 تنوير وإصلاح

الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري (15): موقف الغرباوي من المدارس النسوية

محمود محمد علينعود في هذا المقال الخامس عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: منذ ستينات القرن الماضي تم تحديد ثلاث أطر نسوية، وهي:

أ- النظرة النسوية الاصلاحية: وهي تركز بشكل رئيس على عمل النساء في الأسرة والاقتصاد ككل، ومحاولة التوصل لأشكال الاستغلال المختلفة التي تتعرض لها المرأة في سياقات العمل المختلفة وذلك من أجل تحسين ظروفها والارتقاء بأوضاعها المعيشية.

ب- النظرية النسوية المقاومة: وهي تركز على العنف والقهر الجنسي الموجه ضد النساء وعلى استخدام خبرات النساء بوصفها عنصرا مركزيا بالنسبة للمعرفة والثقافة المجتمعية، أي نقلها من حيز التداول النسائي لتمثل عنصرا مجتمعيا هاما يعيد تشكيل المعرفة العامة والثقافات المختلفة المشكلة للمجتمع؟

ج- النظرية النسوية المتمردة: وهي تركز على العمليات والرموز التي تؤسس وتحافظ علي نسق النوع، فالاهتمام ينصب على ما تقوله المرأة ذاتها ومحاولة الإعلاء من شأنها مجتمعيا بحيث لا تخضع للخطاب الذكوري السائد والمهيمن...

وهنا نتساءل أين تكمن رؤية الأستاذ إزاء تلك المدارس؟ وهل هناك نوع من التكاملية إزاء تلك المدارس من وجهة نظركم؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لا يخفى أن قضايا المرأة متشعبة ومركبة، تقضي تسويتها تفكيك أنساقها، والبحث عن جذر القهر والاضطهاد، وكل واحدة من هذه المدارس ركزت على السبب الذي ينسجم مع أيديولوجيتها ومتبناياتها الفكرية، وبهذا يفترق البحث الموضوعي المجرد، فإنه يتقصى جميع الأسباب ثم يقوم بتحليلها للوصول إلى جذر المشكلة النسوية. والفرق أن الأول يحشّد ما يدعم نظريته، بينما يتوخى الثاني الحقيقة من خلال الواقع، وما يحيط به من أنماط ثقافية واجتماعية. فهدف المدرسة الأولى: "النظرة النسوية الإصلاحية"، إصلاح أحوال المرأة المعيشية والاقتصادية، فيكون الاستغلال وجهتها، لدراسة أسبابه والتعرّف على أشكاله. وهذا النوع من التشخيص لا يمس جذر المشكلة، ويعالج قضايا فوقية، رغم الأهمية الاقتصادية. ويكفي دوره الكبير في تحرير المرأة من سطوة الرجل، كما هي المجتمعات الغربية، التي من السهل على المرأة الاستغناء عن الرجل ماديا، لوجود ضمان اجتماعي وصحي يكفلان لها مستوى معقول من الكرامة، لا تضطر معهما لهدر كرامتها أمام الرجل. لكن هل المشاكل الاقتصادية بديل عن الوعي ودوره في تعزيز القيم الإنسانية؟. وهل سيحرر المرأة من مشاعر الدونية البيولوجية؟. فثمة مشاعر سلبية لدى طيف واسع من نساء المجتمعات الارستقراطية والثرية. فالمال لا يحقق لنا وعيا حقيقيا بإشكالية المرأة، ويقف عند الحقوق الفوقية.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: هكذا ركزت النظرية النسوية المقاومة، على العنف والقهر الجنسي الموجه ضد النساء، وهي قضية مهمة. وأجدها أكثر تطورا من النظرية الأولى، لأنها تريد "نقل خبرات النساء بوصفها عنصرا مركزيا بالنسبة للمعرفة والثقافة المجتمعية، من حيز التداول النسائي لتمثل عنصرا مجتمعيا هاما يعيد تشكيل المعرفة العامة والثقافات المختلفة المشكلة للمجتمع". فهي تراهن على إعادة تشكيل الوعي، من خلال حضور المرأة ذاتها. وتستبطن رفضا لسلطة الرجل وتفرّده في فهم الإشكالية وتسويتها، وتطالب مشاركة النساء مشاركة فعلية، فلها وجهة نظرها، ورأيها الذي تختلف فيه معه. وبالتالي فهي  كالنظرية الأولى ركزت على جانب العنف والقهر الجنسي.

وأما النظرية النسوية المتمردة في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي، فهي أكثر عمقا وتشخيصا، عندما تركز على "العمليات والرموز التي تؤسس وتحافظ علي نسق النوع"، فثمة ثقافة وأنساق فكرية تتخفى وراء ثنائياته، وهي ثنائيات وليدة نظام بطركي متأصل، وتفكيكها وإعادة تشكيل النوع، يساهم في زعزة الإشكالية، ويساعد على نهوض النسوية. ومن هذا المنطلق ينصب اهتمامها على "ما تقوله المرأة ذاتها ومحاولة الإعلاء من شأنها مجتمعيا بحيث لا تخضع للخطاب الذكوري السائد والمهيمن".

وهنا يسجل الأستاذ ماجد الغرباوي ملاحظة، أن مشكلة المرأة ليست مشكلة أنثوية خالصة، ولا ذكورية متسلطة، بل مشكلة ثقافية عامة، يشترك فيها الفرد والمجتمع. فلايكفي التركيز على حضور المرأة، رغم أنه شهادة عملية تعزز إنسانيتها، لكن ينبغي أيضا إعادة تشكيل الوعي من خلال تفكيك الأنساق الثقافية والمهيمن الفكري، وتشكيله على أسس إنسانية، ينظر للمرأة نظرة إنسانية عادلة، خالية من الدونية والنظرة السلبية. بعيدا عن خصوصياتها، التي تفرضها طبيعتها. لكن الخصوصية لا تعني الدونية بأي شكل من الأشكال. فهي ليست نقصا تكوينيا، بل كمالا ينسجم مع دورها الحياتي. فكما لا يكتمل الرجل إلا بخصوصياته، فكذا المرأة مع خصوصياتها.

وبالتالي فثمة تكامل بين هذه الاتجاهات في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي، رغم تفاوت التشخيص وأساليب الحلول. وتبقى وجهة نظري، كما يقول الغرباوي، أن المشكلة بالنسبة لقضية المرأة مسألة ثقافية، ومسألة وعي، والحل يبدأ من وعي المرأة والرجل. وعي المرأة لإنسانيتها، ولوازم وجودها، وتشخيص مطالبها، وفقا لمبدأي العدل والمساواة العادلة. ووعي الرجل يبدأ من هدر ثنائيات النظام الأبوي، وإرساء وعي إنساني يقيم علاقاته مع المرأة على أسس إنسانية خالصة، تتكامل فيها جهودهما لبناء حياة حرة سعيدة، تمكّن المرأة من تأكيد حضورها، بعيدا عن مطلق التمييز والعنف والاضطهاد..... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4868 المصادف: 2020-01-03 06:55:46