adnan oayeedسؤال مشروع يطرح نفسه علينا قبل الخوض في هذا الموضوع الخلافي والإشكالي معاً وهو:

هل من الوجهة التاريخية والمعرفية (الابستموبولوجية) نستطيع القول إن بداية التفكير المنطقي لدى الإنسان بدأت عملياً مع بداية تفكيره الفلسفي وتخليه عن تفكيره الأسطوري؟.

هذا مع تأكيدنا على أن الإجابة عن هذا السؤال تفرض علينا بالضرورة توضيح دلالات كل من مفهومي التفكير الفلسفي والأسطوري معاً.

فإذا كانت الفلسفة في أبسط صورها كما بينها ابن رشد، (بأنها فعل ليس أكثر من النظر في الموجودات .. والموجودات إنما تدل على الصانع لمعرفة صنعتها، وكلما كانت المعرفة بصنعتها أتم، كانت المعرفة بالصانع أتم.) ثم يتابع) .. فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي.. وهو أتم أنواع النظر، وهو المسمى برهاناً..). (1). (فلسفة ابن رشد (فصل المقال) – المكتبة المحمودية التجارية – مصر- دون تاريخ نشر – ص2-3

وبغض النظر هنا عن مفهوم العقل ودلالاته الذي ربطه ابن رشد بالفلسفة، ومن حيث رؤية ابن خلدون ذاته أيضاً لطبيعة العقل إن كان معطى معرفياً تاريخياً شَكَلَه الوجود الاجتماعي للفرد أو المجتمع، أو هو قدرة ذهنية أفاض بها الله على المرء كي يميز بها الخير من الشر، ويستطيع التكيف مع المحيط الذي ينشط فيه، فهو بالمحصلة إقرار بأهمية العقل وقدرته اللامحدودة على استخدام القياس والبرهان عند تعاملنا مع الواقع والحقيقة معاً، أي مع مقولات الفلسفة الواقعية والعقلانية مثل الحركة والتطور والنسبية والضرورة والمصادفة والعام والخاص .. الخ، وهذا ما يتنافي مع التفكير أو المنطق الأسطوري اللاعقلاني الذي لا يقر بارتباط العقل بالواقع، وبالتالي تشكله عبر هذا الواقع ذاته، ليتحول فيما بعد إلى وسيلة لتحليل الواقع وإعادة بنائه من جديد وفقاً لتصورات ورغبات حوامله الاجتماعيين ومصالحهم في المرحلة التاريخية المعيوشة، فالعقل الأسطوري هنا، يشكل في طبيعته معطى كلياً بشكل مسبق، وقائم بذاته، وهو بالتالي مفارق بالأساس للواقع الذي يتعامل معه أو ينشط فيه، وغالباً ما يتمسك بالجوهر والماهية وبالإيمان المطلق والمتناهي تجاه الحقائق، على حساب النسبي، والمتحرك والظاهر. وهو في ذلك موقف فلسفي أيضاً، بيد انه موقف فلسفي مثالي.

إذاً، إن التفكير الفلسفة العقلاني، أو العقل النقدي، يعمل منهجياً على استخراج ماهية الأشياء من ظاهرها، من ما هو محسوس ومعيوش وعياني. أو بتعبير آخر إن للفلسفة العقلانية وظيفة أو مهمة، هي اكتشاف وإدراك سر الوجود والطبيعة اللانهائية لكل كائن، وهذه هي المهمة الرئيسة والمركزية للمعرفة الفلسفية العقلانية.

أما العقل الأسطوري، فقد تجاهل أو لم يستطع طرح أو فهم العلاقة بين ماهية الشيء وظاهره طرحا أو فهماً جدلياً، أي لم يستطع حل التناقض بين ماهية الشيء القابلة للإدراك بواسطة العقل النقدي القادر بدوره على الدخول إلى عمق الشيء ذاته، وتفسير حركته وآلية عمله وتجلياته، وبين الشيء القابل للإحساس بواسطة الحواس، والوقوف عند هذا الحد من المعرفة الظاهرية السطحية للأشياء، حيث تشكل هذه المعرفة عنده بداية تاريخ الشيء ومنتهاه.

إن البحث في المطلق والعام والمعطى بشكل مسبق والدائم، وفي عالم الفكر المجرد، هو إذن الموضوع المركزي للتفكير أو العقل الأسطوري. وهذه الإشكالية المعرفية والمنهجية معاً، قد استمرت آلاف السنين ولم تزل قائمة وتمارس دورها بشكل مباشر وغير مباشر على حياة ومستقبل إنسان هذا العالم، بدون أن يتمخض ذلك عن جواب يشفي الغليل . (والسبب أن الإشكالية هي في أصلها إشكالية مغلوطة، ولذلك لا حل لها في الإطار الذي وضعت فيه، وبالطريقة التي طرحت بها).، حيث تحولت إلى إشكال معرفي ومنهجي مستعصي عن الحل، بل راح هذا الإشكال يمارس دوره بروح ومنهجية أكثر فاعلية وحيوية في تسير المواقف الاجتماعية والسياسية والثقافية في حياتنا المعاصرة.

على العموم: إن الفلسفة العقلانية والواقعية معاً، ليست هي وسيلة معرفية أو عقل أداتي يُستخدم للتخلص من التفكير التبريري والأسطوري القائم على الإطلاق والثبات، وعلى أشكال من الوهم والخيال واللامعقول التي تسيطر على البنية الفكري والعملية للإنسان المعاصر، بل هي عراك ميداني مع الوهم، وحالة نهوض اجتماعي نحو الحقيقة، وأن الفيلسوف العقلاني (العضوي)، وهو المنحدر من عامة الناس والمندغم بمجتمعه الإنساني، رغم ارتقائه إلى النخبة الفكرية بفضل مجهوده النظري ونمو وعيه النقدي، فهو يتحمل اليوم مسؤولية كبيرة على عاتقه، وهي الالتزام بقضايا الناس الذين ينحدر منهم، وتكريس حياته من أجل خدمتهم، وفضح كل أشكال الاغتراب الفكري الذي راح ينتشر اليوم انتشار النار في الهشيم على الساحة الثقافية والفكرية، وبكل مستوياتها الاجتماعية، ويُمارس – أي الاغتراب- عبر ما هو متاح له من وسائل توصيل إعلامية وثقافية، تتحكم في إدارتها وتوجيهها قوى عالمية تسعى جاهدة لنشر وتعميم الجهل والتخلف، وتغليب الغريزة والشهوة على العقل والمنطق خدمة لمصالحها الأنانية الضيقة.

إن الفلسفة العقلانية النقدية ممثلة بحواملها لاجتماعية ومنها الفكرية والسياسية على وجه الخصوص، إذا ما أرادت أن تواجه التفكير الأسطوري، وتنتصر للقيم الكونيّة الايجابية ينبغي عيها أن تبادر بدراسة أشكال الصراع الاجتماعي، وان تحشر نفسها في هذا الصراع من أجل الوقوف إلى جانب الفئات الأقل حظا، والانتصار لحقوق الإنسان المغرب والمشيئ والمستلب اليوم، والإمساك بأشياء هؤلاء الناس بالأيادي الحقيقية، والرؤية المباشرة للأحداث الملموسة، فهم صناع أمل وحرية المواطن انطلاقاً من مواقعهم في الدولة والمجتمع، وعليهم أن يدركوا أنهم عمال حقيقة، وليسوا خدماً لمؤسسات، ولا أصحاب ولاءات، أو وحراس سلطات، يترقبون التسميات وينتظرون الترقيات والامتيازات.

 

كاتب وباحث من سورية

 

safaa khalafيخرج الحجيج الشيعة من مدنهم وقراهم الى كربلاء، مشياً على الاقدام، تلبية لرغبة معلنة هي "الشفاعة" والقبض على "الجنة"، مأسورين بفكرة الراحة الابدية من الشقاء الدنيوي، يخطفون انفسهم من الواقع المرير الى المتخيل السرمدي، يهربون بارواحهم المثقلة الى خفة اداء "الواجب"، لكنهم لا يتلفتون ابداً الى حقيقة الرجل المذبوح عطشاناً، والساعي وراء "كرامته" التي باتت معرضة للهتك.

يخرجون مشياً لاعلان الولاء السنوي للرجل الذي ثار من اجل ان لا يخضع ويكون شاهد زورٍ على عصر "انحطاط" السلطة، وتلاعبها بمصائر الناس. فيما هم -اي الماشين- لا يفكرون بـ"كرامتهم" المنزوعة من قبل السلطة، وان كانت شيعية، خرجت من مظلوميتهم، ويرون فيها طغيانا يستحق منهم "الثورة"، ولا يجدون في انفسهم العليلة بالعوز صدى لتلك الصرخة العظيمة العابرة للزمن، والآتية من صحراء الطف "هيهات منا الذلة".

الحسين أُفرغ من قيمته الثورية التغييرية، وبات ذاك الرجل "الضعيف" الذي القت به المصائر الجائرة الى القتل البشع، فاستحق من "الشيعة" عراقياً، النواح والندب والضرب بالزناجيل والرايات الرخيصة المستوردة من الصين الشيوعية "الكافرة" فقط، فاضحى "الحسين المنتصر" بـ"الدم" مهزوماً به.

لم يتحقق المسير السلمي المقدس في التاريخ الحديث، كمسير الشيعة الى "الحسين" الثائر العظيم، الا مرة واحدة، عبر مسيرة الملح "الساتياجراها" السلمية التي قادها الرجل النحيف المتلفع بقماشة القطن، غاندي، ليحقق بها استقلال الهند، كحركة عصيان مدني واسعة النطاق، ارغمت المحتل البريطاني على الاعتراف بـ"الكرامة" الهندية، واستلهمها مارثن لوثر كينغ في اقرار "حقوق السود" في اميركا. لكن الشيعة لم يستثمروا مسيرتهم "العقائدية" في تحقيق "كرامتهم" يوماً.

اعتياد الاهانة يورث المهانة. ومن لا ينتفض لكرامته لا يستحق ان يكون حراً. فالحرية والكرامة شرطا تحقق الانسانية، ومن دونهما لا يكون الانسان سوى رقم مضاع في حديقة "الحيوان". وللحرية شرط اقسى من الشعور بها، بأن نمسك الحقيقة بغض النظر عن كونها تتفق مع مصالحنا او تتعارض معها، فالمعيار هو تحقق "الكرامة".

يخرج الحجيج "الزوار" الشيعة من مدنهم وقراهم الى كربلاء مشياً على الاقدام، يهجرون مدنهم، قراهم، قصباتهم، وضيعاتهم، يقاسون البرد العاصف، الموت المزروع على الطريق، والمتربص بهم كـ"أعداء مذهبيين لدودين"، يسخرون أموالهم من اجل طعام وشرب، ويغالون كثيراً بفتنهم بـ"الحسين"، لكن لا احد منهم يفتتن به كـ"صيحة" كرامة وانتزاع حقوق ومكاسب، لكنهم يرون فيه "حسينهم" الخاص المضرج بالدم، والمستسلم لقدره "الالهي"، على قاعدة "ان كان دين محمد لم يستقم الا بقتلي فيا سيوف خذيني".

فالدين العراقي الحسيني دينٌ، يطالب بالمعجزات، ولا يعترف الا بالاتكال على الغيب الذي لا يستجيب لرجاءاتهم المخذولة من اجل ان تنصفهم "الدولة" في الخدمات!

تعاني المدن الشيعية في العراق، كسائر المدن الاخرى المختلطة منها، والسُنية، من الاهمال الخدماتي المريع، من كفران السلطة بحقوق المواطنين، ولعل السُنة ليس في تاريخهم الموالي للسلطة ثائرٌ كـ"الحسين" نجدهم معذورين، لكن الشيعة المتورطين بالخيبة والظلم، منذ اعلانهم الولاء الاول للبيت العلوي، لا يستثمرون "الدم المقدس" المسفوح من اجلهم.

يعتقد المسيحيون ان "يسوع" مات من اجل الناس. تحمل العذاب على الصليب والاهانة المؤلمة، من اجل راحة البشر والتكفير عن خطاياهم، فكان ايقونة خلاصية.

الشيعة في ولائهم "الحسيني" يقتربون من هذا المفهوم الغنوصي، لكنهم يستعيدون عبر اللاشعور وفي عقلهم "الجمعي" التاريخي، تموز العراقي المضحي، المغدور الذي نزل الى العالم السفلي، فيبس العالم، وذهبت البركة عنه، فيستعيدون ذكراه عبر شارع "الموكب" البابلي، معزين ونادبين، لكن روح التضحية لم تكن حاضرة في ارواحهم من اجل انفسهم. تموز العراقي ضحى من اجل ذاته. والحسين بن علي انتصر لكرامته. اما العراقيون لا تضحية تموز حفزتهم، ولا "دم الحسين" استثارهم لنصرة انفسهم على الضيم والموت اللاحق بهم.

السلطة اليوم في العراق، تغرق بفسادها، كما المدن التي تغرق بفيضانات الامطار.

السلطة تهادن السراق، وتذهب الثروة الهائلة الى العدم، فيما المدن خربة على اهلها، والموت المجاني يحصدهم، والسلطة "الشيعية" تتفرج، بل تغذي لدى "الشيعة" الشعور بالمهانة ازاء الموت، ولان العراقيين بطبعهم يعشقون "دور الضحية" نذروا انفسهم لليأس، وخرجوا الى "الحسين" ماشين، يمرون بالمدن الخربة، يهجرون بيوتهم المتهالكة، والتي اصابها الفيض، ويزحفون في حشود بينما الموت يحصدهم، وليس فيهم من يستعيد ذاك "الحسين" المهمل، صاحب الصيحة الاثيرة ضد الظلم.

هناك من يلعب على الخروج الشيعي الى كربلاء مشياً على الاقدام، على انه تحدٍ للقوى "الطائفية" التي تهدد العالم الشيعي بالزوال، ترسخ في اعماقهم التضليل، وان هناك اعداءً متربصين بالجوار. لكن لا احد يعمق لدى "الشيعة" الاحساس بالكرامة.

ايها السائرون الى "الحسين"، لستم مأجورين بشيء من "شفاعته" حسب ايمانكم، ما لم تحولوا المسيرة السلمية العظيمة الى انتفاضة حقيقية ضد السلطة التي تنهب اموالكم، وتخرّب مدنكم، وتترككم ترزحون تحت خط الفقر المدقع، فجلّ من يخرجون، محبطون، لا بصيص امل في ارواحهم، اكل الخوف والعوز منها الكثير، فيما جيل جديد لم يفتح عينه سوى على الحروب والخراب، يخرج لتنفيس غضبه، واحباطه، يتسلى كذباً بان للرجل الراقد بسلام في قبره، سيحقق احلامه في الرخاء والعمل والرفاهية.

عليكم ان تعوا جيداً ان "الحسين" لم يخرج لتندبوه، بل لتتعلموا كيف تدافعون عن كرامتكم، وعيشكم. انكم تهزمون "الحسين" بالسير مخذولين الى كربلاء! اجعلوا من مسيرة "المشي" انتفاضة حقيقية للتغيير.

 

fatehi alhabowbi«... والأدلّة، ثلاث: دلالة العقل، لأنّه يميّز بين الحسن والقبيح، ولأنّ به يعرف أنّ الكتاب حجّة، وكذلك السنّة والإجماع. وربما تعجّب من هذا الترتيب بعضهم، فيظنّ أّنّ الأدلّة هي: الكتاب والسنّة والإجماع فقط، أو يظنّ أنّ العقل إذا كان يدلّ على أمور فهو مؤخّر، وليس الأمر كذلك»

من كتاب “فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة” للقاضي عبد الجبّار بن أحمد، طبعة تونس 1972

لعلّه من نافل القول التأكيد على أنّ إشكاليّة التخلّف المزمن وفشل، محاولات النهضة العربيّة التي تعاني من جرّائها المجتمعات العربيّة اليوم، سواء منها تلك التي عاشت ربيعها الثوري أو التي لم تعشه، ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة مراكمة مواطن خلل عديدة وأخطاء كثيرة، ليس في المقاربات المفاهيميّة للتنمية ومحدوديّة وقصور مناويلها في مستوى التشغيل والعدالة الاجتماعية بين الفئات والجهات فحسب ، بل وكذلك كافراز لرؤى فكريّة ومتبنّيات، منها ما يتّصل بالمقدّس بما هو ادّعاء بامتلاك الحقيقة الربّانية المطلقة واعتناق لمعتقدات في غير ما اعتماد للعقلانيّة في شأنها، ومنها ما يتّصل بالزمني بما هو دنيوي مادّي/ مخلوق.

حيث أنّه، كلّما قامت في المجتمع العربي الإسلامي حركة فكريّة نقديّة تنويريّة وإصلاحيّة تؤمن بأّنّ العقل هو المعيار الرئيسي في فهم كل القضايا ذات العلاقة إن بالدين أو بالدنيا وسعت لبثّ الوعي، وتحريض العقل العربي على الإشتغال تجنّبا للتعطّل والجمود والتكلّس، إلاّ وكان –قطعا- مآلها الضُمورَ والنكوص ثمّ التلاشي.

ضمن هذا السياق، فإنّي أزعم أنّ العصر الوسيط للمسلمين، الذي يتوافق تقريبا مع العصور الوسطى للغرب الأوربي التي عرفت فترة ركود وظلام ، تميّز بمحاولتين للنهوض الفكري بالعالم العربي الإسلامي. فأمّا المحاولة الأولى فكانت على يد فرقة المعتزلة رائدة العقلانيّة في الفكر الإسلامي، التي تؤمن بتأسيس الدّين على العقل، فتجعل منه أقوى الأدلّة وتنصّبه حكماً في أمور الدّين والعقيدة. وقد إشتهرت كمدرسة كلاميّة بموقفها المخالف لموقف عموم المسلمين في قضيّة مرتكب الكبيرة الذي اعتبروه كافرا، فيما أقرّ المعتزلة بأنّ منزلته هي بين منزلتي الإيمان والكفر. كما اشتهرت كتيّار فكري حرّ ظهر مبكّرا منذ بداية القرن الثاني للهجرة، في مدينة البصرة- أحد أهمّ المراكز الفقهيّة والفكريّة والأدبيّة- ووقع التصدّي له ورفضه بقوّة وتربّصوا به الدوائر باعتباره يقوم في جوهره على اعتماد العقل في شرح وتفسير العقائد الإسلاميّة إنطلاقا من نصوص الكتاب والسنّة. بل أنّ المعتزلة يقدّمون العقل أحيانا على النصّ كما جاء في كتاب "في فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة" للقاضي عبد الجبّار بن أحمد. وفي تقديري فأنّ رفض الفكر المعتزلي يتضمّن بعدين هامّين يستحقّان منّا الوقوف عندهما وإن بطريقة عَجْلَى. أوّلهما أنّ بيئة وذهنيّة المجتمع العربي حديث العهد بالإسلام آنذاك، تطمئنّ أكثر إلى الإجماع حول الرأي المتشدّد/المتصلّب، فيما لا تؤيّد حقّ الإختلاف في الرأي، لا سيّما إن كان لحساب الفكر التنويري المؤمن بأولويّة العقل على النصّ الديني وليس بأولويّة النصّ على الواقع بما هي أولويّة للدّين على الدنيا. وثانيهما أنّ التكفير الذي نعاني اليوم من نتائجه الكارثيّة المدمّرة في كل مكان من العالم العربي والإسلامي متجذّر في ثقافتنا منذ البدايات. لذلك، فرغم أنّ الفكر المعتزلي كان في عهد الخليفة المأمون هو المذهب الرسمي للدولة وتأثّرت به تيّارات فكريّة أخرى لها النزعة التحرّريّة ذاتها، فإنّ المعتزلة العقلانيين قد واجهوا، لاحقا في عهد الخليفة المتوكّل، المعتنق للمذهب الأشعري الجبري اللاعقلاني الذي ينفي مكانة العقل ويلغي دور وفعل الإنسان وكذلك حريته في رسم مسار حياته، ولو في الحدود الدنيا. واجهوا صدّا ومقاومة شديدة من قبل ذوي الفهم الفقهي النقلي المتخلّف للإسلام، الذين يؤمنون بمقولة القسر والجبر. وهي المقولة التي يكون بمقتضاها الإنسان مسيّرا وليس مخيّرا ومسؤولا عن اختياره الحرّ. وكان من نتائج ذلك أن قتل من المعتزلة من قتل وعذّب من عذّب منهم، إلى أن اندثر تيّارهم الفكري العقلاني المستنير الحرّ الذي سبق الفكر التنويري الانجليزي الالماني الفرنسي بحوالي عشرة قرون. ولو قدّر للمعتزلة الإستمرار في نشر طروحاتهم الفكريّة، التي تتمحور بالأساس حول فكر يقوم على حريّة الفرد، وينظر إلى الإنسان باعتباره غاية الوجود وصاحب الإرادة والاختيار، لأسهموا بفعاليّة في إحداث نهضة المجتمع العربي بالفكر العقلاني النقدي الذي يعضده العمل الجاد باعتبارهما يمثّلان عصب كل نهضة وقطب الرحى لكل تقدّم في أيّ مجال كان. ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن بفعل العقليّة العربيّة الشرقيّة وبنيتها التي تركن إلى السائد وتقاوم المختلف ولا تشجّع على النجاح. وهو ما عبّر عنه الدكتور أحمد زويل المتحصّل على جائزة نوبل عندما قال:« الغرب ليسوا عبآقرة .. ونحن أغبيآء !! ھٓم فقط يدعمون الفآشل حتى ينجح ..! ونحن نحارب الناجح حتى يفشل .. »

وأمّا المحاولة الجادّة الثانية للنهوض الفكري بالمجتمعين العربي والإسلامي، فكانت على يد الفيلسوف الأندلسي ابن رشد، عبر إنتاج منظومة فكريّة عقلانيّة مستنيرة بخاصيّات قريبة من منظومة الفكر المعتزلي، بل إنّها تكاد تتماهى معها في بعض التفاصيل. إذ أنّه سجّل موقفا متميّزا من قضيّة العلاقة بين الدين والفلسفة من خلال كتابه (فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال). حيث يقول-في تعارض صارخ مع أبي حامد الغزالي، أحد أكبر المتسبّبين في تخلّف المسلمين - أن « لا تعارض بين الدّين والفلسفة، وإذا كان هناك من تعارض فالتعارض ظاهري بين ظاهر نصّ ديني وقضيّة عقليّة ونستطيع حلّه بالتأويل…». ومن هذا المنطلق، فهو يرى أن الشرع أوجب ليس فقط النظر بالعقل في الوجود بل أوجب كذلك دراسة المنطق. ويرى أيضا «أنّ القضايا البرهانيّة العقليّة هي حقّ، وما نطق به الشرع حقّ، والحقّ لا يضاد الحقّ بل يؤكّده ويشهد له». بما يعني أنّ الحكمة (الفلسفة) والشريعة (الدين) لا يتناقضان كما ذهب الغزالي إلى ذلك في “تهافت الفلاسفة ” الذي شكّل في تقديري تكريسا للإنغلاق ومصادرة للرأي الآخر وسقوطا في ما يسمّيه أفلاطون "الميزولوجيا"، بما هي "كراهية العقل" . لذلك يمكن الجزم بما يشبه اليقين، أنّه بموت إبن رشد انتصرت -وياللأسف- مدرسة النقل لزعيمها أبو حامد الغزالي، ثانية ونهائيّا، على المنهج العقلي الذي خبا تأثيره بعد أن مثّلته مدرسة الإعتزال ومنظومة ابن رشد الفكريّة التي كاد بمقتضاها أن يؤلّه العقل رغم تديّنه الشديد. وكان من تداعيات ذلك، أفول الفلسفة الإسلاميّة وبداية تخلّف وانحطاط العالم العربي والإسلامي الذي لا يزال متواصلا إلى اليوم على طريقة السقوط الحرّ -في الفيزياء- وعلى جميع الصعد. فلم يعد المسلمون فاعلين في بناء الحضارة الإنسانيّة، لابل واستسلموا لنوم عميق، ما زالوا يغطّون فيه إلى اليوم، وربّما إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فمن يدري؟! أليس "الجلوس على الربوة أسلم" لمن لا يريد خوض المعارك الفكريّة والتجارب العلميّة، ويستمرأ الكسل ويفضّله على العمل والجهد المنتج، فيبدّد طاقته وينفق وقته فيما لا طائل من ورائه؟! كالتغنّي بأمجاد الماضي التليد من باب التوكؤ عليه وتصوير السلف على أنّه صالح على بكرة أبيه لا تشوبه شائبة، لا بل على أنّه معصوم ويدنو من الملائكة من باب تقزيم الحاضر ولعن المستقبل ليس إلّا. وهو ما لا يستقيم عقلا ولا يمكن القبول به نهائيّا. لأنّ الإنسان، إنسان بخيره وشرّه، في كلّ زمان ومكان. فقد خلق الله الإنسان حراً ليجرّب الشرّ والخير والخطأ والصواب ، والكفر والإيمان. لذلك جاء في الآية الكريمة: « فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ». ولعلّ في إنقلاب الصحابي معاوية وهو من السلف "الصالح" على مبدأ الشورى في الخلافة والإستعاضة عنه بالملك العضوض، حيث أكّد على ذلك في أوّل خطبة له « إني والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا، وإنّما قاتلتكم لأتأمَّرَ عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون » ، وكذا أمره بلعن علي بن أبي طالب على المنابر، عبرة بليغة لمن يعتبر، سنّة وشيعة، ممّن يقدّسون السلف "الصالح" حدّ الهوس.

وأمّا في العصر الحديث والمعاصر، وانطلاقا من منتصف القرن التاسع عشر، فإنّ محاولات النهوض الفكريّة والحضاريّة التي مثّلت تقديم إجابات عن تحدّيات العصر من أجل تقدّم الاّمة العربيّة ونهضتها، قد إتّسمت بالكثرة والتنوّع. وكان بروز المشاريع الإصلاحيّة الأولى على يد رفاعة الطهطاوي مؤسّس حركة النهضة في مصر وخير الدين باشا رائد النهضة العلميّة في تونس، ومؤلّف أوّل موسوعة عربيّة/دائرة المعارف وفق المنهج الحديث، وهو بطرس البستاني في لبنان، صاحب شعار" الدين لله والوطن للجميع". وكانت هذه المشار يع في عمومها تسعى لفصل الدين عن السياسة وإفراز مجتمع مدني شبيه بالمجتمعات الأوروبية، تفُكُّ فيه الدولة عنْ نفسِهَا قيدَ الدِّينِ دون التخلّي عن الهويّة الإسلاميّة. بحيث يكون الإسلام في المجتمع كعقيدة دينية ليس أكثر. بما ينسجم مع ما قاله -لاحقا- قائد النهضة في ماليزيا مهاتير محمّد «عندما أردنا الصلاة إتّجهنا صوب مكّة، وعندما أردنا بناء البلاد إتّجهنا صوب اليابان ». وعلى صعيد آخر برزت محاولات التجديد والإجتهاد الديني التي قام بها كلّ من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا. وقد سعت بجدّ لتصحيح الرؤية التقليدية للدين التي غالبا ما كرّست الجمود. وذلك من خلال إعادة صياغات جديدة للمبادئ الإسلاميّة الكبرى ذات الطابع الاجتماعي في محاولة لإفراز مجتمع مدني مرجعيّته الشريعة الإسلامية، يتصدّى إلى الدعوات التغريبية ويقف في وجه الهجمة الحضارية الغربية التي بهرت الأبصار وأخذت العقول.

ضمن هذا الحراك الفكري يعتبر رفاعة الطهطاوي (1801 - 1873) ، أحد أهمّ الدعائم الفكريّة التي قامت عليها النهضة في مصر، أوّل مفكّر عربي معاصر طرح سنة 1834 في كتابه الشهير "تخليص الابريز في تلخيص باريز" ، الذى تتجاوز أهميته حدود عصره، طرح الإرهاصات الأولى للإصلاح ومنها فكرة الحريّة كسبيل للتقدم، ينظر لها ليس فقط باعتبارها تكرّس المفهوم الإسلامي للعدل والإنصاف وتتوحّد معه، بل وكذلك وبصفة خاصّة، باعتبارها من أهمّ أسباب نهضة الأمّة وتمدّنها المنشود. وهو الطرح الذي يفترض محاولة التوفيق بين الأحكام الشرعيّة الإسلاميّة والقوانين الوضعيّة سليلة الحضارة الغربيّة الحديثة. كما يفترض محاولة التوفيق في ذات الوقت بين الولاء للأمّة الإسلامية في كلّيتها واحترام خصوصيات القوميات/ الأقلّيات غير المسلمة التي تعيش ضمن المجتمع الإسلامي. وهذا الطرح يتماهى بالتأكيد مع مفهوم الدولة المدنيّة الديمقراطيّة التي يشكل التعايش الآمن الناتج عن حريّة المعتقد أحد مرتكزاتها الأساسية وتمظهراتها في آن معا .

 ويمكن إختصار مقاربة رفاعة الطهطاوي لتحديث المجتمع المصري في ،نظرته إلى الحكم باعتباره يرمي إلى خير أو سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة في ذات الوقت. وأن سعادته في الدنيا تقتضي توفّر حضارة مدنية كالتي قامت في أوروبا الحديثة ذات القوة والعظمة، بفضل تشجيعها على تنمية مختلف العلوم والفنون والآداب. بما يحتّم الإقتداء بها دون التفريط في الأصالة العربيّة الإسلاميّة. لذلك فإنّ الطهطاوي، الذي نادى بضرورة التطوّر وإرساء الديمقراطية والحكم الدستورى وإشاعة التعليم، بما في ذلك تعليم المرأة ونشر العلم ، تتطرّق للمفاهيم الفكرية الاساسيّة التي قامت عليها الدول الحديثة والمتقدّمة، التي من بينها مبدأ المواطنة الذي وصفه بأنّه «المنافع العمومية التي تقوم على الحرية والإخاء والمساواة بين أبناء الوطن الواحد».

ورغم أنّ طهطاوي ، باعتباره رجل سياسة ونفوذ ، قد حاول وضع بعض أفكاره موضع التنفيذ بإنجاز مشاريع ذات طابع علمي لعلّ من أهمّها إنشاء مدرسة الألسن، إلّا أنّ قدر هذه المحاولة كان- هو الآخر- العرقلة والإجهاض من قبل السلطة في عديد المحطّات التاريخيّة.

أمّا خير الدين باشا المعروف في المشرق بخيرالدين التونسي (1825-1889 ) فيعتبر هو الآخر أحد أعلام النهضة والتنوير في تونس، بل هو أبرزهم تاريخيا ومن حيث المساهمة- نظريّا وعمليّا- في بناء نهضة تونس الحديثة. حيث أنّه لم يكتف ببثّ روح اليقظة والنهوض في الأمّة وشحذ عزائم الإصلاح عن طريق نشر الفكر فحسب، بل إنّه طبّقه على أرض الواقع فأنشأ سنة 1875، باعتباره رجل سياسة ونفوذ، المدرسة الصادقيّة لتعليم الفنون والعلوم الحديثة ونظّم مؤسسّات الدولة تنظيما حديثا، ضمن خطة شاملة للإصلاح تدعو فيما تدعو إليه، إلى توسيع مجال السياسية الشرعيّة ليشمل كل ما لا يخالف الكتاب والسنة، وعدم حصرها على ما ورد في شأنه نصٌّ قرآني أو حديث . أمّا عصارة أفكاره التي وفّقت بين الفكر الليبرالي القائم على الحكم الدستوري والحريّة الإقتصاديّة والتقاليد الإسلاميّة فقد تضمّنها كتابه الخالد " أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك " الصادر 1868، وهي السنة ذاتها التي ظهر فيها الجزء الأوّل من كتاب "رأس المال " لكارل ماركس منظّر الفكر الشيوعي. وقد لمسناه فيه-كما الطهطاوي- متأثّرا بما شاهده في فرنسا من معالم نهضة حضاريّة وفكريّة واجتماعيّة وسياسيّة. فهو يؤكّد ضمن مقدّمة الكتاب، الذي دعا فيه معاصريه إلى الإستعارة من الغرب من أجل الارتقاء بالأمة، أنّ الحكم المطلق الشمولي لا يؤدّي إلّا إلى التخلّف المزمن. وأنّ لا خوف على المسلمين إن هم اقتدوا بالحضارة الأوروبية، وأن لا غضاضة في اعتماد النظم الأوروبيّة في المجالات السياسيّة والإجتماعيّة والإقتصاديّة لأنّها لا تتعارض في جوهرها مع النظم الإسلاميّة. بل إنّها تتوافق معها بشكل يكاد يكون كلّيّا .وكلّ نظام له ما يقابله في الدولة الإسلاميّة. فالوزير المسؤول أمام الأمّة/الشعب في أوروبّا، إنّما يقابله الوزير الصالح في الإسلام الذي يسدي النصيحة ولا يخشى في الحقّ لومة لائم. أمّا نواب البرلمان فيقابلهم أهل الحلّ والعقد. وأمّا الحكم النيابي وحريّة الصحافة فيقابلهما مبدأ الشورى. ويخلص خير الدين باشا بعد ذلك إلى أنّ استلهام النظم الأوروبية ليس سوى تنفيذ لروح الشريعة الإسلامية ومقاصدها انطلاقا من مبدأ "المصلحة" لابن قيم الجوزية. وهو ما جعله ينادي بأن تؤسّس الدولة على دعامتي الحرية والعدل وتعدد مؤسسات الحكم ومشاركة "الرعايا"/المواطنين في إدارة شؤون الدولة واحترام حقوقهم الإنسانية ، ملحّا على توفّر وعي الأمّة واستنارتها لتطالب بحقوقها ولتضمن مراقبة دواليب الحكم لتجنّب الاستبداد والانفراد بالحكم الذي يؤدّي بالضرورة إلى التفريط في الحقوق . يضاف إلى ذلك مناداته بحرية "المطبعة " بما هي حرية للرأي والكتابة والنشر وركن أساسي في إرساء الديمقراطيّة.

