 تنوير وإصلاح

الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري (14): الأبعاد السياسية في العلاقات بين الجنسين

محمود محمد علينعود في هذا المقال الرابع عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ فنقول: هل النسوية نظرية ذات بعد سياسي يؤكد على أن للدولة وللسياسات العامة وللمؤسسات تأثيرا على العلاقات بين الجنسين، وبالتالي هناك فارق بيولوجي طبيعي بين الجنسين؟.

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لا شك بوجود فارق بيولوجي بين الجنسين، لكن هل يلزم من الفارق البيولوجي:

- تفاوت القدرات العقلية والقيمة الإنسانية حداً يقتضي مركزية الرجل ودونية المرأة، وهو ما تؤكده منظومة القيم الأبوية؟.

- أو هل يلزم من الفارق البيولوجي تبرير صلابة ورسوخ ثنائية الجنسين، وعدم هدرها. والتمركز حول الأنثى في مقابل التمركز حول الذكر، والسعي لإحلال الأنوثة محل الذكورة، وهو ما تتبناه النسوية الراديكالية المتطرفة؟.

فالنظرية المشار لها في السؤال وليدة النسوية الراديكالية المتطرفة، حيث تستدل لتأكيد رؤيتها، بتأثير الدولة ومؤسساتها وسياساتها على العلاقات بين الجنسين، حينما تتحيز للذكر دون الأنثى. ولا يخفى حجم التطرف في هذه النظرية وهي تصر على الفصل بين الجنسين، لكن لا ينكر دور الدولة وتحيزها للذكر دون الأنثى في دوائر القرار، وإدارة مؤسساتها.

ويؤكد ماجد الغرباوي: إن ما يبرر هذا الكلام سيادة النظام الأبوي وقيم الاستبداد جميع مفاصل الحياة، وما حصل في الـ(50 - 100) سنة الأخيرة تحوّل فرضته تداعيات الحروب والكوارث الطبيعية، ونقص الكادر الإداري والمهني، مع تزايد دوائر الدولة. ولما اخترقت المرأة، بكفاءاتها وقوة حضورها، المؤسسات التعليمية والمهنية، فرضت نفسها، وغدت رقما صعبا وأمرا واقعا، تعاملت معها الحكومات بجدية، واضطرت إلى تعديل بعض القوانين، وسن قوانين إضافية، لاستيعاب وجودها، ودمجه ضمن الأنظمة المرعية.

وعليه، فإن تفرّد الرجل بجميع مفاصل الدولة، وخططها وسياساتها في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي، يكرّس الوعي الذكوري ومركزية الرجل، فينعكس سلبا على المرأة، ويؤكد دونيتها عملا. إذ لا معنى آخر لإقصائها عن دوائر ومؤسسات الدولة، فضلا عن دوائر القرار، سوى الشك بحكمتها وقدراتها العقلية والإدارية والقيادية. مما يخلق لديها عقدة نفسية من أنثوتها التي تخسر بسببها حق المشاركة في الحياة العامة. وهذا بحد ذاته يخلق حاجزا بين الجنسين، يوحي بمسؤولية العامل البيولوجي، وراء دونيتها، مما يبرّئ ساحة الرجل. فثمة تعالٍ ذكوري يؤمن بنقص المرأة وافتقارها للحكمة والتدبير السليم، وضعف إرادتها، وغلبة عواطفها على عقلها. ليعطي لنفسه حق تحديد وظيفتها، وحصر أدوارها بالأسرة وتدبير المنزل، كإجراء ملائم لشخصيتها البيولوجية، التي تتسم بالدونية.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: والأمر أخطر بالنسبة للقضايا السياسية، حينما تحرم من حق الترشيح والانتخاب. ويتفرّد الرجل بالمناصب العليا، واحتكار سنّ وتشريع القوانين والأنظمة واتخاذ القرارات، التي تعكس رغبته وموقه من المرأة، وتعبّر عن وعي الرجل للمرأة ودورها في الحياة. فمثلا، كان "جيمس مل"، والد "جون ستيوارت مل"،  ينكر في كتابه "مقال عن الحكم" حاجة النساء والطبقة العاملة إلى حقِّ التصويت الانتخابي؛ معللا ذلك: (لأن مصالحهن مدرجة مع مصالح أزواجهن ومصالح الطبقة العاملة مدرجة مع مصالح أصحاب العمل، فالرجل هو المسؤول عن مصير المرأة). وهو اعتراف صريح بدونيتها وتبعيتها، لتأصيل حرمانها من حقوقها السياسية. وقياسا على هذا فإن الدولة الذكورية تنتج خطابها المنحاز لمركزية الذكر، وتكرّس ثقافة الفوارق البيولوجية بين الجنسين. غير أن ولده الفيلسوف "ستيوارت مل" كان نصيرا للمرأة وحقوقها بامتياز. وقد رفض بشدة تبعية أحدهما للآخر قانونيا. وطالب بمساواة كاملة تسمح باستقلالهما، بعيدا عن الهيمنة الذكورية. وليس للرجل وفقا لـ "ستيوارت" أي حق قانوني يسمح بتحكّمه بمصير المرأة. ولازم كلامه رفض القيم الذكورية، وسيادة المساواة التامة. ثم بشكل تدريجي وبعد نضال مرير استعادة النسوية مكانتها، ورسخت وجودها الفعلي، من خلال قوة حضورها على الصعيد السياسي أيضا. لكن هذا لا يبرر الراديكالية المتطرفة التي تروم تفكيك المجتمع، وإلغاء المرجعية الإنسانية المقوّمة للشراكة الحياتية، ووحدة المصير الإنساني.

