 تنوير وإصلاح

الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري (13): المرأة واللاندسكيب

محمود محمد علينعود في هذا المقال الثالث عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: يري البعض أن دراسات الأنوثة تنطلق من الفرضية القائلة بأن المرأة عضو فاعل في المجتمع، غير أنها لا تحصل على حقوقها المفترضة، ولذا سعت المرأة بأن تقوم بتغيير مظهر سطح الأرض وتعديله (اللاندسكيب Landscape) بطريقة تختلف عن طريقة الرجل، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في مكونات اللاندسكيب تبعا للطريقة التي تم فيها إعادة بنائه أو تعديله، ولذا اضطر الجغرافيون من باحثي الأنوثة إلى القول بأن مفهوم النوع يتغير بتغير الزمان والمكان،  وهذا الأمر الذي يستدعي إعادة تعريفه وتقصي طرق بنائه، والتعريف الاجتماعي له والذي يختلف تبعا لهذه الفلسفة عن التعريف البيولوجي له.. فما رأي الأستاذ في هذا الأمر؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: يشتمل السؤال على مقدمات، ينبغي تحري صدقيتها، وأين نتفق أو نختلف معها، للتوفر على نتيجة موضوعية. المقدمة الأولى: (المرأة عضو فاعل في المجتمع). وهذا لا غبار عليه. ولا يمكن لأحد إنكاره إلا من كان ظالما لنفسه، معتدٍ أثيم. بل ليس في الكون سواهما. وهما يقتسمان مصيرا واحدا، وحياة مشتركة. أحدهما يكمّل الآخر، ولا يمكن الاستغناء عن بعضهما. ويكفي أدوار المرأة في الأمومة، وخدمة العائلة، ومشاركتها له في كثير من الأعمال. فضلا عن مسيرتها الحياتية في جميع المجالات. وتاريخها ومنجزاتها تشهد لمسيرتها. وهي مسيرة تاريخية. فالمرأة مضطهدة، مهضومة، وهذا معنى المقدمة الثاني: (غير أنها لا تحصل على حقوقها المفترضة). بفعل النظام الأبوي الذي يهمّش الأنوثة، ويمجّد الذكورة، بدوافع نرجسية واستعلاء جنسي. وقهر لتحديها الوجودي، المتمثل بتوقف وجوده على وجودها. مما حدى بها بعد مسيرة طويلة من المعاناة، استعادة شخصيتها من خلال المطالبة بحقوقها وانتزاع اعتراف إنساني بها.

(ولذا سعت المرأة بأن تقوم بتغيير مظهر سطح الأرض وتعديله (اللاندسكيب Landscape بطريقة تختلف عن طريقة الرجل). وهي المقدمة الثالثة.