ومثلما عرقلت محاولة طهطاوي فإنّ محاولة خير الدين باشا عوّقت من قبل المعارضين للإصلاح وخاصةّ منهم باي تونس /الملك الحاكم.

ورغم أنّ خير الدين باشا لم يحقّق مراده من الإصلاح إلّا أنّه ترك بصمته الإصلاحيّة الواضحة في المجتمع التونسي الذي أصبح في موقع المركز، على الأقل، من حيث المساواة بين المرأة والرجل ومن حيث انطلاق الثورة العربيّة الراهنة وتثبيت مسار ودعائم الحكم الديمقراطي رغم المعوّقات الظرفيّة الكثيرة والإنفلاتات.

وما يمكن الإشارة إليه في النهاية، أنّه رغم أنّه قد برز إلى السطح في العالم العربي فكر تنويري وإصلاحي، إلّا أنّه لم يمثّل حركة تنويرية إصلاحية جذريّة كإفراز لمنظومة فكريّة متكاملة تحمل مشروعا واضح المعالم وتمثّل مرجعيّة صلبة كما حدث في أوروبّا خلال القرنين السابع والثامن عشر بفضل لفيف من فلاسفة التنوير الغربيين الذين جمعهم هاجس القطع مع النظم السائدة والدفع إلى صياغات لفكر ونظم جديدة. بينما ما جمع بين المفكرين المعاصرين العرب التنويريين إنّما كان مجرّد ردّة فعل على مشاريع التغريب أكثر منها إبداع فكر جديد.

 

بقلم المهندس فتحي الحبّوبي

 

adnan oayeedإذا كان العقل في لغة العرب، يعني التحديد والتقييد، حيث ارتبط العقل هنا بكلمة عقال التي تفيد تقييد ساق الناقة حتى تبقى في مكانها. فإن دلالات العقل على المستوى الفلسفي، ظلت في سياقها العام قضية خلافية وإشكالية لدى المفكرين والفلاسفة على كافة مدارسهم، واتجاهاتهم الوضعية منها والدينية معاً. فهناك من اعتبر العقل ملكة وقوة من قوى النفس، وظيفتها استنباط الحقائق، وبها نستطيع تجاوز ما هو حسي وجزئي ومتعدد، إلى ما هو مجرد وكلي وواحد. ومن المفكرين الذين قالوا بهذه الرؤية الفيلسوف " الكندي" في كتابه (رسالة في حدود الأشياء ورسومها)، حيث جاء عنده أن العقل (جوهر بسيط مدرك للأشياء بحقائقها) . وهناك من قسم العقل إلى عقل نظري مجاله البحث في قضايا الرياضيات والطبيعيات والميتافيزيقيا والمنطق، وإلى عقل عملي، ومجاله السياسة والأخلاق، وهذا ما قال به الفيلسوف "الفارابي" في كتابه (فصول منتزعة) حيث اعتبر القوة الناطقة (العقل)، بأنها القوة التي َيعْقَلُ بها الإنسان، وبها  تكون الروية، وبها تبنى العلوم والصناعات، وبها يميز ما بين الجميل والقبيح، وهذه القوة منها ما هو نظري ومنها ما هو عملي .

هذا في الوقت الذي نجد فيه من يعتبر العقل أيضاَ عبارة عن مجموعة من القدرات والمهارات والتقنيات والمناهج التي تمكّن من الاستدلال والبرهنة، وهذا العقل في توصيفه يختلف ويتطور في مهاراته وقابلياته من مرحلة تاريخية إلى أخرى وفقاً لمجالات نشاطه. فالعقل وفقاً لهذه المعطيات هو وعي الإنسان وآلية عمل هذا الوعي (الميكانيزم)، في إدراك المحيط الذي ينشط فيه بكل مكوناته، وهذا الوعي يُكتسب تاريخياً عبر علاقة هذا  الإنسان مع الطبيعة والمجتمع معاً. أو بتعبير آخر العقل هو ما اكتسبه الإنسان عبر تنشئته التاريخية بكل ما تحمل هذه التنشئة من معطيات مادية وروحية. وهذا الفهم الأخير للعقل يدفعنا في المحصلة إلى تجاوز فكرة تعريف العقل، للنظر في تعيينه، أي تعيين الظروف التي تنتجه وتحدد بالتالي طبيعته ومهاراته وقدراته في هذه المرحلة التاريخية أو تلك، وضمن هذا الحقل المعرفي أو ذاك .

إن العقل إذن كما أراه، هو المعرفة الإنسانية، ووعي الإنسان بذاته وما يحيط به، معيناً في مرحلة تاريخية محددة. أو بتعبير آخر، هو المعرفة الإنسانية في سيرورتها وصيرورتها التاريخيتين. وبذلك يكون العقل خاضعاً بالضرورة لظروف إنتاجه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والبيئية، وهي وحدها من يمنح العقل شقاءه ممثلاً هنا في رؤاه الأسطورية، والامتثال والإطلاق والسجال والنقل والثبات، وفصل العقل أو المعرفة عن العالم الواقعي المحيط به. مثلما هي ذاتها من تمنح العقل تاريخيته أيضاً (عقلانيته)، بحيث يصبح محايثاً للعالم، ومترافقاً مع معطياته المادية والفكرية/الروحية في حركتها وتعددها وتبدلها وكليتها ونسبيتها وجدليتها.

 

لماذا يكون العقل/ الوعي شقيا؟َ:

إذا كان شقاء العقل أو الوعي يكمن في مفارقة هذا العقل للواقع الذي أنتجه بسبب جهل حوامله، للقوانين التي تتحكم في هذا الواقع ذاته وآلية عمله، وبالتالي محاولة تفسير ظواهر هذا الواقع بعمومها تفسيراً لا يمت لآلية عمل هذه الظواهر والقوانين التي تتحكم فيها، وحالة حركتها وتطورها  وتبدلها، فهذا يعني في بعده الإنساني تحقيقاً لحالة اغتراب هذا الإنسان بكل أشكالها، بدءاً من اغترابه عن الطبيعة التي تحيط به وينشط عليها، مروراً باغترابه أو غربته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وصولاً إلى اغترابه أو غربته الروحية والثقافية .

إن جهل الإنسان وعجزه في اكتشاف قوانين الطبيعة بشقيها البيئي والاجتماعي، وآلية عملها، حقق حالة غربته عن محيطه الطبيعي، لذلك خاف ظواهر الطبيعة بكل تجلياتها، في رعدها وبرقها وصواعقها وبراكينها وزلازلها وعواصفها وسيولها، وفي قمرها وشمسها وكواكبها.. الخ، الأمر الذي جعل عقله / وعيه مغرباً وشقياً، فدفعت هذه الغربة صاحبه (الإنسان) لعبادة هذه الظواهر الطبيعية وخلق آلهة تمثلها وتتناسب في صفاتها وطبيعتها مع حالة تلك الظواهر وما تقدمه من خير أو شر له بغية تلافي شرها، أو إرضائها لتديم نعمها عليه، وهذه الغربة وما حققته من شقاء لعقل الإنسان لم تكن من صنع يد الإنسان ذاته في مراحل حياته البدائية، بل فرضتها الضرورة الحكمية عليه.

أما غربة الإنسان الاجتماعية، وما حققته أيضاً من شقاء  لعقله، فقد بدأت مع نشاط الإنسان عبر وجوده الاجتماعي، وما حققه هذا النشاط من تطور في وسائل وقوى وعلاقات إنتاجه، وبالتالي في وجوده الاجتماعي والروحي برمته، حيث أخذ يتخلص عبر هذا النشاط شيئاً فشيئاً من سيطرة قوانين الطبيعة العمياء عليه بعد أن راح يكتشف أسرارها وآلية عملها عبر التجربة والمشاهدة المباشرة، ليدخل في غربة وضياع آخرين في محيطه الاجتماعي بكل علاقاته المادية والروحية التي أنتجها بنفسه هنا، والتي تمثلت بالقوانين والأعراف والعادات والتقاليد وكل المثل الروحية التي أنتجها ... الخ. ففي هذه الحالة من التطور الإنساني التي يتجلى فيها اغتراب الإنسان الجديد أو اللاحق في منتجاته، فإن أهم ما يتجلى فيه هذا الاغتراب، أو شقاء عقل الإنسان، في ما أبدعه من أساطير جديدة حاول بها تفسير وجوده في هذه المرحلة، فبعد أن تجاوز تأليه وأسطرة معطيات أو ظواهر الطبيعة المباشرة، أخذ يؤله ويؤسطر الكثير من علاقاته الاجتماعية والروحية الجديدة، حيث أخذت هذه الأساطير ذاتها تشكل الجذر الثقافي والمعرفي لحياته أو علاقاته الاجتماعية والروحية (الدينية) بشكل خاص آنذاك ولفترة زمنية طويلة، مجسدة في آلهة لها مهامها المختلفة والمتناسبة مع طبيعة علاقاته القائمة في تلك الفترة، بدءاً من آلهة الحب والخصب والمطر، مرورا بآلهة الحرب، وصولاً إلى الإله الملك أو الحاكم، الذي تحكم بالسلطة وراح يزيد في غربة وشقاء عقل من هم تحت سلطته حفاظاً على هذه السلطة.

لقد راحت الأسطورة تُنسج في حياة الإنسان في المراحل التاريخية اللاحقة لمرحلة الضرورة الحكمية، أو البدائية،  من قبل مَنْ امتلك السلطة في شقيها الديني والسياسي من أجل التحكم في حياة أفراد المجتمع، وتحقيق غربتهم المادية والروحية، أي شقاء عقولهم... هذه الأسطورة التي جعلت الإنسان غير قادر على التمييز بين ذاته وموضوعها، فتركته ينظر إلى الظواهر جميعها نظرة إيحائية ذاتية، وهو ما يعني أنها لم تستطع أن تمنحه القدرة على أن يخطو الخطوة الفاصلة نحو التمثل العقلي ألبرهاني للكون، وبذلك ظلت الأسطورة تحيل إلى العواطف والانفعالات والذاتية والإيمان ألامتثالي، وليس إلى التفكير والتجريد والبرهان. أو بتعبير آخر ، الانتقال من وصف الأشياء، إلى البحث عن القوانين العلمية التي تتحكم فيها، ومن البحث عن الأسباب، إلى الاهتداء للغايات التي تحركها، وأخيراً بلغة " هيجل" نقول : من الوعي الشقي المنفصل عن العالم، إلى الوعي المحايث للعالم، والمترافق مع ميلاد العقل التاريخي والعقلانية.

ملاك القول: إن حالات الاغتراب هذه وما رافقها من شقاء للعقل، ظلت الأسطورة ذاتها، ولو بأشكال مختلفة، وبروح معاصرة تساهم بهذا الشكل أو ذاك، وبشكل فاعل ومذهل، وأحياناً بوعي مدرك تماماً لأهدافها، في التأثير حتى في عالمنا المعاصر، عالم ما بعد الحداثة، الذي فرضته علينا آلية عمل اقتصاد السوق الاحتكاري، ممثلة بالطغمة المالية العالمية وشركاتها المتعددة الجنسيات، التي تحكمت بقدر الإنسان الكوني عبر امتلاكها وسائل مادية ومعنوية هائلة سخرتها بكل أشكال ووسائل الاستبداد والقهر بدءاً بالكلمة، وصولاً إلى الطلقة، من أجل تشييئ الإنسان واستلابه، وبالتالي تحقيق غربته وشقاء عقله/ وعيه، ونمذجته، أو تذريره كي يبقى عدداً (فرداً)، وتركه يبحث عن خلاصه الإنساني الفردي خارج عالمه العياني، وبعيداً عن مصادر شقائه الحقيقي... أن يبحث عن خلاصه هناك في عالم العبث واللامعقول والنهايات والموت، بدءاً من نهاية منظومة الإنسان الأخلاقية الايجابية، وصولاً إلى نهايته التاريخية، أي عدميته، لتبقى فقط في هذا العالم سلطة سوق الرأسمال الاحتكاري حرة قوية، كما رسمت لها أساطير قادة هذا النظام .

 

كاتب وباحث من سورية

.........................

ملاحظة: إن سيطرة التفكير الوهابي الذي روج له آل سعود منذ استلامهم الحكم في السعودية، وما ينتج عن هذا الفكر من ممارسات لاتمت إلى الإنسان والحقيقة بصلة، هو أهم تجليات هذا الوعي أو العقل الشقي في عالمنا العربي اليوم.

 

adnan oayeedالعلاقة الجدلية مابين العلمانية والحداثة: قبل الوقوف عند مفهوم العلمانية وتبيان دلالاتها كما أراها، لا بد لنا بداية من الإشارة إلى أن العلمانية من حيث سياقها التاريخي كظاهرة اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية جاءت مرتبطة بالحداثة، والحداثة هنا، إشارة مرسلة تدل على تطور تاريخي لمجتمع ما في إطار التاريخ العالمي. أو بتعبير آخر، إشارة مرسلة تدل على حدوث تحول وتطور لمجتمع من المجتمعات في مجمل مستوياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ... تحول وتطور عقلانيان يشيران إلى تجاوز قوى وعلاقات الإنتاج القديمة، وتشكل أو إنجاز قوى وعلاقات إنتاج جديد تتناسب مع اقتصاد السوق وتحرير العملية الاقتصادية من رحم الاقتصاد البطريريكي (الأبوي)، بالترافق مع بدء انتشار وتكون وعي جديد ذي سمات علمية وعقلانية لتفسير حركة وآلية عمل الطبيعة والمجتمع بعيدا عن أسس التفسير السابقة المستندة على الرؤى والمفاهيم الذاتية والغيبية، هذا إضافة إلى تشكل جمعيات ثقافية وأحزاب سياسية ذات تصورات أيديولوجية مختلفة تتوزع مابين اليمين واليسار، واتساع لدوائر ومؤسسات الدولة الحديثة ذات التوجهات الليبرالية والسمات العقلانية .

إن كل ما أشرنا إليه، رافقه بالضرورة تحولات وحراك اجتماعي طال فئات وطبقات اجتماعية واسعة في المجتمع تمثل في انتشار التعليم وزيادة نسبة المتعلمين واتساع حرية المرأة وبروز تبدلات في القيم والعادات والتقاليد ... الخ .

نقول: إذا كان هذا الذي جئنا عليه يصب في العلاقة الجدلية ما بين الحداثة والعلمانية، فما هو مفهوم العلمانية إذن ؟ .

على العموم، إن العلمانية إن جاءت من ( اَلْعَاْلَمْ )، أي من الحياة اليومية المباشرة بكل معطياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، أم جاءت من ( الْعِلْمْ ) بكل قوانينه الوضعية، فإن للعالم والعلم كلاهما قوانينه الموضوعية التي تفرض نفسها على الإنسان وإرادته، وتتحكم بسير حركة الواقع وتطوره بعيداً عن إرادة الإنسان ورغباته. بيد أن العلمانية التي تقر بوجود هذه القوانين الموضوعية لاتنفي بالمقابل أن للإنسان وعيه وحريته اللتان تعطيانه القدرة على التحكم أيضا في آلية عمل الكثير من هذه القوانين وضبط حركتها لمصلحته. أي إقرار العلمانية، بأن ثمة فسحة واسعة من الحرية قد امتلكها الإنسان ليفكر ويمارس ويبحث عن ذاته وتنميتها، وبالتالي، فالعلمانية في أبسط صورها هي: قدرة الإنسان على الممارسة و التحكم بتلك المساحة من التفكير والإرادة الكامنة فيه بحرية وعقلانية من اجل تأمين حاجاته المادية والروحية بعيدا عن أية سلطة مادية او روحية تحد من هذه القدرة بادعائها أن الإنسان ضرورة فقط. أي إنسان يفتقد القدرة على التفكير والممارسة بحرية.

إن هذا الفهم البسيط للعلمانية يشكل برأيي نقطة الخلاف الأساس ما بين العلمانيين ومناهضي العلمانية من متديني الإسلام السياسي المعاصر، وبخاصة هؤلاء الذين يريدون أن يحجروا على حرية الإنسان وعقله، ويقروا بكل صراحة باستقالة العقل أمام النقل، ويمثل هؤلاء كل أصحاب الفكر السلفي الذي تعبر عنه المدارس الفقهية والكلامية التي رفضت العودة إلى العقل لتفسير النص المقدس القرآن والحديث خدمة لتطور الواقع وما يفرزه من أحداث ووقائع جديدة تفسح في المجال واسعاً أمام (البراءة الأصلية) كما يقول بعض الفقهاء، أي خدمة لتوسيع دائرة المباح بدلاً من تضييقها، لذلك قرروا أن ما قاله السلف وما مارسوه حتى القرن الرابع للهجرة حيث توقف الاجتهاد، هو المعتمد في التفسير أو العودة إليه لتفسير هذا الجديد معتمدين على مصادر التشريع الأربعة وهي: القرآن والحديث والإجماع والقياس – قياس الحاضر على الماضي-، بعد أن ضبطها الإمام الشافعي وأصبحت مدرسة لرجال الفقه والفكر السلفي مثل ابن حنبل وأبو حسن الأشعري وأبو حامد الغزالي وابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب، وكل رجالات الفكر السلفي المعاصرين الذين ينتمون إلى هذا التوجه الفقهي ومن اشتغل عليه من السلف. وبالتالي فإن أي خروج عن سلطة النقل والامتثال للمطلق يعتبر عندهم بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وعلى هذا الموقف الفكري الجبري والامتثالي، كُفر كل من اعتمد على عقله أو أعطى لإرادته مساحة واسعة من الحرية في التعايش مع الحياة ومجاراة تغيراتها تحت ذريعة الخروج عن النص المقدس الذي فسره مشايخهم الأوائل، أو استنتجوا أحكامه ودلالات ومقاصده كما فهموه أو أرادوه، وغالباً ما تحكمت في تفسيره المواقف السياسية التي كانت تخدم السلطات الحاكمة المستبدة، على اعتبار أن هذا الموقف السلفي السياسي في صيغته الفقهية أو الكلامية، هو من برر فساد السلطة ومنع من يقاومها، واعتبر أن من يخرج عليها كافر. فهذا ابن حنبل يقول: (فإن من غلبهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبت ولا يراه إماماً عليه براً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين.) (راجع كتاب السلطة في الإسلام، عبد الجواد ياسين،ط1، المركز الثقافي العربي، ص86 ). كما يقول في هذا الاتجاه أيضاً أحد كبار الأشاعرة وهو الباقلاني: (إن الإمام لا ينخلع لفساده وظلمه، بغصب الأموال وضرب الأبشار،وتناول النفوس المحرمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود.). (المرجع نفسه ص86). وذلك كله يأتي تحت ذريعة الخوف من عقدة الفتنة. وأحب أن أشير هنا إلى مسألة على غاية من الطرافة والدلالة، ففي الوقت الذي كان فيه ابن حنبل يحكم على من يقول بخلق القرآن بالكفر والزندقة، كان يقول عن الخليفة المعتصم الذي سجنه كونه رفض القول بخلق القرآن: (بأمير المؤمنين). وهذه الرؤى والمواقف الحنبلية السلفية الجبرية ذاتها آمن بها الأشاعرة وعلى رأسهم أبو الحسن الأشعري الذي يعتبر المؤسس الثاني بعد الشافعي للفكر السلفي في صيغته المنهجية بعد أن ادخل علم الكلام في الفقه، وهو الذي يقول: (قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، هي التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل، وسنة نبيه محمد"ص"، وما روي عن السادة الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون بما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل نضر الله وجهه وأجزل لمثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون.) (المرجع نفسه ص54و55 ). وهنا أتساءل: كيف يدعي الأشاعرة بأنهم وسطيون، وهم يميلون كل هذا الميل الذي لا حياد عنه إلى الحنابلة ؟. عموماً نقول في هذا السياق: لقد حول هؤلاء السلفيون أحكامهم واشتهاداتهم الشرعية إلى نصوص مقدسة، شأنها شأن النص المقدس نفسه (القرآن والسنة). هذا مع تأكيدنا على أنهم في الكثير من الأحكام التي اجتهدوا فيها قد انطلقوا في آلية عملهم أو منهجهم الفقهي من اللفظ إلى المعنى عند قراءتهم للنص المقدس بشكل خاص، أي كثيراً ما نظروا إلى النص المقدس أثناء بحثهم عن الأحكام الشرعية، على انه بناءٌ من الألفاظ والجمل والتراكيب اللغوية، ومن هذا البناء اللغوي يجب استنباط الأحكام الفقهية، أكثر من نظرتهم أو تعاليمهم مع هذا لنص على أنه علم من الأحكام والنظم والمقاصد يجب أن يشتغل العقل للوصول إليها. لذلك هذا ما جعلهم على سبيل المثال أن يفسروا مثلاً سورة (العلق) تفسيرا طغى عليه البعد اللغوي أكثر من الغوص في عمق دلالات مقاصده ونظمه وأحكامه، أو النظر إلى السورة نظرة كلية شمولية بما تحتويه هذه الشمولية من دلالات إنسانية، لا نظرة تجزيئية تعتمد على الكلمة أو الجملة أو العبارة. (راجع تفسير الجلالين). وإن وجد هناك من حاول أن يغوص في دلالات هذه السورة، فقد وقف عند معجزة تقول: إن هذا الرسول الذي استطاع أن يغير مجرى التاريخ هو أمي لا يجيد القراءة والكتابة، وقد نزل على مجتمع أمي، استطاع بعون الله أن يحقق كل تلك الانجازات التاريخية، وبالتالي لم تؤخذ هنا الدلالات التي تؤكد على دعوة الله للإنسان عموماً وليس للرسول فحسب، أن يتعلم، لأن العلم والمعرفة ستساعدانه على امتلاك إرادته، وتعطيانه القدرة كي يتحكم بالواقع الذي يعيش فيه، وأن لا يكون اتكالياً، وعليه أن ينظر بنفسه إلى الواقع المحيط به، وما يفرزه أو يقدمه هذا الواقع من وقائع مستجدة دائماً والتعامل معها وفقاً لمصالحه.

إن الدين في حقيقة الأمر إذن لا يخالف العلمانية من حيث الجوهر، فالدين لم يلغ في نصوصه البينات حرية الإنسان ودفعه إلى تجميد أو إلغاء حرية التفكير والممارسة عنده، بل على العكس، فإن معظم النصوص تطالب الإنسان بالتفكير وتشغيل العقل للوصول إلى الحقيقة، ولم تخف هذه النصوص الدعوة بتكليف الإنسان ذاته خلافة الله على الأرض، هذا التكليف الذي رمى على عاتق الإنسان مسؤولية الإشراف والحفاظ على حسن سير الطبيعة والمجتمع معاً، ولكي يدرك الإنسان ويعرف طبيعة هذه المسؤولية الملقاة على عاتقه، أُمره الله أن يسلك طريق المعرفة، فكانت أول آية قرآنية نزلت وخاطبت الإنسان هي (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم .) .

نعم لقد كانت دعوة صريحة للإنسان الخليفة وتنبيهاً له، بأنه لن يستطيع أن يمارس دور الخلافة على الأرض ما لم يكن حرا ومدركا لدوره ورسالته وطبيعة المسؤولية الملقاة على عاتقه، وهذه لن تتحقق إلا باكتساب المعرفة، وأول ما عليه معرفته، هو، أن الواقع الذي يعيشه أقوى من النص المقدس ذاته، وأن النص جاء للواقع، ومن أجل تغيره وإعادة بنائه أو إعماره تحقيقاً لمصلحة الإنسان وبما يخدم تنميته والسمو به إلى عالم الإنسانية الرحب، ولو لم يكن النص المقدس كذلك لما جاء القرآن في الحقيقة منجما، ولما كان الناسخ والمنسوخ، ولما كان الفقه الذي يعني في الأساس، مجموعة الأحكام الشرعية التي يضعها أو يصدرها الفقهاء لمصلحة الإنسان بغية تيسير حاجته المادية والروحية،وهي أحكام لم تؤسس في معظمها على النص المقدس عند بعض الفقهاء أو المتكلمين العقلانيين، رغم أن هذا النص المقدس ظل محتكاً بالواقع وممتداً معه، ولكن هذا الواقع كان دائماً يسبق النص في حركته وتطوره، وهذا ما جعل عمر رضي الله عنه ينظر نظرة جديدة للنص في عام الرمادة، ومسألة الخراج، إن هذا الموقف الجريئ ذاته نظر من خلاله بعض الفقهاء العقلانيين، فإضافة لاعتمادهم على النص المقدس في إصدارهم لهذه الأحكام الفقهية بعد فتح النص الديني على كل دلالاته، أو العمل على استفزازه وتفجير طاقاته في مواجهة الزمان والمكان المتغيرين والمثقلين بالواقعات، نجدهم – أي الفقهاء والمتكلمون العقلانيون- يعتمدون على مصادر فقهية إضافية غير تلك المصادر الأربعة التي حددها السلفيون أو ما سموا (بأهل الحديث) وبخاصة القرآن والسنة والاجماع والقياس، وإنما اعتمدت أيضاً على مصادر عقلانية أخرى مثل المصالح المرسلة، والاستحسان، وتغير الأحكام بتغير الأزمان، وغير ذلك من مصادر فقهيه تمنح حرية واسعة لدور العقل وإرادة الناس انطلاقاً من مصالح الناس، بالرغم من موقفهم الرافضة لمصدري القياس والإجماع وما يصب في بوتقتهما من مصادر أخرى مثل أقوال الصحابة والتابعين وأعمال آهل المدينة وغير ذلك من المصادر التي تبناها السلفيون في فقههم. أما أهم من مثل هذا التيار العقلاني من مذاهب وتيارات فكرية، فهم المعتزلة على مستوى أهل الكلام، والمذهبان الفقهيان الحنفي والجعفري على المستوى الفقهي. فجميع هؤلاء أمنوا بأن الإنسان مخيراً وليس مسيراً، كما آمنوا بدور العقل وحرية الإرادة الإنسانية في التعامل مع النص الديني المقدس وضرورة فتحه على حركة الواقع واستيعاب ما يجري فيه من أحداث جديدة أو مستجدات. هذا وقد حوربت هذه المواقف العقلانية في شقيها الكلامي والفقهي من قبل ألتيار السلفي (أهل الحديث) بكل تياراته الكلامية أيضاً ومذاهبه الفقهية.

إن مثل هؤلاء الفقهاء والمتكلمين العقلانيين هم من آمن ضمناً بمقولة: إن هذه الأمة تحتاج كل مئة عام لمن يجدد لها في دينها. مع اعتقادي أن هذه الأمة أمام ما يتعرض له العالم من تطور وتغير يومي بسبب ما حققه الإنسان من تطور علمي وتكنولوجي، وتأثير هذا التطور بالضرورة على جملة حياة الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، لا بد أن يوجد هناك من يجدد لنا ديننا كل يوم.

على هذا الأساس نتساءل: ما هي معطيات المقاربة ما بين الدين والعلمانية؟ .

أولا: ضرورة الإقرار بأن النص الديني المقدس (القرآن والسنة)، يجب أن يفتح دائماً في دلالاته الإنسانية على مستجدات الواقع، ولا يجوز إغلاقه خدمة لمصالح قوى اجتماعية محددة ذات أبعاد أنانية ضيقة .

ثانياً: الإقرار بأن الإنسان يمتلك إرادة وتفكيراً حرين، ومسؤولية إنسانية توازي هذه الإرادة وهذا التفكير، وتعمل على ضبطهما بما يخدم حياة الإنسان الكريمة ومستقبله .

ثالثاً: الإقرار بأن الحياة في حالة من التطور والتبدل المستمرين، أي في حالة سيرورة وصيرورة دائمتين.

رابعاً: إن المجتمعات التي تتعدد فيها الأديان والمذاهب والطوائف، لا يمكن أن تحكم بالدين، وبالتالي لا بد من الإقرار بضرورة فصل الدين عن الدولة، أو السياسة، أو تحيده والعمل وفق مقولة: (الدين لله والوطن للجميع). وهي ضرورة لا تسيء للدين من جهة، ولا تسيء للمتدينين من جهة أخرى. فمن صلب العلمانية تنبثق الديمقراطية، ومن أولى أسس هذه الديمقراطية، احترام التعددية، وفي مقدمتها التعددية الدينية وحرية الاعتقاد.

خامساً: رفض النزعة العدمية تجاه الدين، وعدم الممانعة في الاتكاء عليه تربوياً وأخلاقياً واجتماعياً تحت مقولة ما نسميه التوظيف السوسيولوجي للدين. فالدين إذا ما وظف بشكل عقلاني لتربية الفرد على القيم الفاضلة سيحقق نتائج إيجابية رائعة، فهو الشرطي الكامن في أعماق شعورنا ولا شعورنا معاً. غير أنه يَفْسَدْ ويُفْسِدْ الفرد والمجتمع معه عندما يوظف سياسياً. إن الدين عندما يوظف سياسياً، يتحول إلى أيديولوجيا براغماتية، تعمل على تحقيق مصالح قوى اجتماعية محددة على حساب قوى اجتماعية أخرى، أو تجعل قوى اجتماعية محددة وصيّة على قوى اجتماعية أخرى، وهذا كله يجعل من النص الديني قوة أيديولوجية فوق الواقع وحركته وتطوره... قوة أيديولوجية تعمل على ليّ عنق الواقع كي ينسجم معها دائماً، أي مع مصالح القوى الاجتماعية الضيقة أو المحدودة التي تعبر عنها هذه الأيديولوجيا على حساب قوى اجتماعية أخرى، وهنا ندخل في باب التكفير والزندقة ورفض الآخر، وتحليل دمه أو قتله على هويته الدينية المخالفة للخطاب الديني السائد أو المسيطر، أو مَنْ يشعر مِنْ حملة هذا الخطاب أو ذاك أنهم هم الفرقة الناجية، وبالتالي سيساهم هذا الخطاب الديني العدواني في بنيته وأهدافه على تفتيت المجتمع وتجزيئه وتذريره إلى كونتونات اجتماعية تقوم على الطائفة والمذهب . ومن هذا الخطاب الأيديولوجي البراغماتي جاء موقف الإخوان من العلمانية كم حدده سيد قطب في كتابه ( العلمانيون والإسلام) حيث يقول: (العلمانيون هم المرآة التي تعكس ما يريده أعداء الأمة من اليهود والنصارى، ولذلك فهم يتبنون كل ما من شأنه إبعاد هيمنة الإسلام عن حياة المسلمين.). وكذلك رأي رئيس المجمع الفقهي في السعودية: ( إن هذه الدعوة الآثمة – فصل الدين عن الدولة – في حقيقتها عزل الدين عن الحياة ووأد الناس وهم أحياء ...) (لمعرفة المزيد من هذه الآراء المتخذة ضد العلمانية . راجع كتاب ظاهرة التطرف الديني، للدكتور سفير أحمد جراد . دار محمد الأمين للطباعة والنشر والتوزيع. ط3. دمشق. 2012 . من ص507 إلى ص 512 .). وللأسف إن كل التيار السلفي المعاصر دون استثناء يتبنى وجهة نظر (المجمع الفقهي) في السعودية من مسألة العلمانية. وإن كل هذه الآراء الواردة في هذا الكتاب من قبل العديد من الكتاب والباحثين الإسلاميين أو المؤسسات الإسلامية، تشير إلى قَبلِيَةِ هذه الآراء وتسييسها، فهي آراء لم تقم على مواقف معرفية ونقدية لفهم العلمانية وطبيعتها وأهدافها، أو حتى دراسة تاريخها وصيغها.

