 تنوير وإصلاح

التقليد المتحجر في الخطاب الديني

yaseer nhaylموجع ما آلت إليه العلاقة التي تربطنا بمصادر المعرفة الدينية،هذه العلاقة المحكومة بمسافة لا تترك مجالا للتقرب من الدلالات العميقة للنص المقدس مما يزيد من توسيع رقعة الفهم الخاطئ .. في هذا المقال نأخذ كنموذج واحدة من بين القضايا المعروفة في متون الفكر الإسلامي عبر التاريخ، وهي مسألة النسخ التي طالما اعتبرت علما من العلوم الشرعية تؤخذ خلفا عن سلف، دون أي مجهود تحليلي يذكر .

فمن المعلوم أن معنى النسخ في اللغة هو الإبطال و الإزالة والنقل، ويعرف اصطلاحا بأنه « رفع أمر ثابت في الشريعة المقدسة بارتفاع أمده وزمانه، سواء أكان ذلك الأمر المرتفع من الأحكام التكليفية أم الوضعية، وسواء أكان من المناصب الإلهية أم من غيرها من الأمور التي ترجع إلى الله تعالى بما أنه شارع ». وبالتعريف المذكور يكون النسخ قائما على إلغاء حكم شرعي ورد في آية وإحلال حكم آخر مكانه والهدف من ذلك حسب ما جاء في تفسير الوسيط لطنطاوي هو "بيان انتهاء مدة الحكم بخطاب لولا هذا الخطاب لاستمر الحكم على مشروعيته"،إنه انتهاء مدة الحكم بالخطاب إذن..

فمتى كان لكلام الله مدة صلاحية معينة ينتهي وجوب العمل به بانقضاء هذه المدة؟ ثم كيف يتحول الوحي كغيره من كلامنا في نظر أهل هذا الرأي؟و كيف يبدل الله الحلال حراما والحرام حلالا بواسطة النسخ كما يقر بذلك معظم المفسرين؟

- لقد ذهب السلف مذاهب في مسألة الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم ووضعوا أنواعا للنسخ لا يتسع المقام لتفصيلها نذكر منها فقط القول بوجود نصوص نُسخ خطها وحكمها وأخرى نسخ خطها وبقي حكمها، وهذا يترتب عنه مباشرة استنتاج مفاده أن القرآن الذي بين أيدينا اليوم ناقص عن القرآن الذي أنزل على الرسول عليه الصلاة والسلام أول مرة، فهل هذا معقول؟؟ و نسجل هنا أن الغريب في الأمر هو كون بعض الآيات الناسخة عند بعضهم هي منسوخة عند البعض الآخر وهي نفسها لا ناسخة ولا منسوخة في نظر أطراف أخرى وغالبا ما تقدم الآية: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِها﴾الآية 106- سورة البقرة كدليل على هذه المسألة و تضاربت مرة أخرى أقوال المفسرين في دلالة هذه الآية ولم تخرج في الأخير عن سياق واحد لا يمت إلى العقل ولا إلى محكم التنزيل الشريف بصلة ألا وهو الإقرار بإلغاء أحكام الله تعالى لصالح أحكام أخرى من القرآن نفسه لم يكن من الضرر في شيء تنزيلها من البداية كما لن يُعجز الله سبحانه و تعالى ذلك أبدا، لكن تشبث بعض رجالات التاريخ بإعطاء صفة الحقيقة المطلقة لآرائهم رسخ في أذهان الناس مثل هذه الأمور وإذا كان هناك من تفسير أصح للآية القرآنية الكريمة السالفة الذكر فسيكون هو التفسير الذي أورده المفكر الإسلامي المستنير عدنان الرفاعي حين أتبث أن المقصود من النسخ المذكور في هذه الآية هو كون القرآن ينسخ بعض أحكام أهل الكتاب من الديانات السماوية السابقة للإسلام ولا ينسخ بعضه بعضا البتة ويتضح هذا المغزى عند ربط هذه الآية بالآية التي تسبقها في سورة البقرة والتي تتحدث عن أهل الكتاب أي الديانات السماوية السالفة وهي كالتالي: (ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم، مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِها﴾الآيتان 105و106-سورة البقرة. هكذا يتبين أن الحمولة الدلالية للآية تختلف تماما عما تم التعارف عليه من خلال تفسيرها بنسخ الآيات القرآنية لآيات أخرى لم تعد صالحة للعمل بها. و حتى نوضح أكثر سنورد أحد النماذج المعروفة في مسألة النسخ والتي تتمثل في الزعم بأن آيات الإذن في القتال نسخت جميع آيات الصبر والصفح والتسامح والعفو. بأي الطرق يمكن تصديق هذا القول؟؟هل سنغدو مسلحين للقتال فقط لأن هؤلاء الناس زعموا أن العمل بحكم آيات الصبر والعفو قد انقضت مدته فنسِخ؟؟أم سيقولون أن ذلك يتعلق فقط بعهد الرسول عليه الصلاة والسلام وأننا غير معنيين بهذا الأمر؟ وفي هذه الحالة أيضا سنقع في شرك إعطاء مدة صلاحية معينة و محددة لكلام الله تعالى، ثم كيف يعقل أن ننتقي ما يعجبنا من أحكام القرآن للعمل به ونقول عن الباقي أنه منسوخ؟؟