ويراد باللاندسكيب، "المظهر الحضاري لسطح الأرض". والمقدمة تضمر شكوى مريرة من الاقصاء والاضطهاد، حداً غدا المظهر الحضاري لسطح الأرض اللاندسكيب حكرا على الرجل دونها، بينما الفعل الحضاري فعل مشترك، مدين للمرأة والرجل، لولا مصادرته لجهودها. حتى في الحالات التي يتفرّد فيها الرجل وهي الغالبية في جميع أنحاء العالم، تكون المرأة شريكة له في العمل والانتاج والبناء العلمي والحضاري. وذلك أن الرجل لا يمكنه إنجاز كل ما أنجزه مع حجم متاعب الحياة وتداعيات الأعمال، لولا وجود كائن يتوارى خلف جبروته وطغيانه. كائن بشري، يتولى حزمة أعمال يوميا تتوقف عليها مواصلة حياته واستمرار منجزاته، وأمنه النفسي واستقراره. فإذا لم يكن للمرأة إنجاز مباشر من خلال منجز فعلي، نظري أو تطبيقي، فهي شريكته بهذا المعنى. وهو معنى يتم إقصاؤه وتهميشه بفعل المنطق الذكوري. غير أن استعادة حقوقها المهضومة من وجهة نظر الجغرافيا النسوية (يتطلب إعادة النظر في مكونات اللاندسكيب، تبعا للطريقة التي تم فيها إعادة بنائه أو تعديله). أي إعادة النظر في الوجه الحضاري لسطح الأرض، ومكوناته التي هي مشاهد عمرانية وإنجازات بشرية، لتقصي آثار المنجز النسوي من جهة، والتعرّف على الكيفية التي احتكر فيها الذكر اللاندسكيب، وعندما تضع يدها على جذر الإشكالية يمكنها تغيير زاوية النظر، بعد تقويم ثنائية النوع / الجندر. فثمة مهمتان إذاً، رصد الجهد النسوي في المشهد الحضاري. وإعادة بناء اللاندسكيب، وزاوية النظر، لتفادي طغيان الذكورة على الأنوثة. حيث أدمنت زاوية النظر تذكير المنجز الحضاري من وحي مركزية الرجل، وهامشية المرأة، حداً تلتبس الحقيقة وتتوارى جهودها، بفعل المنطق الذكوري، وسيادة قيم البطريركية. وهذا ظلم وقهر لها. وبشكل أوضح ثمة مقولات أساسية تستوطن المرجعيات الذكورية، ينبغي نقدها وإعادة تشكيل وعي إنساني بدلا من الوعي الذكوري، الذي أدمن إقصاء الأنثى. بشكل يسمح له نفسيا بتقبّل وجود منجزاتها إلى جانب منجزاته، والاعتراف بالحقيقة كاملة حينما تستقل هي بمنجزها. والأكثر حينما تتفوق عليه، دون مصادرة جهودها أو الالتفاف عليها. فضلا عن الاعتراف بالمنجزات المشتركة. مما يعني نقد الوعي الذكوري ليكف عن تبادر مركزية الذكر وتهميش المرأة في تقيم المنجز الحضاري. ويسمح له بلحظة تأمل لمعرفة حقائق الأمور. والكف عن سؤال  "مَن هو صاحب هذا المنجز"؟ إلى "مَن صاحبه؟، لتتساوى النسبة بين "مَن هو صاحبه"؟ و"مَن هي صاحبته"؟!!!. إن الواقع التاريخي، ولو في القرون الأخيرة، يشهد أن الذكر لا يحتكر الإنجاز، وهناك أنثى تبدع بشكل مباشر أو غير مباشر. وعليه هناك مبادئ ومقولات وأطر ثقافية تتوارى خلف الخطاب، ينبغي نقدها وإعادة تشكيلها. وهذا ما تقصده عبارة: (يتطلب إعادة النظر في مكونات اللاندسكيب، تبعا للطريقة التي تم فيها إعادة بنائه أو تعديله). فاعادة النظر ممكنة فقط بالنقد والمراجعة، وتأسيس وعي إنساني، يقصي مركزية الذكر وهامشية الأنثى، ويعيد تشكيل الوعي على أساس وحدة الهوية الإنسانية: أنثى أو ذكر. وشراكة المنجز الحضاري، وتقاسم المصير البشري. نعم الأعمال الشاقة يتفرّد بها الرجل، لكن كيف يمكنه ذلك ما لم تكن خلفه امرأة، تدبّر شؤون حياته، خاصة المنزلية منها، وما يحتاجه من سعادة ودفء لمواصلة أعماله؟. وأما في عالم اليوم. عالم تقنية المعلومات، فالحاجة لها ربما أشد وأكبر. لست مع تأنيث أو تذكير المنجز، لكن يجب التنويه بمنجز المرأة، لتغيير نظرة المجتمع عنها.

وبالتالي، فثمة منجزات تخص المرأة، تم تهميشها وفق النظرة الذكورية كما يري الأستاذ، واستعادتها تتطلب أولا إعادة تشكيل الوعي الذكوري، واستبداله بوعي إنساني، يهدر ثنائياته الصلبة، من أجل الحقيقة الموضوعية ورد الاعتبار للمرأة. وثانيا فرز الإنجاز الأنثوي والتعريف به وبتاريخه. بل ويضيف الأستاذ فيقول: ينبغي أن يعي العقل الجمعي الدور اللامباشر للمرأة في منجزات الرجل كما تقدم بيانه. غير أن قيم العبودية والنظام الأبوي سادت مفاصل التاريخ، بما في ذلك تاريخ الرسالات السماوية، فلم تأخذ المرأة دورها الحقيقي. وكل ما حصلت عليه إنصافها ماديا، وانتشالها جزئيا من النظرة الدونية. أو شرعنة جزء من دونيتها. لكنها على الصعيد العملي لم تتول، ما يؤكد ثقة الرجل بها، خارج حدود أدوارها: الأسرة وما يتعلق بها، من خدمات عبودية فُرضت عليها. خاصة منظومة القيم والقوانين العرفية، التي تبجل الذكر، وتمتهن الأنثى، يظهر ذلك جليا من طريقة الخطاب، وكيفية تعاملها وانصياعها للزوج، وأسلوب تأديب الأطفال على طاعة الذكورة دون الأنوثة، مما يكشف عن وجود مرجعيات ذكورية راسخة، تستمد المرأة منها مشاعر الدونية البايلولوجية.

