 تنوير وإصلاح

الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري (20): المرأة وقوانين الطبيعة

محمود محمد علينعود في هذا المقال العشرين ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: ماذا نعني أن المرأة كوجود طبيعي أي مثلها مثل الرجل تخضع لقوانين الطبيعة. وما يميز المرأة عن الرجل أن الطبيعة خصتها ببنية تشريحية تسمح لها بالحمل والإنجاب، كما خصت الرجل ببنية تشريحية أخري تسمح له بالإخصاب هذا الفارق البيولوجي هو فارق طبيعي؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: ثمة قصدية وراء هذا الكلام، مفادها إرتهان أدوار المرأة في حدود الأسرة والأمومة للفارق البيولوجي، فتبدو الأنوثة حتمية بيولوجيَّة مفروضة عليها، ومسألة خارجة عن إرداتها. ولازمه نفي مسؤولية النظام الأبوي والمنطق الذكوري. والأمر يعود للطبيعية التي كيّفتها مع مهام الأمومة بما يناسب أنوثتها. وكما أن وظائف الرجل مرتهنة للعامل البيولوجي فكذلك المرأة. فهي ليست مجرد بنية تشريحية تختلف بها عنه، وإنما بنية تشريحية ملائمة لأنوثتها، التي تفرض عليها المرابطة داخل أسوار العائلة. وهذا ما يؤمن به قطاع واسع من نساء العالم. بينما منحت الطبيعة الرجل خصائص مختلفة، كالقوة الجسدية والخشونة، كي تتلاءم مع وظيفته الحياتية، ومقارعة الخطوب والأهوال المحيطة به، والقدرة على تدبير المرأة، بفضل حكمته ورجاحة عقله، وله حق التسيّد والتسلط، بحكم العامل البيولوجي. وبالتالي لا يوجد ظلم وقهر في تحديد الأدوار الاجتماعية لكليهما.

ويتعين أيضا فهم الكلام المتقدم وفقا لمتبنيات النسوية الراديكالية المتطرفة، التي تجد في الفواق البيولوجية التي هي فوارق طبيعية، مبررا للتمركز حول الأنثى، والدعوة لإقصاء الذكورة، وإحلال الأنوثة محلها. وبالتالي ثمة اتجاهان حول فلسفة الفارق البيولوجي، أحدهما يؤصل دونية المرأة، والثاني يبرر تمركزها حول الأنثى.

والحقيقة، لا توجد حتمية تحاصر المرأة، سوى حتمية المنطق الذكوري، التي تقتضي تكريس المرأة لخدمته، وإقصائها عن ساحة وجوده. الرجل لا يقبل بندية رجل مثله، فكيف يقنع بندية المرأة التي تحدت نرجسيته، وجرحت كبرياءه، حينما عجز عن الاستغناء عنها، فكانت شرطا لوجوده بمعنى التجلي والتحقق خارجا. وأصلا لوجوده أنطلوجيا. وما الحتمية البيولوجية سوى ذريعة لشرعنة استعبادها، رغم أدوارها الإنسانية الرفيعة، وهي معه وإلى جنبه وخلفه.

إذا كانت المرأة شريكا في بناء الأسرة، فديمومتها رهن بوجودها، فضلا عما تتمتع به من  خصائص إنسانية راقية، كالحنان والإخلاص والعاطفة والحب والدفء الروحي والأمومة والشعور بالمسؤولية. فهذه الرقة وهذه الإنسانية لا تبرر اضطهادها وقهرها ومحاصرتها بين جدران أربعة، بشكل تصبح مسؤولة عن كل شيء، وتتحمل تداعيات أي خطأ أو تهاون ولو لم يكن مقصودا. الأسرة تتطلب تعاونا من قبل جميع أفرادها. وما تقوم به المرأة داخل أسرته له قيمة مادية، تتنازل عنها طوعا وحبا، لذا لم يفرض الإسلام على المرأة أي عمل، باستثناء حقوق الزوجية، ولها حق المطالبة بكل جهودها، بما فيها رضاعة أطفالها. غير أن العرفَ عرفٌ استبدادي، أبوي، يخضع لإرادة ذكورية صارمة وظالمة، فصادر كل حقوقها، وقمعها في داخلها، وأعاد تشكيل وعيها، بشكل تجد دونيتها جزءا مقوما لوجودها. وعلى الضفة الأخرى حلقت بها الراديكالية المتطرفة حدَ الاستلاب النفسي والثقافي. وجعلتها تعيش اغترابا حقيقا عن شريكها الإنساني وإن كابرت وتنكرّت.

