بدءا من 2010م في زعزعة مصداقية الدولة الوطنية وما تركته من منظومة معرفية كبيرة لا تزال تتحكم في كتابة برامج التعليم والإعلام؟... اننا نظن بأن تلك الثنائية لم تعد تملك حظوظا كبيرة في تفسير الواقع في هذا الظرف التاريخي، وأن ذلك التصنيف لن يكون صادقا بما فيه الكفاية لو اخترنا الاعتماد عليه.

ربما نفضل– اليوم- تصنيفا أخر نظنه اقرب إلى الواقع. يتمثل في الفصل بين مثقف في التاريخ ومثقف خارج التاريخ، بين مثقف نقدي يعيش مشكلات زمانه المعرفية أو الاجتماعية بوعي ومشاركة، يسعى إلى الكشف عن الآليات الخفية التي تتحكم في إنتاج المعنى في واقعنا، وبين مثقف أصولي يرى في اسئلة الواقع المتغير اختبار لوجوده الراكد والحالم، ولا يرى في حركية التاريخ إلا ذبابة تريد أن توقظه من نعاسه الجميل...

صار عندنا اليوم مثقف نقدي يعمل على تفكيك مجموعة كبيرة من المعطيات الفكرية والاجتماعية في سبيل تقديم قراءة أكثر وضوحا، ومثقف يتقمص دور الداعية ليعتقد في نفسه المسؤول الأول عن الغنم الضالة، ولا يرى في الوجود الاجتماعي إلا أخطاء تنتظر منه الوصاية. إن الاختلاف هو بين من يبحث عن الحقيقة ولا يدعي أبدا بأنه قد أدركها وبين من يرى الشيطان في كل شيء وهو وحده من يمتلك خاتم سليمان لتطويع ذلك الجن المارد، ثم يقر – ضمنيا - بعجزه على المواجهة في غياب القاموس الجاهز الذي ورثه عن القرون الماضية.

ليس بالضرورة أن يمثل دور الداعية ذلك المتدين الكلاسيكي– دائما -، بل قد يكون من بين المثقفين المحسوبين على التيار التقدمي أو ضمن الذين لم يفهموا الديموقراطية إلا بعد تجويفها من معانيها التاريخية. المشكلة هي في اسلوب الرؤية وفي مسافة التموقع من الحقيقة. الدوغمائية والتعصب إلى الرأي وتعظيم الخطأ كلها معايير تتنافى والموقف النقدي.

يردد الكثير من الباحثين في – أيامنا - عبارة عودة الديني إلى الفضاء العام بعد غياب طويل، والمقصود هو عودة الخطاب الديني وانتشاره بين الفئات الاجتماعية. نحن لا نوافق على هذا التصور، ربما لقصوره الواضح في مقاربة الواقع. بل نقول بوجود مراحل عرفها الخطاب الديني وصورا متعددة تميز بها خلال التاريخ فليس هناك غياب أو حضور، بل كل ما في الأمر هو انتقال من حالة إلى أخرى ومن وضع إلى آخر.

هي نفسها الحالة التي تميز بها الخطاب النقدي، فهو يتغير بتغير موازين القوى. قد يكون هو الخطاب السائد في مرحلة من التاريخ، أو عكس ذلك هو الخطاب المضطهد. لقد عرفت بغداد وقرطبة لحظات تاريخية عظيمة تعالت فيها أصوات العقل والإبداع لتشكل نموذجا لا يزال يلقى الإعجاب إلى يومنا هذا، ونقلت الينا المدونات اخبار ما كان يحدث من لقاء ونقاش بين الطوائف والملل في بيئة اتسمت بتغليب لغة المنطق والعقل، لتأتي بعدها مراحل الردة وانتشار كبير لمجالس التفتيش وحلقات التكفير.

المثقف النقدي هو صاحب رسالة من نوع خاص، ليس من الضروري أن يستمر التعامل معها بمعايير المنفعة التي نستعملها مع السياسي او كل نشاط ذو طبيعة إجرائية...للمثقف أسئلته وهواجسه فليس من المعقول أن نرى فيه بائعا للحلول أو ننتظر منه الحضور في كل مناسبة...يجب أن يعاد ترتيب المقاييس. رسالة المثقف لم تعد النهي عن المنكر والأمر بالمعروف...اذ قد يسهم بقلمه في تقديم تصورات حول مشكل اجتماعي أو سياسي ولكنها ليست رسالته الوحيدة.

قبل أن يحدثك عن فوضى المجتمع وتناقضات النشاط السياسي ، فان المثقف النقدي يبدأ - اليوم - بالحديث عن فوضى التفكير والحدود المنهجية لبعض الأنساق المعرفية والتصورات. هو لن يحدثك عن الواجبات والأحكام بقدر ما يشد بيدك للتفكير سويا في سياق عقلي أنجع يتجاوز الاختزالية المتوارثة عن المعطيات الأيديولوجية. هو لا يرى في السلوكيات الممنوع والمحرم بل التعدد والاختلاف، ولا يفكر ضمن الجاهز كما يريد له الاصولي، بل هو من يعلن الثورة على الجاهز ويسعى الى تفكيك اصوله وكشف المسكوت عنه. ليس في نية المثقف النقدي تأسيس خطاب منتهي او التشريع لبرنامج حياة، بقدر ما يهدف الى تقديم صورة اوضح عن المجال المعرفي والسوسيولوجي بعدما يقوم بتنقيتها.

ان صورة الاب والنموذج الناجح الجاثمة في ذواتنا هي نقطة انطلاق المثقف النقدي، الذي سيجد نفسه بسببها امام تحد كبير. القبول بها يعني السقوط في التفاصيل، رفضها يعني الدخول في صراع مع المحيط، وهنا يكمن سر معاناته.

ان نكون مثقفين اليوم يعني ان تكون لنا مواقف وليس مهن نتعلمها لنسترزق منها. من المؤسف ان الكثير من المثقفين الاكاديميين اختاروا الابتعاد عن الكتابة النقدية لأجل الاهتمام بمقتضيات الدرس والمحاضرة اي الانغماس في التفاصيل، وهو ما يميز الكثير من الاقسام الجامعية في المنطقة العربية، ويؤهل نسبة معتبرة من المتخرجين الى تبني الخطاب الدوغمائي...اننا في امس الحاجة الى فئة طلائعية، تؤسس لفكر نقدي جديد وتؤمن بضرورة احداث القطيعة الفكرية مع المنهجية التقليدية. لا نعتقد ان المؤسسة الجامعية في منطقتنا العربية تتوفر على الامكانات الكافية لصنع هذا النوع من النخبة في الظرف الحالي.

اذا كان خطاب المثقف التقليدي يتميز بالثبات، معتمدا على منهجية السلف دون اي تحيّين منهجي لمعطياتها بما يتطلبه الراهن او لأن معطياتها تحكمها الضرورة التاريخية ولذا يصعب كثيرا الاحتفاظ بها كاملة. فان المثقف النقدي لن يكون إلا بإحداث القطيعة مع اجيال من التصورات، من خلال انتاج خطاب يكشف المسكوت عنه ولا يتوقف عند الاسس والاصول بسبب قداستها بل يسعى الى اعادة قراءتها وتبيان الخلل الذي اراد المؤرخ ان يخفيه عنا . وفي هاته الحالة لا بأس ان نشيد بجهود الدكتور محمد المسيح في كتابه الصادر سنة 2018 م '' مخطوطات القرآن. مدخل لدراسة المخطوطات القديمة '' وجهود الباحث المغربي رشيد ايلال '' صحيح البخاري نهاية اسطورة ''. لما لهاته البحوث من قيمة في كونها كانت السباقة الى اعادة قراءة ما اصطلح على تسميته بالأصول والثوابت.

و نحن نتعمد اختيار النموذج من بيئتنا حتى لا يقال اننا ننسخ افكار الغرب لندمر بها دار الاسلام ونزيل بها مجد المسلمين وعزهم. الاسئلة التي ورثناها كثيرة ويصعب تعدادها، ولكن المشكلة التي نواجهها هي في قلة الجرأة وضعف الادوات.

كثيرا ما يرتدي المثقف التقليدي ثوب المثقف الحداثي والنقدي ليخفي اهدافه الايديولوجية او احيانا العنصرية والاقصائية ، وهي ليست ميزة التقليدي – عندنا – فحسب بل موجودة وبكثرة في بلدان اوروبا ..و لا بأس ان نشير الى كتابات اودون لافونتان Odon lafontaine حول الرسول (ص)، او منشورات سامي الذيب... فبالرغم من ان هؤلاء الباحثين يّدعون الانتساب الى الرؤية العلمية والنقدية فهم لم يعيدوا سوى انتاج خطاب القرون الوسطى، الذي تميّز بتفضيل ثقافة المنتصر واعلاء شأنها.

آن الوقت لفتح قارات جديدة من الاسئلة يساهم المثقف العربي فيها لأجل اعادة الاعتبار لوجوده المهدد بالزوال على حد تعبير ادونيس، مهدد بالانقراض لأنه عجز عن المشاركة في صنع تاريخه الراهن والمساهمة في انتاج المعنى الذي غالبا ما يلجأ الى استيراده جاهزا من مجتمعات اخرى.

مشكلة المثقف في المنطقة العربية واحدة، الانتظار المستمر ان توفر له السلطة كل ما يحتاجه وتهيئ له المناخ والامكانات. وكأنه لا يعلم لأي سلطة ينتمي؟...لا نريد السقوط في ابجديات خطاب الاسلام السياسي بتعداد مواصفات الزامية يتحلى بها المثقف النقدي، كأن نبدأ بجرد الخصال اللائقة والمباحة وتجنب المشبوهة او المكروهة. ولكننا نسعى – بكل بساطة – الى تقريب صورة النموذج الحي بوضعه بين هلالين.

فشلت الكثير من موجات الانتفاضة الشعبية في المنطقة العربية بسبب غياب المثقف النقدي الذي يعطيها معنى، ويخرجها من سياج العاطفة والحاجة لتصبح مشروع مجتمع جديد...ربما لان الظرف التاريخي وتسلسل الاحداث لم يوفر الوقت او الفرص التي قد يحتاجها المثقف لإبداء رأيه بكل حرية، ورغم ذلك نعتقد انه لا يزال في وسعه ان يقدم الكثير .هذا هو عصرنا ولا خيار امامنا ان اردنا ان نعيشه برؤوس عالية وبحضور حقيقي،علينا ان نمارس وجودنا ثقافيا هو اهم ما نحتاج اليه.

هل يمتلك المثقف العربي مشروع معرفي بمعزل عن الخطاب الايديولوجي المتداول منذ خمسينيات القرن الماضي او قبلها بقليل ؟ لا اعتقد ذلك ولا نتفق مع الدكتور على حرب عندما ذهب الى القول باننا نساهم في صنع الحداثة من خلال مناقشة قضاياها عربيا. اظنه فرق كبير بين أن تترجم مفاهيم كبيرة َأنتجها عقل غريب وبين أن نكون السباقين الى توليدها من رحم بيئتنا.

ذلك هو ما يجعل من المثقف نقديا. أن يمتلك مشروعا لمجتمع ومشروعا للعقل.

 

نبيَــــل دبابـــــش.

 كاتب من الجزائر

 

محمود محمد عليقليلون أولئك الرجال الذين يعيشون وفق ما يكتبون، ويظهرون ما يضمرون، ويعملون بما يؤمنون، ولا ريب في أن ماجد الغرباوي، والذي لم أعرفه شخصياً إلا من خلال عدة أسابيع فقط، حين طلبت من أخي الدكتور مجدي إبراهيم (أستاذ الفلسفة بجامعة العريش) أن يتوسط لي عنده بالنشر في صحيفة المثقف، وبدأت علاقتي به من خلال الماسينجر، حيث أهديته أول نسخة الكترونية من كتابي " حروب الجيل الثالث ونظرية تفتيت الوطن العربي"، ومنذ ذلك الوقت بدأت أتابعه عن كثب من خلال ما كتبه أو ما كُتب عنه، وسعدت كثيراً بالتكريم الذي حظي به في يوم الأحد الماضي من قبل منتدى الجامعيين وجمعية الاكاديميين بأستراليا.

وماجد الغرباوي من خلال قراءاتي له في تلك الفترة الوجيزة اكتشفت أنه مفكر جدير، إذ يُعدّ أحد القامات الفكرية العراقية - العربية التي آلت على نفسها الجمع بين النظرة العقلية الغربية والتراث الإسلامي في معالجة القضايا الفكرية، وهي تلك النظرة التي كشفت له عن العديد من الأفكار المهجورة في الفكر الإسلامي، وفي علاقة الإسلام بالآخر والقضايا الفكرية الآنية، ويحسب له أنه موسوعي الثقافة مستنير الفكر، فهو الذي كتب عن نقد الفكر الديني، والتسامح، والعنف، والحركات الاسلامية، والمرأة، والاصلاح والتجديد، وهو متخصص في علوم الشريعة والعلوم الإسلامية.

علاوة علي أنه متعدد المواهب فهو كاتب، وشاعر، وباحث دؤوب؛ حيث يسعي من خلال مشروعه في تجديد العقل الديني إلى ترشيد الوعي عبر تحرير الخطاب الديني من سطوة التراث وتداعيات العقل التقليدي، وذلك من خلال قراءة متجددة للنص الديني تقوم على النقد والمراجعة المستمرة، من أجل فهم متجدد للدين، كشرط أساس لأي نهوض حضاري، يساهم في ترسيخ قيم الحرية والتسامح والعدالة، في إطار مجتمع مدني خالٍ من العنف والتنابذ والاحتراب.

وقد بلغت إنجازاته العديدة في ميادين البحث والعقل والتنوير حوالي أكثر من ٢٥ عملاً ومؤلفاً، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات والبحوث والمقالات التي نشرها في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية المختلفة المتعددة، فمن أعماله علي سبيل المثال لا الحصر : إشكاليات التجديد (3 طبعات)، 2000م،2001م و2017م، فرص التعايش بين الأديان والثقافات (طبعتان)، 2006م و2008م، تحديات العنف، 2009م، الضد النوعي للاستبداد .. استفهامات حول جدوى المشروع السياسي الديني، 2010م.، الحركات الإسلامية.. قراءة نقدية في تجليات الوعي، 2015م، جدلية السياسة والوعي.. قراءة في تداعيات السلطة والحكم في العراق، 2016م، الشيخ المفيد وعلوم الحديث، 1992م، ترجمة كتاب الدين والفكر في شراك الاستبداد، 2001م.، تحقيق كتاب نهاية الدراية في علوم الحديث.. وهلم جرا.  وقد نال الاستاذ ماجد الغرباوي عدداً من الجوائز التقديرية عن أعماله الفكرية والعلمية البحثية.

وتتميز كتاباته بالوسطية والعقلانية، وتكشف عن تعمق كبير في العلوم الإنسانية والعلوم الشرعية، ويتميز أسلوبه بالوضوح والمنطقية؛ ولقد شهد له كل من كتب عنه من الباحثين بالدقة، والأمانة العلمية، والثقافة الواسعة ..إلي جانب ما يتمتع به من خلق رفيع، وتمسك بتعاليم الدين الحنيف . ولا غرو في ذلك فهو يمثل منظومة حافلة بالعطاء العلمي الجاد، والشموخ الإنساني المتميز، باحثا ومنقبا، محققا ومدققا، مخلفا وراءه ثروة هائلة من الكتب العلمية، والبحوث الاكاديمية الرصينة، وطائفة كبيرة من المريدين والاتباع الذين أعطاهم خلاصة فكره وعلمه.

ولقد أعجبني وصف الأستاذ "شاكر فريد حسن" في مقاله له بعنوان " ماجد الغرباوي المثقف التنويري والمفكر المضيء"، عندما قال :" ماجد الغرباوي: مثقف تنويري ومفكر مضيء"، (فهو يمثل) نخلة عراقية باسقة وشامخة في الفكر العربي الإسلامي، عانق نور الحياة في مدينة قلعة سكر، النائمة على نهر الغراف، وتتوشح بجمال طبيعتها وانسياب نهرها. نشأ بين أزقتها وحواريها، وتعلم الابتدائية في مدارسها، ثم انتقل وهو صغير السن مع أفراد أسرته إلى العاصمة العراقية بغداد، وفيها أكمل دراسته في إعدادية الكاظمية ثم الثانوية، لكنه تعرض للسجن مع ثلة من رفاقه، وبعدها واصل دراسته خارج حدود وطنه بموضوع الشريعة والعلوم الإسلامية، واستقر به الحال والمطاف في سيدني بأستراليا .

كما وصفه أيضاً بأنه يمثل رمز ونجم فكري وثقافي نقدي لامع يتجدد كل يوم في فضاءات العلم والثقافة والسياسة والمعرفة، ويقف ضمن طليعة المفكرين والمثقفين العرب المستنيرين، والنقديين المشتغلين على نقد الفكر الديني، والحركات الإسلامية، ومسائل النهضة، والإصلاح، والتجديد، والمعاصرة، والتنوير، والعنف، والتسامح بين الأديان والعقائد والمذاهب، وقضية المرأة ومسألة تحررها المرتبطة بتحرر المجتمع كله .

وإذا ما انتقلنا للحديث عن مشروعه في تجديد العقل الديني نجد أنه أعاد كتابة العلوم الدينية في صيغة عصرية، كما أعاد أيضا تأويل موقف الشريعة من قضايا المرأة، خاصة فيما يتعلق بحقها في تولي القضاء والفتوى والشهادة، والمساواة بينها وبين الرجل في الحقوق السياسية والمدنية؛ علاوة علي أنه صاحب رأي معلن بجرأة ووضوح في قضايا الدولة والمجتمع المدني وحرية الرأي والديمقراطية ومواجهة الفساد والتطرف، خاصة في كتابيه الحركات الإسلامية.. قراءة نقدية في تجليات الوعي، وجدلية السياسة والوعي.. قراءة في تداعيات السلطة والحكم في العراق. ويؤسس فلسفيا للتسامح في كتابه" التسامح ومنابع اللا تسامح .. فرص التعايش بين الأديان والثقافات".

ولما كان مقالي يدور حول جهود ماجد الغرباوي في تجديد العقل الديني، فلا أملك إلا أن أقول عنه من خلال ما قرأته في كتاباته ؛ وبالأخص كتابيه " إشكاليات التجديد"، و" تحديات العنف"، بأنه أحد أبرز المفكرين في الفترة الحالية الذين جمعوا علوم الدين من ناحية، والفلسفة من ناحية أخرى، وتقديمه المعلومة بلغة عصرية مفهومة عبر رحلة طويلة من الفقه إلي الفلسفة، حتى تؤدى إلي تكوين خطاب ديني جديد، رافضًا تجديد الخطاب الديني القديم.

لا شك في أن كتابا " إشكاليات التجديد"، و" تحديات العنف" لماجد الغرباوي يبرزان لنا كيف قدم الرجل مشروعًا جديدًا لتجديد الفكر الديني مرتكزًا علي العقلانية النقدية، حيث يري ضرورة تطوير علوم الدين، وليس إحياء علوم الدين القديمة، نظرًا لتجمدها الذي يحوِّل القرآن من نص ديناميكي يواكب الحياة المتجددة إلي نص إستاتيكي يواكب زمنًا مضي وانتهي، ويُؤسس الغرباوي لتفسير جديد ينتقل من الوعظ والإدهاش والتخويف إلي تفسير من أجل التعقل والتفكير؛ حيث وجدناه يدعو إلي تكوين خطاب ديني جديد في كتابه " إشكاليات التجديد "، وافتتح مشروعه بالتأكيد علي أن الإسلام الذي نعيشه اليوم خارج التاريخ ومنفصل عن واقع حركة التقدم، ومن ثم بات من الضروري العودة إلي "الإسلام المنسي"، ولذلك رأي الغرباوي تكوين خطاب ديني جديد وليس تجديد الخطاب الديني القديم، بإقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة وتهجينها بلغة ومفردات العلوم الاجتماعية والإنسانية وفق متغيرات العصر وطبيعة التحديات التي تواجه الأمة، ونشر ممارسة مفاهيم التنوع والتعددية وقبول الآخر.

هذا بالإضافة إلي النظرة الشاملة لماجد الغرباوي من أجل الدخول بالأمة "إلي عصر ديني جديد"، يدعو فيها إلى العودة إلى أصول الفكر الإسلامي، من قرآن كريم وسنة نبوية صحيحة، ويدعو إلى التفاعل العقلاني لهذه الأصول مع الواقع.

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة وهي أن الاستاذ ماجد الغرباوي من خلال بقية كتبة الأخري اكتشفت أنه كان يسعي جاهدا من خلال مشروعه الفكري في تجديد "العقل الديني" علي مجموعة من المهام العاجلة التي شكلت رؤيته نحو عصر ديني جديد، مثل تفكيك الخطاب الدينى، وتفكيك العقل المغلق، ونقد العقل النقلي، وفك جمود الفكر الدينى المتصلب ؛ حيث أوضح لنا في فقرات كثيرة من كتاباته إلي أن ما نعيشه في العالمين العربي والإسلامي من انتشار ظاهرة الإرهاب والطائفية التي مزقت الكثير من مجتمعاتنا العربية، مرجعه إلي الفكر المتعصب الذي يرفض الآخر، ويتعصب لوجهة نظر سياسية توظف الدين لتحقيق غايات سياسية.

ولهذا سعي ماجد الغرباوي إلي تجاوز "عصر الجمود الديني" الذي طال أكثر من اللازم في تاريخ الأمة العربية من أجل تأسيس عصر ديني جديد، وتكوين خطاب ديني من نوع مختلف، ويرفض الغرباوي تجديد الخطاب الديني التقليدي، فهو يري أنه عملية أشبه ما تكون بترميم بناء قديم، والأجدى هو إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة وبمفردات جديدة، وتفكيك كل التأويلات المغرضة.

والاستاذ ماجد الغرباوي في مشروعه لتجديد العقل الديني أكد علي ضرورة تفكيك الفكر المتطرف، وهذا التفكيك يحتاج لخطاب ديني جديد وعلوم جديدة لمواكبة المناهج العلمية»، مشيراً إلى أهمية التمييز بين المقدس والبشري، ولفت إلى جهود السلف والعلماء من أهل الفقه والتشريع، موضحاً أنها جهود بشرية قابلة للصواب والخطأ.

وأوضح الغرباوي أن الفقهاء المسلمين أكدوا على فكرة الموائمة والنسبية وملائمة العصر والمكان والزمان، مؤكداً أن العمل البشري لا يمكن اعتباره مرجعية مقدسة كالقرآن والسنة، وأن من أساسيات الخطاب الديني الجديد تعددية الصواب، وأن الخطاب الديني الجديد يجب أن يقوم على العقلانية النقدية والتفكير النقدي بما يلاءم ظروف العصر»، مشيرًا إلى أن «مقياس الحقيقة وفق التفكير الديني الجديد، الصواب هو ما ينتج في الواقع؛ بمعني أن الحق ليس حق في ذاته ولكن الحق بالنتائج المترتبة عليه في أرض الواقع الخارجي».

وشدد الغرباوي على ضرورة توجيه النقد الشامل لكل التيارات أحادية النظر، سواء كانت إرهابية أو غير إرهابية، وأن ذلك لن يحدث دون تفكيك العقل الديني التقليدي وتحليله للتمييز بين المقدس والبشري في الإسلام.

وأخيرا أكد الغرباوي أن تجديد العقل الديني، مشكلته ليست في الإسلام، بل في عقول المسلمين وحالة الجمود الفقهي والفكري التي يعيشون فيها منذ أكثر من سبعة قرون؛ لذلك يقترح الرجل «روشتة» لتأسيس خطاب ديني جديد منها الهدف منه: تفكيك الخطاب الديني الحالي، وتفكيك العقل المغلق، ونقد العقل النقلي، وفك جمود الفكر الإنساني الديني المتصلب والمتقنع بأقنعة دينية.

وفي نهاية مقالي لا أملك إلا أن أقول : تحية خالصة لماجد الغرباوي لابن أرض الرافدين، وحفيد هارون الرشيد، الذي كان وما يزال رمزاً من رموز المعرفة الموسوعية الفريدة، وواحداً من أصحاب الرؤية الفكرية والثقافية الشاملة.. بارك الله فى ماجد الغرباوي، وأفاد تلاميذه وقراءه بعلمه ووطنيته، بفكره وموضوعيته، بنقائه وطبيعته.

