 تنوير وإصلاح

قضايا التنوير (1-3): العلمانية

 adnan oayeedمدخل: يعتبر السيد  جورج جاكوب هوليوك، (George Jacob Holyoake) الكاتب البريطاني، أول من قدم تعريفا للعلمانية، حيث بين أن العلمانية في سياقها العام، هي قاعدة أو منطلق أفكار وقيم رقي المجتمع الدنيوي، التي تجاوزت أساليب التفكير الديني في تفسير أحدث وظواهر الطبيعة والمجتمع في الميدانيين العام والخاص معا.

في الميدان العام:  تؤكد العلمانية بأن الحق يجب أن لايرتبط بقيود التعاليم الدينية فقط، كما تؤكد أيضاً على عدم فرض سلطة الدين على الناس من قبل الدولة، التي يجب أن تكون دولة حيادية تجاه حالات الاعتقاد، وأن لاتقدم أية امتيازات أو دعم لأي دين من الأديان في ظل المجتمعات أو الدول المتعددة الديانات. (تمييز الفقرة من قبلي – المترجم)

في الميدان الخاص : تشير العلمانية إلى ضرورة الاعتقاد بأن النشاطات الإنسانية وما يتخذه الناس من قرارات وبخاصة على المستوى السياسي منها، يجب أن تؤسس على الدليل والبرهان للوصول إلى الحقيقة، وليس على تأثير الرؤى والأفكار الدينية فقط .

كما يؤكد أيضا هوليوكا (Holyoake)، بأن الفكر العلماني الذي يؤسس على التدريب والتعلم، سيحقق بالضرورة حالة الانفصال أو الابتعاد عن الدين أو العقيدة بالنسبة للدولة.

إن النقاشات والجدالات التي دارت حول دعم العلمانية  في المجتمع الأوربي، كانت واسعة جدا، حيث راحت تؤكد على أن العلمانية هي حركة قريبة من المدنية، وبعيدة عن القيم والتقاليد الدينية. وهذا الأنموذج من العلمانية على المستويين الاجتماعي والفلسفي، غالبا ما تتبناه أو تسير على نهجه الحكومة العلمانية، هذا في الوقت نفسه نجد أن الكنيسة الرسمية وسلطة الدولة العلمانية لا تتخليان كلياً عن دعم الدين بهذا الشكل أو ذاك. ففي الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، هناك بعض المهتمين بشؤون العلمانية يقولون: إن الدولة قد خدمت إلى حد بعيد الدين عبر تدخل الحكومة، بينما هي لم تتدخل بالشكل المطلوب لخدمة انتشار العلمانية على المستوى الاجتماعي. هذا ونجد أن تدخل الحكومات في الدول العلمانية يختلف في درجة قوته أو ضعفه من دولة إلى أخرى لأسباب مختلفة تتعلق بظروف الدولة ذاتها .

 

في التعريف:

استخدم مصطلح العلمانية لأول مرة كما أشرنا أعلاه من قبل الكاتب الإنكليزي (George Jacob Holyoake)، عام 1846 . وبالرغم من أن المصطلح يعتبر جديدا على الساحتين الثقافية والفكرية في أوربا، غير أن الأفكار العامة المرتبطة به، وبخاصة الأفكار الدينية ذات الطابع الفلسفي العقلاني، قد وجدت عبر الكثير من مراحل التاريخ، حيث نجد إرهاصاتها الأولية لدى المفكر العربي الإسلامي (ابن رشد)، ومدرسته الفلسفية، بشكل خاص.

لقد ابتكر هوليوكا (Holyoake)، مصطلح العلمانية كي يقدم أفكاره في المسائل الاجتماعية عبرها، بطريقة بعيدة في مضمونها عن الدين، دون الدخول من قبله أيضا في انتقاد المعتقدات الدينية بشكل فاعل.

إن هوليوكا (Holyoake) اللاأدري،(تيار فلسفي أعلن عم قدرة الإنسان على معرفة الحقيقة المطلقة- المترجم) كان يؤكد في أطروحاته بأن العلمانية ليست مخالفة للدين، أو في حالة صراع مع الكنيسة، بل هي دعوة لاغبر من أجل الاستقلال عنهما، كما أنها لم تدعي الشك في المسيحية، وأن المسيحية طورت المجتمع في فترة ما من تاريخها، كما أن العلمانية عنده أيضا لم تقل بغياب تجليات النور والعقل نهائيا عن الوجود، بل أقرت بوجود هذه التجليات في الحقيقة العلمية، وأن مقومات وشروط وجودها قائمة بشكل مستقل عن إرادة الإنسان، وهي تعمل دائما دون توقف، والمعرفة العلمية كما يراها وبكل وضوح هي ذاك النوع من المعرفة التي وجدت من أجل إدارة وتنظيم شؤون المجتمعات الإنسانية بشكل أفضل، محققة بذلك إمكانات الاختيار عبر التجربة في هذه الحياة .

