 تنوير وإصلاح

الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري (23): الغرباوي وموقفه من قضية حجاب المرأة (2)

محمود محمد علينعود في هذا المقال الثالث والعشرين ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، ونستأنف حديثنا عن موقف الأستاذ ماجد الغرباوي الهام جدا من قضية الحجاب، ونتطرق للحديث عن موقفه بالذات من دلالات الحجاب، حيث يصرح لنا فيقول:" مما تقدم يتضح أن موقف المرأة من الحجاب يتراوح بين التزمت والتهتك، وما بينهما من اعتدال وتمرّد، وكل موقف يعكس ثقافة المرأة ومدى إيمانها بهذا النوع من اللباس. ولا ملازمة بين لبس الحجاب والالتزام الديني، ولا تستطيع الجزم بالتزامها من خلال حجابها، بل يمكنك تحديد مدى التمسك به. فثمة سلوك يصدر عن بعض المحجبات لا يوحي بالتزامها دينيا.

والحجاب في نظر الأستاذ الغرباوي بشكل عام يعتمد على تفصيل:

1- امرأة ترتدي الحجاب عن وعي، باعتباره شَعيرة دينية، تخص المرأة، وتجد فيه كرامتها وعدم ابتذالها. من هذا المنطلق تفهم المرأة المسلمة الحجاب، فهو بمنظورها ليس مجرد دعوة شكلية ظاهرية، بل يمثل قيمها ومبادئها التي تؤمن بها. فيكون حجابها ضابطة دينية – اجتماعية، تفرض على الآخر احترامها باعتباره جزءا مقوما لهويتها الدينية. وعندما تتعرض المرأة المسلمة لتحديات أو ظرف استثنائي تُؤثر حجابها على مصالحها الشخصية. بل الحجاب شعار بالمنطق الحركي، الذي يراهن على مسيرته من خلال "الدعوة للدين، والجهاد في سبيله، والحجاب شعار للمرأة المسلمة". وفي هذه الحالة ترتهن حدوده وأحكامه لفتوى الفقيه والهدف الأيديولوجي منه.

2- حجاب تفرضه العادات والتقاليد. يكسب المرأة مكانة اجتماعية، سواء التزمت بتعاليم الدين أو لم تلتزم. أم كان التزامها شكليا، فجميعه لا يؤثر، المهم أنها تجد في الحجاب ذاتها وتؤكد وجودها وتكرّس انتماءها، فيكون الحجاب هوية ورصيدا رمزيا، يضمن لها مكانة اجتماعية متقدمة، ويحرز لها احترام الناس وتقديرهم، وهي غالبا صفة المجتمعات المحافظة التي تتمسك بالأعراف والتقاليد. فالحجاب هنا مجرد زي يشكل جزءا من شخصيتها، لا تتخلى عنه حتى في أكثر المجتمعات حرية وتحررا. ولا علاقة لهذا النوع من الحجاب بالشريعة، بل أصبح شيئا مستقلا. ولا أقول أنها حالات عامة، لكنها ليست نادرة.

3- وثمة حجاب يخفي تحته تمردا أنثويا وصدى لشراسة القمع ومعاناة القلق المصيري ورثاثة القيم والتقاليد ومصادرة حقوق الحريات والمساواة. فيصدق أنه صرخة ضد قرارات مجتمعية غير مبررة. هكذا هي معاناة المرأة الواعية مع الحجاب الذي صممه فقه ذكوري مبادئه: (الدونية والاستملاك والمرأة عورة من رأسها حتى أخمص قدميها)، بعيدا عن قيم السماء وعدالة القيم الإنسانية، وإنما هي تأويلات المنطق الذكوري، وهاجس التحدي الذي يعانيه الرجل في أعماقه.

4- امرأة تكره الحجاب لديها نزوع للتحرر الراديكالي المتطرف، قد يكون ردة فعل ضد ثقل الموروث الاجتماعي، فهي تبحث عن هامش من الحرية لتتمرد عليه، فيكون هدفها الأساس ممارسة حرية متطرفة، والأخطر في هذه المرأة عندما تجد في التهتك اعترافا بها، وهي نظرة مبتسرة، تنطلق من عقد نفسية، ومشاعر مكبوتة، متعطشة لنظرات إعجاب تداوي بها شعورا مزمنا بالنقص.