- في المقابل نجد العديد من الآيات القرآنية التي تدل على وحدة القرآن الكريم وتطابق آياته مع بعضها وتنفي النسخ، ومن بين هذه الآيات/الأدلة نذكر قوله عز وجل: ﴿أفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ الآية 82-سورة النساء. فبمقتضى هذه الآية يخبرنا الله تعالى أن القرآن الكريم ليس فيه اختلاف كما هو جلي، في حين أن النسخ يقوم أساسا على مبدأ الاختلاف وإلا فلماذا يتم نسخ حكم لأجل إبداله بحكم آخر إن لم يختلف معه؟ والخطورة الكبرى والمؤلمة في تعارض فكرة "النسخ" مع هذه الآية هو أن النسخ بما هو اختلاف يقود إلى التشكيك في مصدرية القرآن ، لكن كون القرآن الكريم من عند الله عز وجل ينفي بصفة صريحة مسألة الناسخ والمنسوخ، و حتى إذا سلمنا بأن النسخ وارد فكيف سنتلقى قوله تعالى: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيد)الآية 29-سورة ق الذي هو أكبر دليل على انتفاء النسخ بما هو إبدال في الأصل.و من هنا يظهر أن النسخ مبدئيا ليس صحيحا مادام يتعارض مع الآيات المذكورة كما يتعارض مع العقل بصفة صريحة بالرغم مما قد يثيره إعمال العقل من استفزاز لدى أصحاب مقولة أن كل ما يمكن أن يقال قد قيل وأنه ليس لنا سوى حفظ آراء السابقين عن ظهر قلب، واستظهارها كلما استدعت الضرورة ذلك أما عقولنا التي وهبنا الله تعالى إياها فاستخدامها ليس من حقنا،إنه من حق من سبقنا فقط.

إن المجحف في الأمر هو اعتبار الخطابات السلفية سقفا يستحيل تجاوزه بالاجتهاد الذي دعا إليه القرآن الكريم في مواضع كثيرة والحال أن هذه الخطابات في حقيقة الأمر هي اجتهادات بشر، ما هي بمنزلة أبدا وكتاب الله ليس ناقصا ليكمله قول زيد أو عمرو ..فكفانا إذن من التقيد بالقراءات الحرفية وتقديسها فقط لقدمها الزمني ، كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم في الآية: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُون) الآية22- سورة الزخرف.

وغير خافٍ أننا اليوم في حاجة ملحة لقراءة النص الديني في إطار تحليلي نقدي بعيدا عن أي تعالٍ دوغمائي يجتر آراء ارتبطت بحقب وشخوص معينة ويستغل السطحيات لتمرير خطابات منافية للوحي وللعقل،كما يجدر بالذكر أن هناك جهود كبيرة لباحثين معاصرين في هذا المجال من أمثال الكاتب يوسف الصديق والباحث السوري الدكتور علي منصور الكيالي وغيرهم

ممن يعملون على استنباط معان جديدة من النص المقدس وتفكيك و إعادة بناء الدلالات المرتبطة به كما ينبغي وفق نظرة واقعية عقلانية تليق بجلالة النص .

 ياسر نحيل

باحث مغربي

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2826 المصادف: 2014-06-01 04:47:36