 تنوير وإصلاح

عشوائية دعاوى الوحدة بين المثقفين

سامح عسكر في حسابات بعض المتنورين يرون أنفسهم مجموعة واحدة بقدرات واحدة ، فلقد انتقدوا جميعا تراثهم الديني والاجتماعي ووقفوا على أسباب تخلف دولهم.. هنا ينتقل الذهن لمرحة أخرى وهي التفكير في اجتماع تلك القدرات في عمل واحد بمبدأ "قوة الاتحاد" ظانين منهم أن الاستنارة ستحدث بشكل سريع إذا تحقق هدفهم بالوحدة..

أرى أن هذه الرؤية يشوبها بعض القصور، وقد تحاورت عدة مرات بشأنها سواء في محاضراتي على أرض الواقع وفي اليوتيوب أو في المقالات، وموجز تلك الاعتراضات تتضمن مبدأ استحالة الوحدة على حُكم قيمي وهو "التنوير" فكلٍ منا يرى التنوير من زاويته الخاصة المحكومة بقدراته في العقل والمعلومة والنفس والجسم والمادة والإدارك، كلها عوامل تخلص افتراقنا لأحزاب ودول وشعوب مختلفة لا يمكن جمعهم تحت لواء واحد يسمى دولة الكون أو مجتمع الأرض مثلا، فلم يحدث ذلك من قبل وظني أنه لن يحدث في المستقبل ليس فقط للعقبات التي أشرنا إليها كعوامل افتراق ولكن لأن هذا المبدأ الوحدوي يتخيل حياة البشرية بدون شرور ويؤمن بأوهام تدفعه للاعتقاد بأن البشرية يمكنها أن تعيش حياتها بسلام دائما..

لقد انعكس ذلك على المستنيرين الذي أجملهم في أن الفرقة الطبيعية بينهم ليست في القدرات التي أشرنا إليها كالعقل والنفس والإدراك..إلخ، لكن أيضا في تطور الحالة التنويرية لكلٍ منهم، فهناك مجموعة نشأت في مجتمع مستنير وتشرّبت أفكاره وبالتالي لم تخض تجارب المتخلفين ونقدهم للمجتمعات، هؤلاء تقدموا في تنويرهم عن البقية بحيث هم يعيشون فعليا في زمن قادم مستقبلي لم ندركه بعد، ويؤثرون بالتبعية في الإعلام والصحافة والدول بحديث دائم عن المستقبل والخيال العلمي.

إنما هناك مجموعة أخرى لا زالت تكافح أجواء التخلف وتنقدها في محاولة منهم لتجاوز عقباته والانتقال لما بعد الاستنارة، وهؤلاء في رأيي لم يدركوا ما تفقهه المجموعة الأولى من تنوير بعد، وكلما تعرضوا لأحكام تلك المجموعة وقناعاتهم يُصدَموا في ما وصلت إليه من جرأة في الطرح وانسلاخ كلي من مجتمع البشرية الحديث الذي لا زالت أجواءه تنعم بمظاهرة تخلف واضحة في الجهل والحروب والأزمات ونشر قيم غير معرفية ولا منطقية قوامها المادة لا غير، وقد تأملت حديث زعيمة الديمقراطيين "نانسي بيلوسي" وهي تصف دعوة ترامب بسحب جنودهم من سوريا بأنها دعوة غير منطقية وغريبة في ظل دعوة نفس الرئيس لإرسال جنود إلى السعودية لحمايتها من إيران مقابل المال، وتتساءل بتعجب بمزيد من الدهشة كيف هذا القرار الذي يعرض جنودهم للخطر مقابل المال..!!

هنا الرئيس ترامب عند بيلوسي لا يفكر بعقلية المستقبل أو حقوق الإنسان أو مصالح أمريكا التي آمنت بها بيلوسي كزعيمة المعارضة الأمريكية، بل هو عندها يأتي من ماضٍ سحيق ما قبل التفكير المنطقي الأرسطي، أو بالأحرى ما قبل ظهور الفلسفة التحليلية وشمولية الأفكار التي كانت تسمح للبشرية بإجمال قناعاتها في أحكام نهائية دون تفصيل وتحليل علمي كما هو عليه العقل البشري الآن.

رأيي أن المجموعة التنويرية الثانية التي تخوض غمار النقد هي التي تقدم تضحيات وتقتحم أسوار وحواجز صعبة، فبرغم أن إدراكها لم يصل بعد لإدراك المجموعة الأولى إلا أنهم أقوى نفسا وأوسع من ناحية المعلومات التي يحتاجونها في ظل ذلك الصراع، ولو تأملنا التاريخ سنرى أن تلك المجموعة الثانية عندما وجدت في أوروبا عانت من ما يعاني منه تنويريي العرب والمسلمين حاليا، حتى بعد انقضاء جيلين أو ثلاثة يتطور ذلك التنوير الذي أسسوه ليصبح تنويرا منتميا للمجموعة الأولى بالضبط كما نصف شخصا ما أنه ولد وفي فمه "ملعقة من ذهب" كناية على وراثته للغنى والأموال والثراء الفاحش دون مجهود، مما يعني أن تنويريي المجموعة الأولى هم تطور طبيعي ونتاج عملي لتضحيات المجموعة الثانية من قبل، وبالتالي فكرة جمع المستنيرين على حزب واحد أو جماعة واحدة يجب أن تراعي ذلك الفارق عِوضا عن مراعاة أسباب الافتراق المذكورة في المقدمة.