5- امرأة تعتبر تبعا لتقاليد مجتمعها الحجاب مقياسا لشرفها، يرتفع طرديا بزيادة عدد قطع القماش التي تلتحف بها، وبقدرتها على التواري عن الرجال. وبعض النساء تكتسب احتراما أسريا واجتماعيا، يتساهل بسببه الناس مع التزامها الديني، فتراها تجتر الغيبة والنميمة، وتحظى بأعلى درجات الاحترام. فالحجاب تسبب في قلب قيم الحق، حتى غدت شكلية فارغة من أي معنى ديني وأخلاقي. وغدت قطعة القماش الخالية من القيم والمبادئ تعادل العفة القرآنية. والسبب في التراث الزاخر بروايات الاستخفاف والدونية، ورمي المرأة بالنقص والتهتك ونقص العقل والحكمة، فتتحول إلى عبء، يلزمها التقيّد بحجاب يحول دون وقوع الرجل بالخطيئة.

ويستنتج الأستاذ الغرباوي مما تقدم أن المطالبة بإعادة قراءة حكم الحجاب في الشريعة، ودعوات خلعه، وحالات التمرّد عليه، في مقابل دعوات التمسك به، تتقاسمها أسباب ذاتية وموضوعية. يمكن رصدها بـ:

أ- أسباب ذاتية ترتبط بوعي المرأة إيجابا وسلبا، فالتمسك وعدم التمسك بالحجاب نابع عن موقف مبدئي، وليس مجرد موقف عاطفي. وكلاهما رأي محترم،  مادام قرارا عقلائيا. في مقابل هوس نسائي، غير مبرر، سببه عقد نفسية، وعجز المرأة عن اتخاذ موقف عقلائي منه، فتارة تقبع تحت عدد من قطع القماش، وأخرى تتراخى حد التهتك. فتفتقر مواقفها للأصالة والعقل.

ب- أسباب موضوعية متعددة، أهمها العادات والتقاليدعلى قسمين. بعض النساء متمسكة بعاداتها وتقاليدها، مطمئنة لسلوكها. وأخرى يكون الحجاب مفروضا عليها، فتعيش نوعا من الانفصام وهي ترتدي قطعا من القماش بلا قناعة. فيصبح الحجاب اغترابا حقيقيا، يمثل كابوسا اجتماعيا، لا يمكنها التخلّص منه تحت ضغط المجتمع وضوابطه. وهناك أسباب سياسية، بعد مجازر داعش، وحجم العنف الذي ارتكبته ضد الناس، وقتلها للنساء المتبرجات أو نساء الديانات الأخرى، فغدا الحجاب علامة فارقة، تلاحقها العيون، وتبقى المرأة المحجبة في دوامة قلق يحرمها طمأنينتها في دول الغرب. خاصة المرأة المنقّبة، التي تصرّ على لبس نقابها بدافع ديني أو اجتماعي، سيما في فترة حرجة عاشتها الجاليات المسلمة، أصابت المرأة بالرعب، لولا حكمة السياسيين، ففي استراليا مثلا امتنع رئيس الوزراء بشدة عن منع الحجاب، واعتبره قضية شخصية، يجب حمايته باعتباره حقا من حقوق المواطن، لا فرق بين مسلم وغيره. وهناك الموقف من الحركات المتطرفة الذي استدعى مطاردة المنقّبات والمحجّبات المتطرفات، فانعكست قرارات الحكومة على الموقف العام من الحجاب، وصار ذريعة لاعادة النظر في أحكامه، والدعوة للاطاحة به، باعتباره أحد أسباب التطرف أو مظهرا من مظاهره. ولا يمكن السكوت عن وسائل الإعلام الحديثة وخطاب التغريب الذي يحمّل الحجاب مسؤولية التخلف، فيكون دليلا عليه. والحقيقة لا علاقة للحجاب كزي بالتقدم والتخلف، ولهما أسبابهما وأغلبها واضح ومعروف لدى الجميع. كما لخطاب اللاتسامح بين الأديان والثقافات دور في محاربة الحجاب، رغم أن الحجاب قضية متفق عليها بين جميع البشر، وبه تعترف جميع القوانين والأنظمة، والخلاف حول حدوده، وليست المسألة مقتصرة على التعاليم الدينية بل التعاليم الإنسانية مع الحجاب والاحتشام. لذا حتى مظاهر التعري المطلق في الغرب ليست مظاهر عامة، وإنما مناسبات محدودة، وأمكنة معينة، ولا تستغرق سوى ساعات.

