 تنوير وإصلاح

الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري (9): مكونات الوعي النسوي وارتهانات تشكيله

محمود محمد علينعود في هذا المقال التاسع ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: يعتقد البعض أن الفلسفة النسوية تقوم على وجود وجهة نظر خاصة بالمرأة، فهي تنظر إلى الاختلاف بين الجنسين، لا باعتباره اختلافاً بيولوجياً فحسب بل يتجاوز ذلك إلى المعاني ذات الصلة بعلاقات القوى بين الجنسين، والاختلاف من وجهة النظر النسوية لا يكون أبدا مبررا للقهر، ولذا ترى النسوية أن الهدف من الإطاحة بالمركزية الذكورية هو إثبات الأنوثة بجوار الذكورة وليس إحلال الأنوثة محلها، وتطوير المؤسسات التقليدية لرفع الظلم عن المرأة بما يحقق بنية حضارية أكثر تكاملا وأكثر عدلا، وإذ كانت النسوية توصف بأنها مقاومة للنظام الأبوي ونضال لإكساب المرأة المساواة في دنيا الثقافة التي يهيمن عليها الرجل إلا أنه لا يوجد حتى الآن مشروع نسوي متفق عليه... فما هي وجهة نظر الأستاذ الغرباوي في ذلك؟

ويجيبنا ماجد الغرباوي فيقول: من الطبيعي أن لا يكون هناك مشروع نسوي متفق عليه، فالمسألة غير محسومة، بسبب تعدد وجهات النظر، والأطر النظرية التي تحكمها، والجذر الفلسفي لكل منها. وثمة اختلاف حول قيم الحداثة: ما هي حدود حرية المرأة؟ وما هي حدود المساواة بينها وبين الرجل؟

- هل المساواة ناظرة إلى الجانب البيولوجي،  فتكون منقوصة الحرية والمساواة بحكم الفوارق البايولوجية. وليس في هذا ظلم لها، مادام الأمر خارجا عن الإرادة البشرية. وهي نظرة ذكورية، تستبد بالعقل التراثي، الذي يحتكم لروايات السلف فهم المرأة، وهي روايات تعاني  نرجسية ذكورية، تنتمي لقيم العبودية والمجتمع الأبوي، وماازل الفقه أو أغلبه يرتكز لها في فتاواه، وتنعكس على فهمه للآيات.

- أم أن المساواة ناظرة إلى البعد الوظيفي فيجب أن تكون عادلة تراعي المرأة وتكوينها النفسي والجسدي؟. وهذا فهم إنساني وديني (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ). يعترف بإنسانية المرأة كاملة إسوة بإنسانية الرجل، غير أن الاختلاف يفرض العدالة، وعدم إقحامها باسم المساواة بأعمال شاقة وفق قابلياتها الجسدية أو النفسية، أو إقحامها بأعمال تمتهن كرامتها، وتهدر إنسانيتها.

- أم أن العدالة ناظرة إلى البعد الإنساني، بعيدا عن الجانب الوظيفي؟. فهي كإنسانة بغض النظر عن الفوارق البايولوجية، يستلزم من وجودها مطلق الحرية والمساواة مع الرجل، لتواصل طريق الرقي من حيث وعي الذات واستقلاليتها وكمال إنسانيتها ومساواتها معه في الحقوق والواجبات، ومديات الحرية وغيرها. أي ارتهان تطورها بحريتها ومساوتها مطلقا. حرية ومساواة تامتان.

ثم من الإشكاليات المختلف حولها أيضا: هل نطيح بالأمومة لصالح المساواة أم يمكن تداركها عبر مؤسسات خاصة؟ وهل تعني المساواة إستغناء أحدهما عن الآخر بالضرورة، أم هذا تطرف وخروج عن الطبيعة البشرية؟ وهكذا أغلب قضايا النسوية المرتهنة للتقلبات النظرية، والتأثيرات الأيديولوجية. فلا يمكن الخلاص إلى مشروع نسوي واحد.

ثم يؤكد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: برأيي لا يمكن حسم الموضوع إلا من قبل المرأة نفسها، شريطة أن لا تنطلق من عقدة المظلومية والشعور بالنقص والدونية وتحدي الرجل وسلطته، رغم مشروعية مطالبها، ورغم الاعتراف بما لحق بها من قهر وتنكيل. يجب على المرأة أولا أن تعي ذاتها وإنسانيتها واستقلاليتها، وتعي حدودها، كي تتعاطى مع مطالبها تعاطٍ موضوعي، إنساني متوازن، يأخذ بنظر الاعتبار خصائصها الوظيفية والنفسية والجسدية، بحكم أنوثتها وتكوينها النفسي والفوارق البايولوجية، التي من ضمنها فارق القوى بينها وبين الرجل. وعدم هدر قيم الأمومة، التي هي حاجة نفسية واجتماعية. شرط أن لا تتحول العلاقة الزوجية والأسرية والأمومة حائلا أمام تطلعاتها. فهناك من يدعو لإقصاء الرجل بالسحاق والمثلية الجنسية والاستغناء عن الإنجاب بأطفال الأنابين، كشرط للتمركز حول الأنثى في مقابل التمركز حول الذكر، في المجتمعات الذكورية / الأبوية، الذي هو شرط لاستقلاليتها وتأكيد ذاتها. وهذا الاتجاه يريد إحلال الأنوثة محل الذكورة، وليس وجود الأنوثة إلى جنب الذكورة، فتعمل على إقصائه لعدم وجود ما يدعو للاحتفاظ به. وهذا تفكير خطير، يمزّق النسيج الاجتماعي، وينتهى إلى انقراض الإنسان على المدى البعيد. بإمكان المرأة أن تحقق المساواة العادلة. المساواة التي تأخذ بنظر الاعتبار وظيفتها الحياتية وخصائصها الجسدية والنفسية. المساوة التي تمنح المرأة حقها بما هي امرأة، لا تريد مصادرة الرجل، ولا تكون ندا له، بل علاقة متوازنة تفرضها الحياة المشتركة للنوع الإنساني. والسؤال يعزز هذا الكلام، حيث يقول: (أن الفلسفة النسوية تقوم على وجود وجهة نظر خاصة بالمرأة، فهي تنظر إلى الاختلاف بين الجنسين، لا باعتباره اختلافا بيولوجيا فحسب بل يتجاوز ذلك إلى المعاني ذات الصلة بعلاقات القوى بين الجنسين، والاختلاف من وجهة النظر النسوية لا يكون أبدا مبررا للقهر). وبالفعل لا يقف الاختلاف عند حدود الفوارق البيولوجية التي تفرض محدداتها أيضاً، بل ثمة اختلافات أخرى، هي سبب مركزيته، وتهميشه للمرأة. اختلافات تعود لتباين ميزان القوى. منطق ذكوري، يلوّح بعضلاته وقوته، وقدرته على القمع. وامرأة أنثى رقيقة، تفتقده في حالات ضعفها. وبالفعل أيضا أن الاختلاف بين الجنسين يبرر اضطهاد المرأة وقمعها، فما عادت القوى الجسدية مقياسا للتفاضل، وحل الآن العقل بفضل التطور التقني، وباتت المرأة تحتل مواقع متقدمة بعقلها وحكمتها، مواقع لا تحتاج لقوى جسدية بقدر حاجتها لقوى عقلية، ذكية، تتمكن من توظيف التقنيات الحديثة لخدمة البشرية.

فالنسوية وفقا لهذه الفلسفة كما يرى الأستاذ ماجد الغرباوي، تهدف إلى تأكيد ذاتها ووجودها، من خلال الإطاحة بالمركزية الذكورية. وليس إحلال الأنوثة محلها، فهي تعي قيمة ثنائية الرجل / المرأة، وعدم استغناء أحدهما عن الآخر. ولا تريد إحلال الأنوثة محلها. وهذا هو معنى المساواة الإنسانية، أي تهشيم مركزية الرجل، وتطوير مؤسسات تتعهد برفع الظلم عن المرأة بما يحقق بنية حضارية أكثر تكاملا وأكثر عدلا.

ويخلص الأستاذ ماجد الغرباوي إلي أنه: يمكن تعريف مفهوم النسوية - Feminism، وفقا لمفهوم الفلسفة المعاصرة، القائمة على النقد والعقلانية: (تحرير وعي المرأة وإعادة تشكيله وفق رؤية إنسانية عادلة، ليكون موضوعها: (نقد مكونات الوعي وارتهانات تشكيله).

وهنا لابد من أن أسأل سؤالاً باعتباري محاوراً للأستاذ ماجد الغرباوي، وهي إذا كانت النسوية في الفلسفة المعاصرة تقوم على النقد والعقلانية من خلال تحرير وعي المرأة وإعادة تشكيله وفق رؤية إنسانية عادلة، فهل النسوية في رأي الأستاذ ماجد الغرباوي تعني الاعتقاد أن المرأة لا تعامل على قدم المساواة في المجتمع الذي ينظم شؤونه ويحدد أولوياته حسب رؤية الرجل واهتماماته. وتتعدد نقاط النسوية بحسب تعدد تياراتها، فمن طلب المساواة بين الجنسين في الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إلى المساواة التامة على كل الأصعدة، وبعضها يدعو للتمركز حول الأنثى؟

وهنا يجيبنا ماجد الغرباوي بأنه لا يمكن ضمان مساواة مرضية للمرأة في ظل سلطة الرجل، وتفرّده بتنظيم شؤون المجتمع. المساواة الحقيقية تستدعي حضور المرأة على مسرح الحياة وتقرير مصيرها بنفسها، وهذه هي منطلقات النسوية التي تبلورت لاحقا، وعلى هذا الأساس بُذلت جهود كبيرة للتعريف بالمرأة ومنجزاتها وقوة حضورها كشخصية مستقلة. وهنا ستصطدم النسوية المسلمة بالمقدّس، المكوِّن الأساس لوعي الرجل، فثمة نصوص تكرّس سلطته، وتمنحه حق القوامة والتمادي حدَ الضرب، في مقابل نصوص تكرّس دونية المرأة مهما كانت عناوينها، حداً بات مجتمع النساء في بعض المناطق، تفتخر بتبعيتها وانقيادها وقبولها بتعدد الزوجات باعتبارها قضايا مقدسة، يجب التماهي معها، وحرمة التمرد عليها. وليس أمام النسوية المسلمة سوى تفكيك هذا التراث، والعودة إلى ركائز الكتاب الكريم القائمة على العدل والإنصاف وحقوق الإنسان العادلة، للتخلص من تبعة ثقافة ذكورية، استبدادية، تنتمي للبنية البطريركي، وعيا وثقافة، عبر قراءات نقدية تأخذ بنظر الاعتبار الظروف الزمانية والمكانية للأحكام الشرعية، ومدى فعلية موضوعاتها شرطا لفعلية أحكامها.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: النسوية لا تعني فقط الاعتقاد أن المرأة لا تعامل على قدم المساواة في المجتمع الذي ينظم شؤونه ويحدد أولوياته حسب رؤية الرجل واهتماماته. النسوية تعني ثمة شخصية مندثرة، ينبغي استعادتها، ومركزية إلى جانب مركزية الرجل يجب الاعتراف بها. يؤكده ذات التنوع الذي يكشف عن جذر إشكالي للمساواة، يرتبط بالمرجعيات الذكورية للمجتمع. وما لم يحصل انقلاب مفاهيم، ويعاد تشكيل وعي الرجل، لا يمكن انتشال المرأة من مفاهيم الدونية والنقص التكويني والحتمية البيولوجية، لتفادي الحلول المبتسرة، التي تريد الاكتفاء بمشاركة المرأة في الحياة العامة، دون استعادة وعيها وإنسانيتها. بل أعتقد لا يكفي حتى مجرد انتزاع اعتراف من الرجل بمساواتها، ما لم ترتكز تلك المفاهيم والمساواة لرؤية فكرية وفلسفية، تبعدها عن منطق المنّة والتكرّم والاستعلاء التكويني. من هنا طالما أكدت على أن تأخذ المرأة زمام الأمور، وتحدد مطلبها بنفسها، وكل ما يجري الآن، لولا جهود الحركة النسوية، هو تقديم رؤية ذكورية لمفاهيم الحرية والمساواة. فتكون متهمة بالتحيز، والاستعلاء، والتأصيل وفق نزعة ذكورية مهما كانت متعاطفة معها.