هكذا نجد من خلال هذه المقاربة الأولية ما بين الدين والعلمانية، أن العلمانية ليست ضد الدين أو نافية له، بل هي الجانب العقلاني والإنساني فيه... إنها دعوة لحرية الإنسان وسيادة العقل والمنطق في تفسير آلية عمل ظواهر الحياة الطبيعية والاجتماعية وتسخيرها لمصلحة الإنسان ... إنها دعوة لتسييد العقل على النقل والامتثال . هذا مع تأكيدنا في نهاية هذه الدراسة بالقول: إن العلمانية ليست صيغة واحدة معطاة بشكل نهائي، وقابلة للتمدد في صيغتها الوحيدة لكل زمان ومكان، إن العلمانية شأنها شأن الديمقراطية، فهي صيغ متعددة، تفرض كل صيغة منها طبيعة المرحلة التاريخية المعيوشة وحواملها الاجتماعية، لذلك نجد أن صيغة العلمانية التي طرحها رجالات الثورة الفرنسية في القرن الثامن شر، تختلف في الحقيقة من حيث الجوهر عن الصيغة العلمانية التي طرحها رجالات الثورة البلشفية في روسيا مع بداية القرن العشرين، أو عند لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية في النصف الثاني من القرن العشرين. فالثورة الفرنسية لم تحارب الدين من حيث كونه حالة روحية ووجدانية تتضمن في جوهره قيماً أخلاقية إيجابية كثيرة، وإنما جاءت العلمانية آنذاك، ضد سلطة الكنيسة الاستبدادية التي التقت مع السلطة الاستبدادية الملكية ضد الشعب ومصالحه، وبالتالي فقد كانت تهدف العلمانية عند قيام هذه الثورة الفرنسية إلى فصل الدين عن الدولة بغية منع سلطته الاستبدالية من جهة، ومركزته في الفرد بدل الكتلة ضرباً للطائفية والمذهبية لا أكثر من جهة ثانية. بينما نجد صيغة العلمانية في الثورة البلشفية، أنها كانت تتجاوز مسألة فصل الدين عن الدولة، لتدخل في مسألة فلسفة الإلحاد، وهذا ما أوقع الاتحاد السوفيتي سابقاً في مآزق كثيرة لدى شعوب الاتحاد السوفيتي، إن كان عند بعض قومياته التي تتخذ الإسلام ديناً لها من جهة، أم عند اليهود والمسيحيين الروس أنفسهم من جهة ثانية. ثم هي غيرها أيضاً في بعض دول أمريكا اللاتينية التي اتخذت من لاهوت التحرير منهجاً لها في موقفها من الدين والدولة، وسخرته تسخيراً ثورياً لضرب مواقع الاستبداد والفساد دون الدعوة إلى تبنيه بديلاً عن الدولة المدنية أو دولة القانون والمؤسسات..

 

كاتب وباحث من سورية

.........................

ملاحظة: هذه الدراسة نشرت منذ أكثر من خمس سنوات في العديد من المواقع والصحف الالكترونية، وقد اعتبرها البعض من أوائل الدراسات التي تناولت موضوعة المقاربة مابين العلمانية والإسلام. وأنا أعيد نشرها اليوم ضمن سلسلة مقالات قضايا التنوير بعد أن أجريت عليها الكثير من التعديل.

 

 adnan oayeedمدخل: يعتبر السيد  جورج جاكوب هوليوك، (George Jacob Holyoake) الكاتب البريطاني، أول من قدم تعريفا للعلمانية، حيث بين أن العلمانية في سياقها العام، هي قاعدة أو منطلق أفكار وقيم رقي المجتمع الدنيوي، التي تجاوزت أساليب التفكير الديني في تفسير أحدث وظواهر الطبيعة والمجتمع في الميدانيين العام والخاص معا.

في الميدان العام:  تؤكد العلمانية بأن الحق يجب أن لايرتبط بقيود التعاليم الدينية فقط، كما تؤكد أيضاً على عدم فرض سلطة الدين على الناس من قبل الدولة، التي يجب أن تكون دولة حيادية تجاه حالات الاعتقاد، وأن لاتقدم أية امتيازات أو دعم لأي دين من الأديان في ظل المجتمعات أو الدول المتعددة الديانات. (تمييز الفقرة من قبلي – المترجم)

في الميدان الخاص : تشير العلمانية إلى ضرورة الاعتقاد بأن النشاطات الإنسانية وما يتخذه الناس من قرارات وبخاصة على المستوى السياسي منها، يجب أن تؤسس على الدليل والبرهان للوصول إلى الحقيقة، وليس على تأثير الرؤى والأفكار الدينية فقط .

كما يؤكد أيضا هوليوكا (Holyoake)، بأن الفكر العلماني الذي يؤسس على التدريب والتعلم، سيحقق بالضرورة حالة الانفصال أو الابتعاد عن الدين أو العقيدة بالنسبة للدولة.

إن النقاشات والجدالات التي دارت حول دعم العلمانية  في المجتمع الأوربي، كانت واسعة جدا، حيث راحت تؤكد على أن العلمانية هي حركة قريبة من المدنية، وبعيدة عن القيم والتقاليد الدينية. وهذا الأنموذج من العلمانية على المستويين الاجتماعي والفلسفي، غالبا ما تتبناه أو تسير على نهجه الحكومة العلمانية، هذا في الوقت نفسه نجد أن الكنيسة الرسمية وسلطة الدولة العلمانية لا تتخليان كلياً عن دعم الدين بهذا الشكل أو ذاك. ففي الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، هناك بعض المهتمين بشؤون العلمانية يقولون: إن الدولة قد خدمت إلى حد بعيد الدين عبر تدخل الحكومة، بينما هي لم تتدخل بالشكل المطلوب لخدمة انتشار العلمانية على المستوى الاجتماعي. هذا ونجد أن تدخل الحكومات في الدول العلمانية يختلف في درجة قوته أو ضعفه من دولة إلى أخرى لأسباب مختلفة تتعلق بظروف الدولة ذاتها .

 

في التعريف:

استخدم مصطلح العلمانية لأول مرة كما أشرنا أعلاه من قبل الكاتب الإنكليزي (George Jacob Holyoake)، عام 1846 . وبالرغم من أن المصطلح يعتبر جديدا على الساحتين الثقافية والفكرية في أوربا، غير أن الأفكار العامة المرتبطة به، وبخاصة الأفكار الدينية ذات الطابع الفلسفي العقلاني، قد وجدت عبر الكثير من مراحل التاريخ، حيث نجد إرهاصاتها الأولية لدى المفكر العربي الإسلامي (ابن رشد)، ومدرسته الفلسفية، بشكل خاص.

لقد ابتكر هوليوكا (Holyoake)، مصطلح العلمانية كي يقدم أفكاره في المسائل الاجتماعية عبرها، بطريقة بعيدة في مضمونها عن الدين، دون الدخول من قبله أيضا في انتقاد المعتقدات الدينية بشكل فاعل.

إن هوليوكا (Holyoake) اللاأدري،(تيار فلسفي أعلن عم قدرة الإنسان على معرفة الحقيقة المطلقة- المترجم) كان يؤكد في أطروحاته بأن العلمانية ليست مخالفة للدين، أو في حالة صراع مع الكنيسة، بل هي دعوة لاغبر من أجل الاستقلال عنهما، كما أنها لم تدعي الشك في المسيحية، وأن المسيحية طورت المجتمع في فترة ما من تاريخها، كما أن العلمانية عنده أيضا لم تقل بغياب تجليات النور والعقل نهائيا عن الوجود، بل أقرت بوجود هذه التجليات في الحقيقة العلمية، وأن مقومات وشروط وجودها قائمة بشكل مستقل عن إرادة الإنسان، وهي تعمل دائما دون توقف، والمعرفة العلمية كما يراها وبكل وضوح هي ذاك النوع من المعرفة التي وجدت من أجل إدارة وتنظيم شؤون المجتمعات الإنسانية بشكل أفضل، محققة بذلك إمكانات الاختيار عبر التجربة في هذه الحياة .

إن معهد باري كوسمين (Barry Kosmin) للدراسات العلمانية في المجتمع والثقافة، قسم العلمانية الحديثة إلى أنموذجين، أنموذج قاسي والآخر لطيف، ووفقا للسيد موسمين ( Kosmin)، فالعلمانية القاسية تعتبر المواضيع الدينية من الناحية المعرفية غير قانونية، أما بالنسبة للعلمانية اللطيفة فهي ترى أن إنجاز الحقيقة المطلقة أمر مستحيل، لذلك لابد من اعتماد قاعدتي الشك والتسامح معا كمنطلق في التعامل أو النقاش حول العلم والدين معا .

 

الدولة العلمانية أو علمانية الدولة:

معظم حكومات العالم تعتبر بشكل رسمي حكومات علمانية، كخط أزرق، والدولة الدينية منها خط أحمر. وفي التعريفات السياسية، العلمانية هي حركات باتجاه فصل الدين عن الدولة، (عرفت غالبا بفصل الكنيسة عن الدولة)، أي تخفيف طبيعة العلاقات أو الروابط بين دين الدولة والدولة، عبر استبدال الوصايا والتشريعات الدينية الصادرة عن الكتاب المقدس ومن يقوم على تفسيرها مثل (الوصايا العشرة)، بقوانين وضعية، والعمل على إزالة التمايزات القائمة بين الناس على أسس دينية، وهذه التوجهات العلمانية في هذا الاتجاه تشكل أحد معطيات الديمقراطية (والمواطنة- المترجم)، التي تعمل على حماية حقوق الأقليات الدينية في المجتمعات الأوربية .

إن العلمانية غالبا ماترتبط بعصر التنوير الأوربي، وقد لعبت الدور الكبير في المجتمعات الغربية، بيد أن الأسس التي استخدمت لتطبيق فصل الكنيسة عن الدولة في أوربا وأمريكا، ليست بالضرورة تمثل توجها علمانيا بكل معنى الكلمة، ففكرة فصل الدين عن الدولة هذه وجدت في دستور الهند والعديد من الدول مثل، كندا، تركيا، كوريا الشمالية، وكوريا والجنوبية ... الخ، علما أن كل هذه الدساتير وغيرها لاتملك صيغة واحدة في أحكامها وبنودها تجاه التطبيق العلماني. إلا أنها في مضامينها العلمانية ظلت محاولة لم تتجاوز في معطياتها أكثر من كونها قوانين أو أحكاماً كانت في معظمها تقريبا قائمة على الورق، ومع ذلك تم إنجاز أو تأسيس الكثير من معطيات المجتمع الحديث في هذه الدول انطلاقا من معطياتها.

في مسألة الاعتقاد بضرورة فصل الدين عن الدولة، يبدو أن العلمانيين يميلون إلى تشجيع السياسيين بصياغة وإصدار قرارات تمس حياة المجتمع وتساعد على حل مستجدات عصره أفضل من أن تحل هذه المستجدات عبر الرؤى والأفكار الدينية. فالقرارات السياسية تجاه قضايا مثل، الإجهاض، والتربية الجنسية ... الخ، يعوّل النظر فيها والبحث عن حلول لها على القرارات السياسية ومنظمات المجتمع المدني أكثر من أية جهة أخرى، وبخاصة الجهة الدينية، على اعتبار أن القيمين على الدين يميلون دائما إلى لعب الدور القديم للدين الذي  يعتبر الأخلاق حالة معيارية مطلقة الثبات في شكلها ومضمونها وقابلة لكل زمان ومكان، وحتى من راح يتقبل الفكرة الديمقراطية من هؤلاء القيمين على الدين، والتي من خلالها تقبل القرارات السياسية في حل قضايا المجتمع، فهم بقوا يطمحون إلى تحقيق بعض المكاسب والامتيازات التي تمنحهم الشعور بضرورة وجودهم ودورهم الفاعل في المجتمع، وذلك عبر الحوار الدائم ما بين الكنيسة الخاصة بدين الدولة والدولة .

إن العديد من المسيحيين في أوربا وأمريكا الذين يدعمون العلمانية، يستندون في دعمهم هذا على الكتاب المقدس، وعلى مقولة السيد المسيح، (أعط ما لقيصر لقيصر، وما لله لله .). بيد أن  هناك بعض المسيحيين المتشددين (الأصوليون) وبشكل ملحوظ في أمريكا، يعارضون العلمانية، مدعين أن هناك علمانية لها توجهات أيديولوجية متطرفة، راحت في رأيهم هذه الأيام تشكل خطرا وتهديدا ليس لحقوق المسيحيين فحسب، بل وللأمن القومي أيضا (المحافظون الجدد- المترجم) .

إن معظم القوى الهامة أو الفاعلة في تكريس الأصولية في العالم المعاصر هي من الأصوليين المسيحيين والمسلمين، على اعتبارهما الديانتان الأكثر انتشارا وفاعلية،  في الوقت الذي نجد فيه أن الأقليات الاجتماعية التي تعيش في محيطهما،  هي من تدعوا إلى التطبيق العلماني اذي وجدت فيه تحقيقا للعدالة والمساواة بين الجميع. أب تحقيق   المجتمع المدني :

في دراسات فكرية عن الدين، تم الاعتراف بالمجتمع الأوربي الحديث على وجه العموم كمجتمع علماني، وهذا الاعتراف  هو في الحقيقة استحقاق للاقتراب أكثر من الحرية الدينية، (شخص ربما يؤمن بأحد الأديان، أو بديانات متعددة، أو ربما لايؤمن بأي دين كان، فهذه قضايا شخصية)، وأن الدين في نهاية المطاف لايملى على الناس عن طريق القرارات السياسية .

بالرغم من ذلك، فإن المشاهد الأخلاقية الأصيلة في التقاليد الدينية، بقيت من الناحية السياسية على درجة هامة من الأهمية في العديد من الدول التي تبنت العلمانية مثل، الصين، فرنسا، تركيا، أمريكا وغيرها، بل أن هذه التقاليد في بعض المراجع الدينية اعتبرت من نسيج ألأفكار السياسية . (مثل: الزواج والطلاق وما يمت لهذه القيم الشرعيةالأصيلة التي حددتها طبيعة الدين- المترجم)

إن علم الاجتماع الحديث، يعتبر أن هناك أزمات شرعية قد ولدت أو نتجت عن تحديات فرضتها سلطة التقاليد الدينية في الغرب منذ أن انشغل دوركهايم (Durkheim)، وكذلك الكثير من علماء وباحثي علم الاجتماع في القرن العشرين المعروفين أمثال (ماكس فيبر، كارل. ل . بيكر، كارل لويث، بانس بلومينبيرج، م. هـ. ابرامز، بيتر ل. بيرجر، و بول بينيكو.) .(Max Weber، Carl L. Becker، Karl Löwith، Hans Blumenberg، M.H. Abrams، Peter L. Berger، and Paul Bénichou) الذين انشغلوا بمشاكل السلطة في المجتمع العلماني وقضاياه، وبالعلمانية ذاتها كعملية تقدم اجتماعي وتاريخي في المجتمعات البشرية.

إن العلمانية يمكن أن تكون أيضا أيديولوجيا اجتماعية تتضمن الكثير من المعتقدات الدينية، وأحيانا المعتقدات الخارقة للطبيعة، بيد أنها في صيغتها هذه، غير قابلة لأن تكون مدخلا حقيقيا لفهم العالم عقلانيا، لذلك هي (أي في هذه الصيغة المثالية) غالبا ما كانت تُعزل عن الحكم، ولا تدخل في نطاق التفكير العقلاني، في الوقت الذي نجد فيه من يقول إن العلمانية وبكل صيغها التي جئنا عليها هنا، يمكن أن تكون ذاك التدريب العملي القادر على ترقية وتنمية المجتمع.

على العموم، إن تأكيد مواقف تُعتبر علمانية في سياق اجتماعي ما، ربما لا تكون هذه المواقف علمانيا في السياقات الأخرى، والعلمانية ليس من الضرورة أن تكون مساوية للإلحاد، فالكثير من العلمانيين هم متدينون، في حين نجد بعض الملحدين غالبا ما يوافقون على أن يكون للدين تأثير في سياسات الحكومة.

إن العلمانية في السياق المنطقي هي جزء جوهري من الأيديولوجية الاجتماعية والسياسية للمجتمع العلماني (الدنيوي)، وأن بعض المجتمعات أصبحت علمانية بشكل واسع كنتيجة لتقدم المجتمع، حيث أن عملية تقدم المجتمعات هي ذاتها تعتبر علمانية بامتياز، أي أن عملية تقدم المجتمع تفرض بالضرورة العلمانية على المجتمع.

 

أخلاق العلمانية:

العلمانية في هذا السياق إذن، هي مجموعة القوانين والمبادئ المرتبط بحياة الإنسان والتي أسست على اعتبارات إنسانية محض، وتعامل معها بشكل أساس هؤلاء الذين لمسوا الغموض في اللاهوت، والشك في مقدرته على حل كل قضايا الناس، الأمر الذي دفعهم إلى القول بقصوراللاهوت في هذا الاتجاه، أوهو غير جدير بالثقة المطلقة، لذلك هم اقروا بضرورة التعامل مع العلمانية لما تحمل من قضايا أو مبادئ حددوها هم في ثلاثة هي:

الأول: قدرة العلمانية على تحسين حياة الإنسان بوسائل علمية.

الثاني: إن العلم قوة إيجابية متاحة للجميع في المجتمع الإنساني.

الثالث: ما جئنا عليه في المبدأين أعلاه، هو شيء جيد لإنجاز عمل جيد، إن كان هناك أناس جيدون أم لم يكن، وما هو جيد في زمننا الحاضر، هو جيد أيضا للتأسيس عليه من أجل البحث عن الجيد الأخر.

يقول بعض المفكرين الغربيين ومنهم هوليوكا ( Holyake) ذاته، بأن العلمانية وأخلاق العلمانية لم تعط الاهتمام الكلي في الخطابات الدينية (عندما كانت هذه الخطابات غير عقلانية)،هذا إضافة إلى كونها لم تكن معروفة من قبل التفكير الحر، بل وحتى التفكير الإلحادي، ففي هذه المسألة يبدو أن  هوليوكا (Holyoake)، لا يتفق مع بعض الكتاب الذين تناولوا موضوعة العلمانية من جهة منطقية، ومنهم على سبيل المثال كارلس برادلوف (Charles Bradlaugh). الأمر الذي ساعد على وجود انشقاق في الرأي، ما بين من  يقول: إن التوجهات العلمانية، أو غيرها من الحركات الفكرية والسياسية المضادة للدين، هي غير ضرورية و غير مرغوب فيها، ومن يقول العكس تماما، أنه مرغوب فيها وهي ضرورية.

 

حوارات حول العلمانية:

لقد ناقش مؤيدو العلمانية مسألة العلمانية وصعودها في كل حالاتها السابقة التي جئنا عليها أعلاه، إضافة لمسألة أسس الخطاب الديني في صيغه اللاهوتية المتزمتة المناوئة  للدولة العلمانية، فوجد هؤلاء المؤيدون للعلمانية في المحصلة أنها  نتاج لعصر التنوير الذي أخذ الناس فيه يتجهون نحو العلم والتفكير العقلاني، ويبتعدون عن الأفكار الدينية (اللاهوتية) المناقضة للعلم والعقل في فهمها أو توجهاتها .

أما خصوم العلمانية، فقد ناقشوا هم أيضا قضايا العلمانية، ووصلوا إلى نتائج مفادها، أن الحكومة العلمانية خلقت الكثير من المشاكل للمجتمع بدلا من حلها، لذلك يجب على الحكومة أن تكون مع الروح والأخلاق الدينية، أو على الأقل أن لاتكون علمانية صرف لأن ذلك أفضل بالنسبة للمجتمع. هذا في الوقت الذي نجد فيه أيضا بعض المناوئين للعلمانية والدولة العلمانية من المسيحيين يدّعون بأن الدولة الدينية تستطيع أن تخدم أكثر من الدولة العلمانية  الحريات الدينية، وللبرهان على ذلك يستشهدون بالدول الاسكندينافية مثل (السويد والنرويج والدانمرك)، حيث يؤكدون بأن هذه الدول استطاعت بدساتيرها إيجاد روابط عميقة بين الكنيسة والدولة، وحتى هذه الفترة هناك اعتراف متميز بمسألة التقدم والتحرر الاجتماعي في هذه البلاد غير موجودة في الكثير من الدول التي لاتوجد فيها تلك العلاقة ما بين الدولة والكنيسة كما هي الحال في الدول الاسكندينافية. فعلى سبيل المثال، في (فلندة) تقدم الحكومة التمويل المالي من أجل بناء الجوامع ودور العبادة، وفي (السويد) نجد التوجهات العلمانية والفكر الاجتماعي السياسي الوضعي بالرغم من اعتراف الدولة الرسمي بالكنيسة الوطنية عام / 2000/ . هذا إضافة إلى أن الدول الاسكندينافية من الناحية الاجتماعية تقع بين العديد من الدول العلمانية في العالم التي تنخفض فيها نسبة الأفراد الذين يتمسكون بالمعتقدات الدينية، في الوقت الذي نجد فيه أيضا حدة النقاشات الدائرة في (النيروج) التي تنشد ضرورة الاعتراف بالكنيسة الوطنية اللوثرية .

بعض المعلقين الحداثيين المناوئين للعلمانية يربطونها بالإلحاد، أو بأنظمة الشيطان كما يقولون. وكلمة العلمانية بشكل عام شكلت رذيلة أو سبّة عند بعض المتدينين المحافظين في الولايات المتحدة الأمريكية.

إن البابا  Pope Benedict XVI، قد أعلن. (إن استمرار العلمانية سيكون مشكلة أساسية في المجتمع الحديث)، وقد جعل من مقاومتها كمسألة أخلاقية، هدفا لمرحلة ولايته البابوية.  ومع ذلك وجد بعض المهتمين بمسألة العلمانية، أن هدف علمانية الدولة هو جعل الدين حياديا، وهذا الرأي عند بعضهم، اعتبر قمعاً لحيز من المظاهر الدينية، بل قمعا متساويا لكل الأديان على حد سواء، مقابل كونه أيضا عند بعضهم، هو دعوة لحماية كل الأديان من تدخل الآخرين.

بعض الآراء السياسية المتطرفة في (الماركسية) (وبخاصة الآراء الشيوعية في الاتحاد السوفيتي سابقاٌ- المترجم)، كبحت بشكل عام أي تأثير للأفكار الدينية على الدولة والمجتمع، معتبرة ذلك أمرا سلبيا. وفي الأمم التي اعتنقت أو آمنت بمثل هذه الأفكار إن كان في أوربا الشرقية بشكل خاص، أوماسمي بالكتلة الاشتراكية سابقا بشكل عام، شكلت المؤسسة الدينية إشكالية بالنسبة للدولة العلمانية داخل المحيط الشعبي، فحرية العبادة كانت في الحقيقة تنوس ما بين الرفض والقبول من قبل الحكومة، وأن العقائد الكنسية كانت تراقب للتأكد من التزامها بقوانين الدولة العلمانية، بل حتى مدى التزامها بالفكر الفلسفي الوضعي الرسمي. بيد أن الفكر الديمقراطي الغربي يعتبر أن مثل هذه الاختراقات البوليسية  تجاه الحريات الدينية من قبل الدولة تعرقل مسيرة الحرية. في حين نجد أيضا ان بعض العلمانيين ممن يعتقد بضرورة أن تحتفظ الدولة بكامل استقلاليتها عن الدين، وأن المؤسسات الدينية يجب أن تحتفظ أيضا بكامل حريتها وبعيدا عن تدخل الدولة، لذلك فالكنائس التي اعتادت فصل سلطاتها كليا عن دعم الحكومات، تُدعى مؤسساتها الدينية اصطلاحا بالكنائس الحرة .

بعض العلمانيين الذين حبذوا السماح للدولة بتشجيع الدين، مثل (إعفاء الكنائس من الضرائب، أو دعمها بالأموال من أجل التعليم والإحسان على الهيئات الدينية)، طالبوا أن لايقتصرهذا الدعم على مؤسسة دينية واحدة كما هو الحال في الدولة الدينية، بينما نجد هناك بعض الليبراليين الكلاسيكيين يؤكدون بأن الدولة تكون على صواب عندما تقوم بإعفاء المؤسسات الدينية من الضرائب، خاصة بعد أن فقدت هذه المؤسسات سلطتها الزمنية، في (مجال فرض الضرائب وتنظيمها) وذلك انطلاقا من إيمان هؤلاء بأن السلطتين الزمنية ممثلة بالدولة والروحية ممثلة الكنيسة متطابقتان في مجالي القيم الأخلاقية والشخصية، بيد أن تحقيق هذا التطابق لايمكن أن يتم عمليا خارج نطاق إخضاع الدين للدولة.

 

Secularism

From Wikipedia، the free encyclopedia

 

ترجمة :د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

 

abduljabar alrifaiمجتمعاتنا مسكونة بهاجس التراث: ربما لا توجد مجتمعات بشرية مسكونة بهاجس التراث كالمجتمعات الاسلامية، فهي تعيش حنينا الى الماضي لا حدود له، وتخلع عليه ما يحلو لها من المعاني والصور المثالية، وتتعاطى معه باعتباره ناجزا ومكتملا وفريدا، وتحشد كل احلامها وأمانيها وتطلعاتها في استرداده كما هو، بنحو أمسى ذلك التراث قيدا يكبل حاضرها ويلغي مستقبلها، ذلك انها تسعى لأن يصير زمانها زمانا تكراريا، لا ينتهي الاّ من حيث بدأ، ولا يبدأ الاّ من حيث انتهى.

وأفضى حنينها وتمجيدها لتراثها مصدرا لطائفة من الإلتباسات والخلط في الرؤية، بشكل يتعذر فيه التمييز بين الدين بوصفه تساميا للروح وتجسيدا للقيم النبيلة، والتراث بوصفه انتاجا بشريا، يرتبط عضويا بمختلف الظروف والعوامل الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المتغيرة، مثلما تعذر التمييز بين الواقعة التاريخية والشخص التاريخي، والواقعة الرمزية والشخص الرمزي، الذي صاغه المخيال الايماني، وكرسه في الذاكرة الجماعية، واعتبره متعاليا على الأرض، ومتجاوزا لمعطيات الواقع. وكأن حركة التاريخ لم تكن تحولا من النقص الى الكمال، ومن الحسن الى الأحسن، وانما تختزل بتمامها في افكار ورؤيا ومواقف السلف، ممن توقف التاريخ عندهم، حتى أصبحت أية محاولة لمساءلة التاريخ، ونزع القناع عن التراث تنعت بالعدوان على أمجاد الأمة وماضيها المشرق، ويجري التشهير بكل باحث يعمد الى الكشف عن عمليات حذف وإقصاء الحوادث والوقائع والمفاهيم والمعتقدات التي لا تنسجم مع الايديولوجيا التبجيلية المهيمنة، أو يسعى للإعلان عن المهمش والمسكوت عنه، وفضح السائد والمتغلب في التراث.

وتشتد سطوة التراث عبر حضور فكر الأموات ومقولاتهم، بل يغدو الأموات هم مصدر الإلهام للكثير من المعاني في حياتنا، وتعلي مجتمعاتنا من مقاماتهم عندما تنصبهم حكاما على الأحياء، وتعود اليهم فيما تواجهه من تحديات، وتستعير آراءهم في أكثر القضايا والمستجدات.

اننا نعيش تحت وطأة التراث، خاصة فيما يسود مجتمعاتنا من نزعات تعصب وكراهية ونفي للآخر، وسنبقى قابعين في هذا السجن، ولا نستطيع الإفلات منه، مالم ندرك ان التراث يتمثل في مجموعة معانٍ، وان هناك شروطا لغوية وثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية لانتاج كل معنى، ومن الضروي تحليل تلك الشروط، ورصد صيرورتها التاريخية والأنساق التي تحركت فيها، ودراسة الأطر الاجتماعية للمعرفة، والأبعاد السوسيولوجية والأنثروبولوجية والسيميائية والسيكولوجية لتشكل الخطابات المتنوعة المنبثقة عن هذه المعاني.

ويحسب أنصار التراث ان الانتماء للاسلام لاينفك عن الاستسلام للتراث واستدعائه بكافة عناصره في حاضرنا، غير ان الايمان والمعتقد لا يرتكز على الاغتراف من التراث، والركون الى فهم السلف. الايمان والانتماء للاسلام يعني بناء علاقة حيوية وفعالة مع الله في العصر الذي يعيش فيه الانسان، تستقي هذه العلاقة مادتها من فهم الشخص للوحي، وتجربته الدينية الخاصة، ولاتستقيها من التراث.

 

المقدس ظاهرة أبدية

يكتب كريغ كالهون: (الدين تهديدٌ، إلهامٌ، مواساة، تحريضٌ، روتين يبعث الاطمئنان أو دعوةٌ لأن يضع المرءُ روحَه على راحته. إنه طريقٌ لإحلال السلام وسبب لشن الحروب. وكما عبّر علي شريعتي: "الدين ظاهرة مدهشة تلعب في حياة الناس أدواراً متناقضة. يمكن له أن يدمّر أو يبث الحيوية، يستجلب النوم أو يدعو إلى الصحو، يستعبد أو يُحرر، يعلّم الخنوع أو يعلم الثورة."  لا غرابة إذن أن تكون الجدالات عن موقع الدين في المجال العام مربكة إلى هذا الحد). لاحظ: "قوى الدين المتعددة، خاتمة كتاب: قوة الدين في المجال الاجتماعي".

الدين ظاهرة أبدية موجودة حيث وجدت الحياة البشرية، وإحدى البنى العميقة في الوعي واللاوعي البشري، حتى المجتمعات الغارقة في العلمنة ــــ اذا صح التعبيرــــ لا يمكن ان تغادر الدين والمقدس، لأنه غاطس في بنيتها العميقة، ونعثر دائماً على تعبيراته في حياتها.

ففي المجتمعات الغربية، التي نظن بأن الدين اختفى من حياتها، الدين مازال حاضرا لديها، لكن طبيعة حضوره في هذه المجتمعات مختلفة عنها في مجتمعات أخرى. صحيح ان الدين لا يتجلى بوضوح في الحياة الاجتماعية الغربية، أو المدنية، أو ينعكس على الإدارة والعلاقات والشأن العام بشكل مباشر، لكنه ما زال لابثا في لاوعيهم، بمعنى ان الدين ليس غائباً ولم يندثر أو يختفي، وان كان مجال حضوره لديهم غيره في الجزيرة العربية والمجتمعات الاسلامية.

 الدين ظاهرة مستمرة متواصلة، وحاجة بشرية لا يستغني عنها الانسان، غير ان تعبيراته وتجلياته وتمثلاته وطبيعة حضوره مختلفة من مجتمع لآخر. حينما تزور أيّ مدينة غربية، وتدخل المتاحف أو الكنائس، أو الكاتدرائيات، أو المباني القديمة تشاهد الكثير من الرسوم والصور واللوحات الفنية والتماثيل، من مختلف عصور التاريخ الاوروبي، خاصة العصور الحديثة، تجد ان معظم الآثار الفنية ترتسم فيها الأيقونات والثيمات والإشارات والايماءات الدينية، ومن يجهل اللاهوت والميراث الديني المسيحي والكتاب المقدس يتعذر عليه فهم عدد كبير من هذه الآثار. وحسب قول إمبيرتو إيكو: "من الصعوبة بمكان فهم ثلاثة أرباع الفن الغربي تقريبا اذا ما كنت تجهل أحداث العهدين القديم والجديد، اضافة الى  قصص القديسين".     