وثمة نقطة أخرى مهمة وجديرة بالإشارة نود أن نشير إليها هنا وهو موقف الأستاذ الغرباوي من فقه المرأة ومشكلة الحجاب؛ حيث يقول الأستاذ: "وخلاصة ما تقدم: يبقى حجاب المرأة إشكالية في ظل غياب الوعي الديني المتحرر، وعدم الخروج على الأطر العقدية والفكرية السائدة في نظرية العبودية. والأخطر قدسية التراث والجمود على حرفية النص وارتهان الفتوى لفقه السلف، وعدم تجديد مناهج تفسير النص، ومناهج أصول الفقه، والاستعانة بالعلوم الإنسانية، والمنهج الهرمنيوطيقي، لمقاربة النص / الآية / الحديث. وفهم أسباب نزوله، وتمثّل الوضع الاجتماعي آنذاك. الأحكام الشرعية نزلت لمعالجة واقع محدد، وما لم نفهم ذلك الواقع سنتخبط في تحديد دلالات الحكم ودرجة فعليته، بين الأحكام الخمسة المعروفة: الوجوب، الحرمة، الاستحباب أو الندب، الكراهية والإباحة. ولا يمكن التخلّص من مشكلة الحجاب إلا بحلول جذرية تبدأ باعادة قراءة آيات الكتاب التي تحدثت عن زينة المرأة وغض البصر عفتها وسترها.

ويستطرد الأستاذ فيقول: "لا يوجد حرج في الحجاب القرآني، لكن المشكلة في نظرية العبودية التي يتبناها الفقيه ومنهجه في استنباط الأحكام الشرعية، ويمكن الإشارة إلى بعض الأسباب:

- نظرية العبودية: التي ترى أن العبادة غاية الخلق، وأن مهمة الإنسان في الحياة هي عبادة الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وهو اتجاه ينطوي على يقين سلبي، في مقابل يقين إيجابي واعٍ، تحدثت عنه سابقا مفاده آية: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً). فالعلاقة العبادية وفقا الاتجاه الأول قائمة على ثنائية "رب / عبد"، وليست "خالق / مخلوق"، كما في اتجاه الإنسان الخليفة. وترى نظرية العبودية أن فلسفة الأحكام قائمة على الطاعة المطلقة. وهي تمام ملاكها أو كما يعبرون أن"تمام ملاكها في جعلها"، فتكون غاية الحكم اختبار عبودية العبد!!. وهو اختزال فضيع للإنسان، وتشويه لحكمة الخالق. فالأولوية لا للإنسان بل للتشريع والتعبد المطلق بأحكام الشريعة. وتقديم الاحتياط على البراءة إذا دار الأمر بينهما، رغم أن كلا منهما حكم شرعي مستقل حسب الفرض. وهذا النوع من الفهم يرتكز لمبدأ ما يعرف عندهم بحق الطاعة، في مقابل مبدأ قبح العقاب بلا بيان. وهما قاعدتان أصوليتان. الثانية تنفي أية عقوبة لا ينص عليها بيان / آية / رواية، استظهار دلالي، كي تكون حجة على الإنسان. فيكون الشك بجعل الحكم الشرعي موردا للبراءة العقلية فضلا عن البراءة الشرعية. عكسا للنظرية الأولى التي ترى أن للمولى الحقيقي حق الطاعة في التكاليف المحتملة فضلا عن المشكوكة والمظنونة. وهي كما ترى تنطلق من عمق عبودي يفترض مولى / جبارا، يتربص أخطاء عبده لينتقم منه، فعليه الإتيان بالمحتمل من باب حق طاعة المولى الحقيقي فيبالغ الفقيه في الاحتياط. وهي تعتقد بشمول الشريعة لكل صغيرة وكبيرة، وتسمح للفقيه بتشريع أحكام واسعة النطاق. فمساحة الحرية وفقا لهذا الرأي معدومة، ما لم تتدارك الأمر البراءة الشرعية وتبيح للمكلفين إجراء البراءة في كل فعل مشكوك. والأصل وفقا لهذه النظرية هو الاحتياط دائما، بينما الأصل وفقا للنظرية الثانية: قبح العقاب بلا بيان هو البراءة العقلية في كل فعل مشكوك. رغم أن كلاهما يعترف بوجود ملاكات وراء تشريع الأحكام الشرعية. فالفقيه بطبيعته يميل للاحتياط، ويجد في التراث ما يشجّعه على ذلك، خاصة الروايات التي تجعل من إغراء المرأة تحديا حقيقيا للرجل، حتى خيالها، فضلا عن حضورها والتحدث معها، كما في الحديث المنسوب للرسول: (اعصوهن في المعروف  قبل أن يأمرنكم بالمنكر وتعوذوا بالله من شرارهن وكونوا من خيارهن على حذر). فيتشدد بالحجاب من منطلق ديني احتياطي، وفهم ذكوري يهيمن على فهمه للنصوص والروايات، ويكرّس أنوثية المرأة، وتمايزها بيولوجيا ليفرض عليها أدوارا وفق مصالحه، فيأتي الحجاب ليكون جزءا مقوما لأنوثيتها، بمعنى التحقق الخارجي. وأما نظرية الخلافة أو نظرية الإنسان فإنها تقوم على مركزية الإنسان (المرأة والرجل)، وفق فهم مختلف للدين. وبالتالي، وفقا لنظرية العبودية التي يتمسك بها الفقهاء: (ما من واقعة إلا ولله فيها حكم)، وهو مبدأ لا دليل عليه سوى تأويلات ورغبات أيديولوجية، ومقتضاه، وهذه هي الخطورة الفادحة، أن يتصدى الفقيه للافتاء حول كل تكليف محتمل، فإن لم يجد دليلا لفظيا، يعمد إلى الأصول العملية لاتخاذ الموقف المناسب من الحكم المشكوك، وهي قواعد نظّر لها لتعزز قبلياته وفق نظرية العبودية.