 

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

هذا أسوأ تزييف نعيشه .. نحن لم نعرف شيئا اسمه حداثة بالمعنى الحقيقي .. لم تكن "الحداثة" بالنسبة لنا سوى وسيلة لا غاية، وسيلة "للحاق" بالغرب، كي نصبح أقوى عسكريا وسياسيا وأحيانا اقتصاديا، لننافس الغرب أو نتحرر منه في أضعف الأحوال، بهذا المعنى لم نعرف بالفعل أية حداثة فكرية أو اجتماعية .. يكفي نظرة واحدة لنكتشف من هم حداثيونا؟ جنرالات، عسكر، وزراء، أبناء الطبقة الأرستقراطية والإقطاعية والبيروقراطية والإكليروس الديني، الذين سافروا إلى الخارج بغرض التعلم للإعداد لتولي مناصب آبائهم .. لم تكن حداثتنا نتاج صراع بين الفكر الباحث عن الحرية والجسد الباحث عن الإشباع مع قيود المؤسسات القائمة ولا نتاج النضال ضد الحكم المطلق والسلطة المطلقة للدين بالعكس كان ملوكنا ورجال ديننا هم أوائل الحداثيين، ولم تكن حداثتنا موجهة ضد هذه المؤسسات القمعية (العسكرية، الدينية) بل كانت موجهة أساسا ضد الآخر، الغرب الأقوى المستعمر، المختلف، الآخر الذي لا يكتفي بعدم اعتناق ما آمن به أجدادنا بل يجرؤ على انتقاد مقدساتنا ومقدسات أجدادنا والذي تناقض علومه كل ما نؤمن به وما آمن به أجدادنا .. حداثتنا هي مجرد خطوة تقنية لا أكثر لهذا لم ير حداثيونا أية حاجة لنقد أفكارنا الماضوية التي أصروا على منحها عصمة لم تتمتع بها حتى عندما وضعها أجدادنا أو حكامهم وساداتهم .. بالعكس كانت هذه الأفكار والأساطير هي شغلنا الشاغل .. أثبت بعضنا أنه لا يوجد تناقض حقيقي بين أساطير أجدادنا وبين الحداثة أما البعض الآخر فقد اكتشف في النصوص التي آمن بها أجدادنا كل ما أنتجته الحداثة.. لا يوجد فارق حقيقي بين تياراتنا السياسية والفكرية، جميعنا حداثيون بالمعنى التقني وماضويون بالمعنى الفكري والاجتماعي والسياسي، لا فرق هنا بين يمين ويسار .. وهذا ما يتضح اليوم فيما نقدمه للعالم .. ما نفترض أننا نقدمه للعالم الحداثي أو ما بعد الحداثي .. دعونا نقارن ما نقترحه على العالم اليوم مع ما قدمته البرجوازية عندما أرادت إغراء الفلاحين والبروليتاريين الأوائل للثورة على الملوك والكنيسة، وعدتهم بالحرية التي سمتها ديمقراطية وبالتقدم والرخاء الذي سيأتي بهما العلم المتحرر من الخرافة .. وعندما أراد ماركس وبعض المثقفين إغراء العمال للثورة وعدوهم بالعدالة المفقودة وبالمزيد من الرخاء وحتى ببعض الحرية في وقت لاحق .. ماذا نقدمه نحن اليوم لهذا العالم؟ من حسن البنا حتى ادوار سعيد : الحجاب، وعد بجنة بعد الموت ووفرة ورخاء سحريين سنبلغها بأداء الصلوات الخمس والاعتقاد بشخصيات اسطورية عاشت قبل مئات السنين وبرجم الزناة ورمي المثليين جنسيا الخ .. المصيبة هو أن هذه بالنسبة للغرب بضاعة قديمة، مارسها الغرب من قبل ونحن هنا نطالبه فقط بالعودة إلى ماضيه الذي فعل المستحيل للتخلص منه .. أما حداثاتنا "الأكثر جدية" و"جذرية" التي مارسها جلادون مثل أتاتورك وشاه إيران "المقبور" فلم تكن هي الأخرى شيئا جديدا أو حديثا في تاريخنا ومجتمعاتنا، كانت أشبه باستيلاء أتباع دين جديد على المنطقة وفرضه بالقوة، بالترهيب والترغيب على البشر تماما كما جرى في كل تغيير جذري طرأ على العقيدة السائدة في المنطقة، مع كل دين جديد جاء واستوطن بلادنا وعقولنا .. لم يكتشف أحد الإنسان بعد في الشرق .. لا نوجد ككائنات قائمة بذاتها، مستقلة، قادرة على التفكير بذاتها ولذاتها، نحن مجرد أعداد لا حصر لها ولا قيمة لها مكررة من نفس الشيء .. نكرر نفس الشيء، نؤمن بنفس الشيء، فنحن نؤمن لا نفكر، بالأحرى نجتر ما يلقى إلينا من أفكار، ما نلقنه من أفكار، وإذا لم تكن كلمات نبي آت من ماض سحيق أو قائد ملهم نعامله كإله أو نصف إله فإنه كلام فيلسوف ما نحتمي به كي نتفلسف ونفكر في الهوامش، خلافا لصرخة أرسطو بضرورة تجاوز معلمينا ودعوة ديكارت للشك ونداء نيتشه لتحطيم الأصنام .. نحن في الواقع متخلفون جدا عن المستوى الفكري والعقلي لمن نزعم أنهم أجدادنا .. لا يوجد اليوم من يشبه المعتزلة ناهيك عن المعري أو ابن الراوندي والرازي وابن سينا ... حتى "أكثرنا ثورية" و"حرية" يجد نفسه مضطرا ليختبأ خلف تصنيفات وأفكار مسبقة، محددة ونهائية وناجزة مطلقة أو نصف مطلقة، يخشى من أن يفكر أو أن يمارس الحياة دون الاستناد إلى إيديولوجيا سائدة ... أحد أفظع النكت الرائجة اليوم هو أحاديثنا الشائعة عن ما بعد الحداثة وعالم ما بعد الحداثة عندما ننصب أنفسنا حتى أكثرنا "رجعية" وهوسا بكل الخرافات الماضوية قضاة باسم الحداثة، كأننا ننتمي للحداثة أو كأننا قبلنا بها أو مارسناها أصلا .. كلمة أخيرة عن الهستيريا الأخلاقية التي تجتاح مجتمعاتنا عن أن انتشار "الفجور" و"التهتك" بالمعنى "الأخلاقي " السلبي هو ظاهرة جديدة علينا ونتاج لحداثتنا المزعومة ... إن تهتك وفجور الطبقة الحاكمة قديم جدا ويعود إلى بدايات ظهورها في صدر الإسلام وتهتك الطبقة المثقفة هو الآخر قديم وقد عاش الاثنان في عالمهما الخاص الزاخر بالجواري والغلمان والخمر والأغاني الماجنة جنبا إلى جنب مع أغلبية مغرقة في المحافظة وسلطة مطلقة للمؤسسة الدينية على العقل الجمعي .. المتوكل الذي يكال له المديح من أكثر رجال الدين تشددا "لإطفائه فتنة خلق القرآن" كان مدمنا للخمر ولاهثا وراء ما يسميه رجال الدين أنفسهم بالشهوات والملذات .. نحن نشبه المتوكل، حداثيون عندما يتعلق الأمر بالجيوش وأسلحة القتل والدمار الشامل، ماضويون عندما يتعلق الأمر بحرية التفكير، نبيح كل شيء ما دام لا يخدش الحياء العام، ولا شيء يخدش الحياء العام عندنا مثل القول بخلق القرآن أو القول بما لم يقل به أجدادنا أو التصرف والتفكير وكأننا بشر نملك عقولا أو يمكننا أن نمارس الحياة بحرية 

 

مازن كم الماز

 

726 خان النخيلة 1انطلقت على مدى يومين 2-3 \ اذار الجاري في محافظة كربلاء فعاليات النسخة الثالثة من مهرجان خان النخيلة الثقافي بحضور كبير من مثقفي العراق وتمثيل حكومي واسع، فقد حملت الدورة الثالثة من المهرجان اسم الروائي المغدور علاء مشذوب اذ استذكر المهرجان الفقيد بعرض نتاجاته الادبية في جناح خاص ,,وقال  وزير الثقافة والسياحة والاثار عبد الامير الحمداني خلال كلمة القاها في حفل الافتتاح “الوزارة عازمة على توفير البيئة الحقيقية للثقافة والمثقفين واعطاء هذه الشريحة الاجتماعية كل مستحقاتها لدورها في بناء البلاد اجتماعيا وثقافيا ومواجهة الافكار الهدامة التي تريد ان تنال من وحدتنا ووطننا ,,مبينا أن “من خطط الوزارة المستقبلية العمل على إحياء السياحة في البلاد ومواجهة وتذليل كل العقبات التي تعترضها ومن حق العراقي ان يفتخر بين الامم بما يمتلكه من ارث ثقافي وتاريخي وان الوزارة عازمة على إحياء كل المعالم الثقافية والادبية والاثارية في العراق

726 خان النخيلة 2

واوضح رئيس اللجنة المنظمة لمهرجان النخيلة الثقافي الدكتور حميد الهلالي ان النسخة الثالثة من المهرجان تتضمن مايقارب 45 فعالية مختلفة تمثلت بالتشكيل والخط والزخرفة والنحت والكولاج والرسم والحرف اليدوية وعروضا مسرحية وبانتومايم وكروباتيك ولوحات فلكلورية يقدمها ادباء وفنانون وشعراء من جميع المحافظات العراقية (كركوك والانبار وميسان والبصرةاوبابل وغيرها من المحافظات --مؤكدا ان الرصاصة لا تقتل الثقافة وكل الدماء العظيمة التي هدرت ستنبت وردا وتزهر كتبا وشعرا هذه هي الرسالة من تسمية النسخة الثالثة من المهرجان باسم المرحوم علاء مشذوب وشعب العراق شعب حي لن يموت، "خسرنا كاتب لكن الرسالة مستمرة لتقديم ثقافة وفن وشعرا بما يليق بالعراق

وقال الدكتور محمد حمود مدير الاعلام بمحافظة الانبار والمشارك في المهرجان \\ شاركت محافظة الانبار بوفد رفيع يتقدمهم السيد ممثل السيد محافظ الانبار السيد ضاري العرسان والوفد المرافق له - حضرنا حفل افتتاح بدء فعاليات مهرجان النخيلة الثقافي الثالث في محافظة كربلاء والذي يستمر ليومين بمشاركة ثقافية وأدبية تمثل المحافظة من فنانين وشعراء ومتحف الشهيد التراثي

 

كتب نهاد الحديثي

 

663 امين الخولي 1خلافاً لما يتردّد على الدوام في بعض الكتابات، من أن المؤسّساتِ الدينيةِ التقليديةِ عالقةٌ في التاريخ، ولا يمكنها أن تتلمس دروبَ التواصل مع العصر، فإن محاولاتِ تجديد جادّة في عالم الإسلام انطلقتْ من الحواضر والحوزات المتخصّصة في تدريس المعارف الإسلامية، واحتضنتها وانخرطتْ في سجالاتها ونقاشاتها ومعاركها.

ففي مصر احتضن الأزهرُ الشيخَ رفاعة رافع الطهطاوي، والشيخَ محمد عبده، والشيخَ مصطفى عبدالرازق، والشيخَ علي عبدالرازق، والشيخَ محمد عبدالله درّاز، والشيخ خالد محمد خالد، وغيرهم... وفي تونس احتضنت الزيتونةُ الشيخ عبد العزيز الثعالبي، والشيخَ الطاهر الحداد، والشيخَ محمد الطاهر بن عاشور، وولدَه الشيخَ محمد الفاضل بن عاشور، وغيرهم... وفي النجف احتضنت الحوزةُ السيدَ محسنَ الأمين، والسيدَ هبةَ الدين الشهرستاني، والشيخَ محمد جواد البلاغي، والشيخَ محمد رضا المظفر، والسيدَ محمد تقي الحكيم، والسيدَ محمد باقر الصدر، والشيخَ محمد مهدي شمس الدين، والسيدَ محمد حسين فضل الله، وغيرهم... وكان غيرُ واحد من هؤلاء الأعلام عنواناً للضجّة في عصره، بعد طرحه لآراء وأسئلة غير مكرّرة، تتجاوز ما هو مألوف. وكانوا يختلفون في كيفيةِ ونوعِ الأسئلة التي يطرحونها ومدياتِها وعمقِها، وفي بيانِ آرائهم تبعاً للاختلاف في مواهبِهم وسياقاتِ تكوينهم التراثي والحديث.

يتفق هؤلاء في خروجِهم على خطاب تبجيل وتمجيد كل شيء في التراث، وفي سعيهم لاستيعاب شيء من عناصره استيعاباً نقدياً، والجرأةِ في نقد بعض المقولات والآراء في التراث، وعملهم على البحث عن آفاق لقراءةِ النصّ وتفسيرِه في سياق الواقع ومعطياته واستفهاماته، ومحاولتِهم الكشف عن شيء مما هو نسبي وتاريخي في ميراث المتكلمين والفقهاء.

غير أن معظمَ هذه المحاولات على الرغم من جرأتها وأهميتها، لم تغادر المناهجَ التقليديةَ الموروثة، إذ كان أصحابُها ينطلقون من مناهج ومفاهيم وأدوات التراث نفسه في فهمه ونقده، وقلّما حاول بعضُهم توظيفَ مناهج ومفاهيم وأدوات جديدة من الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة في فهم الدين ونقد التراث. لذلك لم تتبصّر هذه المحاولاتُ الأنساقَ المضمرةَ في التراث، وما هو مستترٌ من نظم انتاج المعنى الكامنة فيه، وكيف تسهم طبقاته التحتية في توليد المعنى وتكراره عبر العصور المختلفة، ولم تُنقّب في البنية العميقة للتراث عن كلّ ما يعمل على إعادة إنتاج الآراء والمفاهيم والأسئلة ذاتها. لذلك لبثت هذه المحاولاتُ في مدارات التطلعات والطموحات والأحلام، ولم تبتعد كثيراً عن إثارة بعض التأويلات والتفسيرات والشروح الجزئية للنصوص، التي تسعى لاستخلاص آراء وفتاوى لوقائع جزئية تنفتح على ما يفرضه الواقعُ على المسلم.

663 امين الخولي 2

الشيخ أمين الخولي

ولد الشيخ أمين الخولي في 1 مايو 1895 بمحافظة المنوفية بمصر، وتوفي في 9 مارس 1966. حفظ القرآن وهو في العاشرة من عمره. وتخرج من مدرسة القضاء الشرعي. أصبح مدرساً في مدرسة القضاء الشرعي في 10 مايو عام 1920. في 1923، عيّن إماماً للسفارة المصرية في روما، ثم نقل إلى مفوضية مصر في برلين عام 1926. عاد عام 1927إلى وظيفته في القضاء الشرعي. انتقل إلى قسم اللغة العربية بكلية الآداب 1928. وأسس جماعة الأمناء عام 1944، ومجلة الأدب عام 1956. وأصبح عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1966. وكتب الخولي مقالات متنوعة في الصحف والمجلات، وألفَ مجموعة من الأعمال، من أهمها: "من هدي القرآن في أموالهم: مثالية لا مذهبية "، و "فن القول"، و"الجندية والسلم: واقع ومثال"، و"دراسات إسلامية"، و"مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب"، و"المجددون في الإسلام"، و"كتاب الخير: دراسة موسعة للفلسفة الادبية مطبقة على الحياة الشرقية والتفكير الاسلامى".

ومع أن الشيخَ أمين الخولي لم يدرس في الأزهر، بل تعلّم في مدرسة القضاء الشرعي، لكنه درَّس فيه. وكانت محاضراتُه أولَ ما يُدرَّس من الفلسفة رسميًّا في العهد الجديد للأزهر، فهو بعد عودته من ألمانيا عام ١٩٢٧، انتُدب للتدريس في الأزهر، فألقى محاضراتٍ على طلاب كلية أصول الدين في التاريخ العام لفلسفة الأخلاق، أو كما أسماها هو "الفلسفة الأدبية"[1]. كما اهتم بتجديد البلاغةِ وأساليبِ البيان العربي، ودعا إلى تحريرها من حمولة الفلسفة والمنطق الصوري، واصطلح عليها "فن القول"، وكان هاجسُه ربطُ أساليب البيان والتعبير بالحياة، وتكريسُ الذوق الفني، والانفتاحَ على مكاسب العلوم والمعارف الحديثة. فكشف عن الأبعاد النفسية للبلاغة. ودشّن أفقاً آخر في بيان أساليب تفسير النصوص، وما يشوبها من ملابسات الذات والزمان والمكان والبيئة.

وكان الشيخُ الخولي أولَ رجلِ دينٍ مسلم حاول العبورَ من المناهج والمفاهيم والأدوات التراثية في فهم الدين ونصوصه، إلى استعمال مناهج ومفاهيم وأدوات جديدة، وتوظيفها في بناءِ فهمٍ بديل ونقدِ الفهم القديم. وتميز بخبرة رصينة، وشجاعة كبيرة في توظيفها.

التكوينُ الديني للشيخ أمين الخولي تقليدي، إلا أنه استطاع أن يتقن اللغات: الإيطالية، والألمانية، والفرنسية، عندما اتيحت له فرصة الإقامة ففي بعض البلدان الأوروبية، عندما "صدرَ المرسوم الملكى فى 7 نوفمبر 1923 بتعيين أئمة للسفارات الأربع المصرية فى: لندن، وباريس، وواشنطن، وروما، وكانت الأخيرة هى مكان عمل أمين الخولى فأبحر إليها من الإسكندرية، وبقى فى إيطاليا عامين، وأجاد الإيطالية، وشرع يطلع على الحياة الدينية والثقافية وجهود المستشرقين فى أوروبا، كما عمل فى مفوضية مصر فى برلين عام 1926، وتعلم اللغة الألمانية، ولما ألغيت وظيفة الأئمة من السفارات والمفوضيات المصرية عام 1927 عاد إلى مصر، واستأنف عمله فى مدرسة القضاء الشرعى ثم فى كلية الآداب بالجامعة المصرية مدرساً، ثم أستاذا مساعدا ثم أستاذا لكرسى الأدب فى عام 1943"[2].

اكتشف مدة اقامته في ايطاليا الأساليبَ الجديدةَ في التربية والتعليم في أوروبا، وتعرّف عن قرب على نمط التعليم الديني في الفاتيكان، الذي جعله يدرك ضرورةَ إصلاح نظام التعليم الديني القديم في الأزهر، كما أشار هو إلى ذلك بقوله: "قصدت إلى دراسة الخطط والأساليب التي تتبع في الدراسات اللاهوتية، كما نظرت فيما حولي من الدولة الدينية – الفاتيكان – القائمة في عاصمة الدولة المدنية – ايطاليا – وخلال تتبع لهذه الدراسة اللاهوتية في أقطار أوروبا عشت فيها بعد ذلك، كألمانيا، أو أقطار زرتها مجرد زيارة، وعمدت بعد الدراسة والتفكير للكتابة عن قضية الأزهر واصلاحه"[3]، فكتب بيانَه لتحديث الأزهر، الموسوم بـ"رسالة الأزهر في القرن العشرين". ونشر الأزهرُ عام ١٩٣٦ هذه الرسالة، ثم تكرّرت طبعاتُها لاحقاً، بعد أن نفدت الطبعةُ الأولى سريعاً[4]. وفي أوائل الخمسينيات من القرن الماضي عاد الخولي مرةً أخرى يدعو لإصلاحِ الأزهر وتحديثِ نظامه التعليمي، فنشر سلسلةَ مقالاتٍ في جريدة "المصري"، "وقد أفردت جريدة المصري حينذاك مساحة لأمين الخولى على مدى ثلاثة أشهر، يشرح فيها رؤيته حول رسالة الأزهر الاجتماعية، ويبين العلاقة بين الدين والحياة، وإصلاح الدين نفسه بالحياة هو ما كان يتطلع إليه الخولى، الذى رأى أن يكون مادة للتجديد الروحى والسمو الخلقى، ويكون أداة فعالة فى الإصلاح الاجتماعى"[5]. غير أن الأزهرَ لم يصمت هذه المرّة كما صمت في المرة الأولى، فأصدرت جبهةُ علماء الأزهر بياناً ورد فيه: "اعتاد الأزهر الشريف أن يسمع من حين لآخر أفراداً يحاولون أن ينالوا منه ومن رجاله، وكأنما خولت لهم أنفسهم أن تعلقهم بهذا الجبل الأشم يلقي في روع الناس أن لهم شأناً، أو عندهم رأياً، أو فيهم غيرة على حق، أو غضباً للدين، أو حرصاً على صالح عام، ولكن هيهات، فهم كناطح صخرة يوماً ليوهنها"[6]. إلا أن الشيخَ الخولي وجّه لهم نقداً صريحاً ذكر فيه: "ان قصدهم النفسي من هذا التوجيه ليس بارئاً، ولا خالصاً، من الغايات المدخولة، فسبيلهم إلى هذا التوجيه والبيان سبيل غير صادق، وتناولهم له غير مستقيم،كما أن سيادة روح التحكم في فضل الله ونعمه، والاستبداد بدين الله وهدايته واضح، فإذا أفتوا فقولهم هو رأي الاسلام، وإذا حكموا فحكمهم هو حكم الله، وإذا خالف عليهم إنسان فهو يحارب الله"[7]. لكن الأزهرَ لم يتوقف عن مساجلته، فردّوا على نقده ببيان أيضاً، غير أنه لم يتراجع عن دعوته لإصلاح الأزهر[8].

وتنبه الشيخ الخولي إلى ضرورة تبني نمطَ "تدين إنسانى القلب، نبيل العاطفة، يؤدى إلى التعاون البشرى، ولا يعوق الإخاء الإنسانى. تدينٌ لا يعرفُ تلك السلطة الغاشمة التى ترهب العقل الطليق، وتفت فى العزم الوثيق، وتفسد الذوق الرقيق، وتتحكم بجبروت لاهوتى فى الحياة الدنيا، وتسد الطريق إلى الآخرة. تدينٌ لا يخلقُ تلك الطبقة التى تحتكر الدين، وتسد المسالك إلى الله، ولا يعترف بتلك الطبقة التي خلقتها الظروف، لأنه لا رياسة فى الإسلام، وكلهم قريب إلى الله سبحانه وتعالى"[9].

ولبث الشيخ الخولي كل حياته وفياً لتجديد التفكير الديني، الذي يعتقد انه يقوم على تفاعل وتبادل الدين مع مختلف العلوم والمعارف البشرية وتوظيفها في فهمه وتفسير نصوصه. كما يلخص لنا الخولي ذلك بقوله: "ان الدين فى هذه الحياة لا مفر له من التفاعل والتبادل مع ما سواه من فهم وتنظيم لتلك الحياة، وأنه لن يُكتب لهذا الدين البقاء إلا على قدر ما فيه من قدرة على هذه المسايرة والمفاعلة والاستفادة، والانتفاع بما سواه من التفسيرات والتدبيرات الأخرى"[10].

 

د. عبدالجبار الرفاعي

.................................

[1] الخولي، د. يمنى طريف. أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2012،  ص 28 – 29.

[2] بدر، د. عزة. "أمين الخولى وتجديد الفكر الدينى". روز اليوسف، 25 مايو 2017.

[3] سعفان، كامل. أمين الخولي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1983، ص 65.

[4] طبعت هذه الرسالة ثانية عام 1961، ونشرتها دار الهنا في القاهرة.

[5] بدر، د. عزة. "أمين الخولى وتجديد الفكر الدينى". روز اليوسف، 25 مايو 2017.

[6] سعفان، كامل. أمين الخولي. ص 146.

[7] المصدر السابق. ص 146-147.

[8] المصدر السابق. ص 147.

[9] بدر، د. عزة. "أمين الخولى وتجديد الفكر الدينى". روز اليوسف، 25 مايو 2017.

[10] المصدر السابق.

 

 

قاسم جمعةليس من الهين تفسير العلاقة بين المثقف والاعلامي والفيلسوف، لأننا نعيش زمن الحرفية الثقافية في الوسط الإعلامي، اذ بات الامر يناط بما يملكه هذا الكاتب او غيره، من إمكانات فبامكانهم التناوب وتغيير الأماكن..ان عصرنا عصر الاعلام الذي أخذ ينافس فيه، الصحفي، الناشر والسياسي. فضلا عن المثقف، كما نبه الى ذلك دوبريه عندما قال ان السلطة الفكرية انتقلت من الجامعة الى الاعلام.

وربما يصدق القول ان الفلسفة حملت نعشها، الاكاذيب، الى عرين الصحافة لكي تنبض من جديد وتنهل من نبع الشارع وحيويته. وهو امر تشتغل عليه منذ الامس جملة من الكتاب والمفكرين، الا اننا نطمح في زمن ما بعد الخراب الذي شخصه مدني صالح للفلسفة. ان يتم ذلك

لقد تقمص فوكو. دور الصحفي الايطالي ليؤيد ثورة ايران نهاية سبيعينيات القرن ٢٠. ومن قبله سارتر كان طموحا في الازمنة الحديثة ١٩٤٥، للأدب الملتزم وأندريه جيد ومالرو ومونييه ..

وكان لكلود لوفار وكاسترياديس دور في انتفاظة المجر عام ١٩٥٦ بعد ما تأسست ب ١٩٤٩. فهل يمكن للكاتب ان يوجد بمعزل عن الصحيفة وهل يتحقق وجوده بعيدا عن سطوتها الإعلامية والية انتشارها ؟

اننا لا ننسى غرامشي ودوره في الصحافة الإيطالية كمثقف ماركسي لم يرق له تصنيف المثقف السائد على اعتبار انها مهنة محصورة بالنخبة والعمل الذهني، فالمهم لديه وظيفة ومكانة الانسان في الوسط المجتمعي، فالمكانة والوظيفة .كانت معياره في نقد نخبوية وتقليدية المثقف وعضويته داخل مجتمعه الثقافي، ومن هنا نفهم مقولته انني أوسع كثيرا مفهوم المثقف ولا احده بالمفهوم الدارج الذي لايقيم وزنا الا لكبار المثقفين .