 

المعنى الذي يضفيه الدين على الحياة البشرية:

إنّ الحديث عن المعنى الذي يضفيه الدين على الحياة البشرية لمن يعتقد بأصالته وواقعيته، ولا يرجع جذوره لأسباب وضعية من اجتماع أو تاريخ أو اقتصاد أو أوهام أو غيرها، ليس بالأمر الهيّن، كما يبدو لأول وهلة، كما ليس بوسع شخص ما أنّ يدعي احتكار معرفته؛ ليس لأن ذلك مرتهن بمقدار استيعابنا لجميع الأسئلة والمفاهيم والمناهج التي أفرزها الإنسان في مسيرته الطويلة، وهو ما يعقِّد البت في إشكالية المعنى، بل ولأن الحديث المشار إليه يواجه مشاكل أنطولوجية وإبستمولوجية بشأن علاقة النسبي بالمطلق، وإمكانية استكناه إرادة الذات الإلهية، وطبيعة وقيمة المعرفة البشرية وآلياتها ومناهجها في هذا الحقل. ولكي لا يفسر موقفي في هذه النقطة وكأنه "تعطيل" للمعرفة، كما كان يصطلح القدماء من مفكرينا في الحضارة الإسلامية، يمكنني الإشارة إلى دور الدين في منح الإنسان "هدفا" أو "أهدافا" تتجاوز وجوده البشري المحدود إلى الأبدية المطلقة التي يمثلها "الله"، وما يعنيه ذلك من تحصينات هائلة في مواجهة المشاعر والمواقف العدمية والفوضوية التي يمكن أن يغرق فيها الإنسان. كما بوسعنا الإشارة أيضًا، إلى ما بات يسمى بـ "الأخلاقيات المؤسسة على الدين" ودورها في بث التعاون والتراحم، والألفة والمحبة، وأعمال البر والإحسان، في واقع البشر.

إن دراسة إشكالية المعنى في الدين قضية تقع في الصميم من معنى الكينونة البشرية، وهي بالإضافة إلى جديتها وعمقها وثرائها المعرفي، تنطوي على أبعاد شيقة وخصبة روحيا، لا يكاد يفلت من مداراتها العقل النقدي الشغوف بالحقيقة والمعرفة المتجددة.

لكن مما يؤسف له أنّ النموذج الممثل للدين في الحياة السياسية، ووسائل الإعلام، وغيرها، في الكثير من المساجد والمنابر، المعلن اليوم في بلادنا، يصدر عنه ضجيج واستغاثة ونواح وتعبئة، عادة ماتعبر عنه جماعات سلفية، عجزت عن إدراك مضمون رسالة الدين في الحياة، وأغرقت أنفسها ومجتمعاتنا في نزاعات ومعارك، يتجلى فيها كل شيء سوى قيم التراحم والمحبة في الدين. لقد عملت هذه الجماعات على اختزال الدين في المدونة الفقهية فقط، ثم اختزلت هذه المدونة طبقا لمطامحها السياسية بأيديولوجيا صراعية نضالية. وقامت بترحيل الدين من حقله المعنوي الروحي الجمالي القيمي الأخلاقي الإنساني إلى حقل آخر، تغلب فيه القانون على الروح. أيديولوجيا أهدرت طاقات الدين وإمكاناته في إنتاج معنى لحياة الإنسان، وإضفاء معنى لما لا معنى له.

وفي ذلك يكمن السبب العميق لمناهضة تلك الجماعات للتصوف والعرفان والفنون الجميلة، وافتقار أدبياتها إلى التعرف إلى المضامين القيمية والأخلاقية والانسانية والتجارب الروحية العميقة في التدين.

 

تخطى الإتّباع يعني ضرورة المراجعة والنقد:

تكمن أهمية النقد في أنه أهم أداة يعتمدها العقل البشري في التطور في مختلف المجالات، لأن عملية التفكير تعتمد بشكل اساس على المراجعة والتقويم، وما لم يكن هناك نقد ومراجعة لايمكن ان نفكر بجدية. النقد علامة التفكير بحرية، اما ان نفكر بحرية أو لانفكر أبدا، هذا هو التفكير الذي يضعنا في عصر جديد، وينقلنا الى عوالم مختلفة. يلخص الفيلسوف الألماني الشهير عمانوئيل كانط، شعار الأنوار في جملة واحدة، وهي: "اجرأ على استخدام فهمك الخاص". المشكلة التي نعيشها، هي قلما تجد شخصا يعتمد على فهمه الخاص، في الغالب العقل في إجازة، يعتمد الناس على فهم غيرهم، على فهم الآباء، أياً كان مثل أولئك الآباء. عندما يجرؤ الإنسان على العودة الى عقله واستخدام فهمه الخاص، ويدرب عقله على ذلك عبر تمارين بالتفكير الجريء المغاير لما هو سائد ومستحكم، من شأنه ان يصل الى نتائج مهمة. "كانط" نفسه يقول: "العقل هو النقد" ولذلك تعرف فلسفة كانط "بالفلسفة النقدية"، لأن كتبه الأساسية تبدأ بكلمة نقد: "نقد العقل المحض، نقد العقل العملي، نقد ملكة الحكم...الخ".  في الفكر الحديث والمعاصر، لا يوجد فكر بموازاته نقد، وانما الفكر هو النقد، أي ان العملية النقدية ليست منفصلة عن عملية التفكير.

 طالما قيل: ليس من الصحيح ان نثير أسئلة، ان نتحدث بإشكالات تزعزع ثقة الناس بقضية ومعتقد راسخ. لكني أرى من الضروري أن نثير أسئلة حائرة، أسئلة جريئة، أسئلة صعبة، أسئلة كبرى. ينبغي ان يكون تفكيرنا تساؤليا على الدوام، لأن التفكير التساؤلي هو الذي يمكننا من الوصول الى ما هو ممنوع التفكير فيه، والمناطق اللا مُفكَر فيها أصلاً. التفكير لا يكون محايدا، فأما ان يكون تفكيرا تساؤليا بحرية، وهو التفكير الذي ينطلق بالعقل بحرية وجرأة فيحطم كافة أغلاله، أو يكون مقيدا مشلولا يقودنا الى العبودية. النقد والمراجعة عمليتان هامتان، وهما شرط  كل تطور فكري، ومرتكز لكل عملية تحديث من شأنها تحقيق تنمية شاملة في أي بلد من البلدان.

في الفلسفة غالبا ما تتحول الإجابات الى أسئلة، والتفكير الديني العقلي تتوالد فيه الاستفهامات والأسئلة اللاهوتية على الدوام. ولايمكن تحديث التفكير الديني بلا إثارة مثل هذا اللون من الأسئلة.لا توجد خطورة أو مشكلة من إثارة الأسئلة.

 هناك منطق تبسيطي، يذهب الى ان هذا السؤال الذي يثار ينبغي ان يكون جوابه جاهزا، من أجل ان لا نثير حالة من الإرتياب والشك، وكأنه يفترض ان لكل سؤال جوابا، ولابد ان يكون هذا الجواب نهائيا، بينما هناك أسئلة ظهرت في الحياة البشرية منذ فجر الوعي البشري، وما زالت هذه الأسئلة تتكرر، واجاباتها أيضاً يعاد تكوينها، وتنبثق لها اجابات جديدة باستمرار. من هنا يمكننا تفسير اتساع دائرة التيارات والمدارس الفلسفية واللاهوتية، وتنوع الآراء والمقولات والاجتهادات لديها على مر التاريخ. فمثلا أشرنا الى دور الدين في معننة الحياة، وكيف ان الإنسان مسكون بمنح معنى للوجود والحياة. هذا أحد الأسئلة الكبرى في الوعي البشري، فقد أفاضت الفلسفات وأيضاً اللاهوت بتقديم أجوبة متنوعة عن هذا السؤال.

 وظيفة الأسئلة وظيفة أساسية، انها هي التي تسمح لنا أن ننقد وأن نراجع، وان يدحض العقل ويكذب شيئا مما كان لزمن طويل يعد من الحقائق الأزلية واليقينيات. طب جالينوس وفلك بطليموس وغير ذلك من علوم الأوائل ظلت لعشرات القرون مسلمات، غير ان العلم الحديث نسخها. تاريخ العلوم ينطوي على سلسلة من التكذيبات، وهو بمثابة "مقبرة للنظريات العلمية". حسب كارل بوبر. التساؤل والتشكيك يسمحان لنا بإستئناف النظر في طائفة من الجزميات، والقطعيات، والمسلمات، والبداهات، وقيمة الفكر الحديث والمعاصر انه يستأنف النظر بالمسلمات، وعلى حد تعبير، ادغار موران: (اللايقين يقتل المعرفة البسيطة لكنه يحيي المعرفة المركبة).

وقد كان للمتكلم الفخر الرازي المعروف بإمام المشككين وغيره من المجتهدين في علم الكلام والفلسفة أثر بالغ في  تطوير التفكير الديني في الاسلام. وحين نعود الى اللحظات الحاسمة في انتاج رؤى واجتهادات وأفكار وابتكار آراء جديدة في التفكير الديني نجدها تتوالد باستمرار في فضاء التساؤلات وتنبثق من خلال المواقف العقلية الإرتيابية.

في ديارنا المحرم التفكير فيه أكثر من المباح. النقد يرتكز على: ان لا شيء ممنوع من النقد. ما لا يمكن نقده هو فقط الممتنع التفكير فيه. لا شيء مما يخص الإنسان ــــ أي بإمكانه منطقياً أن يكون موضوعاً لتفكير الانسان به ــــ يمتنع التفكير فيه عليه، وما يطاله المنع منه يفترض أن يكون خارجاً عن عالمنا وعقولنا كآدميين، أي أن يكون المنع عنه عائداً في الحقيقة إلى كونه مستعصياً على قدراتنا المعرفية؛ وبالتالي فإن هذا الوضع يقضي أن تكون القضية "الممنوع التفكير فيها" مساوقةً لكونها "فارغة المضمون" بالنسبة لنا. 

كل المفاهيم الجديدة، والأسئلة الجديدة، والأفكار الجديدة، والمقولات الجديدة مزعجة، وربما بعضها يمثل فضيحة لصاحبه في وقتها، ستثير هذه المقولات اعصارا أحيانا، لأنها تعاكس الريح، ومن شأن هذا الإعصار ان يترك أثره، وتاريخ الفكر الديني في المجتمعات البشرية عموماً، تأريخ متحرك وليس ساكناً، فهو ظل يتحرك، ويتطور، وينمو، ويتخصب على امتداد التاريخ، صحيح انه في بعض الفترات شهد حالة تراجع وخمول، لكن سرعان ما تعود له الحياة ويتجدد، بعد ان يستعيد أدواته النقدية.

مفهوم الاجتهاد حسب تعبير محمد اقبال يمثل "مبدأ الحركة في الاسلام ". عندما بدأ الاجتهاد في الفقه، تنوعت وتعددت المذاهب الفقهية، وأصبح في كل مذهب من المذاهب أكثر من موقف، وأكثر من مسلك اجتهادي. وهكذا حينما بدأ الاجتهاد في مجال اللاهوت، أو علم الكلام، ظهرت فرق: المعتزلة، والشيعة، والأشاعرة، والماتريدية، ولكل منها ميراث واسع ، يشتمل على مواقف متنوعة، وفيه أكثر من تيار، فالميراث الكلامي للمعتزلة، ميراث في داخله أكثر من تيار، وهكذا الميراث الكلامي للشيعة، ميراث فيه أكثر من اجتهاد، وأيضاً ميراث الاشاعرة  يضم  مجموعة مواقف.

الفكر مرتبط بالتحولات الاجتماعية، ونحن لا نستطيع الوقوف امام تطور المجتمعات، بعبارة أخرى: ان دين اليوم هو دين معارف وعلوم اليوم، ودين الأمس هو دين معارف وعلوم الأمس، لكل عصر بديهياته التي ينطلق منها، وفهم الدين غير منفصل عن فهم العالم والطبيعة."تكنولوجيا المعلومات، تكنولوجيا النانو، هندسة الجينات" والآفاق الراهنة والمستقبلية للعلم والمعارف البشرية لها أثر مباشر في فهم الدين. أنا أظن ان مجتمعنا كحال الكثير من المجتمعات الحية الأخرى، حتى لو كانت هناك أسيجة مغلقة متعددة من حوله، الا ان تكنولوجيا المعلومات، والتطور الهائل في وسائل الاتصال، والتكنولوجيا النانوية، والهندسة الجينية، والعولمة الثقافية والاعلامية والاقتصادية، ستفضي الى انهيار الكثير من أسيجته، وينخرط بالتدريج في الاحتفال بأعياد التاريخ.

عادة ما تبدو الأفكار والمفاهيم الجديدة مثيرة وربما منفرة ومقلقة، ولكن بعد ذلك ستثير نقاشاً وجدلاً وحراكا عقليا اثباتاً ونفياً، ويؤول ذلك الى فتح نوافذ جديدة للتساؤلات، والى ابتكار مفاهيم جديدة، وبلوغ وجوه جديدة للحقيقة لم تتجلَّ من قبل.

 

تجاوز الإتّباع:

تحديث التفكير الديني يتطلب تجاوز الإتّباع، أي دراسة مسارات الدين عبر التاريخ والجغرافيا والاجتماع البشري، واكتشاف طبائع التدين وأشكاله في مختلف المجتمعات، والاهتمام بمقارنة الأديان ونصوصها المقدسة، وأنماط بناء وتكوين وصيرورة مؤسساتها الدينية.

في تاريخ الدين الإسلامي مثلاً يميِّز الباحثون بين تجربتين لنبي الإسلام"ص"؛ هما: المرحلة المكية من الدعوة، والمرحلة المدنية. يعرف المختصون طبيعة وخصائص كل مرحلة في العقيدة والتشريع، فلا حاجة لنا في وصفهما. الخطير في تعاطينا مع المرحلتين هو تغليب المرحلة الثانية على الأولى، بمعنى قراءة وتفسير التجربة النبوية، والإسلامية برمتها، في ضوء مناخات وملابسات المرحلة الأخيرة، حتى لتكاد أن تكون هي المرجع الوحيد والنهائي الذي يختزل كل ما يمكن أن يقال عن الإسلام.

المؤسف في الأمر أن رحيل نبي الإسلام سريعاً بعد عودته إلى مكة وفتحها، ترَك باب التوتر في فهم دور كل من المرحلتين في استيعاب ما هو صميمي من الإسلام مفتوحاً. في نظري أن أي محاولة للتنظير عن مهمة الإسلام في حياتنا المعاصرة تنطلق من مركزية المرحلة النبوية الثانية (المرحلة المدنية)، في إقصاء أو تهميش للمرحلة المكية، هي محاولة تخفي وراءها أغراضاً مصلحية أكثر من كونها دينية. إنها تكريس لما هو تاريخي على حساب ما هو جوهري في الدين.

تجاوز الإتباع وتحديث التفكير الديني يعني إحياء واستلهام الميراث المعنوي العميق، واستدعاء التجارب الروحية التطهيرية التنزيهية السامية في التاريخ. وبناء إلهيات عقلانية مستنيرة، تحررنا من التفسيرات التعسفية القمعية للنصوص. وتحديث الإلهيات يتطلب الخروج من السياقات الكلاسيكية للتفكير الديني، وعدم التوقف عن طرح تساؤلات بديلة، والتوكؤ على منهجيات ومفاهيم مستوحاة من المكاسب الجديدة لفلسفة الدين وعلوم التأويل والمعارف البشرية، تفضي إلى التحرر من الصورة النمطية للإله، التي تشكلت في سياق الصراعات الدامية، والفتن والحروب العديدة بين الفرق والمذاهب، والسعي لترسيخ صورة رحمانية للإله، تستلهم مايتحلى به من صفاته الجمالية، وأسمائه الحسنى، ورحمته التي وسعت كل شئ.

تجاوز الإتّباع وتحديث التفكير الديني يعني إنجاز مصالحة بين المتدين ومحيطه الذي يعيش فيه، والإصغاء لإيقاع الحياة المتسارعة التغيير، ووتيرة العلوم والتكنولوجيا التي لا تكف عن مفاجأتنا كل يوم بجديد، تتبدل معه صورة العالم، وتختلف تبعًا لها أساليب تعاطينا مع الواقع، وتتيح لنا وسائل تكنولوجيا المعلومات والنانو والهندسة الجينية مغامرات وعي، توقظ عقولنا وتخرجها من الحالة السكونية، وتقدم لنا سلسلة معطيات ومعارف وأدوات، تصوغ لنا تصورات وإدراكات وأفكارًا، تتبدلّ معها رؤيتنا للكون والحياة.

تجاوز الإتّباع وتحديث التفكير الديني يعني تحديث المؤسسة الدينية، ذلك ان لتحديث التفكير الديني رافدين يستقي منهما:

 

الرافد الأول:

دراسة وفهم واستيعاب الموروث الديني، واستكشاف مداراته ومدياته وآفاقه المتنوعة، والاهتمام بالميراث العقلي في المنطق والفلسفة وعلم الكلام، والميراث الرمزي والإشاري والروحي في التصوف والعرفان، والتحرر من المواقف التبسيطية الساذجة في التعاطي مع التراث، والنظر اليه باعتباره كماً من النصوص التي يجب استظهارها وحفظها وتكرارها، وتوقف التفكير عند تنظيمها وترتيبها وتصنيفها وشرحها وتلخيصها، بلا تدبر وتحليل وتأويل.

 

الرافد الثاني:

الاطلاع على العلوم الانسانية الحديثة ودراستها، خاصة؛ فلسفة العلم، وعلم النفس، والاجتماع، والانثروبولوجيا، والقانون والحقوق، والعلوم السياسية، والألسنيات، والهرمينوطيقا، وتوظيفها كأدوات في التحليل، ومفاهيم اجرائية في قراءة النص الديني، وتفسير الظواهر الدينية في المجتمع، واكتشاف ومعرفة أنماط التجارب والخبرات الدينية الشخصية.

في مراجعة عاجلة لحركات الإصلاح الديني الفاعلة والمؤثرة في تاريخ الأديان، والتي امتدت وترسخت عبر الزمان، نجد الحركات المشتقة من المؤسسة الدينية والمتولدة منها خاصة، هي التي أحدثت تغييرا وتجولا واسعا. مثل حركة الاصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر، وانبثقت من داخل الكنيسة، فأحدثت منعطفا وتحولا هاما في تقاليد ونظام المؤسسة الدينية المسيحية.وقد ظل على الدوام صوت هذه الحركات مسموعا ومؤثرا في المؤسسة.

 تحديث المسجد لا يتحقق إلا حين ينبثق من داخل المسجد، وتحديث الأزهر في مصر، والزيتونة في تونس، والقرويين في المغرب، والحوزة في النجف وقم، لا يتم إلا عندما ينطلق من داخلها، لكيلا يفتقر التحديث للمشروعية. حين ينطلق من داخل تلك الحواضر يتوافر له حامل إجتماعي. بينما لا تجد الدعوات والكتابات في الإصلاح من خارج المؤسسة الدينية حاملا اجتماعيا، يعتنقها ويتبناها ويتفاعل معها، داخل تلك الحواضر، ويستخدم الامكانات التي يتيحها له انتماؤه للمؤسسة الدينية، كالمنابر والشعائر والمواكب ودور العبادة، في التثقيف على المفاهيم والمقولات والرؤى والأفكار التي تدعو اليها.

قد لا تكون هذه الفكرة محببة ومقبولة لدى بعض المنشغلين بدراسة ونقد وتحديث التفكير الديني، المنحدرين في تكوينهم الفكري والأكاديمي من خارج المؤسسة الدينية، ولعل بعضهم يرى فيها تقليلاً من دورهم التحديثي، إلا أنني أرى أن الواقع التاريخي لمسيرة التحديث يصب في صالح هذه الفكرة.

في النهاية تبدو هذه الملاحظة سديدة إذا بقيت مجتمعاتنا في بنيتها الاجتماعية، وفي مصادر تكوينها العلمي والثقافي، على ما هي عليه الآن. نعم، في ظل نظام تعليمي ــــ لا سيَّما الجامعي منه ــــ جديد، أكثر حداثة وتنوعاً وعمقاً مما نجده اليوم، من الممكن توقع دور للنخب العلمية المشار إليها أكبر وأوسع.

 

fatehi alhabowbi«الكرامة هي الملاذ الأخير لمن جار عليه الزمن»  

ماكس فريش: مسرحي وروائي ألماني

بات معلوما لدى الجميع أنّ إرهاب الغرب الإستعماري الدموي  قد طال البشر والحجر في كل مكان من العالم. فقتل الإنسان وحاول تقويض وتدمير الحضارة التي يعاديها، وانتهى به الأمر خلال القرن الماضي  إلى أطلاق القنابل النووية في هيروشيما وناغازاكي، ومع  مطلع هذا القرن إلى تدمير كل من أفغانستان والعراق ذي الحضارة السومرية التي هي أقدم الحضارات. ولكنّه لم يكن إرهابا فكريّا بالأساس، رغم وحشيّته وبربريّته وتسبّبه في الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين كان من نتائجهما قتل ما يزيد عن 82 مليون نسمة، وتسبّبه قبل ذلك في مقتل حوالي 20 مليون من السكان الأصليين الاستراليين، وأكثر من 150 مليون هندي أحمر في الأمريكيتين الشمالية والجنوبيّة، واستعباد أكثر من 180 مليون أفريقي، بل وإلقاء 88٪ ممن قتلوا من بينهم في المحيط الأطلسي. ذلك أّنّه لم يطل العلم والفكر والإبداع سواء بالمصادرة أو بالمنع ولا المفكّرين الأحرار بالمضايقة أو الإهانة أو التهميش والتنكيل إلّا في حالات-ليست نادرة- ولكنّها قليلة وقليلة جدّا بالقياس لمثيلاتها في الوطن العربي والإسلامي. ولعلّ أشهر هذه الحالات على الإطلاق هي الحادثة الشهيرة لمن سمّاه اينشتاين "أبو العلم الحديث"  الفلكي والفيزيائي الإيطالي الجريء غاليليو غاليلي التي سنأتي عليها فيما بعد.

ولكن، لعلّه يكون من المفيد التذكير ببعض حالات الإرهاب الفكري القليلة التي عاشتها أوروبّا والغرب عموما، والتي كانت آخرتها حادثة إعدام أنطوان لافوازييه أكبر عالم فرنسي في زمانه وأبو الكيمياء في العصر الحديث، خمس سنوات فقط بعد الثورة الفرنسيّة.

وقبل ذلك بقرون عديدة أعدم  سافنو رولا حرقا في فلورنسا سنة 1498 جرّاء نقده اللاذع لكل من رجال الدين والسلطة الحاكمة. وبعد أكثر من قرن أحرق في ساحة روما سنة  1600، الفيلسوف المجدّد جيوردانو برونو  جرّاء صموده وتمسّكه بآرائه وأفكاره  ذات النزعة التجديدية التي تناقض قناعات الكنيسة وطروحاتها إن في الدين أو في العلم.

أمّا السجن فقد كان من نصيب المفكّر فولتير الذي اعتقل في سجن الباستيل الشهير وأطلق سراحه بعد موافقته على النفي إلى إنجلترا.  وأمّا المطاردة فقد كانت من نصيب الفيلسوف جون جاك روسو. وذلك بعد أن أصدر برلمان باريس حكما في حقّه بالسجن وإحراق كتابه "إميل" Émile ou De l’éducation الذي يبحث في فن تكوين الرجال. وهو من الكتب الاكثر قراءة في المجال التربوي إلى اليوم.

وبالعودة إلى غاليلي الذي أعتبرته الكنيسة مهرطقا، فإنّ محنته أنطلقت بعد قيامه بإثبات خطأ نظرية أرسطو حول الحركة، وهي التي سادت على مدى عشرين قرنا. فضلا عن  نشره على نطاق واسع لنظرية نيقولا كوبرنيك حول مركزيّة الشمس، والدفاع عنها بقوّة وشجاعة كانت تعوز كوبرنيك نفسه باعتباره كاهن كنيسة وليس عالما فحسب. وبصفته تلك لم يكن بإمكانه الإعلان جهرا عن مخالفته الكنسية فيما كانت تعتقده منذ 12 قرنا خلت. ووفق المؤرخ جاكوب برونسكي: «كان من تأثير محاكمة غاليليو انتقال الثورة العلمية من الآن فصاعدا إلى أوروبا الشمالية». بما يعني أنّ الإرهاب الفكري الذي سلّط على غاليلي كانت نتائجه عكسيّة وساهم بفعاليّة، بل ولعب دورا محوريا في نهضة أوروبّا والغرب عموم. ولذلك إعتبر غاليلي أحد خمسة علماء، من بينهم كوبرنيك وكبلر وبراهه ونيوتن، كان لهم الفضل الكبير في نقل أوروبا من حالة السبات العميق الي مرحلة النهضة التي طالت كل مجال. لأنّهم، بما توصّلوا إليه  من أفكار علميّة ورؤى جديدة، أحدثوا رجّة عنيفة في العقول هي أقرب إلى الصدمة الإيجابيّة التي كان من أهمّ نتائجها التحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة التي حدثت في أوربا خلال القرنين 15 و16 والتي مهّدت لا فقط لبروز  فلاسفة عظام مثل رينيه  ديكارت زعيم مذهب العقلانية في القرن17 وباروخ  سبينوزا  الذي يرى أنّ «أهواء الإنسان الدينيةّ والسياسيّة هي سبب بقائه في حالة العبوديّة»، بل وكذلك  لبروز فلاسفة عصر الأنوار الأنجليز توماس هوبز وجون لوك وربّما الصحفي والثوري توماس بينThomas Paine  وفلاسفة التنوير الفرنسيين وأهمّهم  مونتسكيو ، فولتير وجون جاك روسو خلال القرنين17 و18، والذين مهّدوا بدورهم لإعلان إستقلال الولايات المتّحدة الأمريكيّة وتفجير الثورة الفرنسيّة العظيمة التي قامت على مبادئ لا تزال تحتفظ بألقها رغم مرور ما يزيد عن قرنين وعشريتين على وضعها. ولعلّ أبرزها مبادئ حقوق الإنسان  والمواطنة وما رمز له شعار الثورة الفرنسية من وجوب ضمان "الحرية والمساواة والعدالة" للجميع والإلتزام بتطبيق العقد الإجتماعي الذي يصل الحاكم بالمحكوم وفق مضمون نصوصه.      

ما يستثير في خواطرنا الكثير من الشجون، أنّنا في العالم العربي والإسلامي، ومنذ القرون الوسطى وتحديدا بعد سقوط غرناطة، أعوزتنا القوّة، قوّة الحديد والنار فأسقط في يدنا في مجال إرهاب القوّة الممارس على الخارج، وتركّز إرهابنا بصفة خاصّة ومكثّفة على ممارسة الإرهاب على الدّاخل ممثّلا في القمع والإ رهاب الفكري المنظّم والممنهج، المسلّط على صفوة المفكّرين الإحرار، من عرب  ومسلمين، ممّن كان لهم أفكار حرة  وآراء جريئة ومواقف مستقلة نضجت من خلال تناولهم نقد موضوعات فلسفيّة أو دينيّة أو حتّى أدبيّة وفق منهج مستحدث يفرز بالضرورة مباحث وأفكار ورؤى جديدة تدكّ أعماق العقول المتكلّسة دكّا عنيفا، لأنّها تتخطّى السياقات المعهودة وتخترق الزمان والمكان وتتجاوز المسكوت عنه ثمّ تكشفه وتعرّيه تماما. بما يزعج من تعوّدوا، على عدم التفكير-وهم كثر-  أو في الحدّ الأقصى على التفكير التقليدي،  بما هو جمود يزلزل كياناته القائمة ويحدث فيها شروخا، كلّ فكر يخرج عن السائد ويفرز تصدّعات في خرسانة التفكير التقليدي المتكلّس التي يتحصّن خلفها التقليديون "الجامدون" غائمي الرؤية، المتعوّدون على "طاحونة الشيء المعتاد" ، الذين يمثّلون دوها عوائق كأداء في سبيل التغيير نحو الأفضل، ويصيبهم كلكل من اليأس والإحباط كلّما برزت على السطح فكرة جديدة ومختلفة تقوّض مسلّماتهم وأفكارهم بالغة الرجعية التي يقتاتون منها على الموائد الفاخرة لأسيادهم الذين لا يستحقّون الوضع الذين هم فيه ولا  حتّى مجرّد الألقاب التي تضفى عليهم. بل إنهم عبيد لآرائهم ولا يعتقدون في نسبية الحقيقة العلمية. لذلك ينطبق  عليهم ما قاله توماس بين من أنّ « من ينكر على الآخرين حقهم في إبداء رأيهم إنما هو عبد لرأيه الحالي لأنه يسلب نفسه حق تغيير هذا الرأي»

والتركيز على الإرهاب الفكري عند العرب لا يعني بالضرورة غياب جميع أشكال الإرهاب الأخرى، بقدر ما يعني إحتلال الإرهاب الفكري لموقع الصدارة في ترتيب صنوف الإرهاب وضروبه المختلفة.

أنّنا عند إستحضارنا وإستبطاننا لتاريخنا نقف، قطعا، على صور رهيبة كثيرة من فضاعات الإرهاب الفكري المسلّط  عبر العصور على أصحاب الرؤى الثورية الحرّة والأفكار الجديدة الذين كان حالهم كمن يصرخ في صحراء ولا أحد يسمعه. إلّا انّنا لضيق المجال سنقتصر على عرض محنة  ابن رشد فحسب بعد الإشارة-ودون توسّع- إلى  حالات قليلة أخرى تعود بالأساس إلى التاريخ المعاصر والحديث.

فقد كانت مأساة ابن المقفّع الذي ينتمي فكريّا إلى فرقة ''إخوان الصفاء وخلاّن الوفاء'' لمجرّد كتابة مخطوطة كانت سببا  في تقطيع جسده الذي أكره على أكله مشويًّا حتى مات وهو في مقتبل العمر، ولم يتجاوز السادسة والثلاثين.

 ولقي الحلّاج بعد تكفيره، مصيرا مشابها، حيث تمّ صلبه حيًّا، وفي مرحلة ثانية وقع تقطيع جسده هو الآخر، لأنّه هو وابن العربي الذي كفّروه أيضا، يعتقد بِحُلُولِ اللَّهِ فِي الْبَشَرِ وَاتِّحَادِهِ بِهِ.

    أمّا البيروني، الذي أطلق اسمه على بعض معالم القمر، وقال عنه المستشرق سخاو: «  إن البيروني أكبر عقليّة في التاريخ»، فقد تمّ تكفيره بعدما ناقش مسألة تكوين مرصد للتنبّؤ بأحوال الطقس. ضرورة أن ذلك من اختصاص الله وحده  !!!

وأمّا فيلسوف الأدباء أبو حيّان التوحيدي، الكاتب المعتزلي المبدع، فقد اتّهم بالزندقة والإلحاد لقوله بالتعطيل-وهو النفي والإنكار- فأحرق كتبه بنفسه نتيجة الأحباط ، بعد أن تجاوز التسعين من العمر وعاش بقيّة أيامه مستترا خوف من القتل.  

وأمّا عميد الأدب العربي طه حسين- فقد كفّروه ، لما ورد في كتابه "في الشعر الجاهلي''. لأنّ التكفيريين رأوا فيه محاولة  للاعتداء على التراث العربي الإسلامي وزرع الأساطير والشبهات في قلب السيرة النبويّة لتلويثها بعد أن نقّاها مؤرخو الإسلام!!!

وأمّا في التاريخ الحديثّ  فلا يمكن تجاوز محنة الباحث الأكاديمي نصر حامد أبى زيد، ، فهي جاءت بعد تكفير فرج فوده وقتله، وإثر محاولة نصر حامد، ممارسة الفكر النقدي العلمي الخالص، بتأليفه لكتاب ''نقد الخطاب الديني'' الذي رأى أنّه يخلط ما بين الديني والفكري ويعتمد على آليّة النقل ، دون تدبُّر وتفكُّر؛ بما يناهض الإبداع ويسبّب العقم الفكري. كما  دعا إلى وجوب التحرّر من سلطـة النصّ القرآني ومن كل سلطة تعوق مسيرة الإنسان. فوقع اتهامه بالارتداد والإلحاد،  ثمّ وقع التفريق بينه وبين زوجته قسراً.

