 تنوير وإصلاح

الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري (18): سوء فهم الخطاب الديني للمرأة

محمود محمد علينعود في هذا المقال الثامن عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: النسوية الإسلامية كما يزعم أنصار النسوية الأوربية تعاني من مشكلة التمييز بين الرجل والمرأة، حيث يتصورون بأن الإسلام هو من أكد على أن الذكر هو من حدد ما يجب أن يمنح للمرأة وما يجب أن يصادر منها ومشكلة التمييز تظل مشكلة عالمية حيث بدأت في العالم ككل حيث عانت منها النساء في كل العالم وتبلورت من خلال نظرة دونية للمرأة وتم تنميط لدور المرأة داخل الزواج والأمومة، حيث توجد حالة من تنيمط الدور الأمومي والزواجي وحالة من الاقصاء والتهميش للمرأة؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: وبالتالي لا خصوصية للإسلام، مادامت القضية عالمية تاريخيا. المنطق الذكوري هو المنطق الذي ساد الحياة البشرية، ولا قياس على الأمثلة النادرة. ولا أدري مدى صحة تفصيلات مرحلة الأمومة، ولو صحت فأيضا الذكر كان وراء تقديس المرأة، لأن بنية الوعي كانت  وما زالت بنية ذكورية، مادامت المسألة أبعد من الجانب الوظيفي وأدوارهما في الحياة.

الإسلام ينتمي كدين وثقافة وعقيدة وروابط اجتماعية لبيئته وثقافته. هدفه مكافحة الشرك، والتصدي للكفر، وانتشال الوعي من لوثة عبادة الأوثان والأصنام، وسيادة العدل والإنصاف بين الناس، وبالفعل شرّع أحكاما للفرد والمجتمع، وبين حدود الأنا، وعلاقة الذات بالآخر. وعندما تولى قضايا المرأة لم يقدم فهما للأنوثة، يبتعد بها عن الوعي المألوف، وأدوارها المرسومة مسبقا "المنزل ورعاية الأطفال وخدمة الرجل". وإنما طالب الرجل بالرفق والعدل والانصاف ورعاية خصوصياتها في تعامله معها، باعتبارها رهنا لقيمومته بما فضل الله، ووفاء لعقدة النكاح. وحثها على طاعته، وتعزيز سيادته، دون المساس ببنية المجتمع القَبلي، ولم يعمد لتغيير أولوياته القائمة على مركزية الذكر وتهميش الأنثى. ولم يطرح مفهوم المساواة بمعنى تكافؤ الفرص في الحقوق والواجبات، كما هي مطالب الحركة النسوية راهنا. فكأن التمييز معطى مقدس، تتوقف عليه بنية المجتمع، وتوازن الحياة. وهذا ظاهر تاريخ الرسالات كما هو مدون، وتشهد لبعضه آيات الكتاب. ومن يقرأ آيات أحكام النساء، خاصة إلى من خلال فتاوى الفقهاء، وعبر الخطاب الديني الذكوري، لا يتوانى في اتهام الدين بتكريس دونية المرأة. لذا يقوم مشروعي على قراءة مختلفة للدين ودور الإنسان في الحياة. وفي ضوئهما أفهم آيات الأحكام، ومقاصد التشريع، وأتمسك بمنهج أصولي يأخذ بنظر الاعتبار متطلبات الواقع ودور الزمان والمكان في تحديد فعلية موضوعات الأحكام، ومن ثم تحديد فعلية الأحكام الشرعية.

لست ضد ثنائية الذكر / الأنثى، والعلاقة تشاركية وتكاملية في آن واحد، لكنني ضد مركزية الرجل وتهميش المرأة. "تفوق الرجل / تخلّف المرأة". "إنسانية الرجل / نقص المرأة". وكل ما يترتب عليها من لوازم، تهدر كرامتها وتهضم حقوقها. وعليه، فإنسانية المرأة / كرامتها / حيثيتها أولا. ويبقى البناء الفوقي من حقوق وواجبات رهنا للظروف المحيطة بهم، فتكون دالة على طبيعة الوعي وجذره الثقافي.

