bobaker jilaliلما كان التجديد الحضاري شرط وأساس بناء الحضارة، الحضارة التي نبتت عناصرها وأطوارها ومنتجاتها في محيط مليء بالنقص والفساد والتخلف في جميع ميادين الحياة، وهي إما أن تقوم في قوم ضارب في حالة البداوة والسذاجة والبساطة والتخلف، أو تقوم في قوم نهض بعد غفلة، وصحا بعد نوم، وتذكر بعد نسيان، وتخلّف بعدما كان متحضرا، وفي الحالتين معا فإنّ الأمر يتطلب من القائمين على التجديد الحضاري، وعلى بناء الحضارة وعلى صنع التاريخ، بذل المزيد من الجهد والتفاني في العمل، في المجال الروحي والفكري والعلمي من جهة وفي المجال العملي التطبيقي من جهة أخرى، لأنّ الحضارة في أصلها تقدم وازدهار وبناء في الجانب الروحي والفكري والعلمي من جهة وتطور في المجال العملي التطبيقي من جهة ثانية، ويتعلق الأمر بالعلوم والأفكار وبالفنون والصناعات والتقنية والعمل ووسائل وأساليب العمل وعلاقات العمل، وبتنظيم حياة الفرد والمجتمع، هذا الازدهار يكون مزدوجا في حياة الإنسان الروحية والمادية. فالحضارة الإسلامية شهدت في أوجها ازدهارا كبيرا في المجال الروحي وسجلت الفتوحات الإسلامية ذلك، كما شهدت ازدهارا كبيرا في مجال الزراعة وصناعة الأسلحة و الفن المعماري و غيره.

إنّ حركة التغيير التي ينهض بها زعماء الإصلاح والتجديد لا تنبعث من العدم والفراغ بل لها أسبابها وشروطها ومراحلها، تجعلها تنمو وتتبلور حتى يكتمل نضجها وتينع ثمارها، فتصبح صالحة للاستعمال، وقابلة للقطف والاستغلال، ذلك ما عرفه المسلمون في حضارتهم الزاهية منذ أن أسسها "رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم" إلى وقت أفولها وانهيار معالمها وكيانها ولم يبق منها سوى الذكريات والعبر محفوظة في الأذهان والكتب وغيرها من مصادر التاريخ المباشرة وغير المباشرة، وجاء عصر الانحطاط والضعف في حياة المسلمين وتكلّل بالاستعمار الأوروبي الغربي للعالم الإسلامي في العصر الحديث، فازداد العرب والمسلمون انحطاطا وضعفا على الرغم من بقايا محاولات الدفاع التحررية والفكرية الصادرة ممن تسلّح إيمانهم القويّ بالروح الثورية الإسلامية، سواء في مجال العقيدة والدين أو في مجال الفكر والسياسة أو في مجال الكفاح المسلح، وشهد العالم العربي والإسلامي الحديث بعد الانحطاط والضعف وبعد الاستعمار محاولات عديدة للإصلاح والتغيير والتجديد، وعرف عددا من المصلحين والمجددين، منهم "جمال الدين الأفغاني" و"محمد عبده" و"محمد إقبال" و"مالك   بن نبي" وغيرهم.

يكاد يتفق الباحثون والنقاد في عصرنا على أنّ زعماء الإصلاح ودعاة التجديد في العالم العربي والإسلامي الحديث والمعاصر يفتقرون تماما إلى رؤية فلسفية ونسق فكري متكامل في تناولهم قضية الحضارة ومسألة التاريخ، يفتقر الفكر لديهم إلى فلسفة تاريخ وفلسفة حضارة، خاصة إذا ما قورنوا بفلاسفة الحضارة والتاريخ في العالم المتقدم، ورؤيتهم للواقع وللتاريخ عاجزة عن الإحاطة بسنن التغيير وعن الإلمام بشروط ولوازم النهضة الحضارية والتقدم التاريخي، فهم ليس بأيديهم فلسفة حضارة أو فلسفة تاريخ ، وهو عوز جعل العالم الإسلامي لا يبرح مكانه، ولا يكون له أمل في النجاة، لكن هذا لا يعني عدم وجود محاولات فكرية نهضوية إصلاحية تجديدية تتسم بالنسقية والرؤية الفلسفية في العالم الإسلامي الحديث والمعاصر، فأزماته ومحنه صنعت رواد فكر تميّز بالأصالة والتجديد، تجاهلتهم تماما تلك الرؤية، نذكر منهم دائما على سبيل المثال لا الحصر " محمد إقبال " و" مالك بن نبي ".

لقد كان " محمد إقبال " على حد وصف من عرفوه وعرفوا فكره وفلسفته متدينا، وفيلسوفا وشاعرا ومتصوفا، وقلّما تجتمع هذه الأوصاف في شخص واحد في عصر مليء بمغريات الحضارة الغربية الحديثة والمعاصرة التي أبهرت العديد من المفكرين فانغمس في طلب ثمارها وغرق في البحث عن استثمار واستغلال منتجاتها، ولو على حساب قيّمه الذاتية وتراث أمته العتيد. إنّ ارتباط " محمد إقبال " بالإسلام وبتاريخه وفهم كل منهما، وبالحضارة الغربية وبالفكر الغربي والإلمام بهما، وسعة اطلاعه بتاريخ الفكر الإنساني، وإحاطته بظروف وأوضاع المسلمين في عصره، وما تميّزت به من تخلف وانحطاط في جميع جوانب الحياة، هو ما جعل منه المفكر المتميز المتفرد والمجدد الفريد في نوعه، وصاحب فلسفة تمثل الأولى من نوعها في عصره لما توفرت عليه من نسقية وتكامل في المنظور والرؤية إلى الإنسان والمجتمع والحياة والوجود، وكل ما يتصل بها في عالم الدنيا وفي العالم الآخر. والإسلام دين يتميز بالوحدة والحيوية والعالمية بعيدا عن التعصب لعرق أو لون أو لإيديولوجية أو لأرض أو لغيرها مثلما نجد في كثير من الاتجاهات والمذاهب المختلفة. والحقيقة في أصلها وفي جوهرها روحية، مبدؤها روحي ومآلها روحي، والسبيل إليها التجربة الواقعية والتجربة الصوفية معا، من خلال العلم والدين معا، واستخدم" محمد إقبال " عبقريته الشعرية وموهبته الأدبية في نشر فلسفته ودعوته إلى الإصلاح والتجديد، فكان مثالا حيّا للشاعر المسلم، والعالم الداعي والفيلسوف المتميز، والصوفي العامل، وخطته في التجديد تقوم على النقد والهدم وإعادة البناء، وهو منهج سلكه ومارسه في فكره وفي كتاباته النثرية والشعرية، أهمها كتاب" تجديد التفكير الديني في الإسلام " الذي عرض فيه عناصر خطته ومنهجه في التغيير والتجديد بشيء من التفصيل في النقد والتصحيح والتقويم، هذه الخطة تمثل جزءا من نسقه الفلسفي ورؤيته الفلسفية، وما تميّزت به هذه الخطة من عمق ودقة وأصالة وتجديد تجعل الإنسان المسلم وغير المسلم يجد فيها ضالته في التغيير، للوصول إلى مستوى التغيير المطلوب.

أما "مالك بن نبي" فكان واحدا من المفكرين المسلمين النوادر في عصرنا، اهتم بقضية النهضة وموضوع الحضارة اهتماما متميّزا، حيث ركّز في ذلك على شروط النهضة ودواعي التحضر، وعلى حصر أسباب التخلف والانحطاط، وعلى تحديد عوامل التراجع وانهيار الحضارات وأفولها، وقدّم نظرية في الحضارة هي الأولى من نوعها وفريدة في طابعها، كما قدّم رؤية فلسفية إلى التاريخ وإلى الحضارة تختلف عن تلك التي جاء بها "عبد الرحمن ابن خلدون"، وعن تلك الرؤى التي جاء بها مفكرون غربيون أمثال" أرنولد توينبي" و"أزولد سبنجلر" و"فيكو" وغيرهم، شغلته قضية الحضارة فأدرك أنّ مشكلة كل شعب في أصلها وجوهرها مشكلة حضارته، ولما كانت الشعوب الإسلامية المعاصرة تعيش حالة التخلف والانحلال والانعزال والاستعمار بمختلف أشكاله عاش هو لشعبه ولأمته الإسلامية، ولفكره ولنظرته التي تؤمن بأن العالم الإسلامي يملك الطاقات والإمكانات الروحية والمادية ما يدفع به فعلا إلى المساهمة في حل مشكلاته وهي مشكلات حضارة لاغير وما يؤهله لبلوغ الحضارة والرقي، وما يسمح له بالمساهمة الحقيقة في تطوير العالم.

إنّ التخلف الفكري والثقافي، والانحطاط الاجتماعي والاقتصادي، والاستعمار والقابلية للاستعمار، كلها أوضاع وظروف تنمحي من الوجود إذا تمسكت الأمة بالقاعدة القرآنية التي تدعو إلى التغيير والتجديد والتحوّل على مستوى ذات الإنسان وفي داخل أعماقها، أما تغيير الواقع الخارجي فيكون بعد ذلك بفعل التغيير داخلي، ويكون الله في عون المسلم ما دام المسلم يغير ذاته أولا ثم يغير محيطه. يقول تعالى:﴿إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم﴾.1

إنّ خطة "مالك بن نبي" في الإصلاح والتجديد هي التي دفعتني إلى الاهتمام بفكره وفلسفته في الحضارة، من خلال موضوع التجديد الحضاري عنده، وهي خطة من دون شك يجد فيها المسلم وغير المسلم تعبيرا عن أوضاعه وعن تطلعاته، ويجد فيها الوسائل والسبل للتخلص من دنيا التخلف والانتقال إلى عالم الحضارة وحقل البناء التاريخي وفضاء الازدهار الاجتماعي.

إنّ بحث موضوع الإصلاح والتجديد بين"محمد إقبال"و"مالك بن نبي"يعود إلى ما آل إليه المجتمع الإسلامي من تدهور وانحطاط في كافة مجلات الحياة، وارتبط ذلك مع وجود حضارة غربية راقية، وبوجود اعتبارات تقول بأن مقوّمات الإبداع والتحضر من نصيب بعض الناس دون البعض الآخر، مثلما هوالحال عند "أرنست رينان" وفي التصور النازي للجنس الآري، والذي يقضي بمركزية التقدم الحضاري في أوروبا وحدها قديما وحديثا ومعاصرا، بينما صيحة "محمد إقبال" ودعوة "مالك بن نبي" إلى الإصلاح والتجديد تبطلا كل زعم من المزاعم الداعية إلى العنصرية المدمرة والمكرسة لظاهرة التباهي والتفاضل بالأجناس القاتلة، فالحضارة لا وطن لها، والعلم ليس حكرا على أحد، والتقدم الحضاري من نصيب أيّة أمة طالما توفرت شروطه ولوازمه.

فالمتصفح للمحاولة الفكرية الفلسفية في الإصلاح والتجديد عند "محمد إقبال" يجد أنّ رؤية هذا الأخير في التغيير والتجديد والحضارة ارتبطت بفلسفته ككل، وبنظرته إلى الحياة عامة. ورؤيته تختلف عن رؤى زعماء الإصلاح الآخرين في العصر الحديث. فهو يرى أن دوافع التغيير والتجديد حالّة في وحدات الوجود، الإنسان، الكون و الله، والحياة متغيّرة باستمرار لا تعرف الثبات والجمود، وتستمد تغيّرها وخلودها من طبيعتها النهائية ومن الأصل الأول وهو الذات المطلقة. والتغيير لا يحصل في الإنسان ولا يجرى في الواقع دون أن يحدث في أعماق الذات الإنسانية أولاً، ويتعلق هذا التغيير بمعنى الحياة والوجود والإنسان، وبأساليب التفكير والعمل وبالمبادئ والقيّم التي يؤمن بها الإنسان، وبالأهداف والغايات التي يصبو إليها. والتجديد في أصله وفي مساره وفي مقصده ومبتغاه روحي، والمادة ذات أصل متأصّل فيما هو روحي. فالتجديد تجديد في قوى النفس وفي محتوياتها الروحية والفكرية والأخلاقية، وتجديد في قوى المجتمع من خلال اجتهاد البشر لتنظيم وتطوير وازدهار حياتهم الاجتماعية، وتسخير قوى العالم لخدمة مطالب ومرامي الإنسان الروحية في أصلها. والحضارة هي السمو الروحي الذي يبلغه الإنسان من خلال النهوض بالعمل في المجتمع والطبيعة. وليس المهم بالنسبة للذات الإنسانية أن ترى الأشياء بل المهم عندها أن تصير و تصبح شيئا. من خلال التجديد الحضاري والإبداع العلمي والازدهار الثقافي والاجتماعي.

ما تميزت به نظرة "محمد إقبال" الفلسفية إلى الحضارة والتجديد الحضاري خاصة، وفلسفته بصفة عامة هو أنها تشكل رؤية فلسفية إلى الحياة والإنسان والحضارة، وكل ما يرتبط ويتعلق بهذه الجوانب. وتتميز هذه الرؤية الفكرية الفريدة في نوعها بالوحدة، لما بين عناصرها وأجزائها من اتساق وانسجام وتكامل، فهي عبارة عن نسق فكري فلسفي واحد، لا تفكك ولا انفصال بين جوانبه، وتتصف بالقوّة والمتانة لارتباطها بالإسلام وبتعاليمه وقيّمه العليا، وبالعمق لرحابه وسعة التأملات الميتافيزيقية التي قامت عليها، وبالدقة في التحليل والنقد والاستنتاج، وهي أوصاف قلّما نجدها لدى مفكر في عصر طغى عليه التخصص، وسيطر الفكر التجريبي الوضعي وسادت فيه النزعة البرغماتيـة.

ارتبطت فكرة الإصلاح و التجديد عند "محمد إقبال" بالإسلام، وبمبادئه وقيّمه، باعتباره مشروعا حضاريا إنسانيا، يمثل رسالة إنسانية عالمية، دخلت التاريخ، ودخلت المعترك الثقافي والحضاري والديني، ليأخذ مكانته في ساحة هذا المعترك، ويفرض وجوده بقوّة، لما له من قوّة ومناعة في جميع جوانبه. وإستراتيجية النقد وإعادة البناء في فلسفة "محمد إقبال" استمدت قوتها منه، بما انطوت عليه من تصورات وأفكار تمثل مشروع رؤية فلسفية، ومخططا فكريا يستهدف بناء فلسفة الدين في الإسلام بناء جديدا، وتوجيه الذات الإنسانية إلى الحياة الروحية الكاملة، وإلى تخلّقها بأخلاق الله. وتسخير العالم المادي لخدمة مرامي الإنسان، هذا العالم المادي المتأصل فيها هو روحاني، وتوجيه الإنسان لإعادة تنظيم حياته الاجتماعية وفق مبادئ إنسانية عالمية مستمدة من الإسلام ومن الطبيعة البشرية في جانبها الفردي وفي جانبها الاجتماعي. استمدت هذه الفلسفة وانبثق هذا المشروع من الظروف والأوضاع النفسية والفكرية والخلقية والاجتماعية الفاسدة في القرن العشرين، بسبب غياب أسلوب حياة يضمن التوازن بين المادة والروح، ولا يوجد غير الإسلام الذي يحفظ هذا التوازن، ومن الفكر الإسلامي القديم، ومن الحضارة الإسلامية وما تميزت به من نماء وازدهار في كافة المجالات، الأمر الذي جعل الحضارة الأوروبية الحديثة تحمل الكثير من عناصرها ومعالمها، ومن الحضارة الغربية، ومن الفكر الغربي، وارتبط ذلك بمناهج ونتائج العلوم المختلفة، وما حققته تلك العلوم في الجانب التطبيقي في مجالات الحياة المختلفة، سواء بالنسبة للفكر العلمي في التأثير على الطبيعة بواسطة التقنية، أو بالنسبة لهذا الفكر في تأثيره على حياة الإنسان النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

اقترنت الحضارة وارتبط التجديد الحضاري في فكر "محمد إقبال" بالدين، فالحضارة توازي الدين وهي ثمرته. والإسلام حضارة. قوتها وخلودها مستمدان من قوّة وخلود الدين، أما ضعفها وأفولها يكون بسبب فقدانها لعناصر القوّة والخلود، وهي عناصر دينية تتمثل في النهوض بالعمل في الحياة الفردية عن طريق التجربة الصوفية وعن طريق الاجتهاد في الواقع. كل هذا لبلوغ قمّة التحضر، وهو الديمقراطية الروحية والسمو الروحي والعلى الأعلى، وذلك مبتغى الإسلام و مقصده.

إنّ المتصفح لفلسفة "مالك بن نبي" في الإصلاح، ولنظريته في الحضارة والتجديد، يكتشف عالما فكرياً فلسفياً مليئاً بالمفاهيم، وغنياً بالتصورات، وفريداً في نوعه، وجديداً في العديد من جوانبه، خاصة فيما يتعلق بالحضارة وبعناصرها وشروطها وأطوارها. فهو يري أنّ ظاهرة التخلف ليست طبيعية في البشر، بل تعود إلى أسباب ذاتية وأخرى موضوعية، وتستفحل عندما تغيب الشروط والأدوات اللاّزمة للنّمو الفكري والأخلاقي والاجتماعي. هذا النًمو هو السبيل إلى التحضر، تقابله مجموعة من المشاكل والوضعيات والظروف الفاسدة المنهارة في حياة الفرد والجماعة في جميع جوانبها الفكرية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها. هذه المشاكل والظروف والوضعيات ترتبط بظاهرة التخلف والانحطاط، وتقوم الحضارة باعتبارها إطاراً يضمن لكل فرد داخل المجتمع مطالبه وحاجاته في كل طور من أطوار وجوده، بإعطائـه الأدوات واللوازم الضرورية للمجتمع النامي المالك لقدرات فكرية واجتماعية واقتصادية إرادة استعمال سائر القدرات في حل المشاكل التي تواجه المجتمع المتخلف، والحضارة هي التي تكوّن هذه القدرة وهذه الإرادة معًا، وهما لا تقبلان الانفصال عن دور المجتمع النامي. فالحضارة هي شرط إيجاد القدرة والإرادة لتجاوز التخلف والتدهور في ذات الفرد وفي مجتمعه، وهي ترتبط بالإنسان والتراب والزمن والفكرة الدينية التي تجمع بين العناصر الثلاثة. ولهما عمر وأطوار هي: طور الروح، طور الأوج، وطور الأفول، تسبقها مرحلة ما قبل الحضارة وتليها مرحلة ما بعد الحضارة، لكل واحدة من المرحلتين خصائص ومميزات. وتشترط الحضارة التغيير على أساس القاعدة الإلهية التي تعبر عنها الآية القرآنية، ﴿إنّ الله لا يغيرّ ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم﴾.2 والتغيير مجاله النفس أولا ثم المحيط الخارجي ثانيا، تشرط القدرة على الإبداع والقدرة على الإنتاج، ولا تقوم على التكديس والاستيراد بل على البناء، وأن تلد الحضارة منتجاتها لا العكس، لأن العكس يستحيل منطقيا وماديا ويغرق المجتمع في الشيئية من جهة وفي المديونية والتبعية الحضارية من جهة ثانية، وتشترط التوجيه الأخلاقي والعملي والفني الجمالي، وهي شروط تضمن الانسجام والتكامل بين المجهود الإنساني المبذول في مستوى الفرد وفي مستوى المجتمع مع سنن وقوانين الآفاق والهداية والتطلعات هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تكفل تلك الشروط التكامل والانسجام بين المجهود الإنساني والسنن الكونية مع جملة الشروط النفسية والاجتماعية والروحية والمادية، من أجل النمو والازدهار في جميع مجالات الحياة الإنسانية. والحضارة بهذا المعنى هي فعل بنائي تقتضي أُسُساً فكرية وروحية وجهوداً كبيرة في عالمي الأشخاص والأشياء، وذلك يشترط مخطط تربية يهدف إلى تغيير الإنسان في الداخل، وفق شروط معينة ليتمكن من أداء دوره في المجتمع ويحقق البناء الحضاري.

وإذا كانت الحضارة بناء لا تكديسا واستيرادا فهي فاعلية إنسانية تقوم على تغيير الإنسان في عالمه النفسي أولا ثم تغيير محيطه ثانيا، وتحصل هذه الفاعلية بتوفر جملة من الشروط والعوامل النفسية والاجتماعية، الروحية والمادية، وبتوفر الإرادة والقدرة على إبداع المعرفة وإنتاج الأشياء، واستغلال ذلك لخدمة الإنسان وضمان راحته. ولفصل الحضارة الحقيقية عن الحضارة المزيفة، فالأولى تلد منتجاتها أما الثانية فهي من صنيع منتجات حضارات الغير. والتجديد الحضاري ظاهرة إنسانية ترتبط بالحضارة وبشروطها، وعناصرها وأطوارها وازدهارها وتكون سابقة على الحضارة فتصنع النمو والتحضر والازدهار، كما تكون ملازمة لها، فتستمر في تنميتها وتطويرها، وقد تكون سببا في انهيارها وأفولها، والمقصود هنا عندما تبلغ الحضارة طور العقل يضعف سلطان الروح، وتسترد الغريزة نفوذها، فتهوي بالإنسان إلى حضيض الحيوانية والبهيمية حيث شريعة الغاب وقانون الأعلى.

لقد تميزت نظرية الحضارة عند "مالك بن نبي" بجملة من المميزات التي لم يشهدها مصلح آخر في فكره الإصلاحي. فهي نظرية انبثقت من تحليل تميّز إلى حدّ بعيد بطابعه العلمي، وبالدقة والعمق والموضوعية، والواقعية، في طرحه ومعالجته للمشكلات والظواهر في حياة الفرد والمجتمع. كما تميزت الحلول التي جاء بها لتلك المشكلات والتصورات التي خرج بها من دراساته وبحوثه المعمقة للتاريخ والواقع بالقوّة، لارتباطها بالعلم والواقع والتاريخ والدين. وتميّز منهجه في البحث بطابعه العلمي وبتنوعه، فهو يستخدم المنهج الرياضي، وطريقة المؤرخ، ومسلك عالم الاجتماع، وسبيل الكيميائي وغيره، هذا زاد في متانة وقوة أفكاره، وزاد في انسجام هذه الأفكار والتصورات مع ما يجب فعله في العمل الإصلاحي التجديدي.

وتمثل نظرية "مالك بن نبي" في الحضارة، استراتيجية إصلاحية تجديدية تستهدف تغيير الواقع الإنساني عامة وواقع العالم المتخلف ـ العالم الإسلامي جزء منه ـ بصفة خاصة، بحيث تضع بين يديه آلية فكرية نظرية للخروج من التخلف، وبلوغ مستوى الحضارة، فهي مشروع منهج وضعه صاحبه للقضاء على ظاهرة التخلف بعدما درسها، وكشف عن عوامل وأسباب وجودها، ولغرض الوصول إلى الحضارة بعدما درسها وكشف عن قوانينها وآلياتها الروحية والمادية. وتميّز هذا المنهج بالقوة والمتانة لارتباطه بالعلم والدين والتاريخ، وبقوانين هذه الأطر الفكرية المعرفية والروحية باعتبارها مصادر توجيه وقيادة في حياة الإنسان، ولارتباطه بالفكر الإنساني القديم والحديث وبواقع الإنسان المعاصر في العالم المتقدم بما له وما عليه، وفي العالم المتخلف بما عليه، وخاصة في العالم الإسلامي الذي لا ينقصه سوى تطبيق المناهج الكفيلة بإخراجه من عالم الانحطاط، وتمكينه من الحضارة، وهو أمر ليس بعسير على إنسان بين يديه كافة شروط التحضر. فهو منهج في الإصلاح يستند إلى رؤية فلسفية إلى الإنسان والحضارة والتاريخ، وإلى فكر اجتمعت فيه الأصالة مع التجديد، فكان مشروع خطة للنهضة وللصحوة و للحضارة، ونموذجا من نماذج الفكر الإصلاحي لا يستهان به، بل يُقدّر حق قدره لِمَا لصاحبه من نظرة ثاقبة وقدرة على الطرح والتحليل والنقد والاستنتاج، ولما لهذا المنهج من تكامل بين عناصره، ومن انسجام مع ما تقتضيه مستلزمات البناء التاريخي والنهضة الحضارية.

لقد تبيّن لي وبوضوح من قراءتي لبعض الجوانب الهامة في فلسفة "محمد إقبال"، خاصة فيما يتعلق بنظرته إلى الإصلاح والتجديد، أي فكرة النقد والهدم وإعادة البناء عنده، ومن قراءتي لفلسفة الحضارة والتاريخ عند "مالك بن نبي"، أنّ ما يجمع بين المحاولتين أكثر مما يفصل بينهما، ويتعلق الأمر بالظروف التاريخية الزمنية والمكانية التي عاشا فيها المفكران، والتي فيها نبتت فكرة الإصلاح عندهما، فهي واحدة تماما، حيث الإسلام والاستعمار والتخلف في العالم الإسلامي من جهة والحضارة والعلم والتكنولوجيا في أوربا الحديثة من جهة أخرى، هذا الذي شكل روافد ومصادر تلك الفكرة، وأوجد وحدة في المبادئ والأهداف والتطلعات، والاختلاف بين المحاولتين ليس في الجوهر أو في الأساس أو في الهدف، بل في بعض الجوانب التي تخص طبيعة البحث والدراسة وطبيعة الإصلاح ومنهجه، ونوع المحاولة وخصوصياتها.

بالنسبة للبحث فعند "محمد إقبال" كان فلسفيا ميتافيزيقيا على منهج الأقدمين، وهو عند "مالك بن نبي" جاء بطابع علمي واقعي، وطبيعة الإصلاح عند "محمد إقبال" روحية فردية دينية إسلامية، وهو عند "مالك بن نبي" صبغته اجتماعية علمية واقعية تاريخية، ومنهج "محمد إقبال" في الإصلاح من طبيعة روحية تقوم على التجربة الصوفية والرياضة الدينية الروحية، والعمل الصوفي الصحيح هو سبيل الوصول إلى الحقيقة، أما منهج "مالك بن نبي" فيقوم على التغيير في الفرد والمجتمع، وعلى القضاء على أسباب التخلف والأخذ بأسباب الحضارة كما هي في نظرية الحضارة، كما يقوم على التوجيه الديني والأخلاقي والعملي مع الاستفادة من خبرات وتجارب الآخرين العلمية والحضارية. وتتميز محاولة "محمد إقبال" بكونها ذات عمق فلسفي كبير وتأمل ميتافيزيقي رحب، حتى قيل عنها أنها موجهة للخاصة والنخبة من المثقفين لا للجميع، أما محاولة "مالك بن نبي" فهي للجميع لم تكن في مستوى العمق الفلسفي والتأمل الميتافيزيقي الذي عرفته محاولة "محمد إقبال".

نستنتج مما سبق أنّ فلسفة "مالك بن نبي" امتداد لفكرة "محمد إقبال" في الإصلاح والتجديد، على الرغم من أنّ الأولى يغلب عليها الطابع العلمي الواقعي الاجتماعي، أما الثانية فيغلب عليها الطابع الروحي الفلسفي الميتافيزيقي الصوفي. ولقد ذكر "مالك بن نبي" "محمد إقبال" في كتاباته، وأشاد بقوة فكره، ونظرته الثاقبة السليمة إلى الإصلاح والتجديد. جاءت فكرة الإصلاح عندهما نتيجة واقع المسلمين المتردي، وتُشكّل محاولة فكرية لتغيير النفس والفكر والواقع في العالم الإسلامي، تميزت بالقوة لارتباطها بالإسلام وبالعلوم المزدهرة وبالفكر الإسلامي، وتشكل رؤية فلسفية إلى الإنسان والحياة والتاريخ والحضارة، وتمثل مشروع خطة ذات طابع فكري نظري، للنهضة وللتجديد ولبناء الحضارة، وللدخول إلى التاريخ، وإلى حلبة المعترك الحضاري، واحتلال أمة الإسلام لمكانتها اللائقة بها في إطار الحوار والتفاعل الحضاريين .

وإذا كان الفكر الإصلاحي عند "محمد إقبال" و"مالك بن نبي" تميز بالقوة والمتانة نظرا لصلته المباشرة بواقع وحياة المسلمين في العالم الإسلامي المعاصر، ولتعبيره عن مشاكلهم وهمومهم، وعن آمالهم وتطلعاتهم، وبلوغه مستوى رفيع من الحقيقة في مناهجه وأساليبه لأنه أخذ بالدين والعلم وبالتاريخ، واستطاع أن يكفل التوازن بين طرفي الكمال، الروح والمادة، الدين والدولة، الدنيا والآخرة. وإسناد فكرة "محمد إقبال" إلى فكرة "مالك بن نبي" أو العكس أمر ممكن خاصة من الناحية النظرية، فالواحدة منهما تثري الأخرى وتعمقها. ويمكن اعتبار فكرة "محمد إقبال" أرضية فلسفية ميتافيزيقية وإطارا نظريا لفكر "مالك بن نبي"، واعتبار فكر "مالك بن نبي" الوجه الاجتماعي العلمي والعملي الواقعي الخارجي لفكر "محمد إقبال". وما أحوج العالم الإسلامي المعاصر إلى المشروعين الإصلاحيين معًا للتجديد ولبلوغ السمو الروحي والأخلاقي، ولبناء حضارة تلد منتجاتها الفكرية والمادية، ولضمان التوازن بين المثال والواقع، بين الروح والمادة، وبين الدين والدولة، ذلك هو عين التحضر وقمّته، وهو مبتغي الإسلام ومقصده، فالحضارة هي التمكين لقيّم ومبادئ الإسلام على أرض الله.

 

من كتاب "الإصلاح والتجديد الحضاري لدى "محمد إقبال" و"مالك بن نبي" بين النظرة الصوفية والتفسير العلمي"

جيلالي بوبكر

 ..............

1- قرآن كريم: سورة الرعد، الآية 11.

2- المصدر نفسه

hasan zayedتردد كثيراً في الأونة الأخيرة، علي ألسنة العديد من المفكرين والمنظرين ورجال الإعلام والصحافة، مصطلح: "تجديد الخطاب الديني". دون أن يوضح لنا أحد ماهية هذا المصطلح، وماذا يعني في مفهوم المتلقي له؟. هل يعني ذلك أن الخطاب الديني قديم، ولم يعد يتواكب مع العصر، فلزم تجديده؟. وهل يشتمل ذلك الخطاب علي القرآن الكريم والسنة المطهرة أم أنهما خارج سياق الخطاب الديني فلا يشتمل التجديد عليهما؟. الأمر ينطوي علي قدر هائل من الإلتباس والتشوش الذهني . وهنا ينقسم الناس إلي ثلاثة أصناف:

صنف يرتمي في أحضان الخطاب الديني القائم دون طلب للتجديد، ويعلقها في رقبة عالم ويمضي، طلباً للراحة والدعة التي تصبوا إليها النفس، دون الدخول في متاعب البحث، ومكابدة الفهم، ومشاق التنفيذ لمتطلبات هذا الفهم . وصنف يلتبس عليه فهم هذا الخطاب، ويجد خصومة بينه وبين العصر الذي يعيش فيه، فيجد أنه من الأيسر عليه تطليق هذا الخطاب طلاقاً بائناً، فيبني بينه وبين هذا الخطاب حاجزاً، بل وقد تتطور العلاقة بينهما إلي عداوة لها تبعاتها فيما بعد .

والصنف الثالث هو الصنف الذي استقل بنفسه في فهم الدين بعيداً عن الأدوات اللازمة لضبط الفهم وفقاً للأسس العلمية المتعارف عليها، وكَوَّن لنفسه فهماً خاصاً، تصور أنه الفهم الصحيح، وما دونه باطل وقبض الريح، ومن هنا جاء فريق الجماعات المتطرفة التي نشأت في المجتمع، ونَمَتْ وترعرعت، وأثمرت الحنظل الذي يتجرعه المجتمع إرهاباً . ووجدنا نماذج بشرية معاصرة قد استدعت نماذج تاريخية من عصور غابرة لتعيش بها في العصر الحديث، وتسعي لفرض هذه النماذج علي مجتمعاتها باعتبار أن هذه النماذج هي الدين الإسلامي، وما عداها يعد كفراً وجاهلية وزندقة . وهو كلام علي خلاف الحقيقة، لأن الإسلام لم يأت ليقف بالبشرية عند القرن الأول فكراً وسلوكاً، وإنما جاء لكل العصور، حتي قيام الساعة، وعلي الخطاب الديني أن يسعي للبحث في الدين الإسلامي ليجد فيه بذور الإسلام التي تصلح لهذا العصر، فيجري بذرها حتي تنبت، وتنموا، وتترعرع، وتؤتي ثمارها إنساناً مسلماً ابناً لهذا العصر. والإشكالية بالنسبة للإنسان المسلم المعاصر تتمثل في فكرة غاية في البساطة دون تعقيد، هذه الفكرة هي رغبة المسلم أن يعيش مسلماً، وأن يعيش عصره، دون أي تناقض أو تعارض، مسلماً غير منقوص الإسلام، وألا يُحْرَم من العيش في عصره، والتمتع بما فيه في آن واحد . والخطاب الديني هنا يقف عائقاً بين المسلم وعصره، لأن هذا الخطاب موروث من عصور سابقة، وهو فهم رجالات الفكر في كل عصر للنص الديني فهماً يتواكب مع روح وطبيعة هذا العصر الذي يعيشون فيه . وبالتالي فإن استدعاء هذا الخطاب، وتقديسه، ومحاولة إلباس العصر إياه، هو ظلم بيِّن للعصر الحالي، وكذا ظلم لهذا الخطاب، لأن الجمع بينهما فيه من التعسف ما فيه، وفيه ظلم للإسلام وإساءة بالغة له . حتي محاولات بعض المفكرين المحسوبين علي الفكر الإسلامي إدماج الإسلام في العصر الحالي، كانت محاولات بائسة، لأنها قد أخذت منتجات الفكر الغربي، بدعوي أنها بضاعتنا التي ردت إلينا، وصبها في قوالب اسلامية، ويجهد نفسه في الإستدلال علي صحة ما ذهب إليه ، فظهرت كتابات مثل الإقتصاد الإسلامي، وعلم النفس الإسلامي، والمحاسبة الإسلامية ، وهكذا . وقد وضعنا أنفسنا في حالة خصومة مع منتجات الفكر الإنساني، وكأنه قد حرم علينا الإستفادة من هذا الفكر . بل إن التناقض قد ظهر جلياً حتي في السلوك، فتجد الرجل يرتدي جلباباً قصيراً، وبنطالاً، ولحيته متدلية علي صدره، والسواك في يده، والهاتف النقال في يده الأخري، ويغطي شعره بقماشة بيضاء، ثم يقود سيارته إلي المطار، لأنه سيركب الطائرة، ذاهباً إلي حج بيت الله الحرام .وللخروج من هذا التناقض، وهذه الإزدواجية، لابد من تجديد الخطاب الديني . والخطاب الديني كما نفهمه هو فهمك للدين علي ضوء معطيات العصر، بما يضمن وجود الإنسان المسلم المتصالح مع عصره، والمشارك فيه بفاعلية وكفاء، دون أن يشعر أنه كافر أو زنديق، وبذات القدر دون أن يشعر أنه جاهل أومتخلف، يكسب الآخرة، ولا ينسي نصيبه من الدنيا . فهل هناك من هو مؤهلاً للقيام بهذا الدور؟ . المسألة في غاية البساطة أن تكون مسلماً يعيش عصره .

حــســـــــن زايــــــــــد

abdulah alfyfyiإن نفي معيار العقل في مجال الدِّين إساءة ما بعدها إساءة إلى الدِّين، بل هو هدم للدِّين من الجذور. ذلك أن مقتضى هذا الزعم أن الإسلام لا يختلف عن سائر الدِّيانات والمِلَل والنِّحَل في العالَم، من وثنيَّة، ومجوسيَّة، وبراهميَّة، وعبادة بقر، إلى غيرها من العقائد. فكما أن الشعوب التي تعتنق تلك العقائد تسلِّم بما توارثت، غير ملتفتة إلى تناقض ذلك مع منطق العقل، فكذلك الإسلام، عند اللا عقلانيِّين! ويبدو أن القائلين بهذا ما زالوا ذوي عقول وثنيَّة بالفعل، وإنْ تلبّسوا بلبوس الإسلام. وهل دَفَعَ العقلانيِّين من المسلمين إلى المروق من الدِّين، فالإلحاد، إلّا هذا الضرب من الغباء المنهاجي «الإسلاموي» العجيب؟! وهل رَكِبَ خوارج الإسلام في كلّ عصرٍ جهلهم وجاهليّاتهم إلّا تحت شعارٍ كهذا، «ليس الدِّين بالعقل»، فأعملوا ما ثقفوا من ضلالات في رقاب المسلمين؛ لأن العقل معطَّل. والعقل يعقل صاحبه عن كثيرٍ من الموبقات، وإنْ لم يكن صاحبه على دِين، فطرة الله التي فطر الناس عليها. ومَن استخفّ بوظيفة العقل ضلّ وعَمِي، ولو كان يسجد على الماء. ذلك أن العقل آلة معرفة الحقّ ومعيار تمييزه، في الدِّين والدُّنيا معًا. ولمَّا كان كذلك، أعمله عُمَر، فغيَّر وبدَّل، حتى في ما فيه نصّ، قالبًا المقولة السلفيَّة المردَّدة: «لا اجتهاد مع النصّ»، التي مقتضاها «لاعقل مع النصّ»، لتُصبح عند عُمَر: «لا نصّ مع العقل»! من أجل تلك القاعدة الفاسدة: «لا عقل في الدِّين»، أو إن «الدِّين ليس بالعقل»، تناسلت الشِّعارات، ومن أبشعها القول الخارجيّ، مثلًا: «صلى الله على المبعوث بالسيف، لا القلم»، أو حتى «المبعوث بالسيف والقلم»! وما كان لنبيٍّ أن يبعثه الرحمن الرحيم بسيفٍ، بل بقلم، وإنما السيف لعدو الحقّ، الباغي على أهله، لا لهداية الناس.  

نعم، إنها ثقافة ترفض ثقافة العقلانيَّة في كلّ وجه، وترفض العِلميَّة، وما تلك الكتب التي سردها (ابن النديم) في كتابه «الفهرست» حول المصنَّفات عن الجنّ وعلاقتهم بالإنس، إلّا مؤشِّر على ثقافة تسبح في الظلام، وعلى ما تمخّض عنها. إذ لم تكن تلك الكتب للتسلية أو للمسامرات فحسب، كما قد نفهم في مجتمعٍ علميٍّ متحضِّر، بل كانت إلى ذلك ممّا يصدّقه عقل العامّة والخاصّة، ولو أُنْكِر ما يروون، لأنكروا على منكِره أشدّ الإنكار، والتمسوا على عقولهم وما تُصدِّق به ما يعتقدونه أدِلَّة لا تُدحض. (العقل والعِلم)، تلكما النعمتان اللتان كانتا أوّل مِنحتين ميّز الله بهما آدم على سائر خلقه، بما في ذلك ملائكته، تُباعان دائمًا في مزاد الجبناء ممّن يتوهَّمون خيالات ظلالهم أشباح العفاريت!

على أن العقل ينمو، والمعارف تتطوّر، وإلاّ فلو سلّمنا بمعارف الأوّلين وعلومهم كما جاءتنا، فلقد كانوا يتصوَّرون من الغرائب ما لا تقبله اليوم عقول المجانين. منه، على سبيل المثال- كما يروي «العالم العلّامة»- كما نعتوه- (أبو إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم الثعلبي، -427هـ)(1)- أن الأرض خُلقت من زَبَد الماء، وأوّل ما ظَهَرَ على زَبَد الماء مَكَّة، ولذلك سُمِّيت، كما قال، «أُمّ القُرى»، يعني أصلها، ثم بعث الله مَلَكًا من تحت العرش حمل الأرض على عاتقه، ثم أهبط من أعلى الفردوس ثورًا له سبعون ألف قرن، وأربعون ألف قائمة، فجعل قرار قدمَي المَلَك على سنام الثور، فلم تستقرّ قدماه، فأخذ الله ياقوتة خضراء من أعلى درجة من الفردوس، فوضعها بين سنام الثور إلى أذنه، وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض، ومنخره في البحر، فهو يتنفّس شهيقًا وزفيرًا فيكون المدّ والجزر، ولم يكن لقوائم الثور قرار، فخلق الله صخرة خضراء، ثمّ لمّا لم يكن للصخرة مستقرّ، خلق الله نُونًا، وهو الحوت العظيم، واسمه لوتيا، وكنيته بلهوت، ولقبه يهموت، والحوت على البحر، والبحر على متن الريح، والريح على القُدرة! وفي الحكاية تفاصيل لا يتسع لها المقام، وفي كلّ تفصيل استدلالٌ بآيةٍ من القرآن. ومعلوم أنه لا بدّ أن يلبِّس حتى المشعوذون مزاعمهم بالدِّين ونصوصه، وهذا ما يعطي لأكاذيبهم القبول والأثر في نفوس العوام. وللشعوب الأخرى أساطير شبيهة، منها تلك الأسطورة (السيبيريَّة) لدى (الإيفينكي)، التي تصوِّر أن خلق الكون نشأ عن طائر غَطَسَ ثلاث مرّاتٍ في البحر، وفي المرَّة الثالثة استطاع انتزع قطعةٍ من الطين، ومن هذا الطين كانت الأرض، ثم ظهر فيل الماموث، وبأنيابه رفع الأرض إلى الأعلى، وكوَّن الأنهار والجبال!(2) وتتدرّج التصوّرات الشعبيَّة من هذا المستوى الكوني إلى ما كان يعتقده أعرابُ الصحراء إلى وقتٍ قريب- كما أخبر عنهم (فِلْبي)- من أن الرَّعد أجراس الملائكة التي يضربونها مبشِّرين بالمطر، أو أن الجراد يأتي من خياشيم السمك!(3) وتلك هي عقول الأوّلين وبعض علومهم، المختلطة بالخرافات والرموز الميثولوجيَّة- كما في فكرة (الثور) و(النون) في قِصَّة خلق الأرض- تأتي وَفق تصوّرات عقلٍ بدائيٍّ، يرسم أوهامه ليعلّل ما لا يعرف من الكون، ثم تَرِث مِن بعده الأجيالُ ذلك على أنه عِلْم لَدُنِّيّ، وينعتون راويه بالعلّامة. وهو كلّما أغربَ في الرواية ازداد رصيده من العِلم في تخيّل الناس وأضفوا عليه المزيد من الألقاب. فيما الإنسان ينظر اليوم إلى ما كان يصدِّقه أولئك الأسلاف نظر العاقل إلى المجنون، أو الراشد إلى طفلٍ لم يحظ بأيّ قدرٍ من المعرفة. وإذا كان هذا من المُقَرّ في كتب القدماء وفي رؤوس علمائهم، فما الذي يُتخيّل وجوده في عقول العامّة والسوقة وفي طوايا تراثهم الشعبي؟!      

ولولا ذلك، لَما زعم أحدٌ، يحترم عقول السامعين، المعرفةَ بحياة الجِنّ، ولَما كان الانشغال بالأسئلة حول ذلك والأجوبة، ولَما صدمتْنا المفارقة الصارخة في ثقة السائل بعِلم المسؤول، وثقة المسؤول بمعلوماته التفصيليَّة في هذا الشأن. وما تلكم بأسئلة جادّة ولا بأجوبة تحترم العقل والنقل والعِلْم، وإنما هي شواهد على سوالف شعبيَّة، تُصنَّف عِلْمًا، وهي إلى الجهل أقرب، بل هي الجهل بعينه. لكن ما دامت آتية من ماضٍ، ومن سَلَفٍ «صالح»، وتستند إلى مرويّات، وإنْ كذَّبها العقل والنص القرآني معًا، فثَمّةَ من سيتقبَّلها بقبولٍ حسَنٍ، ويُنبتها نباتًا حسنًا، على أنها عِلْم لا يُناقش، ولا يُساءل، ولا يُتوقَّف عنده، بل يجب أن يسلَّم به، بلا تفكير، ويدوَّن في الكتب، ويستدلّ به في المُلِمّات الجدليَّة، بل يُقدَّم على العقل والقرآن، ويؤوَّل القرآن على مَحَكِّه لكي لا يتعارض مع مرويَّاته المقدَّسة. ولا بأس أيضًا لو خالف اللغة العربيَّة والدِّلالات القطعيَّة للآيات، التي وَكَّدَ(4) الله بأنها بلسانٍ عربيٍّ مبين، فأتى هؤلاء ليُوَكِّدوا أنها بلسانٍ عربيٍّ غير مبين، بل إنها لَتقول الشيء والمعنى بعكسه، فـ«مارجٌ من نار» يعني سائلًا خفيًّا، يمكن أن يتسرّب في الجسم البشري كالماء القراح السلسبيل. ولولا هذه العقول المقلوبة، لَما صحّ في عقلٍ، ولا في تصوّرٍ محتكمٍ إلى النصّ القرآني، وُلوج جانٍّ في إنسيّ، ولكانت انتهت هذه الفكرة الجاهليَّة إلى غير رجعة منذ نزول الآية.

وهكذا لم يَعُد يصحّ في الأذهان شيء، وتحوّلت العقول إلى هواء، واللغة العربيَّة ودلالات الخطاب القرآني إلى تهويمات وطلاسم، وألاعيب توجَّه حيث يشاء العقل الجاهلي الجديد. وأمثلة هذا لا تحصى في كتب التراث.(5)

وكما لا يفكِّر عقلٌ اتّباعيٌّ أعمى، فإنها لا تهمّه العواقب كذلك، مهما بلغت. وتلك عقليَّة النعاج، المعروفة من طباعها، من حيث هي تحذو حذو بعضها، حتى لو قفزت إحداها من حالق، لتتابعت البقيَّة على آثارها؛ لأن «حشرًا مع الناس جَنَّة»، كما يقول المَثَل الدارج! «قَالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا، أَ وَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِير؟!» وهم مكتفون ذاتيًّا بما لديهم، حسبهم ما لديهم من عِلْم وهُدى، لا ينقصهم شيء: «قَالُواْ: حَسْبُنا مَا وَجَدْنا عَلَيْهِ آبَاءنَا، أَ وَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ؟!» لسان حالهم: «اللهم لا تُغيّر علينا!»، كما هو دعاؤنا الشعبي. ومع أن هؤلاء لا يُطيقون اللَّفْتَ ولا الالتفات عمّا كان عليه آباؤهم- وهم لذلك يستنكرون بشِدَّة محاولة مَن يحاول ذلك؛ فهو لديهم مُريب، مارق، خارج على الإجماع، ذو أغراض تدميريَّة، يدعو إلى شَقّ عصا الجماعة؛ وهم لذلك مهيّؤون لدفع أعلى التضحيات لصدّه وردّه على عقبيه ونفيه عن بيضتهم: «قَالُواْ: أَ جِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ في الأَرْضِ؟ ومَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِين!»- فإنهم في الوقت نفسه أخشى ما يخشون (من أعقاب آخيلهم) أن يضعفوا يومًا، لا سمح الجهل!، أو أن «يَؤُزّهم إبليس، لعنه الله!»، فيصبحوا على ما فعلوا نادمين، حين يجدون أنفسهم قد التفتوا، ولو طَرفة عَين، عمَّا وَجدوا عليه آبَاءهم الخالدين وسلفهم الصالحين؛ لذلك كان لا بُدّ أن يحصِّنوا قلوبهم وعقولهم، مستعينين على بقاء حالهم على حالها بدعاء من لا تغفل له عين ولا تنام، سبحانه وتعالى: «نحن بخير ونعمة.. الله لا يغيِّر علينا!»

 

أ.د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

..........................

(1) انظر: (1295ه)، عرائس المجالس في قصص الأنبياء، (بمبئ- الهند: المطبع الحيدري)، ص5- 7.

(2) وردت هذه القِصَّة في فيلم الباحثة الأنثروبولجيّة (أليس روبرتس) عن تتبّعها لقِصّة الهجرات البشريّة. تابع رابطًا تحت عنوان: «رحلة الإنسانيَّة المجيدة: آسيا»، على موقع «اليوتيوب»: http://www.youtube.com/watch?v=z9eL62pAqkM

(3) انظر: بِدْول، روبن، (1989)، الرحّالة الغربيّون في الجزيرة العربيَّة، ترجمة: عبدالله آدم نصيف (الرياض: ؟)، 101.

(4) بعض ما قد يُعَدّ عامّيَّة اليوم هو الفصيح، وما يُعَدّ فصيحًا هو لغة أقل فصاحة. فلو سمع أحدنا مَن يقول: «وَكَّدَ، يوَكِّد، توكيدًا» لظن ذلك عاميّة. في حين نجد أهل اللغة قائلين: وَكَّدَ العَقْدَ والعَهْدَ: أَوثَقَه. ويقال: أَوْكَدْتُه وأَكَّدْتُه وآكَدْتُه إِيكادًا، وبالواو أَفصح، أَي شَدَدْتُه. وتَوَكَّدَ الأْمر وتأَكَّدَ بمعنىً واحد. ويقال: وَكَّدْتُ اليَمِينَ، والهمْزُ في العَقْد أَجْوَد. لذا يُقال: إذا عَقَدْتَ، فأَكِّدْ، وإِذا حَلَفْتَ، فَوَكِّدْ. (انظر: معجمات العربيَّة، (وكد)).

(5) للدكتور (يحي غوردو) والدكتور (عبد العزيز غوردو) كتاب قيّم وطريف بعنوان «الجِنّ: دراسة مجهريَّة»، (2006)، يَخلصان فيه إلى: أن ما يُسمّى الجِنّ هي الكائنات الدقيقة (بكتيريا، ميكروبات، فيروسات...). قائلَين: «ما [هو] الكائن الذي لا يراه الإنسان بالعين المجردة؟ الكائن الذي اجتمعت فيه صفات التفاهة والحقارة، الخسّة والمكر، الخير والشر، المرض وسفك الدماء، التكاثر والخلود، العجز عن إطفاء شمعة وفي الوقت نفسه القدرة الهائلة على التدمير... وكلّ الصفات الأخرى...؟ نلتفت إلى النصوص الدِّينيّة، الإسلاميّة، فنراها تشير مباشرة إلى الجِنّ، ثم نلتفت إلى العِلْم المعاصر، فلا يحيلنا إلّا على الكائنات المجهريّة الدقيقة، فنتساءل: ألسنا هنا بصدد الحديث عن شيء واحد؟... الجِنّ، إبليس، الشيطان، البكتيريا، الميكروب، الفيروس... عندما نحرِّر الألفاظ من محتواها الأُسطوري ونعرضها للبحث العِلمي الدقيق، (لعلوم: اللغة، والدِّين، والمادة...) لا نكاد نجد إلّا اختلافًا في التسميات وتشابهًا في المضامين.» (ص179- 180).

mohamad alhmidawiالاستعوام (الخضوع لتدّين العامة وعدم مخالفة قناعاتهم الدينية) ظاهرة خطرة ابتلي بها الفكر الاسلامي وعانى منها الفقهاء على اختلاف مدارسهم كثيرا، وكان اشدهم بلية فيها فقهاء الشيعة لما عرف عنهم من تماس مع الناس واندكاك في حياتهم الاجتماعية بتلاوينها المتعددة واستمداد مدرستهم مقومات وجودها منهم، تماماً كما أبتلي غيرهم والى حد كبير بالسير في ركاب السلطان والخضوع لاملاءاته وتوجهاته .

يصعب كثيرا على الفقيه تجاوز مسلّمات الناس ونقد ما وجدوا عليه آبائهم وانعقدت عليه سيرتهم، ان هذا الامر يحتاج الى تضحية وهمة عالية واستعداد لتحمل النتائج بتفاصيلها الدينية والاجتماعية والاقتصادية مهما كانت سيئة، ويبدو ان ذلك قدر المصلحين !

يقول المرجع المعاصر ناصر مكارم الشيرازي (إن مسألة الاستعوام واستسلام العلماء أمام أفكار الجهال والعامّة من الناس هو نوع من تقليد العالم للجاهل)1.

يدلل العلّامة محمد جواد مغنيه على مضمون كلام المرجع الشيرازي   فيذكر في كتابه القيم (فقه الامام الصادق عليه السلام )عند حديثه عن اراء الفقهاء في طهارة او نجاسة اهل الكتاب:

(وقد عاصرت ثلاثة مراجع كبار من أهل الفتيا والتقليد، الاول كان في النجف الاشرف، وهو الشيخ محمد رضا آل يس، والثاني في قم، وهو السيد صدر الدين الصدر، والثالث في لبنان وهو السيد محسن الامين، وقد أفتوا جميعا بالطهارة، وأسروا بذلك الى من يثقون به، ولم يعلنوا خوفا من المهوّشين، على ان يس كان أجرأ الجميع.وانا على يقين بأن كثيرا من فقهاء اليوم والأمس يقولون بالطهارة، ولكنهم يخشون أهل الجهل .....الخ)2!

لم تبق أردتدادات هذه الظاهرة وقفاً على تقييد العلماء وفرض طوقٍ عليهم ومنعهم من ان يحوموا حول جغرافية (عقائد العامة وممارساتهم) باعتبارها محددات موضوعية لعملية الإفتاء او منطقة محرمة لا يحبذ الاقتراب منها بل امتدت الى ساحة الابحاث التخصصية فوجدت لها ما يبررها ويضفي عليها القيمة الشرعيّة فتأسست انطلاق من ذلك مفاهيم جديدة ونمت أدوات حادثةٍ تسوّق لمشروعية تلونات هذه الظاهرة تنذر بظهور فقه جديد يتكأ على اصول معرفية حادثة .

القضية الحسينية ساحة خصبة لتجليات ظاهرة الاستعوام ومثال حيٌّ على سيطرة العاطفة حتى على كثيرٍ من الابحاث التخصصية التي يفترض فيها تزويد تفاصيل هذه القضية سيّما في بعدها العملي والتطبيقي بما يوفر لها القيمة القانونية والمشروعية الدينية .

يمكننا ان نسوق شاهد واحداً من ضمن شواهد متعددة على السيطرة المذكورة الى حد تغييب النَفَس العلمي في هذه القضية العظيمة فان طلاب الفقه يعرفون ان اصطلاح الإضمار في الرواية يتكرر كثيراً في البحث الفقهي العام، وأوضح مثالٍ عليه: ان يقول احد اصحاب الائمة - عليهم السلام- مثلاً :(سألته عن القراءة، وسألته عن الطهارة وسألته عن الطواف ...ووو....الخ) فالمسؤول هنا غير واضح هل هو الإمام المعصوم -ع- او شخصٌ آخر؟

ان عدم تحديد هوية المسؤول يجعل الرواية غير صالحة للاستدلال لأننا لا نعرف بالضبط من هو الشخص المسؤول حتى يتم الاعتماد على كلامه لاحتمال ان يكون احد اصحاب الامام -ع- وليس الامام نفسه وبالتالي فلا مبرر للاخذ بقوله لفرض انحصار تبليغ معالم الدين أصالة ً بالمعصوم من اهل بيت محمد -ص- فقط وفقط.

ان هذا الامر صار محلاً للأخذ والرد بين العلماء لكثرة تكرر هذه الظاهرة خصوصا ً في كتاب وسائل الشيعة للمحدث الحر العاملي الذي انتهج فيه أسلوب تقطيع الرواية وتوزيعها على أبواب متعددة وجعل كل قطعة متناسبة مع عنوان ذلك الباب كما اقتضته طبيعة الكتاب .

عموماً للفقهاء اكثر من طريق للتخلص من هذا الاشكال مذكورٌ في محله 3، ولم يصادف اي اعتراض منهم يُذكر حول سقوط الرواية عن الاعتبار ما دمنا لم نجزم بنسبتها للإمام -ع-، واللافت ان هذا امرٌ يسري حتى على كبار اصحاب الائمة - ع- كزرارة وأبي بصير ومحمد بن مسلم وابان وغيرهم من عيون وأجلّاء الطائفة على مر الدهور وكرور الليالي والأيام، فلو وردت إلينا رواية عن احد هولاء الأعاظم يقول فيها: (سألته ...) دون ان يتضح لنا من هو المسؤول فلا مناص دون سقوط الرواية وعدم الأخذ بمضمونها .

ان البعض يعوّل (وفي تنكر واضح للمبنى التخصصي السالف) في صحة شعيرة ما من الشعائر الحسينية على ان العلوية الفلانية والسيد الفلاني وهم من اجلاء أبناء الائمة - عليهم السلام - قد صدر منهما مضمون هذه الشعيرة، وهو بفعله هذا اما منساقٌ وراء العاطفة وإفرازاتها او يهدف الى احراج المتحفظين على تلك الشعيرة والطاعنين بغطائها الشرعي عبر استحضار عناوين حساسة يحول الاستعوام دون استجلاء مخرجاتها بأدوات تخصصية لانه ان قيل له: ان هذا الفعل ليس بحجة انطلاقاً من كون الصَناعة الفقهية التخصصية تقول: مهما كان هذا المنتسب الى معدن العصمة والطهارة عظيما وجلياً لكنه ليس مصدراً للتشريع بعد قيام الضرورة عند مذهب اهل البيت -ع- على انحصار ذلك بالأربعة عشر من آل محمد - عليهم السلام - فهم وحدهم الذين تكون أفعالهم أو أقوالهم أو تقريراتهم حجةً، فربما رد بالتشنيع على هذا اللون من التفكير بانه يتضمن نسبة هذا العظيم الى فعل الحرام ومخالفة الشريعة !

الطريف وفي إشارة الى تسرب العاطفة حتى الى الابحاث التخصصية ان المصلح المعروف السيد محسن الامين العاملي عندما كتب رسالته الشهيرة في تطهير الشعائر الحسينية (التنزيه) استشكل في جملة ممارسات يقوم بها المعزون لدخولها تحت عنوان (الاضرار بالنفس) رد عليه بعض فضلاء ذلك الزمان قائلا (أينفض العباس الماء من يده وهو على ما هو عليه من شدّة الظمأ تأسّياً بعطش أخيه، ولا نقتص أثره؟!)4

فأجابه السيد في رد آخر (أمّا نفض العباس الماء من يده تأسّياً بعطش أخيه، فلو صحّ لم يكن حجّة، لعدم العصمة)5، وجواب السيد على طبق القواعد التي نعرفها والتي تقتضيها الصناعة الفقهية والاصولية من عدم حجية فعل غير المعصوم –ع- مهما كان مقامه الديني والمعنوي ساميا ومرموقاً، فما كان من احد فضلاء هذا الزمان الا ان يتعب نفسه شديدا لاثبات عصمة ابي الفضل –ع- حتى يبطل رد السيد الامين –قد- محملاً كلامه السابق ما لايحتمله بالقطع واليقين من خلال اثبات لازم له فحواه صدور الذنب من ابي الفضل -ع- بعد كونه غير معصومٍ كما جاء في نص عبارة السيد المتقدمة وبالتالي فان   (....غير المعصوم يصدر منه الذنب ويُعاقب عليه. وهذا يعني أنّه فعل حراماً يستحقّ العقاب عليه، لأنّه آذى نفسه بترك شرب الماء وإدخال الضرر عليها)6!

لا شك ان التمعن في سيرة بعض اولاد الائمة - عليهم السلام - واستنطاق المستندات الروائية التي وردت بحقهم تبرز وبوضوح ان هؤلاء الأجلاء وفي مقدمتهم ابو الفضل-ع- قد وصلوا الى ارفع مقامات الطهارة و العصمة 7 بيد ان السؤال التخصصي هو: عن اي نوعٍ من العصمة نتحدث؟

هل هي من نفس ماهيّة العصمة التي يعتقدها اتباع اهل البيت -ع- في حق أئمتهم -ع-؟

وهل يمكن الاعتماد على وجودها في شخص ٍما لاتخاذ أفعاله وأقواله وتقريراته أساساً في معرفة الحكم الشرعي وتحديد الوظيفة الدينية؟

ان نوع العصمة التي تثبتها المدرسة الكلامية الامامية لهؤلاء الأجلاء يطلق عليها: العصمة التنزيهية او الافعالية 8 ويفّرقون بينها وبين العصمة الواجبة التي يعتقدونها في الائمة المعصومين -عليهم السلام-   بجملة فوارق أهمها أن دائرتها لا تتسع لعدم الخطأ والاشتباه والسهو والنسيان بل تتمحور بدرجة رئسة حول عدم صدور المعاصي والذنوب، بخلاف (العصمة الواجبة) فانها تعمّ العصمة عن الذنوب والخطأ والنسيان وما يشين الانسان وغير ذلك، وعلى هذا الأساس لا يعدّون المتحلي بالعصمة التنزيهية مصدراً من مصادر التشريع على مستوى الأفعال والأقوال والتقريرات، لذا فمن المستغرب نسبة السيد الامين العاملي وهو الفقيه الكبير الى اعتقاد ارتكاب ابي الفضل العباس - ع- محرماً عندما ترك شرب الماء كما رأينا في التحميلات المتقدمة لكلامه .

ان هناك من يغض النظر عن ان الفعل المنتسب الى الأجلاء من اولاد الائمة - ع- والذي يستند اليه - البعض- باعتباره متكأ لتشريع افعالٍ او اقوالٍ لا ينحصر وصفه بالحلال والحرام اللذين يقعان وصفا للافعال القصدية بل قد يكون محض اشتباهٍ او خطأ في التشخيص او حادثٍ أدى الى نتيجة عرضية (اتفاقية) غير مقصودة من اول الامر(يعني قصد الفعل لكنه لم يقصد النتيجة) او سهواً او غير ذلك، فان العصمة (التنزيهية) لا تحول دون الخطأ التشخيصي اوالاشتباه والسهو وغيره، كما تقدم قبل قليل .

من هنا تُناقش الرواية التي تتحدث عن ان السيدة الجليلة عقيلة الطالبين زينب - عليها السلام - قد نطحت رأسها الشريف بعمود محملها فأدمته لما رأت رأس أخيها - صلوات الله عليه - على رأس رمح طويل، بان هذه حادثة لا يقاس عليها لانه ليس معلوماً انها - ع - قصدت الادماء بل لعل الادماء قد حدث عرضاً واتفاقاً، تماماً كما قالوا في قتل موسى - عليه السلام- للقبطي بانه- ع- قصد الفعل ولم يقصد النتيجة، مع التأكيد على ان الرواية المرسلة عن السيدة زينب - عليها السلام- يحوم عليها الشك كثيراً لا من جهة سندها ومضمونها فقط بل من جهة ألفاظها وأشعارها التي ربما يحصل الوثوق - لمن يملك ذوقاً ادبياً - بعدم صحة نسبتها الى زمان الامام الحسين - صلوات الله عليه - فان الأبيات توحي بأنها من زمان متأخر فتأملها في بحار الأنوار9 وقارنها مع نتاج أدباء ذالك الزمان وما تأخر عنه قليلاً كالفرزدق وجرير والأخطل وغيرهم واحتكم لذائقتك الأدبية لعل وثوقاً بالنفي او الإيجاب يحصل عندك او لا اقل تستشف مؤيداً لهذا الطرف او ذاك .

abdalla alfafiإن الشماريش في وطن العُربان كُثر! والشماريش- لمن لم يتشرّف بالتعرّف إليهم- هم نسل (شمهاروش) ملك ملوك الجِنّ، القابع في (جبال الأطلس). يتكاثر الشماريش في مجتمعٍ لا يريد أن يواجه حقائق الطبيعة، ولا أن يتحمّل مسؤوليّته، ولا أن يُعالج أمراضه. وسترى شياطين الإنس يدافعون عن شياطين الجنّ بحماسٍ عجيب. فهم لا ينتفضون للذود عن أيّ قضيَّة حيويّة في عالم الناس اليوم، حتى إذا مسّ ثقافة مواليهم من الجانّ نقدٌ، هبّوا من كهوفهم غيرةً على مواريثهم الجاهليَّة وحميَّة.

والحقّ أن المتأمّل في حال التعليم العربي، وحال الإعلام العربي، والتثقيف العربي، أو في ما قد يسمّى بخطط التنمية العربيَّة على اختلاف ملفّاتها، يدرك أن ليس من مصلحة الأنظمة العربيّة قيام تنمية إنسانيَّة حقيقيَّة في الوطن العربي أصلًا. وذاك لأن الإنسان العربي لو حسُن تعليمه، وارتفعت سويّته الثقافيّة، وتفتّحت مداركه الذهنيَّة، ووعَى ما له وما عليه، لأصبح مصدر إزعاجٍ خطيرٍ لمؤسسات التخلّف الضاربة الأطناب، ولأكل غدًا خصومَ الحُريّة والحياة والتطوّر جميعًا، ولأصبح رضاه غايةً لا تُدرك على الإطلاق، كسائر الشعوب الحيّة المتحرِّرة. فليبق التعليم تعليمَ جهل، وليستمرّ التثقيف تضليلًا وإلهاءً، وليمضِ التنوير تعتيمًا، والحراك الإعلامي تضييعًا وإغواءً، ولتُستدَم العاهات الوطنيَّة المَجيدة المخلصة، وبطواحين الهواء اليوميَّة ليُعرَك المواطن بحاجاته الخاصَّة والأُسريَّة، التي تجعل لقمة العيش وضرورة المأوى أكبر همِّه ومبلغ علمه وغاية وجوده على هذه البسيطة، حتى يلقى الله كيوم ولدته أُمُّه. بذلك يبقى المواطن العربي مواطنًا صالحًا، هادئًا، وديعًا، منقادًا، منصاعًا، مرتزقًا، وفي الوقت نفسه قابلًا للتجييش في أيّ اتجاه عند اللزوم. ومَن لك بكائنٍ أروع من هذا، لاستتباب الأمن والإيمان؟!

مَن قال، إذن، إن من مصلحة الأنظمة أن ينهض التعليم، أو أن تقوم للثقافة قائمة، أو أن ينقرض الشماريش ومَن تبعهم بإذعان، أو أن تندحر ثقافتهم من الأرض؟ إن الضدّ هو المطلوب!        

هيهات، هيهات لما توعدون، «طارَ غُرابُها بجرادتك!»، كما كانت تقول العرب. لا سبيل يرجى في تقدّم أُمّةٍ هذه حالها، ما لم تُجتثّ منها أمثال تلك الرؤوس! وما عبادة الجِنّ في العالم العربي إلّا مظهر من منظومةٍ شاملةٍ من خراب العقول والنفوس. هيهات أن ينهض شعبٌ ما برح يرى الجن أقوى منه، وأذكى منه، وأشدّ تأثيرًا في الطبيعة. مَن يعتقد ذلك، خَرِف، وهذَى، وانحدر إلى حضيضٍ أدنى من حضيض السائمة والحشرات والزواحف، ولا محلّ له إلّا في مصحّةٍ نفسيّة، إنْ شِيدت، لعلّ الله يشفيه أو يفنيه. بل هو، إلى ذلك، قد ناقض ما جاءت به الشرائع، وأنكر فضل الله عليه، إذ أعلى مقامه، وأسجد له ملائكته، وأسجد له إبليس (شخصيًّا)، فأبى واستكبر. إن الإنسان ليهون ويَعمَى، إذ يتنازل، ويذلّ، وينحطّ، عقليًّا وإنسانيًّا، فيسجد هو لإبليس، غير آبٍ ولا مستكبر. وما هذا التهويل المعتاد في عالمنا العربي والإسلامي من الجِنّ وأفاعيلهم إلّا مؤشِّر واضح على درجاتنا في التخلّف ومهاوينا في الانحطاط. وعالمنا العربي والإسلامي المرعوب أبدًا، دون العالمين، من الجِنّ والخيالات والحكايات- إلى جانب هلعه من (إسرائيل) و(أمريكا)- لن يُفلح ما لم يستأصل هذه الأوهام من نفسه وعقله؛ فهو في حالته تلك معطَّل الإرادة، مسلوب القوى، منخوب الفؤاد، يفرّ من خيال ظِلّه. وأيّ تضعضعٍ أشدّ من أن يصل الأمر بالمرء إلى أن لا يجد الاطمئنان حتى بالله سبحانه وما جاء عنه في كتابه العزيز؟! إنه في تلك الحالة مريض، محض مريض، يستأهل الرثاء، ويستوجب العلاج. على أن خوفه القسري لم يعد مرضًا نفسيًّا فحسب، بل أصبح أيضًا ضربًا من الشِّرك بالله، ومن عدم الثقة به، وبما جاء عنه في الكتاب المنزل، حول دناءة الجِنّ واتّضاعهم وتفاهتهم قياسًا بالإنسان. وإنما الإنسان كان ينبغي أن يخشى من شيطان نفسه، ومن شياطين بني جنسه من الناس، لا من شياطين الجان. لذلك جاء في القرآن تقديم شياطين الإنس في الخطورة على ما قد يكون من شياطين الجِنّ، فجاءت الآية على هذا النحو: «وكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا، شَيَاطِينَ الإِنسِ والجِنِّ، يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا، ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ، فَذَرْهُمْ ومَا يَفْتَرُون." (الأنعام، ١١٢).

-2-

وليست تلك الأفكار اليوم حول عالم الجِنّ إلّا كأفكار قديمة أخرى أبطلها الإسلام واستبقاها المسلمون؛ فإنْ شِئتَ أن تعرف المزيد، فاستقرئ فكرةً كفكرة (وأد البنات) في التراث الشِّعري الإسلامي(1)، مثلًا، أو كفكرة (الدهريَّة)، والهروب من الواقع، والتنصّل من المواجهة، والفرار من المسؤوليَّة إلى هواءٍ سمَّوه: «الدهر». ولذاك حديث آخر. وما الاعتقادات حول الجِنّ إلّا بعض خيوطٍ من شبكةٍ بالغة التعقيد ورثناها، من ثقافةٍ ورثتْها، ترفض سَويَّةَ العقلانيَّة والعِلميَّة على حدٍّ سواء. ولقد أورد (ابن النديم)(2) طَرَفًا من هذا التراث، تمثَّل في ستة عشر كتابًا مؤلَّفًا- حصرًا- في «أسماء عشّاق الإنس للجِنّ وعشّاق الجِنّ للإنس!». وهو ما نجده اليوم لدى من يزعمون أن بعض حالات الصرع أو الأمراض النفسيَّة هو بسبب عشق جِنِّيَّة لأنسيّ- ولعلّ هذا هو الغالب- أو عشق جِنِّيّ لأنسيَّة؛ إذ يبدو أن الإنس من الفتنة بحيث يخلبون ألباب العذارَى من الجنّ، كان الله في عونهن! أمّا أن يعشق جِنِّيٌّ إنسيَّة، فأقلّ من ذلك؛ فحسبنا بمجانين العِشق الإنسيّين، من مجنون ليلى إلى آخر المجانين! تلك المكتبة التي ساقها صاحب «الفهرست» هي: كتاب دعد والرباب، كتاب رفاعة العبسي وسكّر، كتاب سعسع وقمع، كتاب ناعم بن دارم ورحيمة وشيطان الطاق، كتاب الأغلب والدباب، كتاب الضرغام وحودروفس، كتاب عمرو ودقيانوس، كتاب الشمّاخ ودمع، كتاب الخزرجي والمحتال وأسماء، كتاب حضر بن النبهان والجِنِّيَّة، كتاب الدلفاء وأخوتها والجِنِّي، كتاب دعد الفزاريَّة والجِنِّي وعمرو، كتاب عمر بن سفيان السلمي والجِنِّيَّة، كتاب عمرو بن المكشوح والجِنِّيَّة، كتاب ربيعة بن قدام والجِنِّيَّة، كتاب سعد بن عمير والنوار. ثم أضاف (ابن النديم): «قال محمَّد بن إسحاق: كانت الأسمار والخرافات مرغوبًا فيها مشتهاة في أيام خلفاء بني العبّاس، وسيما(3) في أيام المُقْتَدِر، فصنَّف الورّاقون وكذبوا، فكان ممّن يفتعل ذلك رجل يُعرف بابن دلان، واسمه أحمد بن محمَّد بن دلان، وآخر يُعرف بابن العطّار، وجماعة. وقد ذكرنا فيما تقدّم مَن كان يعمل الخرافات والأسمار على ألسنة الحيوان وغيره، وهم: سهل بن هارون، وعلي بن داود، والعتابي، وأحمد بن أبي طاهر.»

إنه تراث، إذن، تراث الجِنّ هذا! تراث من العقل الذي تصفِر في جنباته رياح الخرافة! وهكذا انتهت خرافات الأعراب الجاهليَّة البائسة إلى الخرافات الإسلاميَّة الواسعة، وبمددٍ من الأمم الأخرى التي فتحها المسلمون. وترقَّى الشفهيُّ العتيق منها- بحمدالله!- إلى المصنَّف في مؤلَّفات العصر العبّاسي، ممّا كتبه الورّاقون أو كذبوه. وتوالَى هذا الركام الغامر جيلًا إثر جيل ليصنع ما ظنّه اللاحقون الجاهلون عِلمًا لَدُنِّيًّا، وحسبه المتفيهقون معرفةً عِرفانيَّة، بل ظنه كهنة العهد الجديد دِينًا قِيَمًا، متأوّلين ما يدعمه من النصوص لتَروج بضاعتهم بين الناس. واشتغل به الدجاجلة وعليه طيلة الدهر، فبنوا على مداميكه ثقافة كالحة، ما تزال العقول ترزح تحت نير استعمارها، وستظلّ إلى ما شاء الله. أ تَرى ثَمَّةَ أعجب من عمل شياطين الإنس هذا؟! مِن أن تُلتمس للخرافات العلائق في دِينٍ نادى من أوّل يومٍ بتحرير العقل من الخرافة، وبقراءة الحقائق، وبطلب العِلْم، لا بالتسليم بما يقال أو يورث؟! ثمّ خَلَفَ من بعدهم خَلْفٌ اشتدّ شغفهم بعالَم الجِنّ، وصار ذلك في أوساطهم- العاجزة عن فهم الكون والطبيعة والإنسان على أُسسٍ عِلميَّة- عِلمًا بديلًا معتبَرًا، وطِبًّا شرعيًّا شائعًا منشودًا، غير بعيدٍ أن تُشاد له عمّا قريب المشافي والعيادات! تَرى العالَم المتحضّر يبحث في عالَم الشهادة والواقع، فيُنتج ويُبدع ويُسيطر ويُصنِّع ويكتسح الكون بما حوى، وهؤلاء سارحون في عالَمٍ آخر، من الغيب والخيال والأوهام، حاملين متاريسهم تحسُّبًا لعفريتٍ قد يطلع عليهم طلوعَ المَنون من هذه الزاوية أو تلك! واختلط الحقّ بالباطل، والعقل بالتخريف؛ لنجد في القرون المتأخِّرة- قرونِ العجائب والغرائب منذ السادس الهجري إلى اليوم- تكاثرَ السؤال في هذا الموضوع، والإلحاحَ في الاستفتاء عنه، وادّعاء المعرفة بأسراره مفصَّلةً من قِبَل المفتين المفتئتين على الحقّ والدِّين. وعلى الرغم من تهويلات الوالغين في هذا المستنقع البدائي فإنهم لا يجدون على ما يهرفون به برهانًا من القرآن الكريم أو من الحديث الصحيح أو من واقعٍ ملموسٍ أو تاريخٍ محقّق. قصارى ما يحتطبون المقولات والأقاصيص وتَرِكاتٌ اجتماعيَّةٌ من الخزعبلات، واضح أنه انتفخ منطادها في القرون الإسلاميَّة أكثر بكثير ممّا كان عليه قبل الإسلام. ومن سُنن الثقافة أنه كلّما تخلَّف الفرد، وساد الظلم، وخيَّم الظلام على المجتمعات، قويتْ ظواهر الإيمان بالجِنّ وآثارهم التليدة؛ يفرّ إلى عالمها الناس بديلًا من عالمهم الحضاريّ المنهار.

 

أ.د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

................

(1) انظر كتابي: ((2006)، نَقْد القِيَم: مقارباتٌ تخطيطيَّـةٌ لمنهاجٍ عِلْمِيٍّ جديد، (بيروت: مؤسَّسة الانتشار العربي)). فقد بقيت ظاهرة الوأد للأنثى في خطاب كبار الشعراء، كـ(البحتري والمعري)، على نحو صريح، يكشف عن جذورها النفسيَّة والواقعيَّة. في حين كان (محمَّد، عليه الصلاة السلام) «أبا البنات»، وكان يتمدّح بذلك.

(2) انظر: (1978)، الفهرست، (بيروت: دار المعرفة)، 428.

(3) كذا، والمستعمل في كلام العرب: «ولا سيما». كما في بيت (امرئ القيس):

أَلا رُبَّ يَومٍ لَكَ مِنهُنَّ صالِحٍ ** ولا سِيَّما يَوم بِدارَةِ جُلْجُلِ

لكنها، في العصور المتأخِّرة، أصبحت تُحذف الواو في بعض الكتابات: «لا سيما»، وربما حُذفت مع الواو (لا)، فقيل: «سيما». وهي بعكس معنى «ولا سيما».

majedalgarbawi5ثمة أزمة حادة تواجه الشريعة الاسلامية، بل تواجه الدين بأسره، لا تنفع معها تبريرات الفقهاء ومكابراتهم .. أزمة حقيقية، تضغط باتجاه مراجعة نقدية تطال الفكر الديني، وفق قراءة معاصرة تواكب مسار الحضارة، وتُعيد النظر في ثوابت الشريعة، بعيدا عن سلطة التراث والسلف والتراكمات التأويلية التي تكرّس اللامعقول وتحرّض باستمرار ضد الآخر، حتى صار الدين إما يدفع باتجاه العنف والارهاب، او يستقطب باتجاه الخرافة والسحر والشعوذة وجلد الذات، وتصديق هلوسات وأكاذيب بعض رجال الدين، وتقديس الماضي والتراث، وأسطرة الشخصيات التاريخية، واستبدال العبادة بطقوس فلكلورية، انقلبت معها مفاهيم الخير والعمل الصالح، وبات الارهاب دينا، والخداع دينا، والتبست المفاهيم حد الاحتراب فضلا عن الكراهية والتنابذ والاقتتال.

ان مسؤولية التجديد ستخرج من يد الفقهاء، اذا تمادوا في تكاسلهم ولا مبالاتهم تجاه ما يجري. لقد صار الدين مع جمودهم وتخلّف الدعاة شبحا يطارد احلامنا، وباتت شعارات تطبيق الشريعة والاسلام هو الحل والحاكمية الالهية وولاية الفقيه تستفزنا، خاصة مع تمادي بعض الحركات الاسلامية في تطرفها، وارتكابها مجازر يندى لها جبين الانسانية. بل نَسَفَ سلوكهم أغلب ما كتبه المفكرون الاسلاميون عن الاسلام وحضارته ومستقبله في بناء الدولة والمجتمع، وسفّه جميع احلامهم، بل كذّب جميع التأويلات التي اعتادها الكاتب الاسلامي في تبريره لأحكام الاسلام وتشريعاته ونظمه، لكثير من القضايا كـ: المرأة والرق ونظرته للآخر، مما حدا بنا العودة لمراجعة أصل التشريع، واستدعاء ذلك السؤال الخطير، الذي نهرب من مواجهته دائما: (هل الخطأ في التشريع أم في التطبيق؟ أم الخطأ في تعميم الأحكام واطلاقاتها؟).

للامس القريب كنا نردد ما تردده الحركات الاسلامية وجميع الدعاة المخلصين، حينما نواجه اي خطأ سلوكي: (ان الخطأ في التطبيق)، حتى راحت بعض المذاهب والفرق الاسلامية تعوّل على ظهور (المهدي المنتظر)، لتعذر تطبيقها من قبلنا. ولا ادري ما فائدة تشريعات ودين لا يمكن تطبيقه من قبلنا، حتى يظهر المهدي ويرعى تطبيقه بنفسه!! .. وماذا نفعل اذا لم يظهر او تأجل ظهوره آلاف أخرى من السنين؟ ثم ماذا يريد ان يقدّم المهدي من حلول اسطورية لهذه المشكلة؟ هل سيُشرّع لنا أحكاما جديدة؟ وهذا مستحيل، لتعذّر التشريع بعد الوحي. أم سيوظّف عقله وفقاهته؟، اذاً فلماذا لا نوظّف نحن عقولنا بدلا من انتظاره؟. لا ادري هل نعي شيئا من سلوكنا ام نخدع انفسنا ونحسب اننا على حق وغيرنا على باطل!!!. لا اخفيكم، أجد هروبا في فكرة الانتظار، بل اجد فيها إدانة لنا من حيث لا نشعر، والفقهاء قادرون على فقه الشريعة وتقديم قراءة اخرى للدين. فأرى من الأفضل مقاربة المشكلة في بعدها التشريعي، مع مراجعة مكثّفة لآرائنا وفتاوانا، وفق رؤية علمية، واقعية، ترتكز لمنطق القرآن الكريم في اطار مقاصد الشريعة وغاياتها، سنكتشف حينئذٍ حجم الهوّة بين التشريع والواقع.

لقد ارهقنا التوجيه والتأويل، وصار لا هَمَّ لنا الا تبرير ما جاء في الشريعة من أحكام صدرت قبل اكثر من 1400 عام لواقع آخر. فمن اوصلنا لهذه الحالة؟ وهل كان بالامكان تداركها قبل ان تتحول الى عبء يثقل كاهلنا؟

نعم كان بالامكان تداركها لو كان هناك فقهاء يعون الشريعة وغاياتها ومقاصدها، ويدركون دور الزمان والمكان في تشريع الأحكام، ويستطيعون اكتشاف منطق القرآن ومنهجه في تقنينها، ويفهمون طبيعة المجتمع قبل وبعد تشريعها. لكنهم للاسف الشديد لا يدركون مقاصد الشريعة ولا يفهمون غاياتها. سواء تغيّر الواقع أم لم يتغير، ولا يعرفون شي عن فلسفة التشريع سوى التعبّد حرفيا بما جاء من نصوص، وما قاله السلف. فالمرأة هي المرأة، والمجتمع هو المجتمع. والفقيه لا يفهم الا فعلية الأحكام وصلاحيتها (اطلاقا) لكل زمان ومكان، وعلينا الانصياع لفتاواه من دون اي اعتراض.

نحن لا نشكك في صلاح الشريعة الا من حيث فعلية أحكامها، في ضوء مبادئهم الاصولية، لتغيّرالأحكام بتغير موضوعاتها كما هو مقرر عندهم، وقد تغيرت فعلا بفضل التطور الحضاري (فكرا وثقافة ووعيا ومسؤولية) فلماذا الجمود؟ ولماذا الاصرار؟ متى تأخذهم الغيرة على دين الله؟ ومن المسؤول عن تردي واقع المسلمين وضياعهم؟ ومن يتحمل مسؤولية الانكفاء والرِدّة المفجعة في صفوف الشباب؟ ولماذا يبقى المسلم في موقع الدفاع، يبحث عن اعذار وتبريرات، وفي الدين من السعة والرحمة ما يمكنه البقاء ملتزما بدينه، مسالما في سلوكه، يفتخر بانتمائه. بينما الان يقف حائرا مرعوبا حينما تواجهه سهام الريبة والشك. ويقف مدهوشا بين نظرتين، نظرة الغرب للانسان بما هو انسان، ذكرا او انثى، بلا كراهية ولا بغضاء ولا تمييز، وهو في تطور مستمر. ونظرة الفقهاء المحرّضة ضد الآخر، فغير المسلم في نظرهم كافر، مشرك، نجس، لا يحل طعامه، ولا تؤكل ذبيحته، يستحب النظر له بحنق وكراهية، لا يجوز معاشرته والاقتران به، بل يتمادى بعضهم فيعتبر نساءهم إماء، واموالهم غنائم. وارضهم ارض كفر يجوز لك فيها ما لا يجوز في ارض الاسلام، مهما كان الحاكم المسلم، طاغية، فاجرا، جلادا، مستبدا، دكتاتورا.

يجب ان نمزق جدار الصمت، ونقول الحقيقة، باسلوب علمي منطقي استدلالي، يحافظ على قيم الدين ومبادئة، في اطار مقاصد الشريعة وغاياتها، ونعلن صراحة حاجة الأحكام الى اعادة نظر للتأكد من فعليتها واطلاقها (الازماني والاحوالي) المفترض من قبل الفقهاء، وفقا للمتغيرات الزمانية والمكانية، كبعض العبادات، وغيرها من التشريعات كقضايا المرأة في الإرث والحقوق الشخصية، ومأساة قيمومة الرجل عليها مطلقا، والرق وعودته المخجلة على يد (داعش واخواتها). وايضا هناك أحكام الربا والتباس مفهومه الذي يُعيق حركة الاقتصاد (وقد تجاوزت ايران هذه المعضلة بعد ان ادركت ان مفهوم الربا الذي تتحدث عنه الآية غيره المعمول به في البنوك العالمية، وهي خطوة شجاعة تحسب لها، كما استبدلت العقوبات الجسدية بالسجن والغرامات لمّا عرفت ان المراد من القضاء هو استئصال الجريمة وليس الانتقام، واذا كان للسلف ظرفهم فلنا ظرفنا وضروراتنا).

ثم ماذا عن باقي الأحكام الولائية التي صدرت في ظل حروب مستعرة وعدوانية جاهلية مشهود لها تاريخيا لمعالجة واقع خارجي محدد ومؤقت، كحكم المرتد، وحكم المشرك والكافر، ووجوب قتالهم، واخذ الجزية؟ هل تبقى سارية المفعول يتخذها المتطرفون الاسلاميون ذريعة لتشويه سمعة الدين وسماحته؟ انها خطيئة الصحابة عندما تشبثوا بفعلية هذا النمط من الأحكام حتى استُغلت لمحاربة المسلمين كما بالنسبة لحروب الردة، وجاء من بعدهم فقهاء السلطان، تبريرا لسلوك السلاطين والخلفاء في التوسّع من اجل كسب الثروات واشغال المسلمين بما يتيح لهم التفرد والاستهتار بالسلطة.

لا شك ان اعادة النظر في فعلية كثير من الأحكام بات مسؤولية كل الفقهاء، للحفاظ على ما تبقى من الدين، وانتشاله من التخلف والتراجع الحضاري المروع، وعدم اعطاء ذريعة للجهلة والمتخلفين والمتزمتين يفعلون ما يشاؤون. ويجب معالجة كل هذه الأحكام وغيرها، لانها السبب وراء كثير من المآسي .. فما كان للمتطرفين الاسلاميين وغيرهم ارتكاب مثل هذه الافعال لولا وجود فتاوى فقهية تبرر لهم ذلك، بل تلزمهم، على اساس فعلية الأحكام الشرعية مطلقا، في كل زمان ومكان. فمتى نعي ونمزّق جدار الصمت ونقول الحقيقة علانية، ان الشريعة كانت لظرف غير ظرفنا ولزمان غير زماننا، ويجب ان يبقى من أحكامها ما يُلائم وضعنا وحاجاتنا، وارتباطنا بخالقنا، كالعبادات، لنكون أكثر تقوى وعفة، بفضل ايماننا بالغيب واليوم الآخر، ونكون أكثر إتزانا، نفسيا وخُلقيا، كي نؤسس لعلاقات اجتماعية تُعمّق اواصرنا الانسانية، ويسود العدل والسلام، باسم الدين وشريعة سيد المرسلين. اما غير ذلك ففعليته مشروطة بفعلية موضوعه، المتوقف اساسا على فعلية مقدماته وشروطه وقرائنه وكل شي يخصه كي يكون فعليا، وهذا لعَمري بات شُبه مستحيل بعد الف واربعمئة سنة تطور الانسان خلالها اجتماعيا وثقافيا وعقليا، وبات بفعل المراجعة والنقد المتواصل يراعي شرعة حقوق الانسان، ويتطلع لكمال انسانيته، فكيف يمكن للدين ان يمارس دوره في ضوء فهم مبتسر يزرع بذور الفتنة والاقتتال من خلال فرز حاد للانسان على اساس ايمانه واسلامه، فإما ان يكون مسلما او كافرا مشركا يجب استئصاله وقتله؟ ولماذا نأخذ بهذه الآيات ولا ناخذ بآيات اخرى تحث على التسامح والمحبة، وتخاطب الرسول "لست عليهم بمسيطر".

لا يمكن معالجة التطرف الاسلامي والتخلف الديني بمعزل عن مراجعة أحكام الشريعة وفعليتها، لتشبّث المتطرفين الاسلاميين بها، لانهم مؤمنون، متدينون، ملتزمون، يقصدون مرضاة الله بافعالهم الشنيعة جهلا وتخلفا. ولا يتحركون الا مع وجود حكم شرعي او فتوى فقهية، من هنا جاءت اهمية المراجعة والنقد، كي نجفف منابع التبرير الجهادي والسلوك المنحرف والمتخلف. لكن كيف نجفف منابع الارهاب وآيات الحرب والجهاد بنظر الفقهاء مطلقة صالحة لكل زمان ومكان؟. لقد قدمنا بانفسنا ذريعة للهجوم على القرآن الكريم وعلى ديننا الحنيف بسبب تخلفنا فقهيا. انهم يعتقدون ان آيات القتال تخاطبهم، وهم مأمورون بها، فهل حقا هم المخاطبون بها؟ لماذا يصمت الفقهاء ولا يقولون الحقيقة. هل انخرام قاعدة اصولية صنعوها بانفسهم أهم عند الفقهاء من دماء المسلمين وحيثياتهم؟

كل المحاولات لتجفيف منابع الارهاب الديني فاشلة، ما لم نَعُدْ لفقه الكتاب الكريم، كي نعي شروط فعلية آياته، ونعلن بصراحة بلا مواربة: (لا فعلية ولا اطلاق لآيات الحرب والجهاد، بعد انتفاء موضوعها). فهي آيات عالجت واقعا محددا في حينه وانتهى الأمر. بل بامكان الفقهاء الافتاء بحرمة التشبث بها لتبرير سلوكهم العدواني ضد الآخر، من باب المصلحة العامة وحقنا لدماء المسلمين.

المسؤولية الان بصراحة على عاتق الفقهاء كي يقولوا كلمتهم، او يطلقوا رصاصة الرحمة على ما تبقى من الدين. فلا يكفي الشجب الخجول، ما لم يُعلنوا قناعاتهم بلا مواربة. لكن الفقهاء للاسف الشديد اما مشغول بالافتاء لحركات التطرف، يشعل نار الفتن، ويبرر سفك الدماء باسم الدين، ويعمق مشاعرنا الخرافية، او جالس في بيته قديسا، تُقبّلُ الناس البسطاء يديه، لا يغادر القرن الأول، ولا يدري بما يدور حوله، ولا يتصدى لأي مسؤولية شرعية خارج اطار مسؤولياته الفقهية التقليدية، ويفرض على الاتقياء من المؤمنين دفع "حقوهم الشرعية من خمس وزكاة"، يفعل بها ما يشاء هو وحاشيته، مع انها مخصصة للفقراء والمساكين واصلاح شؤون المسلمين.

 

الغاء الشريعة أم فقه الشرعية؟

ثمة سؤال ترتعد له فرائص الفقيه: (هل يمكن الاستغناء عن بعض الأحكام القرآنية؟ وهل يمكن اعادة النظر في فعلية أحكام الشريعة التي صدرت لواقع ما قبل 1400 عام؟،).

لا نقول الغاء الشريعة، لكن نطالب بفقه الشريعة في ظل التحولات الزمانية والمكانية، والأخذ بنظر الاعتبار واقع المسلمين رجالا ونساء، وتقديم قراءة جديدة للدين. والفرق هائل بين الالغاء والفقه. الثاني لا يغادر الشريعة ومبادئ الدين من أجل رؤية متجددة في الفقه. وهذا ما ندعو له.

لا شك ان النفي سيكون جواب الفقيه بلا تردد، ما دام مكبّلا بتقليد السلف، وعدم مخالفة المشهور. ويشكو قصورا في وعي الشريعة ومقاصدها، ويلازمه خوف يفرض عليه الاحتياط في الفتوى بكل انواعها، من أجل براءة ذمته الشخصية، على خلاف مبادئ القرآن في السعة والرحمة. لكن ماذا عن الناس وما يواجهونه من احراجات؟ هذا لا يهمه. وماذا عن مصادرة سماحة الشريعة وسهولتها؟ هنا يصمت الفقيه، متعللا بقواعد اصولية صنعها بنفسه ثم جعلها سلطة عُليا توجه وعيه، وتتحكم بفتاواه، كالاحتياطين العقلي والشرعي، واستصحاب الحرمة وبقاء الأحكام كما هي، الى غير ذلك. والأغرب ان بعض الفقهاء يفتي خلاف قناعته الفقهية مراعاة للمشهور!!!.

اما لو عدنا لمنطق القرآن فسنجد متسعا كبيرا، خاصة والفرق واضح بين الدين والشريعة، والخلود قرآنيا للدين وليس للشريعة. قال تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب" (الشورى: 13).

لكن بخصوص الشريعة يقول تعالى: "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ" (المائدة: 48).

فالدين ثابت، وهو الايمان بوحدانية الله عزوجل وملائكته وكتبه ورسله وعدم التفريق بينهم، كما جاء في الآية الكريمة: "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" (البقرة: 285).

والفرق ان الشريعة تقصد مصلحة الانسان، وقد أقر الفقهاء ان الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، وتتناسب معها طرديا، فترتفع درجة الالزام كلما كانت المصلحة اقوى، والعكس صحيح بالنسبة للحرمة عندما تكون هناك مفسدة. وليست المصالح والمفاسد مطلقة في كل الازمان والاحوال، وانما نسبية، تختلف تبعا لمصالح الفرد والمجتمع. وهذه القاعدة اذا لم تنطبق على جميع الأحكام فانها بلاريب تنطبق على ما يخص التشريعات الشخصية والاجتماعية، كالأحكام الخاصة بالمرأة، او الرق. ناهيك عن الأحكام الولائية والقضايا الخارجية.

كما ان وجود شريعة لكل حقبة زمنية أقرب للعدل والانصاف، وهما مبدآن قرآنيان صريحان، تدور حولهما كثير من الآيات القرآنية.

وعندما ندعو لذلك، نؤكد، ان عملية ترقية الأحكام اضافة الى كونها تراعي المصالح، عملية منضبطة وفقا للمنطق القرآني. فنراه يكرّس السعة والرحمة علة، عندما يستبدل شريعة باخرى او حكما بآخر، كي لا تتحوّل الأحكام الى إصر وغل يعيق حياة الناس، رغم انها لم تكن كذلك عند تشريعها (لانه خلاف العدل والانصاف وخلاف رحمة الله ورأفته بالناس بل فيه ظلم عظيم لهم). وهذا ما تؤكده الآية اذ تقول: (الّذين يتّبعون الرّسول النّبيّ الأمّيّ الّذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التّوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطّيّبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال الّتي كانت عليهم فالّذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتّبعوا النّور الّذي أنزل معه أولئك هم المفلحون). ﴿الاعراف: 157) ..

اذاً نستفيد من الآية امكانية التخلي عن الحكم عندما يتحول الى غل يكبل حركة الفرد والمجتمع. وهذا منطق قرآني سليم، فلماذا لا نهتدي به في فقه الاحكام الشرعية راهنا؟.

ثم بما ان تطور الشرائع سُنة الهية ثابتة، فمجتمعنا أولى بتشريعات تناسب أفقه الجديد (وعيا ودورا ومسؤولية). ولا سبيل لذلك مع انقطاع الوحي، سوى فقه الشريعة في ضوء مقاصدها وغاياتها، والارتكاز الى العقل، والاستفادة من معطيات العلوم الحديثة، وتجارب الأمم، ومراعاة مصالح الناس، والنظر الى المستقبل، والكف عن استفتاء الموتى في واقع لم يعيشوه، واستحضار الماضي والتراث في معالجة مشاكلنا وحاجاتنا. وهذا مبرر عقلائي آخر وفق منطق القرآن الكريم، الذي يتطلع لخير الانسان، ويتحرى اليسر ووضع الاغلال عنهم. وينبغي ان نتذكر دائما لو كانت الشرائع صالحة لكل زمان ومكان لخلدتها الكتب السماوية، لكنها ركزت على الاديان ومبادئها وقيمها وتاريخها ومسارها، واهملت ما يتعلق بالتشريعات، لهدف لا يخطأه الوعي، والعقل المتوقد، فمتى يعي الفقهاء مسؤولياتهم؟؟.

والأهم، يمكن مقاربة الموضوع اصوليا، حيث ان فعلية اي حكم تتوقف على فعلية موضوعه المتوقف اساسا على فعلية جميع شروطه وقرائنه ومقدماته. وعندما نقارن موضوعات الأحكام نجد واقعا مباينا، وامرأة مختلفة وشخصا مغايرا. فالانسان لا يقاس بجسده، والحكم لا ينصب عليه بما هو كائن بشري، والا ما الفرق بين شخص وآخر، حينما نصف الأول مؤمنا، والآخر كافرا او مشركا ونرتب عليهما حكما شرعيا؟ أليس بما يحملانه من أفكار وعقائد ومواقف ومسؤوليات؟ .. فالأحكام لا تقصد المرأة ككائن بشري، وانما تقصدها وعيا وثقافة ودورا ومسؤولية وواقعا اجتماعيا، ولا شك ان المرأة بهذا الفهم هي غيرها في زمن التشريع. فاذا كان اخضاع المرأة للرجل ضمن ضوابط في ذلك الزمان تحريرا لها من واقع أسوء يصادر حيثيتها وكرامتها وانسانيتها، فانه اليوم يُعد عبودية وامتهانا، بعد ان اثبتت جدارتها في كل مناحي الحياة، بل بات الرجل رغم مكابرته يعتمد على عقلها وتدبيرها. فالنظرة الدونية لها باتت ادانة للدين والتراث وسيرة السلف الصالح. فالمرأة ما عادت متخلفة، ولا عورة، بل غدت تنافس الرجل على جميع المستويات، وتتقدم عليه في حبها للأمن والسلام ورفض العنف، واستهجان السلوك الخشن.

المشكلة الأساس، ان الفقهاء يعتقدون ان الأحكام شُرعت دفعة واحدة، ولم تُشرع لمعالجة واقع معين. بينما الحقيقة ان الأحكام في غير العبادات جاءت لمعالجة واقع كان يعيشه الفرد والمجتمع آنذاك، وجميعها من هذه الزاوية تعتبر آنئذٍ قفزات انسانية وحضارية قياسا بما سبقها. فالمرأة التي حكم الشرع لها في ضوء دورها ومكانتها بنصف الإرث مثلا كانت قبل التشريع لا تتقاضى شيئا، بل كانت كمية مهملة في خدمة الرجل ووعاء لشهوته وشبقه، فنصف الارث في وقتها يتناسب مع دورها ومسؤولياتها، اما اليوم فالامر مختلف. وكذلك بالنسبة للرق وأحكامه قياسا لما كانوا يعانونه على يد اسيادهم قبل التشريع، وايضا كثير من الأحكام الأخرى كالقصاص والحدود. لكن اليوم بعد مرور 1400 عام صار ينطبق على بعض الأحكام صفة الغل والإصر، كما ان بعضها الآخر لا موضوع له كي يكون فعليا.

والأهم سيكتشف الفقهاء عند مراجعة اطلاقات الاحكام عدم فعلية جملة منها، وانما ذكرت قرآنيا كتاريخ من سيرة النبي الكريم وما واجهه، وليس المقصود تشريعا ملزما للمسلمين بعده.

ولو اعاد الفقهاء النظر في الجهاد وموضوعه لاكتشفوا ان موضوعه الدين والرسالة، التي انتصرت بصريح القرآن: (اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا)، وقوله تعالى: (اذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا). (وقد كتبت عن هذا الموضوع تفصيلا في كتابي: تحديات العنف). بل كل الحروب بعد النبي الكريم لا يصدق عليها جهادا، وانما صراعات سياسية وتوسع بقرارات شخصية، يتحمل وزرها اصحابها. فلا فعلية اذا لآيات الجهاد لعدم فعلية موضوعه وانتفاء شرطه، اي الحرابة المُفضية لفناء الدين وانهيار الرسالة. والدفاع عن النفس والعرض والقيم والمبادئ والاوطان واجب على الجميع ولا يحتاج الى تحريض ديني، فلا تضللنا سيرة الخلفاء والسلاطين في ايجاد مبررات شرعية لكل حروبهم وغزواتهم من اجل تجنيد الطيبين من الناس وزجهم في معاركهم وفتوحاتهم، لانها حروب شخصية وسياسية. من هنا ينبغي للفقه الحذر في تعامله مع سيرة غير النبي الاكرم، إذ لا حجة شرعا الا لسيرته المتعلقة بالقرآن وأحكامه، حيث قال تعالى "ما آتاكم الرسول فخذوه".

نأمل ان يكون سلوك المتطرفين الاسلاميين والريبة التي تدور حول أحكام الاسلام دافعا لمراجعة مبادئهم ومتبنياتهم الاصولية والفقهية لتدارك الامر قبل فوات الآوان، ولانهم مسؤولون امام الله عزوجل: "فقفوهم انهم مسؤولون". ولا مسؤولية كمسؤولية الفتوى، فالفقيه اما ان يكون مجتهدا لا مقلدا لمن سبقه او يستقيل. وسنبقى بانتظار فقيه يقدم لنا قراءة جديدة للدين وآيات الأحكام، تفقه الكتاب والسيرة النبوية ضمن شرطهما التاريخي. قراءة شجاعة تاخذ بنظر الاعتبار فلسفة التشريع وتاريخ الأحكام، كي نلحق بركب الحضارة وننفض عنا غبار التخلف، كل ذلك في اطار مقاصد الشريعة وغاياتها، بعد تأسيس منهج جديد لتوثيق الروايات، ووضع قواعد اصولية تحقق اكبر قدر من اليسر والانفتاح.

وسيبقى حلال محمد حلالا الى يوم القيامة، وحرامه حراما الى يوم القيامة (كما يريدون) لاننا لا نبغي إلغاء اي حكم، وانما تنتفي الأحكام بانتفاء موضوعاتها تلقائيا، وما علينا الا التأكد من فعلية تلك الموضوعات.

واقصد بالقضايا المحرمة ما ثبت منه صريحا في القرآن، والا فان المحرمات اتخذت مسارا تصاعديا مع فتاوى الفقهاء، بينما هي قرآنيا محدودة، وواضحة، حيث يقول تعالى بالنسبة لحرمة بعض الاطعمة: (قل لاّ أجد في ما أوحي إليّ محرّما على طاعمٍ يطعمه إلاّ أن يكون ميتة أو دما مّسفوحا أو لحم خنزيرٍ فإنّه رجسٌ أو فسقا أهلّ لغير اللّه به فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فإنّ ربّك غفورٌ رّحيمٌ) ﴿الانعام: 145).

وردا على من يقول: (أحكام الله لا تقاس بالعقل)، اقول: "لا فقه لاحكام الله الا بالعقل". ولولا العقل لما كلفنا الله بالامانة، ولولاه لما تحملنا مشقة المسؤولية. وليَعلم الفقهاء ان زمن الاصغاء ولى، ومع تطور العلوم المرتبطة بالنص صار بالامكان فقه ومعرفة مقاصده، اذاً، ليتداركوا الامر قبل فوات الآوان. والله المستعان.

 

نشر في صحيفة المدى البغدادية ايضا

yasser alharakلقد تبين من خلال الأوضاع في سوريا والعراق تحديداً أن الجماعات الإرهابية كانت تنظيم داعش أو النصرة أو غيرهما اكتسحا مدناً كبيرة بحجم الموصل في حين عصت في وجههما قراً صغيرة لا تغزى إلا على جثامين ساكنيها. ترى في المشهد قراً كردية تقاوم بشراسة المد الإرهابي و مدن كبرى تسقط في يد وحوش هذا المد من دون مقاومة الأهالي. وهذا انما يترجم حقيقة وجود مجتمعات حاضنة للإرهاب إن لم نقل أنها تتبنى مبادئ ارهابية في التعبد. وعليه تدعيش هذه المجتمعات هي مسألة وقت فقط. ولقد تكلم الدكتور عدنان إبراهيم بكل صراحة عن عشعشة الإرهاب في النصوص الدينية وامتداد آثاره في المناهج التربوية. و إذا كان دور السلطات المختصة في البلدان الإسلامية إعادة هيكلة المناهج التربوية، فإن طرح النصوص الدينية للنقاش هو دور كل مثقف. وهذا هو الباعث في هذه الورقة على استخراج نموذج لشروحات فرضت على النص القرآني معاني متطرفة أصبحت زبوراً للجماعات الإرهابية في العالم الإسلامي. هذه وقفة مع نموذج الآية الرابعة من سورة محمد.

 

نص الآية والواضح من المعنى

{فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ}.

 

قبل إستعراض الإشكال الحاصل حول شرح أو تفسير هذه الآية بسبب تصرفات المفسرين، من المهم جداً أن نشير إلى حصول إجماع على أن هذه الآية تتعلق بظروف الحرب وتخص المحاربين من المشركين لا المدنيين غير المشاركين في الحرب. وهذا ما عبر عنه بن كثير في مستهل تفسير للآية بقوله: "يقول تعالى مرشداً إلى ما يعتمدونه في حروبهم مع المشركين"1. ويؤيد عدم إهتمام الشريعة الإسلامية بغزو ومحاربة أرباب الديانات الأخرى قيام النبي بإرسال دعوات سلمية إلى زعماء من ديانات أخرى لم يحذرهم فيها بإرسال الجيوش الجرارة، انما كان تحذيره أن عليهم إثم شعوبهم كما هو في نص الرسالة إلى كسرى المشهور والذي جاء فيه:" (..) فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فإن تسلم تسلم، وإن أبيت فإن إثم المجوس عليك."2. وهذا دليل واضح على أن الإسلام دين دعوة وليس دين دولة كونية في شكل خلافة كما يزعم البعض.

من الواضح أن الحديث عن ضرب الأعناق في حرب السيوف في القرن السادس للميلاد له علاقة بالتغلب على الخصم. في الآية يوجد شرط و تقييد لضرب الأعناق في الحرب. الشرط هو "إذا لقيتم" والقيد هو "حتى إذا أثخنتموهم". ويشتهر في قواميس اللغة العربية كون فعل لقِي له استعمالات متعددة منها "لقِي عدوَّه" أي قاتله وحاربه. هنا يكون إشتعال الحرب بين جيشين شرط لضرب الأعناق وليس كما كان يفعل في بعض الأحداث التاريخية وبرر له المفسرون ما أدى إلى إستعمال التطرف المعاصر لهذه التبريرات كما سنرى. ثم إن اثخان العدو موجب لإيقاف العدوان وإما العفو عن الأسرى أو الشروع في عمليات تبادلهم حتى إذا لم تكن الحرب منتهية بصفة نهائية لورود حديث المن والفداء قبل أن تضع الحرب أوزارها. فإذن الآية تأذن بالهجوم في حالة حصول الحرب بالطريقة المتعارف عليها في حينها مشجعة على وقف الهجوم عند التغلب حتى إذا لم يعن ذلك إنتهاء الحرب محاولة جعل المن والفداء خاتمة للحرب. وهذا هو بسيط المعنى الذي سنرى كيف تكلف في تعقيده المفسرون لأهداف أو لمصالح لا يسعنا التطرق لها في هذه الورقة.

 

تعقيدات المفسرين وابتداع التطرف

مما جيء به وتم ادخاله لغاية قول عدد من المفسرين أن هذه الآية نسخت لإبطال شق العفو عن الأسرى أو مبادلتهم. وكذلك تفنن المفسرون في تحييد عبارة "ضرب الرقاب" عن معناها الطبيعي والمعقول المتماشي مع مبادئ الدين الإسلامي لتصبح تبريرا مقدساً لممارسة طقوس ذبح الإنسان الهمجية التي عرفها التاريخ الإسلامي وايذاناً للتمثيل بالجثث. وهذا أمر ملحوظ على أرض الواقع في ممارسات التيارات الإسلامية المتطرفة التي تتشبث باجتهادات السلف. فقال بن كثير أن الآية منسوخة و ينسخ معها التشجيع على مبادلة الاسرى أو العفو عنهم نسختها آية تعطي للحاكم الحق بإعدام الأسرى إن شاء. والآية الناسخة هي: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}3. وتحتاج الآية الناسخة بحثاً مخصصاً نلخص الحجة التي تدحض سوء إستعمال هذه الآية للتأسيس لنظرية دار حرب المخالفين في الديانة فيما يلي:

1- لا يوجد من المفسرين من نفى تشجيع الإسلام على فضيلة العفو. فما دام العفو عن الأسرى يدخل تحت العنوان الشامل للعفو فإن تشجيع الآية الأولى عليه مسألة ثابتة وباقية ما بقي العفو مما يشجع عليه الإسلام.

2- القول إن الإسلام يأمر بقتل المشركين حيثما وجدوا إستناداً على آية السيف، وأنها شرعت تدابير زمن التمكين ناسخة تدابير زمن الاستضعاف لا يصمد لثبوت عفو النبي عن الطلقاء وهو المهيمن على الوضع بعد تحرير مكة.

3- إعطاء الأسبقية لآية السيف والقول بأنها نسخت ما قبلها قول خطير يجعلها تنسخ معظم القرآن وتتناقض معه وتجعل الإسلام دين السيف. فمثلاً يشرح القرآن الموت والحياة فيقول: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}4. وآية السيف كما شرحها الإسلام السياسي العتيق وإن افترضنا جدلاً أنها تنسخ التدابير العسكرية والمبادئ الأخلاقية فإنه لا يمكن الإعتقاد بأنها تنسخ علة الخلق التي هي الإبتلاء. والابتلاء موجب لإمتلاك الارادة وامتلاك الإرادة موجب لحرية المعتقد.

4 - في زمن توازن القوى النووية لا يمكن تطبيق آية السيف. وعلى إفتراض وجود حاكم إسلامي نووي، فإنه لا يمكن له أن يغير على المشركين لأن في ذلك فناء الإسلام والمسلمين والمشركين معاً.

وإذا كان القرآن صالح لكل الأزمان فإما هذه الآية ليست صالحة لهذا الزمن أو أنها لا تعني ما قدمه المفسرون.

وهناك نقاط أخرى حول آية السيف تناقش في محلها.

من الغريب أنه رغم ذكر بن كثير أن معظم المفسرين نفوا نسخ آية {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} بآية السيف، فإن الشافعي في تفسير بن كثير يقول بأن للحاكم أن يقتل الأسير إن شاء أو يستعبده! ومن طريف ما جاء به القرطبي قوله في عبارة فضرب الرقاب: "وقال {فضرب الرقاب} ولم يقل فاقتلوهم، لأن في العبارة بضرب الرقاب من الغلظة والشدة ما ليس في لفظ القتل، لما فيه من تصوير القتل بأشنع صوره، وهو حز العنق وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وعلوه وأوجه أعضائه"5. أي أن القرآن يشجع على ممارسة القتل ليس بالطريقة المتعارف عليها في القرن السادس للميلاد، بل إنه يشجع على القتل بأبشع صوره. من هنا نستنتج أن الاستعباد والقتل بأبشع صوره يوجد له مبرر ديني في تفاسير أقدس كتاب عند المسلمين الذي هو القرآن.

القضية لا تقف عند التبرير فقط، بل إننا لما نقرئ التفسير نستشعر نزعة تحريضية مجنونة على قتل الإنسانية حتى تدخل في الإسلام وقتلها بطريقة بشعة لا أساس لها في مبادئ الإسلام السمحة. ويكفي دليلاً على عدم إسلامية ما لفقه المفسرون حول معاني القرآن أنك تجد أقرب الناس إلى الرسول، والأعلم بين تلامذته بإجماع الجميع الإمام علي بن طالب له سيرة خالية من البدع المتطرفة التي ذكرها المفسرون. ولو كانت محاربة أهل الديانات الأخرى واجب على نحو الابتداء وفرض الإسلام بالقهر والقتل بأبشع صوره من الإسلام لكان الإمام علي أول الممارسين. لكن حدوث هذه الممارسات من أطراف امتلكت الحبر والريشة والورق جعل من الممكن إيجاد و إدخال تفسيرات لممارسات حادثة على القرآن كي لا يقدح في اصحابها.

إن وجود مجتمعات بأكملها تحتضن الإرهاب الديني في منطقتنا ليس بصدفة. إن القضية تتعلق بنشأة المجتمعات وتطبعها مع نمط ديني تعبدي فيه من صور الإرهاب والتطرف ما أصبحنا نرى انعكاساته على أرض الواقع. ولا تنفع الضربات الجوية في إقتلاع جذور الإرهاب، كما لا تنفع التجربة الديموقراطية في مجتمعات تربت على ثقافة الموت. إن الإرهاب الديني في صورته الإسلامية يحارب في القرن السادس للميلاد ويحارب فيما يسمى بالعصر الذهبي وعصر المماليك. المنطقة الإسلامية في حاجة إلى ثورة ثقافية شاملة وشجاعة تعيد كتابة التاريخ بأيادٍ مستقلة عن السياسة وعن السلطة. إن للتطرف الديني في التاريخ لبالونات قد انتفخت وحان وقت فرقعتها.  

 

........................

1. تفسير إبن كثير، آية 4 ، سورة محمد (النسخة الإلكترونيات العالمية).

2. البداية والنهاية، الجز4، بعثه إلى كسرى ملك الفرس.

3. التوبة، آية 5.

4. الملك، آية 2.

5. تفسير القرطبي، آية 4 ، سورة محمد (النسخة الإلكترونيات العالمية).

abdalla alfafiإذا سأل سائل: ما الذي يُعجب كائنًا من الجِنّ في التلبّس بكائن من الإنس، حسب التفكير الشعبي العربيّ؟ فلن يجد مجيبًا. غير أن العقل الخرافي مهيّأ بطبيعته لتقبّل أيّ أكذوبة، وبسعة رأس. فلو قيل إن الجِنّ يؤذون الإنس، لربما بدا ذلك معقولًا، عند غير المؤمن على الأقل، ولكن الثقافة الشعبيَّة مصرّة على أنهم يدخلون الأجساد، هكذا بكلّ سهولة! أمّا كيف، فألغ عقلك لتفهم، أو بالأصح لكي تستسيغ الفكرة؛ لأنها لا تُستساغ بحضور العقل! وإنما هي العقيدة الروحانيَّة القديمة، التي كان العربُ بسسب تصوّرها يُقدِّسون بعضَ الناس، وبعضَ الحيوان، وبعضَ الشجر، وبعضَ الحجر، اعتقادًا بأن أرواحًا مقدَّسة قد حلَّت في تلك الأشياء؛ والمقدَّس إنْ دخل شيئًا من الطبيعة قدَّسه، أي أكسبه القُدسيَّة، في تصوُّر القوم. هي، إذن، (فكرة الحلول) نفسها، التي وظّفها كلّ صاحب اعتقادٍ حسب اعتقاده، من حلول أرواح مقدَّسة إلى حلول أرواح شريرة إلى حلول الله سبحانه، لدى من زعموا ذلك الزعم.(1)

قالوا: بل وقد يُجامِع الجِنُّ الإنسَ!

وإلى هنا يبلغ سيل المَخْرَقة الزُّبَى! يقولون هذا، ونصّ القرآن يقول: «وخَلَقَ الجَانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ». ومن ثمّ فأحد أمرين: إمّا أن نصدِّق مَن يدّعي ذلك، فنكذِّب الآية، أو أن نصدِّق الآية والعقل، ونكذِّب المُبْطِلين، من ذوي العقل المخطوف. وهناك خيار ثالث، هو في الواقع الخيار المثالي عند هؤلاء، أن لا تكون لنا عقول كي نصدِّق أيَّما كلام يُقال، من قبيل أن مارجًا من نار بإمكانه أن يدخل بين لحمٍ ودمٍ دون أن يُحيِل الإنسان في ثوانٍ إلى (كباب)، أو إلى (شاورما)، بل إلى فحمٍ لا لحم! وكلّ عاقل- وليس المؤمن وحده- بإمكانه أن يجد من الثقة ما يدحض به مثل هذه الافتراءات؛ مدركًا أن الحكاية كذبٌ كلّها في كذبٍ ودجلٌ في دجل! فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا؟!

من حقّ كلّ عقلٍ أن يُراجع المزاعم المؤبَّدة تلك؛ لأن القرآن- قبل كلّ كتاب- يُخبِر أن الجانّ من نار، بل من مارجٍ من نار، أي من نارٍ مندلعة اللَّهَب والسطوع، وهذا معنى «مارج النار». أ فَـيَفْـقَه حديثًا- لغويًّا أو منطقيًّا أو قرآنيًّا- مَن يظلّ يهذي بعد هذا أن بالإمكان أن يُداخل جسدَ إنسان مارجٌ من نار، ويبقى متعايشًا معه، وكأنه مجرَّد حَمْلٍ أو طعامٍ أو ماء؟! لا سبيل هنا إلّا بإلغاء النصّ الواضح الصريح، أو تأوُّله كالعادة، للتحايل عليه من أجل مروياتٍ جاهليَّةٍ وأفكارٍ خرافيَّةٍ راسخة، أو ابتداع اجتهادات غريبة؛ توفيقًا بين الأُسطورة والعِلْم، لا لشيء إلّا لتمرير فكرةٍ قديمةٍ بالية، باتت من أثبت الثوابت، التي لم تخرج من الرأس العربي منذ ما قبل الإسلام إلى اليوم حول هذه المسألة.. والرأس العربي، في مثل هذا الأمر، «عَهْدُه بالفاليات قديم»!  

ويجدر التصريح في هذا السياق من الطرح أن القائلين بأن «لا عقل في الدِّين» إنما هم في حقيقة أمرهم أتباع الدِّيانات الباطلة في كلّ زمانٍ ومكان. فالقائل بأن «لا عقل في الدِّين» هو نفسه ذلك الأعرابي الذي كان يصنع إلاهًا من تَمْرٍ، حتى إذا جاع التهم إلاهه! ولئن سألته ما هذا السَّفَه؟ ليقولنّ لك: «لا عقل في الدِّين»! الدِّين اعتقادٌ أعمَى، أحمق، إذن! وبذا فكلّ الأديان صحيحة، ولن تقوم حُجَّة ببطلان دِينٍ أبدًا. فما دُمتَ قد أسقطتَ العقل، فقد باتت كلّ الدِّيانات والمِلل والنِّحَل- من الهند إلى أمريكا اللاتينيَّة- سواء في إمكانيَّة الاعتناق، والتسليم بمشروعيَّة الاعتقاد! والعجيب في هذه الجرأة الفاحشة على الاستخفاف بالعقل وبخالق العقل ووظيفة العقل- إنْ في الوجود أو في ما بعد الوجود- أن القرآن الكريم يُلقَى ظِهريًّا لدى القائل بأن «الدِّين ليس بالعقل»! لأن القرآن جاء، لا ليقول بأن «لا عقل في الدِّين»، بل ليقول العكس تمامًا؛ فيكرِّر ويؤكِّد أن الدِّين بالعقل، وأنه ما صرف الناس عن الهُدَى إلّا تنحية العقل، وأن مفتاح معرفة الحقّ دائمًا هو العقل والتفكُّر والتدبُّر. «فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّـهِ وآيَاتِهِ يُؤْمِنُون؟!» كما أن القرآن لم يلتفت قطّ إلى تلك الترّهات جميعها التي خاض فيها الخائضون من شأن الجِنّ وعدوانهم على عواصم المسلمين وخصوصيّاتهم على مرِّ العصور، فشغلوا البشر، وأفسدوا عقولهم وعقائدهم. أجل، إن القرآن لم يجعل لها أيّ وزنٍ، لا في اعتقادٍ، ولا في عملٍ، ولا في تصوُّر.

فمن أين جاء ذلك الوباء كلّه؟

من جاهليَّة ما قبل الإسلام!

تفصيل ذلك أن المسألة أصلها، وبيت الداء فيها، يكمن في أمرين:

أوّلهما، رواياتٌ وسِيَرٌ وأخبار- كان أوّل من نهى عن تدوينها والانشغال بها محمَّد، عليه الصلاة السلام، وخلفاؤه الأوّلون- أفسدت العقول والنفوس وشوَّهت صورة الإسلام بعامَّة، لدى المسلمين قبل غير المسلمين؛ تناسلت في غضون الصراعات السياسيَّة والمعرفيَّة والفكريَّة منذ عصر بني أُميَّة، منتجةً تراثًا من الرُّكام الغريب، ما تزال الأُمَّة المسلمة- المستلَبة بجهلها المغلوبة على عقلها المبتزَّة بأساطين استغفالها- ترزح تحت نِيره إلى اليوم، أُلْبِسَ لبوس القداسة والأسلمة، ثمّ خَلَفَ خَلْفٌ اعتنقه وسلَّم به مغمض البصر والبصيرة. وكان على رأس قائمة ذلك الرُّكام عنوان عريض، يقول: «لا للعقل!»، وعنوان فرعي يقول: «من فَكَّرَ، كَفَر!»

وثاني تلكما العلَّتين، في مسألة التلبُّس تحديدًا، أن العرب ما انفكّوا يعبدون الجِنّ. تلك حقيقة مخزية! نعم، إن العرب ما انفكّوا يعبدون الجِنّ، أو قل يُجِلُّون الجِنّ ويخافونهم ويتقرَّبون إليهم ويعملون لهم ألف حساب، منذ الجاهليَّة حتى اليوم، ومن (المدينة المنورة)- حيث حكايات الجِنّ والسِّحر المتوالية المشهورة- حتى (جبال الأطلس) في (المغرب)، حيث مَلِك ملوك الجِنّ (شمهروش)، الذي يقصده القاصدون زرافات ووحدانًا على ظهور الحمير لتجديد مبايعته، وولائهم لمملكته، وطلب الشفاء منه!(2) ما لهم كيف يُفكِّرون ويحكمون، بل ما لهم كيف يُؤمنون؟! ولا لوم على أشباه الناس، ممَّن هم كالأنعام بل هم أضلّ سبيلًا، بل اللَّوم كلّ اللَّوم على الدُّوَل، وعلى المؤسَّسات، دِينيَّة، وتعليميَّة، وثقافيَّة، وتوعويَّة، في البلدان التي ترتع فيها تلك الخزعبلات. وما من بلدٍ عربيٍّ ولا مسلمٍ إلّا وهو غارقٌ في مستنقعاتها، بدرجةٍ أو بأخرى. تلك الدُّوَل بمؤسَّساتها، القابعة تتفرَّج على انتهاك حقوق العقل، الذي كرّم الله به الإنسان، جهارًا نهارًا، وهي شاغلة منشغلة بتوافه القضايا والأحداث. أ عن غفلةٍ ذلك أم عن قصد؟! ثمّ لا نستحيي أن نسأل: لِمَ نحن متخلِّفون؟ لِمَ نحن نُتخطّف في تلك اتجاه؟ لِمَ نحن نُفرِّخ للعالم دواجن الإرهاب والعَتَه والعاهات البشريَّة؟ لِمَ إنساننا منحطٌّ حتى عن درجة الحيوانيَّة؟ لِمَ؟ ولِمَ؟ ولِمَ؟ وما الذي يُرجَى من إنسانٍ نشأ دابَّةً، وعاش دابَّةً، لا كرامةَ، ولا فؤادَ، ولا عقل. ربما كانت تلك سياسة ناجعة حكيمة لاقتياد الشعوب كالسائمة، إذن. فما دام هذا الإنسان محكومًا بشمهروش وزبانيته، فيا له من مواطنٍ صالحٍ، مسالمٍ، تابعٍ لكلِّ الشماريش في الأرض، من جِنٍّ وإنس!

 

أ.د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

......................

(1) في القرن العشرين ظهر على الناس شيخ اسمه (علي بن مشرف العمري)، بوصفه راقيًا من الجِنّ، وانتشرت تسجيلاته إذ ذاك، وهو يتفل تارةً ويصيح تارةً أخرى أو يضرب، والمريض يهذي ويصيح بدَوره! وبطبيعة الحال، في أجواء كتلك من التهويل والإيهام والاستيهام والتفل والصراخ والضرب، سيُجَنّ العاقل ويركبه ألف عفريت من الإنس قبل الجن! ولقد أثارت تلك التسجيلات «فتنة» كبرى- بحسب المصطلح الفقهي لدى فقهاء الفتنة- واستخفّت عقول كثير من ضعفاء العقول والنفوس. وكانت بلبلة عظيمة غير مسبوقة في جزيرة العرب، حسب علمي؛ لأن أحفاد من «كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مؤْمِنُون»، قد تشرّبوا هذه الثقافة منذ الجاهليَّة الأولى إلى اليوم. ثمّ ها هو الشيخ ذا يتراجع عن ذلك الفكر الضالّ المضلّ، ويعترف عن تجربةٍ بأن الأمر استغفالٌ صريح للناس وكذبٌ في كذب. ولا شكّ أن هناك من المنتفعين ماديًّا واجتماعيًّا، الحريصين على استدامة الجهل وتغييب العقول بين الناس، مَن نقموا على الشيخ رجوعه إلى الحقّ وعدوله إلى العقل، ولا سيما أن سوق هؤلاء المتاجرين بالعقول اليوم أكثر رواجًا في عصر الوسائط الحديثة من عصر «الكسيت» أيّام جِنّ العمري القدماء، وهؤلاء المنتفعون يحملون رسالة في نشر الخرافات والأوهام والأباطيل عبر التقنية الحديثة، من القنوات الفضائيَّة إلى «الواتساب». وهم بلا ريب أخطر من مروِّجي المخدِّرات، عقيدةً وعقلانيَّةً، وأجدر بسدّ دكاكين شعوذاتهم، لو كانت ثمّة جِدِّيَّة في حمل الناس على الحق، وحماية العامَّة من هرطقات السفهاء!

شاهِد شهادة الشيخ في موضوع الجِنّ والمشتغلين بهم على هذا الرابط:  

http://www.youtube.com/watch?v=3ON0SB0kGpw

(2) عن شمهروش عرضَ (مركز تلفزيون الشرق الأوسط MBC) تقريرًا فاضحًا عن حالة العرب وعقولهم، على الرابط الآتي:

http://www.youtube.com/watch?v=bGOsEBYgdSI

abdulah alfyfyiمن شياطين الثقافات سلَفٌ يتبعهم خَلَف. ومعادلات الخير والشر، والحقّ والباطل، تقتضي الإمعان والتدبّر، وإلّا طاشت البواصل سواء السبيل، ونحن نحسب أنها تُحسن صُنعًا. وبتأمّل الآيات في هذا الصدد يتّضح أن الحُجَّة المزجاة من أجل عبوديَّة التقاليد تأتي عادةَ باسم «الآثار» المقتفاة، و«القدوة» و«الاقتداء»: «وإِنَّا على آثَارِهِم مُقْتَدُون». بلفظٍ آخر تأتي الحُجَّة باسم «المأثور الشعبي»، و«التراث»، و«الماضي»، و«العادات والتقليد»، وهلمّ جرًّا بهذه السلسلة الذهبيَّة في خطابنا الثقافي. وكما كان أهل الجاهليَّة يتديَّنون بدِين الآباء والأجداد، وكما اتَّخذ اليهود والنصارى أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، انحدر حال المسلمين إلى مثل ذلك. فلم يعد المرجع كتاب الله، ولا هدي رسوله الثابت- على كثرة ما عبث به العابثون عبر العصور، فوُضع فيه وكُذب لأسباب سياسيّة أو اجتماعيّة- وإنما صار المرجع قال الإمام فلان، وروى حجة الإسلام علان. حتى إنك لتجد من الحشويَّة اليوم من يسعى في الأرض سعيًّا لعلّه يهيمن بالمرويّات تلك على صريح النصّ القرآني، كما تجد مَن يُحكِّم فُهوم السلف، وبعض الخَلَف التوابع، في النصّ الواضح الصريح من كلامٍ يقرّ هو أنه كلام الله. وعبادة السَّلَف (Ancestor-worship) داءٌ قديم، لدى العرب وغير العرب. وهو مستمرّ لدى كثير من الأمم الوثنية حتى أيامنا هذه، كما في الصين واليابان، على سبيل المثال.(1) آية ذلك أنْ قد عزَّ اليوم من يتجرّد من هذه التبعيَّة العمياء المقيتة، ونَدَرَ مَن يحتجّ بالنصّ الذي «يُسِّر للذِّكر»؛ لأن الحُجج الإسلاميَّة باتت جاهزة، ولم يعُد لقراءةٍ أو عقلٍ وظيفة، وأئمتها باتوا أحبار الأُمّة- وشِبه أربابها- منذ عصور الانحطاط، في القرن السابع من الهجرة. أولئك الأئمّة- الذين جعلونا سَلَفًا ومَثَلًا للآخرين- من أبناء تلك العصور التي لا مبالغة في وصفها بالانحطاط، على الرغم من ظهور أفراد أفذاذ خلالها هنا وهناك؛ لأن الحُكم ليس على الأفراد بل على الأُمّة. انحطاط في اللغة(2)، والفِكر، والعِلْم، والأدب. وقد كانت تلك العصور هي العصور التأسيسيَّة لانحطاطنا العربي المستمرّ. ولا غرو، فهي عصور الهرطقة، والشعوذات الفكريّة، والدِّينيّة، و«شموس المعارف» الوهميّة. ولا غرو، فهي عصور (مُحْيي الدِّين بن عربي)، و(فريد الدِّين العطّار)، و(جلال الدِّين الرومي)، و(شمس الدِّين التبريزي)، قدسّ الله أسرارهم أجمعين! هي عصورهم، وعصور أضرابهم من مهاويس المتصوّفة، والمتصوّحة أذهانهم، إلّا من الهذيان التهويمي الشاعري وراء سراب الكلمات والخيالات، مختلِطًا في خضمّ ذلك العربي والأعجمي من الثقافة والقِيَم، ومقترنًا بـ«الدِّين» بإلحاحٍ دائمًا، كما يتّضح من ألقاب أعيانهم، ما بين مُحْيٍ، وفريدٍ، وجلالٍ، وشمس. يقول «مولانا!» (الرومي)، في إحدى رباعيّاته:

«عندما اشتعلتْ نيران الحُبّ بصدري

أحرق لهيبُها كلَّ ما كان في قلبي

فازدريتُ العقلَ الدقيقَ، والمدرسةَ، والكتابَ

وعملتُ على اكتساب صناعة الشِّعر، وتعلَّمت النَّظْم.»

أجل، إنه ازدراء العقل والعِلْم، بعد إدخال العطالة الذهنيَّة على إسلام العقلانيَّة، والبطالة الحضاريَّة على إسلام العمل والسعي في مناكب الحياة، وتحويل التديّن إلى محض تمتمات وتمائم ودروشة! لكن أولئك الانحطاطيّين- بمقاييس العقل- ظلّوا نجومًا يُهتدى بها شَعبويًّا، وتحوّلوا- في دهماء ما زالت تقتات عليهم حتى اليوم- إلى أئمَّة، وأولياء، وعارفين، وأنبياء، وذوي كرامات لا يُشقّ لها غبار. يلهث وراء غبارهم المُريدون، ويُقيمون على أضرحتهم القباب، التي تُنفَق عليها الدراهم بلا حساب، لتقصدها سائمة البشر من كلّ حدبٍ وصوب للتمسّح والتبرّك والاستشفاء، ودفع الأموال لأحفاد هؤلاء من الدجاجلة. وهل فكرة الأولياء إلّا فكرة الأصنام نفسها، المتَّخذة زُلفى إلى الله، ولكن في أزياء إسلاميّة؟! ذلك أن الأُمم البدائيَّة تعتقد أن الآلهة في معزلٍ عن عُبّادها، ولا بُدَّ من تجسير الهُوَّة بين العالَمَين، عالم الآلهة وعالم المؤلِّهين، عبر الوسطاء، والشفعاء، والحُجّاب، ومديري الأعمال الإلاهيَّة، وموظَّفي «السكرتاريَّة» السماويَّة. فهذا مرقد (زينب)، وذاك مرقد (الحُسين)، وذاك مرقد (عليّ). وهي- كما ترى- «مراقد» لا «مقابر»؛ أهلها راقدون فقط، كما كانوا في حيواتهم يرقدون، اعتقادًا في استمرار فعلهم في أمور عُبّادهم وإدارتهم شؤونهم. وفي المقابل هناك ضريح (المرسي أبي العباس)، وثمة قبر (سيدي عبدالقادر)... و«ما أظنّ أديمَ الأرض إلّا من هذه الأجسادِ»! وابذعرَّت الأنصابُ والأزلامُ والأصنامُ في عرض البلاد وطولها، يطوف بها أحفاد الوثنيِّين إلى اليوم ويسعون، ويتمسَّحون بأعتباها، وينذرون لها النذور، ويذبحون لها العتائر، ويقدِّسونها تقديسًا، لو رآه (أبو جهل) لدخل من فوره في الإسلام الذي جاء به محمّد من هول ما يرى من الانحطاط العقلي، فضلًا عن انحطاط الاعتقاد، الذي آلت إليه الحال! ولربما رُفِع أولئك الأولياء لدى أتباعهم فوق الأنبياء درجات، ونُسبت إليهم خوارق تستخفّ بالعقل والدِّين معًا، ما فتئت تُصدِّقها بعض الرؤوس الهواء.

-2-

ويظلّ الإنسان أكبر شياطين نفسه، وبني جنسه، وربما غير بني جنسه أيضًا. وكثيرًا ما يحمَّل إبليس في ثقافتنا ذنوبًا لا ذنب له فيها، وإنْ كانت تسرّه، بطبيعة معناه. ذاك أن أُفهوم الشيطان عمومًا قد يعني نوازع الشرّ والهوى في النفس البشريَّة، كما يعني رفقاء السوء، وخلطاء الباطل، ومواريث الخزعبلات. ولذا يشير القرآن إلى شياطين الجن والإنس. «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ، يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا، وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ؛ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون»، «وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا، قَالُوا: آمَنَّا، وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ، قَالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ، إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُون». وكلّ ما أغواك فهو شيطانك، وإنْ لم يكن إبليس «شخصيًّا»! وقد يُطلِق القرآن «الشياطين» على القُوى الطبيعيَّة النشطة والخارقة أيضًا، أو على «الجِنّ»، بحسب تفسير «الشياطين» المسخَّرة للنبي سليمان في كتب التفسير: «ولِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً، تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا، وكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ. ومِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ ويَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ، وكُنَّا لَهُمْ حَافِظِين». فشياطين سليمان ليسوا أبالسة قطعًا، وما كان لإبليس وذرِّيَّته أن يخدموا أنبياء الله. وبذا فإن كلّ إبليسٍ شيطانٌ، وهو جِنِّيُّ الأصل، وليس كلُّ جِنِّيٍّ إبليسًا، ولا كلُّ شيطانٍ جِنِّيًّا أو إبليسًا، كذلك.  

-3-

مذ ذلك التاريخ الظلامي لم يعُد من غايةٍ للمسلم، إذن، إلّا أن يدور بأكناف صنمٍ من تلكم الأصنام. وما عليه إلّا أن يغرف من تلك البُحيرات الآسنة. وذلك لديه غاية الدِّين، ومنتهى العِلْم، كيما يصبح إمامًا معمَّمًا بدوره لمَن بعده، يتبعه المُريدون، في سلسلةٍ ذرعها سبع مئة سنة من التخلّف، ثم إلى ما شاء الله! لا عقل بات يعمل، ولا نقل بات يُجدي، ولا نصّ بقي له احترام، ولو كان نصّ الله الكريم! وهي تبعيَّة جاهليَّة، وتقليديَّة خرقاء، إنْ كان من تقليديَّةٍ غير خرقاء، أَشْوَهُ وجهًا من تبعيَّات الأُمم السالفة، التي جاء الإسلام ليحرِّر البشر من ضلالاتها وغلوائها. والمحكّ لدى تلك العقليَّة أن ذلك ما أَلْفَتْ عليه آباءها، ولا يعنيها بعد هذا أن تستخدم عقولها التي في الرؤوس، ولا ما إذا كان ما أَلْفَتْهُ حقًّا أم باطلًا، صالحًا أم طالحًا، صحيحًا أم زائفًا، يقبله العقل أو الدِّين أم لا يقبلانه، كلّ ذلك لا يشغل التفكير: «بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا، أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُون؟!»

 

أ.د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

........................

1) يُنظر: مُحْيي الدِّين، عليّ الدِّين، (1984)، «عبادة الأرواح (القُوَى الخفيّة) في المجتمع العربي الجاهلي»، (بحث ضمن: الندوة العالمية الثانية لدراسات تاريخ الجزيرة العربيَّة، الكتاب الثاني- الجزيرة العربيَّة قبل الإسلام: ص ص153- 164)، (الرياض: جامعة الملك سعود)، 155.

(2) واللغة هي أساسٌ في كلّ حضارةٍ أو تنمية. وإغفال هذا الجانب ما زال في عالمنا العربي، لا بل آل الإغفال إلى تدميرٍ متعمَّدٍ للغة العربيَّة. وكأن أُمّتنا لا ترى العالَم من حولها، ولا تُبصر آليّات التنمية لديه، كيف نشأت وكيف تطوَّرت. لا ترى اليابان أين كان وأين أصبح؟ وأين كنّا نحن، وأين أمسينا؟ وأن اللغة كانت أُولى القواعد التي أرساها اليابانيّون، اعتدادًا وترجمةً. لا، أُمّتنا ترى وتسمع، لكنها مغلوبةٌ على أمرها، مهزومةٌ، مستلَبة

majed algarbawia

لا مشكلة في الانتساب لطائفة معينة، نعتز بانتمائنا لها، ونفتخر بتاريخها ورموزها، ونتمسك بمذهبها العقائدي والفقهي، خاصة وأن الدين بعد وفاة الرسول تشظى الى طوائف وفرق ومذاهب، كل له مبادئه وآراؤه، ومتبنياته العقائدية والفكرية، وإنما المشكلة في وعينا لهذا الانتماء، عندما نعتقد أننا على حق مطلق وغيرنا على باطل مطلق، يحق لنا نبذه وتكفيره، وجواز قتله، باعتباره من أهل النار، مرتدا أو منحرفا أو مشركا أو كافرا. لا يشاركنا في الحقيقة ولا بجزئها. فلم يشهد التاريخ كذبة مدوية كـ "الانتماء الطائفي". كذبة استغلها رجلا الدين والسياسة، فكانت وقود الصراعات على طول التاريخ، حتى راح ضحيتها اعدادغفيرة من الناس الطيبين والبسطاء، بعد ان تمزقت شعوب كانت متماسكة لولا هذه الآفة البغيضة.

واعني بـ "الانتماء الطائفي"، شعور الفرد بالانتماء لطائفة بعينها على أساس أحقيتها، وامتلاكها الحقيقة دون غيرها، حتى تصبح الطائفة المقوّم الأساس لهويته، بل أن البعض لا يرى في هويته سوى إنتمائه الطائفي، ويرى نفسه في اتحاد وتماهي كامل معها. من هنا راح كل من رجل الدين والسياسة يوظّف "الانتماء الطائفي" باتجاهين: داخلي، لتعميق الأواصر وخلق روح من التماسك والانسجام. وخارجي، للتحريض ضد الأخر الخصم والعدو. وبالتالي فالطائفي هو حطب معركة رجل الدين والسياسة وهو الخاسر الوحيد من خلال حجم التضحيات، التي تتناسب مع حجم ايمانه بثوابت ومقولات طائفته.

ويمتاز "الانتماء الطائفي" عن غيره من النوازع ببعده العقائدي، الفكري، الديني، وقدرته على تعبئة وتجييش المشاعر الفردية والجماعية، وهذا لا يتحقق حتى بالنسبة للانتماء القومي إلا نادرا. فالشعور الطائفي أقوى وأقدر على استنهاض الهمم الدفاعية والقتالية. فقد يتنازل الإنسان عن جزء من وطنه أو يتراخى في الدفاع عنه، لكنه لا يتكاسل في الذب عن طائفته، والدفاع عن معتقداته، مهما كانت واهية وبسيطة.

و"الانتماء الطائفي" في مخاضه فكرة بسيطة ثم تتضخم بفعل تراكم التهويل والأوهام، وعادة يلجأ له المتصارعون سياسيا، للمحافظة على كيانهم السياسي، ثم يأخذ طابعا فكريا – عقائديا تُرسخ جذوره دينيا بمرور الزمن، حتى يتحول "الانتماء الطائفي" الى منظومة قيم ومفاهيم عقائدية – فكرية. ويبدأ التأسيس العقائدي من الرأس، من القائد والرجل الأول فتُنسج حوله حكايات وقصص، تمنحه بعدا أسطوريا، وتضفي على سلوكه شرعية مطلقة، وتصبح تحركاته (نجاحاته وانكساراته) مقدّرة في عالم الغيب. ثم بمرور الزمن يتواصل التراكم (معجزات، كرامات، مظلوميات، خوارق للطبيعة، علم بالغيب، عدالة مثالية، مناصب الهية ...)، فيغدو كل ذلك حقائق مطلقة ومقدسة، ترسم معالم هوية الانتماء الطائفي، وبالتالي عندما تتفحص أي انتماء طائفي تجده مليئا بأساطير ترسخت بمرور الزمن فغدت حقائق في أذهان معتنقيها، فيستحيل التشكيك بها، بل وتصبح هي المعالم الحقيقية لهذه الطائفة أو تلك. وتارة تصل الهشاشة في تلك المرتكزات العقائدية الى درجة أن أي مقاربة تاريخية تطيح بكل مقوماتها، لهذا يتفادى خطباء الطائفة ومتكلموها أي مقاربة خاصة ضمن المناهج العلمية في قراءة التاريخ والحوادث التاريخية.

والغريب رغم تناقض الأفكار والمعتقدات بين الطوائف (السنة والشيعة) أو (الكاثوليك والارذودكس) مثلا، إلا أن كل طائفة تعتقد أنها على حق مطلق، والآخر باطل مطلق، وكل طائفة تعتقد هي الفرقة الناجية يوم القيامة، وغيرها مخّلد في النار. دون الالتفات الى حجم الأوهام والأكاذيب في منظومة القيم والمعتقدات. والمشكلة الحقيقية عندما تدفع تلك الأوهام باتجاه التنابذ والكراهية والاحتراب.

أن وعي الحقيقة بحاجة الى قدرات عقلية وجرأة تتحدى الممنوع والمقدس، وتتوغل في اعماق الفكرة والمعتقد بعد مقاربات تاريخية جادة، حينذاك سيكتشف الفرد حجم الوهم والأساطير في مساحة واسعة من معتقداته، وهذا كان أول خطوة على طريق التصالح بين الكاثوليك والارذودكس. لكن ما زال السيف يقطع وتين المخالف بين طوائف المسلمين بعد تكفيره، وهي مأساة ترتبط بالوعي والنوازع السيئة لرجل الدين ومن ثم رجل السياسة. ان الحقيقة التي يعتقد كل منتم ٍ لطائفته بانها حكرا عليه، لا وجود لها إلا في ذهنه، وستتهاوى تلك الحقيقة عند أول اختباري نقدي. ليس هناك حقائق مطلقة، انما هي اوهامنا نضفي عليها ما يشبع حاجتنا للفكرة والمعتقد، خاصة تلك الأفكار التي تعالج يأسنا واخفاقاتنا، وتمنحنا أملا كبيرا ولو مؤجلا. إنها قراءات ووجهات نظر وتلفيقات تغدو حقائق ومقدسات.

وتبقى المشكلة اليوم عندما تجد نفسك محشورا في زاوية الطائفية خارج عن إرادتك، وعندما تجد نفسك مصنفا على هذه الطائفة أو تلك وأنت لا حول لك ولا قوة، ولا تستطيع الدفاع عن نفسك واستقلاليتك. وهو موقف صعب. إن الشعور بالاستقلالية يتناسب عكسيا مع عمق الانتماء الطائفي، حيث يصبح الفرد مسلوب الإرادة، أداة بين رجل الدين والسياسة، يتوجس من مخالفتهما ما دام الأمر مرتبطا بهويته وطائفته. إنه يراها مسألة مصير، بين الحياة والموت، فهو مستعد لكل شي لاجلها، وهذا ما يريده رجلا الدين والسياسة أن ينقاد الشخص من حيث لا يشعر وفاء لمبادئه وقيمه، لذا تجدهما يعزفان على مخيال الشعب، ويناشدان مشاعره وأحاسيسه دون ايقاظ عقله ووعيه

 

نشرت في صحيفة المدى البغدادية ايضا

14-9-2014

bobaker jilaliالمتتبع للمحاولة الفكرية الفلسفية في الإصلاح والتجديد عند "محمد إقبال"، يجد أن رؤيته في التغيير والتجديد والحضارة ارتبطت بفلسفته ككل، وبنظرته إلى الحياة عامّة، ورؤيته تختلف عن رؤى زعماء الإصلاح وروّاد التجديد ودعائه في العصر الحديث.

فهو يرى دوافع التغيير حالّة في وحدات الوجود الثلاث، الإنسان والكون والله، مرتبة من الأدنى نحو الأعلى، والحياة متغيّرة باستمرار لا تعرف الثبات والجمود، وتستمد تغيرها وخلودها من طبيعتها النهائية ومن أصلها الأول وهو الذات المطلقة.

والتغيير لا يحصل في الإنسان ولا يجري في الواقع دون أن يحدث في أغوار الذات الإنسانية وأعماقها أولاً، ويتعلق هذا التغيير بمعنى الحياة والإنسان، وأساليب التفكير والعمل بالمبادئ التي يؤمن بها الإنسان، وبالأهداف والغايات التي يصبو إليها.

التجديد في أصله وفي مساره، وفي مقصده ومبتغاه روحي والمادة ذات أصل متأصّل فيما هو روحي، فالتجديد تجديد في قوى النفس ومحتوياتها الروحية والفكرية والأخلاقية، وهو أمر لا تختلف حوله التيارات الفكرية الحديثة والمعاصرة ويدعو إلى الإسلام، إذ يعتبر التغيير في أعماق الذات في اتجاه المستقيم فكرياً وشعورا وسلوكاً هو شرط الاستقامة والاعتدال في المقول والمعمول.

التجديد في شقّه الثاني هو تجديد في قوى المجتمع وبيئته من خلال اجتهاد البشر لتنظيم وتطوير وازدهار الحياة الاجتماعية، وتسخير قوى العالم لخدمة مطالب ومرامي الإنسان الروحية في أصلها.

الحضارة هي السمّو الروحي الذي يبلغه الإنسان من خلال النهوض بالعمل في المجتمع والطبيعة. وليس المهم بالنسبة للذات الإنسانية أن ترى الأشياء بل المهم عندها أن تصير وتصبح شيئاً، من خلال التجديد الحضاري والإبداع العلمي والإزدهار الثقافي والاجتماعي.

ما تميّزت به نظرة 'محمد إقبال' الفلسفية إلى الحضارة عامة، والتجديد الحضاري خاصة، وفلسفته بصفة عامة، هو أنّها تشكل رؤية فلسفية إلى الحياة والإنسان والحضارة، وكل ما يربطها بهذه الجوانب، وتتميّز هذه الرؤية الفلسفية الفريدة في نوعها بالوحدة لما بين عناصرها وأجزائها من اتساق وانسجام وتكامل، فهي عبارة عن نسق فكري فلسفي واحد لا تفكك ولا انفصال بين أجزائه ومكوناته، وتتصف بالقوة والمكانة لارتباطها بالإسلام وبتعاليمه وقيّمه العليا، وبالعمق لرحابة وسعة التأمّلات الميتافيزيقية التي قامت عليها، وبالدقّة في التحليل والنقد والاستنتاج، وهي أوصاف قلّما نجدها لدى مفكر في عصر طغى عليه التخصص في البحث، وسيطر الفكر التجريبي الوضعي، وسادت النزعة البرغماتية.

ارتبطت فكرة الإصلاح والتجديد عند 'محمد إقبال' بالإسلام وبمبادئه، وقيّمه، باعتباره مشروعاً حضارياً إنسانياً يمثل رسالة إنسانية عالمية، دخلت التاريخ، ودخلت المعترك الثقافي والحضاري والديني، ليأخذ مكانته في ساحة هذا المعترك، ويفرض وجوده بقوّة، لما له من قوّة ومناعة في جميع جوانبه.

استراتيجية النقد وإعادة البناء في فلسفة "محمد إقبال" استمدت قوّتها منه، بما انطوت عليه من تصورات وأفكار تمثل مشروع رؤية فلسفية ومخططاً فكرياً يستهدف بناء فلسفة الدين في الإسلام بناءً جديداً، وتوجيه الذات الإنسانية إلى الحياة الروحية الكاملة، وإلى تخلّقها بأخلاق الله، وتسخير العالم المادي لخدمة مرامي الإنسان، هذا العالم المادي المتأصّل فيها هو روحاني، وتوجيه سلوك الإنسان لإعادة تنظيم حياته الإجتماعية وفق مبادئ إنسانية عالمية مستمدة من الإسلام، ومن الطبيعة البشرية في جانبها الفردي وفي جانبها الإجتماعي.

استمدت هذه الفلسفة، وانبثق هذا المشروع من الظروف والأوضاع النفسية والفكرية والخلقية والاجتماعية الفاسدة في القرن العشرين، بسبب غياب أسلوب حياة يضمن التوازن بين المادة والروح، ولا يوجد غير الإسلام الذي يحفظ هذا التوازن، كما انبثقت الفلسفة وانبثق المشروع من الفكر الإسلامي القديم، ومن الحضارة الإسلامية، وما تميّزت به من نماء وازدهار في كافة المجالات، الأمر الذي جعل الحضارة الأوربية الحديثة تحمل الكثير من عناصرها ومعالمها، ومن الحضارة الغربية، ومن الفكر الغربي، هذا الإستمداد ليس على سبيل التقليد والاتباع والانبهار والسقوط في أحضان الآخر، بل على منوال القراءة النقدية الممحصة المتفحصة والمقارنة بين الأفكار والتيارات بإعمال العقل والمنطق ومراعاة القيم الذاتية الإسلامية ومقتضيات الواقع.

ارتبط المشروع الفلسفي الإصلاحي التجديدي عند 'محمد إقبال' بالتقدم العلمي والكنولوجي وبمناهج العلوم المختلفة، وما حقّقته تلك العلوم في الجانب النظري وفي الجانب التطبيقي في مجالات الحياة المختلفة، سواء بالنسبة للفكر العلمي في التأثير على الطبيعة بواسطة التقنية، أو بالنسبة لهذا الفكر في تأثيره على حياة الإنسان النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

اقترنت الحضارة وارتبط التجديد الحضاري في فكرة 'محمد إقبال' بالدين، فالحضارة توازي الدين وهي ثمرته، والإسلام حضارة، وقوتها وخلودها كل ذلك مستمد من قوة وخلود الدين، أما ضعفها وأفولها يكون بسبب فقدانها لعناصر القوّة والخلود، وهي عناصر دينية، تتمثل في النهوض بالعمل في الحياة الفردية، عن طريق التجربة الصوفية، وعن طريق الاجتهاد في الواقع. كل هذا لبلوغ قمة التحضر، وهو الديمقراطية الروحية، والسمو الروحي والعلى الأعلى، وذلك مبتغى الإسلام ومقصده.

يتضح من خلال قراءة فلسفة 'محمد إقبال' خاصة جانب الإصلاح والتجديد فيها، والمعروفة لديه بفكرة النقد وإعادة البناء، أنّ فلسفة "محمد إقبال" في هذا الجانب مع محاولات إصلاحية أخرى تكون قد سبقتها أو عاصرتها أو جاءت بعدها مثل محاولة "ابن تيمية" و"محمد عبده" و"أبو الأعلى المودودي" وغيره، فهي محاولة تتصدر المحاولات الأخرى في العمق والدقة والمتانة والجرأة، لها أتباع كثيرون في العالم المعاصر، وهذا يعود إلى ارتباط مفكري الحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي والمعاصر بظروف تاريخية زمانية ومكانية واحدة حيث الإسلام والاستعمار والتخلف في العالم الإسلامي، والعلم والتكنولوجيا في أوربا الحديثة، وهي الظروف التي شكّلت روافد ومصادر فكرة الإصلاح والتجديد. وأوجدت وحدة في المبادئ والأهداف والتطلعات.

إنّ الطابع العام الذي تميزت به البحوث والدراسات عند "محمد إقبال" كان طابعا فلسفياً ميتافيزيقيا، فيه الفلسفة والميتافيزيقا والعلم والدين والتصوف، وكان على أسلوب الأقدمين، والإصلاح طابع فردي ديني إسلامي صوفي فيه مجال واسع للتجربة الصوفية والرياضة الروحية، والعمل الصوفي الصحيح هو سبيل الوصول إلى الحقيقة، وتمتاز هذه البحوث بعمق فلسفي كبير، وتأمل ميتافيزيقي رحب حتى قيل عن هذه الفلسفة بأنها موجهة للخاصة والنخبة من المثقفين لا للجميع.

استمد الفكر الإصلاحي والتجديد لدى "محمد إقبال" قوته ومكانته وعمقه من ارتباطه المباشر بالإسلام وواقع المسلمين وحياتهم في العالم الإسلامي المعاصر، وتعبيره عن مشاكلهم وهمومهم، وعن آمالهم وتطلعاتهم، وبلوغه مستوى رفيع من الحقيقة، في مناهجه وأساليبه لأنه أخذ بالدين والعلم والتاريخ واعتبار الواقع، واستطاع أن يكفل التوازن بين طرفي الكمال، الروح والمادة، الدين والدولة، الدنيا والآخرة.

فما أحوج العالم الإسلامي المعاصر إلى هذا المشروع للإصلاح والتجديد، ولبلوغ السمو الروحي والأخلاقي ولبناء حضارة تلد منتجاتها الفكرية والمادية، ولضمان التوازن بين المثال والواقع، الروح والمادة، وبين الدين والدولة ذلك هو عين التحضر وقمّته، وهو مبتغى الإسلام ومقصده، فالحضارة هي التمكين لقيم ومبادئ الإسلام على أرض الله. وما أحوج العالم الإسلامي إلى بحوث ودراسات أخرى تُفضي إلى مشاريع أكثر وعيا بالحضارة الراهنة وتحدياتها وأكثر سيطرة على أساليب العمل ومناهج الفكر المؤدية إلى المساهمة الفعّالة في بناء الحضارة لأن « البحث هو شعار الحياة في الإسلام، الحياة المتجددة العاملة، الهادفة، البانية، الحياة التي تصنع الحضارة والرفاهية والأمن والسلام للإنسانية جمعاء. »1

 

...................

الهامش:

1- محمد عبد المنعم خفاجي: البحوث الأدبية مناهجها ومصادرها، دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1980، ص05.

من كتاب: الإصلاح ونظرية الحضارة في فلسفة "محمد إقبال"

تأليف: الدكتور جيلالي بوبكر

دار النشر:دار ابن طفيل، الجزائر، الطبعة الأولى،سنة 2011.

الصفحة:240-246

 

mobarak abaeziهل أقول إن إنصاتي لدبيب المعنى في النص الديني جعل عقلي يحلق فوق حدود المعتاد التفسيري، ويثير الشكوك حول ما كنت أعتقده حقيقة جازمة مفارقة للبشري ومحايثة لسرمدية المعنى الإلهي والحقيقة الدلالية الأولى؟ هل أقول إن استقلالية العقل من حمولة التربية الأولى يحتاج إلى المران على التمرد ومقاومة التكلس والكساد المعرفيين ليبارز جنود المعنى القديم في حلبة الصراع حول المعاني الجديدة؟

كنا نتقلى مسائل الفكر والخطاب الدينيين باعتبارهما بدهيات دينية ومسلمات أرثوذكسية لا يصلها سهم النقد ولا ترتقي إليها يد إنسان، وكلما سمعنا شيخا يحدث، قلنا سمعنا وأطعنا، وكلما قيل لنا إن الله قال، قلنا إننا هنا نسلم لله بما يقول، فأصبحنا أمة الطاعة بدون نزال، وعقولا كسولة لا تسائل في أخص ما يخص علاقتها بالرحمان. لذلك مرت 1400 سنة بدون إنتاج يذكر، ولا صوت يسمع، اللهم بعض أشعار المتنبي صدعوا بها رؤوسنا وما يزالون، أو بعض مقامات الهمذاتي والحريري حمّلها الدارسون أكثر مما تحتمل، أما ما ينتج حاليا في الفكر والنقد والإنتاج الأدبي وغير ذلك فيكفيه من القصور أنه سلعة الغرب "الكافر والجاحد".

هذا التكلس الفكري إزاء مسائل الدين جعل العقل يزدري القراءات الجديدة للنص الديني وينفر منها، ويطمسها إن استطاع إلى قاعدة تغيير المنكر سبيلا؛ وأمثلة ذلك جمة لا تحصى، وهي التي كانت سبب تحبير هذا الكلام، ولذلك أشير إلى أن المقال لا يسعى إلى تحريم أو تحليل شيء، بل يقدم قراءات ممكنة لبعض الظواهر السوسيودينية التي تنوّلت في النص والخطاب الدينييين.

لنأخذ مثلا مسألة "تعدد الزوجات"؛ لقد ورد في سورة النساء من القرآن الكريم ما يلي: "وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ" (الآية. 3). لقد كان الخطاب الإسلامي قد تعمد تجاهل الوظيفية النحوية لحرف "الواو" الرابط بين "مثنى وثلاث ورباع"، وهي الجمع وليس التخيير، أي أن العدد سيصبح "تسعة" عوضا عن "أربعة" بغض النظر عن "قالت العرب" التي يستشهدون بها كلما أرادوا تكريس معنى معين على حساب المعاني الأخرى، ومع ذلك سيتم تجاوز ذلك لضيق المقام عن المقال. لنلاحظ فقط أن عبارة "فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ" مشروطة بـ"الخوف" من جهتين؛ الأولى هي الخوف من عدم القسط في الزواج من اليتامى، والثانية هي الخوف من عدم العدل بين النساء وهي الأساسية.

نلحظ أن حربائية العقل المنتج للخطاب الديني أفضى به إلى القول بأن المقصود بالعدل ليس هو العدل العاطفي بل العدل المادي، ومن ثمة فقول الله عز وجل "وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا" (سورة النساء، 129) أصبح في نظرهم يعني العدل المادي فقط. ومن وجهة نظرنا، نظن أن عبارة "لن تستطيعوا أن تعدلوا ولو حرصتم" لا تشير إلى الجانب المادي لأنه ممكن التحقيق، فيما أن الجانب العاطفي مستحيل التحقيق، ومن ثمة نجد ملاءمة بين هذه الآية ومعناها الأقرب؛ أي الاستحالة في العدل العاطفي بين الزوجات. وبما أن الآية وردت جازمة بالحرف "لن"، فإن الخوض في دلالات أخرى هو بعد عن المقاصد الإلهية ورفض لرغباته في خلقه.

إن تعدد الزوجات كان من سمات الجاهليين قبل الإسلام، فقد ورد في الحديث أن غيلان الثقفي أسلم وله عشر زوجات، وأن الحارث بن قيس الأسدي قال إنه أسلم وعنده ثمان نسوة، لهذا فتعدد الزوجات بصيغة ذكره في القرآن ليس سوى مجاراة لعادات العرب التي يعمل الإسلام على إزالتها شيئا فشيئا، ومن سوء حظنا أننا ابتلينا في زمننا هذا بأشباح ثيوقراطية في هيئة الفيزازي والريسوني والزمزي ومطيع وغيرهم من أشباح المشرق والمغرب، ينافحون عما أراده الله أن يزول، ويدفعون منجزات الغرب الكافر التي راكمت تجربة مهد البشرية.

خلاصة الأمر أن تعدد الزوجات في أبعاده النصية والسوسيولوجية والتاريخية يبين لنا أن الأصولية الإسلامية تمارس أفعال كفر حين تخالف المقصدية الأصلية من التشريع، وهي "وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ". وأقول أفعال كفر استنادا إلى المرجعية النصية للأصولية في التكفير لا غير.

 

bobaker jilaliيشكل الحوار قبل كونه ملكة في الإنسان ومنهجا في حياته اقتضاء كونيا اقتضته ظاهرة التعدد والاختلاف في مقابل الوحدة والثبات، وتأرجح حركة الإنسان الدؤبة بين الاثنين، للخروج من الصراع الضيق والتناقض والجدل السلبي إلى رحابة التواصل الإيجابي والنظام والتكامل، فتجتمع الوحدة مع الكثرة ويندمج التغيّر مع الثبات في وفاق ووئام زمن غير اختلال، وبُثّ إنّ سبيل التواصل في إطار الاختلاف لا يضمن إيجابيته في حدود الأنانية والأثرة المفرطة وإلغاء الغير وصراع المصالح الضيّقة في حدود الغرائز والشهوات والتكالب على الدنيا والتناحر والاقتتال في سبيل ذلك، بل بالتعارف الإيجابي يتحقق في حدود الفطرة السليمة الخيّرة والمشروعية عقلا وشعورا وأخلاقا واجتماعا، بواسطة الرغبة في العيش المشترك واحترام الآخر وقبوله والتعاون معه نحو النظام والتعايش في أمن وسلام تحقيقا للقوامة وتجسيدا للخلافة على أرض الله، والسبيل إلى النظام والإبداع والحضارة في سياق التواصل والتعايش والتعارف الإيجابي وهي مقومات القوامة والخلافة الحوار، الحوار باعتباره المسلك الذي ارتضته الفطرة الطيّبة في الإنسان والطبيعة والكون ككل لكونها عوالم ارتبطت بقّوة السببية دافعا وغاية ولها من الفعّالية ما لا يُحصى ولا ينضب، ولم تكن ذات منحى عشوائي عبثي هزيل، والحوار ارتضاه الله لعباده منهجا لعمارة الأرض وإحكام السيطرة على صلتهم وفق الفطرة السليمة البينية وغيرها، والتفوق في ذلك عن جدارة واستحقاق استثمارا لكل القوى الموجودة واستغلالا لكل الفرص المتاحة، في مقابل الإخفاق الذي كثيرا ما ينتهي إليه الإنسان اجتهادا أو إهمالا على الصعيدين الفردي والاجتماعي أو على صعيد العالم الخارجي أو فيما يخص عالم ما بعد الموت.

الحوار في جميع عناصر الكون وبين كل ما تتطلبه الحياة من شروط وضرورات، فالطبيعة وأجزائها وسائر الظواهر الكونية يديرها نظام قمّة في التناسق وغاية في الانسجام والتناغم ومن غير تفاوت ولا اختلال، فكل ما في الكون له مصدر ومسار وموصل، لم يأت جزافا وعبثا بل في أتمّ الدقة والحساب، ومخلوقات الله في أكوانه يحاور بعضها بعضا في دأب وديدان لا تكل ولا تمل، هذا الحوار الكوني من نوع خاص ليس كالحوار بين بني البشر، وهما من مصدر واحد ومسار واحد وغاية واحدة، فالحوار في الأكوان بين سنن هذه الأكوان على اختلاف أنواعها ومراتبها، تتمثلّه سنن الخلق في التكوين والبنية والحركة والدور.

يجري الحوار في صور شتى لا حد لها من الاتساق والانسجام والنظام بعيدا تماما عن الاختلال والتفاوت، ولولا الاتساق المبثوث بين عناصر الكون ووحداته وهو من صور الحوار لفسد الكون وفسدت الحياة، ومن حكمة الله وعدله أنّه خلق الخلق وبث فيه الحياة التي تتخذ من سنّة الحوار منهجا تتعدد وتتنوع صورها بتعدد وتنوع صور الحياة بين حاضرة وغيبية وجامدة وحيّة وبين فردية واجتماعية وبين دنيوية وأخروية وغيرها ما نعلمه وما لا نعلمه، والحوار آية من آيات الله في مخلوقاته يعبّر عن حالة الإبداع والجمال والروعة التي وّجدت عليها سنن الكون وظواهره ما ظهر منها للعيان وما خفي، وعرفها نظامه البديع الجميل الرائع المركب من هذه السنن ويدل على الدرجة العظمى التي بلغتها جميع مخلوقات الله في الدقة والترتيب والإحكام والنظام والجمال والروعة من حيث التكوين والبينة والحركة، يقف أمامها الإنسان صاحب الجبلة السويّة عقلا وشعورا ووجدانا مستلهما إيمانه القويّ الراسخ بقوّة وعظمة وحكمة بديع الكون وواجد النظام والتواصل والحوار، ولا ينكر ذلك إلا الجاحد.

أما الحوار لدى الإنسان فهو ناطق وواعي، فلا تقوم للإنسان قائمة في الحياة على المستوى الفردي أو الاجتماعي وعلى صعيد ارتباطه بالعالم الذي يعيش فيه وسائر ظواهر الكون ومن جهة اتصاله ببديع الكون جلّ جلاله إلاّ بالحوار أداة لتبادل التأثير والتأثر بين وحدات الوجود وهي الله جلّ جلاله والكون والإنسان مع بعضها بعضا وبين عناصر وأجزاء كل وحدة من هذه الوحدات وما أكثر هذه الأجزاء وأنظمها وأعدلها، فمن جهة حياة الإنسان الفردية المتميزة بالذاتية والخصوصية وبالتعقيد والغموض في محتوياتها لدى صاحبها ذاته ولدى الناس عن بعضهم البعض.

يعقد الكثير من المفكرين المعاصرين في العالم العربي والإسلامي أمالهم على الحوار والحوار فقط في حاضر الأمة ومصيرها، هذا "حسن حنفي" يقول: " والحوار الفكري مقدمة للحوار السياسي، والحوار بين المفكرين إنّما يمهد الطريق للحوار بين القادة والزعماء،فالفكر يسبق الفعل، والتصور يأتي قبل الممارسة،هذه ليست مثالية تعطي الأولوية للفكر على الواقع في حين أنّها عين الواقعية في المجتمعات التراثية التي مازال فكرها بديلا عن واقعها وماضيها ممتد فوق حاضرها1.

ويقدم "الجابري" رأيه في المسألة قائلا: " والقضية الأساسية بالنسبة إليّ ليست الدفاع عن هذا التيار أو ذاك ولا إعلان الولاء لهذه الجهة أو تلك .. كلاّ، إنّ قضيتي الأساسية، وأعتقد أنّها قضية كل مثقف عربي في الظرف الراهن، هي البحث عن "نقاط الالتقاء" التي تجعل في الإمكان وفوق الجميع في "كتلة تاريخية" لمواجهة المصير المشترك: مصير الأمة العربية والأمة الإسلامية ومصير الأمم المستضعفة أيّا كان دينها وقوميتها. ذلك لأنّ القضية التي ستكون قضية الغد ليست أن تكون ماركسيا أو سلفيا أو ليبراليا...بل هي أكبر من ذلك وأعظم2.

ويقول آخر:" متى تعدد المجتهدون وتباينت أراؤهم كان الحوار وسيلة للتقارب وأسلوبا للتفاهم وأداة للتلاقي. وتبادل الفكر هو طبيعة البشر وسنّة الحياة الإنسانية، ولا شيء يمتنع فيه الحوار، ولا أحد يتأبّى على الحوار، فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل والعقلاء يسعون إلى الوصول إلى الحق دون مكابرة والحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنّى وجدها ولا يضرّه من أين خرجت3.

تجري الحياة الفردية الذاتية في سكونها وحركتها في كل الحالات وفق الحوار الذاتي الداخلي، فكل الصور والعمليات التي تعرفها الحياة العقلية الذاتية وأصلها التفكير والتأمل من إدراك وإحساس وتذكر وتصور وتخيل وما يرافق ذلك من تحليل وتركيب ونقد وتقييم واستنتاج، وكل الحالات التي تشهدها النفس الإنسانية ومصدرها الانفعال من لذات وألام وميول ورغبات وعواطف وأهواء وسائر المشاعر والأحاسيس الشعورية واللاشعورية السوية والمرضية الظاهرة والباطنية السلبية والإيجابية من حب وكراهية وفرح وحزن وتسامح وتعصب وجبن وشجاعة وغيرها كثير، كل هذا على المستوى العقلي والنفسي يتحرك أول ما يتحرك في شكل حوارات وصورة منولوغات داخلية ذاتية وخاصة لا يعيشها سوى صاحبها، على الرغم من كونها تترك آثارا بيّنة على سلوك صاحبها الظاهر وعلى المحيط الذي يعيش فيه.

لا يمكن بأي حال من الأحوال للإنسان أن يعيش من غير الحوار في ذاته ومعها، فهو يمارس الحوار في كل الحالات حتى في حالات النوم عن طريق الأحلام وفي حالات أخرى كاللاشعور والحالات المرضية وغيرها، فالحوار الإنساني الذاتي الداخلي ميزة وخاصية إنسانية، تدل على قوّة الإنسان وتفرّده في الوجود، وتشكل لديه مدخلا لوعي وجوده الخاص الفردي الذاتي ولا يقاسمه في معرفته غيره من بني جنسه، وتمثل وسيلة للتواصل مع وحدات الوجود الأخرى معرفة وتأثرا وتأثيرا ولبناء صلاته بها، ولتحريك التاريخ وبناء الحضارة من خلال تحقق القوامة والخلافة على الأرض.

من الحوار الذاتي ينقل الإنسان الحوار إلى العالم الخارجي الإنساني الاجتماعي وغيره، فالحوار الإنساني الاجتماعي ضرورة إنسانية اجتماعية يقتضيها الاجتماع البشري في جميع صوره وفي كل العصور والأمصار لتكوينه وفي بنيته وفي حركته، وأول صورة من صور الاجتماع الإنساني اجتماع اثنين من البشر اجتماع المرأة والرجل وهما يشكلان طرفي الكيان البشري الإنساني في منطلقه التكويني البنائي (أبونا آدم وأمنا حواء)، أول ما يحتاج إليه هذا الاجتماع التحاور بين طرفيه لضمان التواصل والتعارف والتفاهم والوصول إلى التعايش بعد ذلك، وقد يصل الحوار بهذا الاجتماع إلى التنافر والتعارض والتناحر، والأمر نقسه مع كل أشكال الاجتماع الإنساني.

ففي غياب الحوار لا تقوم الحياة الاجتماعية أصلا، لأنّ هذه الأخيرة تتأسس على المحاورة الفردية الذاتية التي تنطوي على بذور تشكيل مكونات شبكة الحياة الاجتماعية وعناصر تكوين المجتمع، فحاجة الجماعة بصورها المتعددة في النشأة والدور إلى الحوار كحاجة عالم الأحياء إلى الماء والهواء، فالحوار وراء المجتمع تأسيسا وبنيانا ونشاطا، ووراء تحريك التاريخ وإنتاج الحضارة وصنع المجد والسؤدد من طرف الإنسان الاجتماعي المدني لا الإنسان الفردي البيولوجي، يدلنا كل من الوحي الإلهي والتاريخ والواقع الإنساني المعيشي فرديا واجتماعيا متخلفا كان أو متحضرا إلى أنّ الحوار كائنا ما كان هو مبدأ وأصل كل تحرّك إنساني في ذاته أو نحو غيره، ومنهجه في اتجاه البناء الشخصي الذاتي المطلوب طبيعة ووضعا وشرعا، أو صوب البناء الاجتماعي المرغوب فيه تعايشا وحضارة، وكل ذلك في سبيل التكامل بين عناصر الوجود جميعا.

 

إذا كان الحوار شرط التكامل بين وحدات الوجود فإن ذلك يبدأ في الإنسان الفرد أولا ثم يشيع بعد ذلك بين جميع أفراد بني جنسه البشري، ويتّخذ طريقه البنائي في الإيجابية تواصلا وعرفانا وبيانا وحضارة أو يسير في الاتجاه المعاكس فينتهي إلى التعصب والفرقة والشقاق والتخلف، وفطرة الحوار السليمة تنبع من نظام الكون في التناغم والتوحيد والتكامل بين مختلف أجزائه في سياق التباين والاختلاف الذي هو من سنن الكون، والتناغم في الحوار يؤسس له التسامح المفضي بالضرورة إلى الوفاق والوئام والعيش في سلام، وتهدمه كل محاولة في اتجاه التعصب اعتقادا وفكرا وعرقا ولغة ومذهبا وغيره كثير، التعصب لأحد الطابوهات المُعطل للحوار شرط الجد والاجتهاد والذي يقود إلى التغيير والتطور والازدهار في مقابل ترسيخ ودعم الجمود والتحجر والتخلف والانحطاط، فالمحاورة إما بنّاءة لها أسسها ومسارها وأهدافها المنشودة وإما هدّامة لا أفق لها مبنية على التصور الضيق في حدود لا يسمح التطرف باختراقها افتراءا على الجبلة الطيّبة وصدفا عنها.

تتجلى كل من صورة الحوار الإيجابية البنّاءة صورة بيضاء خيّرة في منتهى الطيب والجمال، وصورته السلبية الهدّامة صورة سوداء في منتهى القبح والسوء داخل حياة الإنسان في مستويات عديدة، فبين الأديان والمذاهب والطوائف إما تعايش وسلام وإما تناحر واقتتال، وبين الثقافات والفلسفات وسائر الأفكار إما تواصل وتنامي وتطور وازدهار وإما انغلاق وتقوقع وتحجر وجمود وتخلف، أو انتشار واختراق وهيمنة من جهة الأقوى وتقلص وانصهار وذوبان وزوال من قبل الأضعف بعد الغسيل الذي يتعرض له، وبين الحضارات إما إقبال متبادل ونهم متواصل وأخذ وعطاء وإما إعراض وإدبار فينتهي الأمر إلى التراجع والاندثار، وبين الأحزاب والتشكيلات السياسية وبين برامجها إمّا تواصل سلمي إيجابي يصب في قوّة الحكم والدولة والمجتمع تنظيما وتماسكا وتطورا وإما تصارع سلبي فارغ من المحتوى عنيف ينتهي بالمجتمع والسلطة إلى الضعف والاقتتال والانهيار، هذا ما يفعله الحوار بين الإنسان والإنسان، فالحوار الملفوف بمكارم الأخلاق خاصة التسامح والاحترام المتبادل في إطار الندّية منتهاه البناء والتعمير أما الحوار المُغذّى بروح التعصب والانتقام فمنتهاه الهدم الدمار.

والحوار ليس مطلوبا بين الإنسان وأخيه الإنسان لعمارة الأرض والتمكين للخلافة فيها فحسب، بل ضروري بين الإنسان والكون بسائر أجزائه، وإذا كان الكون مستقلا عن الإنسان تكوينا ونظاما وبنية وأثرا فالاتصال بينهما قائما تأثيرا وتأثرا، وحالة التأثير المتبادل هي عين الحوار، يحاور الإنسان الكون بالسعي الحثيث إلى معرفته وتفسير ظواهره واكتشاف النظام الذي يحكمه بواسطة العلوم ومناهجها وسائر الوسائل والتقنيات التي تسمح باكتشاف خيراته وطاقاته وتسخيرها لخدمة حاجات ومصالح الإنسان، تحويل الكون من صورة غير نافعة إلى صورة نافعة تنفيذا لإرادة الإنسان المستمدة من إرادة الله في تواضع ومن غير كبر وافتراء.

ويجري الأمر نفسه بالنسبة لتنفيذ إرادة البشر على نفس المنوال والوتيرة في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية حتى لا يختل نظام الحياة الذي يقوم على التكامل، فالحوار الاجتماعي بصوّره المتعددة يجد ضالّته بالحوار مع الكون من خلال التقدم العلمي والتقني وتطور وسائل التأثير في الطبيعة وتحويل ظواهرها صوب تحقيق ما يحتاجه الإنسان ويوفر له الراحة، ويشمل ذلك الحضارة بجميع منتجاتها والثقافة بكافة مظاهرها، أما عدم محاورة الإنسان ظواهر الكون عقلا وبحثا واكتشافا وتحويلا وتسخيرا فهو حال البداوة الخالي من القوامة الإنسانية في الوجود كما كُتب لها أن تكون، ومعارضا لضرب الإنسان في الأرض وسعيه في الحياة، وفي هذا تعطيل لإرادة الإنسان التي هي من إرادة الله في تحقيق الفطرة والاكتساب والتكيف مع الإنّية والغيرية الكون، وضمان التكامل بين السماوي والأرضي وبين المادي والروحي وبين الدنيا والآخرة وبين الله والإنسان، توحيدا وتعبدا ورغبة ورهبة، ابتغاء الوصول إلى برّ السلام والنجاة، إلى رضوان الله تعالى.

الحوار في أعظم صوره ذلك المتبادل بين السماء والأرض، بين الله والإنسان، ويكون في منتهى إيجابيته نزولا وصعودا، على سبيل الوحي المنزّل لإنارة دروب الحياة في الكون الفسيح في عالم الدنيا وفي عالم ما بعد الموت، وفي اتجاه الاسترشاد بتعاليم الوحي والتوجيه بأوامره ونواهيه، ومن خلال لطف الله وعفوه وفضله وكرمه ورحمته التي وسعت كل شيء، وبإيمان الإنسان بربه وتصديقه لحقائق الدين وتعبده بما أبانه الله له، وبتنفيذ سائر أحكام الله في النفس والمجتمع والكون، بعيدا عن الافتراء على الله والإخلال بسننه، أما إذا اتجه الحوار نحو السلبية صعودا ونزولا بالتمرد عن الله والخروج عن شرعه وامتد إلى مجابهة القدر وإلى الصدف عما أراده الله لخلقه وأودعه فيه من خير وإبداع وجمال، فما يكون من غضب الله وسخطه أقوى وأعظم، فالحوار بين العبد وخالقه إما روح وريحان وجنات نعيم وإما خزي وندامة وجحيم.

فالحوار مرتبط بالتواصل والاختلاف في مختلف صوره وميادينه يفقد إيجابيته تماما عند كل من لا يعرفها أو يتجاهل قيمتها أو يجحدها ويكابر عليها، ونتيجة ذلك اختلال حياة الإنسان وفساد صلاته بوحدات الوجود، وفي ذلك إهدار للوقت ومضيعه للأمانة والرسالة التي وُجد لأجلها ولولاها ما وُجد أصلا، وهي خلافة الله على الأرض، فما بال العبد في تقربه من سيده ليصبح خليفة له على الأرض، وهو مطلب يستحيل تحققه في المجتمعات العبودية التي عرفها التاريخ. وتحقق نعمة الحوار إيجابيتها وخيرها وجمالها إذا انبنت على مكارم الأخلاق وعلى رأسها مكرمة التسامح وإذا اخترقت الإنسان والطبيعة والكون وإذا تحققت في مستوى الإيمان بالله والاسترشاد بهداه فتتأدّى الرسالة وتتحقق الخلافة ويتم اكتمال صلة الأرض بالسماء وينعم الإنسان برضوان الله تعالى.

 

الدكتور جيلالي بوبكر

alaa falihaburgeefكانت للمجتمعات البدائية مشاكلها المختلفة جذريا عن مشاكل مجتمعات الألفية الثالثة،لذالك يجب تطوير فهمنا للموروث الديني على ضوء هذا الاختلاف وتراكم الوعي الحضاري خلال عشرات القرون في محاولة للتخلص من الارتباط التام بالماضي في الرؤيا والتفسير التي ينادي بها بعض المشايخ بشكل يثير السخرية وصلت إلى حد وجوب التقييد بنوع الملابس التي يجب أن تماثل ما كان يرتديه المسلمون قبل أربعة عشر قرنا!!

ينبع جوهر الاختلاف بين مجتمعات ما قبل التدوين ومجتمعات ما بعد الثورة الصناعية في حجم المعرفة التي تساعدها على الإجابة عن الأسئلة المبهمة  ففي حين كانت تدور ابتداء حول ماهية العلاقة بين الإنسان والطبيعة و التطمينات التي يحتاجها  الإنسان تجاه مخاوفه الغريزية من كل ما هو مجهول وخاصة القوة المدمرة لهذه الطبيعة،في حين تجاوزت المجتمعات المتحضرة في الوقت الراهن هذه الأسئلة إلى أخرى أكثر خطورة تتعلق بوصول الإمكانيات العلمية إلى حدود القدرة الإلهية خاصة فيما يتعلق بالاستنساخ وهندسة الجينات الوراثية والقدرة على التحكم بالطقس ويبقى الهم المشترك تاريخيا للجنس البشري عبر كل مراحل نموه الفكري هو البحث عن طريقة للوصول إلى إجابات شافية حول الأسئلة الوجودية مع اختلاف الأدوات المستخدمة التي تتطور بسرعة قياسية فحجم النمو العلمي الذي نلمسه على شكل منتجات في كل الاختصاصات خلال ال100سنة الماضية تعادل مئات الاف الاضعاف لحجم المنجز البشري الذي استطاع الوصول اليه خلال سبعة الاف عام . وبالتاكيد فان التطور يسير على شكل متوالية هندسية بحيث ان الانجازات التكنلوجية خلال ال 25 عاما الاخيرة يوازي الاف اضعاف ماكان موجودا عند بداية القرن العشرين.

أدى افتقاد المجتمع (قبل تسعة ألاف عام على اقل تقدير) للتفسير العلمي لظواهر طبيعية كالبراكين والزلازل والأعاصير إلى الاعتقاد بأنها قوى عاقلة تمارس عليهم نوعا من العقاب الجماعي لأسباب غير مفهومة ولذالك تبلورت فكرة إرضاء تلك القوى وتجنب غضبها باعتبارها آلهة تتحكم في مقدراته، يجب كسب ودها عن طريق مجموعة من الممارسات خلق منها التكرار نمطا محددا اصطلح على تسميته (الطقوس)،تسبب تعددها وتعقيدها إلى بروز الحاجة لمجموعة من الأفراد تتفرغ للقيام بهذه المهمة نيابة عن الآخرين مقابل هدايا عينية ومادية (النذور) تقدم بأسم الالهه لهذه المجموعة التي تحولت فيما بعد إلى الطبقة الأهم في المجتمع فاستحوذت على الدور الرئيسي في رسم ملامح التاريخ الإنساني، انها طبقة الكهنة التي حضيت على الدوام بقدسية امتلكت من خلالها زمام الأمور في كل مناحي الحياة بالقدر الكافي لاحداث نوازن هش او محكم- حسب الضروف- بين غريزة الاستحواذ والتمتع بمنافع شراكة المصالح والنفوذ مع الحاكم،وفي اوقات معينة رجحت كفة المؤسسة الدينية بجوانبها الروحية و المادية على مؤسسة الحكم خاصة أذا ما ارتبطت شرعيةهذا الحاكم بمباركة الالهه وهكذا كانت العلاقة بينهما في اغلب الأحوال.

من هنا نفهم إن بداية الوعي بالظاهرة الدينية أعطاها سلطة مطلقة تتعدى القصد الأساسي للعبادة إلى تشكيل نوع من القوة (الماد روحية) المهيمنة على كل تفاصيل الحياة الإنسانية واستمر هذا الشكل غير المتكافئ في علاقة الدين بالمجتمع حتى ظهور الأديان السماوية التي قننت هذا الدور وأطرته بحدود معينة لكنها لم تتجاوزه بشكل كامل لأسباب موضوعية أهمها الفقر المعرفي للمجتمعات والذي لم يتيح لها إمكانية الإجابة على جميع الأسئلة الموروثة من عصر ما قبل الحضارة وعدم وجود أشكال من الحكم في تلك الفترة قادرة على تنظيم العلاقة المتبادلة في مثلث الحكمة بين الإنسان والدين والدولة بالطريقة التي تأخذ بالاعتبار رغبة الناس العاديين ومشاركتهم في صنع القرار الذي يؤثر على حياتهم ليعطيهم حرية الابداع و يمنحهم فرصا اكبر للتطور.

إن ظهور الإسلام كأخر دين سماوي لا يخرج عن هذه الافتراضات بسبب نشوئه في بيئة جاهلية ترفض أي نوع من أنواع التنظيم، لذالك نجد الرسول محمد(ص) والخلفاء الراشدين من بعده امسكوا بالسلطتين الدينية والسياسية مع ملاحظة مهمة هي إن السلطة السياسية للنبي (ص) لم تكن غاية بل وسيلة وجدها ضرورية لتنظيم الحياة في المدينة فرضها هدف توحيد مجتمع لا يملك نظاما سياسيا حقيقيا مثقل بنزاعات قبلية دامية مما اضطر الرسول إلى إصدار وثيقة المدينة كعقد اجتماعي للدولة الوليدة تحدد حقوق وواجبات جميع السكان (المسلمين واليهود والمسيحيين)، بينما اعتبرها الخلفاء من بعده سنة من الواجب التقييد بها فكان الخليفة هو الزعيم السياسي والديني في الوقت عينه حتى بعد انتفاء الحاجة للدمج بين السلطتين لكن الخلفاء مع امتلاكهم الصلاحية المطلقة كانوا يسمحون بنوع من المشاركة في اتخاذ القرار من قبل مجموعة استشارية يمثلها(أهل الحل والعقد) وهم أصحاب العلم والنفوذ في المجتمع،لكن لم يتم تطوير هذه الصيغة وأخذت تتقلص شيئا فشيئا حتى تلاشت تماما، والدليل على إن النبي كان مهتما بالإصلاح الاجتماعي الذي يحقق مبادئ العدل والمساواة أكثر من اهتمامه بالزعامة السياسية التي فرضتها تحديات انتقال المسلمين إلى المدينة هو إن زعماء قريش عرضوا علية الملك والسيادة على مكة فرفضهما بأباء وهي إشارة مهمة إلى الطبيعة الدعوية الإصلاحية للدين كوظيفة أساسية، وإذا تم خلال فترات معينة توسيع صلاحياته لأسباب وضرورات محددة بالزمان والمكان فمن غير المنطقي اتخاذها قاعدة تملك الثبات والاستمرارية حتى يومنا هذا يتم من خلالها إقحام الدين في الشؤون السياسية بحجة جمع النبي للسلطتين.

 أخذت ملامح الانفصال التقني بين النواحي السياسية والدينية تتضح شيئا فشيئا بعد أن أسس الأمويين دولتهم الملكية القائمة على أساس شرعية السيف بأولويات مختلفة أهمها توطيد الأمن داخليا باستخدام القوة الساحقة ضد الخصوم والسخاء المادي مع المواليين وبما إن هذا السخاء يستنزف موارد الدولة كانت غنائم الفتوحات من أهم الروافد التي تساعد الخزينة في إدارة سياستها بالإضافة إلى تمويل الجيوش التي تقوم بفتوحات إضافية، كانت إدارة الحكم بعيدة نسبيا عن المفاهيم الأخلاقية للمسلمين الأوائل رغم استثمارها (الميكافيلي) للشرعية الدينية وتطويع مفهوم شريعة الجهاد في توطيد دعائم الحكم وفي هذا العصر بالذات وبسبب حداثة التحاق الاموين بالإسلام (حيث إن اغلبهم اسلم بعد فتح مكة) فقدوا القدرة على طرح أنفسهم كزعماء دين يمكن الوثوق بهم خاصة مع وجود الكثير من صحابة النبي وأهل بيته الذين يمتلكون ميزة السبق في الإيمان و تلقيهم تعاليم الإسلام منه مباشرة وكان ابتعاد اغلب الامويين عن حياة الزهد والعفة التي ينبغي أن يكون عليها المسلم العادي فضلا عن رجل الدين عاملا آخر في عدم موضوعية دمج السلطتين بأيديهم بشكل عملي ولسد هذه الثغرة فضلوا التمسك بالسلطة السياسية وترك الشؤون الدينية لطبقة رجال الدين النفعيين كموظفين يخدمون هذه الدولة الغنية والقوية بعيدا عن الاستقلالية العلمية التي ينبغي أن يكونوا عليها مستخدمين معارفهم في بنائها وفق رغبات الخليفة ومشروعه التوسعي بغض النضر عن مدى قربه أو بعده عن جوهر الإسلام، على الرغم من إن الخليفة في الظاهر هو الزعيم الديني للدولة، إلا إن هذه الطبقة الناشئة استطاعت التمدد وإيجاد موطئ قدم لها في النظام السياسي للدولة.

ولم تخالف الإمبراطورية العباسية النهج الأموي في طريقة تعاطيها مع الشأنين السياسي والديني فمع إنها قامت كثورة ذات طابع ديني وقبلي لاسترداد حقهم المغتصب في الحكم (حسب رأيهم) فقد انتهت إلى نمط حكم يكاد يكون متطابقا مع سلفه.

وطد فقهاء الدولتين مفاهيم الشرعية الدينية للحاكم السياسي غير آبهين بدرجة القبول الشعبي أو حجم الظلم الصادر من هذا الحاكم، مروجين لمصطلح الحق الإلهي في الحكم وعدم جواز خروج المحكوم على الحاكم مهما كانت تصرفاته بعيدة عن الشريعة الدينية التي يدعون تمثيلها وهو مثال صارخ على تسخير الدين لخدمة المصالح السياسية حتى في عصرنا الراهن وتجلى هذا التناقض بأبشع صوره في أحداث الربيع العربي حيث يصدر وعاض السلاطين (كما وصفهم الدكتور علي الوردي) فتوى تؤيد المظاهرات في بلد لا يتفق وسياسة مموليهم بينما يفتون بحرمتها في بلد آخر لا يقل استبدادا عن الأول في تجاوز خطير لمعايير العدالة واحترام الذات أو القيم الدينية التي يدعون تمثيلها،وفي مقابل هذا السلوك الديني غير المهتم بمشاكل المجتمع وخاصة الطبقات الأضعف فيه نشأت حركات دينية واجتماعية معارضة عديدة بعضها فكرية وأخرى ذات طابع مسلح ساهمت في الانقسام العمودي على شكل مذاهب وطوائف إسلامية متصارعة انتظمت في أتلافين كبيرين هما(الفرق السنية الحاكمة) و(الفرق الشيعية المعارضة) مع بعض الاستثناءات التاريخية التي تبادل فيها الفريقين المراكز، لعب موضوع التمويل دورا مؤثرا في نشوء التطرف لدى الفريقين فبالنسبة لفقهاء السنة كان مصدر تمويلهم هو الدولة وهذا يفرض عليهم محاباتها أو على الأقل تجاهل ممارساتها غير الانسانية وكلما كانوا شديدي النقد لخصوم الدولة وإصدار فتاوى التكفير بحقهم كانت لهم من العطايا والنفوذ ما يرغبون وأكثر، أما فقهاء الشيعة فكان تمويلهم من عامة الشعب - عن طريق ضريبة الخمس- وهذا الشعب في غالبه محبط ويعاني الفقر والتمييز لذالك فان الفقيه الذي لا يعبر عن تطلعاته بانتقاد الدولة والتوسع في ذكر مثالب الحكام السابقين والحاليين ورجال الدين المساندين لهم لا يحصل على الخمس وكان معيار الثقة التي يستحق فيها رجل الدين المعارض أموال الخمس يتعلق بإمكانياته الخطابية التي يوضفها في النيل من الدولة ورجال الدين المؤيدين لها فالعلاقة طردية بين حجم الانتقاد وبين كمية الموارد الاقتصادية التي يجذب بها المزيد من الأنصار عن طريق برامج التكافل الاجتماعي وإنشاء المدارس الدينية ولم يكن هذا العمل ديني بحت بل كان وسيلة للوصول إلى السلطة عن طريق امتلاك النفوذ الشعبي (السلطة الشعبية) كمعادل موضوعي لسلطة الدولة، وكان أسلوب الوصول لهذا النفوذ يحمل الكثير من البعد عن الموضوعية فهو يستلهم من الوقائع التاريخية التي تزخر بالمواقف النبيلة والشجاعة النادرة قصصا فيها الكثير من المبالغات والحشو الخرافي لدغدغة مشاعر السذج ببكائيات أبعدتهم عن المعاني الإنسانية العظيمة لتلك الوقائع التاريخية وأهمها معركة كربلاء لتصبح هذه الروايات والأحكام المستنبطة منها جزءا من الموروث المقدس لدى عامة الناس حتى لو كان فيها الكثير من عدم المنطقية،وإذا كان هذا الوصف ينطبق على المجتمعات المختلطة مذهبيا فانه يصح أيضا على المجتمعات المتجانسة من حيث المذهب فعندما تصل فرقة معينة إلى الحكم تمارس الفرق الأخرى دور المعارضة والسبب الوحيد لتوحيد هذه الفرق كان تغذية الشعور بالخطر الداهم من الطائفة الأخرى وهو الأمر الذي جعل الصراع الشيعي السني محتدما طيلة قرون ليصل الى ذروته مع ضهور الدولة الصفوية في ايران وقبلها الدولة الفاطمية في مصر التي مارس فيها الاءتلاف السني دور المعارضة وواجه ذات الضلم الذي واجههة الشيعة في زمن الدولتين العباسية والاموية فكلا الفريقين فشلوا في اقامة حكومة عادلة عندما مارسوا الحكم.ولم يكن العامل المذهبي وحيدا بل لعبت العصبية القبلية والتماييز العرقي وسوء توزيع الثروة وقمع الحريات دورا اضافيا في الوصول الى تلك النتيجة في محاكاة لفترة مظلمة من تخلف المسيحية في القرون الوسطى، ويمكن فهم هذا البناء التاريخي المعقد وشبكة المصالح المشتركة بين الوعاض و سلاطينهم وفقهاء المعارضة في ضوء حقيقة تاريخية مازالت تعمل كآلة هدم للدين من داخله وهي إن أغلبية المشتغلين بالشأن الديني ينضرون لعملهم الذي من المفترض أن يكون أخلاقيا في المقام الأول كمهنة تحمل اشتراطات العمل الدنيوي من ربح وخسارة ومحاولة الحصول على أعلى المكاسب، لقد عملت هذه العلاقة التبادلية بين السلطتين (السياسية) و(الدينية)على منع ارتقاء المفاهيم الدينية بنسبة تتوافق ودرجة التطور التي طرأت على العلوم الدنيوية ومن هنا نشأت الفجوة بين الدين والحضارة ومنعت المجتمع من القدرة على إنتاج نظام سياسي يخرج من عباءة الحكم المطلق للفرد والقبيلة والجماعة أو أحداث تطور ممنهج في العلوم المختلفة حيث اقتصر الانجاز على حالات فردية لعلماء ساعدتهم ظروف استثنائية للقيام بأعمال جليلة. فهذه العلاقة الانتهازية بين الدين والدولة من جهة والدين والمجتمع من جهة أخرى تحتاج إلى وسط مثقل بالجهل والفقر للنمو لذا حرصت سلطتي الاستبداد الديني والسياسي على بقاء سمة التخلف ملازمة للشعب كشرط لاستمرار نفوذهما، يقال إن احد الشيوخ كان يشرح آيات من سورة البقرة في إحدى مدن جنوب العراق فسأله احدهم أن يشرح له أية الإمام علي فعندما اخبره بعدم وجود مثل هذه الآية  ثار قائلا أي قرآن هذا الذي يذكر البقر ولا يذكر أمير المؤمنين؟!!،.لعب الجهد الفقهي غير المسؤل لمئات السنين من إحاطة الحكام وحاشيتهم الدينية لبعضهم البعض وزعماء المعارضة وفقهائهم بهالة قدسية تمنع أي نوع من المواجهة الحقيقية معهم فكل من يحاول رفض آرائهم أو قوانينهم فأن تهم الزندقة والردة ومحاربة الله ورسوله بانتظاره وغالبا ما تكون عقوبة هذه التهم هي الموت، وفي المقابل اكتسبت مبالغات المعارضة في تناول التاريخ الديني للإحداث ذات القدسية التي تمنع أي مجال لإخضاعها لمنهج نقدي عقلاني،

وكل ما نلاحظه من تطرف أسلامي هو نتيجة طبيعية لتقديس أشخاص يتم اقتفاء أرائهم وإتباع خطاهم دون إعطاء فرصة ولو ضئيلة لعملية مراجعة حقيقية لتجاربهم وظروف إصدار الفتاوى التي كان الكثير منها تدخل في دائرة المجاملة للسلطة أو الرعاع في بعض الأحيان تبعا لمصادر التمويل،توسعت دائرة المهام الدينية نتيجة التخلف العام الى شؤون الصحة وتفاصيل العلاقات الاجتماعية بل وحتى طريقة تناول الطعام وعلى سبيل المثال مارس الفقهاء دور مدرسي( الاتكيت) عندما طرحوا روايات تتحدث عن وجود حبة في كل ثمرة رمان اصلها من الجنة لذالك يجب ان يحرص المؤمن على عدم اسقاط أي حبة رمان على الارض ليحضى بفرصة تناول هذه الحبة التي نمت ونضجت في الجنة لتصل الى ثمرة الرمان الماخوذة من بساتين دمشق او بغداد او القاهرة بطريقة لايعلمها الا هم!! ا وان رفع حبة ارز من الارض فيه عدد كبير من الحسنات وغسل الجنابة يجب ان يتم بطريقة محددة والا فان المجنب لن يكون طاهرا، ان التفسير المنطقي لهذه الروايات يتعلق بالحث على تناول الطعام بطريقة متحضرة وتجنب بقاء الفضلات في محلها والعمل على نضافة الجسم بصورة صحية اما سبب تناول الفقه الديني لهذه التفاصيل فهو لملئ الفراغ الناتج عن الجهل وعدم وجود مؤسسات تعنى بتهذيب سلوك الانسان وارشاده الى العادات الصحية السليمة، فلو صدرت ارشادات مثل عدم رمي النفايات في الاماكن العامة اووجوب الاهتمام بنضافة الجسم عن طبيب او مؤسسة تهتم بالشان العام في ذالك الوقت الذي لايعرف فيها المجتمع سوى سلطتين هما الخليفة ونوابه الامراء ورجال الدين لما كان لهذه الارشادات تاثير يذكر لكن صدورها عن رجال الدين يعطيها قوة الزام اعتبارية،لذالك متى ما تم ملئ مثل هذه الفراغات في بنية المجتمع عاد الدين الى وظائفه الاساسية في الدعوة والارشاد العام للفضيلة بكل معانيها بلا عملية ترغيب ساذجة،قادت هذه العوامل التي تجاوزت المهمة الاخلاقية للدين للتطرف الذي وصل حد الاستهتار بالقيم الروحية التي يمثلها الدين و إتباع طرق أحادية النضرة في تفسير النصوص فقط ليتلائم هذا التفسير مع ميول العنف والإرهاب وسوء الخلق وكل الاضطرابات النفسية التي يعاني منها المتطرفون، بعيدا عن الغاية الحقيقية له وهي تنظيم العلاقة الشخصية بين الإنسان وخالقه دون التدخل الفج في خياراته الدنيوية، مادامت لاتنتهك حرية الآخرين أو القانون و بما يحقق الاطمئنان الروحي والانسجام الداخلي مع فكرة العبودية لله الواحد الأحد والتعايش مع الاخر وهي الأساس الأول للإيمان الحقيقي وأي دين لا يحقق هذا الهدف فهو دين فاقد لهويته، فما الحاجة لدين يؤذي المجتمع عن طريق القتل والسرقة والاغتصاب والتضييق على الحريات الشخصية بحجة بناءه بالطريقة التي يكون فيها الانسان اقرب الى الله، كما يحدث الان في ضل دولة الخلافة التي اعلنها البغدادي!!

أدت نتائج ثورة القس مارتن لوثر (ثورة الإصلاح البروتستانتي) التي انطلقت عام 1517 إلى تغيير جوهري شامل في بنية الكنيسة الكاثوليكية،ظهر على شكل تجديد هائل في نضرة المجتمع للوظيفة الدينية وإعادتها إلى بعدها السماوي بعيدا عن رذائل السياسة وانحطاط وسائل البحث عن زيادة عن طريق بيع صكوك الغفران مثلا، وترتب على عملية الإصلاح اللوثرية ابتدءا من عصر النهضة انحسار دور رجال الدين في الشؤون السياسية بشكل عام وصولا إلى الثورة الفرنسية التي شهدت الانفصال التام بين الدولة والدين وهو ما سمح للمجتمع الأوربي بالتخلص من قيود الكنيسة والانطلاق نحو بناء نموذج حضاري (مدني) وهو ما حدد في النهاية حجم تفوق الغرب المسيحي على الشرق الإسلامي في كل المجالات وبلا استثناء.

لم يحدث هذا التحول بيسر وسهولة بل وجد مقاومة عنيفة وشرسة من المحافظين والمنتفعين من سلطة الكنيسة وحكم طبقة النبلاء التي تدين بخضوع الأفراد لقسوتها إلى الشرعية الدينية التي وفرتها علاقة المنفعة بينهما،لكن الحتمية التاريخية للتطور المعرفي التي انطلقت بفضل الحركة البروتستانتية انتصرت للنموذج العلماني للدولة وهو الدافع الأساس للاستقرار والنمو في تلك المجتمعات محققين الغاية النهائية للوجود الإنساني في الحياة على المستوى العملي .

 لم يحضى الإسلام بهذه الفرصة للتطور والقيام بحركة إصلاحية جدية تنقله من احد أهم أدوات القمع الفكري والسياسي إلى وسيلة للخير والعدل والمساواة عبر تنمية الحس الأخلاقي للفرد بسبب افتقاده لمصلحين حقيقيين قادرين على التخلص من هيمنة التفسير الكلاسيكي المتاخر علميا والموجه سياسيا للتراث الاسلامي باعتباره تاريخ مقدس من الانجازات لايجوز القفز عليها، أو أن درجة هذا القمع واكتسابه شرعية دينية منعت تلك الحركات الإصلاحية الحقيقية من اخذ مداها الذي يتجاوز عتبة الخضوع الاجتماعي للظلم وهو الأرجح بالنضر إلى عدم نجاح المحاولات التجديدية للشيخين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في نهايات القرن التاسع عشر والدكتور علي شريعتي والمرجعين أياد ألركابي و محمد حسين فضل الله فبما بعد على سبيل المثال وبقائها في حدود التنظير النخبوي، وهذه الحقائق لا تعني التسليم برأي (برنارد لويس) القائل بان الإسلام دين غير قابل للتطور في تحليله لازمة الإسلام  فقد وقع في ذات الشرك الذي وقع فيه وعاض السلاطين عندما سخروا آرائهم في خدمة أهداف تبعدها عن الموضوعية والحياد، لكن الثابت إن الإسلام مازال غير قادر على إيجاد الحل لمعضلة تحديد صلاحياته في المجتمع وحدود سلطته التي تبدو مطلقة وغير مقيدة من خلال قدرات تنفيذية مباشرة تمارسها مجموعات مسلحة تابعة لمؤسسات وأحزاب دينية أو من خلال أجهزة الدولة في حالات معينة.

إن ربط (لويس) لتخلف الشعوب العربية والإسلامية بالإسلام كديانة مختلفة عن اليهودية والمسيحية من حيث الاستجابة للمتغيرات، فيه الكثير من التسطيح لجوهر أزمة الشعوب الإسلامية فالنضرة المتسرعة والمتلازمة مع خريطة العنف العالمية وارتباط معظمها بحركات وجماعات إسلامية من افريقيا الوسطى ومالي ونايجريا الى افغانستان وباكستان مرورا بالجزائر وليبيا وتونس ومصر واليمن والعراق وسوريا تؤدي إلى هذه النتيجة، لكن التعمق في محاولة فهم الأزمة تقودنا إلى حقيقة إنها تتعلق بمدى فهمنا لآيات القران والتراث الإسلامي عموما ولأاعتقد إن مفكرا لامعا مثل (برنارد لويس) لا يدرك هذه الحقيقة لكنه تعمد تغييبها لان القول بان التخلف هو سمة أصيلة في الإسلام وانه غير قابل للتطور كالديانتين المسيحية واليهودية في اتهام مبطن بأنه دين غير سماوي ولا يمثل امتدادا لهما يخدم فكرة وجوب القضاء على هذا الدين الذي يعيق عملية التطور الحضاري لسكان الارض، وهو رأي يعتمد تجزئة الحقائق تلبية لرغباته المتصلة بميوله السياسية والدينية بعيدا عن كفاءته العلمية المرموقة التي سخرها لترسيخ عملية التدمير الذاتي للحضارة الإسلامية.

تتطلب عملية النهوض الحضاري للدول الإسلامية وتجنب مخاطر التقسيم التي ستعيدنا إلى مرحلة تكوين المجتمعات البدائية والانخراط في حروب طائفية لا يوجد فيها منتصر، مراجعة جدية للتراث الإسلامي تنزع عنه صفة القداسة وإخضاعه لمنهج نقدي يتفق ومعايير الحياة الإنسانية في القرن الواحد والعشرين للتخلص من حالة التخلف والعنف والانغلاق على آراء وفتاوى أشخاص عاشوا قبل ألف عام باعتبارهم السلف الصالح فلا يمكن فهم الدين إلا من خلالهم !!..ستؤدي هذه المراجعة بالتأكيد إلى إنتاج مفهوم معاصر للوظيفة الدينية يفصل بشكل لا يقبل الغموض بين الديني والسياسي ليعود الى طابعه الاجتماعي الذي تراجع لصالح مهام أخرى هي من صميم عمل الدولة والمجتمع المعاصر.

إن كل ما نعانيه اليوم من تطرف وإرهاب هو ثمرة هذا الزواج ألقسري بين الدين والسياسة بطريقة أدت إلى ربط تلقائي بين الإرهاب والإسلام (نظرية بافلوف) محولين آليات بناء مجتمع إسلامي تسوده العدالة والمساواة (على الأقل وفق قياسات العصور الوسطى) إلى آليات للتدمير الذاتي ففريضة الزكاة على سبيل المثال التي أراد منها الإسلام إعادة توزيع الثروة في المجتمع وفق منظور اشتراكي يحقق كرامة وإنسانية الفئات الفقيرة في المجتمع تحولت إلى مصدر تمويل لعمليات القتل والذبح والاغتصاب  وشراء الذمم وتفعيل سياسات تزيد من فرقة المسلمين وتثير بينهم كل انواع الضغائن التاريخية ولو طبقت هذه الضريبة بالطريقة التي شرعها الإسلام لما وجدنا مسلم فقير على الإطلاق، فتحول الخلاف الفقهي الطبيعي - في ضل أنظمة سياسية محايدة تحترم جميع الآراء - إلى خلاف سياسي دفع ومازال المسلمون ثمنه دماء وثروات مهدورة بشكل يعكس حجم التخلف الذي وصلت إليه معظم الجماعات الإسلامية والأنظمة السياسية المرتبطة بها.

 إن أي نظام سياسي يعتمد على الشرعية الدينية أو ينطلق منها للوصول إلى الحكم -حتى وان حصل ذالك باليات ديمقراطية- فهو نظام محكوم بالفشل لان أي حزب أو جماعة دينية ستمارس العمل السياسي من منطلقات عقائدية وبما إن فهم العقيدة الإسلامية اخذ أشكالا مختلفة ولم تعد هناك عقيدة واحدة وكل طائفة تعتقد أنها تمثل الإسلام المحمدي بشكله الصحيح فسيكون أداء هذا الحزب أو الجماعة طائفيا فالطائفية صفة أصيلة في تكوين أي جماعة دينية دعوية أو سياسية بسبب الانتماء المذهبي لإفرادها يفرض عليهم اعتقادا مقدسا بأنهم يمثلون وجهة النظر الصحيحة للإسلام وباقي المذاهب باطلة وهو ما يستلزم تجاهلها عند المعتدلين والتكفير عند المتشددين وهو حكم خطير يعطي الحق بقتل ومصادرة الأموال وسبي النساء للمختلفين معهم في الرأي بل يراه المتشددون واجب مقدس يوجب الجنة لمن يموت في سبيل تحقيقه!!، وانطلاقا من هذه الحقيقة فان أي تنظيم سياسي يأخذ من الدين شرعيته يساهم بهدم هذا الدين بنفس القدر الذي يدعي التمسك به.

تشبه الطاقة الروحية للدين إلى حد كبير الطاقة الذرية التي تحمل قوة كبيرة جدا يمكن الإفادة منها لو تم استخدامها بشكل عقلاني وسلمي تساهم في رفاهية الانسان ليعيش حالة سلام نفسي وسمو أخلاقي يتيح له الإبداع ومحاولة صنع حياة أفضل بمشاركة كل البشر بغض النضر عن ديانتهم،أما إذا استخدمها الجهلة بالشكل الخاطئ فإنها ستنتج اكبر أسلحة الدمار الشامل وهي الحروب الطائفية التي لا يقتصر ضررها على جيل محدد بل يتعداه إلى أجيال قادمة إلى أن نصل إلى مرحلة لا يوجد جيل اخر تحصده نار الفتنة، لعن الله من ايقضها.

والخلاصة إن رجل الدين لا يمكن أن يكون سياسيا بمعنى البحث عن أو ممارسة السلطة والسياسي لا يمكن أن يكون رجل دين يلتزم بالسمو الأخلاقي والزهد والحث على الخير والمحبة لكل الناس وتسخير معرفته الدينية لتقريب الإنسان من خالقه، فالدين رسالة آلهية ثابتة الأهداف تتطلب أناسا يرتبطون بالسماء أكثر من ارتباطهم بالارض اما السياسة فهي ممارسة لعمل دنيوي يتطلب الكثير من الدهاء والخبث والنفاق وعدم النزاهة وتغيير المواقف حسب المصالح فهي فن الممكن في ضل أهداف متغيرة، إن محاولة الجمع بين الثابت والمتغير عبر التاريخ الإسلامي جعلنا نخسر الدين ونفشل في السياسة.

  

                   علاء فالح أبورغيف

 

alaa falihaburgeefهل يستحق الانتماء الديني والمذهبي كل هذا التعصب؟

أولا وقبل كل شيء، الأيمان ضرورة وجودية للبشر ولا معنى للحياة بلا أيمان حقيقي، وهو الاختلاف الوحيد - بين الإنسان والحيوان - القادر على الصمود أمام تقدم العلم وجبروت التكنولوجيا، خاصة مع اكتشاف العلماء أن لبعض أنواع القرود نشاط عقلي محدود يمكن تنميته فلم يعد الإنسان هو الحيوان العاقل أو الناطق لان الجميع بات يعرف إن للحيوانات قدرات صوتية للتواصل أذا اتفقنا إن ابسط مفاهيم اللغة تعني صوت + دلالة، وبذالك يمكننا تصحيح الوصف ليتحول الى :الإنسان عبارة عن حيوان مؤمن، ومازلت اعتقد إن السبب الجوهري لانهيار الشيوعية هو محاولة إلغاء غريزتين أساسيتين لبني البشر بالقسر والإكراه وهما الإيمان وحب التملك،لذالك أتمنى أن لا يفهم أن هذا المقال يقلل من أهمية الانتماء الديني أو يحمل أي نوع من الازدراء لأي مجموعة دينية مهما كان اعتقادها .

ويبقى الإيمان مفهوم نسبي فما يراه الحلاج معرفة حقيقية لله يجده الآخرون كفر وزندقة أوجبت صلبه. وقد يستغرب اليهودي من عبادة اغلب شعوب جنوب شرق أسيا الأصنام التي ترمز إلى بوذا بينما يسخر البوذيين من عبادة اليهود لإله يعيش في غياهب المجهول ولا يراه احد، ويجد اليهودي في مقولة المسيحيين بان يسوع ابن الله شرك وكفر بينما يجد المسيحيون والمسلمون ان مقولة اليهود بأنهم شعب الله المختار مختلقة وكذب على الله.

أن التعصب ناتج عن اعتقاد الشخص بأنه يملك الحقيقة المطلقة فيما يخص إيمانه الديني، ويشكر ربه على هذه النعمة بأن وهبه الانتماء الديني والمذهبي الصحيح فتراه يشفق على الآخرين الغارقين في بحور الضلال والكفر وأحيانا تتحول الشفقة إلى خصام وعداوة وحرب يحاول فيها المؤمن أن يفرض قناعته على الآخرين بالقوة وأحيانا لا يكلف نفسه ذالك الجهد فيقتلهم طمعا في الأجر والثواب من ربه.

وهذا الوصف ينطبق على جميع الأديان السماوية والوثنية بشكل أو آخر فحتى أكثر الديانات سلمية تتحول في حالات الصراع الديني والمذهبي الى المنهج ألعنفي وهذا ما لمسناه في الإبادة التي تعرض لها مسلمي (الرهونجا)على يد البوذيين في تيمور الشرقية العام الماضي، بل حتى الملحدين يدافعون عن إلحادهم بذات التعصب وقد امتلاء تاريخ الشيوعيين بدماء المؤمنين عندما رفع البلاشفة شعارهم الشهير (الدين أفيون الشعوب).

لم يكن للأيمان صلة قوية بالعقل فقد تجد أستاذا جامعيا مرموقا يدين بالهندوسية ويعبد البقر أو مهندس ياباني لامع يدهشك باختراعاته يعبد بوذا ويقدم القرابين لتمثال من الذهب طلبا للمغفرة والرحمة،وقلة قليلة من الناس من تحول عن دينه أو مذهبه نتيجة لمراجعة نقدية لها. لكننا نجد إن الصلة بين التعصب والجهل قوية فكلما تقدم الشخص في مجال التحصيل العلمي (باستثناء التعليم الديني الذي يعمق فكرة ضلالة الآخر) أصبح أكثر تسامحا وقدرة على الاستماع للرأي الأخر بلا تشنج، لكن الخطورة الحقيقية للتعصب تكمن في قدرته على خرق هذه القاعدة وتجاوز حواجز التحضر فقد تحول الايرلنديون الشماليون وهم شعب متحضر ويمارس الديمقراطية منذ مئات السنين الى شعب يمارس العنف بطرق وحشية عندما خاض حربا طائفية بين الكاثوليك والبروتستانت خلال حقبة الثمانينات من القرن المنصرم.

أن الانتماء الديني هو مجرد صدفة جغرافية وقد تكون هذه الصدفة في صالح الشخص أو في غير صالحه (والله اعلم) فلو فرضنا مثلا إن الشيخ القرضاوي ولد في النجف ودخل حوزتها العلمية لوجدناه من أكثر المدافعين عن الشيعة اللذين يكفر اغلبهم و حتى أذا لم يختر مجال دراسة العلوم الدينية فمجرد وجوده في بيئة شيعية ستجعل منه رجل شيعي عادي يمارس ذات الطقوس التي يستهجنها الآن!!

والعكس تخيل لو إن السيد السستاني (وهذا ليس تقليلا من شأنه المحترم) قد ولد في الصين لأب يعمل في إحدى مصانع بكين وأم معلمة فماذا سيكون شكل الاعتقاد الديني لديه؟!!

لذالك علينا أن نعلم إن الآخرين يتصورون ذات التصور الذي نملكه وهو إن الله يحبنا وقد شاءت قدرته أن نسلك الطريق القويم بان زرع في قلوبنا الهداية بالدين والمذهب الذي ننتمي أليه فلا داعي للتعصب لديننا ومذهبنا بل إن الواجب الحضاري والأخلاقي قبل الواجب الديني يفرض علينا احترام الأخر المختلف عنا دينيا ومذهبيا وعدم محاولة فرض عقيدتنا عليه..لأننا جميعا في نهاية الأمر لم نكن نملك خيارا تجاه طبيعة إيماننا الديني والمذهبي بل إن البيئة التي نشانا فيها هي من فرضت علينا معتقداتنا الدينية، ويمكن الرجوع لكتاب علي الوردي (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي) لمعرفة تأثير البيئة في الاعتقاد الديني وهو يتحدث عن عدد من العشائر السنية تحولت إلى المذهب الشيعي عندما هاجرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلى مناطق جنوب ووسط (الفرات الأوسط) العراق طلبا للرزق، وهو ما يفسر انقسام قبيلتي شمر وتميم - على سبيل المثال - إلى بطون تؤمن بالمذهب الشيعي وأخرى بالمذهب السني.

والخلاصة أخي القارئ من حقك أن تعتز بعقيدك الدينية ومن واجبي احترامها، بدون تعصب فقد نكون كلانا على خطأ .

 

علاء فالح ابو رغيف

abdalla alfafiما دام الخالق موجودًا، فهذا يقتضي أنه معنيٌّ بمن خلق، معنيٌّ بأن يُرسل إليهم رسولًا، يبيّن لهم، ويجيب عن تساؤلاتهم. من قال غير ذلك، فما قَدَرَ اللهَ حقَّ قَدره. وهو ما أشارت الآيات القرآنيّة إليه. وإن آية صدق أنبياء الله أنهم نُصِروا وأُيِّدوا، وانتشرت دياناتهم في البشريّة كافَّة، شرقًا وغربًا، كما لم تُفلِح أيَّةُ دعوةٍ أو نظريّةٍ في التاريخ أن تفعل، ومهما أوتيتْ من قوّة ونفوذ وسُلطان. فما معنى هذا؟ معناه أنها حقٌّ، وإلّا فأيّ مَلِكٍ يسمح بأن يعبث أحد باسمه، وأن يعيث في مُلكه، دون أن يتدخّل؟! بل أكثر من ذلك، هو يُوفِّق ويُمِدّ بالعون والتأييد؟! أي مَلِكٍ خائبٍ يقع في حِماه مثل ذلك فيسكت عنه، بل ينصر المفترين عليه وعلى خَلقه؟! تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا!

إن منطق اللا دِينيّ، كمنطق الملحِد، بلا منطق. وإنْ جاء يعتزّ بعقلانيّته، فبايّ عقلٍ يهرف أو عقلانيَّة؟! ليس العقل ما يحدو هؤلاء، إنما هوى النفس، وعاطفة التخفّف من المسؤوليّات، والتنصّل من الالتزامات المترتّبة على الإيمان، كلّ أولئك تزيّن لأصاحبها الكذب على أنفسهم. فترى أحدهم يُنفق عمره في الجدال وتأليف الكتب؛ وهو إنما يفعل ذلك لكي يُقنع نفسه بنفسه، ولكي يُسكِت ضميره المضطرم، بل ليُسكِت إشارات عقله، التي لا تكفّ عن إيماضها بأن ثمَّة حقيقة ما هنالك. غير أن أصوليِّي التطوريّين يتعبّدون (داروين) بفرضيّته في التطوّر؛ وما زالوا يؤمنون بتراث القرن التاسع عشر، وإن نُقضتْ (لوسي) الشنمبانزيّة، 1974، بأردي ARDI- أو "المرأة الأرضيّة"، التي تسير على قدميها على الأرض- والتي اكتشفت في صحراء (عفار الأثيوبيَّة)، 1994، وتعود إلى أربعة ملايين وأربع مئة ألف سنة. كلّا، إن القوم مصرّون على شنمبانزيّتهم. ولا يستفزّهم من شيء كما يستفزّهم أيّ طعنٍ في نبيّهم- البيولوجي الهاوي- داروين ونظريّته، حتى لو جاء طعنًا علميًّا من غير الهُواة. بل إنه لو بُعِث داروين نفسه، فتراجع عن فرضيّة التطوّر، لكُبْكِبوا على رؤوسهم إصرارًا عليها، وتمسّكًا بها، وجهادًا في سبيلها؛ لا لأن غايتهم الحقّ والبحث الجادّ عن الحقيقة العِلميّة، لكن لأنها تُحقِّق لهم هوى أنفسهم في المكابرة ونفي الإله، وإنكار أصل الخلق الوارد في الأديان، مع أن نبيَّهم الهاوي كان مؤمنًا! إنما هو الهوى حين يتحوّل إلى عقيدةٍ معقّدة، تُعمي وتُصِم.

على أن الله سبحانه ليس في حاجة إلى عبوديَّة الخَلق أصلًا، ولا ينفعه إيمانهم، ولا يضيره كفرهم. لا يأبه لاتّباعهم ولا لضلالهم، فهو الغني الحميد، لكنه لا يرضَى لهم الكفر والضلال، إشفاقًا. هو القائل في المستوى الاعتقادي: «فَمَن شَاء، فَلْيُؤْمِن، ومَن شَاء، فَلْيَكْفُر»، [الكهف: 29]، وفي المستوى السلوكي والأخلاقي: «اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ، إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ»، [فصلت : 40]. وإنما بعثَ الرسلَ مذكِّرين ومنذرين بما يُقيم أود الإنسان، ويُصلح باله، ويُحيي مواته، وشرع الشرائع لمصلحة الإنسان نفسه، ولتنظيم حياته، ورفع الظلم عنه، وتحريره من أغلاله، النفسيَّة والجمعيَّة والكونيَّة. ولكنّ الإنسان يظلّ ظلومًا لنفسه جهولًا، وإنْ باسم العِلم والعلمانيَّة.

-2-

وإن هذا التيّار الصارخ في بريَّة عصرنا لَمتشجِّـرٌ في نماذج متفرّقة متفاوتة. ولقد أصبح معظمها مقبولًا جدًّا، ورائجًا كثيرًا، بل راح يَظهر في عناوين على النباهة والوعي والتنوير في عالمنا العربي. وبضدّها إنما يهرف المتخلِّفون والرجعيُّون في كلّ مكانٍ وزمان!

ويَردُف الإلحادَ بالله الإلحادُ بالأوطان، والقِيَم، والانتماءات. حتى بات من نباهة «التنويريّ» العربيّ الحديث أن يكون تبعًا لمقولات المستشرقين المُغرضين ضدّ العرب والمسلمين على طول الخط، أو على عرضه في الأقل، إنْ قعدتْ به مهاراته وكانت وقاحاته أقل. وإنْ كان فيه تديُّن، ولا مجال لتخلّصه منه بالكُلِّيَّة، فليكن تديُّنًا كَنَسيًّا؛ أي أن يؤمن بعزل الدِّين كُلِّيًّا عن الحياة، وَفق الفكر الكَنَسي المعاصر، الذي لا علاقة له بالفكر الإسلامي والفلسفة الإسلاميّة، وإنما يحاول قولبة الشرائع والثقافات والشعوب على غراره. ولا بدّ لتنويريِّنا أيضًا أن يكون مع نُكران الغرب المديد للحضارة العربيّة والإسلاميّة، الذي سطا على فروعها قبل أصولها عبر التاريخ، ومع عَزْوِه كلّ بِنَى الحضارة الإنسانيّة قديمًا وحديثًا إلى الغرب السارق، وتجسير الفجوة بين الإغريق والغرب الحديث، هكذا نكرانًا، ونفيًا، وإرصادًا لمحو التاريخ، لإخفاء آثار الجريمة الحضاريّة المتمثّلة في سرقة المِلْكيّة العِلْميّة والفِكريّة والفنيَّة. ذلك أن هؤلاء القوم لم يسرقوا الأوطان ومواطنيها، أو يناصروا على ذلك، إلّا بعد أن سرقوا تراث الأوطان ومواطنيها، المعرفي والفكري والفنّي، ثم أنكروه جميعًا، بل ادّعوه لأنفسهم. ولولا ذلك لاستعصت الأوطان عن الاحتلال، كما حدث في محاولات على شعوب أخرى، أبرزها اليابان؛ الذي تأبَّى على الترويض الغربي الماسخ، وعلى سرقة الهويّة والشخصيّة والتراث، فصمد في وجه ذلك التيّار الجارف، ترابًا وتراثًا وثقافة. غير أن الشرق العربيّ، للحقيقة، كان هدفًا استراتيجيًّا غربيًّا بما لا يقارن بغيره من الأوطان؛ لعداوات تاريخيّة لا تَخفَى، وعوامل دينيَّة وسياسيّة كبرى، ومطامع اقتصاديّة عظمى، في ما تحت التراب وما فوقه. وكان من حُسن طالع الغرب أن العربي يُظهر غالبًا استجابة رائعة للانقياد، بل للقيام بواجبه الخياني على أكمل وجه. لا، بل هو متفوّق في ذلك على أساتيذه، بشواهد عريقة على ذلك، عتيقة وحَيَّة. وهو لفطنته لا يحتاج إلى مَدرسة أو مدرّسين، ولا إلى انتماء رسميّ أو حزبيّ، ولا حتى إلى توجيهات مباشرة أو غير مباشرة؛ لأنه يفهمها إيحائيًّا، «وهي طائرة»! كيف لا وهو الشاعر، اللمّاح، الفطِن؟! فإذا هو، لمَلَكاته الخارقة تلك، يعمل تلقائيًّا، من حيث يدري أو لا يدري، في خدمة «الأجندات» الزرقاء والحمراء، سداسيّةً أو مستطيلة. فإنْ لم يفعل، وهو سيفعل، فقلبه رهين الإغراءات، وهو بطبعه الشاعري ضعيف النفس أمامها جِدًّا، لا يُقاوِم وهجها، إنْ توهّجت، ولا دفئها الحريري، إنْ جَنَّه الليل.

بيد أن هذا التابعي «التنويري» الرقيق ما لم يُظهر الولاء الإديولوجي المطلق لكلّ الخطاب العدوّ، وما لم يُظهر التنكّر التامّ والمستميت لماضيه وتراثه وإسهام أُمّته في كتاب الحضارة العالميّ؛ ما لم يصطفّ ذليلًا متبتِّلًا مع كل رائحةٍ تهبّ من تلقاء قِبلته الحَمِئَة، وضدّ كلّ الأنفاس الوطنيّة والعربيّة والإسلاميّة الأصيلة، فهو لا يستحقّ شرف التاج التنويري، ولا الانتماء للنادي الرفيع لطَليعيّي العربان المحدثين! إن عليه أن يغتسل جيِّدًا بحليب النار، وأن يغسل دماغه بديتول يعقِّم من كلّ فيروسات الوعي، ولو استطاع أن يغيِّر ملامح سحنته، ولون بشرته وشَعره، فحبّذا ذلك حبّذا؛ كيما يكون عضوًا مثاليًّا في حزب الأعراب الجُدد، حزب اللا انتماء واللا هويّة واللا كرامة. مَن لم يستطع ذلك، وعلى الصُّعُد كافّة، فتَعْسًا له، ليس بكفؤ للتحلّي بنعت الحداثي، أو التنويري، أو المفكّر، أو الفيلسوف. وأَمامنا ووراءنا حملات حثيثة من أجل ذلك، منذ الاستعمار الغربي لأوطاننا، واستعبادها، عبر التعليم والإعلام والثقافة والفكر لإنتاج أجيال من الدُّمَى تقوم بهذه الوظيفة في أوطانها. وكما صنع الاستعمارُ الغربيُّ الغازي «مستعمِرَنا الوطنيَّ»- على حدّ تعبير الشاعر (عبدالله البردّوني)- صنع كذلك «مستشرقَنا العربيَّ»، من خادم للمصباح الأنجلوسكسوني وخادم لشقيقه الفرانكفوني. أمّا مَن تأذّى من هذا الواقع، أو استيقظ عقله ونبا ضميره، فـ«متخلِّف»: كلمة كفيلة بوَقْصه. ومَن استصرخ لآفةٍ من تلك الآفات الاستئصاليَّة، فامرؤ عاطفيّ؛ إذ على المذبوح هنا أن لا يعترض على سلخه، وأن يكون موضوعيًّا، لا عاطفيًّا! كيف وقد أصبحت العواطف معيبة، ولَبئس الملاذ للعالَمين! كذلك هي اليوم لدى من فقدوا مشاعرهم وقِيَمهم وانتماءاتهم. على الناس التزام الصمت، ومَن أَلِم، منصوح بالسكوت؛ حتى لا يُنْبَز بأنه صاحب خطاب شعاراتي عاطفي، ومَن سكتَ أو غطّ في سُباته، فلا يحاولنّ مستيقظٌ إيقاظه، وإلّا اتّهم بالقذف والتخوين! فالنائم مرفوع عنه القلم، بل ما هو إلّا حكيم يغطّ في موضوعيّته، والساكت عنه حليمٌ أوّاهٌ مُنيب! وماذا تصنع العواطف؟ سؤالٌ عروبيٌّ بات يتردّد، مع أن العالَم من حولنا يمور بعواطفه، ويحاربنا بعواطفه. والثورات العظمى، التي غيَّرت مجرى التاريخ، كانت بفعل عواطف جيّاشة، حرّكت الأُمم والشعوب. ولقد تحدث (ابن خلدون) عن أهميَّة العواطف القوميَّة والدينيَّة في تلاحم الأُمم وفعاليّاتها وحراكها. لكن هكذا يُراد أن يتجرّد العربي من عواطفه، وحوافزه وآماله، ومن أسباب ثقته بربّه وحضارته وحقّه، ومن ركائز معنويّاته النفسيّة والقوميّة؛ فهي لم تفده، ولن تفيد! هكذا يُراد للهزيمة أن تمسي مكوّنًا داخليًا في النفس العربيّة.

إنه خطاب يدلِّس الحقائق، يتردَّد في بعض إعلامنا في شِبه غسيلٍ دماغيٍّ يوميّ، لقتل الحوافز الإنسانيَّة، باسم الموضوعيّة وانتظار ما ستسفر عنه (خطّة غاندي وعنزه)! ويا ليت لدينا عقلانيَّة موضوعيَّة تُنتج حقًّا وتبني، لكنها عقلانيَّة وموضوعيَّة لا تتجلَّى عبقريّاتهما الإعلاميّة إلّا في التثبيط، والتخذيل، وجلد الذات والأقارب، وتمجيد الآخَر، إلى درجة التأليه. عقلانيَّة عربيَّة وموضوعيَّة مزعومتان، لا تريان إلّا هواهما، تتحيّنان الفُرص لنفث ما كانت تُخفي صدورهما في ظروفٍ غير مواتية. لذا لا عجب أن تغيب دعوى العقلانيَّة والموضوعيَّة حينما تتعارضان مع المذهب الليبرالي العربي ومصالحه. وهو مذهب ذهب مع رياح الربيع العربي، فاقدًا احترام كلّ ذي عقلٍ بشريّ وموضوعيَّة حضاريَّة، لتلك المواقف غير الليبراليّة التي تجلّت من بعض أدعياء اللبرلة؛ والتي كشفت عن محض صبيانيّة وعدم نزاهة ولا إنسانية، وأنها توجُّهٌ لا يعدو فِكرًا متطرِّفًا هو الآخر، أبعد ما يكون عن لغةِ حُريَّةٍ، ومنطق عقلٍ، ونهجٍ موضوعيٍّ قويم. إنه لا يختلف عن غيره إلّا في الوُجهة والعقيدة المعتنقة، يرسف في دوغمائيّته وعماه ومرض قلبه، مثل سواه من أبناء أرومته. مختصر القضيّة لديه أنه آخذٌ المسألة مسألة مزايدة قَبَلِيَّة لا أكثر، وراكبٌ لأجلها عَنْزَهُ الطائرةَ في الاتجاه الذي اختار، أو اختير له. أعمى البصر والبصيرة؛ من حيث إن معظم الليبراليِّين العرب لم يتلبرلوا أساسًا إلّا عن عُقَـد نفسيَّة أو اجتماعيَّة أو ثقافيَّة، تأخذ بنواصيهم والأقدام، لا عن اختيارات فكريَّة أو اقتناعات معرفيَّة، تتمتّع بشجاعة الاستقلال والحُريَّة والمبدأ؛ لأنهم بدورهم ضحايا واقعٍ مريضٍ من أخمص قدميه حتى قُلَّة رأسه، أفرزَ تشوّهاتهم كما فعل بغيرهم، في وباءٍ وراثيٍّ عتيق.

 

عبد الله بن أحمد الفيفي

fatehi alhabowbi«كلّما إزداد الإنسان غباوة ..إزداد يقينا بأنّه أفضل من غيره في كلّ شيء».

علي الوردي/ عالم اجتماع ومؤرّخ عراقي

لطالما تساءلت عمّا إذا كان جدير بنا التسليم بأنّ قدر العرب هو المعاناة أبدا جرّاء حالة التردّي الخطير لأوضاعهم التعيسة وووعيهم المستلب وخواء حياتهم العبثيّة. بل وجرّاء الإنبتات والإغتراب الثقافي والتشرذم والتقزيم السياسي والتشظّي الجغرافي وانتشار التخاريف والدجل الديني والسياسي واستفحال التخلّف الإقتصادي والإجتماعي ونحو ذلك. كما يلحّ عليّ السؤال عمّا إذا كان قدرهم أن يتحمّلوا حماقات وسخافة شطحات حكّامهم المستبدّين، أنصاف وأشباه الرجال، الذين يسيطرون بمعيّة بطانتهم على مقادير الأمّة وثرواتها، ثمّ هم يعيشون حالة مرض الانطواء على الذات بعيدا عن هموم شعوبهم وخدمة مصالحها. حيث أنّهم ، في الأغلب الأعمّ، ينحدرون من رافدين إثنين لا ثالث لهما -إلاّ نادرا في حالة الملكيات المطلقة- وهما العسكر (وأغلبهم قوميون وعلمانيون) والاسلام السياسي قبل اندحاره (وأكثر المنتسبين إليه سلفيون). كما أنّي أتساءل فيما إذا كان قدر العرب المحتوم الذي لا بديل عنه، إنّما هو في معايشة الكوارث المتعاقبة وتحمّل الآلام والأوجاع جرّاء إحصاء قتلاهم كلّ يوم بالمئات في كل شبر من الوطن العربي "الكبير"، الصغير بالمعايير الدوليّة، انتاجا وعلما وفكرا وثقافة وأدبا وسياسة ونحو ذلك. علما أنّ هؤلاء القتلى -للأسف- يسقطون، ليس فقط على أيدي أعدائهم، بل وأيضا-وهو العجب العجاب- على أيدي "إخوانهم" ممّن يسمّون أنفسهم وينعتهم الآخرون -تجاوزا- بالجهاديين. لأنّ جهادهم، بعكس ما يزعمون، إنّما هو نزق وطيش. إنّه جهاد الحمقى الجهّال -وجهالتهم بيّنة لا تحتاج إلى إستدلال- الذين ينخرون جسد الأمّة كما الجرح الدامي، لأنّهم أينما حلّوا، لا ينشرون بوحشيّتهم البربريّة سوى الموت والفوضى والرعب ومظاهر الدمار والخراب والبؤس. وقطعا أنّ هؤلاء وأولئك، يجهلون المعنى المقاصدي النبيل للجهاد، بما هو مراد الله الذي يشتمل بالضرورة على مصلحة للناس، ليس في آخرتهم وحسب، بل وكذلك في دنياهم. لأنّ الله يصنع ويهب الحياة للمخلوقات جميعا ولا ينتزعها قبل الأجل المحتوم. بيد أن هؤلاء لا يصنعون سوى الموت والجهل والغباء وفق مشروعهم الشيطاني الغبي المفلس. ولا أخال أحدا، يرى أن مصلحة النّاس في دنياهم، إنّما تختزل في قتلهم وذبحهم كخرفان العيد، بدعوى التقرّب إلى الله، لمجرّد الإعتقاد بأنّهم كفّار أو عملاء للطاغوت. إلّا أن يكون مخبولا أو في أدنى الحالات أحمقا، أو غبيّا، لا على معنى الجهل بالدين فحسب، بل وكذلك على معنى ضعف العقل وبلادة الفكر وقلّة الفطنة. لكنّ ذلك –للأسف- هو حال الحركات التكفيريّة الإقصائية، والجماعات الدينيّة المارقة بكل تقازيح قوسها، بدءا من "الخوارج" سابقا ووصولا إلى أحفادهم وسليلي فكرهم المفلس، وهم مقاتلو "داعش" راهنا. وهي جماعات ترتدي عباءة الدين وتوظّفه في محاربة الإنسان العربي ومشاريعه النهضويّة أو الديمقراطيّة، عبر تكفيره والجهاد ضدّه كأشرس ما يكون.

وقد تجلّى هذا المفهوم للتكفير تجلّيه الأتمّ، منذ سنة 40 للهجرة، لا سيّما لحظة قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أثناء خروجه لصلاة الفجر في أحد أيّام الجمعة من شهر رمضان المعظّم، حيث قال قاتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي وهو يضربه :«يا ضربة من تقي ما أراد بها إلّا ليبلغ من ذي العرش رضوانا». وكان يعتقدا أنّ ما أتاه يقرّبه إلى الله!!! وهو ما يفسّر السعار الذي يتلبّس التكفيريين للقتل. كما يعني أنّ أصابعهم ملطّخة بدماء مخالفيهم الأبرياء، حتّى ولو كانوا من بينهم. تماما مثلما كان الشأن بالنسبة لعلي بن أبي طالب الذي كان قد عاتبهم بالقول :«من علّمكم قتل النّاس على آرائهم». ونبّههم بالقول :«بينى وبينكم قتل النّاس وظلمهم»، كما قال فيهم :«أنتم شرّ النّاس جميعا». ولكنّ كلامه "كان في النّافخات زمرا" لأنّ الخوارج تنطبق عليهم مقولة: « لكلّ داء دواء يستطبّ به إلّا الحماقة أعيت من يداويها»

ومن المفارقات العجيبة، الدّالة على حماقة وغباوة الخوارج، أنّهم يستنكرون بشدّة أن يمدّ أحدهم يده لقطف تمرة من بستان على ملك الغير، على معنى أنّ ذلك إعتداء على مال مسلم. بيد أنّهم يكفّرون عليّا أبن أبي طالب، ويخرجوا عن منهجه، ثمّ يقتلوه. وهو من هو، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة ورابع الراشدين، وصهر النبي وابن عمّه، بل وأخوه بالمؤاخاة.

لذلك فغير مستغرب أن يسلك المتأخّرون وأسلافهم من أصحاب هذا الفكر ذات السلوك المنحرف فيكفّرون الغير، ولو كان من الفقهاء، بل ولو كان إمام الأئمّة الفقهاء وأحد أصحاب المذاهب الأربعة، وهو أبو حنيفة النعمان الذي قال عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل، المتوفّى في أواخر القرن الثالث للهجرة، في كتاب "السنّة"، أنّه :« (كافر، زنديق، مات جهميّا (ينكر صفات الله ويؤمن بالجبريّة) ، ما ولد في الإسلام أشأم ولا أضرّ على الأمة منه، وأن الخمّارين خير من أتباع أبي حنيفة، وأنّه أبو جيفة، وأنّه لا يسكن البلد الذي يذكر فيه أبو حنيفة (...)، وأنه من المرجئة (...)، وأنه يترك الحديث إلى الرأي، وأنّه يجب اعتزاله كالأجرب المعدي بجربه، وأنه ترك الدين، وأنّ أبا حنيفة وأصحابه شرّ الطوائف جميعا»!!

إن ّ مثل هذه المقاربات الرعناء، المضحكة وغير المستساغة، التي تقدّم وجها كالحا وبشعا للإسلام وللجهاد كما التكفير، جعلت من أمّة العرب، والمجتمعات الإسلاميّة، عموما، يصدق فيها ما قاله إبن رشد، المتّهم بالكفر والانحراف العقدي هو الآخر، مخاطبا أحد تلاميذه «إذا كنت تبكــــي لحـــال المسلمين، فأعلم أنّ كلّ بحـــار العالم لا تكفي دمــــوعا...». كما جعلت منها أمّة تخترقها وتتنازعها حركات وتنظيمات خارجة عن إيقاع الزمن، من قبيل "القاعدة" وبعض تفرّعاتها ( القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي)، و"طالبان"، و"بوكو حرام" و''أنصار الشريعة'' و"النصرة" و"داعش". وهي بالأساس حركات، ذات فكر متشدّد يفرّق ولا يجمع، ينزع إلى التطرّف ويرشح منه الإرهاب التكفيري الإجرامي، وتتنمذج في كيانٍات طُحلبيٍّة متناثرة ومتناحرة يعسر تحديدها زمكانيّا. يضاف إلى ذلك أنّها جميعا -ودون استثناء- مهوسة، حدّ الجنون، بالسعي المحموم لإعادة إقامة الخلافة الإسلاميّة -على علّاتها- لتوهّمها أنّها الضمانة الوحيدة لإستعادة أمجاد الأمّة العربيّة والإسلاميّة التي تشقّها اليوم وتمزّقها بعنف الصراعات الطّائفيّة والمذهبيّة الشرسة التي قد تخبو أحيانا ويخفت بريقها ولكنّها لا تخمد ولا تنتهي، لا سيّما بين الطائفتين الأهمّ، ألا وهي "السنّة" و"الشيعة".

و اللّافت للنظر في هذا السياق، أنّ فكر أغلب نماذج هذه الفسيفساء المتصارعة، لا يعلق إلّا بالأوهام. لأنّ هذه الحركات لا علاقة لها ، قطعا، بالعلم والفكر التنويري المبدع، ولا بالتقدّم والتطوّر ولا بالعصر والحداثة، في وقت دشّن فيه العالم الغربي مرحلة ما بعد الحداثة منذ ستّينات القرن الخالي. لا بل لا علاقة لهذه الحركات بالحاضر لأنّها ليست فاعلة ومؤثّرة فيه، ولا بالمستقبل الذي ليست لها أمال معقودة عليه، ولا بالحياة أساسا لأنّ ثقافتها هي ثقافة الموت لا الحياة. فهذه الحركات "الطحلبيّة" القروسطيّة تنشد معانقة الماضي السحيق، وتفضّل العيش في ظلام كهوف الجبال على هامش الحضارة والمدنيّة والتنوير الفكري. وعلاقتها بهذا العالم وهمّها الوحيد، إنّما هو التقاتل والتقتيل الوحشي البربري البشع، وارتكاب أكبر المجازر التي يستحي من فعلها إبليس، كبير الشياطين. وهي تسعى بما أوتيت من قوّة لإحداث أكثر دمار ذاتي لشعوبها ولغير شعوبها. ولعلّها تحاكي في ذلك- حدّ التماهي- ما تقوم به أغلب الأنظمة العربيّة تجاه مواطنيها في السجون ومراكز الإيقاف التحفّظي. إنّ أمّة وشعوبا بهذا القدر من العنف والتخلّف، لجديرة باحتلال آخر المراتب العالميّة في كلّ مجالات الحياة، بما في ذلك المجال الرياضي، المعتمد أساسا على الإستعدادات البدنيّة لا العقليّة أو الفكريّة. فعلى سبيل الذكر لا الحصر، تحتلّ الجامعة اليمنية للعلوم والتكنولوجيا المرتبة (6638) عالميّا. فيما تحتلّ أحسن جامعة في الجزائر المرتبة 6275 عالميّا بموجب معيار الجودة، وفق تصنيف جامعة “جايو تونج شانغهاي” ، وتحتلّ جامعة الكوفة المرتبة (6097) بموجب تصنيفات معايير الجودة لمؤسسة (ويبومتريكس)، وتحتلّ الجامعة الافتراضية التونسيّة المرتبة (5202). إنّها بالتأكيد، مراتب مخجلة ومهينة للعقل العربي ، لكنّ ذلك هو حال أمّة العرب اليوم. وبالنتيجة، فلا غرابة، إذن، في أن تنعت أمّة بهذه المواصفات بأنّها أمّة غبيّة، يسودها الظلم وتغيب صلبها مظاهر العدالة والمساواة.

والحقيقة أنّ قصّة العرب مع الغباوة والجهل ليست وليدة اليوم، بل هي متأصّلة لدينا وجذورها ضاربة في القدم وموغلة في التاريخ. إنّها تعود إلى ما قبل الإسلام أي إلى العصر الجاهلي. حيث أنّنا نعلم عبر الكتاب المقدس أنّ بني إسرائيل لمّا أغاظوا الله، أراد أن يتحدّاهم ويثير غيرتهم ويؤدّبهم ويجرح كبريائهم ويغيظهم كما أغاظوه، بأن يصطفي شعبا غبيّا، ليست لديه المقوّمات المعلومة للشعوب، ويفضّله عليهم - حتّى وهم شعب الربّ أو شعب الله المختار-. لذلك جاء في التوراة، ضمن العظة الثانية من "سفر التثنية"، الموجّه تحديدا الى الشعب اليهودي العنيد: « هُمْ أَغَارُونِي بِمَا ليْسَ إِلهًا أَغَاظُونِي بِأَبَاطِيلِهِمْ. فَأَنَا أُغِيرُهُمْ بِمَا ليْسَ شَعْبًا بِأُمَّةٍ غَبِيَّةٍ أُغِيظُهُمْ». (سفر التثنية/ أصحاح 32: آية21).

وبصرف النظر عن مسألة صحّة تحريف الكتاب المقدّس من عدمها، وعن ارتباط الغباء بالجهل بالعلوم والآداب ، أو بالجهل بمعرفة الله المعرفة الحقيقة أي الجهل الديني، فإنّ هذا النصّ يعتبره المسلمون أحد دلائل نبوّة محمّد صلى الله عليه وسلم ، التي تنبّأ بها الكتاب المقدّس. وفي سياق قد يكون متّصلا بهذا النصّ، يقول الله تعالى عن محمد (صلعم) وصحابته في سورة (الفتح: 29): { ليغيظ بهم الكفّار}. ثمّ إنّ لهذا النصّ تفسيرات وتأويلات عديدة منها ما جاء في كتاب (إظهار الحقّ، ص 516) لصاحبه رحمت الله الهندي الذي يقول: «المراد بشعب جاهل (غبي) العرب لأنهم كانوا في غاية الجهل والضلال وما كان عندهم علم من العلوم الشرعية ولا من العلوم العقلية (...)وكانوا محتقرين في نظر اليهود لكونهم من أولاد هاجر الجارية، فالمقصود من الآية أن بني إسرائيل أغاروني بعبادة المعبودات الباطلة فلذلك أغيرهم باصطفائي لقوم محتقرين وجاهلين عندهم».

وتعليقا على ذات النصّ يذهب الشيخ الدكتور أحمد حجازي السقا في الصفحة 58 من كتابه "نبوّة محمد في الكتاب المقدّس " إلى القول بأنّه : « لا يوجد في الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى (ع) أيّة إشارة إلى أمّة غبيّة محدّدة البلاد والأوصاف يمكن أن يعرف أنّها المراد بهذه النبوّة، ولكن لا يمكن أن يشتبه إلّا في أمّة إسماعيل، ولا يمكن أن تكون الأمّة الغبيّة أمّة اليونان». ثمّ يردف بالقول في موضع آخر من كتاب (يوحنّا المعمدان، ص 105): «والعرب لم يكونوا شعباً بمعنى الانتظام منذ الأزل، وحتّى رسالة محمّد، وكانت أمّتهم قبل الإسلام في غاية من الجهل والضلال»

وتأسيسا على ما سبق، يمكن الجزم بأنّ الأمة الغبيّة المومئ إليها في(التثنية32/21) إنّما هي أمّة العرب التي كانت جاهلة ومرذولة آنذاك، وكان اليهود يحتقرونها. حيث أنّه يستبعد أن تكون أمّة اليونان هي المقصودة، لاشتهارها آنذاك، لا فقط بالعلم والفلسفة(الحكمة )، بل وكذلك بالممارسة الديمقراطيّة في أثينا القديمة (ولو كانت نخبويّة).

لقد ظلّت صفة الغباء حاضرة باستمرار في المخيال والوعي الجمعي العربي. ولعلّ شخصيّة "جحا" تمثّل أهمّ تجسيد لها في الأدب العربي في سياق الأدب الساخر. لذلك، فلا يثير استغرابنا -مطلقا- أن تسعى بعض نخبنا السياسيّة للتوقّي من الغباء والتحصين ضدّه، فتبعث أحزابا للغرض كما فعل خالد عبد الفتاح أمين، الأمين العام الأسبق لحزب الوفد المصري، الذي أسّس حركة سياسية تحت مسمّى (مواطنون ضدّ الغباء)!ولعلّه كان يلمح بذلك إلى الغباء السياسي فحسب. لأنّ الغباء، كما هو معلوم، له تلاوين عديدة ومتعدّدة ولا يمكن لحركة محدودة الإدّعاء للتصدّي لكلّ أصنافه . وللغرض ذاته فإنّ الشبكة العنكبوتيّة أفردت أيضا نحوا من20 موقعاً يعرض للغباء العربي في كافة تجلّياته الحديثة!

وبالنتيجة فإنّنا نسجّل إهتماما ملحوظا بالغباء الذي بات -ودون جدال عقيم- ظاهرة تقضّ المضاجع وتهزّ القلوب الحيّة، وتحرّك الوعي بضرورة التخلّص منها دون تردّد، اليوم قبل الغد، لأنّها آخذة في الإستفحال والتأثير الملحوظ في حياتنا اليوميّة. وهي السبب الأبرز لمآسينا التي عرضنا لها مطلع المقال. وهي مربط الفرس لتفادي المطبّات التي تقع فيها أغلبيّة الشعوب والدول العربيّة والإسلاميّة عموما. وهي حجر الزاوية في تحليل ما يجري اليوم في الخارطة العربيّة المرسومة بدماء الشهداء من غزّة الذبيحة إلى سوريا الجريحة مرورا بليبيا المنفلتة من عقالها، إلى اليمن المغدور في ثورته، إلى مالي الذي يواجه تفكيك الدولة بإرهاب الفصائل السلفية الجهادية وخاصّة منها حركة بوكو حرام، إلى العراق المنهك بالطائفيّة وأخيرا بما يسمّى "داعش" التي قد تغزو العراق بالكامل، وهي تمثّل اليوم خطرا داهما على ّالعرب جميعا، إلى مصر وتونس المستهدفتين باغتيال الجنود وزعماء الأحزاب وتعطيل المسار الديمقراطي، إلى لبنان الذي طالته تداعيات الحرب في سوريا، إلى الصومال الذي قطّع أمراء الغباء والحرب أوصاله بغبائهم وإرهابهم الذي لا نظير له... ولا يمكن الإستمرار في تعداد تداعيات الغباء العربي، لأنّ القائمة لا تزال طويلة ولا يتّسع المجال لجردها وسردها بالكامل.

مربط الفرس في نهاية التحليل، أن استفيقوا يا عرب من غيبوبتكم وغبائكم، قبل أن يجرفكم الطوفان ويلقي بكم، غير مأسوف عليكم، في مزبلة التاريخ التي لا تستقبل إلّا من لا يستوعبون دروس التاريخ من المغفّلين والأغبياء.

 

في 11/08/2014

المهندس فتحي الحبّوبي

يصف البعض التسامح بانه موضة قديمة. فالتسامح عادة يكون مع ما هو سيء ومزيف. هذا الموقف يستلزم نوعاً من عدم الاحترام. موضوع التسامح اصبح جزءاً من قيم المساواة المتمثلة بقبول حق الفرد ليس في الكلام فقط وانما ايضاً في الاستماع له. كل منْ يتجاهل الاستماع لآراء الاخرين هو انما يعمل بالضد من هذا المبدأ. غير اننا من الصعب ان نتصور كيفية تطبيق التسامح دون ممارسته. البعض قال اننا نستطيع رفض وشجب العقائد الخاطئة وفي نفس الوقت نحترم اولئك الذين يؤمنون بها، غير ان هذا التمييز سينهار حتماً حينما تكون العقيدة ليست فقط خاطئة وانما بغيضة ومقيتة. المدافعون عن ستالين يستحقون السخرية والازدراء، بينما منكري الهيليكوست يستحقون عدم الاحترام. فاذا كنا مستعدين للتسامح وقبول التعبير بمثل هذه الآراء، ذلك ليس بسبب ان دعاتها يستحقون الاحترام وانما لأجل اشاعة أعظم فضائل الحرية.

ان حماية حرية الناس الذين نحتقرهم في قرارة انفسنا هي مسألة صعبة. الخطورة هي ان اولئك الذين نتسامح معهم قد لا يفعلون الشيء ذاته. مع ذلك فان التسامح مع الافكار القبيحة ومع منْ يعبّر عنها هو جزء مما تعنيه الحرية باعتبارها درعاً واقياً للحقوق. ان الايمان المعاصر بالحقوق شجعنا على التفكير بان الحرية وحقوق الانسان هما عمليتان متلازمتان. مع ذلك لا يمكن ضمان اي حرية ومهما كانت اهميتها بالاعتماد فقط على نظام قانوني مرتكز على الحقوق. ان الادوات الدستورية الامريكية المفرطة لم تتمكن من حماية البلاد من موجة المكارثية،وهي لم تفعل اكثر من منح الحق القانوني باجراء عمليات الاجهاض وهو الحق الذي حال دون تعرّض الاطباء الممارسين لتلك العمليات للاعتداءات او للقتل احياناً. كذلك لم يمنع القانون الامريكي استخدام التعذيب من جانب ادارة بوش. الهيكل القانوني الذي يُفترض ان يحمي الحريات الاساسية سوف لن يفعل شيئاً ان لم ينل الدعم المطلوب من الثقافة الاكبر للحرية والتي تصبح فيها ممارسة التسامح عملية أساسية وجوهرية.

حين قام (Brian Leiter ) بالتحقيق المعمق في التسامح هو خدم بذلك الفكر السياسي. بتركيزه على الممارسين للاديان وما اذا كان بالامكان منحهم استثناءاً خاصاً من التطبيق العام للقوانين على اساس من الضمير، سعى (ليتر) لصياغة مبدأ عالمي للتسامح. فهو يذكر "ممارسة التسامح شيء والسبب المبدئي للتسامح شيء آخر". يرى (ليتر) ان رؤية توماس هوبز للتسامح كوسيلة للتعايش السلمي هي ليست اكثر من عملية برجماتية، وحتى جون لوك – مؤلف "رسالة حول التسامح" (1689) – أكّد على ان الحكومة غير مؤهلة لإحداث تغيير في العقيدة. بدلاً من ذلك سعى (ليتر) للبحث عن شكل "نقي" من التسامح، مرتكز على مبادئ تستطيع التأثير على طبيعة المعرفة الانسانية وعلى الحياة الجيدة بهدف ايجاد صيغ لهذا النوع من التسامح الذي دافع عنه كل من (جون رولس) و (جون ستيوارت مل) في كتاباتهما.

هل هناك اخلاق دينية؟

تجدر الاشارة الى ان (ليتر) استعان بـ (مل)- الذي هو مفكر اكثر عمقاً وملائمة من (رولس)- لكنه لم يثبت ان كان (مل) منظّراً في التسامح. من الواضح انه قاد نقاشاً مؤثراً حول محدودية الانسان ولا عصمته وحول اهمية الاختيار في دفاعه عن الحرية. غير ان رؤية (مل) هي ليست حول وجود مختلف وجهات النظر الاخلاقية التي نحن متأكدون من صوابية التسامح معها. هو اعتقد ان الاخلاق ترتبط فقط بمنع الاذى، وان اي شيء آخر انما يتعلق بمسائل الجمال والحكمة. هو يرى ان الاخلاق الدينية هي غير عقلانية ولن تكون اخلاقية ابداً، ولذا سوف لن يكون هناك سبب مبدئي اخلاقي لقبولها.

في الواقع، ان (مل) لم يكن في دعوته لـ "التسامح النقي" اكثر حماساً مما دعا اليه هوبز ولوك. التسامح يمكن ممارسته لعدة اسباب، بعضها "برجماتية" واخرى ابستمية او اخلاقية.

واذا كانت قيم (ليتر) في التسامح النقي تبدو مشكوكا فيها، الا انه على صواب حين يسأل ما اذا كان الدين يستحق التسامح من اي نوع خاص. لماذا نتعامل مع الدعوات الدينية المستندة على الضمير بشيء من السمو الاخلاقي، بينما نرفض استثناءات مماثلة للاخرين؟ النباتيون ربما لديهم معارضة ضميرية عميقة لتناول اللحوم بينما نرى بعض الدينيين يعارضون تناول لحوم الحيوانات التي لم تُذبح وفق طريقة معينة. تسوية مثل هذه الخلافات تبقى امراً غير واضح لكن (ليتر) يرى بعدم وجود اي سبب لمنح الاديان وضعا خاصا في هذه المسألة: "التسامح ربما هو فضيلة لكل من الدولة والفرد، لكن تطبيقه الاختياري على ضمير المؤمنين بالاديان فقط لا يمكن الدفاع عنه اخلاقياً ".

النقاش اعلاه غير موجّه للمؤسسة الدينية. كان (ليتر) وغيره من الفلاسفة المعاصرين يدركون ان التسامح يمكن تطبيقه في مختلف الانظمة. هناك عدة انواع من المؤسسات الدينية وانواع اخرى من المؤسسات العلمانية. المؤسسة الدينية التعددية في بريطانيا شيء وانظمة الحكم الديني في بعض الدول شيء آخر. كذلك لا يوجد تشابه بين فصل الكنيسة الامريكية عن الدولة وبين العلمانية الفرنسية او في سيطرة الدولة على الدين في تركيا اتاتورك. احدى ايجابيات دراسة (ليتر) انها تعترف بهذه الاختلافات.

كتاب لماذا نجيز الدين؟ استبطن كل هذه الافكار. اعتبر (ليتر): ان "العلمانية الفرنسية (على الاقل كما هي واضحة في قوانين حظر المظاهر الدينية الطاغية في المدارس)، هي في الحقيقة حالة من التعصب غير الجائز في الدين". انه من اللافت جداً ان نجده يضيف لنقاشه في الابستيمولوجي والدين " حاشية نيتشية يؤكد فيها على مسألة جرى تجاهلها من جانب الفلاسفة ذوي الميول التحليلية: هو يذكر "انه تبنّى دائماً" ما يبدو له حالة نيتشية واضحة تماما – يعني ، ان زيف العقائد وافتقارها الى صلاحية معرفية هي ليست بالضرورة معارضة لتلك العقائد. في الحقيقة، العقائد الزائفة او غير الصالحة هي بالتأكيد، كما يذكر نيتشه، شرطاً ضرورياً للحياة ذاتها، وذات قيمة لا بأس بها، وبالتأكيد هي قيمة كافية لتبرير التسامح". هذا الكتاب هو نموذج في الوضوح والدقة في مسائل اصلية و سيستفيد منه كل من يفكر بجد حول الدين والاخلاق والسياسة.

ذلك لا يعني القول ان حجة (ليتر) لا لبس فيها. القول بان الدين لا يستحق استثناءاً خاصاً من القواعد ذات التطبيق العام ربما صحيح ولكن ليس بسبب وجود اي شيء غير عقلاني خاص. اذاً ما الشيء الذي يُعد عقيدة دينية؟ في ضوء صعوبة تعريف الدين يخصص (ليتر) قسماً من الكتاب لهذا السؤال. نقاشه هو أكثر تعقيداً حول الموضوع لكنه لايزال يرسم فرقا قاطعا بين الاديان والعقائد الاخرى التي يصعب استمرارها ان لم يكن مستحيلاً . ان من بين السمات المميزة للعقائد الدينية، كما يذكر، هو خلوها من الدليل. المؤمنون بالدين ربما يوردون ما يعتبرونه دليلاً داعماً لعقائدهم، هم لا يميلون لمراجعة هذه العقائد في ضوء الدليل الجديد، وهم نادراً ما يوردون دليلاً مضاداً لها. بدلا من ذلك، عقائدهم هي جزء مما يصفه (ليتر) بـ " حالة ذهنية دينية متميزة... حالة الايمان".

المشكلة هي انه ليس فقط المؤمنون البارزون من يجسد هذه الحالة الذهنية. الايديولوجيات السياسية اعترفت مرات عديدة بأن التجربة كشفت زيف مشاريعها الحماسية؟ لا يمكن لأي دليل ان يقنع الانسان الغربي الصائب التفكير بان القمع السوفيتي ابتدأ مع لينين او ان الليبرالية الجديدة المتحمسة للاسواق الحرة غير المنظمة هي عرضة لإنهيار مدمر. سيقولون لك وبشيء من التباين ان الشيوعية والسوق الحر "لم يتم ممارستهما حقا". لو ان الاتحاد السوفيتي الوليد لم يُطوق من قبل الامبرياليين الاشرار او ان الحكومات الليبرالية الجديدة كانت عرضة للمسائلة امام الناخبين المتذبذبين، لكان بلإمكان بلوغ المشروع المقدس، ولأصبح الجميع سعداء. هذه هي الافكار الاكثر سخفاً ولكن لهذا السبب بالذات انها دائما مقبولة.

العزاء الوجودي

ان الرغبة في عزل العقيدة عن الدليل ترتبط بخاصية اخرى يراها (ليتر) مميزة للدين وهي – "مساهمة العقيدة الدينية في العزاء الوجودي". العقيدة الدينية، كما يبدو من قوله، هي معزولة عن الدليل لأنها تعطي العزاء وبذلك هي تعطي المعنى لحياة المؤمنين. مرة اخرى، ليس فقط المتدين التقليدي من يتشبث بعقيدته لأجل العزاء الذي تقدمه. في زماننا، نجد المؤمنين العلمانيين قاموا بنفس الشيء وعلى نطاق اوسع.

انظر في الادعاءات التي حيكت حول امتلاك صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل والتي استُعملت لتبرير غزو العراق عام 2003. بلا شك هناك عامل جيوبولتيكي (مرتبط اساسا بالبترول) وراء التضليل الذي سبق الحرب. ولكن حين جرى التخلي عن مستوى ملائم من تقييم الدليل كما وُصف بـ "استخبارات مبنية على الايمان"، فهو ايضا بسبب ان الاطاحة بصدام حسين كانت بالنسبة لبوش وبلير طريقة لتعزيز الحركات نحو الديمقراطية وحقوق الانسان وبالتالي يكونان في الجانب الصحيح من التاريخ".

ان فكرة الاطاحة بالدكتاتور ستفتح الطريق نحو الديمقراطية الليبرالية هي فكرة ليست صحيحة ابداً والاحداث أثبتت خطأها بسرعة لكونها لم تمنع تكرار التجارب الفاشلة في ليبيا وربما في دول اخرى. ان اولئك المقتنعين بالتدخل الغربي والذين يتصورون انه يشعرهم باهميتهم في هذا العالم، ستكون حياتهم بلا معنى ان لم تكن لديهم القناعة بانهم في الموقع المتقدم للتاريخ .

مرة اخرى، لا شيء يغيض الجماعات الحالية من الانجيليين الملحدين اكثر من القول ان الحركات اللادينية لها العديد من سمات الدين. غير ان ادّعائهم بان رفض وجود عدة معتقدات سيخلق عالما افضل، هم بذلك ينكرون الدليل الواضح من التاريخ، الذي يبين ان السعي وراء رؤية عالمية واحدة هو ذاته سبب للصراع. ان فكرة التحول العالمي من و الى اي نظام عقيدي سوف تحسّن بسرعة من قدر الانسان هو فعل من الايمان سواء اعتقد بتلك الفكرة المتدينون او اعداء الدين. في توضيحهم لملاحظات نيتشة حول السمات القوية للعقائد الباطلة، هؤلاء الملحدين يبحثون عن عزاء وجودي تماما وبنفس مقدارما يبحث عنه المؤمنون الدينيون.اذا كانت الاديان لا تستحق نوعاً خاصاً من التسامح، ذلك بسبب عدم وجود اي شئ خاص حول الدين. ان التشبث بالعقائد ضد الدليل هو نزعة عالمية انسانية. ممارسة التسامح- وهي الممارسة المهمة التي تراكمت وطُبقت في الاخلاق والسياسة بقدر ما طُبقت في الدين– انما ترتكز على هذه الحقيقة. التسامح يعني القبول بان معظم عقائدنا هي دائما غير مبررة والعديد منها بلا معنى. وهذا هو السبب الذي يجعل معظم الناس يشعرون بالقلق من الاعتقاد بانهم اكثر عقلانية من غيرهم.

 

................................

المصدر: John Gray ، The New Statesman عدد 29 نوفمبر 2012 . كتابه "مهمة التخليد: السعي الغريب لخداع الموت" صدر عن دار بنغوين في 29 شباط 2012 .      

 

mohamadsaed alamjadفي‌ ضوء القراءات‌ المتعددة‌ للواقع‌ الراهن‌، يبقي‌ الوعي‌ هو الاسّ في‌ معادلة‌ الصراع‌ القيمي‌ الحاضر، والذي‌ يجب‌ علي‌ كل‌ باحث‌ اسلامي‌ ان‌ يستلهم‌ اشعاعاته‌ ويتمثل‌ أبعاده‌ ويعيد صياغته‌ من‌ أجل‌ القضية‌ الاساسية‌ التي‌ يواجهها في‌ مهمته‌ الشاقّة‌، وهي‌ مهمة‌ التجديد والاصلاح‌ والنهوض‌ بالواقع‌ الذي‌ يعيشه‌ الشرق‌ والعالم‌ الاسلامي‌ ازاء مقولات‌ كابحة‌ وتقليعات‌ مدّمرة‌ لا زالت‌ في‌ توالد مستمر تكرّس‌ نزعة‌ الهيمنة‌ وتستعين‌ بتطورها المادي‌ الهائل‌ من‌ أجل‌ استعباد الشعوب‌ وتغليب‌ الاحادية‌ والفردانية‌ في‌ التفكير والمنهج‌ السياسي‌.

وبهذا الصدد يجي‌ كتاب‌ الاستاذ الباحث‌ ماجد الغرباوي‌: اشكاليات‌ التجديد، كدراسة‌ تتوغل‌ في‌ عمق‌ المشكلة‌ وتغوص‌ في‌ القاع‌ لتكتشف‌ وتثير وتحاور من‌ أجل‌ تحليل‌ داخلي‌ معرفي‌ للاسس‌ النظرية‌ التي‌ تتعكز عليها كل‌ من‌ الرؤية‌ الاخري‌ النازعة‌ للهيمنة‌ والتفرد، والرؤية‌ المقاومة‌ المتمثلة‌ للوعي‌ وعقلنته‌ لاثبات‌ الوجود والهوية‌ المعاصرة‌.

تتوزع‌ الكتاب‌ فصول‌ ثلاثة‌:

الوعي‌ الراهن‌.

احياء الفكر الديني‌.

الموقف‌ من‌ الاستبداد.

 

الوعي‌ بالتجديد

يتطرق‌ المؤلف‌ في‌ الفصل‌ الاول‌ الى‌ محورية‌ دور الوعي‌ في‌ التجديد مشخصاً الواقع‌ الراهن‌ علي‌ ضوء تداعياته‌ الخطيرة‌ المماثلة‌ لتداعيات‌ الواقع‌ التأريخي‌ السابق‌ على‌ عصرنا، فيكتشف‌ المؤلف‌ المماثلة‌ في‌ ارهاصات‌ ذلك‌ التداعي‌ وعلله‌ الاساسية‌ والمتمثلة‌ في‌ غياب‌ حالة‌ الوعي‌ تجاه‌ الفكر والعقيدة‌ والحكم‌ الشرعي‌ والمنبسطة‌ سلباً في‌ اتجاهين‌ رئيسيين‌: عدم‌ التمييز بين‌ ماهو الهي‌ وما هو بشري‌، وعدم‌ التمييز بين‌ ماهو مقدّس‌ وماهو غير مقدّس‌. وهو بذلك‌ يتوخى‌ طريقه‌ لرسم‌ آلية‌ منهجية‌ بعيدة‌ عن‌ افرازات‌ الذهن‌ البشري‌ المحدود او الملغوم‌ بظروفه‌ الخاصة‌ وصولاً الي‌ (اسلوب‌ الامام‌ علي‌ (ع‌) في‌ تعميق‌ الحس‌ النقدي‌ لدي‌ آحاد الامة‌، الذي‌ بعث‌ فيها الحياة‌ وأعاد لها شخصيتها حتي‌ قال‌ معاوية‌ بن‌ ابي‌ سفيان‌ في‌ وصف‌ هذه‌ الحالة‌. مخاطباً أهل‌ العراق‌: (لقد لمظكم‌ علي‌ بن‌ أبي‌ طالب‌ الجرأة‌ علي‌ السلطان‌ وبطي‌ ما تفطمون‌).

وهذا عند المؤلف‌ هو الكفيل‌ بالارتقاء الفكري‌ للفرد بعد ان‌ تتجسّر العلاقة‌ بين‌ الامة‌ ومصادرها الفكرية‌ والعقيدية‌ من‌ الكتاب‌ والسنّة‌ ليتشكل‌ بعد ذلك‌ تيار ضاغط‌ يهدد النزعات‌ الشخصيّة‌ ويرسم‌ اتجاه‌ حركة‌ الدولة‌ والقيادة‌.

ثم‌ يدخل‌ في‌ صلب‌ موضوعة‌ الكتاب‌ (التجديد) ويتوجس‌ من‌ مخاطرها لانها عبارة‌ عن‌ تقويم‌ الواقع‌ و(اعادة‌ صياغة‌ بنية‌ الفرد المعرفية‌ وفقاً لمتطلّبات‌ الحاضر وضرورات‌ المستقبل‌، وفي‌ اطار الثابت‌ والمتغير من‌ الدين‌) .

وهو ـ مع‌ هذا ـ يحثّ المفكر الخبير لخوض‌ غمار المعترك‌ وايقاد شعلة‌ الهّم‌ التجديدي‌ في‌ دواخل‌ ضمير الامة‌، لانه‌ ـ التجديد ـ حاجة‌ يتطلبها طبيعة‌ الظرف‌ الراهن‌ وهو يحوي‌ هذا التحول‌ المعرفي‌ الهائل‌ الذي‌ كلما تقدم‌ يوضح‌ بصورة‌ أكبر معركة‌ متبنيات‌ وآليات‌ التجديد والنهوض‌ لدى‌ الشرق‌ حيث‌ ينقسم‌ الى‌ متغرّبين‌ وسلفيين‌ واصلاحيين‌، وهنا تلتقي‌ مقولة‌ التجديد بالثقافة‌، فيعرّج‌ المؤلف‌ لمصطلح‌ المثقف‌ ويحدد عناصره‌ بثلاث‌:

1 ـ المعرفة‌: وهو الخزين‌ الثقافي‌ الضروري‌ لنقد الواقع‌ واصلاحه‌ يمكنّه‌ من‌ قراءة‌ التراث‌ الاسلامي‌ والنص‌ القرآني‌ قراءة‌ كاشفة‌ عن‌ الابعاد والمداليل‌ والايحاءات‌ والفروقات‌ بين‌ ثوابته‌ ومتغيراته‌.

2 ـ الوعي‌: وهو غير المعرفة‌ المتراكمة‌، بل‌ اضاءة‌ لفضائه‌ المعرفي‌ تحركّه‌ لنبذ المظاهر المتخلّفة‌ والمفاهيم‌ المقلوبة‌ وبكلمة‌ هو ادراك‌ الواقع‌ ومحاكمته‌، وبدون‌ الوعي‌ ـ كما يقول‌ ـ لا تتحرك‌ في‌ المثقف‌ دواعي‌ التجديد وهموم‌ الاصلاح‌. ثم‌ يذكر الامام‌ الخميني‌ كنموذج‌ انتج‌ وعيه‌ ادخال‌ عنصري‌ الزمان‌ والمكان‌ في‌ العملية‌ الاجتهادية‌ ارتقت‌ به‌ الي‌ مستوي‌ عصري‌ راقٍ.

3ـ الموقف‌: وهو العنصر الاساس‌ في‌ بلورة‌ مفهوم‌ المثقف‌ في‌ العصر الحديث‌، وهنا يتساءل‌ المؤلف‌ بشجاعة‌: ماذا يترتب‌ على‌ المعرفة‌ والوعي‌ اذا لم‌ يتحولا الى‌ موقف‌ شجاع‌ يعلن‌ علي‌ رؤوس‌ الاشهاد، وينفع‌ في‌ اصلاح‌ واقع‌ الامة‌؟

ويخلص‌ من‌ ذلك‌ كله‌ الي‌ ربط‌ المسألتين‌ معاً (التجديد والثقافة‌) ربطاً جدلياً منتجاً، يتجه‌ نحو اصلاح‌ الانساق‌ الثقافية‌ بعد تفكيك‌ مكوناتها ثم‌ مراجعتها بغية‌ تقويمها وفق‌ صياغة‌ تخدم‌ مصالح‌ الدين‌ والامة‌ معاً.

وكنموذج‌ للتجديد يتطرّق‌ المؤلف‌ لمدي‌ اهمية‌ الصياغة‌ الجديدة‌ لعلم‌ اصول‌ الدين‌ الذي‌ تطوّر نتيجة‌ بعض‌ السجالات‌ الفكرية‌ حول‌ العقيدة‌ الى‌ علم‌ كلام‌، والذي‌ أفرز جملة‌ من‌ السلبيات‌ اختزلتها مقولة‌ عزلة‌ الانسان‌ وعقيدته‌ عن‌ حياته‌ ومنهجه‌ السلوكي‌ في‌ المجتمع‌، فصار الانسان‌ بفعل‌ هذه‌ العزلة‌ غريباً عن‌ منهجه‌ القرآني‌ وفطرته‌ وصارت‌ العقيدة‌ تدور حول‌ مجموعة‌ من‌ المفردات‌ والابحاث‌ الكلامية‌ التي‌ انتجت‌ شرخاً كبيراً في‌ ما بين‌ اصحاب‌ العقيدة‌ الواحدة‌ فتشكّلت‌ الفرق‌ وتقاطعت‌ الافكار، وادّى‌ ذلك‌ كله‌ الي‌ رفد بوتقة‌ السياسات‌ المستبدة‌ واعانة‌ اصحاب‌ الاهواء والمصالح‌.

ويناغم‌ الكاتب‌ بطريقة‌ ايحائية‌ اطروحة‌ علم‌ الكلام‌ الجديد الذي‌ يهدف‌ الي‌ اكتشاف‌ جوهر العقيدة‌ الاسلامية‌ وحقيقتهاالمتمثلة‌ بالعودة‌ الي‌ المنهج‌ القرآني‌ الذي‌ يمنح‌ الانسان‌ دوره‌ الفاعل‌ في‌ بناء الحياة‌ ومواكبة‌ التطوّر الحضاري‌ لتبقي‌ العقيدة‌ واقعاً متحركاً مبدعاً يواجه‌ التحدّيات‌ ويواكب‌ المستجدّات‌ ويشبع‌ التطلعات‌ ويسمح‌ بالاجتهاد وتبادل‌ وجهات‌ النظر وفق‌ منهج‌ علمي‌ منتج‌ ومبشّر بكل‌ ماهو جديد.

وفي‌ ذات‌ الفصل‌ يستعرض‌ الاستاذ الغرباوي‌ الجذر التأريخي‌ لاشكالية‌ الحوار مع‌ الا´خر كمرحلة‌ اولي‌ تهي‌ الوسط‌ الناقل‌ للفكر والفكرة‌، فيقول‌: ولم‌ يواجه‌ الحوار الحضاري‌ الاسلامي‌ في‌ مراحله‌ الاولي‌ تحدّياً الا من‌ قبل‌ شعوب‌ كانت‌ تحتفظ‌ بانساق‌ فلسفية‌ وسياقات‌ فكرية‌ تتحكم‌ باداء العقل‌ وتمنع‌ اي‌ مراجعة‌ من‌ شأنها تقويض‌ البني‌ الفكرية‌ له‌ .

ولكن‌ هذه‌ الشعوب‌ في‌ الحقيقة‌ بقيت‌ تعاني‌ من‌ افرازات‌ انتماءاتها الخاصة‌ علي‌ فهم‌ النص‌ الديني‌ نفسه‌، الا ان‌ المسلمين‌ تمكنوا من‌ خلال‌ الحوار الجاد والمثمر من‌ التواصل‌ معهم‌ والتأثير بهم‌ وبناء الدول‌ الاسلامية‌ في‌ اماكن‌ متناثرة‌ من‌ العالم‌ الاسلامي‌ حتى‌ حقق‌ الاسلام‌ رفع‌ شقّي‌ الاشكالية‌ المتقدمة‌، الاعتراف‌ بالا´خر، والقدرة‌ علي‌ الانفتاح‌ والتفاعل‌ الثقافي‌ معه‌. وعن‌ الشق‌ الاول‌ تحدثت‌ التجربة‌ الاسلامية‌ وفتوحاتها، واما عن‌ الشق‌ الثاني‌ فيقول‌ المؤلف‌ أنه‌ مبدأ قرآني‌ رسخه‌ جمله‌ من‌ الآيات‌.

وحول‌ مدى‌ حجم‌ الاشكالية‌ المتقدمة‌ في‌ الحوار الحضاري‌ الراهن‌، فاننا نؤيد الاستاذ الكاتب‌ في‌ ابتلائه‌ بالاشكاليتين‌ المتقدمتين‌ (شقّي‌ الاشكالية‌، (فليس‌ وعي‌ الغرب‌ للاسلام‌ يساعد علي‌ الحوار وليس‌ الانفتاح‌ الثقافي‌ لواقع‌ المسلمين‌ يؤيده‌)، فالاسلام‌ في‌ وعي‌ الغرب‌ هو المنافس‌ الآيديولوجي‌ الاول‌ بعد انهيار الاتحاد السوفياتي‌ للاطروحة‌ الغربية‌ المعاصرة‌ التي‌ تشير مصادر دراستها (نهاية‌ التأريخ‌ لفوكوياما وصدام‌ الحضارات‌ لهانتغتون‌) لانها هي‌ خلاص‌ البشرية‌ ونهاية‌ جهدها الفكري‌ وحركتها الابداعية‌، وسعي‌ الغرب‌ لعولمة‌ هذه‌ الفكرة‌ مهمّشاً بها ايديولوجيات‌ العالم‌ وانساقه‌ الفكرية‌ الخاصة‌، ومادام‌ الغرب‌ لم‌ يعترف‌ بالآخر فسوف‌ لن‌ يتم‌ اشباع‌ هاجس‌ الحوار معه‌، وهذا يفرض‌ علينا ـ كما يذهب‌ المؤلف‌ ـ امتلاك‌ اللغة‌ التي‌ يفهمها الغرب‌ وهي‌ ـ عنده‌ ـ (لغة‌ القوة‌ والتطور التقني‌ والتعددية‌ والديموقراطية‌ في‌ الحكم‌ والحرية‌ في‌ ابداء الرأي‌ والصراحة‌ في‌ التعبير عن‌ قناعاته‌) كما (علينا نحن‌ أيضاً ان‌ لا ننغلق‌ على‌ الذات‌ الى حدّ نرفض‌ فيه‌ كل‌ مالدي‌ الغرب‌ من‌ ثقافة‌، لان‌ الآخر المختلف‌ من‌ شأنه‌ ان‌ يطوّر الثقافة‌ من‌ خلال‌ اشكالياته‌ واستفهاماته‌ التي‌ يثيرها باستمرار .

وفي‌ نهاية الفصل‌ الاول‌ يتعرّض‌ المؤلف‌ لبعض‌ هموم‌ المجتمع‌ الاسلامي‌ ودور المثقف‌ في‌ الدولة‌ الاسلامية‌، فتراه‌ لا يستعرض‌ النشأة‌ التأريخية‌ لمقولة‌ المجتمع‌ المدني‌ بقدر ما يشغله‌ تسليط‌ الضوء على‌ مفهومها وفرزها بشكل‌ دقيق‌ عن‌ ملابساتها من‌ الطروحات‌ الوضعية‌ والتقليعات‌ المستجدّة،‌ اذ يركّز على‌ هدفية‌ الطرح‌ الذي‌ يتوائم‌ مع‌ المبادي‌ الاسلامية‌ والقيم‌ الدينية‌، فليس‌ هذا الطرح‌ بمتقاطع‌ مع‌ وجود الدولة‌ الاسلامية‌ او يمتد مقابلاً لحقوق‌ المجتمع‌ المرسومة‌ شرعاً، بل‌ يهدف‌ هذا الطرح‌ الى‌ اعطاء الفرد في‌ الدولة‌ الاسلامية‌ فضائية‌ ومساحة‌ اكبر لممارسة‌ دوره‌ في‌ النقد والدفاع‌ عن‌ حقوقه‌ من‌ خلال‌ طوعية‌ الانتماء واستقلال‌ الشخصية‌ وحريّة‌ الرأي‌.

واما عن‌ دور المثقف‌ في‌ الدولة‌ الاسلامية‌ وتكوين‌ البنية‌ الفكرية‌ للمجتمع‌ والمساهمة‌ في‌ تجديد هويته‌ الثقافية‌، فيعقد الحديث‌ اولاً عن‌ الاشكاليات‌ التي‌ تواجه‌ دور المثقف‌ غير الاسلامي‌، فيقول‌: فالمثقف‌ غير الاسلامي‌ أما ان‌ يتخلّي‌ عن‌ كل‌ شي‌ء ليلتحق‌ بالآخر (الغرب‌) بدواعٍ (حداثوية‌) وحينئذ يعيش‌ غربة‌ حقيقية‌. او يحاول‌ ان‌ يجد صيغاً توافقية‌. بين‌ الاسلام‌ والآيديولوجيات‌ الآخري‌، فينتج‌ لنا اسلاماً مشوّهاً، وحينها سيعيش‌ هذا الفرد تناقضاً مريراً في‌ مجتمعه‌ .

اما المثقف‌ الاسلامي‌ ـ وهذه‌ التفاتة‌ جوهرية‌ رائعة‌ من‌ المؤلف‌ ـ فانه‌ فرغ‌ من‌ مسألة‌ المرجعية‌ الثقافية‌، فلا غربة‌ ولا تكاسل‌، لان‌ مرجعيته‌ الثقافية‌ تشع‌ له‌ بالرؤي‌ والافكار والطموحات‌ التي‌ ليس‌ لها حدّ. وهذه‌ المصادر الاشعاعية‌ تزودّه‌ بطاقة‌ حركية‌ تجعله‌ في‌ عمل‌ متواصل‌ لانجاز مهامه‌ التي‌ يلخصها المؤلف‌ بـ: بث‌ الوعي‌، النقد، تبني‌ قضايا الامة‌ .

 

احياء الفكر الديني‌:

وفي‌ الفصل‌ الثاني‌ يتناول‌ المؤلف‌ جذور فكرة‌ الاحياء الديني‌ بالبحث‌ والكشف‌ والتحليل‌ مستفيداً من‌ التجربة‌ الاسلامية‌ التي‌ كانت‌ حيّة‌ في‌ مبدأ أمرها بفعل‌ العبقرية‌ الفكرية‌ والسياسية‌ للرسول‌ الاعظم‌ (ص‌) وعدم‌ ظهور تيارات‌ تخريب‌ قوية‌ في‌ عهده‌، فأرسى‌ ملامح‌ الفاصلة‌ الضرورية‌ بين‌ الدين‌ والحياة‌، ثم‌ اجتاحت‌ الامة‌ الاسلامية‌ موجة‌ من‌ التخريب‌ الفكري‌ والسياسي‌، ووجدت‌ لها صدىً في‌ ثلاث‌ حروب‌ ثارت‌ الاولى‌ علي‌ العدل‌ والثانية‌ علي‌ الشورى‌ والثالثة‌ على‌ العقل‌.

وجر الدين‌ من‌ خلال‌ ذلك‌ لمصلحة‌ معاوية‌ وغيره‌ من‌ المتفعين‌، وانفصل‌ عن‌ السياسة‌ بل‌ تبعها، فكان‌ ذلك‌ من‌ اكبر حملات‌ التخريب‌ الديني‌ .. وهكذا يستعرض‌ المؤلف‌ تلك‌ الحملات‌ المتوالية‌ والممتدة‌ (13) قرناً حتى‌ جاءت‌ مرحلة‌ ما بعد الاحياء والمتمثلة‌ باشكالية‌ النأي‌ عن‌ مقاصد الشريعة‌ فتحمل‌ الاصلاحيون‌ الدينيون‌ مهمتهم‌ ابتداءً من‌ السيد جمال‌ الدين‌ الافغاني‌ الي‌ حين‌ قيام‌ الجمهورية‌ الاسلامية‌ في‌ ايران‌ .. ومرّ المؤلف‌ بمناسبة‌ الحديث‌ عن‌ التيار الاصلاحي‌ برموز الاصلاح‌ في‌ العالم‌ الاسلامي‌، السيد جمال‌ الدين‌ ودوره‌ في‌ مناهضة‌ الاستبداد واشاعة‌ تركيز الوعي‌ ومحاربة‌ الاستعمار ومشروع‌ الجامعة‌ الاسلامية‌ وتنقية‌ الفكر الاسلامي‌ من‌ الشوائب‌، والشهيد محمد باقر الصدر واسهاماته‌ الفريدة‌ والمتنوعة‌ في‌ الاصلاح‌، فكرياً وحركياً ومرجعياً، والامام‌ الخميني‌ واصلاحاته‌ الحوزوية‌ والسياسية‌ والاجتهادية‌ التي‌ أكدّت‌ دور العلماء وحجّمت‌ فقهاء السلاطين‌ وأتت‌ على‌ شاهنشاهات‌ ايران‌ وأذّنت‌ بانتهاء التبعية‌ للدول‌ الاستعمارية‌ وأعادت‌ للامة‌ دورها المغيّب‌ وانتهت‌ باقامة‌ دولة‌ اسلامية‌ على‌ أرض‌ الواقع‌ محققة‌ حلم‌ الانبياء والمصلحين‌.

والمؤلف‌ من‌ خلال‌ ذلك‌ يركّز على‌ مفاتيح‌ العبقرية‌ الاصلاحية‌ واسرار التحرّك‌ الاصلاحي‌ الواعي‌ مدّللاً بذلك‌ على‌ امكانية‌ اعادة‌ دراسة‌ وتمثّل‌ تلك‌ المشاريع‌ وضرورة‌ استكمالها نهوضاً بالواقع‌ الراهن‌ الي‌ أقصي‌ مديً ممكن‌، وكل‌ ذلك‌ عبر لغة‌ معاصرة‌ كان‌ يلوّح‌ بها المؤلف‌ من‌ خلال‌ ثنايا الكتاب‌ وطبيعة‌ توجه‌ بحثه‌ ودراسته‌.

 

الموقف‌ من‌ الاستبداد

ويدرس‌ المؤلف‌ الاستبداد في‌ الفصل‌ الثالث‌ ويبيّن‌ ماهيته‌ ومناوئيه‌ من‌ الاصلاحيين‌ كما يدرس‌ بشكل‌ مقتضب‌ جذره‌ التأريخي‌ ومعاناة‌ الامة‌ منه‌ ومن‌ اشكاله‌ التي‌ تتحدد بثلاثة‌: رضوخ‌ الفرد لتحدّيات‌ المستبدّ، الاستجابة‌ الطوعية‌ للمستبد وتسخير رجل‌ الدين‌ للشرعنة‌ وتطويع‌ الناس‌، الرفض‌ والتمرد وعدم‌ الاستجابة‌ لارادة‌ المستبد.

والحقيقة‌ ان‌ الاستبداد هو العقبة‌ الكؤود امام‌ التجديد والنهضة‌، اذ يقضي‌ الاستبداد سواء كان‌ سياسياً ام‌ دينياً علي‌ دور الا´خر الفرد او الامة‌، ويعطّل‌ قدرته‌ الذاتية‌ على‌ التحرك‌ الرسالى‌، وينتج‌ نسخاً مستنسخة‌ عن‌ المستبدّ ورأيه‌، ولكن‌ مع‌ المستبد دائماً يوجد أسّ آخر في‌ معادلة‌ الصراع‌ وهو المصلح‌، (فلا يمكن‌ للاستبداد ان‌ يستمر مادام‌ هنالك‌ دعاة‌ مصلحون‌، ولا يسود الاصلاح‌ وهناك‌ جذر للاستبداد).

ومن‌ هنا شرع‌ المؤلف‌ بدراسة‌ الخطوات‌ التي‌ اتبعها المصلحون‌ في‌ محاربة‌ الاستبداد:

1 ـ فضح‌ الممارسات‌ الاستبدادية‌ ومثل‌ لذلك‌ بالسيد جمال‌ الدين‌ والشهيد الصدر وعبد الرحمن‌ الكواكبي‌ وغيرهم‌، وما لاقوه‌ في‌ سبيل‌ ذلك‌ من‌ محن‌ وابتلاءات‌ وصور شتّي‌ من‌ الاضطهاد والتنكيل‌.

2 ـ تبني‌ مبدأ الشوري‌ والديموقراطية‌ كطرفي‌ النقيض‌ للاستبداد، وتطرّق‌ لآراء الكواكبي‌ ومحمد عبده‌ ومحمد حسين‌ النائيني‌ منظّر الحركة‌ الدستورية‌ في‌ ايران‌ والامام‌ الخميني‌.

وفي‌ هذه‌ النقطة‌ جعل‌ المؤلف‌ المعارضة‌ وحرية‌ الرأي‌ علامة‌ صحّة‌ تكشف‌ عن‌ قوة‌ النظام‌ وجدارته‌ واقصاء المعارضة‌ دليلاً علي‌ الاستبداد والقمع‌ لارادة‌ الجماهير ودّلل‌ علي‌ ذلك‌ بأقوال‌ للامام‌ الخميني‌ وهو ينظّر للدولة‌ الاسلامية‌ وعلاقتها بالامة‌.

3 ـ سيادة‌ القانون‌، القانون‌ الذي‌ يبدأ الاستبداد بانتهائه‌ واحتقاره‌ من‌ قبل‌ المستبد، وراح‌ المؤلف‌ هنا يتتبع‌ كلمات‌ الامام‌ الخميني‌ وهو يمنح‌ القانون‌ السيادة‌ العليا على‌ الجميع‌ كخطوة‌ اساسية‌ لمحاربة‌ الاستبداد، ويوضّح‌ العلاقة‌ بين‌ ولاية‌ الفقيه‌ واحترام‌ القانون‌ او مناهضة‌ الاستبداد وانه‌ لا تضاد بينهما بل‌ توافق‌ وانسجام‌ لان‌ هدف‌ ولاية‌ الفقيه‌ هو احترام‌ القانون‌ ومنح‌ الامة‌ دورها وحجمها الطبيعيين‌ كما فعل‌ النبي‌ والائمة‌ حينما تصدّوا لقيادة‌ الامة‌ وبناء الدولة‌.

واخيراً فكتاب‌ "اشكاليات‌ التجديد" الذي‌ بين‌ ايدينا هو نافذة‌ تقرأ من‌ خلالها وعي‌ المؤلف‌ المستمدّ من‌ وعيه‌ للواقع‌ على‌ صورته‌ التي‌ ينبغي‌ لكل‌ باحث‌ ودارس‌ ومثقف‌ أن‌ يعيه‌ ويعي‌ أسس‌ تشكّله‌ واشكالياته‌، تطلّعاً لنهضة‌ اسلامية‌ تعيد الرؤية‌ الاسلامية‌ الي‌ نصابها الواقعي‌ في‌ خضم‌ حملات‌ التشويه‌ والتهميش‌ وتمنحها مساحتها المرجّوة‌ من‌ لغة‌ العصر وشكله‌ الحاضر.

 

الغرباوي، ماجد، اشكاليات التجديد، ط2، 2001م، بيروت، لبنان، دار الهادي.

bobaker jilaliالحديث عن الفكر والمفكرين وعن العلم والعلماء وعن الثقافة والمثقفين، وعن البحث والباحثين وعن الإبداع والمبدعين في كافة التخصصات الفكرية والعلمية والفنية والتقنية وغيرها في البلاد العربية هو حديث عن واقع وعن خطاب في هذا الواقع، واقع مأزوم وفيه خطاب مأزوم انعكاس لهذا الواقع، وكل مظاهر الثقافة بما في ذلك البحث في جميع ميادين العلم والمعرفة والعمل والإنتاج والإبداع لكون الثقافة وعي فكري متجدد وعمل منتج مادي متطور وبينها تأثير متبادل والعملية متواصلة ولا تعرف التوقف، فإنّ المثقف العربي عموما مريض فكريا ونفسيا واجتماعيا، مهموم بهموم الفكر والوطن والواقع، مازال يعاني مشكلات فكرية قديمة لم يجد لها حلولا حتى الآن، وتواجهه تحّيات جديدة خطيرة فرضها التطور الحضاري الذي عرفته وتعرفه الشعوب المتقدمة، في وقت يشهد فيه عالمه المتخلف تراجعا كبيرا نحون الخلف، تراجع في الفكر والعمل والقيّم والآداب، وكل ما يقال عن المثقف يقال عن الباحث وعن البحث الأكاديمي وغير الأكاديمي، فالباحث العربي في جميع ميادين البحث والدراسة داخل مؤسسات البحث الأكاديمية أو خارجها يشتكي من عدد من الهموم ذات مصادر عديدة ومتداخلة ومتشابكة وخطيرة ومتفاقمة باستمرار، أبرزها:

1- التهميش السياسي: السلطة الحاكمة في البلاد العربية وإرادتها السياسية لا تشجع الثقافة والعلم والفكر والبحث ولا تحترم المثقفين والعلماء والمفكرين والباحثين، تشجع قطاعات المال والأعمال وأنشطة ثقافية ترفيهية آنية وتحترم أصحابها مثل المطربين والرياضيين على حساب البحث في جميع الميادين الثقافية الأخرى، مثل العلم والتكنولوجيا والفكر.

2- النبذ الاجتماعي: في عصر العولمة واقتصاد السوق والشركات المعددة الجنسيات لم تعد الشعوب العربية تهتم بما هو ثقافي ولا بالبحث العلمي، انصب الاهتمام على تحقيق الربح المادي السريع بطرق كثيرة مشروعة وغير مشروعة على حساب الاجتهاد المدرسي والإبداع في البحوث والدراسات الجامعية وفي المجتمع بشكل عام.

3- العزلة: الباحث العربي في أغلب البلاد العربية معزول عن قومه فكريا وسياسيا واجتماعيا، بسبب التهميش السياسي والنبذ الاجتماعي وانفصاله عن واقعه، هو وما يقوم به من أبحاث ودراسات أكاديمية وغيرها في المجال العلمي أو الأدبي أو التكنولوجي أو الإنساني والاجتماعي كل ذلك لا يمت بصلة بواقع الباحث لوجود قطيعة بين البحوث ومشاكل الواقع وهمومه.

4- القهر والاستبداد: المثقف العربي بصفة عامة والباحث بصفة خاصة كلاهما يتعرض للقهر والاستبداد والظلم في المجتمعات العربية، بسبب سلب حريتهم في الرأي والفكر والتعبير وفي البحث، ومنعهم من إطلاق مواهبهم والكشف عن إبداعاتهم، بقرارات سياسية وإدارية طاغية وبوعي ثقافي فاسد وزائف تفرضه الفئة المتعالمة المسيطرة على الحياة الثقافية.

5- الفقر والفاقة: في أغلب البلاد العربية وحتى تلك الغنية بالنفط تعاني شعوبها من سوء توزيع الثروة، وتتخبط في مشاكل خطيرة جدا، وبما أن الاهتمام ضعيف جدا بالثقافة والعلم والبحث فإن القائمين على هذا القطاع يعانون من الفقر المدقع إلى حد الجوع، بسبب الدخل الضعيف لممتهن الثقافة والعلم والبحث وبسبب غلاء ما يحتاجه الباحث من مقتنيات لإنجاز أعماله البحثية، ناهيك عن مشكلات النقل والإيواء وغيره.

6- الإهمال أكاديميا: الباحث في ميادين البحث المختلفة في المؤسسات الأكاديمية، جامعات ومعاهد مراكز وغيرها في غالبية البلاد العربية لم توفر له ما يحتاجه من إمكانيات مادية ومعنوية، وسائل وتقنيات ومناهج وظروف عمل مناسبة تسمح له بتحقيق الازدهار المطلوب في مجال بحوثه ودراساته، على الرغم من كون البحث العلمي هو محرك التنمية والتطور الاجتماعي في كل عصر وفي كل مصر.

7-الاحتقار: ظاهرة التهميش السياسي والنبذ الاجتماعي والعزلة والاستبداد والقهر والإهمال الأكاديمي والفقر والفاقة، كل هذا جعل البحث يعيش حالة يأس وقنوط ويشعر بالاحتقار والضيم، فإما يترك العلم والبحث وينصرف إلى أشغال أخرى، وإما يعيش طيلة حياته في الحسرة والضيق، وإما يهجر إلى البلاد التي تحترم البحث والباحثين والعلم والعلماء حيث تجد ضالتها ويجد ضالته في البحث.

8- الاستجابة السلبية للباحث: إنّ اقتصاد السوق وثقافة العولمة وديمقراطية الغرب الأوربي وثقافته، كل ذلك لا يسمح لأي طرف بمنافسته فكريا وثقافيا وعلميا واقتصاديا وصناعيا، وأي إبداع في عالمنا العربي في أي مستوي وفي أي ميدان يقابل من طرف المجتمع ومن قبل السلطة ببرودة وعزوف وسلبية، فتموت المواهب وتدفن الإبداعات وتشيّع العبقريات ونحن في أمس الحاجة إليها، وتعيش شعوبنا في تبعية علمية وتكنولوجية واقتصادية وسياسية للعالم المتقدم يتحكم فيها كما يشاء.

9- ضعف الباحث: الباحث في البلاد المتقدمة يتلقى تعليما جيدا وتكوينا قويّا وقاعدة صلبة في البحث، كل في تخصصه، أما في البلاد العربية فالتعليم ناقص جدا وظروفه صعبة ومضطربة والتكوين هش، الأمر الذي أدى بمؤسسات البحث والدراسة في سائر البلاد العربية إلى تخريج دفعات من الباحثين الأكثر ضعفا ونقصا في النظري والتطبيقي معا، لا يمكنهم الإسهام في حل مشكلات مجتمعاتهم لضعف تكوينهم وضعف بحوثهم بالمقارنة مع بلغه من إبداع في مجالات البحث في العالم المتقدم وما عرفه من تقدم وازدهار.

10- انعدام مؤسسات البحث المتخصصة: توجد في البلاد العربية جامعات ومعاهد ومراكز بحث في اللغات والعلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية والعلوم الدقيق والتجريبية والعلوم التكنولوجية، كل هذا موجود ولكن للأسف لا تشتغل هذه المؤسسات بالمعايير والإمكانيات والطاقات والنظم والعقليات والأخلاق التي تشتغل بها مؤسسات البحث في البلدان المتقدمة، وبالتالي فأداء مؤسسات البحث عندنا ضعيف ومردودها هزيل جدا لا يظهر نهائيا في سوق البحث العالمي الشرس الذي لا يعترف إلا بالأقوياء علما وعملا.

إنّ وضع الثقافة بصفة عامة والبحث بصفة خاصة يتردّى يوما بعد يوم في البلاد العربية بسبب تفاقم أوضاع البحث والباحث في اتجاه الاستبداد والاحتقار والفقر والتهميش والسلبية وغيرها، الأمر الذي أدّى إلى هجرة العبقرية والكفاءة والموهبة والإبداع إلى العالم المتقدم حيث تتوفر ظروف العمل الإبداعي الموضوعية والبيئية وتتحرك دوافع الباحثين والمبدعين الذاتية، فانتهى أمر البحث والإبداع في جميع ميادين العلم والمعرفة النظرية والعملية إلى ما هو عليه الآن من تقدم كبير جدا وازدهار رهيب، جعل أصحابه في منزلة رفيعة احتراما وتقديرا بين شعوب وأمم العالم، منزلة تسوس العالم وتسوده.