 تنوير وإصلاح

البابا فرانسوا: حتى الله يتطوَّر!

jawad albashiالبابا فرانسوا (الكاردينال الأرجنتيني خوري ماريا برغوليو، والذي خَلَف البابا بنديكتوس السادس عشر) نَسَفَ منظومة كاملة من المعتقدات الراسخة في الديانة الكاثوليكية إذْ قال، على وجه الخصوص، إنَّ جهنَّم لا وجود لها، وإنَّ قصة آدم وحواء أسطورة، وإنَّ الأديان جميعاً صحيحة، وإنَّ "الحقيقة الدينية" تتغيَّر وتتطوَّر، وإنَّ الرَّبَّ نفسه يتغيَّر ويتطوَّر، وإنَّ بعض أجزاء الإنجيل عفى عليها الزمن.

البابا فرانسوا هو الآن، وبشهادة "أقواله الثورية" تلك، يقود ثورة إصلاحية دينية لا تَقِل أهميةً (إنْ لم تَزِدْ) عن ثورة مارتن لوثر وكالفن؛ ولسوف يمتد تأثيرها إلى سائر الأديان السماوية؛ لأنَّ كثيراً من المعتقدات الجوهرية المشترَكَة بين هذه الأديان هو المشمول بالهدم (وإعادة البناء) الذي بدأه البابا.

من أين يستمد البابا فرانسوا "الشرعية الدينية (والسماوية)" لكلامه الديني الثوري الجديد، والذي استهلَّ به ثورته الدينية الإصلاحية؟

أجاب البابا قائلاً: من طريق "البحث الروحي" و"التأمُّل" و"الصلاة".. توصَّلْنا إلى، واكتسبنا، "فَهْماً جديداً لبعض العقائد". وبابا الفاتيكان هو (مع مؤسسته) مرجعية دينية لمئات الملايين من المؤمنين المسيحيين الكاثوليك؛ فـ "القاعدة الشعبية" لا تُجادِل، على وجه العموم، في صواب وصدق ما ينطق به.

البابا مُحِبٌّ لـ "الحقيقة"؛ لكنَّه لا يرى من طريق إليها إلاَّ طريق "المثالية"، بوجهيها الفلسفي والديني؛ فإنَّ سؤالاً من قبيل "لماذا قاد البحث الروحي والتأمُّل.. الآن، وليس من قَبْل، إلى هذه المفاهيم الدينية الجديدة؟" لا يثور، ولا يمكن أنْ يثور، في ذهنه؛ لأنَّ إجابته تُلْزِمه أنْ يَفْهَم ضغوط الواقع الموضوعي على أنَّها مَصْدَر التغيير للأفكار والمعتقدات التي تسري في أدمغة البشر، وفي دماغه هو أيضاً.

ثمَّة مشكلة كبرى أراد البابا حلها؛ فإنَّ كثيراً من المؤمنين الكاثوليك تُرْغمهم (وتُكرههم) مصالحهم الدنيوية الواقعية على العيش بما يُناقِض كثيراً من المفاهيم الأخلاقية المسيحية، وبما يُناقِض، أيضاً، كثيراً من المعتقدات الراسخة في الديانة الكاثوليكية؛ فتضيق بهم، من ثمَّ، الكنيسة، أو يقوى لديهم الميل إلى هجرها، والنأي بأنفسهم عنها.

إنَّهم منغرسون (عن اقتناع أم عن اضطِّرار) في نمط حياة يناقِض كثيراً من المعتقدات الدينية الكاثوليكية؛ فلمَّا باءت بالفشل كل جهود ومساعي المؤسسة الدينية (الفاتيكان) لإعادتهم إلى "الطريق القويم"، استخذت هذه المؤسسة لحقائق الواقع العنيدة، وقرَّرت أنْ تتغيَّر هي فكرياً وعقائدياً بما يجعلها أكثر تصالحاً مع هذه الحقائق وجماهيرها؛ أمَّا الغاية فهي استعادة المؤسسة الدينية ما فقدته من "نفوذ شعبي روحي".

