 تنوير وإصلاح

الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري (21): أشكال التحيز والتمييز التي عانت منها المرأة

محمود محمد علينعود في هذا المقال الحادي والعشرين ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: إذا كانت النسوية حركة سياسية اجتماعية ظهرت في الغرب للمطالبة بحقوق المرأة، تعتمد على فلسفة تجاه الرؤية الذكورية التي شكلت وجودها القيمي، فهل يعتقد الأستاذ أن النسوية - كإطار فكري وفلسفي وحركة سياسية - تمثل توجها يدافع عن حقوق المرأة، ووضع حد لأشكال التحيز والتمييز التي عانت منها المرأة على مدى التاريخ؟.

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لا شك أن الأطر الفكرية والفلسفية التي تم التنظير لها، ارتقت بالنسوية من مستوى حركة سياسية – اجتماعية ترفض الذكورية التي شكّلت وجودها القيمي، وتطالب بحقوق المرأة ومساواتها به إلى وضع أطر نظرية وفلسفية تتحرى الأسباب الحقيقية وراء دونية المرأة، ومعالجتها من خلال طرح بدائل فكرية وفلسفية، تسمح برؤية الهوية الحقيقية للمرأة، وأبعاد شخصيتها التي تستقل فيها عن الرجل، رغم اختلاف النتائج.

المستوى الأول من رؤية النسوية يكتفي بمعالجة البنى الفوقية، من خلال تحسين واقع المرأة، بعد نيل حقوقها. وهذا لا يضمن لها استعادة إنسانيتها، وكرامتها المهدورة بفعل منطق الذكورة، والنظام الأبوي، الذي يرتكز إلى مركزية الذكر، فتكون الأنوثة حتمية بيولوجية. ويكون الرجل معيارا لحقيقتها. دون معالجة جذرية لإشكالية الذكورة والإنوثة وطبيعة العلاقة بينهما، التي ترتبط بقضايا أعمق هي أساس النظرة الدونية. فثمة فرق في انتزاع المرأة حقوقها على أساس التماثل الإنساني والعقلي بينها وبين الرجل. وانتزاعها على أساس حقوقي فقط. في الحالة الأولى تفهم المرأة أن الحرية والمساواة لازم وجودي، لا تخضعان للجعل والهبة، فتطالب بحقوقها بثقة تامة، وهي مستعدة للتفاوض على مستوى الممارسة الاجتماعية وفقا للعقد الاجتماعي، وتكافح لهدم التابوات والسلطات الفوقية الساعية لقمعها بدعوى الفوارق البيولجية والدونية والنقص العقلي وغلبة العاطفة. وأما الثانية، فتفهم حريتها ومساواتها ولوازمهما هبة وتكرما. فترتهن إرادتها لواهبها أو من ينوب عنه. وهذا اللون من الوعي يسعى الخطاب الديني لتكريسه، لقمع المرأة والحد من وجودها الفعلي.

أما في موجتها الثانية / ما بعد الحداثة، فقد ارتقت النسوية إلى مستوى "النظرية والفلسفة الصريحة والسؤال الإبستمولوجي وفلسفة العلم".  لتضع بديلا للنظام البطريركي. مما يعني أن النسوية اكتسبت نضجاً فكرياً، تبحث عن إطار نظري أعمق وأشمل من مجرد المطالبة بالمساواة مع الرجال وطبقًا للنموذج الذكوري / الرجل. وعندما تصل النسوية مستوى النظرية، يصبح لديها موقف نقدي، لمعرفة منشأ المنطق الذكوري، وما علاقة الظروف الاجتماعية والسياسية، ومدى تأثير الفكر الديني والميتافيزيقي بالمرأة وهويتها. والتعرف على موقفها من خلال تشريعاتها ومبادئها. ولا يخفي حجم التأثير الديني في وعي المجتمع. وهذا المستوى من الوعي يربط بين الفكر والواقع، ويسعى لطرح بدائل للنظام الأبوي، والحتمية البيولوجية، ويستعيد المرأة كائنا إنسانيا، سحقته قيم العبودية. إن الأطر الفكرية والفلسفية، تدافع عن حقوق المرأة وتضع حداً لأشكال التحيز والتمييز التي عانت منها على مدى التاريخ. بمعنى أن مناشئ التمييز والتحيّز تتطلب تأملا فلسفيا ومعرفيا، للوقوف على منطلقاتها، ومن ثم معالجتها وفق نسق قيمي وأخلاقي يستبعد سلطة الذكر، ويؤسس لمركزية الأنثى بجوار مركزية الرجل. فالفلسفة والأطر الفكرية تساعد على تشييد بنية معرفية مغايرة، في موازاة البنية السائدة. بنية تتجلى من خلالها المرأة بكامل تاريخها ومنجزاتها ومختلف آثارها، التي تؤكد إنسانيتها وكمال عقلها وحكمتها، وبذلك تفكك مركزية الذكر، وتستبدلها بمركزية أنثوية بجوار المركزية الذكورية، وردم الهوة بينهما.

الفلسفة تسمح بمساءلة كل شيء، والحفر عميقا في بنية الوعي، لتقصي جذور إشكالية المرأة وثنائيات الجندر / النوع. وقد تعمقت البحوث الفلسفية مع الراديكالية، وراحت النسوية تسعى لاستبدال الذكورة بالأنوثة، من خلال ثنائية صلبة، مفادها التمركز حول الأنثى باعتبارها نوعا آخر، وعلى هذا الأساس بدأت بطرح بدائل للتخلص من سطوة الرجل، حتى دعت إلى هدر الأسرة، والاستغناء عن الذكورة بالسحاق والشذوذ، والاستعانة بتقنيات الإنجاب الحديثة. ورغم أننا ضد هذا التوجه، لكنه مثال لتطور فلسفة النسوية، ومديات التفكير النسوي. مما يشجع على تبني رؤية فلسفية تحقق كامل أهدافها، بعيداً عن تفكيك الأسرة والاستغناء عن الرجل. كما فعلت النسوية الراديكيالية الثقافية.

ينبغي للنسوية المسلمة العمل على وضع أطر فكرية وفلسفية، تساعدها على فهم جذر الإشكالية، وعدم الاكتفاء بنيل حقوقها. فثمة ثقافة تؤصّل النظرة الدونية، وتشرعنها، وعليها معرفة حقيقة المقولات المتوارثة، والتي اختلط فيها الديني بالاجتماعي، والمقدس بالمدنس، وأفضى إلى استغلال المرأة واضطهادها، وتكريسها أنثى لخدمة الذكر. حتى وإن أقتضى الأمر مساءلة النصوص الديني، للكشف عن وعي العصور الأولى،  ومدى شرعيتها، وما هي حقيقة إطلاقات أحكام المرأة في الشريعة الإسلامية. إذ أن النسوية المسلمة اليوم، تكتفي باستنطاق النصوص والتراث، وإعادة قراءتها بما يخدم حقوقها. وهذا منهج قاصر  فربما النص والتراث سببان رئيسيان وراء دونيتها. وفي هذه الحالة يمكن للنسوية المسلمة توظيف المبادئ الإنسانية في النصوص المقدسة، وإعادة فهم الدين ودور الإنسان في الحياة، كي تقوم فلسفة النسوية على أطر فكرية وفلسفية، تستمد شرعيتها من بعدها الإنساني، ويختفي منطق المنّة والتفضل واليد العليا، لتحل محلها مساواة عادلة قائمة على مبادئ إنسانية. وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4874 المصادف: 2020-01-09 00:46:27