 تنوير وإصلاح

سلام عليكم سلاما (ردّاً على جريمة شارلي إيبدو)

إن العنف الذي يمارسه بعض المسلمين رداً على الاساءة للنبي وسائر المقدسات قد يوحي بأنه دفاع مشروع، وان الاسلام يؤيد هذا المنحى بقوة، لا سيما وقداسة النبي لا تضاهيها قداسة اخرى من خلق الله جميعاً .. قد تكون كل المؤشرات تعطي للانسان الغربي ان طبيعة هذا الدين يحمل عنفاً .. كما قد تكون كل المؤشرات توحي للانسان المسلم العادي ذات المعنى.. فالكثير من الفقهاء وهم يمثلون الجهة الرسمية للاسلام كانوا وما زالوا يصرحون بأن سبّ النبي يوجب القتل.. وهم يستنجدون ببعض الروايات الدالة على هذا المعنى .. وبعض المذاهب تزيد على ذلك الائمة من بعد النبي، كما ان بعض الفقهاء يبيح التكفير أو القتل لمن يتناول الصحابة أو نساء النبي بسوء .. مع ان هناك روايات اخرى ترى العكس، ومنها ما جاء في صحيحي البخاري ومسلم من ان رهطاً من اليهود دخلوا على النبي فقالوا (السام عليكم)، ففهمت ذلك السيدة عائشة، حيث معنى السام هو الموت، وردّت: عليكم السام واللعنة، لكن النبي لم يتقبل هذا الرد فقال: مهلاً يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله.

وفي جميع الاحوال قد يرى المراقب من اين يؤتى بشاهد موثوق مناقض للمؤشرات والمناحي التي أسسها الفقهاء وكان ينفذها شرذمة من الحمقى المتحمسين الذين جعلوا أنفسهم مطايا يوظفها ويستغلها اصحاب المناصب السياسية غربية كانت أو شرقية؟.. فحماقة شخص ما ثروة لآخرين، كما يقول الفيلسوف الانجليزي فرانسيس بيكون.

قد يتصور الانسان الغربي بأن من نفّذ جريمة باريس، ومن كان له استعداد للانتقام من المسيئين في ضاحية (فيبي جي) الدنماركية وغيرها من البلدان الاوروبية، هو من يمثل محمداً خير تمثيل دفاعاً عن شخصه المقدس.. انه الانتقام والعقاب الشديد القادم من أتباع دين الاسلام العنيف.

إن الانسان الغربي معذور اذ يرى أتباع محمد متحمسين للانتقام والعنف والغلظة دفاعاً عن مقدساتهم..

من جهة أخرى، إن أتباع محمد المنحازين للعنف يرون أنفسهم بأنهم مؤمنون ومتفانون ويطبقون حدود الله ولا يخافون في الله لومة لائم. فكيف لا يجسّدون بفعلهم المشار اليه مراد الشرع ومطلب الدين ورغبة النبي في قتل من يسيء اليه وبدينه، خاصة حينما تبدي الاساءة امعاناً في الكراهية والعنصرية والبذاءة.

إن الدين بنظر الانسان الغربي وبنظر الكثير من المسلمين المتدينين يرحب بالانتقام والعقاب الشديد كردّ على المزدرين. فهذه الصورة هي الراكزة اليوم لدى أذهان الكثير من الناس بشكل أو بآخر.

إن الجميع يرى كيف ان بعضاً من الشباب المتدين متحمس للأفعال الشنيعة، ويدعمه في هذا فتاوى الفقهاء، كما وهناك مؤسسات مالية تعمل على رفد هذه الجرائم دفاعاً عن المقدسات الاسلامية.. يضاف الى ان هناك من يتمناها أو يخطط لها من أصحاب القرارات السياسية لايجاد العذر والمبرر في القيام بالمخططات العسكرية، ومن ثم شنّ حرب عدوانية يذهب ضحيتها أعداد ضخمة من الأبرياء، مع تفتيت البلدان المعنية بهذا الشأن أو السيطرة عليها لتدفع فواتير الحساب المطلوب.

تبدي هذه الصورة بأن الجميع متآمر في سحق الناس، سواء من المتحمسين المدافعين عن المقدسات بالعنف والجريمة، ومن يقف وراءهم من المشرعين، أو من المسيئين ومن يعانقهم بركب الموجة من السياسيين والمخططين ذوي المصالح والاطماع.

ويبقى المنظار هو ان دين الاسلام هو المتهم الاكبر والضحية العظمى، فالغرب ينظر اليه بانه دين القتل والعنف والانتقام.. اذ لا يبالي بالجريمة لاتفه الاسباب، ومن ذلك الحكم بالموت على من يستهزئ بالرموز الدينية، أو من يختلف معه في الهوية ولو كان من الابرياء وحتى الاطفال.