البابا يقول الآن لذوي الميول الجنسية، الملعونة دينياً من قبل، وللمثليين جنسياً، ولمؤيِّدي الإجهاض، وللمحافظين والليبراليين والشيوعيين والملاحدة، ولغيرهم: أبواب الكنيسة مفتوحة لكم على مصاريعها؛ أنتم، وعلى الرغم مما أنتم عليه من أحوال فكرية ومعيشية وسلوكية، ما زلتم مؤمنين مسيحيين؛ وإيَّاكم أنْ تظنُّوا أنَّكم قد غدوتم مارقين من الدين؛ فالمعتقدات الدينية الجديدة والصحيحة تَتَّسِع لكم، وبما أنتم عليه؛ نحن اليوم (أي الفاتيكان) ما عُدْنا قضاة؛ نحن الأب المُحِب لأبنائه جميعاً؛ وهذا الأب لا يدين أبناءه؛ نحن اليوم قومٌ "حداثيون" و"عقلانيون"، "منفتحون" و"نكره التعصُّب".

إنَّها دعوة إلى تحويل "الكنيسة" من "حزب حديدي (صخري في وحدته)" إلى "حزب ليبرالي" يتَّسِع لجمهور أوسع من المسيحيين، فيَتَّسِع، من ثمَّ، نفوذه الروحي الشعبي.

حتى الخوف من "جهنَّم"، ومن "كل عقاب قاسٍ في الآخرة"، نزعه البابا من القلوب، إذ قال إنَّ الرَّب محبَّة، حبه لأبنائه، أو للبشر جميعاً، لا يحده حد؛ وإنَّ "جهنَّم"، من ثمَّ، تُناقِض هذا الجوهر الإلهي؛ فالرَّب ليس قاضياً، ليس جلاَّدا، ليس مُعذِّباً لأبنائه ولو كانوا من القوم الكافرين؛ إنَّه يحنو عليهم، ويحتضنهم، جميعاً.

ولقد اكتشف البابا من طريق "البحث الروحي" و"التأمُّل" و"الصلاة".. أنَّ "جهنَّم" هي كناية عن "الروح المعزولة"، والتي ستتَّحِد، في آخر المطاف، كما النفوس جميعاً، في محبَّة الله.

حتى الملحد رآه البابا مؤمناً بالله؛ فالملحد، على ما اكتشف البابا، يكفي أنْ يعمل الخير حتى يكون مؤمناً بالله، وإنْ أنكر ذلك بقوله ولسانه.

هل من دين باطل، أو غير صحيح؟

البابا فرانسوا يجيب قائلاً: كلاَّ، ليس من دين باطل، أو غير صحيح؛ فكل الأديان "صحيحة، وعلى حق؛ لأنَّها كذلك في قلوب الذين يؤمنون بها".

وهذا إنَّما يعني أنَّ الإسلام (مثلاً) هو، في المعتقد الجديد للبابا، دين صحيح؛ أمَّا السبب فيكمن، بحسب المعتقد نفسه، في كَوْن المسلمين يعتبرونه صحيحاً؛ فـفي "القلب" يستوطن "الرَّب"، ومعه تستوطن "الحقيقة"؛ فإذا آمن قوم بما تعتقده قلوبهم، فهذا الإيمان صحيح.

إنَّ البابا فرانسوا يُوسِّع "نسبية الحقيقة"، بمفهومها الآينشتايني، ليجعلها تشمل أيضاً "الحقائق الدينية"؛ فـ "الحقيقة"، بمفهومها البابوي الجديد، ليست ما يفكِّر فيه موسوليني الآن؛ وإنَّما ما تؤمن به، وتعتقده، "القلوب". قَلْب اليهودي يقول له إنَّ اليهودية هي الدين القويم، وقَلْب المسيحي يقول له إنَّ المسيحية هي الدين القويم، وقَلْب المسلم يقول له إنَّ الإسلام هو الدين القويم؛ أمَّا البابا فرانسوا، وعملاً بمبدأ "نسبية الحقيقة"، فيقول: إنَّكم جميعاً على صواب، وإنَّ الأديان جميعاً صحيحة، وعلى حق.

هل "الحقائق الدينية" ثابتة مُطْلَقة، لا تتغيَّر، ولا تتطوَّر؟

البابا يجيب قائلاً: إنَّها تتغيَّر وتتطوَّر في استمرار. وبعد أنْ يصف الإنجيل بأنَّه "كتاب مقدَّس جميل"، يُعْلِن البابا، وفي جرأة غير عادية، أنَّ بعض أجزاء هذا "الكتاب المقدَّس الجميل" قد عفى عليها الزمن (أي شاخَت، وتقادم عهدها).

وأخيراً، بلغت ثورة البابا فرانسوا منتهاها؛ فهو سرعان ما انتقل من آينشتاين إلى هيجل، قائلاً إنَّ الرَّبَّ نفسه لا يشذ عن ناموس التغيُّر والتطوُّر؛ فهو في تغيُّرٍ وتطوُّرٍ مستمرين.