ولأن التنويريين المناضلين والمكافحين هدفهم التغيير فيلزمهم تأثير وتواصل مع الجمهور، بالتالي ففكرة اجتماعهم في الغرف المغلقة أو الاكتفاء بحوارات النخبة لا يفيد ولا يقرب المسافات بينهم وبين الشخص العادي، بيد أنهم بحاجة ماسة للتواصل الشعبي لنشر الثقافة الجماهيرية والارتقاء بعقول الناس من نواحي النقد والأدب وخلافه، وهذا كان دور المسرح الشعبي في مخيلة اليسار إبان ظهورهم الأول وتبنيهم مبدأ الاستنارة الشعبية عن طريق الأدب، وقد لوحظ أن مفكري اليسار الذين انشغلوا بتلك الجزئية ظهروا كأدباء وشعراء وممثلين أنتجوا تنويرا شعبيا فرض حالة تقدمية في العالم أوائل القرن العشرين، وقد لاحظنا أن تلك الحالة التقدمية هي التي أنتجت بعد ذلك مستنيرين عرب كمحمد عبده والأفغاني من فئة رجال الدين، ثم طه حسين ونجيب محفوظ من فئة الأدباء، حتى في المذاهب الإسلامية شاع لأول مرة نقدا لأصولها على يد الشيخ "علي عبدالرازق" لينقض خلافة السنة، والشيخ "محمد حسين النائيني" لينقض إمامة الشيعة.

كانت الدول الإسلامية والعربية في تلك المرحلة لا تعتمد على نفسها في إقرار حالتها الثقافية، بل كانت متأثرة بقيم الاستعمار الفكرية التي تراعي الحالة التقدمية التي يعيشها العالم، وهذا سر من أسرار ضعف الأصوليين في تلك الحقبة، ولكن بعد التخلص من الاستعمار وسيادة روح ثورية على أسس قومية لم ينجح القوميون في سد الفراغ الثقافي الذي صنعته حكومات الاستعمار الليبرالية، فطأطأوا رؤوسهم أمام الأصوليين الذين انتشروا بدعوتهم منذ الستينات ، ولحفظ ماهية الاستعمار كعمل قبيح ترفضه الفطرة البشرية الحديثة أكتفي بالقول أن تقييم الاستعمار لا ينبغي فقط من حالته العسكرية والاقتصادية والسياسية التي ذقنا ويلاتها ودفعنا منها كشعوب شرق أوسطية ملايين الضحايا،ولكن ينبغي مناقشة حالته الثقافية التي أثرت على وعي وإداراك الشعوب إيجابا مما يلزمه الوقوف على الخلل بمناقشة واضحة إما تثبت ذلك أو تنفيه من حيث المبدأ، ثم تبحث في إمكانية استدعاء تلك الحالة الثقافية التقدمية مرة أخرى والاستفادة من تجارب وخبرات هذه الدول في بناء أنفسها.

ترجع أهمية الفصل بين المستنيريين من حيثية تطورهم الزمني هنا، في إمكانية الاستفادة من خبرات وتجارب الغرب وليس تقليدها كما يطالب بعض أنصاف المثقفين، فالحالة التنويرية الغربية أزعم أنها تعيش في معظمها إدراكا للمجموعة الأولى التي تطورت وأخذت حظها من الارتقاء، بالتالي فهي أقرب للمستقبل منا ..والواقع يشهد على ذلك أن كل جديد منذ 100 عام يأتي منهم، ونحن مهما تقدمنا وصنعنا لا ننتج ولا نكتشف مثلما يكتشفون مما يؤكد أنهم في طليعة الفكر التقدمي، هنا الاستفادة يجب أن تراعي ما قلته ببطلان دعوى الوحدة بين المستنيرين الآن، فالعمل القيمي الذي ينشده المستنيرون سيتوقف على أعتاب المادة والإنتاج والمستقبل الذي وصل إليه الأولون، ومنطقيا يستحيل الجمع بين ما وصل لأسرار المادة وبين الذين يزالون منشغلين بقضايا الميتافزيقيا ونقد التراث الديني وأفكار الجماعات من الناحية النظرية.

