 تنوير وإصلاح

الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري (16): الوظيفة البيولوجية للمرأة

محمود محمد علينعود في هذا المقال السادس عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: هل هناك ثمة قيم وثمة ثقافية ومبادئ تم الصاقها بالمرأة بالاعتماد على هذا الفارق البيولوجي أو الجنسي؟. أي أن ثمة قيم مكتسبة تعتمد على الوظيفة البيولوجية للمرأة والوظيفة التشريحية التي خصتها بها الطبيعة وهي قدرتها على الحمل والانجاب؟.

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لا يخفى أن الوظيفة البيولوجية للمرأة كانت وراء تصنيفها. فهي بالنسبة للرجل جسد وطبيعة بيولوجية مغايرة. وثمة اختلاف في تفصيلات جسديهما. المرأة تحمل وتلد وتحيض وتعترضها حالات نفسيه خلال حملها وولادتها. وينتابها ضعف وإرهاق. مشدودة للعواطف والرومانسية. كما يجدها مرتهنة لقوته وإرادته جنسيا، يمكنه قهرها أو تجاهلها. وهنا هو لا يفسر الاختلاف تفسيرا إنسانيا، أو تكامليا كما نفهمه بعد تطور مختلف العلوم، ولا يجد سوى الاختلاف البيولوجي علة لذلك. وتبقى المرأة بالنسبة له رَحَمَاً ومبيضين. فالدونية قدر طبيعي، وليس ظلما أو عدوانا ضدها. بل أن أنوثتها تقتضي اختصاص الرجل بتدبيرها، وتحديد وظيفتها.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي  فيقول: إن ضعف الوعي وسذاجة العلوم آنئذٍ، لم يسمحا بتقصي جوهر الاختلاف بين الجنسين، وحقيقة الفوارق الجسدية والبيولوجية، خاصة ما قبل الأديان التي نسبت فيما بعد كل شيء لله تعالى. فكان من الطبيعي تعليلها في ضوء بيئته وقبلياته الثقافية. وكان الإنجاب أول ما أدهش الرجل، حتى رفعها لمقام الإلوهية، باعتبارها إلهة النسل والإنجاب، أو تكريما لأمومتها، غير أن تطور الحياة، ووسائل الانتاج، ودخول الفكر الديني على الخط، سلب المرأة قدسيتها، وهبط بها إلى دونية مقيتة، حتى كان اليهودي يحمد الله الذي لم يخلقه امرأة، وهي تردد الحمد لله الذي خلقني كما أنا!!. وكان الإسلام أول من قال بوحدة الطبيعة البشرية، (تفسير آية: (... اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة). ومجّد الاختلافات الوظيفية، حينما شرع أحكاما لحمايتها، وفهمها فهما إنسانيا: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ).

وبقت الخرافة تفسيرا ملائما لجميع الظواهر في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي، خاصة أنها وليدة مخيال بشري غارق باللامعقول ودهشة الغيب. ويمكنه إعادة صياغتها وتشكيلها وفقا لمصالحه. فهي صورة متخيلة مرنة.

ثم يؤكد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: كما كان الفارق البيولوجي وراء ثنائية: "رجل / امرأة". "ذكر / أنثى". غير أنه لم يفهم الثنائية على أسس إنسانية، ووظيفة تكاملية للنوع البشري، بل أرسى ثنائية صلبة، ولّدت أحكاما قاسية، وأفضت إلى مركزيته وتهميشها، ورميها بنقص العقل والاستغراق بالشهوة وضعف المشاعر الإنسانية، والدونية وكل سلبية تخطر في باله. فهو مخلوق للآلهة، وهي مخلوقة من ضلعه، فتكون لا شعوريا، مرتهنة لوجوده. ثم نسب المرأة للجن، وللشيطان عندما تكون سبب خطيئته الأبدية، وسسبب غوايته، وابتعاده عن الفضيلة. تصور أن الثقافة الأنجيلية ظلت تتساءل ردحا طويلا من الزمن: هل المرأة بشر أم حيوان أو شيطان، وكان هدف مؤتمر "ماكون" حسم الجدل حول حقيقتها.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي  فيقول: وبالتالي، فكل الأحكام السلبية التي ألصقها الرجل بالمرأة كانت من وحي الفارق البيولوجي أو الجنسي. سواء في أصل وجودها أو اختلاف وظائفها وطبيعتها. وكان أرسطو يقول: علينا أن نعتبر خصائص النساء عيبا خلقيا!!. وأرسطو فيلسوف، تنسب له جميع العلوم، فكيف بالإنسان العادي؟. غير أن الأمر اكتسب أبعادا جديدة، بعد تطور العلوم الإنسانية، وراحت الأنثربولوجيا والفلسفة وعلوم التربية وعلم النفس والهرمنيوطيقا، تبحث عن الأسباب الحقيقية وراء الأحكام الجائرة، واكتشفت أن وراءها نظاما أبويا صارما، ومنطقا ذكوريا قاسيا، وليس للفوارق البيويولجية دور أساس فيها. رغم أنها حتى أوقات قريبة كانت الأصل في تفسير الاختلافات. ويمكن إدراك جميع الأحكام السلبية، التي كانت وراء ثنائيات الجندر: "قوة الرجل / ضعف المرأة". "ذكاء الرجل / بلادة المرأة". "حكمة الرجل / شهوانية المرأة". "عقل الرجل / عاطفية المرأة". وغيرها.

وما يؤكد اصراره على الاختلافات البيولوجية تعامله معها خلال فترة الولادة والحيض، فكانت المرأة كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي تعزل أيام دورتها الشهرية، ويجب مقاطعتها، خوفا من غضب الأرواح والآلهة، كما هو المعروف عن سلوك القبائل البدائية في أستراليا وغيرها. بل أن ثقافة الاستنكاف من المرأة يعود لأسباب بيولوجية، فهي فتنة، تغري الذكر، وتجلب العار حينما تنزلق بالخطيئة: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ).

ثم يؤكد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لا شك عندي أن مكابرة الرجل هي التي تجعله يتشبث بالفوارق البيولوجية، لتبرير الاختلاف، ومن ثم شرعنة سلبية مواقفه وتعامله معها. أو شرعنة دونيتها. وأما في أعماقه فإن المرأة تحدٍ مستمر لنرجسيته وتعاليه، وتحدٍ لافتقاره لوجودها، فهي المكمل الشعوري والبيلوجي، وهي الآخر التي يتوقف عليها تجلي وجوده. فيكون وجوده مفتقرا لها. وهذا أحد أسباب رفضه الاعتراف بإنسانيتها، فيجد في الفوارق البيولوجية ما يبعد عنه شعور الضعف الداخلي لقوة تحديها، ويلقي باللائمة على الفوارق البيولوجية...... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4869 المصادف: 2020-01-04 00:52:28