ربما صدق احد الكتاب ( جيرار ليكلرك) مؤلف. سوسيولوجيا المثقفين عندما كتب ان المثقف بحاجة للصحيفة او حسب ما ننقل عنه لا وجود لمثقف كبير دون صحيفته،، (ص٨٦) .

لكن الاخيرة ماذا تعني سوى مجموعة من أقلام سطرها كتاب عدة، .

عليه يبدو إنهما لا ينفصلان ولا يرتفعان اذا استخمنا لغة المنطق التقليدي..

مارس انجلز وماركس عمل الصحافة حتى طوردوا واصدرت بحقهم احكام بالنفي والاعتقال والمنع.ان اول من استخدم الاستبيانات في تاريخ الفلسفة هو كارل ماركس كما يرى بوتومور .واما انجلز فقد قهرت برجوازيته حياة مدينة الصناعة الانكليزية مانشيستر. لاسيما عندما اطلع على احوال المدينة القديمة وهاله منظر الطبقات المسحوقة .وهو الامر الذي دشنه في كتاب حالة الطبقة العاملة في إنكلترا والامر المثير تزامن المكان للأثرياء مع الفقراء. بعبارة ادق تستطيع ان تلمس ذلك التجاور بين الطبقتين، بل ان الحد الفاصل بينهما شارع وهمي صنعته الاقدار وهو ما أخذ معنى كولونيالي مقيت عند (فرانز فانون) عندما أخذ يبين لنا الفرق في معذبو الارض بين مدن وملابس وأزياء الغربي الأبيض عن مثيلاتها عن الزنجي ...

ليس عيبا ان تُمارس الفلسفة الاستقصاء الصحفي او ان تطارد المعلومة كالصحافة. ويمكن القول ان دورها لابد ان يكون ملاحقة الوجع والالم والخوف والأسطورة المنتشية في أركان المدن الفقيرة والغنية على حد سواء .

لقد انتهى عصر المثقف المنعزل في صومعته وأخذت تغريه وسائط الاتصال الجماعي فهو يكتب والقارئ يلاحقه. كقارئ له مكانة ملهمة فهم من يقرر البقاء لصنف او فئة الكتاب عليه اضحى الكاتب رهن القارى ويمكن ان نشبه ذلك بالعلاقة التي تغيرت بين العالم والطبيعة فلم تعد الاخيرة ساكتة بل العلم الحديث أخذ. يصغي الى حوارها مع العالم كما نفهم من نص هايزنبرك

لا امتلك شيئا من تلك الوسائط لكوني ما زلت احلم بمكانة المثقف في التغيير عن بعد والزمن رهن تلك التحولات .ربما يأتي زمان لا مكان للمثقف او للفيلسوف سوى بمتاحف مركونة مع اخر عظام لحيوان انقرض في زمن السوشيال ميديا المرعبة وثقافة الصوت والصورة، وتختفي على اثرها نخبوية استاذ الجامعة وصورة الأديب العالمي لأننا نعيش في زمن المثقف النجم والمصنوع اعلاميا!

وربما ستغادرنا الصحف والكتب المنشورة.والفيلسوف والمثقف سيغادر كل منهما ساحة المكتوب لكي يردد نشيد الميديا الجماهيري وستحال الصورة الى صنم يعبد في زمن ثقافة النخب الشعبية والمسموع المرئي

 

د. قاسم جمعة

 

مصطفى انصاليهناك صوتان نسمعهما داخل كل انسان: الأول يقول: هذا ما أريد فعله والآخر يقول: هذا ما عليّ فعله .. ‏الأول صوت الحرية، صوتي أنا والذي بدونه لن أكون أنا، والآخر صوت النحن، صوت الأمن والأمان والاحتماء بدفئ الجماعة... تلبية نداء صوت الحرية يجعل الانسان من جهة أولى فخورا بنفسه كونه يشعر داخليا بأنه غير خاضع لأي قوى خارجية وأنه حر في التعبير عن أفكاره ومشاعره دون وصاية النحن، الشيء الذي يضمن له بشكل تلقائي وآلي تفرده واختلافه الطبيعي ويمنحه هوية خاصة به تجعله هو هو، متطابقا مع ذاته ومتمايزا عن الآخرين، فالحرية في النهاية ليست سوى حقي وحقك في الاختلاف ...لكن ومن جهة ثانية كلما ازداد شعور الانسان بحريته إلا وأصبح أكثر خوفا ووحدة، خوفا من سلطة الجماعة التي تنبذ الاختلاف (ما يخرج من الجماعة غير الشيطان) وتعتبر كل مختلف عنها عدوا ينبغي التخلص منه كونه يقلق راحة وأمن الجماعة وبالتالي يجد المختلف نفسه أمام حتمية الإصغاء لنداء صوت النحن تلبية لغريزة البقاء، فلكي يحيا الانسان يختار في الكثير من الأحيان وبدرجات متفاوتة التضحية بحريته/فردانيته لكي ينعم بأمنه عبر التطابق مع الآخرين، مثله في ذلك كمثل الحرباء التي تلون جسمها طلبا للحماية والأمن. إنها تبدوا مماثلة لمحيطها لدرجة يصعب معها تمييزها عن باقي الأشياء، فكذلك الشخص الذي يتنازل عن حريته مفضلا أن يصبح آلة متطابقة مع ملايين الآخرين من الآلات الصماء المحيطة به طلبا للشعور بالأمن وهروبا من وحدة وقلق الاختلاف.انحناءه للظلم لايعني عدم إرادة الحرية، بل الخوف من دفع ثمنها.

هناك تداخل إذن بين مفهومي الحرية والأمن بشكل لا يمكن تصور أحدهما بمعزل عن الآخر. تداخل تزكيه أيضا قصة بداية الخلق في الديانات التوحيدية حيث تقيم هذي القصة توحيدا بين بداية التاريخ وفعل الاختيار، لقد عاش آدم وحواء في حديقة عدن يعيشان في تناغم تام وينعمان بالسلم والأمن، لكن محنتهما ستبدأ عندما منحهما الرب حق الاختيار بين التقيد بأمره وعصيانه .(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ...سورة البقرة الأية 34/35). إن التصرف ضد إرادة الرب هو أول اختيار تجسدت من خلاله حرية الفعل الانساني والقصة نفسها تؤكد على المعاناة المترتبة عن هذا الفعل (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ... طه الأية 121) لقد وجد آدم ومعه حواء نفسيهما عاريين، خجولين. يشعران بالحرية لكنهما عاجزين وخائفين، كانا متحدين ومتطابقين مع الله ومع الطبيعة وفي اتحادهما أكلا رغدا حيث شاءا، أما الآن فعليهما تحمل مسؤولية اختيارهما، لقد اختارا الحرية وثمن الحرية دوما، على الأقل كما علمونا هو الأمن.

أتذكر وأنا طالب بالجامعة أننا كنا بصدد مناقشة موقف الفيلسوف الهولندي اسبينوزا ورأيه حول حرية الفعل الانساني حيث بادرنا أحد الطلبة بتقديم مثال قصد من خلاله توضيح أهمية الحرية في حياة الانسان حيث قال:" لا تتعجب من عصفور يهرب وانت تقترب منه وفي يدك طعام له فالطيور عكس بعض البشر تؤمن بأن الحرية أغلى من الخبز".  فكرت في مثاله فوجدته صالحا للدفاع عن الأمن أكثر من دفاعه عن الحرية فطرحت عليه سؤالا: ما الدافع في نظرك من هروب الطائر ! هل دفاعا عن حريته أم حفاظا على أمنه؟ وإذا افترضنا أنه دفاع عن أمنه فهل يصح من انسان أن يفعل ما فعله الطير ! هل يجوز للإنسان أن يضحي بحريته من أجل أمنه؟ رد طالب آخر: ما فائدة أمن تنقصه الحرية، أن أموت جوعا وأنا حر خير من أن أعيش عبدا وأنا آمن ... ازدادت حدة النقاش وفتحت علامات الاستفهام وبدأ كل منا يناظر حول موقفه حتى استوقفنا طالب آخر لم تكن تبدوا عليه ملامح الاهتمام بما كنا بصدد الخوض فيه حيث قال: أعتقد بأنه لا ينبغي المفاضلة بين مفهومي الحرية والأمن بل ينبغي النظر إليهما في تكاملهما فالحرية تنبت الأمن والأمن يحمي الحرية وفي ضياع أحدهما ضياع للآخر. مستدلا بعد ذلك بقولة لم تفارق ذهني أبدا وصاحبها  هو أحد أبرز مؤسسي الولايات المتحدة الامريكية (بنجامين فرانكلين): "من يضحي بالحرية من أجل الأمن لا يستحق أيا منهما".

إما الحرية و إما الأمان؟ أبدا ! الإثنان معا و إلا فلا. عنوان اخترته كي أعبر من خلاله أننا نرفض أصلا أن نضع أنفسنا أمام هذا الاختيار، انه اختيار باطل. وما بني على باطل فهو باطل . نحتاج للأمن لأنه ليس ثمة أي مجال للصناعة... للفنون، للآداب،للإبداع، للمجتمع في غياب الأمن... نحتاجه كي نتخلص من  الخوف المستمر، نحتاجه لتهذيب بعض الشر الذي تقتضيه طبيعة الانسان الأنانية... كي نأمن الوحش الموجود في دواخلنا، نحتاجه أساسا كي نضمن بقاءنا ... وبنفس القدر أيضا نحتاج الحرية لأنها خير يمكننا من التمتع بسائر الخيرات. تحققها داخل المجتمع يضمن تحقق الباقي، إنها سر تفوقنا وازدهارنا، حصنوها إذن بالتعليم فهو قادر على  حمايتها  أفضل من جيشٍ مرابط. لا تسرقوا منا حريتنا باسم الدفاع عن الأمن فهما بلغة أبن رشد: أخوان من الرضاعة . مصدرهما واحد هو الطبيعة وغايتهما واحدة هي الانسان .

المشكل يقع  عندما يتعرّض بلد ما لقمع طويل، تنشأ أجيال من الناس لا تحتاج إلى الحرية وتتواءم مع الاستبداد، ويظهر فيه ما يمكن أن نسميه المواطن المستقر. بلغة إتيان دي لابويسيه صاحب " مقال في العبودية المختارة" مواطن يصير مع مرور الوقت ضعيفا غير قادر على التفكير، وبما أن ضعفه هو دافعه الرئيس للخضوع فإن هذا المواطن يستحيل مع مرور الوقت إلى شخص مسحور بنقيضه، إن حبه وإعجابه واستعداده للخضوع وتضحيته بحريته يكون دوما مدفوعا بالقوة، سواء أكانت قوة شخص او مؤسسة (إله، حاكم،قوانين،زوج...) . القوة تأسره لا لقيم تتصف بها هذه القوة بل لمجرد أنها قوة . سعادته القصوى تكمن في خضوعه التام لتلك القوة التي تمسي بالنسبة له قوة مقدسة لا يمكن المساس بها أو ممارسة فعل الحرية عليها فعندما تخشى الشعوب حكامها يولد الطغيان، وعندما يخشى الحكام الشعوب تولد الحرية. فلنبدأ إذن بتحرير الحرية وهي ستتكفل بالباقي.

 

مصطفى انصالي: أستاذ مادة الفلسفة

 

هل يقف العالم الاسلامي اليوم على عتبة حركة إصلاحية كبرى تبدأ بالفكر ويكون لها امتداداتها في السياسة والمجتمع والمعرفة الدينية؟

ما يعطي هذا التساؤل مشروعيته هو ان الظروف التي يمر فيها العالم الإسلامي اليوم على شتي الأصعدة شبيهة بتلك التي كانت سائدة في أوروبا مباشرة قبل حركة الإعتراض اللوثرية التي أعطت زخماً كبيرا - جلّه غير مقصود - للحداثة العقلانية والتي توّجت فلسفيا في القرن الثامن عشر بعصر الأنوار .

تتلخص هذه الظروف بالأمورالتالية:

1- إحتكار تفسير النص الديني من قبل شريحة من المجتمع وما يستتبع ذلك من إمتيازات معرفية ومعنوية و... وَمِمَّا يتعلق بهذا الأمر شيوع الإنطباع لدى عموم المسلمين أن النص القرآني لا يمكن ان يُقارب إلاّ عبر وسيط يمتلك المعرفة والقداسة مع أن النص التأسيسي في الإسلام واضح في دعوته الى التفكر والتعقل والتدبر لكل شرائح المجتمع، بل للبشرية جمعاء.

2- إدعاء امتلاك الحقيقة كاملة لدى كل فرقة من فرق المسلمين، خصوصاً الفرقتين الأساسيتين، وما يؤدي اليه ذلك من تفسيق وتضليل وتكفير وسفك دماء.

3- الأوضاع المزرية في العالم الإسلامي على شتى الأصعدة، خصوصاً السياسية والأمنية والمعيشية، حيث ترزح بلدان العالم الإسلامي في أسفل السلّم وفقاً لكل مؤشرات التنمية رغم امتلاكها لموارد وثروات هائلة.

4- تفشّي الخطاب الديني الممعن في الغيبيات والأسطرة في عصر أدّى فية النفوذ الثقافي للحضارة الغربية إلى احياء التيار العقلاني في العالم أجمع وعدم قبول الأمور لدي كثير من الناس دون حجة منطقية أو إثبات علمي.

الأوضاع المذكورة أعلاه بشكل مقتضب تؤدي بالطبقات المستنيرة والمتدينة في اّن معا في العالم الإسلامي إلى رفض الوصاية على الفكر وإعطاء نفسها حق مقاربة النص الديني مستفيدة من الفتوحات المعرفية في مجال العلوم الانسانية والذي يشكل منهجي تحليل الخطاب والهرمنوطيقيا جزءً أساسيا منها، والتي تهدف أساساً الى دراسة أنظمة المعنى الحاكمة على الفكر والتي أدّت الى مفاهيم خاطئة في مجال السلطة السياسية، وحرية الضمير والنظرة الى المرأة. غنّي عن القول ان أنظمة المعنى تلك خاضعة لمسلّمات المجتمع القبلي والأبوي واللذان اذا تمّ التفكيك بينهما وبين النص الديني ينفتح هذا النص على التساؤلات والإشكاليات الحديثة، الأمر الذي من شأنه ان يفتح الباب لدخول المسلمين في العصر.

هذه الشرائح المستنيرة في العالم الإسلامي، بالإضافة الى ملايين المسلمين المقيمين في الغرب، يَرَوْن ان تجربة الحداثة الغربية التي تُوّجت بفصل الدين السياسية أدّت الى النتائج المهمة التالية:

1- إن الإدارة العقلانية للمجتمع وما يستصحب ذلك من شفافية ومساءلة ووجود احزاب المعارضة وحكم القانون وإستقلالية القضاء وسطوة الإعلام ... هذه الأمور مجتمعة، أدّت الي وجود تجربة سياسية سليمة الى حد كبير حيث منسوب الفساد والرّشوة والمحسوبيات قليل، وليس هذا فحسب بل ان السياسيين الذين يستغّلون مناصبهم لأمور شخصية او يتقبلون الرشى يحاكمون كغيرهم ويدخلون السجن اذا ما ثبتت التهم ضدهم. ويحق للغرب ان يفتخر بهذه التجربة. والعكس عندنا هو الصحيح.

٢- فصل الدين عن السياسة أدّى ايضا إلى تحقيق الوئام الاجتماعي في الغرب بحيث لا يكفّر الكاثوليكي البروتستانتي ولا العكس، ولا البوذي الهندوسي ولا المتديّن الملحد... الخ. وليس هذا فحسب بل إن القانون يضمن لكلّ منهم حرية ممارسة شعائرهم الدينية. ٣- عدم وجود ايديولوجيا دينية حاكمة في الدول الغربية أدّى إلى ارتفاع مستوى الصدق في المجتمعات الغربية بحيث لا يشعر الانسان انه بحاجة الى ان يراءي او يتزلف او يغالي في دينه لقاء منافع معنوية او مادية فهو حرّ في ان يكون مُتديّنا او خلاف ذلك ولا تترتب على تدينه او عدمه اية منافع معنوية او مادية . اذا أضفنا الى ذلك حالة الرخاء النسبي التي تعيشها المجتمعات الغربية، فالوظائف متوفرة بشكل مقبول، والذي لايجد فرصة عمل يتكفل به نظام الضمان الاجتماعي الذي يؤمن له الاحتياجات الاساسية لمعاشه، وهذا ما يُشعرالانسان باستقلاليته وكرامته فمعيشته وقوت أطفاله ليسا مرتبطان بالتصفيق لذلك الزعيم او إكالة المديح لذلك النافذ او تضخيم شخصية ذلك الثري وهذا ما يشجّع على حريّة الضمير وقول الحق بحيث نجد ان مستوى الصدق في المجتمعات الغربية أعلى بكثير ليس فقط من نظيره في المجتمعات العربية والإسلامية بل في مجتمعات المتدينين أيضاً.

هذه الأمور المذكورة أعلاه لا تنفي حقيقة ان الغرب في تعاطيه مع الشعوب الأخرى في اغلب الاحيانٍ ظالم ومتغطرس واستئصالي أيضاً. الحديث أعلاه هو عن التجربة داخل المجتمعات الغربية. وينبغي التفريق بين هذين الجانبين من أجل التوصل لفهم صحيح للحضارة الغربيه.

وَمِمَّا يزيد الأمور تعقيدا في مسألة علاقة الإسلام بالحداثة أننا لا زلنا لا نملك تصورا واضحا عن كيفية التعاطي مع التساؤلات الرئيسية للحداثة بالرغم من مرور قرنين من الزمن على إشتغال مصلحين ومفكرين كبارعلى هذاالموضوع.

تتلخّص إشكاليات الحداثة الاساسية عبر التساؤلات التالية: 

1- هل العقل مستقل أم أنه خاضع للوحي؟ ويتفرّع عن هذا السؤال إمكانية خوض المغامرة الفكرية الحرّة في العالم الإسلامي دون الإنطلاق من مسلّمات فكرية وعقدية وإسلاس الزمام للعقل المؤطّر باءطار العلم.

2- هل يمكن تحقيق النموذج الحداثي في الحكم (الديمقراطية) دون المرور بمرحلة العلمنة الثقافية؟

3- ما هو التصوُّر الإسلامي الصحيح لمفهومي الذاتية والرشد اللذان يمثلان الركيزتين الإساسيتين لمشروع الحداثة (الذاتية هنا تعني نمو الذات العاقلة-، المستقلّة، الناقدة، الفاعلة في المجتمع، المهتمة بحقوقها اكثر من اهتمامها بواجباتها، والرشد يعني عدم إعطاء الآخرين حق التفكير بالنيابة عن نفسك - وهذا المفهوم الأخير اعتبره الفيلسوف إيمانويل كانت أهم مبادئ فلسفة الانوار)؟

ويتلخّص الإلتباس في التعاطي مع موضوع علاقة الإسلام بالحداثة في العالم الإسلامي اليوم حسب اطلاعي بالامور التالية:

الخلل في فهم بعض المكوّنات الرئيسية لظاهرة الحداثة وما يحدثه ذلك من تشوّش بإدراك علاقة هذه الظاهرة بالإسلام (طه عبدالرحمن)، أو إسقاط المشاريع الأيدلوجية على واقع المسلمين او بعض نتاجهم الفكري في فترات زمنية معيّنة من أجل إثبات تناغم مزعوم بين الإسلام ونزعة الأنسنة او بين الاسلام والعقل السيادي المستقل (محمد أركون ومحمد عابد الجابري)، أو الوقوع تدريجيا في فخ العلمنة الثقافية (عبد الكريم سروش ومصطفى مالكيان) .

يتلخّص المشروع الفكري لطه عبد الرحمن بفهم للعلاقة بين الحداثة الغربية والإسلام مفاده أن روح الحداثة تتفق مع الدين الاسلامي في حين أن تطبيقاتها (في الغرب اساسآ) تختلف معه. والسؤال الأساسي الذي يمكن أو يُوجّه الى هذه الأطروحة هو التالي: كيف يمكن لروح الحداثة ان تتفق مع الإسلام في حين ان هذه الروح مرادفة للإتجاه الإنسانوي الذي أراد ان يُحلّ الانسان مكان الله وان يستمد المعرفة بشكل حصري من عقل الإنسان ويستمد المعاير القيمية حصرياً من عقل الانسان أيضا؟ وأما الجابري وأركون فقد حاولا البرهنة على ان التجربة العربية - الإسلامية في ما مضى اختزنت مبادئ الحضارة الحديثة الأول عبر الإيحاء بأن إبن رشد هو الذي أرسى دعائم العقلانية السيادية، أو القائمة بذاتها، والتي استفادت منها أوروبا لاحقا لدى تأسيسها للحداثة، والثاني عبر التركيز على تيار فكري انتشر في التاريخ العربي في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين وهمّش لاحقاً، سادت فيه نزعة الأنسنة التي تعتبر روح الحضارة الحديثة . ولكن الدراسات الجادّة في هذا المجال تظهر أن الإتجاه العقلانى لدى ابن رشد لم يكن منفصلاً عن الوحي ولا مؤسساً للقطيعة معه أو الاستقلالية عنه بل كان يهدف إلى إيجاد نوع من التناغم معه وأن نزعة الأنسنة تلك كانت تتفاعل ضمن منهج فكري مؤطر بإطار النظام العقدي الإسلامي والتي لم تهدف إلى جعل الانسان مركز الكون ومصدر المعرفة والقيم. والخطير في مشروع أركون انه لم يكن مقتصرا على محاولة تحطيم السياجات الدوغمائية التي احاطت بالنص المقدّس من أجل التوصّل إلى مقاربة اكثر راهنية له بل أراد التشكيك بهذا النص بالذات خصوصا عبر الغمز في ما شاب عملية تحوّل هذا النص من نص شفاهي الى نص مدوّن وذلك ما عبّر عنه مواربة ب" اللامفكر فيه" أو " ما لا يمكن التفكير فيه ". أما عبد الكريم سروش فقد طرح نظرية معقولة لتحريك الفكر الإسلامي اسماها " قبض وبسط المعرفة الدينية" ومفادها أن أيّ نص، بما في ذلك النصّ الديني، لا يمكن أن يقارب إلاّ من خلال المعارف والتصورات والمفاهيم القبلية المتاحة بنِسَب متفاوتة في كل عصر وهذه تشكل بمجموعها النظارات التي ينظرمن خلالها إلى النص .وبما ان معارف العصر متغيّرة ومتطورة وتخضع لقبض وبسط فأن ذلك يلقي بظلاله على فهم هذا النص. وغنيٌ عن القول أن هذه المعرفة بشرية ونسبية، فلا توجد قراءة للنص يمكن ان نعتبرها صحيحة أو منزهة عن الخطأ، وهذا ما يفتح الباب أمام مشروعية التعددية في فهم النص الديني ويؤدي إلى إثراء الفهم وانفتاح النص على الإشكاليات الحديثة . وعندما حاول سروش ان يطبق هذه النظرية على موضوع السلطة السياسية اجترح مفهوم " الحكومة الدينية الديمقراطية" الذي ادعّى من خلاله أن الحكومة تتألف من ثلاثة أقسام : القيم الأخلاقية والإدارة العلمية للمجتمع والفصل بين السلطات، فأذا استلهمنا القسم الاول من التراث الإسلامي واستعرنا القسمين الآخرين من الحضارة الغربية يمكن ان نؤسس حكومة ديمقراطية دينية ونوجد توافقا بين الإسلام والحداثة . وغني عن القول ان التنظير أعلاه غاية في التبسيط . ولعل سروش فطن إلى هذا الأمر لاحقا فتوجّه إلى نوع من العلمانية الشاملة بطرح مفاده ان القبض والبسط لا يصيب الفهم الديني فقط بل إنه يمسّ الدين ذاته وذلك عبر كتابه (بسط التجربة النبوية) الذي ادّعى فيه ان حقيقة الوحي هي من الله ولكن اخراج الوحي لفظاً وأحكاما هو من مختصات النبي (ص)، فكأن الوحي ينزل معانٍ ومفاهيم كليّة على قلب النبي ويتفاعل هذا المضمون مع وجدانه ثم يخرجه النبي كلاماً واحكاما . وفِي عملية التفاعل والإخراج هذه يخضع النص القرآني لكل العوامل والمؤثرات التي تعتمل في وجدان النبي كبشر من انقباض نفسي أو انشراح أو حزنٍ أو سرور أو همّة أو فتور. وهذا ما دعى المؤسسة الدينية لمخالفته وانتهى به الأمر ان اختار السكنى خارج وطنه. ولقد أدّت المسيرة الفكرية لمصطفى مالكيان الى الوقوع تدريجيا في نفس الاشكالية وذلك بما انتهى اليه من نتائج من ان وعود الدين ومنافعه يجب ان تتحقق في هذه الحياة ومدعياته أيضاً يجب ان يبرهن عليها في هذه الحياة أيضا لا ان ينتظر الناس ليوم القيامة من اجل اكتشاف حقانية الدين من عدمها وفِي المحصّلة انه تبنّى منهجا ما بعد حداثوي يقر بنسبية الحقيقة والعلاقة الهلامية بين الفكر والواقع وهذا ما يطول المجال في تفصيله. ولكن بالرغم من كل ما تقدّم وبالرغم من وجود اتجاهات مختلفة للإجابة على تحدّي الحداثة في العالم الإسلامي والتي قد يناقض بعضها بعضاً احيانا نظراً للتنوع الهائل في هذه الاستجابات فأنه يمكن رصد الظواهر التالية التي سوف يكون لها تأثير مهم على بزوغ حركة إصلاحية كبرى في العالم الإسلامي يكون لها امتدادات في شتى الميادين، وتتلخص في الأمور التالية:

١) نشؤ كُتل مثقفة وواعية على امتداد العالم الاسلامي تتحلّى بالتدين والحس النقدي في آن معا والمنشغلة بطرح الأسئلة الجريئة فيما يتعلق بالمعرفة الدينية وسيادة الانسان على ضميره وخياراته الحياتية والسياسية مما يؤدي في نهاية المطاف إلى بلورة مفهوم سيادة الأمة على نفسها . هذه الكتل منهمكة أيضاً في تطوير قدراتها والمشاركة الفعالة في شتي ميادين الحياة الحديثة وهذا ما يمثل تنمية نوعية للذاتية التي تؤدي في أغلب الأحيان إلى تبيئة مبدأ الرشد . 2) التجسير التدريجي بين مجالي العلوم الانسانية والمعارف الدينية فهذه العلوم، بشتى فروعها، بدأت تطرق إبواب الحوزات العلمية والمعاهد الدينية. وَمِمَّا يعزّز عملية التفاعل هذه وجود آلاف المتخصصين في العلوم الانسانية في العالم الإسلامي الذين يطرحون الأسئلة والإشكاليات الحديثة على النص الديني ويستنطقونه في راهن القضايا التي يعيشها المسلمون ووجود أيضا ثلة من كبار علماء الحوزة الدينية المتخصصون في أمهات المعارف الإسلامية والمنكبون بجدية على قراءة واستيعاب النتاج الفكري والفلسفي الحديث .