وعلَّل البابا تطوُّر الرَّب قائلاً: إنَّ الرَّب يسكن فينا، وفي قلوبنا؛ ونحن البشر في تطوُّر مستمر؛ ولا بدَّ للساكن فينا، وفي قلوبنا، من أنْ يتطوَّر بتطوُّرنا.

لقد استنفدت البشرية زمناً طويلاً للتسليم بفكرة التطوُّر التاريخي للإنسان؛ أمَّا البابا فرانسوا، أو هيجل الفاتيكان، فشرع يؤسِّس لفكرة التطوُّر التاريخي للرَّبِّ نفسه؛ لكنَّه لم يُجِبْ بما يكفي من الوضوح عن السؤال الفلسفي العظيم الآتي: هل تطوُّرنا نحن البشر (مع مجتمعاتنا) هو انعكاس لتطوُّر الرَّب الساكن فينا، وفي قلوبنا، أم هل تطوُّر الرَّب نفسه هو انعكاس لتطوُّرنا نحن البشر؟

البابا كاد أنْ يقول: كما تكونوا، يكون الرَّب!

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

ارجع اقرا الكتاب المقدس في روح الصلاة و الانكسار امام الله و طلب العون حتي يكشف لك اي مكان و حالة وصلت اليها ايها الموقر و لا تهين الله بعد.

بطرس ظريف
This comment was minimized by the moderator on the site

أرى كلام البابا صحيحًا، لكن تنقصه بعض الجرأة والثورية ليصبح صحيحًا تمامًا ..

سؤال مطروح على كل مؤمن:

هل الخالق للمخلوق يعادل السيد للعبد، أم المالك للملوك، أم الصانع للمصنوع؟

لا يمكن أن تكون علاقة خالق بمخلوق إلا علاقة صانع بمصنوع ..

وهنا تكون كل مزايا وعيوب المصنوع، هي من صنع ومسئولية الصانع ..

وبالتالي .. فإما أنه لا حقيقة أو لا حساب أو لا عدل ..

أتمنى وأتوقع من البابا أن يكون أكثر جرأة وثورية في المرة القادمة ، هذا إذا لم يغتاله الواهمون المتعصبون، الذين يخشون على ظلام أوهامهم من ضوء الحقيقة العارية!

أبو بكر النزال
This comment was minimized by the moderator on the site

بسم الله الرحمن الرحيم ..اخواني الاعزاء أولا احيكن بسلام من الله تعالى عليكم , كلامي موجه الى الخبير الفاتيكان اذا كان الله يتطور فلماذا خلقنه الله. اي تطور واصبح عنده فكره خلق البشر اذا كنت انت في تطور فلماذا لا تخبرنه بما سيحدث بالبشر بعد حين الجواب لاتعلم ومع ذالك يكذب الفاتيكان مسئلة الاخرة بسبب اللحاده ويقروا بجميع الاديان بحسب دافع الاقناع الشخصي متبع اساليب فلسفية اللا منطقيه ويصر كذالك بمبدأ المساواة بين الاديان وذالك رغبة في مساواة الاديان بالأسلام وذالك محال اسئلوه كم كتاب انجيل تم اصداره بع تصحيحه ولنه قرأن واحد لم يتغير منذ ارساله الی محمد ص, وذالك عيب في قوله للمساواة بين الاديان وموضوعه ينص على الدين الاسلامي وبنص قوله عن الانجيل ومن ثم الاسلام اي متحديآ كلام الله وينص على انه يعلم الغيب ويقول ان الله يتطور فكيف علم بتطور الله وأن الله تعالى يعلم غيب السماوات اجبني ما هو الرب كيف يكون في قلب الانسان وكيف هو فوق سبع سماوات الحاد تام وكفر لماذا لا تأخذنه عنده اضن انك تعلم مكانه أيضاً ياللعار لم يأتي على زمننا كافر مثل هذا الفاتيكان ويحضر كتابآ تاريخيآ عن الرب فمن التأكيد انه كتب تاريخ نهاية الرب ولحجم خوفه وجبنه من الرب يثبت حصة كلام واحد انه يؤمن بعذاب الاخره اي يكذب نفسه ههههه يثير السخريه ... لا مزيد من التعليق لكم الشكر ولا تعطوا لناس مثل هذا الفاتيكان مجال في الكلام الله احد الله الصمد

محمد حمزه
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2679 المصادف: 2014-01-05 02:54:51