 تنوير وإصلاح

الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري (25): الغرباوي وماذا بعد

محمود محمد علينعود في هذا المقال الخامس والعشرين ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: أتساءل هذا السؤال عقب تساؤلات فأقول: وماذا بعد!؟. أي وماذا بعد الفلسفة النسوية في نظر الأستاذ؟ وكيف يمكن أن يعقب حضرتكم عن كل ما سبق من إجابات وتفاصيل حول آرائكم الكريمة في الفكر النسوي؟

وهنا يجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: أجده سؤالا مشروعا، يحيل على إشكاليات أخرى، خاصة النسوية العرب - إسلامية، التي تهمنا جميعا، ونسعى لبلورة أفكار تساعد على ترشيد الوعي، والنهوض بالمرأة إلى مستوى يعيد لها إنسانيتها وحريتها واستقلاليتها لتقف إلى جنب الرجل، تربطهما أواصر إنسانية، تقتضيها وحدة المصير والحياة المشتركة، بعيدا عن سطوة النظام الأبوي والمنطق الذكوري: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). إن من جملة الإشكاليات المرتبطة بالنسوية العرب - إسلامية، هي:

1- إشكالية الموقف من الفكر الغربي: النسوية بدأت حركة غربية، نتاج واقع يرتهن في ثقافته وقيمه لمرجعيات بينها وبين المرجعيات العربية والإسلامية عموم وخصوص من وجه. ثمة نقاط إلتقاء، وهناك تغاير يصل حدَ التباين أحيانا. فكيف تتحدى سلطة المقدّس والتراث والأعراف، وتنتقل لمرحلة الانفتاح على قيم إنسانية مغايرة؟. إن طبيعة التحديات تفرض على النسوية العرب - إسلامية، مرحلية تواصل بها مسيرتها باتجاهين، أحدهما يؤثر في الآخر. الأول نقدي: يواصل تفكيك منظومة القيم والمرجعيات الخاصة بالمرأة. والثاني طرح بديل سلوكي، يفرض احترامها وانتزاع اعتراف مجتمعي بها، من خلال قوة حضورها على جميع المستويات، وتوازن أخلاقي تتفادى به أي سلوك يرتد ضدها سلباً، فثمة محددات وأسيجة حمراء، تتطلب درجة عالية من الاتزان والحكمة، في التعامل معها. ولعل في تطرف النسوية الراديكالية العرب - إسلامية، ما يبرر قلق الانحراف السلوكي، الذي  تشكو منه الأقلام النسوية، على جميع وسائل الاتصال الحديثة، وتجده وبالاً على مستقبل الحركة النسوية، عندما يحرّض ذكورية المجتمع الأبوي، فتخسر المرأة جوانب إيجابية في حركة النسوية بفعل سلوك متطرف غير مسؤول.

