 تنوير وإصلاح

ثقافــة التسامــح

qassim salihyاروع مثل شهده التاريخ عن (التسامح) ضربه الراحل نلسون مانديلا، اذ وصلت الممارسة التطبيقية فيه الى ان الجلاّد والضحية كانا يصطحبان معا السواح الى الجزيرة التي كان فيها الضحية سجينا ويشرحان لهم معا كيف كان يجري التعذيب في أقبية سجونها!.فلماذا لا نكون نحن ،ولو على قدر منه، مع ان التسامح يعدّ ركنا اساسيا في الاسلام الذي هو ديننا؟!

ان التسامح لا يعني ان نتخلى عن معتقداتنا وافكارنا، وانما يعني الامتناع عن غصب واكراه الأخرين لاعتناق ارائنا، او قهرهم للتخلي عن ارائهم، او الاستهزاء بوجهة نظرهم او النيل منهم. والتسامح يجعلنا ننتبه الى قضية فكرية غاية في الاهمية هي الاقرار بأن الحقيقة ليست حكرا" لطرف من دون سائر الاطراف الاخرى. ويتعاظم مفهوم التسامح كونه منظومة اخلاقية قيمية وانسانية تحكم السلوك الاخلاقي للانسان، وآلية لضبط هذا السلوك، ونهج لثبات المفهوم في العقل والقلب. وفي جانبه الاخلاقي والاجتماعي يعني التسامح قبول الاخر بحقوقه في الوجود والحرية والحياة وصيغ التعبير عن مشاعره ومعتقداته مهما كان دينه وعرقه ومذهبه.

ومع ان هنالك اكثر من مصدر لاشاعة ثقافة التسامح،فان الأسرة يقع عليها الدور الأكبر في تغذية الناشئة بثقافة التسامح،،ليس فقط بالارشاد والتبصير بما ينجم عن العنف،بل بتجسيد التسامح في تصرف الآباء والأمهات امام أطفالهم ،حيث اشارت الدراسات الى ان الابناء الذين يرون قيم التسامح بين والديهم يكونون في المستقبل قادرين على استيعاب الآخرين.

والتسامح يرتبط بمفاهيم اخرى مثل التنوع والخصوصية والمواطنة. ويفترض ان هناك تنوعا وتعددا في المجتمع ينعكس في صورة اراء وممارسات تفضي الى حالة من التعايش السلمي تتمثل في سيادة مظاهر الاطمئنان ما بين الفئات الاجتماعية المختلفة، مع شعورها بالمسؤولية في ضرورة التعايش المشترك في وطن واحد وفي ظل نظام سياسي متفق بشكل جمعي على آليات عمله التي ينبغي ان تؤدي الى سيادة مظاهر الاستقرار السياسي وغياب مظاهر التمرد والعنف والرفض لهذا النظام من قبل فئات اجتماعية تشعر انها مهمشه او مغيبة عن المشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية .

ان التعايش وضع سياسي جيد، ولكن الافضل منه ما يصف حقيقة الحال الذي عاشه العراقيون الذين تقاسموا الويلات والنكبات وسعدوا سوية بالانتصارات، بما يحمل معنى التلقائية والانسياب العفوي للعلاقات بينهم دون احتساب للمصالح السياسية التي قد تجبر بعض الجماعات على التعايش لمدة محددة، وعين كل منها على الانفصال عن الاخر عندما يحين الوقت.

صحيح ان عمق الجراحات وبشاعة ما حصل من قتل للخصوم وتعذيب لمن يحمل افكارا غير افكار حزب السلطة لا تجعلنا قادرين على ان نتصرف كما تصرف شعب مانديلا. ولكن اليس من الواجب ان نحتذي(بخاصة السياسيين الذين يحكمون باسم الاسلام وبعضهم من يدعي ان النبي جده) بما فعله نبينا المسامح العظيم حين دخل مكه فاتحا وقال لمن قتل اصحابه المسلمين (اذهبوا فانتم الطلقاء) ، وما فعله مع (وحشي) قاتل عمه العزيز على قلبه..الحمزة لحظة جثى على ركبتيه قائلا: (سامحني يارسول الله) فتنازعته في اللحظة ذاتها قوتان: الانتقام من قاتل أشد المحاربين واعز الناس على قلبه، وبين قوة التسامح التي أعلتها قيمه الراقية وغلبّتها على انتقام سهل..قائلا بما فاجأ الجميع:(سامحتك..ولكن اغرب عن وجهي الان).

وثمة حقيقة سيكولوجية:

ان اللاتسامح يجعل الانسان عدوانيا كارها حتى لنفسه ويائسا من اصلاح الحال..كما هو واقع العراقيين الذي وجدته في زيارتي الى بغداد قبل أيام،فيما التسامح يجعله محبّا لنفسه والآخرين ومتفائلا بالخير والسعادة..وبكل ما هو جميل..مع خالص محبتنا.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2738 المصادف: 2014-03-04 23:05:40