- منهج استنباط الأحكام الشرعية: القائم على الفصل بين الحكم والهدف الكلي للدين، فتسقط المرأة عن الاعتبار ويتفرّد الذكر بمركزيته، ويتولى بنفسه رسم شخصيتها، وحدود حريتها، وما يجب أو لا يجب عليها. وقد تحدثت سابقا عن النظرية القرآنية التي ترى وحدة المصير الإنساني في الواجبات والمسؤوليات، باستثناء ما يقتضيه الجانب الوظيفي لكل منهما. وعلى الفقيه عندما يستنبط حكما شرعيا أن يلاحظ المقاصد الكلية للدين ودور الإنسان في الحياة، ذكرا أو أنثى، إضافة إلى مقاصد الشريعة، وأن لا تكون فتاواه سببا لتعطيل الحياة الحقيقية للمرأة، التي هي ليست وقفا على السرير والإنجاب وخدمات العائلة، وتنتظرها مسؤوليات كبيرة. المرأة كالرجل مكلّفة باستخلاف الأرض (وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ). وقوله: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً). وهو خطاب عام للأنثى والذكر، بل يجب أن يكون كذلك، لتوقف وجود أحدهما على الآخر، ووحدة مصيرهما. وإذا لم يقنع الفقيه بحاكمية مقاصد الدين، ويصرّ على تناول كل حكم على حدة، دون رعايتها، فاليوم المرأة في قلب الحدث، تمارس إلى جانب الرجل جميع الوظائف الحياتية. وعندما يتخلف الفقه عن الحياة فلا يلومن الفقيه إلا نفسه. حياة الشراكة البشرية تتدفق وتواصل مسيرتها، وقد تغلغلت في قلب العالم الإسلامي بعد أن كانت محصورة في العالم الغربي، وما على الفقيه سوى إعادة النظر في مناهج استنباط الحكم الشرعي، وفق فهم جديد للدين ودور الإنسان في الحياة. وعليه التخلي عن  نظرية العبودية والمنطق الأرسطي. إذ يرى المنهج الفقهي المتداول أن الأحكام الشرعية أوامر مولوية، يجب طاعتها، بغض النظر عن أسباب نزولها. والمورد عندهم لا يخصص الوارد، ونزول الآية في قضية ما لا يجعل منها حكرا عليها، بل هو حكم شرعي مطلق. فآية السيف مثلا نزلت في مشركي مكة، فتعتبر قضية خارجية محددة، وليست قضية حقيقية مشروطة، لكن الفقيه يلغي المورد، ويعمم الحكم لغيره من الموارد. بينما الحكم بقتل جميع المشركين ليس حكما مطلقا في كل زمان ومكان لعدم فعلية موضوع الحكم، ولا يكون الحكم فعليا ما لم يكن موضوعه فعليا، وبما أن الموضوع قضية خارجية محددة فلا يصار إلى إطلاق الحكم، خارج حدود مشركي مكة. فنظرية العبودية تلغي البدائل الفقهية، وتضعك أمام حكم واحد ليس من حقك إعادة النظر في موضوعه. بينما تلعب أسباب النزول والقرائن الحالية والمقالية دورا كبيرا في فهم النص. فيكون المنهج الهرمونطيقي، المستبعد من قبل الفقيه، أجدر باستنباط الحكم الشرعي، مادام يعتني بسياق الآيات وأسباب نزولها في استنباط الحكم الشرعي. الفقيه دأبه الاحتياط، يعتبر الحكم نازلا من الأعلى إلى الأسفل، من المقدّس إلى المدنس، وما علينا سوى طاعته والجمود على حرفيته. فالمرأة هي المرأة مهما طرأ على وعيها وثقافتها وإدراكها من تطور. ويبقى للذكر مثل حظ الأنثيين مدى الحياة، ولا عبرة لأي فهم يأخذ بنظر الاعتبار دواعي تشريعه عند نزوله، ولا يمكن وفقا للفقه التقليدي، تجريد الحكم من فعليته بحجة عدم فعلية موضوعه، فتبقى للرجل قيمومته عليها وحق ضربها وتأديبها. والأكثر خطورة أن بعض الأحكام، كالحجاب تطورت لتأخذ مساحة واسعة من التشريع، حداً أفضى الحجاب إلى اختزال المرأة، وذلك بفعل المنهج المتبع في استنباط الأحكام الشرعية، الذي يؤمن بحجية مطلق السنة، ويأخذ بسيرة وفهم السلف الصالح أو الأئمة المعصومين. فتكون الرواية مقيدة ومخصصه لآيات الكتاب. لكن لا يمكن للسنة وفقا للمنهج المختار أن تقيد أو تخصص آيات الأحكام، فلربما تمام ملاكها في إطلاقها وعمومها. فالمنهج المتداول يضع الرواية إلى جنب الآية على مستوى الحجية، بينما المنهج المختار يقتصر دور الرواية على البيان والتفصيل، وفقا للفهم القرآني، ويرد المتشابه من الآيات إلى المحكم منها. وأن المورد وإن لم يخصص الوارد لكنه يساعد على فهم مناسبات الحكم وقرائنه، ويعيننا على تحديد فعلية موضوع الحكم. وغير ذلك من فوارق منهجية.

- أثر قبليات الفقيه على فهم النص: وهي قضية معقدة، يصعب تداركها إلا بتجرد كامل، وموضوعية تنظر للأدلة بعيدا عن التحيزات العقدية والثقافية. والقبليات ثقافة تستمد وجودها من تراثه وعقائده وبيئته وأعرافه وتقاليده، فتكون سلطة تؤثّر على فهم النص، عندما تفرض عليه محدداتها، فينحاز الفقيه / القارئ لها في فهم مقاصد النص / الآية / الرواية. لذا تجد المنطق الذكوري يؤكده التشدد في فتاوى الحجاب. بل أن الفقيه يتأثر بعقائده، فتكون قراءاته متحيزة دائما. مثال ذلك عندما يسقط الفقيه الشيعي موقف عائشة من الإمام علي، ويقيس جميع النساء عليها. فخطأها بالخروج على إمام زمانها، جعل من جميع النساء ناقصات العقول، غير حكيمات، فيحث الفقيه على تجنب المرأة والتعوذ منها، باعتبارها شيطانا، تكيد وتمكر، وتستدرج الرجل لارتكاب المحارم والتمرد على أحكام الله وشرائعة إلى غير ذلك. وأتمنى الاطلاع على صورة المرأة في التراث الديني في جميع الأديان والمذاهب، لترى فاجعتها في العقل الفقهي. فالفقيه ما لم يتجرد عن قبلياته الأيديولوجية، لا يتحلى بالموضوعية المطلوبة.......... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4876 المصادف: 2020-01-11 03:55:34