 تنوير وإصلاح

مأزق الإله الرسالي

ali almadanمن الأخطاء الشائعة في أذهان الكثير من المنتسبين للثقافة والفكر حصر أهمية "المسألة الدينية" في بعدها السياسي فقط، والتعالي عن الخوض في أبعادها المعرفية والفلسفية والروحية والاجتماعية والتاريخية.

وهذه ظاهرة يمكن تفسيرها بأكثر من عامل: فمن جانب كانت أحزاب ومؤسسات الإسلام السياسي قد "اختزلت" الدين، في مواجهات داخلية أو صرعات دولية، تتعلق بقضايا الحكم والسلطة ورفض الهيمنة الغربية. وأشاعت، وهي في غمرة تلك المواجهة، نسخاً بالية من الدين: طقوسية، استحواذية، متشددة.

ومن جانب آخر كان ضعف مؤسسات الدولة التعليمية قد أسهم في إنتاج أعداد هائلة من الخريجين، عديمي الخبرة بالدين وإشكالياته. وهو ما انعكس على مواقف هؤلاء الخريجين - وبينهم حملة شهادات عليا - من مجمل قضايا الدين وما يمت إليه بصلة، من تراث وفنون ومعرفة وتاريخ، فتوزعت بين ثقافة إيمانية تبسيطية ضيقة، وثقافة إقصائية سطحية.

لقد آن الأوان لتدشين انطلاقة جديدة في التعاطي مع المسألة الدينية، إنطلاقةٍ تختلف اختلافا جذريا عن كل أنماط العناية بالدين والتدين التي شهدناها في القرن العشرين. يفترض بنا - بعد قرن من التجارب الدينية المتناقضة - إيقاف هذا النزف الذي أضاع أجيال الأمة، ومزّق روحها، وأهدر كرامتها، وبدّد ثرواتها، وقذفها في متاهات الضياع والمفارقات. ولن يكون ذلك ما لم يتم إرساء مجموعة من التقاليد الرصينة في مقاربة الشأن الديني، ترفض الدوغمائية، والتوظيف الأيديولوجي، والاستغلال السياسي. يجب الكف عن النظر إلى الدين كارتكاس خلاصي أو هوية وهمية احترابية، والنظر إليه بواقعية منهجية نقدية، منفتحة ومرنة، غرضها فحصه كفلسفة وكقيم وكطقوس وكتشريعات. ودون ذلك سنبقى ندور في نفس الحلقة المفرغة التي ألفناها منذ قرون ..

نتساءل هذه الأيام: على ماذا تبرهن ردود الأفعال المستنكرة والمستهجنة التي اجتاحت الناس إثر الحرق الميلودرامي للطيار الأردني؟ على شيء واحد: تحول نفسي / قيمي مناقض لتاريخ متخيل مريح.

إن الإنسان أتفه من أن يقدر على التحايل على التاريخ .. ونعمة التجاهل لا تُعمِّر طويلا. من يريد أن يكون نقيَّاً، إنسانياً، وعقلانياً .. عليه أن يكفَّ عن أن يكون مهرِّجا. أكثر الناس نعيقاً بالحديث عن الفقه الإسلامي هذه الأيام أشدهم جهلا به وبتاريخه ومصادره ومذاهبه واصطلاحاته .. إلخ. إن الحرق حق ... أعني أنه وارد في جميع مذاهب المسلمين كافة .. ومن ينكر ذلك فهو جاهل. وإن من التميثل ما هو سائغ حق .. أعني أن هناك من يذهب إليه من الفقهاء عند جميع مذاهب المسلمين كافة .. ومن ينكر ذلك فهو جاهل. ولكن، من يُعلِّق مصير أمةٍ بأكملها على فردٍ واحدٍ منها، من يقول إن إنهيار المسلمين اليوم سببه تراث رجل واحد (ابن تيمية مثلاً) .. فهو ليس فقط جاهل، بل هو في ظلمات بعضها فوق بعض. أبلسة ابن تيمية (حتى داعش تفعل ذلك دون أن تعلم) لن تجدي نفعا في تلميع وجوهنا وتراثنا، ولن تجعل منا أحراراً شجعانا، تنويريين، سليمي الطوية، ناصعي البياض ... والدليل: أن يُمسَّ "متخلنا الشخصي المريح" بنقدٍ طفيفٍ حتى تتهاوى جميع تشدقاتنا البلورية.

