bobaker jilaliيؤكد 'حسن حنفي' في أكثر من كتاب له أن الدافع إلى تجديد التراث هو "إعادة النظر في التراث الفلسفي خاصة وفي التراث كله عامة. علومه وأبنيته وحلوله واختياراته وبدائلها الممكنة هي تغير الظروف كلية من عصر إلى عصر ومن فترة إلى فترة."  ويعيش العالم العربي والإسلامي اليوم في أزمة متعددة الجوانب، من جوانبها أزمة الثقافة التي تعبّر عن انتقال الأمّة من مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية أخرى، "وتتكون الثقافة العربية من مكونات رئيسية ثلاثة: الموروث القديم، والوافد الحديث، والواقع المعاش... فما زال الموروث القديم يفكر فينا ولنا، وما زلنا نحن نفكر فيه و به، فـلا فرق بين التراث الحي والثـقافة المعاصرة... أما الثقافة الوافدة المعاصرة عن الغرب فهي عنصر مكون ضعيف لا يتجاوز سطح الثقافة إلى الأعماق ولا يظهر إلاّ عند النخبة... ويمثل الوافد المستقبل البعيد المحاصر، ويمثل الواقع الموروث الغائب بالرغم من التأزّم والمعاناة التي قد تصل إلى حد الكفر به، الخروج عليه أو الهرب منه. بالتالي تكون العناصر الرئيسية المكونة للثقافة العربية المعاصرة هي أيضاً عناصر تكوينية في الزمان التاريخي، الماضي والمستقبل والحاضر."

تنبعث أزمة الثقافة العربية وتظهر من تكرار واجترار وترديد التراث القديم في الواقع المعاصر على الرغم من تبديل وتغير المرحلة التاريخية وتحويلها من الماضي إلى الحاضر، هذا التغير يقتضي ثقافة جديدة وإبداعاً فكرياً وحضارياً جديداً، كما يتطلب مبدعين جدد لا يجترّون إبداعات السابقين، "فإذا كانت المرحلة الأولى قد أبدعت بلا نموذج حضاري سابق باستثناء ثقافات العرب وديانتهم السابقة على الإسلام فإن الإبداع الآن ونحن على مشارف الفترة التالية لديه نموذج سابق وهو إبداع القدماء. وبالتالي يسهل الإبداع لأنه يكون إبداعاً على إبداع، وتفكيرا على تفكير وقراءة على قراءة وتأويلاً على تأويل. وقد يصعب الإبداع إذا ما تقيّد بإبداع السابقين واعتبر الإبداع ذا نمط واحد في كل العصور."

كما تنبعث أزمة الثقافة العربية وتظهر ليس فقط من نقد التراث القديم بل كذلك من نقل الوافد الحديث من الغرب وهو نقل استمر لفترة تقترب من مائتي عام وخطوة النقل عن الغرب الحديث تنتج عن اعتبار الغرب مصدر التنوير الفكري والفلسفي والعلمي والسياسي. ويؤدي النقل عن الغرب "إلى اعتبار الغرب نموذج الثقافة العالمية بمقاييسها وعلومها وتصورها للعالم وقيّمها وعلى كل ثقافة تبنيها نظراً للتباين بين المستوين... إلى انتشار الثقافة الأوربية خارج حدودها الطبيعية وجعلها نقطة جذب لثقافات الأطراف التي تصبح مجرد مستقبل لهذا الإرسال المستمر الفيّاض... إلى زيادة حدّة التغريب في الثقافة العربية وخطورة الوقوع في الاغتراب الثقافي وطمس الهوية الثقافية مما يؤدي بالضرورة إلى الولاء للغرب."

أما المكون الثالث للثقافة العربية والذي ارتبطت به أزمتنا هو الواقع وانعزالها عنه وإذا كانت الثقافة العربية الإسلامية القديمة هي ثقافة النص وهو المكون الأساسي فيها. نص مُعطى في أوضاع وظروف تاريخية معينة ترتبط هي الأخرى بظروف وأوضاع تاريخية سبقتها هذا النص أثّر فيها وتأثّر بها فهو لا يعبر عن الواقع الثقافي والسياسي والاجتماعي للعالم العربي والإسلامي المعاصر، والأمر نفسه بالنسبة للنص الوافد الحديث فقد تكوّن في ظروف غربية غريبة عن جسم الثقافة العربية المعاصرة. فلا الأول يعبر عن واقعنا إلا بعد تأويل ولا الثاني يعبر عن حياتنا الثقافية إلا بعد تكييف وتلفيق، و"لم تُحوّل الثقافة العربية الواقع المباشر إلى نص محكم جديد يعبر عنه و يوجهه و يؤثر فيه ... و يجد فيه نصا جديدا يعبر عنه تعبيرا محكما مباشرا فيه أحكام الخطابين الموروث والوافد وفيه مباشرة الخطاب الديني والسياسي، ولما كان الواقع هو ذاته نص مباشر، مصدر كل نص ونشأته ظل الواقع في الثقافة العربية بلا قراءة وبلا صياغة فتأزم واستعصى."

يقتحم الواقع الفكر العربي المعاصر من خلال جملة من التحديات كتحدي الأرض المغصوبة في فلسطين وغيرها، وتحدي الحرية حرية الوطن وحرية المواطن ورغم تبني الليبرالية كنمط في التحديث فأزمة الحريات العامة مازالت قائمة وبحدّة. وتحدي العدالة الاجتماعية، "فنحن أمّة يُضرب بها المثل بأنها تظم أغنى أغنياء العالم وأفقر فقراء العالم. من بيننا من يموت بطنة وشبعاً، ومن بيننا من يموت جوعاً وقحطاً."  وتحدي التجزئة، تجزئة الأمة وتجزئة الوحدة الوطنية وتحدي التبعية في الغذاء والسلاح والثقافة والعلم، "نستهلك أكثر مما ننتج، ونأكل أكثر مما نعمل ونحارب بما لم تصنعه أيدينا."  وتحدي التغريب الذي أفقدنا الاستقلال الوطني وضاعت منا الهوية، فتكوّن فينا مركب النقص وتكوّن في الآخر مركب العظمة، "وما زالت سلبية الجماهير وحيادها ولا مبالاتها تمثل التحدي الرئيسي للثقافة العربية... فالموروث إن عبّر عن ما فيها فإنّه لا يحل مشاكل حاضرها. والوافد إن عبّر عن مستقبلها فإن الهوّة بينه وبينها ما زالت بعيدة... وفي التصور الموروث ما يساعد على حشد الناس وتجنيد الجماهير، فالأمّة خير أمّة أخرجت للناس كحمل الأمانة وتُبلّغ الرسالة... ويمتلئ الوافد بفلسفات تحقيق المثل الأعلى وتطبيق كلمة الله في الأرض وتجسيد الروح في التاريخ، كما أنه زاخر بفلسفات الالتزام والفعل والتقدم والمسؤولية وتحقيق رسالة الأمم الثقافية والفنيّة."

أمام وضع الثقافة العربية المتأزم من خلال صلتها بالتراث القديم والوافد الحديث والمعاصر والواقع المعاش، وهو وضع صنع واقعاً أقحم نفسه في الفكر العربي والإسلامي المعاصر بواسطة جملة من التحديات التي تفرض نفسها. فأزمة الثقافة العربية بعمقها وبمخلّفاتها على الأرض والإنسان والعالم دعت المفكرين إلى البحث عن سبيل العلاج وطرق الخروج من هذه الأزمة فشهد الفكر العربي ثلاثة نماذج، نموذج تراثي ونموذج لا تراثي فالأول يجعل المجتمع يعيش على التراث فالتراث فيه هو ماضيه وحاضره ومستقبله، دينه وفنّه وفلسفته أما الثاني فيقطع صلته بالتراث ويعيش على ثقافة العصر ومنتجات الحضارة فيه، "والنموذج هو إعادة بناء التراث أو إحياء التراث أو تجديد التراث، النموذج الذي تحاول المجتمعات النامية صياغته وتبنّيه بالرغم مما هو حادث الآن من وقوع في الخطابة أو الانتقائية من الخارج. فإذا كان النمط التراثي يضحي بالتغيير الاجتماعي من أجل المحافظة على التراث وكان النمط اللاتراثي يضحي بالتراث من أجل إحداث التغيير الاجتماعي فإن تجديد التراث أو إحيائه أو إعادة بنائه طبقاً لحاجات العصر هو الذي يحفظ من التراث دوافعه على التقدم ويقضي على معوقاته وهو القادر على إحداث التغيّر الاجتماعي بطريقة أرسخ وأبقى وأحفظ له في التاريخ من الانتكاسات والردّة وحركات النكوص."

وعملية إعادة بناء التراث ليست مطلوبة لذاتها، شرعيتها مستمدة من قيمة التراث ودوره، "ويظهر التراث كقيمة في المجتمعات النامية، وهي المجتمعات التراثية التي ما زالت ترى في ماضيها العريق أحد مقومات وجودها وفي جذورها التاريخية شرط تنميتها وازدهارها."  فالتراث العلمي المتمثل في العلوم العقلية والنقلية والعلوم النقلية والعلوم العقلية يحمل بداخله دوافع تحريك العمل السياسي والاجتماعي. ففي تراثنا ما يدعوا إلى تحرير الأرض المغصوبة، وما يدافع عن الحرية ضد القهر والجور، وما يسمح بتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين الأفراد في مواجهة التعسف وسوء توزيع الثروة ولمواجهة الفروق الكبيرة بين الفقراء والضعفاء وما يحارب التجزئة والتفكك وتحقيق الوحدة للوطن وللأمّة انطلاقاً من التوحيد وفي التراث ما يصون الهوية ويحفظها من الاغتراب لهذا ينبغي إعادة بناء التراث ليصبح حاضر الأمّة أحد حلقات وحدة تاريخها.

إن إعادة النظر في التراث أو إعادة قراءته أو إعادة بنائه كل هذا رد فعل واستجابة للأزمة الثقافية ولأزمة التغير الاجتماعي، ولفشل محاولات التغيير وارتطامها جميعاً بقضية التراث كمخزون نفسي لدى الجماهير. ومثلما نجد اتجاهات ثلاثة في مشكلة التراث والتجديد على المستوى النظري وهي اتجاه القديم واتجاه الجديد واتجاه التوفيق بين القديم والجديد نجدها ثلاثة على المستوى العملي وهي المسئولة عن أزمة التغيير الثقافي والاجتماعي.

أما الاتجاه الأول فيسعى إلى التغيير بواسطة القديم لكنه يتعثر بفعل سيادة النظرية الإلهية على الفكر النظري وأصبح التغيير المطلوب مرتبطاً بالدعوة إلى الحكم الإلهي الديني الذي ناهضته أوربا للتخلص منه إلى الحكم الديمقراطي، "وبدا أن الغاية هي الدفاع عن الله وليس التغيير الاجتماعي، وبدت الدعوة دينية متطاولة على السياسة وغير قادرة على ممارسة قضايا التغيير الاجتماعي التي تحتاج إلى علم دون دين وإلى واقعية دون إيمانية مسبقة."  أدى الفكر اللاهوتي الذي حلّ محل الفكر النظري العقلي إلى توقفه في مرحلة ما في الوقت الذي تطور فيه الواقع، فتأخر الفكر الإصلاحي وعجز عن تحويل الإلهيات إلى فكر نظري ثم نقل الفكر النظري إلى مستوى إيديولوجية واضحة المعالم وتستمر "هذه المحاولات لتغيير الواقع في تعثرها طالما أنه لا توجد أيديولوجية لها واضحة المعالم يجد فيها الواقع تعبيراً عن ذاته، وتجد فيها الجماهير تحقيقاً لمصالحها."  ولما سيطرت النظرية الإلهية على الفكر والحياة التي تقوم على التصور الهرمي للعالم من الأدنى إلى الأعلى، صنع سيطرة التصور الرأسمالي للدين والحياة وهو تصور طبقي "يضع الناس والطبقات الاجتماعية ويرتبها بين الأعلى والأدنى لا بين الأمام والخلف، هو التصور الرأسي للعالم وليس التصور الأفقي. وهو ما تابعنا فيه التراث الغربي الذي ينشر هذا النوع من الفكر الديني لأنه فيه إرساء للنظام الرأسمالي وتأسيساً له على أسس نظرية ووجدانية للشعوب المستعمَرة وللبلاد المتخلفة."

يسيطر على هذا الاتجاه فكر عدائي للمحاولات التجديدية النظرية ويرميها بالإلحاد كما يرفض تغيير الأساس النظري الهرمي وتبديله بأساس آخر الأمر الذي أوضعه في التعصب بدل الوعي الفكري، "فالإيديولوجية مجموعة من الأفكار المستقاة من الواقع والتي تُنظّر الواقع، وتقبل التغيير والتعديل طبقاً لتطورات الواقع ومن ثم فهي ضد القطعية الجازمة وعلى نقيض الروح الدجماطيقية، وهنا تأتي أهمية التنوير العقلي حتى تظهر الدعوة في قالبها الفكري."  كما أن الجدل في الكل أو لا جدل قطعاً عند الممارسة، وتغيير الواقع بالقوة دون السعي نحو تجنيد الجماهير وبالوثوب على السلطة، والاعتماد على العمل السري المنظم والتسلح، وخلق تنظيمات جماهيرية مغلقة ومطالبة الجماهير بالولاء التام والطاعة المطلقة في غياب الحرية والديمقراطية، بالإضافة إلى سيادة التصور الجنسي والبداية بالمحرمات وبقوانين العقوبات، وتطبيق الحدود. "أما الأخطاء الناتجة عن التحليل السياسي للموقف فهي ليست أخطاء جوهرية قد يقع فيها أي تنظيم، وهي في معظمها أخطاء ناتجة عن المنظور الفكري للجماعة وعن تكوينها الفكري والديني، فهي ليست أخطاء من حيث المبدأ ولكنه فقط سوء تصرف من حيث الممارسة."  كل هذا أدى إلى فشل أنصار القديم في تغيير الواقع.

أما اتجاه التغيير بفعل الجديد والذي يفشل في تغيير الواقع لأسباب كثيرة. فاستعمال الصعب من اللغة واللفظ وهي لغة وألفاظ وافدة مستوردة، والتبعية لفكر الغرب والسقوط في عالمية الثقافة، ومعاداة تراث الجماهير وتعويضه بتراث منقول، وغياب التنظير المباشر للواقع أي انعدام نظرية محكمة في تفسير الواقع وعدم وجود برنامج ثوري تثويري ويشترك مع أنصار القديم في الاستيلاء على السلطة والعمل السري واستعمال العنف ضد السلطة والدعوات المعارضة، "تفتيت الوحدة الوطنية بتفضيل الصراع الطبقي على الوحدة، والوقوع في التفسير الحرفي للإيديولوجية المنقولة دون ما علم بتطوراتها وتأقلمها طبقاً لواقع العالم الثالث الذي تكون فيه الأمة أو الجماعة أو الأسرة هي الأساس الحضاري والنفسي للتغير الاجتماعي."  والفصل بين ما هو إيديولوجي وما هو أخلاقي الذي يؤدي إلى عزوف الجماهير عن الانتساب إلى هذا التوجه لأن الجماهير تؤمن بالقدوة الحسنة وتربط بين الحق والخير. فأنصار هذا الأسلوب وقعوا كغيرهم في أزمة هي أزمة التغير الاجتماعي.

أما الاتجاه الثالث فهو الذي يسعى إلى تغيير الواقع بواسطة القديم والجديد، بين الوافد والموروث، ويفتقر هذا الاتجاه هو الآخر إلى عوامل النجاح في قراءة الواقع وتغييره رغم محاولته تجاوز الاتجاهين من خلال اعتماده على الوافد والموروث والجمع بينهما لكنه يفتقر إلى الأساس النظري الواضح للتغيير مثل غيره كما يقوم بالتغيير الاجتماعي لصالح الطبقة المتوسطة ويعادي الاتجاه الأول والاتجاه الثاني معاً لأن كلّ واحد منهما يدعو إلى التغيير الجذري، كما ينتهي بالجماهير إلى السلبية واللامبالاة وتقوم بالترقيع والتلفيق و التغليف في عملية التغيير الاجتماعي، و"لما كانت السلطة الوطنية من أنصار التوفيق بين القديم والجديد كان التغيير يحدث من السلطة وباسمها وكأنها عملية مفروضة بالرغم من تلبيتها لحاجات الجماهير."

أمام أزمة التغيير الاجتماعي والثقافي، وأمام هذه الاتجاهات الثلاثة ذات المحاولات الثلاث الفاشلة في صنع تغيير اجتماعي وثقافي داخل البلاد النامية يأتي مشروع "التراث والتجديد" بديلاً عنها وفي ذلك يقول صاحب مشروع "التراث والتجديد": "وقضية التراث والتجديد جزء من العمل الإيديولوجي للبلاد النامية، إذ أنّه عمل على الواقع، ومحاولة للتعرف على مكوناته الفكرية والنفسية والعملية، هي قضية تصفية المعوقات الفكرية للتنمية، ووضع أسس فكرية جديدة لتطوير الواقع... تتناول البحث عن الشروط الأولية للتنمية... محاولة لتحقيق متطلبات العصر للبلاد النامية في الناحية النظرية والعملية والتغلّب على مآسيه وهزائمه."  وأهم متطلبات البلاد النامية التحرر من الاحتلال ومن كل أشكال الاستعمار وصوره، وتحقيق التنمية الشاملة ضد التخلف بمختلف صوره وتحقيق التقدم ضد الركود والجمود بمختلف أشكاله. "مهمة التراث والتجديد حل طلاسم الماضي مرّة واحدة وإلى الأبد وفك أسرار الموروث حتى لا تعود إلى الظهور أحياناً على السطح وكثيراً من القاع. مهمته هو القضاء على معوقات التحرر واستئصالها من جذورها... التمرد من السلطة بكل أنواعها سلطة الماضي وسلطة الموروث فلا سلطان إلاّ للعقل، ولا سلطة إلا لضرورة الواقع الذي نعيش فيه... هو تفجير طاقات الإنسان المختزنة المحاصرة بين القديم والجديد كحصار الإنسان في اللاّهوت المسيحي بين آدم والمسيح، بين الخطيئة والفداء."

 

الدكتور جيلالي بوبكر

 

mustafa alomariتعودت مجتمعاتنا على ثقافة الكبت والإتكال وإحالة كل ما يتعلق بالدين او الثقافة الغيبية الى رجال أطلقوا على انفسهم فيما بعد (اختصاص ديني) بحيث اضحى السؤال هو المحرم الفعلي في المساحة الدينية وليس من حقك البحث والتساؤل فيما يطلب منك التعبد به والتقرب فيه الى الله.

 الله الذي حوله بعض المنتفعين الى مؤسسات نفعية لسرقة أموال الناس مادياً والصعود على اكتاف المساكين اجتماعياً وخوض الحروب عسكرياً . ¬¬¬معظم المجتمعات الغربية والاسلامية تلهج باسم الله وان اختلفت التسمية لكن يبقى الله هو نفسه الذي نتحدث عنه في مجتمعنا العربي ونفسه الذي يتحدث عنه جاري الامريكي وهو ذاته في  البرازيل وافريقيا وفي اغلب دول العالم، أكيد هناك بعض الاضافات لشكله ومظهره لكن يبقى هو صاحب السلطة الفعلية على هذا الكون كما تقول كل الاديان . صاحب هذه السلطة الكبيرة والعريضة اختلف المؤيدون له، اختلافاً مميتاً في كثير من حالاته . دعونا ننطلق من حجم هذا الاختلاف الكبير ومن منظر مخيف يكاد يسحق العالم كله باسم الله، دعونا نحن البسطاء والذين نؤمن كما وجدنا عليه أهلنا، دعونا نسأل الله خالق البشرية جميعاً وليس خالق اليهود او المسيحيين او المسلمين او البوذيين فقط، دعونا نجتهد قليلاً لأن الله يحب المجتهدين الباحثين العاملين   ..

فنسأله أسئلة طالما تسآءل بها الكثير من البسطاء أمثالنا، لكي نكتشف الله الحقيقي وليس الله المتحزب المتطرف الله الذي يدعو للحب والتسامح وليس الى القتل والعداء والاستعداء فنسأله :

  1. هل أنت يا الله من خلق هذا الكون والسموات والارض والمسؤول عنهما ؟

 2 هل حقاً طلبت ان تعتنق الناس جميعاً ديناً واحداً والا سيخلدون في نار جهنم ؟ اذا كان كذلك .

 3-  لماذا لم تخلق الناس أمة واحدة وبدين واحد وبذلك يكونون مطالبين بالتطبيق وليس التغيير والتطبيق؟

4- اذا كانت اليهودية مثلاً هي الدين الحقيقي الذي ترتضيه انت، فلماذا يا ربي خلقتني مسلماً وفي بيئة تعاقب من يغير دينه بالقتل؟ وانت تعرف هذا .

5- يا ربي مجرد التفكير في التغيير من دين الى اخر يعني موتاً فعلياً او موتاً اجتماعياً . أيعقل انك خلقت الناس لكي يكون همها الدين ثم تتقاتل فتموت بدون شفقة؟

 6- هل انت ياربي من بعث الرسل والانبياء، أم أنهم إفتأتوا عليك وقالوا إنا رسل رب العالمين؟

 7- اذا أنت من بعث الرسل فما ذنب الذين يعيشون في أوروبا  وامريكا واليابان، ان يلتزموا بالاسلام الذي نزل بلغة العرب وعرب قريش تحديداً؟

  8- أيعقل انك أوجبت على الغربيين والعالم أجمعين ان يكونوا مسلمين وأنت تخاطبهم بلغة الصحراء وبمفردة الخيل والإبل والحمير والبغال والخيام، وهم ابناء الماء والخضراء والوجه الحسن وليس لهم خبرة ومعرفة بالذي تذكره او الذي تدعوهم اليه؟

9- هل صحيح ياربي ان الديانات مكملة بعضها للبعض الاخر أم هذه فرية ! اذا كانت كذلك فلماذا هذا الاختلاف بين رسالة ورسالة اختلافاً ليس جزئياً بل هو جوهرياً يصل مداه حدّ القتل والاستعباد والاستبعاد .

 10- إلهي ما ذنب والدي الذي خلقته مسلماً لا يجيد القراءة والكتابة وفي بيئة بالكاد تجد العيش لكي تعيش، ثم تطلب منه ان يتفقه بالدين وان يتحول الى دين اخر غير الدين الذي وجد عليه أهله وإلا سيكون مصيره العذاب والحرق والصديد والحديد .

 11- هل عدل منك يا الله تخلق المسيحي المنعم على شواطئ وبحار أوروبا  وامريكا وتقول له انك على الدين الحق وتبشره بالهدايا بالاخرة وتغدق عليه بركاتك في الدنيا؟

 12- هل أنت  من صرخ برأس الفقهاء ورجال الدين ليكون كلامك بهذا المستوى : أما اعدائي أولئك  الذين لم يريدوا ان أملك عليهم فأتوا بهم الى هنا واذبحوهم قُدامّي . وهل انت من أشار على الفقهاء بأن دم المسلم يختلف عن دم غير المسلم بحيث لا يقتل غير المسلم بالمسلم في القصاص وان دية المشرك لا تساوي حتى نصف دية المسلم؟

 هذه بعض الاسئلة على هامش الذهن لم تكن بالعمق الذي يريده بعض المختصين والباحثين، لكنها كانت بحجم تفكيرنا تفكير البسطاء والذين يبتغون نشر لغة المحبة والسلام بين الناس . الزعم ان الاديان كونية ويجب ان تعم الكرة الارضية، زعمٌ ما عاد يغري ولا يجذب الناس كما كان يشاع له من قبل، الدعوة الكونية هي الزعم على ان الدين عالمي ويجب ان يسود العالم اجمع، ترتطم هذه الدعوة بالخطاب الديني عموماً الذي يكاد ينغلق ويختنق تماماً على الافراد غير المنتمين إليه بل يسد عليهم أفاق ومنافذ الارض والسماء . أعتقد ان لا دين من دون نزعة انسانية بل لا يستحق اي دين او فكرة دينية ساعة عناء من البحث اذا لم يكن الانسان هاجسه الاول .وبما ان الزعم الديني جاء من أجل رقي الانسان ولخدمته تحركت بعض العقول الحية لكي تشذب الحالة الدينية وتتخلص من كثير من اثقالها الضارة، فاستحدثوا قانوناً وضعياً غير قابل للجمود فهو يتغير من حين لأخر بمقتضى الحال الذي تطلبه مسيرة التقدم العلمي وتأخذ بالحسبان المنفعة التي ستتحقق للانسانية، هذا ما حصل في اوربا وفي العالم الغربي عموماً، اما في عالمنا الاسلامي حصروا الله في مكانات خاصة وفي بعض الاحيان في بيوتات تدّعي العلم ولذلك زعمت انها المكان الحصري الذي تعرف الله وتروج له، ولا يمكن العبادة او التقرب والعبور له الا عن طريقهم .

 في عالمنا الاسلامي ضاع الله بين عنجهية فقيه لا يرى الا نفسه وحاشيته ومن يتبعه وبين عامية الاشخاص الذين يخافون من اي سؤال، سؤال لا يُجاب عليه لكنه سيشكل غضب زبانية المؤسسة الدينية وحنق الفقيه .

كم من الاسئلة القلقة والجادة التي تناقش بها الناس بدون معرفة  وبعدما قرروا ارسال هذه الاسئلة الى العارف الفقيه، أهملت أسئلتهم وألقيت في سلة المهملات ومع ذلك لم يشكل صمت الفقيه او إهمال اسئلة الناس ورميها والاستخفاف بها أي هاجس من المراجعة لمسيرة تلك المؤسسات التي تدعي الدعوة والقرب من الله، بالوقت نفسه هي تسرق وتغش وتدفع بالمساكين الى الموت متسترة باسم الله ! .

اذن نحن بحاجة ماسة لمراجعة فعلية فردية غير تواكلية، لكي نبحث عن الخلل الذي طوق بلادنا الاسلامية خاصة، نبحث عن الله أهو كلي أم جزئي ؟ هل فعلاً ان الله يحتاج الى وسيط  والى رجال ومؤسسات متخومة ؟... يلحق . 

 

مصطفى العمري

 

fatehi alhabowbi"إن التحوّل الحضاري لا يتمّ على يد بطل، أو حاكم، ولكنّه يتمّ على يد الحكمة الجماعيّة، وهي من المصلحين وقادة الفكر"

هربرت سبنسر  مهندس وعالم إجتماع إنجليزي

رغم عظمة دور قادة الفكرّ الحرّ الذي تترجمه إسهاماتهم الإيجابيّة الفاعلة في التحوّلات الحضاريّة التي غيّرت وجه العالم نحو الأفضل، فإنّ محنة الكثير منهم، وعلى امتداد التاريخ، تحاكي ولا تختلف في قساوتها عن إحدى أهمّ القصص في الميثولوجيا الإغريقيّة التي تحدّثت عن "بروميثوس"/البعيد النظر (Prométhée)، وهو أحد الحكماء القادرين على التنبّؤ بالمستقبل والمحبّين للبشر،على خلاف الملك "زيوس"( Zeus)  المجنون بالسلطه والعظمه والمحتقر للمعرفة والفكر. ومن فرط حبّه للبشر سرق"بروميثوس" من الآلهة قبسا من النّار- التي هي رمز للفكر الوقّاد- وإهداه للبشر ليتزوّدوا منه بالمعرفة والفكر، بما قد يجعلهم  لايدينون للملك زيوس بالولاء اللّامشروط . لأجل ذلك حكم عليه "زيوس" بأن يتمّ ربطه إلى إحدى صخور القوقاز فتآكل النسور كبده في محنة يوميّة متجدّدة، وذلك بعد أن تتشكّل له كبد أخرى في الليلة الموالية.

في سياق متّصل بهذه الأسطورة الإغريقيّة متعدّدة المضامين والدلالات، كثيرا ما تساءلت عن سرّ العلاقة العدائيّة والمتشنّجة التي كثيرا ما طبعت التواصل ما بين المفكّرين والعلماء والأدباء المسلمين، العرب منهم وغير العرب، وبين الحكّام والشيوخ الفقهاء والأصوليين على مدى تاريخ الحضارة الإسلامية. وهي العلاقة التي تكاد تكون رهابا. كما أنّها تتماهى في حدّة عدائيتها بعلاقة الحداثيين بالإسلاميين التي نعايشها اليوم ونلمس تجلّياتها في التجاذبات السياسية والخطابات المتشنّجة والناريّة لهذا الطرف أو ذاك في كافة أرجاء الوطن العربي دون استثناء. لا سيّما بعد وصول الإسلاميين إثر إندلاع الثورات العربيّة، إن عن طريق الإقتراع أو عن طريق السلاح، إلى سدّة الحكم، في كلّ من تونس، المغرب، الأردن، ليبيا ومصر.

وما يمكن استقراؤه تاريخيّا، كإجابة جزئيّة على هذا التساؤل الحارق وربّما المأزقي، القديم المتجدّد في حضارتنا العربيّة الإسلاميّة، خلافا للحضارة المسيحيّة التي حسمت هذه العلاقة-منذ قرون- لفائدة العلماء، هو أن اختلاط الديني بالدنيوي إبّان الخلافات، الراشدة وغير الراشدة، جعل رجل الدّين، بما له، في الماضي البعيد، من سلطة سياسيّة أو نفوذ في دوائرها العليا، يحاول محاصرة المفكّر والعالم، في غير العلوم الدينيّة، والتضييق عليهما فيما يشبه الإحتكار لسلطة إقرار المعرفة ومصادرتها إن هي خرجت عن دائرة اليقينيات التي يسلّم بها الفقيه ولا يقبل حتّى مجرّد التشكيك فيها. وهي التي لا تزعزعها المجادلات الفكريّة الخالصة المتعدّدة الأبعاد والمتمرّدة أبدا على الشكل المسطّح ذو البعد اليقيني الواحد الذي يرومه الفقيه ولا يقبل ضمنه غير اليقين وامتلاك الحقيقة القطعيّة والنهائيّة. وهو البعد الذي يغيب وينعدم فيه الحضور المتعدّد للمسالة الواحدة صوابا وخطأ.

غير أنّ المفكّرين العرب والمسلمين عموما، وفي سياق وعيهم بالحريّة وتوقهم إلى تنسّم عبقها وممارسة الفكر الحرّ بوصفه تبدّيا لها، كانوا بقدر ما تمتدّ حريتهم على مساحة واسعة بقدر ما يكتسب فكرهم دفقا ووهجا علميّا، بل ورؤية موضوعية فلسفيّة للموضوع الذي يشتغلون عليه. ممّا قد يجعل أفكارهم متقدّمة على أزمنتها، أو يكون منجزهم، إبداعا مغايرا وجديدا أو لعلّه فتحا علميّا مدويّا، يكاد أحيانا أن يغيّر وجه العالم ويعصف بالمسلّمات لتنقلب رأسا على عقب. وهو ما كاد يبلغه ابن الشّاطر في علم الفلك، في خصوص دوران الأرض حول الشمس، قبل كوبرنيك بأكثر من قرن.

ولا تعني الجدّة هنا أن يكون الإنتاج الفكري- علما أو أدبا- لم يتطرّق إليه أحد فحسب، بل يعني كذلك -وهو الأهمّ – أنّ الموضوع أو الفكرة قد صيغت بشكل مغاير عن السائد. وفي هذا المضمار يقول أكبر الشعراء الألمان "غوته"Goethe: »ليس الشعراء الكبار شعراء كبارا لأنّهم، أتوا بأشياء جديدة، وإنّما هم شعراء كبار، لأنّهم أبرزوا الأشياء كما لو أنّها تظهر لأوّل مرة«. وهو ما يختلف مع المفهوم السائد للتجديد، من حيث هو تطوّر وليس إعادة قديم كان، وإنّما هو عمليّة خلق جديد لم يكن من قبل.

هذا النزوع الطبيعي إلى الحريّة عند الممارسة الفكريّة، لدى المفكّرين العرب والمسلمين المستنيرين، أدّى بهم في كثير من الأحيان إلى اجترائهم على اقتحام، المناطق المحرّمة، بما هي تجاوز لخطّ التماس لدى الفقهاء الذين يتسيّدون الجمود -وهي ليست بالضرورة كذلك من الناحيّة الشرعيّة ولكنّها الأصوليّة والظلاميّة المتشدّدة ذات التوجّهات التقليديّة المتكلّسة في تخلّفها ونظرتها للحياة.–. وهنا يحدث التصادم العنيف بين من يحمل فكرا مستنيرا يسنده فعل النقد ومن ينقله عن غيره بالحفظ الببّغائي والإجترار، دون فهم ولا تدقيق وتمحيص، ودون تحرّ علمي صارم، فيحدث التناحر والقطيعة والعداء ثم العقاب الشديد، الذي يكون دوما على حساب المفكّر أو العالم أو الشاعر والأديب. غير أنّه وإحقاقا للحقّ، وحتّى لا نغمط الفقهاء والشيوخ حقوقهم فأنّ هذا المفكّر الحرّ الذي نعنيه، كثيرا ما يكون هو ذاته فقيها أو قاضيا شرعيّا أو إماما عقلانيّا معتدلا غير متشدّد.

إنّ تاريخنا - للأسف- حافل بالأمثلة العديدة من الفصول السوداء ضدّ العلماء والمفكّرين. وسنكتفي في هذه العجالة بالتعرّض لبعضها فقط لضيق المجال أوّلا، وتجنّبا للجهاد من غير خصم، بتعبير الفقهاء،ثانيا، ودون إعتماد الترتيب التاريخي لحدوثها، ثالثا.

وأستهلّ ذلك بمحنة ابن رشد لأنّي أعتبره -عن جدارة- أفضل فيلسوف أنتجته الحضارة العربيّة الإسلاميّة على مدى تاريخها المديد. فهذا المفكّر الفذّ، الذي حفظ موطأ مالك ودرس الفقه والعقيدة كما يدرسها فقهاء عصره، ودرس الفلسفة بعمق ممّا جعله يشرح كل التراث الأرسطي العظيم بما جعل فكره مهيمنا على برامج الجامعات في أوروبا القرون الوسطى وحتّى نهاية القرن السادس عشر. حتّى أنّ الفيلسوف الإيطالي "بيترو بمبوناتسي"(Pietro Pomponazzi) أسّس مدرسة عرفت باسم "المدرسة الأرسطيّة الرشديّة، إضافة إلى ورود اسمه(في الجحيم) في الكوميديا الإلهيّة ل"دانتي" (Divine comédie de Dante) مع زمرة من الفلاسفة العظماء الذين إمّا أنّ المسيحيّة لم تدركهم أو أنّهم لم يعتنقوها.

ورغم أنّ ابن رشد الذي يقول إنّ الحقّ لا يضاد الحقّ بل يوافقه ويشهد له، ويرى أنّ الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها، ولا يرى تعارضا بين الدين والفلسفة، فإنّه اتّهم من قبل شيوخ الفقه بالأندلس في عهد ملوك الطوائف، بالكفر والإلحاد، وحرقت كتبه وجميع مؤلّفاته الفلسفيّة كما منع من الاشتغال بالفلسفة والعلوم ما عدى الطبّ. ثمّ أبعد وهو شيخ في السبعين من عمره إلى قرية "الليسانة " بالمغرب التي كان أغلب سكانها من اليهود فعاش فيها معزولاً وتوفّي بها غريبا. وهذا دليل صارخ على غربة المفكّر بين أهله وذويه في الدول المتخلّفة التي تعادي العلم والفكر الحرّ، في الوقت الذي يسعى فيه الغرب إلى تثمينه وتنميته. يقول "  برتراند راسل"  (Bertrand Russell)في هذا السياق: »لو كان الأمر بيدي لعرضت على عقول الأطفال أكثر الآراء تباينا حتّى أنمّي عندهم ملكة النقد«   . وبديهي أنّ أهميّة العقل النقدي اليوم وحاجتنا إليه لا تحتاج إلى دليل، بعد أن منحنا عقولنا إجازة مفتوحة منذ عصر المماليك الشراكسة، فما زادتنا إلّا خمولاً وسباتاً وانتكاساً وانكفاءً. بما جعلنا نسير، منذ قرون، بعكس اتّجاه الحضارة، وندفع بمجتمعنا إلى هاوية من الظلام والتخلّف لا قرار لها.

 ولعلّ ما حدث لإبن رشد يذكّرنا بقرار اللعنة الذي صدر ضد المفكر الهولندي اسبينوزا، وقد جاء فيه**

(بقرار الملائكة وحكم القديسين نحرم ونلعن وننبذ ونصبّ دعاءنا على باروخ اسبينوزا.. وليكن مغضوباً وملعونا، نهارا وليلا وفي نومه وصبحه، ملعونا في ذهابه وإيابه، وخروجه ودخوله، ونرجو الله أن لا يشمله بعفوه أبدا، وأن ينزل عليه غضب الله وسخطه دائما.. وأن لايتحدّث معه أحدا بكلمة، أو يتّصل به كتابة، وأن لايقدّم له أحد مساعدة أو معروفا، وأن لايعيش معه أحد تحت سقف واحد، وأن لايقترب منه أحد على مسافة أربعة أذرع، وأن لايقرأ أحد شيئا جرى به قلمه أو أملاه لسانه).

أمّا المثال الثاني فيتعلّق بالكاتب الفارسي "روزبه بن دادوبيه" الذي عرف بعد إسلامه بعبد الله إبن المقفّع وتكنّى بأبي محمّد. وتميّز بجمعه بين الثقافة العربيّة والفارسيّة واليونانيّة والهنديّة وأظهر عيوب النُّظُم الإداريّة في عصره وفضّل النظم الإداريّة الفارسيّة عليها. وقد خلّف لنا، علاوة على أقواله الدّالة على  تديّنه الشديد، آثارا كثيرة منها كتاب "كليلة ودمنة" منقولا عن الهنديّة، الذي يشهد له على سعة عقله وعبقريّته بما حواه من الحكم على لسان الحيوان، ما جعله صاحب المدرسة الرائدة في النثر.

إلّا أنّه، ورغم اختلاف الروايات، فإنّه  سواء بسبب كتابته لوثيقة سمّاها رسالة الصحابة وأبدى فيها رأيه في إصلاح الحكم أو  لكتابته ميثاق الأمان بين الخليفة "أبو جعفر المنصور" وعمّه المتخاصم معه الذي انحاز إليه إبن المقفّع،  فقد أغاظ المنصور فامر بقتله. وممّا جاء في هذا االميثاق: » إذا أخلّ المنصور بشرط من شروط الأمان كانت نساؤه طوالق، وكان النّاس في حلّ من بيعته«،. يقول إبن خلّكان متحدّثا عن ذلك، إنّه لمّا ألقى عليه القبضَ سفيان بن معاوية والي البصرة، قال له:  » أنشدك الله أيّها الأمير في نفسي. فقال أمّي مغتلمة* (أي عاهرة) إن لم أقتلك قتلة لم يقتل بها أحد، وأمر بتنّور فسجر، ثم أمر بابن المقفّع فقطعت أطرافه عضواً عضواً، وهو يلقيها في التنّور وينظر حتّى أتى على جميع جسده، ثمّ أطبق عليه التنّور وقال: ليس عليّ في المثلة بك حرج لأنّك زنديق وقد أفسدت النّاس«. وفي رواية أخرى قيل إنّه أكره على أكل جسده مشويًا حتى مات وهو في مقتبل العمر، ولم يتجاوز السادسة والثلاثين.

و أمّا المثال الثالث فيتعلّق بالطبيب الفيلسوف الرازي الذي يعتبر الطبيب الأوّل في التّاريخ الذي أوجد "التدوين السريري" في تاريخ الطب في العالم. وقد اعترف الغربيّون بفضله على الطب وأشادوا به في غير كتاب على أنّه فصل رائع من فصول الطبّ العربي الإسلامي والعالمي. إلّا أنّه أتّهم بالكفر من قبل الغزالي في كتاب "تهافت الفلاسفة"، وضربه منصور بن نوح أحد ملوك السامانيّة على رأسه بكتاب في الكيمياء وضعه الرازي بطلب منه، إلى أن تقطّع، وهو ما سبّب له نزول الماء في عينيه. وسبب ذلك أنّ الرازي، لم يكن باستطاعته وضع النظريات الواردة في الكتاب موضع التجربة كما أراد ذلك منصور بن نوح الذي أعتبر الكتاب، عندئذ، مجرّد كذب يستوجب العقاب الشديد.

نكتفي بهذه الأمثلة التي توسّعنا فيها، وهي ليست إلا غيض من فيض، ونمرّ  سريعا على بعض الأمثلة الأخرى  دون أن نتوقّف عندها طويلا،  حيث أنّنا إن ننسى فلا ننسى محنة كل من سفيان الثوري الذي عاش مطاردا زهاء السنة، وحسن البصري الذي كاد يعدمه الحاج بن يوسف، والإمام مالك الذي جرّد من ثيابه وضرب بالسياط حتّى انخلعت كتفه، والإمام أحمد بن حنبل الذي قيّد بالأغلال وكان يُضرَب ضرباً مبرحاً حتّى يغشى عليه ثمّ يتجدّد ضربه في اليوم الموالي. وجمال الدين الأفغاني الذي أتّهم بالكفر وهاجمه الوعّاظ وأئمّة المساجد حتّى اضطرّ إلى مغادرة الأستانة . وعبد الرحمان الكواكبي الذي قال » إنّ الاستبداد محنة للعقل والأخلاق« فعانى مضايقات عديدة من السلطة العثمانية وعلي عبد الرازق، صاحب الكتاب الشهير "نظام الحكم في الإسلام" الذي أنتزعت منه شهادته العلميّة واوقفوا عنه راتبه، وناصر حامد أبو زيد الذي اعتبر مرتدّا عن الإسلام وطلّقوا زوجته منه فاضطرّ إلى اللجوء معها إلى هولندا... ومازالت القائمة طويلة  بل وطويلة جدّا من المفكّرين الاجلّاء الذين لا حقهم سيف "ديموكلاس"، فيما كان من المفترض إيلاؤهم التبجيل والتقدير الذي يستحقّون وليس التحقير والمطاردة والإهانة والتعذيب من قبل الجهلة الذين يناصبونهم العداء. ولكنّ الذي لا جدال حوله ولا يختلف فيه إثنان، هو أنّ هذه المحن لا تعيب هؤلاء بل تزيدهم إجلالا في عيون النّاس فيما تسبّب  التحقير والسخريّة ممّن بطش بهم. ولعلّ ذلك ما عبّر عنه الإمام الشافعي، وهو أحد المتضرّرين من سطوة  السلطة والسلطان، بقوله :

لا تأسفنّ على غدر الزمان لطالما... رقصت على جثث الأسود كلاب

لا تحسبنّ برقصها تعلو على أسيادها... تبقى الأسود أسودا والكلاب كلاب

تموت الأسود في الغابات جوعا ... ولحم الضان تأكله الكلاب

وذو جهل قد ينام على حرير ... وذو علم مفارشه التراب

 

..............................

* يقال أنّ ابن المقفّع شتم سفيان ابن معاوية قبل أن يغضب عليه الخليفة أبو المنصور وقال له يا "ابن المغتلمة" أي يا ابن الفاجرة. وهو ما جعله حانقا عليه ينتظر فرصة الانتقام منه

** من كتاب (قصة الفلسفة) ويل ديورانت

 

mustafa alomariكلمة الدين هي المفردة الاستثنائية التي تحيلك بلا شعور الى الايمان، ايمان يستدعي الغيب والتخفي مع بعض الممارسات الطقوسية التي تحاول جلب استقرار خفي للنفس، في ذات الوقت تحيلك كلمة الدين الى الإطمئنان والسكينة والانفراد باستنشاق نسيم يصعب على من يجاروك استنشاقه . عاشت معظم المجتمعات العالمية على ذلك النسيم غير المرئي، النسيم الديني، رغم اختلاف الاديان وتباعد نصوصها وتشعب محاور التدين فيها لكنها بقيت (الاديان) متمسكة بطابع عام، انها تريد الخير والامان والاستقرار للعالم أجمع . والحقيقة ان الديانات الالهية رسالة كبيرة مفادها خدمة الانسان والحفاظ على ديمومته واستقراره، مع محاولة كبيرة للرفع من مستواه العلمي والفكري، لذلك تجد الإلحاح الالهي للمطالبة في مسألة التفكر في الخالق والطبيعة والانسان والموجودات عامة .

الإلحاح الالهي للحث على استخدام العقل والعلم، يستقبله إعتراض بشري من أُناس يدّعون القرب من الله خالق الخلق، غاية هؤلاء المدّعون القرب من الله، هو التشويش والعطب في ذهنية الناس ان الله جزئي ومتحزب، إيهامهم ان الدين الحق هو الذي عليه انت وليس الذي يعتنقه غيرك .

... قلتُ ان غاية الاديان الالهية، هي لمصلحة الانسان وخدمته والحفاظ عليه، أما ما دون ذلك فهو تشريع بشري اودى في بعض تفاصيله الى انهيار اخلاقي فتاك لبس ثوب الدين .

يصّر معظم رجال الدين (يهود، مسيحيين، مسلمين) على ان الدين المنجي والمخلص للبشرية هو الدين الذي يعتنقه المنتمي لدينهم فقط، اليهودي زعم ان دينه المنجي والمخلص فقط وتلك الدعوة شاطره بها المسيحيين والمسلمين، لا مجال ولا خيار أمام خلق الله الاخرين لدخول الجنة او الشمول برحمة ربانية إلا باعتناق دين واحد فقط هو دينهم الذي وجدوا عليه ابائهم . في قياسات رجل الدين المسيحي ان الله خلق مخلص واحد وجنة واحدة ووضع هذا الخلاص في دين واحد ايضاً الذي ينأى عن ذلك الدين ويبتعد فنهايته محتومة الى جهنم وبئس المصير ولن يستنشق عبير الجنة او يتلذذ بمميزاتها الاستثنائية من يرفض دعوة الخلاص تكون هذه نهايته الحتمية ! .

قبل أيام دار حديث بيني وبين أحد رجال الدين المسيحيين (مبشر معروف) قلت له هل سادخل الجنة وأنا مسلم ؟ ... تململ قليلاً وبجواب فيه قدر من الإستحياء لأنه سوف يطردني من الجنة، ذنبي ان الله خلقني مسلم ! وميزته ان نفس الخالق خلقه مسيحي ! قال في جوابه النهائي للأسف لن تدخل الجنة ! هو يعتقد بكونية وشمولية الدين المسيحي، اي يجب ان تعتنق الانسانية جميعاً نفس الدين .

الحال عند رجال الدين المسلمين ليس اسهل مراناً بل هو أعقد بأساً واشد وطأة، كل البشرية ستخلّد في نار جهنم الا المسلمون فهم يتمتعون بحوريات وانهار من خمر جزاءً من الله لأختيارهم الاسلام كدين الله الخاتم !

منهم من يستند الى بعض الاحاديث التي تقول سيكون على باب الجنة فلان الصحابي وبيده سوط لا يستطيع ان يدخل الجنة اي شخص الا بعد ان يأذن لك صاحبنا (الصحابي) أي لا يستطيع المرور الا من انتمى الى نفس المذهب والمذهب فقط، يجب ان تنتبهوا الى كلمة فقط ..

يسأل احد الاشخاص عبر احدى الفضائيات، يسأل رجل دين: شيخنا ماذا سيصنع الله بالاشخاص الذين افادوا البشرية وخدموها، مثل (توماس اديسون) مخترع الكهرباء و(ألكسندر جراهام بيل) مخترع التلفون وعموم الذين صنعوا الطب الحديث والمواصلات والتكنلوجيا؟ أجاب الشيخ وهو يبتسم لعظمة الجواب السمح قال نعم هؤلاء خدموا البشرية جميعاً ولذلك حسب النصوص التي عندنا هم يختلفون عن بقية الناس غير المسلمين، ما هذا الاختلاف يا شيخ؟ قال سيضعهم الله في ضح ضاح من نار! (نار اقل حرارة من نار جهنم) بعض رجال الدين المسلمين يعتقدون بكونية الاسلام ويجب ان يسود الدين الاسلامي جميع ربوع الكرة الارضية ولأجل تلك السيادة الكونية العالمية يجب ان نضحي بالنفوس والاموال ونقاتل الى اخر قطرة لكي ننتصر لدين الله . (داعش إنموذجاً)

في اليهودية هناك شيئاً مختلفاً حيث هناك دعاية لكن بدون دعوة، الدعاية مفادها انهم شعب الله المختار وان الله ميزهم عن باقي الامم والشعوب وارتقى بهم وبلونهم ودمهم . لهذا السبب ليس عندهم دعوة لإنقاذ البشرية دعوة للناس لكي تنتمي لليهودية .

من خلال هذا العرض نستطيع ان نتساءل مع الخالق ومع المخلوق الواعي، الذي وهبه الله أفقاً ممدوداً حتى يتسنى له رؤية المختلف والمؤتلف فيقارن ويبحث ويجدد وبإمكانية العقل الذي وهبه الله ثم قال تفكروا وتدبروا، تساؤل غير مشروط ولا مقيد منفتح وجريء، لانه مع الخالق وليس مع المخلوق، الخالق ليس كما حاول أرباب الدين وصفه وتبيان طبائعه الموغلة بالشدة والقسوة والتعذيب او كما يصوره الاخرين من انه مشبع بانانية مستفحلة تطلب منك الانصياع والانصياع فقط وتلزمك بتغيير بوصلة معرفتك الاولية البيئية التلقينية الى حيث تفكيره وموروثه الديني البيئي، وكأن الله غير قادر ولا يستطيع ان يخلق الناس امة واحدة ليأتي البشر ليجعلوا من إمكانياتهم فوق امكانيات الله ليجعلوا الناس امة واحدة !.

يقترح ابن رشد المولود عام 1126م لكيفية التعامل مع الخطاب الديني فيقول : ان الخطاب الديني هو دوماً على وفاق مع ما يقرره العقل أما بدلالته الظاهرة وأما بالتاويل .

كما ينظرعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيا إلى الدين على أنه مجموعة من الأفكار المجردة، والقيم أو التجارب القادمة من رحم الثقافة.

يجوز لنا ان نسأل الان ومن رحم ثقافتنا البيئية وبعقل منفتح على الجميع وبأسئلة ربما داهمت بعض العقول الواعية لكنها اصتدمت بصخرة الخوف من التكفير والتشهير او تجنب الخوض بمثل هذه القضايا لئلا ان تزل بنا القدم فنسقط في نار جهنم !

السؤال الذي يمر بالذهن ويتموضع ويستقر بداخله دون الكشف عنه او البحث فيه، سيجعل منك مشتت مشدوه وستجري بك عربة الحياة وانت غافل سرحان، الحذر ان تنقلب بك الموازين فيتدفق منك الوعي متأخراً ويرجع بك الكبت مقلوباً فتهجر كل الارض وتغادر كل البيئة لكن بعد فوات الاوان . السؤال هو المادة المباحة بالمطلق في هذا الكون، السؤال هو العربة التي استطيع ان استقلها لكي توصلني الى الجانب الاكثر أمناً واستقراراً . البوح هو كسر الخوف والاتجاه نحو التقدم، الكبت إذلال نفسي يسحق الشخص من الداخل فيحيله الى رماد.

 

مصطفى العمري

 

nabil ahmadalamirحينما تغيب مظاهر التجديد والتغيير والإبداع في المجتمعات، وتسود فيها مظاهر الرتابة والتعصب والجمود، والتغني بأمجاد الأجداد والأسلاف، ورفض الخروج عن مألوف الفكر والثقافة والسلوك ...

وحين لايمكن الإعتراض على أوامر وتوجيهات ماتسمّى بالقيادات ووجوب الإنصياع لها دون إعتراض ...

وحين يجب اللجوء والركون والإذعان للفكرة والرأي السائد في المحيط الذي ينتمون ويعيشون فيه، ويشعرون في ذلك الانتماء والتبني والخضوع براحة بال وطمأنينة نفس . .

وحين يكون الحال مجرد مهرب من مواجهة الواقع والحياة، أو هو تلحّف بالدفء الذي قد يوفره إلغاء حال التفكير الفردي والإحالة والإلقاء بأعباء مسؤولية مهمة التفكير على آخرين ليقوموا بالتفكير والتوجيه نيابة عنه، ويرسموا تفاصيل حياتهم، ويحددوا الواقع والخيارات ..

يكون المجتمع وأفراده قد تبنّوا مبدأ الصنمية الفكرية .. وأصبحوا أسرى لفكر متوقف لايقبل التجدد والتطور .. وهنا المشكلة التي يستوجب الوقوف عندها لحل أو لحلحلة هذا الجمود .

 

وهذا المسار والممارسة الجماعية اللاواعية نجده نتيجة الجهل وغياب الوعي المجتمعي، وهو من أبرز مظاهر التخلف والتراجع والتسلط في مجتمعاتنا، وكذلك الكثير من أزماتنا في الماضي والحاضر كان وراءها ذلك الجمود والتقليد .

إن من أهم أعراض هذا المرض اعتبار أنه ليس من حق الأفراد العاديين أن يفكروا، أو يستخدموا عقولهم، إذ كل ما عليهم هو مجرد السماع والتلقي، ومن ثم اعتبار أن رأي من يتم التلقي عنه أياً كان هو"الرأي الحاسم"الذي يجب العمل به في هذه المسألة أو تلك، والاعتراض هنا مرفوض، لأنه لا يجوز لأحد في أعراف الأمراض الصنمية الرد عليها أو انتقادها أو مناقشتها برأي يخالفها .

وأن أخطاءهم أو زلاتهم يتعين تبريرها والتهوين من شأنها، فهم يضيقون ذرعاً بكل من يمرق عن المألوف أو السائد، فهم لايريدون أن يفكروا ولا يسمحوا حتى لغيرهم بالتفكير، ولك أن تعجب كل العجب من أولئك الأتباع والمنافحين عن مدى تحفزهم للانقضاض على المخالفين، والحماسة التي يبديها الكثيرون منهم في إسكات وقمع كل مخالف، ظناً منهم أنهم إنما يدافعون عن الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فبضاعتهم غالباً ليست من خلال طرح رأي أو فكرة يتم تناولها وإثبات صحتها والرد على المخالف بالحجة والبرهان وإنما يكون ذلك بالسباب والشتيمة والاتهام والتخوين والتضليل في صورة تعبر عن حجم ومدى الخضوع والإقصاء.

إننا بحاجة ماسة إلى ترويض وتعويد أنفسنا على طرح التساؤل تجاه المألوفات، وما اعتدنا عليه في حياتنا والبحث عن البدائل الأخرى الممكنة لتحقيق نتائج أفضل، فالتعود على إثارة التساؤل هي خطوة مهمة في عملية الخروج من حال الجمود والتقليد الأعمى والدفع نحو الإبداع والتجديد، وفتح آفاق أوسع وزوايا جديدة للنظر، حتى لا يقتل لدينا الاعتياد من حولنا نعمة التفكير والتأمل .

نحن نشأنا في مجتمعاتنا فوجدنا أوضاعاً قائمةً فتعايشنا معها، دينية كانت أو اجتماعية أو سياسية أو تعليمية وغير ذلك من دون أن نفكر ونتساءل هل نحن ملزمون بإبقاء تلك الأوضاع من حولنا على ما هي عليه؟ وهل هذه الأوضاع قادرة على التأقلم مع المتغيرات اامتجددة من حولنا، أم هي متأخرة ومتخلفة عنها بكثير؟ وهل من حق كل فرد أن يبدي رأيه فيها؟ لذلك مطلوب منا جميعاً أن نترك مساحة كبيرة بحجم استيعاب العقل للتفكر والتأمل بعيداً من منطق التمجيد والتصنيم لكل الآراء ووجهات النظر، وضرورة تعريض تلك الآراء والتصورات تحت أضواء العقل وفي ميزان النقد، وأن لا نجمّد عقولنا أو نسمح للآخرين دائماً أن يفكروا ويقرروا عنا، فهم بذلك يسلبون حريتنا ونبقى بعقول خارج نطاق الخدمة .

والله من وراء القصد .

 

د. نبيل أحمد الأمير

 

لا أريد هنا كتابة أو تحرير مسألة فقهية حول نبش القبور من وجهة نظر فقهية ولكن ما أريد الحديث عنه هو عملية نبش القبور الفكرية التاريخية .

من المعلوم أن لكل مرحلة تعيشها الأمة تفاصيل وأحداث كثيرة ومواقف متداخلة بحيث لا نستطيع بسهولة حصرها ووضعها ضمن إطار واحد، وبالتالي فإن التعامل مع المسائل التاريخية يحتاج إلى منهج محدد من قبل مفكرينا وعلمائنا .

ما نراه اليوم على الساحة أن كل من يتناول المسائل التاريخية الخاصة بالخلاف المذهبي لا يتناول هذه المسائل بالشكل الذي يريد به منفعة الأمة بل ليصب زيتا على نار متقدة مع الأسف، وبالتالي فهو كمن ينبش قبرا، ولما كان ينتج بهذا العمل إهانة للتاريخ الإسلامي وتدمير للواقع الحاضر حيث إنه لا يزيد واقع الأمة إلا تمزقا وتشرذما وتفرقا، ونحن نعلم أنه كلما ازداد واقع المسلمين تدهورا فإن ذلك يعني في نظر الآخرين تحول نظرتهم إلى نظرة سلبية تجاه الإسلام ورجالاته الأوائل، ويبدأون بأخذ مواقف متشددة تجاه الإسلام الذي يتهمونه أنه وراء كل التخلف الذي يصيب الواقع والمجتمعات الإسلامية اليوم، أي أن نبش القبر هنا ليس لفرد واحد لإهانته مما هو محرم في شريعتنا بل هو نبش لأجل إهانة دين وأمة بأسرها، فإذا كان الأول محرما قطعا فكيف بنا بالنبش الثاني الذي يمكن أن أقول هنا إن فاعله مفسد وظالم لنفسه وأمته ومن الذين وصفهم الله تعالى بأنهم بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار.

إذن كيف نتعامل مع التاريخ وكيف نقرأه؟ سؤال يحتاج دائما إلى وضع منهج أولي قبل الولوج في العمل، خصوصا لمن يريد أن ينفع الناس ويخدم دينه وأمته ولا يريد أن يصبح من نبشة القبور .

أستطيع هنا أن أضع مناهج أولية وخطوطا عريضة للتعامل مع الموضوعة التاريخية التي تمس صلب القضايا الخلافية .

1. عدم التعرض للمسائل التاريخية إلا في ضوء الحاجة فقط، وفقط، إذ إن من أكبر المآسي التي نعيشها اليوم أن كل من يتعرض لمسألة الكتابة فإنه يركز على التاريخ ويتحدث عن التاريخ ويفصل في التاريخ، ويضع قارئيه في أجواء تاريخية، هؤلاء الكتاب يتحملون جزءا من مسؤولية تحويل امتنا إلى أمة تتحدث في التاريخ فقط، وتستأكل بالتاريخ، وتركز على التاريخ فقط، حتى أصبح ليس لها سوى التاريخ، حتى عندما يتحدثون عن قضايا معاصرة فإنهم يفردون الجزء الأكبر من كتاباتهم للتاريخ، وعندما يريدون الاستدلال على مسألة ما فإن الأساس عندهم هو التاريخ، وعندما يريدون التأسيس لموقف ما فإنهم يطلبون التأسي بالموقف التاريخي فقط . إننا هنا لسنا بضد استخدام وتوظيف الموقف التاريخي الحسن لتنمية أخلاق وعادات المجتمع، ولكن ما نريد التنبيه له هو أن استمرار وكثرة الحديث في القضايا التاريخية ينعكس في ذهن أبناء المجتمع بصورة خلق أجواء تصورية وتخيلية تجعل الناس يعيشون في أجواء تاريخية فقط، وتجعلهم في كثير من الأحيان ينسون الحاضر وضرورة العمل للحاضر، وتجعلهم ينسون أن الحاضر عادات وطبائع وحاجات وملابسات تختلف بشكل كبير عن الماضي، وأن الماضي ليس لنا منه إلا العبرة . بعض الفلاسفة الأوربيين يقولون إن العالم هو فكرتي، أي كما هو تفكير الإنسان، وقل تفكير المجتمع، فإن صورة الحياة ومدى التقدم والتطور يتحقق وينعكس من ذلك التفكير، وإذا كان كل تفكير المجتمع هو أحداث وأجواء الماضي فإنه سينتج واقعا هو أقرب لملامح الماضي، والحال أن الأمم اليوم تتسابق في إنتاج ما هو جديد وعصري يتلاءم مع الحاجات المعاصرة للفرد والمجتمع، إذن ما أقصده هنا هو أننا يجب أن لا نذهب للماضي في كل صغيرة وكبيرة بل نتحدث عن الماضي بقدر الحاجة فقط .

2. التقديس الأعمى لشخوص التاريخ هو شئ يجب أن نبتعد عنه ونتوخى الحذر في تعظيم هذا وتقديس ذاك، أي أن أي باحث منصف يتوخى دائما المنطقية والعقلانية في الطرح، ولكي يكون طرحه منطقيا فإن منهج التقديس للشخص هو شئ ضار بتلك المنطقية والعقلانية . أن المنطقية تفرض أن معالجة القضية التاريخية يتطلب النظر الى كل الآراء المطروحة حول شخص أو موقف ما، فعندما يرى الكاتب الذي ينتمي الى مذهب فكري معين قدسية شخصية معينة يأخذ عليها الآخرون مثالب معينة فإن عليه أن يأخذ كل الآراء ويعدلها بالشكل الذي ينتج رأيا منطقيا بما يؤدي الى تعليم الناس أن يأخذوا بالعقلانية في كل الأمور. أن من شأن ذلك أيضا أن يعلم الناس أن أولئك خلدوا ليس لأنهم عاشوا في الماضي فقط فكم من الناس عاش في الماضي أيضا، بل لأنهم نهضوا بأعمال عظيمة، ولا لأنهم ينتمون الى مذهب معين بل لأنهم خدموا الناس والدين ككل . ويعلم الناس أيضا أن دراسة هذه الشخصية أو تلك ليس الغرض منه تعظيم هذه الشخصية التاريخية، فالموتى إنما هم في ذمة الله تعالى وهم بأعمالهم الخيرة إنما هم في جنان الله تعالى بحسب عقائدنا، وإنما الهدف هو الناس المعاصرين بما نوضح لهم الطريق ونسهل لهم المسير نحو العمل الصالح الذي يعز الأمة الإسلامية وينصر المظلومين ويحق الحق . ويعلم الناس أن الهدف من الدين والكتابات الدينية هو خدمة الناس وإعزاز دولهم وإشباع حاجاتهم الدينية والدنيوية وليس خدمة الشخصيات التاريخية، وبالتالي فإن ما يرفعه البعض من شعار الدفاع عن الشخصية التاريخية الفلانية ويستبيح على أساس ذلك هدر دماء الناس وسلب حقوقهم، إنما هو يؤذي المجتمع ويرتكب عملا محرما في نظر الشريعة السمحاء.

3. الابتعاد عن الذم والانتقاص من الشخصيات التاريخية بناء على افتراض مواقف خاطئة لها . عمليا نحن لا نحتاج الى إعادة ذكر المواقف السلبية لأي شخصية تاريخية، ولو احتجنا لذلك لسبب أو آخر فإننا نستطيع ذكر خطأ ذلك الموقف أو الحالة وانتهى الأمر، أما التأسيس على ذلك بذم أو نقد وتجريح فإن ذلك لم ولن ينفع قضية الوحدة الإسلامية التي هي مطلب وحاجة ملحة للمجتمع الإسلامي اليوم . إن أي مذهب من المذاهب الموجودة على الساحة الإسلامية اليوم يحمل كثيرا من الأفكار البناءة التي لم تطبق الى اليوم، وتحتاج الى أن تنزل الى الساحة، ولكن المشكلة أن هذا المذهب أو الطائفة التي تحمل هكذا أفكار يقوم أتباعها بإهانة شخوص الأخرى وهكذا، أي أن هناك حاجزا نفسيا لدى أتباع أي مذهب تجاه الآخرين بسبب حملات الانتقاص والإهانة لشخوص الطوائف الأخرى، وبالتالي فلو أن أي من المذاهب تريد نشر أفكارها الحقة فإن أدنى منطق علمي يقول بوجوب احترام أفكار الآخرين وتقدير ميلهم ومحبتهم لبعض الشخوص التاريخية وإنه لكي تصل الفكرة التي يراد بثها في أوساط عموم الأمة الإسلامية لتنتفع منها فإنه يجب احترام شخوص كل فرد من شخوص التاريخ .

دعونا نضرب هنا أمثلة تطبيقية على ذلك ومن الطرفين لكي يكون الكلام منصفا:

المثال الأول: البداء نظرية قالت بها الإمامية اعتمادا على مرويات الأئمة عليهم السلام واستدلوا بآيات وروايات كثيرة، ومعناها أن ما يبدوا للإنسان أنه قضاء محتوما لا يمكن تغييره هو ليس كذلك، بل أن الأقدار وإن كانت بيد الله تعالى إلا أن الإنسان يملك تغيرها بما أعطاه الله تعالى من إرادة بحيث سمح له التصرف بكل ما يتعلق بشؤونه الخاصة والعامة، بحيث إنه هو الذي يصنع مقاديره وهو الذي يخط لوح قضائه وقدره بما يقدم من أعمال وبما يتخذ من مواقف، وهكذا يتشجع الإنسان لصنع حياة أفضل على الدوام، ولكن هذه النظرية لم ينتفع منها المسلمون بسبب هيمنة الحرب الكلامية والاتهامات والاتهامات المضادة حتى أن بعض من يؤمن بها لا يدرك حتى معناها بسبب ترك المسلمين لها وانشغالهم إما بتشويهها وتكفير من يؤمن بها أو الدفاع عنها وإثباتها، أما دراستها وترسيخ معناها في أذهان الناس فلم نر ذلك، وبدلا من أن يعتنق الناس هذا المعنى ويتعلموا أنهم هم المسؤولون عن لوح القضاء والقدر، يكتبونه بأعمالهم ومواقفهم وسياساتهم فيشرعوا على أساس ذلك بالعمل والجهاد والصبر والمداومة بالجد والاجتهاد للوصول الى بناء الحياة الكريمة غط الناس في غياهب الجهل تحت مقولات الجبر، والخضوع لحكام الجور تحت شعار عدم القدرة على تغيير المحتوم أو المكتوب، وراحوا يستسلمون لما اعتبروه قضاء مبرما عليهم لا يحول ولا يزول إلا إذا شاء الله ذلك وربما بالدعاء فقط، وهكذا فقدت الأمة الإسلامية قرونا طويلة في ظلمات لم تخرج منها إلا تحت سياط المستعمرين الجدد الذين نفضوا عنهم غبار الجبرية ونهضوا لبناء دولهم، والحق أن ذلك لم يكن ليحدث لولا الطائفية المذهبية والانتقاص المتبادل الذي أضاع علينا الكثير من الخيرات .

المثال الثاني: يخص قضية الشورى السياسية التي طرحت في مدرسة الصحابة كتأطير لمشروعية عملية انتقال السلطة، وعورضت هذه النظرية بمبدأ التعيين الذي طرحته مدرسة أهل البيت أو الإمامية وكان ذلك طبعا بوجود الأئمة الاثني عشر، وبقيت هذه النظرية تحت وقع الجدل المذهبي لا هي تطورت وتبلورت في جانب فقهاء مدرسة الصحابة ولا هي أخذت من قبل فقهاء أهل البيت، وحتى بعد انتهاء عصر الأئمة كان المفروض أن تكون هي المرجع ويبدأ الفقهاء والمفكرون الإسلاميون من الجانبين بالعمل لتأصيل تلك النظرية وتوضيح أبعادها ورسم خطوط عريضة لها ومن ثم تحديد تفاصيل وآليات مضبوطة فيها بحسب ما تحتاجه الأمة، ولكن أي من ذلك لم يحدث مع الأسف لأسباب عديدة أهمها الانشغال بسفاسف الجدل المذهبي والتركيز على قشور الآراء وحمى الانتصار للمذاهب فقط دون النظر والتعمق في الأفكار والطروحات للانتصار لخدمة المجتمع ككل .

الخلاصة من ذلك أن الابتعاد عن الضيق المذهبي والتطلع ودراسة أفكار الآخرين هي حاجة ملحة لأي أمة تريد أن تتطور وتنهض، وهناك عشرات الآيات والروايات الداعية لذلك في تراثنا الإسلامي، فإذا كنا لا نتأثر بكل هذه الإشارات القرآنية والسننية فلا أقل أن نتأثر بالمنطق العلمي والأخلاقي الذي يدعو أي إنسان لاحترام مشاعر الآخرين .

4. ثم إن المنهج العقلاني يقودنا أيضا الى التمحيص في مقولات الأقدمين الذين ورطوا أنفسهم في اتهامات وقدح وذم وتسفيه متبادل بين المذاهب، أي اتهموا مذاهب أخرى بغير ما فيها جريا على حمى التكفير المتبادل ثم أصبحت كلماتهم بعد ذلك دين يدان به، فيأتي فرد يعيش في القرن الواحد والعشرين الميلادي ليستدل بمقولة أحد علماء القرن العاشر أو الحادي عشر، والتي ذكر فيها تكفير الطائفة الفلانية ليستدل بذلك على قطعية تكفير تلك الطائفة، ولسانه يردد: سبحان الله، العالم الفلاني الفطحل النحرير علامة الإسلام أو شيخه أو ثقته، يقول بتكفير هؤلاء، ونحن نمد الجسور معهم ونتحدث عن التقريب بيننا وبينهم ؟؟ معاذ الله من ذلك وحاشا لله أن نخرج عن هؤلاء السلف (الصالح) . إن هكذا مقولات تكاد تكون شائعة في أوساط عامة الناس، ومن رحم هكذا مقولات تبرز وتنمو الحركات الطائفية التكفيرية وعلينا مناقشتها والرد عليها دائما، إنها مع الأسف تصب في خانة التقليد الأعمى لجماعات تعجز عن التفكر والتأمل فتلجأ الى استيراد نصوص الماضي من دون تأمل لتضعها موضع التطبيق في ساحة الحاضر، وهي بعد ذلك مقولات قيلت في زمنها اعتمادا على مشاهدات جزئية لفرد هنا أو مجموعة هناك فأطلق هذا الفرد مقولة تشمل طائفة كاملة من المسلمين، هكذا من دون تفحص أو نظر أو تقوى أو اكتراث لدماء الناس أو أعراضهم أو اهتمام لوحدة بلاد المسلمين ومنعتهم واستقلالهم .

إن لكل إنسان إيمانه الخاص وعقيدته الخاصة التي تختلف عادة عن الآخرين، فإذا كنت أنا أنتمي لطائفة معينة فإن هذا لا يعني أني أؤمن بكل رواية كتبها أحد علماء طائفتي، ولا بكل مقولة تبناها واحد من رجالات الطائفة، ولا أنا مسؤول عن كل عمل يقوم به أحد أفرادها، ولا أي موقف يتخذه بعض شخوصها، وهكذا، فإننا مع الأسف لا ننظر للإنسان بما هو فرد مفكر يتأمل لحاله وله آراؤه وأفكاره الشخصية، ونتحاور ونتعامل مع الإنسان على هذا الأساس، بل أول ما ننظر إليه على أساس انتمائه الطائفي، ولعل السبب الأكبر لذلك هو تلكم المقولات التاريخية التي تحدثنا عنها، التي ورثناها عن بعض (رجال الدين) أطلقوها بطريق لاعلمي .

إذن إذا كنا نريد تصحيح كل ذلك فإن علينا أن نهجر ونسفه تلك المقولات اللاعلمية والتي فرقتنا وأوصلتنا الى الحضيض، وأن نبتعد عن هذا المنهج الذي قوامه : قالت السنة كذا وقالت الشيعة كذا وقالت الاباضية كذا و و، بل نقول هناك رأي يقول كذا ونرد عليه بالطريقة العلمية، فلو أن السلف من علمائنا أسسوا لهذه الطريقة لما تفرق الناس ولما توسعت الشقة بين الناس وأخذت أطوارا تفريقية مذهبية، ولكنهم غفر الله لهم ملكهم التعصب وانساقوا وراء الفتن المذهبية وحولوا الدين الواحد الى أديان .

إذن علينا ونحن نعالج تاريخ أقوال الأقدمين أن نترك ذلك النهج السلبي ونؤسس لأبنائنا وأجيالنا القادمة ما يوحدهم لا ما يفرقهم.

 

عصام الحسيني الياسري

fatehi alhabowbi«نحن مجانين إذا لم نستطع أن نفكّر ..

ومتعصّبون إذا لم نرد أن نفكّر..

وعبيد إذا لم نجرؤ أن نفكّر.. »

من مقولات أفلاطون

 

من اللّافت للانتباه، أنّ سعة الأفق هي من معاني إسم أفلاطون باليونانيّة، بحيث يصحّ فيه القول أنّه إسم على مسمّى. لا سيّما وأنّ أفلاطون يشجّع في مقولته المذكورة مطلع المقال، على التفكير الذي هو رديف للأفق الواسع. ولا ريب في ذلك فأفلاطون إنّما هو تلميذ لسقراط الذي، من نافلة القول التأكيد على أنّه، يعدّ من أعظم الفلاسفة على مرّ التاريخ، إن لم يكن أعظمهم. ويمكن اعتباره - بتعبير الفكر الشيعي- سيّد شهداء الفكر الحرّ، الذين دفعوا حياتهم قربانا على مذبح حريّة الفكر في سبيل الإصداع، بصوت عال وليس همسا، وبقوّة في غير ما إستكانة ولا ضعف، عن آرائهم وأفكارهم المبدعة الحرّة. تلك الأفكار المحرّرة للإنسان من عبوديّته لصنم السلطة السياسية ولأرباب سلطة المؤسّسة الدينيّة الأحاديّة الرؤية والفكر، الممارسة للإرهاب الفكري المنظّم على الفكر المختلف والمتسيّدة، في الأغلب الأعمّ، للجهل والتجهيل وللجمود والتكلّس الفكري الخانق للإبداع. وهو ما تأباه طبيعة الحياة القائمة على الحركة والتحوّل الذي لا ينقطع بفعل الطوفان المعرفي الذي يقتصر إنتاجه -للأسف- على الدول العلمانيّة دون غيرها.

فسقراط القائل« إذا أردت أن أحكم على إنسان، فإنّي أسأله كم كتاباً قرأت وماذا قرأت» أي أنّ شيخ الفلاسفة، لا يساوي بين العارف والجاهل عند إصدار أحكامه، لا سيّما وهو القائل «المعرفة هي الخير والجهل هو الشرّ»، كانت له وقفة حازمة في وجه السفسطائيين، المجادلين اعتمادا على تضليل الخصم، المهيمنين على الفكر الفلسفي في عصره. إلّا انّه تجرّأ، في البدء، على انتقادهم رغم ذلك، وحاربهم بقوّة الحجّة وعقلانيّة محاوراته ذات البعد التنويري والصبغة التحريضيّة، كوظيفة أساسية لتحرير العقل. ثمّ تجرّأ، ثانية، وانتقد السلطة، فاتّهمه خصومه بإفساد الشباب والزندقة بما هي في المفهوم الإسلامي الذي جاء لاحقا، النفاق بإبطان الكفر وإظهار الإيمان- وهي أسهل التهم الجاهزة في عصره كما التكفير اليوم- مما كلّفه، بعد مكابدة فكرية شاقّة، حكما بالإعدام دون مراعاة لشيخوخته، وهو الذي تجاوز عقده السابع. وهو من هو، قامة فكريّة شامخة وهامة فلسفيّة سامقة يشهد ويشيد بها الجميع.

ما كابده سقراط، لا يطرح إشكالية العلاقة بين المفكّر الحرّ والسلطة فحسب، بل وكذلك بين من يفكّر، ومن يكفّر من يفكّر. وهي ذات العلاقة العدائية المتأزّمة عموما، بين العقلُ الأصولي والعقل الحداثي، بين حامل لواء الفكر الحرّ ومن يعادي الفكر والحريّة في آن معا. بتعبير آخر، هي العلاقة القائمة بين المفكّر والجاهل و/أو المجهّل. إنّها في نهاية التحليل، إشكالية العلاقة بين التفكير الذي من مقوّماته، العقل والعقلانيّة والنقد العلمي وقوّة الحجّة ورحابة الأفق، بما يعني الحوار بالكلمة والانفتاح على الآخر المغاير، وبين التكفير الذي من مقوّماته، القراءة المتشدّدة والإنتقائية للنصّ الديني، والإستقواء بالقرآن والعقيدة على الفكر، والغلوّ والتعصّب، وضعف البصيرة بحقيقة الدين، والتحجّر الفكري وخنق الحريّات الفرديّة وفرض الرأي الواحد ومعاداة الديمقراطيّة والتعدّديّة في أيّ مجال وضيق الأفق بما يعني الانغلاق على الذات والحوار باللكمة القويّة بدلا من الكلمة الهادئة والمحاججة والبرهان بما يولّد التثاقفً. لا بل وإطلاق تهم الإلحاد والزندقة والتعنيف والتقتيل والتفجير عند الاقتضاء. وذلك بالرغم من أنّ القرآن يؤكّد أن (لا إكراه فى الدين) ويقول (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) و(عليكم أنفسكم لايضرّكم من ضلّ إن اهتديتم).

ومعلوم أنّ التكفير ليس من ممارسات المفكّرين بالمطلق، في حين أنّ التفكير-على الأرجح- ليس من ممارسات التكفيريين، الذين يكفّرون كلّ من يخالف النمطيّة الفكريّة السائدة. رغم الآيات القرآنيّة التي تدعو إلى التفكير والتدبّر والتأمّل أي إلى استعمال العقل كما جاء في قوله تعالى (أفلا يعقلون) و( أفلا يتدبّرون). والتكفيريون غير مقتنعين بضرورة النقد الذاتي والتراجع، إلّا في الحدود الدنيا التي استوجبتها مراجعات بعض الحركات السلفيّة. وهي المراجعات التي أدّت بهم إلى تبنّي خيارات، كانوا في السابق يكيلون لها سهام النقد اللاّذع، ويعتبرونها أعجز من أن تفهم الواقع، وبدرجة أقل أن تغيّره. ولعلّ أشهرها، مراجعات جماعة الجهاد المصريّة، المتعلقة بمسالة التكفير والجهاد. وقد حصلت بعد دخول أغلب قياداتها إلى غياهب السجون، على إثر حادثة المنصّة الشهيرة التي أودت بحياة السادات وجاءت بالكارثة حسني مبارك. حيث أنّها أقرّت فيما أقرّته، أنّ التكفير كان سببا في أهدار دماء الأبرياء. يضاف إلى ذلك، تراجعات ضئيلة لقلّة من مشايخ السعودية، وكذا المراجعات المغربية والليبية وربّما السودانيّة التي لا يكاد يكون لها تأثير بالمطلق.

لذلك أكاد أجزم أنّه ليست هناك صراعات فكريّة بين المفكّرين والتكفيريين.لأنّها لو وجدت-وهذا مستبعد- فستكون عبثيّة وغير ذات جدوى كما هي الحوارات في ما يسمّى بالمسرح العبثي أو مسرح اللاّمعقول، ولا سيما في مسرحيّة " في انتظار غودو" للكاتب الأيرلندي صموئيل بيكيت. بما يعني أنّها ستكون بالقطع، بعكس المعارك والصراعات الأدبيّة التي ميّزت أوروبا، انطلاقا من القرن السادس عشر إلى غاية القرن الثامن عشر. حيث أنّ المقارنة غير واردة، بين صراعات ومعارك المفكّرين فيما بينهم، وهي معارك تنتج التلاقح الفكري الخلاًّق، كما تنتج التقدّم وتتّجه دوما إلى الحياة سعيا إلى تحسين ظروفها، وبين صراعات مابين مفكّرين وعاطلين أو معطّلين عن التفكير. فالتكفيريون، هم أحفاد وسليلو فكر الخوارج القائلين بالتكفير بكل ذنب وخاصّة الكبائر. وقد عارضهم علي بن أبي طالب مستغربا تصرّفاتهم حيث قال لهم: (من علّمكم قتل النّاس على آرائهم) و(بينى وبينكم قتل النّاس وظلمهم) وقال فيهم: (أنتم شرّ النّاس جميعا). ومن دلالات حماقتهم أنّهم يستنكرون بشدّة أن يمدّ أحدهم يده لقطف تمرة من بستان على ملك الغير، لأنّ ذلك اعتداء على مال مسلم. لكنّهم يكفّرون عليّا أبن أبي طالب، الذي خرجوا عن منهجه، ثمّ يقتله أحدهم ليلة القدر من شهر رمضان، قائلا وهو يضربه (يا ضربة من تقي ما أراد بها إلّا ليبلغ من ذي العرش رضوانا). اعتقادا منه بأنّ ذلك يقرّبه إلى الله!!! وهو ما يفسّر السعار الذي يتلبّس التكفيريين للقتل. كما يعني أنّ أصابعهم ملطّخة بدماء مخالفيهم الأبرياء، حتّى ولو كانوا من بينهم. ممّا يكشف تناقض طروحاتهم دون لبس.

والتكفيريون لا تستهويهم الحياة بقدر ما تستهويهم صناعة الموت لمن يكفّرونه ويهدرون دمه لمجرّد أنّه توصّل إلى رؤية، غير التي يعتبرونها الحقيقة المطلقة، أو فكر مخالف، يعتبرونه، هم، خروجا عن الملّة والدّين. فالتكفيري لا يعترف بنسبيّة الحقيقة التي هي من مرتكزات الحداثة التي تواكب حركة التاريخ والمستجدّات المعرفيّة، والتي يناصبها التكفيريّون العداء، رغم دورها المتعاظم في إيجاد الحلول لتحدّيات الواقع ومعالجة أزمات المجتمع المتزايدة حدّتها على جميع المستويات.

من نتائج هذه الرؤية الضيّقة للفكر الديني السلفي التكفيري المنغلق على ذاته، أن قاسى الكثيرون من خيرة ناقدي الفكر الديني، عبر التاريخ القديم والحديث، ويلات ومآسي وأهوال تفوق لفظاعتها طاقة التحمّل. لقد مارسها عليهم من يحنّون لتطبيق أحكام الردّة في غير سياقها الموضوعي.

فهذه الفرقة الكلاميّة المعروفة بالمعتزلة يقع تكفير فلاسفتها وفقهائها، لا لشيء سوى أنّهم، أكّدوا على مسؤولية الإنسان عن مصيره، وعلى التمييز ما بين الطبيعة وما بعد الطبيعة، وعلى التفريق ما بين التناهي واللاتناهي. كما اعتمدوا على منهج العقل وقدّموه على منهج النقل في تأسيس العقيدة التي تضمّنت، نفي شفاعة النبي لأهل الكبائر من أمّته، ونفي كرامات الأولياء، والقول بأنّ القرآن مخلوق. ومن المفارقات أنّ مسألة خلق القرآن أفضت فيما بعد، في عهد الخليفة المأمون، إلى مذابح رهيبة لمن يعتقدون أنّ القرآن قديم منزّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. وهو عكس ما يعتقده المعتزلة وأشهرهم الجاحظ الذي كفروه هو الآخر.

وهذه فرقة إخوان الصفاء وخلاّن الوفاء وهي حركة إسلاميّة سرّيّة متأثّرة بالفلسفة اليونانيّة والفارسيّة والهنديّة والفكر الحرّ عموما، ساعية للتوفيق بين العقائد الإسلاميّة والحقائق الفلسفيّة، ترى أنّ «الشريعة قد دنّست بالجهالات، واختلطت بالضلالات؛ ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلّا بالفلسفة»، تتّهم بالإلحاد وتكفّر هي الأخرى طبقا لمقولة «من تمنطق فقد تزندق» ومن بين من وقع تكفيرهم ضمنها، نذكر أبن سينا والفارابي.

ولعلّ مأساة ابن المقفّع الذي ينتمي فكريّا إلى هذه الفرقة تختصر هول ما لحقها من عناء. ذلك أنّ جسده قد قطّع وأكره على أكله مشويًّا حتى مات وهو في مقتبل العمر، ولم يتجاوز السادسة والثلاثين، لمجرّد كتابة مخطوطة للخليفة العبّاسي السفّاح، أبو جعفر المنصور، سمّاها رسالة الصحابة، تضمّنت رؤِيته للإصلاح متعدّد الأبعاد؛ لعيوب الخلافة والمستخلفين والقادة والجنود والقضاة وحتّى جباة الجزيه...

ولقي الحلّاج بعد تكفيره، مصيرا مشابها، حيث تمّ صلبه حيًّا، وفي مرحلة ثانية وقع تقطيع جسده هو الآخر، لأنّه هو وابن العربي الذي كفّروه أيضا، يعتقد بِحُلُولِ اللَّهِ فِي الْبَشَرِ وَاتِّحَادِهِ بِهِ. وهو ما يعرف بوحدة الوجود، ويعني توحّد الخالق بمخلوقاته. حتّى أنّ الحلّاج قال يوما في هذا المعنى : (مافي جبّتي إلّا الله) و(أَنَا اللَّهُ).

ولعلّ تكفير ابن رشد وإحراق مكتبته، من أهمّ أسباب التخلّف الفكري للعرب والمسلمين؛ لأنّه يعتبر-عن جدارة- أفضل فيلسوف أنتجته الحضارة العربيّة الإسلاميّة على مدى تاريخها المديد. فهذا المفكّر الفذّ، الذي كاد يؤلّه العقل رغم تديّنه الشديد، وبذلك يكون رائدا للعلمانيين دون منازع، شرح كل التراث الأرسطي العظيم بما جعل فكره مهيمنا على برامج الجامعات في أوروبا القرون الوسطى وحتّى نهاية القرن السادس عشر. حتّى أن الفيلسوف الإيطالي بيترو بمبوناتسي) Pietro Pomponazzi (أسّس مدرسة عرفت باسم "المدرسة الأرسطيّة الرشديّة"، إضافة إلى ورود اسمه في الكوميديا الإلهيّة "La Divine Comédie " " لدانتي (Dante) i مع زمرة من الفلاسفة العظماء. ورغم أن ابن رشد الذي يقول:» إن الحقّ لا يضاد الحقّ بل يوافقه ويشهد له « ويرى أن»   » الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها«، ولا يرى تعارضا بين الدّين والفلسفة، فإنّه اتّهم من قبل شيوخ الفقه بالأندلس في عهد ملوك الطوائف، بالكفر والإلحاد، وحرقت جميع مؤلّفاته الفلسفيّة كما منع من الاشتغال بالفلسفة والعلوم ما عدى الطبّ. ثم أبعد من الأندلس إلى مرّاكش وتوفّي بها غريبا. وبموته انتصرت مدرسة النقل لزعيمها الغزالي، نهائيّا، على المنهج العقلي وأغلق باب الاجتهاد واستسلم المسلمون لنوم عميق وسكون رهيب، لا يزال يلازمهم إلى اليوم .فلعلّهم استمرؤوه .

أمّا البيروني، الذي تمّ إطلاق اسمه على بعض معالم القمر، وقال عنه المستشرق سخاو: »إن البيروني أكبر عقليّة في التاريخ«. وهو صاحب موسوعة " القانون المسعودي في الحياة والنجوم" التي كافأه عنها السلطان مسعود الغزنوي، فيما رفض البيروني، قبول هديّته. وهو من أشهر الشخصيّات العلميّة، ويعتبر من أعظم من أنجبتهم الحضارة الإسلاميّة، لنبوغه في فروع علميّة عديدة ولا سيّما الفلك. حتّى انّه قال بوجود قوى للجاذبيّة بين الأجسام، قبل أن يكتشفها نيوتن بستّة قرون. ممّا ما حدا بجامعة موسكو أن تقيم له تمثالا يخلّد ذكراه في متحفها الجيولوجي. إلّا أنّ البيروني تمّ تكفيره بعدما ناقش مسألة تكوين مرصد للتنبّؤ بأحوال الطقس. ضرورة أن ذلك من اختصاص الله وحده !!!

وأماّ أبو حيّان التوحيدي، الكاتب المعتزلي المبدع، الملقّب بشيخ الصوفيّة وفيلسوف الأدباء، ذلك العبقري، صاحب كتاب الإمتاع والمؤانسة"-وهو من عيون الأدب العربي- فقد أحرق كتبه بنفسه نتيجة الأحباط، بعد أن تجاوز التسعين من العمر. ولمّا اتّهم بالزندقة والإلحاد لقوله بالتعطيل-وهو النفي والإنكار- طلبه الوزير الصاحب لغرض قتله، فهرب، واستتر منه، ومات في الإستتار.

وأمّا عميد الأدب العربي طه حسين- فقد أفتى بتكفيره مفتى الجمهوريّة المصريّة في حينه، لما ورد في كتابه "في الشعر الجاهلي الذي ظلّ ممنوعا إلى وقت قريب. لأنّ التكفيريين رأوا فيه محاولة للاعتداء على التراث العربي الإسلامي وزرع الأساطير والشبهات في قلب السيرة النبويّة لتلويثها بعد أن نقّاها مؤرخو الإسلام!!!

وأمّا في التاريخ الحديثّ فلا يمكن تجاوز محنة الباحث الأكاديمي نصر حامد أبى زيد، المتخصّص في الدراسات الإسلاميّة، دون التعرّض لها. فهي جاءت بعد تكفير فرج فوده وقتله، وإثر محاولة نصر حامد، الحائز على جائزة مؤسسة ابن رشد للفكر الحر، ممارسة الفكر النقدي العلمي الخالص، بتأليفه لكتاب نقد الخطاب الديني الذي أعتبر فيه أنّ الخطاب الديني "خبيث" وماكر، يخلط ما بين النِّصاب الديني والنِّصاب الفكري. ثمّ هو يعتمد على آليّة النقل، دون تدبُّر وتفكُّر؛ بما يناهض الإبداع. حيث أنّ العقل النقلي يفتقر إلى أبسط آليات التفكير العقلي، النقدي. وقد خلص نصر حامد أبى زيد إلى أنّ التكفير هو ليس فقط، سمة أساسية من سمات الخطاب الديني - معتدلا كان أو متطرّفا- بل هو كذلك، سمة أساسيّة من سمات العقل النقلي الذي يسبّب العقم الفكري. كما خلص إلى وجوب التحرّر من سلطـة النصّ القرآني ومن كل سلطة تعوق مسيرة الإنسان.لذلك وقع أتُهامه بالارتداد والإلحاد، ثمّ وقع التفريق بينه وبين زوجته قسراً، على قاعدة "أنه لا يجوز للمرأة المسلمة الزواج من غير المسلم" .ممّا أضطرّه للعيش بالمنفى حتّى أشتدّ به المرض فعاد إلى مصر، أسبوعين فقط قبل وفاته.

وحتّى لا أثقل على القارئ بتفاصيل أسباب تكفير ناقدين آخرين للفكر الديني الذي يقدّسه السلفيون كأنّما هو الدّين ذاته، فيما هولا يعدو إلّا أن يكون"قولاً دينيًّا" مختلفا عن النصّ الإلاهي المقدّس. فإنّي أكتفي فيما يلي، بإشارات عجلى لبعضهم ودون توسّع.

من هؤلاء، نذكر محمود محمد طه وهو مفكّر سوداني، كفّروه ثمّ أعدموه، وابن الرواندي الذي كفّروه، والمفكّر حسين مروة الذي قتلوه، ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي الذين كفّروهما واتهموهما بأنّهما عميلان للغرب. أمّا على الوردى وعلى شريعتي، اللذان نقدا الدّين والأنبياء وأصناف من رجال الدين، ودعيا إلى ثورة في الفكر الإسلامي فاعتبرا تنويريين ووقع تكفيرهما بذلك

.هذا، إضافة إلى تكفير كل من المفكرين، الطاهرالحدّاد، رائد تحرير المرأة في تونس، وفضل الرحمن وهو باكستاني، ومحمّد أركون وهو جزائري، ومحمّد عابد الجابري وهو مغربي، وحسن حنفي وهو مصري، وشعراء كالمعرّى، والمتنبّى، والرصافى، والجواهرى، ونزار قبّانى، ونازك الملائكة، وبدر شاكر السيّاب وكثيرون غيرهم، ممّن أنهكتهم محنة التفكير الحرّ، الذي يكاد يصبح وصمة عار في زمن فتاوى التكفير المجاني التي تجنح عن الصواب ولا تصدر إلّا عن أموات بلا قبور أو أحياء يعادون الحياة ولا يعيشون عصرهم، بل يخوضون حربا دائمة على العصر ومنتجاته. لكنّها حرب خاسرة بالتاكيد ولو طال أمدها.

 

المهندس فتحي الحبّوبي

 

alkabir aldasisiظلت الثقافة والمثقف يحافظان على وضعها الاعتباري عبر مختلف الأزمنة والأمكنة منذ ارتبط مفهوم الثقافة بالتكوين والتقدم الفكري، واعتبار الثقافة معيارا للتمييز بين الطبيعي (الحيواني، البيولوجي، الفطري..) والثقافي (الإنساني، المكتسب...) مادام الإنسان هو الكائن الوحيد المنتج للثقافة... لكن ما أصبح يبدو جليا اليوم هو تراجع المفهوم التقليدي للثقافة، ونكوص دور المثقف في عصر يتجه نحو عولمة الثقافة .. مما حتم طرح أسئلة من قبيل هل الحضارة المعاصرة تتجه فعلا نحو قتل الثقافة والمثقف؟ وهل من دور للمثقف في زمن تزايد الشبكات والوسائط الجديدة وتراجع الوسائط التقليدية؟؟

إذا كانت البنيوية قد رفعت شعار (موت الكاتب) فلا جدال اليوم حول كون الثورة المعلوماتية قد ساهمت في إبادة المثقف بـخلق عالم افتراضي أكثر جاذبية من العالم الواقعي، لقدرته الجمع بين رأسمالية المبادرة والحرية وخلق تراكم رأسمالي افتراضي وثروة لا مادية توهم الفرد أن له قوة ضغط في الواقع .. وبين اشتراكية تعميم الخدمة واقتسام الخبرات والمعلومات والمواقع مما يشعر المستعمل العادي بكرامة توهمه بالمساواة وقد تشعره بتفوق معنوي على من يعتبرهم أرقى منه في الواقع...لتكون هذه الثورة قد خلخلت الوسائط التقليدية، وغيرت قيم الاستهلاك الثقافي، فتغير مع ذلك مفهوم الثقافة الذي غدا رهين الأيقونة / الصورة، بعد أن طوح بالكتاب والقرطاس إلى الظل خاصة عند الشباب واليافعين...

اليوم لم يعد مفهوم الثقافة في وعي شبابنا مقتصرا على الثقافة العالمة والمكتوبة خاصة التي تستهدف تنمية الذوق والحواس، وإنما توسع ليشمل أصنافا وأجناسا لم تكن مألوفة لدى الأجيال السابقة، أو لنقل هيمنت عليه على الأقل أجناس كانت إلى عهد قريب مستهجنة عند الطبقة المثقفة، كالرقص الشعبي والفلكلور وثقافة الجسد وما يرتبط بها من إباحية مفرطة مستفيدا من الهامش الذي وهبته إياه الثقافة المعلوماتية وما وفرته من تدفق للمعلومات والصور عبر الموجات الناقلة للصوت والصورة ويسرة تداولها ونشرها، كل ذلك جعل المثقف اليوم ليس هو من يمتلك المعرفة، وإنما من ينشرها فتغير بذلك مفهوم المثقف ووظيفته في المجتمع : فبعد أن كانت كل المؤسسات تبحث عمن يملك المعرفة لتعيينه في مناصب سامية، تعامله بإجلال ساعية إلى كسب وده وتقدمه للعامة في صورة الحكيم الوقور المهاب،لم تعد الوسائط الجديدة اليوم تعترف بمن يملك المعرفة ما لم ينشرها عبر الوسائط الجديدة لتصل لأكبر عدد ممكن، إذ أصبح عدد المتابعين والمعجبين الافتراضيين هو مقياس النجاح والحضور.

إن تغير مقاييس تعيير المثقف جعلت المثقف التقليدي يدرك أنه يقضي وقتا طويلا في صياغة مقال، ينمق كلماته ولا يطالعه أحد، ولا يعلن الإعجاب به ولا يتبادله أحد، في وقت قد تحصد صورة إنسان مجهول، أو تدوينة شخص بسيط إعجاب الآلاف أو الملايين أحيانا فيتوهم وله قوة تأثير، وأنه قد يتفوق على ذلك المثقف الذي أفنى حياته بين الكتب وفي ردهات المكتبات والخزانات...

قد يقول قائل إن في ذلك ضربا ثقافيا جديدا تحطمت فيه المعايير التقليدية المبنية على تقابلات ( يمين / يسار، رأسمالية / اشتراكية، خاص / عام...) ضربا ثقافيا فرضته الحياة، يتيح تكافؤ الفرص، ويسمح للكل بحرية التعبير ونشر ثقافته... لكن الأكيد هو أنه لم يساعد إلا على سيادة ثقافة التسطيح وتسليع المعلومة، وتشجيع الاستهلاك مما يسهل التحكم في الكتل البشرية وإخضاعها لإعلام موجه تحركه أياد خفية تسخر له موارد بشرية مدربة، ووسائل لوجيستيكية دقيقة تجعله قادرا على توجيه الرأي العام وتجييش العقول وفق أجندات مدروسة، تنساق وراءها الجحافل المستهلكة فتجعلها تثور لكلمة واحدة أو جملة بسيطة، وتعمي أبصارها عن القضايا الكبرى و المصيرية، فتهيج في وجه شخصية عامة ركنت سيارتها في موقف ممنوع، ولا تتحرك قيد أنملة في وجه قضية قد تهدد الأغلبية الساحقة وتنذر بالسقوط في جرف هار، مما يجعل الإنسان يتساءل لماذا تتفاعل الملايين مع حركة (مقصودة أو غير مقصودة) لسياسي، كلمة أو كلمتين لفنان أو رياضي ... ألا يبدو غريبا جعل كلمتين مثل (جوج فرانك) ( 22 ساعة) قضية رأي عام يناقشها ويتفاعل معها الكبير كما الصغير .. ولا يتفاعل أحد مع مشاريع قد يتضرر منها عامة الشعب، كإصلاح التعليم وإصلاح أنظمة التقاعد، والإصلاح الزراعي والأمن الغذائي، وقضايا البيئة التي يعيش فيها الجميع .... وغيرها من القضايا التي كانت تؤرق بال المثقفين .

إن الوسائط المبتكرة قد نجحت فعلا في قتل المثقف التقليدي، الذي ظل يمثل صورة الإنسان الذي لا يهادن، ينير ولا يستنير، يقود ولا يقاد والقادر على التأثير في الرأي العام وتوجيهه ... لتحل محله شخصيات أصبحت لها القدرة على التأثير في الجماهير، كالفانين والرياضيين الذين يقدمهم الإعلام أبطالا ونماذج للاقتداء رغم ضعف مستواهم الثقافي، بل أحيانا يتم تسويق أطفال لمجرد نطقهم بكلمات لا أحد يعرف معناها كما حدث في المغرب من (الأرنبات وداكشي، أو كونجي أو لوبغاسون ..) التي حصدت من الإعجاب والمتابعة ما لا يحظى به كل مثقفو المغرب إذا ما اجتمعوا في عمل، والأدهى أن هذا الإعجاب والإقبال قد تحظى به شخصيات افتراضية تتستر وراء أسماء مستعارة ويعتبرها المعجبون قدوة وهي ليس لها القدرة حتى على إعلان اسمها ...

إن ظهور هذه النماذج ونيلها حظوة العامة والخاصة دفع المثقف التقليدي إلى الانزواء والاكتفاء بمتابعة ما يدور، إذا لم تتمكن مادية الحياة وظروف المعيشة من تحويله إلى بوق لمؤسسة رسمية، أو خاصة كل همها حساب الأرباح في نهاية المهمة يقتات من إكرامياتها، تشتري صمته وتوهمه أنها صاحبة فضل عليه بالمحافظة على وجود اسمه في بعض المجلات والدوريات التي تمولها وهي العارفة بأن لا أحد يقرؤها ...

في وضع جديد مثل هذا اتسعت الفجوة بين المثقف والواقع، فبعد تهميشه أو احتضانه أصبح هم أغلب المثقفين إتقان ثقافة التبرير، وجهد النفس في البحث عن المسوغات، ومن اجتهد أكثر اكتفى بوصف و تشخيص واقع الكل يعرف تفاصيله ومكامن الداء فيه، وإذا تجرأ فأقصى ما يمكن فعله هو كيل التهم ونعت الواقع بالتخلف، وتعليق مآسي الواقع على شماعة وأزمة القيم، وضعف البنيات التربوية ...

إن الوسائط الجديدة، وشبكات التواصل وعولمة الثقافة بعد أن كسرت كل الأقلام وبعد أن رقمنت الكتابة... همشت المثقف، الذي كان يعتبر نفسه الوحيد الذي يجيد الرقص على حبال الكتابة، والوحيد والأوحد الذي يصول ويجول في الكتب والجرائد والمجلات منتشيا بكتابة إسمه تحت صورته في صفحاتها .. استفاق اليوم وكل فرد أصبح بإمكانه نشر صورته واسمه، وكل شخص أصبح بإمكانه الكتابة دونما حاجة للقلم والورق، ودونما الحاجة للسهر والعودة إلى أمهات الكتب التي كان المثقف يعتبرها علم الجفر المتضمن لعلم ما مضى وما سيأتي، بل قد تحصد تدوينة صغيرة لشخص مغمور، أو ربما لطفل يكتب باسم مستعار - لا يضع في الاعتبار شروط التلقي، ولا عواقب ما يكتب - من الإعجاب أضعاف ما قد يناله مقال منمق لكاتب ومثقف يحسب نفسه مشهورا ومعروفا...

هذه المتغيرات أصبحت تدعو بإلحاح إلى التساؤل عمن يصنع الرأي العام اليوم في ظل وضع ثقافي يهيمن عليه الإعلام الرسمي الذي يجيد تزييف الحقائق، وواقع يسود فيه اللجوء إلى أسماء مستعارة، ويهيمن عليه الخوف من الهجوم الافتراضي وكل وسائل الاتصال أصبحت عيونا تتلصص وتبحث عن الهفوات التي قد تفقد الشخص مكانته، والمثقف أخوف الناس على فقد المكانة الاعتبارية.. لذلك فضل عدد من المثقفين غض الطرف عن الفساد والظلم واقتصروا على الكتابة في مسائل نظرية بحتة معتبرين الكتابة عن اليومي مظهرا لتدني الفكر والثقافة، مع بروز متشبهين المثقفين كل همهم جعل الكتابة وسيلة وصولية و أداة للصيد في الماء العكر واستغلال الكتابة في الأمور اليومية للضغط على جهة ما تحقيق مآرب شخصية ضيقة، فتحولت وظيفة المثقف بدل محاربة الفساد والظلم وتنوير الرأي العام إلى محاربة هذه الطفيليات التي أصبحت تشوش عليه، وتشوه رسالته ببحثها عن الأخبار المثيرة، والمتاجرة بأعراض الناس وتشوهات المجتمع، والترويج لفكرة موت الثقافة متهمة المثقفين بالابتعاد عن الواقع، والتعالي عن مشاكل الحياة اليومية، راثية حال المثقف الذي لا زال يعتقد أنه يعيش في زمن الأنبياء والمصلحين، لذلك لا غرابة أن تجد الرعاع والأميين يهاجمون المفكر المثقف، وقد يفاضلون بين مغن أو رياضي أمي وبين مثقف أفنى حياته في العلم والتحصيل يساندهم في ذلك ما يحضون به من جماهيري، مرددين (لو اجتمع كل علماء الأمة ومفكريها ومثقفيها في نشاط ثقافي، لما تمكنوا من جمع ما يحضر في حفلة راقصة، أو مغنية من الدرجة الثانية)

فهل فعلا مات المثقف في أوطاننا العربية وبالتالي حان موعد قراءة الفاتحة عن دور الإنتلجنسيا في صناعة الرأي؟؟

 

الكبير الداديسي

 

mustafa alomariبطريقة الاحتيال المعرفي نفذ نفرٌ قليلٌ من اصحاب العقل المنطلق، في المساحة العربية الاسلامية محاولين تشكيل وعي مختلف ومغاير، همُّ هذا الوعي ان يكون حداثوياً جديداً، يسير وفق المعايير العلمية للنهضة التي يواكبها العصر . هذا النفاذ السائر بخوف وترقب من بطش المجتمع شكل عائقاً حقيقياً أمام النمو الطبيعي للبحث العلمي في المجتمعات العربية والاسلامية المنكوبة، بغلظة النصوص والفتاوى والكثير من رجال الدين .

كل العلماء والفلاسفة الذين ينتمون الى تلك البيئة المنكوبة، كانوا يملكون وعياً لم يصرّحوا عنه، إختنق ذلك الوعي ومات مع موتهم.

مع كل هذا الحذر والخوف ترشح لنا من وعيهم ما نستطيع ان نستنج منه علمانية قديمة بلباس ديني (كابن رشد وعبدالله بن المقفع)

السابقون واللاحقون من الفلاسفة والمفكرين العرب أرادوا ان يوصلوا رسالة كبيرة وعظيمة، مفادها واستدلالتها قرانية عصرية حديثة، وهي ان لكل زمان معرفته ونصوصه واستنتاجاته الخاصة به، يجب ان يعيش الناس في زمنهم ومرحلتهم، ويتركوا فيه أحراراً لا ان يقمعوا او يقتلوا . يقول جون ستوارت إننا اذا اسكتنا صوتاً نكون قد اسكتنا الحقيقة .

محال جداً ان تعود بنا الى الزمن الماضي لأنه سيُعد نكسة كالتي نعيشها الان، الرجوع الى أي حقبة تأريخية من تأريخ المسلمين من بداية الدعوة الى اخر صحابي، سنجد السيف والدم، فتشوا في تأريخ أي شخص ترونه جليلاً مؤمناً تقياً لا يأتيه الباطل ولا يروم عمل المنكر، ستكتشفون انه تزوج سبية وربما بعد قتل زوجها، ستجدونهم ملطخين بالدم من الرؤوس والاقدام والاعقاب .

سألني احد الذين كانوا مقيدين بالنصوص الدينية بقوة قال: ما رأيك في عمل رسولك عندما تزوج صفية بنت حييّ بعدما قتل زوجها وأهلها والاسرى من قومها؟

فأجبته على الفور قلت له هل تعلم كيف تزوجها؟

انها بمشورة احد اصحابه ولو كنت مع الرسول لأشرت عليه بعكس ذلك الصحابي ان لا يتزوجها ويتركها في قومها وان يحتجز الاسرى في مكان ما او يعتقهم. اقتنع الرجل بجوابي لكنه بقي مصراً على استهجان فعل الرسول .

على الرغم من ان هذه الاسئلة كانت غير قابلة للعرض ولا للبحث ولا للتفكير فتموت حبيسة مقهورة بدواخل اصحابها،هذه الاسئلة وغيرها باتت تؤرق الكثيرين من العقول الباحثة المتسائلة، ورجال الدين عاجزون كسالى في البحث والمسايرة مع عمق الاسئلة وجديتها.

ما عادت الاجوبة الماورائية تقنع العقل المتحرك الذي يبحث عن الدلائل العلمية ولم تجدي تلك التبريرات التي تحيل العقل لمشهد غير مرئي وتطلب منك الايمان والتصديق .

في كتابه الفكر الاصولي واستحالة التأصيل يقول الدكتور محمد اركون : كل المسلمات المدعوة ميتافيزيقية يستحيل البت فيها، ولذلك ينبغي ازاحتها من الخط التأريخي الذي يجبرنا العقل الأدواتي على إتباعه .

إصرار الاسلاميين على جر المجتمع الاسلامي للانقياد خلف قيادة (السلف) يستدعي، إصرار عقل اخر مختلف للتنقيب في تأريخ السلف وعندما يُبحث في تأريخ السلف بحثاً علمياً (إبستملوجياً) كما في الدراسة التي قدمها المفكر المغربي محمد عابد الجابري، سيجد الباحث أننا أمام مهزلة حقيقية وسيطلب منا إزاء هذه المهزلة التصديق والايمان والاذعان، وإلا ستكون نصوص الفقيه حادة وقاتلة.

نصوص الفقية التي عجزت عن الاجابة وتغيبت عن الحوار العلمي وتهربت من البحث الجاد، سنجدها شاخصة بقوة رافعة رايتها بعدما احاطها الجهال والمخدرون والمنتفعون بصيحاتهم، لدحر كل من يسأل او يفكر .

الاصرار على البحث في ذلك التأريخ الذي تلطخت بالدماء ايدي الجميع من الذين قادوه وصاغوا ثقافته، أكانوا مبشرين بالجنة او لم يكونوا، يستدعي نتيجة مفادها الكفر بذلك التأريخ والانعتاق حيث اللارجعة .

الذين يريدون إزاحتنا نحو تأريخ ميت هل راجعوا ذلك التأريخ وما حمله من قسوة وشدة وقهر لعباد الله من المختلفين والمأتلفين معه ؟

في الدراسة التي قدمها ناقد العقل العربي،محمد عابد الجابري،

يقول : الجاهلية مصطلح اسلامي يقصد به ليس فقط الجهل بمعنى عدم العلم وانتفاء المعرفة بل ... ايضاً ما يرافق الجهل وينتج عنه، أعني به الفوضى وانعدام الوازع الجماعي سياسياً كان ( الدولة ) او اخلاقياً ( الدين ) من هنا تشبيه الجاهلية بالظلماء والاسلام بالنور فالظلمة تعني هنا الفوضى والتطاحن وغياب افق مستقبلي كما تعني الجهل وعدم تقدير المسؤولية، في حين ان النور يعني الوضوح في العلاقات والمسؤوليات وأيضاً وضوح الافاق، هذا فضلاً عن حلول النظام محل الفوضى والتضامن محل التطاحن، السؤال المهم، هل حقق الاسلام بالفعل هذا التحول الجذري في حياة عرب الجاهلية؟

ونستطيع ان نشطر هذا السؤال على عدة اسئلة مشابهة، أسئلة تعمق الجرح لكنها ستدمله بدون مضاعفات سلبية . سنتحفظ عليها الان لكنها ستبزغ ان شاء لها ذلك .

عندما نراجع نصوصنا الدينية والتأريخية سنجد ان الانموذج الاقرب لها في هذا العصر هي (داعش) لا مناص في ذلك ولا تردد، داعش التي تتقن قراءة القران وحفظ الاحاديث الصحيحة المرسل منها والآحاد والضعيف، داعش التي اتبعت منهجية العنف والتفنن عند السلف الصالح ! عندما قام احدهُم بقتل احدهِم ثم قطع رأسه ووضعه منصبة للقدر بعدها اضرم النار لتختلط رائحة الاكل بدم البشر مع نكهة العمل الصالح وغبار الشعر المحترق، ثم يضاجع سيف الله زوجة المقتول لتكون زوجة له في نفس الليلة التي قطعت اوداج الرأس لينفصل عن الجسد بمباركة المسلمين !

لم يكن المسلمون على قدر من المسؤولية البحثية العلمية او الجرأة التي تمكنهم من ادانة المنتمي للدين الاسلامي، بل هناك الكثير من التبريرات المنهالة بقوة لكي تقلب المنكر الى صالح وكذلك العكس .

وجه داعش القبيح ما هو الا توأم لذلك الوجه القبيح الاخر . الوجه التأريخي الذي يتقاتل عليه الداعشيون من سنة وشيعة لأعادتنا له بالقوة . داعش حركت المناخ العربي والاسلامي بقوة واضحت الاسئلة والتساؤلات المضمرة والمعلنة شاخصة بقوة أيضاً، أعمال داعش الاجرامية سرعت في مركبة البحث لاكتشاف زيف المقدسات او المحذورات المركونة في اذهاننا بالقوة والخوف .

لست هنا للمقارنة بين داعش والسلف فهذا أمر ساتركه للقارئ، لكن الذي اريد البوح به، هو أننا بحاجة الى منهجية مختلفة تماماً عما كانوا (السلف) وكنّا، منهج:

1_ يرحم بعقولنا من التسخيف والمصادرة الى حيث الحرية فيما أفكر او أؤمن به.

كما يرى ابن حزم الاندلسي: لا يحل لأحد ان يقلد أحداً حياً ولا ميتاً وكل أحد له من الاجتهاد حسب طاقته .

2- الاستعانة بالعقل الغربي المتقدم، لم يتخلى العقل العربي من طلب المساعدة من العقل الغربي من زمن بعيد جداً فالمأمون صاحب العقل المتحايل المنطلق استنجد بالثقافة الغربية ولولاها لم يكن المأمون شيئاً .

التصور الشائع ان التقدم يتحقق تلقائياً بواسطة التراكم .. ولكن مسيرة تاريخ الحضارة وواقع المجتمعات المتخلفة يؤكد العكس تماماً فالتخلف هو الاصل أما الخروج من هذا الاصل فيتطلب طاقات استثنائية كافية وأفكاراً تقدمية خارقة وجهوداً واعية كثيفة ، كما يقول المفكر السعودي ابراهيم البليهي .

والحق أني طلّقتُ التأريخ ومزابله وسيرة السلف ونصوص الدين التي كتبت بعد مئتين سنة وأحاديث التلفيق والتصفيق للحاكم لأتركه لداعش ومن يشابهها في الرأي والقمع بالسيف او الكلمة . وركنت الى انسانيتي التي تدفعني الى حب الاخر مهما كان لونه او دينه او قوميته .

(من كتابي القادم قراءات معاصرة).

 

مصطفى العمري

hatam hamidmohsinاذا كان هناك تشابه عميق بين تطور الحضارة و تطور الفرد وكانت الحضارة تستخدم نفس الطرق، فهل لدينا التبرير للقول، بانه في ظل تأثير الرغبات الثقافية الحادة، اصبحت بعض الحضارات وفي فترات معينة منها – ربما كل البشرية – في حالة من الهلع واللااستقرار؟ (فرويد، الحضارة وسلبياتها، 1930).

كمفكر، هاجم نيتشة الافكار التقليدية لزمانه لأن الافكار عملت كعوائق للتجربة الانسانية التامة والثرية. هو لم يؤمن بالاصلاح الاجتماعي، ومقت الحكومة البرلمانية وحقوق التصويت العامة. كره كذلك الليبراليين والمحافظين والشيوعيين والاشتراكيين. هو لم يشترك بالرؤية بان التقدم هو من خصائص التقاليد الفكرية الغربية في القرنين الاخيرين . هو ادان الاخلاق المسيحية و سخر من الفكرة الليبرالية بان الانسان هو خيّر بطبعه. كره سقراط.

ما ادركه نيتشه هو ان الانسان يجب ان يفهم بان الحياة لا تُحكم بالمبادئ العقلانية. الحياة مليئة بالهمجية واللاعدالة وباللايقين والسخافة. لا توجد هناك معايير مطلقة للخير والشر يمكن كشفها بالمنطق الانساني. هناك فقط انسان عاري يعيش وحيدا في عالم سخيف مجرد من الايمان.

المجتمع البرجوازي الصناعي الحديث، طبقا لنيتشة، جعل الانسان فاسدا اخلاقيا ويائسا وتركه ضحية للتطور المفرط في القدرات العقلانية على حساب الفطرة والرغبة الانسانية.

وبالضد من ميول المجتمع البرجوازي، أكّد نيتشة على ان الانسان يتوجب عليه الاعتراف باسطورية وعتمة العالم الفطري – قوة الحياة الحقيقية. كتب نيتشة "انت يجب ان تصبح من انت". العقلانية المفرطة، والثقة العالية بالعقل الانساني انما تخنق التلقائية الضرورية للعمل الخلاق. ولكي يبلغ الانسان كامل طاقته، يجب عليه التحرر من الاعتماد على العقل والفكر والاعتماد بدلا من ذلك على تطوير غرائزه وحوافزه ورغباته. المسيحية مع كل ما رافقها من قيود وحاجات للامتثال، تسحق الدوافع الانسانية للحياة . الاخلاق المسيحية يجب ان تتحطم لأنها تتناسب فقط مع العبيد والضعفاء.

ذكر نيتشه ان نجاح العقل المسيحي في العالم الروماني كان لأن الطبقات السفلى ارادت ان ترث الارض من سادتها الارستقراطيين. الطبقات الدنيا كانت تحاول مواصلة الكفاح لهزيمة سادتها. انها قامت بهذا عبر وصفها السمات التي تنقصها بالشريرة: القوة والحماس للحياة. بدلا من ذلك، جعل المسيحيون من حياتهم المتدنية والتعيسة كمستوى لكل الاشياء القادمة. لو انحرفت انت عن هذا المستوى، فسوف تبقى اسيرا للذنب. في كتابه (عدو المسيح عام 1888) ذكر نيتشة:

المسيحية اشعلت الحروب ضد النوع الاسمى للانسان .. المسيحية وقفت الى جانب كل شيء ضعيف، انها خلقت مُثلا من معارضتها لغريزة الحياة القوية .. المسيحية هي تمرد لجميع الاشياء الزاحفة على الارض بالضد من تلك التي في مرتبة اعلى.ان فلاسفة عصر التنوير للقرن الثامن عشر هاجموا المسيحية لأنها كانت مخالفة للعقل الانساني. لأنهم ارادوا ان يجعلوا المسيحية اكثر مقبولية، هم حافظوا على الاخلاق المسيحية. نيتشة هاجم المسيحية ايضا، لكنه فعل هذا على اساس انها منحت الانسان روحا مريضة. انها كانت منكرة للحياة. منعت الممارسة التلقائية الحرة للفطرة الانسانية والرغبة. باختصار، المسيحية اطفأت شعلة الحياة.

في "مثل المجنون"، اعلن نيتشة ان اخلاق المسيحية قد ماتت واننا ذواتنا مسؤولون. لا توجد هناك عوالم علوية، ولا وجود لأخلاق مشتقة من الله او من الطبيعة ".لا توجد هناك حقوق طبيعية وان فكرة التقدم هي عار. جميع القيم القديمة والحقائق فقدت حيويتها وصلاحيتها. هذه الفكرة سميت بالعدمية. لا توجد هناك قيم اخلاقية . قال نيتشة ان الانسان يمكنه الارتقاء فوق العدمية. ولكن كيف يتم هذا؟

اولا، يجب الاعتراف بالعدمية الناتجة عن الحياة اليومية. على المرء ان يصبح عدميا، عندئذ سيرتفع فوق وما وراء العدمية عبر خلق قيم جديدة: الانسان سيصبح عندئذ سيد نفسه ويكون صادقا لنفسه بدلا من الاخرين. الانسان يستطيع التغلب على النمطية والامتثال والوسطية، هو يستطيع التغلب على الاشتراكية والديمقراطية واتحادات العمال والتقدم والتنوير وعلى جميع الامراض الاخرى الملازمة للحضارة الغربية.

طبقا لنيتشة، يمكن انقاذ الانسان بنوع جديد من الانسان، السوبرمان. هذا الانسان سوف لن يُكبح بهراء الحضارة المسيحية –البرجوازية-العلمية-الصناعية-الحديثة.السوبرمان يخلق اخلاقه الخاصة مرتكزة على الغرائز الانسانية والحافز والرغبة. هو يؤكد وجوده ليس بالقول، مع المسيحية "بلا" . كلا، امام موزائيك القوانين، يهتف الانسان الجديد "انا ارغب". الانسان الجديد لديه الشجاعة ليكون هو ذاته، وهنا سوف لن يكون اي معنى للمُثل التقليدية المسيحية في الخير والشر. رغبة الانسان بالقوة، يرى نيتشة، تذهب الى ما وراء الخير والشر. ان تعزيز الرغبة بالقوة تجلب المتعة للسوبرمان. السوبرمان حرر جميع القيم القائمة، وبما انه الآن حر من جميع القيود والقواعد وشفرات السلوك المفروضة من جانب الحضارة، فهو يخلق قيمهُ الخاصة. هو يعيش حياته الخاصة كما يريد، يكافح، يخلق، يبحث ويسيطر. هو يعرف ان الحياة كما مُنحت له هي بلا معنى، لكنه يعيشها ساخرة، غريزية، تامة، خطيرة.

من الصعب اليوم تقييم تأثير فلسفة نيتشة، ولكن بالتأكيد هو نجح في حث العقل للارتقاء نحو مستويات جديدة من الفكر.

يمكن القول ان نيتشة ادرك تماما احدى المشاكل الاساسية التي واجهت القرن العشرين. في الربع الاخير من القرن التاسع عشر، لم ير نيتشة الا الاضمحلال والخفوت. هذا البيان جاء في عصر التقدم وهو ما يكفي لتوجيه الانتباه لنيتشة. مع موت الاخلاق، الموت الذي تسارع بفعل التطور العلمي وفردانية الطبقة الوسطى والماركسية والدارونية والوضعية والمادية، فان القيم الاخلاقية التقليدية قد فقدت قيمتها ومعناها. في عالم حيث لا شيء حقيقي، فان كل شيء سيجري. كان نيتشة طبيبا معالجا والمريض كان الحضارة الغربية. هو لم يضع حلا واقعيا. تشخيصاته ربما كانت اذكى من مقترحاته للعلاج. ولكن ما قام به نيتشه هو تعميق التأكل في الاسس العقلانية للحضارة الغربية. في هذا المجال هو كان عرضة للّوم والثناء ايضا. هذه الافكار النيتشوية كان لابد لها من اغراء المثقفين الاوربيين والفنانين الذين نظروا الى فلسفة نيتشة كوسيلة لتحرير الطاقات الباطنية للانسان. فلسفة نيتشة هي فلسفة التحرير.

ديستوفسكي

وكما نيتشة، هاجم الروائي الروسي دوستوفسكي (1821-1881) رؤية العالم الاساسية للتنوير، باعتباره العصر العظيم للعقل الانساني. في جميع رواياته نظر دوستوفسكي للانسان كمحروم فطريا وغير عقلاني ومتمرد. في روايته (ملاحظات من تحت الارض، 1864) يتمرد القاص ضد كل خطط ومشاريع التحسين الاجتماعي. هو ناقد للعقلانيين والليبراليين والوضعيين والانسانيين والاجتماعيين في محاولتهم تحسين حظ البشرية عبر تشكيل المجتمع بالارتكاز على المبادئ المجردة للسعادة الانسانية. انسان تحت الارض يثور ضد كل من العلوم والمنطق. لأنه لايرى هناك حقائق مطلقة، شمولية، لازمنية يجب على كل الناس الامتثال لها. يرى دوستوفسكي ان العالم مخيف بالرغبات العارية المنخرطة جميعها بالصراع مع بعضها. جميع الناس لا يبحثون عن السعادة . هناك البعض مثل انسان تحت الارض يختار المعاناة لانها تمتعه. هؤلاء الافراد يُثبطون بالسلام والثروة والأمن والسعادة. هم لا يريدون ان يكونوا روبوتات في عالم وضعي عقيم فيه كل شيء ينسجم ضمن قالب او آخر. بالنسبة لانسان تحت الارض، اتّباع الحوافز اللاعقلانية والتورط في افعال لاعقلانية تعني اعلان الانسان عن فرديته. وبالنتيجة، يثبت الافراد انهم احرارا. الانسان الذي هو متحرر حقا يعرّف وجوده طبقا لحاجاته وليس طبقا لتلك الحاجات او المقاييس التي خُلقت ثقافيا من جانب المجتمع. وعندما يعترف انسان تحت الارض بان، "القدرة العقلانية هي ببساطة واحد الى عشرين من جميع قدراته في الحياة، فان الحياة هي اكثر من الاستدلال، اكثر من مجرد استخراج الجذر التربيعي".

حتى الآن نظرنا في اثنين من مفكري اواخر القرن التاسع عشر: احدهما فيلسوف وشاعر والثاني فيلسوف روائي. كلاهما كافحا مع معرفتهم بان الوجود الانساني كان مليئا باللاعقلانية. اتجاههم كان متشابها في كونه فرديا عاطفيا مباشرا.

يجب ان يكون واضحا اذا، ان نيتشة ودوستوفسكي كان لديهما احتقارا كبيرا للعقلانية المفرطة، بكلمة اخرى، هما كرها علمية العقل التي التصق بها الاوربيون منذ قرون.

سيجموند فرويد

وكما في فلاسفة التنوير في القرن الثامن عشر، شخص سجموند فرويد (1856-1939) الحضارة بالعقل الانساني واعتبر العلم المسار المحتوم للمعرفة. كان فرويد طفلا للتنوير. ولكن على خلاف فلاسفة العقل، ركز فرويد على قوة وتأثير الدوافع والحوافز اللاعقلية في سلوك الانسان وفكره.في عام 1840 جادل كارل ماركس ان الناس يعتقدون انهم يفكرون متحررين. الحقيقة، كما يرى ماركس، ان افكارهم تعكس فقط افكار الطبقة الحاكمة."فرويد ايضا اعتقد ان افكارنا الواعية تتقرر بشيء مخفي: دوافعنا اللاواعية.

نيتشة مجّد اللاعقلانية كشيء لابد منه للشاعر. فرويد، من جهة اخرى، اعترف باللاعقلانية كخطر محتمل. هو اراد ان يفهمها علميا. هو ايضا اراد تنظيم اللاعقلانية لتكون في مصلحة الحضارة ككل. وكما اخبر احد اصدقائه، ان اللاعقلانية كانت "هدفا شاملا للعلم". كان فرويد مقتنعا بان الناس ليسوا كائنات رشيدة. سلوك الانسان، مسترشدا بالقوى الداخلية كان شيئا لا عقلانيا. ضمن الذهن هناك فعالية ذهنية لا تعتمد على الوعي. هذا هو الذهن اللاواعي. بالنسبة لفرويد كان تأثير هذا الاكتشاف عميقا: انه يعني ان افعال الانسان ليست دائما رشيدة. هذه الفكرة انتشرت بوجه مُثل التنوير كونها لا تقل اهمية عن فكرة نيتشة في "موت الاله".فرويد لم يكتشف العقل اللاواعي . الرومانسيون الاوربيون في اواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر استعملوا سلفا العقل اللاواعي كقوة لطاقاتهم الفنية. وكذلك بالنسبة للتراجيديا اليونانية القديمة وشكسبير ودوستوفسكي ونيتشة. فرويد أعجب بهؤلاء المفكرين واستمر بوصف نيتشة "كفيلسوف تنسجم مسلماته وتخميناته بطريقة مدهشة مع الاكتشافات الشاقة للمحللين النفسانيين". ولكن على خلاف نيتشة، كان فرويد رجل ذو مزاج علمي. هدفه من الدراسة وعمله في كامل الحياة قُصد به ليكون استكشافا لذهن الانسان اللاواعي.

كطبيب متخصص في معالجة الامراض العصبية، استنتج فرويد بان التفكير المضطرب هو نتيجة الخوف المُمارس اثناء الطفولة. هذه الحالات النفسية تتخذ عدة اشكال لكن يمكن تصنيفها بـ : الهستيريا والقلق والكآبة والوسواس القهري. لكي يعالج فرويد السلوك العصابي وجد ان هذه التجارب الطفولية يجب استعادتها الى السطح لكي يستطيع المريض مواجهة ذاته . عالج فرويد مرضاه بطريقتين. الاولى، كانت ارتباط اً حرا: اي مهما يأتي الى الذهن. هذه تلقائية وبلا اية قيود واحيانا يحتاج المريض للكشف عما هو مخفي. الثانية، كانت تفسير الاحلام. الاحلام تكشف الرغبات السرية واحيانا السلوك المنحرف. وبسبب ان بعض الذكريات مؤلمة فنحن نقوم بحبسها. نحن بلا وعي نجعلها مختبئة والمحلل النفساني المختص هو وحده يستطيع سحبها الى السطح. غرائز الشخصية تتطلب باستمرار الاشباع العاطفي وبهذا هي فطرية ولاعقلانية.هذه الغرائز لا تعرف القيم وتبحث فقط عن الاشباع. انها لا تعي اي شيء عن الخير والشر، وتتطلب فقط الاشباع الجنسي وانهاء الألم. عندما تُواجه هذه الغرائز بالانكار فان الفرد يصاب بالاحباط والغضب والتوتر. جادل فرويد بان هناك صراع بين غرائزنا الفطرية او طبيعتنا الموروثة ومتطلبات الحضارة. هو طور هذه الفرضية في كتابه الصغير الصادر عام 1930 بعنوان "الحضارة وسلبياتها". متأثرا باهوال الحرب العالمية الاولى وما اعقبها من دمار، كانت الفكرة الرئيسية لهذا الكتاب طورت قبل عام 1914. الانسان يشتق ارقى حالات السعادة من الانجاز الجنسي، لكن العمل الجنسي غير المقيد و بلا حدود يستنزف طاقة الفرد النفسية المطلوبة للحياة الخلاقة والفكرية.ومن هنا، فان المجتمع ومن خلال العائلة والقس والمعلم والشرطي هو الذي يفرض القواعد والقيود على طبيعتنا الحيوانية والتي، بسبب انها حيوانية فهي تتطلب الاطلاق. مثل هذا الوجود هو مؤذي ويسبب القلق والاحباط. ولكن انتهاك قواعد الحضارة ايضا يُشعرنا بالذنب. وفي كل الاحوال، سنعاني العذاب والالم. الحياة المتحضرة تنطوي على المزيد من الالم للناس.الثمن الذي ندفعه للحضارة حسب فرويد هو العصابية.

انه مأزق غير سار، الناس ليسوا خيرين بالطبع حسب راي فرويد. الفرد هو مخلوق عادة تحرضه غرائزه على العدوان. اول الميول هو ليس ان تحب شخصا اخر كاخ او كاخت وانما "لإشباع العدوانية، لاستغلال المقدرة للعمل بدون تعويض، الاستخدام الجنسي دون الموافقة، حجب الملكية، الاذلال، إلحاق الالم، التعذيب والقتل" . فرويد عرف ذلك من خلال دراسة العصاب الانساني وهو كما ماركس، ادرك ان التاريخ هو قصة الصراع. وبينما راى ماركس صراعا ديالكتيكيا بين الطبقات الاجتماعية، فان فرويد وجد صراعا ديالكتيكيا ضمن العقل الانساني ذاته. الحضارة تحاول ضم الافراد الى عوائل، اعراق، شعوب وقوميات في وحدة واحدة كبيرة. لكن فرويد وجد ان "عدوانية الانسان الغريزية، او كراهية كل واحد تجاه الجميع وكراهية الجميع تجاه كل واحد، تتعارض مع هذا البرنامج للحضارة".

ربما يرى البعض ان فرويد رفض الايمان بالتنوير. كلا، والسبب واضح : فرويد لم يمجد اللاعقلانية كما فعل نيتشة. الحضارة هي عبء لكن الناس يجب عليهم تحملها لأن البديل اكثر سوءا. وهنا يمكن القول ان النظرية الاجتماعية لفرويد هي متشائمة. الحضارة تكبح باستمرار معظم حاجاتنا الانسانية الاساسية . جميعنا يعاني من العصاب. البعض يستطيع التكيف مع هذا السلوك، بينما اخرون لا يستطيعون. اولئك الذين يفشلون يتطلبون علاجا او محللا نفسيا. ولكن كيف استطاع اولئك الافراد التكيف مع عصابيتهم؟الدين، الفن، المخدرات، الكحول، الموسيقى، الجنس، السياسة . كل هذه ليست اكثر من عصا مساعدة للمشي لانها تحرفنا عن دورنا الحقيقي لنصبح اناسا كاملين.

الفنون والآداب

وكما خرج نيتشة وفرويد عن تقاليد التنوير التي اكدت على ان الانسان خير بطبعه، كذلك الفنانون والكتاب تمردوا ضد الاشكال التقليدية للتعابير الفنية والادبية. عملهم خلق ثورة ثقافية عظيمة نسميها نحن بالحداثة. الحداثة تتميز بالوعي العميق للذات. انها استبطان مكثف للفنان الحداثي او الكاتب، الذكاء اصبح عائقا للابداع والتعبير عن العاطفة الانسانية. العقل الانساني، بدلا من ان يكون محررا للانسان، الان جعل نفسه آسرا له. الفنانون الحداثيون تخلوا عن جميع التقاليد الفنية والاعراف الادبية وبدأوا بممارسة وسائط جديدة للتعبير. هم حطموا التاريخ لكي يخلقوا تاريخهم الخاص.

كتّاب امثال ,Marcel proust(1871-1922),D.H.Lawrence (1885-1930)Thomas Mann (1875-1955)، وكافكا (1883-1924)، استكشفوا الحياة الباطنية النفسية للفرد. رواياتهم، مسرحياتهم، قصائدهم تعاملت مع فكرة الانسان الحداثي الذي يرفض قيم زمانه. استبطانهم الكثيف اجبرهم على تحدي قلقهم الناتج عن الذنب المفروض من جانب المجتمع، وجنسيتهم الواعية، وتوقهم للتدمير الذاتي، وشعورهم الكاسح بالعزلة واللامعنى والاغتراب.

بالنسبة للحداثي، لا وجود للواقع. الواقع هو فردي، انه الفرد ولذلك هو ذاتي. وكقاعدة عامة، كانت الحداثة اقل اهتماما بالواقع منه الى كيفية تحويله من جانب الفنان او الكاتب. بهذه الطريقة، جعل الفنان الواقع خاصا به. واذا كان المجتمع الصناعي للطبقة الوسطى في القرن التاسع عشر منح قيمة للعقل وللصناعة والمنظمة والافكار والقيم فان الحداثويين كانوا مسحورين بغير العادي والاسطوري والخيالي والمجرد من الشكل. وبكلمة اخرى، الحداثيون صاغوا العالم متشكلا بغير العقلاني. وبهذه الطريقة يكون الحداثيون والفنانون والكتاب عكسوا اهتمامات دوستوفسكي ونيتشة وفرويد.

في عام 1900 حاول الفنانون التوغل الى المساحات العميقة في الذهن اللاواعي. كان اللاوعي المصدر الحقيقي للابداع ولذا حاول هؤلاء الفنانون تجسيد ذهنهم في اعمالهم الفنية، فجسّدوا بصريا ما لم يُمنح تعبيرا لفظيا.

يمكن الآن الوصول الى بعض الاستنتاجات العامة:

1- ان الحداثيين رفضوا الرؤية التقليدية بان العالم مكان عقلاني ومنظم. هذه الرؤية جرى التعبير عنها اولا في عصر النهضة، واصبحت هي الفكرة السائدة نزولا الى القرن التاسع عشر. خروج الفنان الحداثي عن هذه التقاليد فتح امامه امكانات جديدة كليا بالاضافة الى مشاكل جديدة كليا مرتبطة بهذه الامكانات.

2- الحداثة في الفن والادب ايضا انعكاس للقوة المتزايدة والاعجاب بالجانب اللاعقلي في الوجود الانساني، وهنا تكون الحداثة جزءا من التجربة الاوربية التي انتجت نيتشة وفرويد.

3- نيتشة وفرويد لم يصنعا الحداثة. لم يضعا المصطلح لها وانما كانا مراقبين جيدين لعصرهما، وكل بطريقته الخاصة عمل كطبيب لتلك الصيرورة العظيمة – الحضارة الغربية.تشخيصاتهما لم تكن جيدة. الحضارة كانت تتغير امام عيون كل اوربي. التغيير كان في كل مكان، لكن للتغيير ثمنا. التفككك وعدم اليقين في وقتنا الحالي.

 

حاتم حميد محسن

 

انطلاقاً من مشروع الدكتور علي شريعتي الذي يدعو الى (غربلة) الدين ومن ثم بناءه ايدلوجياً ليواكب التطور السريع الذي تشهده كثير من العلوم لتأصيل الحلول ومعالجة الإشكاليات التي تثار حوله . رأيت أن أكتب سلسلة من المواضيع (حسب طاقتي واطلاعي) تصب في هذا الباب وتفتح مجال لزيادة الوعي (النباهة حسب تعبير شريعتي) بكثير من الإشكاليات المطروحة على الساحة، ومحاولة لنبذ التزييف والتشويه ( الأستحمار حسب تعبير شريعتي ).. ولعل من أهم المصطلحات وأجدرها بالبحث والتعمق .

أولاً: التقليد - وهو قدوة وأسوة، يتحقق بمجرد العمل، أو بمجرد الجزم والعزم على العمل بقول عالم (مجتهد) معين، وهو (أي التقليد) الطريق الأكثر عملية لجل الناس، ولا يخفى على الباحثين والدارسين أن مسالة التقليد رغم عمرها القصير نسبياً فإنها ساهمت في إيقاف حركة الوعي (النباهة) عند الكثيرين بعد ما نجح بعض الدعاة الى تلقين جمهورهم شعاراً عائماً لا حدود لتفسيره منتزعاً انتزاعاً من قوله تعالى (فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) وحقنوه مخدراً شاع بين الناس (ذبها براس عالم وأطلع منها سالم) فضلاً عن مساهمتهم في تسطيح مفهوم الراعي والرعية من (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، فأنتجت هذه الدعوة مقلداً أعمى يطيع طاعة عمياء لا يقبل بها الواعي (النبيه) فضلاً عن العالم !!

فتحول التقليد الى التسليم المطلق والذي ورّث الآف المفاسد، ومن المؤسف أن بعض العلماء راحوا ينظرون بشكل حتمي للطاعة ويروجون لها، حاسبين ان عموم الناس مجرد قطيع وأن الراعي ليس عليه الإ علف الرعية وقيادتها الى المرعى حتى أضحى التقليد الذي يعتبر مبدأ من المبادئ (الإسلامية بوجه عام والشيعية بوجه خاص) الراقية أداة سلبية باتت تُخضع المكلّف للتقليد الأعمى حتى في الأمور العقلية والفكرية وراح المقلد يسأل مقلده عن أمور حياته اليومية البسيطة، وكأنهم أصبحوا (أي المقلدين) عبيداً لعقل أو عقلين يفكرون عنهم بالأجماع، ورحلت الكثير من العقول وغيبت بسبب مخالفتها لهذا التزييف المتعمد (الأستحمار)، وتصبح الكارثة أكبر اذا صارت الاستخارة هي العقل وهيمنت عليه، وقد تعرضت شخصياً لهذا الأستحمار !!! فقد طلب مني بعض الأطباء (الملتزمون) أن أقوم بتصميم مجمع طبي مكون من أربع طوابق يضم معظم الاختصاصات وبعد المضي في التصميم وقطع شوط طويل تفاجأت بإلغاء المشروع من قبلهم وعند الاستفسار عن السبب ؟ أتضح أنهم أخذوا استخارة أكثر من مرة وكانت غير جيدة !!.... هذا نموذج من الفهم الخاطئ وتغييب العقل والتخطيط السليم، ينقل عن أحدهم قوله: أن ضم الناس الى العالم كضم الحجر الى البشر !! .. فيما كتب آخر: فليس الحاكم الإسلامي كالحاكم الديمقراطي يستمد سلطانه وسلطاته من الأمة، فإن النظرية الإسلامية لا تعترف بمثل هذا السلطان للأمة!!

وأخيراً مما دفعني الى هذه العجالة هو ما أراه من أن الأستحمار قد بلغ درجة من القوة والشيوع في زماننا هذا، لم يسبق لها نظير على مر التاريخ . فقد كان الأستحمار في الماضي تابعاً لنبوغ المستحمرين وتجاربهم!، اما اليوم فقد أصبح معززاً (بالعلم) وبـ (القنوات الفضائية)، وبـ (المال)، وبـ(التربية والتعليم) صار فناً مجهزاً بالعلم والمعرفة، دقيق جداً، يصعب على المستحمرين رفضه والانفكاك عنه !!

 

حسنين الربيعي

................

مصادر البحث:

1) الفتاوي الواضحة للشهيد الصدر (قدس سره)

2) أزمة العقل الشيعي، مختار الأسدي

(3 النباهة و الأستحمار، الدكتور علي شريعتي

4) التشيع العلوي والتشيع الصفوي، الدكتور شريعتي

5) مجلة قضايا اسلامية معاصرة

saleh alrazukتعتبر موضوعة النهضة والتنوير عند العرب من المسائل التي تشغل الذهن العربي. وإذا كانت تسمى في فترة الاستقلال بالإصلاح فإنها أخذت تسمية اليقظة بعد نكسة حزيران وبزوغ فجر القومية العربية.

اليوم نحن على عتبات عالم جديد لا مكان فيه للعروبة، فهي ذهن يعيش أمجاد الماضي وفتوحاته المشكوك بها.

ماذا قدم القوميون العرب لهذه الأمة التي تنقسم إلى ثلاث شرائح:

 

حطام الربيع العربي وصعود السلفيات المعاصرة

والرأسماليات المحلية التي تستقطب العامل البسيط والعقل المعطل عن العمل، وتستعمل لهذه الغاية عدة تقنيات تصب كلها في أسلوب واحد وهو الإغراء والتشجيع على الوهم.

إن استعلاء الأفراد على مجتمعاتهم، ولا أقصد عفوية المجتمع وإنما شروطه تقود النخبة لتبرير هذا الاستلاب وهذه الخيانة لدور المثقف.

والنتيجة في النهاية تعطيل الإحساس بالأزمة إن لم نقل تحويل أو تزوير طبيعتها.

لقد اختصرت الرأسماليات المحلية المنطقة إلى واحد من إثنين: الحرب أو الحياة. وكانت العلاقة الطبيعية بين الإنسان والأرض هي مجرد دافع غريزي يمكن قراءته بكل سهولة بمنظار فرويدي.

وتبقى الشريحة الثالثة والأخيرة من المحايدين الذين يعيشون في أوهام وطن لا علاقة له بماضيه. وكأنما المستقبل ضرب من الخيال العلمي والفانتازيا.

إن ماضي هذه المنطقة لا يسهل المهمة على الحياد. فهذه الكلمة تصعب قراءتها في ضوء المعطيات، وبالأخص إذا كنت تتكلم عن تحولات تقدس الرواسب التاريخية وتعتقد أن الحل لهذه المهزلة يكون بالإحياء وليس بالابتكار.

لقد اختلطت الأوراق مع التسميات في هذا الجو المعتم والميؤوس منه ولم تعد توجد حدود واضحة بين المسميات.

فالإصلاح السياسي ارتبط رسميا مع الإصلاح الديني. وكلاهما حمل عدة صفات وأسماء منها التنوير والنهضة والتجديد والتحديث.

وإذا كان فصل هذه المصطلحات يدخل في باب التعسف فهو دليل على قلة وضوح المعطيات.

أين يبدأ المجتمع وأين تنتهي الإلهيات.

وما الفرق بين اليقظة والنهضة والتنوير.

إنها عبارة عن بقايا لصراع أفكار يستمد مشروعيته من تعقيدات الذهن العربي.

وهذا العقل حتى اللحظة مشتت بين أوهام ميتافيزيقية وواقع يزداد في التخبط والسقوط.

وخذ على سبيل المثال معركة الدين، هل الشرط أن يكون الإسلام عربيا أم أنه إسلام أممي.

لا يمكن أن تجد إجابة مقنعة لأن المذاهب حتى الآن تقرأ الدين بمفرداتها ولا سيما في التشيع والذي له عدة صور منها التشيع العربي والفارسي. وكأن الإمام علي شخصية مركبة تتكون من عدة هويات وأصول.

وكذلك الأمر بالنسبة للحداثة، هل يمكن تحديث العقل العربي أم أنه يرتبط حكما بالجمود والخرافة والأساطير ولا بد من استيراد منظومة غربية نبني مستقبلنا المعرفي على أساسها.

من هذه النقطة بدأت حملة تجريم طه حسين والتشكيك بمصداقيته، ثم انطلقت حملة تجهيل كل الأمة وإطلاق صفة الجاهلية المعاصرة عليها وإعلان الجهاد المقدس ضد واقعها الراهن.

ولو عدت إلى أرشيف الفكر العربي ستجد أن الخلاف ليس في المعاني ولكن في الأولويات.

وأقصد بذلك من له الأسبقية: التنوير أم النهضة.

وباعتقادي توجد حاليا مدرستان:

مدرسة الليبراليين الذين يقولون مع ألبرت حوراني أن النهضة العربية بدأت عام 1789 وأعقبتها حركة تنوير تمثلت بالاتصال مع الغرب من خلال الرحلات وحركة الترجمة.

ومدرسة السلفية المعاصرة (المحافظون الجدد) ويرون مع حسن البنا أن الامة الإسلامية مغدور بها وهي تعيش في حالة تفكك وتقترب من خطر وجودي ولا يمكن التغلب عليه إلا بإحياء الأسلاف وبصيغة الماضي.

ولا شك أن هذه المدرسة تتأرجح بدورها بين تحديث مشروط وتكفير لكل أنواع التجديد.

والاختلاف يعبر عنه موضع الفريضة الغائبة: الجهاد وغاياته. وطريقة الارتباط هل هي بالبيعة أم بالموالاة. وما هو أساس الترابط أهل الثقة أم أهل الكفاءة.

المشكلة الأساسية في هذه الصورة هي المسافة الواسعة بين الطرفين، لقد تحول الفرق إلى هوة يصعب القفز من فوقها.

وقاد ذلك كل طرف إلى استعمال لغة وأدوات مختلفة ومتحاربة.

ولا أعتقد أنه توجد أمامنا فرصة للتفاهم.

حتى أن فكرة صراع الحضارات وموت التاريخ أصبحت تنطبق على هذه الوضعية.

فالأفكار غير قابلة لإعادة الانتشار.

والصراع بينهما هو صراع على وجود.

وظلام السلفية المعاصرة أصبح يقف أمامه ظلام اليسار العربي. والحقيقة أنه لم يعد هناك يسار حقيقي في هذه المرحلة. إنه مجرد صدى لموقف يحدوه العناد أكثر مما يحركه الوعي والضرورة والرغبة بالبقاء.

وأستطيع أن اقول إن اليسار بدوره يعيش نوعا من الانفصام بين المادة والروح. فجزء يتمسك بالحلول الجبرية. أو إجبار الفكرة على تلبس الأدوات. وبوضوح اختيار ميول عدوانية لحصد أكبر قدر من المكاسب دون استراتيجية بعيدة الأمد. لقد تخلى اليسار عن كرامته ولم يكن واقعيا أبدا. وهو حاليا في معدة العسكر أو في جيوب وخزانات الرأسماليات المحلية. ولا أستطيع أن أرى كيف سيحافظ على مستقبل أبنائه وهو يعيش في مستنقعات الآخرين. شكل جذع بلا رأس. أو عضلات بلا عقل مفكر.

هذا إن لم نقل إنه يذوب تلقائيا في بوتقة الأمم الأخرى ليفقد كل الصفات النوعية ويصبح طرفا في يسار متعولم يخدم مصلحة وطنيات لا تعرف شيئا عن العروبة أو قدر الشرق الأوسط.

لقد تكررت هذه المأساة عدة مرات في تاريخنا المعاصر.

فاليسار الدولي لم يرحم إرادة الشعوب وتصرف معها بأسلوب استعماري كانت له نتائج وخيمة. وأذكر هنا بحرب عائلة كينيدي في فيتنام، والتي أرى أنها سقطة وعيب في تاريخ الديمقراطية الأمريكية.

وكذلك بحرب الاتحاد السوفياتي في أفغانستان.

لم يضع اليسار لا في الغرب ولا المشرق في اعتباره الخصوصيات المحلية وشاء أن يربي الآخرين وفق معايير مفروضة من فوق شروط التاريخ والمنطق. لقد كانت هذه الحروب أشبه بسياسة الأب الإله الذي يتبع أسلوب الإلحاق والضم وليس التوعية.

إن المشكلة الأساسية التي يعاني منها العرب هي زيادة الثوابت غير التاريخية التي مهدت لعقل سكوني غير حضاري ولا معرفي وينظر لكل شيء بمنظار التقليد.

لقد ازدادت مساحة الجمود وعبادة الأب على حساب المتحرك والمتحول والذي يحمل حساسية لا بد منها تجاه عامل الأحقاب وقوانين العصر. أو ما يسميه آينشتاين النسبية. يعني قانون توالي الأزمنة وليس تكرارها.

ومثلما ردد الليبراليون مقولة حوراني واعتبروا القرن الثامن عشر منعطفا لبداية النهضة. كرر المحافظون مقولة البنا وتناقلوا فكرة جاهلية المجتمع ابتداء من سيد قطب والهضيبي وحتى الأشكال الاخيرة من الحركات السلفية.

وقد كان الفضل لتداول أطروحة حوراني يعود لهشام شرابي(1)، والذي رأى في (المثقفون العرب والغرب) أن تاريخنا العقلي الحديث ينقسم إلى ثلاث موجات متعاقبة وهي اليقظة العربية التي تزعمتها طبقة من المثقفين العرب ص 17 وجاءت جزءا من التطوير الإيديولوجي كتعبير عن عملية التعليم والتنوير والاتصال بأوروبا ص 16.

وطبقة المصلحين والتي تعني حكما التحديث الإسلامي ص 21. وهي حركة انبعاث وراءها نزعة محافظة إنما متنورة ومسلحة بإدراك عقلاني. ص 21

والفكرة القومية ذات الاتجاه العلماني والذي عكس رغبة المسيحيين بعقلنة التاريخ الإسلامي وتحديد علاقة المسيحيين العرب به. وما ترتب على ذاك من فرز بين الوحدة الاجتماعية والوحدة الطائفية لبلورة المفهوم التجسيدي لما يسمى في أدبيات الدولة: الوطن ص 74.

ولكن هذا لم يمنعه من مخالفة حوراني واستبدال حدوده التاريخية للنهضة وهي 1798-1939 بـ 1875- 1914.

ومن الواضح أن الفرق هام وملحوظ لا سيما في تحديد النهايات. فحوراني يعزو إليها الحرب العالمية الثانية وأزمة البورجوازية العسكرية وصغار الضباط أو أزمة المجتمع الصناعي الحديث ككل، بينما يراها الشرابي تقتصر على أزمة الإقطاع وانحلاله وتفكيكه واندلاع شرارة الحرب الكونية الأولى.

إن حالة حوراني تفرض على العرب مؤثرات من الخارج، إذ لم يكن للشرق دور هام في صناعة الاتجاه أو مصير العالم المصنع عندما اندلعت الحرب الثانية. في تلك الفترة كان الشرق والغرب تحت الاحتلال والانتداب ودورهم يعكس المتغيرات، إنهم مجرد حامل للأزمة وليسوا موضوعها ولا هدفها.

بينما حالة الشرابي تعكس دورا أكبر للمشرق وللعثمانيين والإسلام فيما يحصل. فقد كان تحالف الأتراك مع الفاشية والنازية مؤسفا وجر الويلات على المنطقة وقاد العقل العربي للخروج من غيبيات ومسلمات لا يطالها الشك باتجاه يقظة وعصر أنوار يحمل متغيرات بنيوية هامة.

وربما كان يعتقد الشرابي أن النهضة بدأت مع إلحاق المرض بالإقطاع وانتهت بتفكك الاقطاعية واندحارها وتدفق الرأسمالية الغربية على المنطقة ورعايتها لشريحة من صغار الرأسماليين وكبار البورجوازيين.

ومثل هذه الحدود تبدو مفهومة ومنطقية لأنها تعبر عن المخاض المحلي أكثر مما تنفعل بصراع الصناعة والزراعة وراء حدود المتوسط.

غير أن للاسلام العربي رأيا آخر. فهو ببساطة ينظر إلى المتحول على أنه الشيء ونقيضه. ولذلك كانت النهضة هي الاصلاح الاجتماعي لعقل الأسطورة. وأعتقد أن هذه الأفكار تحمل بذور ثورة الحداثة على نفسها.

فما بعد الحداثة التي ألغت سلطة المركز ووضعت الإنسان في دائرة اختيارات مفتوحة تعادل نفسها وتدعو إلى التوازن بين الاستراتيجيات والأفكار غير المتبدلة أو بين الإله ومفهوم الإله في العقل البشري أعقبها ما بعد - بعد الحداثة. وكانت تعمل جهدها لفرض أسطورة يمكن للعقل المادي والتاريخي أن يقبلها.

ومثل هذه التوأمة للميتافيزيقا مع الإدراك المحدود قاد الإسلاميين إلى تعريف النهضة من خلال متحولين:

- تحولات اللامتناهي والتي يسميها ماجد الغرباوي فعلية الأحكام (2). فالأحكام كما يرى تتغير بتغير الموضوعات. مثل العبادات وغيرها من التشريعات كقضايا المرأة في الإرث والحقوق الشخصية ومأساة قوامة الرجل عليها مطلقا، ففعلية أي حكم تتوقف على فعلية موضوعه المتوقف على الشرط والقرائن والمقدمات. وأوضح مثال على ذلك الجهاد. إنه لدرء الحرابة. أو للدفاع عن النفس. فإن لم يكن هناك حرابة لا يوجد تشريع موجب للدعوة إلى الجهاد.

- ثم تحولات المتناهي فالدين غير التشريع.

لقد تأثر الإسلام العربي بالوضعيات. وجزأ الفكرة إلى عقل محض وعقل تطبيقي. وهذا جعل أمام النهضة نطاقا أوسع للتراكم والتطور. بحيث أن كل ما هو غير سلفي يكون بالضرورة نهضويا. ولذلك إن بدايات الانهيار في الاقطاع العثماني هو بداية عصر النهضة أو الإصلاح.

ويعتقد الغرباوي أنه يتزامن ليس مع الدعوة إلى التحديث والانفتاح على فتات الترتيب الهرمي للمجتمع في السلطنة وإنما مع الدعوات المتتالية للثورة على نظام الأب الإله، والمناداة بوضع دستور.

إن الدستور هو بداية فجر النهضة عند العرب. وهذا عنده يبدأ من منتصف القرن التاسع عشر وحتى بدايات الحرب العالمية الأولى. يعني منذ ظهور بوادر تفكك واختراق حدود الامبراطورية في الشرق (مصر وأفغانستان وإيران - وهذا يتوافق مع بروز شخصية الداعية جمال الدين الحسيني المعروف بالأفغاني) وحتى سقوط الامبراطورية وإعلان معاهدة سيفريس وتأسيس الجمهورية في تركيا. وبروز شخصية الداعية محمد حسين النائيني. وكلاهما من أعمال الدولة العثمانية وليسا من دائرة الثورة العربية الكبرى أو تمهيداتها. وهذا أول فرق في هوية النهضة كما يراها القوميون والإسلاميون. وهو فرق نوعي. بدليل أن مفهوم الثورة تأخر في الدخول إلى وعي الإسلاميين.

ولا ضرورة لتفسير هذه الاختيارات. فالفكر الإسلامي منطقيا يتأثر بما يجري في أقاليمه الأساسية ولذلك لم يكن للتحول في العقل العربي دور سيادي. وإنما العكس، كانت التحولات في العقل الشرقي هي المحددة.

وهذه ملاحظة جديرة بالاهتمام. أن تكون النهضة مدينة للحواضر أو لنظام البلاط بانطلاقها وليس لعقل العرب البداة مع أنهم أول من نشر الدعوة.

لا أستطيع أن أفهم لماذا اهتم القوميون بالحدود والفواصل ولماذا كانوا مولعين برسم الحقول التي تتحرك فيها شتى المدارس.

فقلة اهتمام الإسلاميين بهذا التصنيف يتلاقى مع عدم توقف الليبراليين عنده.

إنهم لا ينظرون إلى النهضة والتنوير كأحداث موسمية، ولا يضعون بينها فواصل كما يفعل غيرهم.

وإذا كان لا بد من مثال، إن سعد رحيم ينوه إلى تداخل هذه المفاهيم (3). ويرى أنها تختلط في بوتقة واحدة مع الاصلاح الديني والحداثة. وهي كلها تستعمل لتسمية الشيء نفسه ص 6.

حتى أنه شخصيا يقفز من فوق هذه المصطلحات ويدمجها مع ظواهر عامة مثل اليقظة التي يؤكد أنها لا تختلف عن إصلاح الدين ص 8. وتقف على مسافة من النهضة والتنوير. ولكنها تؤشر على بدايات فكر المدينة وما رافقه من تغير في العلاقات وأدوات الانتاج. ص 8.

والواقع أن سعد رحيم نموذج مثالي لتفكير الليبراليين. فهو يتعامل مع المفهوم كنشاط أفكار.

ولذلك رأى أن النهضة سبقت التنوير الذي يسميه الأنوار. جريا على عادة المؤرخين في الغرب.

أما النهضة نفسها فهي ليست بسيطة وإنما مركبة. وتتألف من مرحلتين :

الأولى تبدأ مع الطهطاوي وتنتهي بمحاكمة علي عبد الرازق وطه حسين.

والثانية تبدأ من طه حسين نفسه وتنتهي بهزيمة حزيران.ص 29.

ولا يمكن أن يخفى تدوير المصادر في فكرة وتعريف سعد رحيم. فالنهضة الأولى هي مصرية مائة بالمائة. والثانية عربية لها أفق قومي وعسكري.

ويمكن أن ترصد في هذا التحقيب عدة سمات:

1- النهضة مروية حضارية. تتألف من وحدتي سرد. انبعاث وموت وإحياء. وكأنها أسطورة تموزية بإطار فرويدي لها حدان متعاكسان: الموت و القيامة و التي يطلق عليها التموزيون اسم الانبعاث. فإذا انتهت النهضة الأولى بالمحاكمة فإن الثانية انتهت بالإدانة. وإذا بدأت الأولى بتسويق الأفكار بدأت الثانية بالشك بالسرديات الكبرى وفي المقدمة مؤسسة الشعر الجاهلي. ديوان العرب. الأمر الذي يضع كل جذور العرق العربي موضع الشك ويتهمها بالتلفيق.

2- وهي أيضا نتاج نقل للأفكار. ولا سيما ماكينة أفكار العقل الإمبريالي. فقد بشر الطهطاوي بالحضارة المتوسطية بينما طه حسين مهد للفكر الهيليني البطليمي.

3- ويغلب على هذا التفسير أنه فكر أزمة. وله حبكة لا يمكن أن تنفرج. وهي ذات نهايات مفتوحة على التراجيديات المحلية. مقابل الأبعاد التربوية لنظرية القوميين والبعد الإصلاحي عند الإسلام المعتدل.

4- وهو تعبير عن البلبلة العقائدية للشباب. وللأسف لم يتوسع سعد رحيم في هذه النقطة. وأغفل اسما هاما من الموصل هو يونس السبعاوي الذي يعتبر رائدا هاما للنهضة قبل الحرب العالمية الأولى. وهو من بين القلائل الذين اهتموا بأنوار المشرق وليس بالغرب الاستعماري. واتصل بالسلطات الروسية للحصول على منابع العلم والقوة العسكرية (كما يقول خلدون الحصري)(4).

ويضاف لذلك أنه ينظر الى النهضة كمروية لها سياق تركي وعربي.

ومثل هذا العزل بين الطرفين تتخلله فراغات، فهو يضع الأفغاني مع العرب. ولا ينكر أنه داعية أصولي اختصر مهمته في التبشير بأممية إسلامية ثالثة. بعد الإسلام العربي والتركي. وبإحياء الهوية الإسلامية الأصيلة بعد تخليصها من الشوائب.

وكأنه نسخة إسلامية من (غربال) ميخائيل نعيمة لفرز التجديد والحقيقة من الوهم والخرافة.

ولا أعتقد أن هذه المشابهة غريبة على تفكير سعد رحيم. فهو ينظر للنهضويين كجيش أو ميليشيا من الأدباء الذين قدموا فكرا تجريديا لإعادة تشكيل الذهن الإسلامي. وكان واضحا في انحيازه للجانب المعرفي من النهضة وعدم إسقاط الهم السياسي عليها، فقد نقل عن محمد عبده أنه لعن السياسة والسياسيين ص 90. وقاده ذلك لإضفاء طابع غامض وتصوفي على أئمة ومشايخ النهضة. ولا سيما الأفغاني ورشيد رضا.

الأول لأنه مجهول الهوية ولأنه لعب دورا مشكوكا بنظافته في كواليس عدة دول. ولم يبق إلا أن يقول إنه لورنس عرب آخر. أو جاسوس أعجمي لديه وظيفة تخريبية. من مكائد ومؤامرات ص 19.

والثاني لأنه أصولي محافظ وسليل خط ابن تيمية ومحمد عبد الوهاب. وتزمت ابن حنبل. ص 21. وهذا الثالوث إذا اجتمع في شخص لا بد إلا أن يكون تمهيدا للسلفية المعاصرة وليس الاتجاه الديني النهضوي المستنير.

مثل هذه الملاحظات اقترنت أيضا بتحديد كل الفضل في النهضة في العنصر غير العربي.

ولا سيما حر ب نابليون على مصر وتولي محمد علي للحكم.ص 24.

إن محمد علي أصلا هو بمثابة فيليب العربي. لقد حكم مصر لأنه مسلم مثلما حكم فيليب روما لأن والده من التبعية الرومانية.

لقد كانت النهضة العربية عند الليراليين مفصلا هاما في تجديد العقل ولكن هذا لا يلغي حقيقة أنها مختلطة المصادر، وتدين بوجودها لضعف الامبراطورية العثمانية أكثر مما تدين لوعي العرق العربي. ناهيك عن تململ الأديان والمذاهب التي تمنعها الدولة.

ولا يمكنني أن أشك لحظة واحدة أن من حمل أعباء النهضة من المماليك ومن الشعوبيين غير العرب أو الأغيار. أضف لذلك العامل المسيحي الذي عبر عن طموحاته ونفسه بتيارين: حركة نزوح إلى المهاجر نجم عنها تفريغ جغرافي وسياسي. والمناداة بالثورة وتبديل العلاقة مع الدولة.

وكل هذه العوامل زادت من مساحة الأسرار أو الأصح الجانب الأسطوري من أبطال ونجوم النهضة. وضاعفت من الموقف الوجودي لصراع النخبة مع النظام.

لقد كانت النهضة موقفا من العالم قبل أن تكون اكتشافا للذات.

إنها تجسيد فلسفي لتجليات الوعي الثوري بعوامل الضعف والسقوط والفوضى. أو كما يقول سعد رحيم وعي بانحلال المعرفة وتحويلها وتبدل في قواعد الإبستمولوجيا ص 24.

عموما يشكو مشروع النهضة العربية من عدة عيوب أساسية.

الأول في المنهج. كيف يمكن أن نبدأ بالنهضة قبل التنوير. فالمنطق يستدعي التخلص من الفكر الظلامي وقانون التجهيل والتخلف (أو الأنوار والاتصال بالحضارات الحية – الغرب في هذه الحالة) ثم الانتقال للدعوة إلى الإصلاح لتأسيس نهضة ملموسة ذات ثمار.

العيب الثاني هو الاتفاق على قراءة اجتماعية لهذه الحركة. فالشرابي والغرباوي يعتقدان أن الإصلاح حملت لواءه طبقة من النخبة أو الأنتلجنسيا التي لها حظ وافر من التعليم والمعارف. بينما يعتقد رحيم أن النهضة هي اختراع الطبقة المتوسطة. وكأنه انتقام طبقي من مجتمع القنانة السابق والإٌقطاعيات التي احتكرت كل شيء. ويذكر بالحرف الواحد: إن مشروع النهضة هو نتاج الطبقة المتوسطة الصاعدة. ص 53. وهي نفس الطبقة التي اضطر لرثائها بعد دخول اليقظة القومية في مرحلة الاستقرار ثم الجمود. وتحولها إلى تروس صغيرة (العقب الحديدية التي تكلم عنها جاك لندن). لقد كان مصير هذه الطبقة تراجيديا في الفترة التوتاليتارية.

وهو ما يضعنا أمام انتكاسة على الصعيدين العسكري والاجتماعي. قاد إلى اضمحلال حامل النهضة وبالتالي موت مشروعها.

وإذا كانت الإمبراطوريات الأساسية قد هضمت العقل الحديث وألحقت به الذوبان. وهو ما يعرف بأزمة موت الإيديولوجيا. نحن دخلنا في غيبوبة للوحدات السردية الكبرى ( باعتبار أن تاريخنا سردي بعد سقوط المشروع الإسلامي ولا علاقة له بالإنتاج والعمل بتعبير حمزة عليوي) وشرعنا بالانحدار في مرحلة لك أن تسميها: موت النهضة أو موت التنوير.

والواقع أن التفسير الطبقي هو نصف الحقيقة. فالنهضة بالإضافة إلى أنها ثمرة مجهود المحرومين من أبناء الفئات الصغيرة. هي أيضا ثمرة تجليات الوعي العرقي. ويقظة أبناء الأقليات لواقعهم المتدني في مجتمع منغلق على نفسه وبطريركي. تحكمه سلالات وعلاقات دم وأواصر قرابة. بمعنى أنه مجتمع عشائري.

وهذا يجعل الصورة معقدة قليلا. وتفسيرها يحتاج لنظرية في علم اجتماع المعرفة. وربما لهذا السبب هيمنت علينا ولحوالي نصف قرن إيديولوجيات إشتراكية في إطار "قومجي".

ويتوقف سعد رحيم عند هذه النقطة التي يرى أنها خلل فاحش في بنية وآلية العقل ذاته. ويتهم الفكر القومي أنه كان رومنسيا وحالما ويبني كل شيء على افتراضات ليس لها وجود أدت إلى تخبط الدولة القومية. بينما استمد الماركسيون مشروعيتهم من الرؤية الواقعية لتاريخ له ركام هائل في التراث النظري الإشتراكي. ص 64- 65.

ومن وجهة نظري هذا التحليل منحاز وموسمي.

بمعنى أنه يناصر الإشتراكية الأممية وينظر إلى العقل القومي وهو في مرحلة الانحطاط وليس الصعود. وبالضبط حينما تحالف مع اليمين والرأسمالية الشرقية بوجهها البدوي الإقطاعي للاحتفاظ بالأرض لأطول فترة.

لقد كان الخلل برأيي في مشروع النهضة ذاته. يمينه ويساره. فهو مشروع نهضة تخلف مثلما كانت اشتراكياتنا تميل للتعامل مع واقع الانحدار والفساد.

وأية قراءة للواقع النهضوي بكل أجياله ونسخه تحمل وصمة عبادة الأب. سواء النظام أو المرجعيات التي لا تحتمل لا النقاش ولا المداولة.

فأحزابنا الشيوعية كانت مجرد مديريات لتنفيذ قررات خطط لها السوفييت.

وإلا لماذا فشلت التجربة الماركسية في اليمن الجنوبي.

وأجد أن التدهور هو صفة بنيوية في العقل العربي الذي أنتجه مجتمع الهزيمة. والإشارة هنا لهزيمة 1921 أمام سايكس بيكو. ثم هزيمة 1948 أمام الانتداب البريطاني لفلسطين. هذا غير السقوط المخزي عام 1967.

وكل إفرازات حروب المائة عام بين تفكيك الإمبراطورية العثمانية وموت فكرة الوحدة العربية قاد جميع الأحزاب والتيارات إلى الإفلاس.

فالإخوان المسلمون خسروا جمهوريتهم الثانية في مصر. والبعث تحول إلى نوع من الروتين العقائدي مع استعمال أدوات فاشية (ولنتذكر صدام حسين وعلي عبدالله صالح). والشيوعيون انقسموا إلى اتجاهات محلية تحمل أمراض التخبط القومي. لقد خرجوا من مشروع النهضة بكل سهولة وراهنوا على الديمقراطيات الغربية. وحاليا في سوريا ثلاث اتجاهات تعمل على الأرض دون أي رصيد ملموس وهي: الشيوعي السوري بعقليته الكلاسيكية. والشيوعي الموحد والإرادة الشعبية الذي يدير قواعده من موسكو. حيث يعيش مؤسسه وأمينه العام.

العيب الثالث والأخير مصدره العلاقة بين الإلهيات والعقل. لقد كانت النهضة العربية ذات طابع خجول. لم تكن راديكالية بما فيه الكفاية. ويغلب عليها مشكلة في التجسيد. فالتوحيد لم يقتصر على صياغة مفهوم الأب المعبود فقط ولكن أيضا إسقاط كل حواشيه وصفاته لدرجة التماهي. وكأن للإله عند المسلمين صورا بمثابة رموز تنوب عنه. وهذا لم يساعد أحدا في تنمية وتطوير الوعي بعزل الصفات. أو ما يمكن الإحساس به وما يمكن إدراكه فقط.

ولذلك كانت النهضة العربية تحمل موبقات الانحطاط كله. وتذكرنا بآخر عهود المملكة السورية القديمة التي عبدت الملك وتسببت بسقوط الدولة وفتح الباب للاستعمار.

وهذا ما حصل مع النهضويين. لقد تخلصوا من الإمبريالية التركية ليسقطوا ضحايا في حفرة إمبرياليات غيرها تختلف معهم في العقل وأساليب الفهم والإدارك.

 

د. صالح الرزوق

.......................

المصادر:

1- هشام شرابي المثقفون العرب والعرب، دار النهار، بيروت، 1981.

2- ماجد الغرباوي. دعوة لإنقاذ الدين من سطوة الفقهاء. المثقف. عدد 2962. خميس 16-16-10 - 2014.

3- سعد محمد رحيم، روافد النهضة والتنوير، منشورات دائرة الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2015.

4- الأفكار السياسية ليونس السبعاوي. من أرشيف الحلقة الدراسية الخاصة عن الحياة الفكرية في المشرق العربي 1890- 1939 . الجامعة الأمريكية في بيروت. 29-31 أيار. 1979.

 

mustafa alomariيعتمد العقل احياناً على مقاسات جاهزة ومشاريط حادة، تتخذ لها مكاناً مرتفعاً لكي تراقب كل من يمشي على الارض او من يروم الانعتاق من هذا العالم الكبير، هذه العقول تحمل ادواتاً حادةً وقاتلة مهمتها الانشغال والترقب من اصدار منتج جديد يحرك العقل ويزيح التالف من القديم. وبين تزاحم الفكرة وقيود التفكير تتبخر معظم الخلايا العقلية، فتهجر مكانها الحقيقي وتترك خلفها صخرةً لا تقوى على النمو او الحركة . النتيجة معروفة، حتى لمن لا يملك عقلاً واعياً، وهي : يجب ان ترحل طاقة التفكير والتأمل ويبقى الوعي الوراثي الميت الحاكم منذ زمن بعيد .

في رحيل العقل الحي المتسائل وبدورة غير كاملة وغير ناضجة يتم اعتماد العقل المغلق الميت، فتنتج الازمات والكوارث وترتفع الدماء الى حيث الله والسماء، ويبقى السؤال الازلي ملحاً على الذهن دون الاقتراب من الجواب، ماهي اسباب الانحطاط والتدني في المجتمعات العربية والاسلامية ؟

وتستمر التبريرات المختبئة خلف سياج المعرفة واسم الدين، تستمر في تشغيل ماكنة الضخ المفرط في ملء عقول الناس بالهابط من الرأي والسفيه من القول . مازال العقل المنتفع الماكر يحاول بناء سياجٍ فاصلٍ بين جمهوره وبين الفكر او اللامفكر فيه، ويستمر بالتحذير من الدنو او الاقتراب من ثقافة وانسانية ودين الاخر، هذا يعني اننا لسنا من الصبح بقريب ولازال سجى الليل يؤرقنا برؤياه المخيفة وشخيره المرعب .

اغلب المجتمعات العربية تبحث عن الله، وتحاول الوصول اليه، لكن هذه الاغلبية غير مدركة ان البوصلة التي تهتدي بها الى الله معطلة لايمكن ان تهتدي الى متر واحد نحو الله مالم تحرك العقل الذي وهبه الله لك. غاب عن منظور الاغلبية ان الله هو فضاءات هذا الكون والذي يريد ان يصل اليه يجب ان يعبر مسافات ويقطع حدوداً ويهجر موروثاً ويطمر مخلفات . الذي يريد ان يسافر نحو الله والعقل يجب عليه:

1- يحمل جوازاً عالمياً، هذا الجواز هو الحب لكل عباد الله

2- ان يتخلى من ثقل الموروث الذي عُبئ من خلال العقل الميت

3- المساهمة في احياء الارض وما عليها

4- الابتعاد عن الخوض بكل ما وراء الطبيعة او مابعد الموت وحجز مقاعد وفنادق في الجنة

5- ليس للاموات قيمومة على الاحياء الا ماينفع الحياة البشرية، كأن تكون نظريات علمية او اختراعات قابلة للتطور

6 عدم تقديس اي انسان حياً كان او ميتاً، لأنه قابل للمساءلة والمفاتشة

بالوقت الذي انقد فيه العقل الميت واطالب بالتحرر منه، يجب ان اعترف، ان هناك وعياً مضمراً وثقافة تساؤل كبيرة في اوساط المجتمع العربي الاسلامي،المجتمع الذي كان يخشى من السؤال ويعده انتحاراً على ابواب الفقيه، صار يجرؤ لكي يرد على كل فقيه لا يراعي حرمة العقل والمجتمع .

قبل فترة قصيرة جاء رجل دين مشعوذ خرافي الى امريكا، خطب بالناس قال لهم ان الامريكان كفار وامريكا بلاد كفر، الامر لم يمضي كما توقع هذا المخرف قام له احد الجالسين ورد عليه بقوة .

أُعوّلُ كثيراً على ذلك الوعي الساكت الان، لكني اطلب منك انت ايها الواعي ان لا تطيل السكوت فالمرحلة خطرة وسريعة الجريان .

 

مصطفى العمري

fatima almomani«سكت فقالوا׃هدنة من مسالم وقلت׃ فقالوا ثورة من محارب» .. البشير الإبراهيمي

تـعتبر مسألة التنوير من بين المسائل التي شكلت هما فلسفيا، لأنها تتميز بكونها تحول جذري على كافة المستويات في المعرفة، في فهم الإنسان، في تصور الطبيعة، وفي معنى التاريخ...إن التناول الفلسفي لمسالة التنوير بالنظر إليها كظاهرة عقلية تحتاج إلى تمثل واع إزاء أفق جديد يبحث عن ظهور نظرية نقدية انتهى بها مفكرو وفلاسفة التنوير إلى نتيجة تفضي للانسحاب من الدعوة إلى إنقاذ الفرد من الانحطاط من خلال مشروع اجتماعي، لان سلطة الحداثة التقنية أصبحت محايثة لكل تغيير ولكل تطور.

هذا المشروع التنويري يحاول من خلاله استصلاح العقل وإنشاء معقولية تواصلية لا تضاد العقل بتمامه بل تنكر تسلطه فقط. إن الواقع بالمغرب العربي هو واقع مغلق لمجتمع بلا نقد وإنسان فرد لا يعي إلا ما هو مباشر وواقعي، عالم عربي قد اغتيل فيه العقل النقدي وطغت فيه حالة اللافاعلية. لكن العزم النظري الأهم الذي يحرك سؤالنا الآن هو أن نقف على حروف الإشكالي التالي׃ ماحلتنا اليوم أن نسأل عن عقل عربي يأمل من أجل الانعتاق من واقعه المأزوم المزمن إلى عالم التنوير؟ هو سؤال عن المعنى، الرهان والأزمة. فهل يمكن استثمار قيم التنوير في واقع مأزوم يعاني من إعاقة في العقل؟

إن المعنى الأكثر شيوعا يشير إلى أن التنوير « Enlightenment » هو فكرة التجدد، هو عملية التحرر من الوهم أو الاعتقاد الخاطئ بمعنى أسفر و بان نوره. كما طرح ايمانويل كانط هذا السؤال "Qu’est-ce que les lumieres «Was ist Aufklärung ? » سنة 1784من خلال مقال له في مجلة "برلين الشهرية" تحت عنوان: "ما هو التنوير؟" و فيه أعط للتنوير معنى باعتباره أحدث انقلابا جذريا ومهما في الفكر الفلسفي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي في أوروبا׃«التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه، وهذا القصور هو بسبب عجزه عن استخدام عقله إلا بتوجيه من إنسانأخر...و يقع الذنب في هذا القصور على الإنسان نفسه عندما لا يكون السبب فيه هو الافتقار إلى العقل، وإنما إلى العزم والشجاعة للذين يحفزانه على استخدام عقله بغير توجيه من إنسان أخر... و مما لا شك فيه أنّ هذا المعنى يعيد الاعتبار للإنسان بعد أن تم استلابه لقرون طويلة، إنه يعيد له قيمته ويحقق له إنسانيته، إنه شعار الحرية، في مستواها الأساسي، حرية الفكر، حرية العقل. إذ لا يمكن الحديث عن أي مستوى من الحرية دون تحقق هذا المستوى»[1].

فلو لا الثورة الفكرية التي أحدثها فلاسفة التنوير في العقول لما كانت "الثورة الفرنسية" قد نجحت واستطاعت بذلك أن تطيح بالنظام الملكي الاستبدادي المطلق الذي كان يستمد شرعيته من الكنيسة بحيث كان رجال الدين يعتمدون على المواعظ لسلب عقول المواطنين في تلك الفترة وفك مشروعية الكنيسة وكل الأفكار الطائفية المتعصبة التي كانت تبثها في المجتمع. فعصر التنوير هو عصر "الكوجيتو" السياسي،هو « الأنا أفعل» التي يتحول معها الإنسان من "فرد" إلى "مواطن"، هذا هو" الكوجيتو" السياسي الذي حققه الوعي الأوروبي في القرن الثامن عشر، والذي تغير بعده مسار العالم السياسي. ومن ثمه يمثل هذا القرن مرحلة تحول في طريق الإنسانية نحو مفهوم واضح ومحدد للمواطنة والديمقراطية. هو عصر تحول من "أسطورة الدين"إلى"أسطورة العقل"، أو من"المقدس المسيحي" إلى" مقدس الحداثة". فكان فلاسفة التنوير يرغبون في إصلاح كل شئ من السياسة إلى الدين إلى الأخلاق الاجتماعية...عن طريق العلم بحيث كان القرن الثامن عشر هو قرن التنوير، قرن أنير فيه العقل الغربي الذي كان له عمل واضح من خلال كتابات الفلاسفة وتصوراتهم الفكرية. ويبدو أن ديكارت كان أول من استخدم مصطلح التنوير بالمعنى الحديث، فهو يتكلم مثلا عن النور الطبيعي، الذي يقصد به مجمل الحقائق التي يتوصل إليها الإنسان عن طريق استخدام العقل وحده.

لعل ما يميز التنوير هو نفوره من كل مماهات و تنميط. فالتنوير ثورة مستمرة وتجاوز مستمر وحركة أشكال لا تنتهي أي هو في جوهره نفي مستمر وتجديد من أجل التجديد. إن المحاولات لصياغة خطاب التنوير في المغرب العربي، غاية لتنظيم المجتمع بواسطة الحقوق، بواسطة القانون. فمن قيم التنوير الحرية، المواطنة، المساواة، العدالة....كل هذه المفاهيم مثلت شعارات القرن الثامن عشر، قرن التنوير الغربي.

في الحقيقة فكر العرب في التنوير كثورة قائمة أساسا على العقل، عقل لا يعرف بأنه مكسب بل بالعكس يقوم بتحطيم كل الأشكال التنظيمية الاجتماعية والسياسية في المقابل العمل على الإصلاح عن طريق تطوير العلم والتكنولوجيا. إن اندماج العرب في العالم التنويري يتطلب منهم الوعي والتحرر من العمى الإيديولوجي بهدف الاتفاق الجماعي بعيدا عن الانقسامات التي تهدد وحدتها.

إن مغربنا العربي لم يعرف إلا التنوير المهمش، مثل إرهاصات النهضة في أواخر القرن التاسع عشر، على أساس أنها تحمل قيما في الفكر والحضارة،وحتى النهضة التي قام بها محمد علي في مصر لم تتغلغل في ثنايا المجتمع في تلك الفترة، وبهكذا شكل يقول محمد عابد الجابري بأن كلمة النهضة ترمز إلى واقع قد تحقق بالفعل في أوروبا أما عند العرب فقد ظل مشروع، وبالتالي نرى أن العصر الذي مورست فيه نقد للذات العربية و أرادت أن توجد فيه نظاما من القيم والتوجهات التي تحاول أن تشد الإنسان إلى عصره و من ثمة الانتباه إلى حجم الهوة بين العالم العربي والعالم الأوروبي والذي استطاع بناء تجربته الإحداثية بشكل جعلها لم تبق أسيرة الشعارات السياسية أو الخطابات اليومية كما هو عندنا إذن إن الحراك الثقافي والسياسي الذي مارسوه المفكرون العرب في ذلك العصر وهو ما جعل بعض المفكرين يصفون تلك الفترة بأنها شهدت ظهور دعاة إصلاح أطلقوا أفكارا وكانت مقتصرة على فئة معينه. بحيث ظلت أحلام تنتظر التحقق.

لم يعرف العرب أيضا إلا ثورات مع تأجيل التنفيذ(الثورات العربية أو ما تعرف بالربيع العربي). وفي هذا الإطار يقول محمد أركون في كتابه" الإسلام ونزعة الانسنة في الفكر العربي جيل مسكويه والتوحيدي": «لكي نخرج من أزمتنا ومأزقنا التاريخي.. لابد من مرحلة تنوير تضيء تراثنا الديني بمناهج حديثة من أجل التصالح مع الحداثة الكونية، لكن مشكلة النزعة الإنسانية في الفكر العربي.. قديمه وحديثه.. هي هذا الهجوم الشديد الذي يلاقيه من يحاول مس المسألة بعمق أو حتى سطحيا.. فقد تعرض طه حسين حديثا لهجوم أخذ به الرجل ولم يترك حتى تراجع.. أو ادعى التراجع.. تفاديا لعواقب تنتظر كل من يحاول خلخلة هذا الثقل الفوق إنساني في الثقافة العربية.. وربما يكون الأمل هو في تلك القوانين التي تحكم اتجاه حركة التاريخ.. تتوقع بها النتائج طبقا لمقدمات مشابهة حدثت من قبل».[2]

ما نص عليه محمد أركون من خلال كلامه هو دعوة إلى إحداث ثورة عربية عقلية أخلاقية من أجل الانعتاق من المأزق العربي المزمن...دعوة لبناء مستقبل تنويري...بناء عالم عربي جديد بعقل يحارب كل أشكال الجهل والتسلط. هذه الثورة تمكنا من محاربة كل الأزمنة التي حكمت علينا بالانحطاط السياسي والأخلاقي هو صراع من أجل الاعتراف بالأفكار لا بالأجساد. هو التشوق إلى طعم الحرية و الانعتاق من سجن الظلم. دعا المفكرون العرب الى التنوير بوصفه دعوة للتحديث الحياة الاجتماعية والسياسية.

إن ظهور فلسفات ما بعد الحداثة هي إعلان لنهاية عقل قديم وانبثاق عقل جديد قادر على التمثل والصمود أمام الواقع المأزوم. عقل يسعى أن يكون السيد في وطنه. ورأت في العقل هذه الفلسفات الوجود الحقيقي للإنسان وسعت إلى تحرير الحضارة من وصاية الكنيسة والنزعات الغيبية والخرافات وأمنت بتقدم الإنسانية عن طريق العلم.

و في نفس الإطار يرى ايمانويل كانطأن الطريق للثورة ليس بوصفه الطريق الصحيح بحيث يأمل إلى تغيير اتجاه العقول وذلك بالاعتماد على التربية العقلية والنقدية ويسمح للوجود الإنساني باجتياز سجن الأحكام المسبقة ويصبح الفيلسوف هو الإنسان المتأمل الذي يثير القلق في صميم طمأنينة العالم ويتطلع إلى الوجود بأسره ويستوعب الأزمنة كلها. ومن ثمة ضرورة ربط الحداثة بالفكر النقدي الذي يهدم وغايته التأسيس، بغية تحطيم العقل الخرافي وسلب قدراته من أجل الانعتاق بالتنوير ضد الفكر الذي أدى إلى فشل التنوير بالمغرب العربي. فنقد التنوير هو نقد العقل ذاته أي نقد الأسس الفكرية و الإيديولوجية التي يستند إليها الواقع.وهو مادعا أدورنو إليه في استخدام العقل في مجال جديد هـو نقد العقل نفسه في استعماله كبنية اجتماعية للسيطرة والقمع.

فالعقل هو الموضوع الأساسي للفلسفة بمعنى ׃«يشكل في الوقت نفسه الأداة المشتركة التي تستعملها الأنساق الفلسفية بهدف التفكير في الكائن وتفسير مختلف التجارب»[3].

بدأ التنوير العربي بأفكار فردية ظهر بها جملة من المفكرين و المناضلين السياسيين ورجال الدين العرب كرفاعة الطهطاوي، محمد الطاهر بن عاشور، الشيخ محمد عبده، جمال الدين الأفغاني، محمد البشير الإبراهيمي...فكانوا من خريجي المؤسسات الدينية كالزيتونة بتونس، الأزهر بمصر...وغيرها. كانت غايتهم واحده ودعوة واحده من أجل تبنى أفكار تحرير الشعوب العربية من الاستعمار، وتحرير العقول من الجهل والخرافات على ضوء ثقافة المجتمع العربي الإسلامي. من ثمة كانت نزعتهم التنويرية مقترنا بدعوتهم إلى إصلاح العقيدة وبناء إنسان جديد باتخاذ التعليم وسيلة لتحقيق ذلك. كانت غاية النخبة التنويرية للعرب في الأول إصلاحية همها البحث في الهموم الوطنية والتقرب من مختلف الشرائح الاجتماعية بالاعتماد على خطاب بسيط أساسه العدالة الاجتماعية. لكن ما نشهده في منتصف الثاني من القرن العشرين أن أغلب السياسيين يتسابقون على السلطة وهمهم هي المناصب وتصبح مقاصدهم وممارستهم ملوثة.

لكي نتحدث عن مجتمع عربي حديث تفترض ضرورة تحديد مبدأ عام، مقياس عام لتعريف التنوير. لذلك التنوير ليس تعبيرا خالصا، وهو ليس تلاحق لأحداث بل يشير لمنتوجات تخص النشاط العقلي والعلمي... لكن إن فهم نشأت هذه الأفكار التنويرية التي هي بحاجة إلى مساءلة نقدية حول فكرة التنوير، مساءلة تعود إلى تثبيت جذور هذه النشأة.

لكن في وقتنا الراهن هناك مشكلة تربك نشوة ذلك المطلب. هو مشكل الثورات العربية التي عرفتها جملة من الدول العربية والتي أطلق على تسميتها باسم الربيع العربي.الربيع العربي هي مرحله شهدتها كل من تونس، مصر، ليبيا، اليمن و سوريا. هذه الثورات كانت نتيجة لتفاقم أزمة البطالة وعدم وجود العدالة الاجتماعية وتفشي الفساد داخل النظام الحاكم وعدم شرعية الحكومة...ثم غياب كلي "للحرية السياسية".. احتجاجا على سياسة القهر والتهميش،هذه الثورة حدث كان بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس وزادت من غليان وغضب الشعب التونسي كانت لحظة صمت تحولت إلى لحظة غضب في قلب كل تونسي غيور على وطنه...ما كنا نعيشه في تونس من تهميش واستبداد من النظام الحاكم حيث كانت تونس مقتصرة على فئة معينه من الطبقة الحاكمة. الثورة التونسية والتي تعرف بثورة الكرامة أو ثورة الأحرار أو ثورة الياسمين التونسية في وسائل الإعلام، هي ثورة شعبيه بالأساس قادها شباب أحرار ولا يوجد لأي حزب سياسي، هذه الثورة كانت مستمده من قلب كل ثائر تونسي . و ما تعيشه اليوم تونس من نقله سياسيه جعلها تتقدم في تحسين الأوضاع شيئا فشيئا بخط حثيثة من رغم من وجود العديد من المعوقات التي تحيل دون اسمرار نجاحها..أليس شعب تونس هو من سجل في التاريخ العربي هذه الكلمات..إذا الشعب يوما أراد الحياة ..فلابد أن يستجيب القدر.

لكن في المقابل، عرفت الثورة التونسية ثورة مضادة بدأت مع منطق التناقض. و من أبرز الأحداث التي شهدتها تونس وكانت سبب في أرباك الوضع السياسي هي الهجمات السلفية منذ عامها الأول 2011. و في تلك الفترة ونحن نعيش «le temps des émeutes»[4] "زمن الشغب"، عرف جملة من الصعوبات (اغتيال..انفجارات بجبل الشعانبي..ذبح..تهديدات للأمنيين ورجال السياسة...الخ)، وكانت بمثابة العودة إلى الوراء. فما يعاب على هذه الثورات أنها قد تكون حاملة لمشاريع ثورية لكنها خاوية من البرامج الثورية. و الحق أن ما نعلمه من دروس التاريخ أن الثورات لا تأتي بشكل منظم ومرتب و إنما تأتي نتيجة انفجار شعبي ثم تتبلور بعدها القوى السياسية التي تستطيع أن تستغل هذه الظروف.

ما انتهت إليه تونس اثر الانتخابات هو انتقال ديمقراطي أو تحول في المجتمع والنظام السياسي. لكن هذا التحول في عمقه عرف ضعف نتيجة وجود عراقيل عطلت هذا المسار الديمقراطي ومن ابرز الأسباب هو التنافس الحزبي والسياسي بين قوى المعارضة وما تضمنته من تغليب المصالح الخاصة على مصلحة المواطن والوطن. وبرغم ما شهدته البلاد التونسية من أوضاع حرجة فإنها مثلت استثناء بين بلدان الربيع العربي.

ما عرفته الثورة المضادة بالبلاد التونسية أدى إلى تعرقل الأمور من كل جوانبها (السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية...) لتخلق حالة من التداخل لا تخلو من أبهامات وايهامات. فعرفت بالتالي ثلاثة حكومات متتالية׃ حكومة مؤقتة ثم حكومة الترويكا وصولا إلى الحكومة الحالية المنتخبة أملا من خلالها الولوج إلى بر الأمان و الغاية بناء تونس جديدة، تونس الديمقراطية وذلك يكون بتحقق معنى الحرية.

الحرية في العالم العربي ليست موضوعا يمكن أن تعمل دون عائق أو عقبة، وتسمح له بتحديد بشكل مستقل أغراض العمل والوسائل لتحقيق ذلك.وكما قال مونتسكيو في كتابه De l’esprit des lois(1748)، يوجد نوعان رئيسيان من الحرية׃"الحرية الفلسفية"، التي تكون في ممارسة الإرادة، و"الحرية السياسية"، والتي تعني حقوق المواطنين داخل المجتمع׃»الحرية هي الحق في القيام بكل ما يسمح القانون؛ وإذا كان المواطن يستطيع أن يدافع على ما يفعله كان يمكن أن يكون أكثر حرية، لان الآخرين سوف تكون لديهم نفس السلطة»[5]. بمعنى أن شرط تأسيس التنوير هي الحرية. ويقول كانط في نفس المعنى׃«بالنسبة للتنوير فلا شئ مطلوب غير الحرية، بمعناها الأكثر براءة، أي تلك التي تقبل على استخدام علني للعقل في كل الميادين. إلا إني أسمع ألان وفي كل اتجاه من حولي صيحه تقول׃«لاتفكروا». فالضابط يقول׃«لاتفكروا...عليكم أن تنفذوا... »، والمسؤول المالي يقول׃« لا تفكروا عليكم أن تدفعوا». ورجل الدين يقول׃«لا تفكروا عليكم أن تؤمنوا» (هناك سيد واحد في العالم يقول׃« فكروا قدر ما تشاءون ولكن عليكم أن تطيعوا. في كل مكان يوجد تحديد للحرية. ولكن أي تحديد يناقض التنوير؟ وما هو التحديد الذي لا يناقضه بل والذي يمكن أن يكون لصالحه؟ أجيب فأقول إن الاستخدام العام لعقلنا لا بد أن يكون حرا في جميع الحالات، وهو الذي يستطيع وحده أن يأتي بالتنوير إلى البشر غير أن استخدام الخاص لعقلنا لا بد أن تخضع لتحديد صارم جدا دون أن يكون ذلك من الموانع المحسوسة في طريق التنوير».[6]

كما تميز عصر الحداثة بإضفاء قيمة عملية جوهرية على وضعية الإنسان في المجتمع من الناحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فهو صاحب الإرادة الحرة، والفاعلة في المجتمع والسياسة والاقتصاد، بل وفي مسار التاريخ. فقد تراجعت الفاعلية الدينية لصالح الفاعلية الإنسانية. كما تراجعت سلطة الكنيسة لحساب سلطة المواطنين. فقد «كانت هناك نظرة تأسيسية جديدة للعقل عليها انبنى التفكير السياسي الخاص بالحريات السياسية وبنمط الحكم الديمقراطي»[7]

لايزال التنوير يمثل ضرورة برغم أنه السبب في تحول العالم إلى سلعة تجارية في يد العولمة الرأسمالية. وهذا ما يهدد قيم التنوير التي أكد عليها فلاسفة التنوير كفولتير، روسو، ديدرو، كانط، هيجل...لكن ما نلحظه إن قيم العدالة أصبحت مهدده لان الإنسان نفسه تحول إلى سلطة تجارية تباع وتشترى، وهذا أصلا منافي للقانون الأخلاقي الذي أكد عليه كانط الذي ينظر للإنسان كغاية في ذاته. إي ما ينبغي عمله دون قسر أو إرغام، فيأخذ الإنسان نفسه بما يمليه القانون الأخلاقي، وهو عند كانط له صلة بفكرة الواجب و أساسه حسب نظره الحرية واستقلال الإرادة. ومن جهة أخرى دأب أغلب مفكرو "مدرسة فرنكفورت" بدعوة الإنسان الحديث للخروج من سلطة الحداثة التقنية المحاطة بكل عناصر الاستلاب التي تفرزها ثقافة الخطاب والمجتمع "ذو البعد الواحد" حسب هابرماس ماركوز.

إن النقد يمكن أن يتبلور من خلال ذات جماعية خاصة نقد يرتبط بالمجتمع إذ يفهم على أساس دعوى إلى التحرر، انه يفهم تحديدا ضمن مشروع يهدف إلى تغيير المجتمع׃ نقد يفضي إلى تثبيت أسباب معاناة الأفراد فيما تنتجه ثقافة ما من أدوات تسلط و الهيمنة الجديدة للدولة ومؤسساتها. فإلى متى يظل حرمان الإنسان العربي من العقل التنويري تحت اسم العقل المتسلط؟ وهل سنعيش عهدا مستنيرا؟ أم في واقعنا نسير نحو التنوير؟ لكن اتضح فشل هذا الاتجاه لذلك راهنو على الفرد كعنصر ناقد، غير أن آليات التقنية لا تسمح للفرد بالنقد إلا من منطلق احتوائه، وبالاختلاف إلا من زاوية تحركه داخل دائرة الهوية. بهكذا شكل لم يعد التساؤل عن هامشية الفرد وعن إمكانية إنقاذه أساسيا بل أصبح الأمر الآن يرتكز من خلال إمكانيات إخضاع ما يشكل لا عقلانية النظام لقوانين العقل الإنساني. لكن مسيرة التنوير هذه لم تتمكن من مواصلة سيرها، وتعثرت وهي لا تزال في بداية الرحلة. فعرف التنوير في العالم العربي أزمة متعددة الابعاد والمظاهر والنتائج، ولعل هذا ما جعل البعض يتساءلون عن السبب بالمقارنة بشعوب نهضت بعدنا وتقدمت قبلنا.

إجمالا، كلمة التنوير في المغرب العربي مهما كتب عليها من تحليلات ونظريات إنها تظل أشباحا لها لذلك فهي تسبق تعليلها أو تأويلها وتبقى بعده تطفو حوله وتظل أغنى منه. التنوير ليس كلمة، و إنما هو مشروع، إحراج لأنه يقوم على التحطيم والمقارعة. و الحق أن مجتمعاتنا وفكرنا لم ينتج الحداثة ولم يعشها بل عاش مزيجا حضاريا اختلط فيه التقليد بالحداثة على مختلف المستويات وما إن بدأنا نتلمس معالم الطريق ونتعرف على هذا المزيج الغريب حتى داهمتنا موجة جديدة يطلق عليها ما بعد الحداثة.

 

د. فاطمة المـومني – تونس

....................

[1]مقال ما هو عصر التنوير؟ كانط، ترجمة يوسف الصديق، المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، عدد 38-39، 2004-2005، ص 6

[2]محمد أركون،الإسلام ونزعة الانسنة في الفكر العربي جيل مسكويه والتوحيدي،دار الساقي بيروت، طبعة الاولى 2001، ص76

[3] نورالدين أفاية، الحداثة والتواصل في الفلسفة المعاصرة׃ نموذج هابرماس، أفريقيا الشرق، المغرب، ط2، 1998، ص 133.

[4]Alain Badiou، Le Réveil de l’histoire، Lignes، 2011، p.14.

[5] Montesquieu، De l'esprit des lois(1748)، éd. Pourrat، 1831، t. 1،chap. 3-Ce que c'est   que la liberté، livre XI، p.290

[6]مقال ما هو عصر التنوير؟ كانط، ترجمة يوسف الصديق، المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، عدد 38-39، 2004-2005، ص7

[7]Kant، Critique de la raison pure، Translate by، N. kemp Smith، New York، St. Martin’s press، 1929، p.22-23.

saleh alrazukيتابع ماجد الغرباوي في كتابه (الحركات الإسلامية)(*) بناء مشروعه في قراءة الفكر الإسلامي. ليس من زاوية العمل والإيمان أو تحويل النظري إلى أقوال وأفعال، ولكن من زاوية علاقتها بالواقع.

إن مشروع الغرباوي لا يدعو للتجديد بمطلق المعنى ولكن لتجديد إيديولوجيا النهضة. فحجم الاتجاه التبريري عند محمد عبده والأفغاني أكبر بكثير من قلب المفاهيم أو الارتداد عليها. كانت دعوته أصلا بنية صادقة وعفوية تشدد على النكوص من عصر إلى الحلقة التي سبقته. وإن شئت المزيد من الدقة هي دعوة متأثرة بسياسة لا تجهيل العرب من أجل تحطيم الفهم الخرافي والأسطوري الفاسد للعثمانيين.

وعليه إن نهضة المعممين في العصر الذي برزوا فيه هي مجرد لعبة سياسية تدخل ضمن أول حرب باردة شهدها الشرق الأوسط تمهيدا لاجتياح عسكري.

ولمزيد من التوضيح: إن شيوخ النهضة لم يحاولوا تبديل حرف واحد في التفسير القياسي للنص المقدس. وإنما دعوا للعودة إليه.

ولذلك كانوا يقودون شعوبهم من استعمار احترقت أوراقه بسبب التهالك على الفساد وتشرذم أرجاء وأطراف الدولة. إلى استعمار لا يزال له بريق وجاذبية خاصة.

وكما قال هشام شرابي إن عبادة الأب هي إحدى أهم سمات الإصلاح المبكر وهو إصلاح إرجاع (1). وبرأيي زعماء الإصلاح في حلقتهم الأولى هم مجرد رأس الحربة التي استعملها الغرب لإلحاق أول جرح في جسم الدولة العثمانية.

ولا أعتقد أن شيئا تبدل منذ سياسة الأرض المحروثة وحتى سياسة الأرض المحروقة. فالعثمانيون الجدد في تركيا (كما يرى إحسان داغي) (2) يشترون صكوك الغفران من أوروبا الموحدة. وبالأكثر سيلتحقون بركب بقايا وفتات الاتحاد السوفياتي.

فإذا انحسر الإصلاح في أجزاء الإمبراطورية العثمانية القديمة فإنه يشهد يقظة لا سابقة لها في تركيا الجديدة.

ومن هنا تكتسب محاولة إعادة قراءة آيات بعينها من القرآن الكريم أهميتها في مشروع الغرباوي (و من يسير في موكبه). فهي قراءة معنى وليست قراءة نص. ولا يمكنني أن أقول عنها إنها اجتهاد في التأويل ولكنها تركيب للتأويلات. فهي تفترض لتبني النتيجة.

ومحنة رموز الإصلاح تدخل في باب التطهير العرقي والرد عليه. فهجرة الكواكبي إلى مصر. وسفريات الطهطاوي إلى باريس كانت تنويرا خارجيا. لم تؤثر على أنوار الروح. وفلسفة نور اليقين الإيمانية لم تتعرض لهذا الإمتحان.

46-majed

لقد كان الإصلاح في فجره اختيارا سياسيا بحتا. لم يمسس الحالة الدينية. بل زاد التمسك بالميتافيزيقا.

وهذا دليل أن الإنسان لم يكن موضوعهم ولكنها الدولة. وأن المجتمع لم يكن هو الهدف ولكن طريقة إدارته وتنظيمه.

وهو إصلاح غير عرفاني. وتغلب عليه الأغراض السياسية.

والمعركة لم تكن بين المحافظين والمجددين. ولكن بين أنصار الباب العالي والداعين للتخلي عنه.

فالاستلاب العرقي وصل إلى غربة روحية استدعت هذه الحلول.

وأعتقد أن بيوتر فيدوسييف حين وصم روجيه غارودي أنه تحريفي كان يعني نفس المعنى(3).

إن غارودي لم يعد يدين بالولاء لهيمنة السوفييت على الماركسية اللينينية. ويريد الاستقلال بآليته في قراءة ماركس ولينين.

لقد نعى فيدوسييف على غارودي دعوته لتعدد النماذج الاشتراكية ورفض أي تنوع نوعي. مع الموافقة الضمنية على تنوع في الأشكال. يعني التعبير اللغوي عن الظاهرة نفسها.

وهي نفس التهمة التي عانى منها الكواكبي وأطلق عليها اسم الاستبداد.

وبوجيز العبارة نحن أمام اشتباك وفض اشتباك. ولسنا في صدد تفسير روحي لظواهر دينية. وآلية عصر الأانوار عند العرب تأخرت في الواقع.

مثلما تأخرت الحداثة. وكل ما يدخل في باب التحديث نظريا هو رومنسيات إيديولوجية وقفت موقفا عدائيا من سلطة المحاكاة.

وإن شئت الاختصار: معركة ما نسميه الإصلاح تستهدف تحريض الانقسامات، والتمهيد لأجسام وكتل سياسية تستمد قدرتها على الوجود من اقتصاد غير جريح. ومن مجتمعات دخلت مرحلة الثورة.

فهي حاملة للثورة بمفهومها، وتقبله شرطيا. ولا تستطيع أن تفكر به من غير شروط.

والإصلاحيون بهذا المعنى غير عضويين. والجانب المحافظ منهم هو العضوي. ولهذا السبب نجحت البروتستانتية في تثوير الكنيسة بينما أخفق الإسلاميون في تثوير مجتمعاتهم.

وكل ما جنته أيديهم المزيد من الأشواك والدماء. فقد انتقلوا من رعاية إلى وصاية. ومن إقطاع إلى رأسمالية. ومن نكبة إلى نكسة.

وأرد ذلك بصراحة لعدم هضم معنى الثورة. ولتحميل قوالب التجديد مضامين ميتة.

لقد أتى الإسلام بثورة حرضت الروح على أن تتحول إلى سياسة. وسمحت للازدهار التجاري السلعي أن يتحول إلى اقتصاد منتج وريعي. ومؤسساتي. وهو أصلا اقتصاد بلاط. اقتصاد ملوك. يشجع على التفاوت الطبقي وتحطيم مبدأ أساسي في الإسلام هو المساواة (أسنان المشط). ومثل هذه المساواة هي جوهر مبدأ الجماعة. حيث تكرير الفروقات وإلغاؤها هو الدينامية لتحقيق التراصف والتآزر.

ولهذا السبب ألح الغرباوي على ضرورة نقد المنهج. إنه ضروري لانتشال الوعي وتصحيح المسار (كما قال في المقدمة- ص١١).

وبالنقد وحده (كما يضيف لاحقا) يمكن التعرف على مبررات السلوك اللاأخلاقي والانتهازي الذي انحدر إليه المسلمون بعد وصولهم إلى الحكم (ص ١١).

وبرأيي إن الإسلام السياسي هو نتيجة فك القران الميمون بين المشاعر الدينية والقومية(4).

فالمسلمون العرب وعلى امتداد قرون لديهم ضغائن من أخوتهم الذين اعتنقوا الإسلام.

وبدأت الدعوة إلى التحرر بمزاوجة بين المشاعر القومية وبديهة ما يسمى بالنقاء الذهني لعاطفة المسلمين.

واستمرت هذه المعادلة في تحريض الشارع طوال سنوات التنوير ثم النهضة.

وساعد الاستعمار وحروب الاستقلال على تعميق الازدواجية.

حتى أن العلامة عبد الرحمن الكواكبي ورط نفسه بشرح التطورات والاكتشافات العلمية بآيات من القرأن.

وكان يجد لكل اختراع آية تتنبأ به. وقد ورد في كتابه (طبائع الاستبداد)(5) أن الذكر الحكيم هو شمس العلوم (ص٢٣). وأن الاكتشافات العلمية التي تعزى لأمريكا وأوروبا ورد أكثرها بالتلميح والتصريح في القرآن منذ ثلاثة عشر قرنا (ص٢٤).

ولم تتوقف هذه الديناميكية في إلباس الدين لبوسا ماديا إلا بدخول العسكر إلى السلطة واستبعاد نصف الحقيقة. وهي لا شعور الثورة الإيماني.

فقد تفرد العسكر بالحكم وانحازوا للفكرة القومية على حساب المكون الآخر. الإسلام. ولا داعي للتذكير أن الإسلام السياسي كان في المنطقة العربية ضحية لفكرة اليقظة.

لقد كرر القوميون العرب التجربة البلشفية واستعبدوا الإسلاميين كما حصل مع المناشفة والتروتسكيين.

والإطاحة بالحوراني والبيطار وهذه الجماعات في سوريا. والانقلاب على محمد نجيب في مصر. لا بد أنه يدخل في سياسة تصفية الحسابات.

وطبعا أنا لا أنظر إلى الإسلاميين على أنهم ملائكة وضحية من ضحايا الصراع على السلطة فقط. ولكنهم جزء من ديناميكية تحرير الذات من ماضيها.

وأدى ذلك إلى انتشار ظاهرة العنف كأسلوب من أساليب التبشير بالمنهاج. وتحولت شعارات الاستقلال والتحرر إلى شعارات الجهاد.

وعليه إن سيكلوجيا الحركات الإسلامية تتأسس على سيكولوجيا الإيديولوجيات الجريحة مقابل سيكولوجيا الحضارة الجريحة (بتعبير ف. س. نيبول) عند القوميين.

ومثل هذه الحالة تستدعي التلازم بين جناحين يساعدانها على انتشال نفسها من التراب الذي سقطت فيه.

وهو ما يسميه ماجد الغرباوي: الوعي الحركي (ص ١٥). ومنبعه ظاهرة الخوف من الآخر وعدم الوثوق به (ص١٦).

وقد نجمت عنه أوهام وضعت الحركات الإسلامية في إسار الماضي، وصنعت فراغا بين واقعها النفسي والحاضر (ص١٥).

ولو ابتعدنا عن مفردات الغرباوي دون التضحية بمعانيه نلاحظ أنه يبني كل حججه وبراهينه على مسلمة الارتداد. فهو يرى أن الإسلام المعاصر ارتد على مبادئه الأساسية.

لقد بدأ الاسلام من معاناة قهرية ضمن مجتمع تجاري. ضعيف عسكريا. ومعقد بأعرافه الاجتماعية. وكان همه الأول تحرير الروح من الاستعباد والاسترقاق الذي كفلته بنية المجتمع. وما تقليد الهجرة إلا لمعالجة هذا الفراغ. وهو البحث عن مسكن آمن للأرواح المستضعفة.

ولذلك إن ما يجري اليوم يطاله إشكال شرعي ومؤاخذة أخلاقية (ص ٢١). فهو بعيد عن فكرة الينابيع. وشديد الأخذ بفكرة الأصول. ويوجد فرق جوهري بين البداهة والتقليد الأعمى.

والإسلام المعاصر هو إسلام متحول. فهو يبدأ من منتصف طريقه إلى الوحي. يعني لا يخاطب العدالة السماوية بقدر ما يهتم بالدولة وإشكالية الحكم.

ونقطة الضعف الاساسية فيه أنه إسلام الأطراف وليس المركز. حتى أن أقوى حركاته تنشط في الثغور التقليدية.

وهذه ثاني مفارقة أساسية.

إنه ينطلق من نقطة التأزيم مع فكرة الإسلام نفسه.

وكما قال الباحث: إن بعض الحركات الإسلامية تكون بأموال ومباركة من دول غير إسلامية، فطالبان تأسست بالدعم الأمريكي، وبعض هذه الحركات دخلت في تحالف أدى إلى الابتعاد عن الاستراتيجية الأساسية (ص ٦٦).

وفي الذهن مؤازرة حماس لسوريا حتى عام ٢٠٠٨، وتوقيف الإخوان المسلمين لنشاطهم ضد النظام السوري لمباركة هذا الإجراء.

فالجهاد أو ظاهرة فتوحات الأنظمة تختلف تماما عن جهاد فتوحات الأمصار في صدر الإسلام. والإسلام السياسي اليوم جزء لا يتجزأ من استراتيجية الحرب الباردة والصراع الدولي على مناطق النفوذ. وأخشى أنه (كما قال غريازينيفيتش- ص١١٠) غير قادر على ضبط الحياة الروحية لشعوب الشرق الأدنى وحوض المتوسط(6).

فالحركات الإسلامية الراهنة هي بنت الوعي الأسطوري الملتبس (بتعبير ماجد الغرباوي، ص ٣٥) والذي يحمل كل علامات الثقافة المهيضة الجناح.

ويرى أن الأسباب وراء ذلك كثيرة وأهمها: ١- الخط الأحمر المفروض على تكتيك الخطاب الديني واحتضاره تحت ضغط التفكير الشعبي الناقص والحامل لآيات التخلف والجمود والخرافة، ٢- الاستبداد الذي وضع العقل في أدنى مستوياته وسمح للاشعور بالنمو بنسب فاحشة غطت على كل أشكال التفكير والاجتهاد،٣- عزلة النخب الثقافية وسقوطها في مشكلة التعالي، ٤- احتكار رجل الدين لحق التربية والتوجيه وحصوله على حصانة تحميه من النقد والمراجعة والتخطي، حتى تحول إلى نص مقدس أو امتداد للمحرمات والممنوعات (ص ٣٤-٣٧).

ولذلك كان التشريع للنقد أولوية في تجديد الفكر الديني (ص٤٧). وكلنا سمع بمحنة الشيخ علي عبد الرازق المتهم بالتطاول على مشروعية حروب الردة. وأعتقد أن الانحياز لمشروعية التواتر والمحاكاة يؤسس لمجتمع إقليمي من المرايا المتعاكسة. كل مرآة تعكس نفسها. حتى يحل الخيال أو الصورة محل الحقيقة بسبب غيابها واستحالة الاتصال معها.

وهذا بصورة ضمنية يعيدنا إلى نمط من التفكير والتعليل الذي يقوم على التسليم الصامت بأسطورة الطبائع الثابتة والخصائص الدائمة (بلغة صادق جلال العظم)(7).

لذلك وضع الباحث نصب عينيه الكشف عن الخطأ الفاحش في التفسيرات الاستاتيكية لظاهرة متحولة لا تعرف السكون وأصلا هي تنطلق من استراتيجية واضحة في تحريك السواكن. وهذا يضفي عليها كل خصائص الظواهر العقلية التي تتطور مع مرور الأحقاب والعصور، وباختلاف الظروف والأسباب.

وعلى هذا الأساس يبني أهمية التحليل والنقد ومشروعيته.

فالحركات الإسلامية صناعة بشر وهي ليست جزءا من المطلق الإلهي والرباني ولا نتاج عوامل غيبية مفارقة(ص ٦٠)، والوعي بالتاريخ يفتقر للأسس التي يتطلبها الوعي بالذات. حيث أن الحدس بمفهوم برغسون متوالية أو تيار يحتاج لنظرة منفصلة عنه. فما بالك وأنها ذات معصوبة تحمل كل أعراض الحمل الكاذب. فقد طرأت على الإسلام والجماعات التي نذرت نفسها له غايات وأهداف بعيدة عن الحجج الروحية. كما أنه هناك حركات استنفدت أهدافها ( كما يقول الباحث - ص 61). فأدوات تنفيذ الاستراتيجيات في وقت السلم غيرها في وقت الحرب. ويضرب مثالا على ذلك بلجوء قواعد حزب الدعوة إلى البعث السوري للهرب من بطش صدام، وفرار كوادر الإخوان المسلمين من سوريا إلى العراق والبحث عن الحماية لدى البعث العراقي خوفا من بطش حافظ الأسد (ص ٧٣). وهذه أول مفارقة تؤكد على تعددية الحركات الإسلامية ولو اتفقت ظاهريا في بعض المبادئ والشعارات (ص ٧١). فقد كانت الأحزاب الدينية عرضة للانشطار والتشرذم. فالجهاد وجماعة التكفير والهجرة في مصر هما تطور جانبي من حزب الإخوان المسلمين (ص ٧١) والذي شهد بدوره تنظيمات داخلية متحاربة وفي مقدمتها التنظيم العسكري وموقفه الهازئ والمتهكم من التنظيم السياسي.و إن قصة تنافس الهضيبي وقطب على السلطة الداخلية الممسكة بزمام الجماعة معروفة. وتكشف عن عمق تعدد القراءات والتكتيكات. ولكنه ليس دليلا على العقوق والخروج عن الشرعية ( ص 69). و حاليا تشهد الساحة تنافسا دمويا على زعامة الحركة في سوريا بين داعش و جبهة النصرة التي تقود جيوش الفتح. و من قبل شهدت أفغانستان تنافسا مشابها بين الأوزبك و الطاجيك. وقد طالت هذه المناوشات العقائدية الأحزاب التيي كانت لها الصدارة. و بالأخص القومية منها. أو ذات التفكير التحرري المؤمن بالجيش العقائدي. و سياسة العسكرة ( أو بناء مجتمع الجيوب الشعبية المسلحة) تعرضت لهزة قوية في منعطفين حاسمين. الأول في الجزائر بعد وفاة بومدين ( اغتياله كما تذهب بعض الشائعات). و الثاني بوفاة عبدالناصر في مصر ( تسميمه كما تتناقل بعض الأخبار). فقد انتقلت ملكية الكوادر المسلحة بالوكالة إلى تنظيمات إسلامية تبنت فكرة الجهاد و تغيير سلطة الأمر بالواقع بالقوة. و هذا التحول في التفكير من وطمي عالماني أو قومي إلى دبني ينم عن اختلاط في الدوافع. و عدم وضوح في الأذهان و العودة إلى الفطرة التي تراها تربية دينية ساذجة و عاطفية. و للأسف كان ذلك يحمل شحنة عالية من الانقلابية إلى درجة نشوء قطيعة مع المنشأ السياسي. وهذا دليل قوي على نسبية المعرفة الدينية (ص ٨٥). فهي ليست معرفة ميتة. ولكنها قابلة للنمو كما هي قابلة للانتكاس والرجوع. ولديها قدرات هائلة على حجب النص (ص ٨٩). ويمكن القول إن القرأن الكريم ذاته هو حجاب لنصوص قبله، عمل على تفكيكها وتوجيه سهام النقد اللاذع لمكامن الضعف والأخطاء فيها (ص١٠٠). وهذا أول درس يبرر ضرورة التأويل وإعادة النظر بالمسلمات المتجمدة. فالنقد بمستوى أمر وجوب في الإسلام وهو ليس مستحبا فقط (ص ١٠٢).

ولا يمكن أن ننكر التحيز ( ص 84). فأية قراءة لا تأتي من فراغ. ولكنها تحمل في ذاتها مبررات تعريف الوجوب.

لماذا هي موجودة أصلا. ولماذا يجب أن تقارب هذه المسألة وتتصدى لمهمة حمايتها من الذوبان أو الاندثار.

وأعتقد أن الغيبوبة التي يعكسها فكر الغزالي في مراحله الأخيرة هي غير تمسكه المتشدد بأصول الفقه السني في بداياته. ومثل هذا التطور يحمل بصمات انعطافة على مستوى تجليات الوعي ذاته.

وتحريض الروح على العقل في مجال الفضاء الإيديولوجي نفسه يدل على انكسار وتراجع.

إن مشكلة الحركات الإسلامية أنه تقف خلفها دوافع دينية- سياسية (ص ١٢٧). وإذا كانت السياسة هي المسؤولة عن الخلافات البينية والمواقف من الأنا والآخر والتكفير. فالدين مسؤول عن حقيقة المبايعة. والتحفيز على التضحية والمغالاة بها إلى درجة الانتحار (ص ١٢٧).

ومن هنا نشأت ظاهرة الإرهاب الدولية بأبعادها المتعددة وما أحاط بها من هالة وصلت إلى درجة تحريض المخيال الشعبي على الإضافة والمبالغة حتى نشأ منها دين جديد (بتعبير صالح الطائي)(8) أصبح بمثابة دين سماوي رابع. ظاهره الإسلام وباطنه التكفير والقتل. وغلافه شعار (الثورة المستمرة، ص ١٢٩).

إن الإسلام السياسي بالنتيجة مشروع مختلف عليه، له الحق في تطبيق أدواته، ولكن ليس لديه الحق بالمصادرة على حرية الآخر المختلف عنه. وإن خضوعه لمنطق السياسة والارتباط في نفس الوقت برجل الدين حوله إلى حركات وشراذم متمردة تؤمن بالعنف والاستبداد وتقاطع الإرادات (ص١٤٤). وهذا يفرض عليه إجراء تحولات فكرية ليتجاوز اخفاقاته وكي لا يسقط في نفس الحفرة التي أودت بالفكر القومي وأوردته موارد التهلكة.

 

د. صالح الرزوق

.....................

* الحركات الإسلامية، قراءة نقدية في تجليات الوعي. منشورات مؤسسة المثقف العربي، ودار العارف، بيروت. ٢٠١٥. ١٥٨ ص.

1- المثقفون العرب والغرب، دار النهار، بيروت، ط٢ ١٩٧٨. ص ٣٩.

2-

Turkey Between Militarism and Democracy .Ankara.

3- غارودي والتحريفية المعاصرة. بيوتر فيدوسييف. دار الطليعة. بيروت. ١٩٧٤.

4- أسرار سياسية عربية. عبدالهادي بكار. الخيال. القاهرة.2000.

5- طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد. الرحالة كاف. الكتبية في الأزهر الشريف. مصر.

6- المثاقفة بين العروبة والإسلام. ترجمة حسان إسحق. دمشق. 2000.

7- ذهنية التحريم. دار المدى. دمشق. ط2 2004.

8- دور النص المقدس في صناعة عقيدة التكفير. دار المرتضى. بيروت. 2015 .

 

 

tarik alrobaieالمنبر الحسيني ومنذ تأسيسه أخذ على عاتقه توعية المجتمع بأمور دينه ودنياه وحثه على رفض الظلم والاستبداد بكافة أشكاله، وهذه هي وظيفتــه .. واليوم ومع كثرة الفضائيات والإذاعات ومع ذلك العدد الكبير من الخطباء يجب التأكيد على قيم الحق والمبادئ الإنسانية التي نادى وضحى لأجلها الحسين (ع) . أسوق مقدمتي البسيطة هذه بعدما شاهدت ومن على أحدى الفضائيات أحد الخطباء، وهو يلقي محاضرته الدينية أمام حشد كبير من الناس بمختلف الأعمار، فاستوقفتني هذه القصة التي رواها الخطيب في معرض كلامه عن سيرة الإمام الحسين ومكانته.

وملخص قصته التاريخية تقول إن المتوكل العباسي أمر بمنع زيارة قبر الإمام الحسين (ع)، ومن أبى ذلك فعليه أن يدفع مبلغا كبيرا من المال أو الذهب حتى يسمح له بزيارة القبر . فامتثل الناس لهذا الأمر دون أن يصدر منهم أي اعتراض !! . ودفعوا لجلاوزة السلطة ما يريدون !، فما كان من المتوكل إلا أن يتمادى في ظلمه، ويصدر أمرا آخر مفاده أن من يريد زيارة القبر الشريف يجب إن تقطع يده اليمنى !، وكم كانت دهشة المتوكل عظيمة وهو يرى توافد محبي الإمام ليقدموا أيديهم غير مبالين ولا متأسفين على أيمانهم التي ستقطع . وحدث أثناء عملية قطع الأيدي هذه إن تقدم أحد الزائرين إلى السياف مادا له يده اليسرى إلا أن السياف رفض وطالبه بيده اليمنى !. عند ذلك رفع الرجل عباءته فإذا بيده اليمنى مقطوعة وقال: لقد قطعتم يميني في السنة الماضية ! . وعندما وصل الخطيب إلى هذا الجزء من الرواية هتف الحاضرون بأعلى أصواتهم بالصلاة على محمد وآل محمد .

وبدوري الآن أطرح عدة أسئلة عن المغزى المراد والمستفاد من هذه الرواية؟. أليس الطاعة العمياء والخنوع الواضح للسلطة الجائرة هو السمة الغالبة فيها؟ ثم أما كان الأجدر بهؤلاء الذين اصطفوا في طوابير طويلة لتقطع أيديهم وهي مصدر رزقهم الوحيد أن يحملوا سيوفهم ويحرروا قبر الحسين من تلك الطغمة الفاسدة التي حالت دون زيارتهم له؟ . بل أين تلاشت قيم البطولة والشهادة ومبادىء الحسين العليا عند هؤلاء وهم خانعون في طوابير الذل ليس لهم سوى الامتثال لأوامر الطغاة ؟ . وهل أستشهد الحسين لأجل أن يكون أتباعه وشيعته على تلك الصورة المذلة؟ !. أراد الطاغية يزيد من الحسين كلمة واحدة وحشد لأجل ذلك الآلاف المؤلفة من العتاة وشذاذ الأحزاب، لكن أبا الأحرار أبى أن يعطيها ويكون تابعا ذليلا لسلطة جائرة منحرفة، فقاتل مع كوكبة من أصحابه وآل بيته الأطهار حتى نالوا الشهادة، وكان استشهادهم نصرا كبيرا .

ذلك الحسين الذي قال (لا أعطي بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد) كيف يمكن لمن أتبعه وسار على نهجه أن يكون بتلك الصورة التي رسمها لنا الخطيب في روايته ؟!. نعم أن المتوكل العباسي منع زيارة القبر الشريف وأجرى عليه الماء ليخفي آثاره، ولكن أن يقف الناس بهذه الصورة البائسة التي وردت في الرواية وهم يقدمون أيديهم للسياف فهذا مما لا يستسيغه عقل ولا منطق، لاسيما وان هؤلاء من المفترض هم شيعة الحسين والسائرين على نهجه الرافض للذل والعبودية . وأنهم لن يقبلوا بالعودة الى بيوتهم وايديهم مقطوعة ثم يتقبلون الصدقات من هذا وذاك لعجزهم عن العمل . وما أظن هذه التفاصيل إلا من مخلفات ودسائس وعاض السلاطين أرادوا من خلالها تدجين الشعوب وتعليمها كيفية الرضوخ للظلم والطغيان وعدم سعيها لأحداث التغير في واقعها المتردي .

أن هذه الرواية وأمثالها وبما تتظمنه من قيم ومفاهيم استسلامية واضحة جديرة بأن تخمد النزعة التحررية عند الناس وتقتل فيهم روح التمرد، وتجعل منهم مجرد قطعان بشرية راضية خانعة للسلطة الجائرة تفعل بهم ما تشاء دون أن يحركوا ساكنا لمقاومتها والتمرد على قوانينها المستبدة .. إن القيم ستجد طريقها ميسورا كي تترسخ في أذهان العامة وهم مستغرقون في الإنصات للخطيب، ومن ثم تتحول إلى سلوكيات لا يرون فيها أي ضرر على دينهم ودنياهم ! . فعلى كل من يهمه الأمر الالتفات إلى هذه الناحية الخطيرة جدا، والعمل على اختيار خطباء على مستوى عال من الإدراك بأهمية المنابر الدينية وتأثيرها على المتلقيــن، وان يعوا دورهم الكبير في بناء المجتمع البناء الصحيح وان يغرسوا فيه تلك القيم والمبادئ السامية الحقيقية التي نادى بها أبا الأحرار الإمام الحسين (ع) . لعل ذلك سيكون سببا في توعية الأمة وإيقاظها من سباتها لكي تلتفت إلى واقع حياتها وتسعى جاهدة إلى تغيره بكل ما لديها من وسائل وإمكانيات .

 

طارق الربيعي

laythe alatabiهناك ثلاثة إتجاهات عامة ورئيسية حول فهم حقيقة وماهية التراث، وهي كالأتي:

الإتجاه الأول: الداعي إلى الأخذ بكل ما في التراث، وإعتبار كل ما خلفه الماضون تراثاً مفيداً يجب الأخذ بكل ما فيه، بل دعا بالبعض إلى إضفاء صفة القدسية عليه بشخوصه، وتركاته، وبكل ما فيه من هنات وعلات، وبلا أي نقاش[1] .

ولابد أن نعلم بأنه (لا يمكن إدعاء العصمة والكمال لأي جهد بشري، بأستثناء ما صدر عن وحي إلهي، وتسديد خاص " عصمة " ...)[2].

إن القرآن الكريم قد نهى عن الإتباع الأعمى، المؤدي إلى تجميد العقول، من خلال الأخذ بكل ما صدر عن الأسلاف، وتقديسه، وإتباعه .

قال تعالى: (وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ) سورة الزخرف (23 ـ 24) .

كما ولابد من معرفة حقيقة إن الأصوات الداعية إلى التمسك بالتراث ـ وفي أكثرها ـ لا تفهم ماهية التراث بشكل موضوعي، فهي تخلط ما بين ما هو تاريخي، وبين قضايا العادات والتقاليد، وبين الصفات والطبائع، وبين التراث بما هو تراث، فليس كل شيء جاءنا من الماضيين هو تراث، وليس كل شيء جاءنا من الماضي يحسن التمسك به .

إن كثيرين يعتقدون أن الأعتناء بالتراث، والمحافظة عليه يتحقق عن طريق تقديس كل ما هو قديم، حتى أصبحت الأفعال المشينة للبعض يُبرر لها، بل يشرعن لها، بل إنها أصبحت سنن متبعة، وذلك لأن فاعلها شخص مهم في التراث[3] ؟؟!!

و من باب المثال التوضيحي لا أكثر نذكر هذه الحادثة: إنه حينما أصدر محمد بن جرير الطبري[4] كتابه (أختلاف الفقهاء) الذي أعتبر فيه أن أحمد بن حنبل[5] محدثاً وليس فقيهاً، تحول هذا الرأي إلى مشكلة خطيرة كاد الطبري أن يموت بسببها، فقد بقي مسجوناً في بيته ثلاثة أيام، إلى أن تمكن بعض تلامذته من إخراجه، ولما توفي دفن بداره ليلاً، لأن العامة أجتمعت ومنعت من دفنه نهاراً، ولقد قام بأخفاء كتاب (أختلاف الفقهاء) الذي أكتشف فيما بعد مدفوناً في داره بعد موته[6] .

فنجد أن هناك بواعث مصلحية، وأيديولوجية عند عدد لا بأس به من كُتاب التاريخ ممن حاول أن يبرر للشخصيات، وللحكام كل ما فعلوه بحجج، وأقاويل ما أنزل الله بها من سلطان فـ(أبن كثير الذي يعمل من خلال التاريخ إلى تقديم نموذج جاهز يتم فيه تبرير وتجهيز حياة السلف " الصالح كمعيار لكل الخطايا التي حصلت في التاريخ العربي والإسلامي، أو تلك التي ستحصل دائماً في دنيا البشر ... فهدف المؤرخ السلفي ليس هو عرض الأحداث كما هي ... بل الغاية القصوى أن يجد في غمر هذه الأحداث ما هو قابل للتبرير، وما يصلح أن يكون عنصراً قادراً على رسم صورة قدسانية للسلف)[7] .

و هكذا الحال بالنسبة لأشخاصٍ من أمثال أبن خلدون[8]، والذهبي[9]، وأبن حجر الهيتمي[10]، وأبن عبد ربة الأندلسي[11]، وغيرهم .

إن المشكلة الأساسية في شيوع التمذهب، والتفرق، والتشتت المتأصلة بالتراث الإسلامي ليس بالإنزواءِ، والمحسوبيةِ على أشخاصٍ وجهاتٍ جيدة، وذات مكانة تاريخية مرموقة، بل المشكلة بإتخاذ أشخاص سيئين وذوي آراء هدامة قدوة، وأسوة، ونموذج يحتذى به، ويضرب به المثل[12] .

و هذا ما نلاحظه عند كثرة لا بأس بها ممن يتخذون (أبن تيمية الحراني)[13] نموذج إصلاحي، أو نموذج أخلاقي، أو نموذج فكري . ولا أعتقد أن قارئ التاريخ لن يلاحظ ميزات هذا الشخص الذي لم يترك أحداً إلا وعاداه، ولم يترك أحداً إلا وسبه وشنع عليه، ولم يترك أحداً إلا وأتهمه بالكفر، والزندقة، والضلال، ولا ندري ما مقياس الأيمان عند أبن تيمية[14]، ولو طبقنا كل القيوده التي وضعها لخرج حتى هو من ربقة الأيمان .

في الحقيقة إن أبن تيمية الحراني هو أسوء مثال في التاريخ الإسلامي على الإطلاق أحيا تراثه كل من (أبن قيم الجوزية)[15]، و(محمد عبد الوهاب)[16]، وأتباع النحلة (الوهابية)[17] ليكون هذا الفكر وبالاً على المسلمين، وعلى البشرية جمعاء .

كما وحريُ علينا أن نعلم بأن هناك الكثير من التراث كـ(شخوص، وحوادث، وأحاديث) هو موضوع، قد قامت السلطات الحاكمة، وأتباع الفرق، وأعداء الدين بوضعه .

يقول السيد مرتضى العسكري[18] (رحمه الله): (أن معاوية قد أوجد معامل لصنع الحديث ووضع الروايات . وكان أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومالك بن أنس، وسمرة بن جندب، من المنفذين لهذه السياسة المشئومة، وفي بعض من أحاديثهم تسقط شخصية الرسول عن قداستها وشأنها وقيمتها إلى مستوى دون مستوى الإنسان العادي، وتصبح أدنى من شخصيات أبي بكر وعمر وعثمان بل وحتى معاوية ويزيد ... ومن خلال أطروحتهم هذه حققوا أهدافاً ثلاثة: ـ حرفوا أحكام الإسلام، وحطموا شخصية النبي " ص " وأسقطوها عن الاعتبار، ورفعوا من مستوى شخصيات الخلفاء بعده إلى مستوى أعلى وأرفع من مستوى شخصية الرسول ....)[19] .

فهذا الإتجاه الذي يقدس التراث الخاص والمؤدلج، ويجعله عدلاً للقرآن يفرض واقع عدم النقد، وعدم المناقشة في كل أطروحاته، وإلا فإن ذلك يقود فاعله إلى الرمي بالزندقة، والضلال، فساد من جراء كل ذلك ساد تيار من الأرهاب الفكري المسنود من قبل السلطات الحاكمة، والذي حال بين المسلمين وبين أن يخوضوا في قضايا التراث، ويمنعهم من أن يعملوا عقولهم كما وقد حرم المحاورة، والمناظرة بحجج وتخرصات واهية ليس لها أي مستند شرعي حقيقي[20] .

و بمرور الوقت فرض التراث الواحد، وأصبحت له السيادة، وأصبح من المسلمات التي لا نقاش فيها، بحيث (تلقت الأجيال المسلمة جيلاً بعد جيل التراث بمنظور الفرقة السائدة المتمكنة المدعومة من السلطة)[21] .

و المشكلة أن المقدسين (للسلف) يرمون الصوفية، والشيعة، وغيرهم بالغلو، بينما نرى عندهم من المغالات ما تضيق الكتب عن ذكره لكثرته، ولسذاجته .

يقول الشيخ (حسن بن فرحان المالكي): (الغلو ننكره على الصوفية إذا مدحوا الأولياء، وننكره على الشيعة عندما يغلون في أئمتهم ...، وننكره على الأشاعرة عندما يبالغون في مدح أبي الحسن الأشعري ... لكننا لا ننكره عندما نقرأ لأحدهم مدحاً بغلو في أحمد، أو أبن تيمية، أو أبن القيم، أو غيرهم ... ونحن ننكر على الآخرين عندما يعتذرون عن بعض العلماء الذين صدرت منهم هفوات ونسمي هذا " تمييعاً للعقيدة "، بينما نقوم نحن بالعمل نفسه ونسميه " ذباً عن أعراض العلماء فلحومهم مسمومة !! ")[22] .

الإتجاه الثاني: والذي يدعوا إلى نبذ كل ما هو قديم، بل إلى نفي وجود شيء يسمى تراثاً وفق شعار (القطيعة مع التراث) التي دعا إليها البعض لغايات غير علمية، وهي في حقيقتها قائمة على النقد فقط، وقد رفع لواءها في الوطن العربي كلٌ من (عبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون في بعض الرؤى الخاصة به) وكل واحدٍ منهم قد تطرق لموضوع التراث بحسب رؤياه الخاصة به .

فـ(القطيعة عند العروي تأخذ معنى الطفرة التاريخية بالمعنى الذي تذهب إليه المادية التاريخية ما يجعل منه تاريخانياً بأمتياز، أما القطيعة عند محمد عابد الجابري فهي معنى الثورة العلمية كما عند غاستون باشلار وطوماس كون ما يجعل منه بنيوياً بأمتياز، أما القطيعة عند أركون فهي تعيش على إيقاع معطيات الثورة المناهجية الجديدة التي تمتد إلى مختلف الحقول في اللغة والتاريخ والأجتماع والنفس فهي بهذا المعنى قطيعة مع أساليب القراءة والفهم وهو مفهوم يلتقي مع كافة الأطر المعرفية التي تشكل المجالات الثقافية والأشتغالية والتداولي للحداثة الغربية)[23] .

فمثلاً نجد أن عبد الله العروي يقول: (إن سير التاريخ لا يتوقف على المثقف، لكن المثقف مطالب بالخضوع إلى قوانين التاريخ إن أراد أن يكون له وجود وتأثير)[24] .

و عن قضية التراث يقول: (إن التراث تحميه اليوم مؤسسة لا تترك لأحد حرية التأويل)[25] .

و يقول مؤكداً على منهجه التاريخي، ومنتقداً للفكر السلفي: (هذه حقيقة نقولها ونكررها وبعد الإقرار والتكرار نجدد الدعوة إلى العقل التاريخي لأن اللجوء إلى الرومانسية والفوضوية، إلى الشعر الغاضب، إلى الثورية الفارغة، يقوي فقط جانب الفكر السلفي . وهذا الفكر كان سبب التخلف، وسيبقى سبب التخلف)[26] .

أما محمد عابد الجابري فيقول: (ويمكن أن نلاحظ بالإضافة إلى ما تقدم أنه لا كلمة " تراث " ولا كلمة " ميراث " ولا أياً من المشتقات من مادة " و. ر . ث " قد أستعمل قديماً في معنى الموروث الثقافي والفكري حسب ما نعلم، وهو المعنى الذي يعطى لكلمة " تراث " في خطابنا المعاصر . إن الموضوع الذي تُحيل إليه هذه المادة ومشتقاتها في الخطاب العربي القديم كان دائماً: المال، وبدرجة أقل: الحسب . أما شؤون الفكر والثقافة فقد كانت غائبة تماماً عن المجال التداولي، أو الحقل الدلالي، لكلمة " تراث " ومرادفاتها)[27] .

الإتجاه الثالث: وهو الداعي إلى غربلة[28] التراث من كل ما علق به، وتحسين طريقة الأخذ منه، مع تجاوز الطريقة الحرفية في فهم النصوص وتفسيرها، والإبتعاد عن دائرة التقديس لكل ما بالتراث، والإجتناب عن إضفاء صفة القدسية على جميع السلف .

فلقد أحتوى تاريخ الماضين على إفرازات كثيرة، منها الضار، ومنها النافع، والتي لا يزال لها أثرها في سلوكيات المجتمع، ومعتقداته، وأسلوب معيشته، فلابد أن نميز بين ما يمكننا التمسك به، وتنميته، وبين ما يجدر بنا إستئصاله، أو الحد قدر الإمكان من مضاره، وسلبياته على الفرد والمجتمع .

فـ(من الطبيعي أن يحتوي التراث على نقاط الضعف والقوة، والغث والسمين، والخطأ والصواب، كما أن تناقل التراث عبر مسيرة زمنية، تجعله معرضاً للشوائب والتحريفات)[29] .

إن دراسة تراث السلف بمنطق العقل قد يكشف مواضع الخطأ لدى السابقين، ويفيد في تجنب الوقوع في نفس الأخطاء التي وقعوا بها، وبالتالي السعي نحو تحصيل الأفضل والأحسن دائماً . ثم أن لكل حقبة ظروفها وخصوصياتها، فكيف لنا أن نُعدي أفكار وتصرفات من حقبة معينة لنجريها على حقبة أخرى تختلف عنها زماناً ومكاناً، بل ربما قد تختلف عنها في الطبيعة والظروف وحتى في اللغة . إن ما تعرض له التراث ـ كمنظومة ـ من محاولات تحريف وتشويه، سببتها الجهات المغرضة من داخل جسد الأمة[30]، وأحدثتها الثقافات الدخيلة، وما قام به أعداءها، يفرض علينا أن نبذل أقصى ما يمكننا من جهود لغربلة تراثنا الشوائب، بل يوجب علينا أن نمحص التراث، ونخلصه من كل الأفرازات، والمدخولات التي لحقت .

 

الشيخ ليث عبد الحسين العتابي

..........................

[1]: فأي نقاش بذلك يؤدي بصاحبه إلى الرمي بالزندقة .

[2]: الآحادية الفكرية في الساحة الدينية، حسن موسى الصفار، ص 59 .

[3]: فنشأت من جراء ذلك (عبادة الأشخاص) .

[4]: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (224 ـ 310 هـ) فقيه ومؤرخ .

[5]: أحمد بن حنبل (164 ـ 241 هـ) .

[6]: تاريخ أبن الأثير، أحداث سنة (310 هـ) .

[7]: محنة التراث الآخر، أدريس هاني، ص 35 ـ 36 .

[8]: أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون المغربي المالكي البربري الأشبيلي (ت 808 هـ) بالقاهرة .

[9]: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني الذهبي الدمشقي الشافعي (673 ــ 748 هـ) المعروف بالتعصب، فعن طبقات الشافعية أن تقي الدين السبكي قال في حقه: (والذي أدركنا عليه المشايخ النهي عن النظر في كلامه وعدم اعتبار قوله) .

[10]: أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي المكي الشافعي مفتي الحجاز صاحب كتاب (الصواعق المحرقة) توفي سنة (974 هـ)

[11]: أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه القرطبي الأندلسي المرواني (246 ــ 328 هـ)، مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي، توفي ودفن في قرطبة .

[12]: كما نراه عند (أحمد أمين المصري)، و(أبو يعرب المرزوقي)، وطه عبد الرحمن، وغيرهم .

[13]: تقي الدين أحمد الحراني الدمشقي الحنبلي: (661 ـ 728) هجري (1263 ـ 1328) ميلادي أصله غير عربي، كان معادياً للصوفية والشيعة بسبب وبلا سبب، وكان من أشد النواصب لمذهب التشيع، وهو أول من أفتى بحرمة زيارة قبر النبي محمد (ص) ليقطع الطريق على كل زائر، وعد السفر إلى زيارة قبر النبي (ص) عملاً محرماً يجب إتمام الصلاة فيه، وهذه الأراء التي أطلقها اعتمدتها الحركة الوهابية وأحلت بفتاوي أبن تيمية هدم قبور الصالحين، هذه الفتاوي سمحت للفقهاء بتأليف الكتب دفاعاً عن زيارة القبور، فوضع تقي الدين السبكي (ت 756 هـ) كتابين (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) و(الدرة المضية في الرد على أبن تيمية)، ومؤلفات أخرى في الرد على أبن تيمية مثل (المقالة المرضية لقاضي قضاة المالكية تقي الدين أبي عبد الله الأخنائي) و(نجم المهتدي ورجم المقتدي للفخر أبن المعلم الفرشي) و(دفع الشبه لتقي الدين الحصني) و(التحفة المختارة في الرد على منكر الزيارة لتاج الدين الفاكهاني) و(إكمال المنة في نقض منهاج السنة لسراج الدين الهندي) و(منهاج الشريعة في نقض مناج السنة للسيد مهدي القزويني) و(الإمامة الكبرى والخلافة العظمى للسيد محمد حسن الشيرازي) و(خبر الجهة لأحمد بن يحيى بن جبريل الشافعي) و(إعتراضات على أبن تيمية لأحمد بن إبراهيم السروطي الحنفي) و(الجوهر المنظم في زيارة القبر المعظم لأبن حجر الهيتمي) و(أبن تيمية ليس سلفياً لمنصور عويس) و(أبن تيمية لصائب عبد الحميد) غيرها الكثير . قال أبن حجر العسقلاني في ذم منهج أبن تيمية: (... وكم من مبالغة لتوهين كلام الرافضي أدته إلى تنقيص علي رضي الله عنه) لسان الميزان، ج 6، ص 319ـ 320 / وقال أبن حجر الهيتمي في أبن تيمية: (أبن تيمية عبد خذله الله، وأضله وأعماه وأصمه وأذله، وبذلك صرح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله ... ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال مضل جاهل غال وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته) الفتاوى الحديثة، الهيتمي، ص 144 / وفي مورد آخر يقول الهيتمي: (وإياك أن تصغي إلى ما في كتب أبن تيمية وتلميذه أبن القيم الجوزية وغيرهما ممن أتخذ إلهه هواه ... وكيف تجاوز هؤلاء الملحدون الحدود ...) الفتاوى الحديثة، الهيتمي، ص 203 / وقال فيه تاج الدين السبكي: (وأعلم أن هذه الرفقة، أعني المزي والذهبي والبرزلي وكثيراً من أتباعهم أضر بهم أبو العباس أبن تيمية إضراراً بيناً ... وأوقفهم في دكادك من نار ...) طبقات الشافعية الكبرى، السبكي، ج 10، ص 400 / وقال الألوسي في أبن تيمية: (وأرى أن تشنيع أبن تيمية، وأبن القيم، وأبن قدامة، وأبن قاضي الجبل، والطوفي، وأبي نصر، وأمثالهم، صرير باب أو طنين ذباب ... ولولا الخروج عن الصدد لوفيتهم الكيل صاعاً بصاع ... ولعلمتهم كيف يكون الهجاء بحروف الهجاء ...) تفسير روح المعاني، ج 1، ص 18 ـ 19 .

[14]: فمن مبتدعاته أن أخترع ما يسمى بـ0 توحيد الربوبية) ولا أدري من أين جاء به، والمشكلة أن بعض الكتاب، وبالخصوص من الشيعة قد ساوقه القول، وفرع كتفريع أبن تيمية، وجعل توحيد الربوبية قسماً من أقسام التوحيد، وهذا القسم ما هو إلا بدعة، فلا دليل عليه من كتاب الله تعالى، ولا من السنة النبوية المباركة، ولا ورد ذلك عند الصحابة أو التابعين أبداً .

[15]: محمد بن أبي بكر الحنبلي أبن قيم الجوزية (ت 751 هـ) صاحب زاد المعاد في هدى خير العباد، تفقه على أبن تيمية، غلب عليه حب أبن تيمية، وعد الخروج عن أقواله ضلال، قام بتهذيب كتب أبن تيمية ونشرها، كان كأستاذه ينال من علماء عصره وينالون منه .

[16]: محمد بن عبد الوهاب المولود في بلدة العينية بنجد (1115 هـ ــ 1703 ميلادي) درس الفقه الحنبلي، واقتدى بابن تيمية، ورحل إلى المدينة والبصرة وبغداد وكردستان وهمدان وأصفهان وعاد إلى بلاده وأظهر طريقته وأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحارب البدع حسب ما يدعي، واستعان بمحمد بن سعود في تأييد دعوته إلى أن مات سنة (1206 هـ ــ 1791 ميلادي) وأعتنق آل سعود هذه الدعوة التكفيرية الشاذة، والتي أسسها الأستعمار في داخل الإسلام لضرب الإسلام .

[17]: يقول الأستاذ والكاتب السوري نبيل فياض عن هذه النحلة المنحرفة: ((... مصيبتنا الفعلية هي في أولئك الوهابيين الذين مازالوا مستمرين في ترويج كل أنواع الدجل والعهر الفكري يلعبون بها بعقول الصبية والنسوة المهتاجات)) من كتابه: يوم انحدر الجمل من السقيفة، ص 18 .

و الوهابية فرقة تنتسب إلى محمد بن عبد الوهاب المولود في بلدة العينية بنجد (1115 هـ ــ 1703 ميلادي) درس الفقه الحنبلي، واقتدى بابن تيمية، ورحل إلى المدينة والبصرة وبغداد وكردستان وهمدان وأصفهان وعاد إلى بلاده وأظهر طريقته وأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحارب البدع حسب ما يدعي، واستعان بمحمد بن سعود في تأييد دعوته إلى أن مات سنة (1206 هـ ــ 1791 ميلادي) وأعتنق آل سعود هذه الدعوة التكفيرية الشاذة، والتي أسسها الأستعمار في داخل الإسلام لضرب الإسلام .

[18]: السيد مرتضى بن محمد بن إسماعيل الحسيني العسكري، عالم ومؤرخ ومحقق، ولد في سامراء سنة (1332 هـ)، ثم هاجر إلى قم سنة (1350 هـ)، ثم رجع إلى سامراء سنة (1353 هـ)، أنتقل إلى بغداد وصار أستاذاً في كلية (أصول الدين) ثم عميداً لها، وهو من المؤسسين الأوائل لها، توفي في إيران سنة (1428 هـ) له من المؤلفات: (معالم المدرستين، عبد الله بن سبأ، خمسون ومائة صحابي مختلق) .

[19]: دور الأئمة في أحياء الدين، السيد العسكري، ج 1، ص 154 .

[20]: يراجع كتاب السنة للبربهاري كمثال، وكتب الحنابلة .

[21]: فرق أهل السنة، صالح الورداني، ص 246 .

[22]: قراءة في كتب العقائد المذهب الحنبلي أنموذجاً، حسن بن فرحان المالكي، ص 151 .

[23]: كيف جرى مفهوم القطيعة على التراث، إدريس هاني .

[24]: العرب والفكر التاريخي، عبد الله العروي، ص 25 .

[25]: المصدر السابق، ص 22 .

[26]: المصدر السابق، ص 223 .

[27]: التراث والحداثة، محمد عابد الجابري، ص 22 .

[28]: ونحن لا ندعوا إلى الأنتقاء أو الإنتقائية، وذلك لأن فيها ما هو سلبي، وفيها ما هو إيجابي .

[29]: الآحادية الفكرية في الساحة الدينية، حسن موسى الصفار، ص 59 .

[30]: فبعض التراث قد كتب بأمر من السلطان، وتحت وصايته، وروج له وعاظ السلاطين، والمتملقين ليصبح جزءاً من التراث .

 

الشيخ ليث عبد الحسين العتابي

 

jawadkadom gloomحينما نقارن بين ما نحن عليه من وهنٍ وتراخٍ وفتور في انشطة العقل السائد بيننا وبين الفكر المتطور الذي ابتكرته العقول الناجزة في العالم المتمدن والابتكارات السريعة التي يخلقها ويضعها امام شعوبه من اجل اسعادهم وارتقائهم الى مدارج نماء وسلالم الرقيّ بأعلى صفوفه؛ يصيبنا الحزن والأسى والنكوص لما نحن عليه من تخلّف وصل الى مدى الرثاء، كل ذلك سببه احتضار العقل وتكاد تتلاشى انفاسه وهو في الهزيع الاخير، قريبا جدا من الموت فاضحى جثة هامدة لا روح فيها فلا ابتكار ولا اكتشاف ولا ابداع ولا رؤى جديدة ولا قدرات عقلية خلاّقة تعمل على انتشالنا من عالم الفقر والجهل والخرافة والتهويمات المنتشرة بيننا

وكلّ الامم والشعوب الراقية التي تصادف الكثير من الصعاب والعراقيل تلجأ لعقول صفْوتها وعلمائها ومفكريها وسياسييها ذوي الحذق والفطنة من اجل تجاوز تلك الصعاب والمطبات التي لاتخلو منها حياتنا او حتى تذليلها بجهود عقلية مبتكرة تشاركه جهود عضلية ليكون واقعا ملموسا، هذه هي سمة الشعوب الحيّة الصاعدة

ولنضرب مثلا بسيطا فإذا انعدم المطر وشحّت المياه في موسم ما يعمل هؤلاء على انتاج مطر صناعي لتزهر الحقول وتنمو بدلا من ان يتجمعوا ليؤدوا صلاة الاستسقاء . واذا شحّ مصدر الطاقة يعمل الناشطون العقليون بكل جهدهم على انتاج طاقة بديلة وقد يكون انتاج هذه الطاقة البديلة انظف وارقى وارخص تكلفةً؛ ولو تعثّر قطاع الصناعة او الزراعة على سبيل المثال يمكن للنشاط السياحي ان يكون بديلا ويدرّ الكثير من الموارد دون ان ينبس احد بكلمات التشجيع ويعلن المتشدقون وهواة الاختلاف ان هذا حرام او يقول المتخرّصون ان بلادنا صارت مرتعا للأجانب بذرائع واهية على ان السيّاح ينشرون فيها المفاسد والآثام والفسوق لأنهم كفرة يجولون بيننا او اهل كتاب او ملاحدة وما الى ذلك من الاتهامات الرخيصة التي لاتشبع بطنا جائعة او روحا ظامئة للرواء والرخاء الاقتصادي

والجهد سواء كان عقليا ام بدنيا هو الطريق الاسلم للتمكّن والقدرة على خلق بناء تحتي وبروز حضاري مثلما الثقافة والوعي والتعليم الحسَن الممنهج سبيلا الى التحضّر والارتقاء له الفعالية على تشييد بناء فوقي يوافق الزمكان ودون ان ننسى تشذيب ذلك البناء الفوقي من الخرافات والتهويمات والعقائد غير النافعة التي تبعث الكسل والخمول وتعطّل قدرات الانسان الخلاّقة

الامم الراقية تتعلم من النقد البنّاء وتستفيد من تجارب الشعوب ان انتكست او انتصرت على معوّقاتها وتعتبر نجاح الاخرين نجاحا لها ويكون صعودها مصدر إلهام لها وانتكاساتها في حالة زلاّت اقدامها ويصير درسا يقيها الوقوع في مزالق الخطأ والتدبير غير الفعال

والشعوب الحية لاتعرف التسويف والتأجيل في حل المعضلات وايجاد سبل العلاج بل انها تعرف كيف تجهّز الدواء قبل حلول الداء، تلك الشعوب الحيّة مصنع دائم للابتكار وصيانة العقل وإدامة الحياة بأفضل مايمكن فان حلّ الجفاف في اراضيهم وتصحرت بقاعها ملأوا سماءها غيوما صناعية تمطر في الزمان والمكان الذي يريدونه وان قلّت مصادر طاقتهم اسرعوا بانتاج مصادر بديلة ونظيفة وان انتشرت افكار سقيمة في اوساط مجتمعهم عالجوها بالحوار والتوجيه والتأهيل كي يعود المجتمع الى صوابه وألاّ فالقانون الوضعي المعجّل يتأهب للردع والحزم والعقوبة دون ان يفوّضوا امرهم الى الغير كائنا من كان؛ واقعيا ام افتراضيا أوالى عقاب الاخرة المؤجل

هو ذا العقل الناجز الذي يتربّص بأيّ شيء فيه اخلال او خطأ او نقص ليعالجه قبل ان يستفحل ويتفاقم على العكس من العقل القاصر العاجز الذي يتجنب التحديات ولايقف امامها خوفا وهلعا وعجزا ويهرب الى التبرير وهذا العقل يرتعب من اية كارثة قد تحلّ او مشكلة طارئة قد تحصل فكيف به اذا جابه مشكلات مستعصية تحتاج الى تكثيف عقلي كي يمكن تذليلها ؟؟

والعقل العاجز يعتبر كل جهد مهما كان نوعه عديم المنفعة ويرضى بما يسمى " المقسوم " و " المقدّر " من قوى خارجية يظنّها خارجة عن ارادة الانسان والأكثر ايلاما وبؤسا انه لايتقبل النقد البنّاء ويصرّ على قناعاته التي استقاها من رواسب تربوية عفا عليها الزمن ومن رؤى عوراء لماضٍ سحيق خارج اطار الزمان والمكان الذي نعيش فيه الان وتراه يأنس بالاستسلام والركون الى القضاء والقدر لأن العقل السقيم ضعيف ومهزوز لايستطيع الانتصار على الصعاب

انه عقل تبرير لا تفسير وتراه يبرر الفشل في المعالجة الى قوى خارجية غيبية وينبش في الماورائيات للبحث عن منقذ خارج منظومة المجتمع الذي يترعرع فيه ؛ فهذا العقل التبريري منطوٍ على نفسهِ أعزل الارادة وجبان خائف حتى من أقلّ المشكلات وأوهن المطبّات

والعقل العاجز يخاف من النجاح الذي يتسابق عليه الاخرون ولا يقف على اهبة الاستعداد او يثب راكضا حاله حال عقول الامم والشعوب الحية الناهضة بعقولها وان ركض استحياءً ؛ تراه يلهث في اول المضمار ويرتخي قبل ان يصل الى الهدف، والغريب انه يقوى وينشط على غير عادتهِ فيما لو أحسّ بوجود فكر متنور في اوساط مجتمعه ويحاول بشتى الطرق ليعمل على إطفائهِ ؛ بينما العقل الناجز يعتبر طفرات الرقي والنهوض مازالت اقل من الطموح ويحاول بين آن واخر ان يحصل على رقم قياسي اعلى مما سبق بينما العقل العاجز يفقد تماما روح المنافسة وليس لديه مصدر الهام ليكون في مصاف النجاح لأنه ببساطة منزوع من سلاح الاصرار والثبات والعزم

لست ممن يندب ماضيا عريقا انقضى ولكني اقول اننا كنا سبّاقين في هضم واستيعاب وتقبّل تجارب وأفكار الشعوب ونقل عقولها الى إرثنا الحضاري في عمليات لقاح حضاري وتمازج ثقافي، ولا اريد ان اذكّر بالترجمات العريقة للنفائس والكتب المتنوعة التي كنا نأخذها من الاغريق والرومان وفارس والهند كي نلقّح بها عقولنا ونشذّب حضارتنا مما علق بها من شوائب ضارة ونضفي على موروثنا كلّ ماهو نافع وملهم من نتاجات الشعوب الفكرية وإبداع عقولهم سواء في الطب او الرياضيات او الفلسفة او الادب او الهندسة والعمران، وما التراجم الجمّة التي حفلت بها المكتبة العربية والاسلامية منذ العهد العباسي الاّ دليل حيّ على تكوين خلطة فكرية حيّة انتجت حضارة اسلامية فتحت صدرها رحبا وسعة على العقل المفكّر ايّا كان منشؤه فما بالنا اليوم نرتعد خوفا من ابتكارات الشعوب التي أرست اسس المدنية والتحضّر واستعانت بالحركات التنويرية ووصلت الى ماوصلت اليه الان من تقدّم ملحوظ في البناء السياسي السليم من خلال ترسيخ الديمقراطية وانظمة الحكم البرلمانية واللجوء الى صناديق الاقتراع الذي يمثّل خيارات الشعوب فيمن يقودها ويخدمها ويوصلها الى الطريق الافضل والأكثر رفاهية ورقيّا ؛ كل ذلك بسبب تدريب العقل على ابتكار الحلول من خلال التفكير السليم والانشغال بالغير قبل الذات

وماعلينا الان سوى ان نتعلّم من تجارب الشعوب والأمم الناهضة ونعترف بتقصيرنا وتخلّفنا، نتعلم كيف تدار مؤسسات الدولة بشكل ديمقراطي ونعترف بلا استحياء اننا في الصفوف الاخيرة وعلينا ان نحثّ الخطى ونطمر الكثير من قناعاتنا وإرثنا المعيق غير النافع وهناك من خزعبلات التراث علينا حرقها ودفنها الى الابد ولا يصلح الاقتداء او الاستعانة بها لانها شرر يتطاير على رؤوسنا يحرق الاخضر واليابس ويحيل الاخيار الى اشرار والنهضة الى كبوة ولابدّ من إعمال العقل ليتوافق مع الزمكان الحالي وكم من الشعوب غربلت فكرها وأبعدت الغثّ عن السمين وفرزت السقيم عن الصحيح وعزلت الافكار الصديئة عن الصقيلة ومهّدت السبيل الى مسارها للطريق الأسلم والأنفع والأجدر لانها تريد ان تنهض فالنهوض لا يتحقق اذا أسندت السلالم على أرض هشّة، كما اننا نحتاج عقل حاذق يشير اين نضع خطانا، فالتحليق الى الاعالي لا يتمّ بجناحين مهيضين ولو كانا جناحَي كاسرٍ قويّ الشكيمة

 

جواد غلوم

asaad alemaraمرة أخرى يكون الدين عامل يقود العقل بلا تروي، بلا وعي، والأحرى لنقل مصادرة العقل تماما، أنه الإفتتان الديني!!. يَعرف من درس علم الإجتماع حق المعرفة هذا المفهوم؟ وما هو تأثيره على الإنسان؟ وكيف يقوده بلا وعي إلى الهلاك، فعلا أنه يكون مسير من قبل شخص ما، قد يكون مرجعه الديني، أو تلميذه أو مريده، أو من يزقه العلوم الدينية زقًا بلا وعي.. إنه الإفتتان الديني.

تعرف الموسوعة الفلسفية الوعي بوصفه حالة عقلية من اليقظة يُدرك فيها الإنسان نفسه وعلاقاته بما حوله من زمان ومكان واشخاص، كما يستجيب للمؤثرات البيئية استجابة صحيحة.

ويعرف ايضا بأنه اتجاه عقلي انعكاسي، يمكن الفرد من إدراك ذاته والبيئة المحيطة به بدرجات متفاوتة من الوضوح والتعقيد.

أما التلاعب بالوعي فيمكننا أن نعرفه

كما يطرحه"الباحث..د. اسعد الاماره" هو قوة تأثير نشر الأفكار المتطرفة، أو غير المقبولة لدى عامة الناس بأساليب ملتوية، مستهدفين بذلك التأثير على الجوانب المعرفية "الادراك، التفكير، اسلوب حل المشكلة، العاطفة" وتحريفها الوعي.

أما الإفتتان الديني

فهو الإفتتان برجل الدين حد العبادة، أو بالطائفة، أو المذهب، أو الدين، ويغلب على سلوك الفرد أو الجماعة التوحد أو تقمص شخصية الدين الجمعية، أو المذهب، أو الطائفة، ولن يكون هناك فرق بينه وبين موضوع الإفتتان، فيكون عقله مُصادرْ، وسلوكه جمعي، أي تقمص كامل له.

تعد العبادات والرقص الديني نوعاً من السلوك الجمعي التي تمارسه المجتمعات في مختلف بقاع العالم حيث كانت الموسيقى والرقص هي إحدى وسائل أداء العبادات الدينية، وقد استمر هذا التقليد لعدة قرون وما زال لدى بعض الملل والنحل والطوائف ومنها الفرق الصوفية في الإسلام وبعض المجموعات ذات البشرة السوداء التي تستخدم الايقاعات الموسيقية مثل الرقص الديني، وربما استخدمت الموسيقى كطقوس دينية ووسيلة للعلاج النفسي وفي اعتقاداتهم، انها تبرأ من الأمراض وبعض الحالات غير السوية .

وهناك بعض الامثلة:

- العبادة بالرقص:

مارس مجموعة من اليهود الآرثوذوكس وتسمى هذه الطائفة (اليهود الحسيديم) .. فهم يعبرون عن العبادة بالرقص والأغاني والموسيقى .. وهي جزء من ممارساتهم الدينية .. وعدوها أيضاً جزءاً من التقوى والصلاح والعبادة . ويتجاوز اليهود الحسيديم ذلك إلى التعدي على مكانة الانبياء وقداسة الرسل بنسب مالا يليق بهم .. فقد ذكروا في التوراة أن النبي اليسع عندما كان يريد التنبؤ يطلب أن يؤتى له بعوّاد يضرب له بالعود (والآن فآتوني بعواد، ولما ضرب العواد بالعود كانت عليه يد الرب - سفر الملوك الثاني - )، ويدعي الحسيديم أن أكثر المزامير التي تنسب إلى داود كانت تغنى مع ألات موسيقية .

كان موسيقيو المعبد مقسمين إلى 24 موسيقياً .. وبعد تهديم المعبد انتقل الغناء إلى الكنيس .

ويعُبّر الغناء والرقص عند الحسيديم عن تماسك الجماعة ووحدتها .. ويقولون بأن للغناء معنى تحلق فيه روح الإنسان إلى الآفاق العليا وترتقي .. وقد اعتقدوا أن الإنسان يكون قريبا من الحضرة الإلهية فقط حينما يكون سعيداً ومسروراً .. وللحسيديم أقوال كثيرة في أهمية الأغاني وتأثيرها ..

- وفي اسيا – جنوب شرقي أسيا - ضمن دول كوريا والصين واليابان فقد استخدمت الموسيقى الدينية باوسع اشكالها ففي مملكة كوريو- كوريا الحديثة، كانت موسيقى مملكة شيلا هي نفسها السائدة في عصر مملكة كوريو(918-1392) في الدول المجاورة لها، ولكنها سرعان ما تنوعت فيما بعد وتكونت موسيقى دينية خاصة نابعة من تراث تلك الدول والممالك وثقافاتها السائدة . فكان هناك ثلاث أنواع من الموسيقى في مملكة كورويو هي / تانغ اك أو موسيقى مملكة تانغ الصينية، هنلنجاك أو موسيقى القرى، وأه- آك أو موسيقى النبلاء. إذنْ كانت موسيقى للفقراء وموسيقى للنبلاء على حسب الطبقات الحاكمة في المجتمعات، وتم وراثة بعض من موسيقى كوريو بواسطة مملكة جوسون 1392-1910. كما لا يزال بعض منها يستخدم إلى الآن في المناسبات الخاصة مثل الشعائر والعبادات خاصة فيما يتعلق بعبادة الاجداد. . وكما هو الحال في الموسيقى كان أيضا في الرقص، حيث كان في كوريو من موروثات عصر الممالك الثلاث ولكنها أضافت عليه فيما بعد فنون أخرى للرقص وذلك مع بداية رقص النبلاء والرقص الديني من مملكة سونغ الصينية.

- أما في التاريخ الإسلامي فقد كانت الإيقاعات الموسيقية باستخدام بعض الآلات لدى معتنقي الطرق الصوفية كوسيلة للتوحد مع الشيخ من قبل المريد والذوبان في حب النبي "ص"، واستخدمت هذه الطقوس الدينية في بداية القرن العاشر الميلادي، وقادها رجال دين مسلمون زهاد عرُفوا بتقواهم وتوعد هذه الجماعة مريديها بمكاسب مادية ومعنوية لا في الدنيا فحسب بل في الآخرة ايضاً، إلا أن بعض رجال الدين ممن لا يؤمنون بهذه المذاهب حرموها واعدها البعض منهم بدعة.

- من أمثلة الافتتانات في العالم في تاريخنا الحديث ما حدث في غانا في العام 1978:   لقد مات أكثر من 900 رجل وامرأة وطفل في مجزرة انتحارية في العام 1978 في مقاطعة منعزلة بـ (جونزتاون) – غانا، يبدو أن قرار الموت صنعه شخص واحد وهو القس "جيم جونز" فقد احتسى معظم اتباع جونز ماء مذاب فيه اقراص سيناميد الموجود في الوعاء مما ادى إلى مقتلهم كلهم والسؤال ما الذي يجعل الناس يستسلمون لحكم الفرد بهذه الطريقة ؟

يرى علماء النفس والاجتماع، أن قادة هذه المجموعات يستخدمون عادة أساليب معضلة من شانها جعل مثل تلك الطاعة العمياء امرًا محتملًا، فهم يميلون إلى أن ينضم إلى الجماعة الأفراد المستجيبون خاصة والذين يتأثرون بالإيحاء والتقبل لهذه الأفكار.

أما اليوم وفي التاريخ المعاصر، بداية القرن الحادي والعشرون، وبالاخص انتشار الطائفية بشكل مذهل، فقد أنتشرت ظاهرة الإفتتان الديني برجل الدين، أو بسلوك الأفراد المتطرفين في العنف أو التعذيب أو التمثيل بقتل الضحية بأبشع صورة، وإسنادها إلى التاريخ الإسلامي، وإختلاق أما نص للكتب الدينية المقدسة، أو لإحاديث مشكوك نسبها إلى النبي أو إلى الامام،أو لرجل من الصالحين !!، لا سيما أن الصراع الطائفي هو السائد الآن، وهو الموضة لدى الجيل من الشباب وقوة التأثير هي الأقوى على عقول الشباب واستبدال الوعي بوعي جديد، يميل نحو التطرف، رغم إن العالم اليوم يميل نحو الإنفتاح بين الشعوب، والإعتدال الجمعي لسلوك البشرية، والتقارب بفعل العولمه بجانبها الإيجابي من خلال التواصل والتقارب وتبادل المعلومات، إلا أن الإفتتان الديني وإتباع المرجعية التي يؤمن بها الشباب سواء كانت دينية، أو مذهبية، أو سياسية، في عالمنا الثالث – العالم المتخلف، هي التي تؤثر على عقولهم، وإختلاق رموز ليست واقعية.

 

د. اسعد الاماره

*استاذ جامعي وباحث نفسي

 

fatehi alhabowbiلا جدال في أنّ هناك جدليّة قائمة بين الموقف من حدث ما- بما هو ردّة فعل في علاقة بإعجاب الإنسان أو مقته لهذا الحدث- والصورة الإيجابية أو السلبية التي يخلّفها لدينا هذا الحدث في علاقة بالزمان والمكان. ذلك أن إختلاف الزمان أو المكان- بما هو اختلاف للظروف- قد يجعل الإنسان يغيّر موقفه من النقيض إلى النقيض، أو على الأقلّ يعدّله ليكون أكثر عقلانيّة وموضوعيّة ورصانة. ومعلوم أنّه خارج إطار الدين، لا أحد بإمكانه الإدّعاء بأنّه يمتلك الحقيقة المطلقة. لأنّ الثابت أنّ هناك حقيقة متعدّدة ونسبيّة لا حقيقة واحدة ومطلقة. لذلك إختلف الفلاسفة في تعريف الحقيقة فنظر إليها "أفلاطون" كواقع مفارق لعالمنا الحسّي، وأعتبرها "أرسطو" كواقع محايث -أي أنّها موجودة في العالم الحسّي وليست مفارقة له- ونظر إليها "ديكارت" باعتبارها مطابقة الفكر لمبادئه الذاتية.(أنظر المعجم الفلسفي لأندري لالاند(André Lalande). وفق هذا المنظور، فلا غرابة إذن أن يمجّد الإنسان حدثا ما، ثمّ ما يلبث أن يستهجنه بشراسة منقطعة النظير إذا ما استجلاه بالمساءلة واستقرأ أبعاده المختلفة ونظر إليه بعين ناقدة، أو توفّرت لديه معطيات وأدلّة جديدة حوله تصبّ جميعها في اتّجاه معاكس لما كان يعتقده عين الصواب. فكلّ موقف ، له بالتأكيد زوايا نظر مختلفة. والإصرار والعناد على الإبقاء على مواقفنا وآرائنا على ما هي عليه- كأنّها من المقدّسات- رغم الأدلة التى تناقضها، إنّما هو علامة من علامات الغباء. تكريسا لهذه المقاربة فإنّ المثل الفرنسي الشهير يقول : « وحدهم الأغبياء لا يغيّرون رأيهم » (seuls les imbéciles ne changent pas d'avis).

ودون الدخول في متاهات النظريات التي تتناول كيفية تشكيل الموقف وتغييره، لأنّ المجال هنا ليس مجالها، فإنّي أكتفي في هذا السياق بالإشارة فقط إلى أنّ من يكون على درجة كبيرة من الكبرياء فإنّه يصعب عليه تغيير مواقفه. وهو ما يعني فيما يعني أنّ الكبرياء والغباء إنّما هما وجهان لعملة واحدة، هي للأسف، كثيرة الرواج بيننا نحن العرب. وتأسيسا على ذلك، فإنّي اعتبر أنّ "جان جاك روسو" كان ذكيّا جدّا، لا بل وعبقريّا، ليس لأنّه كان له بالغ الأثر في مجريات الثورة الفرنسيّة، وفي نظريّة كارل ماركس (Karl Marx)الاشتراكية، وفي فلسفة إيمانويل كانط (Emmanuel Kant) صاحب "نقد العقل المحض"الذي أبان فيه قصور ومحدوديّة بنية العقل، وفي فلسفة آرثر شوبنهاور (Arthur Schopenhauer) صاحب "العالم فكرة وارادة" الذي أبان فيه أنّ العقل إنّما هو مجرّد أداة بيد الارادة التي تتحكّم به، وفي نصوص جوته (Goethe) الروائيّة والمسرحيّة والشعريّة ، وفي أدب ليون تولستوي (Léon Tolstoï) وخاصة في الجانب الاخلاقي منه وتفضيله العيش وفق أسلوب حياة الفلاحين، وفي الإبداعات الكثيرة للكاتب الروسي فيودور دستويفسكي(Fiodor Dostoïevski) وللشاعرالألماني فريدريك هولدرلين (Friedrich Hölderlin) وغير هؤلاء المشاهير، بل لأنّه كان له من الشجاعة ما جعله يغيّر مواقف له وآراء كثيرة كانت على غير صواب. ولأنّه لم يخش في ذلك مؤاخذات ولا مشاكسات الأوساط المثقّفة الملحدة المعادية له إيديولوجيّا من منطلق احتفاظه بإيمانه الديني. لا بل ولأنّه لم يخش كذلك- وهو الأهمّ- حتّى تلك السطوة النقديّة لكبار فلاسفة التنوير الذين عاصروه - بمن فيهم من بنى مجده قبل ظهوره- وكان زعيمهم الذائع الصيت، وأكثرهم شهرة بل وسلاطة لسان وشراسة في الدفاع عن آرائه، خصمه الألدّ "فرانسوا ماري أرويه"(François-Marie Arouet) شهر فولتير، وهو القائل :« الانحياز هو الرأي من دون تحكيم العقل ». بما يعني انّ فولتير نفسه لا يختلف مع روسو في هذا الشأن رغم اختلافه معه في كلّ شيء. وهو لا يرى حرجا في تغيير رأيه إن كان لاَ مَنْدُوحَةَ لَه عَنْ ذلك، بعد وضع الرأي تحت مجهر العقل الذي لا سلطان عليه لدى فلاسفة التنوير. وهم أيضا ملحدون في أغلبهم. لأنّ لا إلاه عندهم سوى العقل الذي لا سلطة عليه لأيّ نصّ مهما كانت قداسته. لكنّ هذا العقل الذي له هذه المكانة المميّزة التي تجلّه عند الغرب يتبرّأ منه ويكفّره -للأسف- أحد من نسمّيهم أصحاب المذاهب الإسلاميّة الأربعة-وهي ليست موضوعيّا إلّا ثلاثة فقط – ألا وهو أحمد بن حنبل الذي يرى أنّ العقل ذاته كفر. وتأسيسا على ذلك، فهو يرفض بشدّة استعمال العقل حتّى أنّه خاض معارك طاحنة مع من يستخدمون عقولهم في فهم الوحي تأويلا وتعليلا وتنزيلا، ووجّه لهم اتهامات كثيرة وشتائم خسيسة لم يسلم منها حتّى أبو حنيفة النعمان المشهور بإمام أهل الرأي -رغم أنّه أوّل الأئمة "الأربعة " وسيّد الفقهاء في عصره- لأنّ هذا المتفقّه أو المتطفّل على الفقه يرى أن « القول بالرأي والتعليل والمقاصد؛ تشريع عقلي، فيما أنّ الدّين إلهي !! ». ولعلّ ما هو أغرب إنّما هو أن نعتبر الحنبليّة مذهبا فقهيّا، لأن فكر التكفير وسفك الدماء ليس باستطاعته أن يبني مذهبا متماسكا ومقبولا. أضف إلى ذلك أنّ بعض أقطاب علماء أهل السنّة، ومنهم الطبري وابن جرير وابن عبد البر، لا يعتبرون بن حنبل فقيها، بل يعتبرونه مجرد ناقل حديث/محدّث(1). وقد وصفه أحد معاصريه هو وأتباعه بالصبيان ؟. وهو على حقّ، لأنّ ما نعانيه اليوم ممّا تأتيه القاعدة وداعش ونحوهما من أعمال عنف وإرهاب يستحي من فعله إبليس كبير الشياطين، إنّما هو نتيجة للفكر الصبياني التكفيري الذي أسّس له أحمد بن حنبل ونهجت عليه السلفية وكرّسه الفقه الوهابي المتخلّف والمنحرف في ما يمكن تسميته بفقه الدماء. المعذرة عن هذا الإستطراد الذي فرضته المقارنة بين فكر الأنوار المنفتح على الحياة والفكر الظلامي المنغلق على الذات والمنفتح أبدا وقصرا على الموت وسفك الدماء.

ولعلّه من الضروري التأّ كيد على أنّ روسو صاحب "العقد الاجتماعى" الذي هو بمنزلة "الكتاب المقدّس" للثورة الفرنسية العظيمة، إنّما هو رجل ثوري لا يعرف المهادنة. حتّى أنّ كارل ماركس ملهم الثورة البولشفيّة نوّه به وقال عنه: « لقد رفض روسو دائما كل تسوية مع السلطة القائمة ». غير أنّه رغم هذه الشخصيّة القويّة، التي تبدو عنيدة في ما يتعلّق بالمبادئ الثابتة إلّا أنّها في واقع الأمر مرنة فيما عدى ذلك. إنّها شخصيّة رهيفة الإحساس، بدليل قول روسو « إن قلبي الحساس كان أس بلائي كلّه*»، لكنّها ترفض الإكتفاء بالرؤية الضيّقة والأفق المحدود لأنّها توّاقة أبدا إلى الحريّة. بهذا المعنى فإنّ روسو لا يجد غضاضة في تغيير آرائه ومواقفه من الضدّ إلى الضدّ، حتّى وإن تعلّق الأمر بمذهبه الديني أو به شخصيّا كموضوع. وفي هذا يذكر روسو في كتاب "الإعترافات" ما سيقوله بصوت عال امام الله يوم الحشر : « لقد تحدثت إلى الأبرار والأشرار بنفس الصراحة، وما أخفيت شيئاً فيه سوء، ولا أضفت شيئاً فيه خير. وقد أظهرت نفسي كما أنا: حقيراً خسيساً حين كنت كذلك، وخيراً سمحاً نبيلاً حين كنت كذلك، لقد أمطت اللثام عن أعمق أعماق نفسي»*. ولعلّ هذا ما يفسّر تحوّله من البروتستانتيّة إلى إعتناق الكاثوليكيّة ثمّ العودة إلى البروتستانتيّة /الكلفينيّة. وسنتبيّن فيما بقى من هذه العجالة تراجع روسو عن بعض مواقفه الخاطئة من خلال بعض النماذج من نصوصه. حيث أنّ روسو، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، وفي أوّل مقال له، جوابا على سؤال طرحته أكاديمية ديجون(Dijon) وهو : « هل أعان إحياء العلوم والآداب والفنون على إفساد الأخلاق أم على تطهيرها؟» هاجم منجزات العلم، وتمظهرات السلوك الرّاقي المهذّب بالمجاملات، وكذا إبداعات الفن. كما دافع عن الدين مؤكّدا على أنّ الأخلاق قد زادت سوءا والروح قد زادت جفافا نتيجة لحلول المنطق محل الوجدان وحلول العلم محل الدين. يقول روسو« ما بال هذا "التقدم" الذي يزهون به، و"تحرير العقل" هذا الذي يفاخرون به-هل أحلّا شيئاً محلّ ما دمّراه؟ هل أعطيا الإنسان صورة للعالم ومصير الإنسان أكثر وضوحاً للأفهام أو إلهاماً للنفوس؟ هل حسَنا حظوظ الفقراء، أو أتيا بالعزاء والسلوى ... للمتألمين المكروبين؟»* ومن بين الأمثلة التي إستشهد بها روسو في هذا المضمار أنّه لمّا أخضع شارل الثامن ملك فرنسا "توسكانيا" و"نابلي" لحكمه دون مقاومة تذكر من روما، « عزت حاشيته كلّها هذا النجاح غير المتوقّع إلى انصراف أمراء إيطاليا ونبلائها باهتمام أعظم إلى تثقيف عقولهم دون الاهتمامات النشيطة والأعمال العسكرية » بحيث أنّ « الفنون والآداب تنخر في عافية المحكومين والحاكمين*». ويشير روسو في نهاية المقال إلى أنّه يجب على الناس أن يتعلّموا « ولو مرة أن الطبيعة كانت تحميهم من العلم، تماماً كما تخطف الأم سلاحاً خطراً من يدي ولدها* » ثمّ يخلص إلى « أنّ رقي العلم قد أفسد أخلاق البشر أكثر مما طهّرها *». وهو ما قد يتقاطع في جزء منه مع ما ذهبت إليه سيمون دي بوفوار، في عصر غير عصر روسو، حيث قالت : « مهما كانت الدولة، رأسمالية أو اشتراكية، فالإنسان مسحوق أينما كان من طرف التكنولوجيا، التي تجعله متغرّبا عن عمله، مسجونا، ومجبرا على التخلّف ».

وبديهي أن لا تقبل هذه الافكار النّاشزة التي تندّد بالعلم والفلسفة والفنون وتخالف توجّهات العصر. لا سيما أنّها ظهرت في فترة إرهاصات مخاض الثورة الفرنسيّة التي آمن مفجّروها لا بالعقل فحسب بل وبفكرة الأخذ بأسباب التقدّم في مختلف تجلّياته العلميّة والثقافيّة فضلا عن ازدهار الآداب والفنون الجميلة، بما جعل الفيلسوف دنیس دیدرو (Denis_Diderot) يستعدّ أنذاك لإصدار ولأوّل مرّة "موسوعة الفنون والعلوم والحرف" (encyclopédie) . لذلك تصدّى الجميع لأفكار روسو وقاومها ليغدو روسو مرفوضاً من المجتمع، بل منبوذا ومتّهما بالجنون مجسّدا فعلا وبحقّ مقولة « إنّ أعالي الأشجار هي التي تداعبها الزوابع *».

   وعلى قاعدة « لا يعرف الحق بالرجال ولكن يعرف الرجال بالحق » . أقرّ روسو لاحقا، في آخر كتاب له وهو "الاعترافات" بأن ما ذهب إليه في مقاله الأوّل كان ضعيف الحجّة حيث أنّه« كان مفتقراً الافتقار كلّه إلى المنطق والنظام وإن زخر بالقوة والحرارة؛ فهو أضعف ما كتبت إطلاقاً من حيث الحجة، وأخلاه من الإيقاع والانسجام* ».

وهو اعتراف بالخطأ سيقوم بمثله الفيلسوف مارتن هايدغر (Martin Heidegger) حيث أنّه عندما تولّى منصب عميد إحدي الكلّيات الألمانية صرّح بإنّ « الفوهرر(Führer) -وهو الفاشي هتلر أنذاك- نفسه ولوحده هو حاضر ومستقبل الواقع الألماني وقوانينه ». ولمّا سئل عن ذلك لاحقا أكّد أنّ هذه الشهادة جاءت في إطار التنازلات التي بدونها لا يمكن تزكيته للمنصب. مؤكّدا في ذات الوقت أنّه لا يمكنه اليوم أن يكرّر مثل هذه الكلام.

وأمّا في مقاله الثّاني الذي كان هو الآخر مثيرا للجدل، والذي كان أيضا يجيب في ثناياه على سؤال طرحته أكاديمية ديجون(Dijon) وهو : « ما الأصل من عدم المساواة بين البشر، وهل يقرّه قانون الطبيعة ؟» فقد زعم روسو أنّ عدم المساواة بين البشر كان من نتائج تخلّي البشر عن الحالة الطبيعية، وأعتمادهم للملكيّة الخاصة التي تحميها الدولة بفرض القانون. وأنّه من الأفضل أن يعيش الناس حالاً من الهمجية يحافظون فيها على البساطة وعلى مزايا الطبيعة وتكون حالة وسطى بين الحال الطبيعية، والحال الاجتماعية. وفي سياق التغنّى بمناقب الإنسان الطبيعى الطاهر يقول روسو « حين نفكر في بنية المتوحشين القوية(...) وفي أنهم لا يكادون يعانون من أي علل (...)، يغرينا هذا بالاعتقاد بأننا في تتبعنا لتاريخ المجتمع المدني؛ إنما نحن نروي تاريخ أمراض البشر ». معتبرا «أنّ أغلب عللنا من صنعنا، وكان يسير علينا أن نتجنبها، كلها تقريباً، بالتزام أسلوب الحياة البسيطة، (...)، الذي قررته الطبيعة. فإذا كانت الطبيعة قد قضت بأن يكون الإنسان سليماً صحيحاً، فأنني أجرؤ على الزعم بأن حالة التفكير والتأمل حالة تناقض الطبيعة* ».

ويرى روسو أنّ العصر الذي كان الإنسان فيه أكثر سعادة إنّما هو العصر الذي كان فيه « المجتمع الطبيعي الوحيد، هو الأسرة* » حيث إنعدمت القوانين، بإستثناء تلك التي يفرضها النظام الأسري والسلطة الأبوية. وهي حالة تقترب من المثاليّة « لقد كانت هذه الحالة في جملتها أفضل حالة يستطيع الإنسان ممارستها، فلم يكن ليعدل عنها لولا أن أصابه خطب فادح* » وهو المتمثّل في الملكية الفردية التي جعلت « القلة المميزة تكتظ بالكماليات، على حين تفتقر الجماهير الجائعة إلى أبسط ضروريات الحياة*» ، وكانت سببا في كل الكوارث التي أصابت الإنسان تحت عنوان الحضارة. ورغم ذلك « لن يستطيع الإنسان العودة أبداً إلى زمان البراءة والمساواة متى تركه *».

لكنّ هذه المواقف التي هي في المجمل ضد المجتمع والقانون والملكيّة الخاصّة، ستنقلب رأسا على عقب، عندما يساهم روسو بمقال في موسوعة ديدرو الضخمة بعنوان : "مقال في الاقتصاد السياسي". حيث أصبح روسو يعترف بالمجتمع والملكيّة الفرديّة والقانون والدولة التي قال عنها « ». « أن الدولة (...)هي مصدر القوانين، وهي التي تشكل (...)القاعدة التي تفرق بين العدل والظلم* »     وأمّا القانون الذي كان ينتقده روسو ويراه واحدا من آثام الحضارة، وأداة لفرض النظام على الجماهير المستضعفة ، فقد أصبح ينظر إليه على انّه « هو الذي يدين له الناس بالعدل والحرية* » حيث وصفه بأنّه « الجهاز النافع من أجهزة الإرادة الجماعية الذي يرسي، في الحق المدني، المساواة الطبيعية بين البشر، إنه الصوت السماوي الذي يملي على كل مواطن مبادئ العقل العام ». وإمّا الفضيلة التي قال عنها سابقا بأنّها « تعبير الإنسان الحر الطبيعي *» ، فإنّه يعرّفها لاحقا في المقال الموسوعي بأنّها « ليست سوى مطابقة الإيرادات الفردية للإرادة العامة *». ولكن بعد هذه المواقف المتغيّرة، المتراوحة بين الذمّ والمدح لذات المفاهيم هل يجوز نعت روسو بالكاذب وفق مقولة« من مدح وذمّ فقد كذب مرّتين؟ » قطعا لا. بل لا يزيده ذلك إلّا عظمةً وجلالاً. لأنّ روسو قد تراجع عن مواقفه الخاطئة من منطلق الصدق والرغبة في قول الحقّ والنزاهة العلميّة لا منطلق النفاق وإنتهازيّة المتسلّقين. وهو ما جعله رغم قامته السامقة فكريّا، يعيش فقيرا معدما منبوذا من المثقّفين الذين تغدق عليهم السلطة بسخاء ومطاردا من الكنيسة ومطاردا من السلطة بإيعاز ليس فقط من اليمينيين الملكيين والبورجوازيين أصحاب البطون المنتفخة، بل ومن أولئك المثقّفين المترفين ومنهم فولتير. إنّها ضريبة الصدق مع النفس ومع الآخرين في عالم منافق لا يعترف بالأخلاق والفضيلة ولا يخلو أبدا من الذئاب الجائعة في كلّ عصر ومصر.

 

المهندس فتحي الحبّوبي

.............................

(1) أنظر الكامل في التاريخ ج6 ص 677 -678 وضحى الإسلام ج2 ص 235

(*) قصة الحضارة - ول ديورانت - المجلد العاشر: روسو والثور