الخطاب الديني لم يخرج المرأة من بيتها، وعالج قضاياها في إطار أدوارها. لا لأنه يرفض تطورها، ودخولها مسرح الحياة، إذ لا دليل على هذا، بل لأن طبيعة الحياة، وقلة فرص العمل آنذاك تفرض أدوارا منزلية عليها. وبالتالي فإن استغناء المجتمع عن المرأة اجتماعيا وسياسيا وثقافيا وقياديا، فرض تهميشها، لكن لا بمعنى الظلم والعدوان، كما هو حالها في سياق الوعي القَبلي قبل البعثة. يشهد لذلك الآيات التي أكدت إنسانيتها من خلال خطاباتها وتشريعاتها. وبالتالي إذا لم يكن التهميش قدرها كما تفهم الأعرف القَبلية، فإن ظروف الحياة حكمت بتهميشها، وحصر أدوارها في حدود المنزل وخدمة الزوج. غير أن من جاء بعد النبي فهمَ سياسة الإسلام مع المرأة وفق قبلياته الذكورية: مركزية الرجل / هامشية المرأة. فجاء التراث زاخرا بروايات  تتحدث عن منزلة المرأة المطيعة المنقادة، في مقابل المرأة العاصية المتمرّدة. وحددت أخرى واجباتها وفروض طاعتها للرجل، خاصة في فراشها: (تقحبّن لأزواجكن)، وزينة المرأة بيتها، وحسن تبعلها، وحرمة عدم الاستجابة لشهواته ونزواته، مهما كانت مشاعره وسلوكه. وكل هذا يؤيد مضمون السؤال. لكن للأسف بلا تمييز بين النصوص الأولية والنصوص الثانوية، التي تمثّل رغبات ذكورية خالصة.

وفقا لهذه المقدمة، التمييز إرادة ذكورية ظالمة. يُتهم بها الدين لقدسيته ومكانته في المجتمعات العربية، عندما يعتقد أن التهميش قدر مصير للمرأة.

مشكلة القرآن هي ذات المشكلة اللغوية المتهمة بتحيزها الذكوري، فكما يضع المرأة في مصاف الرجل في الواجبات والثواب والعقاب، يقدمه عليها في خطاباته. وللتقديم دلالات سلبية لدى النسوية. سيما إذا كان القرآن وحيا، لفظا ومعنى. وتختلف النتيجة إذا قلنا ببشرية الوحي على صعيدي التلقي والأداء. النبي ابن بيئته  وثقافته، ويفهم الوحي وفقا لقبلياته وثقافته. وهذ ليس خاصا بالإسلام، بل جميع الرسالات كانت رسالات ذات بعد واحد، تعتبر المرأة تابعة للرجل. لذا تطالبه الرسالات بالرفق والإحسان مع عبيده ونسائه. لأنهما ضمن ممتلكاته (منطق الاستملاك)، ولا تدعو للثورة على سلطته، فيكون الذكر سلطة عليا دائما، له حق تحديد حقوق المرأة، وما يجب أو لا يجب عليها. ويمكن لهذا القائل الاستشهاد بآيات المواريث، والقيمومة، وعقدة النكاح، وحق الزوج في ضربها، وتقديم الذكر عليها في الخطاب القرآني. وحق تعدد الزوجات للرجل، وفتحت له باب الزواج المنقطع والتمتع بالجواري والإماء. حداً يصدق أنها إباحية مشرعنة. بينما يضع المرأة بين خيارين، الإكتفاء بزوجها، أو الطلاق وفسخ العقد.

لا أجيد التبرير والدفاع، ولست أيديولوجيا في مقاربة آيات الكتاب، بل أعتقد عدم حاجته للدفاع، عنه، وشرطه الوحيد أن تفهم النص ضمن ظروفه، وشروطه التاريخية، وأن تميّز بين النصوص الأولية والثانوية، وتقرأ الآيات قياسا على ما سبق البعثة، من عادات وتقاليد وقوانين عرفية ظالمة. وما الإطلاق الذي يستميت الفقهاء من أجل ثبوته وفعليته، إلا رغبات ذكورية، وطموحات أيديولوجية، وضبط أداء المرأة لتبقى ضمن ملكه وإرادته.

منهجي واضح في فهم فعلية الأحكام، وأجد أن كثيرا منها بات غير فعلي، لعدم فعلية موضوعاتها، المتوقفة على فعلية جميع القيود والشروط. فلا أقول بإلغاء النصوص، وهي محترمة ومقدسة، لكن ثمة قوانين ومنطق داخلي للنص القرآني ينبغي مراعاتها. فقضية إنسانية المرأة لم تكن مطروحة ليتناولها القرآن بشكل  مستقل، والكلام كان يدور حول حقوقها المادية، وما ينبغي للرجل من موقف أخلاقي اتجاهها. إضافة إلى تأكيد إنسانيتها وحرمة هدر كرامتها، كما جاء في بعض الآيات المحكمات: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا). والاطلاق هنا يفيد الشمول للذكر والأنثى وكل نفس محترمة. وهذا دليل على احترامه للنفس، بغض النظر عن خصوصياتها. وأيضا تكشف عن ذلك جملة أحكام قرآنية تشريعية. وتشملها كل الآيات التي تخاطب الإنسان والناس.

