 تنوير وإصلاح

الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري (24): الغرباوي وموقفه من قضية حجاب المرأة (3)

محمود محمد علينعود في هذا المقال الرابع والعشرين ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، ونستأنف حديثنا عن موقف الأستاذ ماجد الغرباوي الهام جدا من قضية الحجاب، حيث نتطرق للحديث عن بعض الملاحظات الأساسية التي  يبديها لنا الأستاذ الغرباوي من قضية حجاب المرأة، وهي على النحو التالي: إذا كان من الصعب استعراض جميع أدلة وجوب أم عدم وجوب الحجاب وآراء الفقهاء حول حدوده هنا، فأكتفي ببعض الملاحظات الأولية التي تمهّد لفهم فلسفة الحجاب في الإسلام، وسنعاود لفقه النص وبيان الحكم الشرعي في محله لاحقا:

1- الأصل عند الشك في وجوب الحجاب عدم وجوبه بخصوص الوجه واليدين، بل والصدر والرقبة والشعر والساقين والذراعين، وهي سيرة الناس والمسلمين قبل تشريع الحجاب بسنوات بعد البعثة. وهذا ما يؤكده مفهوم الآيات، فما كانت النساء يُدنين عليهن من جلابيبهن بما في ذلك نساء النبي. وما كُن يضربن بخمورهن على صدورهن. ولم يتحفظن بما يكفي لفروجهن. وما كان الحديث بين الرجال والنساء من وراء حجاب، بل وحتى عند تشريعه اختص بنساء الرسول لحكمة ترتبط بالنبوة ومقام النبي. وكل ما نزل من آيات كانت أحكاما احترازية للناس الأسوياء، لتفادي انهيار القيم الأخلاقية وتداعيات الافتتان والتطفل الذكوري. وأما الهوس الجنسي والتحرش البغيض فليس له سوى الردع القانوني، وليس الجور على المرأة، حتى سرقها الفقه ثقتها بنفسها، ولم يبق حجاب لم ترتده لإرضاء روح الاستملاك، وهوس الأنثى التي يعبدها الفقيه ليلا ويستعبدها نهارا.

2- لم يرد في آيات الأحكام كلمة حجاب المرأة. والمراد بالحجاب قرآنيا هو الستر كما في آية: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ). وهو حكم خاص بنساء النبي، لا يمكن للفقيه تعميمه. مثلها مثل آية: (يَا نِسَاء النَّبِيِّ ..... وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ)، فإنها خاصة بهن أيضا. غير أن بعض من يدعي الانتساب للنبي ولو بعد أكثر من 1450 سنة، حرّم على نسائه الخروج أو الاقتران بغير من ينتسب للنبي وأهل بيته، وهي حالات قليلة، لا دليل عليها، إذ لا إطلاق للآية لغير الدائرة الخاصة بالنبي.

3- الاحتشام قضية متفق عليها بين جميع الناس، والاختلاف حول حدوده. منهم من يعتبرها قضية شخصية أو مجرد عادات وتقاليد، وبعض آخر يعتبرها قضية دينية، تلتزم به المرأة، أدركت ملاكاته ومصالحه أم لا. فتلجأ للتبرير والبحث عن إيجابيات الحجاب. ولا شك بصحة بعضها، لكن لا يمكن ربط كرامة المرأة بالحجاب فقط، بل أن مصدر كرامتها إنسانيتها ووعيها لحدود استقلاليتها (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، ارتدت أو لم ترد الحجاب. ولا يجوز هدر كرامتها بموجب هذه الآية لعدم ارتدائها.

4- إن الغاية من الحجاب هي العفة، لا فرق بين الرجل والمرأة، كما في آية غض البصر: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ). فالخطاب لا يقتصر على المرأة المحجبة فقط، بل يشمل مطلق المرأة المؤمنة. وصفة الإيمان لا تعني الاختصاص، بل لتوخّي الاستجابة بالتقوى أو لأن ما حصل من مقدمات استدعت نزول الآية كانت محصورة بالمؤمنين والمؤمنات. فيكون الحكم عاما شاملا لجميع من يرتبط بمجتمع الفضيلة.