٣) سطوة الحضارة الغربية في شتىى الميادين، الأمر الذي أشير اليه سابقا، وما تعنيه هذه الظاهرة من سيادة المنهج العقلاني إذ ان من أهم تعريفات الحداثة " تفشّي العقلانية في شتى مجالات الحياة وإعتبار العقل مصدر المعرفة ومعيارالقيم" . هذا الانتشار للعقلانية على نحو واسع يطرح على المسلم الواعي أسئلة صعبة تتعلق بالموروث الديني وإلى الإلتفات إلى نسبيته والظروف السياسية والاجتماعية التي نشأ فيها، وهي ظروف محض بشرية، وإذا كانت المواجهة مع الحداثة تؤدي إلى نتيجة " كل ما هو صلب يتبخرّ في الهواء " فأن هذه العملية تطال التراث الديني ولا تطال الدين نفسه، وقد بدأت فعلياً عملية تفكيك الموروث لكي يصل الانسان الى الدين ويتعاطى معه بشكل خلاَّق، يتجاوب فيه مع الإشكاليات الراهنة وليكون له دوره اللائق في حياة الانسان. فهل تشهد العقود القليلة المقبلة انبثاق وعي جديد يؤسس لحركة إصلاحية شاملة في العالم الإسلامي ؟

 

د. عماد بزي

 

جعفر نجم نصرإن أهل البيت يمثلون كما هو معروف امتداداً لسيرة النبي الأخلاقية وبكل تجلياتها أذ يعدون ورثته الحقيقيين الى حد كبير، وهم بهذا المعنى ورثة القرآن ومضامينه المتعددة، التي على رأسها الاخلاق، وذلك لأن النبي كان يمثل (خُلق القران) كما أشارت لذلك السيدة عائشة وهم بذلك النحو كانوا مطالبين بقبول الآخر المغاير دينياً وثقافياً والتعامل معه بنحو أنساني لايحده حد او يمنعه مانع، وذلك تمثلاً منهم للقران وآياته التي تحث على الانفتاح والتواصل مع الآخر المختلف دينياً، أذ بحسب قول عبد الكريم سروش: أن أول من غرس بدور التعددية هو الله تعالى الذي أرسل رسلاً وانبياء مختلفين وتجلى لكل واحد منهم بمظهر خاص وبعث كل واحد منهم الى مجتمع خاص ورسم تفسيراً للحقيقة المطلقة في ذهن كل واحد منهم يختلف عن الاخر(2).

ونلاحظ من نماذج هذه الايات القرانية الاشارة الواضحة للتعددية الدينية وصيغ التعامل مع الآخر المغاير :

- {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} (118، سورة هود) (الاختلاف سنة كونية وجودية بأمر الله تعالى).

- {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (17- سورة الحج).

اهل الكتاب وردَ هنا ذكرهم بسياق واحد ولحق بهم المشركون).

{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} (5- سورة المائدة).

(هنالك مأذونية قرانية واضحة بتناول أطعمة اهل الكتاب –فالتواصل مباح بالعموم).

{وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ }(52- سورة الانعام).

(ان درجات الايمان متفاوتة، ولكن لابد من قبول الآخر وعدم محاسبته على مايظهر من رؤية دينية خاصة بهِ).

وعليه فمن المتيقن ان أهل البيت كانوا على دراية تامة بهذه الآيات ودلالاتها، وعمقها الانساني الذي يتمثل في التعددية الدينية والانفتاح غير المشروط على الاخر ايا كانت عقيدته او موجهاته الثقافية؛؟ ولكن ما وردَ من مرويات في المدونات الشيعية يشي بخلاف ذلك (كما سنبين لاحقاً)، وهكذا يعني أزاء عدة أشكاليات وهي:

أولا: ان الائمة اجتهدوا مقابل النصوص القرآنية، وجاءوا برؤية مغايرة كلياً، وهذا ما ننفي وقوعه او حدوثه بالمطلق، وبدليل المقدمة الجوهرية من كونهم ورثة اخلاقيات النبي وبوصفهم كذلك حملة القران ومؤلوه بنحو لايتعارض وسيرة النبي الاخلاقية تلك .

ثانيا: ان الائمة اعتمدوا على منطق أسباب النزول، ومن ثم فهم ربطوا الايات بسياقاتها الاجتماعية والثقافية أنذاك، التي أفرزت أطاراً للتعددية الدينية، وهم غير مسؤولين عن أسباب النزول في عصرهم الذي عاشوا فيه، وهذا الامر يمكن الرد عليه من قبيل ان الثوابت الاخلاقية في التواصل الانساني الذي بينه القران لايخضع للضرورات الحياتية وتقلباتها، لان هذا الأمر يرتبط بأحكام تشريعية اخرى من قبل (الرق، او ملك اليمين، او الجهاد...او حقوق المرأة ...الخ)والتي فرضت على النص تأويلاً عصرياً مغاير أو مختلفا، ولكن الثوابت الاخلاقية المعاملاتية هي اخلاق كونية لاشأن لها بالأمور المحلية التي كانت تجري في المدينة المنورة وشروطها الحياتية الخاصة أنذاك.

ثالثا: ان هذه المدونات الشيعية ضمت في متونها مرويات مزيفة لا أصل لها، وقد وضعها الوضاعون، وأسهم في تثبيتها بنحو خاص المغالون الذين أمنوا أيماناً مفرطاً بنظرية الامامة الآلهية والاصطفاء الالهي لآهل البيت مما جعلهم يندفعون في تكفير الآخر أيا كان ونبذه مادام هو لايؤمن بإمامة اهل البيت المطلقة وصنع مذهبٍ دينيٍ او اتجاه فلسفي او فكري مغاير .

اننا نرى في الاشكالية الثالثة منطلقاً جوهرياً لفهم المرويات والاجتهادات الفقهية التي تأسست عليها، والتي كلها تذهب بالعموم نحو عمل القطيعة بين اهل البيت والمغايرين دينياً وثقافياً واجتماعياً.

لقد واجه كافة الائمة هولاء الغلاة الذين نشطوا من زمن مبكر عقب واقعة الطف بحسب تحقيقاتنا، ورد عليهم الامام محمد الباقر وجعفر الصادق، واستمر الرد عليهم الى زمن الامام حسن العسكري، ولقد نقل عن الامام الصادق مواقف كثيرة ازائهم منها على سبيل المثال :وقال مرزام :قال لي ابو عبد الله :قل للغالية توبوا الى الله فانكم فساق مشركون، وقال ابو بصير: قال لي ابو عبد الله ياأبا محمد ابرأ ممن يزعم أناّ أرباب، قلت: برئ منه. قال الصادق: ابرأ ممن يزعم انّا انبياء. قلت: بريء منه، وعن ابي بصير قال: قلت لأبي عبدالله: انهم (اي الخطابية وهي فرقه مغالية) يقولون: انك تعلم قطر المطر وعدد النجوم وورق الشجر ووزن مافي البحر، وعدد ما في التراب، فرفع الامام الصادق يده وقال: سبحان الله، سبحان الله، والله ما يعلم هذا الا الله(3)،

ولهذا فقد اسهم اصحاب الغلو في المذهب الشيعي، والذين تسللوا بمروياتهم الموضوعة والمزيفة الى المدونات الشيعية(4) من احداث القطيعة مع الاخر المغاير لمذهب اهل البيت، وصنعوا للشيعة الصور النمطية الاتية:

انهم الفرقة الناجية الوحيدة، وغيرهم في جهنم وحتى لو كانوا مسلمين!؟.

ان الاتجاهات الفكرية- والفلسفية انذاك (المعتزلة اخوان الصفا/ التصوف/ ...الخ) على ضلال، وان الأولى التمسك بأراء اهل البيت فحسب، وأستمر هذا الامر الى يومنا هذا.

ضرورة القطيعة الاجتماعية التامة مع الاخر المغاير دينياً وثقافياً، واعتماد مبدأ التقية ان كان ذلك الاخر قوياً لاجل التواصل معه للضرورات القصوى.

ولعل تجسيدات ذلك تمثلت بالامور الاتية (على سبيل المثال لاللحصر):

اولاً: يجعلون من اهل البيت دعاة للقتل والتصفية الجسدية، فلقد ورد الاتي: (عن داوود بن فرقد قال: قلت لأبي عبد الله (الصادق): ماتقول في قتل الناصب؟ قال حلال الدم لكني اتقي عليك، فأن قدرت ان تقلب عليه حائطاً او تغرقهُ في ماء لكيلا يشهد به عليك فأفعل. قلت:فما ترى في ماله؟ قال: توهّ ماقدرت عليه (5).

وهذا يعارض القرأن بطبيعة الحال جمله وتفصيلا للنظر لهذه الاية الكريمة:

{ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} (6- سورة التوبة). الا نلاحظ تناقضاً واضحاً بين أخلاقيات القرأن ونهجه، وبين هذه المرويات البغيضه؟ ثم الم يرد عن اهل البيت قولهم (كل مايرد عنا أعرضوه على القرأن، فأن تماثلا فأقبلوه وان تعارضا، فأضربوا بما يردعنا عرض الحائط)، او بحسب قول الصادق: (مالم يوافق من الحديث القرأن فهو زخرف)(6)

ثانياً: يجعلون من الايمان بإمامة أهل البيت معياراً لصحة الايمان والاسلام، وهذا ما اشار اليه الكثير من الفقهاء، وناقشه بعض الاكاديمين، فهي: لدى الامام الغزالي والكثير من الاشاعرة من الامور الفقهية، الا ان بعض فقهاء الشيعة امثال علي بن الحسين الكركي (م940)، يعدها من اصول العقائد قائلاً: "يجب على كل مكلف حر وعبد ذكر وانثى ان يعرف الاصول الخمسة التي هي أركان الايمان، وهي: التوحيد، والعدل، والنبوة، والامامة، والمعاد بالدليل لابالتقليد. ومن جهل شيئاً من ذلك لم ينتظم سلك المؤمنين، وأستحق العقاب الدائم مع الكافرين" واضح ان مؤدى قوله تكفير من انكر الامامية (7).

وهذا إشكالية كبرى لاترتبط بخطورة هذا القول، بل بخطورة ضم الامامة مع العقائد وهي أمر ثانوي أمام التوحيد، والنبوة، والمعاد، والعدل، ولعل الخطورة الأشد هو أن توضع او تكتب اطاريح شيعية لاتناقش هذه الاراء، بل توردها كمعيار اساسي من معايير فقه التفكير، والآولى ان تكتب اطاريح حول فقه التعددية الدينية او فقه قبول الاخر، اذ كيف تكتب اطروحة في ذروة عصر التكفير للدفاع عن المعايير(ضمناً) التي تجوز التكفير الا يدل ذلك على توجه اكاديمي غير صائب وليس معتمداً للنهج العلمي ابداً، على الرغم من ذكره للاراء المتعارضة في كل المذاهب وداخل المذهب الواحد ذاته الاان ذلك لايبرر صياغة (شرعّنه اكاديمية) للتفكير ابداً(8).

ثالثاً: شرعنوا رفض الاخذ من المذاهب الاسلامية، بحجة أنهم مخالفين لأهل البيت مما عطل الاجتهاد داخل اروقة المذهب الشيعي لفترة طويلة، ولهذا وجدناهم يهاجمون الفقيه ابن الجنيد الاسكافي (378ت) وهو فقيه شيعي، لانه اخذ بالقياس وفتح باب استنباط الفروع، معتمداً على طريقة فقهاء السنة، اذ رد الشريف المرتضى وقبله استاذه الشيخ المفيد عليه رداً قاسياً؟(9)

وهذا ان دل على شيء فأنما يدل على ان المغالين ومن سايرهم او اعتقد بأرائهم، قد حرم المذهب الشيعي من ارث ديني، فقهي كبير والذي تمثل بجهود الائمه الاربعة الاساسين (المذهب السني) بل وانه أسهم كذلك في عدم الاستفادة من سائر الحركات الدينية والفلسفية التي كانت تسود انذاك في حياة الائمة وبعدهم، هذه الاسس المختلفة (آنفة الذكر) أسهمت في جعل الشيعة طائفة مختلفة الى حد كبير، وان تظاهرات بالانفتاح على الاخر اما تقيةً مرةً وأما تصنعاً مصلحياً لامصدقية فيه تارة اخرى.

ونحن نصل الى الخاتمة فنقول: أيعقل لمن ورث أخلاقيات القرأن وتربى في ظلالها يرى بنفسه الاصطفاء الالهي فحسب ولغيره الخسران المبين؟

 

د. جعفر نجم نصر

استاذ أنثروبولوجيا الدين وعلم اجتماع الدين في الجامعة المستنصرية / العراق .

 .............................

المصادر والهوامش

(2) عبد الكريم سروش، الصراطات المستقيمة / قراءة جديدة لنظرية التعددية الدينية، ت:احمد القبانجي، الانتشار العربي، بيروت ط، 2009، ص203.

(3) أسد حيدر، الامام الصادق والمذاهب الاربعة، المجلد(ج)، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 2001، ص358.

(4) لتفاصيل اكثر يراجع :د.حسين المدرسي الطباطبائي، تطور المباني الفكرية للتشيع في القرون الثلاثة الاولى، دار الهادي، بيروت، ط1، 2008.

(5) محمد بن علي بن الحسين الصدوق، علل الشرائع، تقديم: محمد صادق بحر العلوم، النجف، دار البلاغة، بيروت، ص601.

(6) محمد بن يعقوب الكليني، اصول الكافي، المجلد الاول، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1998، ص69.

 7)) اسعد عبد الرزاق، فقه التكفير، دراسة في المعايير الدينية لأطلاق حكم التكفير على الانسان، دار سطور، بغداد، ط1، 2018، ص122.

(8) مدار الكلام نحو الكتاب انف الذكر الذي هو بالاصل اطروحة دكتوراه في جامعة الكوفة.

(9) ينظر: د.فؤاد ابراهيم، الفقيه والدوله، دار المرتضى، بيروت، 2012، ص20-22.

 

مفتتح: ماذا يمكن أن يعني بالنسبة إلينا أن يكون "المثقف" بلا "أثر" في الواقع؟

ليس هذا السؤال مبهما إلا بقدر ما اعتدنا المرادفة بين "المثقف" و"المتعالم"، والحال أن هناك فرقا شاسعا وخطيرا يفصل بين ما هو "ثقافي" وما هو "فوضوي، عشوائي، إعتباطي"،لأن الثقافة هي مركز ثقل الاجتماع العام وأهميتها تكمن في كونها مطلبا حيويا دائما يفيدنا في التحرر من تراكم تاريخي للرهاب في ذواتنا الفردية والجمعية، كون أنفسنا مرهقة من أسئلة التاريخ والواقع والمصير والمستقبل، تلك الأسئلة التي تبحث عن إجابات وافية متطورة ودقيقة وحركية في الواقع لا تراوغ الإنسان العربي والمسلم لتبقى الفوضى..!!

لايزال حال واقعنا على ما هو عليه، تارة ترتفع وتيرة فوضى الطوائف وأخرى تلتهب نيران الشؤم والحقد والسب والتكفير في بيادر السياسة ومنابر الدين والاعلام، لايزال العقل لاجئ في سراديب الكتب والحوارات المحتشمة والأروقة المهمومة من آهات الشعوب وسكر الحكام ونفاق المتعالمين وفتنة المارقين عن العصر والانسانية والدين...

الواقع العربي وتجربة التنوير الغربي:

هذا حال العرب في القرن الواحد والعشرين، عصر الوجهة نحو ما بعد الحداثة الانسانية... فمن المفارقات العجيبة أن تجد بهذا الحيز الجغرافي المسمى بالوطن العربي، كل ما يمثل أحد محددات معادلة الحضارة كما تحدث عنها المفكر الراحل الاستاذ مالك بن نبي –رحمه الله-، كما أن تاريخ المنطقة يحاكي ملتقى الحضارات وموطن الاديان السماوية وعنوان ميلاد  مقولات القانون الانساني الأول، بالإضافة لاستيعاب المنطقة من طنجة إلى مسقط ديموغرافيا شبابية لو ملكتها أمة لفتحت العالم برمته ولقادت الامم إلى الصلاح الحضاري والرقي الثقافي، لكن رغم كل هذا لا تزال هذه الأمة تبوء بإثمها وتتقاسم الأعذار وتتقاذف التهم وتتساوم على ذمم بعضها البعض وتتاجر بضميرها لتأكل لحمها حيا وهو مكروه عندها...

من هذا الواقع المحتدم، تتردد عدة أسئلة وإشكالات ورؤى ومطارحات بين المفكرين والمثقفين حول: من أين يبدأ الخلاص؟

هنا تتصارع النظريات وترتفع مستويات البورصات الطائفية وتتزاحم الأجندات الخارجية، كل ذلك من اجل تكريس وتجريب البرامج على الشعوب واستنزاف الطاقات البشرية والطبيعية ومحاولة احتواء خيارات الاستقلال الحقيقي لهذه الشعوب، وبالتالي حتى تداول مشروع الخلاص لدى النخبة، لا يزال يتراوح ضمن حالة ثقافية مناهجها فوضوية ومنطقها مستبد وأدبها متعالي على الجماهير، هناك محنة مبدأ وغربة قيم وانقلاب أخلاقي في عمق الفاعل الثقافي !!

في هذا السياق أعود بالذاكرة إلى عصر الانوار الاروبي حيث كان الفيلسوف الالماني يتواصل بالفيلسوف الانجليزي والفرنسي، للاجتهاد في تحقيق انعتاق حقيقي من أسر الفكر الكهنوتي الأسطوري الإقطاعي المسيطر آنذاك، والذي يتوسل بفلسفة الغفران لاشباع حاجات تفاعلية مع واقع مر، دون الوصول لأسس منهجية في تجاوز المأزق الحقيقي والمركزي في العطل التغييري والاصلاحي وابتكار المسهل للانعطاف الاستراتيجي...

وبعد مخاض عسير وتضحيات جسام استطاعت الفلسفة الغربية الاوروبية الحديثة الولوج بأروبا في منظومة ثقافية جديدة، طورت الديمقراطية من الكلاسيكية والأثينية الهلامية إلى الديمقراطية الواقعية الاجتماعية، ثم وصلت لغاية الديمقراطية الليبيرالية الراهنة التي تعتبر ناشئة بالولايات المتحدة الاميركية مع ميلاد الفلسفة البرجماتية، وعبر كل الانتقالات التي عرفتها الساحة الثقافية الاوروبية تبلورت المشاريع النهضوية ابتداءا بأساسيات بناء الاستقرار السياسي والاجتماعي، من خلال نظرية العقد الاجتماعي لجون جاك روسو وتأثيرات كتابات الخلوص العقلي لهيغل وتسامح جون لوك والفلسفة النقدية لكانط وغيرهم كفرنسيس بيكون من قبل دون إغفال فلسفة مارتن لوثر، حيث تبلورت ثقافة الحوار العلمي والثقافي والنقد الموضوعي البناء، لتثير دفائن العقل الاوروبي  حتى يرتب البيت الثقافي الاوروبي ويرسم فلسفة سياسية ومنطق اجتماعي ونظام اقتصادي، مثلث قائم على اشتغال ثقافي منفتح على الهم الجماهيري ومستلهم للمسؤولية النقدية والدور الاصلاحي التاريخي، هذه التجربة الاممية القريبة من مجالنا العربي والاسلامي زمكانيا والمؤثرة في وعينا الثقافي عصريا، على الرغم من كل المؤاخذات التي انطلقت من عمق التداول الثقافي النقدي فيها، على طول زمن تطور الاجتماع الاوروبي العام...

إلا أن الاطلالة الخاطفة عليها – التجربة التنويرية الغربية- توحي بشكل لافت إلى تقارب كبير في بعض الزوايا والوقائع والجوانب النفسية والاجتماعية الاولى التي تشابه المجتمع الأوروبي فيها مع مجتمعنا العربي، كما تختلف أيضا في عدة معطيات وحقائق وتميزات ذاتية خاصة بالهويات الثقافية والتراكمات التاريخية والخصائص الاجتماعية ناهيك عن التدافع التاريخي بين العرب والروم، لكن كما يقال بالمثل: ما لا يقبل بعضه لا يترك كله، فالموضوعية في فقه سنن الحياة مركزية في المنهج والحركة والتطلع، خصوصا أمام التحديات المتزايدة والضاغطة على العمق النفسي الاجتماعي للأمة في جل الصعد والمستويات...لذلك الجواب عن الاشكال السابق محله من الاعراب هو المثقف الواقعي... !؟

المثقف: من فعل الثقافة إلى قوة الواقع

المثقف الواقعي هو الانسان المفكر المنفتح على المعرفة ومجتمعها والمخاطب للجمهور والمتطلع للواجب والمتحرك في عمق الواقع والملاحق للنكسات والمنظف للوعي من أغبرة التخلف والاستغراق في الماضي والتحسر على الأطلال، إنه ببساطة هو الفرد الذي يعطي للمجتمع من عقله وقلبه وقوته، هو ذلك الانسان الذي يطلق الفكرة بين الجماهير بكل ادواتها الفنية والجمالية ويتابع وظيفتها بكل رزانة وحكمة لتصبغ أفراد الجمهور بوعي جديد ورؤية خلاقة تحاكي العقل الجمعي بفلسفة الواجب والممكن المبسطة والقابلة للتوظيف في عمق الواقع...

المثقف الواقعي هو ذلك الرمز المتواضع للجمهور بنباهته والملقن لبطولته بلا عجب أو زهو جنوني والمتصدي للتخلف بحزم والمراقب لفرص التنمية والتطور والباحث عن مواطن الخلل بجد واجتهاد، يزن نفسه عند كل خطوة ويقدر الأمور بروية ولا يحتقر العامة، حركيته واقعية في الاجتماع العام  تتمثل في حركة الطبيب والمهندس والمعلم والحرفي والموظف والتاجر والإعلامي والفنان وعالم الدين المجدد في حياة الناس، هو كل الناس المؤمنة بالتجديد والتي تتنفس المعرفة والأخلاق كما تتنفس الهواء وتعيش الحرية في عمق مسؤولية العمل واتقانه...

إنه عنوان المنعطف الحضاري المرتجى وغاية آمال الشعوب المقهورة والامم العليلة بأمراض فقر الدم الثقافي والايدز السياسي والغبن الاقتصادي والعوز الاجتماعي، ببساطة إن مثل المثقف الواقعي كمثل الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين...

لا ريب أن بين واقع الثقافة وثقافة الواقعية حضور جوهري وجلي في صياغة المفهوم وصيانة المصداق للمثقف الواقعي، هذه السطور ما جاءت لتوزع التهم أو تجتر الهموم أو تحاسب نخب المثقفين والمفكرين والفقهاء، لأن الله تعالى أوضح قضية الانسان بكل صفاء وصدق: ﴿بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَة﴾، كل في موقعه مسؤول، غاية ما في الأمر مشروع المثقف الواقعي هو عين البصيرة الثقافية للأمة بخصوص نفسها الحضارية والرسالية في عمق تهافت الحضارات...و على حد قول فولتير لبطل قصته: اقفز هنا...هنا الوردة... !!

محل المثقف من الإعراب في جملة العرب والغرب ليس النقطة الفارقة في الغرب وإنما نقطة الوجود الحضاري لإنسان على نفسه (الذات والمجتمع) بصيرة، يسعى من خلال واقعيته الثقافية ليحرك ثقافة الإصلاح والتجديد والنهوض في عمق الواقع لينتج وعيا شاملا وإدراكا استراتيجيا لتثبيت أساسات التنوير والمستقبل في الحاضر...

 

بقلم: أ.عبد الحميد محسن – باحث جزائري

 

 

خديجة ناصريإن كل متتبع لمسار الفكر الفلسفي العربي المعاصر تمثل أمامه شخوص فكرية بارزة لكل منها وجهة فلسفية تتميز بالفرادة والتنوع سعيا لبث روح التجديد في كيان الفكر العربي، الأمر الذي أسهم في اثراء هذا الفكر سواء من حيث المشارب التي تستقى منها المعرفة أو التيارات الفلسفة التي تفرزها. ولعل من الأمور التي لم تعد تخفى على أي مشتغل في حدود هذا الحقل المعرفي الفلسفي، أنّ "علي حرب" من الوجوه الفلسفية التي جعلت من النقد عنوانا لمشاريعها، بحيث يمارس النقد ساعيا إلى تفكيك ما يتم تداوله من مقولات في كل خطاب أو مشروع إيديولوجي. ومقولة المثقف تعد من أهم المقولات التي اشتغل عليها وعمل على تفكيكها وتعريتها ليظهر ما تستبطنه من أوهام ومغالطات، ومن هنا نتساءل:

كيف تصور علي حرب المثقف؟ وما هي الدواعي التي دفعت به لتقديم قراءة نقدية للمثقف؟ ما هو مفهوم المثقف من منظور علي حرب؟ وما هو البديل المعرفي الذي يقترحه ويشرع له؟ أو بصيغة أدق من هو المثقف الذي يبشر به ويدافع عنه؟

أولا: في مفهوم المثقف عند علي حرب:

يذكر "علي حرب" في كتابه "الإنسان الأدنى" عبارة يقول فيها "إنّ علة كل شيء تكمن في مفهومه بالدرجة الأولى"، ولذا فإنّ تحديد المفاهيم وقولبتها في صيغة أكاديمية من الأمور الواجب الاشتغال عليها لأنّ قوة المفهوم وأثره، كخبرة وجودية، وكتجربة فكرية، وكتركيبة ذهنية، كما يوضح ذلك علي حرب، أنّه يفترع و يقترح إمكانات جديدة للتفكير والعمل، بقدر ما يمتحن بمفاعيله وحيويته والطاقة المبثوثة فيه والقيم التي يشتغل بها وعليها متمثلة في التنوير والتغيير، قدرة المرء على التصنيع والتحويل أو على التخطي والعبور لإعادة البناء والتركيب. ومن هنا تكمن أهمية تحديد الصيغة المفاهمية لمصطلح المثقف في الإطار الدلالي والمعجم الفلسفي الخاص بقراءة علي حرب النقدية.

يعتبر "علي حرب" أنّ مفهوم المثقف، شأنه شأن أي مفهوم آخر، ليس مفهوما بسيطا إنّما هو مفهوم مركب، يؤلف شبكة من التصورات والصور والاستعارات التي تشكل حاشيته أو بطانته، ويندرج ضمن سلسلة من الثنائيات والتعارضات التي تحدد شرط إمكانه. بهذا المعنى فهو يشكل كثافة مفهومية ينبغي اختراق طبقاتها، ويعمل كجهاز مركب ينبغي تفكيك آلياته.

فالمثقف حسب "علي حرب" لا يمكن ضبطه أو تصنيفه ضمن سياق معرفي معين أو تقديمه في صورة أو هيئة محددة المعالم، ويتضح ذلك في قوله: "أعني بالمثقف في المقام الأوّل من تشغله قضية الحقوق والحريات، أو تهمه سياسة الحقيقة، أو يلتزم الدفاع عن القيم المجتمعية أو الكونية، بفكره أو سجالاته، أو بكتاباته ومواقفه، قد يكون المثقف طوباويا أو عضويا، ثوريا أو إصلاحيا، أو قوميا أو أمميا، اختصاصيا أو شموليا، متفرغا لمهمته أو غير متفرغ، وقد يكون شاعرا أو كاتبا أو فيلسوفا أو عالما أو فقيها أو مهندسا، أو أي صاحب مهنة أو حرفة، ولكن أيا كان نموذج المثقف وحقل اختصاصه أو مجال علمه فهو من يهتم بتوجيه الرأي العام، فهذه صفة المثقف ومهمته، بل هذه مشروعيته و مسؤوليته"[1].

بهذا المعنى فالمهمة التي ينتدبها "علي حرب" لا تكمن في اقتراح مفهوم أكاديمي في صيغة لغوية منهجية تعدد خصائص وميزات المثقف، وتبرز المهام التي يجب أن يؤديها بقدر ما يسعى لموضعة المثقف في السياق التاريخي الذي يعيش فيه، وإخضاعه لسلطة الواقع بحيث يغدو المثقف خالق للحقيقة، بالشكل الذي يجعل الأفكار تظل في حالة اشتباك وتواصل دائم مع الواقع، تؤثر فيه وتتأثر به، وبذلك تكون في حالة تشكل مستمر، بحيث لا الأفكار وحدها هي التي تتغير، بل أشكال العلاقة بها تكون عرضة للتغيير كذلك.

ومن هنا يميز "علي حرب" بين المثقف والمفكر، لأنّ هذا الأخير حسبه صانع أفكار، مبتكر مفاهيم، وخالق بيئات مفهومية، يهتم بتفكيك العوائق الذاتية للتفكير، كما تتمثل في عادات الذهن وقوالب الفهم وأنظمة المعرفة وآليات الخطاب، على النحو الذي يتيح له أن يبتكر ويجدد، وهذا ما يوسع من احتمالات الاختلاف بينه وبين المثقف الذي يهتم بهويته الفكرية على حساب رصده للواقع وصنعه للحقائق وفق معطيات ذلك الواقع، وبتعبير آخر فإنّ المثقف بحسب رؤية "علي حرب"، يقصر اهتمامه على تأكيد نسبه إلى معتقده الفكري، مما قد يدفعه لإنكار الوقائع، أو تعديله للحقائق أو تزييفها لتتلاءم وما يعتقد فيه ويدعو إليه. ثم إنّ التفكير ليس ميزة الفلاسفة وأهل المعرفة وحدهم بل هي ميزة الإنسان، وليس حكرا على أحد دون آخر. ولذلك يفضل التعامل مع الإنسان على أنّه ذات مفكرة بوسعه تقديم أفكار، أو صناعة أشياء، أو بناء تصورات، تسهم في خلق فضاء يكون ورشة عمل تتلاحم فيها إبداعات الإنسان وابتكاراته.

ثانيا: في نهاية المثقف واستقالته (نقد علي حرب للمثقف):

يهاجم "علي حرب" فئة المثقفين في نزعة تعنيفية بلغت حد القسوة والتجريح، وتعدى ذلك في أحيان كثيرة إلى حد التعرية. من خلال هجومه على أفكارهم ونخبويتهم ودورهم، داعيا إلى ضرورة تواضع المثقفين لأنهم بلغوا درجة من الهوان والتفكك والاستقالة بحيث لم يعد لهم أي تأثير على المستوى الواقعي لأنّهم قد أصرفوا في التمسك بهوياتهم والتعلق بأوهامهم، يظهر ذلك في قوله: "فليتواضع المثقفون، بعد أن وصلوا إلى هذه الحالة من الضعف والتضعضع. فالجماهير ليست مادة لعملهم أو آلة لمشاريعهم وأفكارهم. إنّهم لم يعودوا طليعة أو نخبة، ولم يعد بمستطاعهم أن يتصرفوا بوصفهم متعهدي الحرية أو وكلاء الثورة أو أمناء الوحدة أو حراس الهوية "[2]. وقد خلص "علي حرب" إلى ذكر حزمة من أوهام استبدت بعقول المثقفين وعششت في خزائنهم الذهنية حاجبة عنهم شموس الحقيقة وهي:

1- نقد المثقف بما هو نهاية للمشاريع:

انتهى "علي حرب" إلى إعلان موت المثقف كنهاية للمشاريع لأنّ المثقف بات أعجز من أن ينير الناس أو يرسم لهم الطريق والعلة بحسبه تكمن في:

أ- المثقف وثقافة النخبوية:

لقد سكن في عقول النخب المثقفة نزعة نرجسية استعلائية اصطفائية وهذا ما دفع "علي حرب" إلى دعوة المثقفين للاعتراف أنّهم ليسوا قدس الأقداس ولا رسل الهداية بل هم أصحاب مصلحة وسلطة يشكلون مجموعات لا تتقن سوى انغلاقها النرجسي وانعزالها النخبـــــــوي وهي تســـــــعى إلى احتكــــار السلطة والمشروعية، يستخدم المثقف في ذلك سلطته الكلامية والكتابية كوسائل لبلوغ مساعيه وأهدافه التسلطية والاستبدادية، فكثيرا ما نجده مفتونا بشعارات عريضة، يتعامل مع أفكاره بصورة ماورائية أسطورية حيث أنّه يهتم بنسق الأفكار لا بمجريات الواقع، فيشتغل دائما بحراسة الأفكار ومعنى الحراسة التعلق بالفكرة كما لو أنّها أقنوم يقدّس أو وثن يعبد، على ما تعامل المثقفون مع مقولاتهم وشعاراتهم. هذا التعامل هو مقتل الفكرة بالذات، إذ هو الذي يقف حائلا دون تجديد العدة الفكرية واللغة المفهومية، بقدر ما جعل المقولات تنقلب إلى أضدادها في ميادين الممارسة ومجالات العمل، و"علي حرب" ينظر إلى الأفكار على أنّها ليست شعارات ينبغي الدفاع عنها، أو مقولات صحيحة ينبغي تطبيقها، بقدر ما هي أدوات لفهم الحدث وتشخيص الواقع[3]. وهذا ما يستوجب على المثقف التخلص من ولعه وعشقه لذاته وفكره والتفرغ لأداء واجبه المتمثل في الكشف عن الحقيقة ورفع الحجاب عما يخفى من الأمور والوقائع.

ب - المثقف وغياب سلطته الثقافية:

يفتتح "علي حرب" حديثه في هذا السياق بإنكار سلطة المثقف العربي، الذي لم يتسنَ له أن يؤدي ذات الدور الذي تقمصه المثقف الغربي، والسلطة التي يسلط عليها الضوء في هذا السياق هي السلطة الثقافية بالمعنى الذي يساعد المثقف أو الفاعل الثقافي على إجتراح شخوص مفهومية تأطر لكيان مجتمعي قادر على تجاوز الأزمات، لأنّ ما هو حاصل في الوضع العربي أنّه كلما شكلت النخب المشاريع كانت الأسوأ، وأقصى ما يقوم به مثقفونا أن يفاجأوا بما يحدث أو يتفجعوا على المصائب والكوارث، في عالم أضحى يتشكل ويتغير ويتحول على نحو يخالف كل حساباتهم، فهم كما يعبر عن ذلك "علي حرب": "مازالوا غارقين في سباتهم الإيديولوجي لا يحسنون سوى نقض الوقائع لكي تصح مقولاتهم أو نظرياهم، إنّهم يرون العلة في الواقع لا في الأفكار أو في أنماط الفهم أو في طريقة التعامل مع الحقائق. من هنا سعيهم الدائم لمطابقة الوقائع مع مقولاتهم المتحجرة، أو لقولبة المجتمع حسب أطرهم الضيقة أو تصنيفاتهم الجاهزة. بهذا مارس المثقفون ديكتاتوريتهم الفكرية أو عنفهم الرمزي باسم الحقيقة أو الحرية أو تحت شعار الديمقراطية"[4] فالمثقفون يدّعون مثلا الدفاع عن الحرية ويرفعونها شعارا في اعتقاد منهم أنّ بإمكانهم تحرير المجتمعات والشعوب من أشكال التبعية والهيمنة أو من أسباب التخلف والفقر وهم أوّل من يغتالها في أبسط اختبار يلاقيهم، وهذا الاعتقاد يغلب عليه الترويج والاستهلاك لشعارات بغية ازدهار مهنة المثقف، الذي تناسى مهمته الأصلية لصالح مهام أخرى، تلك المهام التي يضطلع بها الكاهن والنبي واللاهوتي والداعية، والسياسي فالمثقفون هم في الغالب الوجه الآخر للسلطة السياسية في ارتكاب المساوئ والمفاسد. إنّهم الوجه الآخر للحاكم الفاسد الذي صنعهم على شاكلته. والأحرى القول كلاهما صنيعة ثقافة بعينها من مفرداتها التأله والانفراد والاستعباد والاحتكار والتكالب والنهب وانتهاك الحقوق[5]. والنتيجة التي يحصدها هؤلاء حسب "علي حرب" الجهل بأحوال العالم وأوضاع المجتمعات المراد تغييرها من جهة، وتغير العالم على نحو يفاجئ المثقفين الغرقى في أوهامهم وجهلهم لقيم الحرية والنهضة والتقدم من جهة أخرى. لذلك على المثقفين أن يتخلوا عن دور الشرطي العقائدي، فحراسة الأفكار يعني مقتلها، وتوظيف طاقتهم وجهدهم بالشكل الذي يساعد على تقديم صورة أوضح لما يجري من أحداث وما يستجد من متغيرات.

2- نقد المثقف بما هو سجين الهوية:

يعني الكاتب بوهم الهوية اعتقاد المرء أنّ بإمكانه أن يبقى هو هو، بالتطابق مع أصوله أو الالتصاق بذاكرته أو المحافظة على تراثه. وهذا الوهم جعل المثقف يقيم في قوقعته ويتصرف كحارس لهويته. سواء كانت هذه الهوية علمانية أو دينية، ولكي يدلل "علي حرب" على موقفه هذا قدّم قراءة نقدية في الخطاب الماركسي على سبيل التمثيل. ففي الخطاب الماركسي ننتقل من الكلام عن تقدم المجتمعات أو على المجتمعات المتقدمة إلى الكلام عن الإنسان التقدمي والفكر التقدمي أو القوى التقدمية. هنا يصبح التقدم كما يقول "علي حرب" تقدمية أي يتحول من فلسفة إلى عقيدة أو ديانة وهنا تتبدى المفارقة في الخطاب التقدمي لدى الماركسيين، فهم سعوا إلى تحرير البشر من عبودية الأديان في حين أنهم تعاملوا مع فكرة التقدم كديانة حديثة يدينون بها. فما هو ظاهر في الخطاب الماركسي هو تقدم التاريخ والمجتمع والفكر، أمّا ما هو متواري في ثنايا هذا الخطاب فهو الوقوف عند زمن معين، هو زمن ماركس الذي جرى التعامل معه كالتعامل مع زمن الوحي لدى الإسلاميين، بمعنى أنه وصل إلى الكمال بحيث أنّ كل ما أتى قبله قد مهد له، وكل ما يأتي بعده يكون امتدادا له. من هنا كانت علاقة الماركسيين بالزمن علاقة رجعية، تماما كما هي علاقة الإسلاميين بأصولهم وهنا مكمن العلة. وقد نتج عن هذا الوهم المستحكم في أذهان المثقفين كنتيجة عملية للتشبث بالهوية الوقوع في وهم المطابقة  وهو وهم ما ورائي مستحكم في عقول المثقفين والمفكرين من عرب وغير عرب، ومفاد المطابقة أنّ الحقيقة جوهر ثابت، سابق على التجربة متعال على الممارسة، يمكن القبض عليه عبر التصورات، والتعبير عنه بواسطة الكلمات، ومن ثمة ترجمته في الحياة العملية وعلى أرض الممارسات. وهذا الاعتقاد ترجم غالبا على نحو سلبي، كما تجلى ذلك في محاولات تطبيق أفكار كالاشتراكية والديمقراطية والوحدة، فضلا عن مقولات زوال الدولة أو نهاية التاريخ أو انتفاء الصراعات بين البشر. هذا الوهم الذي استوطن في عقول المثقفين خلق وضع متأزم بحيث سعوا إلى إخضاع الواقع المتغير والدائم الحراك لمقولات جامدة وساكنة تفتقد الفاعلية اللازمة للخروج من الأزمة، التي تتطلب العمل على نسج أفكار جديدة لا سلخ وتبني أفكار جاهزة تزيد من حدتها وعمقها.

3- نقد المثقف بما هو رمز من رموز الحداثة:

لقد تسلل إلى معجمنا الثقافي كثير من المصطلحات الفلسفية التي أنتجتها الثقافة الأوروبية والتي كان لها الأثر الكبير في تشكل الثقافة العربية المعاصرة كما كان لها بالغ الأثر في بناء المفاهيم المعرفية في خطاباتنا، من بينهما مفهوم الحداثة، الذي تعاطى معه العقل العربي بشكل سلبي زاد من حدة الأزمة ومن عمقها، ولذا فإنّ "علي حرب" يرى أنّ وهم الحداثة هو من أشد الأوهام حجبا وأكثرها إعاقة للمفكر على خلق الأفكار، إذ هو يحول بينه وبين الاستقلال الفكري أو ممارسة التفكير النقدي. ويعني هذا الوهم تعلق الحداثي بالحداثة كتعلق اللاهوتي بأقانيمه أو المتكلم بأصوله أو المقلد بنماذجه. وهكذا فنحن إزاء سلوك فكري يتجلى في تقديس الأصول أو عبادة النماذج أو التعلق الماورائي بالأسماء والتوقف الخرافي عند العصور. وهذا شأن المثقف العربي على العموم، إنّه أسير النماذج الأصلية والعصور الذهبية. بحيث يستوي في هذا الشأن التراثيون والحداثيون، إذ الكل يفكرون بطريقة نموذجية أصولية. فإذا كان التراثيون على اختلافهم، يفكرون باستعادة العهد النبوي أو عصر الراشدين أو العصر العباسي، أو هم يحاولون احتذاء عقلانية ابن رشد أو واقعية ابن خلدون أو قصدانية الشاطبي. فإنّ الحداثيون على تباينهم يفكرون باستعادة عصر النهضة أو العصر الكلاسيكي أو عصر الأنوار، أو هم يحاولون احتذاء منهجية ديكارت أو ليبرالية فولتير أو عقلانية كانط أو جدلية هيغل أو مادية ماركس[6]. وفي الحالتين فإنّ المثقف العربي يظل أسيرا لرؤى لا تنبع من تجربته ومن واقعه إنما هي تنتمي لفضاء وأفق معرفي مغاير لا يمكن أن يتماشى والواقع العربي الراهن.

4- نقد المثقف بما هو إنسان:

يشدد "علي حرب" من خلال كتابه " الإنسان الأدنى" على ضرورة مساءلة مفهوم الإنسان، بإعادة صوغ مفهوم جديد ونسج صورة ترقى إلى المستوى المنشود للإنسان، من خلال تفكيكه وإعادة بنائه، بفتحه على ممكناته واحتمالاته، ومفهوم الإنسان قد تجلى في الأدبيات المعاصرة في شكلين بارزين واللذان يهيمنان على الساحة الفكرية إن كان في العالم الإسلامي أم في العالم الغربي وهما والكلام "لعلي حرب: "الإنسان بالوكالة عن الله، والإنسان بالأصالة عن نفسه، أي الشكل اللاهوتي المداور وغير المباشر، حيث الإنسان خليفة الله وأشرف المخلوقات والكائن الذي سخر له كل شيء، ثم الشكل العلماني السافر والمباشر، حيث الإنسان يحمل المسؤولية عن نفسه بنفسه من دون مرجعية غيبية، ويقدس نفسه بصفته سيد الطبيعة ومالكها، أو بصفته كائنا أعلى وذاتا متعالية يبيح لنفسه كل شيء بقدر ما يعتبر نفسه غاية كل شيء[7].

وفي الحالتين لم يكن الإنسان إلاّ الكائن الجشع الذي يسخر سائر الموجودات لخدمة مطامعه وسعيه لإشباع رغباته في نرجسية متعالية، فكما يقول "علي حرب" فإنّ "الإنسانية ليست هي المستهدفة، بل أمست المشكلة والورطة والمحنة، فالأجدى فتح ملف الإنسان، لأنّه ليس المفتاح ولا الضحية وإنّما هو الجلاد وجرثومة الفساد بمركزيته ونرجسيته، بشراسته وهيمنته"[8]. وبدلا من أن نعتبر الإنسان هو الحل لابد من النظر إليه على أنّه مكمن العلة وسبب ما يعيشه العالم من تصدع و شتات، ليصل إلى القول: "الأجدى أن نعكس الآية لنفكر بطريقة مغايرة، فما نقدسه ونصطفيه وندافع عنه من المبادئ والقيم هو مصدر ما نشكو منه من العلل والآفات أو المشكلات والمعضلات، بمعنى إنّ إنسانيتنا هي مصدر ما يفاجئنا ويصدمنا من أعمال الفساد والإرهاب والاستئصال، بقدر ما هي منبع الجشع والتكالب أو السطو والنهب أو الكره والحقد أو المكر والغدر أو الدناءة والخسة أو العهر والفحش، فضلا عن التوحش والهمجية والبربرية "[9].

وقد يبدو "علي حرب" في هذه الصورة القاتمة التي رسم من خلالها تقاسيم الشخصية الإنسانية في زمننا الراهن بما تستبطنه من مساوئ وما تختزنه من مفاسد، متشائما ويرمي بالبشرية إلى الهاوية و شفى النهاية المأساوية للنوع البشري إلاّ أنه يعتقد أنّ ما نحتاج إليه هو "التمرس بخلقية جديدة يعاد معها بناء الذات على نمط مغاير، بالانخراط في مراس وجودي، بالعمل النقدي المتواصل والمزدوج على الذات، وتوظيف للإرث النقدي التنويري وللمكتسبات العقلانية التداولية، التي يقل معها تعظيمنا لذواتنا، بقدر ما تقوى قناعتنا بمحدوديتنا وتناهينا، لكي نمارس تواضعنا الوجودي"[10]. و"علي حرب" يقر جازما بأننا كائنات استثنائية وسط الطبيعة لما يتمتع به النوع البشري من ميزات، ولكن في المقابل فإنّ ما يخلفه هذا الكائن من كوارث وخرائب، لا يترك أي مجال للشك أو التردد في القول أنّ الإنسان لا يختلف عن غيره من الموجودات إن لم نقل أنّه أدنى مستوى وأحط قيمة ومنزلة ومن هنا تبرز الحاجة لإعادة النظر في مفهوم الإنسان نفسه.

ثالثا: أدوار المثقفين عند علي حرب:

قبل الحديث عن دور المثقف الذي سطره "علي حرب" وأطر كيانه نحاول بداية أن نعدد أصناف المثقفين وأنواعهم في البيئة العربية، والذين يسعى لمجاوزتهم من أجل بناء مفهوم جديد للمثقف، يلتزم بمهام جديدة.