المهم عندي هو وعي المرأة وعيا إنسانيا، وعدم اتخاذ العامل البيلوجي ذريعة لفرض أدوار حياتية محددة عليها، حتى وهي تكرّس جهدها أسريا. فهناك فرق بين من يعتقد أن الأنوثة حتمية بيولوجية، وقدرا وجوديا، وقد خلقت لتكون أنثى، تمارس دورها الأمومي داخل أسرتها. وبين من يرفض الحتمية البيولوجية، ويركّز على الجانب الوظيفي، فرعاية الأسرة ليس قدرا للمرأة، وإنما وظيفتها عندما تفرض الظروف الحياتية ذلك، وقد تتغير تلك المسؤوليات، باستثناء خصائصها البيولوجية في الإنجاب.

لقد عانت المرأة اضطهاد الرجل، وعاشت محنة الأنوثة، التي جعلتها مرتهنة للذكر وإرادته، حتى غدت الأمومة قدرا في وعي العقل الجمعي، يتفق عليه الجميع، لذا واجهت المرأة رفضا من قبل المجتمع في أول  ظهور لها خارج أسرتها. ثم بشكل تدريجي فرضت نفسها، بعد نجاحات متواصلة نافست الرجل إبداعاته.

ما كان للمرأة أن تنافس الرجل، في أعماله الشاقة كالحروب، الوظيفة الأساسية للمجتمعات الأبوية القائمة على القوة والغلبة، فتكون إدارة الأسرة وظيفة طبيعية لها، لا بسبب خصائصها البيولوجية فقط، كما هو الموقف الأبوي منها، ولكن لندرة فرص التنافس، ولأنها عرفاً تابعة للرجل، وحكم التبعية والانقياد أن يختص الذكر بتدبيرها ورسم أدوارها. وهذا النوع من الأدوار فرضتها الظروف الحياتية والأسرية، وليس العوامل البيولوجية، وهو أمر طبيعي لتقاسم مسؤوليات الحياة، رغم ما فيه من ظلم وجور. وعندما خرجت المرأة، ونافست الرجل، فأيضا يمكن توزيع الأدوار، وتقاسم أعباء الأسرة، فيكون الأصل هو التعاون، وليس الحتمية البيولوجية. للأسف طالما نسمع الرجل وهو يرد على المرأة حينما تعترض أو تتمرد: "هذه وظيفتك في الحياة"!!. إن محنة المرأة أنها مخلوق ذكوري. بمعنى أن الذكر قد تولى تشكيل وعيها، وتحديد وظيفتها، وفرض عليها سلطته وقيمومته، وبيّن هامش حريتها، وحقوقها وواجباتها.

وعندما اؤكد على الوعي الإنساني للمرأة، أقصد به وعي الذات مجردة عن أية مؤثرات خارجية، بما في ذلك المؤثرات البيولوجية، لتعي أنها إنسانة لها حقوق وجودية باعتبارها كذلك. وعندما ينمو هذا اللون من الوعي، سوف لا تستنكف المرأة من عملها الأسري، وتعتبره وظيفة إنسانية لديمومة الحياة بمعية الرجل. وستختلف نظرتها لذاتها والآخر، إذا تأثرت بالعامل البيولوجي وإيحاءاته. فتجد في قيمومة الرجل مقوما لوجودها، وأن وظيفتها الأنثوية قدرها في الحياة الدنيا...... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4873 المصادف: 2020-01-08 01:38:00