فالموقف من الغرب كما يري الأستاذ ماجد الغرباوي يتحدد بفهمه، وفهم خلفياته، وعدم الانجرار للاستلاب، فتعيش المرأة اغترابا حقيقيا، يفضي للتمزق النفسي والتمرد والكآبة والتفكير بالهروب والانتحار، فتخسر نفسها، ويخسرها المجتمع.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: الموقف الصحيح أن تتأمل الحركة النسوية العرب - إسلامية أفكار النسوية الغربية، وهضم فكرتها، ومراعاة الواقع، من أجل نسوية ملائمة، تتبنى قيمها الأساسية، وتتواءم مع ثقافتها. وهذا لا يعني تكريس دونية المرأة والمنطق الذكوري، كما لا يعني في المقابل القطيعة التامة مع التراث والثقافة وكل ما يمت للشرق والعرب والإسلام، والالتحاق بالغرب، كما ترى النسوية العرب - إسلامية الراديكالية المتطرفة، التي تطالب بكل ما طالبت به النسوية الراديكالية الغربية، وتدعو لحرية مطلقة تقصي الأسرة، وتبيح السحاق والشذوذ، وتستبعد الرجل. وهو اتجاه تقدم الحديث عنه، انتقدته النسوية الراديكالية المثقفة قبل غيرها. أقصد أن تتبنى النسوية قيم الحركة النسوية العالمية، كقيم إنسانية كونية، لا تختص بواحدة دون غيرها، لتستعيد ثقتها ومكانتها، وتسعى لنيل حقوقها بما هي إنسانة. وأقترح للحركة النسوية العرب - إسلامية عنوان (النسوية الفاضلة) الذي أجده ملائما لها، دون إقصاء لأي دين أو مذهب أو قومية، مادامت الفضيلة قاسما مشتركا بين الأديان والثقافات الإنسانية، وجميع المجتمعات رغم تفاوت النسب. وأحيانا قد يختلف المفهوم، لكنه بشكل عام لا يؤثر، لأن الغاية هي وجود امرأة إنسانة، تقف إلى جانب الرجل الإنسان، بدون تمايز من وحي الاختلاف البيولوجي سوى الجانب الوظيفي. فالنسوية الفاضلة ستمثّل نموذجا يشترك بمبادئه الإنسانية الكونية، ويحفظ بقيمه وأخلاقه التي لا تتقاطع معها. وهو بهذا الشكل يصدق أنه نموذج أصيل، ليس ترقيعيا ولامستلبا.لا تعاني المرأة باغتراب، كما هو الحال بالنسبة للنماذج المؤسلمة والترقيعية والتلفيقية، سوى تعزيز ثقتها بنفسها وبإنسانيتها واستقلاليتها. كما أنه سيجرّد النسوية من حمولاتها الدلالية بفعل انتمائها للغرب / الرجل الأبيض / الكولونيالي. ولكل واحد من هذه المفاهيم دلالات سلبية في الذاكرة العرب – إسلامية، وما لم يتم الفرز بين القيم الإنسانية الكونية، وسلبيات التمركز الغربي، لا يمكن للمرأة العرب – إسلامية الانسجام مع مشروع النسوية. خاصة عندما يتبادر لها التلازم بين النسوية، باعتبارها منجزا غربيا، وبين موقف الغرب من الدين، ودعوته للتحرر من القيم والأخلاق، وممارسة الفسق والفجور، ومحاربة الشرائع والأديان، ودعوته باسم العقل والعقلانية إلى التخلي عن الإيمان، واستبدال مفهوم الله بماهيم مادية. وبالتالي فمشروع النسوية الفاضلة، سيمثّل نموذجا حضاريا، يشترك ويختلف مع النسوية الرادكالية المتطرفة، التي راحت تسوق نفسها من خلال مختلف وسائل الإعلام، ويطمئن المرأة بمستقبلها. لا يرتهن صدق مفهوم النسوية على عدم الإيمان بالميتافزيقيا. ويبقى الدين قضية شخصية، لا يمكنه حد حرية الفرد وجودا، وليس بمقدوره ذلك. والالتزام بتعاليمه شرط إيماني، فيكون مسؤولية شخصية. والأمر أوضح وفق مفهوم الدين كما ذكرته سابقا. كما أن مشروع النسوية الفاضلة يؤكد على العقل والدليل، ويستبعد الخرافة واللامعقول، ويقدما فهما جديدا للدين ودور الإنسان في الحياة.

3- إشكالية الفقه والتشريعات: إذ تواجه المرأة ركاما من الفتاوى والتشريعات والموروث الذكوري، الذي استبد بوعي الفرد والمجتمع، حتى صارت كلمة المرأة رديفا للدونية والتخلف والنقص والعَيب. وهي إشكالية عميقة عندما تقرأ نصوص الكتاب بحرفية، تتجاهل الظروف الزمانية والمكانية، وتهجر المنطق الداخلي للقرآن، وتستبد بآراء فقهية، هي نتاج ثقافة ذكورية بامتياز. وهنا ينبغي للنسوية مراعاة المجتمع مرحليا، وقدر المستطاع، شريطة تحديث الوعي النسوي، واستعادة إنسانيتها، فثمة فرق بين امرأة تتعايش سلميا مع الواقع، وهي مملوءة بالوعي، تتحين الفرص، وتسعى باستمرار للتغيير. وبين امرأة قد تكون متمردة ظاهرا، لكن روح العبودية تسبد بها، لا تفارقها.

4- إشكالية السلطة: إن سر نجاح النسوية الغربية الأجواء الديمقراطية والتعددية، ووجود ضمان اقتصادي، يؤمّن مستوى مرموقا لكل فرد من أبناء الشعب، مع ضمان اجتماعي وصحي، ووجوب التعليم، وصرامة القوانين. إضافة إلى - وهذا هو المهم - تفهّم السلطات الحاكمة لقضايا المرأة، والاستجابة لكل تطور فكري، لذا شرعت بعض الدول للزواج المثلي، مهما كان موقفنا منه، لكنه تعبير عن تحرر السلطة من ربقة الاستبداد، وقدرة الشعوب على فرض إرادتها. وجميع هذا تقريبا مفقود في العالمين العربي والإسلامي، ومازالت المرأة مرتهنة لأهلها وزوجها في معيشتها، وتربية أطفالها. وعليه يجب أن تنخرط النسوية العرب - إسلامية في حركات التحرر الداخلية، من أجل مستقبل، يتيح لها ممارسة حريتها ومساواتها العادلة. وهذا لا يمكن إلا بتفكيك المجتمع الأبوي، وقيمه الذكورية – الاستبدادية، وإعادة تشكيل الوعي.