إن معهد باري كوسمين (Barry Kosmin) للدراسات العلمانية في المجتمع والثقافة، قسم العلمانية الحديثة إلى أنموذجين، أنموذج قاسي والآخر لطيف، ووفقا للسيد موسمين ( Kosmin)، فالعلمانية القاسية تعتبر المواضيع الدينية من الناحية المعرفية غير قانونية، أما بالنسبة للعلمانية اللطيفة فهي ترى أن إنجاز الحقيقة المطلقة أمر مستحيل، لذلك لابد من اعتماد قاعدتي الشك والتسامح معا كمنطلق في التعامل أو النقاش حول العلم والدين معا .

 

الدولة العلمانية أو علمانية الدولة:

معظم حكومات العالم تعتبر بشكل رسمي حكومات علمانية، كخط أزرق، والدولة الدينية منها خط أحمر. وفي التعريفات السياسية، العلمانية هي حركات باتجاه فصل الدين عن الدولة، (عرفت غالبا بفصل الكنيسة عن الدولة)، أي تخفيف طبيعة العلاقات أو الروابط بين دين الدولة والدولة، عبر استبدال الوصايا والتشريعات الدينية الصادرة عن الكتاب المقدس ومن يقوم على تفسيرها مثل (الوصايا العشرة)، بقوانين وضعية، والعمل على إزالة التمايزات القائمة بين الناس على أسس دينية، وهذه التوجهات العلمانية في هذا الاتجاه تشكل أحد معطيات الديمقراطية (والمواطنة- المترجم)، التي تعمل على حماية حقوق الأقليات الدينية في المجتمعات الأوربية .

إن العلمانية غالبا ماترتبط بعصر التنوير الأوربي، وقد لعبت الدور الكبير في المجتمعات الغربية، بيد أن الأسس التي استخدمت لتطبيق فصل الكنيسة عن الدولة في أوربا وأمريكا، ليست بالضرورة تمثل توجها علمانيا بكل معنى الكلمة، ففكرة فصل الدين عن الدولة هذه وجدت في دستور الهند والعديد من الدول مثل، كندا، تركيا، كوريا الشمالية، وكوريا والجنوبية ... الخ، علما أن كل هذه الدساتير وغيرها لاتملك صيغة واحدة في أحكامها وبنودها تجاه التطبيق العلماني. إلا أنها في مضامينها العلمانية ظلت محاولة لم تتجاوز في معطياتها أكثر من كونها قوانين أو أحكاماً كانت في معظمها تقريبا قائمة على الورق، ومع ذلك تم إنجاز أو تأسيس الكثير من معطيات المجتمع الحديث في هذه الدول انطلاقا من معطياتها.

في مسألة الاعتقاد بضرورة فصل الدين عن الدولة، يبدو أن العلمانيين يميلون إلى تشجيع السياسيين بصياغة وإصدار قرارات تمس حياة المجتمع وتساعد على حل مستجدات عصره أفضل من أن تحل هذه المستجدات عبر الرؤى والأفكار الدينية. فالقرارات السياسية تجاه قضايا مثل، الإجهاض، والتربية الجنسية ... الخ، يعوّل النظر فيها والبحث عن حلول لها على القرارات السياسية ومنظمات المجتمع المدني أكثر من أية جهة أخرى، وبخاصة الجهة الدينية، على اعتبار أن القيمين على الدين يميلون دائما إلى لعب الدور القديم للدين الذي  يعتبر الأخلاق حالة معيارية مطلقة الثبات في شكلها ومضمونها وقابلة لكل زمان ومكان، وحتى من راح يتقبل الفكرة الديمقراطية من هؤلاء القيمين على الدين، والتي من خلالها تقبل القرارات السياسية في حل قضايا المجتمع، فهم بقوا يطمحون إلى تحقيق بعض المكاسب والامتيازات التي تمنحهم الشعور بضرورة وجودهم ودورهم الفاعل في المجتمع، وذلك عبر الحوار الدائم ما بين الكنيسة الخاصة بدين الدولة والدولة .