وفي ذات السياق نذكر علي عبد الرّازق صاحب كتاب ''الإسلام وأصول الحكم'' الذي كفّروه وسحبوا منه شهادته العلميّة وقطعوا عنه راتبه كموظّف، ومحمود محمد طه وهو مفكّر إسلامي سوداني، أتهم بالردّة ثمّ أعدموه رغم  سنّه المتقدمة ،  وابن الرواندي صاحب كتاب "فضيحة المعتزلة" ردا على كتاب الجاحظ "فضيلة المعتزلة''  الذي كفّروه بعد تشيّعه ثمّ خروجه عن الإسلام، وكذلك المفكّر حسين مروة الذي قتلوه، ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي اللذان كفّروهما واتهموهما بأنّهما عميلان للغرب. أمّا على الوردى وعلى شريعتي، اللذان نقدا الدّين والأنبياء وأصناف من رجال الدين، ودعيا إلى ثورة في الفكر الإسلامي فقد أعتبروهما تنويريين ووقع تكفيرهما بتلك "التهمة"!!!

ناتي الآن إلى الفيلسوف إبن رشد، الذي كتب المستشرق الإسباني البروفيسور ميغيل هرنانديز يقول في شأنه « إن الفيلسوف الأندلسي ابن رشد سبق عصره، بل سبق العصور اللاحقة كافة، وقدم للعلم مجموعة من الأفكار التي قامت عليها النهضة الحديثة ». لأنّه يعتبر-عن جدارة- أفضل فيلسوف أنتجته الحضارة العربيّة الإسلاميّة على مدى تاريخها المديد. فهو قامة علميّة عالميّة سامقة. أثّر في العالم الإسلامي والمسيحي وأوروبا، لا سيما أنّه المترجم والشارح الأكبر لنظريات أرسطو. وهو أبرز المنتقدين لزعيم المتكلمين الامام أبو حامد الغزالي الذي كفّر فلاسفة الإسلام في كتابه تهافت الفلاسفة الذي شرح فيه تناقض منهجهم. فردّ عليه إبن رشد منتقدا في كتاب (تهافت التهافت) الذي أكّد فيه على الاعتراف بحق الاختلاف وبالحق في الخطأ. وأمّا محنته‏ فكانت على خلفيّة  اتهامه بالكفر والضلال والمروق عن الدين. وذلك بمجرّد وشاية من خصومه  أفضت إلى محاكمته. حيث لعنه الحاضرون من كبار القوم. ثمّ تمّ  إخراجه من المحكمة على حال سيئة، ونفيه إلى قرية لا يسكنها غير اليهود. ليس هذا فحسب، بل أمر الخليفة المنصور بحرق جميع مؤلفاته الفلسفية وبمنعه من الاشتغال بالفلسفة والعلوم ما عدى الطبّ.

إلّا انّ السبب الحقيقي للمحاكمة كان في جوهره على خلفيّة  موقفه من فقهاء عصره / أهل النقل الذين قال عنهم: « ظاهر من أمرهم أن مرتبتهم مرتبة العوام وأنّهم مقلدون. والفرق بين هؤلاء وبين العوام أنّهم يحفظون الآراء الّتي للمجتهدين فيخبرون بها العوام من غير أن تكون عندهم شروط الاجتهاد, فكأن مرتبتهم في ذلك مرتبة الناقلين عن المجتهدين ». كما كان بسبب تأكيد ابن رشد على أن الأرض كرويّة. وبصفة خاصة على موقفه المتميّز من قضيّة العلاقة بين الدين والفلسفة  أو الشريعة والحكمة من خلال كتابه (فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال). حيث يقول أن « لا تعارض بين الدين والفلسفة، وإذا كان هناك من تعارض فالتعارض ظاهري بين ظاهر نص ديني وقضيّة عقليّه ونستطيع حلّه بالتأويل...». ومن هذا المنطلق فهو يرى أن الشرع أوجب ليس فقط النظر بالعقل في الوجود بل أوجب كذلك دراسة المنطق. ويرى أيضا «أنّ القضايا البرهانيّة العقليّة هي حقّ، وما نطق به الشرع حقّ، والحقّ لا يضاد الحقّ بل يؤكّده ويشهد له»، بما يعني أنّ الحكمة (الفلسفة) والشريعة (الدين) لا يتناقضان كما ذهب الغزالي إلى ذلك في "تهافت الفلاسفة "  الذي شكّل في تقديري تكريسا للإنغلاق ومصادرة للرأي الآخر . ذلك أنّه بموت  إبن رشد -وياللأسف- انتصرت مدرسة النقل لزعيمها "حجّة الإسلام" الغزالي، و"العالم الأوحد"، كما  يلقّبه مريدوه، نهائيّا، على المنهج العقلي الذي مثّله ابن رشد ، باعتباره كاد يؤلّه العقل رغم تديّنه الشديد..وكان من نتائج  ذلك  أن أغلق باب الاجتهاد، واستسلم المسلمون لنوم عميق، ما زالوا يغطّون فيه إلى اليوم. فلعلّهم استمرؤوه.

ورغم محنته، فقد ظلّ ابن رشد، مبتدع مذهب "الفكر الحر" كما قيل عنه، رغم أسبقيّة أبي بكر بن الصائغ (ابن باجة) الذي يعود له الفضل في تحرر الخطاب الفلسفي وتلميذه ابن طفيل ، شامخا بفضل حرّيته الفكريّة واستقلاليته وعدم تبعيّته لأحد، بما ينطبق عليه قولة  فريدريك نيتشه « امتياز امتلاك المرء لنفسه لا يقدر بثمن». ولذلك فقد قال ابن رشد عند موته كلمته المأثورة في ذات السياق «تموت روحي بموتِ الفلسفة». لكنّ ما حصل هو العكس تماما. إذ أنّ  الفلسفة الإسلامية هي التي ماتت بموت روحه.  فهو دون شكّ أخر فيلسوف مسلم.

وما يمكن إستنتاجه من محاكمة كل من إبن رشد وغاليلي أن تداعياتهما كانت متناقضة وأثّرت على مسار التاريخ في الشرق والغرب. فقد أدّت محاكمة ابن رشد إلى أفول الفلسفة الإسلاميّة وبداية تخلّف وانحطاط العالم العربي والإسلامي الذي لا يزال متواصلا إلى اليوم بشكل جنوني، لاسيما من خلال سعي المتشدّدين، الذين يحنّون إلى تطبيق أحكام الردّة في غير سياقها الموضوعي، إلى إرساء الدولة الدينيّة لإرهاب البشر واسترقاقهم باسم الدين. بما يذكّرني بمقولة فريدريك نيتشه « أشعر كلما تعاملت مع رجل متدين بالحاجة إلى أن أغسل يَدَيّ». بينما ساهمت محاكمة غاليلي بشكل محوري في قيام نهضة أوروبّا والغرب عموما، وبروز فلاسفة عصر الانوار وقيام الثورة الفرنسيّة وتكريس قيم الديمقراطيّة والمواطنة واحترام حقوق الإنسان عبر إرساء الدولة المدنيّة الحديثة التي حرّرت الإنسان من عقاله وفجّرت طاقاته الكامنة.

 

المهندس فتحي الحبّوبي

  

saieb khalilفي المقالة السابقة "المثقف كأب حنون لشعبه في زمن الضياع "(1) تحدثنا عن المثقف بصفته "اباَ" مسؤولاً عن شعبه وعن مساعدته على الشفاء من أمراضه وعبور المنحنيات الخطرة في تاريخه، ونكمل اليوم في تفصيل دور المثقف باختصار شديد لمختلف المساءل التي يواجهها في مهمته النبيلة.

 

الإعلام

مطلوب من المثقف أن يحمي شعبه من الأعلام المضلل، لكن المطلوب منه قبل ذلك ان يحمي نفسه. التعليمات حول الطوارئ لركاب الطائرات تقتضي أن تلبس كمامة الأوكسجين بنفسك قبل أن تحاول مساعدة طفلك على ارتدائها! على المثقف أن يدرك بأنه نفسه مستهدف أيضاً من التشويه الإعلامي للحقيقة، وأن يكون له التواضع اللازم لذلك الحذر، والأمانة الأدبية المطلوبة لاكتشاف التضليل عندما يناسب ذلك التضليل عواطفنا وأهدافنا، فيفقدنا مصداقيتنا. ليس هذا سهلاً، وضحايا هذا التشويه من المثقفين متناثرة كشعب تعرض لمجزرة إعلامية في العراق. وحتى الأحزاب السياسية العريقة لا تنجو أحياناً من السقوط في فخ إعلامي، وتكوين صورة وهمية عن الواقع لا تحس بها إلا بعد فوات الأوان على الكثير من المواقف الخاطئة القرار.

 

النفس والحقيقة الصعبة

 

بعد أيصال الحقيقة تواجه المثقف انتزاع الإعتراف بها، وهذا هو الخندق الثاني الذي تتحصن به الأكاذيب ومروجوها. فالحقائق ليست مجرد معلومات حيادية. إنها تعني مصالحاً وتثير مشاعراً فتفرح هذا وتحزن ثان وتخيف ثالث وتحرج رابع وتشعر خامساً بالإنتصار وسادساً بالهزيمة. إن الحقائق التي تجد الصعوبة القصوى في الوصول إلى المتلقي، ليست تلك الحقائق المعقدة صعبة الفهم، أو تلك التي لم تشرح جيداً، بل تلك التي تثير انزعاجا وإحراجاً أو خوفاً لدى ذلك المتلقي. فهو ليس حاسبة نضع فيها الأرقام لتحسب النتيجة، وإنما قبل كل شيء، كيان نفسي يستند إلى مفاهيم معينة وتصورات وقناعات شكل منها صورة العالم وصورة علاقته معه، وإلى تلك القناعات يستند أمله في الوصول إلى آماله في الرقي أو في النجاة على الأقل. إن من يأتي بحقيقة مزعجة لمتلقيها فإنما يطلب منه تحمل ألم إضافي، وقلق إضافي وهم إضافي. فإن قالت حقيقة ما، أن الدولة  "الصديقة" التي نعقد عليها الآمال لتساعدنا في القضاء على من يتربص الموت بنا ويرهبنا، تقف في الجانب المقابل ضدنا وضد آمالنا، أو أن السياسي الذي وضعنا أملنا فيه، تبين أنه كذاب كبير أو فاسد أو متآمر، فأن هذا سيسبب لنا كارثة نفسية نجد أنفسنا نعمل على على تجنبها بكل ما نستطيع. يمكن ملاحظة هذه الظاهرة أحياناً لشخص يفقد عزيزاً عليه، فيرفض الإعتراف بالواقع وقد يبقى لفترة غير مصدق لتلك الحقيقة القاسية. وخير طريقة لذلك هي أن نبحث في تلك الحقيقة عن نقطة ضعف، أو نخترع لها نقطة ضعف لتنفنيدها وإزاحتها من أمامنا. وإن لم ننجح في إيجاد خلل في الحقيقة أو رفض الإعتراف بها، فأن جهازنا النفسي سيتكفل بذلك من خلال عملية "نسيان" سريعة على غير العادة. فمادام ولذلك لا مفر من بعض مشاعر الحقد على من يصر على تذكيرنا بها، فهو من وجهة نظر نفسيتنا، يرتكب عملاً عدوانياً يسبب لنا الألم!

هزيمة الماركسية مثلاً لم تكن من معارك المحاججة، وإنما كانت من خلال الألم والخوف. فقد ارتبط الإنتماء إلى الماركسيين والشيوعيين بالذات بالرعب من التعذيب الذي سيمارس ضدهم إضافة إلى الآلام الأقل شأناً من تهميش ومطاردة و "بهدلة"، ووفق جومسكي فقد أوصلت الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية تهديداً لشعب أية دولة أوروبية بالجوع إن هو انتخب أية حكومة يسارية، أما إن كان ذلك في الدول الأخرى فمصيره الإرهاب والإنقلابات.

الخوف لا يدفع الخائف فقط إلى الإبتعاد عن تبني الفكرة التي تسبب له الخوف فقط، بل ينتقل ذلك حتى إلى نظرته إلى صحة الفكرة! فمن الأسهل نفسياً أن تقتنع بأنك رفضت الفكرة لأنها "خطأ" من أن تقول أنك رفضتها أو تخليت عنها بسبب الخوف. وهناك أمثلة كثيرة جداً لشيوعيين سابقين، حتى من ذوي التاريخ النظالي الكبير مثل عزيز الحاج، قد تحولوا إلى أبواق منفلتة للجهة المعاكسة لايمكن ملائمتها مع ما يعرفون من حقائق عنها، ولو كان تحولهم معرفياً، لكان هادئاً ومحدوداً واستطاع أن يحتفظ باحترامه على الأقل لبعض نقاط عقيدته القديمة، وأن يتذكر بعض مساوئ إيمانه الجديد.

وينطبق هذا الأمر على التصديق بارتباط أميركا بالإرهاب، فهذه فكرة مخيفة حقاً ومحطمة للآمال وتعد بصراع مؤلم.

على المثقف هنا أن ينتبه لأثر الحقيقة على نفسيته أولاً واستعداده لتحملها، وأن ينتبه لأثرها على متلقيه ويتوقع ويتفهم ردود الفعل عليها، فليست كل تلك الردود هي على الحقيقة أو عليه شخصياً، وإنما على الألم الذي تتسبب به تلك الحقيقة التي يأتي بها، كرد فعل نفسي لحماية الذات من الأذى.

 

ما الذي يجب تنبيه الشعب إليه أولاً؟

عدا إعطاء الشعب صورة صحيحة قدر الإمكان عن القضايا الآنية العاجلة والخطيرة كالإرهاب والطائفية وحقيقة الموقف الأمريكي، فأن مراجعة للأسس أمر لا بد منه.

 

 الطائفية والإعلام

الطائفية ليست ظاهرة عفوية نابعة من داخل الشعب كما يحاول مروجوها أن يفهمونا، بل هي عملية صناعة متقنة تتعاون بشكل وثيق مع الإعلام ويخترق المتآمرون فيها أجهزة الدولة إلى أعلى المستويات. فمثل وزير العدل الذي ابتدع قانون الأحوال الشخصية الجعفري. هذا الشخص لا يمكن أن يكون بريئاً ليقدم مثل هذا المشروع في مثل هذا الظرف. ولا يمكن أن يكون بريئاً كذلك، المستشار القانوني للحكومة طارق حرب الذي يروج للمشروع. وعلى مستوى أدنى ينتشر على مواقع الإنترنت معلقون يتلقفون كل خبر ليضعوا له تعليقاً يجعل قراءته طائفية حتى لو لم تكن للخبر علاقة بالطائفية، وهذه التعليقات تلعب نفس دور التوجيه التضليلي لعقول القراء الذي تلعبه التذييلات الخبرية التي توضع في نهاية الأخبار من قبل وسائل الإعلام المشبوهة – وأكثرها كذلك – وتبدأ هذه الذيول عادة بكلمة "ويذكر أن ... " ليأتي بعدها ما يقول لك على أية خلفية يجب أن تقرأ هذا الخبر وبأي شيء يتوجب عليك ربطه. وقد لا تكون هذه الإضافة في نهاية الخبر، بل في أي جزء منه.

كذلك قد تجد أن العنوان كثرما يقول كلاماً يؤكد الطائفية أو ما يريد صانع الخبر، ولا تجد ما يسند هذا الإدعاء في متن الخبر (بأمل أن يكتفي القارئ بالعنوان، كما يفعل الكثيرون، أو لا ينتبه إلى الفرق بينه وبين المتن).

وهناك آفة "المصدر المطلع.." أو الذي "رفض ذكر إسمه..." ليتحدث بما يشاء من أكاذيب أويخلط الخبر الكاذب فيها ببعض الأخبار الصحيحية وتمزج بطريقة لا يسهل على القارئ أن يميز فيها ما قاله الشخص المحدد من ذلك الذي ينسبه الخبر إلى المصدر المجهول.

في هذا الظلام الإعلامي الدامس، من واجب المثقف أن يتلمس الحقيقة لينقلها إلى شعبه.

 

الفساد

يجب تصحيح المفهوم المنتشر عن الفساد بأن وراءه الطمع الإنساني المعتاد، او شكل مضخم له. ففي العراق لا يتم نهب الثروة من قبل الطامعين فقط، بل يتم منع الصالحين أو الأقل طمعاً، من إنجاز أي شيء. هذا ليس موضوع طمع إذن بل مؤامرة متقنة واعية ومقصودة التحرك، وأن إسم "الفساد" ليس سوى تضليلاً يراد به حرف البحث عن الحل، نحو أتجاهات أخلاقية مثلاً. فما يسمى بـ "الفساد" في العراق هو مؤسسة كاملة لها من يرعاها عن قصد ويديرها والهدف منها منع بناء أي شيء حقيقي في البلاد، واستهلاك كل ثرواتها آنياً، ودفعها للإقتراض إن أمكن رغم ثروتها الهائلة، وإسقاطها في مصيدة الديون المعروفة التي تحدث عنها جون بيركنز.

 

صورة العالم الحقيقية:

رغم كل التقدم التكنولوجي في علم الإتصالات فأن الشعوب لا تدري حقاً ما يجري في العالم إلا بما تريده لها أن تعلمه، تلك القنوات المملوكة لمجهولين. فهذا التقدم التكنولوجي يستخدم للتجهيل كما يستخدم للتعليم، ويستخدم بشكل لم يسبق له مثيل للتجسس، ومن يدفع ثمنه يقرر كيف يستعمله. يجب أن يعلم العراقي أنه ليس وحيداً في الأزمة وأن العالم أيضاً يعاني من الضغط الشديد الذي تسلطه نفس القوى التي تسلط الضغط على الشعب العراقي، وأن الصراع يشتد بين القوى المتغولة في الثروة والسلطة والسلاح، والبشرية التي تسعى للدفاع عن آدميتها بوجه هذه النماذج التي تتوحش يوما بعد آخر. أن أمام المثقف مصادر كثيرة أمينة لينهل منها ويعود بالثمار لشعبه، وخاصة المصادر اليسارية الناقدة والكاشفة للحقائق المروعة التي يمر بها العالم والراصدة لتحركه وأتجاه سيره الخطر.

 

صورة العراق الحقيقية

أما عن صورة البلد فنقول أن العراق منخور أكثر مما يدركه من يعيش فيه ومعظم من يعيش خارجه. يجب أن نتذكر أننا نتحدث عن بلد أجهزة كشف المتفجرات المزيفة التي خدعت الحكومة بكل مؤسساتها. هذه "الأجهزة" ليست سوى علب فارغة، ليس فيها أية دائرة كهربائية ولا بطارية لتشغلها، وقد كشفتها الدولة صاحبة الشركة وحوكم صاحبها بالغش وأدين به، ورغم ذلك يستمر العراق في الحديث عن "نسبة نجاح" كذا% ، ويستمر في استعمال الخدعة بإصرار عجيب!

بالنسبة لي كان موضوع هذه الأجهزة العلامة القصوى التي أشرت مدى الإنهيار العلمي والأختراق الأمني الرهيب في العراق، ومدى هزال المؤسسات فيه، ويجب أن نتذكر ذلك لكي لا نفاجأ بالخسائر والفضائع. فحين عرفت بقضية العلب الفارغة هذه لأول مرة، أصبت بالصدمة، وكتبت عنها أكثر من مرة، وكل ما حدث بعد ذلك لم يعد يثير عجبي، فأذكر نفسي بأن العراق بلد "أجهزة كشف المتفجرات"!

الحكومة التي تخدع كالأطفال بعلب فارغة تريد الثقة من الناس وأن تخطط مستقبل بلد من أثرى البلدان في أخطر مرحلة يمر بها! من الضروري أن نبعث الثقة بالنفس، إنما مهم أيضاً أن نعرف حجم الهوة التي يعيشها العراق في كل جوانبه لكي نرى صورته الحقيقية، لعلنا نخرج بما يمكن إنقاذه ولا نفاجأ بما يحدث.

 

الحقوق:

لقد فقد الشعب الإحساس السليم بحقوقه لكثرة ما عانى من اضطهاد، فتراه مازال، وهو يمارس الديمقراطية، يتوسل بالحاكم أن يعطف عليه ويحل له مشكلة، بدلا من ان يحاسبة ويؤنبه على تقصيره في حل تلك المشكلة، وما زال الحاكم يوزع الهبات والعطايا. لذلك فعلى المثقف أن يذكر الناس بحقوقها الأصلية غير المنقوصة كبشر. عليه أن يعيد ثقتهم بالإنسان وحثهم على المشاركة في الصراع من أجل العيش الكريم، وليس العيش فقط. المثقف أقدر الخروج من الواقع وما يوحي به من حدود، إلى رؤية الممكن والصحيح والمطالبة بهما. إنه القادر على، والمطالب بـ ، بعث الحماس والثقة ووضع الخطة العامة للقيام بالقفزة المناسبة.

 

السياسة:

هناك أيضاً السياسة ومغاليقها الحقيقية منها والمفتعلة قصداً. كيف تعمل الديمقراطية؟ ماهي نقاط قوتها التي توجب علينا أن نسعى إليها؟ وما هي أيضاً نقاط ضعفها التي تسمح لخصومها بالإلتفاف حولها؟ إن كانت تمثل حكم الشعب فكيف يحكم الشعب من خلالها؟ ومتى نفهم أن هناك خللاً في الديمقراطية؟ كيف نطمئن أن ديمقراطيتنا لا تيسر نحو التردي إلى الشلل في القرار، أو إلى الدكتاتورية؟ ماهي المراهنات التي يجب أن نقبلها وتلك التي نرفضها، عندما لا يكون الخيار واضحاً؟

 

الديمقراطية:

أهم ما يجب أن يعلمه الناس عن الديمقراطية أنها لا تعطيهم أية حقوق أو مكاسب بذاتها، وإنما توفر لهم وسيلة صراع من أجل تحقيق تلك المكاسب، وأن من يرفض خوض ذلك الصراع فلن يحصل على شيء، لا بالديمقراطية ولا بغيرها. وحتى حماية الديمقراطية من التآكل من خلال السلطة التنفيذية يتطلب جهداً مستمراً للصيانة والمراجعة والتطوير، وإلا انتهت تلك الوسيلة أيضاً ولن يعود بالإمكان استعمالها مستقبلاً، حتى لو قرر الشعب ذلك لاحقاً.

 

الإقتصاد:

ما هي الرأسمالية حقاً؟ ما هو الإقتصاد المناسب لنا؟ هل حقاً تناسبنا حرية السوق؟ لماذا يتحدث بها المسؤولون والإعلاميون وكأنها التزام اخلاقي أو ديني؟ ماذا يحدث إن لم نلتزم بها؟ ماذا تعني العولمة بالنسبة لنا؟ هل حقاً بنت الدول الرأسمالية اقتصادها من خلال حرية السوق؟ يجب إثارة اهتمام المواطن وجرأته على هذه التساؤلات، وفحصها بعين شكاكة. ففي الإقتصاد من الأكاذيب ما يزيد على أي علم آخر من العلوم، حتى السياسة نفسها.

هذا عن الإقتصاد بشكله العام. ومن جهة أخرى يجب تسليط الضوء على المساءل الإقتصادية العراقية الملحة: ماهي الأخطار الكبرى التي تهدد الثروة الوطنية والإقتصاد الوطني؟ هل هناك خطر من الديون؟ ماهو، وكيف نتجنبه؟ هل اتخذت الحكومة الإجراءات اللازمة لحماية نظامنا البنكي وتأمينه أمام الأزمات القادمة حتماً، كما تفعل حكومات العالم الأخرى في كل بلد اليوم؟

إن تقصير المثقف العراقي والعربي في هذا المجال مميز بشكل مؤلم. ففي كل مكان آخر تقريباً، هناك حملات توضيح كثيرة للشعب يقوم بها المثقفون والمختصون من أبنائه.

 

أن لا تترك إجابة الأسئلة للمتآمرين على الشعب وحدهم

مثل هذه الأسئلة يجب أن لا تترك للذين يستفيدون من تحديد أجوبتها بشكل ما، لكي يكونوا الشارح الوحيد لها. على المثقف أن يذهب ويقرأ ويعود بصيده لشعبه الجائع، ويعمل على إقناعهم بما وجد وحثهم على مراجعة ما يقال لهم بشأن تلك الأمور، فهذه أموالهم وحياتهم ومستقبل أطفالهم.

شعبنا الذي حبس في قفص الدكتاتورية طويلاً، يسير أول خطواته في الغابة، والبعض ما أطلقوه من قفصه إلا ربما ليفترسوه بحرية. ومن واجب "والده" المثقف أن يفعل كل ما يستطيع من أجل حماية ولده، وجعله يعبر المرحلة الخطرة في سنواته الأولى في العالم "الحر" – الحر من القانون ومن الأخلاق! 

 

(1) المقالة السابقة حول الموضوع: المثقف كأب حنون لشعبه في زمن الضياع – صائب خليل

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/600715683318838

hamoda ismaeliعندما يكرر الإنسان سلوكا معينا قولا كان أو فعلا فإن ذلك يعني أن هذا السلوك له أهمية، وحاجة ضرورية بالنسبة للمعني ـ كالأكل والجنس والنوم ـ ودون ذلك قد يعتبر عرضا وسواسيا يكشف عن اضطراب في وظيفة التفكير وعجز عن تحليلٍ واضح للواقع. وحتى تتضح هذا النقطة، لنفترض أن شخصا يذهب للصالة الرياضية، فهو يكرر نفس السلوك تقريبا كل يوم، بالقيام بحركات معينة، غير أنه إذا ركزنا جيدا سنجد أن تلك الحركات تتغير نسبيا وتتطور مع المدة، أما إذا كان الشخص يأتي كل يوم للصالة، ويقوم بتكرار نفس الحركة كل يوم، فإما أنه معتوه، أو أنه لا يستطيع القيام بحركة أخرى (رغم أن أي شخص طبيعي سيشعر بالملل، فإما سيتوقف أو سيبدل جهدا للقيام بحركات أخرى).

بالانتقال من الصالة الرياضية، للخطاب الثقافي العربي، نجد بعض التشابه، فأغلب الكتابات العربية لا تتغير منذ قرون، هناك كلمات محددة تتكرر باستمرار، ولها من التأثير أنها تجعل الخطاب خاضعا لحقل معين، ينتج فيه ويعيد الانتاج دون تجاوزه، لأن التجاوز يتطلب آليات ورموز جديدة قادرة على إخراج الخطاب من الخضوع لحقول ومفاهيم معرفية معينة. هذه الكلمات هي "إسلام"، "خلافة"، "هجرة"، "سنة"، "شيعة"، "قرآن"، "دين"، "إلحاد"، "ردة"، "وهابية"، "الله"، "شيطان"، "نبي"، "شريعة". ومن المثير للريبة، ليس عدم وجود أي خطاب ثقافي عربي لا يتضمن إحدى هذه المصطلحات، بل لا وجود لمقال لا يحتوي أغلبها. ما يتبث أن الخطاب محصور داخل حقل الدين، رغم النقد والرد والدفاع والتحليل والتفسير والشرح والتفكيك فلم يستطع بعد تجوازه، ولم يقدر بعد على إنتاج مفاهيم جديدة تساعد على الانتقال والتجاوز وإعادة انتاج مشروع ثقافي بديل. لازالت نفس الإشكاليات ـ التي كانت مطروحة في العصر الذي أنتج هذه المصطلحات ـ تفرض سلطتها بالوقت الراهن، لازالت تمارس ضغطا وسيطرة على المثقف المنتج والمتلقي بنفس الوقت، لازالت تستعصي على الإحاطة والإخضاع. والسؤال هو: لماذا؟

طبعا الجواب هو أن الحقل الثقافي العربي لم ينتج فلاسفة، أي شخصية متساءلة تغادر الكهف الثقافي المعتاد لتُحضِر صور جديدة عن عالم واقعي لا يخضع لتصورات وتفسيرات مسبقة، لا يخضع للتأويل والرؤى الدينية الجامدة، بآليات قادرة على البرهنة بوجود واقع أفضل أو مغاير أو بديل. العرب لم يعرفوا فيلسوف ماعدا إذا رغبنا باستثناء الرازي كمتفلسف وشكاك ضد الخطاب الثقافي المعتاد، رغم أنه لم ينتج مشروعا فلسفيا ولم يقدم آليات ورموز اشتغال بديلة أو بتعبير أوضح فيلسوف لم يغادر الحقل أو الكهف، أما البقية التي يعتبرها الأغلبية المثقفة فلاسفة، فأكثر ما فعلوه أنهم اخضعوا الثراث الفلسفي اليوناني لخدمة الشريعة الدينية، لتوسيعها وتجميلها وترميمها حتى تلائم صيرورة التغير الاقتصادي والسياسي للواقع الاجتماعي.

الفيلسوف هو السؤال، هو الخلق، هو الثورة والانفصال عن المتوفر والمعتاد، أما بالنسبة للفلسفة الدينية (الإسلامية والمسيحية) فلم تعرفا فلسفة بمعناها الإبداعي والتنويري، فلسفة غير خاضعة للتصورات المنتجة مسبقا، وغير معنية بتبرير المعتقد الممنوح، ولا تكتفي بالأليات الموجودة والمتوفرة لتحليل الواقع وإنتاج خطاب ورؤى، بل تجدد الآليات بخلقها حسب نوع الخطاب البديل، فالمشروع الفلسفي الإسلامي المسيحي (أو نومة القرون الوسطى) ظل معتمدا على الآليات الأرسطوية والأفلاطونية والرموز الدينية (السابق ذكرها)، حتى ظهور ديكارت الذي انفصل عن هذا المشروع التنويمي بإيقاط خطاب جديد تطلب آليات جديدة ومنهجية جديدة تمثلت في "الكوجيتو"، وإعادة الانطلاق من التفكير كطريقة وجود بعد التشكيك في كافة المعطيات.

كل تصور فكري معين للعالم أو قفزة نوعية ثقافية، فرضت نفسها بخطاب يتضمن آليات إبداعية وجديدة، فكما رأينا "الكوجيطو" مع ديكارت، نجد "الانتخاب الطبيعي" مع داروين، و"النسبية" مع انشتاين ثم الكوانتم بعده في المجال الفيزيائي، ونجد "الأنا" و"الهو" و"الأوديب" عند فرويد، و"البروليتاريا" لدى ماركس وكذلك "الشيوعية" كمشروع يستمر مع لينين وروزا. أما بالنسبة للخطاب العربي فإن القفزة الانتقالية التقافية أو تحولات الخطاب الديني نجدها في "الوهابية" كدعوة رجعية وليست كمشروع تنويري يخلق وينتج آليات ورموز مغايرة وثورية جديدة، مثل "الفرويدية" و"الماركسية" و"الداروينية". وتجلت الدعوة الرجعية بالقطيعة مع الآليات المتوفرة مثل التخلي ورفض رموز المشروع الفلسفي اليوناني ك"اللوغوس" و"الميثوس" و"الميتافيزيقا"، واستخدام آليات اقدم تنحصر في "الحديث"، "الفتوى"، "الخلافة"، "الحد" و"القصاص"، مايشير لدعوة تدميرية تهدم المستقبل على حساب الحاضر للتقهقر نحو "رحم" الأمان الثقافي، وإعادة الاشتغال بالأسس المُشَكِّلة للمشروع الثقافي الفلسفي وهو الدين "السنة" ـ ونجد له مقابل نتيجة الصراع الداخلي الذي يمارسه الخطاب الديني المؤثر في ـ "الشيعة"، كلا الخطابين دعوة للهدم وإعادة الإنتاج بنفس الآليات المتوفرة والمستهلَكة، وهكذا ظلت الفلسفة والثقافة العربية مشروع مستهلك ومحصور داخل دائرة الهدم وإعادة الترميم، أو "الانسحاب" كتأمل هندي أخد صبغة إسلامية بآليات أفلاطونية : "الصوفية" أو الانتقال لعالم الفكر الازلي للتماهي مع المطلق (عالم العقل الهرمسي).

وكما أنتجت المنطقة العربية (بين النهرين وشبه الجزيرة) أنبياء وخطابات دينية متتالية نظرا للتأثير الفكري نتيجة القرب (فلم نسمع بنبي من بانكوك أو جنوب أفريقيا)، كذلك حصل الأمر مع المنطقة الغربية بانتاج فلاسفة متتاليين ليس كفلاسفة "نومة القرون الوسطى" أو خُدّام الإيديولوجيا (نتيجة التأثير والتقليد الثقافي تم انتاج هؤلاء المتشابهين منهجيا كذلك)، بل كنموذج ديكارتي، نراه في "تفكيك" دريدا و"المسكوت عنه" عند فوكو، و"مابعد العلمانية" لدى هبرماس، أيضا "الوجودية" عند سارتر و"الكينونة" عند هايدغر، أما بالخطاب العربي نرى "البلطجية" و"الشبيحة" كتأثير الواقع بالخطاب المقولب بدل تأثير الخطاب المفتوح بالواقع والسعي للسيطرة عليه، زيادة على التراشق اللفظي والكتابي بين الأطياف الثقافية ك"عمالة"، "تطبيع"، "إرهاب"، "غزو"، "اسقاط"، "أخونة"، "شرعية"، "تكفير". ما يؤكد تآكل الخطاب الداخلي واحتواءه على الاستهلاك العدواني الذاتي نتيجة عدم التجديد والابتكار. فالطاقة الإبداعية ترتد للخلف بدل الانطلاق لسبر أغوار الغير المتحدث عنه والغير الموطوء قبلا والمنطقة المجهولة أو اللاوعي الشرقي-العربي، إنما الخضوع والارتجاف ومحاولة صبغ الخطاب الديني والفلسفة المتواطئة وإظهارها بأنها خطاب ملائم لكل العصور كإعادة قراءة له نجدها عند أركون والجابري وأبوزيد وجعيط وحنفي والنخبة الغربية التي لم تمتلك روح فلسفية مؤثرة في الرأي العام والسياسي. وما التراشق الثقافي إلا دفاع عن الذات والأنا! .

نجد المثقف العربي يشكو قلة الاهتمام، وعدم توفير ماده إعلانية وإعلامية له وتعرضه للإقصاء والتهميش والخداع، فالجمهور يتجمع على الفن الاستهلاكي والترويج الدين-إعلامي. غير أن العقدة في اعتقاد وشعور المثقف، في أفكاره (بتعبير علي حرب "أفكار المثقف هي أزمته")، فالفيلسوف لا ينتظر دفع أو تركيز أو مساعدة، لأنه كما يؤكد نيتشه يفرض ذاته ويخلق الحدث "ينزل كالصاعقة"، الفيلسوف يمتلك كاريزما وقوة جذب مثله مثل الساحر أو كاهن القبيلة، فأصالته وإبداعه تؤثر في الوعي الجمعي كحقيقة متطلبة ومفيدة ومساعدة على التعرف الأفضل للواقع المعاش. وليس شخصية انسحابية وضحية غريبة أطوار تنتظر إعلام يديره مرضى عقليون أو دور نشر تتسول دراهم، تقدم ردفيها ليسكب أي مغفل منيّه الثقافي العقيم.. وتعمدنا استخدام التشبيه الجنسي الفاحش نظرا لعدم اختلاف دور النشر (العربية) عن العاهرة، باستثناء القلة.

ففيلسوف ينتظر من يكشفه ويعليه حتى يصعد خشبة المسرح، فهذا ثعلب وليس مثقف، زيادة على أنه تصور تقليدي، فالفيلسوف يجذب لا يصعد أو ينزل، ينتشر ولا يتمركز. لكن الإشكال هو في عدم امتلاك المثقف لآليات متطورة تقطع مع المعتاد والمتوفر، وتحرره نحو بناء جسر مع المجهول والعذري والنائي، ويعتقد أنه فيلسوف مهمش ! الفيلسوف يستمد السلطة من مشروعه وفكره، لا يتسوّلها.

خطاب التكرار لا ينتج شيئا سوى التأكيد، وحده الانطلاق "من" و"نحو" الممنوع والمرفوض والمبعد، هو ما يعيد للمثقف رونقه وتحكمه وقدرته على الإدهاش والحضور من الجوانب والأماكن غير المتوقعة، بلغة وأسلوب وآليات تمكنه من الاختراق. والآلية والرموز توجدهما الضرورة، ضرورة الخلق والإنجاب. وحتى ينجب يلزم "حمل" : توفر كرموزومات متنوعة ومن اجناس مختلفة، وليس الاعتماد على مخصب (طرف واحد مقدم للكروموزوم) وإلا سينجب مشروعا مشوها أو معاقا، إن لم يعني ذلك "العقم" كنتيجة.

الفيلسوف هو الصدمة، المصدوم الذي يصدم الآخرين، هو ذاك المفكر. الفيلسوف خرافة، وحدها الصدمة هي الواقع.

saieb khalilسأحصر كلامي ضمن المثقف الإنساني الذي يرى نفسه بدرجة أو بأخرى، باحثاً ومحارباً من أجل وصول الحقيقة والقيم العليا، والتي يراها ضرورة لا مفر منها من أجل سعادة مستقرة للبشرية.

قد تبدو للبعض هذه صورة عفا عليها الزمن، لكن الإنسان كان ومازال بحاجة إلى ضوء لامع بعيد يهتدي به، كما تحتاج السفن ضوء الفنار في الليالي العاصفة. فربما ليس من الصعب عليه أن يتحرك في حياته اليومية، لكن الحفاظ على الإتجاه العام الصحيح خلال تلك التفاصيل أمر آخر.

لا ينتظر المثقف من هذه المهمة أن تكون سهلة أو جميلة، رغم أنها لا تخلو من المكافآت الكبيرة بالإحساس بالإعتزاز بالنفس والدور الشريف الذي يقوم به في مجتمعه، ولكنها بكل تفاصيلها حرب حقيقية وسوف يخرج منها المحارب مثخناً بالجراح وبالغبار على وجهه  وشعره والإحمرار في عينيه، وكما يقول نيتشة: "ليس لمحارب أن يطالب بأن يعامل بالمراعاة"!

 

الأجمل والأشرف

من الأسهل و“الأجمل” كثيراً أن نختار بدلاً من تلك الحرب، ما تتيح لنا ثقافتنا من فرص، حتى ضمن الكتابة نفسها، فنكتب عن ما ينفعنا نفسياً ومادياً وثقافياً ويتيح تجميع المنافع والتقدير الإجتماعي، وليس إلى معركة الحقيقة الحاضرة، حيث الأحداث العادية والصراعات المشتبكة والتشهيرات التي لا يرتجى منها سوى الأذى على المستوى الشخصي. أن لوحة ارسمها لن تكلفني أكثر من الوقت اللازم لكتابة مقالة سياسية معقدة محشوة بالمصادر، وأحصل من تلك اللوحة، حتى أثناء عملي بها، على شحنة من الإرتياح والسعادة بدلا من التوتر وحرق الأعصاب في الكتابة عن حقائق مؤلمة. ربما تمكنت من بيع اللوحة لكن محاولة بيع مقالة شريفة أمر عسير. وأهم من كل ذلك أن أحداً لن يشتمني ولا سلطة تراقبني وتتوجس تحركاتي بسبب لوحة أرسمها. لكن إن اختار جميع المثقفين والفنانين والشعراء طريق "الأجمل"، فإن أحداً في هذه الحالة لن يرشد هذا الشعب إلى الطريق ليتخذ موقفه وقراره الآني الذي يحتاجه لفهم الأحداث ومواجهتها عاجلا وبلا تأخير.

يقول شريعتي: "عندما يحترق بيتك فأن من يدعوك للصلاة خائن، وأي عمل غير إطفاء الحريق خيانة". وأجد في هذا القول مرشداً جميلاً فيما يجب التركيز عليه من جانب مثقف قرر أن يقف مع ضميره.

الشعوب يخلقها بشكلها الثقافي النهائي- وكذلك خياراتها إن كان لها أن تختار - مجموعة مثقفيها، إضافة إلى العوامل المادية الأساسية. فالمثقف وإن لم يكن الخالق المادي للشعب فهو الراعي له والموجه لطريقه، تماماً كما هو الأب بالنسبة للطفل. ليس في ذلك إهانة للشعب، فأهم ما يميز الشخص الكامل عن الطفل هو معرفة الأول بالحياة أكثر من الثاني، وهذا ينطبق بالتعريف على المثقف المميز بمعرفته النسبية الأكبر عن الباقين من الشعب. أن "الأجمل" للمثقف ان يذهب حيث يمكنه أن يزدهر ويحصد النجاح، لكن الأشرف أن يذهب إلى حيث يمكنه أن يأتي طفله بما يحتاجه.

 

الأب يقسو أحيانا لكن لا يهين

 الأب يحنو على الطفل ويرعاه ويحرص على وصوله إلى مستقبله. إنه يعلمه ويساعده ويرشده إلى الطريق، لكنه يقسو أحياناً قسوة المحب الذي لا يسمح لتلك القسوة أن تصل حد الإهانة وخفض الروح المعنوية للطفل، وإضعافه وجعله عرضة للسقوط بيد المتربصين خلال مسيرة حياته. أن الأب الواعي المتمالك لأعصابه لا يسمح حتى لطفل صعب المراس أن يدفعه إلى تلك الحالة. لقد وضعته الحياة مسؤولاً عن هذا الإنسان ومصيره، وهو يقبل بتلك المسؤولية. لكن الآباء كثيراً ما ينسون ذلك في خضم الحياة، وكذلك يفعل المثقفون تجاه شعبهم.

ورغم أن المثقف لا يجب أن يقسوا على شعبه، فإنه لا يجب أن يكون رحيماً مع أعدائه أو مع الفاسدين من افراد ذلك الشعب. أنا اؤمن أن من واجب المثقف أن لا يلتزم بقواعد “التأدب” في الكتابة حينما يخدم ذلك التأدب تزييف الحقيقة. فحين نشرح لصوصية مسؤول كبير، يفترض أن نقول أنه لص وليس "مخطئ" أو "فاشل" أو امثالها من الكلمات المخففة للجرم، والتي تمنح حصراً للمسؤولين والأثرياء من اللصوص. هذا التمييز ليس جزءاً من ثقافة إنسانية حقيقية، بل هو مبدأ لا أخلاقي ومرفوض، لكنه صار معتاداً.

 

تجنب السخرية

من هنا نستنتج أن على المثقف التوقف عن المشاركة في السخرية من الشعب في كل الأحوال، سواء كانت سخرية محقة أو غير محقة. فعندما يكون وضع الطفل بحال يدعو الآخرين للضحك منه، فإن الواجب يدعو أبيه للبكاء بدلاً من ذلك! إن الأب السليم يدرك أنه هو الملام الأول على حال طفله. الملام هو المثقف!

يتلهى الكثير من المثقفين بتبادل السخرية بالإنترنت من شعوبهم، دون أن يدركوا أثرها السام على النفسية الإجتماعية، خاصة إن كانت تلك السخرية في محلها، وتستند إلى حقيقة. لو كان طفلك كسيحاً فلن تقهقه أمامه من طريقة مشيه الأعرج، أليس كذلك؟ فلماذا نقهقه بأعلى صوتنا ونتمتع بالضحك من تخلف شعبنا الكسيح بدلاً من أن نبكي عليه؟ السخرية لا تدفع إلى الإصلاح كما يوهم أنفسهم المتمتعون بالضحك ، إنها لا تدفع خاصة إن كثرت، إلا إلى اليأس. وهناك جهات متفرغة لكتابة السخرية من الشعب كما تبين مراقبتنا، وكما كتبنا أكثر من مرة. أذكر واحدة منها انتشرت بشكل كبير عن فتاة جاهلة إسمها "جعاز" وجدت نفسها في مطار بريطاني تحمل جواز سفر دبلوماسي ولا تعرف الإنكليزية ولا حتى عربيتها مفهومة، ثم يأتي الشرطي الإنكليزي شديد الأدب .. الخ. وادعى ناشروا هذه التفاهة أن مجلة بريطانية (لم تذكر) قد نشرت "الخبر"، ومن الواضح جداً من التفاصيل أنه "خبر" ملفق تماماً وأن اية مجلة لم تنشره، وأنه تم تأليفه قصداً لإهانة الشعب العراقي بأقصى صورة ممكنة.

علينا أن نتذكر أن هناك صناعة سينما كاملة تقوم على السخرية من العرب في أميركا، وقد بين الباحث جاك شاهين أنه من بين أكثر من فلم بحثها، أشارت إلى العرب بشكل أو بآخر، فان بضعة أفلام لا تزيد عن اصابع اليد الواحدة، قدمتهم بشكل محايد أو إيجابي! وقال أيضاً أن إهانة العرب تحقن في الأفلام حقناً حتى عندما لا يكون لموضوع الفلم علاقة بالعرب. تماماً كما حقن رجال الدعاية الأفلام بالتدخين وماركات السيارات لحساب الشركات المعنية. إنهم لا يدفعون مئات الملايين من الدولارات ورما المليارات بلا سبب. ونحن نقدم لهم الخدمة المجانية بنشرها مقابل أن نضحك قليلاً، وكان أجدر بنا أن نبكي، فهذا الكسيح الذي يضحك منه الآخرون، هو طفلنا!

 

لوم الشعب والفكرة الخاطئة: "إصلاح أنفسنا أولاً"

يجب أيضاً التوقف عن لوم الشعب إلا بما هو محدود ومدروس ويتوقع منه نتائج إيجابية. إن تحميل الشعب مسؤوليته تختلف عن تقريعه وإلقاء اللوم عليه أو ما يسمى عادة بإلقاء اللوم "على الذات"، وتستخدم عادة من قبل من يسعون في حقيقتهم إلى ردع اللوم عن الإحتلال وجرائمه ومؤامرات الدول الخارجية، إضافة إلى عدد كبير من الذين اقتنعوا بالفكرة الخاطئة وصاروا ينشرونها، ويدعون إلى أن "نصلح ذاتنا قبل أن نتهم الآخرين".

قد يكون "المرض فينا" والجرح جرحنا كما يقولون، لكن هذا لا يمنع، حتى ونحن مرضى أن نوقف اليد الخارجية التي تصب الملح على الجروح فتزيد مرضنا وألمنا. إن تأجيل الإلتفات إلى تلك اليد "حتى نشفى من أمراضنا" منطق أعوج يهدف إلى حماية تلك اليد وإعطاءها الفرصة الكاملة لاستكمال مشروعها المدمر، بحجة ضرورة أن "نبدأ بأنفسنا أولاً" أو أن نصلح اخلاقنا أولاً. لكن الأخلاق نتاج الوضع الإجتماعي وظروف الحياة أيضاً، وليست نتاج الثقافة والوعي وحدهما. لا يوجد مريض يقبل أن تستمر يد بضربه على رأسه بحجة أنه مريض، وأن معاناته الأساسية في نفسه وليس بسبب اليد! أن أي من دعاة "أن نصلح ذاتنا أولاً" لن يفعل ذلك إن كان هو الضحية بل يبادر إلى ردع من يزيده عناءاً. الصحيح هو العمل على كل الجبهات والتركيز على الأسرع تأثيراً منها، وهو بلا شك استئصال العوامل الخارجية المساعدة على المرض، ثم الإلتفات إلى الطرق الطويلة المدى، كتحسين المستوى الأخلاقي والتعامل الإجتماعي واحترام القانون وتعود الديمقراطية وحرية الآخر..الخ.

 

المريض يمكن أن يشفى

نعم نحن أمام شعب مريض ومجتمع مريض بشكل خطير، لكن الفكرة الأساسية التي يجب ان نفهمها ونتذكرها أن "المريض يمكن أن يشفى" و "المريض من حقه أن يدافع عن نفسه" حتى وهو في مرضه، وإلا لحكم على كل مريض بالموت وكل شعب متأخر بالإنقراض وكل وطن محتل بالتحطم. كل الشعوب التي نراها اليوم صحيحة ومعافاة، كانت يوماً ما مريضة، وربما بشكل ميؤوس منه، فلا يوجد شعب كان طوال تاريخه قوياً ومنتصراً. السؤال هو كيف تمكن المريض من القيام، وما هي الخطوات في الإتجاه الصحيح، والتي لا يعجز المريض عن القيام بها؟ هذه هي مهمة المثقف وما ينتظره منه شعبه المريض، فهو يحتاج الرعاية أكثر من السليم.

 

هيلين كيلر

 لقد استمعت قبل فترة وجيزة إلى كتابين مقروءين لـ هيلين كيلر وهي تنقل لنا عالمها الغريب. وما أثار دهشتي البالغة، ليس فقط إنجاز ذلك الإنسان الذي فقد السمع والبصر وهو طفل صغير، وإنما من وقف معه وتمكن وفي القرن التاسع عشر، من تحويل هذا المعوق الميؤوس منه، إلى أديبة ومفكرة وموحية إنسانية هي هيلين كيلر. هل هناك أدعى لليأس من طفل لم يفقد بصره فقط، بل فقد معه سمعه أيضاً، وباتت أصابعه قناته الوحيدة حقاً للإتصال بالبشر؟ كيف يمكن حتى أن نتخيل أن نصل إلى هذا الإنسان في زنزانته المغلقة الشديدة الظلام، وألمغرقة في الصمت، لنوصل إليه ليس فقط صورة الحياة، بل ونتاج الإنسانية الأدبي والفلسفي والعلمي، إلى درجة ينجح فيها في النهاية في أن يقول كلمته ويدلو بدلوه! كيف نقارن أنفسنا ويأسنا، مع من وقف مع هذا الإنسان وقام بذلك الإنجاز الهائل؟ هكذا فعل والدي هيلين كيلر لها، وهي المعوقة حد اليأس، فكيف إذا كان طفلنا غير مصاب بأي عوق جسمي، وأنه قد أثبت يوماً أنه لا يقل قدرة على بناء الحضارات مثل أعظم الشعوب في العالم؟

 

صورة الأب ترشدنا

أن صورة الأب (أو الأم) والطفل ترشدنا إلى الكثير في كيف يجب التعامل مع شعبنا. وأهم شيء فيها أن الأب يرى نفسه في خدمة الطفل وليس الأب المنتفخ الذي يجب على الطفل تقديسه ويطالبه بالقيام بخدمته، كما يفعل المثقف العربي والعراقي غالباً. والنقطة الثانية أن الأب يحمل نفسه مسؤولية أي خلل يقع فيه الطفل، حتى لو كان الأخير معوقاً ومريضاً، لا ان يتسلى مع الآخرين بالسخرية من عوقه. فإن من واجب الأب أن يسعى قدر ما يستطيع لكي يواصل طفله الحياة باقل معاناة ممكنة، وأن يشتري له بأمواله التي هي أموال الطفل في النهاية، كل ما يساعده على أن يعيش حياةً مناسبة فيها من السعادة والقيمة الإنسانية أكبر قدر ممكن. لقد عاني هذا الشعب الويلات المتتالية، وفي كل مرة كان اعداءه يحصدون السنابل العالية من أبنائه المخلصين والواعين، فلا عجب أن ترك بيدره هزيلا "كعصف مأكول". إن أمامه معركة صعبة للبقاء على قيد الحياة وأياماً حالكة وتتكاثر المؤامرات عليه من كل جانب، وتنهال عليه الضربات من حيث لا يدري. دعونا لا نتركه يشعر باليتم أيضاً!

 

adnan oayeedفي المفهوم: إذا كانت الحداثة في أبسط صورها هي ميل من التفكير الذي يؤكد على سيادة العقل ودوره، وقوة الإرادة الإنسانية، والسعي نحو الحقيقة، من اجل تحسين المحيط الاجتماعي وإعادة تشكيله عبر المعرفة والتكنولوجيا والتجربة الإنسانية المتراكمة بما يخدم حرية الإنسان وعدالته ومساواته.

فإن ما بعد الحداثة تسعى لإضعاف الفكرة الايجابية عموماً عن العالم، وكل الافتراضات التي تدعمها، وذلك من خلال ما ظهر من أفكار مضادة لهذه الفكرة الايجابية عن العالم . فهي مثلا، - أي، ما بعد الحداثة - تعمل على هدم أفكار وقيم الحداثة ذاتها، ممثلة بالعدالة والمساواة والحرية .. الخ، حيث تبين أن أفكار الحداثة هذه بالنسبة لدعاة ما بعد الحداثة، بأنها أفكار ليست طبيعية بالنسبة لمحبي الإنسانية، أو هي ليست حقيقية بالنسبة للطبيعة الإنسانية، فهي برأي هؤلاء لا تعدوا أن تكون أكثر من مثاليات، أو أبنية ذهنية محض .

 

الظروف الموضوعية والذاتية المنتجة لما بعد الحداثة:

عموماً نقول: بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح من الصعوبة بمكان استمرار النظرة التفاؤلية تجاه المستقبل، وأن هناك الكثير من الأشياء السيئة حدثت أثناء الحربين العالميتين، والتي يأتي في مقدمتها ظهور الفاشية والنازية، وذاك الدمار الشامل الذي لم يعف أي شيء من ضرره على مستوى الساحة العالمية بشكل عام وعلى أوربا بشكل خاص، ثم ذاك التهديد الدائم للإنسان بأسلحة الدمار الشامل والسباق نحو التسلح الذي فرضته الحرب الباردة، كل ذلك أعطى انطباعا عاما لدى المتابعين آنذاك بأن المستقبل يبدوا مبهما ومشكوكا فيه أيضا .

بعد انتهاء الحرب الباردة، ومحاولة الرأسمال الاحتكاري العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التفرد بالقرار الاقتصادي والسياسي والثقافي العالمي، ومع سيطرة الرغبة العارمة لدى "كباتنة" هذا الرأسمال الاحتكاري في تجسيد ما يسمى بسياسة النظام العالمي الجديد، أو سياسة القطب الواحد، أو الليبرالية الجديدة، التي تعبر عملياً عن طموحات ومصالح هذه الطبقة الرأسمالية الاحتكارية العالمية، راحت هذه السياسة تعمل على إعادة صياغة أو هيكلة العالم وفقا لمصالح هذه الطبقة، مستغلة في ذلك القوة الاقتصادية الهائلة المتمثلة عملياً في الشركات المتعددة الجنسيات من جهة، ثم السيطرة السياسية على الهيئات والمنظمات الدولية الفاعلة من خلال الطبقات الحاكمة للدول العظمى التي يسيطر عليها مالكي الرأسمال الاحتكاري عبر النشاط الفاعل لهذه الشركات في هذه الدول العظمى من جهة ثانية، ويأتي على رأس هذه الهيئات والمنظمات الدولية، " مجلس الأمن " و"صندوقا النقد والبنك الدوليين" و"منظمة الغات" ... إلخ . وعلى اعتبار أن ما سنقوم بعرضه هنا لا يهدف في الأساس إلى تناول كل ما يتعلق بالنشاط الجوهري لهذا النظام الليبرالي الجديد ( الما بعد حداثوي)، لأن هذا سيتطلب منا الحديث عن الدولة، ومنظمة الغات، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والشركات المتعددة الجنسيات، وأساليب وطرق إعادة هيكلة العالم وفق رغبة ومصالح الطغمة الرأسمالية الاحتكارية التي راحت تقود العالم عبر الولايات المتحدة الأمريكية، وعن الأزمات الاقتصادية ونتائجها المدمرة على الاقتصاد العالمي ... الخ، وإنما يهدف إلى الإشارة في السياق العام له إلى طبيعة ثقافة وأخلاقيات هذا النظام السياسية والاقتصادية التي راح يعبر عنها في العديد من النظريات الفلسفية والفنية والأدبية والسوسيولوجية بما يمكننا تسميته إشكاليات ما بعد الحداثة .

نقول: إذا كانت الحداثة (في صيغها الاجتماعية والفكرية والسياسية) قد فجرتها تلك القوى الاجتماعية والفكرية المعبرة عن التحولات الرأسمالية الوليدة والتقدمية آنذاك، والتي كانت وراء إسقاط السلطة الاستبدادية للدولة والكنيسة في صيغها القروسطية الأوربية .. هذه الحداثة التي قامت كما أشرنا قبل قليل على المطالبة بتسييد العقل والمنطق والنزعة الإنسانية والدعوة إلى الانفتاح والتواصل مع كل ما يخدم الإنسان وتقدمه وعدالته وحريته والسمو به، فإن ما بعد الحداثة في صيغها الاجتماعية والفكرية والسياسية أيضا، قد فجرتها في الحقيقة الأجيال اللاحقة للقوى البرجوازية ذاتها التي تحولت إلى طبقة رأسمالية احتكارية راحت تفرض هيمنتها الاقتصادية ليس على أوربا فحسب، وإنما على الاقتصاد والسياسية في العالم، حيث دفعتها شهوة الثروة والسلطة إلى التحكم في رقاب الناس، وبالتالي السعي إلى إفراغ معظم الشعارات التي مثلها تيار الحداثة المرتبط بالبرجوازية التقدمية آنذاك من مضامينها، والعمل تحت ذريعة شعارات الحرية والديمقراطية وغيرها من الشعارات الشكلانية التي راح يسوِّق لها في مضمار عالمها الليبرالي الجديد، على نفي وتدمير وتجاوز كل ما هو إنساني، أو يدعوا إلى الرقي بالإنسان، والتمسك بما يساعد على تجسيد وتعميم ثقافة وأخلاقيات كل ما يعمل على تكريس مفاهيم الموت والدمار وعدم التواصل والتفكيك والتذرير، وغير ذلك من المفاهيم المنتمية إلى العبث واللامعقول  .

لاشك أن الإرهاصات الأولية لأفكار ما بعد الحداثة، أخذت تظهر على الساحة الفكرية والسياسية والثقافية مع انتهاء الحرب الكونية الأولى، وما خلفته هذه الحرب - إضافة إلى نتائج الحرب الكونية الثانية - من دمار على المستويات كافة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وبخاصة على مستوى أوروبا كما اشرنا في موقع سابق، هذه الأفكار التي أخذت تشير إلى حالات الضياع التي وضع فيها الإنسان الأوربي ذاته من قبل القوى المستفيدة من قيام تلك الحروب، وهي القوى الطبقية الرأسمالية الاحتكارية الأوربية والأمريكية التي تعارضت مصالحها الاقتصادية على غنائم العالم الثالث، وهو العالم ذاته الذي حولت هذه القوى ثرواته وأبناءه إلى وقود تؤجج فيه نار هذه الحروب ضد بعضها بعضاً كما هو معروف تاريخيا. 

أما أبرز مَن راح يدعو، أو ينظر إلى تلك الأفكار الـ " ما بعد حداثوية " لليبرالية الجديدة، ويعمل على إعادة هيكلة الفلسفة المثالية في صيغها المعاصرة، فهم على سبيل المثال لاالحصر، سارتر، في الوجودية، والبيركامو، في العبثية واللامعقول، وجاك ديدرا والفيلسوف روجيه غار ودي وخاصة في كتابه (نداء إلى الأحياء) في التفتيتية، وسلفادور دالي، (الداديّة) ممثلة بالمدرسة السريالية في الفن، وهناك في الفن أيضا المدرسة التكعيبية، وفي الأدب وعلم الاجتماع هناك البنيوية، والوضعية الحديثة، والدار ونية الاجتماعية، والفرويدية، والنيو فرويدية، والسيكولوجية، والبيسكولوجية وغيرها الكثير من النظريات التي لم يعد حتى بمقدور المتابع للحركة الثقافية والفكرية الركض وراءها والوقوف عند دلالاتها .

إن كل هذه الأفكار والنظريات التي جئنا عليها أعلاه، وغيرها الكثير، تشير في واقع أمرها إلى حالات الضياع الحقيقي التي وصل إليها الإنسان الأوربي، وكيف راح هذا الإنسان عبر مفكريه وفنانيه يعبر عن هذا الضياع ويرسم حلول خلاصه في رؤى وأفكار لاتنتمي إلى مشاكله ومعاناته وظروف واقعه الموضوعي والذاتي بصلة، بقدر ماهي حلول تقوم على تهويمات تنتمي إلى اللاشعور أو الغريزة أو إلى البعد النفسي، أو في المحصلة إلى كل ما هو مقتلَع من قاعه الاجتماعي والتاريخي والعقلاني .

بيد أن هذا الكشف أو التوضيح من قبلنا لتعبيرات ما بعد الحداثة المنتمية واقعيا وأيديولوجيا إلى مرحلة الليبرالية الجديدة، يدعونا إلى موقف الحياد تجاه هذه ( التعبيرات ) أو الرؤى والمواقف الفكرية الفلسفية والفنية الما بعد حداثوية على اعتبار أن قسما من هذه الرؤى والأفكار عندما طرحت لم يكن الهدف من طرحها زيادة ضياع الإنسان وتذريره وبالتالي تغريبه واستلابه بشكل مقصود أو مخطط له بشكل مسبق، بقدر ما كانت مواقف ترمي إلى تصوير واقع الإنسان في حالاته ضياعه تلك دون التركيز على البحث في أسباب ظهور هذه الحالات اللاعقلانية، في الوقت الذي نجد فيه من سخرته تماماً القوى الرأسمالية الاحتكارية للتنظير في هذا الاتجاه اللاعقلاني وبكل مستوياته السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية، والتسويق له، وخاصة على المستوى الإعلامي، بغية إبعاد الجمهور أو المواطنين عن معرفة الأسباب الحقيقية لضياعاتهم، لأن ما نشاهده يوميا على الساحة الإعلامية يؤكد لكل ذي بصيرة ما أشرنا إليه . 

 

إشكاليات ما بعد الحداثة:

1- سيادة نمط رأسمالية الدولة الاحتكارية بمؤسساتها على المستوى الاقتصادي ممثلة بـ (صندوق النقد الدولي – والبنك الدولي لللإعمار والتنمية – ومنظمة الجات ).

2- السعي لفرض أنموذج الديمقراطية الأمريكية على العالم، واستخدامها كوسيلة لفرض السيطرة الأمريكية .

3- تحطيم سلطة الدولة عموماً والدولة المركزية على وجه الخصوص، سعياً لإضعاف الدولة وجعلها هشة أمام اختراق الرأسمال الاحتكاري العالمي.

4- تحطيم الحوامل الاجتماعية الوطنية والعقلاني للدولة، والعمل على رفع قيمة ومكانة الحوامل الاجتماعية ذات المرجعيات التقليدية عشيرة، قبيلة، طائفة).

5- محاربة كل الأنظمة الوطنية التي تغار على شعوبها وتعمل على مصلحتها، والعمل بجد للحفاظ على الأنظمة الدكتاتورية في دول العالم الثالث، وتقديم كل الدعم السياسي والعسكري والمالي، خدمة لمصالح الرأسمال الاحتكاري العالمي في هذه الدول.

6- العمل على نشر ثقافة الاستهلاك عالمياً بكل مستوياتها الاقتصادية والثقافية والأخلاقية، بغية تذرير الإنسان ونمذجته كفرد منعزل عن محيطه الاجتماعي بكل مستوياته، وتفتيت لحمته الاجتماعية، وإعادة تشكيل وعيه بما يشتغل على تنمية غرائزه بدلأ من تنمية عقله وإرادته.

7- تسييد فكرة موت ونهاية كل شيء (الفن – الدين – القيم – الأخلاق – التاريخ .ز الخ) وبقاء الوهم واللامعقول .

الموقف النقدي لما بعد الحداثة:   

أما الموقف النقدي العقلاني تجاه رؤى وأفكار ما بعد الحداثة في صيغتها الليبرالية الجديدة، فهو موقف يرى أنها رؤى وأفكار كانت تعبر في حقيقة أمرها تعبيراً صادقاً عن وضعية الإنسان الأوربي بشكل خاص، وإنسان عالمنا الثالث أو النامي بشكل عام، بعد النتائج المدمرة للحربين العالميتين، والنمو الهائل للرأسمال المالي (الرأسمال المالي هو التحام الرأسمال المصرفي بالرأسمال الصناعي) الذي التحم بالدولة الرأسمالية وتحول بالضرورة إلى رأسمال احتكاري يمارس قوته وجبروته على الآخرين عبر هذه الدولة التي التحم بها وحولها إلى رأسمالية دولة احتكارية، راحت تعمل بدورها من خلال هذا الرأسمال وحوامله الاجتماعية المسيطرة على زمام السلطة في هذه الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى إعادة هيكلة العالم من خلال الشركات المتعدّية أو المتعددة الجنسيات خدمة لمصالحها الأنانية الضيقة، الأمر الذي أدى إلى أن تفقد الكثير من الدول والشعوب قدرتها على التوازن في محيطها الاجتماعي والسياسي والثقافي، وهكذا أصبح حال الفرد في هذه المجتمعات أيضا، فهو لم يعد قادراً على مسك زمام أمور نفسه. فالفرد والمجتمع فقدا معاً معظم المقومات الحقيقية القادرة على إعادة بناء الإنسان ومجتمعه بناء إنسانيا فاعلاً. فتحت ظل هذا النظام الليبرالي الجديد راحت تسود أفكار النهايات التي جاء على رأسها نهاية التاريخ، ونهاية الفن والأدب، ونهاية كل ما يعبر : إغلاق أبواب الخلاص والمستقبل معا أمام الإنسان، وإن وجد مستقبل وفق الرؤى الـ " ما بعد حداثوية " لليبرالية الجديدة، فهي رؤى تمثل في واقع أمرها موت الإنسان ودماره كأمر محتوم، وهذا ما عبَّر عنه " ميشال فوكو "، وجاك ديدرا، وهبرماس، وبشلار..وغيرهم "، فكل ما طرحه هؤلاء ومن يمثل تصوراتهم من أفكار، أخذ يشير في الحقيقة إلى الموت أو النهايات أو العبثية، فنهاية التاريخ " لفوكو ياما " تضمنت على سبيل المثال في سياقها العام الأفكار الأساسية لما بعد الحداثة وهي، موت الفن، موت النزعة الإنسانية، العدمية، عودة الميتافيزيقيا، التفكيكية، التشتت، اللا استمرارية، التذرير الاجتماعي والقومي..إلخ.

بهذه الرؤى التشاؤمية السوداوية.. بهذه النهايات، راح منظرو الليبرالية الجديدة يصورون للإنسان عالمه القائم دون أن يرسموا له مسارات جديدة لخلاصه من هذه النهايات التي يعرف معظمهم مَن أوصل الإنسان إليها، وكيف أُوصل إليها في هذا العالم، متناسين، أو متجاهلين بأن هذا الإنسان هو خليفة الله على هذه الأرض، وأنه في كل مرة تعرض فيها لمثل هذا القهر، خرج منتصراً على أعداء الإنسانية، لا لشيء إلا لكونه إنسانا يحمل دائما إرادة التغيير، مثلما يحمل عقلاً  قادراً على توجيه هذه الإرادة نحو الأهداف الإنسانية السامية .

 

كاتب وباحث من سورية

 

adnan oayeedفي أواخر النصف الثاني من القرن العشرين ظهرت أدلت بارزة تشير إلى فشل مشروع الحداثة، ثم أن ماسمي بالحداثة التقدمية في المرحلة ذاتها، أصبح مفعما بالشك حول قابلية استمرار فكرة التقدم. والحداثة المحافظة في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال يبدو أنها قد سقطت في الشكل - على الأقل - فريسة المملكة السياسية الخاضعة لتأثير الكنيسة، تحت ما يدعى الحق الديني، الذي أخذ بدوره في السنوات الأخيرة من هذه المرحلة يٌضعف في الحقيقة المؤسسات الدستورية لمعظم التجربة الأمريكية.

منذ أن كتبت، " زوزي كابليك "  " Suzi Gablik" كتابها "التجربة الشيوعية"، بدا وكأن الشيوعية قد أخذت على عاتقها أن تسقط في الاتحاد السوفيتي، وأن التطرف الديني بالنسبة لجميع الديانات الكبرى تقريبا المنتشرة في العالم راح يواجه الحداثة بشكل مباشر، فالمسيحيون المتطرفون الأمريكان، أخذوا يذكرون من جديد بأفكار " مارتن لوثر " "Martin Luther "، الحداثية التي تقول: (إن العقل هو العدو الأكبر الذي امتلكه الإيمان،، كما إنه يناضل ضد العالم، وضد الكلمة العليا، إنه يتعامل باحتقار مع كل ما يأتي من الله)، وذلك بغية محاصرة أفكار الحداثة، هذا في الوقت الذي راح فيه نمو أعداد ممن اعتقدوا بمشروع   الحداثة يتناقص، وبالتالي دفع هذا المشروع نحو الفشل، الأمر الذي أدى إلى طرح الكثير من الأسئلة ليس عن أسباب هذا التراجع أو الفشل في نمو معتقدي الحداثة فحسب، وإنما التراجع والفشل عن قبول أفكار الحركة الإنسية الأوربية أيضا . بل أصبح واضحا لمعظم من رضعوا من أفكار الحداثة والحركة الإنسية الأوربية، أن ما أخذوه أو أمنوا به من هذه أفكار راح  يصب في خانة العيب، والفساد، والظلم .

إن كل ما تم من أحداث الحاضر، (منذ الحرب الكونية الثانية حتى هذا التاريخ)، قد قدمت دليلا أكيدا على أن الحداثة قد أخذت  تنشط خارج ذاتها، أو خارج تاريخها، الأمر الذي جعلها الآن تتعثر وتفقد توجهاتها،  لذلك نقول:  إذا كانت الحداثة الآن هي في نهاياتها، فنحن نواجه مرحلة جديدة هي مرحلة ما بعد الحداثة.

عموما، إن تعريف ما بعد الحداثة قد استخدم في اتجاهات عدة، ومورس في أساليب عدة غير واضحة المعالم أيضا،  فبالنسبة لبعضهم اعتبرت الاتجاهات والأساليب هذه مضادة للحداثة، وللبعض الآخر عنت إعادة النظر في  المبنى العام للحداثة . ولكن ما يبدو لنا أن الموقف المضاد للحداثة يتبنى الرفض الكلي لعقائد الحداثة، حيث أن هذا الموقف المضاد جاء ليقول بضرورة رفض ما يسمى بالعقيدة والمذهب... سيادة العقل ... فكرة الحقيقة ... والاعتقاد باكتمال الرجولة ... الخ . وهذا الموقف الفكري  الذي استخدم من قبل البعض طُرح ليبن لنا أن الحداثة في حقيقة أمرها غير بناءة، وقد عرف هذا الموقف  بتيار (ما بعد الحداثة غير البناءة).

أما الفهم الآخر الذي جاء تاليا ليبحث في تعديل بناء أو هيكل الحداثة فقد أصبح يعرف  بتيار(ما بعد الحاثة البناءة) .

على أية حال، إن ما بعد الحداثة (غير البناءة) تسعى لإضعاف الفكرة الايجابية عن العالم وكل الافتراضات التي تدعمها، وذلك من خلال ما ظهر من أفكار مضادة لهذه الفكرة الايجابية عن العالم، فهي مثلا، أي، ما بعد الحداثة (غير البناءة)، تعمل على هدم أفكار وقيم الحداثة ذاتها، مثل العدالة والمساواة والحرية .. الخ،  حيث تبين أن أفكار الحداثة هذه، هي أفكار ليست طبيعية بالنسبة لمحبي الإنسانبة، أو هي ليست حقيقية بالنسبة للطبيعة الإنسانية، فهي برأي هؤلاء لا تعدوا أن تكون أكثر من مثاليات، أو أبنية ذهنية محض .

إن هذا الموقف ألتفكيكي أو ألتفريغي للرؤية الكونية المعاصرة الايجابية أو القريبة من الحداثة في منطلقها الايجابي، راح يتجلى هنا واضحا بكل تفاصيله وافتراضاته، الأمر الذي أدى إلى تزايد الأسئلة المطروحة حول من هو المسؤول فعلا عن هذه الأفكار الما بعد حداثوية غير البناءة،  وما هي دوافعها، وتخدم من في المحصلة؟ .

عموما، إن ما جئنا عليه أعلاه يشير إلى أن الحضارة أو الثقافة الحديثة  هي غربية في طبيعتها وتوجهاتها، وهي ثقافة أو حضارة رأسمالية، أهم ما يميزها ميولها الاقتصادية، وعنصرية طبقتها البرجوازية، وسيطرة رجلها الأبيض، إنها في المحصلة ثقافة ما بعد الحاثة (غير البناءة)، التي تبدو أنها مضادة للحداثة، وموقفها المضاد هذا يتجلى في  العمل على حصار وتحطيم العناصر الأساسية التي يعتقد أنها ضرورية لبناء الفكر العالمي المعاصر الايجابي، مثل "الله"  " النفس "الهدف" المعنى " العالم الحقيقي والحقيقة معا " .

إن المنطلقات الفكرية لما بعد الحاثة (غير البناءة)، تُرى من قبل البعض بأنها " عدمية "، حيث أن  (كل القيم عندها ليس لها أساس، ولا شيء قابل للمعرفة أو الترابط، وأن الحياة نفسها ليس لها معنى.).

إن ما بعد الحداثة (غير البناءة) لا تنتمي نظريا وعمليا إلى الحداثة، وهي تسعى إلى تعديل تركيبها ومفاهيمها أو بنائها بشكل عام، كما تعمل على إزالة كل الحدود المحيطة بالحداثة بغية إضعاف شرعيتها، وتدمير منطق وعقلانية الدولة الحديثة ذاتها. هذا في الوقت الذي تدعي فيه أنها تقدم نظاما جديدا للمواقف العلمية والأخلاقية والجمالية والدينية، كما تدعي أيضا بأنها لم ترفض العلم لكونه علم، وإنما هي ترفض ذاك التقدم العلمي فقط الذي يفرز أو ينتج معطيات أو معلومات عن العلم الحديث الطبيعي الذي يسمح في المساهمة ببناء رؤية العالم المعاصر كما تريده الحداثة .

أما تيار أو وجهة نظر (ما بعد الحداثة البناءة)، فهي ترغب في العودة إلى أفكار ما قبل الحداثة المتعلقة بحقيقة (الخلق الإلهي) لمعنى الكون والطبيعة الفاتنة . كما ترغب أن تتضمن  أيضا قبول الإدراك غير الحقيقي أو العقلاني للواقع ... إنها تبحث عن استرداد الحقائق والقيم من صيغ أخرى مختلفة عن تفكير وممارسة الحداثة  وما بعد الحداثة... هي تريد استبدال الحداثة التي تراها (هي) بأنها تهدد وجود الحياة على هذه الكرة الأرضية، بحداثة أخرى تلتقي في معطياتها مع  تفكير العصر الجديد. (أي التفكير الذي يسعى إلى نمذجة الإنسان وتحويله إلى ذرة ليس له لون أو طعم أو رائحة، إلا لون وطعم ورائحة ما تريديه وتخطط له الطبقة الرأسمالية الاحتكارية للإنسان – المترجم)   فوقوف الجنس البشري كما تدعي على مدخل العصر الجديد، يشير إلى حد بعيد إلى تفكير ما بعد الحداثة الجديدة الذي تبشر به  .

إن تيار أو مفهوم ما بعد الحداثة (البناءة) يتجنب عن قصد وإلى حد كبير من المراوغة رغبة الحداثي في تنظيم معطيات الواقع، أو ما يتعامل معه حياتيا في مجالات الأدب والفن والفلسفة، مثلما يتجنب التحديد، والحدود، والاحتجاز، لذلك فهو يتشارك مع اللا حقيقة، واللا أمان، والشك، وكل أوجه الغموض . في حين أن الحداثة في معطياتها  تنشد الإغلاق في الصيغة، والاهتمام في النتائج .. إنها- أي ما بعد الحداثة البناءة- تعمل على فتح وإلغاء الحدود، والاهتمام بالعملي والجذاب.

أما فنان ما بعد الحداثة فهو انعكاس لما يدركه أو تدركه نفسه، وهو عن عمد يشترك في عملية التفكير حول نفسه، كما يسرّع عملية وعي الذات  في أسلوب غير بناء، أو عبر ادعاءات مقنعة أصبحت مفهومة بناءً لوضعيته الثقافية.

ملاك القول : لقد نجحت الحداثة التقدمية في فترة ما بين الحربين عبر تقديم رؤية أفضل للمستقبل، وهي استمرت في مشاهدة أن الماضي والتقليد أشياء خانقة للحرية والتعبير. فالسرياليون بعد الحرب ظلوا متمسكين بالحداثة، معتقدين بأن فنهم استطاع التأثير في قدر الإنسان، لذلك هم يقرون بأنهم استطاعوا تغيير العالم.

بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح من الصعوبة بمكان استمرار النظرة التفاؤلية تجاه المستقبل، وأن هناك الكثير من الأشياء السيئة حدثت أثناء الحرب الباردة، أهمها التهديد الدائم بأسلحة الدمار الشامل، لذلك هذا ما أعطى انطباعا عاما لدى المتابعين آنذاك بأن المستقبل يبدوا مبهما ومشكوكا فيه أيضا .

أما الآن، فنجد أن العديد من الفنانين المعاصرين وبسبب المحن القائمة في مجتمعهم والبادية بكل وضوح للعيان، قد تحولوا في توجهاتهم الفكرية والعملية وراحوا يركزون انتباههم على الثقافة الشعبية المعاصرة، وهذه الثقافة على أية حال، كانت تعاني الاضطراب الكبير خلال الستينات من القرن العشرين بسبب تلك المحن، والدليل على ذلك ما ظهر من ظواهر اجتماعية تمثل ردود  فعل على مشاكل عصرهم  تمثلت في انتشار تيارات حقوق الإنسان، ومعارضة حرب فتنام، والانتشار الواسع للحركات النِسويَة، إضافة إلى التحول الكبير الذي مارسته ولم تزل تمارسه المعارضة ضد السياسات القائمة .

إن فناني الأغنية الشعبية (البوب) على سبيل المثال، استطاعوا رغم كل تلك المحن أن يبقوا ممثلين للوضع التقدمي في المجتمع ومساهمين في نقد الأفكار البرجوازية والأحلام الأمريكية .

ولكن يظل السؤال المطروح هو : ماذا يحدث في الواقع؟، بالرغم من أن الفن الحديث أو المعاصر لم يزل نفسه يتعرض للضربات من قبل الأفكار البرجوازية، يبدو أن هناك نوعا من الفن ألعدمي (الدادي) يود البعض تعريفه على أنه فن ما بعد الحداثة .

 

Modernism & Postmodernism

Christopher L. C. E. Witcombefont  by :

ترجمة :د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

zouhair khouildiمن المفارقة بمكان أن نتحدث عن المقدس في المجال الدنيوي ونبحث عن المطلق حيث النسبي ونرهق أنفسنا بالتعلق بالعلو والسمو حيث موطن التغير والفساد والدنس. والدليل على ذلك أن البشر في حياتهم اليومية ينهمكون في تحصيل ملذاتهم وخيراتهم الجزئية ويصرفون جهودهم ويقضون أوقاتهم في حصد مصالحهم وترتيب أعمالهم ولا يكترثون بالتأمل الكوني والنظر في الأبعاد العميقة والعناصر الأولى ولا ينتبهوا ولو لبعض اللحظات لقيمة الدين ودور المعطيات الغيبية في علاقاتهم الدنيوية وأهمية القداسة والإلهي في وجودهم الزمني ومصيرهم الأخروي. أليست مدينة السماء هي النموذج الذي يجب أن تشيد على منوالها مدينة الأرض؟ أليس الله هو نصير الفقراء والضعفاء؟ هل هناك محكمة أكثر عدلا ومساواة من محكمة الله وميزان الكون؟

يختلف المقدس عن المدنس أو الدنيوي وفي لغة الضاد نجده رديف لكلمة الحرام وهي الحد الذي لا يمكن اختراقه والسلوك الذي لا ينبغي للمرء أن يأتيه والشيء الذي يجب للبشر أن يعظموه. ويعد المقدس مقولة أساسية من مقولات الشعور الديني ويمكن أن يقترن بالفطرة الطبيعية ويشير الى شيء غامض وسري وطاقة عجيبة وقدرة إعجازية يتسلح بها الناس عند الضرورة القصوى.

كما يمثل المقدس مجال للخشوع والورع والتبرك من جهة وسبب للهالة والارتياب والتوجس من جهة أخرى ويدخل النفس البشرية في نوع من التمزق بين الاعتقاد والارتياب والثقة والرعب.

تضع الشعوب من خلال المقدس ثقافتها الانسانية في الدين وتجعل من الدين الالهي ظاهرة بشرية وتمنحه مكانة يتفوق بها على المقولات والقيم والمعايير ويند عن كل نقاش كلامي ومجادلة عقلية ويكشف المقدس أيضا عن تعبيرات ملتبسة تتردد بين الطهارة والرجس وبين القداسة والدناسة ويضع أمام الانسان مجموعة من الأحكام والحدود ويسن جملة من الأوامر والنواهي تمثل مناطق الصمت والمنع والحظر وتكون مهمتها ترشيد أفعاله لفعل الخير النافع والابتعاد عن الشر الضار وتوجه سلوكاته نحو المجال المبال والحلال وتبعده عن المجال الحرام والمحظور والمكروه. هكذا يوجد المقدس في القمة ويمارس قوة عجيبة وينظر اليه الانسان بإجلال من الأسفل الى الأعلى حيث النور والهواء ويمارس العلو سحره وهيبته على الكائن الذي يعيش في الأسفل حيث الضلال والتراب. أما عن أماكن تواجد المقدس والأشياء التي ترمز اليه فتضم الأحجار والمياه والنار والتراب والنباتات والأشجار والأنهار والبحار والجبال والنجوم والكواكب والحيوانات والكلمات والأزمنة والمعابد والكهان من رجال الدين وأدوات الصلاة والتعبد والتضرع والدعاء.

من جهة ثانية ينبع الايمان الديني من الاعجاب بالعلو والإحساس بالقداسة وشعور الانسان بعرضية وجوده وضعفه أمام عظمة الكون وتناسق عناصره ودقة تصميمه وتعاقب فصوله.

ان العودة الى الالهي مره حيرة الروح البشرية وهشاشة الجسم واكتساب الكائن الآدمي حزمة من التجارب نتيجة الكدح اليومي في سبيل المحافظة على البقاء ومراكمته مجموعة من الحقائق المعرفية بحكم الاعتبار في الكون وتشغيل آلة الذكاء الاصطناعي التي تميزه عن بقية المخلوقات. بناء على ذلك حاز الانسان منذ البدء على وعي بالذات الالهية وأدرك حتمية تعلقه بالمقدس والانشداد الى المغيبات بالرغم من كثافتها وطابعها الملغز وتجلي الدنيويات وطابعها المغري وأبصر تناهي حياته الخاصة ووجوده بين هلالي الولادة والوفاة وحصار الزمن وقسوة الواقع ولذلك قرر مواجهة الوضعيات الصعبة التي تشكله وقهر النقائص والثغرات والتغلب على الذات. لقد كان المقدس هو الملاذ القوي والحصن المنيع الذي أخفى فيه ضعفه أمام الفناء وخوفه من الطبيعة ولقد جعل من الآلهة عونا له أمام مساحة الجهل وقلة الحيلة التي تحد من قدراته ونفوذه.

لكن هل ينحدر المقدس من انفعال الخوف والجهل بالأسباب أم من انبعاث نور الأمل وضياء الرجاء؟ ومتى يتحول الوعي الديني الى نقد للخرافة وتنوير للايمان التقليدي وعقلنة للاعتقاد؟

هذا الاحساس بالتعالي من طرف الوجدان البشري يفضي الى غرس نبتة الايمان في فؤاده ويجعل القلب يطمئن والنفس تنعم بالسكينة لما تتعلق بالمقدس وتميزه عن الدنيوي والمدنس.

بيد أن الثورات التي حدث في ميدان الأديان التوحيدية وظهور علم الكلام والتيولوجيا وغزو المنطق والفلسفة وعلوم الانسان الى مخبر الدراسات الايمانية قد ساعد على التوجه نحو مقدس علماني ومكن الانسان من التغلب على الأسرار ومنى فهم بشكل نسبي الرموز والقصص والحكايات وساعد على تقريب الايمان من الحياة ووضع تجربة الدين على محك التثبت العلمي.

في نهاية المطاف يمكن الاقرار بأن المقدس لا يتجلى للمرء الى في صورة نور رفاف وطاقة حيوية وقيمة اعتبارية وأن الطريق الموصل اليه هو تلاقي الذاتية والموضوعية وانتباه العلمنة الى ضرورة احترام المطلق والتساؤل أمام العجيب واستمعان اللامتناهي والدهشة من الوجود. لكن لماذا يؤدي التعلق بالمقدس الى ممارسة العنف؟ ومتى تسكن الحرية البيت الانسي المقدس؟

 

كاتب فلسفي

 

adnan oayeedفي القرن ذاته، أي، الثامن عشر، (عصر التنوير) شاهد هذا العصر في الحقيقة نموا ثقافيا، آمن بالعقل مرشدا راقيا وأساسيا في شؤون المجتمع الإنساني، فمن خلال التعامل مع هذا العقل، أنجز التنوير، حيث أصبح الذهن التنويري محررا من القيود والخرافة والجهل، الأمر الذي جعل كل ما هو مثير ومدهش وإبداعي مفتوحا على المطلق في هذا العالم .

لقد كان التنوير حركة ثقافية، وكل الحوافز المباشرة أصبحت  بالنسبة له تدعى ثورة علمية، فمع نهاية القرن السابع عشر وبداية الثامن عشر، وجد رجال أمثال " غاليلو"  ( Galileo Galilei ) و " نيوتن" ( Isaac Newton) استطاعوا تطبيق العقل في دراسة الطبيعة، واكتشاف حقائق علمية رائعة أضافت عبر اكتشافها حقائق علمية أخرى جديدة متعددة . هذه الحقائق لم تكن في الواقع طافية بشكل واسع على سطح المعتقدات التقليدية السائدة آنذاك، وعلى وجه الخصوص عند أولئك الذين تمسكوا بالكنيسة وتعاليمها ورفضوا الاعتراف - على سبيل المثال - بأن الأرض تدور حول الشمس، وهو الأمر الذي أثبتت فيه الدراسات والتطبيقات العقلية صحة دورانها، وكان هذا الأمر يومها يعتبر إنجازا مدهشا بشكل هائل .

إن العقل المنفتح لمفكر القرن الثامن عشر، اعتقد من الناحية العلمية بأن كل شيء يمكن إخضاعه للعقل، وبخاصة التقاليد والعادات والتاريخ و الفن، وأكثر من هذا،  أن هناك شعورا بإمكانية تطبيق العقل في السياسة والعلاقات الاجتماعية، وذلك بغية تخفيف مشاكل المجتمع الإنساني السلبية  وتحسين أوضاعه السياسية والاجتماعية.  فمثل هذا النوع من التفكير حقق بشكل سريع زيادة في إمكانية خلق مجتمع جديد وفاضل أيضا .

لاشك أن الحقيقة التي ساهم العقل في اكتشافها، شجعت كثيرا آنذاك على تحرير الناس من قيود الجهل وفساد وظلم رجال الكنيسة الذين غالبا ما عملوا على التمسك بالبنية الفكرية القديمة والتقليدية التي لعبت دورا كبيرا في تكريس الجهل والتخلف والخرافة . فالإيمان بالحرية أصبح مركز اهتمام المجتمع الجديد، لذلك جاء التفكير العقلاني هنا ليقول: (إن الحقيقة ستجعلك حرا)، وعبر الحقيقة والحرية، سيكون العالم أفضل مكان لعيش الإنسان.

إن مفكري القرن الثامن عشر التقدميين اعتقدوا أيضا بأن الكثير من أبناء الجنس البشري قد تحسنت حياتهم مع  انتشار الفكر التنويري وبدأوا الوصول إلى الكثير من الحقائق التي غيبت قبل هذه الفترة . فمع امتلاك العقل والحقيقة لم يعد الفرد يرغب في أن يظل تحت رحمة رجال الكنيسة، ولا حتى السلطات الدنيوية التي فرضت قوانينها الوضعية وراحت أيضا تتحكم عبرها برقاب الناس . فمع الوصول إلى هذه الدرجة من التفكير الإنساني العقلاني يكون الاعتقاد بإنسانية الإنسان قد قطع شوطا كبيرا في مضمار المجتمع الإنساني، وبذلك يكون المشهد التنويري الذي قدمه القرن الثامن عشرقد اقترح معطيات أساسية لبناء عالم جديد للإنسان .

في عام / 1763 / قدم " روسو" ( Jean-Jacques Rousseau) ملامح مجتمع جديد كذلك للفرد عبر سؤاله عن طبيعة العقد الاجتماعي، فعبر إجابته عن هذا السؤال وضح (روسو) المعنى الحقيقي للمساواة بين الناس .

إن مثل هذه الإجابات عن الحرية والمساواة الاجتماعية، لم تطرح على المستوى النظري في كتب مفكري القرن الثامن عشر فحسب، بل راحت تتجسد هذه الأفكار أيضا في تجربتين تاريخيتين على المستوى العملي العالمي، وقد حققتا انتصارا تاريخيا للمجتمع الإنساني.

التجربة الأولى: في أمريكا، التي تعهدت عبر الأفكار الجديدة الواردة في بيان الاستقلال على العمل من أجل تأسيس مجتمع حديث للولايات المتحدة .  حيث مثل هذا البيان الفكرة التنويرية التي تقول: (نحن نتمسك بهذه الحقائق كي تكون بديهة)، وهي الفكرة التي استندت بدورها إلى فكرة أخرى تقول: (إن كل الناس خلقوا متساوين)، فدلالات هذه العبارة تعكس بوضوح ذاك الاهتمام بسعادة ورفاه الإنسان في هذه الحياة، وهي تشكل ردا على الرؤية الكنسيّة التي تقول إن سعادة الإنسان تكون ما بعد الحياة، هذه هي فكرة الحرية بشكل أساس...الحرية التي أعلنت أن حقوق الإنسان غير قابلة للمساومة .

التجربة الثانية: هي الثورة الفرنسية، ففي عام / 1789 / حاولت فرنسا عبر ثورتها الدموية أن تخلق مجتمعا جديدا من قبل الرجال الثوريين الذين قادوا هذه الثورة، وقد احتشدوا يومها يصرخون منادين بالحرية والعدالة والمساواة.  ومن الضرورة بمكان أن نشير هنا إلى محاولة ثالثة تمثلت في ثورتها رؤى وأفكار التنوير مع بداية القرن العشرين، هي الثورة الروسية عام / 1905 / .

ثلاث محاولات ثورية رئيسة حاولت العمل على بناء مجتمع جديد تسوده العدالة والمساواة وفقا لرؤى ومبادئ التنوير، إلا أنها فشلت في تحقيق ما هدفت إليه في مجال التطبيق العملي، وهذه تعتبر في الحقيقة من مثاليات التنوير الذي أسس نظريا للحداثة عبر العديد من مستوياتها الفنية والسياسية والاجتماعية، وكذلك لحواملها الاجتماعية. لذلك من هنا ظل الهدف المربك للحداثة عبر كل مستوياتها هو دعوتها لإنتاج مجتمع أفضل لم يتحقق بعد، مثلما ظل السؤال المشروع يطرح نفسه علينا أيضا هو: ما هي الوسائل التي يستطيع التنوير بها تحقيق هذه الهدف؟.

من خلال ما جئنا عليه توضحت لنا معظم هذه المعطيات المتعلقة بمعتقدات القرن الثامن عشر التنويرية، والتي على ما يبدوا أنها تهدف إلى تنوير العقل الذي يساعد بدوره على كشف الحقيقة، فالتنوير والحقيقة كلاهما وفق التنوير نتاج آلية عمل العقل والتقدم الذين تحققا في سياق البحث عن المعرفة أولا، إضافة إلى دور التعليم الذي ساعد على تحقيق المعرفة الفردية ووسائل كشفها ثانيا .

إن التطهر من الأفكار التقليدية المتحجرة للكنيسة، ومن الآيديولوجيا السياسية الجامدة، يتحقق وفق إيمان التنوير بالانفتاح على العقل والتعليم، اللذين أوصلانا إلى الحقيقة أو علمانا كيف نصل إليها، إن التعلم نوّرنا، وجعل منا مجتمعا إنسانيا متقدما، والشعب المتعلم والمتنور سيتمكن حتما من صياغة قواعد مجتمعه الجديد المناسبة لقيمة الإنسان وإبداعاته .

إن مثل هذا الفهم الراقي عن التعليم ودوره في تقدم المجتمع، واعتباره أحد أسس التنوير، بقي أيضا أساس التفكير الحداثي الغربي وقوة مفكري عصر التنوير، الذين يمثلهم هنا على سبيل المثال "توماس جفرسون" ( Thomas Jefferson) الذي كان شغوفا في متابعة المعرفة، ومدققا وباحثا عن الحقيقة عبرها، ومخضعا كل ما تعلمه للتحليل العقلي.

إن (جفرسون) لم يكن مدركا لثقافة التنوير فحسب، بل عمل وبنشاط أيضا لترويجها بين صفوف المجتمع، لقد آمن (جفرسون) بأن البحث عن الحقيقة يجب أن يكون بعيدا عن التحيز، كما أكد على التمسك بموقف التنوير من الفكر الكنسي التقليدي، لذلك هو لم يدخل أفكار الكنيسة الضيقة في نطاق عمله الفكري، حيث شعر بضرورة إقصائها وعزلها ليس عن الدولة فحسب، بل وعن التعليم أيضا .

لقد كان (جفرسون) شأنه شأن العديد من مفكري عصر التنوير، الذين شقوا طريقا واضحا للفن بوجه عام وفن العمارة على وجه الخصوص، فكلا الفنيين استطاعا تقديم خدمات جليلة في مضمار العملية التعليمية التنويرية عبر تقديم أمثلة كثيرة عن خصائص هذه العملية والقيم المرتبطة بها لما لها من أهمية وضرورة في قيادة العقل التنويري.

يبدو أن ما تبقى من مثاليات في بنية المجتمع الأوربي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، هي نماذج كانت تعود لعالم الإغريق والرومان القديم، (أثينا – بريكليز)، وكذلك للفترة (الجمهورية) في روما، وللتذكير لقد قدمت هذه النماذج المثالية المتبقية، أمثلة جميلة عن مبادئ الديمقراطية في الحكم، وعن أعمال البطولة والفضيلة والتضحية بالنفس وتكريس المدنية في حياة الناس وتصرفاتهم الوطنية.

بيد أن مسألة الصراع ما بين القديم والحديث تركت اعتقادا سائدا عند بعض المفكرين يقر بأن العالم القديم قد أنجز نوعا من الكمال للمجتمع الإنساني، وأن المثالية في الكثير من رؤاها جاءت في فهمها قريبة من فهم التنوير للحقيقة . فهذا "جان وينكيلمن (JohannWinckelmann) على سبيل المثال لاالحصر، كان مقتنعا بأن الفن (الإغريقي) كان كاملا بمعظمه، وقد وجه الفنانين ليتمثلوا (Apollo Belvedere) .

Apollo Belvedere

 

Roots of Modernism

Christopher L. C. E. Witcombe by .

ترجمة: عدنان عويّد

 

adnan oayeedحتى وقت قريب، استخدمت كلمة (حديث) للإشارة بشكل عام إلى المعاصرة، علما أن كل الفنون الحديثة تعتبر حديثة بدءا من الوقت الذي تنجز فيه .

في عام / 1437/ ميلادي، وضح " سنيون سينيني" (CenninoCennini) أن الفنان "جويوتو" (Giotto) قد أنجز في ذلك الوقت لوحات رسم حديثة. كما أشار أيضا "جيورجيو فاساري"  (Giorgio Vasari) في كتاباته،  في القرن السادس عشر، أن الفن في حقيقة أمره هو فن حديث .

أما إذا رغبنا في تحديد الفترة التاريخية التي راحت تنتج فيها الحداثة أو ما سمّي بالفن الحديث، فيمكن تحديدها تقريبا ما بين (1860 و1970/ ميلادي، فهذه هي الفترة التي استخدم فيها بدقة الفن الحديث، و راح الناس يتحدثون فيها أو يكتبون أيضا عن هذا الفن بشكل ملفت للنظر.

هذا وقد استخدم تعريف الحداثة أيضا ليشير إلى فترة إنتاج الفن، و يمكن القول أيضا الإشارة إلى الفترة ذاتها التي راح يشار فيها إلى فلسفة الفن الحديث .

في كتابها الذي يحمل عنوان (جذور الحداثة)، تطرح "سوزي كابليك" (Suzi Gablik ) أسئلة عدّة عن الحداثة مثل: هل فشلت الحداثة؟.. هل هي تعني ببساطة فشل الإحساس بقدوم النهاية؟.. أو هي تعني أيضا أن الحداثة قد فشلت في تحقيق أي انجاز؟.