ويضيف الأستاذ ماجد الغرباوي: ما تقدم كان كلاما حول البعد النظري من موضوع النسوية، وهناك جانب تطبيقي، تتمثل فيه المرأة وعيا مختلفا للذات والآخر، بعد قطيعة تامة مع قيم النظام البطريريكي الأبوي، التي تكرّس دونيتها وتصادر حقوها، سيما الوجودية منها: الحرية والمساواة. شريطة أن لا ينتهى بها الأمر إلى التمركز حول الأنثى كتحدٍ للتمركز الذكوري، فإن قيمة المرأة بوعيها الإنساني الذي يتيح لها الوقوف بجانب الرجل، عبر قواسم مشتركة ذات مرجعية إنسانية. فثمة طموح مشروع لدى المرأة العرب – إسلامية لتحرير الذات وممارسة حريتها، غير أنه للأسف الشديد وعي مقلوب لدى طيف واسع من النساء، عندما تصرّ المرأة على تأنيث منجزاتها لتعبّر عن ندية عنصرية. فترسي، شعرت أو لم تشعر، ثنائية صلبة، تقوض مشروع (النسوية الفاضلة)، الذي أطمح له، وأجده ملائما، لا ينقص المرأة حيثيتها، ويراعي جانبها الوظيفي، ويسمح لقيم الفضيلة برسم خارطة طريق تضمن كرامتها دون المساس بحقوها، ولا يحرضها ضد الرجل والأمومة والأسرة، ويخلق لديها شعورا بالمسؤولية الاجتماعية، باعتبارها جزءا  مكمّلا للرجل، وليس ندا، يستدعي منافسته وتحديه. ويحثها على المشاركة على جميع المستويات، فثمة فراغات ما لم تملأها المرأة نفسها ينعكس عليها سلبا. إذ مازال حضورها محدودا، ومازالت مشاركاتها، خاصة على الصعيد السياسي والمناصب الحساسة، يثير استغراب وربما سخرية المجتمع!!، على خلفية صورة دونية تحتفظ بها ذاكرته.

وعن الخطوة التالية على طريق الفلسفة النسوية، يقول: ماجد الغرباوي: إن مشروع النسوية في بعده التطبيقي، يتطلب حماية مكتسباته، وتدارك إخفاقات الوعي، لأن الهدف الأساس من فلسفة النسوية أن تمارس المرأة دورها الحضاري، وهذا يتطلب تعزيزمرجعياتها العقدية والفكرية والثقافية، عبر قراءات نقدية، تعزز القيم الإنسانية في جانبها التطبيقي، من خلال  نشاطتها، وممارستها لحياتها اليومية. وأن تتصدى بنفسها للكتابة عن حاجاتها ومتطلباتها، فثمة جوانب في أعماق المرأة لا يدركها الرجل ولا يمكنه التعبير عن حقيقتها كاملا.

ويضيف الغرباوي: الفلسفة النسوية موضوع متشعب، وقد أتينا على معالمه الرئيسية، وتبقى دراسة تفصيلاته، خاصة الفلسفية ومقارنتها بالنظريات الحديثة، فيحتاج إلى استئناف بحوث جديدة. خاصة النسوية العرب – إسلامية، فإنها مشروع مازال في طور التكوين، لم تكتمل أبعاده الفلسفية والفكرية، وكثرة تعقيده بفعل النظام  الأبوي، وسلطة المقدس، ومرجعية التراث، والركون للخرافة واللامعقول، والاستغراق بالدين والغيب. فإذا كان لدي مشروع مستقبلي في مجال النسوية، فسأتحدث عن تحرير الوعي العرب – إسلامي، وكيفية دمجه في الحركة النسوية العالمية، بعد تفكيك إشكالياته، سيما المرتبطة بالدين والتصورات الأيديولوجية، لذا سيبقى الموضوع مفتوحا.

ختاما: أتقدم بجزيل الشكر والاحترام لسعادة الدكتور محمود محمد علي، رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط، الذي حرّضتني أسئلته الاستفزازية على فعل الكتابة، وبفضل لباقته الفكرية وإحاطته التامة بموضوع النسوية، ونظرياتها واتجاهاتها، لما تحقق هذا الجهد الحواري، حيث تطرقنا معاً لموضوع يتوقف عليه مستقبل المرأة، ومن ثم مستقبل المجتمع الذي نطمح له، ونراهن عليه في مشاريعنا النهضوية الحضارية، فله ولصبره وحلمه جزيل الشكر والامتنان متمنياً له، مزيدا من العطاء وهو بخير وعافية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

13 – 1 – 2020م

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4878 المصادف: 2020-01-13 03:23:52