 تنوير وإصلاح

الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري (11): الغرباوي في مواجهة رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده

محمود محمد علينعود في هذا المقال الحادي عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نبرز موقف الأستاذ ماجد الغرباوي من الفلسفة النسوية عند كل من رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده .

ونبدأ بموقفه من رفاعة الطهطاوي حيث يقول الأستاذ الغرباوي: "تكمن قيمة الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي (1801 – 1873م) في جرأته، وتخطيه للممنوع والتابو الديني والاجتماعي وقدرة مشروعه على الصمود في زمن كان يعتبر الحديث عن المرأة تجاوزا للقيم الدينية والاجتماعية وهتكاً لحرمتها وشرفها. من هنا يُعد الطهطاوي رائد حركة تحرير المرأة، وأول من تبنى نهضتها، وتعليمها على قدم المساواة مع البنين. وأكد مشروعه عمليا بفتح مدرسة للبنات ثم مدرسة الألسن لنقل العلوم الغربية إلى اللغة العربية فور عودته إلى مصر قادما من فرنسا التي قصدها مرشدا دينيا مع البعثات الطلابية. وهو في  كل خطوة يقدم تفسيرا لها، ويبين أهدافها، وفوائدها، متخذا من الغرب / فرنسا  نموذجا له. لذا تناولت كتابته جميع النواحي، حتى قارن بين الرقص الغربي والشرقي، فراحت الأقلام تدينه بهتك حرمة الدين، واعتباره داعية تغريب، هدفه الفتك بالدين وتسميم الثقافة الإسلامية. ومازالت بعض الأقلام تنهش به.

يمكن تلخيص المشروع النسوي للشيخ رفاعة رافع الطهطاوي من خلال كتبه التي خص بها المرأة أو التي تضمنت قضاياها، كما يفهمها هو، والتي فرضها الواقع: تلخيص الإبريز في تلخيص باريز، مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية، المرشد الآمين للبنات والبنين:

1- فهم مختلف للدين وأحكام الشريعة يسمح للمرأة ارتياد المدارس والعمل واعادة النظر في مفهوم الحجاب والعلاقات الاجتماعية.

2- التربية والتعليم، حيث اعتبر التعليم شرطا لتطور وعي المرأة وانتشالها من الجهل والأمية، ومن ثم انفتاحها على القيم الحضارية. لذا عوّل كثيرا على تربيتها الأسرية، واعتبر التحاقها بالمدرسة فرضا واجبا. وما لم تتعلم المرأة يبقى التخلف نصيبها.

3- المساواة بين المرأة والرجل مساواة مطلقة على جميع المستويات. فهو لا يخشى عليها، ويثق بها، قياسا على المرأة الفرنسية. ويعتبر المساواة اعترافاً حقيقياً بإنسانيتها. ولا يجد ما يبرر عدم مساواتها به.

4- التأكيد على احترام المرأة وإنسانيتها، أسوة بالنساء الغربيات. وفي كلامه إدانة واضحة للقيم والعادات والتقاليد التي تتعامل مع المرأة بدونية، وهو السائد آنذاك. بل وفيه إدانة غير مباشرة لأحكام الفقهاء، ممن يتعاملون معها بدونية. ولم تهن الشريعة المرأة، وإنما أهانها التراث، والفهم المبتسر لآيات الأحكام.

ثم يؤكد الأستاذ الغرباوي يقول: في قمة الشجاعة أن يتكلم رجل دين مثل الشيخ رفاعة الطهطاوي بقضايا المرأة قبل مئتي سنة داخل مجتمع محافظ،، ويستفز شيوخ  الأزهر قبل غيرهم. ولا يخفى مستوى الوعي وثرائه، رغم قصر المدة التي قضاها في فرنسا، (6) سنوات. غير أننا أمام شخصية واعية، طموحة، بذر أول بذرة وعي بشأن المرأة وحقوقها. وعليه، لا يمكن التنكّر لجهود الشيخ الطهطاوي في مجال النسوية. وليس لدي اعتراض على مشروعه، خاصة استدلالاته بالآيات التي تتحدث عن السعة والرحمة، وما تلاها من روايات وأخبار، وتوظيفها لصالح مشروعه النسوي التربوي، لتفادي أي تقاطع معهما. و رغم حساسية موضوع الحجاب في المجتمعات المحافظة، لكنه تناوله من زاوية العفة، وبين حدود الحجاب في الكتاب والسنة. والحق أن الأصل عفة المرأة قبل حجابها، ومدى تمثلها للقيم الأخلاقية والدينية.