5- يجب الأخذ بنظر الاعتبار وضع المجتمع / الرجل / المرأة ولباسهما آنذاك، في ظل قلة الألبسة، واكتفائهما بقطع قليلة (إزار، مئزر، جلباب)، فيمشي الصحابي نصف عارٍ، يتلألأ صدره فتوة مغرية، والمرأة تمارس حياتها حسب قدرتها على ستر جسدها، و قد لا يستر لباسهما عوراتهما بدون عناية زائدة، يتضح هذا من قوله تعالى مخاطبا الرجل والمرأة: "وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ"، "وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ". فالقرآن يطالبهما بالعناية الزائدة ليتحقق حفظ الفرج أو السوءة، ولو ظهر منها شيء، فيطالبهما بغض البصر، وعدم الاستجابة لهواجس النفس البشرية: (ذَلِكَ أَزْكَى). وأيضا كي لا تهدر كرامتهما بسببه. وليس المراد من التحفظ هنا التحفظ عن الزنا، فهو بعيد، لا يتناسب مع غض البصر، يؤكده بعض المفسرين والفقهاء. حيث قالوا: "أن المراد بالفروج الزنا إلا هنا فالمقصود بها خصوص النظر". كما أن القرآن تعامل مع الزنا بشدة، وهنا استخدم ألفاظا لينة تقريبا. ولا يعني غض البصر إغماض العين و(إطباق الجفن فوق الجفن) كما ذهب لذلك بعضهم، بل المقصود عدم التأثر جنسيا والانفعال والتحليق مع المشهد، فتارة لقطة جسدية بسيطة مثيرة يحلق معها خيال الإنسان بعيدا، فيطالبه الكتاب بغض البصر، بمعنى التوقف عن التمادي بالخيال، والانسياق وراء الهوس الجنسي. وهذا لا يتوقف على إغماض العين. أحيانا يشط المخيال البشري عبر لقطة خاطفة. وقد لا يتأثر مهما حدّق بجسد الآخر. وبالتالي فغض البصر وحفظ الفروج لتفادي هدر الكرامة البشرية، والمحافظة على العلاقات الإنسانية. ولا معنى لحمل حرف الجر "من" على التبعض، فليس العبرة بسعة فتحة العين، بل العبرة بالآثار النفسية المترتبة على النظرة. كما أن إغماض العين يضع الإنسان في حرج، فماذا تتوقع لو التقى رجال ونساء والجميع قد أغمض عينيه بناء على فتوى الفقيه، فسيقع المحظور الذي هربوا منه!!!!. على الفقيه أن يتمتع ببعد نظر يؤهله لفقه النص. كما أن بعض الفقهاء اعتبر الحكم خاصا بالمؤمنين والمؤمنات، بقرينية الآياتين. وماذا عن غير المؤمنين هل يجوز النظر والتمتع بالنظرات الجسدية والجنسية؟ هذا هو الانغلاق على حرفية النص. لقد كان للكتاب غاية عندما كرر الحكم مرة قصد المؤمن وأخرى خاطب المؤمنة. فينبغي غض البصر، عندما يتعرضا لموقف، كأن تظهر عورة الآخر، لسبب ما. أو يتأثران بنظرة خاطفة أو نظرة عشوائية يحلق معها الخيال. ودائما النظرة الأولية العشوائية أقوى تأثيرا من النظرة التفصيلية، لذا تجد الأمر طبيعيا في المجتمعات المختلطة. فغض البصر لا يتوقف على وجود مؤمن أو مؤمنة، بل هو شامل لكل رجل وامرأة، لوحدة النوازع النفسية والجنسية، بعيدا عن الإيمان والكفر. والآيتان نزلتا في واقعة موضوعها المؤمن والمؤمنة، فصهما الخطاب.

6- يتضح من آية غض البصر أن هناك مساحة من جسم المرأة، كما هو جسم الرجل، ستبقى مكشوفة، مهما كان مثيرا، بل غض البصر متوجه لهذا المثير بالذات، وعالجه لا بحجبه بل بغض البصر، وإلا سيكون الأمر به من باب السالبة بانتفاء موضوعها. وغض البصر مطلق، ولم يقيّد بجزء محدد من جسم الإنسان. وبهذا نفهم حكم النقاب الذي نسب للشريعة، بفعل سيرة دخيلة على سلوك المسلمين، ربما مكتسبة عن عادات وتقاليد شعوب أخرى. بل الآية تكشف عن طبيعة العلاقات الاجتماعية، فهي قائمة على الاختلاط، والحياة المشتركة التي تتطلب غض البصر، وستر مناطق الإثارة في جسد المرأة. بل حتى تصميم البيوت وبساطتها لا تسمح بعزل النساء عن الرجل، فيكون الأصل هو الاختلاط مما يتطلب أحكاما احترازية لضمان سلامة وأمن واستقرار الناس.