1- أصناف المثقفين:

أورد "علي حرب" في معرض حديثه عن أوهام النخب وأعطالها نماذج من المثقفين الذين أمسوا حسبه "آخر من يفكر فيما يحدث ويتشكل، وأقل من ينتج في مجال الأفكار التي يتداولونها في خطاباتهم، وأضعف من يؤثر في مجريات الأحداث والأفكار، إنّهم باتوا الأقل فاعلية، ليس على المستوى السياسي والمجتمعي وحسب بل أيضا على المستوى الثقافي أيضا"[11]. فمن المثقف الاصطفائي العقائدي صاحب القضية النضالية الذي يدعو إلى مقاومة الغزو الثقافي والاستعمار الفكري، ولكنه عاجز عن التجديد والابتكار، لأنّ إرادة العقيدة تغلب عنده على إرادة المعرفة، ولأنّ هاجسه هو المدافعة والمحافظة لا غير. وبصفته كذلك، أي مروجا لا منتجا للأفكار، فإنّه يزيد الغزو الثقافي غزوا ببياناته الهجومية أو بخطاباته التبجيلية التي تخلو من الأصالة والجدة والفرادة. في حين أنّ ما يهم المثقف المفكر هو إشكالية المعرفة وتجديد أدوات الفكر. إلى المثقف النخبوي الطليعي الذي يحيا دائما داخل أوهامه النظرية، وأطيافه الفكرية، وتهويماته الأيديولوجية، لتزداد بذلك عزلته وهامشيته، فرغم الهزال المعرفي والوجودي الذي صار إليه المثقف ما زال يصر في سعي دؤوب لخداع الناس وإيهامهم بأهمية دوره، كممثل للحقيقة، أو كداعية للقضية الوطنية أو القومية، أو كصوت للحرية والديمقراطية أو كمدافع عن حقوق الأمة....الخ ليتغير العالم على خلاف ما يريد له وهذا يدلل في بلاغة على جهل المثقف بكل ما سعى لتغييره، ويدلل من جهة أخرى على جهله بمجتمعه، بقيم الحرية والعدل والديمقراطية، جهل بمفاهيم الدولة والسلطة والمؤسسة. ورغم تهاوي كل مشروعاته الإحيائية والتنويرية، لم يدفعه ذلك لتغيير طريقة تعاطيه مع الواقع، أو يرشده للتخفيف من حدة اعتداده بمعتقداته وتمسكه بأيديولوجياته، أو يكفه عن ادعاءاته وتهويماته لدوره، كضمير للأمة، أو كطليعة للشعب أو كفرد في صفوة مستنيرة، مع أنّ الواقع أضحى يحاصره ويحرض ضده بعدما تكشفت له هشاشة ادعاءاته، وزيف أطروحاته، لذا يتوجب على المثقف أن يتخلى عن دوره الرسولي والنخبوي، كوصي على الحرية والحقيقة والعدل، لكي يغادر هامشيته وعزلته الراهنة، بعد فشله في أداء هذه المهام. ويمكن القول في هذا السياق أنّ "علي حرب" قد طرح هذه الرؤية متأثرا بما ذهب إليه "مشيل فوكو" من أنّ وظيفة المثقف لا تتعلق بما يجب أن يقوم به الناس، بل أن يبدد ما ألفوه، ويضعه موضع المساءلة. إلى المثقف الداعية أو المبشر الذي يقوم بمحاكمة مجريات العالم محاكمة أخلاقية، انطلاقا من تصورات وتهويمات مآلها نفي الوقائع والقفز فوق الحقائق، في حين أنّ المطلوب والمأمول، ممن يشتغل بالفكر، أن يعيد التفكير في منظومته العقائدية أو عدته الفكرية لكي يفهم ما يحدث أو يعقل ما لا يعقل أو يستبق ما يقع، حتى لا يفاجأ بما لا يتوقع. فالذي يفهم الواقع، يسهم في تغييره وإعادة تشكيله على صعيد الفكر بالذات، وذلك بقدر ما ينجح في إنتاج أفكار ومفاهيم تمتلك وقائعيتها وتغدو هي حدث بحد ذاتها. إلى المثقف النضالي الذي أنتجت تجاربه وأفكاره مزيدا من الاستبداد والتخلف، إلى المثقف الأصولي الذي يعلن "العودة إلى الأصول، فيما هو يعيش في الزمن الحديث والعالم المعاصر، ولكن بالطبع بصورة مقلوبة، سيئة أو عقيمة أو مدمرة"[12]، والذي فرخت رؤاه الإرهاب والقتل والدمار، إلى المثقف البيروقراطي الذي ما فتئ يستخدم أدوات مستهلكة في إدارة الواقع وبناء المجتمع، وهذه النماذج للمثقف على تنوعها اشتغل أصحابها بعبادة النصوص أو الأصول والمراجع، ليفتكوا بحيوية مجتمعاتهم وقواها، فبدل أن يقدموا الحل أصبحوا جزء من المشكلة.

2- من أجل تجديد التزام المثقفين (المثقف الوسيط):

إنّ النماذج المعرفية السائدة منذ عصر التنوير لم تعد تفي بقراءة ما يحدث. بل هي استنفذت طاقتها وفقدت مصداقيتها، بما فيها هذه الأنماط التي مثلها المثقف، فمع استنفاذ عالم الحداثة تنتهي أشكال معرفية متوارثة ونماذج ثقافية مسيطرة ومهمة تاريخية طوباوية، لكي تنشأ أشكال ونماذج وأدوار جديدة تطوي القديمة وتستوعبها في صيغ جديدة للعمل التاريخي وللفعل الثقافي.

إذ لم يعد بوسع المثقف كما يرى "علي حرب" أن يمارس وكالته الفكرية عن المجتمع أو وصايته الخلقية على الناس. فالمثقف في عصر الوسائط وسيط بين الناس، يسهم في خلق وسط فكري أو عالم مفهومي أو مناخ تواصلي، أي ما من شأنه أن يزيد المجتمع من إمكانات التواصل والتبادل والتعارف. أما الدور النخبوي التحريري أو التنويري، فقد أنتج التفاوت والاستبداد والاصطفاء والعزلة عن الناس والمجتمع، فما يتوجب على المثقف الالتزام به الإقلاع عن انتداب نفسه للمهام العظمى التي تتعدى حقل الثقافة والمعرفة "فالمثقفين العرب في معظمهم أنتجوا ممارستهم الفكرية بما يجافي دورهم المفترض، تخلوا عن وظيفة التنوير والإبداع والنقد، وانصرفوا عنها إلى ممارسة وظيفة التبرير والتسويغ والشرعنة، تبرير آرائهم في المؤسسة (السياسية) وتسويغ موقفها، وشرعنة وجودها ووظيفتها"[13]. كما يتوجب عليه أن يهجر دائرة الرؤية الرسولية التي تحجزه في نسيج عنكبوتي يغلفه التوهم بالتفوق على الآخرين، في مقابل الانفتاح والانبساط على العالم وممكناته، لبناء رؤية أكثر شفافية ومصداقية عنه.

وهذا ما دفع الكاتب أن ينهي كتابه الموسوم ب:"أوهام النخبة أو نقد المثقف "بدعوة فصيحة فصاحة نقده للمثقفين وأوهامهم: "الأجدى بالمثقف أن يشتغل على ذاته وفكره، لكي يتحرر من أوهامه النخبوية (...) مختصر القول: ليس المثقف للأمة والمجتمع. إنّه فاعل فكري يسهم في عقلنة السياسيات والمعلومات والممارسات (...) باختصار أشد: المثقف وسيط للحد من الاستبداد والطغيان، بقدر ما ينجح في خلق وسط فكري (...) وأما الدور القيادي النخبوي قد أفضى بالمثقف إلى المؤخرة (...) والقول أنّ المثقف يمكن أن يلعب دور الوسيط الفكري، ليس مجرد اعتباط لأنّه إذا كان العالم يتعولم اليوم من جراء ثورة الاتصالات (...) والاتصال يحتاج إلى وسيط (...) من هنا فإنّ المثقف (...) يشكل وسيطا بامتياز"[14]. وبهذا يتلخص دور المثقف في أطروحة "علي حرب" إلى دور الوسيط في زمن العولمة والاتصالات بعد أن جرده من أدواره الطلائعية والرسولية، ونفض عنه أوهامه النخبوية وخلع عنه ثوب الحرية والحداثة المزيف. وليس له أن يؤدي هذا الدور إلاّ بالعمل على تجديد ذاته وكما يقول "علي أومليل "في كتابه "السلطة الثقافية والسلطة السياسية": "حين يتحدث الكتاب عندنا عن دورهم الرائد في عملية التغيير، فإنّ عليهم أن يثبتوا هذا الدور، وأن يستحقوه، حتى تكون لديهم هذه السلطة الفكرية التي يتأسون على عدم الاعتراف لهم بها، ولكي يستحقوها لابد من نضال طويل وعسير، وهو قبل كل شيء نضال من أجل الديمقراطية بالديمقراطية"[15].

إنّ الوضع الذي يمر به المفكر العربي هو نتيجة لترسبات فكرية تشكل كومة من أفكار ومقولات أصابها العفن، لم تعد صالحة للاستهلاك أو التداول، لهذا فإن الخروج من هذا الوضع يستلزم التحلي بعقلية منفتحة تسهم في بناء فكر مجنون، لا يعترف بأي حدود، يخترق كل العوائق والحواجز المفروضة عليه، يتخلص من الأغلال التي تكبله، في سبيل تحقيق حريته ليمارس فاعليته ويثبت كينونته ويكون المثقف في هذه الحالة كما قال عنه ميشال فوكو:" إني أحلم بالمثقف الذي يحطم الأفكار والبديهيات الكونية، ذلك المثقف الذي يحدد ويكشف ضمن عطالات الحاضر وإكراهاته نقط الضعف والمنافذ، وخطوط القوة، المثقف الذي ينتقل باستمرار دون أن يعرف بالضبط أين سيكون وما سيفكر فيه غدا، لأنّه مغرق الانتباه في الحاضر"[16].

وعلى هذا فإنّ الثقافة العربية بحسب "علي حرب" يتوجب عليها أن تستثمر كل مجهوداتها لخلق ثقافة تكون بمستوى الأحداث التي يشهدها العالم الراهن وتساير الوتيرة المتسارعة التي يعرفها على كل المستويات، وفي المقابل يعتقد أنّ الثقافة الغربية بكل ما تحمله من قيم تشكل ذلك النموذج الحي والفاعل للثقافة، وهذا ما يزيد من مسؤولية المثقف العربي الذي يتوجب عليه التأسيس لثقافة تكون بذات الحجم، ليس بسلخ هذا النموذج وتطبيقه، بل بنسج نموذج يحاكي النموذج الغربي ويؤدي ذات مهامه، وقد يفوت الأمر ذلك لمجاوزته والعمل على إثرائه والإضافة عليه.

وبناء على هذا يؤتي نقد "علي حرب" للمثقف الذي أضحى فاقدا للفاعلية التي تمكنه من استيعاب ما يشهده العالم من متغيرات من جهة والمساهمة في إثرائه بتقديم البدائل واقتراح الحلول من جهة أخرى. فالعالم أضحى يتغير على نحو مخالف لكل ما يتوقعه المثقفون الغرقى في أوهامهم والعالقين في عالم من التعالي تستوطن مساكنه النرجسية والاصطفائية التي استبدت بعقول المثقفين الذين يتصرفون على أنّهم أرباب الحقيقة ورسل الهداية وحراس الحق، وهذا ما أبعدهم خطوات لا يمكن عدها عن فهم هذا الواقع.

كما شدد "علي حرب" من خلال نقده للمثقف على ضرورة إعادة بناء الإنسان نفسه، لأنّه بحسبه علينا أن نفتش فينا عما هو إنساني قبل أن نفتش عن المثقف، فالذي مات فينا هو الإنسان، فما أصبح يظهر للناظر له هو الإنسان الذي تسكنه الأنانية والقسوة والضغينة والدناءة والوضاعة والفظاعة وغير ذلك من الصفات التي يعددها "علي حرب" والتي تمس و تقدح في الإنسان، وهذا بسبب الطمع والجشع والركض خلف الثروة والشهرة والاستبداد والسلطة والسيادة التي تشكل مجمل مطامع هذا الإنسان والتي ليس لها حدود يستخدم في سبيل الوصول إليها كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة وهذا ما أنتج عالم تسكنه نفوس مريضة ومهوسة، أنتجت ثقافة مريضة وفاسدة. الأمر الذي جعل المثقف هو الآخر يؤدي أدوار مزيفة، يتخذ اسمه ذريعة لخدمة أغراض شخصية متمثلة في الغالب في السلطة والثروة، يستخدم أفكاره للترويج لمهنته، كل هذه الأمور وغيرها هي المصوغات التي بنى عليها "علي حرب" أطروحته القائلة بموت المثقف الذي لا يعني الموت الطبيعي كما نفهمه إنما موت المثقف هو موت على مستوى الأفكار وتخليه عن أداءه لأدواره الحقيقية. الذي يتمثل حسب "علي حرب" في دور الوسيط الذي يعمل على خلق مساحة وفضاء للتواصل بين الأفراد، دون السعي لتقمص دور الوصي عليهم وذلك لا يتم إلا بإبداع عدة فكرية، تشكل أدوات يتعامل بها الإنسان في ترتيب علاقاته مع نفسه ومع الآخرين ومع العالم الذي يعيش في كنفه.

 

خديجة ناصر – ماجستير فلسفة

الجزائر

............................

قائمة المصادر والمراجع:

-علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة، المغرب، 2004 م.

-علي حرب، ثورات القوة الناعمة في العالم العربي، من المنظومة إلى الشبكة، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الثانية، لبنان، 2012 م.

-علي حرب، الإنسان الأدنى، أمراض الدين وأعطال الحداثة، دار فارس للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، الأردن، 2010م.

-علي حرب، المصالح والمصائر، صناعة الحياة المشتركة، منشورات الاختلاف، الطبعة الأولى، الجزائر، 2010م.

- عبد الإله بلقزيز، نهاية الداعية، الممكن والممتنع في أدوار المثقفين، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2000م.

- علي أومليل، السلطة الثقافية و السلطة السياسية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1996م.

- مشال فوكو، هم الحقيقة، ترجمة مصطفى كمال وآخرون، منشورات الاختلاف، الطبعة الأولى، الجزائر ،2006م.

الهوامش

[1] علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة، المغرب، 2004، ص38.

[2] علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، مصدر سابق، ص55.

[3] حوار مع علي حرب. حصة "إضاءات"، على قناة العربية، من تقديم الصحفي "تركي الدخيل"، يوم الخميس22-12-2011م، متوفر على موقع اليوتوبhttp://www. youtube.com: ، تاريخ الإطلاع على الحوار في الموقع: 04-04-2015م.

[4] علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، مصدر سابق، ص43.

[5] علي حرب، ثورات القوة الناعمة في العالم العربي، من المنظومة إلى الشبكة، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الثانية، لبنان، 2012 م، ص138.

[6] علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، مصدر سابق. ص

[7] علي حرب، الإنسان الأدنى، أمراض الدين وأعطال الحداثة، دار فارس للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، الأردن، 2010م، ص10.

[8] المصدر نفسه، ص15.

[9] المصدر نفسه، ص25.

[10] المصدر نفسه، ص14-15.

[11] علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، مصدر سابق، ص96.

[12] علي حرب، المصالح والمصائر، صناعة الحياة المشتركة، منشورات الاختلاف، الطبعة الأولى، الجزائر، 2010م، ص22.

[13] عبد الإله بلقزيز، نهاية الداعية، الممكن والممتنع في أدوار المثقفين، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2000م، ص62.

[14] علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، مصدر سابق، ص 131-132.

[15] علي أومليل، السلطة الثقافية و السلطة السياسية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1996م، ص257.

[16] مشال فوكو، هم الحقيقة، ترجمة مصطفى كمال وآخرون، منشورات الاختلاف، الطبعة الأولى، الجزائر ،2006م، ص15.

 

دعت بعض المرجعيات، واوساط ثقافية عراقية وعربية، الى التصدي لحالة الركون والانزواء والتوجه نحو رسالة ثقافية متغيرة واخراج المجتمع من حالة التخلف والفراغ العلمي والعقائدي التي يعيشها، مطالبين بثقافة حضارية جديدة واعتماد كتاب الله القران الكريم برنامجا للحركة والعمل عبر تفسير كلماته وتبنيها للناس والتمسك بها، مشيرين ان مهمة الدعاة والعلماء والمثقفين هي اصلاح المجتمع والعيش وفق سنن الاسلام، وهذا التوجه يتطلب خطابا دينيا واعيا ومعتدلا يخاطب شرائح المجتمع المختلفة، وعلى الدولة ان ترعى هذه التوجهات عبر اجراءات تربوية – قانونية ووفق اليات محددة يفهمها الشعب وتتعامل به القوى السياسية المتناحرة، الدولة ليست تجمع قبلي أو كيان حزبي أو فئوي أوضيعة لهذا الحزب أو ذاك أو لهذه الكتلة أو تلك، وأنما هي منتج تاريخي ودستوري وسياسي، حي، وواع، ومتحرك. تحركه مجموعة مؤسسات ودساتير وقوانين وأنظمة، ومنظمات وقيم مدنية ومبادئ وعادات وسلوكيات ومعايير حضارية وشعب وحدود دولية معترف به،ان اداء الدولة المدنية الحديثة، لمهمتها لاتتم عبر نظرية الخطأ والصواب او عبر هذه المباركة او تلك، وانما عبر تخطيط علمي محكم يسترشد بفلسفة عصرية، حديثة في كيفية ادارة الدولة وتنظيم مؤسساتها والتعامل مع الشعب.واعتماد معايير حديثة، كالحداثة، والديمقراطية، والعلمانية، وفصل الدين عن السياسة والدولة نهائيا، ونبذ المحاصصة الطائفية المقيتة، تحديث المناهج التعليمية والتربوية والجامعية، مسترشدين بأحدث النظريات التربوية والتعليمية، المتبعة في الدول المتقدمة، واستخدام التقنيات الحديثة ووسائل الايضاح العلمية، ووضع الاسس العلمية لتعليم اللغات الحية والعمل على ابعاد اي تأثير للافكار والتعاليم الدينية والمذهبية على مناهج التربية والتعليم وذلك لانتاج جيل جديد واع ومتعلم ومنفتح على علوم وثقافات العالم ومتحرر من قيود الخرافة والجهل والتخلف.

وهنا نتساءل/ اين دور المثقف مما يجري؟ وهل بات المثقف يعيش على (مقهى ريش) على حد تعبير الشاعر المصري الكبير احمد فؤاد نجم حيث يصفه (قائلا «محفلط مزفلط كتير الكلام عديم الممارسة عدو الزحام»،فأين يقف المثقف مما يحدث ومن قضايا مجتمعه، اليس من المفترض ان يكون في المقدمة من زاوية ان يبلور سياسة ومواقف ما يجري في المنطقة احداث عاصفة ولها طابع تاريخي !! وبالتاكيد لا يوجد مثقفون متفقون على سياسة واحدة، تختلف المستويات هناك من يعول على التغيير وهناك من يرى في هذا التغيير خطرا وهذا يعتمد على المدارس الفكرية) فالمثقف العربي الآن ما زال في حال ارتباك شديد وعدم تصديق وبهجة وتصفيق، ولم يستعد رأسه بعد ليعرف أين سيضع قدميه، هل هو يقود ام يتبع؟!

المثقف يؤسس لثورة وللتغيير وليس الذي يرقص عند الانتصار هم الذين كانوا متفائلين وكانوا يدفعون ثمن تفائلهم دور المثقف ليس الهتاف بل ان يؤسس اجتماعيا وطبقيا وثوريا وانسانيا لما سيأتي وهو الذي يصارع الازمة وليس الذي يحتفل بعد انتهائها «كما يقول الكاتب والمفكرالعربي الدكتور عادل سمارة يجب اعلاء الصوت في كافة الساحات والمنابر التي يتسع صدرها لما يقوله المثقف لكي نحن الان امام فرز ثقافي من هو مع المشروع الثقافي الوطني والثابت الثقافي والدفاع عن قضايا المثقف ومن ضد هذا المشروع الذي يلتهي بقضاياه الذاتية

في ظل هذه الاشكاليات هل المثقفون الشباب كتابا وفنانين ومبدعين قادرون على التغيير والتأسيس لثقافة وطنية مقاومة؟ فنحن نقول دعوا المثقف ينتصر ودعوا الجيل ينتصر وهذا لا يعني عزل الاباء المؤسسين والرواد بل فتح الابواب امام الجيل الجديد المسؤل وليس المحمول على الفوضى والعدمية والوقوع بين انياب التغريب، ونعول على عدد محدود يطور مشروعه الابداعي وعليه ان ينتبه ان الجيل المؤسس استطاع ان يقدم مقولة حقيقية ولكن هل الجيل الجديد يستطيع ان يقدم ويستفيد من هذا الارث ام يريد ان ينعزل عنه ويقدم تهويمات وسورياليات في الكتابة وفي المواقف والسلوك محمولة على الادعاء والكذب، أرى أن ما حدث من تغييرات ثقافة الربيع العربي كان نتاج ثقافة وطنية آمن بها هؤلاء الشباب وكانت منارتهم في التغيير

الواقع أنّ وظيفة المثقف تجد نفسها في مواجهة حقيقة العمل الصحفي، فالإعلام يبقى جزءًا من منظومة السلطة التي تتحقق من خلالها المصالح الخاصة، ومن ثمّ، فقد واجه المثقفون الإقصاء من الظهور على وسائل الإعلام التي بقيت حكرًا على من يمتلك السلطة. لقد نجم عن ذلك حالة عداء صريحة بين المثقف ووسائل الإعلام، يمكن تلمسها في العديد من الآراء، من كارل بوبر ووصفه للتلفزيون بأنّه وسيلة فاشلة للتعليم، إلى بيير بورديو وتهكمه على المبالغة في منح كامل الأولوية للأوديمات، ووصولاً إلى نقد الثقافة الجماهيرية من قبل عدد معتبر من مفكري مدرسة فرانكفورت ومعهد برمنغهام - كما تبدوا وظيفة المثقف محكومة بمحددات تختلف عن تلك التي تحكم وظيفة الصحفي، إذ عجزت الكثير من وسائل الإعلام عن إيجاد حالة انفصال ولو من طرف واحد عن مصادر المال والسلطة، فيما تعتبر هذه المصادر الوثن الأول الذي يسعى المثقفون لتحطيمه. أما على مستوى الخطاب، فإنّ ما يقدمه الإعلام هو خطاب مؤدلج يكرّس وجهات النظر المهيمنة ويطمس كل تلك المعارضة - وعلى الرغم من اهتراء هذه العلاقة، لم يفقد المثقفون الأمل في الظهور على وسائل الإعلام وتفعيل دورهم داخلها وضدّها، إذ ينتهزون كلّ فرصة لبلوغ الفضاء العام عبرها من أجل رفع شعارات معادية لأحادية الخطاب الإعلامي المهيمن، ولكن هذه الفرص نادرة جدًّا. وقد يصل الصراع ليس لمجرد الإقصاء فحسب، بل إلى حد جعل المثقفين مادة دعائية من قبل الإعلام، حيث يتحدث ريتشارد رووك عمّا يسمّيه التيار المضادّ للمثقفين، لا مناص من طرح العديد من الأسئلة: هل يدرك المثقف حجم السلطة التي صار يمتلكها؟ هل يمتلك مناعة ضد غوايتها؟ هل يمكن أن تنحرف هذه السلطة عن غاياتها النبيلة؟ وهل يمكن أن تتعرّض هذه السلطة للتعسّف من قبل المثقف الأنثروبولوجي والعامي؟ ينبغي من الآن إقامة حدود بيّنة بلغة ريجيس دوبري لكي لا يتماهى الضحية مع الجلاد، فالمثقف في النهاية هو نبيّ للعدالة، لا خارج عن القانون - بالنسبة إلى الخروج عن القانون، ثمة ما يجب ملاحظته. لقد انتبهت الأنظمة التقليدية للسلطة إلى تنامي سطوة شبكات التواصل الاجتماعي، وسارعت إلى تحيين ترسانتها القانونية، فلم يعد التضييق مقتصرًا على وسائل الإعلام التقليدية فقط، بل هناك مؤشرات قوية عن تحوّل آخر في طبيعة التشريع نحو الجرائم الإلكترونية، ما يستدعي من المثقف أن يكون أكثر ذكاءً وأكثر عقلانيةً لكي لا تُستنزَف سلطته سدًى

 

نهاد الحديثي

 

رائد جبار كاظم(لقد آن الأوان لأن نبحث في العيوب النسقية للشخصية العربية المتشعرنة، والتي يحملها ديوان العرب وتتجلى في سلوكنا الاجتماعي والثقافي بعامة) (*)

عبد الله الغذّامي

لا شك ان هناك مجموعة منطلقات وموجهات تحرك الباحث والقارئ والناقد والمفكر أياً كان، وتدفعه نحو ما يريد، وتتنوع هذه الدوافع وتتعدد حسب طبيعة التفكير والمحيط والأيدلوجيا والمرجعيات الفكرية والثقافية التي تغذي ذلك الشخص، ومنها ما هو شعوري واضح للعيان يقره بلسانه، ومنها ما هو لا شعوري مخبوء تحت طيلسانه، نكتشفه عن طريق القراءة الفاحصة والتحليل والنقد الثقافي لذلك الخطاب المعلن لنكشف المضمر منه، وفق منهج علمي موضوعي يلتزم الحياد والمصداقية في ممارسة النقد والقراءة والتحليل.

محركات ودوافع التفكير والتبني الثقافي والفكري والمعرفي كثيرة، كما قلنا، وهي تختلف من مفكر الى آخر، وحسب الزمان والمكان، وعلى هذا الأساس فهي أيضاً بالنتيجة تكون سلطة تمارس تأثيرها وسحرها على عقل ذلك المفكر، من سياسة ودين وثقافة ومجتمع وأيدلوجيا وتاريخ، كل هذه المحركات تترك أثرها على المنتج الفكري والثقافي لذلك المفكر في توجهه نحو ما يريد وما يسعى اليه، وبالتالي تتضح من خلال خطاب وكتابات ومنتج ذلك المفكر أو الأديب أو العالم أو الفيلسوف أو الفقيه، تتضح معالم وأهداف وطبيعة تفكيره ونمطها ونسقها المعلن أو المضمر، وعند ذلك نستطيع أن نعلن صراحة بأن منهج وتفكير وثقافة ذلك الشخص، اسلامي أو علماني الهوى، ماركسي أو قومي التوجه، أيدلوجي أو أبستملوجي وعلمي في طرحه.