إن العديد من المسيحيين في أوربا وأمريكا الذين يدعمون العلمانية، يستندون في دعمهم هذا على الكتاب المقدس، وعلى مقولة السيد المسيح، (أعط ما لقيصر لقيصر، وما لله لله .). بيد أن  هناك بعض المسيحيين المتشددين (الأصوليون) وبشكل ملحوظ في أمريكا، يعارضون العلمانية، مدعين أن هناك علمانية لها توجهات أيديولوجية متطرفة، راحت في رأيهم هذه الأيام تشكل خطرا وتهديدا ليس لحقوق المسيحيين فحسب، بل وللأمن القومي أيضا (المحافظون الجدد- المترجم) .

إن معظم القوى الهامة أو الفاعلة في تكريس الأصولية في العالم المعاصر هي من الأصوليين المسيحيين والمسلمين، على اعتبارهما الديانتان الأكثر انتشارا وفاعلية،  في الوقت الذي نجد فيه أن الأقليات الاجتماعية التي تعيش في محيطهما،  هي من تدعوا إلى التطبيق العلماني اذي وجدت فيه تحقيقا للعدالة والمساواة بين الجميع. أب تحقيق   المجتمع المدني :

في دراسات فكرية عن الدين، تم الاعتراف بالمجتمع الأوربي الحديث على وجه العموم كمجتمع علماني، وهذا الاعتراف  هو في الحقيقة استحقاق للاقتراب أكثر من الحرية الدينية، (شخص ربما يؤمن بأحد الأديان، أو بديانات متعددة، أو ربما لايؤمن بأي دين كان، فهذه قضايا شخصية)، وأن الدين في نهاية المطاف لايملى على الناس عن طريق القرارات السياسية .

بالرغم من ذلك، فإن المشاهد الأخلاقية الأصيلة في التقاليد الدينية، بقيت من الناحية السياسية على درجة هامة من الأهمية في العديد من الدول التي تبنت العلمانية مثل، الصين، فرنسا، تركيا، أمريكا وغيرها، بل أن هذه التقاليد في بعض المراجع الدينية اعتبرت من نسيج ألأفكار السياسية . (مثل: الزواج والطلاق وما يمت لهذه القيم الشرعيةالأصيلة التي حددتها طبيعة الدين- المترجم)

إن علم الاجتماع الحديث، يعتبر أن هناك أزمات شرعية قد ولدت أو نتجت عن تحديات فرضتها سلطة التقاليد الدينية في الغرب منذ أن انشغل دوركهايم (Durkheim)، وكذلك الكثير من علماء وباحثي علم الاجتماع في القرن العشرين المعروفين أمثال (ماكس فيبر، كارل. ل . بيكر، كارل لويث، بانس بلومينبيرج، م. هـ. ابرامز، بيتر ل. بيرجر، و بول بينيكو.) .(Max Weber، Carl L. Becker، Karl Löwith، Hans Blumenberg، M.H. Abrams، Peter L. Berger، and Paul Bénichou) الذين انشغلوا بمشاكل السلطة في المجتمع العلماني وقضاياه، وبالعلمانية ذاتها كعملية تقدم اجتماعي وتاريخي في المجتمعات البشرية.

إن العلمانية يمكن أن تكون أيضا أيديولوجيا اجتماعية تتضمن الكثير من المعتقدات الدينية، وأحيانا المعتقدات الخارقة للطبيعة، بيد أنها في صيغتها هذه، غير قابلة لأن تكون مدخلا حقيقيا لفهم العالم عقلانيا، لذلك هي (أي في هذه الصيغة المثالية) غالبا ما كانت تُعزل عن الحكم، ولا تدخل في نطاق التفكير العقلاني، في الوقت الذي نجد فيه من يقول إن العلمانية وبكل صيغها التي جئنا عليها هنا، يمكن أن تكون ذاك التدريب العملي القادر على ترقية وتنمية المجتمع.

على العموم، إن تأكيد مواقف تُعتبر علمانية في سياق اجتماعي ما، ربما لا تكون هذه المواقف علمانيا في السياقات الأخرى، والعلمانية ليس من الضرورة أن تكون مساوية للإلحاد، فالكثير من العلمانيين هم متدينون، في حين نجد بعض الملحدين غالبا ما يوافقون على أن يكون للدين تأثير في سياسات الحكومة.

إن العلمانية في السياق المنطقي هي جزء جوهري من الأيديولوجية الاجتماعية والسياسية للمجتمع العلماني (الدنيوي)، وأن بعض المجتمعات أصبحت علمانية بشكل واسع كنتيجة لتقدم المجتمع، حيث أن عملية تقدم المجتمعات هي ذاتها تعتبر علمانية بامتياز، أي أن عملية تقدم المجتمع تفرض بالضرورة العلمانية على المجتمع.

 

أخلاق العلمانية:

العلمانية في هذا السياق إذن، هي مجموعة القوانين والمبادئ المرتبط بحياة الإنسان والتي أسست على اعتبارات إنسانية محض، وتعامل معها بشكل أساس هؤلاء الذين لمسوا الغموض في اللاهوت، والشك في مقدرته على حل كل قضايا الناس، الأمر الذي دفعهم إلى القول بقصوراللاهوت في هذا الاتجاه، أوهو غير جدير بالثقة المطلقة، لذلك هم اقروا بضرورة التعامل مع العلمانية لما تحمل من قضايا أو مبادئ حددوها هم في ثلاثة هي:

الأول: قدرة العلمانية على تحسين حياة الإنسان بوسائل علمية.

الثاني: إن العلم قوة إيجابية متاحة للجميع في المجتمع الإنساني.

الثالث: ما جئنا عليه في المبدأين أعلاه، هو شيء جيد لإنجاز عمل جيد، إن كان هناك أناس جيدون أم لم يكن، وما هو جيد في زمننا الحاضر، هو جيد أيضا للتأسيس عليه من أجل البحث عن الجيد الأخر.

يقول بعض المفكرين الغربيين ومنهم هوليوكا ( Holyake) ذاته، بأن العلمانية وأخلاق العلمانية لم تعط الاهتمام الكلي في الخطابات الدينية (عندما كانت هذه الخطابات غير عقلانية)،هذا إضافة إلى كونها لم تكن معروفة من قبل التفكير الحر، بل وحتى التفكير الإلحادي، ففي هذه المسألة يبدو أن  هوليوكا (Holyoake)، لا يتفق مع بعض الكتاب الذين تناولوا موضوعة العلمانية من جهة منطقية، ومنهم على سبيل المثال كارلس برادلوف (Charles Bradlaugh). الأمر الذي ساعد على وجود انشقاق في الرأي، ما بين من  يقول: إن التوجهات العلمانية، أو غيرها من الحركات الفكرية والسياسية المضادة للدين، هي غير ضرورية و غير مرغوب فيها، ومن يقول العكس تماما، أنه مرغوب فيها وهي ضرورية.

 

حوارات حول العلمانية:

لقد ناقش مؤيدو العلمانية مسألة العلمانية وصعودها في كل حالاتها السابقة التي جئنا عليها أعلاه، إضافة لمسألة أسس الخطاب الديني في صيغه اللاهوتية المتزمتة المناوئة  للدولة العلمانية، فوجد هؤلاء المؤيدون للعلمانية في المحصلة أنها  نتاج لعصر التنوير الذي أخذ الناس فيه يتجهون نحو العلم والتفكير العقلاني، ويبتعدون عن الأفكار الدينية (اللاهوتية) المناقضة للعلم والعقل في فهمها أو توجهاتها .

أما خصوم العلمانية، فقد ناقشوا هم أيضا قضايا العلمانية، ووصلوا إلى نتائج مفادها، أن الحكومة العلمانية خلقت الكثير من المشاكل للمجتمع بدلا من حلها، لذلك يجب على الحكومة أن تكون مع الروح والأخلاق الدينية، أو على الأقل أن لاتكون علمانية صرف لأن ذلك أفضل بالنسبة للمجتمع. هذا في الوقت الذي نجد فيه أيضا بعض المناوئين للعلمانية والدولة العلمانية من المسيحيين يدّعون بأن الدولة الدينية تستطيع أن تخدم أكثر من الدولة العلمانية  الحريات الدينية، وللبرهان على ذلك يستشهدون بالدول الاسكندينافية مثل (السويد والنرويج والدانمرك)، حيث يؤكدون بأن هذه الدول استطاعت بدساتيرها إيجاد روابط عميقة بين الكنيسة والدولة، وحتى هذه الفترة هناك اعتراف متميز بمسألة التقدم والتحرر الاجتماعي في هذه البلاد غير موجودة في الكثير من الدول التي لاتوجد فيها تلك العلاقة ما بين الدولة والكنيسة كما هي الحال في الدول الاسكندينافية. فعلى سبيل المثال، في (فلندة) تقدم الحكومة التمويل المالي من أجل بناء الجوامع ودور العبادة، وفي (السويد) نجد التوجهات العلمانية والفكر الاجتماعي السياسي الوضعي بالرغم من اعتراف الدولة الرسمي بالكنيسة الوطنية عام / 2000/ . هذا إضافة إلى أن الدول الاسكندينافية من الناحية الاجتماعية تقع بين العديد من الدول العلمانية في العالم التي تنخفض فيها نسبة الأفراد الذين يتمسكون بالمعتقدات الدينية، في الوقت الذي نجد فيه أيضا حدة النقاشات الدائرة في (النيروج) التي تنشد ضرورة الاعتراف بالكنيسة الوطنية اللوثرية .

بعض المعلقين الحداثيين المناوئين للعلمانية يربطونها بالإلحاد، أو بأنظمة الشيطان كما يقولون. وكلمة العلمانية بشكل عام شكلت رذيلة أو سبّة عند بعض المتدينين المحافظين في الولايات المتحدة الأمريكية.

إن البابا  Pope Benedict XVI، قد أعلن. (إن استمرار العلمانية سيكون مشكلة أساسية في المجتمع الحديث)، وقد جعل من مقاومتها كمسألة أخلاقية، هدفا لمرحلة ولايته البابوية.  ومع ذلك وجد بعض المهتمين بمسألة العلمانية، أن هدف علمانية الدولة هو جعل الدين حياديا، وهذا الرأي عند بعضهم، اعتبر قمعاً لحيز من المظاهر الدينية، بل قمعا متساويا لكل الأديان على حد سواء، مقابل كونه أيضا عند بعضهم، هو دعوة لحماية كل الأديان من تدخل الآخرين.

بعض الآراء السياسية المتطرفة في (الماركسية) (وبخاصة الآراء الشيوعية في الاتحاد السوفيتي سابقاٌ- المترجم)، كبحت بشكل عام أي تأثير للأفكار الدينية على الدولة والمجتمع، معتبرة ذلك أمرا سلبيا. وفي الأمم التي اعتنقت أو آمنت بمثل هذه الأفكار إن كان في أوربا الشرقية بشكل خاص، أوماسمي بالكتلة الاشتراكية سابقا بشكل عام، شكلت المؤسسة الدينية إشكالية بالنسبة للدولة العلمانية داخل المحيط الشعبي، فحرية العبادة كانت في الحقيقة تنوس ما بين الرفض والقبول من قبل الحكومة، وأن العقائد الكنسية كانت تراقب للتأكد من التزامها بقوانين الدولة العلمانية، بل حتى مدى التزامها بالفكر الفلسفي الوضعي الرسمي. بيد أن الفكر الديمقراطي الغربي يعتبر أن مثل هذه الاختراقات البوليسية  تجاه الحريات الدينية من قبل الدولة تعرقل مسيرة الحرية. في حين نجد أيضا ان بعض العلمانيين ممن يعتقد بضرورة أن تحتفظ الدولة بكامل استقلاليتها عن الدين، وأن المؤسسات الدينية يجب أن تحتفظ أيضا بكامل حريتها وبعيدا عن تدخل الدولة، لذلك فالكنائس التي اعتادت فصل سلطاتها كليا عن دعم الحكومات، تُدعى مؤسساتها الدينية اصطلاحا بالكنائس الحرة .

بعض العلمانيين الذين حبذوا السماح للدولة بتشجيع الدين، مثل (إعفاء الكنائس من الضرائب، أو دعمها بالأموال من أجل التعليم والإحسان على الهيئات الدينية)، طالبوا أن لايقتصرهذا الدعم على مؤسسة دينية واحدة كما هو الحال في الدولة الدينية، بينما نجد هناك بعض الليبراليين الكلاسيكيين يؤكدون بأن الدولة تكون على صواب عندما تقوم بإعفاء المؤسسات الدينية من الضرائب، خاصة بعد أن فقدت هذه المؤسسات سلطتها الزمنية، في (مجال فرض الضرائب وتنظيمها) وذلك انطلاقا من إيمان هؤلاء بأن السلطتين الزمنية ممثلة بالدولة والروحية ممثلة الكنيسة متطابقتان في مجالي القيم الأخلاقية والشخصية، بيد أن تحقيق هذا التطابق لايمكن أن يتم عمليا خارج نطاق إخضاع الدين للدولة.

 

Secularism

From Wikipedia، the free encyclopedia

 

ترجمة :د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2650 المصادف: 2013-12-07 00:03:53