 تنوير وإصلاح

تجديد الخطاب الديني (1): عودة إلى الجذور

hyam muhiadinفي عصور الازدهار الحضاري للفكر الإسلامي، ظهرت مئات الآراء والرؤى في فهم النص الديني وتعددت مدارس الفكر ومذاهب الفقه كل منها يطرح فهمه للنص الديني من خلال قدرته الفكرية وثقافته الخاصة ولذلك تعددت المفاهيم والآراء رغم ثبات النص باختلاف بيئة ونشأة وثقافة ومعارف وشيوخ من تعرضوا لشرح وبيان المقصود الإلهي من عقائد الدين وعباداته ومبادئه التي وردت بالنص الديني في القرآن الكريم أو سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفعلية المتواترة أو روايات أحاديثه الشريفة وفى تلك العصور المزدهرة المتسمة بحرية الفكر واتساع ساحة الاجتهاد كان السائد هو احترام الرأي المخالف واحترام كل منهم لرؤى المختلفين معه والرد عليهم بالحجة والحكمة والموعظة الحسنة، وقد اشتهر عن الإمام الشافعي قوله: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأى غيري خطأ يحتمل الصواب ومن جاءنا بخير مما نقول أخذنا به، أما ما روى عن جريمة الزندقة والتي قتل بسببها بعض مشاهير عصور الازدهار فقد كانت تهمة سياسية ابتكرها الخلفاء للتخلص ممن يريدون الخلاص منهم لمجرد أنهم يتحدثون عن فلسفة ماني الاجتماعية ومزدك المجوسية وهما فيلسوفان فارسيان ظهرا قبل الإسلام بقرون ولم تكن أفكارهم دينا أو عقيدة، ولذلك لا أرى في هذه الروايات عن الزندقة اضطهاد دينيا أو إلزاما بفكر معين ففي رأيي انه تخلص سياسي من شخصيات خطرة على النظام، وحتى ما يسميه أهل الحديث والنقل بمحنة خلق القرآن في عصر المأمون وهو من أعلى عصور الازدهار الحضاري، فلم يكن الأمر بهذه الخطورة التي بالغ فيها أهل الحديث مبالغة شديدة فالمشكلة كلها لا تمس ثوابت الدين أو مكانة وعظمة وإعجاز القرآن الكريم سواء كان كلام الله الذاتي أو مخلوقاً معجزاً من مخلوقاته كالملائكة والبشر والسموات والأرض، ولكن المبالغة وتكفير المعتزلة الذين قالوا بخلق القرآن إنما جاءت مع بداية الانحدار الحضاري والفكري في عصر المتوكل والذي فقدت فيه دولة الخلافة العباسية قوتها ووحدتها وتحكم فيها الأتراك السلاجقة يقتلون الخلفاء ويسملون أعينهم ويولون من شاءوا ويعزلون من شاءوا وأصبح الخلفاء دمي يتلاعبون بها لا سلطة لهم ولا حكم، وكان من الضروري سياسياً في هذا العصر المظلم تكميم الأفواه وإغلاق أبواب التفكير الحر والاجتهاد وفرض رؤية واحدة للنص الديني وقصر التفكير الفقهي على ترديد أقوال السابقين وشرحها وبدأ علماء الحديث في بذل جهود ضخمة في جمع الحديث النبوي من أفواه الرواة ووضعوا علم مصطلح الحديث وظهرت كتب الصحاح الكبرى كالبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي لتعويض توقف الاجتهاد والتفكير بنصوص روايات الحديث باعتبارها تشريعا ملزما يغني عن التوسع في الاجتهاد الفكري في فهم النص الديني ويقيده في نفس الوقت ثم بالغوا في تقديس هذه الكتب لدرجة تكفير أي بحث عقلي فيما ورد فيها من أحاديث، وتحول الفكر الإسلامي إلى محاولة شرح ما كتبه السابقون ومتون على الشروح وشروح للشروح وتوقف الفكر الإبداعي تماماً بل وصل الأمر إلى ظهور شخصيات نالت قداسة عالية بترديدها لأقوال الأقدمين وتبريرها المزايدة عليها والتشدد في اتباعها وتكفير من يحاول تفنيدها أو التفكير النقدي فيها، بل ومعاقبة وحرق كتب من يبتكر منهجاً جديراً يعتمد منهجاً عقلياً أو نقدياً لما نقلوه وكتبوه مثلما حدث لكتب أبي الوليد بن رشد وظل الفكر الإسلامي يعيش داخل سجن هذه الموروثات التي أصبحت بعيدة تماما عن روح العصر حتى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين "القرن الرابع عشر الهجري" حين ظهر بعض المفكرين المستنيرين الذين حاولوا استعادة التفكير في النص الديني والمقصود الإلهي في ضوء تطور العصر ومعطيات العلم الحديث وتغير المجتمعات البشرية والثورات الفكرية والعلمية والتقنية مثل الإمام محمد عبده والدكتور طه حسين والشيخ على عبد الرازق والشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد أبو زهرة والشيخ محمد الغزالي وغيرهم والذين لاقوا اضطهاد ومعارضة عنيفة من المحافظين من الشيوخ التقليدين الذين قدسوا أقوال السابقين كأنها وحي منزل، وقد كتب لكتابات ودعوات التنوير الانتصار والنجاح والإقناع رغم ظهور جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 لأن الجماعة لم يكن من أهدافها تبني رؤية دينية سلفية كانت أو تنويرية بل كان هدفها الرئيسي سياسيا يتمثل في إنشاء جماعة تدين بالولاء والطاعة المطلقة لقائد فرد " المرشد العام " له من القداسة والمكانة ما يجعل أوامره فرضا دينيا واجب التنفيذ لذلك شقت حركة التنوير طريقها من مصر إلى الكثير من بلدان العالم العربي والعالم الإسلامي وحين ترجمت أفكارهم وكتبهم، التي تعرض الإسلام كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم عرضا يتسق مع الفكر المعاصر ويخاطب العقل الإنساني العام، ويبين إعلاء الإسلام لقيم الإخاء والمساواة والتسامح والصدق والأمانة والعدل والحرية عن طريق المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة إلى حوالي أربعين لغة في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، استطاعت إقناع الملايين في أوربا والولايات المتحدة باعتناق الإسلام، وكانت ظاهرة انتشار الإسلام بين الأوربيين والأمريكيين (خاصة الأمريكيون السود) إنذار لم ترض عن استمراره القوى الاستعمارية والإمبراطورية في أوربا وأمريكا، وأدركت هذه القوى أن هذا العرض المستنير القوى الحجة لحقائق الإسلام عقيدة وشريعة، عبادة وسلوكاً، فكـــــرا ووجـــداناً وروحانيـــة، لا يمكن وقف اعتناق شعوبهم له أو مقاومته، إلا من خلال تدميره من الدخل وتولت المخابرات الأمريكية والبريطانية الأمر واقترح الخطة وأشرف على تنفيذها عميل للمخابرات الأمريكية اسمه " جيمس أنجلتون " كان على علاقة وثيقة بالموساد الإسرائيلي وبيهود الاتحاد السوفيتي لتجنيدهم كجواسيس للولايات المتحدة وابتداء من عام 1961 بدأ جمع كتب علماء التنوير من كل مكتبات العالم ومنع دور النشر من إعادة طبعها وشراء أي نسخ جديدة تطبع في مصر وتخزينها أو إتلافها، ثم قامت المخابرات البريطانية بترجمة كتب أبي الأعلى المودودي المفكر الإسلامي الباكستاني والتي تتسم بفهم منغلق متطرف للعقيدة الإسلامية من لغة الأوردو الهندية إلى اللغة العربية وهربوها إلى المنظر الإخواني المعروف " سيد قطب " في سجنه في مصر فوجد فيها ضالته التي طال بحث جماعة الإخوان عنها لوضع برنامج سياسي للجماعة يقوم على تفسير متشدد للنص الديني يتسم بالعنصرية ويكفر كل من يعارضه، ويتخذ من توسيع نطاق العنف والإرهاب وسيلة لفرض رؤيتهم التي تكفر المجتمع والنظم السياسية والمجتمعية القائمة وتدعو إلى تغييرها بالعنف كما اتضح في كتابه " معالم في الطريق "، كما شجعوا ومولوا إعادة طبع كتب التراث التي كتب معظمها في عصور الضعف والتخلف الحضاري للأمة بأعداد كبيرة وساعدوا على اعتمادها وحدها كمرجعية دينية لا تناقش واستغلوا بنجاح شديد حرفية بعض المشايخ في فهم النص الديني " شيوخ الوهابية في الجزيرة العربية كمثال " في نشر فكر التعصب والتطرف والعنف ورفض الآخر، ونجحوا إلى حد كبير في عرض صورة منفرة للإسلام أبعدت عنه العقل الأوربي وقضت على فرص انتشاره، وحين انتشر هذا الفكر في العالمين العربي والإسلامي قاموا بتسليمه وتدريبه لاستخدامه في تحقيق أهدافهم الإمبراطورية في محاربة وإسقاط القوة العظمى المناوئة لهم من خلال المجاهدين الأفغان الذين تشكلت كتائبهم العسكرية من كل أنحاء العالم الإسلامي لمحاربة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان وكانوا سببا رئيسياً في تفككه وسقوطه، ورغم انقلابهم على صناعهم في سبتمبر 2001 فإن الولايات المتحدة، استمرت في استخدامهم والاعتماد عليهم في تحقيق مشروعاتهم الإمبراطورية للسيطرة على العالم، وهو ما حدث في ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن عام 2011، ولا يمكن القضاء على إرهاب هذه الجماعات إلا باستعادة الفكر الديني المستنير وإعادة تجديده من خلال رؤية عقلية معاصرة وتنقية التراث مما شابه من خرافات ومفاهيم تتسم باللاعقلانية والتسليم بمفاهيم منغلقة وتقديس أصحابها وتكفير من يناقشها أو يبحثها بمنهج نقد على أساس أنها اجتهادات بشر وليست وحيا إلهيا، وهذا ما سأحاول عضه في المقاولات القادمة سائلة الله الهداية والتوفيق وهو سبحانه من وراء القصد والهادي إلى الصراط المستقيم.

 

هيام محي الدين

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3195 المصادف: 2015-06-05 01:26:48