لكل شيء تاريخ .. ومن لا يعترف بذلك سيرمى خارج التاريخ. ما لم نعترف أن ما اعتدنا على نعته بأنه حقيقة مطلقة، تشريع أصلح، إيمان أعمق، عقيدة أمتن .. عابر للأزمان والإنسان، ما هو إلا: جهد بشري نسبي مرتهن بالمستوى المعرفي والاجتماعي والتاريخي لعصر إنتاجه .. فسنبقى نكرر صعود خشبة المسرح لتمثيل دور واحد فقط، هو عبارة عن اضطراب: التحول النفسي / القيمي المناقض لتاريخ متخيل مريح. وإلا فإن لعبة شد الحبل في الموروث الروائي لا تنتهي أبدا!، وإشكالية (التوثيق / التأويل)، التي تنضوي داخلها أهم فصول قصة هذا الاضطراب، لن نجد لها حلاً. إذ من ضاق عليه نطاق التأويل خرج من مأزق النص بالطعن في سنده، ومن ضاق عليه نطاق التوثيق خرج من مأزق النص بالطعن في دلالته .. وهكذا دواليك!. كل مرة يعاد خلط الأوراق وترتيبها من جديد بحسب "مصالح الزمان والمكان" ... مصالح المذهب والملة.

طيب!! ومن يرفض إعادة خلطها كيف سيكون حاله؟ سيغادر اللعبة كما تفعل داعش! سييغادر التاريخ وإن طال الزمان.

من يشعر أن اللعبة باتت مملة ومفضوحة ومعرقلة للحياة عليه أن يحذر الإنجرار إلى إغواءاتها .. عليه رفض الإشكالية المشار إليها برمتها، والنظر إليها كإشكالية زائفة. أما آمال المصلحين (منذ محمد عبده وحتى محمد باقر الصدر) "السعيدة" بالخلاص، وإنتاج "نسخة توافقية"، فلم تعد تشكّل حلا مرضياً، بل إهدارا للوقت وتشتيتا للجهد وإضعافا للعقل. الإصلاح الحقيقي يكون بالعودة إلى أبده البدهيات، وأعمق المسلمات، وأشهر المصادرات، التي قام عليها وعينا الديني، ووضعها تحت مشرط التفكيك والنقد والهدم وإعادة البناء.

والبداية تكون مع "مفهوم الله"، ذروة السيادة العليا التي هي أُسّ الصراعات كلها التي يدعي المتنافسون الدينيون الإلتزام بإملاءاتها، وقيمها، ورسالتها. حين يتم تحييد هذا المفهوم، سوف تتداعى كل قطع الدمينو الهشة التي تتكئ عليه، ويظهر أن نشاط هؤلاء المتنافسين كان بدوافع أقل قداسة، وأكثر دناسة، مما يشيعون ويروجون.

لقد سبقتنا بعض الشعوب بهذه الخطوة، وأعادت توليد نسخ لهذا المفهوم لازال الجدل مستمرا حولها، من الإله الميكانيكي لديكارت، مرورا بالإله الطبيعي لبيكون وهيوم، والأخلاقي لكانت، والمطلق التاريخي لهيجل، وحتى الإله الاستلابي لفيورباخ، والتعددي/الوظائفي لوليم جيمس الذي يستلهمه أمثال جون هيك من المعاصرين ... إلخ. ومع كل مفهوم يعاد أيضا صياغة كل اللوازم التي تشتق في ضوء هذا المفهوم.

لقد سبق أن وجدت أمثال تلك المحاولات في تاريخنا الإسلامي، قام بها فلاسفة ومتصوفة، هي اليوم، في الغالب، مادة "تاريخية" تصلح للمقارنة، ولكنها أجهضت - أولا - بفضل تناقضاتها الداخلية؛ لأنها لم تتمتع بالوضوح المنهجي السليم في معالجة جميع أسئلة التراث المدعومة بالاجتماع والسياسة آنذاك، فمنيت بالمفارقات. ولأنها - ثانيا - عجزت عن مقاومة المفهوم النقدي المنافس لها المنتصر للرؤية الإيمانية "الرسالية" (ويمكن القول "السلفية" دون أن نقع في مأزق كبير) الذي مثَّله تراث ابن تيمية (وليست فتوى أبي الصلاح أو تهافت الغزالي) الهائل، كما عبرت عنه عشرات آلاف الصفحات التي خلّفها، وعلى رأسها كتابه المنعدم النظير في الأهمية والخطورة، أعني به كتاب "درء التعارض".