7- قد يشي الحجاب بنظرة ارستقراطية، كما في قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا). فالغاية هو التميّز عن غيرهن من النساء، كي لا يؤذَين من قبل المتحرشين!!. لكن لماذا يُسمح لغيرهن من النساء غير المتميزات!!!. توجد أسئلة تبقى بلا أجوبة!!. وفتاوى الفقهاء تؤكده فهي لا توجب الحجاب على الجواري والإماء. وكان عمر يضرب بالدرة الجارية إذا وضعت حجابا فوق رأسها، فتتخطى الطرقات، جسدا يتلوى أمام الناس، يتغنج بدلاله وأنوثته، يضج بشبقه وجوعه، فلماذا لا يتأثر بها الرجل؟ وخصوصية الآية تؤكد هذا.. بل هي هنا أشد إثارة وفتنة يتدلى شعرها فوق كتفيها. فماذا نحكم على من يتصفح وجوههن ويلاحق مفاتنهن؟ هذه الآيات والأخبار تكشف أن الرجال والنساء كانوا يعيشون حياة طبيعية، فكيف عالج الإسلام هذه الحالة؟ فهل وضعوا جدارا عازلا بين الرجال والنساء، كما شاهدته في سيارات النقل في بعض المجتمعات المسلمة؟ أم طالب فقط بالاحتشام  وغض البصر، وعدم النظر بشهوة، فكيف إذاً تطور الحجاب لتغدو المرأة كيسا من الفحم تجوب الشوارع والأسواق، والويل لمن ينقدها، وأحيانا تتعرض للتشهير. وقد ينقلب حجابها إلى لباس شهرة، وهو محرم عندهم.

8- لا يوجد في كتاب الله أمر بستر شعر المرأة، ولكنهم فسّرو كلمة (خمورهن) في آية: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ)، بالمَقنعة، كما هي معهودة لدينا الآن، فيكون الشعر مستورا بها ابتداء، ثم جاء الأمر بضرب الخمور على الجيوب. فيكون ستر الشعر تحصيل حاصل بالمقنعة، لأنها مخصصة لقناع الرأس. وكل هذا توسع، إذ كان لباس المرأة آنذاك عبارة عن إزار، تقوم بعقده فوق صدرها فتكون له جيوب تظهر منها مفاتنها، فطالبتها الآية بضبطه، وهذا يفهم من سياق الآيات، التي تريد التأسيس لمجتمع فاضل، لا تتحول فيه العلاقات الاجتماعية العامة إلى علاقات شبقية شهوانية، فالأحكام هنا احترازية، تحد من التهتك والإثارة، ويصبح الأمر عاديا بغض البصر والتحلي بالتقوى وعدم التوغل في النظر حد الانفعال. والخمور مطلق الحجاب والستر، وليس خصوص المقنعة، لذا تقول خمرت شعرها، أي سترته، ولازمه عدم ستره ابتداء، وتحتاج لخمر لستره. وبما أن الأمر ناظر  لخصوص الجيوب التي تعلو الصدر، فيحتاج ما يعلو الصدر والرقبة والشعر إلى دليل آخر، وقد استدل بعضهم بآية الجلابيب. والتفصيل اللغوي والاستنتاج الفقهي في محله بإذنه تعالى، وهنا مجرد إشارات أولية، قد نتفق أو نختلف حولها.

9- يعتقد الفهم السلفي  للدين أن غاية الحجاب المحافظة على الرجل كي لا يفتتن بالمرأة ويرتكب معصية النظرة المحرمة!!!. هذا هو الفهم الذكوري الذي يعتقد أن الأحكام صممت لحماية الذكر على حساب المرأة. فالخطاب السلفي لا يرتب على الحجاب أي أثر أخلاقي، ولا يضمن به إيمان المرأة، والمهم بالنسبة له حماية الذكر. وهو منطق تعسفي يختزل العلاقة بين الرجل والمرأة، يقدّس الأول، ويهين الثانية عندما يعتبرها شيطانا ينبغي التخلص منه لضمان أجواء آمنة للرجل المهوس جنسيا. لكن لماذا لانطالبه بإجراءات ممثالة بدلا من الجور عليها؟. هذا هو المنطق الذكوري المتعسف.

10- إن منطق فتاوى الفقهاء يخلق لدى القارئ شعورا غريبا حول الرجل المؤمن والمرأة المؤمنة، فهما ليسا بشرا سويا، بل براميلا من الهوس الجنسي، بانتظار أي احتكاك ولو نظرة بسيطة لتنفجر مما يتطلب استبعاد المرأة بالحجاب عن طريقه. وهي نظرة بائسة تحط من كرامة الإنسان. لا شك في وجود رغبات جنسية، وقد تكون رغبات عارمة لكن لا يعني خروج الأمر عن سيطرة الإنسان، ما لم يعش هوس الجنس والمرأة الأنثى، وهو هوس يبتلي به بعض الناس، بسب دوامة التفكير بالجنس، حد التهيج عندما يلاحقها بنظراته. إنه منظر تراجيدي بائس وأنا أشاهد سلوك بعض المتطرفين الدينين عندما يفرض عليه القدر مقابلة امرأة، فيرتبك ويفقد توازنه، مخافة أن يتهاوى إيمانه، وينهار تدينه، إنها ثقافة ثراثية رثة، تسبب بفجائع دينية مرعبة

11- على الفقيه وهو يقارب آيات الزينة: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)، (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ ...)،( وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ)، أن يأخذ بنظر الاعتبار دور المرأة في الحياة، ويتذكر آيات أخرى تفتحا آفاقا لفهم النصوص القرآنية، كقوله: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)،(يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ).