ولم يكتف الأستاذ لذلك بل يقول: لقد غادرت النسوية الفهم الأولي بحثا في أعماق بنية الوعي حتى وضعت يدها على جذر النظرة الدونية وأسبابها، التي تذهب بعضها إلى الحتمية البيولوجية، وأن المرأة خُلقت بشكل تتكيف مع وظيفتها داخل أسيجة الأسرة وأعرافها وقوانينها. وآخر يعتقد بالنقص التكويني للمرأة عقلا وحكمة، ويرفض التبريرات الثقافية. وبالتالي فثمة اختلاف جذري في فهم المساواة التي تطالب بها الاتجاهات النسوية، اختلافات قائمة على أسس فلسفية، لا تكتفي بالتفسيرات الظاهرية، وتسعى لملامسة جذر الإشكالية، لهذا تنوعت المطالبة بالمساواة بين الجنسين في الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إلى المساواة التامة على كل الأصعدة، وبعضها يدعو للتمركز حول الأنثى.

وبالتالي فإن عدم المساواة في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي ليس مبررا كافيا لانتشال المرأة من واقعها المرير، والمهم اكتشاف جذر الإشكالية والفلسفة التي تتستر خلفها. فثمة رؤية فكرية وفلسفية، وطبقات وعي ينبغي الحفر في أعماقها، لتحري ذاتيات وأعراض النفس البشرية، وترصد جميع الظروف التي كرّست دونية المرأة. وما المستويات الثلاثة للمطالبين بالمساواة إلا دليل على مستوى وعي الإشكالية. فمن يطالب بالمساواة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا يمكنه اتنزاع الوعي الذكوري، ما لم يتم معالجته جذريا عبر ثقافة مختلفة، تقوم على أسس إنسانية، تستبعد الحتمية البيولوجية. لقد توغلت النسوية الراديكالية عميقا، فاختارت التمركز حول الأنثى، على حساب مستقبل البشرية، والحياة المشتركة، ولو أنها اختارت حلولا أكثر ملائمة للمرأة، كما فعلت النسوية الراديكالية الثقافية، لما آلت الأمور إلى الاعتراف بزواج المثليين، وشرعنة السحاق والاجهاض، وغيرها من الظواهر السلبية والمضرة في الاجتماع البشري.

على النسوية العربية والإسلامية الاستفادة من التنظير الفكري والفلسفي لاتجاهات النسوية العالمية، واختيار ما يناسبها من حلول، وهي لا تعني الترقيع بين ثقافتين، فثمة اختلاف مرجعي يفرض نفسه. فالمساواة، كما أكدت سابقا لازم وجودي مثلها مثل الحرية، حدودهما حرية ومساواة الآخرين وفق للعقد الاجتماعي، غير أن المنطق الذكوري زحف عليها وصادرها. وعليها أن تكافح من أجل ثقافة أعمق لتفهّم إشكالية المرأة، وصياغة مفاهيم للحرية والمساواة وحقوق المرأة تأخذ بنظر الاعتبار البيئة الثقافية والاجتماعية، لا بمعنى أن تتعالى بسلطتها، وتستقل بمرجعياتها الفكرية والثقافية، بل ينبغي لها الآخذ بنظر الاعتبار الوضع الثقافي والبيئة الحاضنة له في  الجانب التطبيقي، من أجل عبور سهل للأزمة في ظل مجتمعات ذكورية أبوية. ويجب أن تكون الأخلاق وحقوق الإنسان معيارا لها، دون المجتمع الذكوري، والسلطة الأبوية التي تروم المرأة أنثى على مقاساتها. وبهذا نفهم أن جميع السياقات الثقافية للمجتمع يمكن العمل على تغييرها لصالح المرأة، من خلال نقد التراث والواقع..... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4862 المصادف: 2019-12-28 03:26:14