ثم يستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: "وعلى هذا الصعيد قامت النسوية بأرشفة منجزات النساء، بعد تقصي التاريخ، ومساءلة العقل الذكوري عن تهميشاته المتعمدة لمنجزات النساء عبر التاريخ. وقد صدرت كتب وموسوعة بذلك. حيث أكدت الكشوفات الأرشيفية حضور المرأة في المجالات كلها: الفن، الموسيقا، المسرح، علم النفس، العلاج النفساني، الاقتصاد، واقتصاد المرأة، الذي هو علم حديث، التعليم، الدارسات والبحوث الأكاديمية، النقد الأدبي، الفلسفة، الطب، مختلف العلوم الإنسانية والعلمية، وأخيرا الفضاء. وهدف ذلك، كما تقول يمنى طريف: "لتثبت الرؤية النسوية التي جرى تهميشها طويلًا، وفعاليتها وجدواها". وليس هدفها التنافس أو التناد مع الرجل. وقد تطور موضوع الجغرافيا النسوية من دراسة المرأة في الجغرافية / المكان، ومدى تأثرها به، إلى تحري دورها في بناء اللاندسكيب. لذا في هذا السياق (تركز "الجغرافية النسوية" على تقصي أثر النوع، والخلفية الثقافية والاجتماعية للإنسان في تشكيل وعي المكان.

وفي ضوء هذه المقدمات يؤكد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: (اضطر الجغرافيون من باحثي الأنوثة إلى القول بأن مفهوم النوع يتغير بتغير الزمان والمكان، الأمر الذي يستدعي إعادة تعريفه وتقصي طرق بنائه، والتعريف الاجتماعي له والذي يختلف تبعا لهذه الفلسفة عن التعريف البيولوجي). كما جاء في السؤال.

إن من أساسيات الجغرافيا النسوية في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي دراسة العلاقة بين النوع / الجندر Gender، ومظهر الأرض / اللاندسكيب، وتقصي أثر النوع، والخلفية الثقافية والاجتماعية للإنسان في تشكيل اللاندسكيب. وما هي طبيعة الجغرافيا التي ينتجها؟. إن مهمة الجندر نقد وتحليل النظرية التي تعتقد أن الفوارق الاجتماعية بينهما، تم تزويرها لتعزيز السلطة الأبوية، وخلق قناعة لدى المرأة بأدوارها المحصورة بالأمومة والمنزل. فالجندر / النوع يرصد ما يتوقعه منهما اجتماعيا من أدوار وسلوك، مع رصد أثر البيئة على بناء النوع، وثنائياته، المتحيزة للذكورة: "قوة الرجل / ضعف المرأة". "حكمته / عاطفيتها". فإعادة تشكيل "النوع / الجندر"، إعادة وعي المرأة لإنسانيتها، بعيدا عن مشاعر الدونية البايولوجية. فالجندر ينظر إلى ما هو أبعد من الحقوق المادية. أو ما هو أبعد من البناء الفوقي للحقوق والواجبات، ليلامس جذر الإشكالية، المتمثل باستعادة وعي المرأة، وتحريره من مشاعر الدونية بفعل العوامل البايولوجية. وهو شعور موروث بفعل البيئة الاجتماعية والمهيمن الثقافي المضمر. فالمرأة والرجل خُلقا من نفس واحدة، وحقيقة واحدة، ولهما ذات المشتركات الإنسانية، ولا يختلف عقل المرأة عن عقل الرجل، إذا لم تتفوق عليه، حينما يتاح لها المجال. فليست المرأة أقل إنسانية، ولا أقل عقلا، ولا أقل حكمة. ينبغي لها أن تعي هذا جيدا، وتنطلق من هذا المنطلق للمطالبة بحقوقها. فإحدى مهام الجندر: تأسيس وعي مختلف، يستعيد إنسانية المرأة بعيداً عن الدونية البايولوجية. ويساعدها على وعي ذاتها وعلاقتها بالآخر، ويمكنها من الوقوف إلى جنبه بثقة عالية. لكن للأسف نجد أن شعار النسوية السائد في بلادنا هو استعادة حقوق المرأة، دون المساس بدونيتها، باعتبارها قضية خارجة عن إرادتنا. فيسود التسامح الشكلي، منّة وتفضل من الذكر على الأنثى، وليس اعترافا حقيقيا بلوازم وجودها: الحرية والمساواة المطلقة. إن شرعنة دونية المرأة والاعتراف بنقصها البايولوجي، وعي ساذج رث، أنتجته نظم معرفية تنتمي لقيم النظام الأبوي البطريركي.

ولا شك أن النوع بهذا المفهوم كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي يتغير من بيئة وثقافة إلى بيئة وثقافة أخرى، لكن تبقى إنسانية المرأة قضية مركزية. ولا يخفى أثر المكان في وعي المرأة، فليس المكان سوى ثقافة، عادات وتقاليد ومفاهيم أخلاقية وعرفية. ولكل بيئة من البيئات الجغرافية أنساقها الثقافية، ومهيمنها الذي يتولى بناء الوعي. فالبيئة الدينية ضمن مكان محدد تؤثر في فهم أسباب الظواهر الاجتماعية، وتقدم لها تفسيرا دينيا وغيبيا، بينما يختلف الأمر مع تهميش الدين في بيئة ثانية. فالبيئة الأولى قد تشرعن دونية المرأة دينيا، بفعل خطابَي الترغيب والترهيب. غير أن الأمر سيختلف عندما نُرجع تلك الثنائيات للنظام البطريركي. فالأولى يصعب معالجتها، إلا بفهم متجدد للدين ودور الإنسان، بينما يمكن للثاني إعادة تشكيل تلك الثنائيات من خلال مكافحة قيم الاستبداد والنظام الأبوي، وإعادة بنائها على أسس إنسانية، وهذا ما تطمح له الجغرافيا النسوية. وبالتالي  فثنائيات النوع / الجندر ترتهن للبيئة والثقافة، وتختلف من مكان لآخر، مما يسهّل إعادة تشكيلها.

بشكل عام الجغرافيا النسوية تسعى في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي لاستعادة المرأة الإنسان إلى جوار الرجل الإنسان، من خلال البراهين والحجج ووضعه أمام الأمر الواقع، لانتزاع اعتراف إنساني، يتجلى في وعيه وسلوكه وثقافته.

والملاحظ أن النسوية كما يري الأستاذ ماجد الغرباوي تنطلق من بيئة الرجل الأبيض وغطرستها، وقيادته للحروب العدوانية ضد الشعوب، والسبب الرئيس وراء الاستعمار وإزهاق الأرواح، وما يترتب عليها من تداعيات نفسية وسلوكية واقتصادية. فينبغي للنسويات العرب إسلاميات، الأخذ بنظر الاعتبار الواقعين العربي والإسلامي، والتعامل مع الوافد النسوي بروح النقد والمراجعة، وتحليل كل الفرضيات. فمثلا، لا على سبيل الحصر. تجد المرأة العربية والمسلمة تتمتع بحقوقها، حينما تستبد الأخلاق في سلوك الرجل، ويلتزم بأحكام الشريعة، التي لا تُلزم المرأة بأي عمل أسري، باستثناء حق معاشرة زوجها. ولها حق المطالبة على ما زاد من خدماتها الأسرية وتربية الأطفال، إضافة لنفقتها كاملة عليه. وهذا يؤكد ما يحول دون تفسير بعض المفاهيم كالقيمومة والضرب على المعنى الحقيقي لها، وينبغي حملها على المعاني المجازي، بما يتوافق مع مبادئ الدين والقيم الإسلامية. وهذا ليس تبريرا بل لأن اللغة الدينية عموما لغة رمزية، تتجلى معانيها ضمن الأطر الفكرية والعقيدية. ومسيرة النسوية الحديثة لا تتوقف على إلغاء الدين، بل يمكن توظيفه لصالحها من خلال وعي مغير لنصوصه، خاصة وأن المرأة العرب إسلامية تعيش في بيئة مسكونة بالدين والغيب، بل ويشكلان هويتها.... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4866 المصادف: 2020-01-01 03:34:56