 تنوير وإصلاح

الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري (17): التفسير الذكوري للنصوص الدينية

محمود محمد علينعود في هذا المقال السابع عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: لاحظت في حديثكم في كتاب المرأة والقرآن بأن النسوية الإسلامية تعاني معاناة شديدة من تفسير ذكوري للقهر على المرأة حيث كثيرا ما أبرزتم لنا بأن ليس هناك مشكلة في النص الديني وإنما المشكلة في سوء الفهم الذكوري لها فالدين قد تم تفسيره بنظرة ذكورية بعيدا عن النظر للاحتياجات النسوية؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: إن التفسير الذكوري للنصوص الدينية، تؤكده خطابات دينية، وفتاوى فقهية، ومرويات مازالت مؤثرة، تتحدث عن كائن دوني اسمه المرأة، قياسا بنموذج اختص بجميع خصائص الشخصية المثالية: عقل، حكمة، شجاعة، مروءة، عفة، وتدبير. فكانت مركزيته استحقاقا لمثاليته، وهي نظرة تعسفية. الرجل فيها الخصم والحَكم، فثمة صفات تتفوق فيها عليه، ولو أتاح الاستبداد الذكوري ممارسة حريتها، فقد تتفوق عليه أيضا بما يعتقد أنه اختصاصه دونها. وقد أثبتت الأيام تفوقها حتى في مجال السياسة، وحققت الدولة التي اعتلت النساء مركز القيادة فيها تقدما اقتصاديا وثقافيا.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي  فيقول: إن نرجسية الرجل، وتحدي الأنثى في أعماقه يدفعان باتجاه تهميشها، وتولي تشكيل وعيها، وتحديد مسؤولياتها. وعندما نتحدث عن المنطق الذكوري قبل البعثة النبوية، لا نضيف جديدا، فهو واقع النظام الأبوي للمجتمع العربي والعالم أجمع. وهذا لا يعني تجاهل العوامل الأخرى، كالاقتصاد مثلا. خاصة أن فرص تأكيد الذات وتعزيز الانتماء الاجتماعي كانت محدودة، لا تسمح بمنافسة الرجل، مع وجود وظائف أخرى يمكنها القيام بها. مما يدفع هو الآخر باتجاه إقصاء المرأة، من خلال إعادة برمجة وعيها، ضمن مصالحه ومقاصده، فثمة أعمال تتوقف عليها حياته ووجوده وعزته، ليس لها سوى المرأة. غير أنه بدلا من تقديرها وإجلالها وتقديم آيات الشكر لها، يحتقرها، لأنه يشعر بعمق جُرح التحدي الوجودي. هي أصل وجوده، وديمومة بقائه، وضرورة وجودية، عندما يرتهن لها وجوده، ولا معنى لرجولته بعيدا عنها.

والسؤال الذي يؤرق الأستاذ ماجد الغرباوي: رغم التحولات في الشخصية العربية بعد البعثة النبوية، لكن التحول الرادكالي، لم يمس قيم المجتمع الأبوي، مع أن القرآن رسالة إنسانية وعالمية طموحة حسب الفرض، فلماذا لم يعالج منظومة قيم العبودية بشكل أكثر جذرية، بل ويظهر من بعض نصوصه انحيازه للذكورة على حساب الأنوثة، كما يفهم  ذلك المنطق الفقهي الذكوري؟.

لا أريد إعادة ما كتبته مفصلا حول هذا الموضوع الحساس. لكن المؤكد أن المنطق الذكوري كان يفرض وجوده على فهم النص وفتاوى الفقهاء، حداً، حجبت النصوص الثانوية النص الأول / النص القرآني، فتسربت قيم النظام الأبوي، متسترة بلباس الدين، كالتركيز على ولاية الأمر، ووجوب طاعته على الصعيد السياسي، وحرمانها  من جملة مسؤوليات لا يحق لها توليها: كالولاية والخلافة والقضاء وإمامة الجماعة، وقيادة الجيش وغيرها. أو مواصلة دورها الثانوي برعاية دينية، مما يؤكد أنها لم ترق إلى مستوى الكائن الإنساني في نظر الصحابة، والسبب عدم تناول التعاليم الدينية جذر المشكلة النسوية بشكل صريح، واكتفت بمعالجات حقوقية ووصايا أخلاقية. ويمكنك الاستشهاد بسرب من روايات المنطق الذكوري في فهم المرأة وقضاياها. وقد استعان المنطق الذكوري بظواهر بعض الآيات، كالآيات التي توصي بالوالدين، فإنها تأكد قيم النظام الأبوي، حينما تحرّم على الابن التأفف فضلا عن الاعتراض والتمرد. وهناك آيات حق المرأة في الميراث، والشهادة أمام القضاء، ومنح الرجل حق القيمومة والتأديب بالضرب، وفرض الحجاب عليها، وحرمانها من الفضل بسبب نقصها البيولوجي، كالحيض والنفاس.

ثم يؤكد الأستاذ ماجد الغرباوي  فيقول: لا أدعو لإحلال الأنوثة محل الذكورة، ورأي أن العلاقة قائمة على التشارك الإنساني، فثمة فرق حينما يتفهم كل منهما وظيفته على أسس إنسانية، وبين أن يتعامل معها بمنطق القيمومة والإقصاء، باعتباره قدرها، وقصور عقلها وإرادتها. في الحالة الأولى يمكن لهما التعاون في الحياة في شتى المناحي، باستثناء ما اختصتهم به الطبيعة البشرية. لكن في الحالة الثانية، تكون التبعية والانقياد قدر المرأة، من وحي أنوثتها والفوارق التي ابتلت بها. وأي تقصير لأي سبب كان، عليها تحمّل تبعاته، كالضرب في الفراش، والتحكم بحريتها، وتقييد إرادتها.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لم يصرّح القرآن بوجوب انقياد المرأة للرجل، ولم يطالبها بالتنازل عن حيثيتها وكرامتها ثمنا لرعايته لها، بل يحث على العدل والانصاف معها. غير أن الصحابة لم يتفهموا الرعاية من باب التسامح الحقيقي ووحدة الجذر الإنساني، بل فهموها وفقا لمنطق العبودية، بأنها سمة أخلاقية وعمل صالح يثاب عليه المرء، ويكون متكرما عليها. وما نقرأه في كتب الفقه والتفاسير تقويل للكتاب، وإملاء لفراغات تأويلية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:

- لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا

- وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ

- وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).

فهذه الآية كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي يفترض أنها آيات محكمة تفسّر في ضوئها الآيات المتشابهة، كما هو المنطق القرآني: (...مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ)، غير أن المنطق الذكوري يتسرب لا شعوريا، عبر أنساق الوعي القَبلي، عندما يتصدى لتفسير آيات القيمومة والضرب بالفراش، وحدود طاعتها له. ولم يمعنوا النظر في الآيات، وفلسفة الكتاب، ضمن مركزية الإنسان في الحياة. فاعتبروا آية القوامة مثلا أمرا شرعيا، بينما التمعن فيها وفي سياقها، يفضي أن الآية بصدد بيان علة وسبب القوامة، فتنتفي بانتفائها، وليس لها ديمومة كما يصرّ  الفقه على ذلك.

يقول الأستاذ ماجد الغرباوي  لا شك أن القرآن أنصف المرأة قياسا بما قبل البعثة، وأعاد لها إنسانيتها المهدورة، تحت وطأة قيم العبودية والاستبداد الذكوري، عندما وضعها على قدم المساواة في التكاليف الشرعية، وما يترتب عليها من ثواب وعقاب. وأنصفها حقوقيا قياسا بما سبق أيضا، في مسألة الإرث، ووجوب النفقة على الزوج، وحقها في الرضاعة. لكن على الصعيد الاجتماعي لم يسند لها النبي أي منصب يعزز مكانتها خارج حدود الأمومة ورعاية منزلها، وقد حث على ذلك، رغم مواقفه الإنسانية معها، وتعاطفه مع قضاياها. ولو الحد الأدني باعتبار أن الظروف آنذاك كانت تستدعي حضور الرجل، لخوض الجهاد، ومقاومة غارات خصوم الرسالة ومواجهة صعاب الحياة بما أوتي من بسطة في الجسم. فمثلا لم نقرأ عن النبي أنه أكد على مرجعيتها الاجتماعية، كأن تكون قارئة أو فقيهة أو راوية، رغم أن لبعض النساء روايات معتمدة في كتب الحديث. وهكذا الأمر في زمن الخلفاء، وكل دولة الخلافة فيما بعد. وهذا يؤكد سيادة المنطق الذكوري، واستمرار فهمه للنص / آيات الكتاب. وأدل دليل انحياز الفقيه  للذكورة عند تأويل النصوص، كما بالنسبة للقيمومة، فثمة تأويل منصف من داخل النص، على أساس أفضيلة المسؤولية الاقتصادية والاجتماعية، وقد تناولته مفصلا في كتاب المرأة والقرآن، لكن التفسير الذكوري يصرّ على منطقه، ويمنح نفسه قيمومة شرعية عليها، فيتحكم بها، باعتبارها جزءا من متاعه. بهذا نفهم أن "تشيئة المرأة"، هو ذات المنطق العبودي، وكأن الرسالة لم تكافحه، وحافظت على قيمه، مع بعض التعديلات. بل أن التعامل معها أسوء من التعامل مع العبيد، فالعبد يستعيد رجولته وإنسانيته بتحريره، أما المرأة فتبقى كائنا ناقصا، تتحمل مسؤولية الخطيئة الأولى، وتداعيات أنوثتها، خاصة عندما يتعامل معها الرجل كجزء من متاعه، فيخاف عليها كخوفه على أي قطعة من أثاثه وممتلكاته وفق منطق الاستملاك. ويخشى إغراءاتها، وطمع الذكورة فيها، فتجده يترقب حذرا، خائقا من عارها وشنارها.

وبالتالي فالتفسير الذكوري كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي ، كرّس سلطته وفوقيته واستبداده، ومنحها بعدا شرعيا، سلب المرأة قدرة التحرر الذاتي، التي هي شرط أساس لتطور الحركة النسوية، خاصة المسلمة. فثمة أسيجة مقدسة، منح الرجل نفسه حق صيانتها والدفاع عنها، باعتبارها دفاعا عن الذات، وقد تولى الفقيه تعزيزها بفتاوى تستمد شرعيتها من ذكوريته، وليس أمام المرأة المسلمة سوى التمرّد على فتاوى النسوية، والعودة لآيات الكتاب، وفقه المرأة في ضوء مبادئ حقوق الإنسان، وما هو ثابت ومحكم من آيات الكتاب. بعد تمزيق ثقافة التهميش، وأدواتها من عادات وتقاليد وأعرف، كبلت إرادة المرأة...... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4870 المصادف: 2020-01-05 01:52:06