إن من المفارقات اللافتة أن أعمق محاولة نقدية معاصرة للأسس المعرفية للوعي الحديث عرفها تاريخنا الفكري المتأخر (محاولة محمد باقر الصدر في الأسس المنطقية للاستقراء)، قد انتهت إلى نفس النتائج التي أنتهت إليها أقدم وأهم محاولة مماثلة في تاريخنا القديم قبل سبعة قرون، وأقصد بها محاولة ابن تيمية في نقده المعرفي الشامل لأسس المنطق العقلي الأرسطي، والإلهيات، الفلسفية والصوفية على حد سواء، المؤسسة عليها. كلا المحاولتين الأهم والأذكى، في رأيي، في جهدنا العربي الإسلامي في المعرفيات، جاء انتصارا لمفهوم الإله "الرسالي". الإله ذي الصفات الخالقية والمالكية والربوبية والألوهية، التي تشتق منها كل المفاهيم الدينية الأخرى قاطبة، من معنى النبوة إلى اليوم الآخر، وكل ما يقع بينهما من إيمان وكفر وولاء وتصديق وطاعة ومعصية وهدى وضلال وسعادة وشقاوة ونجاة وهلاك ... إلخ، وبعبارة أخرى: كل متلازمات "المرسل والرسول والرسالة" (عنوان كتاب الصدر الأهم في الاعتقادات الذي أُنتج وفقا لأسسه المنطقية للأستقراء).

لعل البعض من الباحثين الهواة يرون أن هذه المقارنة (ابن تيمية / الصدر) محض مقارنة مفتعلة، ولكنني سوف أفصِّل هذه الإلماحة السريعة هنا في دراسة أوسع قادمة أوشك أن أفرغ منها. ولست أقصد هنا من هذه المقارنة إلا إثبات أن أهم جهدين معرفيين في تاريخنا الإسلامي، القديم والحديث، لم يكن بوسعهما التأسيس لنهضة حقيقية؛ لأنهما لم يرغبا أن يريا "مفهوم الله" بنحو آخر يختلف عما ورثاه. على أن ابن تيمية والصدر يشتركان في بعض مبررات انعدام الرؤية هذا، ويختلفان في بعض التفاصيل التي يجد كل واحد منهما فيها امتداداً "أصيلاً" للرؤية المذكورة، وتجسيدا حقيقيا لها. يشتركان - مثلا - في نفسانيات الطبيعة الإنسانية (افتقار الإنسان للمطلق)، واجتماعياته (التشريع هو الأكثر توافقا مع مصلحة الإنسان). ويختلفان في أن كل واحد منهما يفصّل هذا الافتقار والتوافق تبعا لإطاره المذهبي. إلا أن ما يجمعهما هو إنسداد "الأفق" بوجود حقيقة خارج ما يتصورانه من تلك المتلازمات، تضطرهما لإعادة النظر في مفاهيمهما الأساسية حول "الإله" والإنسان. أقول هذا مع علمي بتقاربها في النظر للواقع[2]، وما أحلَّاه من مكانة مهمة في نظريتهما المعرفية، إلا أنه "واقع" مفسَّر وموجَّه بمسلمات إيمانية مستقاة من "النص". ولهذا لم يكن بوسع هذا الواقع محاكمة النص بإعادة تفسيره، فضلا عن الحكم بتاريخيته. وهذا النمط من التفكير ليست مشكلته "منطقية / معرفية" فقط، بل و"نفسانية" أيضا، لأنه أصابنا بشرخ عميق، فصل فينا بين"الوعي" و"الواقع"، بين الخبرة والممارسة، وهذا نوع من "الفصام الفكري" للعقل يعجز المصاب به عن استشعار الأزمات بحجمها الحقيقي.