إن الحالة التنويرية الأولى أنتجت معتقدات "لاإكتراثية" نحو الأديان وبالتالي محاولة دفعها للوقوف خلف أو مع مستنيرين العرب هو جهل بالتطور التنويري اللاإكتراثي عند الغرب أصلا، فضلا عن تأثير هؤلاء اللاإكتراثيون فينا كشعوب شرق أوسطية وظهور تيار شبابي ونخبوي يفكر مثلهم بالضبط، وبحسبة بسيطة يمكن القول أن اللاإكترثية الغربية مع مبادئ وقيم البراجماتيين تجعل هدف البشرية الحالي هو "سهولة الحياه الاقتصادية دون متاعب" فقد اختفت صراعات الأحزاب والأيدلوجيات الآن من مجتمعات الغرب والتقدمية بشكل عام، وأصبحت الأولوية للاقتصاد مما أدى لما نشهده الآن من مظاهرات واحتجاجات في "السودان والأردن والعراق وليبيا وإيران وبيرو والمكسيك وبوتوريكو ومصر" دافعها الأساسي هو الاقتصاد والثورة على الفساد وطريقة توزيع الثروات.

أما نحن في الشرق الأوسط ما زلنا نعيش مخاض وآلام التخلص من سلبيات الماضي ونصفي حسابنا مع التاريخ العنصري والمذهبي للمسلمين بالذات، مما يجعل نشاط التنويريين في المجموعة الثانية مطلوبا بشدة لكونه الصخرة التي تتكسر عليها أحلام المتخلفين بالعودة والسيطرة، ورأيي أنه وبدلا من أن نطالب بوحدة المستنيرين الآن كما نعرفهم أن ندعم أي فكر تنويري من زاوية إنسانية تعددية، فنحترم كل الآراء التي تبحث عقليا في الموضوعات ونناقشها بموضوعية قدر الإمكان، سيساهم ذلك في الارتقاء والتحرر بشكل أسرع مما وصل إليه الأوربيون..خاصة إذا علمنا أن تنويريي أوروبا في السابق لم يحصلوا على حظوظنا اليوم في الاتصالات والبرمجيات المدهشة التي ساعدت في تسهيل التواصل بين المفكرين بشكل أيسر مما حصل عليه الأوروبيون.

ولنحفظ قاعدة التنوير الأولى التي وصل إليها السابقون أنه كل عقل ليس مؤهلا للتفكير بشكل صحيح، أو كما قال أفلاطون أن العلم ليس متاحا للعامة ولا يجب أن ينشغلوا به، وأن مطلب الثقافة الجماهيرية يجب أن يكون منصبا على نقد ورفض ظواهر التخلف التي عاشها الناس أصلا لا إشغالهم بحقائق زائفة لم يعيشوها ولا يعرفوها ولا تحوز على اهتمامهم بشكل مبدئي، وقد رأيت في مطالب بعض المستنيرين – كالدكتور مراد وهبة  - مطالب مجحفة وغير واقعية تتمثل بنشر الفلسفة بين الناس..وهذا غير ممكن، فالتفلسف في الأخير هو قدرات وإدراكات للخاصة يختلف عليها المثقفون ولا يدركها العوام كي يختلفوا فيها، مما يعني أن مطلب توحيد المفكرين هنا سيكون صدام مع المجتمع والشعب مثلما حصل في السابق مع رموز كهيباتيا وجاليليو وجوردانو برونو..وغيرهم

في الأخير: لا يوجد عاقل يرفض التنوير..حتى الكهنة والأصوليين يقولون نحن مع التنوير، ويجتهد كل منهم بطريقته، لكن الجهد الأول الذي يجب أن يُشغل المثقفين ليس النشاط التنويري فحسب ولكن وضع أسس وقواعد وغايات له لا يختلف عليها اثنان، أي هي تحوز على الرضا البدهي عند البشرية، وقد سبق قلت في أحد لقاءاتي التلفزيونية أن الأصوليين والمثقفين المسلمين – مثلا- يتفقون على ثلاثة أشياء هم "عدل الله الكلي – وعالمية الإسلام كدعوة أخلاق – وعدم عصمة غير الأنبياء مع تحديد كيفية العصمة" حتى في ظل هذا الاتفاق اختلفوا بشكل أصبح منهم إرهابيين ولادنيين بشكل متناقض، مما يعني أن الاتفاق على المبادئ ليس كافيا للوحدة بل مناقشة طرق كل فصيل وكل مجموعة وشخص لتصور تلك المبادئ، وهل يوجد في الحقيقة ما هو أعلى من مبدأ الاستنارة غير واضح ومكتوم لحسابات خاصة أم لا.

 

سامح عسكر

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

أيُّها التنويريّ الباسل

كيف لا وأنت من فُرْسانَ تجديد الخطاب الديني

الذي إبتكرهُ. العملاق الجهبذ المغوار المعلّم الملهم

الألمعي اللوذعي. العادل بطل الحرب و السلام

الزاهد. ( السيسي ). الذي يبني القصور. للنصرِ

القادم. والإنتصار .

وجدي سعيد لطفي الأبنودي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4795 المصادف: 2019-10-22 00:59:26