وصراحة تشكل هذه المحركات موجهات فكرية وثقافية تدفع بالمرء الوجهة التي يريد، والنتيجة التي ينشدها، والخطاب أو المنتج الفكري والثقافي لهو الكفيل الحقيقي بكشف ما يريده المرء من ذلك التوجه، وهذا يتضح في مجالات مختلفة من العلوم والفنون والآداب، في الفلسفة والثقافة والأدب والسياسة والدين والنقد والعلم، فلا يوجد هناك نمط من أنماط التفكير ولا علم من العلوم، بريء من تلك الموجهات والدوافع. وما هو موجه ومحرك للفرد يحرك الجماعة أيضاً، بل قد يصل الأمر الى أن يكون ذلك الفرد، مفكراً كان أم فقيهاً، سياسياً أم قائداً، ثائراً أم مثقفاً، قد يكون سلطة كبرى يتبعه عامة الناس ويقتفون خطواته ويسيرون خلفه، بصورة عاطفية دون معرفة أو نقد وتمحيص لما يقول ويقوم به ولما يهدف اليه، ويكون رمزاً وسلطة يمارس دوره السحري والكارزمي على الجمهور بصورة شعبوية يشحن ويغذي الجماعة ليحقق عن طريقهم رغباته ويتخذهم جسراً للعبور الى شهواته وطموحه، أو قد يُتخذ صنماً وقائداً ومخلصاً من قبل الجماعة دون رغبة منه أو تصريح بذلك، فتصنعه الجماعة وتتخذه رمزاً لها، والتاريخ مليء بالشواهد والنماذج المؤثرة والفاعلة على الجماعة، سواء بصورتها الأيجابية أو السلبية.

كي لا نبتعد كثيراً عن الموضوع الرئيس لمقالنا وموضوعنا الأساس الا وهو البحث في محركات التفكير وموجهات النقد، نقد الأنا للآخر، باختلاف توزع الادوار، عندما يكون الأنا ناقداً لأنا الآخر المُختلف عنه، أو عندما يكون أنا الآخر ناقداً للآخر المُختلف عنه، وان كنا لا نقر بشيء اسمه (أنا وآخر) بهذا التوصيف الذي يؤدي الى التفرقة بين الذوات وتمزيق نزعة الأنسنة وتشظي الانسانية، فـ (الأنا والآخر) هي ثقافة أو توجه معلوم الهوية والأهداف، للاثارة الجغرافية والتاريخية وتحقيق الفصل لا الوصل بين البشر باختلاف تنوعاتهم وهوياتهم، فنحن مهما أختلفنا وتنوعنا انما نحن بشر، تجمعنا صفة البشرية والآدمية وتوحدنا نزعتنا الانسانية دون غيرنا من الكائنات.

الأديولوجي والأبستملوجي، دوافع ومحركات تتضح معالمها للقاريء والمثقف اللبيب، وتنكشف ملامحها ظاهرة أو باطنة لديه، أثناء ممارسة القراءة أو الدراسة أو الكتابة، وهذا ما سعى الى كشفه الكثير من الكتاب والمفكرين ومنهم المفكر العربي جوارج طرابيشي (1939ـ2016) في العديد من مؤلفاته، ومنها كتابه ( مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة)، الذي أكد فيه وكشف عن نرجسية المثقف والمفكر العربي في عودته المفرطة للتراث والتاريخ ليضمد جرحه النرجسي، أو حين أفرط في عودته للفكر الغربي، حين أدرك الفارق الحضاري والفكري والمعرفي، بينه وبين الغرب، وكما يقول طرابيشي: (والحال أن الرغبة في تضميد هذا الجرح النرجسي، بعد أن أدت في الحالة العربية، في طور أول، الى تضخم في أيديولوجيات الثورة الحارقة للمراحل التي اجتاحت الساحة العربية غداة الاستقلالات تحت ألوية القومية والماركسية والناصرية، أدت في طورٍ ثانٍ، ولا سيما منذ أن كشفت هزيمة 1967 عن مأزق الأيدولوجيات الثورية وفشلها، الى نقل الصراع الأيديولوجي الى ساحة التراث، وكذلك الى تبلور أيديولوجيا تراثية خالصة، أي أيديولوجيا تريد الأستغناء عن كل أيديولوجيا "مستوردة" لتنزل التراث نفسه منزلة الأيديولوجيا. ولكن في حال الازاحة كما في حال الاستبدال، وسواء أاُتخذ التراث ساحة بديلة للصراع الأيديولوجي أم جرى تحويله هو نفسه الى أيديولوجيا بديلة، فان اللحظة الطاغية في التعاطي مع هذا التراث تبقى هي اللحظة الأديولوجية بكل مسبقاتها وتحيزاتها واسقاطاتها ومسكوتاتها وعماءاتها، مثلما تبقى اللحظة الغائبة أو الواهنة الحضور هي اللحظة المعرفية، بأداتها التي هي التحليل العلمي الموضوعي، وبغايتها التي هي الحقيقة التاريخية.).(1)

وطرابيشي لا يذم ولا ينتقد المفكر العربي المعاصر في عودته لتراثه وتاريخه وجذوره، فكل شعوب الأرض تفتخر بذلك، ولكنه ينتقد ويرفض العودة المفرطة للتراث، فيقول: (نحن لا ننكر، بالطبع، أن "العودة الى الجذور" همّ طاغٍ في العديد من ثقافات العالم المعاصر، ولا سيما منها تلك التي تعاني من أزمة هوية في خضم تصاعد مد المثاقفة على نحو غير مسبةق اليه سرعةً وكثافةً وشمولاً في تاريخ العلاقات بين الجماعات البشرية، ولكننا نعتقد أن هذه الظاهرة عينها تعرف في الثقافة العربية المعاصرة استفحالاً مضاعفاً بالنظر الى خصوصية يتسم بها التاريخ العربي المعاصر ولا تكرر نفسها في الخبرة التاريخية المعاصرة لأية أمة أخرى على وجه الأرض. وبالفعل، اذا كان الجرح النرجسي ذو الطبيعة الأنثروبولوجية قاسماً مشتركاً بين العرب وبين سواهم من شعوب الشطر غير الغربي من الكرة الأرضية، وهو جرح ناجم في الأساس عن السبق الحضاري المنقطع النظير في التاريخ العالمي الذي حققه الشطر الغربي من الكرة الأرضية بالقياس الى الشطر غير الغربي ـ وعلى حسابه أيضاً الى حد ما ـ فان هذا الجرح النرجسي عينه يبدو في الحالة العربية قيد تفعيل مضاعف، وعصياً على الألتئام بحكم الهزيمة العربية أمام المشروع الصهيوني).(2)

ما كشفه طرابيشي من نظرة المثقف والمفكر العربي المقدسة للتراث من جهة، ونقده للغرب من جهة أخرى، أو من جهة تقديس المنجز الغربي ونقد التراث العربي والاسلامي، أو بالأحرى الأعلاء من شأن الفكر العربي ونقد الفكر الغربي أتضح بصورة جلية في كتابه (شرق وغرب، رجولة وأنوثة) دراسة في أزمة الجنس والحضارة في الرواية العربية، الذي عرض فيه لرؤية الشرقي، والعربي منه على وجه التحديد، لنظرته الأبوية والذكورية التي تؤدي الى التسلط والسيطرة، فـ (في مجتمع أبوي شرقي، متخلف ومتأخر، مشحون حتى النخاع بأيديولوجيا طهرانية، متزمتة وحنبلية، يغدو مفهوم الرجولة والأنوثة مفهوماً موجهاً لا للعلاقات بين الرجل والمرأة فحسب، بل أيضاً للعلاقات بين الانسان والعالم.)(3) فهو هنا أزاء ظاهرة الفحولة التي تدل على السيطرة والمقدرة والأستحواذ، أمام الأنوثة التي تدل وتقتضي الذل والدونية والطاعة، الفحولة كظاهرة طاغية في الثقافة العربية، ونمط ثقافي سائد في المجتمع العربي، وفي مجال الأدب تحديداً، ادى الى صناعة الطاغية كما أكد عليه عبد الله الغذامي في كتابه (النقد الثقافي) فمثلاً يقول الغذامي: (حينما ننظر في معجم صدام حسين نلحظ حالة التطابق مع النموذج الشعري النسقي، فهو لا ينتسب للعالم بمقدار ما ينتسب العالم اليه، فهو ليس عراقياً بمقدار ما يكون العراق صدامياً، فالجيش هم جنود صدام، وما يفعله الجيش هو قادسية صدام، كما يصف حرب الخليج الأولى مع ايران، كما انه ليس بعثياً بمقدار ما ان الحزب صدامي، وهذه هي القيم التي عززها النسق الشعري حيث جعل مركزية الفحل هي عماد القول، متعالياً على الفعل ويجري الصاق الصفات بالممدوح كشرط نسقي لكونه ممدوحاً، مثلما يتنمذج الشاعر بسمات التفرد والتوحد كشرط لكونه فحلاً).(4) 

وعوداً لطرابيشي فهو يرى (ان عملية المثاقفة، بافتراضها وجود طرفين موجب وسالب، فاعل ومنفعل، ملقح وملقَح، تطرح نفسها على الفور كعملية ذات حدين مذكر ومؤنث. ولكن نظراً الى أن الثقافة الحديثة ـ نظير القديمة ـ هي في الأساس والجوهر ثقافة ذكور، فان المثاقفة لا توقظ في الطرف المتلقي أحساساً بالدونية المؤنثة بقدر ما تبعث فيه شعوراً مرهقاً بالخصاء الفكري والعنة الثقافية.)(5)

فنقد العربي للغربي هنا ليس بريئاً ولم ينطلق من أسس علمية ومنهجية وأبستملوجية، بل أقيم على أسس نفسية وأجتماعية وتاريخية لا تمت الى الحقيقة العلمية والتاريخية بشيء، فالشرقي هنا والعربي تحديداً يريد غلبة الغربي والسيطرة عليه حضارياً كما يسيطر الذكر على الأنثى جنسياً.

ولذلك ففي كتاب (مذبحة التراث في الثقافة العربية) يتضح نفس المنهج والسياق الذي أختطه وأظهره طرابيشي في كتابه الأسبق (شرق غرب رجولة أنوثة)، فالمفكر العربي عاد بقوة الى تراثه القديم ليستحضره ويحيه في حاضره، أو الى رفضه بالمطلق والأخذ من الغرب، ففي الحالتين كان المفكر العربي على خطأ، وتسلح بالأيدلوجيا بديلاً عن الابستملوجيا والمنهج العلمي الحقيقي البريء من دوافع دينية أو سياسية أو قومية،  كما هو الحال مع سمير أمين وتوفيق سلوم في التيار الماركسي  ومحمد عمارة وزكي الأرسوزي في التيار القومي، وزكي نجيب محمود ومحمد عابد الجابري في التيار العلمي. الذين وقعوا في منهج الأسقاط الأيديولوجي، هذا المنهج الذي يبتعد عن الحقيقة والموضوعية تماماً، وبالتالي يكيف الأمور والحقائق كيفما يريد، ويضيف من عندياته الكثير، هذا المنهج الذي كانت الساحة الثقافية العربية والاسلامية مسرحاً له، تصارع عليه الكثير من المفكرين والمثقفين والتيارات والاحزاب والجماعات الدينية والسياسية والثقافية، والذي ذهب اليه طرابيشي في دوافع ومحركات النقد والقراءة والتحليل للمفكر العربي، أراه بنسبة ما هو نفسه يعد محركاً أيضاً لبعض المفكرين والمثقفين الغرب تجاه العرب والمسلمين خاصة والشرق عامة، وما النظريات والآراء التي تذهب الى مركزية الغرب وقوته وسيطرته وتفوقه الا أفكار عنصرية تريد الاستحواذ والسيطرة على الشرق عموماً والشرق الأوسط تحديداً، من خلال الاستعمار والاحتلال للشعوب والسيطرة على ثرواتها، وما الاستشراق عن ذلك ببعيد، لأنه يمثل الشكل الثقافي للاستعمار، والجناح الثاني للسيطرة والاحتلال الى جانب الجناح العسكري. ففي حالة نقد العربي للغربي ونقد الغربي للعربي تكمن الدوافع الايديولوجية ويغيب الابستمولوجي والعلمي، ولكن ذلك ليس تعميماً لعموم المفكرين العرب والغربيين، ولكن يشكل نسبة ليست بالقليلة في مجال الثقافة العربية والغربية، وبالتالي نحن أمام منهج نقدي أسقاطي وأيدلوجي عدواني سيئ يطيح بالثقافة والمعرفة معاً، ويريد كل واحد أن يثبت تفوقه ومركزيته وسيطرته، ومن المؤسف أن يكون هذا هو شكل المنطق الذي يحرك الثقافة والفكر في القرن الواحد والعشرين، كمنطق كتب (الانتصار) و (الفرق الناجية) و (صراع الحضارات) و (نهاية التاريخ)، رافضين وتاركين منطق (حوار الحضارات) وتعارفها، والتواصل الحضاري والانساني بين الشعوب والثقافات والأمم.

 

د. رائد جبار كاظم. استاذ فلسفة. الجامعة المستنصرية. العراق.

................................

(*) عبد الله الغذامي. النقد الثقافي، قراءة في الانساق الثقافية العربية. ط3. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء ـ المملكة المغربية. ص7.

(1) جورج طرابيشي. مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة. ط3. دار الساقي. بيروت. 2012 ص 8ـ9.

(2)  طرابيشي. المصدر نفسه. ص 7ـ 8.

(3) طرابيشي. شرق غرب رجولة أنوثة. ط4. دار الطليعة. بيروت ـ لبنان. 1997ص 5.

(4) الغذامي. النقد الثقافي، قراءة في الانساق الثقافية العربية. ص 193.

(5) طرابيشي. شرق غرب رجولة أنوثة..ص 11. 

 

     

حسن العاصيأزمة المثقفين المنخرطين العرب ليست فقط أزمة علاقتهم بالسلطة السياسية والدينية، بل إنها في عمقها أزمة ضمير وأخلاق والتزام يولّد شقاءً أو ينتج جاهاً. فلا غرابة أن يكون المثقفين إما أهم أدوات الدفاع عن الحريات الأساسية للناس، وترميم المجتمعات التي أعطبتها الأنظمة البوليسية، أو أن يكونوا سلاحاً بالغ الخطورة بيد السلاطين، لتزييف وعي وواقع البشر وذاكرتهم وتاريخهم.

من البؤس والوحشة أن يكون الفرد تعيساً بسبب وعيه. في المناخات العربية التي ابتليت بكافة أمراض النمو، ولم تنل أية جرعة لقاح حقيقية، رغم وفرة الأطباء، تتعدد الظروف التي تضاعف شقاء المثقفين، شقاء يسببه وعيهم المعرفي، وشقاء آخر ناجم عن الإقصاء والتهميش التي تعتمده السلطة كمنهج للتعاطي مع المثقفين، وشقاء يتولّد عن قيام المثقف بالانكفاء والانعزال عن المجتمع طواعية، أو ربما يكون العزل قسرياً، حيث يدفعه تجاهل الجماهير له ونبذهم لأفكاره ومواقفه على الخلوة وترك الشأن العام، عزلة مميتة قد تتسبب بالانتحار الثقافي، وأحياناً يُرغم المثقف على الرحيل الفكري.

ليست المعضلة في السفر الثقافي، من خلال انتقال المثقف من أيديولوجيا إلى أخرى، ومن مذهب فلسفي إلى آخر، في مسيرته البحثية لاكتشاف الصواب والحقيقة، ما دام هذا الانتقال له ما يبرره فكرياً، ومبني على إعادة قراءة التجربة وتقييمها. أو إن دُ فع للانتقال قسراً، لكن المصيبة في السفر الطوعي الانتهازي، في الانتقال بهف تحقيق المنفعة الشخصية. الإشكالية المفجعة في السبات الطويل لضمير بعض المثقفين، الذي لا يصحو من غفوته إلا من خلال مقايضات خالية من المنهجية ومن الأخلاق، والطامة في وجود بعض المثقفين الذين هم أشبه بالمقاولين للأفكار والمواقف والخطابات والشعارات، عبر توظيف ذخيرتهم المعرفية واللغوية، في سوق المشتري فيه من يدفع أكثر.

خطاب تغريبي

لا يستوي المثقفين في التعريف والدور والتصنيف، فمنهم المثقف التقليدي أشبه بأجير العمل الوظيفي الثقافي، يكرر القيام بما يجيد فعله. وفيهم المثقف العضوي الذي إما أن يكون ملتصقاً بسلطة، أو مناهضاً يسعى للتغيير. وهناك بعض أشباه المثقفين الذين يتسمون بالانتهازية، فترى أحدهم قد انتحل شخصية المثقف ويتلوّن حسب مقتضيات المناسبة وشروط الولاء، ويتحول في كل مرحلة، يقوم بالتشكل حسب القالب كأنه مادة هلامية، يؤمن بأن لكل مقام مقال.

يعاني المثقف العضوي المشتبك والمساهم في الصراع لإحداث تغيير حقيقي في واقع الإنسان نحو الأفضل، من مأزق إشكالي يتجلى في مفارقة عجيبة، بين دوره الريادي في مجتمعه، وعدم إظهار التقدير والاحترام له من قبل أفراد هذا المجتمع. يظهر المأزق في حالة الإرباك التي يعاني منها رغم نبل أهدافه ورزانة رأيه وحماسه الطفولي، فالمثقف العضوي الحداثي لم يستطيع إدراك عدم جدوى فعاليته وجهوده في المجتمع الذي ينشط فيه. فحين تمارس عليه السلطة السياسية أو الدينية القمع والقهر وتحاصره وتزج به في السجن، يصاب بالإحباط والقنوط حين يلمس اللامبالاة وعدم الاهتمام من الناس الذين كان يؤمن بهم، خاصة أنه يجهد ويناضل لأجل مصالحهم ومستقبلهم، وقد يقضي السنين خلف القضبان لا يذكره أحد سوى في المناسبات الثورية، وحين يموت يخرج خلفه القلة ممن يعرفون القيمة الحقيقية لجهده وأفكاره ومواقفه، وإن كان محظوظاً يرثيه البعض في ذكرى غيابه ويتأسفون عليه.

ربما هذا المأزق بظني يعود في أحد جوانبه إلى المفاهيم المثالية التي يتصورها المثقف عن الغالبية الكبيرة من أفراد المجتمع الذين لا يمتلكون مصادر الوعي الثقافي والمعرفي التي يمتلكها المثقف ذاته، لذلك قد لا يلحظ في غمرة اندفاعه للدفاع عن مصالح الناس، أنهم ذوي ثقافة تقليدية اجتماعية، يعتبرون أنها ثقافة آمنة تجنبهم سخط السلطات السياسية والأمنية والدينية.

تبدو هذه المفارقة جلية أكثر ربما مع مثقفين الأحزاب القومية واليسارية الليبرالية، وهو ما يفسر سبب انسحال هؤلاء وفشلهم في الالتحام مع الجماهير. وفي مقابل هذا الفريق من المثقفين هناك طائفة أخرى من المثقفين التقليديين، الذين تمكنوا من التأثير على مواقف البشر وأفكارهم، لأن المثقف التقليدي تربطه بمحيطه الاجتماعي تداخلات اجتماعية وتاريخية ومكونات متوارثة. واتضح أن المثقفين التقليديين الذين يبدون كأنهم جنوداً قدامى متقاعدين، أكثر تأثيراً وفاعلية في المجتمع من المثقفين الليبراليين واليساريين، من خلال مقدرتهم على التواصل مع الجماهير، رغم أنهم مثقفين غير متنورين وعايشوا فترات زمنية مغايرة تماماً عن عصرنا، وخبروا نظماً اجتماعية وسياسية وعادات وتقاليد ومشاكل تختلف تماماً عن النظم الحديثة التي يعيشها الإنسان المعاصر، إلا أنهم يمتلكون ثقافة يصل الناس إليها بدون مشقة، ويتسلحون بمرجعيات فكرية وفلسفية يخبرها الناس، ويستخدمون رموزاً مألوفة للعامة، بعكس المثقف التنويري الذي يجعل الناس تنتقل إلى عوالم زاهية يكونوا فيها مواطنين أحراراً يتنعمون برغد الديمقراطية، لكنه بالمقابل يكون غافلاً عما يدور حوله من شقاء وضنك للحياة، وقمع وقهر تمارسه السلطة.

مأزق المثقف اليساري لجوئه إلى الأفكار والأيديولوجيا الغربية عن مجتمعه، واستعماله المصطلحات التي لا يفقهها الناس، والتي هي بالأساس مفردات مرجعيته الفلسفية التي تشكل مذهبه. بظني أن هذا الاغتراب عن الناس هو الذي جعل من الخطاب الثقافي التنويري العربي عديم الفعالية، وأحدث الأزمة الثقافية الراهنة في نهاية المطاف، والانتقال إلى مرحلة مختلفة سمتها فشل الفكر الحداثي وسطوة الأفكار الظلامية.

معظم المثقفين لا يدركون أنهم يخاطبون جماهيراً لا تعيش في قلاع الأيديولوجيا، ولا تنام على سرير الفلسفة. إن ما يظهر أنه مسلمات بديهية بالنسبة للمثقفين، ليس هو كذلك بالنسبة لعامة الناس، وإن دعوة بعض المثقفين للجماهير أن ترتقي بأفكارها إلى مستواهم المعرفي، ما هي إلا أوهاماً مريضة، ودليلاً لافتاً على اتساع الفجوة بين الأفكار والمعرفة النظرية للمثقف الليبرالي وبين أفكار مجتمعه، فجوة لا تساعد على تحقيق أي انسجام وتناغم بين الطرفين من جهة، وتعمل على تعميق أزمة المثقف من جهة أخرى. فنجد بعض المثقفين يبتعدون عن مجتمعاتهم، وبعضهم يشتمه، والبعض الآخر يتعالى عليه. إن التطور الهائل في وسائل الاتصال والثورة المعلوماتية التي أسهمت بصورة سحرية في سهولة الحصول على المعلومة، وجعلت العالم متعدد الثقافات ومتنوع الأفكار، وأثرت العقول بالمعرفة، لكنها في ذات الوقت غرّبت المثقف عن عالمه المحيط.

شقاء الوعي

من أشهر أبيات الشاعر المتنبي "ذو العقل يشقى في النعيم بعقله.. وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم"، هذا البيت ثري بالحكمة وهو ينطق بالمعنى ولا يحتاج تفسير.

لقد بدأ الفيلسوف الألماني "فريدريك هيغل" مشروعه الفلسفي في نقد نظرية الفيلسوف الألماني "إيمانويل كانت" وغيرها من النظريات الفلسفية بوصفها شديدة التقييد، حيث طور ما يدعى بالتفكير الديالكتيكي أي التفكير الجدلي. ربط هيغل مفهوم "الوعي الشقي" بإحساس الفرد بالاغتراب عن نفسه ومحيطه، اغتراب يسببه العقل الجدلي التنويري للمثقف العضوي، ومقدرته على الاستبصار.

"جان بول سارتر" اعتبر أن المثقف هو ذاك الفرد الذي يسعى للقيام بواجبات لم يكلفه بها أحد، إذ أن المثقف العضوي المترابط مع قضايا الناس يشكل الضمير والوجدان المجتمعي، لكنه ضمير يشقى في سعيه الوصول لغاياته.

الأديب الروسي الشهير "فيودور دوستويفسكي" ذكر إن الإفراط في امتلاك الوعي ما هو إلا علة، علة مرضية حقيقية وتامة. وقال مرة إن العقل هو الذي يقوده، وذلك تماماً ما تسبب في ضياعه.

إن أفظع ما في القضية في نظري هو أن تفهم كل شيء، فيمكن للوعي ببساطة أن يتحول إلى مصدر للتعاسة والشقاء، ومن سخرية الاقدار هنا أن يصبح الجهل نعمة لصاحبه غالباً. فالإنسان القانع بحياته والراض عن واقعه لا تقلقه الأسئلة، ولا ينتظر إجابات، ولا يشغله البحث ولا تستنزفه الأفكار، فهو قابل بما يمنح له من حقوق. لكن الإنسان الذي يمتلك ناصية الوعي والمعرفة، فإنه مصاب بالقلق ومتوتر بالأسئلة، يبحث دون كلل عن إجابات ترضيه، متعطش للعلم والتقدم، منسحق تحت وطأة المفارقة التي تأزمه، وهي بين وعيه المعرفي الذي ينشد الأمثل، وبين واقعه الرديء.

فالوعي العميق بحقيقة الأشياء وإدراك أبعادها يتسببان بالعذاب للبشر، بحيث يبدو أن أفظع ما في القضية هو أن تفهم كل شيء. ذلك أن الفرد الواعي يمتلك نظرة شاملة، وبعداً أعمق للقضايا، وطموحاً يسعى للأفضل، ويمتلك عقلاً متفحصاً ناقداً محللاً، ووعياً يمكنه من إجراء المقاربات واقتراح البدائل. الإنسان الواعي صاحب خاصية النفاذ إلى عمق القضايا وجوهر الظواهر، يمتلك العزيمة وملكة الإقدام للمضي بحثاً عن الحقائق، ولديه الجرأة لمواجهة وتعرية كل ما هو زائف ومبتذل وسطحي.