قد يبدو مشروع الشيخ بسيطا، ومطالبه عادية، وهذا خطأ في نظر الأستاذ الغرباوي، حيث ينبغي في نظره قراءة مشروعه ضمن ظرفه، وما هو المتاح والممكن آنذاك، فمستوى وعي الناس، لا يطيق تعليم المرأة فضلا عن عملها خارج المنزل، فكيف أقنعهم بأفكاره، وكيف نجحت مشاريعه التعليمية؟. ينبغي عدم مقارنة مشروعه فيما نحن فيه بعد قفزات وعي كبيرة. وينبغي لنا دمج أفكاره بعد تنقيحها، بما يتلاءم مع مشروع نسوي منتج، يقوم على العقل والقيم الإنسانية.

إن الهدف الأساس لخطابات الشيخ الطهطاوي كما يقول الأستاذ الغرباوي إقناع الناس بمشروعه، القاضي بفسح المجال لتنال المرأة حقها في التربية والتعليم والعمل، وتمارس حياتها أسوة بالرجل. ونخلص من كلامه أنه مع حرية مطلقة للمرأة، حينما تحدث عن الغناء وأسلوب تقديم المرأة وتقبيلها. أو من خلال إشادته لأعراف وتقاليد المجتمع الفرنسي، وإعجابه بالمرأة ومكانتها. كما أنه مع مساواة مطلقة، وقد سبق برأيه حتى المعاصرين من الفقهاء الواعين. لأنه يفهم المساواة بينهما: (هي مثله سواءً بسواء، أعضاؤها كأعضائه حاجتها كحاجته، وحواسها الظاهرة والباطنة كحواسه وصفاتها كصفاته حتى كادت أن تنتظم الأنثى في سلك الرجال). وبالتالي نستنتج، أن لها ما له من حقوق، على مستوى الحرية والمساواة. لكنني معه ما لم تمسا مقومات مجتمع الفضيلة، الذي أراهن عليه في مشروع المجتمع المدني، ودولة المؤسسات الحضارية، وأجد في قيم الفضيلة والأخلاق رهانا فعليا لاستقرار المجتمع، واستتباب السلم الأهلي. وهذا لا ينقص من حرية ومساواة المرأة التي هي لوازم لوجودها، وإنما يدخلان ضمن العقد الاجتماعي، أو الاجتماعي الديني. والذي يعني إلتزام بمفاد العقد، مادمت قد وافقت عليها ولو ضمنا. وبإمكان مغادرة المجتمع أو الدين للتخلص من إشراطاتهما. وينبغي التمييز بين الحرية والمساواة كقيم وجودية، ومن حيث الأصل، فهما لازمان لوجود المرأة والإنسان، لا تخضعان للجعل والحرمان. وبين الحرية والمساواة كممارسات اجتماعية، فتخضعان للمجتمع وسلطاته الأخلاقية. فثمة اختلاف بين الحرية والمساواة في بعديهما الوجودي والاجتماعي. بين المفهوم والممارسة.

ويستطرد الأستاذ الغرباوي فيقول: ولم يقدم الشيخ فلسفة أعمق لمبانيه ومنطلقاته الفكرية. كما لم يطوّر من أفق مشروعه على الصعيد الفقهي، ولم ينظّر لأحكام المرأة فقهيا وأصوليا، رغم معارضته للرأي الفقهي السائد حول تولى المرأة مناصب عليا، وقال بإمكانية توليها "الولاية الكبرى". فالشيخ استوحى من الحضارة الغربية نموذجها التطبيقي، وراح ينظّر لمشروعه في إطار دراساته الدينية. ولم يكرّس جهده لدراسة أسباب اضطهاد المرأة، وطبيعة وعيها لذاتها والآخر. فهو يعلم أنها مرتهنة لإرادة الذكر، لا يمكنها تقرير مصيرها بنفسها. لكن بشكل عام أشار إلى حقوق المرأة، كالحرية والمساواة، ووجوب احترامها وتعليمها وتربيتها، وهي قضايا أساسية.

وأما عن موقف الأستاذ الغرباوي من الشيخ محمد عبده ، حيث يقول  يمثّل محمد عبده مرحلة جديدة في تاريخ النسوية العربية – الإسلامية، بعد استيعابه وتأثره بالآراء الإصلاحية والنهضوية لأستاذه جمال الدين الأفغاني، ودراسته في الغرب، وعمله في لبنان، واطلاعه على المرأة ومسار النسوية. وهو فقيه ومجدد ومن رواد النهضة (1266هـ – 1323هـ / 1849م – 1905م). وقد عمل على مشروعه بجد وكتب رسالة التوحيد منهجا في التربية الإسلامية، ونشر في جريدة الوقائع مبشرا برؤى وأفكار، يواصل من خلالها مشروع الشيخ الطنطاوي، ويضيف له اجتهادته باعتباره فقيها معروفا. وساهم في إنشاء الجمعية الخيرية الإسلامية التي دشنت مشروعها بافتتاح أول مدرسة سنة (1878م).

ويستطرد الأستاذ الغرباوي فيقول: بدأ الشيخ محمد عبده مشروعه من داخل الفكر الإسلامي ومنظومة الفقه والأحكام الشرعية السائدة، حيث وجد في إصلاحها إنصافا للمرأة وقضاياها، خاصة أحكام الفقهاء المبنية على آراء اجتهادية وفق فهم شخصي للنصوص المقدسة، فراح يعيد النظر في تلك المسائل، كتعدد الزوجات، الحجاب، التربية، التعليم، حق المرأة في الطلاق. وكان هدفه لا يقف عند حدود شرعنة المسائل الفقهية  الخاصة بالمرأة، بل من يتابع كتابته يجد أن منهجه قائم على إعادة فهم النصوص وفق مقتضيات العصر وحاجاته. ودعا على هذا الصعيد إلى فتح باب الاجتهاد، واعادة فهم النصوص وفقا للمتغيرات الزمانية والمكانية، لمعرفة أثر الواقع على فهم النص، وطالب باعتماد فقه مقاصدي يتحرى مقاصد الشريعة في تشريع الأحكام، وأكد على ضرورة الانفتاح على المذاهب الإسلامية لتكوين رأي فقهي، يراعي عدم التشدد في الأحكام. وهو منهج متطور، ضمن مشروعه الإصلاحي. وقد خلص إلى آراء منفتحة حول قضايا المرأة، وطالب بالانفتاح على الحضارة الغربية، فـ(ليس في ديننا شيء ينافي المدنية المتفق على نفعها عند الأمم المرتقية)، كما يقول. وانتهى إلى رفضه لتعدد الزوجات، والحجاب السائد، قائلا: إن الشريعة لم تنص على الحجاب المتعارف عند المسلمين، وهذا يعني أنه عاد إلى ذات الأدلة، وهي النصوص التشريعية، وأعاد فهمها وقراءتها، ليستنبط منها آراء فقهية، ترتكز للسعة والرحمة ويسر الشريعة. وقد أكد كسابقه على التربية والتعليم، ورفض أن تبقى نصف الأمة أمية، ودعا إلى انتشال الفتيات، بالتربية والتعليم، لنضمن جيلا متعلما.

أما على صعيد المساواة، فيرى كما يقول الأستاذ الغرباوي: أن الإسلام لا يفرّق بين الرجل والمرأة من حيث الذّات والاحساس والشعور والعقل، فيمكن بالتالي وبناء عليه أن تتحقّق المساواة الكاملة بين الجنسين. وقد يفهم من هذه العبارة المساواة المطلقة بين المرأة والرجل، غير أنه في باب القوامة يعتقد أن الرئاسة يجب أن تكون للرجل، إذ أوجب الإسلام على المرأة شيئاً، وعلى الرجال أشياء. ولا نعرف ما هي حكمة الخالق بذلك. وعليه فالشيخ محمد عبده مع العدالة الناظرة إلى البعد البايولوجي في المرأة، الذي يستبطن دونيتها بشكل وآخر، مهما كان تبريرها، ولا يؤمن بالمساواة المطلقة، التي آمن بها سابقه الشيخ الطنطاوي. ولعله كان ناظرا للجانب الوظيفي في تبنيه العدالة دون المساواة المطلقة، لكنه لم يصرح بشكل واضح.

بهذا نفهم أن مشروع النسوية على يد الشيخ محمد عبده، قد حقق تقدما على صعيد التأصيل الفقهي، الذي ترتهن له أغلب الأحكام السائدة حول المرأة بل وأكثر المواقف الاجتماعية مستوحاة منه. وقد لامس بنجاح قضايا المرأة من زاوية تشريعية: كتعدد الزوجات والحجاب والقوامة وحرية التعليم والانفتاح.