12- يجب أن لا يغيب عن الفقيه هدف الأديان ودور الإنسان في الحياة عندما يهمُّ باستنباط حكم شرعي، والمرأة كالرجل مكلفة بخلافة الأرض والقيام بدورها الإنساني. والهدف الأساس يكون حاكما على الأحكام الجزئية، ينبغي عدم التقاطع معه بالفتوى. وبعض أحكام الحجاب إقصائية، لا تريد للمرأة المشاركة في الحياة العام، مهما أدت العزلة إلى جهلها وتخلفها.

وختاما سألنا الأستاذ ماجد الغرباوي عن مدى انسجام حجاب المرأة مع مبادئ النسوية، فأجاب:  عندما نتحدث عن النسوية كحركة مجتمعية تسعى للرقي بواقع المرأة، وتحرير وعيها من مشاعر الدونية، والمطالبة بحقوق المرأة، بدءا من وعي إنسانيتها وانتهاء بجميع حقوقها، خاصة الحرية والمساواة، علينا التذكر أن للمرأة كالرجل جانب وظيفي، يستدعي أحكاما خاصة، ناظرة لهذا الجانب الوظيفي. فالإنجاب بالنسبة للمرأة جانب وظيفي، وعندما توضع له أحكاما لمراعته، فهذا لا يعني دونيتها وقصور عقلها وضعفها وعدم حكمتها. وذات الأمر بالنسبة للجانب الاجتماعي، فتارة يضمر العقد الاجتماعي أعرافا وتقاليد تمس حرية الأفراد. بعضها ضرورة اجتماعية لحفظ سلامة وأمن واستقرار المجتمع، وهذا تحكمه معادلة: التنازل عن جزء من الحرية في مقابل ضمان أمن وسلامة المواطن، وهذا فلسفة جميع الأنظمة والقوانين الحكومية، فهي تقابل أمن وسلامة الشعب والوطن، بالتنازل عن جزء من حرية الأفراد. وليس في هذا ظلم، فالحرية المفقودة تعود عليهم بحفظ النظام والأمن والاستقرار. وبعض الأعراف والتقاليد تعسفية، ذكورية، ظالمة، ينبغي مكافحتها لاستعادة حرية الناس. وما أريد الخلاص له أن الحجاب مهما كانت مبرراته فهو تعدٍ على حرية المرأة، التي هي لازم وجودي لها، لا تخضع للجعل والاعتبار والهبة، ولا يحق لأحد سلبها. ولكن للحياة المشتركة ضروراتها، التي منها الاحتشام، خاصة ونحن نطمح لإقامة مجتمع الفضيلة. لتفادي الإثارة الجنسية في أجواء الاختلاط، من خلال الاحتشام وغض البصر. فالاحتشام هنا تضحية بجزء من الحرية في مقابل سلامة الحياة الاجتماعية، والحد من حالات التحرش، وهدر الكرامة، الجارح لمشاعر المرأة، والاعتداءات الجنسية والجسدية التي ترعبها. خاصة المجتمعات المغلقة، والمجتمعات المتدينة التي ترفض حلول الانفتاح المنفلت. بل رغم انفتاح المجتمعات الغربية إلا أن عدد حالات التحرش الجنسي في تزايد، بسب الفتنة الجسدية، وعدم الاحتشام، والتمادي في ملاحقة الآخر. وإذا كان الدين قد عالج هذه الحالات من خلال بعض الأحكام الشرعية، وطالب بالحشمة للحد من مساحات الإثارة، وغض البصر، فإن الغرب لم يجد وسيلة أخرى، سوى صرامة العقوبات المترتبة على التحرش، للحفاظ على سلامة وأمن وحرية الناس، التي هي مبدأ مقدس هنا. أما الدين فرهانه على التقوى والإيمان. وبالتالي الحركة النسوية التي نطمح لها في إطار مجتمع الفضيلة، لا تتفق مع منظومة قيم النسوية الراديكالية المتطرفة. وينبغي للنسوية العرب – إسلامية مراعاة مجتمعاتها، بما لا يؤثر على حقوقها الأساسية أو يهدر كرامتها....... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4877 المصادف: 2020-01-12 01:56:53