ما ابشع هذا الدين.. انه دين القتل والخراب.. لا يتجاوز عن السيئة بل يرد عليها بما هو أسوء منها بكثير..

هذا ما يفهمه الانسان الغربي وهو يشاهد مشاهد تتكرر للعنف والقتل الوحشي بدواعي القداسة الدينية..

ويؤيد هذا التوجه التفكير المستشري لدى الكثير من الشباب المتحمس حول ضرورة الانتقام بكل من يمس الرموز الاسلامية بسوء.. كما ويؤيد هذا المنحى فتاوى الفقهاء التي هي البلية العظمى، باعتبارها المشرع الاساسي للدين بوعي وعلم..

يا إلهي.. أين الخطأ؟

هل الخطأ في الدين نفسه؟ أم الخطأ في توجه الكثير من المسلمين وعلى رأسهم الفقهاء.

وكيف نقطع في خطأ أي منهما؟

هل أصاب الفقهاء عندما صوروا لنا فضاعة العقاب لكل من ينال الرموز المقدسة الدينية؟ هل الدين يأمر بالقتل في حالة الاساءة الى شخص النبي أو الاستهزاء به أو بالقرآن مثلاً؟

أي مصدر يمكن ان نجد فيه ما يشفي غليلنا لحسم هذه القضية، لصالح الجناة القتلة المجرمين، أم لصالح المستهزئين ذوي الرسوم الكاريكاتيرية؟.. لصالح الشقيقين سعيد وشريف كواشي، أم لصالح شارلي إيبدو..؟

ليس من العجب ان نجد الجواب واضحاً جلياً لا غبار فيه لدى القرآن الكريم، لكن من العجب فعلاً ان نرى فتاوى الفقهاء وممارسات المسلمين على النقيض من الجواب القرآني تماماً.. وكأنهم لم يمروا بآياته الواضحة الصريحة بهذا الشأن.. كيف استساغ لهم ان يفتوا ويحكموا بقضايا كبيرة خلاف ما اتى به القرآن؟ كيف استساغوا ان يرجحوا ما جاء من رواية على دراية القرآن وهو المصدر الذي لم تمسه يد التحريف؟.. أم اننا نكتشف في القرآن أشياءاً لم يرها أسلافنا من قبل؟!..

يذكّرني هذا الحال بما شعر به بعض العلماء من الخجل حول بعض الدلالات الهامة في القرآن، اذ تنبّه اليها بفعل التأثر بالغرب ولم يلتفت اليها اسلافه من العلماء؛ رغم وضوح دلالتها في القرآن. فهذا ما حصل بداية القرن العشرين مع الشيخ حسين النائيني في الوسط الشيعي، ومن قبله وقريب من ذلك مع السيد رشيد رضا في الوسط السني.

إن الغربيين معذورون تماماً عندما يتصورون بأن طابع الاسلام يحمل عنفاً بدلالة ما يشير اليه علماؤه وما يفعله البعض من ممارسات شنيعة. لكن كيف نجد العذر للمسلمين.. والعلماء منهم على وجه الخصوص؟!..

ألم تمرْ عليهم أخلاقية هذه الآية العظيمة: ((وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)) (الفرقان: 63)

لست بصدد اخلاقية هؤلاء العباد الذين يمشون على الارض بسكينة ووقار والتي نكاد نفتقدها اليوم في عالمنا الاسلامي تقريباً.. وهي صفة لا تتناسب مع صفات الانتقام والعنف والكراهية والغلظة.. بل يكفي التأمل في الاجابة التي يردّون فيها على من يسيء اليهم ويستهزء بدينهم بالقول (سلاما). وهي ذات الاجابة الواردة في قوله تعالى: ((وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)) (القصص: 55).

فقد كانوا يتحلون بالصفح والحلم والسلام، وانهم لا يردون بالمثل، بل يقولون خيراً، ومنه قولهم (سلام عليكم).

وقد جاء في رواية حسّنها علماء الحديث ما يؤيد هذا المنحى، وهو ان رجلاً كان يسبّ أحداً من اصحاب النبي وهو يرد عليه في كل شتيمة: عليك السلام..

بل ان الآيات القرآنية لم تأمر بمقاطعة الذين أساءوا للنبي والدين والقرآن، شتماً واستهزاءاً، وربما وصل السب لمن أنزل القرآن كما يشير الى ذلك بعض المفسرين، انما أمرتْ بالإعراض عنهم حتى يخوضوا في حديث خارج دائرة الاساءة. وكما قال تعالى: ((وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ)) (النساء: 140)، والسورة مدنية وليست مكية.