إن الإجابة على هذه الأسئلة تقول: إن الحداثة امتلكت أهدافا، بيد أنها فشلت في تحقيقها، ولكن يظل السؤال المطروح هنا هو: ما هي هذه الأهداف؟ .

لأسباب ستكون واضحة فيما بعد، فإن سؤال الحداثة قد صيغ إلى حد كبير في تعاريف يغلب عليها الطابع المدرسي، وربما قلة الاهتمام أيضا، وأن مؤرخي الفن عندما  تحدثوا عن الفن الحديث في الفترة الماضية كهم أساس وبصورة جوهرية، فهم غالبا ما تحدثوا مثلا عن اللون، والمستوى الفني، وهذا انسجم بشكل عام مع "ادوار منيت" (Édouard Manet )، وهو أول رسام حداثي، حيث أن صفة الفن الحداثي قد انطبقت في الحقيقة على لوحاته التي رسمها عام / 1860/، مثل لوحته المسماه (Le Déjeuner sur l'herbe.) التي شقت طريقها في فترة ما سمي بالحداثة .

بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا هذه اللوحة بالذات؟، والجواب المنطقي على هذا التساؤل هو: كون هذه اللوحة تعتبر في دلالاتها أهم كشف موضوعي لما سمي بالفن الحديث، وقيم الرسم الحديث، والعلاقات المكانية الحديثة،غير أن هناك أسئلة كثيرة أخرى تكمن وراء هذا السؤال مثل: لماذا "ما نت"، (Manet) كان الممثل لموضوع  للحداثة، وقيم الرسم الحديث، والعلاقات المكانية الحديثة؟.هل لكونه أنتج الرسوم الحديثة؟، ولكن لماذا هو أنتج مثل هذا الرسوم؟ .

عندما عرضت لوحته (Le Déjeuner sur l'herbe.) في صالون العرض  ((des Refusés، عام 1863، فالكثير من المشاهدين قد اشمأز من هذه اللوحة الفاضحة، وعندما عرضت لوحته الثانية بعد فترة (Olympia ) كان الناس في الحقيقة أكثر اشمئزازا وقلقا، لذلك يظل السؤال مطروحا وهو: لماذا تلك اللوحات الزيتية التي عرضها ( Manet) قد سببت مثل هذه الصدمة للعديد من الناس المشاهدين لها آنذاك؟ . (أعتقد لكونها قد جسدت مواضيع العري الجسدي، وهذه لاتتناسب مع القيم الأخلاقية التي كانت سائدة في ذلك العصر بالنسبة لأوربا – المترجم) .

إن إمكانية الإجابة على أسئلة الحداثة في سياقاتها الواسعة، تستطيع أن تكشف جوهر فلسفة الحداثة، وغاياتها، وأهدافها، كما ستكشف أيضا البعد الأخر لوجهة نظر الفن، ومعرفة العالم الحديث .

إن جذور الحداثة قد امتدت في التاريخ الأوربي لفترات زمنية هي أعمق بكثير من منتصف القرن التاسع عشر، فبالنسبة للمؤرخين، ولكن ليس (مؤرخو الفن)، إن فترة التحديث تعود في الواقع إلى عصر النهضة الأوربية، وكذلك النقاشات التي دارت حولها ربما تعود إرهاصاتها الأولية ببساطة إلى الفترة ذاتها. فعندما ننظر في معطيات (الحركة الأنسية) التي اعتبرت الإنسان مقياس كل شيء، في هذا المجتمع (الدنيوي المدني)، نجد أن بدايات هذه الحركة الأنسية كانت مع يوتوبيا "توماس مور"  (Sir Thomas More ) عام 1516  ميلادي.  وعندما ننظر في أحداث الماضي نستطيع وبكل ثقة أن نميز في (الحركة الأنسية) لعصر النهضة  تعابير لدلالات الحداثة، وبأن المجتمع الإنساني يستطيع  التعلم ليفهم الطبيعة وقوة تأثيرها على الإنسان، وكذلك يفهم طبيعة آلية عمل الكون، ومقومات تشكيل حياتنا وأقدارنا الشخصية ومستقبل العالم.

إن التفكير الحداثي الذي راح يتشكل عبر عصر النهضة، بدأ يأخذ شكله كأنموذج له مكانته الواسعة في القرن الثامن عشر، وربما هذا التفكير خلق في بداية الأمر ذلك الصراع الذي دار ما بين القديم والحديث، أو ما يمكن تسميته بالصراع مابين (الأصالة والمعاصرة)،هذا الصراع الذي سيطر أيضا على حياة أوربا الثقافية خلال القرن الثامن عشر، والذي كانت النقطة الأساسية فيه (بالنسبة للذين عاشوا القرن الثامن عشر)، تدور حول طبيعة التساؤل التالي: هل الحداثة (آنذاك) أخلاقية وأرقى فنيا بما هي عليه عند الرومان والإغريق قديما؟. فالنقاشات حول هذا الموضوع قدمت فصلا هاما بين الاتجاهين، حيث أصبح هذا الفصل الأساس لسؤال الحداثة، كما أنه عبر هذه النقاشات الدائرة حول هذا التقسيم أو الفصل بين القديم والحديث دفع القوى التقليدية كي تدعم التوجهات الدائرة في هذا النقاش والمؤيدة لما هو قديم، بينما كانت القوى الأكثر حداثة تدعم كل ما هو حديث.

 

Roots of Modernism

Christopher L. C. E. Witcombe by .

ترجمة: عدنان عويّد

 

bashir omariليس أكثر ما يفاقم من أزمة استيعاب شروط العصر في الوعي المشتغلين في الحقل السياسي الاسلامي، من سؤال حدود السلطة التي يرنو إليها حلمهم في اقاصي مدياته، ذلك لأن سعيهم للانبساط في حقول الاجتماع يكاد يكون شموليا ويمتد عموديا وأفقيا، بيد أن التجربة الأخوانية الأخيرة وما تداعى عنها من هزات وأحداث أعادت إلى الواجهة السؤال المقلق والمتعلق بمدى موضوعية هاته الحركات على مستويي الحراك والخطاب كما وأعاد بعث حتمية البحث في كل المفاهيم النظرية والإجرائية التي تحملها تلك الحركات وبشكل أحس وأخص مفهوم الاصلاح آلية إعادة انتاج الخطاب الايديولوجي وعنوان مرجعي مقدس سعت تلكم الفصائل إلى تأصيله والتأسيس من خلاله لصرح مشروعها المجتمعي الذي لم يفلح في استيعاب التاريخ فيما ظهر من الاخفاقات الأسلاموية الاخيرة.

 

ارتباط مفهوم الاصلاح بالمسائل الاعتقادية

وبغض النظر عن التلبسات والملابسات التي حاقت بمفهوم الاصلاح وتداخله الاجرائي مع مفهوم التغيير والتجديد في الخطاب الديني والفكري الاسلاميين، فأن الثابت في التاريخ الاسلامي أن هذا المفهوم ارتبط في كثرا مراحل المجتمع الاسلامي بالمسائل الاعتقادية وما صاحبها من ممارسات طقوسية للدين، كان ينظر إليها من جانب حملة مشاريع الاصلاح على أنها تشكل انحرافا عن حقيقة التوحيد وهو بذلك كان يمثل جهاز ضبط ايديولوجي يعيد انتاج المعنى وفرضه على المجتمع ويتلافى في مقابل ذلك الابعاد الدنيوية ذات الارتباط بسلوكات الساسة ولا سيما منها السلطة، بل إن بعض أهل السلط والسياسة تحالفوا مع حملة الاصلاح وتوافقوا على تقاسم الادوار في المجتمع وخير من جسد ذلك النظام السعودي المستند على فكرة الاصلاح الوهابي التي ظهرت في شبه الجزيرة العربية.

 

انحصاره على المستويات الشعبية

وبهذا يتضح جليا أن حركات الاصلاح في العالم الاسلامي كانت تستهدف تحديدا الوسط الشعبي دون سواه من الفاعلين الاجتماعيين، وهو ما جعل العديد من اسئلة تطرح حول القيمة التاريخية لمشاريع الاصلاح تلك وجدواها في ظل انحصارها في الوسط الشعبي وعدم قدرتها على الامتداد والتمدد إلى مستويات النخب بشتى صُعدها الفكرية والثقافية والسياسية، بل إن حركات الاصلاح الاسلامي الحديثة وجدت نفسها في لحظة انبثاقها مع ظهور معالم الوجود القطري وإرهاصات الدولة الوطنية في مواجهة مشاريع اصلاحية لنخب تشتغل خارج دائرة الموروث الديني، أكثر من ذلك وجدت نفسها مستهدفة بالمشروع الاصلاحي لتلكم النخب استئصالا في بعض الأزمنة والأمصار وتحجيما وتقزيما في أحسن الأحوال.

 

انحسار المفهوم أمام المد التطوري للحالة المجتمعية

بروز الحالة والحلة المدنية بكل تشعباتها في الواقع العربي كظاهرة متداعية عن حقب التعايش الاستعماري مع الآخر، شكل منعطفا حاسما في بدائلية المشروع الاصلاحي الاسلامي الذي ازداد انحساره في المفهومية والتطبيق وخلت مضامينه من موضوعية وشرطية العصر إلا ما خلا من البعد الاخلاقي، حيث تمحور الخطاب الاصلاحي بشكل يكاد يكون كلي حول هذا البعد الانتقادي غير التأسيسي، في وقت اتسعت فيه نطاقات اشتغال كبرى مطارحات الفكر العلماني بكل تلاوينه وألوان الطيف فيه، من هنا برزت الاجتهادات الاصلاحية داخل حركات الاصلاح نفسها وهي الاجتهادات التي حفلت بصدامات نصية فقهية في الغالب الأعم، تأكد من خلالها العمق التاريخي لأزمة الانبعاث الاسلامي مشروعا وتطبيقا. 

 

الاصلاح وأدوات الدولة

لم تمنع صدامية الداخل فيما بين فصائل حركات الاصلاح الاسلامي، من النظر إلى افق بعيد وابعد من تجاوز راهنية أزمة المشروع التي حالت دون استيعاب فكر الدولة والمجتمع الحديثين اللذين افرزتهما الظاهرة الاستعمارية، إذ سعت العديد من الحركات إلى السيطرة على الدولة عبر كامل السبل المتاحة، سياسيا وقانونيا وعنفيا حتى، تروم تجسيد الاصلاح وفق المقولة المرجعية (لا يصلح لآخر هاته الأمة إلا بما صلح به أولها) معتمدة في ذلك على المد الشعبي المتأتي لها من خلال النشاط الدعوي والاجتماعي البسيط، ظانة وهي الواهمة أن ذلك هو السبيل لاستيعاب ظاهرة الدولة بكل تعقيدات ميكانيزمات اشتغالها، وابرز من جسد هذا الوهم كان الاخوان المسلمون في مصر.

 

المشروع الإصلاحي  أو كيف قتل الوهمُ الحلمَ

وهم حيازة المشروع الاصلاحي والحسم الذاتي في جاهزيته لكل زمان ومكان، وذلك ربطا بالمرجعية الروحية للحركة كان أكبر عقبة صارعة للحلم الاصلاحي الاسلامي، وهو ما أعاق سبل تطور الفكر السياسي في نظريته وتطبيقاته، في استراتيجياته وتكتيكاته لدى الاصلاحيين الاسلاميين على مر العصور، لأن المسعى الاصلاحي كان دوما غير تأسيسي بل ارتكاسي للخلف بسبب قلق الهوية ونقاوة الخصوصية العقدية وهو ما حال دون بلوغ الاصلاحيين الاسلاميين الفكر ائتلافي وهو الذي يعتبر اليوم الظاهرة الفارقة في السياسة التي تدير دواليب الدولة الحديثة واسقط بالتالي حلم المشروع بشكل دراماتيكي بعد إذ استحال إلى وهم كبير ترفضه شرطية العصر وموضوعية التاريخ قبل أي رفض من قوى المعارضة السياسية والاعتراض الفكري الأخرى. 

 

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

 

adnan oayeedلا بد لنا هنا من العودة إلى الوراء، إلى "فولتير" وحلفائه في فرنسا  الذين ناضلوا من أجل تسييد الحرية والتسامح في الحضارة الإنسانية من أجل مواجهة الحصنين التوأمين الكنيسة والدولة الذين عارضا في الغالب أي شيء يقف ضد مصالحهما، حيث أن معارضة النظام الملكي بشكل خاص، ومكشوف اعتبرت أمرا قاتلا، بينما كانت معارضة الكنيسة تعتبر هدفا أقل خطورة، لذلك نجد أن البروتستانتية المعارضة للكنيسة الرسمية على سبيل المثال استطاعت أن تجعل من الدين خلافا عائليا، وفولتير استطاع بمهاراته أن يستشهد بتعاليم دينية من كنسية ضد أخرى لخلق حالات من الجدل والصراع بين الكنائس وإضعافها، وبالتالي إضعاف مصداقيتها. لقد كرس فولتير جهدا عظيما من وقته في مهاجمة قواعد المعتقدات الكنسية، وبخاصة في بنية المعتقدات التي تقول إن الكتاب المقدس مصدر الهام، وأن الله قد تجسد في السيد المسيح، وكذلك تكفير أو إدانة غير المؤمنين. لاشك أن فولتير قد استساغ هذه المعركة مع الكنيسة إرضاء لذاته، بيد أنه لم يفقد أبدا رؤية هدفه المركزي، فسقوط قوة الكنيسة سيزيد بالضرورة من مساحة الحرية في أوربا .

لقد انظم فولتير إلى عصبة المفكرين المتمردين أو الثائرين الذين عرفوا كفلاسفة، أمثال: (Charles de Montesquieu، Pierre Bayle، Jean d'Alembert،  ). (جين،بيرر بايل، كارل سدي مونتيسكيو)، والعديد ممن هم أقل شهرة من هؤلاء .

تراث التنوير :

غالبا ما يرى التنوير في هذه الأيام  كشذوذ تاريخي، أو لحضه تاريخية مختصرة عند عدد من المفكرين الذين فُتنوا بالعقل، وافترضوا دون جدوى بأن المجتمع الكامل يُفضل أن يبنى على إحساس مشترك وتسامح، وأن كل هذا الخيال انهار وسط رعب الثورة الفرنسية والانتصار الساحق للرومانتيكية، فالمفكرون المتدينون كانوا يدّعون وبكثير من الشك أن التنوير قد مات، والماركسيون انتقدوا التنوير بسبب ارتقاء أفكار وقوة البرجوازية على حساب الطبقات العاملة،  وناقدو الاستعمار رفضوا مثالية التنوير، وعلى وجه التحديد اعتبار الأفكار الأوربية كحقائق كونية .

حتى هذا التاريخ وفي اتجاهات عدّة لايعتبر التنوير نشطا عند البعض، فأفكار حقوق الإنسان تقدمت كثيرا وأصبحت ذات تأثير وجاذبية قوية على  الكثير من الناس الذين لم يزالوا ينشدون فكرة الحق الطبيعي في أماكن عدة من العالم، علما أن أفكار الحق الطبيعي هي ذاتها التي أثارت فولتير وجفرسون !، ثم أين ما تنظر تجد الصراعات الدينية،  ولم يزل التسامح الديني يُطرح كحل، أما  أفكار روسو عن القانون الطبيعي نفسه فقد ظلت أفكارا عامة جدا لأن أسوء المستبدين قد أخفى استبداده بادعائه أن ما يقوم به من ممارسات استبدادية هي لمصلحة الشعب، أما  الأوربيون فقد راحوا يعتبرون أفكارهم  ذات بعد عالمي وليس لها حدود، ومن خلال هذه الأفكار ظهرت المركزية الأوربية وسيطرت الدولة الحديثة  .

على العموم، إذا كان عالمنا قد اقترب قليلا من الكمال مقارنة عما كانت عليه فرنسا في القرن الثامن عشر، فهذا ناتج جزئيا عن فشلنا في تقدير أرباحنا التي سلمنا أنها حقيقية .

في الحقيقة، إن فولتير لم يكن متفائلا سطحيا، بل هو طوباويا مرتابا، وإذا نحن اعترفنا بتأثيره أو لم نعترف، سنبقى نفكر اليوم بمنهجه وأسلوبه أكثر من أي منهج وأسلوب آخر من أساليب ومناهج أعدائه، وعندما نذهب عبر معظم أعماله المؤثرة، فقاموس الفلسفة سيبحث عن ممرات كثيرة ستساعد على وضع خلفية لنماذج من التفكير الجديد، كما يبحث أيضا عن ممرات سوف تبدوا نوعا من التحدي، غالبا ما تجلت في نماذج من الجدالات التي استمرت حتى يومنا هذا .

 

The Enlightenment

Created by Paul Brains

ترجمة : د.عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

 

hamoda ismaeli(إن الحرية الدينية تكاد لا تمارس إلا حيث توجد اللامبالاة الدينية التي تنبذ ازعاج سلامها بالمنازعات اللاهوتية)

¤ جون ستوارت ميل

 

يُعتبر عيسى (المسيح) ومحمد من أبرز الشخصيات الدينية التي كان لها تأثير طاغي على الوعي الجمعي والفكر التاريخي الحديث. ونظرا لتباعد التواجد الزمني بينهما ـ بأقدمية المسيح ـ فإن تأثير عيسى تجاوز تأثير محمد على مستوى العالم (ساعدت كذلك في هذا الأمر رحلات التبشير الأوروبية). ورغم غلبة المسيحية بالتوسع، فإن انتشار (كلا) أفكارهما كدين/عقيدة أو حتى كفلسفة لقيا قبولا واسعا من الكثيرين، باعتبار أنهما رسالتان من السماء.

ونجد الأنبياء بالوعي الاجتماعي، يُنظَر لهم كإخوة لهم إيمان واحد لكنّهم يُعبّرون عنه بلغات/رؤى مختلفة. هذه النقطة كمفهوم، يعتمدها فقط أتباع الديانة اللاحقة (التي تؤكد رسالة الديانة التي قبلها وتعتبر نفسها مكمّلة لها)، غير أن الديانة السابقة تتبرأ من الديانة اللاحقة باعتبارها مجرد دجل. ففي الدين الإبراهيمي (الأكثر تأثيرا وانتشارا) نرى اليهودية لاتعترف بالمسيحية كديانة (التي تؤكد اليهودية وتكمّل رسالتها)، ونرى المسيحية كذلك غير معترفة بالإسلام (الذي يؤكدها كديانة ويكمّل من جهته كافة الرسالات السماوية كتصوّر بأنه آخر الأديان). غير أن الإسلام سيتخد موقف نفي لهذا الأمر، وهو عدم اعتراف المسيحية به كدين رسمي منزّل ومكمّل، ليبرهن على العكس في الآية 6 من سورة الصف : "وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ".

غير أن للمسيح قولا آخر في الأمر، فنجده في إنجيل متى يحذّر أتباعه بالإصحاح 24 ويقول لهم : "11 وَيَقُومُ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ". لكننا لاننفي أنه كان يتحدث عن المتقمصين لشخصيته بالمستقبل (المسيح الدجال)، غير أن في النص إشارة إلى أن نهاية العالم ستلحق المسيحية مباشرة كآخر ديانة، لأنه لم يتنبأ بمجيء أحد (كممثل للإله) ماعدى عودته (هو) كإشارة لفناء العالم. وبهذا يشدد على عدم تصديق أو اتّباع أي مسيح يظهر من بعده ـ والمسيح بنظر الديانة هو روح الرب وكلمته ـ ومنه فإن أي مسيح (كلمة الرب) سيظهر بعده فهو غير معترف به، كما نقرأ في تأكيده (نفس الإصحاح) : "انْظُرُوا! لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ. 5فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: أَنَا ھُوَ الْمَسِيحُ! وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ.. 23 حِينَئِذٍ إِنْ قَالَ لَكُمْ أَحَدٌ: ھُوَذَا الْمَسِيحُ ھُنَا! أَوْ: ھُنَاكَ! فَلاَ تُصَدِّقُوا. 24 لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا".

ومن المعلوم أن الأناجيل كُتبت بقرون بعد صلب المسيح، غير أن كُتّاب الأناجيل لم يكن ليهتموا أو يدركوا أن التاريخ سيستمر وسيظهر أنبياء ورسل آخرين (مُكمّلة لرسالته) ـ حتى يدرجوا هذا الأمر عمدا ! ـ فكل اهتمامهم كان منصبا على االدّجلة (المتقمصين لشخصية المسيح)، فالمسيحية (ربما) لم تكن لها رؤية ممتدة لذاك الحدّ ! ـ ظهور نبي يصدق برسالة يسوع ويكمّلها ـ .

يمكن أن نعتبر (على حد قول الكثيرين) أن الكثير من الأناجيل تمت مصادرتها وإتلاف بعضها، غير أن الديانة كمؤسسة تعتمد الأناجيل الرسمية، وبالتالي فإنها اعتمادا على كتبها المقدسة تنفي الديانة اللاحقة. كما تنفي اليهودية ديانة المسيح الذي تراه كدجال، فالمسيح بمفهومها شخصية يهودية من نسب يهودي إنساني (أم وأب) لم يأتي بعد وهو الذي سيردّ لليهودية اعتبارها ويبرز تفوقها الأديولوجي على باقي الأديان والفلسفات ـ بل إن كل ديانة ترى نفسها كذلك بإسكاتولوجيتها (سيناريو نهاية العالم الخاص بها) كمتفوقة ومنتصرة على ما عاداها ! ـ الرؤية السابقة يؤكدها الأبيونيون ebyonim (الفقراء باللغة العبرية) و هم طائفة مسيحية ملتزمة بالمحافظة على اليهودية، يعتبرون عيسى هو المسيح اليهودي المرسل من الله ليتمم كتابهم المقدس (العهد القديم). فيؤمنون بالمسيح كإنسان بشري (ولد من أمه مريم وأبيه يوسف) لكنهم يلتزمون بإقامة شريعة موسى والحفاظ على الطقوس اليهودية، بل حتى أن جماعة منهم قامت "بحملة شعواء على بولس وأنكروا رسوليته بسبب استماتته للحيلولة دون تهويد المسيحية أو احتوائها في إطار الشريعة الموسوية"(1) ! . وسواء تحدثنا عن اليهودية أو المسيحية فكلاهما ينفيان وجود ديانة لاحقة، إنما بشروا بالمسيا المنتظر (ظهور/عودة شخصية تابعة لنفس الديانة)، حتى أن اليهودية تعتبر الأبيونية طائفة "مهرطقة" لخلطها بين المسيح اليهودي وعيسى ! .

فإذا كان المسيح نفى نبوة محمد؟ فعن أي حوار بين الأديان نتحدث؟! والأسس التي بُنيَت عليها الديانات غير معترف بها ومرفوضة من بعضهم البعض (الأتباع/المنتمين) ! .

فالإسلام لايرى المسيح كإله مجسد في صورة بشري، والمسيحية لا ترى محمد مكمّلا لديانتها، ففي أي شيء سيتفقون ويتحارون ؟!! إن لم يكن الحوار إنسانيا حول الأمور المشتركة كمشاكل البيئة والفقر والعنف السياسي بين الشعوب ! عن ما يؤثر ويضر بمصالح البشر بغض النظر عن رؤاهم للسماء، بل في عيشهم المشترك بالأرض.

فلأجل التواصل أو خلق سبل الحوار (الفكري/ الثقافي)، يلزم ابعاد الاختلافات الدينية التي قد تزيد من حدة التوتر، والتركيز على القواسم الإنسانية المشتركة والهادفة لمصلحة "الإنسان".

وبه فإننا نتحدث هنا عن "التعاون الإنساني" وليس عن "التسامح الديني"، هذا المصطلح الفضفاض الذي يبقي في ظلاله على التفرقة الاجتماعية / الانسانية، ويخفي استمرار غلبة / سلطة أيديولوجية الأغلبية على أيديولجية الأقلية. أي استمرار التعصب "الخفي" كعدم تسامح، الأمر الذي يكشف التسامح ك"إشكالية".. نظرا لعجزه عن تجاوز الاختلاف العقائدي والفكري بالمجتمع، الأمر الذي لايتحقق إلا بالتعاون الإنساني (بعيدا عن الصراعات الدين/ مذهبية).

 

........................

هوامش:

1 : جماعة الأبيونيين الفريسيين - ويكيبيديا

adnan oayeedمن الضرورة بمكان الإشارة هنا إلى أن الكنيسة والدولة كانتا معا في حالة من الصراع الخفي، غير أنهما كانتا مدركتين وبشدة حالات اختلافهما، حتى أن الملوك كثيرا ما انجذبوا وفتنوا بالنقاشات التي كانت تدور بين الكنيسة والدولة، والتي كان لها تأثير كبير في إضعاف الكنيسة . أما الارستقراطيون فلم يكونوا في الحقيقة يدركون أبعاد عدم استقرارهم، في الوقت الذي كانوا مهتمين فيه فقط بالعبث بتلك الأفكار الجديدة،  لالشيىء،  إلا كونها أفكارا جديدة بكل بساطة. ومن الطرافة بمكان القول: إنه كان من بين هؤلاء الارستقراطيين الكثير من العاطلين عن العمل (الكسالى). وإن الكثير من المتنورين الفرنسيين كانوا يعاشرون البعض من أوائلهم والمتحمسين لهم، فهذا (فولتير)  كثيرا ما كان يتحرك في دوائرهم  متناولا الطعام على موائدهم، وآخذا عناوين عشيقاته منهم، ومراسلا ملوكهم، بيد أنه كان يعارض استبدادهم والعقائد التي سادت في عصرهم، في الوقت الذي كان لديه القليل من الإيمان الذي لايتجاوز إيمان أي فرد عادي، كما كان مناصرا لفكرة الديمقراطية وحكم الشعب، بل وكثيرا ما كان يفكر (فولتير) في هؤلاء الأشخاص المثقفين والمتحذلقين معا، وذوي الخبرة في هذه الحياة، حيث كان يرغب في  إحضارهم كي يرى العالم من خلال ممارساتهم العقلية، أن العالم يستطيع، بل يريد وبشكل كبير، أن يتغير نحو الأفضل . 

  

  مقارنة ما بين روسو وفولتير: 

لم يكن كل مفكري عصر التنوير يشبهون "فولتير" في مواقفه التي جئنا عليها هنا، حيث نجد على سبيل المثال أن خصمه اللدود " روسو " لايثق بالارستقراطيين، وذلك ليس من أجل عطشه للتغيير، وإنما لاعتقاده أنهم كانوا يخونون القيم التقليدية الأصيلة. كما عارض المسرح الذي شكل عند "  فولتير " دم الحياة، وتجنب الارستقراطية التي تودد إليها فولتير، ودخل في نقاشات حول أشياء لها من الخطورة الكثير آنذاك،  كالثورة والديمقراطية. هذا وفي الوقت الذي كان فيه فولتير يناقش بإمكانية المساواة  كان روسو يقول فيها، بأنها – أي - المساواة أمر طبيعي، وعندما تؤخذ مسألة المساوة بشكل جدي فهي قادرة على صنع حكومة مناسبة إلى حد ما . وفي الوقت الذي كان فيه فولتير أيضا مفتونا بذكائه الحاد وفطنته، كان روسو يصر ويشده على صحة مواقفه، وبينما كان "فولتير" يلح على تفوق الفكر والعقل، كان روسو يؤكد على العواطف، جاعلا كلا من يدعم التنوير أو يخلقه رومانطيقيا، وعندما يكرر روسو الحزمة نفسها من الملاحظات الجوهرية للتنوير، كان روسو يتحدث وبعمق عن الأفكار الأصيلة وبكل الاتجاهات بدءا من التربية مرورا بالعائلة والفنون وصولا إلى الحكومة وكل ما يلفت انتباهه في هذه الحياة. ومع ذلك، وبالرغم من كل اختلافاتهما الشخصية فقد تقاسم الاثنان الكثير من القيم التي أحبا الاعتراف بها. فكلاهما عاشا حياة الملكية المطلقة واعتبراها شرا وخطرا على المجتمع، وكلاهما رفضا المسيحية الأرثوذكسية (المتشددة- المترجم)، وكثيرا ما ناضل روسو ليبدو أكثر إخلاصا، وكان يميل تقريبا إلى الشك بالقدر نفسه الذي كان يميل إليه فولتير، كلاهما أيضا تقاسما الاعتقاد بالإيمان المتطرف الذي كان يقر بضرورة الإيمان بالله وحده بعيدا عن أي دين كان، أي الإيمان بالله دون أي وساطة من قبل الآخرين، وهذا الشكل من الإيمان ذاته كان قد تحول إلى المجتمع الأوربي وحاز على تأثير قوي في مختلف وجوه المجتمع .

   

 التنوير في بريطانيا:

استطاعت المملكة المتحدة العظمى أن تطور عالم تنويرها برعاية العديد من المفكرين أمثال المفكر الإنكليزي " جان لوك " و" دافيد هيوم " وغيرهما، حيث كانت بريطانيا السباقة على كل الأوربيين في خلع وقطع رؤوس ملوكها في أواخر القرن السابع عشر، بالرغم من أن النظام الملكي كان قد استعاد عافيته. فهذه التجربة خلقت انفتاحا حقيقيا باتجاه التغيير في العديد من المواقع التي لم تستطع أن تخمد كليا، إذ ظلت البروتستانتية البريطانية - (مثلت آنذاك التطلعات العقلانية لتحرير الإنسان من سلطة الاستبداد الكنسي - المترجم)- تناضل لتعبر عن نفسها في طرق اتسعت حدودها إلى خارج نطاق حرية الكلام والتظاهر. وعلى اعتبار أن بريطانيا قد حققت ثورتها بشكل مبكر بالنسبة لأوربا، فقد أعطاها هذا السبق القدرة على أن تواصل بكثير من السهولة وبشكل تدريجي الوصول إلى الديمقراطية، بيد أن الحرية الانكليزية شكلت قنبلة عندما انتقلت إلى فرنسا، وذلك بسبب المقاومة الشرسة التي ظهرت من قبل الكنيسة والدولة معا تجاه هذه الحرية حتى آخر لحظة، لذلك في الوقت الذي نجد فيه أن بريطانيا التي انطلقت الثورة من بلادها إلى فرنسا بقيت غاطسه في أوحال التفاوت الطبقي والتراتب الاجتماعي والورع الكنسي الديني، نرى فرنسا قد أصبحت بعد ثورتها من أكثر الدول الأوربية دعوة للمساومة وبناء الدولة اللا اكليركية .

 

التنوير في أمريكا:

إن العديد من القادة المتنورين الأمريكان في الثورة الأمريكية أمثال " جفرسون " و" واشنطن " و" فرانكلين " وغيرهم، تأثروا وبشكل قوي بالأفكار الثورية للإنكليز، وقليلا أو  إلى حد ما  بالتفكير التنويري الفرنسي. فا (الله) الذي ضمن مفهوم المساواة في إعلان (الاستقلال الأمريكي)، هو نفسه (الإله) الذي عبده " روسو "، بينما هو ليس نفسه (الإله) الذي أقر في الكنائس التقليدية التي لم تزل تدعم وتحمي الأنظمة الملكية المطلقة في معظم الدول الأوربية. إن جفرسون وفرانكلين استوعبا التنوير الفرنسي،  وأن لغة القانون الطبيعي لتراث أو أصول الحرية، أي حرية الإرادة التي تسربت وبعمق شديد إلى حصاد نضال الأمريكي، كانت هي لغة التنوير نفسه، بالرغم من أنها غالبا ما كانت تغطى بمسوح النور الديني الذي راح يدعي الآن من قبلنا بالدين المدني. ومن هذه المعطيات أخذ الأمريكان يفضلون دراسة التنوير، الذي أصبح يشكل نسغ حياتهم، فالتنوير، حدد جزءا من الذي حلموا به، بل الأهداف التي يصبون إلى تحقيقها، أما طموحات الارستقراطيين الأمريكان الانفصالية وما رافقها من ردود أفعال تجاه هذه التحولات الجارية في أمريكا تحت راية التنوير، فقد راحت تتآكل، وكانت في حقيقة أمرها ومنذ بدايتها أقل تأثيرا على الواقع مقارنة بتحركات زميلتها الأرستقراطية الفرنسية .

 

The Enlightenment

Created by Paul Brains

ترجمة : د.عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية