 تنوير وإصلاح

الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري (10): فلسفة النظام الأبوي في تربية المرأة

محمود محمد علينعود في هذا المقال العاشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: ما هو مفهوم النظام الأبوي وما مصدقاته؟ وماهي الأصول الفلسفية لتبعية المرأة في هذا النظام؟ وما فلسفة النظام الأبوي في تربية المرأة؟ وذلك من وجهة نظر الأستاذ انطلاقا من الأيدولوجية التي يتبناها؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: يقصد بالنظام الأبوي اصطلاحا، نظاما اجتماعيا عموديا، يقوم على سلطة الأب ويتقوّم بالتبعية والانقياد واستعباد المرأة. ومازالت قيمه تسري، ضمن الأنظمة المتذبذبة بين الحداثة وقيم الآباء. والنظام الأبوي وليد شرعي لقيم العبودية، التي ارتهنت وعي البشرية ردحا طويلا من الزمن.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لكن أسجل عليه عدم شموله لمصاديق أخرى للهيمنة، التي لها ذات السلطة الأبوية، فالتعريف ليس جامعا مانعا بالمفهوم المنطقي، لذا أفضّل تعريفه: "النظام الأبوي: نظام الهيمنة الفوقية والانقياد الطوعي"، الذي يتقوّم بكل انقياد غير مبرر يفضي للاستعباد. فيكون شاملا لسلطة الأب، بما فيها السلطات الدينية والسياسية والاجتماعية. وكل ما يرمز له الأب من تعالٍ سلطوي وفوقي. كما يشمل تعالي الفكرة، عندما تفرض سلطتها بفعل قدسيتها وتعاليها على النقد والمراجعة، فتقمع إرادة الفرد، وتفضي إلى استلاب الوعي حينما تتولى توجيهه وفقا لمرتكزاتها الأيديولوجية. واستلاب الوعي يحقق بدوره شرط صدقية النظام الأبوي / البطريريكي، عندما ينجح في تكوين قناعة نفسية وفلسفية، تبرر الانقياد. وبهذا الشرط يخرج المغلوب على أمره، والمضطر، من التعريف، ويكون قدر التمرّد الاغتراب، مهما كانت عقلانية ومبررات تمرده. ومصاديقه اجتماعيا: نظم العبودية والقَبلية ونظام العائلة الذي تتجلى فيه قيم هذا النظام من خلال سطوة الأب واستبداده ونفاد قراراته وصلاحياته المطلقة، التي تنتقل للذكر دون الأنثى، باعتبارها جزءا من متاعه، الشامل للثروات الزراعية والحيوانية وأدوات الإنتاج والإماء والعبيد. لذا يفهم الزواج انتقال المرأة من متاع ولي أمرها "الأب / الجد / الأخ، أو أي ذكر يتولى شؤونها"، إلى متاعه، فتدخل تحت تصرّفه، يمكنه استبدالها، أو الزواج عليها، وله حق ضربها وتأديبها فتخضع العلاقة لقيم الاستملاك والاستعباد، لتنتج لنا عبوديات تتجدد في مظاهرها.

ومصاديقه السياسية: أنظمة الحكم الاستبدادية والدكتاتورية والأنظمة الشمولية، وكل نظام ترتهن سيادته لإرادة شخص الحاكم.

ومصاديقه الدينية: كل مؤسسة تحكم باسم الإله، وترى لنفسها ولاية على الناس، وتتصرف وفقا لاجتهاداتها الشخصية، التي تغدو قوانينا وأنظمة وقرارات نافدة.

ومصاديقه العقدية والفكرية: كل أيديولوجيا تستوطن الوعي، وتصادر استقلاليته، بعد شلّ إرادته، من خلال ذات الفكرة، عندما تفرض هيمنتها، وتعاليها بفعل قدسيتها، ورثاثة وعي المتلقي، الذي يساهم بدوره في تحصين قداسة ثغورها، وحمايتها بالانقياد، والذّب عنها على حساب حريته. فالفكرة هنا تتمثل سلطة الأب، في هذا النظام.

وثمة نقطة مهمة تتعلق بالأصول الفلسفية للتبعية ، يقول عنها الأستاذ ماجد الغرباوي: اختلفت الآراء حول الأصول الفلسفية لتبعية المرأة في هذا النظام، وثمة تفسيرات لبدايتها، جميعها تكهنات، لعدم وجود حقائق تاريخية يمكن الاستناد لها، ولا يكفي ما كشفت عنه الآثار والأبحاث الأنثربولوجية وعلم الأجناس، وأغلبها قياس الماضي على النماذج البشرية البدائية في أستراليا والأمازون وغيرهما، فهي استنتاجات تخمينية واستقراءات ناقصة، وهذا سبب تعددها. فقد أوعز أنجلس في كتابه "أصل العائلة" اضطهاد المرأة  إلى الصراع الطبقي والملكية الفردية، فيكون العامل الاقتصادي وراء هذه الظاهرة، لذا يعوّل على الاشتراكية وزوال العائلة لتحرير المرأة. والحقيقة لا دليل على تفصيلات مرحلة الأمومة، وهل حقا كانت المرأة تفرّد بالإنتاج النافع باستثناء الإنجاب ، كي تكون إحدى طبقات الصراع. وأيضا لا دليل على أن الملكية الفردية كانت سببا وحيدا لاضطهاد المرأة. فأنجلس منقاد لقبلياته في تفسير ظاهرة اضطهاد المرأة. وينقل البحث من صفته العلمية، إلى تفسير أيديولوجي، لا يقارب الحقيقة. وكان الجنس المؤثر الوحيد لتفسير الاضطهاد لدى فرويد، وشعورها بالنقص التكويني أمام الأعضاء الذكرية للرجل، فالجنس يكرّس التبعية والاضطهاد. وهذا كسابقه لا يفسّر بشكل علمي ظاهرة اضطهاد المرأة، كما أن الواقع يؤكد حقائق تتقاطع مع رؤيته الجنسية. ثم كيف يفسّر فرويد الوضع في المجتمعات الاباحية، التي تتيح للمرأة ممارسة الجنس، حدا تتحرر من سطوته، وتفتح للمرأة خيارات كبيرة لتلبية رغباتها الجنسية، فيكون الإشباع سببا في تضاؤل قيمته، ولا ينقلب إلى عامل صراع اجتماعي. وبالتالي التركيز على الجنس عاملا وحيدا مؤثرا في حياة الفرد، دون العوامل الأخرى، يضع مصداقيته العلمية  موضع الشك. وأيضا التفسير النفسي الذي يوعز اضطهادها إلى موقف نفسي وموقف تاريخي من الذكر. وبشكل عام لا يمكن لنظرية العامل الواحد تفسير هذه الظاهرة، وكل عامل من العوامل المتقدمة يؤثر نسبيا لا مطلقا فلا مبرر للتعميم. بما فيها الرؤية الماركسية التي ترى أن الجنس يعكس وضعها الاقتصادي. وكذا رؤية سيمون دي بوفوار، التي تعتقد أن دافع السيطرة اضطر أحد الأطراف للتنازل أمام صاحب الامتياز، من أجل عيش مشترك، بعيدا عن العنف.

ثم يؤكد الأستاذ ماجد الغرباوي بأن:" جميع الآراء المتقدمة أهملت الجانب الإنساني في فهم العلاقة بينهما، ودوافع الرجل للسيطرة عليها. الرجل والمرأة كلاهما كائن بشري، له غرائزه وحاجاته الفطرية، وكلاهما يسعى لتأكيد الذات. وكل من المرأة والرجل تصارعهما قيم الخير والشر. الحب، البغض، الحسد، الأنانية، التضحية، الإيثار، وولع السيطرة... إلى غير ذلك. وهي ذاتها تشكل الخصائص الذاتية للإنسان، فثمة طبيعة خيّرة وأخرى شريرة. وهناك طبيعة جشعة في مقابل طبيعة قنوعة. ثم يأتي القلق المصيري الذي هو قلق وجودي، فيدفع باتجاه سلوك يتناسب مع حجمه. وهي باختصار مكونات الشخصية البشرية. وعندما نتوغل أعمق لتقصي حقيقة دافع اضطهاد المرأة من قبل الرجل، نجد أمامنا حب الذات الذي يصل حد الأنانية، ولو على حساب الآخر، رجلا كان أم امرأة، الحلقة الأضعف. لكن لا أجده سببا كافيا لتفسير الاضطهاد، وهناك سبب أعمق يتعلق بالطبيعة البشرية. وهذا يتطلب فهمَ العلاقة بينهما مع الأخذ بنظر الاعتبار خصائص النفس البشرية، وتجليات الروح الإنسانية التي تظلل علاقتهما، فقد عاشا معا وعمّرا الأرض معا، رغم مكابرات المنطق الذكوري. فأجد في "نرجسية الذكر" وصورة المرأة في وعيه، القائمة على ضعفها ونقصها التكويني، ما يبرر تفسير اضطهادها. إن مشكلة الذكر لا يفرق بين نوعين من الضعف، التكويني، الذي ينسبه لها ظلما وجهلا. وهناك ضعف يجلي البعد الأنثوي ويذكي رغبة الذكر فيها، ويعمّق روح المحبة، تجد فيه أسلوبا لتحريك روحه الإنسانية والتماهي معه. فجهله بها وبطبيعتها الأنثوية كان عاملا مؤثرا في تسلطه.

وبالتالي النرجسية في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي هي سبب طغيان الذكر، وتماديه، حينما يجد في المرأة تحديا لوجوده، وضعفه أمام قوة حضورها، باعتبارها مصدر وجوده فهي الأم. والطرف المنفعل في العملية الجنسية، فهي الزوجة. وشريكة حياته، فهي نده، حيث لا ند له سواها. مع هذه الحقائق ليس أمامه لصيانة نرجسيته، سوى ضبط إيقاع العلاقة على مبدأ الغلبة للقوة، في حياة تحكمها القوة وشرعة الغاب، يساعده على ذلك صورة الأنثى في وعيه، التي هي صورة مغلوطة، لكن يوجد ما يبررها، عندما يساء تفسير الضعف. فهو لا يفهم الضعف باعتباره لازما لوظيفتها النسائية، وعاطفة الأمومة، وجمال الأنثى الذي يتجلى عبر مشاعر إنسانية ورومانسية معبّرة: ابتسامة رقيقه، نظرة عاطفية حنونه، ميوعة وتغنج مقصود. أو الحنين لحضنه عندما يخفق قلبها شوقا، وتجد في حنانه ما يبدد مخاوفها، من وطأة الحياة ومصائبها، خاصة أن المعروف عن قلب المرأة لا ينشغل إلا بفرد واحد، يهمها رضاه، وإعجابه واهتمامه بها. غير أن الرجل يفسّر كل هذا تفسيرا تبريريا، ويرميها بالنقص التكويني، والضعف الوجودي، ويفرض عليها تبعيته. ويستغل هذه التبعية لإشباع نرجسيته التي تجرحها تحدياتها الوجودية، فيتحداها بتحدٍ أقوى، وهو منطق الوصايا والسيطرة ووجوب طاعتها وانقيادها له. المرأة ينتابها ضعف بحكم ما يطرأ عليها أيام طمثها وحملها وولادتها وهموم الأمومة التي يفترض عليها في أحيان كثيرة التضحية بمصالحها، لكنه لا يفهم طبيعتها البشرية، ويتشبث بتهمة النقص التكويني، ليبرر سلوكه الذكوري. ولكي يمعن في إذلالها يتهمها بالخطيئة الأولى، التي أخرجته من الجنة وأذلت كبريائه وغطرسته، ويصفها بالشهوانية التي يجب كبح جموحها، ويتخذ منها شماعة لجميع أخطائه، حيث لا تسمح له غطرسته الاعتراف بها أمامها، لتجعل منها نقطة ضعف يقوّي موقفها. والحقيقة لا فرق بين الرجل والمرأة في هذا المجال، وما توصف به المرأة يوصف به الرجل، لكنه منطق التبرير. وأما النوازع الإنسانية فواحدة، وقيم الخير والشر مغروسة في أعماقهما الإنسانية، لذا رغم اتهام الإنسان بالعنف تاريخيا، ولاستشهاده بقصة قتل قابيل لهابيل، غير أن روح التسامح دائما في مقابل العنف: (لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ). نفس طيبة مسالمة، في قبال نفس شريرة، متغطرسة.

وما يؤكد الدوافع النرجسية، التي تعني الغطرسة والتكبّر والتعالي في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي ، أنهما معا، يكافحان من أجل ديمومة الحياة، واستمرار النوع الإنساني. ولا يمكن لأحدهما التخلي عن الآخر، فضلا عن الاستغناء عنه. وكما تعامل المرأة الرجل بحنان وحب، وتفتخر بقوته وشخصيته، كذلك تفعل الروح الإنسانية في أعماق الرجل، رغم مكابرته وعدم اعترافه، لكنها حقيقة بشرية، فهو يحنو عليها ويحبها ويتفقدها، كلما اقتربت من روحه، ومن هذا المنطلق يبرر سلطويته، من باب رعايتها لا لأنها في صراع طبقي معه، ولا لأن الجنس هو سبب التوترات النفسية، ولا العوامل الاقتصادية، رغم أن كل هذا يؤثر على المزاج العام لكلاهما. لكن لا يتخلى أحدهما عن الآخر، وتجد الرجل يستميت في الدفاع عن أهله وزوجته. المشكلة حينما تشكل المرأة تحديا لذكوريته ونرجسيته وغروره من خلال ضعفه أمام ارتهانه لها. وهو ارتهان إنساني تتحكم به غرائزه البشرية، وكمالها وحكمتها وهي تمارس نشاطها أمام عينيه، وتارة يأخذ بكلامها ونصائحها دون الاعتراف لها بذلك. وهنا يأتي دور الأخلاق والدين، عندما يمنحان التضحية من خلال الأخلاق الحميدة معنى، تلين به عريكته، وتحد من سطوته. وهذ سر اختلاف تعامل الرجل مع النساء.

وعليه فحب الذات كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي ، تجلي فوقي لهذه النرجسية الغائرة في اللاشعور، وتفرضها قوته الجسدية وغروره وجشعه. وما ذكر من عوامل هي الأخرى تجليات لحب الذات. وتبقى النرجسية سببا أعمق، لذا يدفعه "قلق النرجسية" لاختباره في كل مرة يقع احتكاك بينه وبين المرأة، بل ويتصرف بدافع من هذا القلق عندما يستبيح عددا أكبر من النساء، أو يضطهدهن ويبخس أجورهن. فالمرأة أمام الرجل لا شعوريا تحدٍ مرير لنرجسيته وغطرسته. لا ينجو من ذلك حتى رجل المجتمعات الراقية، حينما تُجرح نرجسيته بتحديها من خلال قوة حضورها،  التي تشعره بالتضاؤل، فيثأر لنفسه بجرح مشاعرها. فشخصية الرجل مع المرأة مرتهن لنرجسيته التي هي جزء مقوّم لشخصيته. وإذا لم تكن من ذاتياته فهي من أخص خصائصه. فيصدق تعريفه: "الرجل كائن نرجسي"، بالحد أو الرسم. وقد فرض لنفسه حق الوصايا والتملك والتحكم بها. فكما تشكل المرِأة تحدٍ لنرجسيته هي أيضا جزءا من ملكيته، فيستشيط غضبا لمنازعته وتحديه وخيانته. ويقبل على مضض آراءها، عندما يجدها صائبة، ولا يعترف لها بفضل خوفا على تصدع نرجسيته، التي تستمد حقيقتها من قوته الجسدية وغروره وقدرته على اقتحام الطبيعة. في حين تعجز المرأة بحكم وظيفتها وتكوينها الأنثوي. وتشهد الحروب التي خاضتها المرأة عبر التاريخ، أن مساواتها مع الرجل حق بشري، وما نكوصها وضعفها إلا بسبب وظيفتها وما يترتب عليها من تعطيل لقدراتها. وهناك عوامل كثيرة لا تقل أهمية من العوامل التي ذكرتها الآراء المتقدمة، فمثلا كثرة النساء بسبب الحروب قلة الرجل، يعمد الرجل إلى إشباع رغباته بشراهة، ويراكم ثروته من خلال ضم الحريم لمتاعه.

وفيما يخص سؤال فلسفة النظام الأبوي في تربية المرأة فيقول الأستاذ ماجد الغرباوي:” بات واضحا أن صورة المرأة في وعي الرجل هي التي تحدد أساليب وطرق تربية المرأة، وفق مادة دراسية تعزز قيم العبودية، وتتناسب مع طبيعة العلاقة القائمة على التبعية والانقياد للذكر، وتكوين قناعة قائمة على الفضيلة والقيم الدينية والأخلاقية، وقيم المجتمع وعادته وتقاليده. لتكون طاعتها وانقيادها طاعة وانقيادا طوعيا، عن قناعة تامة باعتباره قدرها بحكم طبيعتها الأنثوية وتكوينها الجسدي. كما تحرص نرجسية الرجل وروح التسلط والاستبداد الثاوية في أعماقه، حجب المرأة عن كل مادة تربوية تفضي إلى تمردها على طاعة الرجل، لذا تأخر تعليمها وارتيادها المؤسسات التعليمية.

ثم يستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لقد تولى المنطق الذكوري القيمومة على شأن المرأة، واستعان بقيم الدين والقيم الاجتماعية لضبط سلوكها، وضمان طاعتها وعدم تمردها. فتجد التراث زاخرا بما يعمق روح التبعية المقدسة للرجل. وأعني بالقداسة صرامة عقوبة المرأة المتمردة على بيت الطاعة أو أي تابو يفرضه المنطق الذكوري، فتجد النصوص، بما فيها النصوص المقدسة، ترفد وعي المرأة بكل ما يقدس تبعيتها وانقيادها، حينما تفرض لطاعتها جزيل الثواب، وتعتبر تمردها وإن كان حقا خروجا على طاعة الدين، التي هي طاعة الرجل في هذه الحال. فيصبح الدين هو الرجل، والرجل هو الدين. ولهذا يهتم المجتمع الذكوري بتعليم المرأة ما يحفظ عفتها واعتكافها لخدمة زوجها وبيتها وأطفالها، ويبث روح الرعب من التمرد على طاعته ومخالفة أوامره.

إن رهانات الرجل أمام المرأة باتت محدودة في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي ، فتطور العلوم والتكنولوجيا والفتوحات العلمية والإلكترونية كما يقول، مهّدت لحضور أقوى، وأكثر فاعلية، وما عادت القوة العضلية عامل امتياز للرجل، وبات الرهان على العقل، وقدرة المرأة على التواصل مع تطور أدوات الإنتاج، واليوم بإمكان المرأة أن تمارس دور القيادة من خلال جهاز الحاسوب، وتشارك في أغلب الوظائف المجتمعية حينما تمتلك كفاءة العلم والمعرفة، ونجدها تسجل حضورا على أعلى المستويات، بعدما دحرت المنطق الذكوري بقوة حضورها وفاعليتها، واستعادت إنسانيتها وحريتها التي كبلتها عنجيهة الرجل، والمنطق الذكوري. فالرهان على العلم والمعرفة، سيضمن فتوحات أوسع للمرأة، وستفهم جيدا أن المساواة لا تعني دائما التساوي في كل شيء، وأن الفوارق، خاصة البيولوجية، تستدعي المساواة العادلة. ولا تعني المساواة أبدا اقحامها في مجالات مرهقة، من أجل إثبات صدقية المساواة، من خلال العمل اليومي.

ثم يؤكد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: وهكذا حررت الحداثة المرأة من رهاب الفقر والعوز وارتهان إرادة المرأِة التي تصل حد الإهانة والازدراء بكرامتها وحيثيتها، من أجل شريك يهين حيثيتها، وكرامة عائلتها، فتضطر لكظم غيظها وغضبها، من أجل الاحتفاظ به، وعدم الاضطرار لهدر مستقبلها في ظل ظروف قاهرة لا ترعى حرمة المرأة ومكانتها. والجدير بالذكر، والذي لا يمكن تجاهل دور التطور الحضاري وقيم الحداثة السياسية والثقافية، التي فتحت آفاق التطور النسوي، كما يقول ماجد الغرباوي، من خلال نظام ديمقراطي وقيم حضارية، تؤسس لاحترام العقل والعقلانية وعدم التمييز العنصري، وتشجع على التسامح والعيش المشترك. فثمة تحولات جذرية سبقت تحرر المرأة، ينبغي العمل عليها داخل مجتمعاتها، من أجل خلق رأي عام يتعاطف مع أهداف النسوية بوعي وتفهم، لإنسانيتها واحتراما لعقلها وعقلانيتها وحكمتها، وباب وجودها في أعلى هرم السلطة في عدد من الدول، تتمناها لبلدانها التي تعاني من الاستبداد والقهر والحرمان.

إن ما تقدم لا يعفي مسؤولية المرأة في إعانة الرجل على اضطهادها وتهميشها، كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي:عندما يخذلها الوعي في فهم سيكولوجيته وعقده النفسية، الناتجة عن طبيعة مسؤولياته، التي فرضت بعضها خصائصه الجسدية. وضجره من الحياة، ومواجهته المستمرة للطبيعة وكوارثها، التي تفرض عليه صرامة القيادة وعدم التراخي مع زوجته وعائلته، وقد تطرأ ظروف يتخلى عنهم مرغما، عندما تجتاحهم أهوال العواصف والفيضانات والزلازل، أو القحط والحرمان. المرأة، يهمها اهتمام الرجل بها، وحينما لا تتفهم ظروفه، تسيء فهمه، وقد تزل قدمها، بسبب تهورها. والمرأة تعيش هوس الاعجاب والثناء، لا تفهم ما يعتري الرجل من حالات نفسية، فتؤول سلوكه على الكراهية والملل والشعور بالنقص، وقد يفضي إلى فك الشراكة الزوجية....... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4863 المصادف: 2019-12-29 02:08:37