هناك عدة مستويات لتعامل القرآن الكريم مع المرأة، كما بينت في كتاب المرأة والقرآن، استدعي للضرورة بعض المقاطع.  منها، مخاطبتها كأنثى تشارك الرجل في تكوين المجتمع، أنثى لم ينقص إنسانيتها، ولم يعتد على شخصيتها، كقول:  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) . فالذكر والأنثى نواة النسيج الاجتماعي برمته. وجاء بلفظ الذكر والأنثى لأنهما الأساس في تكوين الشعوب والقبائل. وعندما رتّب الأحكام في نهاية الآية رتّبها على كليهما من غير تمايز: "التعارف" في الحياة الدنيا، و"الجزاء" في الآخرة على أساس التقوى. وهذا اللون من التعامل أوضح مصاديق المفهوم الإنساني للذكر والأنثى. وتعضّد هذا المعنى مجموعة أخرى من الآيات القرآنية. بهذا نكتشف كذب الحكايات والمرويات التراثية التي تنتقص باسم الدين والنص الديني إنسانية المرأة، استنادا الى نصوص دينية منحولة. أو تنسب لله عزوجل ما لم يصرّح به. أما نظرة المجتمع للمرأة فشيء آخر، قد تقترب من الرؤية القرآنية أو تجافيها، حسب الظروف الاجتماعية، والعادات والتقاليد، فلماذا دائما تحسب على الدين وهو براء منها. فليس هناك آية تسلب المرأة إنسانيتها. والتفاوت في بعض آيات التشريع لا يعني نقصا في إنسانيتها عندما تُقرأ ضمن سياقها وخلفيتها التاريخية والاجتماعية، بل ربما تعد ميزة وإنصافا وتكريما لها. ولا أقصد (بهذا الكلام) التبرير، ولكن هذا ما أفهمه من سياق الآيات ضمن خلفياتها وما اكتنفها من ظروف، وليس منقطعة عنها كما هو المنهج السائد لدى الفقهاء للأسف الشديد.

فالنسوية المسلمة اليوم أمام خيارات أكثر، يمكنها فهم النص مباشرة، بعد هدر الوسائط المقدسة، التي تحجب النص الأولي، وتملي إرادتها عبر نصوص ثانوية، شارحة أو مؤولة. وهذا يتطلب نقد النسق العقدي المألوف، واستبداله بنسق قائم على العقل والدليل والبرهان، وفهم ظروف النص وملابساته، في  ظل فهم جديد للدين ودور الإنسان في الحياة. إن دور وظيفة الدين وما يزال إضفاء معنى للحياة، وترشيد وعي الفرد والمجتمع، ورعايتهما حتى يبلغا النضج. وما ختم النبوة إلا إجلال للعقل والعقلانية، واعتماد الإنسان على نفسه، في تدبير شؤون حياته، بعيدا عن أية ولاية وقيمومة وسلطة فوقية، تدعي قدسيتها. فيمكن للمرأة التحرر من  قبلياتها، وفهم أدوارها ضمن وظيفتها الحياتية، سواء داخل أو خارج المنزل. فالمسألة مسألة وعي قبل كل شيء، كي لا تستكين للظلم باسم الدين والتشريع. وتكون مصداقا للظالمين أنفسهم.

إن بعض الآيات تؤسس لمركزية الرجل وسطوته وتفوقه، عندما تجعله قيما على المرأة، وللذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا هو ظاهر الآيات في النظرة الأولى، وهنا يصدق التمييز بلا ريب. غير أن النظرة التفصيلية تبددها، في ضوء الإطار العام للدين وأهدافه المركزية،  فثمة ظروف فرضت هذه الأحكام ينبغي لنا تحريها، لعلاقتها بفعلية الأحكام، ومع انتفائها تنتفي فعلية الحكم. فيصدق أن الدين في جانبه التشريعي مرحلي، رافق الإنسان حتى يبلغ مرحلة النضج العقلي. بهذه الطريقة نحفظ للدين مكانته، ويمكن توظيفه لتعزيز قيم الخير والمحبة والوئام. إن معاناة الخطاب الدين في تراثه، وما حمله من قيم تعسفية فرضت نفسها. وبالتالي فالتشريعات كانت ناظرة للجانب الوظيفي، مع تأكيد إنسانيتها وحرمتها. فلا تمييز حينئذٍ، إذ يمكن تشريع أحكاما جديدة للمرأة وفقا للعدل والانصاف ومراعاة القيم والأخلاق الإنسانية، والأخذ بنظر الاعتبار توازن المجتمع وعدم التفريط بالعائلة أو هدر قيمها باسم الحرية والمساواة.

ومن يرد التمسك بظواهر الآيات، بعيدا عن منطقها وإطارها العام، يمكنه ذلك. والمشكلة ليست مع الرجل، لكن المشكلة مع المرأة عندما تتمسك بآيات تكرس دونيتها، دون تحري حقيقتها ضمن سياقاتها التاريخية. إن عدم تجريد النص من تاريخيته تسبب في كارثة فقهية، أبقت المسلم يراوح في العصر الأول للبعثة النبوية، وسيبقى ما لم ينتفض على إرادته...... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4871 المصادف: 2020-01-06 02:21:30