إن مداخل تحديث العقل والواقع العربي / الإسلامي، تعددت واختلفت، بتعدد المفكرين واختلافاتهم في الاختصاص والمناهج والرؤى والغايات، إلا أن إعادة الاعتبار للسؤال الديني تبقى من أهم مداخل تحديث "العقل" في المجتمعات التي تستلهم وعيها ومعاييرها وقيمها من الرؤى الدينية. إننا بحاجة لرسم تصور جديد عن "الله"، نعيد على ضوئه تفكيك كل المتلازمات القديمة الموروثة.

هذه أمنية تبدو هذه الأيام بعيدة المنال، ولكن الأماني هي ما يحفّز الإنسان لتغيير الواقع المحبط، وإلا ما كان له أن يعيش ..

أما نحن، فمن دون تلك الأماني، ما كان لنا أن نكتب هذه السطور.

 

.................

[1]كاتب عراقي متخصص في الفلسفة وعلم الكلام.

[2]قصر ابن تيمية القضايا البديهية الكلية على قضايا الرياضيات والهندسة وبعض القضايا الأولية، ولكنه منع أن تفيد معلوما "معينا" خارج الذهن بدون الاستعانة بالحس. أما القضايا الأخرى، فهي تستفاد كلها من الحس (والخبر)، والتعميم فيها يستند إلى قياس التمثيل في الأشباه والنظائر، وليس قياس الشمول المعتمد على مسلمة (الأكثري لا يكون اتفاقيا)، فهو ينكر المسلمة المذكورة من جهة، ويعتبر قياس الشمول تطويل بلا طائل من جهة أخرى. ومن هنا قال ابن تيمية أن الأمور الموجودة المحققة في الخارج تعلم: (بالحس الباطن والظاهر، وتعلم بالقياس التمثيلي، وتعلم بالقياس الذي ليس فيه قضية كلية ولا شمول ولا عموم، بل تكون الحدود الثلاثة فيه - الأصغر والأوسط والأكبر - أعيانا جزئية، والمقدمتان والنتيجة قضايا جزئية. وعلم هذه الأمور المعينة بهذه الطرق أصح وأوضح وأكمل) (مجموع الفتاوى: 9/ 75).

ولفهم وجهة نظر ابن تيمية في العلم بالمعين، الجزئي الخارجي بتعبير المناطقة، يجب التبيه على أن هذا "المتعين" لا يتجاوز حجمه، في أفضل الأحوال، العلم بالصناعات (نساجة وخياطة وحياكة ... إلخ)، ولا حديث هنا مطلقا عن "العلم" بمفهومه الحديث. أي أن الحس عند ابن تيمية لا ينظر إليه أكبر من كونه منتجا لـ"علوم = صناعات" (مفضولة مرجوحة) (مجموع الفتاوى: 19/ 233)، أو معرفة بموضوعات تفصيلية على غرار ما يجده الإنسان في حياته اليومية، أو في ما يحققه عند تطبيق حكم شرعي على موضوعه. ذلك لأن ابن تيمية يكرر في مواطن عديدة جدا أن طرق العلم ثلاثة، هي: الحس، والعقل، والخبر (درء: 1/ 369)، وهو يقصد بالأخير "الخبر النبوي" كما في نفس المصدر المتقدم، وفي غيره أيضا حين يقول: (الطرق العلمية، [هي]: البصر والنظر والخبر. الحس والعقل والوحي. الحس والقياس والنبوة) (الجواب الصحيح: 3/ 8). وهو يذهب إلى أن بالعقل تدرك الكليات، وبالحس تدرك المعينات. والأخير وإن كان "أتم وأكمل" كما يقول، ولكنَّ الخبر (يتناول الكليات والمعينات والشاهد والغائب، فهو أعم وأشمل) (درء: 7/ 324). أي أن التعميم والشمول يكون من النص أفضل منه عند غيره.

أما محمد باقر الصدر، فمن المعروف لدى من طالع كتابه "الأسس المنطقية للاستقراء" أنه لا يؤمن بما طرحه المنطق الأرسطي في قضاياه الست إلا ما يحتاجه في بديهيات الاحتمال، وإن جميع المعارف البشرية الأخرى مصدرها الخارج، أي أنها معارف استقرائية بعدية.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3077 المصادف: 2015-02-07 08:41:59