سامي عبد العالحجمُ الإهانةِ داخل أيِّة ثقافةِ متعثرةٍ لا يتم باجترار كهوفها المظلمة ومواضِع التخلف فيها، إنما بإفشال إمكانية نقد وغربلة الأسس القائمة عليها، والحيلولة دون فهمِ الأحداث والقضايا فهماً حقيقياً. والإهانةُ ليست أخلاقيةً هنا، لكنها معرفية، لأن الأخلاقيات لدينا تنفذُ إلى كافة المستويات وتتشكل بأكثر من وجوه، ليس أبعدُها أنْ تقلل من شأنك، لكن أقربها أنْ تستنفدَ وجودَك وعقلك.

هذا هو الحاصل ضمن بعضِ ثقافتنا العربية بامتياز تاريخي، على سبيل المثال فكرة "السمع والطاعة" إلى حد الخنوع والإذلال (وهي فكرة سياسية) قد تأخذُ وضع المعرفة الواثقة، بينما جذرها هو المعنى القائل: ليس في الإمكان أبدع مما كان، حيث يتواطأ الفعل السياسي والديني والاجتماعي. أي إبقاء الأوضاع على ما هي عليه، كأنَّ هناك قائلاً يقول: لا تقترب أيها المثقف(أقصد المثقف الحقيقي) مما نعتقد، كُن بعيداً بقدر ما لا يبلغُك سوطُ اللعنة. لو اقتربت، فرّدُ الفعل لن يكون متوقّعاً، الرد من أطراف( متناقضة) في وقت واحدٍ.  صحيح أن التشكيل غريب، بيد أنه يحتاج تاريخاً من التحليل والتفكير، كل آفاق اشكالية لا تُعطي نفسها لأول وهلة، إنما تتمنّع عن الظهور والانفكاك لدرجة الاستحالة.

إذن المثقف منبوذاً، مطروداً، كالجمل الأجرب في الحياة العربية هو واقع الحال. النبذ نوع من الترك والطرح بَعيداً دون اهتمامٍ، مصير هو الإقصاء والابعاد بسبب معنى غير قابل للمهادنة. والنبذ عادةً نتيجة التجرؤ على ما يمثل شيئاً ذا بال، ولا نقبل النّيْل منه في الأفق العام. تحمل دلالةُ الكلمة جوانب الازدراء والهُجران وتترك نكهةً لاأخلاقية بعد سماعِها. كأنَّ المنبوذ قد ارتكب ما يستحيل التسامح معه. وبالقرآن جاء اللفظ في سياق التنابذ بالألقاب ربطاً بالفسوق بعد الإيمان(الأخلاق+ المعرفة+ الاعتقاد). إذن من يحمل المعنى يغدو مفعولاً به جمعياً في المعجم العربي، أي أنَّ النبذ نتيجة عامة وليست خاصة بحالٍ. وهذا هو "مصير المثقف الحقيقي" منبوذاً إذا فكَّر بجديةٍ، أنه المَرْمِي هناك بأي مكان، فقد يقرنه البعض بالعزلة نتيجة اهتماماته الخاصة، لكن الرمي فعل مقصود (الاهمال) إزاء حالة عامة (تراكم الثقافة).

حيث ثمة فوبيا من انتقاد الموروثات الفكرية الرائجة، ويتجنب المثقف طوال حياته ذلك، لدرجة أنَّه تجري ملاحقة من يقول شيئاً مخالفاً، فهو المتهم سلفاً قبل أي شيء آخر. وسيكون عليه أنْ يدفع تهمة لم يرتكبها وجريمة لم يقترفها، وهي: انتهاك كيان الأمة والتسبب في ايقاع الأذى بالسلف والخلف وبالمقدسات الحيّة والميتة. إنَّها حالة الرفض الكلي الذي يترصد الكُتاب والأدباء والباحثين الجادين مع النتائج المترتبة على ما يطرحون فكرياً وسياسياً.

لقد شكلّت المحرمات الثقافية - باتساعها- لعنة تصيب كل من يقترب. لأنَّ قداستها غدت فخاً يُدمي أقدام كل مستكشف قادم، لمجرد أنَّه يطّأ أرضاً لم يسر عليها الآخرون. هكذا تورط المثقفون في معركة أشبه بمعارك طواحين الهواء التي لا تنتهي. فهم يحاربون ظلالَّهم الكئيبة نتيجة تداعيات القضايا الفكرية بهذا التوصيف... مثل قضية الأصالة والمعاصرة أو قضية تحديث المجتمعات العربية أو قضية قراءة التراث أو قضية ابداع انسانية كونية عامة. والأنكى أنْ تستدير الظلال الهاربين منها لتحل محلهم .. فتقوم الثقافة مرةً أخرى بمطاردتهم (دائريةُ عودٍ على بدء). لكن: كيف يُحال دون الظلال المشوِّهة للمثقف بكل عنفٍ؟! ما طبيعة الثقافة التي تأكل أبناءها؟! ولماذا تنقلب إلى جحيم دنيوي؟!

إذا تصورنا القدرة  النقدية خروجاً عن الثقافة المتراكمة، فلتكن قدرةً لتطوير المهام التساؤلية والفكرية لكل مثقف مبدع إزاء مشكلات المجتمع وظواهره. وهذا سبب محاصر المثقف داخل زجاجة مغلقة، بحيث لا يقترب من المحظورات الاجتماعية. ومن ثم ينهض أتباعُها دفاعاً عنها (من غير معرفة أبعاد الموضوع). ذلك لكون ارتباطهم بإنتاج الثقافة يؤكد وجودهم ووجودها معاً. أحياناً يدخل الناسُ معركة (الأفكار الجديدة) ظنّاً منهم أنها معركة حياةٍ أو موتٍ، بينما هم الخاسرون قبل أنْ تبدأ، وأنَّ الطرف المقابل ليس هو دائماً الخصم الصحيح. لأنه لابد في المعارك الفكرية من الوعي الخصب بما يجري ومعرفة أبعاد المسألة قبل البدء في إطلاق  عبارات النفير.

فقد يظهر مثلاً التواطؤ بين الإسلاميين المتشددين والثقافة الشائعة على نبذ المثقفين. حيث توجد مصالح مُشتركة كانت ممتدةً ومازالت بين الطرفين. في الحقيقة كانت زواجاً بين التدين الشعبي وحالة الذهنية الشائعة بميثاق سياسي غليظ. لأنَّ السياسة - في  تاريخ المجتمع العربي- لم تكن لتضمن الولاء إلاَّ بضمان هذين (التدين والذهنية الشائعة). فكم خدم الإسلاميون أيةَ سلطةٍ سياسيةٍ استبدادية بقدرِ خدمات الناس العاديين لها.

ذلك بالرغم من الصورة المنتشرة عن محاربة الارهابيين للسلطة القائمة وأنَّ الأخيرة تحاول تطهير البلاد والعباد من رجسهم الشيطاني. إنَّ الفكرة هي قمة الزيف الذي انكشف بجلاء في التاريخ القريب، عندما تعايش الاثنان في مصر طوال السنوات الماضية. حتى افسحت الأنظمة السياسية للمتشددين البرلمان كجماعة الإخوان المسلمين والسلفيين. ثم وجدناهم وقد اخذوا السلطة نفسها بعد الربيع العربي في أكثر من دولةٍ عربية. وشكلوا الرهان الغالب في عين الغرب للملمة قطعان الثوار وهوام الفوضى التي كانت بداية للعيان.

براجماتياً في الواقع، لم تكن ثمة خصومة بين الجماعات الارهابية والأنظمة السياسية الديكتاتورية أيضاً إلاَّ بصدد الوسائل فقط. السلطة القمعية تبلغ مآربها باحتكار العنف باسم القانون والشرعية السياسية ذات الآليات الحديثة، ثم تغلفها بنصوص اللوائح وطقوس العقوبات السياسية والقانونية البراقة. بينما يمتلك الاسلاميون – كما يظنون- مشروعية العنف بقرائن دينية وبآليات عنف مبررة مرحلياً. الفارق أن السلطة لها الغلبة بموجب المُؤسسات ومواقع الحكم في حين لا يجلس الآخرون (الذين تطاردهم لذات الهدف) داخل المؤسسات.

الأخطر أنَّه لو كان هناك صراع بينهما (السلطة- الإسلاميون) فليس لصالح الشعب إنما كان جرياً وراء كرسي الحكم. وكل مبررات تساق في هذا المجال لا قيمة لها إطلاقاً إذا لم نأخذ بالحسبان هذا الجانب غير المطروق. وذلك ما يجعل غالبية الناس البسطاء هم وقود الصراع المشترك كذلك. ولذلك يتناوب الإسلاميون والسلطة الحاكمة اللعبة الشهيرة بينهما: "تديين السياسية وتسييس الدين" حتى أخر رمق.

فرأينا السياسيين يلتحفون عباءة الدين بالمناسبات العامة وغيرها. يغتنمون الفرص تباعاً لتدجين الشعوب العربية بمطارق الدين الناعمة (فالدين يوازي الصلاح والإخلاص والطاعة). ولكن نظراً لخشونة الإرهابيين، فإنهم يعلنون نواياهم على الملأ مباشرة دون مواربة. وإذ ظلوا يرددون أنهم يقصدون وجه الله حتى سقط القناع – أثناء الربيع العربي وبعده- باعتبار دولَّهم إسلامية. وحتى أصبحت الخلاقة مثل القناع الأكبر الذي يضم كافة الوجوه الاخوانية والسلفية وغيرها. إلى درجة أن التحدي الجسيم لكل فكر عقلاني هو: كيف يستطيع اقتلاع هذا التصور من الأدمغة؟!

كم يخرج رحال الحكم ليعلنوا على الملأ أنهم يخشون الإرهاب تحت مظلة الدين. وبالمقابل يعلن الارهابيون أنهم يحاربون من يحارب دين الله. ويستهدف الاثنان التهام رؤوس القطاع العريض من الناس. وإذا حدث نبذ للمثقف ومطاردة له، فإن الأخيرة مطاردة مزدوجة. الإسلاميون يفعلون ذلك لحماية المقدسات ثم يتضامن معهم السياسيون بالصمت المريب. والأنكى أنْ يفتحوا لهم المؤسسات القضائية الحداثية لإقامة دعاواهم ضد المثقفين. ويدخلها الإسلاميون بثقة منقطعة النظير بضمان التعاطف الشعبي دفاعاً عن دين الله. ولخداع الناس أيضاً من زاوية أنهم يحترمون اجراءات القانون وأصول الدولة المدنية. بينما هم ينتظرون الفرصة المواتية لتقويضها والانقضاض على السلطة. على الجانب الموازي يبتهج السياسيون كثيراً. لأن الاسلاميين سيخلصونهم من مصادر الازعاج (المثقفين) وبخاصة إذا لم يستطيعوا ترويضهم.

إذن هناك ازدراء صامت (ومتبادل) في صلب كل اتهام للمثقفين والأدباء بالتطاول على المقدسات. لم يكن لتهمةٍ أن تبحث عن مجرم وهمي إلا بإيعاز من كراهية شاملة (من العامة والإرهابيين والسلطة السياسية). فالمثقف الحقيقي كائن منبوذ إلى حد الرجم في المجتمعات العربية، لا محل له من الاعراب. أصلاً يقال: ماذا يقدم؟ هل سنأكل من عمل يديه؟ ما أهميته هنا أو هناك؟ ألاَ يمثل خطراً سياسياً؟ إن تلك الأسئلة المفترضة - كلما أدلى برأي أو طرح تحليلاً أو اخذ موقفاً- تنطلق تلقائياً من جميع الاتجاهات المذكورة.

كل ازدراء تجاه أي شيء يهون أمام ازدراء المجتمع بجميع أطيافه المختلفة للمثقفين. لقد تركهم يتسولون لدى الحكام ووضعهم خارج حساباته. ولذلك ما كان لأي إرهاب أنْ يتصيدهم (كطعن نجيب محفوظ وتكفير نصر حامد أبو زيد مثلاً) دونما أخذ الاشارة الخضراء من المجتمع. كما أن هذا الارهابي بلغ مكانته عن طريق خيول الفتاوى والخطاب الديني وثقافة الدهماء. الإرهاب يعشعش بجميع أشكاله في أحشاء اجتماعية متخلفة كانت لها الغلبة إزاء أي فكر نقدي. وحتى لو كان المثقف صاحب انجاز حقيقي، فلن يجد موضع قدم مقارنةً بخطاب ديني متشدد يسلب عقول الناس مقابل وعدهم بالنعيم والحور العين.

هكذا فالأسوأ أنَّ المثقف لا يلاحقه الارهابيون والساسة فقط، بل القطاعات العريضة من المجتمعات العربية أيضاً. وبالتالي كل اتهام له يصبح ثلاثي الأبعاد بصرف النظر عن ماذا يكون: اسلام سياسي كان يدفعه إلى المحاكم ويحاول إهانته وقتله، ثم يتلاعب به النظام السياسي، فيقف الناس له مهللين!! هذه المأساة جعلت التواطؤ السالف كماشة تقتل كل ابداع فكري وثقافي.

إن المشكلة لن تنتهي إلاَّ بنقض محددات الثقافة ذاتها، نسفها من الجذور التي تسمح بتضامن المتناقضات وتواطؤها على السطح إزاء الفكر. بحيث أن اتساع الهوة يبقي منظوراً بين هذه الأطراف، لكن سرعان ما تجتمع للاتفاق البراجماتي فوق جثة المثقف.

والتهمة الجاهزة (ازدراء الاديان وخلخلة المجتمع وتكدير السلم العام)، كانت بهذا المثلث نوعاً من التنكيل بأي مثقف يفكر بصورة مختلفة. لأنَّها تهمة تبحث عنه بثلاثة مقابض (المجتمع والدين والسياسة) أينما ذهب. كما أنها تركت بموجب القانون عصا غليظة في يد الناس لانزال العقاب الجماعي به لو أحيل إلى المحاكمة. وذلك يفسر أنه كلما تثار قضايا نقد النصوص التراثية تذهب إلى القضاء فورا بمباركة السلطة. وفي النهاية يزعم الإسلاميون دفاعهم عن هوية الأمة. وكأن تلك الهوية هي الصليب الذي يُعلق عليه المثقف، حتى تترك جثته في العراء لأكلي الجيف من البشر. رغم أننا تجاوزنا عصر الهويات القاتلة كما يقول الأديب اللبناني أمين معلوف. وحينما يسمع الإنسان العادي بالخطورة القائمة على هويته ينطلق للدفاع عنها بأنيابه ومخالبه.

وبالتالي سيستّحِل أي إنسان عادي دماء المثقف مصمماً على أخذ الثأر بنفسه. والحقيقة كما رأينا مع نجيب محفوظ فقد قام بطعنه شاب جاهل ثقافياً. لم يقرأ كلمة واحدة من كتاباته ولا يعرف من هو محفوظ ولا أهميته ولا حتى كيف يتجرأ على قضايا الدين. وبالتالي لم يعرف قيمته الأدبية في تاريخ الرواية. بل كانت تلك  الأفكار بالنسبة إليه هلوسات لا قيمة لها.

لقد صيغت تهمة "ازدراء الأديان" التي توجه للمثقفين لإشباع نهم السلطة والاسلاميين والناس العاديين من دمائهم. إنَّ سك الازدراء بوصفه انتهاكاً للموروثات يعني تطويقاً لكل محاولة تفكر في المعتقدات الجمعية. وحينما تتكيف كلمة الازدراء مع القوانين والدساتير، فهي تهدم أسس الدولة المدنية. لأنه ليس ثمة شيء في الدولة الحديثة اسمه انتهاك المقدسات. إلاَّ إذا تمَّ تسييس ما لا يُسيَّس كما أشرنا. والتهمة مجهلَّة " القادر" على اقامتها من جهة الحق والإمكانية والقبول والتبرير والمعاني حتى. وبالتالي تصبح اللغة كخطاب  من هذا الصنف سلاحاً في يد كل من يريد ملاحقة المثقفين والأدباء رغم تفاهتهم في حالات كثيرة.

لقد أمست تهمة ازدراء المقدسات خارج حتى القانون. لأن وقعها الاجتماعي والديني أكبر من دلالتها قانونياً. ذلك والإسلام السياسي كان قد نحج في خلط الأوراق مسرباً قناعاته إلى الرأي العام كما في مصر والأردن مثلاً. وربما لو دققنا النظر فليس ثمة فارق كبير بين الإرهاب وهذا الوعي الصامت. فمن أين خرج الدواعش؟ لماذا يجند الاسلاميون أتباعهم بسهولة على النت ومن دور العبادة؟ حتى جاءت تهمة ازدراء الأديان مرادفة للكفر، لأنه لا يتم مناقشته وتحول من مجال المعرفة والتساؤل والنقد إلى مجال الدين. ولهذا لم يكن ليقيّم أحدٌّ أعمال الكتاب والمثقفين ويرد عليها إنما يكفرونهم مباشرة.

والتقييم الديني على النوايا في ضوء ثنائية الكفر والإيمان يغالب أيَّ تقييم فنيٍّ داخل هذا المناخ. كما أنَّ التواطؤ الثلاثي السابق (الاسلاميون- السلطة- الناس) يُعْلي نبرة التشفي تجاه المثقفين. حتى أنه يمكننا اعتبار تهمة ازدراء الاديان المجاني قتلاً لا إنسانياً لهم. وفوق ذلك تغذي التمادي في تناولها بالأوصاف اللاأخلاقية، وأساسها هو كراهية التغير والمشاركة في حالة من التفكير تجاه الواقع وأزماته.

 

سامي عبد العال

 

سامي عبد العالعلى مستوى الفلسفة، لا يأتي تكوين التساؤل الكلي في ثقافةٍ ما(كأسئلة الماهية– المعنى– الحقيقة- الإنسان) جُزافاً، فتشكيله يتعيّن كمعطى وجودي أصيلٍ للعصر الذي تعيشه. حتى أنَّ تَمَيُز التكوين يتمُ تبعاً لبناء الرؤى الفلسفية خلال هذا العصر (حيث يجمعنا كونياً بالآخرين). قد نسميه الحضارة الإنسانية إجمالاً بقدر ما نُسهِم لا بقدر ما نستقبل فقط، وربما في غير سياق نُطلق عليه ظواهر عالمية خارجَ أفقنا الفكري. والتكوين معناه: كيف نبتكر الرؤى وكيف تتخلَّق ثقافياً؟ إذ سنكتشف أعماقنا الفكرية في إطار إنساني كوني، وإلى أي أساس نستند؟ وكيف سنُعبر عنها؟

لنلاحِظ أنَّ وجود المفكر الأصيل صاحب الرؤية ليس خبط عشواء، هو يلتقط بكل دأبٍ ما هو مشترك بين عناصر الإنسانية، وإنَّه لكي يصبح قادراً على الإبداع، لابد أنْ يخرج من دائرته المحدودة. أي لن يعود محليّاً على غرار زَمّار الحي (وحتى زَمّار الحي لا يُطرب عادةً). وأمام هذه المرحلة، ليس الأمر سهلاً كذلك، فلا يكون مفكراً كما نعتقد إلاَّ إذا كانت أسئلتُه الجوهرية مؤثرةً على نطاق واسع، مما يقتضي فهماً لروح العصر والقضايا الحيوية وابدع المفاهيم والقدرة على طرح المختلف.

بعبارةٍ أوضح كان للمفكرين أصحاب الأسئلة الأصيلة تأثيرٌ في الثقافات الإنسانية التي هي راهنة ومستقبلية بالوقت نفسه. على سبيل التوضيح كان ابن رشد شفرةً فلسفية لعصره ولعصور تالية، لقد ترك الرشدية اللاتينية بأصدائها البالغة في أوروبا. فلم يكن شارحاً محايداً للفلسفة اليونانية، لكنه ترك بصمات دلالية في التركيب اللغوي للنصوص الكبرى التي تعامل معها. فالترجمات والشروح هي ضيافة النصوص وتحميلها بالكرم الفلسفي والتأويلي الذي ظل معها إلى الآن. أي إعادة كتابة وخلق للنص في رحاب ثقافةٍ هي ثقافة الشرق، لدرجة أنَّ الفلسفة الغربية نهلت من الكرم الشرقي في صورة مفكريه ومازالت. وكذلك مارتن هيدجر لم يكن فيلسوفاً عارضاً، بل كان أثراً فذاً لعصر كامل من الإبداع الفلسفي ونقد الحداثة وتحويل عقارب الفكر نحو ما بعد الحداثة. ليس ثمة فلسفة ما بعد حداثية لم تمر بأسئلة هيدجر سلباً وايجاباً حول التقنية والإنسان والفن واللغة والنصوص والحقيقة والشعر والمعنى الأصيل للوجود.

دوماً السؤال الخصب فلسفياً مسكون بهذا التطلع نحو الكوني، أي لا يفقد نبرة التعميم إلاَّ وقد فقد إمكانية تأثيره. ولاسيما أنَّ الفكر الأن لم يعد حكراً على مساحة جغرافية من العالم. إنَّ جغرافيا العالم ليست هي الأقاليم الجيوسياسية فقط، لكنها أيضاً جغرافيا العقول المشاركة في إنجاز الأفكار الكبرى والاتجاهات والنظريات النقدية والفكر الفلسفي. ونحن كقاطني كوكب الأرض إنْ لم نكن لنسبق إلى الجديد، فعلى الأقل ينبغي أنْ نتزامن فكرياً مع الآفاق نفسها.

أيضاً السؤال الفلسفي من خطورته إنَّه يحرك ما هو قديم. بمعنى أنك تستطيع بسؤال مبتكر تجاه التراث أنْ تستنطقه وتعيد إبداعه. فالزمن لا يُبلي الأسئلة أيا كانت، إنَّما قد يأكل الإجابات الواحدة تلو الأخرى. فلقد رأى الغربُ في الفلسفة اليونانية جذراً لأصوله الثقافية، اتصلت أسئلة أفكاره بالجذور القديمة للمجتمع الأوروبي. ولم يأتِ أيُّ فيلسوفٌ راهن ولا حديث دون أنْ يشتبك مع تلك الجذور البعيدة وصياغة تحولها المستقبلي. ثمة أسئلة حديثة ومعاصرة كانت تُطرح باستمرار على أفلاطون وأرسطو. وهما الفيلسوفان اليونانيان، لدرجة أننا لا نستطيع احصاء كم "عدد أفلاطون" وكم "عدد أرسطو" قد واصلوا حياتّهم الأوروبية إلى الآن!!

أزعم أنَّ هناك عدداً من "أفلاطون الألماني" -بقدر التأويل والنقض وإعادة القراءة- داخل نصوص فشته وهيجل وشوبنهور وشلايرماخر ونيتشه وجادمر وكارل بوبر وفتجنشتين. هناك كم آخر من "أفلاطون الفرنسي" ضمن نصوص سارتر وجاك دريدا وميشل فوكو وجيل دولوز وبول ريكور وجان فرانسو ليوتار. وما جرى بصدد أفلاطون جرى بالمثل على أرسطو في أي أفق فلسفي أوروبي بإيطاليا وانجلترا ورومانيا وهولندا.

إذن وفقاً لأهمية الأسئلة، ليست الفلسفةُ باحةً نسقيةً لمقابر الفلاسفة، ولا أضرحة فكرية (الأنساق والمذاهب والأيديولوجيات) يتبادلون زيارتها. لكنها فن صياغة الحرية الفكرية وتذويب تكلسها- لو حدث- بآليات الأسئلة الكبرى. كان نيتشه فيلسوفاً هاوياً إزاء تلك المهمة السرية، صاغ من فلسفته فناً لتحطيم الأصنام( الفكرة الإبراهيمية القديمة). فقد عرف جيداً ماذا تصنع الفلسفة (حين ترتكس وتصدأ) بأدمغة الناس، فأراد تعليمهم ماذا تعني أنْ تكون أقدام الأصنام من صلصالٍ. ولهذا وضعَ نصوصاً ثورية بلهجة معاصرةٍ، أقصدُ تحرير طاقات الأسئلة لا انهاء وظيفتها. لم يعطل نيتشه السؤال عن أداء واجبه المقدس، لكن أعتبره ضد القداسة التي قد تُخلع على أي شيء. وهناك فرق شاسع بين الواجب بذلاً ودأباً بروح كانط وبين وقوعه في شرك القداسة اللاهوتية باسم الفكر.

التأسيسُ الفلسفي يعلِّن فرادةَ الماهية لا نَسْخَاً بين فكرٍة وأخرى، على غرار ما فعل بعض الأسلاف( مؤرخو الحكمة والفلسفة لدينا) بين فلاسفة اليونان معارفنا التراثية. وكذلك ليس التأسيس محاكاةً بأسوب الصورة والأصل بطريقة تعاملنا حالياً مع الفكر المعاصر، لكن بكون "ماهية أي تأسيس"- بين قوسين- لا تخلو من بَذْرٍ خالقٍ. هكذا يُوجد غموضٌ تصنيفي حتى فيما يُنسب إلينا فلسفياً كعربٍ ولا يتجانس مع أفقنا الروحي والثقافي. لقد أطلقنا على أفلاطون وأرسطو حكيمين بإعلان مباشر لأحد كتب الفارابي "الجمع بين رأي الحكيمين".

لكنهما كانا حكيمين بنبرة دينيةٍ لدى مؤرخي الحكمة والملل والنحل كابن النديم والشهرستاني وابن أبي اصُيبعة في التراث، فما سكت عنه الفارابي أنطقته الثقافة السائدة ومبررات الاعتقاد على ألسُن أخرى. لا ابالغ حينما أقول "تم صناعة النبوة في شخصيتي الفيلسوفين اليونانيين"، أُعيد إنتاجها في أفكار أفلاطون وأرسطو الاسلاميين هذه المرة (أي أسلمة العلوم والمعارف منذ القدم). نُقلّت فكرة النبوة حرفياً وجرى استعمالها بمنأى عن النقد وظل تأثيرها سارياً في الفلسفة بقدر تأثيرها أدباً وحكمةً. قالب النبوة أقرب القوالب للذهنية العربية نظراً لحماستها وايمانها بالخارق الغيبي في مجالات كثيرة.

وكما كانت النبوة سقفاً لا يعلوه سقف ولا ينبغي، فيستحيل تجاوزها معرفياً إنما قد تُدَّعى فقط كحال مدَّعي النبوة: مسيلمة الكذاب وسُجاح ومازال البعض يراها كذلك إلى يومنا هذا. والنبوة بالنسبة إلى ذهنية العربي سلطةُ وضع الحقيقة معلقةً ميتافيزيقياً فوق كل العقول. وهي هبوط الوحي من مصدرٍ لا قبل له به، من قوة إلهية تختار من تشاء وتقرر ما تشاء وتصرّف الحياة كيفما تشاء. لكنها تحولت إلى مجالات السياسة والاجتماع، فأصبحت النبوة كافيةَ الاستعمال فيما يرى ابن خلدون (الملك القائم على النبوة) لإخضاع الإنسان وغدت قادرةً على إلهاب عواطفه وتحريكه للمنافحة عن أصوله المحفوظة. لعلَّ كانط أصاب حين اعتبر الإسلام ديناً شجاعاً إزاء الأغيار. فإنْ كان هناك ما يميزه عن سائر الأديان من وجهة نظره، فيتميز بشجاعةٍ ليست تقنية صراعية، لكنها عمل كوني جعله ديناً عالمياً. وهنا تمتص الثقافة الأنماط الكبرى للسلطة وتعيد إفرازها وتوزيعها في جوانب ثقافية أخرى (النبوة من الدين إلى السياسة).

المفارقةُ تبرز هنا في وجود أكثر من أفلاطون وأرسطو في الفلسفة الغربية بينما في الفكر الإسلامي ظل الشخصان كما هما، لم يتغيرا بل أُضيفت إليهما مساحيق النبوة وطبقة دلالية سميكة من نبوءات الأخلاق والحكمة. هذا هو الفارق بين الذهنيتين العربية والغربية. بل بإمكاننا العثور عند العرب على الفيلسوفين محنطين كمومياء ثقافية، فلم نبتكر أسئلةً جديدة جدة وجودنا الحضاري، لأننا ما عدنا لنتجاوز مواقفنا بدورها إلاَّ نقلاً أو حفظاً.

وهذا لا يعنى عدم اسهامنا في مسيرة الفكر الفلسفي. فالإسهام واضح ببصمات الفارابي وابن رشد – كما نوّهت- على التراث اليوناني أثناء عبوره إلى الغرب، ولكن هذه جهود فلسفية فردية لم تؤثر في بنية الثقافة الأم. وهنا اتحدث عن طريقة ولادة الأسئلة في الذهنية العربية، كانت ولادة داخل البيئة بإمكانياتها على التفكير التساؤلي واجهاضه كذلك. ولادة قيصرية من حيث أن الأسئلة تتجزأ وتنهضم خلال البنية العامة، تلك التي تتميز بالنزعة التجزيئية كما تقول الشاعرة نازك الملائكة.

يبدو أننا لكي نُطلق عناناً لأسئلة حقيقيةٍ لابد من تجاوز هذا الهضم الثقافي. فكل اسهام فكري لا يحاول تجاوزاً للمواقف المحدودة يظل تجزيئياً، ولا يفعل أكثر من تمتين البنية المهيمنة في كافة الجوانب الحياتية. إن الهضم الثقافي- الذي يشعرنا بالامتلاء والاريحية- هو الصورة المتنكرة في عباءة براقةٍ، غير أنَّها مرقعة بنفس الجوهر. بالمقابل فإن التفلْسف بكونه أسئلةً ماهويةً، يفترض انتهاكاً فكرياً لهذا الوضع( كشفه ونقضه من الجذور). فلم يعد شأنا يخص فرداً أو جماعة أو طائفةً، إنما بنية ثقافية تطال الجميع حتى المثقفين المتنورين وأصحاب الاسهام الفكري.

السؤالُ الفلسفي يحرر العقل من سلطة العقل (التي هي تاريخه الثقيل)، لكونَّه سؤالاً (فيه وله) قبل أنْ يتجاوزه إلى غيره. التحرير شرط للطرح (أي يجب اشتراط فهم التاريخ)، لأنَّه استشكال لوجوده، ومساءلة بقاياه السارية بواسطة مفاهيم نمطيةٍ. من حينه لن يهادن الاستفهامُ موضوعه، ولا يكتفي بهذا الوضع، لكنه لا يدع أساساً دون نسفه من الداخل. فهو كاستفهام ينخرط عاملاً على تحرير دلالة الكلِ، وهو بهذا سيعلِّن عن قلقه بالمثل، فنبرته الميتافيزيقية لن تكون بدون أضرار مثلما يتوقع كانط.

فالعقل الخالص– من رأي كانط- قد يهدم مبادئه بنفسه، إذا طرح السؤال الذي يعجز عن الإجابة عليه. بل تصور الفيلسوف الألماني أنَّه قد يكون سؤالاً واحداً (من بين مجموعة الأسئلة) هو الكفيل بإتمام ذلك. فلو ثبت أنَّ مبدأ العقل الخالص لا يقدر على الإجابة عنه فعلاً، فلا مناصَ من رفض المبدأ ذاته، لكونه سيفشل كما يعتقد في إجابات أخرى حيال بقية الأسئلة بصورة وافية ومتسقه مع الكلِ.

لم ينس كانط تذكيرنا أنَّه مهما بلغت مبادئ النسق العقلي من الكمال، يظل شمول هذا النسق نفسه عرضة لخطر التآكل الاستفهامي. أي يجب ألاَّ تغيب عنه مبادئ مشتقة نتيجة أسئلة مطروحة بعد تبلور الأفكار. فحيث لا يمكن تقديم المبادئ المشتقةَ بصورة قبليةٍ بل يتم اكتشافها بالتدرج، ينفتح النسق على أفاقٍ أخرى. هو لا ينفتح قسراً، إنما من طبيعة ذاته لأنه منطوٍ على إمكانيات نقائضه. أي نسق فكري وأيديولوجي ينطوي علة تلك السمة التي تهدد كيانه قد أن يتساقط بفعل الصراع من الانساق الأخرى وعوامل النقد الخارجي.

التغاضي عن تلك النقطة يؤدي إلى "الفقر الفلسفي"، حالة من الدوار- بحجم الحياة- تؤرجح وجودنا: هذا الارباك العربي الذي نشاهده في الأوضاع الاجتماعية والتنظيم السياسي والمجال الأخلاقي واهتزاز بوصلة القيم. نظراً لغياب الفلسفة عربياً وتضخم المذاهب والأيديولوجيات المتشددة، فالفلسفة سؤالٌ لشيء أعمق من كلِّ الأشياء. شيء لم يعد قادراً على احتواءنا، ومع هذا ينتج كلَّ طاقته لتمرد الوعي، ويفتحُ اهماله ثقباً فيه بحجم ثقب الأوزون الذي يمتص كافة الطاقات، هذا هو مناخ الفكر الذي تساءله الفلسفة جذرياً وتصنع منه أسئلة حيوية لصالح الإنسان. إنسان ربما يخرج يوماً عن "قواقع الأنظمة" اجتماعياً وسياسياً، حيث يعلن عصيانا جذرياً للفكر.

إذا أردنا توضيحاً للموضوع تبعاً للذائقة العربية، فالسؤال المؤثر استشكال خلْقِي بلغة الله الخالق لا بكيانه. لأنَّه كسؤال من جسد الثقافة بحدِّ ذاتها لا يضع هناك مرجعية لاهوتية لما يطرح. فلم يكن الله في القرآن حين عرض قضية أدم على الملائكة طارحاً للكلام بصيغة آمرةٍ وهو القادر عليه، لقد طرحه بمضمون الاستفهام. كان مضموناً استشرافياً باعثاً لدى المتلقي على التوجس والخيفة والترقب. هذا معناه أنَّ كل سؤال به هذا الارهاص الكوني، هذا البعد المستقبلي؛ أي الارهاص البدئي بالأشياء الخطرة.