ثم يؤكد الأستاذ الغرباوي فيقول: وهنا أيضا لم يتحدث الشيخ عن  فلسفة النسوية، ولم يعالج قضاياها جذريا، بل واصل مشروعه العملي، ليخطو خطوات سجلت فتحا جديدا لصالح المرأة، وهو شيء كبير قبل مئة وخمسين سنة. والسبب أن الشيخ عبده كغيره من الفقهاء يبقى مرتهنا للنص الشرعي، مهما كان مستوى اجتهاده، ولا يمكنه الخروج عليه، لأنه مرتبط بنسق عقدي، يحد من تفكيره. وأكتفى بإصلاح الفقه وأصوله، وتجديد النظر في منظومة العقائد الدينية، وامتدادتها على صعيد السيرة النبوية وسيرة الصحابة. وهذا هو الفارق بين الباحث المتحرر والباحث الديني. الأول حرّ، والثاني تحاصره قداسة النص وقلق المساس بها. وقد تحدثت في مناسبة سبقت، عن سلطة النص وإمكانية هدرها لصالح المقاصد الكبرى للدين وأهمها مركزية الإنسان. وهذا يعتمد على فهمٍ مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة. فهمٌ مؤسس على نظرية الخلافة، في مقابل نظرية العبودية. وهو ما أعمل عليه ضمن مشروعي الفكري.

ويستطرد الأستاذ الغرباوي فيقول: وبالتالي تلتقي بعض آرائي مع الشيخ محمد عبده حول المساواة، لكن بالفهم الذي تقدم، وأطالب بالمساواة العادلة لكن أيضا بذات الفهم. المساواة العادلة لا تعني مساواة ناقصة بفعل دونية المرأة أو تكوينها، فهي كمساواة الرجل، من لوازم وجود الإنسان، وإنما أقصد بالعدالة، العدالة الإنسانية، وعدم جواز إقحام المرأة بأعمال شاقة أو تمتهن كرامتها باسم المساواة. نعم ثمة خصائص ينبغي مراعاتها، وهذا صحيح لكنها ترتبط في الجانب الوظيفي لا بالجانب البايولوجي. لا يلزم من الاختلاف البايولوجي دونيتها وعدم مساواتها مع الرجل. وأما على الصعيد الفقهي، فإن المعالجات الفوقية لا تكفي، ما لم يعاد النظر بالنسق العقدي المألوف أولاً، وإحلال منظومة عقدية تستمد من فهم جديد للدين ودور الإنسان ومركزيته في الحياة. ثم فهم الهدف البعيد للتشريع، ومدى فعليته، للتحرر من سطوة الفقهاء والآراء الاجتهادية التي تجمد على حرفية النصوص، وتصرّ على إطلاقاتها الأحوالية الأزمانية، للاقتداء بالسلف والتراث. ومن هذه الناحية أختلف مع الشيخ محمد عبده في المنهج الفقهي وقيمة النصوص، ومدى إطلاقاتها. إن الحلول التي يقدمها الشيخ محمد عبده من داخل الشريعة، والتي هي تجديد في استنباط الأحكام، لا يقدم حلولا جذريا للمسألة النسوية. وتبقى جهوده في دائرة البناء الفوقي.

وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

مشاركات الشيخين محمد عبده و الطهطاوي تدخل في دامرة سياسية و معرفية . و تعبر عن مقدمات الحرب التي ادلعت على مستوى العالم و تورط فيها الاتراك ( الرجل المريض) ضد فرنسا ( وباريس هي مدينة النور كما يقال).
و لا شك ان انهيار العثمانية و صعود فرنسا كقوة عالمية و تحررية مؤثرة هو الذي لعب دوره في حسم الاتجاه.
و عليه ان ما ينسب للشيخين الجليلين هو جزء من معركة معرفية و سياسية اوسع.
هذا اذا لم نعترف اصلا ان الشيخ الطهطاوي مؤسس لادب الرحلا الحديث. وهو من طور رحلات ابن بطوطة و نقلها من المشاهدة و التدوين تلى المشاهدة و التحليل.
جهد ملحوظ من الثناىي الدكتور محمود و الاستاذ ماجد.
و اتمنى لو ان لهذا الجانب المعرفي دور اكبر من مشروعهما عن النسوية.
اما الجانب التكنولوجي و لغة الجسد و وشم المرأة و علاقة ذلك بمفهوم الحرية مرورا بالألم. فهو موضوع مركب. و ينتقل من النسوية الى فلسفة النانو و يخرج بنا لمدارات اخرى ربما تحتاج لوقفة في مكان اخر و في مساحة اخرى.
و شكرا.

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4864 المصادف: 2019-12-30 02:48:59