هذا حال المثقف حيث أن كثير من المفكرين كانوا يصنفون شرائح المجتمع إلى صنفين "الخواص والعوام" ومنهم الفيلسوف وعالم الاجتماع "ابن خلدون" ووضعوا المثقفين في خانة الخواص، يمتلكون المعرفة ويفتقدون الحظ.

جلد الذات الشقية

هل يمكن أن تتحول الثقافة من وظيفتها الفكرية في تطوير العقل إلى مس يصيب المثقفين بنوبات التعاسة؟ وهل يصبح الوعي المعرفي بما يتضمنه من أفكار سامية مصدراً للشقاء؟

عانى المثقفين العرب دهراً الرهبة والخشية المستمرة من قمع وقهر السلطتين السياسية والدينية، فظلت أسئلتهم مبتورة، وبحثهم غير مكتمل، وخطاهم متعثرة، وشعاراتهم وعباراتهم مواربة ودورهم ضبابي، وعلاقتهم بالناس ملتبسة، وخطابهم مراوغ، لذلك لم يكتمل مشروعهم، وأحلامهم تم إجهاضها وبقي وليدهم يعاني من ضعف ووهن في النمو. ولأن معظم المثقفين العرب لم يتمكنوا من توجيه الانتقاد الفعال للسلطة، بسبب السياسات الاستبدادية التي اتبعتها معظم الأنظمة العربية وأدواتها الأمنية بحق المثقفين، وبالتالي لم ينجحوا في مهامهم، ولم يتبلور مشروعهم التقدمي، لجأ معظم المثقفين العرب إلى سياسة نقد الذات وجلدها بقسوة وتأنيب أنفسهم لهزائم وكوارث العرب التي لا تتوقف، وبالتالي عجزهم عن إجراء أي تغيير حقيقي في مجتمعاتهم. هذه الانتكاسات التي مني بها العرب ما هي في الواقع إلا نتيجة السياسات غير الصائبة والخيارات العشوائية التي أقدمت عليها بعض الأنظمة العربية، التي غيبت بالكامل دور الجماهير في تقرير مصيرها، ولم تتمكن من بناء دولة المؤسسات، لكن وحدهم المثقفين هم الذين نسب إليهم أبوة الهزيمة.

الراهن العربي بخيباته وبؤسه دفع الكثير من المثقفين العرب أن يخطّئوا أنفسهم ويتحملون مسؤولية الشقاء الذي حل بالأمة، وعانوا من الإحساس بالذنب، ومنهم من انتكس وانكفأ على ذاته من مجتمعه، مما أنتج حالة من الاغتراب والشقاء لدى قطاع واسع من المثقفين الذين سقطوا في جادة توبيخ أفعالهم وتقبيح فشلهم، لكن هذا النقد الذاتي للمثقفين العرب لم يكن لا علمياً ولا موضوعياً، بل كان عاطفياً انفعالياً غالباً، بدلاً عن انكبابهم على نقد السلطة وسياساتها، وتحليل مواقفها ومواجهة تسلطها، وتفكيك إشكاليات المجتمع والبحث عن مكمن العلة.

بالرغم من سياسات الإقصاء والتهميش التي تعرض لها زمناً المثقفين العرب- ومازالوا- من جانب معظم الأنظمة العربية تاريخياً، ومعاناتهم نتيجة فقدان الحرية والمناخات الديمقراطية، وانتهاك حقوقهم من السلطة، وشعورهم بالاغتراب وسحق روحهم الإبداعية، إلا أن المثقفين العرب يجدون أنفسهم مسؤولين بشكل مباشر عن إنجاز الأهداف الإنسانية السامية التي جاهدوا لتحقيقها في مجتمعهم. ويشعرون بتأنيب الضمير الأخلاقي، فيقومون بتوبيخ حالهم على ما آلت إليه أحوال البلاد والعباد.

لكن في الحقيقة هل المثقفين وحدهم يتحملون مسؤولية هذا الشقاء، وهل يجب أن يسددوا أثمان الخسائر التي لا تتوقف التي مني بها العرب؟ وهم الذين ظلوا منبوذين وخارج مؤسسة صنع القرار، ولم تأخذ يوماً أية سلطة عربية مواقفهم ورؤيتهم على محمل الاحترام، بل كانوا دوماً في موضع الشك الأمني. هنا المثقف يجلد ذاته على هزائم لم يتسبب بها، والمجتمع لا يعفيه من المسؤولية، والسلطة لا تقيم له وزنا، ويبدو الأمر وكأن المثقفين قد شاركوا في جرائم الإبادة الجماعية في رواندا. هذه المفارقة تمثل الموت البطيء بالنسبة للمثقفين الذين يمارسون بحق أنفسهم رقابة ذاتية صارمة، قد تؤدي إلى الانسلاخ الإرادي عن المجتمع، بحيث لا يستطيع المثقف أن يعبر عن نفسه، ولا يتمكن من إخراج هذه الأفكار بصورة تسهم في تطور مجتمعه، حيث الإشكالية الشقية هنا أن الالتحام مع الناس يثير غضب السلطة، والتقرب من أجهزة السلطة يعني الانسلاخ عن الناس وهمومها وواقعها.

يبدأ المثقفين بالتساؤل عن أسباب هذا الوضع المربك المقلق والمشوش، فهل هم في الجبهة الصحيحة لخوض المواجهة مع أسباب التخلف والإخفاقات والانكسارات التي أصبحت سمة الأمة العربية، وما هي أسباب فشل المشروع الإصلاحي التنويري النهضوي، هل السبب في الرؤية أم في العقل أم في الوسائل، في الاستراتيجيا أم في العجز عن فهم وتحليل الراهن، هل الإشكالية في التوقيت أم في طبيعة الأهداف وتحديدها؟

مثقف مستهلك لا منتج

ظل بعض المثقفين العرب ردحاً من الوقت يكابدون مقاربة الكثير من القضايا بمفاهيم أيديولوجية عمدت إلى بتر أطراف الواقع العربي كي تلائم مقاس سرير الأفكار الأيديولوجية التي آمن بها المثقفين، وغاب عنهم أن واقع المجتمعات تتداخل فيه الكثير من العناصر والعوامل الشائكة المتعددة المتداخلة، ولا يمكن بحال أن يتم تحديده بالأيديولوجيا. والبعض منهم سقط في اعتبار الموروث أو جزءًا منه معيار أساسي لمقاربة الراهن العربي، دون الاعتبار للاختلافات المرتبطة بالسيرورة التاريخية، وتغير عاملا الزمان والمكان، مما يجعل من إعادة إحياء الماضي كما كان أمراً طوباوياً. من جانب آخر نلاحظ تأثر بعض المثقفين الكبير بالنظرة التحليلية لغالبية المستشرقين الغربيين، هذا التأثر دفع المثقفين للنقل وإجراءات المقاربات بمنظور غربي دون تفكيكه، وبأدوات غربية من دون إدراك المصالح الغربية خلفها.

لذلك تحول غالبية المثقفين العرب إلى مستهلكين للأفكار والنظريات، وليسوا منتجين لها، حيث كانوا منبهرين أمام الفلسفة الغربية وثقافتها. وأكبر الأخطاء التي لم يتوقف أمامها المثقفين العرب منذ عقود، أنهم -أو معظمهم- رغبوا بشدة في الحصول على إجابات جاهزة من تراثنا وتاريخنا، أو من التجربة الغربية، أجوبة لأسئلة الراهن وإشكالياته وانسداداته، بينما أغفلوا -عمداً أو جهلاً- أن عليهم ابتداع أجوبتهم الخاصة، وإجراء مقارباتهم من عمق التجربة في الواقع المعاش، ومراعاة النظرة الشمولية في السياق التاريخي. إن الكثير من المثقفين لم يدركوا أهمية أدوارهم التاريخية، في أن يكونوا مثقفين عضويين ملتحمين مع الواقع، وينغمسون مع هيئات المجتمع غير الرسمية المتعددة في مواجهة السلطة واستبدادها، بل أن بعضهم راهن على أن الموقع السياسي كفيل بتحقيق مشاريعه الثقافية عامتها وخاصتها، مما جعل هؤلاء البعض خارج إطار التأثير المجتمعي.

في واحدة من المفارقات التعيسة، وضع معظم المثقفين العرب أنفسهم أمام خيارات ثنائية " التراث والحاضر، العراقة والحداثة، الشيوعية والأصولية، اليمين واليسار، الأسود والأبيض، أنا والآخر، الخ" وكأن الأفكار والنظريات والتاريخ قوالب جامدة معبأة في صناديق، فإما أن تحمل هذا أو تأخذ ذاك. هذه العبثية فرضت سطوتها على المثقفين والمجتمع، وأفرزت نماذج متعددة فظهر المثقف القائد دون تكليف، المثقف الذي يمور مع حراك المجتمع كيفما كان، المثقف المتعالي على الناس، والمثقف الناقد الذي يمتلك نظرة ورؤية وموقف وملتصق بقضايا الناس، وهو الأكثر شقاء وشعوراً بالخيبة والبؤس، لأنه يرقب الانهيارات والانهزامات والكوارث التي تصيب العرب في أكثر من مفصل، ويجد نفسه مصاباً بالشلل وعاجزاً عن إيقاف هذا الخراب أو مواجهة طوفانه، وعدم مقدرته على الترميم والإصلاح، في ظروف يعاني فيها من الحصار وضنك الحياة، ويكابد من أجل لقمة العيش.

للشقاء الذي يصيب المثقفين العرب أكثر من مصدر، فإن أقدم المثقف على طرح الأسئلة الشائكة الصادمة يتم اتهامه من السلطة الدينية بالزندقة، وتتهمه السلطة السياسية بتمزيق الروابط الاجتماعية، حتى المجتمع نفسه يكيل له تهم تهديد السلام والوفاق الوطني. من جهة أخرى إن واكب السياق العام للمواقف تم اتهامه بالنفاق والمساومة وعدم المبدئية، وإن صمت تكال فوق رأسه تهم الانهزامية والانبطاحية وعدم الجذرية.

يقف المثقف العربي اليوم بلا جدار أيديولوجي، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وفشل المشروع القومي، وتشدد المشروع الإسلامي، وغياب المشروع الإصلاحي التنويري. يقف عارياً من أي حماية، معلقاً في الفراغ، بدون خطاب موضوعي، بدون إطار مجتمعي موضوعي، مذموم من السلطة السياسية، وموضع شك من السلطة الدينية، يشعر بالاغتراب عن نفسه ومحيطه، حائراً مربكاً غير واثق، يواجه مجتمعاً مأزوم مثقلاً بالخيبات، وسلطة منهزمة تسعى إما لتوظيفه أو تهميشه أو سجنه أو تصفيته.

نهاية منفرجة

من المثير أن تتحول رفاهية الوعي المعرفي إلى فعل مضني ومكابدة للضنك والشقاء، وقد تتحول إلى دافع للاغتراب وسبباً للعزلة والانكفاء ثم المنفى التعيس. فامتلاك الوعي في المجتمعات المتطورة يتم تحويله إلى طاقة بناءة تنتج الفعل الثقافي والإبداعي، وتسهم في التطور الاجتماعي، بينما يصبح الوعي في البلدان النامية سبباً للقلق والتوتر ويؤدي إلى الضيق والمشقة، وقد يتحول إلى ذريعة للاعتقال ومسوغ للموت في بعض الحالات.

في المشهد العربي لم يعد كافياً تغيير بعض السياسات المتبعة من بعض الدول، ولا حتى تغيير بعض الأنظمة القهرية، أصبح لزاماً تبديل العقول وتغيير الأفكار، وخلق وعي مختلف لدي شرائح المجتمع، وهي مسؤولية المثقفين، القيام بتفكيك منظومة المفاهيم والأفكار التي ترسخت في اذهان الناس وأعرافها وثقافتها، وربما تتسبب هذه المهمة لهم بشقاء إضافي، لأن سعي المثقفين لإحداث تغيير جدي في حياة البشر قد يبعدهم عن مواكبة الراهن لانشغالهم في مهام ذات محاصيل استراتيجية، وخاصة إن كان الراهن محتقناً بالأحداث.

حين تعتمد السلطة السياسية القوة والقهر لإدارة الشأن العام للناس، تبدأ شرائح المجتمع بالتفتت، وتأخذ الجماعات بالانسلاخ عن النظام والعودة إلى أصولها الثقافية كرد فعل تحسسي حمائي بمواجهة تنازل الدولة السياسية عن دورها الطبيعي في رعاية الجميع. ولأن السلطة انحرفت عن تأدية دورها الثقافي والمعرفي، تصبح الثقافة في هكذا ظروف شيء يشبه الترف، وتظل أفكار ونظريات لا تلامس الواقع، ويصبح المثقف أداه فائضة عن الحاجة المجتمعية لا أهمية لوجوده، ذلك أن قوة السلطة لم تعد تحتاج إلى مبررات أخلاقية وثقافية، ولا إلى مسوغات اجتماعية كي تحقق شرعيتها، لأنها استعاضت عن المثقف ودوره، بوسائل أخرى، مثل الاستبداد والقمع والأجهزة الأمنية والترويع الفكري. وبهذه الصورة تكون الثقافة الممسوسة في الجحيم العربي قد رسبت، والمثقف الشقي سقط وفشل.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

رائد جبار كاظملا أعرف ما هي القيمة المعرفية والروحية والفكرية والدينية الايجابية التي تحققها مقولة ( اللهم ايمان كإيمان العجائز)، ولا أعرف ايضاً ما مدى مصداق نسبتها الى الخليفة عمر بن الخطاب أو الى غيره من الصحابة والعلماء والأولياء الصالحين، أتعني المقولة حسن التوكل على الله تعالى وحسن الظن والاعتقاد به سبحانه، أم تعني الاعتماد على الفطرة السليمة في معرفة الامور دون التعمق في مسائل وأمور فلسفية وعلمية وفكرية ووجودية تعمق الفكر وتلقي به في متاهات الأسئلة ودهشتها وباطنها، أم تعني الانقياد وراء صوت القلب ونور الروح ولذة العواطف، بدلاً عن صوت العقل وتعب الفكر وأدلة الفلاسفة في البحث العميق عن الله تعالى وأدلة وجوده والعالم والانسان؟ أم ان هذه المقولة تجعل الكثيرين منا متقاعسين ومتواكلين وعاجزين عن التدبر والنظر والتفكر، والسير وراء أهواء ورغبات النفس والآخرين، ممن يريدون تزييف أفكارنا وتشويه صورة الحقيقة ولاعتماد على ما يراه هو ويغذينا به، دون الدعوة للتفكير وطرح الاسئلة؟ التفكير الذي أمر الله تعالى به الانسان وحث عليه في القرآن الكريم، وما آيات (أفلم يتدبروا، أفلا ينظروا، أفلم يتفكروا، أفلا يعقلون...الخ) الا دليل واضح على تلك الدعوة الكبيرة للتفكر في الكثير من الأمور الدنيوية والاخروية، في عالم الغيب والشهادة، وترك مسألة التقليد الأعمى الذي سار عليه الناس، في تقليد آبائهم وأجدادهم. وعلى هذا الأساس سار عليه النبي الأكرم محمد (ص) والائمة والصحابة في بناء حياتهم وفكرهم، وكما قال (ص) في أحاديث كثيرة مضمونها (ان التفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة)، فلماذا اذن كل هذا الاصرار من قبل الكثيرين على البقاء (الاعمى) في متاهات الجهل والتزمت والانغلاق على الذات والتسليم المطلق لإرادات الآخرين في تحريف وتزييف الفكر والحياة، تحت ذريعة (حطها براس عالم وأطلع منها سالم)، ليغنيك هذا العالم عن كل الاسئلة وأجاباتها ويعطيك الجواب المناسب وتحقيق راحتك من عناء الاسئلة والتفكير، أنه منطق الجهل والاستكانة والتواكل، بدلاً عن منطق التساؤل والتفكير الذي رسمه الله تعالى للناس أجمعين.

والعجيب الغريب، والغريب العجيب، أن هذا المنطق الايماني (العجائزي) الذي يسير عليه الكثير من الناس قد أسس لنوع من التدين في مجتمعاتنا سائد ومنتشر بكثرة بيننا هو نمط التدين (الجنائزي)، هذا التدين الأعمى المتزمت الذي لا يعرف منطق التساؤل والتفكير، التدين السلبي الذي هو يقلد الآخرين كالببغاء في ممارسة تدينه وبناء معتقده وتفكيره، دون اعمال العقل والتفكير في ذلك التدين، كما أمر به الله تعالى في كتابه الكريم، الدعوة للـ(تدين الايجابي) الذي يحتاج الى بذل المجهود في تحصيله استناداً على العلم والمعرفة والقراءة والتثقيف، ولكن مما يؤسف له أن هذا النوع من التدين أسس لـ (تدين النخبة) من أهل العلم والفكر والحكمة، ومما يؤسف له أيضاً أن البعض من هؤلاء لا ينير الطريق للآخرين وانما يجعلهم عبيد له يسيرون خلف فكره وحكمته، كما هو الحال مع الشيخ والمريد، والمعلم وتلاميذه، والفقيه وطلّابه، وقد يصل الأمر بالبعض الى التزمت بل والدعوة للألوهية كما في حال فرعون حين قال: (أنا ربكم الأعلى) و(ما أريكم الا ما أرى)، معتقداً في نفسه انه المسيطر على أمور الناس ودينهم ودنياهم، حين جمع في يديه السلطتين (الدينية والسياسية)، وعندها أرتفع به منسوب الطغيان والتكبر والتجبر مدعياً انه الاله وأنه واهب كل شيء، وعلى الناس أن يسيروا خلف دعوته وفكره ومعتقده، وتحول الانسان، المخلوق، الفاني، النسبي، الى صورة الاله المطلق الذي ليس كمثله شيء، الاله (البشري) الذي حول الناس جميعاً الى عبيد خاضعين لأرادته ورغبته وشهواته، وفق ايمان عجائزي أعمى ودين كهنوتي جنائزي متسلط، هذا التدين الذي حاربه أبو التدين (العقلاني) نبي الله أبراهيم الخليل (ع) حين حطم جميع أصنام (قبيلته) وقومه وجماعته، ليرشد الناس لعبادة النور والحياة والجمال، بدلاً من السير وراء سراب خادع كاذب، يا لها من لقطة فنية مثيرة حين جعل (الفأس) في يد أو رأس كبيرهم (الاصنام)، عالماً بجواب قومه حين سألهم (أسألوه) فهو من حطم أصنامكم وآلهتكم، ولكنهم أدركوا جهلهم وغيهم وتعصبهم وأنقيادهم الاعمى وراء قادتهم وكبرائهم من أئمة الجور والضلال، لقد أراد الخليل (ع) تحطيم ذلك النسق الاعمى من الايمان والعبادة والتدين، وامعان العقل في التفكير والتدين، للوصول الى الحقيقة بجهد جهيد وليس باتباع وتقليد، وعلى هذا الاساس سار جمع من الأنبياء (ع) لتحطيم الالهة المزيفة والتدين السلبي والايمان العجائزي، ودعوة الناس للنظر العقلي والتفكر في كل شيء، كي لا يقعوا في العمى والزيغ والضلال.

ما نعيشه اليوم في مجتمعاتنا هو انتشار كبير للتدين السلبي، وعودة (صحوية) جديدة نحو الأصول والسلف، مما حقق نزعة (أصولية وسلفية) قوية بين الناس والمجتمعات، وكل يدعو لما يعتقد ويتأدلج به من أفكار ومعتقدات، دون امعان واعمال العقل والتفكير، مما ولدّ وأنتج خطاباً دينياً متطرفاً، قاد الى العنف والارهاب والكراهية داخل مجتمعاتنا، وكل (يغني على ليلاه)، ويسهر ليله ونهاره حاملاً أسلحته للدفاع عن مقدساته، فهو حارس بوابة السماء، والناطق الرسمي باسم قبيلته وقومه ومعتقده، بما أوتي من سلاح ومنطق وحجج جهادية وجدلية دامغة، تواجه الآخر بأنه (الحق) وغيره (الباطل)، فإما أن تعتقد وتؤمن بما أعتقد به، واما أن يُفصل رأسك عن جسدك، وترسل روحك الى حيث ترسل مع السابقين واللاحقين، وعندها لا تنفع شفاعة الشافعين ولا رحمة السائلين، ففتوى (الفقيه الأمير، والأمير الفقيه) حكم مطلق يجب تنفيذه بحق كل من يخالف حقيقة الدين، (دين الفقيه) لا دين الله الذي دخله الناس أفواجاً، والناس اليوم كلها جنود مجندة للدفاع عن دينها ومذهبها وطائفتها ومعتقدها بالغالي والنفيس لأنها تعتقد انها مع الحق، ومن المنطقي على الجميع أن يقف مع الحق، ولا نعرف أي حق يجب أن يتبع؟ ما دام الناس تعبد الهة متعددة (بشرية وسماوية)، الهة قومية وقبلية وحزبية ومناطقية وعشائرية، دينية وسياسية، كلها تدعو للحق وتّدعيه، ولكن الناس حاروا في أمرهم، وتحيروا في أمر دينهم ودنياهم، لأن رجال الدين والسياسة والعشيرة كلهم يقول (الحق معي)، وعليه يجب الوقوف معي للدفاع عن القضية، وتحقيق النصر المؤزر، والفتح الأعظم، الذي بُني على الدم والجماجم.

ان ما نعيشه اليوم من عمى وجهل ديني وتخلف روحي جعل الكثيرين منا في زمن (الجهل المقدس) زمن دين بلا ثقافة، كما أسماه أوليفيه روا في كتابه الذي يحمل هذا العنوان، نحن ندافع عن أيديولوجياتنا ومعتقداتنا ومكاسبنا الشخصية والحزبية والقومية، معتقدين اننا ندافع عن الشريعة والسماء والدين الذي ننتسب له، لقد رحل ومات (الدين السماوي) النبوي، الاصلاحي  التغييري، النهضوي، (بلغة علي الوردي)، ليحل محله (التدين الكهاني)، القومي، الحزبي، المصلحي، الوعظي، الذي هرب الناس منه أفواجاً، هذا التدين الذي أسس لأيديولوجيا السلطة والحاكم والملك المتجبر الطاغية المتكبر، الذي جاء التدين النبوي للقضاء عليه ومحاربته، ولكنه للأسف لم ينتصر، وأنتصر تدين الالهة المزيفة (التدين الجنائزي) الذي بني على أساس ايمان العجائز، وعدم طرح الاسئلة والتفكير ومواجهة الآخرين.

اذن نحن أسرى لنمط من التدين، مرهون بنمط من الايمان التقليدي، الذي يخدم الجهات التي تدعو له وتدين به، وبالتالي ليس ديننا وفقهنا ومذهبنا مرهون بهذا التفكير، بل جميع منظوماتنا الفكرية والمعرفية والحياتية والثقافية مرهونة وفق هذا النمط من التدين والتفكير، بل حتى صورة الاله الخالق والمدبر لهذا العالم قد خُلقت صورته وفق هذا المعتقد ونمط التدين الذي ندين به، فهناك من جعل صورة الله شبيهة بصورة البشر (خلق الله آدم على صورته)، وهناك من جعل البشر على صورة الله (عبدي أطعني تكن مثلي تقل للشيء كن فيكون)، ووفق تلك الافكار والمعتقدات نشأت فرقاً ومذاهب كثيرة، وفقاً لقياس (الشاهد على الغائب)، وقياس (الغائب على الشاهد)، وتم تأسيس فقه لكل جماعة ومذهب يختلف عن الآخر، وتحول (دين الله) الى بضاعة وتجارة لن تبور، لكثير من أصحاب الفرق والعقائد والملل والنحل، هذه التجارة التي روجت لأفكار (الفرقة الناجية) وكتب (الانتصار)، التي لا تؤمن بالاختلاف والتنوع ولا تدين به، وانما تؤمن بمنطق (الأنا) وتحقيق الوصاية المطلقة على الآخرين، ولا وجود لمناطق حرة ومعتدلة بين (الأنا) و(الآخر)، وبين منطقة ومنطقة، فأنت اما معي واما ضدي، وغابت المناطق المحايدة والمختلفة تماماً عن نمط تفكيرنا وحياتنا وتديننا، لأننا حُقنّا من قبل جماعتنا بنمط من التفكير يعادي كل مختلف عنا، ولا نؤمن الا بما تم وضعه سلفاً في ذاكرة موروثاتنا وتاريخنا وأيديولوجيا جماعتنا التي ننتمي لها، وهذا ما يقودنا الى مزيد من العنف والتطرف والكراهية فيما بيننا، لأننا لا نسير على هدى عقل ومعرفة، وانما نسير على هدى الجهل المقدس الذي يقتل بعضنا بعضاً وفق نزعة شرانية تدميرية هائلة لا تعرف الرحمة والغفران أبداً.  

 

 د. رائد جبار كاظم