ومثل ذلك قوله تعالى: ((وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) (الانعام: 68). وقد كان المشركون يؤذون النبي وينعتونه بأقذع الهجاء، ومنها قولهم إنه كذّاب وساحر ومجنون بنص القرآن الكريم، ومع ذلك لم يُعرف أنه بادلهم الرد والأذية، فهو كما وصفه القرآن: ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) (القلم: 4).

لا ينبغي للمسلم أن يبادل البذيء بالمثل، وإلا كان مثله بذيئاً، فإما أن يتجاهله ويعرض عنه، أو يردّ عليه بالخير والاحسان: سلام عليكم.. فهذه هي قاعدة القرآن المثلى في الحياة.

كم تمنيت أن يُرفع أمام كل اساءة للمقدس الديني شعار الرد القرآني: (سلام عليكم سلاما) وأن تكون أقمصة المسلمين مرصّعة بنقش هذا الشعار العظيم.

آه.. لو ان ذلك قد حصل من قبل، بدل الجرائم النكراء، لدخل الناس الى هذا الدين أفواجاً..

لذلك فنحن لا نستحق تمثيل الاسلام أو نمتّ اليه بصلة.. فقد فشلنا فشلاً ذريعاً ونحن نضرب بأخلاق القرآن عرض الحائط.. وكم اتمنى ان يلتزم بهذا الدين أناس طيبون من بيئة أخرى غير بيئتنا التي اعتراها الفرقة والظلم والفساد.

ونؤكد بأن الأعداء الحقيقيين للاسلام ليسوا جماعة صحيفة شارلي إيبدو، ولا سائر المزدرين من ذوي الاقلام والافلام والرسوم الكراكاتيرية، بل ان الأعداء الفعليين هم أتباعه المجرمون الذين خالفوا أخلاق القرآن ومثله وآدابه الانسانية. هم اولئك المشرعون للعنف والقتل.. هم اولئك المتحمسون للجرائم النكراء التي يندى لها الجبين وتُمارس بإسم المقدس الديني، وهم يدنسونه بحماقاتهم الدموية والعدوانية.. وكان الأَولى ان يُعرضوا على الاطباء النفسيين للكشف عن قلوبهم الميتة التي لم يستطع الاسلام احياءها.. لا سيما ان الكثير منهم قد يكون جديد عهد بالتدين وانه قبل تعرضه الى غسيل المخ كان يرتاد نوادي القمار وبيوت الدعارة وسائر البغي والفحشاء.

بلا شك ان الجرائم التي ترتكب بإسم المقدس تجعلنا نشعر بالأسى والحزن العميق، فهي جرائم لا تعرف الحدود، ولا تميز بين البريء والمسيء، فمثلما يُقتل الانسان لاساءته، فانه يُقتل ايضاً على الهوية بلا ذنب، كالذي حدث مع اهلنا الطيبين من المسيحيين والايزيديين بأيدي وحوش لا يُعرف لهم عرق ولا خُلق ولا دين.. إنهم شياطين الإنس الذين يظهرون في كل زمان ومكان، وفي كل بلد وملة ودين. اذ تُتخذ الجريمة ذات العنوان، وأول ضحاياها هو الدين نفسه. فهو المذبوح على يد المدنس بغير سكين.

حزننا الشديد لما يقوم به المعتوهون من جرائم بحق أي انسان وإن أساء الى مقدساتنا.. ويزداد أسفنا لما تتخذه تشريعات الدول المتحضرة من معايير مزدوجة حول حرية الرأي والتعبير، فمن العار والجريمة ان يهان ويُستفز ما يقارب ملياري انسان بنشر الكراهية والعنصرية بحجة حرية التعبير، فيما تُقيد حريات الرأي حول بعض الحوادث التاريخية واعتبارها حساسة؛ الى درجة ان يعاقب القانون على التشكيك في المسلمات المعتمدة حولها!

أشير أخيراً: لو كنت في موقف لا يُحسد عليه؛ بين المسيء للمقدسات بسياساته البذيئة، وبين هؤلاء القتلة من دون موقف ثالث، فسوف لا اتردد في أن أكون مع المسيء البذيء دون ان الطّخ يدي بقتل الناس جميعاً كما هو صريح القرآن الكريم لمن يقتل بغير نفس..

ألا لعنة الله على الظالمين من أي فئة كانوا.. ألا ان اكرمكم عند الله اتقاكم من أي فئة كانوا..

 

يحيى محمد

باحث ومفكر عراقي / بريطانيا

www.fahmaldin.com

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3061 المصادف: 2015-01-22 22:51:05