تبقى ملاحظة يؤكد عليها الأستاذ ماجد الغرباوي وهي: أن التأكيد على وجود فارق بيولوجي طبيعي بين الجنسين مرده لعقدة الذكر من الأنثى، ومعاناته المريرة من تحديها الوجودي، وهي مشاعر نرجسية مطموره في أعماقه، تتحرك لا شعوريا، وتنعكس على مواقفه وقراراته. ويصدق أنها نتاج سلطة فوقية، الأعم من سلطة الدولة والنظام الأبوي، لتشمل سلطة النص والتراث والعقل الذكوري. وهي قناعة سائدة قديما، ونظرة متوارثة، مصدرها قيم العبودية والاستبداد، وما نظّر له الفلاسفة، كأرسطو الذي يعتقد " أن الأنوثة نقص وتشوُّه، وأن المرأة امرأة لأنها ينقصها ما يجعلها رجلًا.. فيجب أن يكون هو الحاكم وهي المحكوم". فلا توجد حتمية بيولوجية فرضت على المرأة وضعاً أدنى إلا في وعي الرجل. بل أن هيمنة الرجل استدعت التفسير البيولوجي. أما الواقع والتجربة الحياتية فقد نفت الدور البيولوجي، وأكدت الدور السلبي للثقافة والعادات والتقاليد. تقول سيمون دي بوفوار: "المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح امرأة". فالنسوية مدعوة لمواصلة تفكيك الخطاب الذكوري، ورصد انحيازاته حتى وهو يدافع عن المرأة وحقوقها. لم أجد اتجاها نسويا حديثا، يتعاطف مع هذا الاتجاه، إلا الاتجاهات الدينية المتشددة، التي استطاعت بفعل هيمنة النص الديني إقناع المرأة بوجود فارق بيولوجي يقتضي دونيتها، وأنه قدرها، وستعوض عنه في اليوم الآخر. وحسبنا اكتظاظ التراث بنصوص تختزل المرأة، وتثلم إنسانيتها. وبالتالي إن تأثير الدولة ومؤسساتها على وعي العلاقة بين الجنسين لا يلزم منه حتمية الفارق البيولوجي، بل تكريسه من خلال تشريعاتها، وسياستها المتحيزة لمركزية الذكر وتهميش الأنثى. وهذا هو المنهج الصحيح في مقاربة الإشكالية، ولا معنى للتطرف الراديكالي سوى عقد نفسية، وشذوذ لا تخفى عواقبه، فلا يمكن تأييد هذه النظرية على إطلاقها، ودائما مع النسوية الراديكالية المثقفة أو الحضارية..... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4867 المصادف: 2020-01-02 02:27:14