ليست خطورتها جزئيةً، لكنها خُطورة كلية من نقطة بعيدةٍ تكاد تلامس دلالة الإله وقدراته في الأفق العام. فلم تكن قصة الخلق التي تحدث عنا القرآن (خلق آدم) وضعاً معرفياً وحسب. لأنَّ الله قال لملائكته: "إني أعلم ما لا تعلمون"؛ أي رفع عنهم عبء المعرفة المنجزة بمنطق المستقبل. وجعلهم في حلٍّ من نتائج سقوط توقعاتهم. إذن ليس السؤالُ موقفاً معرفياً فقط. ولهذا هم ردوا بصيغةٍ استفهاميةٍ تصديقاً لكلية السؤال، قالوا "أتجعل فيها من يفسد فيها ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك"، لقد فهموا الموقف كطرح لمسألةٍ تحتاج إلى بدء حياة مغايرة لمعرفتهم لا مجرد اثبات فكرةٍ مسبقةٍ.

الاستفهام الإشكالي به هذا الطابع الخائض في المستقبل، به ذلك الحدس المتجاوز للظرفي. وكلام الله في القرآن هو طاقة الخلق ليست غير، مثلها مثل فكرة الألوهية في تاريخ الثقافة الإنسانية، إذ تعبر أحياناً عن قدرتنا على ممارسة الحياة. أي طاقة المعنى عند إنسانٍ قادر على الشعور بالله ايمانياً في تجارب مختلفة، إنَّها لغة القيمة الإجمالية لتنوع الأفعال والأشياء. وأيا كان تعيُنها خلال أشكال ومعتقدات أو غيرها، فستظل على وعدها الذي تحمله، كوعد تكويني بالأساس وفوق ذلك يذهب الوعد خارجاً نحو التحقق. سيكون السؤال علي أثرها عملاً مهموماً بإعادة تأسيس نفسه وتدعيم طاقته بذات المعنى. ليس الله هو الشكل ولن يكون اتجاهاً، ولهذا نفته الأديانُ الابراهيمية في جوهرها، فكان بدلالةِ العرفان هو اللا حدود.

ولو دققنا النظر، لوجدنا في حركة السؤال (أي سؤال فلسفي) معنى متفجراً، قدرةً على التأويل المبتكر والفهم المفتوح المترتبين عليه وأحياناً المصاحبين له. إنَّه يؤكد حالة الحيرة التي تكتنف فكرة الكشف والتجلي وبدلاً من التّعيُّن في نقطة ما ينطلق الاستفهام بالرغبة التي تلاحق مجهولاً محتملاً. السؤال يتخطى إمكانية طرحة، مهارته الذاتية أبعد من مجرد الصياغة والتفكير في حدوده، وقد يتعاونان على خلق طريقة في التفلسف.

إنَّ أصالةَ الأسئلة ليست عتاداً في مواجهة التراث وصورته المكتملة ماضياً. هي تحمل بكارة الفكرة، وطرح الاختلاف- لو اتيح - وسط استحكام العقل، فليس هنالك أكثر من البحث عن الحياة المتغيرة. إنَّ نهراً كلياً في هديره هو الحياة إذ نحن مغمورون فيها، أحداثها واعدة بالجديد، وأفعالها غير متوقعه، مخلوقاتها مذهلة تظهر أحياناً وأخرى تختفي. إنَّها استحالة التصور لما يُطْرح من أساسه. تماماً مثلماً كان رد الملائكة على الله هاجساً حياتياً عاماً (أتجعلُ فيها من يُفسِد فيها ويُسفك الدماءَ ونحن نسبحُ بحمدك ونقدسُ لك)، ردٌّ كَشفَ خطورة الحياة في المخلوق (آدم) الآتي من القادم لا من الماضي، فكانوا يتكلمون بعبارات المستقبل.

السؤالُ إذن: هو أنْ تعيش حياة الفكر بشكلٍ أكثر أصالةً، بشكل أكثر جذريةً كما هي، لا كما يُراد لها بالإنابة، فلا أحد يعيش مكانك أو يأخذ قدّرك، وتاريخنا العربي تقريباً جرى "بالإنابة عن لا بالأصالة في". إذا كانت  الفرق الإسلامية(كالمعتزلة والأشاعرة ) قد طرحوا مشكلة حرية الإرادة على نحو تفصيلي، فالتراث العربي، بخاصة السياسي والاجتماعي، أثبت العكس، تراث الاستعباد تحت الحاكم المستبد والأنظمة القمعية، فأكد عملياً قيام الإنسان بدور المُكْرّه لا الفاعل.

بالفعل كان إثباتاً لخطأ الطرح الكلامي (أو لمكره الثقافي)، حيث جاء توظيفاً سياسياً وثقافياً للإرادة الإنسانية، فحياة الناس سارت بأدوار وظيفية تحركها السياسة والتقاليد لا بدوافع ناشطةٍ ذاتياً وروحياً. وهذا كان منبتُه أنَّ المعتزلة والأشاعرة انطلقا (بحسن النية) من تبرئة الإرادة الإلهية إزاء الشرور وأفعال السوء، فكانت إرادة الحاكم هي المبرأة رغم تورطها في استعباد الإنسان. وهنا تم خلع صفات الجلالة والقداسة والصفات الالهية على الحكام رسمياً ودينياً. وأصبح الفقهاء الذين برأوا ساحة الله من التعطيل والتجسيم والتشبيه قد تورطوا في تجسيم رجال السلطة وتشبيه أفعالهم عياناً بياناً، وضعوا نوعاً من الوثنية المقلوبة من حيث لا يعلمون.

إنَّ آليات السياسة هي تفريغ آدم الكوني من أهميته، تلويثه سياسياً بالعبودية والخنوع والتدجين والمسخ. حياة المجتمعات العربية إفشال صريح لمشروع آدم، وتصفية لقضية الجعل الإلهي للإنسان جعلاً حُراً بخَلْق إلهي. وعندما يُوصف المشروع بالمهم، تأتي الأهمية من خطورة ماهيته الإنسانية. فهو كائن بصلاحية الإله (خليفة بلفظة القرآن)، لكن بقدرات بشريةٍ جاء العربُ ليتنازلوا عنها للسلاطين والملوك والطوائف الاجتماعية والتقاليد. أي تنازلوا (عن الله) فيهم بشكل حر لصالح عبوديتهم لغيره الأكثر عنفاً. وليس تُستثنى من ذلك جماعة أو طائفة، ولذلك فإن هؤلاء الدُعاة الذين يتكلمون باسم الله، قد أسسوا لاهوت السلطة وعلاقات الراعي والرعية وهيكل الكهانة ولوثة الوسيط العنيف وانحرافه.

ومن ثمّ، فحدودُ الوعي بالسؤال ليس تلقيناً لمواقف مستهلكة ولا تلقيماً لأفكار بائدة. إنَّه انفتاح بإمكانيات الماهية المتجددة، التي ليست نحن حصراً بقدر ما نبتكر وجودنا ابداعياً. فالإنسان من حيث هو كذلك يستعيد وجودّه من الضياع حين ينطلق مع التفكير الحر. قد يخشى العواقب، لكن من العواصف تُخلق الأجواء الحرة، ومن الأنواء الهادرة تعبر السماء عن تشكيل العالم. المعنى الدال في هذا أنَّ كلمة السماء في العربية لا تدل على التعالي المناوئ لأي سقف، لكنها تُستعمل فعلاً بمعنى السطح القريب. بلاغة الأسطح الدنيا في السياسة والاجتماع والمعرفة هي سماء العقل العربي حتى الاختناق. فكل ما يعلو الرأس يسمى في العربية سماءً، وهذا مصدر القيود واستعصاء اختراقها. لهذا لا يستطيع المفكرُ العربي تجاوزها، بل يضعها لنفسه ويسلسل بها أرجله ويعلن زيفاً أنّه طليق حر!! وأخطر أنواع القيود تلك التي تترسخ داخل اللاوعي نتيجة الخوف من ملاحقة التقاليد أو السلطة أن الهواجس الاجتماعية.

باصطلاح هيدجر تعدُّ ماهية الأساس لدينا تسطيحاً للمبادئ إلى درجة التعميم الانفعالي. فلئن كانت الفلسفة تعلمنا التفكير بالمفاهيم، فنتيجة غيابها المأساوي في مجتمعاتنا العربية، يصبح التفكير مجرد انفعالات لا رابط بينها. ولذلك لن تكون ثمة قيمة للفكر لكونه غير مؤثر وهو انطباع عام لا يلوي على قدرة عقلية تحقق نفسها أو تسعى إلى ذلك. ثم إنَّ الواقع يُعلن منذ بالبدء كما تقول الأم في الثقافة العربية داعيةً لابنها (اللهم يكفيك شرَ الفكر يا بني). إذن الفكر في الوعي الشائع مرض عضال وشر نفسي يجب اللجوء إلى الله لإزاحته دون طريق من نحب وهو مجال علة لا مجال صحة.

والأم هنا هي الثقافة التي تردد ما تضمر وتكشف نفسها في المواقف الحرجة باسم فلان أو علان (الأب أو الأم). وربما أنَّ كون الفكر شراً هو أبلغ ما يُوضع تحت الاستفهام، لأن الأنظمة السياسية استغلت الدعاء بزوال الفكر عن الناس لتتلقفهم، حيث فكرت بدلاً عنهم، وحلت المشكلات عوضاً عن وجودهم وبالنهاية أصبح لا وجود لهؤلاء الفارين من الفكر حتى فروا من الحياة ذاتها. فجاء المواطنون في دولنا العربية كـ" العصف المأكول"، لا قيمة لهم ولا أهمية، إنه سقف الأفكار المعلقة في مناخ قريب من الحس اليومي، حس هو "ضعف العمران والعصبية والتوحش" بلغة ابن خلدون، لغة شارحة وكاشفة تاريخياً للأحداث والتحولات العربية حتى هذه اللحظة من عصرنا.

 

سامي عبد العال

 

 

سامي عبد العال"ما قدْ تراه هنالك، ليس إلاَّ أصدافاً على شاطئ بحرٍ لا حدود له.."

"دوماً الأسئلة لا تهدأ.. ولن تتوقف عن اثارة  المجهول.."

رُبَّ سؤالٍ يزعجُ معرفتنا الغارقةَ في سُباتِّها حتى الإيقاظ. عندئذ لن يكون النوم حالماً، إنما أرق بملء العيون، ملء العالم والتاريخ والزمن. نوم هو اليقظة، حيث لا يستغرق النائمُ بعضاً من شعيراتَ جفونه، النوم اليقظ الذي يتقلب مع الأفكار يساراً ويميناً، أعلى وأسفل. إذن على الفكر أنْ يسهر فلسفياً، السَهر الفلسفي هو انعدام الغفلة، الجلَّد ومغالبة النعاس والفتور العقلي، هو درجة قصوى من الكشف النهاري إزاء كلِّ ليلٍ محتملٍ. كانت هذه الدرجة أحدَ أشكال الوعي بالأسئلة وشقاء العقل، لقد ظل ديوجين اللائرثي في اليونان القديم يبحث عن الحقيقةِ حاملاً مصباحه في وضح النهار!! على حد قولِ المتنبي:

 ذُو العقلِ يشْقى في النعيمِ بعقلِّه     وأخُو الجهالّةِ في الشقاوة ينعمُ.

بكلمات أخرى، يقظة الفكر هي ملء الليل (ليل الحياة والثقافة والروح واللغة) بالنهار. والنهار كلمة عامةٌ تأتي إلى عيون النائم وهو في أعماقه، كأنَّك تغمض على ضوءٍ ولا يبارحُك. النوم والموت خاصان بالإنسان، في أعماق نومك وموتك لا ينام معك أحد ولن يموت معك كذلك. فأنت النائم متوحداً مع كيانك لا يدخل إليك شيءٌ. وحين يسهر الفكر، فأنت من يشعل شيئاً من نهارٍ، بأي عنوان كان سيأتيك. علي الفكر أن يسهر حتى الفجر، ضمن هذا المعنى قد يصبح الفجر في أي وقت وبأي عيون.

ففي تاريخ الفلسفة، بدا إيمانويل كانط مثالاً لنائم أيقظه ديفيد هيوم من رقادٍ عميقٍ. وباعتراف كانط نفسه، لم يكُّن إلاَّ كائناً هائماً على وجههِ، وأخذَ يتحيّن الفرصة لقرع طبول الأسئلة. كانت أسئلة هيوم جامحةً وجذريةً حول المعرفة وعجز العقل عن تجاوز حدود الأشياء. لعل أزيزها المدوي كصدى الرصاص طال جوانبَ الفكر: مفهوماً وإدراكاً ومنهجاً. وقد جاءت مرحلةُ كانط " نقد العقل الخالص"Critique of pure reason بمثابة الصدى المباشر لهذه اليقظة المفاجئة.

كانت دلالة قرع الطبول– في الحياة البدائية- إعلاناً عن حادث كوني، حضور آلهة، طقوس، موت، ميلاد حياة، حروب. هي تناشد مجهولاً ما، تأخذ بلياقة التعامل معه وتتحين الوقت لمعرفته، وفي الأغلب كانت تحاول بالأصوات ترويضه وجعله مألوفاً. وإلى وقت قريبٍ في الثقافة الشعبية لمجتمعات شرقية (عربية)، استُعملت الطبول بهذا الإيقاع الحياتي – الكوني. كانت أصواتها تحذر من قدوم شيء مجهولٍ ليس لنا احتماله دون اليقظة أو إقامة شعائر الاحتفاء بمصير ما حياةً أو غسقاً. مثل ضرب الطبول لخسوف القمر أو لغياب بعض النجوم اعتقاداً بأنَّ كائنات شريرة تحجب رؤيتها( فقد كان يُقال القمر مخنوق). وأنَّ صوت الطبول سيجعل الكائنات تتراجع عما تفعل وتهرع من حيث أتت!! وكأننا مسؤولون عن رعاية الأشياء والعالم( عبارة هيدجر: الكائن الإنساني أو الدازاينDasein هو راعي الوجود).

الفلسفة تاريخياً أحد دروب اليقظة التي تستدرك نيام البشر. كأن انغام رباعيات عمر الخيام تتهادي بصوم ام كلثوم لإيقاظ الناس للاغتراف من معين الحياة: "سمعتُ صوتاً هاتفاً في السحَـرِ نادّىَ مـن الغيب غُفاةَ البشـرِ، هِبُوا املأوا كأس المُنى، قبلَ أنْ تملأ كأسُ العمــــــر كفُ القدر". إنَّ الفلسفة كمغامرة عقلية قصوى تستوجب انتباهاً ينزع النعاس عن الجفون، وأنْ يكون الانكباب عليها كحال المنكب على كأس المُنى، كأس العمل، كأس الطموح، كأس الفكر، كأس الحب. الفلسفة هي فن العيش بعدما كانت تمريناً أفلاطونياً على الموت. والاثنان: الحياة والموت يتبادلان الدلالة الإنسانية، فمن يبلغ موته بأريحيةٍ صانعاً مصيره الخاص، هو من يمكنه الحياة بملء الكلمة (الموت اختيار وصناعة كما الحياة).

في الثقافة اليونانية أيضاً، كان سقراط يسمى "ذباب الخيل "Tabanidae ، ذباب يجعل الخيول مستنفرةً وكثيرة الاهتزاز والصهيل. الأسئلة السقراطية كانت تنقر الوعي (مثل دجاجة تنقر الحبوب)، ليعرف ما يُحاك له، وما ينزلق إليه، وهي عمل أصبح ضرورياً بهذا المسمى في المجتمعات المعاصرة. فالوعي الغُفْل قد ينعدم يوماً ما لم تُثِرْهُ أسئلةٌ حقيقيةٌ، تصقل أدواته وتدفعه للانتباه، لأن السؤال استدعاء لحركة المستحيل ولو كان نائياً، أمَّا العجز فمن صفات الاستكانة إلى ما هو جاهز ومتاح.

الاستيقاظ أحد وجُوه الوعي الفلسفي الذي يلاحق الإنسان بضرباته. لكن طبيعياً أنْ نلتمس التوضيح: استيقاظ من ماذا وإلى أي مدى سيكون؟! هل يغيب وعي الفيلسوف أم تُوجد جوانب أخرى للمسألة؟ الأمر يضمرُ كون النوُم الفلسفي غفلةً فكريةً تلفُ العقل. وإذا كان ذلك شأن غطيط الأفراد، فما بالنا بمناخٍ ثقافيٍّ يدعو للنوم وسط قارعة النهار ووسط يقظة العالم المتطور والحي. المعنى اللطيف أنَّ الأسئلة الفلسفية اشبه بأصوات كانت تعلن النفير العام، لكنها تقدح زناد الفكر والترقب للمستقبل. ومن حينه كان العقل يتأهب لأخذ مواقع جديدة وابداع رؤى مغايرة. ولن يكون الأمر إلاَّ مرتهناً بأرق فلسفيٍ يؤكد أصالةَ التساؤل وأصالة الاستجابة الفلسفية له.

المهمة جد خطيرة للفيلسوف: أنْ يبتكر الآفاق العقلية المناسبةَ لإيقاظ المجتمعات من غفوتها وسقوطها. فالحياة اليومية أشبه بغطاء كثيفٍ حدَّ الموت لأُناس نيام على قارعة التاريخ، هم يحتاجون تدريجياً من يمزق الأحجبة ويجعل ضوء النهار نافذاً إلى عيونهم ووعيهم وأسماعهم. تبدو معاني هذا الفعل التاريخي عالقةً بالتفلسف كفنٍّ لكشف طبائع الحياة والثقافة. سيكون مرتبطاً بالنور والانكشاف والتجلي والتمزق والتفتق. إنَّ عملية تحرير الأسئلة من أغلال الصمت جزءٌ لا يتجزأ من هذه الدوائر. في تاريخ الفلسفة، لم يكن ذلك مجرد معرفة، لكنه فهم لعمل الفكر إزاء قضايا المصير والحقيقة والعيش.

هكذا كانت أسئلةُ ديفيد هيوم بالنسبة لكانط وخزات للتعرف على العالمِ والأشياءِ. لقد أكد هيوم، من نقده للفلسفات العقلية، أنَّ أفكارنا مستمَدة من الخبرة التي يحتويها العقل لا من العقل نفسه. والعالم ليس وليد أوهام خاوية، لكنه نتاج النشاط والفعل. الأمر الذي  أوعز إلى كانط بخلع سباته الدجمائي. ولا يخفى كون الدجما الفكرية كآراء جاهزة التكوين قد تلقي على أصحابها رُقاداً أبدياً ما لم يسمعوا قرع طبول الاستفهام.

في كتابه نقد العقل الخالص يبرز كانط أنَّ موضوعات "المعرفة" الممكنة هي "الظواهر"، أي موضوعات العالم الفيزيائي القابل للرصد تجريبيّاً. وقد انتقد، بالوقت ذاته، الرؤية التجريبية عند لوك وهيوم، طالما جعلت الانطباعات الحسِّية وحدها أساساً للمعرفة. والرأي عند كانط أنَّ "الأفكار من دون محتويات فارغة، والحدوس (جمع حدس) من دون المفهومات عمياء"، آخذا من أرسطو عبارة " المقولات الأساسية "، على أنها مصدر كلِّ مفاهيم الفهم، بوصفها مفاهيم قَبْلية، لا تصبح التجربة ممكنة إلاَّ من خلالها، وهي ترتبط بالضرورة وبالتجربة معاً.

وقد اعتبر كانط مقاربته للمعرفة " ثورة كوبرنيكيةً "Copernican revolution، على غرار نفي كوبرنيكوس لدوران الشمس والنجوم حول الأرض، مفترضاً أنَّ الأرض هي الدائرة  حولها لا العكس. ولقد سبقه ديفيد هيوم إلى هذا، حين حلَّل دلالة "العلاقة العلية" بين الظواهر والأحداث، من حيث لا وجود لضرورة عليةٍ حقيقيةٍ في العالم، لكن الشعور بالضرورة لا ينشأ إلاَّ من مسلمات الذهن البشري.

وتباعاً اعتقد كانط أنّ التجربةَ كفيلةٌ بحل مسألتين بدا اعتقادُه فيهما خاطئاً. مسألة: النقائض (المفارقات)، ثم مسألة: الأصل في كل فكرة كليةٍ وكل ضرورة معرفيةٍ. في هذا الشأن استيقظ فيلسوفُ النقد- بمطرقة هيوم ثانيةً- مفرِّقاً بين مادة التفكير وصورته؛ أي التمييز بين صورة الذهن verstand وصورة العقل vernunft. الصورة الأولى كالمكان والزمان بينما الصورة الثانية مثل العلة والجوهر والممكن والضروري.

لتؤكد تفرقة كانط أنَّ الذهنَ ملكة لإنتاج تمثُلات حصولاً على المعرفة، هو ملكة التفكير في الموضوع الحسي بمساعدة مقولاتٍ وأحكامٍ. أمَّا العقل، فملكة الصور اللا مشروطة، وغير المقيدة زماناً ولا مكاناً.  يتجه أولاهما إلى الجزئي، بينما يتجه ثانيهما إلى كلِّ التجربة وإلى المطلق فيها. وقد أحدثت تلك التفرقة تحولاً جذرياً نحو  طبيعة المرحلة النقدية في فلسفة كانط بمجمل زخمها.

كانت المحصلةُ أسئلةً كانطيةً أكثر جذرية: ماذا يمكننا أنْ نعْرف؟ ما الواجب علينا فعْله؟ وبماذا يمكننا عقلانياً أنْ نتفاءل؟

حيث اخفقت كلُّ إجابةٍ لا تواكب القدرةً على تجاوز المواقف الجزئية، وحيث طافت الأسئلةُ كافةَ مجالات المعرفة بحثاً عن الشيء المختلف. إنَّها كانطياً مشروطةٌ بالإطاحة بأي تأسيس لاحق على التفكير الاستفهامي. فينشأ التفكير في نقد منطلقاته، إنْ لم يهدمها مغايراً أية رؤية يتحدَّد فيها. هكذا غدت الأسئلةُ تمارين على السهر الكانطي داخل فضاءٍ يتسعُ كلما اقتربنا منه. الاسئلة تعلمنا فناً للسُهاد عبر اركان المعنى النائية نأي المجهول. وبالإمكان لو أثرنا أسئلةً دون قيودٍ إزاء الواقع المعيش، لكان التفكيرُ أكثر عُمقاً. فالسؤال ينبعُ من حرية أصيلةٍ للعقل خارج القوالب الجاهزةِ، ناهيك عن احساسه بالمشكلات بصورة مبتكرةٍ. وليس ذلك إلاَّ ليكمل "أرقاً فلسفياً" يشمل كيان الانسان.

يقول الميتافيزيقي المتشرد اميل سيوران: " هناك نوعان من العقل: أحدهما نهاري والآخر ليلي، لا يتشابهان في النوعية ولا في الجوانب الأخلاقية. تراقب نفسك في وضح النهار وتجود بما لديك ليلاً. النجاعة أو العواقب الفظة تهم قليلاً الرجل الذي يُسائل نفسه عندما يكون الآخرون فريسة للنوم، وعليه فهو يتأمل بناءً على الحظ السيئ لكونه قد وُلد، دون مبالاةٍ بأي أذى قد يسببه للآخرين أو لنفسه. بعد منتصف الليل يبدأ سُكْر الحقائق المدمرة ."

ما من فلسفة جد مثيرةٍ إلاَّ وتتوافر على مخزونٍ خصيبٍ من الأرق الفكري الذي لن يُحسم بسهولة، لأنه دائم التساؤل. فأي فلسفة تبحث عن تدمير قيود ما، قد يراها الفيلسوف أو المتصوف أو الشاعر بدقةٍ دون أنْ يراها الآخرون. كما يوضح جلال الدين الرومي أنَّ القيد قد يكون صورة هي المسخ للحقيقة، يقول: "إنك قدْ رأيتَ الصورةَ، ولكنك غفلت عن المعنى". لأن الصور هي الحجم النسبي الذي يحول دون الكل الأبعد ورائه. الصورة قيد يختزل الوعي ويحبس الخيال، لكونها تجلُّطاً للمعنى في هيئةٍ بعينها، حجاب عرضي يواري ما هو غير قابل للاختزال بلغة الفلسفة.

والمعنى المتفلت من القيود يبرز وجهين: ما هي القيود المفروضة عليه وما هي طبيعة الصوة التي تأخذ مكانه؟! يؤكد الرومي: " ولكن ما الصورةُ إذا جَاءَ المعْنى"، أي أنَّ المعنى قدرةٌ مفتوحة للخروج من الاغلال وكسرها بلا رجعةٍ، إنها مهمة التفلسف أيضاً ناهيك عن التصوف، فالإنسان العادي يرى الصورة، يحن إلى القيد، يتمنى الارتباط به، ولذلك هو دوماً يتجمل للصور واقفاً بالقلب منها، بينما أهل الفلسفة يتعلقون بالمعاني، تلك المتناثرة والهائمة خارج الصورة.

الصورة -كما يقول الرومي- هي غفلة المعنى، نوم المعنى على طريقة نوم كانط، والإيقاظ هنا هو لا عودة إلى الإطار المحدود من معانينا، بل إلى فضاء الكل اللامتناهي. وعبارة الرومي الدالة تقول: " يسمعُ الطائرُ صوتَ أبناءِ جنسهِ، فيّجيءُ من الهواءِ فيجدُ الشبكّةَ والسِكِّيْن". تلك النهاية الفارقة في الوقوع بالفخ: أنْ يكون فريسةً غير مأسوف عليها. وإذا كان الإنسان يلجأ إلى الاحتماء بالآخرين، فذلك ضياع الهواء الطلق (الحرية – المعنى– العشق). جميعناً يرى في القيود أمناً يريح هواجسه، لكن الثمن أنها افقدته أهم ميزة في الحياة، التحليق خارج الأنظمة وبعيداً عن الأسوار.

- القيود التي قد نعيها هي تكوين الفكر بحسب الثوابت والحنين إليها.

-  في وجود الآخرين، تكون الشِبَاك والسكين منصوبين للإيقاع بالحرية.

- الهواء الطلق هو الخيال الرحب الذي لا يبارح الإبداع والانطلاق.

- الأسئلة النافذة أحد أدوات تمزيق شباك الصياد الأيديولوجي أو المعرفي.

- لتكن الأفكار بكلمات الرومي خارج الأقانيم، خارج الأشكال، خارج الصور.

- التحرر لا يأتي لطائر في الهواء وإلاَّ ما الفائدة، فهو بالهواء الطلق تلقائياً، لكنه تحرر مهم لمن هم في الشباك ولا يعلمون.

هذا يعني أن ثمة بحثاً فلسفياً في القيدِ الفكري ذاته قبل تحطيمه. وهذا يفسر: لماذا يشعر الإنسانُ بقيوده بخلاف الكائنات الأخرى؟ كيف تتعلق القيود بنا نحن البشر؟ وما هي أبعادها؟ فلو اردنا تعريفاً بسيطا للإنسان، فهو الكائن الشاعر بالقيود دون سواه والذي يريد التملص منها ولو أدمتْ كيانَّه، قيود سيكولوجية وقيود كونية وقيود معرفية وقيود فكرية وأخرى سياسية ... وسيعني التعريف أيضاً وجودَ القيد بالنسبة للأسئلة بما هي طرح اشكالي. فلا استفهام دون طرحٍ لمحددات الفكر تحت نشاطه المتجاوز. أسئلة التفلسفِ أكثر جذريةً من غيرها، بل لها طابع كلي وتُرْهص بتكوين أفق عامٍ لمجالاتٍ عديدة. فالعلم لا يسائل القواعد القائم عليها. كلُّ علم هو طريق لطرح مشكلة جزئية والاستجابة لها بمزيدٍ من الأسئلةِ.

أمَّا الفلسفةُ، فتعمد إلى النبش الجذري في الأسس، تأسيس الأسس ذاتها. هي اشكالية حول (وداخل) المشكلات لا مجرد ايجاد حلول لها. لهذا هي تحتاج الحرية في طرح استفهامات توازي عمق التأسيس ومساحته. الفلسفة تعمل على أصول الرؤى وأنماطها الأولية (الروح-العقل– العالم – الكون...). إن أصالةَ السؤال في هذا الحال أكثر أهمية من الاجابة، لأنَّه يستطيع تغيير نمط التفكير. لن يكون السؤال ترفاً، لكنه ذروة الكدِّ العقلي، هذه الجدية المفرطة التي تذهب إلى أفقٍ غير مطروقٍ.

لعلَّنا نكُّف عن النظر إلى الأشياء بمجرد الأداءِ المعرفي الجزئي. لأنَّه أداءٌ لا يُعلن جديداً إلاَّ تعلُقاً بقديمٍ ما. وهو بذاته تمثيل لمنظومةٍ مستعارةٍ تستهلك فاعليتها (وفاعليتنا بالمثل) حين تُطرّح. فبالإمكان ارتداء باروكة من الشعْر دون انهاء حقيقيٍ لحالة الصلع. ونحن في حياتنا الفكرية العربية نَقلّةٌ أُمناء لمضامين فكرية ليست لنا، حتى ولو كان أسلافُنا التراثيون هم صانعيها، فما بالنا بنفس النقلِ الفلسفي من المختلف ثقافةً وفكراً. فالحرف المُقلَّد واحد، سواء أكتبه قدماءٌ هم جسدنا التراثي أم معاصرون أمامنا على ضفاف غربيةٍ!!

هل سنظل نطابق بُعداً معرفياً لحياتنا مع حيوات الآخرين؟ حياة ليست لنا وفوق ذلك نتقمصها كما لو كانت نحن. أين اسئلتنا الوجودية والثقافية المعبرةِ عن أعماقنا وموقفنا تجاه قضايا الحياة والإنسان والتاريخ والكون؟ كيف نكَّون سؤالاً راهناً في حياتنا الفكرية؟ وماذا يعني كونَّ السؤال اشكالياً لماهية أي تفكير من هذا الصنف؟

 

سامي عبد العال

 

 

جعفر نجم نصرمحاولة لكشف المفكرين المزيفين في العراق

(يوجد في هذا العالم معلمون مزيفون أكثر عدداً من النجوم في هذا الكون. فلا تخلط بين الأشخاص الأنانيين الذين يعملون بدافع السلطة وبين المعلمين الحقيقيين).

شمس الدين التبريزي


ان ادعياء العلم لم يكونوا وليدي اللحظة الراهنة، إذ شهد العالم ومنذ قرون الكثير منهم، والذي نجحوا في استجلاب الجماهير لساحتهم وسماع مقولاتهم المزيفة/ المخادعة، بل وتأييدها أو لنقل تقليدها حرفياً، ولعل محاولات التصدي لهم انطلقت بعدة وسائل وآليات عمل وبحسب خصوصية العصر وسماته وتقنياته.

ونحن إذ نحاول وضع معالم أو لبنات للتصدي لهؤلاء الذين ينفقون ليل – نهار عبر عدة وسائل- مستغلين كل قنوات المعرفة لترويج أطروحاتهم ومقولاتهم لأجل التسيّد على المجتمع والبرهنة على أنهم الاعلم، فأننا نبدأ بسؤال أولي: هل يوجد مفكر ما صديق للجميع؟ لعل هذا سؤال ضروري لأجل فتح آفاق واسعة لأجل الفهم فيما بعد أحدى أساليب أو حيل أدعياء العلم. وقبل الاجابة عن السؤال اعلاه، نذهب نحو تساؤلات محورية كمقدمة للأجابة عن السؤال آنف الذكر، وهي:

متى يمكن ان يعد كاتباً ما أو مثقفاً ما بوصفه مفكراً؟ أو متى يمكن ان نطلق عليه صفة أو سمة [المفكر]؟، أعتقد ان لذلك شروطاً عدة ينبغي الالتفات لها وهي:

أولاً: ينبغي ان يقدم مشروعاً فكرياً ذا سمات تنويرية – تجديدية - واقعية، وان لا يكون مقلداً لاتجاه أو تيار اصلاحي ما، يستنسخ مقولاته أو اطروحاته عبر استخدام لغة أدبية – فضفاضة (تلوي عنق الكلمات)؟!.

ثانياً: أن يكون له منهج واضح في التعامل مع القضايا أو المسائل التي يوجه لها سهام النقد أو التجديد أو التحديث، وأما ان يكون طرحهُ عاماً غير مستند إلى موجهات أو تأطيرات منهجية، فهو يعد بذلك مثقفاً استعراضياً، يلوك المصطلحات الفلسفية لا أكثر ولا أقل، وحينها لا يعد علمياً أو صاحب اتجاه نقدي (متميز)، ما دام قد افتقرت اطروحاته للمنهج العلمي.

ثالثاً: ينبغي ان يقدم بديلاً معرفياً –عن كل الاطروحات أو المقولات التي قال بها غيره من اصحاب المشاريع/ النقدية المعرفية، وإلا أن عملية تكرارها عبر الاستعراض يُعد هدراً أو لغواً لا قيمة له.

رابعاً: أن تكون اطروحاته أو مقولاته النقدية تستهدف قضايا محددة، أو جوانب واضحة المعالم، بدل ان يكون طرحه ضبابي/ مصلحي لا يقوم على تشخيص حقيقي، بل مجرد استعرض مقولات عامة لا تخاطب (السلطة الدينية/ السلطة السياسية/ الشريعة ونصوصها/ المجتمع وظواهره/ الغرب واتجاهاته (بلغة نقدية)، أي ان لا تكو أعماله مجرد حشو لا طائل منه عبر لغة معبأة بالمصطلحات أو العبارات الملتوية، كيما يضحك بها على الافراد البسطاء أو على بعض المثقفين/ الاستعراضيين القشريين الذين يملؤون صفحات [الفيس بوك].

أي ينبغي ان يكون المفكر قدم اطروحات مست مصالح أو قضايا أو اتجاهات حيوية داخل المجتمع العراقي، فإنه اذا لم يُغضب على سبيل المثال:

أولاً: السلطة السياسية: فهذا لأنه غير عابئ بفسادها وقصورها العام، بل هو جزء من منظومة الفساد والمروج لها عبر صمته عنها ضمنياً، بل لربما مستفيد منها.

ثانياً: السلطة الدينية (الفقهاء): اذا كان هو صاحب مشروع تنويري، اصلاحي فهو بالضرورة يؤمن بالفردانية وبعدم الوصاية على الفرد، اي لا يؤمن بالبطريركية الدينية التي تدعي الوصاية على المجتمع، وهذه أولى أو جوهر مركزية [النقد الديني] أو الاصلاحي التنويري، ان كان يدعي ذلك، وهو ان لم نتلمسه في عمل أحدهم، فهو أذن حليف هؤلاء وأبنهم البار الذاب عن حرمهم، والا لو كان لديه مقولات أو اطروحات نقدية/ أو تنويرية لمسهم في كتاباته وأذن لغدا ألد أعدائهم ومن خصومهم.

ثالثاً: فئات المجتمع العراقي: هنالك ظواهر أو قضايا اجتماعية عديدة تتطلب عملية نقدها أو اصلاحها تطال بنى اجتماعية عدة من ضمنها القبيلة والقبائلية، التدين الشعبي أو الطقوسيات الشعبية المعطلة للوعي وللأنتاج في الوقت نفسه، وغيرها الكثير من الظواهر التي ترتبط بالبُعد الديني ان كان يدعي معالجتها بأعماله، فإذا كان المجتمع يستقبل اطروحاته برحابة صدر بغير عداء، فهذا يعني انه كان يغازل مجتمع الفئات بأعماله ومن ثم فهو ليس بمصلح أو ناقد أو تنويري، لأن المجتمع لم يغضب على أعماله.

لعل معترض يقول: الكاتب الناجح هو من يداري مشاعر قرّائه ومن ثم لا يستجلب العداء منهم؟ ولماذا العداء اذا كان يكتب بلغة علمية (بحسب إدعاء البعض)؟.

لعل الجواب عن ذلك هو: ان أي عملية تشريح نقدي للنصوص الدينية أو للظواهر الاجتماعية أو للسلطات الدينية أو السياسية تستوجب وضع القراءة التصحيحية بوضع البديل الممثل بأطروحات أو مقولات النقد، بعبارة أخرى ان اي متصدي لعمليات النقد أو المراجعة داخل المجتمع يستوجب منه تحديد الجوانب السلبية التي تطال هذهِ القضايا التي يتصدى لها، فأن راجع النصوص الدينية على سبيل المثال: يتطلب منهُ نقد القراءة الرسمية لها بوضع بديل لها، يكشف من خلاله كيف ان الاجيال أو ابناء المجتمع عاشوا في غيبوبة دينية عن أدراك المعاني المغايرة لما اعتنقوه أو آمنوا به طوال قرون، فأنه ان قام بذلك يجعل من سدنة الدين التقليديين (الفقهاء) وجماهيرها المعطلة ذهنياً بمثابة أعداء شئنا ذلك أم أبينا، ولكن ان كان يقوم بقراءة مدلسة لتلك النصوص أو يقدم مشروعاً نقدياً/ استعراضياً لأجل عدم المساس بمصالحه وبمقامه الاجتماعي والثقافي، فأنه سيكون معصوماً من الناس، وسيغض الطرف عنه إلى أن يموت وهنا يشيع بوصفه المفكر الاسلامي الاكبر الذي كان حامي حمى العقيدة حياً وميتاً؟.

من الامور التي يمارسها هؤلاء الذين يدعون أنهم مفكرون اصلاحيون/ تنويريون، هي استخدام لغة فضفاضة لا يمكن لأحد ان يمسك من خلالها على عبارة تمس (الدوائر القدسية) ان كانت نصوصاً أو اشخاص أو مؤسسات، أي انهم يقومون بعملية التعمية الفكرية على الجماهير التي غدت تنتظر المنشورات (الفيسبوكية) أكثر مما تقرأ، بل نعيش الان أجيال من المثقفين يعتاشون على الغير ومناقشة منشوراته اكثر ممن يناقشون الكتب والاعمال العلمية.

ولكن للأمر السابق بقية خطيرة: الا وهي ان هؤلاء المفكرين/ المصلحين الذين يدعون انهم اصحاب مشروع محاطين بمجموعة من اشباه المثقفين والاكاديميين والمعممين الحوزويين الذين يشتركون معهم على ذات المصلحة، لاسيما وان هذا المفكر الذي لم يغضب (نملة) في كثير من الاحيان يتولى منصب كبير ومقرب من رموز دينية وسياسية ومجتمعية كثيرة، وهنا يظهر مشهد الاجتماع على (القصعة الواحدة الدسمة والوقوف على التل أسلم).

أن عملية التوعية بمخاطر هؤلاء والمتحالفين معهم أراه واجب أخلاقي لأجل اسقاط رمزيتهم المصطنعة والمختلقة والكشف عن نواياهم المريضة في الصعود عبر سلم المعرفة لأجل نيل التبجيل والاحترام بل وحتى التقديس.

ولعل الطامة الكبرى الان في المجتمع العراقي ان كل شيء مزيف، فقهاء لا يمارسون ادوارهم بردع الفساد بل يشتركون فيه، جامعيون لا هم لهم سوى قبض المعاش واستعراض أربطة عنقهم واعمالهم المسروقة، زعماء سياسيون أكلوا الجبل وشربوا دجلة بفسادهم هم وقطعانهم البشرية الخاضعة،.. الخ. من مظاهر التزييف مستمرة، ولكن أخطرها ان يكون مفكراً/ نقدياً هو غطاء لهم وحليفهم جميعاً (صديق الكل)، وهل يمكن للناطق بالحق ان يكون صديق الجميع؟!.

 

جعفر نجم نصر

 

بشار الزبيدييقول سارتر: "المُثقف هو من يهتم بأمور لا تعنيه إطلاقًأ"

ترجمة: بشار الزبيدي

يُفرق سارتر بين "تقنيي المعرفة العملية" وبين"المثقفين العضويين". فمن ناحية يرى أن المثقفين ينحدرون من الصنف الذي يُطلق عليه تسمية "العضويون" لأنهم تكونوا تقريبًا بشكل طبيعي، ونشأوا في الطبقة البرجوازية الطموحة. حيث أنتجت الرأسمالية التجارية المُبكرة العلم بوصفه أداة،وظهرت فيها الكثير من المؤسسات وأصبحت فيها التجارة أكثر أهمية. كان البحث العملي المرتبط بذلك هو الشرط الأساسي لظهور المُثقفين الذين تبنوا مُمارساتهم ووجهات نظرهم مثل التناقض ورفض أي سطوة وأي شمولية للقوانين. هذه التقنيات، التي تعلمها المُثقف العضوي بسبب انتمائه إلى الطبقة البرجوازية ووظيفته كأداة للرأسمالية،يُطبقها على مشكلات التاريخ والمُجتمع". فهو مُثقف عضوي لأنه قام بتقديم ذلك كجزء من الرأسمالية،وفَهِمَ البرجوازية على أنها شمولية تميزت عن الخصوصية الإقطاعية من خلال طريقة التفكير هذه، وانتقدها بنشاط وقرب هذا النقد من المواطنين.

ومن ناحية أخرى وكما ذكرنا سلفًا، يتفرع المُثقف في تعريف سارتر من "تقنية المعرفة العملية" وينحدر من الطبقة الوسطى أو الطبقة البرجوازية الصغيرة. يتم استخدامه في هذه الطبقة كأداة لتمثيل المصالح المتعلقة واستغلال الطبقات السفلى. تحدد الطبقة الحاكمة عدد تقنيي المعرفة العملية بناءً على غرضهم وتحدد تكوينهم بطريقة تتوافق مع إيديولوجية الطبقة. وهكذا يُصبح فني المعرفة العملية شريكًا تلقائيًا في إيديولوجية مُعينة، وهو ما يتعارض مع الشمولية المذكورة أعلاه، والتي تنسب نفس القيم للجميع، بغض النظر عن الطبقة. لذلك ينشأ فني المعرفة مع تناقض، بالأحرى تناقض بين الإنسانية، كما تعلم في المدرسة، وبين الوضع الواقعي في المجتمع حيث يسود الصراع الطبقي والانتقاء والاستغلال. يتشكل المُثقف في الحداثوية حسب سارتر من تقنية المعرفة العملية إذا أصبح مُدركًا لهذا الظلم وهذا التناقض، ومنذ ذلك الحين يرفض هذه الإيديولوجيا ويمتنع عنها. ثم يُصبح عدو للمجتمع الانصرافي ويصبح ذلك الوحش، أي المفكر، الذي يهتم بما يهمه [...] ويقول الآخرون عنه أنه يهتم بما لا يعنيه"

يذكر سارتر أيضًا في مقالته أن المثقف ليس له وضع ولا تكليف. وبما أن تأملاته عامة وبالتالي تنطبق على الجميع،فإن المُثقف نفسه يبقى مجهولاً ولا يدرك وجوده. ولكن ما هي وظيفته إذن؟  يستمر بالبحث لأنه لا يمتلك معرفة ولا قوة في البداية، مما يعني أنه يجهل الأمور، على عكس المثقف التقني. هو بمثابة "مُحقق" يستكشف أولاً وجوده ويحاول مواءمة التناقضات المذكورة، والتي يخضع لها كتقني في المعرفة العملية. يُمكنه بعد ذلك تطبيق ذلك عمليًا على المُجتمع. في الوقت نفسه، عليه أن يعترف بنفسه كجزء من المُجتمع الذي يتقصى فيه. لذا يدور الأمر هنا حول تعاكس مُستمر،"الذات يعكس العالم،والعالم يعكس الذات". وبما أن تناقض المُجتمع يتوافق مع تناقض كيانه الخاص، فمن المُستحيل عليه أن ينظر إلى المجتمع بموضوعية. ولكن لا يكفي أيضًا أن ينظر المُثقف إلى نفسه بشكل ذاتي، لأنه لا يُمكنه الانفصال من هذا المجتمع على اعتباره جزءًا منه. هذا التحول المُستمر،الذي يُسميه سارتر"المظهر الخارجي للعالم الداخلي،وإعادة  المظهر الخارجي للعالم الداخلي"،ضروري للتغلب على بعض التناقضات. يجب على المفكر دائمًا أن يعود إلى ذاته ويفهم نفسه على أنه "فرد مُتنوع" . ويجب أن يتجنب التعميمات وأن يُشير بدلاً من ذلك إلى حالات مُحددة.

لذا فإن دوره هنا هو دور القدوة كفرد مُتنوع. يُمكن أن يُساعد المظلومين على وضع أنفسهم وإدراك خصوصيتهم التاريخية. وفي الوقت نفسه، يُمكنه دعمهم في "نضالهم من أجل التوسع" ضد الظُلم والاستغلال. لهذا السبب فإن عمل المُثقف هو انتقاد أيديولوجية الطبقة الحاكمة باستمرار بحيث تُصبح عودة هذا الفكر مُستحيلة. ويستغل في المقابل المعرفة التي وفرتها الطبقة الحاكمة لتعليم الناس. يقوم بتدريب مواطني الطبقة المظلومة ليصبحوا تقنيين للمعرفة العملية ولا يُمكن للطبقة الحاكمة ان تقوم بشيء من هذا القبيل لكي تبقي النخبة المُثقفة مُتشابهة قدر الإمكان وتواصل مهامها. ووفقا لسارتر فإن الكاتب يلعب هنا دورًا مهمًا، حيث أنه بطبيعته مُقدر له اتخاذ موقف فكري.

 

 

سامي عبد العالالأسئلةُ لا تسقط كالأمطار من السماءِ ولا تنبتُ من الأرضِ كالأعشاب، لأنَّها نشاط إنساني يثير قضايا فكرية خطيرة. الخطورة من زاوية كشف أبنية الثقافة، ولماذا تتفاعل مع حركة التاريخ، كلُّ ثقافة تلقي برواسبها العميقة على ضفاف المجتمعات كالنهر الذي تكتنفه تيارات شتى فيحرك الراسخ. والثقافة الإنسانية دوماً كونية التكوين والتطور وإنْ كانت نوعية الطابع. وكلما كان الفكر متمرداً، استطاع إثارة أسئلة أكثر جرأة وابتكاراً.

لا توجد حياة إنسانية دون أسئلة تبحث في أعماقها وتنتقد أسسها القائمة. فالأسئلة ضربٌ من المواجهات بين أزمنة ما كانت لتلتقِ إلاَّ بألوان الحوار العميق. وهي تقلل درجات الصدام إلى حد التلاقح، وبدلاً من اتيانه صداماً عنيفاً، يغدو أكثر خصوبة وتجاوزاً.

توصف الأسئلة بالزيف نتيجة غياب موضوعها الأصيل. والموضوع بهذا الوصف يحتاج تاريخاً حتى يكون كذلك، أي يجب أن تكون هناك حياةً حرّة تجعل الفكر والتساؤل جزءاً من همومها اليومية. ففي مجتمعات لا تعيش عصرها، ولا تبتكر رؤاها الحيوية لن تُثار إلاّ اسئلة تافهة. وهي كضرب من المعرفة ستكون في غير موقعها النوعي. السؤال عبارة عن طلب لحوح، بحث دؤوب عما يسد حيرة الإنسان كجائع ينهشه الجوع ويبحث عن شيء يسد رمقه!!

الاسئلة الزائفة هي وليدة هامشية هذا الجوع للمعرفة والاختلاف، أنها نتاج الفراغ العبثي في معدة الثقافة وامعائها لمزيد من التحرر والامتلاء. كلُّ ثقافة لديها قدرة على الهضم واعادة انتاج محتوياتها إنَّ لم تجد جديداً لتأكله. لكن عوضاً عن توجه الأسئلة في طريق مختلف، تغدو عرضَّاً طافحاً لهذا المرض التكويني، فأي سؤال زائف هو نتيجة باثولوجيا التفكير pathology of thinking فيما لا يفيد واجترار قضايا غثة.

بكلمات أخرى تعتبر الأسئلة الزائفة مجرد ادعاءات بصيغة الطلب request خلف أشياء وأفكار لا مجال للتحقق منها هنا والآن، اشياء قد لا تخص الإنسان إلا إيماناً حتى وإن عرف إجاباتها. ابرز الأمثلة أسئلة دينية تسود من حين لآخر مثل: هل نحن محاسبون على قتل البعوض؟! ما هي اشكال الملائكة وألوانهم؟! كيف يتناسل الشيطان والجن؟! هل ثمة خطة مصممة للأقدار يمكننا كشفها بدقة؟!

علما بأنها اسئلة وسط واقع لا نعرف عنه شيئاً ومغطى بالتحريمات التي تدهس الإنسان!! التناقض الساخر: أن الواقع مجهول ونبحث عن مجهولات في عوالم أخرى لها سياقها. يبدو أن اسئلة من هذا القبيل حيل ملتوية للهروب من مناخ لا هوتي وثقافي يحول دون الفكر الحر وتدعيم حركة المعرفة والمشاركة في الحياة بكافة جوانبها.

ذلك الزيف يبرز مفارقات أوسع: كيف نتساءل عن الحقائق في مجتمع كذوب؟! كيف نبحث عن الإنسان وسط انسانية مهدرةٍ قبل كل شيء؟! على المنوال ذاته: لماذا تأتي المساواة والعدالة ضمن أنظمة سياسية قمعية لا تعترف بأية عدالة؟  لماذا نبحث عن الآخر ونحن نقتله يومياً؟ كيف ننقب عن صدق الايمان وقد تحول الدين إلى إكراه؟! كيف نبحث عن دين مزقته الجماعات الدينية إلى أشلاء؟!  لماذا نزعم أننا نتجه صوب الله ونحن نكفر كلَّ مؤمن آخر؟ لماذا نطرح أوجه اختلافنا ونحن نُسخ مشوهة من بعضنا البعض؟ كيف نلوك عبارات الحرية وقد أمست التربية تدميراً للإرادة والمسؤولية؟ كيف نريد ترسيخ قيم العقلانية بينما يسير المجتمع كالعربة الحمقاء دون كوابح؟ كيف نتطلع إلى الجنة ونحن نقف في طريق الباحث عنها بل ننتهك وجوده؟!

إذا طُرحت هكذا قضايا باحثين وراءها عن أسباب، كانت قضاياً كاشفة إلى درجةٍ بعيدةٍ. بل قد تؤكد علاقات وصوراً وأبنية فكرية لها ذات التكوين الخادع. فالسؤال هو جوهر الوجود الإنساني سلباً وايجاباً. وبإمكانه أن يكشف ما وراءه من أفكار، لأنه ابقى من الإجابة وأوسع نشاطاً. وكم من أسئلة لديها القدرة على الانفلات من عصرها، لأنها تخبو نتيجة القهر تمهيداً للظهور في وقت تال.

لكن.. بأي معنى هناك أسئلة زائفة false questions؟! هل يجري الزيف منطقياً أم بلاغياً أم حياتياً؟ الاسئلة حينما تكون مزيفة، فليست تقنية طرح لها دهشتها ودلالتها الفاعلة. ربما سيكون طرحها بهدف مغاير لما يفهم منها مبدئياً. فالسؤال -وإن كان غير ضروي - يثير أسئلة تالية لا تتوقف. وهذه سمة لا تتضح في أغلب الممارسات الفكرية الأخرى. فسؤال: لماذا لا نطير مثل الطيور في السماء؟ يبدو سؤالاً مصوغاً على نحو خاطئ. بيد أننا لو دققنا النظر سنكشف مغزاه الآخر، فنحن لا نطير، لأننا كائنات مختلفة جسداً وطاقة وقدرة، بينما الطيور مزودة طبيعياً بتلك الإمكانية.

وبالتالي من زاوية التاريخ، كان السؤال السابق مؤولاً لاختراع تكنولوجيا الانتقال عبر الفضاء وتجاوز حدوده. إذن ليس ثمة سؤال مزيف إلاَّ باستطاعتنا تأويله. سيكون مزيفاً طالما وجد ثمة سائل يلقيه في المكان الخطأ وعبر دلاله ليست له. إضافة إلى هذا، فإن السؤال يرتب وضعاً ما، فأنت تطلبه وهو يطلبك بفتح طريق معين.

إن الأسئلة الزائفة هي افراز لحياة مزيفة. فكلُّ واقع زائف لن ينتج إلاَّ شيئين:

أولاً: وعيٌّ فارغ تغذيه المشكلاتُ المفتعلة سواء بين الأفراد أو الجماعات. فالجذر الدلالي للزيف مرتبط بالتكلُّف والاصطناع والخفة وانعدام الأصالة. وهذا ما يظهر يومياً مع وسائل الإعلام ومساحات البرامج التي تغذي التراشق بين المجتمعات وتغذى فاض التفاهة المتراكم.

ثانياً: تضخم اللغة في أشكال استفهاميةٍ لا قيمة لها بحيث تشغل الفراغ. أي تصبح الثرثرة سمة عامة كجزءٍ من بناء الحياة اليومية.

والنقطتان السابقتان قد تحددان عصراً كاملاً بحجم التخلف الذي تعيشه بعض  الأنظمة الاجتماعية والسياسية. فيحدث هناك امتلاءٌ فارغ كالريح التي تصْفُر في كهفٍ أجوف.

وإذا كان الاستفهام بذلك الوضع يعد عرَّضاً، فسرعان ما يشكل جوهر الأفعال والتصورات المترتبة عليها. والمتوقع أنَّه يربك العقل الناقد بكم الإجابات التي في غير مسارها. وقد يحاول حتى الامساك بمعايير للنقد، حيث لا مشكلة ولا سؤال من أساسه. وتصبح هناك قضايا زائفةٌ وأفكار زائفة وثقافة زائفة. ليس بالمعنى الذي يقصده الفكر الوضعي المنطقي حين يطابق بين الألفاظ ومدلولها الواقعي (مبدأ التحققverification)، بل بالمعنى الثقافي المؤكد لدلالة النشاط الحي وأهمية اللغة كأفعال إنجازية. فالأسئلة انجازات عقلية لها قضايا ما كانت لتأتِ لولا طرحها باللغة التي هي بناء الفكر.

هكذا في تاريخ العالم العربي قد يوجد لدينا سياسيون دون أسئلة سياسية فعلية. ورجال دين من غير تدين حقيقي كمشروع إنساني، وعلماء عباقرة في كافة العلوم بلا علم ولا إبداع. واساتذة لامعون وألقاب أكاديمية دونما مضمون، ودولة بلا دولة وأنظمة بلا نظام، لكونها دائرة في فلك بدائي خارج التاريخ، وتوجد قوانين يقال عنها مصونة وفوق الكل بلا مشروعية حقيقية. قِسْ على ذلك أغلب الكيانات والأسماء والخطابات المشابهة والتي تسير بالطريقة ذاتها.

عندئذ: ماذا سيقدم السؤال غير التزييف؟! هو سيطرح نفسه بجدية التفكير لكن بلا قدرة على الاستفهام!! هكذا يطلقون على العملات المزيفة في الاقتصاد أوراقاً مالية بلا قيمة. إما لأنَّها لا تساوي شيئاً في الأسواق. وبالتالي تكاد تنعدم قوتها الشرائية وتزيد نسبة التضخم. وإمَّا أنها مزيفة فعلاً لتكون مجرد ورقة عليها أرقام عشوائية. من يأخذ الأسئلة على محمل الجد حتى في تاريخنا الثقافي العربي القريب؟! من ذا الذي يعني بالكد وراء الإجابات ولو وراء نصفها؟!

ستكون كلُّ تداعيات الاسئلة المزيفة غير حقيقيةٍ هي الأخرى. الأمر الذي يعطي مشروعية لكيانات تعيش في الأخيلة وحسب، لأنَّ الأسئلة ستعود إليها في محاولة لتأكيد مكانتها. كما أنها ستظل مرتبطة بظروفها الفكرية والثقافية التي ظهرت بشكل غير منطقي. فالأزمات هنا لها آثارها في أشكال عدة، من بينها الأسئلة السطحية التي تلتهم الوعي. ولئن أظهرت شيئاً فإنّها تفضح خلل استعمال اللغة بذهنية غارقة في الأوهام. والسؤال المزيف بالنسبة للثقافة العربية هو فتيل الأزمة، تلك التي ليست خاصة بمجال معين بقدر ما تتغلغل عبر مجالات أخرى.

وبالرغم من كون السؤال صيغة مقننة العبارة، إلاَّ أنه واسع الأثر. وكلما تلقى إجابة كلما ازداد التأكيد على موضوع "غير موجود". وتعبير "غير موجود" لا يعني معدوماً. فقد يمثل انشغالاً بما لا يجب وافتعالاً لأحداث ونزاعات لا طائل منها. أو بعبارة ابي العلاء المعري " لزوم ما لا يلزم". فالثقافة المزيفة تجعل الهامشي –على أهميته أحياناً- متناً ضخماً. ينشغل به الناس والاعلام والقاءات العامة والكتب الصفراء (كتب الأرصفة) بقضايا هامشية، مثل أخبار وفضائح رجال السياسة والدين وجرائم العائلات والعلاقات الجنسية وأخبار الحوادث والنزاعات الشخصية وكواليس السياسات وحماقات الأفراد وخصوصياتهم.

وبخاصة أن شبكات التواصل الاجتماعي جعلت هذه الأخبار متناً ً تلوكه العبارات وتنشره التعليقات كالنيران في الهشيم. لدرجة أن التفاعل والتغريد عبر صفحات الفيس بوك وتويتر وانستجرام يعيدان ترويجها بلا حدود. إن الذباب الالكتروني كالذباب الطبيعي يقف على الجيف والجثث ولا يعيش إلاَّ وسط الركود. وبتنا نرى استعمالاً دارجاً لوسائل التكنولوجيا والاتصال يكرس " فقر الفكر وفكر الفقر" بعبارة يوسف إدريس.

ذلك عودة مرة أخرى إلى الثالوث المحظور مقاربته أو تناوله (الدين والجنس والسياسة) في المجتمع العربي. فنتيجة انعدام الحرية وغياب المعرفة الفعلية شكل الثالوث السابق هوساً جمعياً. بل جعل الحديث فيه- ولو كان تافهاً هو الآخر- موضوعاً للرواج والاسفاف الاجتماعي والأخلاقي. المدهش أن ثمة فئات في المجتمع العربي تعرف هذه الآلية فيتربحون مادياً ورمزياً من هذا الوضع.

ففي المشهد الثقافي المعاصر، نجد الاسفاف الفني يأخذ مداه على هذا النحو. الغناء مجرد مُواء أنثوي أو تخنُث رجولي، لكنه في النهاية يسمى فناً وتفتح له الأبواب والنوافذ معاً. كذلك التمثيل الفني صراخ وعويل في الأفلام والمسلسلات ناهيك عن التكرار والسطحية. وفوق هذا وذاك يدِّر ارباحاً لا طائل لها مثلما يبدو في أجور الفنانين. كما أنه يضع القائمين على انتاجه في صدارة المبدعين كأنَّ الأمر حقيقي.

ونتيجة الأسئلة الزائفة في هذا الباب تظهر أوضاع جانبية لكنها مرَّضية. بمعنى أن الهامشي يحتل مكانة المتن التي ليست له. ليغدو ثقافة رائجة تعيد دغدغة وتفتيت القيم والأولويات في المجتمع العربي وإهدار الأنشطة الإنسانية. فأصبح الكسب الخاطف فرصة لمن يتطلع للثراء السريع. وبات معروفاً لكل شاب وفتاة أنَّ الممثلين والممثلات ورموز الرياضة ورجال السياسة هم أيقونة المجتمع. وفي هذا المناخ ظهر أيضاً بذات الأسلوب رموز الخطاب الديني ودعاته الديجيتال. هؤلاء الذين جعلوا الدين ظاهرة زائفة وكهنوتاً له كل الأتباع والمريدين، بحكم الطقوس والرسوم والقشور التي غرقوا فيها. إذ حرصوا على الشهرة وارتداء المسوح العصرية واستعمال اساليب الاعلام البرّاق والوسائط المبهرة في الدعوة والتوجيه، بينما خلا كلامهم من أي منطق وتسامح فعليين.

أبرز مثال الفتاوى الدينية حينما مثلت صلب الاسلام الراهن وجماعاته المتطرفة. وجميع الفضائيات تفتح الهواء للفتاوى ليلاً ونهاراً حتى غدت هي الدين ليس إلاَّ. وإذا كانت الفتوى قائمة فقط على أسئلة فهي ظاهرة التزييف المراوغ: الأسئلة والحياة معاً. فالدين في وجوده الإنساني لا يحتاج سؤالاً ينحرف به عن الإيمان  والامتلاء الروحي. هكذا رأينا الفتاوى المعاصرة تغزل سلطتها على استفهامات زائفة. مثل: هل اللحية من الشريعة أم لا؟! هل يكون جلباب الرجال قصيراً أم طويلاً؟ هل لبس النقاب من ضرورات الإسلام أم غير ذلك؟ (أسئلة الفتنة التي لانهاية لها) وهل الضرب المبرح للمرأة شرعي أم الضرب الخفيف؟ وهل يمكن للخاطب رؤية خطيبته منفرداً أم في وجود محرم؟ وهل للفتاة أن تتصفح الفيس بوك أم سيقودها إلى الرذيلة ويجب أن يكون معها محرم؟ (لنلاحظ الأسئلة الذكورية) وهل تستطيع المرأة شرعاً قيادة السيارة؟ (هكذا أصبح رجل الدين عسكري مرور وخفير درك)، أسئلة تعمي من يطلقها ومن يجيب عنها على السواء.

ذلك لأن القضية بالأساس ليست مهمة دينياً ولا أخلاقياً ولا لإنسانياً. كقول أبي الطيب المتنبي: أغايةُ الدين أنْ تحفوا شواربكم... يا أمة ضحكت من جهلها الأمم. كما أنَّها تستفتي كهنوتاً في شعيرات وملابس لا تمس جوهر الإيمان والروح ولا الحياة!! في الوقت نفسه الذي تقطع فيه الجماعات الإرهابية رؤوس المسلمين وغير المسلمين!!

أي منطق وراء استفهام يجتزئ مسألة تافهة؟! بينما الواقع القميء والمتدهور لم يُمس من قريب أو بعيدٍ. لقد غدا الدين الإسلامي فتاوى وراء فتاوى بأشكال غير ضرورية. فتاوى بإمكانها تحت تأثير الهوس الديني أن تفجر الناس(الارهاب والمجتمع) وغيرها باستطاعتها أن تشق المجتمع طولياً بعمق التاريخ الاسلامي (شيعة وسنة). أخطر الأمور أن يصبح الدين والله والجهاد والآخرة مجرد فتاوى لدى ذهنيات جاهلة وارواح نابضة من الحياة. لأنَّها لن تكون اعتقاداً خاصاً، بل سيتلاعب بها شيوخ الفتاوى تبعاً للمصالح. وشيوخ الفتاوى (في هذا الباب) غير مطلعين على الثقافات العصرية ولا هم يزودون أنفسهم بالرصيد الوافر من المعارف العالمية والتاريخية المتعلقة بالمجتمعات الراهنة. يتعاملون مع الظواهر الثقافية الكونية تعاملهم مع الشياطين التي تحل في خفاء وبليلٍّ بهيم، لا يدركون كيف نشأت هذه الظواهر ولماذا هي واسعة التأثير والانتشار؟!

هناك خاصية لأي استفهام مزيف: أنه يأخذ دوراته المعرفية في عمق الثقافية الجارية، وبالطبع ستلف معه اجابات وهمية (الاسئلة تتردد على ألسنة الأفراد جميعاً). وسيجري وراء المعنى جريَ السراب وراء السراب. ولدى هذا السؤال هناك الجديد: لأن رواج الاجابات يُمكِّن أصحابها من البناء عليها. فيأتي آخرون لتكملة المشوار في الطريق الخطأ. على سبيل التوضيح وقع أصحاب مشاريع النهضة العربية والاسلامية في هذه الفخاخ. كان هاجسهم الأول والوحيد التوفيق بين "الأصالة والمعاصرة "، بينما أغفلوا جوهر الحياة العربية ذاتها (الآن وليس أمساً وليس غداً). فكانت رؤيتهم للتراث غير ذات أهمية بالنسبة لحركة الحياة. لكونهم لا يرون فيه غير التاريخ الماضي لا الثقافة الكونية المتواصلة. وكذلك رؤيتهم للمعاصرة اعتماداً على  مجرد الاستعارة والنقل من الغرب. وهذه ظاهرة غريبة على المجتمعات الشرقية (الشرق كان أصل الحضارة!!) ولكن حينما افتقدت لروح الإنسانية المواكبة  للجديد، لم تشارك فيها وانكفأت على مصيرها المجهول.

ليس السؤال المزيف فردياً، إنَّه يدور مع التصورات المتداولة، ولا ينتهي عند هذا الحد. لأنه قد يتغلغل في وعينا الهائم نحو التاريخ. فيحيي صراعاً أو مفهوماً غابراً أو يستحضر صورة غابرة من التراث. وبالتالي لا يعاد طرح السؤال المزيف مصادفة، إنما يكمن في طرائق الحوار والتفكير. ليشكل بنيه فارغة تفترض أجوبة من ذات القبيل.

كذلك لا يعد السؤال الزائف كاذباً بمعناه العادي. لأنَّ الكذب صورة مخالفة لواقع الحال، بينما الزيف عبارة عن وهم هذه الصورة كأنها الحقيقة. أي إرجاع كل صفات الحقيقة لهذه الصورة ولا شيء سواها. بالتالي سيكون الزيف كذباً وتشويهاً في الآن عينه، وهو أيضاً صادق منطقياً في زيفه لدرجة التصديق، وبجانب أنه سيأخذ صفة الحقيقة والتكرار.

فارق آخر مهم أن السؤال الزائف لا يموت، لكنه يستفيق وينبعث في أوقات الأزمات. ويصر على طرح نفسه- من خلال المناخ السائد- رغم عدم وجود مبرر له. ولكن مع اكتشاف أمره بهذا الفهم السالف، يمكننا معرفة أصالته المفقودة.

يصحُ هذا فقط، إذا أدى السؤال الزائف إلى استفهامات نقيضةٍ تضعه خلال إطار إشكالي يتجاوز ادعاءاته وإجاباته. بمعنى أننا يصعب التخلص من الأسئلة الزائفة، فهي مفتاح لخريطة الأزمات وجزء من الحلول. لأنها تنمو كالأعشاب البرية المتسلقة وسط الحقول الزراعية وتتغذي على غذاء الأشجار والنباتات الاساسية!!

 

سامي عبد العال

 

 

سامي عبد العالليس العنف باسم الدين مجردَ فعل طارئ، لكنه عمل مُركَّب يحتاج خيالاً يَفوقُه تهوراً وجُموحاً. إنَّه عمليات من الشحن الأيديولوجي والتهيئة والتفنُن بتوقُّع الأثر وفوضى المَشاهِد ورسم المجال وانجاز الأفعال وانتظار النتائج وافراغ الكراهية إلى أقصى مدى. الخيال الديني imagination  religious هو الآتون الواسع الذي تُطهى فيه هذه الأشياء وتضاف إليها عناصر القسوة والتشفي (أليس الارهاب صادماً ومؤلماً في عملياته؟)، ثم ينتظر الإرهابيون نُضجَها وقطف ثمارها في أحد الجبال أو تحت سقف التنظيمات والجماعات المتطرفة.

الأمر بلغة بيير بورديو هو عنف رمزي symbolic violence مضاعَف ومغلَّظ المعاني في قفزة فوق عقلانية تسمى بالتخييل. إذن العنف موجود، لكنه يتحرك بقفزات زائدة عن الحد ويتحول عبر وسائط أخرى مشبعاً برمزيتها. هذا ناهيك عن استيلائه على فائض القداسة التي يوفرها الدين في كيان الأفراد وآفاقهم الميتافيزيقية والروحية.

ولذلك فكلُّ عملية ارهابيةٍ هي صورة خيالية imaginative image بلغت حد اللعنة كلعنة الخرافات والأساطير القديمة التي تستهدف الأعداء، حيث تجيئ العملية من النقطة العمياء وغير المتوقعة تماماً في الأداء اليومي للمجتمعات (مسرح الارهاب). وهذا ما جعل العنف والارهاب باسم الدين يحملان تلك المعالم.. كونِّهما مسكونين بجميع ما يُضاد الإنسانية عبر كل إنسان (بتعبير القرآن: من قتل نفساً فكأنَّما قتل الناس جميعاً)، كما أنَّهما- عنفاً وارهاباً- يختمران (يتكونان) بوافر الدلالة على مستوى الفكر والفعل.

 وطبعاً ليس ذلك غريباً على الكائن (الارهابي)، لأننا كذوات بشرية نحن أصلاً عبارة عن حفريات مطمورة من العنف وأخيلته المعتَّقة تاريخياً وتراثياً، سواء من جهة الغرائز أم الأفكار أم الهلاوس، وحتى الأحلام والتسامي والوداعة والعواطف.. جميعها متشربة ببقايا مهولة من العنف الرمزي. لكن الغريب هو استعمال الدين واعتباره صورا ملتحمة بتبريراته المعدَّة سلفاً كالعبوات الناسفة أو بجانب السكين التي يحملها هذا الارهابي أو ذاك. فالخيال العنيف يحتاج تغذية راجعة feedback وسقاية بماء الكراهية والغضب (تجاه كذا...) طوال الوقت.

وهذا ما التقطته الجماعات الاسلامية بحسها البيولوجي المستنفر دوماً (مثل ذئاب وضباع وحيوانات مفترسة نائمة لكنها متيقظة للانقضاض). هي حالة حيوانية رمزية تستجمع قوى الفعل المباشر دون تفكير ولا اعتبارات إنسانية. والملاحظ أنه لا يوجد لدى (تلك الجماعات) فاصل ولا فارق بين (الخيال والبيولوجيا)، بين (العقل والغريزة)، فالإرهابي كائن بيولوجي وخيالي مذهل بشكل غريب، ذهنية معجونة من التخييل الذي هو الحس التلقائي الفاعل مادياً دون ضابط. العالم كله بالنسبة إليها ساحة حرب ودماء، لا تشعر بآلام ولا بندم ولا بمراجعة نقدية لما تفعل، وتلك نراها لدى حالات القاعدة والدواعش والإخوان والتكفير والهجرة التي تتوحد بالغرائز الأولية في شكل تدمير وقتل.

 ولو سألت إرهابياً: لماذا تقتل باسم الدين؟، لكانت تلك الأفعال لديه آتية في معاني الجهاد والتسامي والشفقة على الآخرين. الشفقة من كون ضحاياه غارقين في براثن الكفر والذنوب والفحشاء، وأنه يرى ذاته نبياً في ثوب مجاهد لتطهيرهم من الآثام المؤدية لعذاب السعير. هذا هو "الانقلاب المتخيل" لفعل التدمير تجاه مخالفي أفكاره ونمط حياته. أي يعكس الحياة داخله وداخلهم، يدفعها دفعاً لصالح الموت بمبررات اعتقاده ذاهباً لتحقيق ذاته من خلالهم (الموت معاً نحن وهم). والحس البيولوجي (الغرائز والشهوات) هو الذخيرة التي تشعل خيال الارهابي في ليل العالم كما يتوهم.

 وهكذا فإنَّ الأعمال الدموية التي يرتكبها شباب اسلامي في أوروبا ليست مصادفةً، ولا سيما مع تجددها من وقت لآخر. فلم تختفِ حتى مع وباء كورونا (عمليات الطعن بفرنسا– ألمانيا– انجلترا)، رغم أنَّ القارة العجوز قد نخر الفيروس في عظامها، دخلت الملاجئ وانزوت بردهات العزل الصحي، ولم تواصل – كما يقولون- الفُحش الحضاري ولا العولمي حتى. أصبحت أوروبا رجل العالم المريض كما كانت تطلق على الدولة العثمانية في الأزمنة الحديثة.

 بالفعل أوروبا صحيَّاً – لو رسمناها بالكاريكاتور- مُلقاة على أسرّة العناية الفائقة ... تكُح وتسعل وتعطس وتتهاوى بالمرحاض ولا تجد من يأخذ بيدها!! الوجوه مجرد كمامات عمياء فوق أنوف حائرة. القارة تخشي حتى من الاتحاد الذي صنعته وتباهت به أمام المجتمعات الأخرى وقالت أن كورونا بمثابة شهادة وفاة له. وبالمناسبة حالة كورونا أظهرت عمق أزمات الحضارة الغربية التي قد تنفرط عما قريب أو بدت، ربما ترجمت اضمحلال الغرب وانحطاطه كما قال اشبنجلر وأكده إدموند هوسيرل في كتابه "أزمة العلوم الأوروبية" و مثلما عبر عنه لاحقاً سلافوي جيجك وإدجار موران: نحن إزاء الكارثة أو في انتظارها.

لكن من قال لمتطرفي الاسلام ألاَّ يرحموا انساناً أيَّا كان؟ هل الإسلام كرحمة للعالمين قال ذلك؟ أليس الحال يطال الجميع (أوربياً وغير اوروبي) فوق تراب القارة العجوز؟ هل سيفرق فيروس كورونا بين مسلم ومسيحي ويهودي ولا ديني؟ وبجانب هذا وذاك... لماذا يُمعن هؤلاء الارهابيون في قتل من يصادفون بساحة الجهاد (كما يتصورون)؟ بمعايير الأمراض: ربما يكون الفيروس أرحم من هؤلاء، فقد يصاب به إنسان ويشفى بعد فترة المرض والنقاهة، لكن  فيروس الإرهاب لا يشفى منه أصحابه فضلاً عن أعدائه ولو بعد حين.

أعمال الارهاب وُعود تاريخية ونصوص فقهاء وفتاوى لاستحلال كيان الغير بعمر الاسلام السياسي. لم يكن هذا الشاب أو ذاك الذي يطعن من يقابله في فرنسا  إلاَّ وقد رُوبي ونُشّيءَ على تصنيفات القتل تحت عمائم التنظيمات الدينية: مؤمن / ملحد، إيمان / كفر، غرب/ شرق، الله / الشيطان، حياة الهداية / حياة الضلال. وكل تصنيف من هذه التصنيفات يقف على اعتاب الجنة أو النار، حيث يراه الارهابي فيما يردد رُؤيَ العين. ولا يكتفي بهذا، بل يزعم أنه يسابق الملائكة لإدخال (من يحب) الجنة ويزج (من يكره) إلى النار. فكيف ستكون النتائج التالية في واقع الحياة والبشر؟!

هكذا ليس لمسلمي أوروبا المتطرفين إلاَّ مخزون العنف الآتي من أضابير التأويلات الدينية الغارقة بالدم. إنَّ أجسادهم وعقولهم قنابل معَدّة للتفجير تجاه أي انسان. وللأسف فإنَّ حشو القنابل شرقيٌ إسلامي خالص مثلما هي عبوات الأدمغة التي صنعتها التربية الخيالية للتنظيمات. وأن سحب الفتيل الذي ينفجر بعده كلُّ شيء هو مجرد مبرر فقهي فارغ من الحياة. لِمَ لا..؟ وهؤلاء المتطرفون مقبرةٌ حيةٌ تنمو فيها فتاوى القتل واستحلال دماء المسيحيين واليهود. ودوماً هم في بلاد الكفار كما يزعم منظرو الجهاد وممارسوه كأبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي وايمن الظواهري وأسامه بن لادن وغيرهم. فإذا كانت ديار الإسلام ديارَ أمن وسلامٍ، فإنَّ ديار أوروبا خريطة للدماء المفترضة.

 إنَّ المُسلم يصاب بصدمة قاتلة بمجرد أن تطأ قدماه أوروبا، لا لشيءٍّ إلاَّ لأنَّ ما يعرفه عن الحياة والآخر والعالم يتضاءل إلى درجة التلاشي. وأنَّه يحمل ما برأسه وحياته أينما ذهب مقيِّماً على أساسه ما يراه دون السياق واختلاف العيش. هذا التصور يخترق معظم الاتجاهات الفكرية الاسلامية: تقليدية وتنويرية.. بأي معنى ذلك؟!

 لقد نوَّه الشيخ الأزهري رفاعة رافع الطهطاوي إلى باريس قائلاً: بلد النور والنار، بلد الجن والملائكة!!.. أيُّ جنٍ إذا كان ما يحمله برأسه محض هواجس من بطون كتب الفقهاء والتفسيرات والحواشي القديمة؟! وأيَّة ملائكة مادام يصف الآخر (المغاير حضارياً) باعتباره مناوئاً ديناً وأخلاقياً؟! إنَّ الطهطاوي مهما قيل عن استنارته وانفتاحه في هذه النقطة بالتحديد إلاَّ أن القراءة العميقة لكلامه تكشف: كم كانت عقول فقهاء الازهر التقليديين قشوراً مهترئة لإحساس اقصائي بالباطن، هم غالباً غير شاعرين به ويمارسونه كأنَّه الحقيقة.

الطهطاوي طوال الوقت يتحدث عن الفرنسيين وعاداتهم ومكانة المرأة لديهم والدستور وطبيعة الدولة والحياة الاجتماعية بنظرة ليست بريئة دينياً، نظرة الشيخ السلفي المتخيل الذي تربى على يديه ومازال يسكنه من الداخل. وليس هو الشيخ الذي يواكب الحضارة ولا الذي يتزامن مع الفرنسيين داعياً إلى ايجاد دستور وقانون موازيين، إنما هو الآتي من قرون على اعتاب القرن العشرين. المشكلة أنَّها قرون عاطلة من الحضارة ومليئة بالتقليد الذي انكفأ عليه المسلمون أمام عصر معرفي وحضاري (في أوروبا) لا نملك أمامه إلاَّ المفاجئة والاحتذاء. نظرة الطهطاوي هي نظرة منحازة ثقافياً إلى ما ينبغي أن يكون في ضوء التاريخ الإسلامي، أي كان نمط الإسلام لديه نموذجاً سلفياً وهو الفيصل بينه وبين العالم. نحن نريد أن نعرف ماذا يحمل في رأسه وكيف تدخلت حمولته في رؤيته؟!

 بالتأكيد أنَّ كل من قرأ الطهطاوي دهشته مؤلفاته التي تحدث فيها عن أوروبا (تلخيص الإبريز في تلخيص باريز، و المرشد الأمين في تربية البنات والابنين)، أي نظر معه (بمنظاره هو) إلى الحياة والثقافة الأوروبية، بينما هذه المؤلفات تكشف تماماً تكوين الذهنية الشرقية واللاهوتية رغم أنَّ صاحبها لديه استعداد التعرف على الآخرين. وهو إذ يفعل يقف للأوروبيين بالمرصاد كاشفاً إلى أي مدى يختلف هؤلاء عنا (ثنائية العنف: نحن- هم). وكأنه يقول نحن في حالة تناقض حضاري حادٍ، لأننا أصحاب الدين الحق وأصحاب الثقافة القويمة بينما هم أهل الباطل والانحراف. والطهطاوي في هذه اللحظة المزدوجة يقرر ما يعتقده صحيحاً لا رجعة فيه، كأنَّ (الاوروبيين) غائبون تماماً بينما الكلام يقيِّم حالهم عن كثب (أمام محاكمة تاريخية إن صح التعبير). ذلك يؤكد بخلفية المتابع نتيجة الطهطاوي القائلة: كم نحن مختلفين جذرياً عن أوروبا، ولسنا في حاجة إلى ما يؤمنون ولا ما يعتقدون ولا ما يمارسون. فقط يا ليت لدينا معارفهم وتقنياتهم وسياساتهم لإحراز سبق المدنيّة والتقدم!!

وتلك هي الرؤية السطحية التي لا تعرف تطوراً تاريخياً ولا حضارياً للغرب (التطور في اتجاه- والحياه في اتجاه آخر). وهذا لا يعني هنا دفاعاً عن أوروباً بالتبعية، ولا يعني العيش كما تعيش أوروبا فهذا مستحيل!! المهم هو كيف قيَّم الطهطاوي أوروبا وذهبت ثقافته إلى حيث لا تتطور طالما وقفت عند الشكل والاحتذاء كما نادى. ولذلك يستحيل استنساخ الحضارة ولو على ركام الماضي، لأن الثمن الباهظ هو تحويل المستقبل إلى جثة متحركة.

الأوضح من ثمَّ أنَّ الطهطاوي جعل ثقافته معياراً لدراسة الآخرين باختلاف أطيافهم. ثم وضَّعهم في قوالب ذهنية لا يعبرون عنها بالضرورة. وهذا يتضح أكثر في حديثه عن العلاقات بين الرجل والمرأة. حيث يشير دوماً إلي أخلاقيات الشرق، حين تحرص التقاليد لدينا على علاقاتٍ بعينها بين الجنسين (الأساس الاخلاقي). وبذات الوقت ينفيها – يستنكر انعدامها- إزاء الأغيار بحسب قيمهم وطرائق حياتهم الاجتماعية (هم هكذا يعيشوا)، أي سيرى أفعالَّهم كأنها جرائم وتُهم اخلاقية. وهذه النظرة عنيفة في أساسها، لأنها نمطية ولا تتجاوز الفوارق الحضارية بين الشرق والغرب، كما أنَّ المسألة ليست أخلاقية فقط. لو انها مسألة أخلاقية ما كان يجب على الطهطاوي الذهاب إلى أوروبا وهو يعرف ذلك جيداً!!

كيف إذن لأزهري معمم بالثقافة أنْ يرى الواقع والحياة خارج عمامته؟! إن

ما حدث مع الطهطاوي حدث مع محمد عبده، فلم يتخلص الاثنان من العبارات التكفيرية برداء اخلاقي. إنَّ الاخلاق التي يري البعض فرضها فرضاً تعد أكثر تكفيراً وعنفاً من الدين نفسه. الفارق أنَّ التكفير لدى جماعات العنف الديني كان بارزاً بينما كان يُغلَّف لدى المستنيرين بالإعجاب تجاه الغرب، ثم يرتدي عباءة التقييم الأخلاقي للحياة.

لكن التصنيف في قاعه البعيد واحد: المسلم/ غير المسلم، صاحب الاخلاق/ الفاسق، نحن الأفضل/ أنتم الأسوأ.. وبالتالي المواقف واحدة في ميزان العنف لو أخذنا بهذا الجانب. المنظوران الاثنان (المستنير والارهابي) لم يفهما لماذا يختلف الغرب عن الشرق، ببساطة لأنهم لم يفهما ابتداءً الأسس الفلسفية والفكرية والمعرفية للحضارة الغربية. فهم فقهاء يشربون من معين واحد في جبة عصرية لا تُغير شيئاً لا بالتاريخ ولا الجغرافيا.

ومن ثمَّ لا يجب وضع مسلمات أمام قراءة(الفكر العربي الحديث) من قبيل أن هذا شيخ عصري وذاك تقليدي، هذا شيخ حداثي وآخر رجعي. فأكبر الأخطار فلسفياً النظر إلى ممثلي الفكر العربي (الطهطاوي ومحمد عبده والافغاني والكواكبي ...) كرموز للتجديد والتنوير هكذا بمطلق الكلمات. إنَّ في كتاباتهم طبقة سرية من الجمود والتصنيف غير العقلاني لقضايا الشرق والغرب. وإذا حفرنا وراء أحدهم أو غيره سنجد أن أغلب قضاياه مشبعةٌ بآراء فقهية وانحيازات دينية(غير عقيدية) بالأساس. وأنَّ التسامح ونقل التحضر والأفكار المدنية "حيلة عصرية" لمواكبة التطور والتقدم، لكن العداء يلتقي مع سواه الأشد فتكاً في الغاية. وأنَّه كان لا مهرب حضاري لديهم من التعلُّم، بينما كراهية الغرب مستمرة بأشكال أخرى، تماماً مثل الفارق بين قطُع اليد التي تكرهها (موقف الارهاب) وبين تقبيلها مؤقتاً للإفادة منها (موقف المستنير).

 لقد كانت اجاباتهم لسؤال شكيب أرسلان: لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟ اجابات غير صحيحة. لأن الحضارات لا تقارن كأنها تمتلك الدرجة الصفر ذاته للتقدم والانطلاق. كما أنَّ الاستفهام يؤكد الاقصاء والتنافر بالوقت ذاته، وكذلك هو سؤال يقارن حالتين لا مجال للمقارنة بينهما حياتياً. لأنَّ كل حضارةٍ لها طابعها المميز من الوجود والفعل. وأنَّه لا يجب احتذاء الواحدة للأخرى اطلاقاً مهما تكن. وإلاَّ لأضحت أحداهما عبئاً تاريخياً ولا قيمة لها. ومن هنا أخذا بنصائح التنوير فإنَّ تاريخ العرب المعاصر كله كان سائراً بالطريق نفسه، لا قيمة حضارية لهم، إنهم مجرد طفيليات متسلقة على أكتاف الغرب... معرفة وعلماً وتقنية وفكراً.

إنَّ مناقشة محمد عبده لقضايا العصر في كتابه "الاسلام بين العلم والمدنية" أمر غير منطقي. لأنَّ الاسلام كدين إجمالاً ليس معنيَّاً بماهية المدنية والمعرفة العلمية الراهنة وماذا يجري فيها. كما أن الاسلام بتلك الصيغة " كلمة عامة" بما لا تُحد إجمالاً. فأي اسلام يقصد محمد عبده؟ هل الاسلام الاعتزالي الآخذ بالعقل وحرية الإرادة الإنسانية كما هو مشهور عنه؟ وإذا كان ذلك كذلك فلم يقدم هذا الاعتزال رؤية متماسكة حول العالم والحضارة بمنظورهما الحالي (قياس الحاضر على الماضي). تلك الأشياء المتأخرة التي تعتبر خارج نطاق الدين بأي معنى كان. ومن ثمَّ يصعب بل يستحيل التحدث عن الدين إلاَّ في إطار تجربة حياتية بعينها، وبالتالي لن تقارن تجربته (الشرقية) بسواها (الغربية) إلاَّ بالاختلافات وبعوامل القصور. إنه يجب على العرب والمسلمين ابتكار وجودهم الحضاري بمعطيات معرفية وثقافية مميزة عن سواهم وليس مجرد التوفيق والتلفيق.

كما أنَّ تصورات الدين والاسلام والحقيقة والعلم- وإنْ وردت في جذور تاريخية لدينا- لم تتخلص بعد من الدلالات التقليدية. وهذا يتجاوز فكرة الاسلام الإعتزالي أو الأشعري أو الشيعي. جميع الإسلامات تتطلب غربلةً وتنقيةً صارمتين بما يضبط حركة النصوص المؤسسة وفقاً لغاياتها مقاصدها كما يقول الأمام الشاطبي. وبما يزيل عنها كل الطباق الخارجية التي رانت عليها وأخفتها وجعلتها صوراً مشوهة في أيدي المتطرفين. لأنَّ بذور التخلف الفكري كامنة فيها كصناعة بشريةٍ تختلط بالأسس المقامة عليها إنْ لم تكُّن من السلف فمن الخلف.

الاسلام في أشكاله المذهبية ليس نقيَّاً ولن يكون، أشكال الفِرّق والملّل والنحل الكلامية هي الرواسب التاريخية التي انفجرت وكونت أخيلة المسلمين حتى الآن. وهذه مازالت حاملة لكل غلالات العنف والخشونة التي كانت شائعة في ثقافة القبيلة والعشيرة والبيئات القديمة. القضية في صورة الاسلام لا تقاس بالأوصاف العامة من جهة العقلانية والنقد والتفكير. بل بكيفية المضامين وطرق التغيير والآفاق الجديدة التي تحملها الثقافة للحياة المنتظرة منها. وأنَّ الحيوات تتلاقى خلال مستواها الإنساني الذي لا يقبل تصنيفاً ولا كراهيةً. فلئن كنتَّ أنتَ تحمل حياة مفتوحة، فإنك ستقابل المصير نفسه... وإلاَّ فالعكس مدمر.

إذا كان هذا شأن التنويريين فكيف بغيرهم؟ يذهب المسلم العادي والمتطرف إلى أوروبا وهو يدرك أنه في بلاد مختلفة. لأن الحياة تثير داخله غرائز العدوان والجموح، ذلك بفضل الالحاح الديني كما يفهمه رعاة الشرق وفقهاؤهم. ففي الفضاء العام يقوم الخطاب الديني على الاساءة والتحريض تجاه ما يسميه بالعُهر والاستعمار وانحلال المرأة. ثم يُرجِّع أسباب ذلك كلُّه إلى أوروبا وانتشار الموضات الفكرية والفنية والأيديولوجية والسهر على متابعة الوسائط الاعلامية والتواصلية. وهذا الجهل لا يدرك من فوق المنابر أنَّ الحياة ليست فقط مظاهر وأشكالاً إنما هي " قانون ثقافي". وأنَّ الأوروبي ينشغل كامل الانشغال بالعمل والانهماك في ابداع إيقاعه اليومي.

إنَّ نمط الحياة الأوروبية ينسف كلَّ تصورات الاسلاميين من الجذور، لأنه نمط يلاصق أداء الحياة المنفتحة التي قد لا تعني الفسق والفجور بالضرورة  طالما أنَّها لا تجبرك على شيء. هذا هو الأصل الذي تشتغل عليه فتاوى الفقهاء بكراهية (أي لكي تكون لهم أهمية، يجب حكم الناس بصيغة: عليك أن تفعل كذا أو لا تفعل). كان كبت هذا الانفتاح وقمعه هما المُنقذ الوحيد من عطالتهم. فمازالت روح الكهانة القديمة كامنة في شُرّاح الدين ومفسريه كما لو كانوا يمتلكون الحقائق المطلقة من فم الغيب. بينما اتباعهم ورعاياهم كائنات شهوانية تمشي على الأرض!! ولهذا حينما يعيش الاسلامي المتطرف في أوروبا، إما أنه يعرف روحها، فيتماشى مع تسامحها الإنساني وتنوعها العرقي والفكري (على الأقل التنوع الخاص)، وإما أنه يتصلب بذهنية عدوانية تقطر دماً.

الأغلب أنه سرعان ما يأخذ الموقف الثاني باطناً أو ظاهراً. لينكفئ على نفسه وعائلته معتبراً الأوروبيين مما يجب مسايرتهم شكلياً (بحكم التقية والممالأة). صورة الإسلام والمسلم في هذه الحالة ستمثل حاجزاً ضد الحياة التي يحياها. لأنَّ خياله مجرد "كومة تحريمات ثقافية" من عصور قاحلة مضت، يحملها المتطرف من خلال ذاكرة المجتمعات التي نشأت فيها وفرَّخت. فهل هناك تحرير لهذا الخيال الديني العنيف؟ وكيف يمكن تحريره إنْ أمكن؟!

 

د. سامي عبد العال

 

عبد الله الفيفيكنتُ توقَّفتُ في معارضةٍ شِعريَّةٍ نقديَّةٍ أمام بعض ما جاء في بائيَّة (أبي تمَّام) الشهيرة(1)، التي يسمِّيها بعض المعجبين "ملحمة". وهي كذلك بالفعل، لا بمعنى الجِنس الشِّعريِّ المعروف، ولكن بمعنَى ما تضمَّنته من عُنفٍ لُغويٍّ ضِدَّ المرأة، مسبيَّةً، منتهكةَ الإنسانيَّة، باسم الإسلام والعروبة والثأر والنَّصر المبين! ونحن عادةً لا نقرأ الأبعاد الثقافيَّة والحضاريَّة وراء النصوص، ولا نلتفت إلى مقدار البشاعات الملبَّسة بغُلالات البطولة القوميَّة أو الدِّينيَّة؛ فإذا هي تطغَى العواطفُ الهمجيَّةُ على العقلانيَّة، والحماسيَّاتُ العنصريَّةُ على الحساسيَّات النقديَّة. لقد جاء في قصيدة أبي تمَّام تمجيد السَّبي للنساء، بل جعل ذلك غاية (المعتصم) وجيشه من الحملة على (عمُّوريَّة)، 223هـ= 838م، وهو ما لا مسوِّغ له، مهما كان من فِعل الإمبراطور البيزنطي (ثيوفيلوس أو توفلس، -842م) وأتباعه، وإلَّا تساوت القِيَم والرؤوس في جاهليَّاتها، وإنَّما هي فُرَص القَنصِ تدور في سباسبها:

كَــــمْ نِـيْــــلَ تَحْـــتَ سَـــناهــــا مِنْ سَــنا قَمَــرٍ ... وتَحْتَ عارِضِها مِنْ عارِضٍ شَنِـبِ

كَمْ كـانَ في قَطْــــعِ أَسْبـــابِ الرِّقــــــابِ بِهــــا ... إِلى الـمــُـــخَـــدَّرَةِ العَــذْراءِ مِـنْ سَــــبَــــبِ

كَـمْ أَحْـرَزَتْ قُضُـــبُ الهِنْـدِيِّ مُصْلَتَـــــةً  ... تَـهْـــــتَـزُّ مِنْ قُـضُـــــــبٍ تَـهْـــــــتَـزُّ في كُــــثـُــبِ

بِـيْضٌ إِذا انتُضِيَتْ مِنْ حُجْبـِها رَجَعَتْ ... أَحَـقَّ بِالبِـيْـضِ أَتْرابـًا مِنَ الحُجُـبِ

فما القول في هذا الفتح العظيم لنَـيْلِ أقمار النِّساء، كما يُصوِّر أبو تمَّام، لا فُضَّ فوه، مغريًا غرائز جماهيره الذُّكوريَّة بأوصافٍ جسديةٍ حسيَّة "ملحميَّة"؟!

لو جاء هذا في غَزَلٍ، لعُدَّ شِعرًا ماجنًا فاحشًا، ولكان للمدافعين عن سفاهات الشاعر الحربيَّة مواقف أخرى. وهكذا يذهب شاعرنا الفحل إلى أنَّ قتل الرجال كان سببًا في الوصول إلى العذارَى في خدورهن، وإلى انتهاك أعراضهن، مقدِّمًا خلال ذلك معرضًا جسديًّا، يذكِّر بأسواق النخاسة الداعشيَّة، وما ذاك منَّا ببعيد! ها هي القصيدة شاهدةٌ على نفسها، وعلى ثقافتها المريضة. فماذا نقول؟! وبِمَ نُغطِّي شمس سيوفها التمَّاميَّة؟!

 - لا، لا ينبغي أن تنتقد هذا الخطاب!

...

وهذا مؤشِّرٌ واضحٌ على أنَّنا نُقدِّس الآباء والأجداد، ونَخِرُّ على نصوصهم صُمًّا وَعُمْيَانًا، وبُكمًا أيضًا، على طريقة أجدادنا من كفَّار قريش! نرفض انتقادها، مهما كانت واضحةً فاضحةً في نُبُوِّها عن الذَّوق الدِّينيِّ والحضاريِّ والإنساني. وهنا يأتيك مَن يَفِحُّ في وجهك:

- كيف تنتقد حماسةَ (أبي تمَّام)- قدَّس الله شِعره!- لحملة (المعتصم) على الرُّوم؟

وهذا سؤالٌ ينفث الكذب والمغالطة من سجائر مغشوشة! يدلُّ- كما رأينا في مقالٍ سابق- على أن المدافعين عن التُّراث بهذه الحماسة، وعن أصنامه بتلك الاستماتة، منافحين عن صريح خطابٍ غير سَوِيٍّ فيه، هم أنفسهم في حاجةٍ إلى علاجٍ قرائيٍّ قبل دراسة التراث أو الحِوار معه. والأغرب أن تكون تلك البطولة الدفاعيَّة عن البطولة البربريَّة آتية من قِبَل المرأة، التي كثيرًا ما كان الخطاب الذي تُدافع عنه لا يتوانَى في قتلها، أو التشجيع على وأدها، وانتهاك إنسانيَّتها، عربيَّة كانت أو غير عربيَّة. ولا تفسير لهذه الحُمَّى الحضاريَّة إلَّا أحد أمورٍ ثلاثة، كما أشرنا في مقالٍ سابق: إمَّا أنَّنا لا نقرأ تراثنا، وإمَّا أنَّنا نقرؤه ولا نفهمه، وإمَّا أنَّنا نقرؤه ونفهمه، لكنَّنا لا ننظر منه إلًّا إلى ما ننتقي ونهوَى، على منهاج "ويلٌ للمصلِّين..."، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى لا ننظر منه إلًّا إلى ما لا يتصادم مع تقديسنا المطلَق للسَّلف، الصالح والطالح معًا، على منهاج "إنَّا وجدنا آباءنا...".

ولقد يأتيك آخَر من آخِر الصفِّ صارخًا، إلى جانب صرخة (أبي تمَّام):

- ربما خفي على الشاعر أن الدُّوَل العُظمَى اليوم تفعل بالشعوب الضعيفة أضعاف ما فعل العَرَب؛ فهم يقتلون بالآلاف ويجوِّعون الملايين ويدمِّرون الحضارات!

موقنًا صاحبنا أنه بهذا التهافت في الاحتجاج قد أقنعك، بل قد أفحمك، ولاتَ حينَ مناص! فلا ينبغي عند صاحب هذا الخطاب أن تنتقد التراث، وإلَّا فأنت تنتقد العَرَب والمسلمين كافَّة، ولا أن تنتقد بعض ما وَرَدَ في كتب التاريخ، وإلَّا فأنت عدوٌّ لتاريخ الأُمَّة! ثمَّ بعد المغالطة تلك ينتقل بك إلى أرجوحة التبرير، محتجًّا بأنَّ الأُمم الأخرى تفعل وتفعل وتفعل، فلماذا تنتقد أن نفعل نحن كفعلهم؟ وهذا بابٌ شعبيٌّ عتيق، ينزع إلى تبرير الخطأ بالخطأ. وإلَّا لو كان ثمَّة منطقٌ سليمٌ، لكان: ما دُمْتَ تنتقد ما يفعله الآخَر بك وبالشعوب المستضعفة، فلماذا لا تنتقد نفسك وقومك وتاريخك أوَّلًا، لكيلا تفعل مثل تلك الأفعال المشينة، ولا تَسُنُّها للناس، بالقول أو الفعل أو الإقرار، بحالٍ من الأحوال؟ وإلَّا صدقَ عليك بيت (أبي الأسود الدؤلي):

لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأتيَ مِثلَهُ ... عارٌ عَلَيكَ إِذا فَعَلتُ عَظيمُ!

ومنطق "مَن يَنْهَى عَن خُلُقٍ ويَأتي مِثلَهُ " هو منطق الإرهابيِّين المعاصرين وقاعدتهم، ومنطق وَرَثَتهم فِكريًّا. فهم- وإنْ لم يكونوا بالضرورة من أتباع القاعدة عمليًّا، بأحزمة الديناميت الناسفة- أتباعهم نظريًّا بأحزمة الفِكر الناسفة، الأكثر خطورة. هذا المنطق يقول، ببلاهة:

- هم يفعلون، وينبغي أن نفعل مثلَهم، والبادئ أظلم!

إن الأزمة الثقافيَّة التاريخيَّة، إذن، تبدو أخطر بكثير من الأفعال الإرهابيَّة الطارئة، التي لا تمثِّل سِوَى أعراضٍ لأمراض مزمنة، متغلغلة في النسيج الثقافي، ومن ثَمَّ في النفوس والعقول، وما برح بيننا مَن يُحامي عنها، ويُحرِّم انتقادها، أو المساس برموزها وأعلامها. وهذا يؤكِّد الكَمَهَ الثقافيَّ المطبق، الذي لن ينقشع دون مراجعاتٍ عِلْميَّة، متجرِّدةٍ من العواطف العشائريَّة، والتبعيَّات التاريخيَّة، وجوقات الاصطفاف والترديد؛ مراجعات جديدة وجادَّة، تسمِّي الأشياء بأسمائها، بلا غمغمةٍ ولا مداجاة، فتَقبل الصواب لصوابه، وتردُّ الخطأ لخطئه، كائنًا ما كان مصدره، وَفْقَ معايير إنسانيَّة، من الحقِّ والخير والجمال، لا بمعايير التعصُّب والهوَى والقوميَّة والإديولوجيَّة وتقديس التاريخ والتراث.

 

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

...................................

 (1) انظر: صحيفة "الجزيرة"، السبت 19 ربيع الأوَّل 1441هـ، ص16:

http://www.al-jazirah.com/2019/20191116/cm48.htm

 

 

عصمت نصارإذا كانت الأقوال السابقة التى أوردتها «للمنفلوطي» تبرهن على أصالة خطابه؛ فحسبنا في السطور التالية الكشف عن الجانب الاجترائي في أقواله التى عبّر خلالها بشجاعة عن رفضه للكثير من الآراء السائدة والمعتقدات الفاسدة التى تبنتها معظم قادة الرأي المحافظين ونقلوها إلى الرأي العام والعقل الجمعي وجمهور العوام، الأمر الذى جعل منها مُثّلاً مقدسة لا ينبغي الخروج عليها أو العزوف عنها.

ومن أمثلة هذه المبادئ والأصول والآراء، الإجماع أو استبداد الكثرة وتقديس العوائد وجحد البدع واتهام الأغيار بالدُّونيّة والجهل وإقناع الجمهور بأن منبر الدين الذى فسّروه وأوّلوه هو عين الحقيقة ودونها باطل، فها هو يحتج على المفاهيم والأحكام الذائعة في الدين التى تستند إلى ما يطلقون عليه إجماع، مؤكدًا أن حجية الإجماع الشرعي ليست مطلقة بل مشروطة إمّا ببرهان نقلى قطعي الثبوت وقطعي الدلالة، أو برهان عقلي لا يقبل الشك في صحته - بديهي لا يختلف عليه عاقل.

إنّ من يتأمل حجية الإجماع بذلك المعنى؛ فإننا نؤكد أنه يستمد قوته من حجية العلة التى يستند إليها فلم يجمع الفقهاء في الإسلام إلا على الواضح، الضروري والثابت من الوحى - مثل قواعد الإيمان وأصول الإسلام - أما ظني الدلالة من النصوص والمحتكم إلى الواقع من الفروع والمحتاج إلى إمعان النظر لاستنباط المقصد من الأوامر والنواهي، فليس فيه إجماع، بل هو موقوف على ظهور المجددين والمجتهدين وأصحاب الرأى لمسايرة الواقعات ومعالجة المشكلات التى تتعلق بأمور الدين والمجتمع، وأن من يشكك في أن الإجماع ليس حجة في ذاته عليه بدراسة تاريخ الفقه الإسلامي واختلاف الأئمة الذى يعد برهانا على منهجية المفكرين في الاستنباط من جهة واحترامهم لرؤى الأغيار من المجتهدين بغض النظر عن كم المؤيدين أو المعارضين من جهة أخري.

وهو يتفق في ذلك مع «الشيخ حسن العطار» ومدرسة «الإمام محمد عبده»، الذين قدموا الاجتهاد في الأمور الظنية من الأمور الشرعية وبينوا أن تجديد الدين مرهون بوجود الاختلاف، كما أنهم أنكروا تمامًا الادعاء الشائع بأن خير المسلمين في التمسك أو الانتصار لرأي واحد حتى لو كان غير صائب مادامت الكثرة معه؛ فالمراد بالإجماع عندهم هو إجماع المجتهدين في كل عصر وأن رأيهم غير ملزم الآخذ به في عصرٍ آخر أو في أوضاع وظروف مغايرة لرأي المجمع عليه من السلف.

كما يرفض «محمد رشيد رضا (1865م - 1935م)» ما يدعيه بعض المحافظين بعصمة المجتهدين أو أهل الحل والعقد بل هو رأى الذى يصدق عليه الصواب والخطأ، ومن ثمّ فالمعيار هو المصلحة وتحقيق المقصد الشرعي.

ويضيف «عبدالحميد الزهراوي (1855م - 1916م)» أنه من العسير الوقوف على كل آراء المجتهدين قديمًاً وحديثًاً ومن ثم يصبح مصطلح الإجماع غير موجود في الحقيقة، ويشهد بذلك الواقع المعيش؛ فالقائلون بوجود الإجماع أقرب إلى الوهم منهم إلى الحقيقة، وأن «ابن تيمية (1263م - 1328م)» قرر بأن الإجماع المدعى في الغالب إنما هو عدم المعرفة بالمخالف.

ومن أقوال «المنفلوطي» في ذلك «ليس إجماع واحد أو عشرة آلاف أو مائة ألف متأثرين بشعور واحد مستمدين قوة واحدة على رأى من الآراء دليلًا على صحة ذلك الرأي، لأنه رأى فرد واحد تأثر به الباقي تقليدًاً وعدوى، ورأى الواحد مترجح بين الخطأ والصواب».

وقد تأثر بهذا الرأي «الشيخ على عبدالرازق (1888م - 1966م)» و«الشيخ عبد المتعال الصعيدي (1894م - 1966م)» و«خالد محمد خالد (1920م - 1996م)» وغيرهم من المجددين في النصف الأول من القرن العشرين الذين صرحوا بأنه ليست هناك سلطة كهنوتية في الإسلام، وأن باب الاجتهاد لم يغلق بعد عصر الصحابة كما يزعم بعض المتعصبين من الجامدين الرجعيين.

وينتقل مفكرنا إلى الخصومات المذهبية والمناظرات الفكرية موضحًا أن تثاقف العلماء وتناظر المبدعين مطلوب دومًاً لتقدم الأمم وانتخاب الأفضل للتغلب على المشكلات وجلب المصالح وسد الاحتياجات.

أمّا التراشق اللفظي والتعصب المذهبي والعنف الطائفي واستبداد الكثرة أو أصحاب السلطة أو المتطرفين فكل هذه الأشكال غير مرغوبة تماماً، أمّا الاصطفاف والاجتماع على قرار فليس السبيل إليه تظاهر العوام وعلو أصواتهم باسم الديمقراطية ولا أصحاب المصالح من الحكام باسم القوة والهيمنة والسيطرة ولا بفتاوى المتعالمين من أرباب الفتن الملية والطائفية بل هو الاحتكام للعقل دومًاً والقراءة المتأنية للواقع والظروف المحيطة والمنفعة العامة وفهم دقيق لمقاصد المقدس ومآلاته.

ومن أقواله في ذلك:" إن وجود الاختلاف بين الناس في المذاهب والأديان والطبائع والغرائز سنة من سنن الكون، التى لا يمكن تحويلها أو تبديلها حتى لو لم يبقِ على ظهر الأرض إلا رجلٌ واحد لجرد من نفسه رجلًا آخر يخاصمه وينازعه، ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة».

«إن هذه الأحقاد الدينية التى تلتهب في صدور الناس التهابًاً لا تؤججها في صدورهم الأديان نفسها، بل رؤساء الأديان الذين يستخدمونها ويتجبرون بها في أسواق الغباوة والجهل».

ويتضح ممّا سبق أن مفكرنا «مصطفى لطفى المنفلوطي» يعد بحق من الأدباء المجددين الذين أدلوا بدلوهم الإصلاحي في الثقافة العربية، وأثروا في معظم المثقفين في النصف الأول من القرن العشرين، ولعلّ ما أوردناه من آرائه يبرر حكمنا عليه، ويؤكد في الوقت نفسه صدق دعواتنا إلى ضرورة القيام بمراجعات نقدية لأفكار قادة الرأى في الفكر العربي الإسلامي الحديث والمعاصر، والتحرر من التصنيفات والأحكام المتسرعة التى مازلنا نعانى منها. وللحديث بقية عن عالم آخر من المجددين في معية المحافظين.

 

د. عصمت نصار

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الخامس والعشرين ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: أتساءل هذا السؤال عقب تساؤلات فأقول: وماذا بعد!؟. أي وماذا بعد الفلسفة النسوية في نظر الأستاذ؟ وكيف يمكن أن يعقب حضرتكم عن كل ما سبق من إجابات وتفاصيل حول آرائكم الكريمة في الفكر النسوي؟

وهنا يجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: أجده سؤالا مشروعا، يحيل على إشكاليات أخرى، خاصة النسوية العرب - إسلامية، التي تهمنا جميعا، ونسعى لبلورة أفكار تساعد على ترشيد الوعي، والنهوض بالمرأة إلى مستوى يعيد لها إنسانيتها وحريتها واستقلاليتها لتقف إلى جنب الرجل، تربطهما أواصر إنسانية، تقتضيها وحدة المصير والحياة المشتركة، بعيدا عن سطوة النظام الأبوي والمنطق الذكوري: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). إن من جملة الإشكاليات المرتبطة بالنسوية العرب - إسلامية، هي:

1- إشكالية الموقف من الفكر الغربي: النسوية بدأت حركة غربية، نتاج واقع يرتهن في ثقافته وقيمه لمرجعيات بينها وبين المرجعيات العربية والإسلامية عموم وخصوص من وجه. ثمة نقاط إلتقاء، وهناك تغاير يصل حدَ التباين أحيانا. فكيف تتحدى سلطة المقدّس والتراث والأعراف، وتنتقل لمرحلة الانفتاح على قيم إنسانية مغايرة؟. إن طبيعة التحديات تفرض على النسوية العرب - إسلامية، مرحلية تواصل بها مسيرتها باتجاهين، أحدهما يؤثر في الآخر. الأول نقدي: يواصل تفكيك منظومة القيم والمرجعيات الخاصة بالمرأة. والثاني طرح بديل سلوكي، يفرض احترامها وانتزاع اعتراف مجتمعي بها، من خلال قوة حضورها على جميع المستويات، وتوازن أخلاقي تتفادى به أي سلوك يرتد ضدها سلباً، فثمة محددات وأسيجة حمراء، تتطلب درجة عالية من الاتزان والحكمة، في التعامل معها. ولعل في تطرف النسوية الراديكالية العرب - إسلامية، ما يبرر قلق الانحراف السلوكي، الذي  تشكو منه الأقلام النسوية، على جميع وسائل الاتصال الحديثة، وتجده وبالاً على مستقبل الحركة النسوية، عندما يحرّض ذكورية المجتمع الأبوي، فتخسر المرأة جوانب إيجابية في حركة النسوية بفعل سلوك متطرف غير مسؤول.

فالموقف من الغرب كما يري الأستاذ ماجد الغرباوي يتحدد بفهمه، وفهم خلفياته، وعدم الانجرار للاستلاب، فتعيش المرأة اغترابا حقيقيا، يفضي للتمزق النفسي والتمرد والكآبة والتفكير بالهروب والانتحار، فتخسر نفسها، ويخسرها المجتمع.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: الموقف الصحيح أن تتأمل الحركة النسوية العرب - إسلامية أفكار النسوية الغربية، وهضم فكرتها، ومراعاة الواقع، من أجل نسوية ملائمة، تتبنى قيمها الأساسية، وتتواءم مع ثقافتها. وهذا لا يعني تكريس دونية المرأة والمنطق الذكوري، كما لا يعني في المقابل القطيعة التامة مع التراث والثقافة وكل ما يمت للشرق والعرب والإسلام، والالتحاق بالغرب، كما ترى النسوية العرب - إسلامية الراديكالية المتطرفة، التي تطالب بكل ما طالبت به النسوية الراديكالية الغربية، وتدعو لحرية مطلقة تقصي الأسرة، وتبيح السحاق والشذوذ، وتستبعد الرجل. وهو اتجاه تقدم الحديث عنه، انتقدته النسوية الراديكالية المثقفة قبل غيرها. أقصد أن تتبنى النسوية قيم الحركة النسوية العالمية، كقيم إنسانية كونية، لا تختص بواحدة دون غيرها، لتستعيد ثقتها ومكانتها، وتسعى لنيل حقوقها بما هي إنسانة. وأقترح للحركة النسوية العرب - إسلامية عنوان (النسوية الفاضلة) الذي أجده ملائما لها، دون إقصاء لأي دين أو مذهب أو قومية، مادامت الفضيلة قاسما مشتركا بين الأديان والثقافات الإنسانية، وجميع المجتمعات رغم تفاوت النسب. وأحيانا قد يختلف المفهوم، لكنه بشكل عام لا يؤثر، لأن الغاية هي وجود امرأة إنسانة، تقف إلى جانب الرجل الإنسان، بدون تمايز من وحي الاختلاف البيولوجي سوى الجانب الوظيفي. فالنسوية الفاضلة ستمثّل نموذجا يشترك بمبادئه الإنسانية الكونية، ويحفظ بقيمه وأخلاقه التي لا تتقاطع معها. وهو بهذا الشكل يصدق أنه نموذج أصيل، ليس ترقيعيا ولامستلبا.لا تعاني المرأة باغتراب، كما هو الحال بالنسبة للنماذج المؤسلمة والترقيعية والتلفيقية، سوى تعزيز ثقتها بنفسها وبإنسانيتها واستقلاليتها. كما أنه سيجرّد النسوية من حمولاتها الدلالية بفعل انتمائها للغرب / الرجل الأبيض / الكولونيالي. ولكل واحد من هذه المفاهيم دلالات سلبية في الذاكرة العرب – إسلامية، وما لم يتم الفرز بين القيم الإنسانية الكونية، وسلبيات التمركز الغربي، لا يمكن للمرأة العرب – إسلامية الانسجام مع مشروع النسوية. خاصة عندما يتبادر لها التلازم بين النسوية، باعتبارها منجزا غربيا، وبين موقف الغرب من الدين، ودعوته للتحرر من القيم والأخلاق، وممارسة الفسق والفجور، ومحاربة الشرائع والأديان، ودعوته باسم العقل والعقلانية إلى التخلي عن الإيمان، واستبدال مفهوم الله بماهيم مادية. وبالتالي فمشروع النسوية الفاضلة، سيمثّل نموذجا حضاريا، يشترك ويختلف مع النسوية الرادكالية المتطرفة، التي راحت تسوق نفسها من خلال مختلف وسائل الإعلام، ويطمئن المرأة بمستقبلها. لا يرتهن صدق مفهوم النسوية على عدم الإيمان بالميتافزيقيا. ويبقى الدين قضية شخصية، لا يمكنه حد حرية الفرد وجودا، وليس بمقدوره ذلك. والالتزام بتعاليمه شرط إيماني، فيكون مسؤولية شخصية. والأمر أوضح وفق مفهوم الدين كما ذكرته سابقا. كما أن مشروع النسوية الفاضلة يؤكد على العقل والدليل، ويستبعد الخرافة واللامعقول، ويقدما فهما جديدا للدين ودور الإنسان في الحياة.

3- إشكالية الفقه والتشريعات: إذ تواجه المرأة ركاما من الفتاوى والتشريعات والموروث الذكوري، الذي استبد بوعي الفرد والمجتمع، حتى صارت كلمة المرأة رديفا للدونية والتخلف والنقص والعَيب. وهي إشكالية عميقة عندما تقرأ نصوص الكتاب بحرفية، تتجاهل الظروف الزمانية والمكانية، وتهجر المنطق الداخلي للقرآن، وتستبد بآراء فقهية، هي نتاج ثقافة ذكورية بامتياز. وهنا ينبغي للنسوية مراعاة المجتمع مرحليا، وقدر المستطاع، شريطة تحديث الوعي النسوي، واستعادة إنسانيتها، فثمة فرق بين امرأة تتعايش سلميا مع الواقع، وهي مملوءة بالوعي، تتحين الفرص، وتسعى باستمرار للتغيير. وبين امرأة قد تكون متمردة ظاهرا، لكن روح العبودية تسبد بها، لا تفارقها.

4- إشكالية السلطة: إن سر نجاح النسوية الغربية الأجواء الديمقراطية والتعددية، ووجود ضمان اقتصادي، يؤمّن مستوى مرموقا لكل فرد من أبناء الشعب، مع ضمان اجتماعي وصحي، ووجوب التعليم، وصرامة القوانين. إضافة إلى - وهذا هو المهم - تفهّم السلطات الحاكمة لقضايا المرأة، والاستجابة لكل تطور فكري، لذا شرعت بعض الدول للزواج المثلي، مهما كان موقفنا منه، لكنه تعبير عن تحرر السلطة من ربقة الاستبداد، وقدرة الشعوب على فرض إرادتها. وجميع هذا تقريبا مفقود في العالمين العربي والإسلامي، ومازالت المرأة مرتهنة لأهلها وزوجها في معيشتها، وتربية أطفالها. وعليه يجب أن تنخرط النسوية العرب - إسلامية في حركات التحرر الداخلية، من أجل مستقبل، يتيح لها ممارسة حريتها ومساواتها العادلة. وهذا لا يمكن إلا بتفكيك المجتمع الأبوي، وقيمه الذكورية – الاستبدادية، وإعادة تشكيل الوعي.

ويضيف الأستاذ ماجد الغرباوي: ما تقدم كان كلاما حول البعد النظري من موضوع النسوية، وهناك جانب تطبيقي، تتمثل فيه المرأة وعيا مختلفا للذات والآخر، بعد قطيعة تامة مع قيم النظام البطريريكي الأبوي، التي تكرّس دونيتها وتصادر حقوها، سيما الوجودية منها: الحرية والمساواة. شريطة أن لا ينتهى بها الأمر إلى التمركز حول الأنثى كتحدٍ للتمركز الذكوري، فإن قيمة المرأة بوعيها الإنساني الذي يتيح لها الوقوف بجانب الرجل، عبر قواسم مشتركة ذات مرجعية إنسانية. فثمة طموح مشروع لدى المرأة العرب – إسلامية لتحرير الذات وممارسة حريتها، غير أنه للأسف الشديد وعي مقلوب لدى طيف واسع من النساء، عندما تصرّ المرأة على تأنيث منجزاتها لتعبّر عن ندية عنصرية. فترسي، شعرت أو لم تشعر، ثنائية صلبة، تقوض مشروع (النسوية الفاضلة)، الذي أطمح له، وأجده ملائما، لا ينقص المرأة حيثيتها، ويراعي جانبها الوظيفي، ويسمح لقيم الفضيلة برسم خارطة طريق تضمن كرامتها دون المساس بحقوها، ولا يحرضها ضد الرجل والأمومة والأسرة، ويخلق لديها شعورا بالمسؤولية الاجتماعية، باعتبارها جزءا  مكمّلا للرجل، وليس ندا، يستدعي منافسته وتحديه. ويحثها على المشاركة على جميع المستويات، فثمة فراغات ما لم تملأها المرأة نفسها ينعكس عليها سلبا. إذ مازال حضورها محدودا، ومازالت مشاركاتها، خاصة على الصعيد السياسي والمناصب الحساسة، يثير استغراب وربما سخرية المجتمع!!، على خلفية صورة دونية تحتفظ بها ذاكرته.

وعن الخطوة التالية على طريق الفلسفة النسوية، يقول: ماجد الغرباوي: إن مشروع النسوية في بعده التطبيقي، يتطلب حماية مكتسباته، وتدارك إخفاقات الوعي، لأن الهدف الأساس من فلسفة النسوية أن تمارس المرأة دورها الحضاري، وهذا يتطلب تعزيزمرجعياتها العقدية والفكرية والثقافية، عبر قراءات نقدية، تعزز القيم الإنسانية في جانبها التطبيقي، من خلال  نشاطتها، وممارستها لحياتها اليومية. وأن تتصدى بنفسها للكتابة عن حاجاتها ومتطلباتها، فثمة جوانب في أعماق المرأة لا يدركها الرجل ولا يمكنه التعبير عن حقيقتها كاملا.

ويضيف الغرباوي: الفلسفة النسوية موضوع متشعب، وقد أتينا على معالمه الرئيسية، وتبقى دراسة تفصيلاته، خاصة الفلسفية ومقارنتها بالنظريات الحديثة، فيحتاج إلى استئناف بحوث جديدة. خاصة النسوية العرب – إسلامية، فإنها مشروع مازال في طور التكوين، لم تكتمل أبعاده الفلسفية والفكرية، وكثرة تعقيده بفعل النظام  الأبوي، وسلطة المقدس، ومرجعية التراث، والركون للخرافة واللامعقول، والاستغراق بالدين والغيب. فإذا كان لدي مشروع مستقبلي في مجال النسوية، فسأتحدث عن تحرير الوعي العرب – إسلامي، وكيفية دمجه في الحركة النسوية العالمية، بعد تفكيك إشكالياته، سيما المرتبطة بالدين والتصورات الأيديولوجية، لذا سيبقى الموضوع مفتوحا.

ختاما: أتقدم بجزيل الشكر والاحترام لسعادة الدكتور محمود محمد علي، رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط، الذي حرّضتني أسئلته الاستفزازية على فعل الكتابة، وبفضل لباقته الفكرية وإحاطته التامة بموضوع النسوية، ونظرياتها واتجاهاتها، لما تحقق هذا الجهد الحواري، حيث تطرقنا معاً لموضوع يتوقف عليه مستقبل المرأة، ومن ثم مستقبل المجتمع الذي نطمح له، ونراهن عليه في مشاريعنا النهضوية الحضارية، فله ولصبره وحلمه جزيل الشكر والامتنان متمنياً له، مزيدا من العطاء وهو بخير وعافية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

13 – 1 – 2020م

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الرابع والعشرين ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، ونستأنف حديثنا عن موقف الأستاذ ماجد الغرباوي الهام جدا من قضية الحجاب، حيث نتطرق للحديث عن بعض الملاحظات الأساسية التي  يبديها لنا الأستاذ الغرباوي من قضية حجاب المرأة، وهي على النحو التالي: إذا كان من الصعب استعراض جميع أدلة وجوب أم عدم وجوب الحجاب وآراء الفقهاء حول حدوده هنا، فأكتفي ببعض الملاحظات الأولية التي تمهّد لفهم فلسفة الحجاب في الإسلام، وسنعاود لفقه النص وبيان الحكم الشرعي في محله لاحقا:

1- الأصل عند الشك في وجوب الحجاب عدم وجوبه بخصوص الوجه واليدين، بل والصدر والرقبة والشعر والساقين والذراعين، وهي سيرة الناس والمسلمين قبل تشريع الحجاب بسنوات بعد البعثة. وهذا ما يؤكده مفهوم الآيات، فما كانت النساء يُدنين عليهن من جلابيبهن بما في ذلك نساء النبي. وما كُن يضربن بخمورهن على صدورهن. ولم يتحفظن بما يكفي لفروجهن. وما كان الحديث بين الرجال والنساء من وراء حجاب، بل وحتى عند تشريعه اختص بنساء الرسول لحكمة ترتبط بالنبوة ومقام النبي. وكل ما نزل من آيات كانت أحكاما احترازية للناس الأسوياء، لتفادي انهيار القيم الأخلاقية وتداعيات الافتتان والتطفل الذكوري. وأما الهوس الجنسي والتحرش البغيض فليس له سوى الردع القانوني، وليس الجور على المرأة، حتى سرقها الفقه ثقتها بنفسها، ولم يبق حجاب لم ترتده لإرضاء روح الاستملاك، وهوس الأنثى التي يعبدها الفقيه ليلا ويستعبدها نهارا.

2- لم يرد في آيات الأحكام كلمة حجاب المرأة. والمراد بالحجاب قرآنيا هو الستر كما في آية: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ). وهو حكم خاص بنساء النبي، لا يمكن للفقيه تعميمه. مثلها مثل آية: (يَا نِسَاء النَّبِيِّ ..... وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ)، فإنها خاصة بهن أيضا. غير أن بعض من يدعي الانتساب للنبي ولو بعد أكثر من 1450 سنة، حرّم على نسائه الخروج أو الاقتران بغير من ينتسب للنبي وأهل بيته، وهي حالات قليلة، لا دليل عليها، إذ لا إطلاق للآية لغير الدائرة الخاصة بالنبي.

3- الاحتشام قضية متفق عليها بين جميع الناس، والاختلاف حول حدوده. منهم من يعتبرها قضية شخصية أو مجرد عادات وتقاليد، وبعض آخر يعتبرها قضية دينية، تلتزم به المرأة، أدركت ملاكاته ومصالحه أم لا. فتلجأ للتبرير والبحث عن إيجابيات الحجاب. ولا شك بصحة بعضها، لكن لا يمكن ربط كرامة المرأة بالحجاب فقط، بل أن مصدر كرامتها إنسانيتها ووعيها لحدود استقلاليتها (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، ارتدت أو لم ترد الحجاب. ولا يجوز هدر كرامتها بموجب هذه الآية لعدم ارتدائها.

4- إن الغاية من الحجاب هي العفة، لا فرق بين الرجل والمرأة، كما في آية غض البصر: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ). فالخطاب لا يقتصر على المرأة المحجبة فقط، بل يشمل مطلق المرأة المؤمنة. وصفة الإيمان لا تعني الاختصاص، بل لتوخّي الاستجابة بالتقوى أو لأن ما حصل من مقدمات استدعت نزول الآية كانت محصورة بالمؤمنين والمؤمنات. فيكون الحكم عاما شاملا لجميع من يرتبط بمجتمع الفضيلة.

5- يجب الأخذ بنظر الاعتبار وضع المجتمع / الرجل / المرأة ولباسهما آنذاك، في ظل قلة الألبسة، واكتفائهما بقطع قليلة (إزار، مئزر، جلباب)، فيمشي الصحابي نصف عارٍ، يتلألأ صدره فتوة مغرية، والمرأة تمارس حياتها حسب قدرتها على ستر جسدها، و قد لا يستر لباسهما عوراتهما بدون عناية زائدة، يتضح هذا من قوله تعالى مخاطبا الرجل والمرأة: "وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ"، "وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ". فالقرآن يطالبهما بالعناية الزائدة ليتحقق حفظ الفرج أو السوءة، ولو ظهر منها شيء، فيطالبهما بغض البصر، وعدم الاستجابة لهواجس النفس البشرية: (ذَلِكَ أَزْكَى). وأيضا كي لا تهدر كرامتهما بسببه. وليس المراد من التحفظ هنا التحفظ عن الزنا، فهو بعيد، لا يتناسب مع غض البصر، يؤكده بعض المفسرين والفقهاء. حيث قالوا: "أن المراد بالفروج الزنا إلا هنا فالمقصود بها خصوص النظر". كما أن القرآن تعامل مع الزنا بشدة، وهنا استخدم ألفاظا لينة تقريبا. ولا يعني غض البصر إغماض العين و(إطباق الجفن فوق الجفن) كما ذهب لذلك بعضهم، بل المقصود عدم التأثر جنسيا والانفعال والتحليق مع المشهد، فتارة لقطة جسدية بسيطة مثيرة يحلق معها خيال الإنسان بعيدا، فيطالبه الكتاب بغض البصر، بمعنى التوقف عن التمادي بالخيال، والانسياق وراء الهوس الجنسي. وهذا لا يتوقف على إغماض العين. أحيانا يشط المخيال البشري عبر لقطة خاطفة. وقد لا يتأثر مهما حدّق بجسد الآخر. وبالتالي فغض البصر وحفظ الفروج لتفادي هدر الكرامة البشرية، والمحافظة على العلاقات الإنسانية. ولا معنى لحمل حرف الجر "من" على التبعض، فليس العبرة بسعة فتحة العين، بل العبرة بالآثار النفسية المترتبة على النظرة. كما أن إغماض العين يضع الإنسان في حرج، فماذا تتوقع لو التقى رجال ونساء والجميع قد أغمض عينيه بناء على فتوى الفقيه، فسيقع المحظور الذي هربوا منه!!!!. على الفقيه أن يتمتع ببعد نظر يؤهله لفقه النص. كما أن بعض الفقهاء اعتبر الحكم خاصا بالمؤمنين والمؤمنات، بقرينية الآياتين. وماذا عن غير المؤمنين هل يجوز النظر والتمتع بالنظرات الجسدية والجنسية؟ هذا هو الانغلاق على حرفية النص. لقد كان للكتاب غاية عندما كرر الحكم مرة قصد المؤمن وأخرى خاطب المؤمنة. فينبغي غض البصر، عندما يتعرضا لموقف، كأن تظهر عورة الآخر، لسبب ما. أو يتأثران بنظرة خاطفة أو نظرة عشوائية يحلق معها الخيال. ودائما النظرة الأولية العشوائية أقوى تأثيرا من النظرة التفصيلية، لذا تجد الأمر طبيعيا في المجتمعات المختلطة. فغض البصر لا يتوقف على وجود مؤمن أو مؤمنة، بل هو شامل لكل رجل وامرأة، لوحدة النوازع النفسية والجنسية، بعيدا عن الإيمان والكفر. والآيتان نزلتا في واقعة موضوعها المؤمن والمؤمنة، فصهما الخطاب.

6- يتضح من آية غض البصر أن هناك مساحة من جسم المرأة، كما هو جسم الرجل، ستبقى مكشوفة، مهما كان مثيرا، بل غض البصر متوجه لهذا المثير بالذات، وعالجه لا بحجبه بل بغض البصر، وإلا سيكون الأمر به من باب السالبة بانتفاء موضوعها. وغض البصر مطلق، ولم يقيّد بجزء محدد من جسم الإنسان. وبهذا نفهم حكم النقاب الذي نسب للشريعة، بفعل سيرة دخيلة على سلوك المسلمين، ربما مكتسبة عن عادات وتقاليد شعوب أخرى. بل الآية تكشف عن طبيعة العلاقات الاجتماعية، فهي قائمة على الاختلاط، والحياة المشتركة التي تتطلب غض البصر، وستر مناطق الإثارة في جسد المرأة. بل حتى تصميم البيوت وبساطتها لا تسمح بعزل النساء عن الرجل، فيكون الأصل هو الاختلاط مما يتطلب أحكاما احترازية لضمان سلامة وأمن واستقرار الناس.

7- قد يشي الحجاب بنظرة ارستقراطية، كما في قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا). فالغاية هو التميّز عن غيرهن من النساء، كي لا يؤذَين من قبل المتحرشين!!. لكن لماذا يُسمح لغيرهن من النساء غير المتميزات!!!. توجد أسئلة تبقى بلا أجوبة!!. وفتاوى الفقهاء تؤكده فهي لا توجب الحجاب على الجواري والإماء. وكان عمر يضرب بالدرة الجارية إذا وضعت حجابا فوق رأسها، فتتخطى الطرقات، جسدا يتلوى أمام الناس، يتغنج بدلاله وأنوثته، يضج بشبقه وجوعه، فلماذا لا يتأثر بها الرجل؟ وخصوصية الآية تؤكد هذا.. بل هي هنا أشد إثارة وفتنة يتدلى شعرها فوق كتفيها. فماذا نحكم على من يتصفح وجوههن ويلاحق مفاتنهن؟ هذه الآيات والأخبار تكشف أن الرجال والنساء كانوا يعيشون حياة طبيعية، فكيف عالج الإسلام هذه الحالة؟ فهل وضعوا جدارا عازلا بين الرجال والنساء، كما شاهدته في سيارات النقل في بعض المجتمعات المسلمة؟ أم طالب فقط بالاحتشام  وغض البصر، وعدم النظر بشهوة، فكيف إذاً تطور الحجاب لتغدو المرأة كيسا من الفحم تجوب الشوارع والأسواق، والويل لمن ينقدها، وأحيانا تتعرض للتشهير. وقد ينقلب حجابها إلى لباس شهرة، وهو محرم عندهم.

8- لا يوجد في كتاب الله أمر بستر شعر المرأة، ولكنهم فسّرو كلمة (خمورهن) في آية: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ)، بالمَقنعة، كما هي معهودة لدينا الآن، فيكون الشعر مستورا بها ابتداء، ثم جاء الأمر بضرب الخمور على الجيوب. فيكون ستر الشعر تحصيل حاصل بالمقنعة، لأنها مخصصة لقناع الرأس. وكل هذا توسع، إذ كان لباس المرأة آنذاك عبارة عن إزار، تقوم بعقده فوق صدرها فتكون له جيوب تظهر منها مفاتنها، فطالبتها الآية بضبطه، وهذا يفهم من سياق الآيات، التي تريد التأسيس لمجتمع فاضل، لا تتحول فيه العلاقات الاجتماعية العامة إلى علاقات شبقية شهوانية، فالأحكام هنا احترازية، تحد من التهتك والإثارة، ويصبح الأمر عاديا بغض البصر والتحلي بالتقوى وعدم التوغل في النظر حد الانفعال. والخمور مطلق الحجاب والستر، وليس خصوص المقنعة، لذا تقول خمرت شعرها، أي سترته، ولازمه عدم ستره ابتداء، وتحتاج لخمر لستره. وبما أن الأمر ناظر  لخصوص الجيوب التي تعلو الصدر، فيحتاج ما يعلو الصدر والرقبة والشعر إلى دليل آخر، وقد استدل بعضهم بآية الجلابيب. والتفصيل اللغوي والاستنتاج الفقهي في محله بإذنه تعالى، وهنا مجرد إشارات أولية، قد نتفق أو نختلف حولها.

9- يعتقد الفهم السلفي  للدين أن غاية الحجاب المحافظة على الرجل كي لا يفتتن بالمرأة ويرتكب معصية النظرة المحرمة!!!. هذا هو الفهم الذكوري الذي يعتقد أن الأحكام صممت لحماية الذكر على حساب المرأة. فالخطاب السلفي لا يرتب على الحجاب أي أثر أخلاقي، ولا يضمن به إيمان المرأة، والمهم بالنسبة له حماية الذكر. وهو منطق تعسفي يختزل العلاقة بين الرجل والمرأة، يقدّس الأول، ويهين الثانية عندما يعتبرها شيطانا ينبغي التخلص منه لضمان أجواء آمنة للرجل المهوس جنسيا. لكن لماذا لانطالبه بإجراءات ممثالة بدلا من الجور عليها؟. هذا هو المنطق الذكوري المتعسف.

10- إن منطق فتاوى الفقهاء يخلق لدى القارئ شعورا غريبا حول الرجل المؤمن والمرأة المؤمنة، فهما ليسا بشرا سويا، بل براميلا من الهوس الجنسي، بانتظار أي احتكاك ولو نظرة بسيطة لتنفجر مما يتطلب استبعاد المرأة بالحجاب عن طريقه. وهي نظرة بائسة تحط من كرامة الإنسان. لا شك في وجود رغبات جنسية، وقد تكون رغبات عارمة لكن لا يعني خروج الأمر عن سيطرة الإنسان، ما لم يعش هوس الجنس والمرأة الأنثى، وهو هوس يبتلي به بعض الناس، بسب دوامة التفكير بالجنس، حد التهيج عندما يلاحقها بنظراته. إنه منظر تراجيدي بائس وأنا أشاهد سلوك بعض المتطرفين الدينين عندما يفرض عليه القدر مقابلة امرأة، فيرتبك ويفقد توازنه، مخافة أن يتهاوى إيمانه، وينهار تدينه، إنها ثقافة ثراثية رثة، تسبب بفجائع دينية مرعبة

11- على الفقيه وهو يقارب آيات الزينة: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)، (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ ...)،( وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ)، أن يأخذ بنظر الاعتبار دور المرأة في الحياة، ويتذكر آيات أخرى تفتحا آفاقا لفهم النصوص القرآنية، كقوله: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)،(يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ).

12- يجب أن لا يغيب عن الفقيه هدف الأديان ودور الإنسان في الحياة عندما يهمُّ باستنباط حكم شرعي، والمرأة كالرجل مكلفة بخلافة الأرض والقيام بدورها الإنساني. والهدف الأساس يكون حاكما على الأحكام الجزئية، ينبغي عدم التقاطع معه بالفتوى. وبعض أحكام الحجاب إقصائية، لا تريد للمرأة المشاركة في الحياة العام، مهما أدت العزلة إلى جهلها وتخلفها.

وختاما سألنا الأستاذ ماجد الغرباوي عن مدى انسجام حجاب المرأة مع مبادئ النسوية، فأجاب:  عندما نتحدث عن النسوية كحركة مجتمعية تسعى للرقي بواقع المرأة، وتحرير وعيها من مشاعر الدونية، والمطالبة بحقوق المرأة، بدءا من وعي إنسانيتها وانتهاء بجميع حقوقها، خاصة الحرية والمساواة، علينا التذكر أن للمرأة كالرجل جانب وظيفي، يستدعي أحكاما خاصة، ناظرة لهذا الجانب الوظيفي. فالإنجاب بالنسبة للمرأة جانب وظيفي، وعندما توضع له أحكاما لمراعته، فهذا لا يعني دونيتها وقصور عقلها وضعفها وعدم حكمتها. وذات الأمر بالنسبة للجانب الاجتماعي، فتارة يضمر العقد الاجتماعي أعرافا وتقاليد تمس حرية الأفراد. بعضها ضرورة اجتماعية لحفظ سلامة وأمن واستقرار المجتمع، وهذا تحكمه معادلة: التنازل عن جزء من الحرية في مقابل ضمان أمن وسلامة المواطن، وهذا فلسفة جميع الأنظمة والقوانين الحكومية، فهي تقابل أمن وسلامة الشعب والوطن، بالتنازل عن جزء من حرية الأفراد. وليس في هذا ظلم، فالحرية المفقودة تعود عليهم بحفظ النظام والأمن والاستقرار. وبعض الأعراف والتقاليد تعسفية، ذكورية، ظالمة، ينبغي مكافحتها لاستعادة حرية الناس. وما أريد الخلاص له أن الحجاب مهما كانت مبرراته فهو تعدٍ على حرية المرأة، التي هي لازم وجودي لها، لا تخضع للجعل والاعتبار والهبة، ولا يحق لأحد سلبها. ولكن للحياة المشتركة ضروراتها، التي منها الاحتشام، خاصة ونحن نطمح لإقامة مجتمع الفضيلة. لتفادي الإثارة الجنسية في أجواء الاختلاط، من خلال الاحتشام وغض البصر. فالاحتشام هنا تضحية بجزء من الحرية في مقابل سلامة الحياة الاجتماعية، والحد من حالات التحرش، وهدر الكرامة، الجارح لمشاعر المرأة، والاعتداءات الجنسية والجسدية التي ترعبها. خاصة المجتمعات المغلقة، والمجتمعات المتدينة التي ترفض حلول الانفتاح المنفلت. بل رغم انفتاح المجتمعات الغربية إلا أن عدد حالات التحرش الجنسي في تزايد، بسب الفتنة الجسدية، وعدم الاحتشام، والتمادي في ملاحقة الآخر. وإذا كان الدين قد عالج هذه الحالات من خلال بعض الأحكام الشرعية، وطالب بالحشمة للحد من مساحات الإثارة، وغض البصر، فإن الغرب لم يجد وسيلة أخرى، سوى صرامة العقوبات المترتبة على التحرش، للحفاظ على سلامة وأمن وحرية الناس، التي هي مبدأ مقدس هنا. أما الدين فرهانه على التقوى والإيمان. وبالتالي الحركة النسوية التي نطمح لها في إطار مجتمع الفضيلة، لا تتفق مع منظومة قيم النسوية الراديكالية المتطرفة. وينبغي للنسوية العرب – إسلامية مراعاة مجتمعاتها، بما لا يؤثر على حقوقها الأساسية أو يهدر كرامتها....... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الثالث والعشرين ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، ونستأنف حديثنا عن موقف الأستاذ ماجد الغرباوي الهام جدا من قضية الحجاب، ونتطرق للحديث عن موقفه بالذات من دلالات الحجاب، حيث يصرح لنا فيقول:" مما تقدم يتضح أن موقف المرأة من الحجاب يتراوح بين التزمت والتهتك، وما بينهما من اعتدال وتمرّد، وكل موقف يعكس ثقافة المرأة ومدى إيمانها بهذا النوع من اللباس. ولا ملازمة بين لبس الحجاب والالتزام الديني، ولا تستطيع الجزم بالتزامها من خلال حجابها، بل يمكنك تحديد مدى التمسك به. فثمة سلوك يصدر عن بعض المحجبات لا يوحي بالتزامها دينيا.

والحجاب في نظر الأستاذ الغرباوي بشكل عام يعتمد على تفصيل:

1- امرأة ترتدي الحجاب عن وعي، باعتباره شَعيرة دينية، تخص المرأة، وتجد فيه كرامتها وعدم ابتذالها. من هذا المنطلق تفهم المرأة المسلمة الحجاب، فهو بمنظورها ليس مجرد دعوة شكلية ظاهرية، بل يمثل قيمها ومبادئها التي تؤمن بها. فيكون حجابها ضابطة دينية – اجتماعية، تفرض على الآخر احترامها باعتباره جزءا مقوما لهويتها الدينية. وعندما تتعرض المرأة المسلمة لتحديات أو ظرف استثنائي تُؤثر حجابها على مصالحها الشخصية. بل الحجاب شعار بالمنطق الحركي، الذي يراهن على مسيرته من خلال "الدعوة للدين، والجهاد في سبيله، والحجاب شعار للمرأة المسلمة". وفي هذه الحالة ترتهن حدوده وأحكامه لفتوى الفقيه والهدف الأيديولوجي منه.

2- حجاب تفرضه العادات والتقاليد. يكسب المرأة مكانة اجتماعية، سواء التزمت بتعاليم الدين أو لم تلتزم. أم كان التزامها شكليا، فجميعه لا يؤثر، المهم أنها تجد في الحجاب ذاتها وتؤكد وجودها وتكرّس انتماءها، فيكون الحجاب هوية ورصيدا رمزيا، يضمن لها مكانة اجتماعية متقدمة، ويحرز لها احترام الناس وتقديرهم، وهي غالبا صفة المجتمعات المحافظة التي تتمسك بالأعراف والتقاليد. فالحجاب هنا مجرد زي يشكل جزءا من شخصيتها، لا تتخلى عنه حتى في أكثر المجتمعات حرية وتحررا. ولا علاقة لهذا النوع من الحجاب بالشريعة، بل أصبح شيئا مستقلا. ولا أقول أنها حالات عامة، لكنها ليست نادرة.

3- وثمة حجاب يخفي تحته تمردا أنثويا وصدى لشراسة القمع ومعاناة القلق المصيري ورثاثة القيم والتقاليد ومصادرة حقوق الحريات والمساواة. فيصدق أنه صرخة ضد قرارات مجتمعية غير مبررة. هكذا هي معاناة المرأة الواعية مع الحجاب الذي صممه فقه ذكوري مبادئه: (الدونية والاستملاك والمرأة عورة من رأسها حتى أخمص قدميها)، بعيدا عن قيم السماء وعدالة القيم الإنسانية، وإنما هي تأويلات المنطق الذكوري، وهاجس التحدي الذي يعانيه الرجل في أعماقه.

4- امرأة تكره الحجاب لديها نزوع للتحرر الراديكالي المتطرف، قد يكون ردة فعل ضد ثقل الموروث الاجتماعي، فهي تبحث عن هامش من الحرية لتتمرد عليه، فيكون هدفها الأساس ممارسة حرية متطرفة، والأخطر في هذه المرأة عندما تجد في التهتك اعترافا بها، وهي نظرة مبتسرة، تنطلق من عقد نفسية، ومشاعر مكبوتة، متعطشة لنظرات إعجاب تداوي بها شعورا مزمنا بالنقص.

5- امرأة تعتبر تبعا لتقاليد مجتمعها الحجاب مقياسا لشرفها، يرتفع طرديا بزيادة عدد قطع القماش التي تلتحف بها، وبقدرتها على التواري عن الرجال. وبعض النساء تكتسب احتراما أسريا واجتماعيا، يتساهل بسببه الناس مع التزامها الديني، فتراها تجتر الغيبة والنميمة، وتحظى بأعلى درجات الاحترام. فالحجاب تسبب في قلب قيم الحق، حتى غدت شكلية فارغة من أي معنى ديني وأخلاقي. وغدت قطعة القماش الخالية من القيم والمبادئ تعادل العفة القرآنية. والسبب في التراث الزاخر بروايات الاستخفاف والدونية، ورمي المرأة بالنقص والتهتك ونقص العقل والحكمة، فتتحول إلى عبء، يلزمها التقيّد بحجاب يحول دون وقوع الرجل بالخطيئة.

ويستنتج الأستاذ الغرباوي مما تقدم أن المطالبة بإعادة قراءة حكم الحجاب في الشريعة، ودعوات خلعه، وحالات التمرّد عليه، في مقابل دعوات التمسك به، تتقاسمها أسباب ذاتية وموضوعية. يمكن رصدها بـ:

أ- أسباب ذاتية ترتبط بوعي المرأة إيجابا وسلبا، فالتمسك وعدم التمسك بالحجاب نابع عن موقف مبدئي، وليس مجرد موقف عاطفي. وكلاهما رأي محترم،  مادام قرارا عقلائيا. في مقابل هوس نسائي، غير مبرر، سببه عقد نفسية، وعجز المرأة عن اتخاذ موقف عقلائي منه، فتارة تقبع تحت عدد من قطع القماش، وأخرى تتراخى حد التهتك. فتفتقر مواقفها للأصالة والعقل.

ب- أسباب موضوعية متعددة، أهمها العادات والتقاليدعلى قسمين. بعض النساء متمسكة بعاداتها وتقاليدها، مطمئنة لسلوكها. وأخرى يكون الحجاب مفروضا عليها، فتعيش نوعا من الانفصام وهي ترتدي قطعا من القماش بلا قناعة. فيصبح الحجاب اغترابا حقيقيا، يمثل كابوسا اجتماعيا، لا يمكنها التخلّص منه تحت ضغط المجتمع وضوابطه. وهناك أسباب سياسية، بعد مجازر داعش، وحجم العنف الذي ارتكبته ضد الناس، وقتلها للنساء المتبرجات أو نساء الديانات الأخرى، فغدا الحجاب علامة فارقة، تلاحقها العيون، وتبقى المرأة المحجبة في دوامة قلق يحرمها طمأنينتها في دول الغرب. خاصة المرأة المنقّبة، التي تصرّ على لبس نقابها بدافع ديني أو اجتماعي، سيما في فترة حرجة عاشتها الجاليات المسلمة، أصابت المرأة بالرعب، لولا حكمة السياسيين، ففي استراليا مثلا امتنع رئيس الوزراء بشدة عن منع الحجاب، واعتبره قضية شخصية، يجب حمايته باعتباره حقا من حقوق المواطن، لا فرق بين مسلم وغيره. وهناك الموقف من الحركات المتطرفة الذي استدعى مطاردة المنقّبات والمحجّبات المتطرفات، فانعكست قرارات الحكومة على الموقف العام من الحجاب، وصار ذريعة لاعادة النظر في أحكامه، والدعوة للاطاحة به، باعتباره أحد أسباب التطرف أو مظهرا من مظاهره. ولا يمكن السكوت عن وسائل الإعلام الحديثة وخطاب التغريب الذي يحمّل الحجاب مسؤولية التخلف، فيكون دليلا عليه. والحقيقة لا علاقة للحجاب كزي بالتقدم والتخلف، ولهما أسبابهما وأغلبها واضح ومعروف لدى الجميع. كما لخطاب اللاتسامح بين الأديان والثقافات دور في محاربة الحجاب، رغم أن الحجاب قضية متفق عليها بين جميع البشر، وبه تعترف جميع القوانين والأنظمة، والخلاف حول حدوده، وليست المسألة مقتصرة على التعاليم الدينية بل التعاليم الإنسانية مع الحجاب والاحتشام. لذا حتى مظاهر التعري المطلق في الغرب ليست مظاهر عامة، وإنما مناسبات محدودة، وأمكنة معينة، ولا تستغرق سوى ساعات.

وثمة نقطة أخرى مهمة وجديرة بالإشارة نود أن نشير إليها هنا وهو موقف الأستاذ الغرباوي من فقه المرأة ومشكلة الحجاب؛ حيث يقول الأستاذ: "وخلاصة ما تقدم: يبقى حجاب المرأة إشكالية في ظل غياب الوعي الديني المتحرر، وعدم الخروج على الأطر العقدية والفكرية السائدة في نظرية العبودية. والأخطر قدسية التراث والجمود على حرفية النص وارتهان الفتوى لفقه السلف، وعدم تجديد مناهج تفسير النص، ومناهج أصول الفقه، والاستعانة بالعلوم الإنسانية، والمنهج الهرمنيوطيقي، لمقاربة النص / الآية / الحديث. وفهم أسباب نزوله، وتمثّل الوضع الاجتماعي آنذاك. الأحكام الشرعية نزلت لمعالجة واقع محدد، وما لم نفهم ذلك الواقع سنتخبط في تحديد دلالات الحكم ودرجة فعليته، بين الأحكام الخمسة المعروفة: الوجوب، الحرمة، الاستحباب أو الندب، الكراهية والإباحة. ولا يمكن التخلّص من مشكلة الحجاب إلا بحلول جذرية تبدأ باعادة قراءة آيات الكتاب التي تحدثت عن زينة المرأة وغض البصر عفتها وسترها.

ويستطرد الأستاذ فيقول: "لا يوجد حرج في الحجاب القرآني، لكن المشكلة في نظرية العبودية التي يتبناها الفقيه ومنهجه في استنباط الأحكام الشرعية، ويمكن الإشارة إلى بعض الأسباب:

- نظرية العبودية: التي ترى أن العبادة غاية الخلق، وأن مهمة الإنسان في الحياة هي عبادة الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وهو اتجاه ينطوي على يقين سلبي، في مقابل يقين إيجابي واعٍ، تحدثت عنه سابقا مفاده آية: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً). فالعلاقة العبادية وفقا الاتجاه الأول قائمة على ثنائية "رب / عبد"، وليست "خالق / مخلوق"، كما في اتجاه الإنسان الخليفة. وترى نظرية العبودية أن فلسفة الأحكام قائمة على الطاعة المطلقة. وهي تمام ملاكها أو كما يعبرون أن"تمام ملاكها في جعلها"، فتكون غاية الحكم اختبار عبودية العبد!!. وهو اختزال فضيع للإنسان، وتشويه لحكمة الخالق. فالأولوية لا للإنسان بل للتشريع والتعبد المطلق بأحكام الشريعة. وتقديم الاحتياط على البراءة إذا دار الأمر بينهما، رغم أن كلا منهما حكم شرعي مستقل حسب الفرض. وهذا النوع من الفهم يرتكز لمبدأ ما يعرف عندهم بحق الطاعة، في مقابل مبدأ قبح العقاب بلا بيان. وهما قاعدتان أصوليتان. الثانية تنفي أية عقوبة لا ينص عليها بيان / آية / رواية، استظهار دلالي، كي تكون حجة على الإنسان. فيكون الشك بجعل الحكم الشرعي موردا للبراءة العقلية فضلا عن البراءة الشرعية. عكسا للنظرية الأولى التي ترى أن للمولى الحقيقي حق الطاعة في التكاليف المحتملة فضلا عن المشكوكة والمظنونة. وهي كما ترى تنطلق من عمق عبودي يفترض مولى / جبارا، يتربص أخطاء عبده لينتقم منه، فعليه الإتيان بالمحتمل من باب حق طاعة المولى الحقيقي فيبالغ الفقيه في الاحتياط. وهي تعتقد بشمول الشريعة لكل صغيرة وكبيرة، وتسمح للفقيه بتشريع أحكام واسعة النطاق. فمساحة الحرية وفقا لهذا الرأي معدومة، ما لم تتدارك الأمر البراءة الشرعية وتبيح للمكلفين إجراء البراءة في كل فعل مشكوك. والأصل وفقا لهذه النظرية هو الاحتياط دائما، بينما الأصل وفقا للنظرية الثانية: قبح العقاب بلا بيان هو البراءة العقلية في كل فعل مشكوك. رغم أن كلاهما يعترف بوجود ملاكات وراء تشريع الأحكام الشرعية. فالفقيه بطبيعته يميل للاحتياط، ويجد في التراث ما يشجّعه على ذلك، خاصة الروايات التي تجعل من إغراء المرأة تحديا حقيقيا للرجل، حتى خيالها، فضلا عن حضورها والتحدث معها، كما في الحديث المنسوب للرسول: (اعصوهن في المعروف  قبل أن يأمرنكم بالمنكر وتعوذوا بالله من شرارهن وكونوا من خيارهن على حذر). فيتشدد بالحجاب من منطلق ديني احتياطي، وفهم ذكوري يهيمن على فهمه للنصوص والروايات، ويكرّس أنوثية المرأة، وتمايزها بيولوجيا ليفرض عليها أدوارا وفق مصالحه، فيأتي الحجاب ليكون جزءا مقوما لأنوثيتها، بمعنى التحقق الخارجي. وأما نظرية الخلافة أو نظرية الإنسان فإنها تقوم على مركزية الإنسان (المرأة والرجل)، وفق فهم مختلف للدين. وبالتالي، وفقا لنظرية العبودية التي يتمسك بها الفقهاء: (ما من واقعة إلا ولله فيها حكم)، وهو مبدأ لا دليل عليه سوى تأويلات ورغبات أيديولوجية، ومقتضاه، وهذه هي الخطورة الفادحة، أن يتصدى الفقيه للافتاء حول كل تكليف محتمل، فإن لم يجد دليلا لفظيا، يعمد إلى الأصول العملية لاتخاذ الموقف المناسب من الحكم المشكوك، وهي قواعد نظّر لها لتعزز قبلياته وفق نظرية العبودية.

- منهج استنباط الأحكام الشرعية: القائم على الفصل بين الحكم والهدف الكلي للدين، فتسقط المرأة عن الاعتبار ويتفرّد الذكر بمركزيته، ويتولى بنفسه رسم شخصيتها، وحدود حريتها، وما يجب أو لا يجب عليها. وقد تحدثت سابقا عن النظرية القرآنية التي ترى وحدة المصير الإنساني في الواجبات والمسؤوليات، باستثناء ما يقتضيه الجانب الوظيفي لكل منهما. وعلى الفقيه عندما يستنبط حكما شرعيا أن يلاحظ المقاصد الكلية للدين ودور الإنسان في الحياة، ذكرا أو أنثى، إضافة إلى مقاصد الشريعة، وأن لا تكون فتاواه سببا لتعطيل الحياة الحقيقية للمرأة، التي هي ليست وقفا على السرير والإنجاب وخدمات العائلة، وتنتظرها مسؤوليات كبيرة. المرأة كالرجل مكلّفة باستخلاف الأرض (وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ). وقوله: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً). وهو خطاب عام للأنثى والذكر، بل يجب أن يكون كذلك، لتوقف وجود أحدهما على الآخر، ووحدة مصيرهما. وإذا لم يقنع الفقيه بحاكمية مقاصد الدين، ويصرّ على تناول كل حكم على حدة، دون رعايتها، فاليوم المرأة في قلب الحدث، تمارس إلى جانب الرجل جميع الوظائف الحياتية. وعندما يتخلف الفقه عن الحياة فلا يلومن الفقيه إلا نفسه. حياة الشراكة البشرية تتدفق وتواصل مسيرتها، وقد تغلغلت في قلب العالم الإسلامي بعد أن كانت محصورة في العالم الغربي، وما على الفقيه سوى إعادة النظر في مناهج استنباط الحكم الشرعي، وفق فهم جديد للدين ودور الإنسان في الحياة. وعليه التخلي عن  نظرية العبودية والمنطق الأرسطي. إذ يرى المنهج الفقهي المتداول أن الأحكام الشرعية أوامر مولوية، يجب طاعتها، بغض النظر عن أسباب نزولها. والمورد عندهم لا يخصص الوارد، ونزول الآية في قضية ما لا يجعل منها حكرا عليها، بل هو حكم شرعي مطلق. فآية السيف مثلا نزلت في مشركي مكة، فتعتبر قضية خارجية محددة، وليست قضية حقيقية مشروطة، لكن الفقيه يلغي المورد، ويعمم الحكم لغيره من الموارد. بينما الحكم بقتل جميع المشركين ليس حكما مطلقا في كل زمان ومكان لعدم فعلية موضوع الحكم، ولا يكون الحكم فعليا ما لم يكن موضوعه فعليا، وبما أن الموضوع قضية خارجية محددة فلا يصار إلى إطلاق الحكم، خارج حدود مشركي مكة. فنظرية العبودية تلغي البدائل الفقهية، وتضعك أمام حكم واحد ليس من حقك إعادة النظر في موضوعه. بينما تلعب أسباب النزول والقرائن الحالية والمقالية دورا كبيرا في فهم النص. فيكون المنهج الهرمونطيقي، المستبعد من قبل الفقيه، أجدر باستنباط الحكم الشرعي، مادام يعتني بسياق الآيات وأسباب نزولها في استنباط الحكم الشرعي. الفقيه دأبه الاحتياط، يعتبر الحكم نازلا من الأعلى إلى الأسفل، من المقدّس إلى المدنس، وما علينا سوى طاعته والجمود على حرفيته. فالمرأة هي المرأة مهما طرأ على وعيها وثقافتها وإدراكها من تطور. ويبقى للذكر مثل حظ الأنثيين مدى الحياة، ولا عبرة لأي فهم يأخذ بنظر الاعتبار دواعي تشريعه عند نزوله، ولا يمكن وفقا للفقه التقليدي، تجريد الحكم من فعليته بحجة عدم فعلية موضوعه، فتبقى للرجل قيمومته عليها وحق ضربها وتأديبها. والأكثر خطورة أن بعض الأحكام، كالحجاب تطورت لتأخذ مساحة واسعة من التشريع، حداً أفضى الحجاب إلى اختزال المرأة، وذلك بفعل المنهج المتبع في استنباط الأحكام الشرعية، الذي يؤمن بحجية مطلق السنة، ويأخذ بسيرة وفهم السلف الصالح أو الأئمة المعصومين. فتكون الرواية مقيدة ومخصصه لآيات الكتاب. لكن لا يمكن للسنة وفقا للمنهج المختار أن تقيد أو تخصص آيات الأحكام، فلربما تمام ملاكها في إطلاقها وعمومها. فالمنهج المتداول يضع الرواية إلى جنب الآية على مستوى الحجية، بينما المنهج المختار يقتصر دور الرواية على البيان والتفصيل، وفقا للفهم القرآني، ويرد المتشابه من الآيات إلى المحكم منها. وأن المورد وإن لم يخصص الوارد لكنه يساعد على فهم مناسبات الحكم وقرائنه، ويعيننا على تحديد فعلية موضوع الحكم. وغير ذلك من فوارق منهجية.

- أثر قبليات الفقيه على فهم النص: وهي قضية معقدة، يصعب تداركها إلا بتجرد كامل، وموضوعية تنظر للأدلة بعيدا عن التحيزات العقدية والثقافية. والقبليات ثقافة تستمد وجودها من تراثه وعقائده وبيئته وأعرافه وتقاليده، فتكون سلطة تؤثّر على فهم النص، عندما تفرض عليه محدداتها، فينحاز الفقيه / القارئ لها في فهم مقاصد النص / الآية / الرواية. لذا تجد المنطق الذكوري يؤكده التشدد في فتاوى الحجاب. بل أن الفقيه يتأثر بعقائده، فتكون قراءاته متحيزة دائما. مثال ذلك عندما يسقط الفقيه الشيعي موقف عائشة من الإمام علي، ويقيس جميع النساء عليها. فخطأها بالخروج على إمام زمانها، جعل من جميع النساء ناقصات العقول، غير حكيمات، فيحث الفقيه على تجنب المرأة والتعوذ منها، باعتبارها شيطانا، تكيد وتمكر، وتستدرج الرجل لارتكاب المحارم والتمرد على أحكام الله وشرائعة إلى غير ذلك. وأتمنى الاطلاع على صورة المرأة في التراث الديني في جميع الأديان والمذاهب، لترى فاجعتها في العقل الفقهي. فالفقيه ما لم يتجرد عن قبلياته الأيديولوجية، لا يتحلى بالموضوعية المطلوبة.......... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الثاني والعشرين ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نبرز موقف الأستاذ ماجد الغرباوي من قضية الحجاب ولكن بشكل مختلف تماما عما ذكره في كتابه المرأة والقرآن، وذلك من خلال السؤال التالي: سعادة المفكر المبدع ماجد الغرباوي: هناك سؤال نسيته بسبب زحمة العمل وكنت أود أن نخصص له حلقة ضمن حلقات الفلسفة النسوية، وأرجو وأنا أعلم أنك مكبد بالمشاغل، لكن لابد ألا نتجاهله، وهذا السؤال يتعلق بحجاب المرأة:

والسؤال هو: حجاب المرأة موضوع كان وما زال محط تركيز وعناية داخل المجتمعات الإسلامية ومحط اهتمام وتساؤل خارج تلك المجتمعات. الزي بشكل عام يعبر عن هوية.. عن مرجعية حضارية أحيانا.. عن رؤية للإنسان، فأحيانا نستطيع استخلاص معلومات عن الإنسان بمجرد النظر إلي الزي الذي يلبسه، ولذلك كان د. عبد الوهاب المسيري يقول: "اهتم بمتابعة تطور الأزياء، لأنها تعبر عن تطور رؤية الإنسان". .وفي السنوات الأخيرة أُعيد طرح حجاب المرأة من داخل المجتمع الإسلامي بعد أن ظهرت حالات كثيرة لنزع الحجاب لا ندري إن كانت ترقى لمستوى الظاهرة بالمعني العلمي للظاهرة، أم أنها مجرد حالات تم تسليط الضوء عليها بقوة، لكن من الواضح أن هناك ازديادا في حالات خلع الحجاب وإن لم يكن هناك ازدياد فإن هناك اهتماما كبيرا بإعادة قراءة هذه الشَعيرة وإعادة التساؤل أحيانا بما يشبه الاعتراض أو التشكيك بكونها من الإسلام، لماذا؟ ... هل هناك غموض فقهي في هذه المسألة؟...أم أنه عدم استيعاب لفلسفة هذا الزي ومعرفة لمراميه وغاياته؟....أم لأسباب اجتماعية تعود لإجبار بعض الأسر لبناتهم على ارتدائه؟.... أم لأسباب سياسية تعود للحرب على ما يعرف بالصحوة أو الإسلام السياسي والذي ارتبطت وعوده بانتشار غير عادي للحجاب بين مختلف الفئات والأعمار؟... أم بسبب التقدم الكبير الذي تشهده وسائل الإعلام الحديثة والتي تعطي اعتبارا كبيرا للاستعراض والتباهي في مواقع التواصل الاجتماعي؟ أم بسبب جميع ما سبق مجتمعة؟

ويجيبنا معالي الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: كما تفضلت، يشكّل الزي مائزا يفترق به الإنسان بمعية العقل والإدراك عن الحيوان. وفي التفاتة باهرة  في قصة الخلق في القرآن الكريم، جعل الزي مؤشرا على الوعي والإدراك العقلي، ودليلا على التميّز البشري: (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ)، يفهم هذا من رمزية قصة آدم وحواء، والأجواء التي عاشاها خلال تجربة الجنة، وهي تجربة أولية أشبه بمرحلة الحضانة وبداية نضوج الوعي رويدا. حيث توفر لهما كل ما يشتهيان ويرغبان: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ). أنظر لدقة التعبير ورمزية القصة، حيث جعلت الاستغناء دلالة على الخمول العقلي، وأما الحياة فتقتضي الحركة والنشاط لسد الجوع والعري. لكنها مرحلة حضانة، تتطلب مراناً على تشخيص الصحيح من الخطأ وتدارك الثاني، فكان العري والزي، أول استفزاز لمدارك الإنسان. آدم وحواء ما كانا عاريين عندما أكلا من الشجرة المحرّمة. لكنهما ارتبكا حينما بدت سوآتهما، ولم يجدا سوى الزي لاستعادة توزانهما، فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة. فالزي أكثر من مجرد غطاء لستر سوءة الإنسان، وأكثر من ثوب يحتشم به، إنه أداة لإعادة توزانه وتماهيه مع وسطه الاجتماعي. قد يتجرد المرء من ملابسه وأزيائه في بيته وخلواته، لكنه لا يغامر بمصداقيته الاجتماعية، فيحرص على الظهور بمظهر لائق، ويرتدي ما يناسب مقامه ليكون لباسه دالا على شخصيته. فالزي يحقق معنى الانتماء الذي يحرص عليه الإنسان أشد الحرص، وقد مرَّ في بحوث سابقة، أن ارتهان القيمة الاجتماعية لقوة انتماء الشخص، كان وراء التصاقه بقبيلته، وعدم مغامرته في التمرّد على قوانينها، مهما كانت تعسفية. فالزي أحد تمظهرات الانتماء، عندما يكرّس قيم المجتمع ويحافظ على تراثه، حدا تجد الزي دليلا على قومه وبلده. وللزي تقاليده، وهناك حد أدنى يحاسب عليه قانونيا واجتماعيا إذا تجاوزه، مما يعطي للزي نوعا من القداسة، عندما يرتبط بكرامة الإنسان ومكانته الاجتماعية. فالتجرد المطلق من اللباس والحشمة هدر لكرامة الإنسان.

ثمة نقطة أخرى يؤكد عليها الأستاذ ماجد الغرباوي وهي أن الزي يعكس هوية الفرد وخصائص مجتمعه، يتمسك به للتعبير عنها، وكأنه يستجير بالأزياء لاسترداد مكانته، حينما يعيش أجواء الاغتراب بعيدا عن مجتمعه. فهو جزء من هويته وانتمائه، ومظهر فولكلوري ينتمي من خلاله إلى تراثه وعاداته وتقاليده. فالزي مُشبع بدلالاته الرمزية. وقد لاحظت حرص الأقليات على ارتداء أزيائهم المحلية، مهما كانت غرائبيتها، لتعكس هويتهم، في المناسبات العامة. ويتحول الزي إلى شعار ومطلب إنساني وسياسي بالنسبة للأقليات المضطهدة. وهذا يؤكد ما جاء في السؤال أن الزي بشكل عام يعبّر عن هوية.. عن مرجعية حضارية أحيانا.. عن رؤية للإنسان، فأحيانا نستطيع استخلاص معلومات عن الإنسان بمجرد النظر إلى الزي الذي يلبسه، وهذا ينطبق على الحجاب الديني عامة والحجاب الإسلامي خاصة، عندما يختزن رؤية عقدية، ونظرة فلسفية للعالم، بشكل يحيل المشاهد على مرجعياته ومنظومته القيمية والأخلاقية. فحجاب اليهودية المتدينة يحيل على التوراة والتلمود. والراهبة المحجبة تحيل على تعاليم الدين المسيحي وموقف الكنيسة منه، إضافة لدلالات الالتزام الديني. وذات الأمر بالنسبة للحجاب الإسلامي فإنه يعيد المشاهد إلى تعاليم الدين، وموقفها من حرية المرأة. والأمر أكثر وضوحا عندما تمتنع المرأة المحجبةعن مصافحة الرجل الغريب. فإنها تعلن صراحة عن انتمائها وعقيدتها ومدى التزامها بفتاوى الفقهاء.

كان الحجاب في زمن الرسالة كما يذهب الأستاذ ماجد الغرباوي يمثل مفهوماً بسيطا، يراد به الاحتشام، فشمل غض البصر والمحافظة على الفروج والحد من التبرج، في إطار مجتمع الفضيلة الذي يسعى له الإسلام. غير أنه تطوّر من الاحتشام إلى كونه شَعيرة دينية وواجبا يتوقف عليه صحة عبادات المرأة، فلا يجوز لها الصلاة دون حجاب حتى في خلواتها وهي فتاوى استمدت شرعيتها من المنطق الذكوري وتفسيراته الجنسية، وتقويل آيات القرآن ما لم تقل. ثم تطور في المرحلة الثالثة من كونه مجرد شعيرة دينية إلى كونه طقسا دينيا أو دينيا -اجتماعيا  يرمز لمكانة الأسرة وشرفها الاجتماعي، تخضع له المرأة دون إرادتها. ولم يكن  الطقس الاجتماعي بعيدا عن التراث الذي يوبخ المرأة وينهرها ويطالب بتكبيلها وسترها باعتبارها عورة وعبئا يجب التخلص منه بالحجاب، بل يستمد منه ما يعزز موقفه دينيا، ويستعين بالفقيه الذي وظف الحجاب لإثراء رأسماله الرمزي. فثمة مساحات تشريعية  تتفاقم بالفتوى لتعزيز الرصيد الرمزي للفقيه، تلعب على مساحات الإباحة بأحكام ثانوية تتراوح بين الاحتياط والكراهية. فهي وإن لم تكن بمنزلة الوجوب والحرمة، لكنها تُلزم المكلف ولو نفسيا فلا يتخلى عنها. فمثلا تجد فقيها يكتفي بغطاء الرأس والجسد لصدقية الحجاب، يأتي فقيه يتشدد أكثر ويلزمها بلون آخر من الحجاب، يدخل في تعزيز رمزيته، ولا يهمه حجم المسؤولية النفسية التي تقع على المرأة، فيقال عنه كم هذا الفقيه يخشى الله ويحتاط لدينه؟ وهو بالحقيقة لا يحتاط لدينه، لأن الاحتياط بالدين يستدعي السعة والرحمة، وهذا هو المنطق القرآني. ويطالب ثالث بالنقاب لضمان الحجاب الشرعي. ورابع حينما لا يجد ما يبرر رغبته في قمع المرأة يلجأ لمفاهيم الصلاح، فعندما سُئل أحد الفقهاء عن حجاب المرأة، هل تكتفي بالحجاب المعروف، الذي يستر جميع بدن المرأة، فكتب: مع هذا، الحجاب بالعباءة أصلح. فانظر كيف يتحايل الفقيه على الفتوى لتعزيز رأسماله الرمزي، علما أن (أصلح) ليس من الأحكام الخمسة، لكن وظّفه ولو لا شعوريا لهذا الغرض. والرأسمال الرمزي هنا ليس أكثر من التزام المكلف بفتاواه، التي بعضها زائد عن الأحكام الخمسة (الوجوب، الحرمة، الكراهية، الاستحباب أو الندب، الإباحة)، فأضاف لها الفقيه الأحوط، والأحوط وجوبا، والأحوط استحبابا، والأفضل، والأصلح. وغيرها من مصطلحات تعزز مهيمن الفتوى وسلطتها، عندما تحتكر مسؤولية حدود الحجاب وشكله بعيدا عن المدونة الأولى للأحكام الشرعية. فمساحة الحجاب وحدوده وشكله تحددها فتوى الفقيه، حينما يُرتّب عليها أحكاما ثانوية، ويحيطها باستحبابات ومكروهات، لا دليل عليها سوى روايات لا يمكن الجزم بصحة صدورها، وفهمه الذكوري لما يجب عليه حجاب المرأة. وحتى لو جزم بصحة صدورها، فليس من حق الرواية التشريع، لأنه منحصر بالله تعالى، كما تقدم.

وهنا يعلنها صريحة الأستاذ الغرباوي فيقول: لقد غادر الحجاب مفهومه القرآني البسيط، ودخل بورصة المزايدات الفقهية والفولكلورية، وارتبط بعادات وتقاليد، تنتمي للنظام البطريركي، والقهر العبودي الأبوي. وهذا يكفي للتمرد والتحايل والرفض بإصرار. فدعوات المطالبة بإعادة قراءته، ومقاربته فقهيا في ضوء آيات الكتاب، وظرف نزول النص، دعوات مشروعة. وبهذا الاتجاه، ونحن نتحدث عن فلسفة النسوية، ونسعى إلى مفهوم نسوي "عرب إسلامي" في إطار مجتمع الفضيلة أجد أن أسباب التمرّد على الحجاب، هي في نظر الأستاذ الغرباوي:

أولاً - البعد الاختزالي للمرأة: واعتبارها عورة من رأسها إلى أخمص قدميها، يجب عليها ستر بدنها، كإجراء إحترازي، لضمان عدم ارتكاب الرجل خطيئة النظرة المحرّمة، باعتباره كائنا مقدسا ينبغي أن نوفر له أحكاما احترازية لتفادي أي خطيئة محتملة، قد تحط من قداسته وفقا للمنطق الذكوري. والاختزال شعور دوني لا تطيقه المرأة التي تعي إنسانيتها، ولا تعاني عقدة الدونية، فتمرّدها على الحجاب تمرّد على المنطق الذكوري الاختزالي، والاصرار على انتزاع اعتراف حقيقي بها. فهي تريد تأكيد وجودها من خلال إنسانيتها، لا من خلال قطعة قماش تلتحف بها، اعترافا بدونيتها وأنها عورة، كما يفهم العقل التراثي ذلك.

ثانياً – اللوازم القهرية للحجاب: حيث تفرض العادات والتقاليد على المرأة المحجبة سلوكا عرفيا متشددا، فكونها محجبة تجد نفسها أمام قائمة من المحرمات الاجتماعية التي تُحرمها متعة الحياة، ومساواتها بالرجل في التطور. أو فرض عليها ما يناسب حجابها حسب تقديرهم، وقد تحرم من مجالات عمل ترغب بها وتبدع. وعليها مراعاة نفسها في جلستها وحديثها وضحكتها وحرمة الحديث مع الغرباء، والتحفظ بكلامها مع الأهل والأقرباء. وكل هذا يجعل من الحجاب عبئا، تتحين الفرص للتخلص منه، واستعادة حريتها واستقلاليتها. الحجاب القرآني لا يسلب المرأة حريتها واستقلاليتها ومساواتها. ولا يطالبها بأكثر من الاحتشام، ومراعاة خصائصها الجسدية، خاصة المجتمعات الشبقية الشرهة، من أجل مجتمع فاضل، لا مجتمع عبودي. حجاب الفقهاء يكرّس عبودية المرأة، ويخلق لديها شعور مرير بالدونية، عندما تكون المرأة واعية يقظة، ويعمق روح العبودية في غيرها من النساء. بينما حشمة الكتاب المجيد تُشعر المرأة بكرامتها وحيثيتها، وتجنبها الابتذال، تحت أي عنوان كان.

ثالثاً - عدم وجود قناعة بالحجاب: وهي حالة تختلف عن سابقتها، والمرأة هنا قد تلتزم بالحجاب متى تشكلت لديها قناعة تامة به، فهي لا تعتبره عبئا، لكنها تستدعي قناعة قائمة على فلسفة عقلائية. وترفض التعبد المجرد. وهذا الكلام يحيلنا على إشكالية عميقة، تتقاسمها نظريتا العبودية والإنسان. نظرية العبودية تعتبر الأحكام الشرعية والفتاوى الفقهية، معطى جاهز من الأعلى إلى الأسفل، من المقدس إلى المحايث، فيقتصر دوره على الطاعة، وحرمة التمرّد. فسواء كانت أسباب التشريع واضحة أم لا، يجب عليك طاعتها. بل حتى لو قطعت وملاكات الأحكام فربما هي حكمة وليست علة، وهناك  ملاكات في علم الله لا تعلمها. وهو اتجاه يؤمن بإطلاق الأحكام الشرعية إطلاقا أزمانيا وأحواليا، والحكم بالنسبة له فعليا متى ما استوفى شروطه. ففعلية الحكم عندهم لا تتوقف على معرفة ملاكاته، وماهي المصالح والمفاسد، فيكون الحكم فعليا بفعلية موضوعه، ولا يكون كذلك مع عدم فعلية موضوعه. وهذا على الضد من نظرية الخلافة أو نظرية الإنسان التي أسعى لتأصيلها، وكتبت كثيرا عنها. فإن فعلية الحكم مرتهنة لملاكاته وأسباب تشريعه. وعند تعذر تشخيصها نلجأ لما أسميته بـ"ملاكات الجعل الشرعي". والتفصيل مرَّ في محله. ملاكات ترتبط بالهدف الأساس وراء وجود الإنسان على الأرض، وهي: (تحقيق التوازن الروحي والسلوكي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، المتوخاة من أحكام الشريعة)، وهذه تختلف عن مقاصد الشريعة.  فالحجاب اليوم مفروض بقوة العادات والتقاليد، المتمردة تنتظرها عقوبات جمة، أقلها التوبيخ والمقاطعة الاجتماعية، فيكون الحجاب نوعا من الخلاص، لكنه لا يشكل لها قناعة ولا يكسبها مناعة من ارتكاب الرذائل. وهنا يواجه الداعية إحراجا شديدا عندما يريد إقناع البنت بالحجاب مع الإبقاء على ذات المفهوم الفقهي المتداول. ويظهر هذا جليا في أوساط الجاليات المسلمة. حيث من الصعوبة إقناع المرأة بالحجاب، ما لم تجد مبررا لسلوكها، وأغلب النساء ترتدي الحجاب كجزء من تقليد العائلة. ومن يرد إقناع المرأة بالحجاب ويضمن استجابتها فليبدأ بتقديم فهم مختلف له. ابتداء من سلبية دلالة الاسم، ويقدم تفسيرا مقنعا بعيدا عما هو متداول: "يجب احترام عاداتنا وتقاليدنا". أو "يجب احترام ديننا، والإلتزام بتعاليمه". والأخطر استخدام خطاب الترهيب والوعيد بالنار، حيث يبدأ الداعية بآيات الجحيم، وروايات القبر،  ومصير المرأة غير المحجبة، فيخلق لها عقدة، قد تتطور إلى كراهية الدين، عندما لا تواجه أي محظور في سفورها. وهذا لا يقتصر على الحجاب، بل على جميع العبادات. ينبغي للمكلف أن يعي ماذا يفعل، وبإمكانه أن يقنع غيره بالهدف الأساس من عمله. لست مع الترغيب والترهيب، فتلجأ المرأة للحجاب خوفا ورهبة، مما يعمق دونيتها دون كرامتها كما يعتقدون. الحجاب هوالاحتشام والتوازن السلوكي من أجل مجتمع فاضل. ولا أبالغ بحكم وجودي في مجتمع غربي أن ما تتمتع به غالبية النساء من أخلاق رفيعة ومعاملة طيبة، تجعلك تخجل من تصرفات كثير من المحجبات عندما يسئن الأدب مع الآخرين........ وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الحادي والعشرين ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: إذا كانت النسوية حركة سياسية اجتماعية ظهرت في الغرب للمطالبة بحقوق المرأة، تعتمد على فلسفة تجاه الرؤية الذكورية التي شكلت وجودها القيمي، فهل يعتقد الأستاذ أن النسوية - كإطار فكري وفلسفي وحركة سياسية - تمثل توجها يدافع عن حقوق المرأة، ووضع حد لأشكال التحيز والتمييز التي عانت منها المرأة على مدى التاريخ؟.

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لا شك أن الأطر الفكرية والفلسفية التي تم التنظير لها، ارتقت بالنسوية من مستوى حركة سياسية – اجتماعية ترفض الذكورية التي شكّلت وجودها القيمي، وتطالب بحقوق المرأة ومساواتها به إلى وضع أطر نظرية وفلسفية تتحرى الأسباب الحقيقية وراء دونية المرأة، ومعالجتها من خلال طرح بدائل فكرية وفلسفية، تسمح برؤية الهوية الحقيقية للمرأة، وأبعاد شخصيتها التي تستقل فيها عن الرجل، رغم اختلاف النتائج.

المستوى الأول من رؤية النسوية يكتفي بمعالجة البنى الفوقية، من خلال تحسين واقع المرأة، بعد نيل حقوقها. وهذا لا يضمن لها استعادة إنسانيتها، وكرامتها المهدورة بفعل منطق الذكورة، والنظام الأبوي، الذي يرتكز إلى مركزية الذكر، فتكون الأنوثة حتمية بيولوجية. ويكون الرجل معيارا لحقيقتها. دون معالجة جذرية لإشكالية الذكورة والإنوثة وطبيعة العلاقة بينهما، التي ترتبط بقضايا أعمق هي أساس النظرة الدونية. فثمة فرق في انتزاع المرأة حقوقها على أساس التماثل الإنساني والعقلي بينها وبين الرجل. وانتزاعها على أساس حقوقي فقط. في الحالة الأولى تفهم المرأة أن الحرية والمساواة لازم وجودي، لا تخضعان للجعل والهبة، فتطالب بحقوقها بثقة تامة، وهي مستعدة للتفاوض على مستوى الممارسة الاجتماعية وفقا للعقد الاجتماعي، وتكافح لهدم التابوات والسلطات الفوقية الساعية لقمعها بدعوى الفوارق البيولجية والدونية والنقص العقلي وغلبة العاطفة. وأما الثانية، فتفهم حريتها ومساواتها ولوازمهما هبة وتكرما. فترتهن إرادتها لواهبها أو من ينوب عنه. وهذا اللون من الوعي يسعى الخطاب الديني لتكريسه، لقمع المرأة والحد من وجودها الفعلي.

أما في موجتها الثانية / ما بعد الحداثة، فقد ارتقت النسوية إلى مستوى "النظرية والفلسفة الصريحة والسؤال الإبستمولوجي وفلسفة العلم".  لتضع بديلا للنظام البطريركي. مما يعني أن النسوية اكتسبت نضجاً فكرياً، تبحث عن إطار نظري أعمق وأشمل من مجرد المطالبة بالمساواة مع الرجال وطبقًا للنموذج الذكوري / الرجل. وعندما تصل النسوية مستوى النظرية، يصبح لديها موقف نقدي، لمعرفة منشأ المنطق الذكوري، وما علاقة الظروف الاجتماعية والسياسية، ومدى تأثير الفكر الديني والميتافيزيقي بالمرأة وهويتها. والتعرف على موقفها من خلال تشريعاتها ومبادئها. ولا يخفي حجم التأثير الديني في وعي المجتمع. وهذا المستوى من الوعي يربط بين الفكر والواقع، ويسعى لطرح بدائل للنظام الأبوي، والحتمية البيولوجية، ويستعيد المرأة كائنا إنسانيا، سحقته قيم العبودية. إن الأطر الفكرية والفلسفية، تدافع عن حقوق المرأة وتضع حداً لأشكال التحيز والتمييز التي عانت منها على مدى التاريخ. بمعنى أن مناشئ التمييز والتحيّز تتطلب تأملا فلسفيا ومعرفيا، للوقوف على منطلقاتها، ومن ثم معالجتها وفق نسق قيمي وأخلاقي يستبعد سلطة الذكر، ويؤسس لمركزية الأنثى بجوار مركزية الرجل. فالفلسفة والأطر الفكرية تساعد على تشييد بنية معرفية مغايرة، في موازاة البنية السائدة. بنية تتجلى من خلالها المرأة بكامل تاريخها ومنجزاتها ومختلف آثارها، التي تؤكد إنسانيتها وكمال عقلها وحكمتها، وبذلك تفكك مركزية الذكر، وتستبدلها بمركزية أنثوية بجوار المركزية الذكورية، وردم الهوة بينهما.

الفلسفة تسمح بمساءلة كل شيء، والحفر عميقا في بنية الوعي، لتقصي جذور إشكالية المرأة وثنائيات الجندر / النوع. وقد تعمقت البحوث الفلسفية مع الراديكالية، وراحت النسوية تسعى لاستبدال الذكورة بالأنوثة، من خلال ثنائية صلبة، مفادها التمركز حول الأنثى باعتبارها نوعا آخر، وعلى هذا الأساس بدأت بطرح بدائل للتخلص من سطوة الرجل، حتى دعت إلى هدر الأسرة، والاستغناء عن الذكورة بالسحاق والشذوذ، والاستعانة بتقنيات الإنجاب الحديثة. ورغم أننا ضد هذا التوجه، لكنه مثال لتطور فلسفة النسوية، ومديات التفكير النسوي. مما يشجع على تبني رؤية فلسفية تحقق كامل أهدافها، بعيداً عن تفكيك الأسرة والاستغناء عن الرجل. كما فعلت النسوية الراديكيالية الثقافية.

ينبغي للنسوية المسلمة العمل على وضع أطر فكرية وفلسفية، تساعدها على فهم جذر الإشكالية، وعدم الاكتفاء بنيل حقوقها. فثمة ثقافة تؤصّل النظرة الدونية، وتشرعنها، وعليها معرفة حقيقة المقولات المتوارثة، والتي اختلط فيها الديني بالاجتماعي، والمقدس بالمدنس، وأفضى إلى استغلال المرأة واضطهادها، وتكريسها أنثى لخدمة الذكر. حتى وإن أقتضى الأمر مساءلة النصوص الديني، للكشف عن وعي العصور الأولى،  ومدى شرعيتها، وما هي حقيقة إطلاقات أحكام المرأة في الشريعة الإسلامية. إذ أن النسوية المسلمة اليوم، تكتفي باستنطاق النصوص والتراث، وإعادة قراءتها بما يخدم حقوقها. وهذا منهج قاصر  فربما النص والتراث سببان رئيسيان وراء دونيتها. وفي هذه الحالة يمكن للنسوية المسلمة توظيف المبادئ الإنسانية في النصوص المقدسة، وإعادة فهم الدين ودور الإنسان في الحياة، كي تقوم فلسفة النسوية على أطر فكرية وفلسفية، تستمد شرعيتها من بعدها الإنساني، ويختفي منطق المنّة والتفضل واليد العليا، لتحل محلها مساواة عادلة قائمة على مبادئ إنسانية. وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال العشرين ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: ماذا نعني أن المرأة كوجود طبيعي أي مثلها مثل الرجل تخضع لقوانين الطبيعة. وما يميز المرأة عن الرجل أن الطبيعة خصتها ببنية تشريحية تسمح لها بالحمل والإنجاب، كما خصت الرجل ببنية تشريحية أخري تسمح له بالإخصاب هذا الفارق البيولوجي هو فارق طبيعي؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: ثمة قصدية وراء هذا الكلام، مفادها إرتهان أدوار المرأة في حدود الأسرة والأمومة للفارق البيولوجي، فتبدو الأنوثة حتمية بيولوجيَّة مفروضة عليها، ومسألة خارجة عن إرداتها. ولازمه نفي مسؤولية النظام الأبوي والمنطق الذكوري. والأمر يعود للطبيعية التي كيّفتها مع مهام الأمومة بما يناسب أنوثتها. وكما أن وظائف الرجل مرتهنة للعامل البيولوجي فكذلك المرأة. فهي ليست مجرد بنية تشريحية تختلف بها عنه، وإنما بنية تشريحية ملائمة لأنوثتها، التي تفرض عليها المرابطة داخل أسوار العائلة. وهذا ما يؤمن به قطاع واسع من نساء العالم. بينما منحت الطبيعة الرجل خصائص مختلفة، كالقوة الجسدية والخشونة، كي تتلاءم مع وظيفته الحياتية، ومقارعة الخطوب والأهوال المحيطة به، والقدرة على تدبير المرأة، بفضل حكمته ورجاحة عقله، وله حق التسيّد والتسلط، بحكم العامل البيولوجي. وبالتالي لا يوجد ظلم وقهر في تحديد الأدوار الاجتماعية لكليهما.

ويتعين أيضا فهم الكلام المتقدم وفقا لمتبنيات النسوية الراديكالية المتطرفة، التي تجد في الفواق البيولوجية التي هي فوارق طبيعية، مبررا للتمركز حول الأنثى، والدعوة لإقصاء الذكورة، وإحلال الأنوثة محلها. وبالتالي ثمة اتجاهان حول فلسفة الفارق البيولوجي، أحدهما يؤصل دونية المرأة، والثاني يبرر تمركزها حول الأنثى.

والحقيقة، لا توجد حتمية تحاصر المرأة، سوى حتمية المنطق الذكوري، التي تقتضي تكريس المرأة لخدمته، وإقصائها عن ساحة وجوده. الرجل لا يقبل بندية رجل مثله، فكيف يقنع بندية المرأة التي تحدت نرجسيته، وجرحت كبرياءه، حينما عجز عن الاستغناء عنها، فكانت شرطا لوجوده بمعنى التجلي والتحقق خارجا. وأصلا لوجوده أنطلوجيا. وما الحتمية البيولوجية سوى ذريعة لشرعنة استعبادها، رغم أدوارها الإنسانية الرفيعة، وهي معه وإلى جنبه وخلفه.

إذا كانت المرأة شريكا في بناء الأسرة، فديمومتها رهن بوجودها، فضلا عما تتمتع به من  خصائص إنسانية راقية، كالحنان والإخلاص والعاطفة والحب والدفء الروحي والأمومة والشعور بالمسؤولية. فهذه الرقة وهذه الإنسانية لا تبرر اضطهادها وقهرها ومحاصرتها بين جدران أربعة، بشكل تصبح مسؤولة عن كل شيء، وتتحمل تداعيات أي خطأ أو تهاون ولو لم يكن مقصودا. الأسرة تتطلب تعاونا من قبل جميع أفرادها. وما تقوم به المرأة داخل أسرته له قيمة مادية، تتنازل عنها طوعا وحبا، لذا لم يفرض الإسلام على المرأة أي عمل، باستثناء حقوق الزوجية، ولها حق المطالبة بكل جهودها، بما فيها رضاعة أطفالها. غير أن العرفَ عرفٌ استبدادي، أبوي، يخضع لإرادة ذكورية صارمة وظالمة، فصادر كل حقوقها، وقمعها في داخلها، وأعاد تشكيل وعيها، بشكل تجد دونيتها جزءا مقوما لوجودها. وعلى الضفة الأخرى حلقت بها الراديكالية المتطرفة حدَ الاستلاب النفسي والثقافي. وجعلتها تعيش اغترابا حقيقا عن شريكها الإنساني وإن كابرت وتنكرّت.

المهم عندي هو وعي المرأة وعيا إنسانيا، وعدم اتخاذ العامل البيلوجي ذريعة لفرض أدوار حياتية محددة عليها، حتى وهي تكرّس جهدها أسريا. فهناك فرق بين من يعتقد أن الأنوثة حتمية بيولوجية، وقدرا وجوديا، وقد خلقت لتكون أنثى، تمارس دورها الأمومي داخل أسرتها. وبين من يرفض الحتمية البيولوجية، ويركّز على الجانب الوظيفي، فرعاية الأسرة ليس قدرا للمرأة، وإنما وظيفتها عندما تفرض الظروف الحياتية ذلك، وقد تتغير تلك المسؤوليات، باستثناء خصائصها البيولوجية في الإنجاب.

لقد عانت المرأة اضطهاد الرجل، وعاشت محنة الأنوثة، التي جعلتها مرتهنة للذكر وإرادته، حتى غدت الأمومة قدرا في وعي العقل الجمعي، يتفق عليه الجميع، لذا واجهت المرأة رفضا من قبل المجتمع في أول  ظهور لها خارج أسرتها. ثم بشكل تدريجي فرضت نفسها، بعد نجاحات متواصلة نافست الرجل إبداعاته.

ما كان للمرأة أن تنافس الرجل، في أعماله الشاقة كالحروب، الوظيفة الأساسية للمجتمعات الأبوية القائمة على القوة والغلبة، فتكون إدارة الأسرة وظيفة طبيعية لها، لا بسبب خصائصها البيولوجية فقط، كما هو الموقف الأبوي منها، ولكن لندرة فرص التنافس، ولأنها عرفاً تابعة للرجل، وحكم التبعية والانقياد أن يختص الذكر بتدبيرها ورسم أدوارها. وهذا النوع من الأدوار فرضتها الظروف الحياتية والأسرية، وليس العوامل البيولوجية، وهو أمر طبيعي لتقاسم مسؤوليات الحياة، رغم ما فيه من ظلم وجور. وعندما خرجت المرأة، ونافست الرجل، فأيضا يمكن توزيع الأدوار، وتقاسم أعباء الأسرة، فيكون الأصل هو التعاون، وليس الحتمية البيولوجية. للأسف طالما نسمع الرجل وهو يرد على المرأة حينما تعترض أو تتمرد: "هذه وظيفتك في الحياة"!!. إن محنة المرأة أنها مخلوق ذكوري. بمعنى أن الذكر قد تولى تشكيل وعيها، وتحديد وظيفتها، وفرض عليها سلطته وقيمومته، وبيّن هامش حريتها، وحقوقها وواجباتها.

وعندما اؤكد على الوعي الإنساني للمرأة، أقصد به وعي الذات مجردة عن أية مؤثرات خارجية، بما في ذلك المؤثرات البيولوجية، لتعي أنها إنسانة لها حقوق وجودية باعتبارها كذلك. وعندما ينمو هذا اللون من الوعي، سوف لا تستنكف المرأة من عملها الأسري، وتعتبره وظيفة إنسانية لديمومة الحياة بمعية الرجل. وستختلف نظرتها لذاتها والآخر، إذا تأثرت بالعامل البيولوجي وإيحاءاته. فتجد في قيمومة الرجل مقوما لوجودها، وأن وظيفتها الأنثوية قدرها في الحياة الدنيا...... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال التاسع عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: هل تؤيد سيادتكم فكرة الثورة النسوية التي قامت على فكرة التفوق الذكوري وبناء المجتمع البطريريكي الأبوي، وهذا الشكل وهذه الصورة للمرأة هي التي أدت إلى حدوث ثورة نسوية طالبت فيها النساء التساوي مع الرجال في كافة الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ومن هنا تمت المطالبة بتحرير المرأة من سلطة الرجل حتى إطار العلاقة الجنسية وهذا كان وجهة نظر المدرسة الراديكالية؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لست مع جميع مطالب النسوية، خاصة ما تتبناه النسوية الراديكالية المتطرفة، بتفصيل: أتعاطف مع الثورة النسوية المتوازنة، التي قامت ضد تداعيات التفوق الذكوري، الذي أفضى إلى تهميش الأنثى. فهي دعوة لاستعادة إنسانية المرأة أساسا للمطالبة بحقوقها. إنسانيتها التي سحقها النظام البطريركي، والثقافة الأبوية التي أسست لدونيتها. وهو اتجاه يسعى لوضع الأنوثة بجوار الذكورة. مما يتطلب، وهذا هو معنى الثورة التي أتبناها، تفكيك الأنساق الفكرية للوعي، وإعادة بناء مهيمن ثقافي يستمد وجوده وشرعيته من إعادة تشكيل الوعي. وهذا يتطلب تحري الأنساق المضمرة في الوعي والثقافة الشفهية والتحريرية، والتعرّف على مرجعياتها وبيئتها وسلطتها المعرفية، ودورها في بناء الوعي. بما فيها النسق الثقافي المهيمن، ومستوى معاناة المجتمع من إكراهاته وسلطته. فالنقد الثقافي يعمل بمنهج نقدي إركيولوجي، مستفيدا من معطيات العلوم الإنسانية، على تقصي تلك الأنساق ضمن المنسي واللامفكر فيه والمهمّش والمهمل والمحرّم والممنوع وما ترسب في أخاديد الوعي، وصولا للكشف عن كيفية تشكل مفاهيمها ومقولاتها المؤسسة، ومدى تأثيرها في بناء النسق الدلالي للمفاهيم. وهذا يعني أن الثورة النسوية التي أتحيّز لها هي ثورة فكرية وثقافية، نستعيد من خلالها إعادة تشكيل الوعي على أسس إنسانية، وفهم واقعي لطبيعة العلاقة بين المرأة والرجل، بعيدا عن ثقافة التفوق عند الرجل، وعقدة الدونية عند المرأة، على أمل الوصول إلى مهيمن ثقافي يتولى موازنة العلاقة بينهما، بما يحفظ حريتهما ومساواتهما في الإنسانية، وفيما بعد مساواتهما في الحقوق على أساس المساواة العادلة التي تأخذ بنظر الاعتبار خصائصهما، وأدوارهما في الحياة، وعدم إرهاق أي منهما خارج وظيفته الاجتماعية.

وأقصد بالمهيمن، كما بينته في كتاب الهوية والفعل الحضاري: "نسق أو مجموعة أنساق معرفية مهيمنة، تعمل كموجّه يستوحي من مقولاته الأساسية، المضمرة داخل بنية العقل وفضائه المعرفي، فيرتهن لها وعي الفرد، وطريقة إشتغاله لا شعوريا".

وبهذا يتضح أن فهم المهيمن يتوقف على فهم أنساقه ومقولاته ومفاهيمه الأساسية، ومناشئ وجودها، ومدى صدقيتها. وهي مقولات تأسيسية، مكتسبة، تترسب لا شعوريا في بواكير الوعي، عبر التربية والتعليم والبيئة والعقل الجماعي والأجواء الثقافية المحيطة به. وتسمى اصطلاحا بـ(الفترة الحرجة - critical period). فيتعامل معها العقل كحقائق رغم عدم وعيه لمدى مطابقتها مع الواقع ونفس الأمر. وهذا النوع من المقولات يتعذر نقدها وتفكيكها بسهولة، لأنها تنتظم ضمن أنساق مضمرة، فتكتسب مناعة ذاتية، وهو سرّ مقاومتها للنقد. إنها قناعات لا شعورية، يحار المرء في اكتشاف سببها، ويعاني في استعادة وعيه، ما لم يرهقه القلق والتردد والشكوك والاستفهامات. وتقاس فعلية كل مهيمن بقوة حضوره، حينما يباغت الوعي ويطفو لا شعوريا، يضع الفرد في موقف حرج أمام صدقية وعيه. وقدرته على التحرر من سلطة مهيمناته وأنساقه المعرفية. وقد بينت في ذات الكتاب، وكتاب النص وسؤال الحقيقة، أن سبب رسوخ المقولات الأساسية، مرجعيتها الذاتية، ولا مرجعية فوقية يمكنها نقدها ومراجعتها، وفي هذه الحالة نحتاج لنقد يزلزلها، ووعي يتقبل النقد الجذري.

غير أن الراديكالية المتطرفة ذهبت بعيدا، ولم يعد النظام الأبوي في نظرها هو جذر عبودية المرأة، وراحت ترتكز على أساس بيولوجي تمثل خصوصية المرأة، وتجعلها أرقى منه بتفردها بالإنجاب!!. والمغالطة هنا واضحة، فلا إنجاب بمعزل عن الإخصاب الذكري. حتى لمن تتمرد عليه، تحتاجه. وبهذا الاتجاه راحت تؤسس لمنحى جديد في مفهوم النسوية، يرتكز لثنائية صلبة، حتى دعت "شولاميت فايرستون" إلى التحرر من الحمل والإنجاب بالاستفادة من تقنيات الإنجاب الحديثة، وأطفال الأنابيب، وإستئجار الرحم، لتتحرر من عبودية الإنجاب، ومن ثم التحرر من عبودية المجتمع الأبوي، وإحلال مركزية المرأة بدلا من مركزية الرجل.

وطالبت النسوية الراديكالية المتطرفة بحق الاجهاض، وممارسة الجنس خارج أسوار الأسرة، وحق المرأة في ممارسة السحاق، لفك ارتهانها بالرجل على أساس حاجاتها الجنسية. بل ذهب فريق منهن - كما ذكرت يمنى طريف - إلى أن (السحاقيات فقط هن النسويات حقا، القادرات فعلًا على تحدي الذكورية والإعراض عن عالمها). وشكلّنّ النسوية السحاقية التي تدافع عن الجنسية المثلية والأسرة السحاقية، وبالتالي الأسرة اللواطية، كنموذج للأسرة. والمعروف أن  الراديكاليات التحرريات هن أصحاب دعاوى سحق الأسرة. وكل هذا ترفضه النسوية الراديكالية المثقفة. إنه تخبط لا عقلاني، مشحون بعقدة الرجل، وتصويره غولا لا همَّ له سوى استعباد المرأة، وارتهان إرادتها.

وبالتالي لا أتعاطف مع النسوية الراديكالية المتطرفة، التي تنطلق من عقدة متأصلة من الرجل، لا شك أن لها أسبابها الوجيهة، غير أن الحلول جاءت متطرفة. فانتشال المرأة من تخلفها، واستعادة حقوقها، في الحرية والمساواة، لا يتحقق بالسحاق والإباحية والشذوذ الجنسي. ولا بهدر الأسرة، وإسقاط الذكر أو الاستغناء عنه، وربما الحالات الشاذة تخلق عاهات نفسية واجتماعية جديدة، وتترك فراغا لا شعوريا، ينعكس على المجتمع وعلاقاته العامة. ولا دليل أن الاتجاه الراديكالي المتطرف ساعد على تطور المرأة. فالدعوة النسوية الراديكالية المتطرفة، تهدد على المدى البعيد بانقراض النوع الإنساني.

إن الحلول التي تطرحها النسوية الراديكالية المتطرفة، يمكن استبدالها بحلول ثقافية واجتماعية، تمارسها وسائل الإعلام كافة، وتتبناها المؤسسات التربوية والدينية، لانتزاع ذكورية الرجل، وتأسيس العلاقة على أسس إنسانية، وتعاون أخلاقي بين أفراد الأسرة. نحن ندعو لمجتمع فاضل، ونسوية فاضلة، تسوده قيم الإنسانية وقيم الفضيلة، لخلق وازع داخلي لكل من الرجل والمرأة، من خلالها نحافظ على توازن العلاقة، دون التفريط بأي منهما. فالنوازع الداخلية للإنسان يمكن السيطرة عليها أخلاقيا، أو من خلال التقوى التي تدعو لها الأديان جميعا. التقوى هنا لا تعني الخوف من الله بلا سبب، بل تعني الخوف من الله حينما يرتكب الإنسان ظلما وعدوانا ضد الآخرين.

تأسيسا على ما تقدم، بدلا من الثنائية الصلبة التي تسعى لها النسوية الراديكالية المتطرفة، وتمييز الإنثى على أنها نوع أرقى من نوع الرجل، أن نعود لوحدة النوع الإنساني، وتعدد أدوار كل من الرجل والمرأة بما تقتضيه طبيعة الحياة، واستمرار العيش المشترك، بعيدا عن الظلم والقهر. وهذا ما أدعو النسوية المسلمة إلى تبنيه، بدلا من التطرف النسوي، وعليها أن تنبثق من واقعها وقيمها وثقافتها، لتأسيس وعي نسوي مختلف، ينهي هيمنة تراكمات النظام الأبوي، وسلطة التراث الديني المرتهن للنظام البطركي. وعلى المجتمع أن يتفهم إنسانية المرأة، ويعي دورها ونشاطها الحياتي الفاعل، إلى جانب الرجل، والتمسك بقيم حقوق الإنسان العادلة، وتبني قضايا المرأة من خلال إجراءات تؤكد مساواتها، وفسح المجال للطاقات النسوية، تمارس دورها في بناء مجتمع الفضيلة، ومجتمع الإنسان. وعليها الاستفادة من جميع التجارب النسوية في العالم، شريطة عدم نسيان خصوصيتها.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الثامن عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: النسوية الإسلامية كما يزعم أنصار النسوية الأوربية تعاني من مشكلة التمييز بين الرجل والمرأة، حيث يتصورون بأن الإسلام هو من أكد على أن الذكر هو من حدد ما يجب أن يمنح للمرأة وما يجب أن يصادر منها ومشكلة التمييز تظل مشكلة عالمية حيث بدأت في العالم ككل حيث عانت منها النساء في كل العالم وتبلورت من خلال نظرة دونية للمرأة وتم تنميط لدور المرأة داخل الزواج والأمومة، حيث توجد حالة من تنيمط الدور الأمومي والزواجي وحالة من الاقصاء والتهميش للمرأة؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: وبالتالي لا خصوصية للإسلام، مادامت القضية عالمية تاريخيا. المنطق الذكوري هو المنطق الذي ساد الحياة البشرية، ولا قياس على الأمثلة النادرة. ولا أدري مدى صحة تفصيلات مرحلة الأمومة، ولو صحت فأيضا الذكر كان وراء تقديس المرأة، لأن بنية الوعي كانت  وما زالت بنية ذكورية، مادامت المسألة أبعد من الجانب الوظيفي وأدوارهما في الحياة.

الإسلام ينتمي كدين وثقافة وعقيدة وروابط اجتماعية لبيئته وثقافته. هدفه مكافحة الشرك، والتصدي للكفر، وانتشال الوعي من لوثة عبادة الأوثان والأصنام، وسيادة العدل والإنصاف بين الناس، وبالفعل شرّع أحكاما للفرد والمجتمع، وبين حدود الأنا، وعلاقة الذات بالآخر. وعندما تولى قضايا المرأة لم يقدم فهما للأنوثة، يبتعد بها عن الوعي المألوف، وأدوارها المرسومة مسبقا "المنزل ورعاية الأطفال وخدمة الرجل". وإنما طالب الرجل بالرفق والعدل والانصاف ورعاية خصوصياتها في تعامله معها، باعتبارها رهنا لقيمومته بما فضل الله، ووفاء لعقدة النكاح. وحثها على طاعته، وتعزيز سيادته، دون المساس ببنية المجتمع القَبلي، ولم يعمد لتغيير أولوياته القائمة على مركزية الذكر وتهميش الأنثى. ولم يطرح مفهوم المساواة بمعنى تكافؤ الفرص في الحقوق والواجبات، كما هي مطالب الحركة النسوية راهنا. فكأن التمييز معطى مقدس، تتوقف عليه بنية المجتمع، وتوازن الحياة. وهذا ظاهر تاريخ الرسالات كما هو مدون، وتشهد لبعضه آيات الكتاب. ومن يقرأ آيات أحكام النساء، خاصة إلى من خلال فتاوى الفقهاء، وعبر الخطاب الديني الذكوري، لا يتوانى في اتهام الدين بتكريس دونية المرأة. لذا يقوم مشروعي على قراءة مختلفة للدين ودور الإنسان في الحياة. وفي ضوئهما أفهم آيات الأحكام، ومقاصد التشريع، وأتمسك بمنهج أصولي يأخذ بنظر الاعتبار متطلبات الواقع ودور الزمان والمكان في تحديد فعلية موضوعات الأحكام، ومن ثم تحديد فعلية الأحكام الشرعية.

لست ضد ثنائية الذكر / الأنثى، والعلاقة تشاركية وتكاملية في آن واحد، لكنني ضد مركزية الرجل وتهميش المرأة. "تفوق الرجل / تخلّف المرأة". "إنسانية الرجل / نقص المرأة". وكل ما يترتب عليها من لوازم، تهدر كرامتها وتهضم حقوقها. وعليه، فإنسانية المرأة / كرامتها / حيثيتها أولا. ويبقى البناء الفوقي من حقوق وواجبات رهنا للظروف المحيطة بهم، فتكون دالة على طبيعة الوعي وجذره الثقافي.

الخطاب الديني لم يخرج المرأة من بيتها، وعالج قضاياها في إطار أدوارها. لا لأنه يرفض تطورها، ودخولها مسرح الحياة، إذ لا دليل على هذا، بل لأن طبيعة الحياة، وقلة فرص العمل آنذاك تفرض أدوارا منزلية عليها. وبالتالي فإن استغناء المجتمع عن المرأة اجتماعيا وسياسيا وثقافيا وقياديا، فرض تهميشها، لكن لا بمعنى الظلم والعدوان، كما هو حالها في سياق الوعي القَبلي قبل البعثة. يشهد لذلك الآيات التي أكدت إنسانيتها من خلال خطاباتها وتشريعاتها. وبالتالي إذا لم يكن التهميش قدرها كما تفهم الأعرف القَبلية، فإن ظروف الحياة حكمت بتهميشها، وحصر أدوارها في حدود المنزل وخدمة الزوج. غير أن من جاء بعد النبي فهمَ سياسة الإسلام مع المرأة وفق قبلياته الذكورية: مركزية الرجل / هامشية المرأة. فجاء التراث زاخرا بروايات  تتحدث عن منزلة المرأة المطيعة المنقادة، في مقابل المرأة العاصية المتمرّدة. وحددت أخرى واجباتها وفروض طاعتها للرجل، خاصة في فراشها: (تقحبّن لأزواجكن)، وزينة المرأة بيتها، وحسن تبعلها، وحرمة عدم الاستجابة لشهواته ونزواته، مهما كانت مشاعره وسلوكه. وكل هذا يؤيد مضمون السؤال. لكن للأسف بلا تمييز بين النصوص الأولية والنصوص الثانوية، التي تمثّل رغبات ذكورية خالصة.

وفقا لهذه المقدمة، التمييز إرادة ذكورية ظالمة. يُتهم بها الدين لقدسيته ومكانته في المجتمعات العربية، عندما يعتقد أن التهميش قدر مصير للمرأة.

مشكلة القرآن هي ذات المشكلة اللغوية المتهمة بتحيزها الذكوري، فكما يضع المرأة في مصاف الرجل في الواجبات والثواب والعقاب، يقدمه عليها في خطاباته. وللتقديم دلالات سلبية لدى النسوية. سيما إذا كان القرآن وحيا، لفظا ومعنى. وتختلف النتيجة إذا قلنا ببشرية الوحي على صعيدي التلقي والأداء. النبي ابن بيئته  وثقافته، ويفهم الوحي وفقا لقبلياته وثقافته. وهذ ليس خاصا بالإسلام، بل جميع الرسالات كانت رسالات ذات بعد واحد، تعتبر المرأة تابعة للرجل. لذا تطالبه الرسالات بالرفق والإحسان مع عبيده ونسائه. لأنهما ضمن ممتلكاته (منطق الاستملاك)، ولا تدعو للثورة على سلطته، فيكون الذكر سلطة عليا دائما، له حق تحديد حقوق المرأة، وما يجب أو لا يجب عليها. ويمكن لهذا القائل الاستشهاد بآيات المواريث، والقيمومة، وعقدة النكاح، وحق الزوج في ضربها، وتقديم الذكر عليها في الخطاب القرآني. وحق تعدد الزوجات للرجل، وفتحت له باب الزواج المنقطع والتمتع بالجواري والإماء. حداً يصدق أنها إباحية مشرعنة. بينما يضع المرأة بين خيارين، الإكتفاء بزوجها، أو الطلاق وفسخ العقد.

لا أجيد التبرير والدفاع، ولست أيديولوجيا في مقاربة آيات الكتاب، بل أعتقد عدم حاجته للدفاع، عنه، وشرطه الوحيد أن تفهم النص ضمن ظروفه، وشروطه التاريخية، وأن تميّز بين النصوص الأولية والثانوية، وتقرأ الآيات قياسا على ما سبق البعثة، من عادات وتقاليد وقوانين عرفية ظالمة. وما الإطلاق الذي يستميت الفقهاء من أجل ثبوته وفعليته، إلا رغبات ذكورية، وطموحات أيديولوجية، وضبط أداء المرأة لتبقى ضمن ملكه وإرادته.

منهجي واضح في فهم فعلية الأحكام، وأجد أن كثيرا منها بات غير فعلي، لعدم فعلية موضوعاتها، المتوقفة على فعلية جميع القيود والشروط. فلا أقول بإلغاء النصوص، وهي محترمة ومقدسة، لكن ثمة قوانين ومنطق داخلي للنص القرآني ينبغي مراعاتها. فقضية إنسانية المرأة لم تكن مطروحة ليتناولها القرآن بشكل  مستقل، والكلام كان يدور حول حقوقها المادية، وما ينبغي للرجل من موقف أخلاقي اتجاهها. إضافة إلى تأكيد إنسانيتها وحرمة هدر كرامتها، كما جاء في بعض الآيات المحكمات: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا). والاطلاق هنا يفيد الشمول للذكر والأنثى وكل نفس محترمة. وهذا دليل على احترامه للنفس، بغض النظر عن خصوصياتها. وأيضا تكشف عن ذلك جملة أحكام قرآنية تشريعية. وتشملها كل الآيات التي تخاطب الإنسان والناس.

هناك عدة مستويات لتعامل القرآن الكريم مع المرأة، كما بينت في كتاب المرأة والقرآن، استدعي للضرورة بعض المقاطع.  منها، مخاطبتها كأنثى تشارك الرجل في تكوين المجتمع، أنثى لم ينقص إنسانيتها، ولم يعتد على شخصيتها، كقول:  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) . فالذكر والأنثى نواة النسيج الاجتماعي برمته. وجاء بلفظ الذكر والأنثى لأنهما الأساس في تكوين الشعوب والقبائل. وعندما رتّب الأحكام في نهاية الآية رتّبها على كليهما من غير تمايز: "التعارف" في الحياة الدنيا، و"الجزاء" في الآخرة على أساس التقوى. وهذا اللون من التعامل أوضح مصاديق المفهوم الإنساني للذكر والأنثى. وتعضّد هذا المعنى مجموعة أخرى من الآيات القرآنية. بهذا نكتشف كذب الحكايات والمرويات التراثية التي تنتقص باسم الدين والنص الديني إنسانية المرأة، استنادا الى نصوص دينية منحولة. أو تنسب لله عزوجل ما لم يصرّح به. أما نظرة المجتمع للمرأة فشيء آخر، قد تقترب من الرؤية القرآنية أو تجافيها، حسب الظروف الاجتماعية، والعادات والتقاليد، فلماذا دائما تحسب على الدين وهو براء منها. فليس هناك آية تسلب المرأة إنسانيتها. والتفاوت في بعض آيات التشريع لا يعني نقصا في إنسانيتها عندما تُقرأ ضمن سياقها وخلفيتها التاريخية والاجتماعية، بل ربما تعد ميزة وإنصافا وتكريما لها. ولا أقصد (بهذا الكلام) التبرير، ولكن هذا ما أفهمه من سياق الآيات ضمن خلفياتها وما اكتنفها من ظروف، وليس منقطعة عنها كما هو المنهج السائد لدى الفقهاء للأسف الشديد.

فالنسوية المسلمة اليوم أمام خيارات أكثر، يمكنها فهم النص مباشرة، بعد هدر الوسائط المقدسة، التي تحجب النص الأولي، وتملي إرادتها عبر نصوص ثانوية، شارحة أو مؤولة. وهذا يتطلب نقد النسق العقدي المألوف، واستبداله بنسق قائم على العقل والدليل والبرهان، وفهم ظروف النص وملابساته، في  ظل فهم جديد للدين ودور الإنسان في الحياة. إن دور وظيفة الدين وما يزال إضفاء معنى للحياة، وترشيد وعي الفرد والمجتمع، ورعايتهما حتى يبلغا النضج. وما ختم النبوة إلا إجلال للعقل والعقلانية، واعتماد الإنسان على نفسه، في تدبير شؤون حياته، بعيدا عن أية ولاية وقيمومة وسلطة فوقية، تدعي قدسيتها. فيمكن للمرأة التحرر من  قبلياتها، وفهم أدوارها ضمن وظيفتها الحياتية، سواء داخل أو خارج المنزل. فالمسألة مسألة وعي قبل كل شيء، كي لا تستكين للظلم باسم الدين والتشريع. وتكون مصداقا للظالمين أنفسهم.

إن بعض الآيات تؤسس لمركزية الرجل وسطوته وتفوقه، عندما تجعله قيما على المرأة، وللذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا هو ظاهر الآيات في النظرة الأولى، وهنا يصدق التمييز بلا ريب. غير أن النظرة التفصيلية تبددها، في ضوء الإطار العام للدين وأهدافه المركزية،  فثمة ظروف فرضت هذه الأحكام ينبغي لنا تحريها، لعلاقتها بفعلية الأحكام، ومع انتفائها تنتفي فعلية الحكم. فيصدق أن الدين في جانبه التشريعي مرحلي، رافق الإنسان حتى يبلغ مرحلة النضج العقلي. بهذه الطريقة نحفظ للدين مكانته، ويمكن توظيفه لتعزيز قيم الخير والمحبة والوئام. إن معاناة الخطاب الدين في تراثه، وما حمله من قيم تعسفية فرضت نفسها. وبالتالي فالتشريعات كانت ناظرة للجانب الوظيفي، مع تأكيد إنسانيتها وحرمتها. فلا تمييز حينئذٍ، إذ يمكن تشريع أحكاما جديدة للمرأة وفقا للعدل والانصاف ومراعاة القيم والأخلاق الإنسانية، والأخذ بنظر الاعتبار توازن المجتمع وعدم التفريط بالعائلة أو هدر قيمها باسم الحرية والمساواة.

ومن يرد التمسك بظواهر الآيات، بعيدا عن منطقها وإطارها العام، يمكنه ذلك. والمشكلة ليست مع الرجل، لكن المشكلة مع المرأة عندما تتمسك بآيات تكرس دونيتها، دون تحري حقيقتها ضمن سياقاتها التاريخية. إن عدم تجريد النص من تاريخيته تسبب في كارثة فقهية، أبقت المسلم يراوح في العصر الأول للبعثة النبوية، وسيبقى ما لم ينتفض على إرادته...... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال السابع عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: لاحظت في حديثكم في كتاب المرأة والقرآن بأن النسوية الإسلامية تعاني معاناة شديدة من تفسير ذكوري للقهر على المرأة حيث كثيرا ما أبرزتم لنا بأن ليس هناك مشكلة في النص الديني وإنما المشكلة في سوء الفهم الذكوري لها فالدين قد تم تفسيره بنظرة ذكورية بعيدا عن النظر للاحتياجات النسوية؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: إن التفسير الذكوري للنصوص الدينية، تؤكده خطابات دينية، وفتاوى فقهية، ومرويات مازالت مؤثرة، تتحدث عن كائن دوني اسمه المرأة، قياسا بنموذج اختص بجميع خصائص الشخصية المثالية: عقل، حكمة، شجاعة، مروءة، عفة، وتدبير. فكانت مركزيته استحقاقا لمثاليته، وهي نظرة تعسفية. الرجل فيها الخصم والحَكم، فثمة صفات تتفوق فيها عليه، ولو أتاح الاستبداد الذكوري ممارسة حريتها، فقد تتفوق عليه أيضا بما يعتقد أنه اختصاصه دونها. وقد أثبتت الأيام تفوقها حتى في مجال السياسة، وحققت الدولة التي اعتلت النساء مركز القيادة فيها تقدما اقتصاديا وثقافيا.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي  فيقول: إن نرجسية الرجل، وتحدي الأنثى في أعماقه يدفعان باتجاه تهميشها، وتولي تشكيل وعيها، وتحديد مسؤولياتها. وعندما نتحدث عن المنطق الذكوري قبل البعثة النبوية، لا نضيف جديدا، فهو واقع النظام الأبوي للمجتمع العربي والعالم أجمع. وهذا لا يعني تجاهل العوامل الأخرى، كالاقتصاد مثلا. خاصة أن فرص تأكيد الذات وتعزيز الانتماء الاجتماعي كانت محدودة، لا تسمح بمنافسة الرجل، مع وجود وظائف أخرى يمكنها القيام بها. مما يدفع هو الآخر باتجاه إقصاء المرأة، من خلال إعادة برمجة وعيها، ضمن مصالحه ومقاصده، فثمة أعمال تتوقف عليها حياته ووجوده وعزته، ليس لها سوى المرأة. غير أنه بدلا من تقديرها وإجلالها وتقديم آيات الشكر لها، يحتقرها، لأنه يشعر بعمق جُرح التحدي الوجودي. هي أصل وجوده، وديمومة بقائه، وضرورة وجودية، عندما يرتهن لها وجوده، ولا معنى لرجولته بعيدا عنها.

والسؤال الذي يؤرق الأستاذ ماجد الغرباوي: رغم التحولات في الشخصية العربية بعد البعثة النبوية، لكن التحول الرادكالي، لم يمس قيم المجتمع الأبوي، مع أن القرآن رسالة إنسانية وعالمية طموحة حسب الفرض، فلماذا لم يعالج منظومة قيم العبودية بشكل أكثر جذرية، بل ويظهر من بعض نصوصه انحيازه للذكورة على حساب الأنوثة، كما يفهم  ذلك المنطق الفقهي الذكوري؟.

لا أريد إعادة ما كتبته مفصلا حول هذا الموضوع الحساس. لكن المؤكد أن المنطق الذكوري كان يفرض وجوده على فهم النص وفتاوى الفقهاء، حداً، حجبت النصوص الثانوية النص الأول / النص القرآني، فتسربت قيم النظام الأبوي، متسترة بلباس الدين، كالتركيز على ولاية الأمر، ووجوب طاعته على الصعيد السياسي، وحرمانها  من جملة مسؤوليات لا يحق لها توليها: كالولاية والخلافة والقضاء وإمامة الجماعة، وقيادة الجيش وغيرها. أو مواصلة دورها الثانوي برعاية دينية، مما يؤكد أنها لم ترق إلى مستوى الكائن الإنساني في نظر الصحابة، والسبب عدم تناول التعاليم الدينية جذر المشكلة النسوية بشكل صريح، واكتفت بمعالجات حقوقية ووصايا أخلاقية. ويمكنك الاستشهاد بسرب من روايات المنطق الذكوري في فهم المرأة وقضاياها. وقد استعان المنطق الذكوري بظواهر بعض الآيات، كالآيات التي توصي بالوالدين، فإنها تأكد قيم النظام الأبوي، حينما تحرّم على الابن التأفف فضلا عن الاعتراض والتمرد. وهناك آيات حق المرأة في الميراث، والشهادة أمام القضاء، ومنح الرجل حق القيمومة والتأديب بالضرب، وفرض الحجاب عليها، وحرمانها من الفضل بسبب نقصها البيولوجي، كالحيض والنفاس.

ثم يؤكد الأستاذ ماجد الغرباوي  فيقول: لا أدعو لإحلال الأنوثة محل الذكورة، ورأي أن العلاقة قائمة على التشارك الإنساني، فثمة فرق حينما يتفهم كل منهما وظيفته على أسس إنسانية، وبين أن يتعامل معها بمنطق القيمومة والإقصاء، باعتباره قدرها، وقصور عقلها وإرادتها. في الحالة الأولى يمكن لهما التعاون في الحياة في شتى المناحي، باستثناء ما اختصتهم به الطبيعة البشرية. لكن في الحالة الثانية، تكون التبعية والانقياد قدر المرأة، من وحي أنوثتها والفوارق التي ابتلت بها. وأي تقصير لأي سبب كان، عليها تحمّل تبعاته، كالضرب في الفراش، والتحكم بحريتها، وتقييد إرادتها.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لم يصرّح القرآن بوجوب انقياد المرأة للرجل، ولم يطالبها بالتنازل عن حيثيتها وكرامتها ثمنا لرعايته لها، بل يحث على العدل والانصاف معها. غير أن الصحابة لم يتفهموا الرعاية من باب التسامح الحقيقي ووحدة الجذر الإنساني، بل فهموها وفقا لمنطق العبودية، بأنها سمة أخلاقية وعمل صالح يثاب عليه المرء، ويكون متكرما عليها. وما نقرأه في كتب الفقه والتفاسير تقويل للكتاب، وإملاء لفراغات تأويلية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:

- لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا

- وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ

- وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).

فهذه الآية كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي يفترض أنها آيات محكمة تفسّر في ضوئها الآيات المتشابهة، كما هو المنطق القرآني: (...مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ)، غير أن المنطق الذكوري يتسرب لا شعوريا، عبر أنساق الوعي القَبلي، عندما يتصدى لتفسير آيات القيمومة والضرب بالفراش، وحدود طاعتها له. ولم يمعنوا النظر في الآيات، وفلسفة الكتاب، ضمن مركزية الإنسان في الحياة. فاعتبروا آية القوامة مثلا أمرا شرعيا، بينما التمعن فيها وفي سياقها، يفضي أن الآية بصدد بيان علة وسبب القوامة، فتنتفي بانتفائها، وليس لها ديمومة كما يصرّ  الفقه على ذلك.

يقول الأستاذ ماجد الغرباوي  لا شك أن القرآن أنصف المرأة قياسا بما قبل البعثة، وأعاد لها إنسانيتها المهدورة، تحت وطأة قيم العبودية والاستبداد الذكوري، عندما وضعها على قدم المساواة في التكاليف الشرعية، وما يترتب عليها من ثواب وعقاب. وأنصفها حقوقيا قياسا بما سبق أيضا، في مسألة الإرث، ووجوب النفقة على الزوج، وحقها في الرضاعة. لكن على الصعيد الاجتماعي لم يسند لها النبي أي منصب يعزز مكانتها خارج حدود الأمومة ورعاية منزلها، وقد حث على ذلك، رغم مواقفه الإنسانية معها، وتعاطفه مع قضاياها. ولو الحد الأدني باعتبار أن الظروف آنذاك كانت تستدعي حضور الرجل، لخوض الجهاد، ومقاومة غارات خصوم الرسالة ومواجهة صعاب الحياة بما أوتي من بسطة في الجسم. فمثلا لم نقرأ عن النبي أنه أكد على مرجعيتها الاجتماعية، كأن تكون قارئة أو فقيهة أو راوية، رغم أن لبعض النساء روايات معتمدة في كتب الحديث. وهكذا الأمر في زمن الخلفاء، وكل دولة الخلافة فيما بعد. وهذا يؤكد سيادة المنطق الذكوري، واستمرار فهمه للنص / آيات الكتاب. وأدل دليل انحياز الفقيه  للذكورة عند تأويل النصوص، كما بالنسبة للقيمومة، فثمة تأويل منصف من داخل النص، على أساس أفضيلة المسؤولية الاقتصادية والاجتماعية، وقد تناولته مفصلا في كتاب المرأة والقرآن، لكن التفسير الذكوري يصرّ على منطقه، ويمنح نفسه قيمومة شرعية عليها، فيتحكم بها، باعتبارها جزءا من متاعه. بهذا نفهم أن "تشيئة المرأة"، هو ذات المنطق العبودي، وكأن الرسالة لم تكافحه، وحافظت على قيمه، مع بعض التعديلات. بل أن التعامل معها أسوء من التعامل مع العبيد، فالعبد يستعيد رجولته وإنسانيته بتحريره، أما المرأة فتبقى كائنا ناقصا، تتحمل مسؤولية الخطيئة الأولى، وتداعيات أنوثتها، خاصة عندما يتعامل معها الرجل كجزء من متاعه، فيخاف عليها كخوفه على أي قطعة من أثاثه وممتلكاته وفق منطق الاستملاك. ويخشى إغراءاتها، وطمع الذكورة فيها، فتجده يترقب حذرا، خائقا من عارها وشنارها.

وبالتالي فالتفسير الذكوري كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي ، كرّس سلطته وفوقيته واستبداده، ومنحها بعدا شرعيا، سلب المرأة قدرة التحرر الذاتي، التي هي شرط أساس لتطور الحركة النسوية، خاصة المسلمة. فثمة أسيجة مقدسة، منح الرجل نفسه حق صيانتها والدفاع عنها، باعتبارها دفاعا عن الذات، وقد تولى الفقيه تعزيزها بفتاوى تستمد شرعيتها من ذكوريته، وليس أمام المرأة المسلمة سوى التمرّد على فتاوى النسوية، والعودة لآيات الكتاب، وفقه المرأة في ضوء مبادئ حقوق الإنسان، وما هو ثابت ومحكم من آيات الكتاب. بعد تمزيق ثقافة التهميش، وأدواتها من عادات وتقاليد وأعرف، كبلت إرادة المرأة...... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال السادس عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: هل هناك ثمة قيم وثمة ثقافية ومبادئ تم الصاقها بالمرأة بالاعتماد على هذا الفارق البيولوجي أو الجنسي؟. أي أن ثمة قيم مكتسبة تعتمد على الوظيفة البيولوجية للمرأة والوظيفة التشريحية التي خصتها بها الطبيعة وهي قدرتها على الحمل والانجاب؟.

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لا يخفى أن الوظيفة البيولوجية للمرأة كانت وراء تصنيفها. فهي بالنسبة للرجل جسد وطبيعة بيولوجية مغايرة. وثمة اختلاف في تفصيلات جسديهما. المرأة تحمل وتلد وتحيض وتعترضها حالات نفسيه خلال حملها وولادتها. وينتابها ضعف وإرهاق. مشدودة للعواطف والرومانسية. كما يجدها مرتهنة لقوته وإرادته جنسيا، يمكنه قهرها أو تجاهلها. وهنا هو لا يفسر الاختلاف تفسيرا إنسانيا، أو تكامليا كما نفهمه بعد تطور مختلف العلوم، ولا يجد سوى الاختلاف البيولوجي علة لذلك. وتبقى المرأة بالنسبة له رَحَمَاً ومبيضين. فالدونية قدر طبيعي، وليس ظلما أو عدوانا ضدها. بل أن أنوثتها تقتضي اختصاص الرجل بتدبيرها، وتحديد وظيفتها.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي  فيقول: إن ضعف الوعي وسذاجة العلوم آنئذٍ، لم يسمحا بتقصي جوهر الاختلاف بين الجنسين، وحقيقة الفوارق الجسدية والبيولوجية، خاصة ما قبل الأديان التي نسبت فيما بعد كل شيء لله تعالى. فكان من الطبيعي تعليلها في ضوء بيئته وقبلياته الثقافية. وكان الإنجاب أول ما أدهش الرجل، حتى رفعها لمقام الإلوهية، باعتبارها إلهة النسل والإنجاب، أو تكريما لأمومتها، غير أن تطور الحياة، ووسائل الانتاج، ودخول الفكر الديني على الخط، سلب المرأة قدسيتها، وهبط بها إلى دونية مقيتة، حتى كان اليهودي يحمد الله الذي لم يخلقه امرأة، وهي تردد الحمد لله الذي خلقني كما أنا!!. وكان الإسلام أول من قال بوحدة الطبيعة البشرية، (تفسير آية: (... اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة). ومجّد الاختلافات الوظيفية، حينما شرع أحكاما لحمايتها، وفهمها فهما إنسانيا: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ).

وبقت الخرافة تفسيرا ملائما لجميع الظواهر في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي، خاصة أنها وليدة مخيال بشري غارق باللامعقول ودهشة الغيب. ويمكنه إعادة صياغتها وتشكيلها وفقا لمصالحه. فهي صورة متخيلة مرنة.

ثم يؤكد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: كما كان الفارق البيولوجي وراء ثنائية: "رجل / امرأة". "ذكر / أنثى". غير أنه لم يفهم الثنائية على أسس إنسانية، ووظيفة تكاملية للنوع البشري، بل أرسى ثنائية صلبة، ولّدت أحكاما قاسية، وأفضت إلى مركزيته وتهميشها، ورميها بنقص العقل والاستغراق بالشهوة وضعف المشاعر الإنسانية، والدونية وكل سلبية تخطر في باله. فهو مخلوق للآلهة، وهي مخلوقة من ضلعه، فتكون لا شعوريا، مرتهنة لوجوده. ثم نسب المرأة للجن، وللشيطان عندما تكون سبب خطيئته الأبدية، وسسبب غوايته، وابتعاده عن الفضيلة. تصور أن الثقافة الأنجيلية ظلت تتساءل ردحا طويلا من الزمن: هل المرأة بشر أم حيوان أو شيطان، وكان هدف مؤتمر "ماكون" حسم الجدل حول حقيقتها.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي  فيقول: وبالتالي، فكل الأحكام السلبية التي ألصقها الرجل بالمرأة كانت من وحي الفارق البيولوجي أو الجنسي. سواء في أصل وجودها أو اختلاف وظائفها وطبيعتها. وكان أرسطو يقول: علينا أن نعتبر خصائص النساء عيبا خلقيا!!. وأرسطو فيلسوف، تنسب له جميع العلوم، فكيف بالإنسان العادي؟. غير أن الأمر اكتسب أبعادا جديدة، بعد تطور العلوم الإنسانية، وراحت الأنثربولوجيا والفلسفة وعلوم التربية وعلم النفس والهرمنيوطيقا، تبحث عن الأسباب الحقيقية وراء الأحكام الجائرة، واكتشفت أن وراءها نظاما أبويا صارما، ومنطقا ذكوريا قاسيا، وليس للفوارق البيويولجية دور أساس فيها. رغم أنها حتى أوقات قريبة كانت الأصل في تفسير الاختلافات. ويمكن إدراك جميع الأحكام السلبية، التي كانت وراء ثنائيات الجندر: "قوة الرجل / ضعف المرأة". "ذكاء الرجل / بلادة المرأة". "حكمة الرجل / شهوانية المرأة". "عقل الرجل / عاطفية المرأة". وغيرها.

وما يؤكد اصراره على الاختلافات البيولوجية تعامله معها خلال فترة الولادة والحيض، فكانت المرأة كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي تعزل أيام دورتها الشهرية، ويجب مقاطعتها، خوفا من غضب الأرواح والآلهة، كما هو المعروف عن سلوك القبائل البدائية في أستراليا وغيرها. بل أن ثقافة الاستنكاف من المرأة يعود لأسباب بيولوجية، فهي فتنة، تغري الذكر، وتجلب العار حينما تنزلق بالخطيئة: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ).

ثم يؤكد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لا شك عندي أن مكابرة الرجل هي التي تجعله يتشبث بالفوارق البيولوجية، لتبرير الاختلاف، ومن ثم شرعنة سلبية مواقفه وتعامله معها. أو شرعنة دونيتها. وأما في أعماقه فإن المرأة تحدٍ مستمر لنرجسيته وتعاليه، وتحدٍ لافتقاره لوجودها، فهي المكمل الشعوري والبيلوجي، وهي الآخر التي يتوقف عليها تجلي وجوده. فيكون وجوده مفتقرا لها. وهذا أحد أسباب رفضه الاعتراف بإنسانيتها، فيجد في الفوارق البيولوجية ما يبعد عنه شعور الضعف الداخلي لقوة تحديها، ويلقي باللائمة على الفوارق البيولوجية...... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الخامس عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: منذ ستينات القرن الماضي تم تحديد ثلاث أطر نسوية، وهي:

أ- النظرة النسوية الاصلاحية: وهي تركز بشكل رئيس على عمل النساء في الأسرة والاقتصاد ككل، ومحاولة التوصل لأشكال الاستغلال المختلفة التي تتعرض لها المرأة في سياقات العمل المختلفة وذلك من أجل تحسين ظروفها والارتقاء بأوضاعها المعيشية.

ب- النظرية النسوية المقاومة: وهي تركز على العنف والقهر الجنسي الموجه ضد النساء وعلى استخدام خبرات النساء بوصفها عنصرا مركزيا بالنسبة للمعرفة والثقافة المجتمعية، أي نقلها من حيز التداول النسائي لتمثل عنصرا مجتمعيا هاما يعيد تشكيل المعرفة العامة والثقافات المختلفة المشكلة للمجتمع؟

ج- النظرية النسوية المتمردة: وهي تركز على العمليات والرموز التي تؤسس وتحافظ علي نسق النوع، فالاهتمام ينصب على ما تقوله المرأة ذاتها ومحاولة الإعلاء من شأنها مجتمعيا بحيث لا تخضع للخطاب الذكوري السائد والمهيمن...

وهنا نتساءل أين تكمن رؤية الأستاذ إزاء تلك المدارس؟ وهل هناك نوع من التكاملية إزاء تلك المدارس من وجهة نظركم؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لا يخفى أن قضايا المرأة متشعبة ومركبة، تقضي تسويتها تفكيك أنساقها، والبحث عن جذر القهر والاضطهاد، وكل واحدة من هذه المدارس ركزت على السبب الذي ينسجم مع أيديولوجيتها ومتبناياتها الفكرية، وبهذا يفترق البحث الموضوعي المجرد، فإنه يتقصى جميع الأسباب ثم يقوم بتحليلها للوصول إلى جذر المشكلة النسوية. والفرق أن الأول يحشّد ما يدعم نظريته، بينما يتوخى الثاني الحقيقة من خلال الواقع، وما يحيط به من أنماط ثقافية واجتماعية. فهدف المدرسة الأولى: "النظرة النسوية الإصلاحية"، إصلاح أحوال المرأة المعيشية والاقتصادية، فيكون الاستغلال وجهتها، لدراسة أسبابه والتعرّف على أشكاله. وهذا النوع من التشخيص لا يمس جذر المشكلة، ويعالج قضايا فوقية، رغم الأهمية الاقتصادية. ويكفي دوره الكبير في تحرير المرأة من سطوة الرجل، كما هي المجتمعات الغربية، التي من السهل على المرأة الاستغناء عن الرجل ماديا، لوجود ضمان اجتماعي وصحي يكفلان لها مستوى معقول من الكرامة، لا تضطر معهما لهدر كرامتها أمام الرجل. لكن هل المشاكل الاقتصادية بديل عن الوعي ودوره في تعزيز القيم الإنسانية؟. وهل سيحرر المرأة من مشاعر الدونية البيولوجية؟. فثمة مشاعر سلبية لدى طيف واسع من نساء المجتمعات الارستقراطية والثرية. فالمال لا يحقق لنا وعيا حقيقيا بإشكالية المرأة، ويقف عند الحقوق الفوقية.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: هكذا ركزت النظرية النسوية المقاومة، على العنف والقهر الجنسي الموجه ضد النساء، وهي قضية مهمة. وأجدها أكثر تطورا من النظرية الأولى، لأنها تريد "نقل خبرات النساء بوصفها عنصرا مركزيا بالنسبة للمعرفة والثقافة المجتمعية، من حيز التداول النسائي لتمثل عنصرا مجتمعيا هاما يعيد تشكيل المعرفة العامة والثقافات المختلفة المشكلة للمجتمع". فهي تراهن على إعادة تشكيل الوعي، من خلال حضور المرأة ذاتها. وتستبطن رفضا لسلطة الرجل وتفرّده في فهم الإشكالية وتسويتها، وتطالب مشاركة النساء مشاركة فعلية، فلها وجهة نظرها، ورأيها الذي تختلف فيه معه. وبالتالي فهي  كالنظرية الأولى ركزت على جانب العنف والقهر الجنسي.

وأما النظرية النسوية المتمردة في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي، فهي أكثر عمقا وتشخيصا، عندما تركز على "العمليات والرموز التي تؤسس وتحافظ علي نسق النوع"، فثمة ثقافة وأنساق فكرية تتخفى وراء ثنائياته، وهي ثنائيات وليدة نظام بطركي متأصل، وتفكيكها وإعادة تشكيل النوع، يساهم في زعزة الإشكالية، ويساعد على نهوض النسوية. ومن هذا المنطلق ينصب اهتمامها على "ما تقوله المرأة ذاتها ومحاولة الإعلاء من شأنها مجتمعيا بحيث لا تخضع للخطاب الذكوري السائد والمهيمن".

وهنا يسجل الأستاذ ماجد الغرباوي ملاحظة، أن مشكلة المرأة ليست مشكلة أنثوية خالصة، ولا ذكورية متسلطة، بل مشكلة ثقافية عامة، يشترك فيها الفرد والمجتمع. فلايكفي التركيز على حضور المرأة، رغم أنه شهادة عملية تعزز إنسانيتها، لكن ينبغي أيضا إعادة تشكيل الوعي من خلال تفكيك الأنساق الثقافية والمهيمن الفكري، وتشكيله على أسس إنسانية، ينظر للمرأة نظرة إنسانية عادلة، خالية من الدونية والنظرة السلبية. بعيدا عن خصوصياتها، التي تفرضها طبيعتها. لكن الخصوصية لا تعني الدونية بأي شكل من الأشكال. فهي ليست نقصا تكوينيا، بل كمالا ينسجم مع دورها الحياتي. فكما لا يكتمل الرجل إلا بخصوصياته، فكذا المرأة مع خصوصياتها.

وبالتالي فثمة تكامل بين هذه الاتجاهات في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي، رغم تفاوت التشخيص وأساليب الحلول. وتبقى وجهة نظري، كما يقول الغرباوي، أن المشكلة بالنسبة لقضية المرأة مسألة ثقافية، ومسألة وعي، والحل يبدأ من وعي المرأة والرجل. وعي المرأة لإنسانيتها، ولوازم وجودها، وتشخيص مطالبها، وفقا لمبدأي العدل والمساواة العادلة. ووعي الرجل يبدأ من هدر ثنائيات النظام الأبوي، وإرساء وعي إنساني يقيم علاقاته مع المرأة على أسس إنسانية خالصة، تتكامل فيها جهودهما لبناء حياة حرة سعيدة، تمكّن المرأة من تأكيد حضورها، بعيدا عن مطلق التمييز والعنف والاضطهاد..... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط