محمود محمد علينعود في هذا المقال الخامس ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: ما هو موقف ماجد الغرباوي من رموز الحركة النسوية في العالم؟ مع ذكر أمثلة؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لا يمكن الاستهانة بالجهود التي بذلتها رموز الحركة النسوية في العالم، منذ القرن التاسع عشر، ابتداء من تمرد نساء نيويورك للمطالبة بتخفيض ساعات العمل، وتحسين ظروفهن في المعامل. حيث كانت محفزا كبيرا لاستمرار جهود النسوية العالمية، وتتالت تحركات النساء، وقد شهدت امريكا تحركا جديدا سنة 1904م وسنة 1908، حتى أول مؤتمر سنة 1945، وفي موازاة هذه التظاهرات كانت هناك جهود ثقافية وفكرية تثري الحركة النسوية، وتنظر لها. والانصاف أن مشكلة المرأة مشكلة تاريخية، يتمكن الباحث من رصدها خلال أحكام الشريعة، التي تعكس وجود جدل محتدم حول المرأة ومكانتها وحقوقها، لأن آيات الكتاب كانت تتنزل استجابة للواقع، والحكم يكشف عن تناقضاته. بل بعضهم  أدرج حتى نشاطات هيباتيا في القرن الخامس الميلادي ومن تلاها، لجهود النسوية العالمية. بل يمكن إدراج جميع الجهود المبذولة في هذا الاتجاه، فطالما كتبت النساء عن مظلوميتهن وحقوقهن المستلبة.

وينبغي التنبيه كما يقول الأستاذ الغرباوي بأنه: ثمة كتابات نسوية تنطلق من أرضية أيديولوجية أو دينية، فهي تريد تحرير المرأة، شريطة أن تبقى في دائرة الوصايا الدينية أو الأيديولوجية، لذا تندحر ولا تدرج ضمن قوائم الكتابات النسوية. وهذا يؤكد الانقسامات الحادة في دائرة النسوية، فتجد كل اتجاه ينطلق من خلفية ونظرة أيديولوجية مختلفة. لذا يختلفون حول حدود الحرية، رغم أنها لازم وجودي، فبعض مازال يعتقد أن المرأة خلقت محدودة الحرية، وأي سلوك يتجاوز حدودها الأيديولوجية يعد تمردا مفروضا، كما بالنسبة للشرائع والأديان.

وبشكل عام يذكر الأستاذ الغرباوي  الأسماء التالية رموزا للنسوية على الصعيد العالمي:

- سوزين لانجر  (1895–1985م)

- حنة آردنت (1906–1975م)

- سيمون دي بوفوار (1908–1986م)

- ماري ميدجلي (ولدت عام 1919م)

- ماري وارنوك (ولدت عام 1924م)

- جوليا كرستيفا (ولدت عام 1941م)

- باتريسيا تشيرتشلاند (ولدت عام 1943م)

- سوزان هاك (ولدت عام 1945)

وعلي الصعيد العربي يذكر الأستاذ الغرباوي مثل: هدى شعراوي، عائشة عبد الرحمن، جميلة بوحيرد، نوال السعداوي، فاطمة المرنيسي، ورجاء بن سلامة، ريتا فرج، يمنى ألفة، ليلى أبو لغد، رنا قبانين ويمنى طريف، وغيرهن كثيرات، رغم تباين وجهات النظر التي تصل حد القطيعة  حول مفهوم الحرية وحقوق المرأة. وقد ارتفع نسبة الكتابات النسوية منذ منتصف القرن العشرين، وباتت الأديبات والكاتبات والباحثات لسان حال النسوية وحقوقها. مثل رجاء بن سلامة، ألفة يوسف، أحلام مستغانمي، وهذه مجرد أمثلة. ويكاد يتفق الجميع على ضرورة حرية المرأة ومساواتها بالرجل والموقف السلبي من الدين والأحكام الشرعية الخاصة بالمرأة.

فالموقف من الرموز النسوية كما يقول الأستاذ الغرباوي  تحدده طبيعة الأهداف التي تتبناها تلك الرموز، ولا شك أنها بدأت مطالب بسيطة، ثم تطورت وتم التنظير لها فكريا وفلسفيا. شخصيا مع معالجة جذر المسألة النسوية، ومن ثمة يأتي البناء الفوقي، وهو كل المطالب المشروعة للمرأة. لذا أجد سيمون دي بوفوار تركز على هذا الجانب، تريد استعادة وعي المرأة، على أساس إنساني، تهدر معه جميع الثنائيات الملازمة لها، خاصة في كتابها الجنس الآخر. وهذا مهم من أجل امرأة سوية، تساعد على تماسك مجتمع الفضيلة، الذي أهتم به ضمن مشروعي، رغم الاختلاف معها في قضايا تفصيلية، باعتبارها تنتمي لبيئة ثقافية واجتماعية مغايرة. والرموز الأخرى ركزت على مطالب مشروعة، مثل المساواة في الحقوق والواجبات على الصعيد السياسي والتمثيل البرلماني، وتكافؤ الفرص في الوظائف والمناصب الحكومية، فضلا عن التعليم وحق الحياة وغير ذلك من الحقوق.

وهنا يتوقف الأستاذ الغرباوي قليلا أمام النسوية العربية والإسلامية فيقول: بعضهم يعالج قضية المرأة من خلال الحرية المطلقة، ويعتبرها حقا مشروعا. وقد مرَّ الكلام حول هذه النقطة، وهذا جلي عند دعاة تحرر المرأة كقاسم أمين والزهاوي وجملة أدباء وكتاب أخرين. وأيضا نوال السعداوي وشعارات التحرر، ورفضها للختان وأحكام المواريث وشريعة المرأة. وهؤلاء يعتقدون أن أساس المشكلة هي حرية المرأة، بينما الحرية رغم أنها حق وجودي، لكن الممارسة السلوكية تعكس مدى وعي الفرد وقدرته على تشخيص الواقع والحياة. الحرية لا تعني الابتذال والانحراف، بل تعني رفع الوصايا عن المرأة، والثقة بقدراتها العقلية، والاطمئنان لعقلانيتها.

وثمة نقطة مهمة يؤكد عليها الأستاذ الغرباوي وهي إن وحدة الطبيعة الإنسانية تنفي ثنائية التعدد الجنسي (ذكر / أنثوي). المرأة والرجل جنس واحد، وطبيعة واحدة، بهما تكتمل الوظيفة الإنسانية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً). وما الثنائية سوى مكر المنطق الذكوري لتبرير اضطهاد المرأة باعتبارها جنسا مختلفا، قدره النقص والضعف. إذ تستدعي كل ثنائية التقابل والندية والتنافس أو الصراع. وعندما يرمي الرجل المرأة بالنقص الوجودي يستهدف استغلالها، باعتبارها جنسا آخر، يتقوم بالوصايا والقيمومة، بل حتى ضربها وتأديبها. وبالتالي فالمساواة على أساس الجذر الإنسي يكون تحصيل حاصل، وهذا القدر من المساواة لا ريب فيه، ولا نختلف حوله. وما العدالة التي أكدت عليها، سوى مراعاة لخصوصيتها الأنثوية، وحمايتها من سطوة الرجل عندما يروم قمعها واضطهادها باسم المساواة. إن حقوق المرأة حقوقا مشروعة على كل حال، سواء قلنا بالمساواة أو العدالة، وليس للرجل أن يفرض عليها نوع العمل وطبيعته باسم المساواة، وليست حقوقه مرتهنة لهذه المساواة.

ويخلص هنا الأستاذ الغرباوي إلى نتيجة كلية وهي: لا يلزم من وحدة الجنس البشري مطلق المساواة بين الرجل والمرأة في الجانب الوظيفي. وهذا ماكنت أقصده بالعدالة.... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الرابع ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: ما هو موقف ماجد الغرباوي من المدارس التالية: النسوية الإصلاحية "الليبرالية": تعتبر هذه المدرسة من أقلّ المدارس النسوية تعصبًا، حيث تعتمد هذه الحركة بالأساس على فكرة أن الرأسمالية قادرة على إعطاء المرأة حقوقها، وتعمل هذه المدرسة بشكل “إصلاحي” تمامًا وتناضل من أجل قوانين مساوية بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، بالجملة فإن هذه المدرسة تعتبر امتدادًا للثورة الفرنسية 1789.

وهنا يجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: تفترض هذه المدارس أن مشكلة النسوية مرتهنة لحلول البنى الفوقية، بينما المشكلة الأساس في المقولات التأسيسية للوعي النسوي، واهتزاز الثقة بالنفس، وهذا ما أكدته من خلال تعريفها: (تحرير وعي المرأة وإعادة تشكيله وفق رؤية إنسانية عادلة). نحن في العالمين العربي والإسلامي بل وحتى الدول المتطورة، مازالت المرأة تنطلق من عقدة المظلومية، واضطهاد الرجل لها، لكنها لا تسأل عن سبب مظلوميتها؟ هل سببها الرجل فقط أم أعانته المرأة على ذلك؟.

ثم يوضح الأستاذ الغرباوي ذلك بالتفضيل فيقول : توجد مقولة في الطب أن علاج سبب المرض أفضل من علاج أعراضه. وسبب المرض، عندهم: الجرثوم وضعف المناعة. ومتى تم القضاء على الجرثوم، مباشرة أو بواسطة تقوية المناعة، سيتماثل المريض للشفاء. وأما الاقتصار على معالجة أعراض المرض، فهو علاج آني يتحين الفرص، ليعاود نشاطه. فمعالجة البنى الفوقية، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لا ينتج امرأة سوية، بل يمنحها فرص حياتية مناسبة في إطار القوانين. لذا من الطبيعي أن تكتظ السجون بمختلف الجرائم، لأن العلاج اقتصر على البناء الفوقي دون المساس بجذور المشكلة وردم الهوة النفسية التي تزعزع الثقة بالنفس، حيث تجد حيثيتها في الانقياد والتبعية، وليس في عقلانيتها وإنسانيتها. الانقياد لا يغير من عنجهية الرجل وتسلطه، بينما الثقة العالية بالنفس تفرض على الرجل احترامها. وقد تستسلم المرأة للواقع والتحديات عندما تنطلق من عقدة المظلومية والاضطهاد، وتعتبره قدرها الذي ينبغي لها قبوله، وتعود لمشاعر النقص من حيث تحاول التحرر من مظلوميتها. بينما يؤهل الوعي الإنساني المرأة لأن تعيش إنسانيتها، تحت أي ظرف كان، تحققت أو لم تتحقق حقوقها. والذي حصل في الغرب أن الطبقة النسوية طورت نفسها، وأكدت حضورها الإنساني.

وهذه المقدمة يجدها الأستاذ الغرباوي ضرورية لبيان موقفه من النسوية بشكل عام، وعليه يقول: سأكتب ملاحظاتي واعتراضاتي وفقا لمتبنياتهم الفكرية والفلسفية، لتحري أيها أقدر على معالجة قضايا المرأة، وفقا لمعياري: الإنسانية والعدالة. كما ورد في تعريفنا يسجل للمدرسة النسوية الإصلاحية “الليبرالية”: مشروعها الاصلاحي، وسعيها لتأمين حقوق المرأة. لكن أتوقف عند فقرة: (وتناضل من أجل قوانين مساوية بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات). أنا لست مع مطلق المساواة بين الرجل والمرأة، وأجد في العدالة ضمانا لإنسانيتها، وخصوصياتها الإنثوية، التي تتحدث عنها سيمون دي بوفوار – مثالا - في كتابها: "كيف تفكر المرأة". وتحدث آخرون. فالأنوثة لها خصوصيتها، والمساواة اضطهاد لها أحيانا. فمثلا مساواة الرجل والمرأة في ساعات العمل الشاق ظلم لها، وتحميل فوق طاقتها، فينبغي مراعاتها، كأن لا تكلف بعمل شاق جدا، ولا تكلف بعمل مثير لأعصابها، ولا تقحم بعمل يهين كرامتها وحيثيتها باسم الحرية. الحرية كما ذكرت سابقا هي حق وجودي، والمرأة قادرة على ممارسة حقها بالفعل وتفعل ما تشاء ما لم تمس حرية الآخرين. أو اتمارسها بالقوة حينما تكون ضمن منظومة اجتماعية تفرض قوانينا عامة. فمجتمع الفضيلة مثلا مجتمع تعهد أفراده ضمنا على تبني قيم الفضيلة، فهنا لا معنى للحرية المطلقة، لأنها ستفقد ما هو أهم، ستفقد مكانتها الاجتماعية وانتماءها الذي هو سر تماسكها. وهذا ينطبق على المجتمعات الغربية، التي تؤمن بالحرية الفردية، فهي أيضا حرية تنتهي بانتهاء حرية الآخرين، ولا يمكن لأي فرد في المجتمع مخالفة القانون، وعندما تمارس المرأة حرية مفتوحة فتمارسها ضمن تلك القوانين والأنظمة التي أباحت لها ذلك. وهكذا بالنسبة للعادات والتقاليد وإلالتزامات الأخلاقية، فهي قوانين ملزمة، ضمن اتفاق ضمني بين جميع الأفراد، فتحد من حرية الفرد، من أجل توازن المجتمع، ما لم تفضِ إلى التعصب والطائفية والتخلف. العدالة ضمان أكيد لتوازن شخصية الفرد والمجتمع، وضمان للمحافظة على خصوصية المرأة، واحترام حيثيتها وخصوصيتها الأنثوية والبايولوجية. للأسف أحيانا ترهق المرأة نفسها على حسابها وحساب أسرته لتؤكد اسحتقاقها للمساواة بينها وبين الرجل.

يبقى السؤال كما يذكر الأستاذ الغرباوي عن معنى العدالة، وماهي معايرها، ومن الجهة التي تحددها، وترسم حدودها، وهذا القضايا قد نتعرض لها لاحقا، لكن بشكل عام أركز على أن الحسن والقبح عقليان، وما حسنه العقل حسنه الشرع. ومعيار العدالة هنا يستمد شرعيته من القيم الأخلاقية العليا: الحسن والقبح العقليين. وهناك قيم متفق عليها، بما فيها القيم الدينية، فليس الإيمان سوى إلتزام طوعي. ولا يخلو الأمر هنا من وجود إشكالات حول بعض الأحكام الشرعية وما يرتبط منها بالوضع الاجتماعي ومدى تأثيره على الحريات الخاصة والعامة. والكلام في محله.

وفيما يخص النسوية الراديكالية؛ يقول الأستاذ الغرباوي : يعتبر هذا التيار أكثر تيارات النسوية تعصبًا للمرأة، حيث يرى أن المشكلة في الأساس هي أنَّ الرجال يحاولون دائمًا السيطرة على كل شيء منذ بداية التاريخ، وعلى المرأة أن تناضل من أجل حقوقها المنهوبة، وقد تطورت فكرة نضال المرأة لدى هذا التيار حتى اقتراح أن تنفصل النساء تمامًا عن مجتمع “الذكور” وتقيم مجتمعًا خاصًا، باعتبار أن المرأة في حالة عداء دائم مع الرجل.

وثمة نقطة مهمة يؤمد عليها الأستاذ الغرباوي وهي كما يقول: الملاحظة المتقدمة تأتي هنا.. المرأة بحاجة إلى وعي ذاتها وحدود إنسانيتها، ووعي الآخر ضمن حدوده الإنسانية. وعليها لا (أن تناضل من أجل حقوقها المنهوبة) فقط كما جاء في السؤال، بل عليها أولا استعادة وعيها وفق مبادئ إنسانية، والتخلص من عقدة المظلومية والشعور بالاضطهاد، وإن كانتا صحيحتين. لكن التأكيد عليهما بمعزل عن أساس المشكلة، يفضي إلى تشوّهات، لذا  يقترحون (أن تنفصل النساء تمامًا عن مجتمع “الذكور” وتقيم مجتمعًا خاصًا، باعتبار أن المرأة في حالة عداء دائم مع الرجل). وهذا خطأ جسيم يؤدي إلى انهيار المجتمعات البشرية مستقبلا، كما هو متوقع لمجتمعات المثلية الجنسية، فستضمحل وتندثر. المرأة بلا شك تعاني من الرجل لكن العلاقة بينهما ليست عدائية دائما، وإنما ثمة تسلط من قبل الرجل وعدم فهم حدود العلاقة، والرجل كالمرأة يجب أن يخضع للتأهيل الإنساني.

ويستطرد الأستاذ الغرباوي فيقول : قد يقول قائل، إن النظرة الدونية للمرأة متأصلة في عقل الرجل، وهذا ما يؤكد سلوك الرجل عندما يفقد السيطرة على أعصابه. وكأن روح التسلط والنرجسية والفوقية واحتقار المرأة متأصلة فيه، وأنها جزء من نوازعه البشرية التي لا يمكنه التخلص منها. وهذه نظرة مبتسرة، فالغالب من  الرجال اليوم يتمتع بنظرة مختلفة، مما يؤكد تأثير التربية والإعلام ووسائل الاتصالات الحديث. ولا شك أن ثقافة العبودية وقيمها الأخلاقية مازالت راسخة، ونحتاج لاستبدالها بالنظرية الإنسانية أو نظرية الخلافة جهود كبيرة، أهمهما معالجة الموروث الثقافي، وتحليل ونقد الخطاب التراثي الذي يؤصل لنقص المرأة وحاجتها المستمرة للوصايا، ويفرض عليها باسم الدين والقيم الأخلاقية الطاعة والانقياد وعدم معصية الرجل. واستبداله بخطاب إنساني، عقلاني، تنويري، يقوم على العدل والانصاف والرحمة والتراحم، وهي قيمنا التي حثت عليها النصوص المقدسة. الرجل أيضا ضحية ثقافة ذكورية، ووليد قيم العبودية، ومن الطبيعي نرجسيته على المرأة الأضعف دائما، بحكم أنوثتها. فالرجل وليد بيئته وثقافته، ويمكن للثقافة البديلة أن تعيد تشكيل وعيه، واستبدال نظرته للمرأة. وهنا يأتي دور الدين في خلق وازع داخلي يحد من غطرسته، ويعيد الثقة للمرأة عندما يضعها على قدم المساواة مع الرجل في العبادات والمصير الأخروي. وبالتالي التيار الرادكالي بدلا من معالجة سطوة الرجل يدعو لشرذمة المجتمع، وقيام مجتمع نسوي منفصل، وهذا حل مرفوض، لا يعالج المشكلة معالجة جذرية.

وأما فيما يتعلق بالنسوية الماركسية فيقول الأستاذ الغرباوي : إضافةً إلى التفسير الذي تقوم عليه الحركة النسوية – أن “الذكور” دومًا يحاولون السيطرة على كل شيء – فإن هذا التيار يتبنى أيضًا وجهة نظر طبقية تجاه الأمر، حيث أن تهميش المرأة بدأ مع ظهور الملكية الخاصة، واشتباك المرأة مع الواقع الطبقي سيقوم بقلب الأنظمة الرأسمالية لمجتمع لا طبقي.

ويستطرد الأستاذ الغرباوي فيقول النسوية الماركسية تتحدث وفقا لمتبنياتها الفلسفية. لا شك أن الدافع للسيطرة والتسلط غريزة بشرية، سببها حب الذات والجشع والروح العدائية الثاوية في أعماق النفس، ولا فرق بين الرجل والمرأة حينما تخدمها الفرص الحياتية، فستقترف  ذات الجريمة، وهنا يأتي دور الدين والأخلاق في تهذيب سلوك الفرد، وخلق وازع وضمير حية يراقب سلوك الفرد المؤمن.

وأما قولهم كما يري الأستاذ الغرباوي أن تهميش المرأة بدأ مع ظهور الملكية الفردية فلا دليل عليه سوى تكهنات، والمرأة على طول التاريخ جزء من متاع الرجل، فهي وجودا وتحققا في امتداده، وليست في مقابله أو ندا له كي تُشمل علاقتهما بقوانين الصراع الطبقي. وحتى بعد مرحلة العبودية، بقيت المرأة جزءا من الرجل وعائلته. تدافع عنه وعن مصالحه. وأما الخروج على الزوج فهو استثناء. ولا أنفي ذلك تماما. وأما قولهم: (واشتباك المرأة مع الواقع الطبقي سيقوم بقلب الأنظمة الرأسمالية لمجتمع لا طبقي). فإني قد سجلت على هذه النظرية ملاحظات سابقا، استدعيها للاطلاع، لتسليط الضوء أكثر حولها: (وأيضا سيكون الرهان خاسرا على الاشتراكية العلمية، بعد فشل التجربة الاشتراكية التي هي مرحلة تمهيدية لقيامها، بل وعدم تحقق أيا من رهاناتها ونبوءاتها وحتمياتها، فلم تنهر الرأسمالية بل تطورت بشكل لافت، بينما انهارت الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي، ولم تقد البروليتاريا العالم بل قادت العالم حكومات رأسمالية. ولم يحدث أي تطور مادي في عقل الإنسان يؤهله للمرحلة النهائية، كشرط لنجاح الماركسية التي تراهن على تطور دماغ الإنسان تطورا ماديا، يفضي إلى اندثار حب الذات، في إطار قيم الجماعة، فيتلاشى الفرد داخل المجموع. فمشكلة النظرية الماركسية في مقدماتها الفلسفية ورهاناتها حتى بالنسبة لبعض قوانين الديالكتيك. فرهان التطور المادي للدماغ مثلا ينسفه التطور الهائل الذي طرأ على العالم علميا خلال القرون الأربعة الأخيرة، حيث لم يرصد العلماء تطورا ماديا ملحوظا فيه، رغم تطور العلوم، ونظام القيم ومناهج التفكير، بل أن تطور أجهزة الكمبيوتر خلال الخمسين سنة الماضية كانت قفزة علمية مذهلة، كشفت عن طبيعة أخرى لتوالد المعرفة، تقوم على أساس تراكم المعلومات في تطور المعرفة، بقطع النظر عن سعة الأجهزة ماديا، وأدل دليل الأجهزة اللوحية الحديثة التي تضاءلت فيها المادة قياسا لقدراتها الهائلة. بل الأدهى أن عمل الكمبيوتر عبارة عن دوائر كهربائية بسيطة (0 - 1)، ليس أكثر، فجهاز الكمبيوتر لا يتمتع بعقل كعقل الإنسان، بل يشتمل على ملاين الدوائر الكهربائية، لكنه مدهش في عطائه، عبر تراكم المعلومات، التي تعمل ضمن برامج خاصة، هو الآخر تم تنظيمه وفقا لتراكم المعلومات. فعمل العقل داخل فضاء المعلومات عمل إدراكي، يتطور مع كل عملية إركيولوجية داخل طبقات النصوص وتراكم المعلومات، وليست هناك معرفة خارج تراكماتها، بما في ذلك الخيال، فهو جزء من حركة العقل داخل فضاء المعلومات، و"كتلها" المعرفية، وكيفية إدراك الفرد لها وطريقة توظيفها. ثم أن المعرفة في تراكم مستمر من خلال المشاهدة، والإدراك، والتجربة، والخيال، والتصور المفاهيمي ضمن عملية تركيب النسق المعرفي. لهذا يحتاج المرء دائما لتراكم معرفي معلوماتي لتطوير قابلياته الفكرية والثقافية والابداعية.)... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الثالث ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: ما هو مفهوم الفلسفة النسوية في فكر ماجد الغرباوي؛ بمعني هل يعني الاعتراف بأن للمرأة حقوقًا وفُرَصًا مساوية للرجل، وذلك في مختلف مستويات الحياة العلمية والعملية. أم انتزاع وعي فردي بدايةً ثم جمعي، متبوع بثورة ضد موازين القوى الجنسية والتهميش الكامل للنساء في لحظات تاريخية محددة؟ أم أن الفلسفة النسوية هي حركة سياسية اجتماعية ظهرت في الغرب للمطالبة بحقوق المرأة، وأنها تعتمد على نظرية وفلسفة جديدة تجاه اللغة والأدب والتاريخ والأخلاق والمعرفة لأنها تنبذ الرؤية الذكورية التي شكلت تلك الأمور فيما تدعي، وتتعدد نقاطها المركزية بحسب تعدد تياراتها، فبعضها تركز على طلب المساواة بين الجنسين في الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبعضها يشتط للمساواة التامة على كل الأصعدة، وبعضها يدعو للتمركز حول الأنثى، وبعضها يشطح بالدعوة للاستغناء الكامل عن الرجال؟ أم مفاهيم أخري عكس ذلك تماما؟

وهنا يجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: يمكن تعريف مفهوم النسوية - Feminism، وفقا لمفهوم الفلسفة المعاصرة، القائمة على النقد والعقلانية: (تحرير وعي المرأة وإعادة تشكيله وفق رؤية إنسانية عادلة)، ليكون موضوعها: (نقد مكونات الوعي وارتهانات تشكيله)؛ وعندي أن مشكلة التخلف مشكلة وعي قبل كل شيء. والعلاقات غير المتوازنة بين الرجل والمرأة، سببها رثاثة الوعي المشرعن، لذا فإن مبررات هذا التعريف إرتكازه إلى نظرية الخلافة، نظرية الإنسان المتفرد في وراثة الأرض (النظرية الإنسانية)، في مقابل نظرية العبودية، التي سادت مفاصل التاريخ، والتي ترتهن حرية الفرد لمنظومة قيم تتقاطع مع القيم الإنسان. وأقصد بالنظرية الإنسانية: وحدة الطبيعة البشرية ووحدة مصيرها. ولازمها وحدة النوازع والاستعدادات العقلية والنفسية والجسدية ووحدة الحاجات الفطرية، من حيث أصل وجودها، لا تفصيلاتها. ونركز هنا على مفهوم الحرية والوعي لعلاقتهما بالتعريف. أما الحرية فإذا لم تكن من ذاتيات الإنسان فهي من أخص خصائصه وأعراضه. وقد لا أجازف حينما أعتبرها فصلا في الحد المنطقي، لأنها ليست أقل خطورة من الناطقية. فكما يصدق في الحد التام أن الإنسان حيوان ناطق، كذلك يصدق: الإنسان كائن حر. ولا عيب في استخدام الجنس البعيد، فهو أكرم للإنسان من تعريفه بالجنس القريب أي الحيوان. وحريته تدخل في صميم كينونته. فلا تصدق الصفة مع غيره إطلاقا، لأنها تعني توظيف العقل والقدرة على اتخاذ القرار، وهذا لا يتحقق لغير الإنسان، ولا يمكنه التخلي عنها. فهي صفة إرادية في استخدامها بغض النظر عن محدداتها خارجا: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). فالنزوع للحرية نزوع إنساني، يندرج تحت مفهوم الكمال الإنساني التي تطمح له النفس البشرية. وأيضا بالنسبة للوعي فإنه من خصائص الإنسان، ويصدق في تعريفه: الإنسان كائن واعٍ. وأقصد من حيث طبيعته البشرية، فهو يعي ذاته، ويعي حريتها، ثم بشكل تدريجي تدخل النفس البشرية في سجون تفرضها عليها التربية والبيئة والعادات والتقاليد. الإنسان محاط بسجون تشكلت عبر مراحل حياته، وباتت سلطة تتحكم بوعيه وحريته، وترسم سلوكه وزاوية نظره.

فالتعريف في نظر الأستاذ الغرباوي عندما يفترض في مفهوم النسوية "تحرير الوعي"، يقصد انتزاعه من سجونه، وإعادة الاعتبار للمرأة، عبر وعي يحررها من سطوة قيم العبودية. وبشكل مكثف الانتقال من نظرية العبودية إلى نظرية الخلافة، ولازمه استبدال مرجعيات القيم الأخلاقية، وهذا يقتضي نقد جميع الأنساق المعرفية، لخلخلة البنى المعرفية القائمة على نظرية العبودية وثنائياتها عبر مختلف مراحلها: سيد / عبد. بدءا باختلاف الطبيعة البشرية، التي تقرر وجود طبيعة إلهية خاصة بالملوك في مقابل طبيعة بشرية تتقوم بعبوديتها، وهو أمر خارج عن إرادة الإنسان. فهو إما سيد أو عبد، منذ ولادته، كما ذهب لذلك أرسطو. ثم في المرحلة القبَلية تأسس الوعي الجمعي وفق تفوق العنصر البشري، ووجود دم نقي، وآخر ملوث. ثم مرحلة الأديان التي نجحت في إعادة تشكيل الوعي، لولا المصالح السياسية التي شرعنت العبودية والطاعة والانقياد باسم الدين. وقد كافحت هذه القيم، تقاوم الفكر النقدي، حتى انتصر الأخير في أوربا، ومازالت شعوب  كثيرة تقدس قيم العبودية، تحت مسميات مختلفة.

ويقصد الأستاذ الغرباوي بإعادة تشكيل الوعي، هو كما يقول تحريره من سجونه، وإعادة تشكيله وفقا لمبادئ إنسانية. أي توظيف النقد لتفكيك منظومة القيم الأخلاقية، التي تبرر اختزال المرأة، وتجريدها من مقوماتها الوجودية: الحرية والوعي. فالفلسفة النسوية لا تتوجه إلى البناء الفوقي، ما لم تضمن تحرير الوعي، فتكون جميع المطالب ثمرة لوعي إنساني، لا يعاني عقدة النقص، والمظلومية، فيتصرف بطريقة قد تخرج عن الأخلاق والقيم الإنسانية بحجة إثبات الذات. وهذا ما أسجله على التعريفات المتقدمة. وحسب الباحث الاستشهاد بتجليات عقدة النقص من خلال عناوين كالأدب النسوي مثالا في محاولة لتأكيد الذات. وكنت قد كتبت إن (أهم إشكالية تواجه المثقفة العربية تحرير العقل الجمعي من ذكوريته وسلطويته واستخفافه، ليرقى إلى مستوى إنسانيته في تعامله معها. مع تعميق ثقتها بذاتها وبمنجزها، بعيدا عن تاء التأنيث، تحاشيا لإعادة انتاج الذكورة من خلال تكريس الأنوثة. وهذه اشكالية مركبة، تتطلب من المرأة عملا مزدوجا. تنقية العقل الجمعي من قيم التمايز الجنسي، وتأكيد إنسانيتها، من خلال مواقفه ومنجزاتها بعيدا عن التكريس اللا شعوري للأنوثة. فتارة تكرّس المرأة الذكورة وهي تقاوم تحدياتها، فتعيد انتاجها بصيغ مختلفة. وهذا ما يحصل حينما تصرّ المرأة على تأنيث منجزها تفاخرا أو تحديا، أو تكريسا لخصوصيتها، ليبقى المجتمع العربي في دوامة ثنائية المرأة / الرجل. الذكر / الأنثى. وتبقى نبرة الرجل تعلو صوت المرأة، رغم حضورها الكبير على المستوى العلمي والأكاديمي والاجتماعي والثقافي والأدبي والفني. بل ونافست الرجل في أعلى مناصب القيادة عندما مارست السلطة والحكم "رئيسة دولة أو رئيسة وزراء"، أو كوزيرة ومستشارة، ومديرة، ورائدة فضاء، وبرلمانية.

وأما قيد العدالة المذكور في التعريف في نظر الأستاذ الغرباوي فهو شرط لموازنة الشخصية في بعدها الاجتماعي؛ فقد تطلق المرأة لنفسها عنان الحرية وتفعل ما تشاء، وتتحمل تبعات سلوكها وتصرفاتها، وهذا حقها، ما لم تؤثر على حرية الآخرين، لكن هذا يتعذر عليها ضمن المنظومة الاجتماعية التي تعيش داخل حدودها الثقافية والأخلاقية. وحينذ ليس سوى العدالة معيارا للحد من تصرفاتها وتوازن سلوكها. وبالتالي فموضوع النسوية الذي تقرر مع تعريفها أعلاه: (نقد مكونات الوعي وارتهانات تشكيلها). يكون منسجما مع مفهومها. وتكون الفلسفة حينئذٍ منهجا لنقد وتفكيك كل ما يتطلبه استعادة الوعي، نقدا عقليا، يتوغل عميقا في بنية الوعي، ومرجعياته، دون توقف، مهما كانت طبيعة التابوات، بما في ذلك المحددات الدينية، فثمة أكثر من قراءة للنص الديني، ولا يمكن الجمود على حرفية النصوص، أو الاكتراث للتراث، مادام ينتمي لبيئة ثقافية مختلفة.

وهناك بعض الملاحظات يبديها الأستاذ الغرباوي وذلك على النحو التالي :

1- أما التعريف الأول لمفهوم النسوية: (أن للمرأة حقوقًا وفُرَصًا مساوية للرجل، وذلك في مختلف مستويات الحياة العلمية والعملية). وهذا ليس موضوعا للفلسفة النسوية، إذ لا أحد يختلف حول حقوق المرأة اليوم. والكلام حول المساواة يتطلب أولا نقد الوعي الذي أفضى إلى عدم المساواة، وهل المرأة أعانت على عدم مساواتها؟ وما سبب ذلك؟. فيبقى التعريف مرتهنا لعقدة المظلومية، التي يعود بنا إلى مفهوم الظلم، وماهي معايره؟ ومن هي الجهة المخولة بتحديد شروطه؟ وأسئلة غيرها، وجميعها يدخل في موضوع النسوية وفقا لمفهومنا، غير أنها تعود إلى إشكالية الوعي، الذي نراهن على إمكانية تفكيكه، وإعادة صياغة مفاهيم جديدة لقضايا المرأة، وحدودها، وشروطها.

2- وأما التعريف الثاني: (انتزاع وعي فردي بدايةً ثم جمعي، متبوع بثورة ضد موازين القوى الجنسية والتهميش الكامل للنساء في لحظات تاريخية محددة.). لكن كيف يتم انتزاع وعي فردي بداية ما لم يتحرر الوعي من قبلياته، ويعيد تشكيل مرجعياته وفق مبادئ إنسانية، تلغي الفوارق بين الذكر والأنثى، وفقا للوازمها: الحرية والوعي. وهنا يمكن الرهان على الثقافة والإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في نقد الوعي السائد وتشكيل وعي جديد. وبهذا نفهم أن مشروع النسوية لا يستغني عن أي شيء يخدم هدفه المركزي، تحرير المرأة داخليا، ومن ثم إعادة نصاب الحقوق وفق ركيزة إنسانية، هي الطبيعة الإنسانية المشتركة لجميع البشر. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا).

3- والتعريف الثالث: (حركة سياسية اجتماعية ظهرت في الغرب للمطالبة بحقوق المرأة)، فناظر إلى تجليات الوعي، فيكون مرتهنا للظرف الثقافي والاجتماعي والسياسي، ولا يمكن تعميمه. ونحن بحاجة إلى مفهوم يصدق دائما، رغم اختلاف الظروف والمناسبات.

وبهذا يمكن تأسيس فلسفة نسوية عالمية في نظر الأستاذ الغرباوي، حيث يقول: لا تستثني شعوبنا العربية والإسلامية، التي ترسف تحت نير العبوديات المشرعنة، حدا تجد المرأة فيها كرامتها وعزتها. فثمة انقلابات مفاهمية، يراد تفكيكها ونقد جذورها. وينبغي التنبيه، أن النسوية بهذا الفهم، لا تستثني مسؤولية الرجل عن نرجسيته وذكوريته واستخفافه بعقل المرأة، بل وحتى طبيعتها البشرية، غير أننا نتكلم وفقا لنظرية الخلافة أو النظرية الإنسانية، التي تعيد تشكيل وعي الرجل كما تسعى لإعادة تشكيل وعي المرأة. فهما خطان متوازيان.. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الثاني ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نبدأ أولا بالسؤال الأول الذي طرحناه عليه وهو: الأستاذ ماجد الغرباوي: تحدثتم عن علاقة المرأة بالدين في كتابكم المرأة والقرآن ونود أن نعرف منكم علاقتها بأساطير الكون وبالفلسفة وذلك كي نفهم المكانة التي احتلتها المرأة في المجتمع اليوم خاصة وأن طرحها يمثل قضية عالمية؟

وقد أجاب الأستاذ ماجد الغرباوي بدءا أتقدم بجزيل الشكر للأخ الأستاذ د. محمود محمد علي، رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط. وأشكر ثقته، حينما قرر طرح أسئلة فكرية وفلسفية، للتداول حول موضوعاتها، خاصة وقد اختار موضوعا "تتمثل أهيمته كونه قضية عالمية"؛أعني موضوع المرأة، بمختلف إشكالياتها. وهذه المرة تم التركيز على "علاقة المرأة بأساطير الكون وبالفلسفة"، بعد أن تناول كتاب المرأة والقرآن، إشكالية العلاقة بين المرأة والقرآن، كمدونة عقدية وتشريعية، تستمد قدسيتها من تعاليها، وهيمنتها على الوعي الديني قاطبة. وهي تمثّل سلطة معرفية، وظفت لتكريس المنطق الذكوري، بعد تجريد أحكام الشريعة من تاريخيتها، والدفاع عن إطلاقاتها الأزمانية والأحوالية. يتجلى ذلك في فتوى الفقهاء والخطاب الديني المرتكز لرؤية الفقيه. رغم تأثرها بقبلياته وثقافته. وأجد في عنوان الكتاب تعبيرا جليا عن إشكاليته المركزية حينما اختارت صاحبة الكتاب التقابل التام بين المرأة والقرآن، عنوانا له. بمعنى أن المرأة اليوم لها ما يقابل الكتاب الكريم، حول الذات والآخر. وهي تطالب باسترجاع إنسانيتها. ولا ريب في ذلك حينما تجرد أحكام المرأة في القرآن من تاريخيتها وأسباب نزولها، والارتكاز لمنطق العبودية، الذي ساد مفاصل فقه المسلمين. فالإشكالية المركزية للكتاب: هل المرأة إنسان؟ وهي إشكالية تعبر عن عمق المأساة. فالحديث ليس عن المساواة والحرية، كقيم وجودية لها، بل السؤال أولا عن مصداقية التجلي الإنساني في أحكام الشريعة. ثم تليها إشكاليات أخرى متفرعة عنها. وهذا سرّ اعتماد هذا العنوان بالذات.

ويستطرد الأستاذ الغرباوي فيقول كان جهدي في الكتاب ملاحقة المنطق العبودي، في فهم وتفسير الأحكام الشرعية، واستبداله بمنطق الخلافة، في فهم الدين ودور الإنسان في الحياة. وكلا المنطقين لهما ما يعززهما قرآنيا. وبالتالي الرؤية الفقهية المتداولة تستمد شرعيتها من آيات يبدو ظاهرها مع تكريس عبودية الإنسان عامة، وانتقاص المرأة خاصة. أي نظرية العبودية تبرر النظرة الذكورية، والنظرة الدونية للمرأة، ولديها ما تستدل به من أحكام الشريعة. بينما تنقلب النتيجة مع منطق الخلافة، وأن الإنسان أساس الخلق. وما الأحكام إلا لترشيده مرحليا، وفق ملاكات الأحكام، وليست لاستعباده تحت أي مسمى كان. وقد تناولت في الكتاب قضايا عدة، أركز هنا على: وعي المرأة للذات والآخر. والمرأة في وعي الفرد والمجتمع؛ باعتبارها أضلع العلاقة التي تقوّم الإشكالية المركزية في موضوع المرأة. وعليه، يمكن تأصيل رؤية إنسانية تتسع لكل فرد، بغض النظر عن خصوصياته، إذا تمكنا من تفكيك الإشكاليات، وإعادة تشكيلها وفق منطق الخلافة. أو المنطق الإنساني.

وعن المرأة والأساطير أكد الأستاذ الغرباوي بأنه : لا شك أن علاقة المرأة بالأساطير والفلسفة القديمة، محكومة بنظرية العبودية، التي تكرّس عبودية الإله / السيد / الملك / الطاغية. وتسلب الفرد إنسانيته، بعد تكرّيس "تشيئته"، ليكون مستلبا، تابعا. فقيمة الشخص، ذكر أو أنثى، قيمة اعتبارية تسبغها عليه الإلهة / الملوك / السادة / الطغاة. وليس لهم  وجود مستقل، كما وضحت هذا مفصلا أكثر من مرة. أي أن وجودهم، لا بالمعنى الأنطولوجي بل بمعنى التحقق الخارجي، هو وجود بالغير، وليس وجودا مستقلا. فالعبودية بهذا المفهوم، ليست مجرد تبعية، بل هي ثقافة ورؤية فلسفية للذات والآخر، لا يمكن للعبد من خلالها تصور الذات بعيدا عن سيدها. عكسا للروح المتحررة، فإنها تتقوم بشعور داخلي، شعور متمرد على منظومة قيم العبودية، حتى في إطار ثقافتها ومجتمعاتها. لذا فالعبودية استلاب حقيقي، قد يستوطن الإنسان، رغم تعدد المناخات الثقافية التي يعيشها. وبالتالي فالمرأة جزء من مجتمع العبودية، تستغرقها ثقافته وقيمه وأخلاقه. وتبقى كالرجل جزءا من متاع السيد / الطاغية. وهي وفقا لمنطق العبودية، مملوكة مطلقا لسيدها، يفعل بها ما يشاء. فتعيش حالة استلاب مضاعف، سببه تعسف القيم الاجتماعية، وانتسابها لمجتمع العبودية.

ويقول الأستاذ الغرباوي: هذا هو الاطار العام لرؤية المرأة، الذي يجب حضوره ونحن نمارس النقد، لتحري طبيعة العلاقة بينها وبين الأساطير. أي قراءة دلالات أساطير المرأة ضمن بيئتها الثقافية، القائمة على مركزية الطاغية، وهامشية العبد. وهو كل فرد يخرج عن دائرة المقدس، الديني أو السياسي أو الاجتماعي؛ وسنتوخى تحري وعي الذات والآخر لدى المرأة من خلال بعض الأساطير، باعتبارها دالة رمزية على الثقافة والوعي المجتمعي. إذ رغم أنها نتاج وعي ديني وثقافي بدائي، قائم على الخرافة، واستبعاد النقد، غير أنها غنية في دلالاتها، حداً تفرض محدداتها على الوعي، وتغني ثقافة المجتمع بما يحقق انتماءه الاجتماعي، ويحد من قلقه المصيري، الذي هو قلق وجودي. من هنا تحتاج الأسطورة إلى جهد لتكشيف دلالتها، وما توحي به، أو تستبعده. وهذا موضوع مفصّل، نكتف بإشارات أولية. وبالتالي فإننا من خلال الأسطورة سنتحرى وعي المرأة لحريتها واستقلاليتها وهمومها، وموقف الذكر منها. فهل أنصفتها ثقافتها ومجتمعها، بعد أن سلبت ثقافة العبودية إنسانيتها؟. ونؤكد أن الكلام هنا خارج هيمنة قيم العبودية، لكن ليس بعيدا عن تأثيراتها، فيكون نظرنا للمرأة ككيان اجتماعي خاص. وستكون وجهتنا "المرأة الإلهة"، بحكم الدلالة.

وننتقل إلي نقطة أخري حيث نناقش هنا موقف الأستاذ ماجد الغرباوي من الأسطورة فيقول :  الأسطورة لغة: الحديث الذي لا أصل له. وأما اصطلاحا كما في المعجم الفلسفي: قصة خيالية، تمثل فيها قوى الطبيعة بأشخاص؛ أو الصورة الشعرية أو الروائية التي تعبر عن أحد المذاهب الفلسفية بأسلوب رمزي، يختلط فيه الوهم بالحقيقة؛ أو الاساطير تتضمن وصفا لأفعال الآلهة، أو الحوادث الخارقة، وقيل أن الأسطورة هي التعبير عن الحقيقة بلغة رمزية والمجاز).

إن كلا من الأسطورة والفلسفة، يعكس في نظر الأستاذ الغرباوي قوة حضور الأسئلة المصيرية في حياة الإنسان، وطرق النجاة أو الخلاص. فكما يؤرق الخلاص الإنسان، كذلك ينعكس على وعيه وثقافته وفكره سؤال الحقيقة، الضارب في أعماقه، وإذا كان تعاطى الفلسفة تعاطيا لغويا، فإن الرمز هو دلالة الأسطورة، فترتهن له القدرة الاستنطاقية للباحث، من خلال وعي للواقع الموضوعي. بمعنى الاقتراب النفسي والثقافي، وهذا يتطلب فهم النسق الثقافي بشكل مترابط، لوجود علاقة جدلية بين أطرافه، فالفن مثلا لا يستغني عن الدين والمثيولوجية، وكذلك الدين يستمد من ثقافة المجتمع ما يعمق قدسيته، ورسم خارطة التابو والمحرمات والإملاءات العقائدية، وما يتفرع عنها من طقوس وعبادات.

وفيما يتعلق بمحددات الوعي يري الأستاذ الغرباوي أن هناك (5) محددات تؤثر في وعي الذات والآخر، ضمن العلاقات الاجتماعية، التي هي علاقة بين الرجل والمرأة، لا ينافسهما أحد من المخلوقات. ورغم وحدة المصير، غير أن المؤثرات النفسية والخارجية لعبت دورا في تشظي الوعي، وعدم تركيزه على البعد الإنساني، ومتطلباته الوجودية. وهذه المحددات، وهي في نظره الأستاذ الغرباوي علي النحو التالي :

1- دهشة الرجل: أمام التغيّرات الفسيولوجية الملازمة للمرأة، خلال دورتها، وأيام الحمل، وما بعد الولادة. ويبدو أن جهل الرجل بطبيعة ونفسية المرأة، جعله في حيرة، تتأرجح بين الخير المطلق، حتى ارتقت إلى آلهة تعبد من قبله. وبين الشر، وأنها مصدر الخطيئة، وسبب وقوع الرجل في المعصية، ولجوئه لطقوس التطهير، مما يعمق قلقه المصيري، وشكه بالخلاص، فتتحول هواجسه النفسية إلى مشاعر عدوانية حد الحقد، واحتقارها، ووصمها بالنقص الأنطولوجي، ونسبتها إلى الجن تارة، وإلى الشيطان أخرى. وبالتالي فهي مصدر قلق، لسعادته وشقائه. فتكون عبئا، باستثناء لحظاته الحميمة. ولعل في المنحوتات التي تضع رأس امرأة فوق بقرة، ما يؤكد حيرته، ودهشته، رغم أني لا استبعد المماثلة بينهما، باعتبارهما مصدرا للحياة. وكذا بالنسب للمنحوتات والتماثيل النسوية التي تؤشر على الأعضاء التناسلية، فهي تعبير آخر عن دهشة الرجل وحيرته بهذا المخلوق الذي يشاطره الحياة.

2- قلق المصير: الذي هو قلق وجودي مشترك، يفرض دقة في رسم العلاقات ووضع الحدود، بين الـ"أنا"، وما حولها، فتكون المرأة خارج الذات بالضرورة. وسؤال الإشكالية هنا، هو سؤال الخلاص، ومسؤوليتها عن الخطيئة، التي هي خطيئته التي يرفض الاعتراف بها.

3- الأسئلة الوجودية: وهي أسئلة تلازم الإنسان منذ وطأت قدماه الأرض، حينما وجد نفسه محاطا بأسرار الطبيعة، وما وراءها. ولا شك أن المرأة ستكون جزءا من تفكيره، لغرائبيتها، وتوقف الحياة عليها. حتى صارت الأنوثة رمزا للخصب والحياة في الأساطير القديمة.

4- الثقافة: التي هي نتاج مشترك لهما، فهي عامل رابع يؤثر في وعي الذات والآخر، إذ رغم أنها تجلٍ لتفاعلهما مع الحياة، لكن ثمة تطور داخلي في بنية الثقافة ومقولاتها وأنساقها، تنعكس لا شعوريا على وعي الفرد والمجتمع، ويكون العقل الجمعي دالا عليها. وهو عقل مستقل، له قوانينه وشروطه. فليس بالضرورة أن يكون موقف الرجل سلبيا من المرأة، لكنه يخضع لقيم الوعي الجمعي. ويقصد بالثقافة هنا الأعم من الدين والمثيولوجيا والفن والعادات والتقاليد، ليشمل مجمل نشاطات الفرد ضمن بيئته الاجتماعية، والتي تعكس تأملاته.

5- الخطيئة: التي لازمت المرأة في وعي الرجل، باعتبارها مصدرا للخطيئة الأولى، التي كانت سببا لنزول الإنسان إلى الأرض. واستمرت شماعة في كل مرة يرتكب فيها معصية أو ينتهك التابوات المقدسة التي رسمتها الآلهة. فالمسافة التي يضعها بينه وبينها يتحكم بها نوع الخطئية، وما يترتب عليها من تبعات، باعتبارها تجاوزا لحدود التابوات المقدسة. وطبيعة طقوس التطهير.

وبالتالي، وهذا ما يهمنا كما يقول الأستاذ الغرباوي، فإن وعي المرأة مرتهن لوعي الرجل، ضمن أطر البيئة الثقافية، والنظم الأخلاقية التي قامت على مركزية الذكر، لذا تختلف من مكان لآخر، ومن بيئة لغيرها، وما الأنثى الإله، سوى تطور مفهومي للعلاقة في ضوء المحددات الخمسة. فكونها مصدرا للحياة، ارتقت الى منزلة الأنثى الإله، يؤكده لقب "الأم الكبرى"، إلى جوار الأنثى الإله، فكونها مصدرا للحياة كان سببا لعبادتها، وقدسيتها. كما هو الحال بالنسبة لعبادة البقر باعتبارها مصدرا للخير والعطاء. فألوهية المرأة تكمن في عطائها لا في إنسانيتها، وقدراتها العقلية، وعبادتها لا تعني الاعتراف بإنسانيتها بل لأنها مصدر للحياة، مثلها مثل البقرة. يتضح هذا جليلا من خلال الملاحم والرموز الأسطورية. بل أن إنسانية المرأة غير مطروح أساسا، وتبعيتها للذكر أمر مفروغ منه، ضمن ثقافة العبودية، التي كانت سائدة آنذاك، والتي كانت تعيد انتاجها باستمرار، وهي ثقافة لا إنسانية تصادر المرء حريته واستقلاليته، وتجعل منه عبدا مملوكا لسيده.

وفيما يتعلق بالأنثى الإله يقول الأستاذ الغرباوي : لا شك أن القداسة هي جوهر الآلوهية، وأن قوة المقدس بقوة رمزيته، وما يفرضه من تابوات ومحرمات وشرائع، ومن ثم ما يقرره من طقوس التطهير التي يرتهن لها قلق الخلاص، الذي هو قلق مصيري – وجودي. الآلهة مناصب ميثيولوجية، تختص بالذكر دون الأنثى، ما لم تنل ترقية قدسية من خلال الاقتران بالإله الذكر. فسلطة الآلهة سلطة ذكورية بالأصالة، وهي  تجلٍ لثقافة المجتمع. والإله يفيض على المرأة قداسته، فتكتسب قدسيته، وقد يجردها منها. كما في أسطورة "إنانا" ونزولها للجحيم، وتجريدها من ملابسها بعد اجتيازها الأبواب السبعة، وهي رمز لتجريدها من كافة سلطاتها المرسومة (راجع:  ميرسيا إلياد، ج1).

وهنا يفرض السؤال المركزي في جهود التنوير نفسه كما يقول الأستاذ الغرباوي: أين إنسانية المرأة في الأساطير القديمة؟ وهل ثمة ما يؤكدها ثقافيا؟. فترقية "الأم الكبرى" إلى "الأم الإله"، لا يبرر إنسانيتها، وإنما هو مقام قدسي باعتبارها مصدرا للحياة. فزاوية النظر تتجه لعطائها المادي، وليس لإنسانيتها، التي يفترض أن تعم جميع النسوة، لا فقط "الأم الكبرى"، التي ضمنت القيم الاجتماعية تقديسها في جميع المجتمعات. وسؤالنا المركزي عن مصداقية البعد الإنساني، ومدى وفاء الأساطير به. وبالتالي فالسؤال عن حرية المرأة واستقلاليتها، يتوقف على الاعتراف بإنسانيتها، وهذا ما جاهدت لأجله المرأة بدءا من منتصف القرن التاسع عشر الميلادي. إن إنسانية الإنسان شعور داخلي، يجسد شعوره بالأنا، ورغم ما تقدم عن وعي الذات في ظل نظام العبودية، لكن هذا لا يقمع الشعور بإنسانية الإنسان، وحاجته الماسة لتأكيد ذاته. وهو هدف للمرأة الواعية، حينما تخدمها فرص الحياة، وقد عبّرت عن هذا أسطورة "إيزيست" آلهة التعليم، بعد زواجها من الملك، وترقيتها لمنزلة الإله، تبعا لا أصالة. وهناك إلهة نسوة للكتابة والتاريخ (أنظر: ميرسيا إلياد)، فالمرأة بهذه الرمزية تتخد من التعليم والكتابة وسيلة لتأكيد إنسانيتها، التي لا تتجلى إلا من خلال نشاطها وحضورها الثقافي والاجتماعي.

وننتقل إلي قضية المرأة والفلسفة، حيث يخبرنا الأستاذ الغرباوي فيقول : واجهت المرأة عبر تاريخ الفلسفة محنة الوعي الفلسفي، متمثلا بأفلاطون وأرسطو، ومن جاء بعدهما، الذي كان يؤسس لتبعية المرأة للرجل وعدم الاعتراف بوجودها الأنطولوجي، ففي نظر أفلاطون، أنها خلقت من نفس الرجل، وليس لها وجود مستقل.

وكان أرسطو يطالب بوضع المرأة تحت وصاية الرجل، لتدارك عدم عقلانيتها، وضعف الإرادة والتدبير. كما يلاحظ الموقف القاسي من  المرأة في فلسفة نيتشه ومختلف كتاباته، حتى وصفها بنصف البشرية الضعيف. ومخلص الموقف الفلسفي من المرأة، هي رؤية سوداوية، متعسفة، تسلبها إنسانيتها، وتحملّها مسؤولية جميع موبقات الرجل. وقد بقيت منبوذة، مكروهة، يخجل الرجل البدوي من وجودها: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ). فالفكر الفلسفي لم يساهم في تحرير وعي المرأة، بل وكرّس منطق الوصايا، وأسس لكراهيتها ونبذها، حتى وهو يوصي بتعليمها.

إن كفاح المرأة كما يقول الأستاذ الغرباوي كفاح مرير عبر التاريخ، ونضال مستمر للتحرر من هيمنة الرجل ووصاياه الذكورية، ولم تترك المرأة فرصة إلا واستثمرتها لتأكيد الذات، مما يؤكد أصالة البعد الإنساني، على الضد من الخطاب المثيولوجي والخرافي، الذي ينسبها لضلع الرجل، وأنها سيئة من  سيئاته. يشهد لذلك تصدي المرأة لمسؤولياتها، متى توفرت الأجواء المناسبة، ويشهد الكتاب الكريم لملكة سبأ، الذين حكمتهم بأداء سياسي متوازن. وغيرها أمثلة كثيرة. ولا يخفى حجم ما تحدثت عنه الأساطير القديمة عن المرأة الإله، سواء في سلوكها الإيجابي أو السلبي، الذي كان يتمثل في تهورها بالقوة، والاستهتار بالجنس وبالحياة، لكن بالتالي كل هذا يؤكد قوة حضورها، فعلاقة المرأة بالأساطير نالت مساحة واسعة من رمزيتها، ودونت لنا تاريخ المرأة عبر المقدس والمدنس، وعبّرت عن مكامن رغباتها في الخير والشر، والأهم أجد في بعض الأساطير نضالا دؤوبا لتأكيد الذات، واستعادة إنسانيتها. فهي حينما ترغب بالانفصال عن الرجل، تريد تأكيد ذاتها، وإنسانيتها.

. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي مع أستاذي الدكتور حسن حنفي بأن التواصل بين الأجيال أحد مكونات الوعي التاريخي؛ حيث إن كل جيل يبدأ من الجيل السابق ويتجاوزه؛ فلا يوجد جيل بلا أساتذة إيجاباً أم سلباً؛ وكل جيل يواصل الجيل السابق ويقطع معه؛ ولا أحد يبدأ من الصفر حتى يحدث التراكم التاريخي الضروري لبلورة الوعي التاريخي الفلسفي كنواة للوعي التاريخي العام. ولا يعني تواصل الأجيال التكرير؛ تكرير الجيل اللاحق للجيل السابق أو المديح والتقريظ الذي يصل إلى حد التملق والتفخيم والتقديس والتأليه طلبا للشهرة الإعلامية والذي ينقصه الصدق نظرا لأنه يتوجه للكل وفي كل المناسبات بلا استثناء . بل يعني القدرة علي الإكمال وإعادة القراءة من الزمن الأول؛ زمن كتابة النص؛ إلى الزمن الثاني؛ زمن قراءته والذي قد يصل إلى حد نصف قرن؛ قل أو كبر؛ وهو عمر الجيل . يعني إعادة كتابة النص الأول ونقله من ظروفه الأولي إلى ظرفه الثاني؛ وكأن الجيل السابق قد بعث من جديد في روح الجيل الحالي؛ وأخذ  يتكلم بلسانه؛ فالروح تتواصل في التاريخ؛ والتاريخ يتراكم في الروح؛ والمراحل تتوالى علي الأمد القصير والدورات تبدأ وتنتهي علي المدي الطويل

وإذا كانت لكل عصر من العصور سماته وقضاياه؛ فإن الكثير من قضايا العصر الحديث  مرتبط بالمرأة؛ فالحديث لا يتوقف ولا يهدأ عن تحرر النساء وحقوقهن السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ وعن إزالة كافة أشكال التمييز عنهن؛ كثر الحديث عن المرأة في التاريخ وعند الفلاسفة والمفكرين .

ولقد ظهرت فلسفة حديثة أطلق عليها الفلسفة النسوية أو الفلسفة الأنثوية أخذت علي عاتقها أن تري الوجود كله بعيون الأنثي؛ حتى العلوم الطبيعية أخذت نصيبها من الفلسفة؛ ومع بداية العصر الحديث ومع قيام الثورة الصناعية والحاجة للمزيد من الأيدي العاملة؛ ومع حروب عالمية استهلكت البشر كما استهلكت البيئة؛ كان التدشين لعصر جديد للنساء يدخلن آلة العمل بقوانينها الجبارة؛ وكان لا بد من قيام أفكار وفلسفات جديدة لخدمة هذا التوجه؛ فكانت حرية المرأة؛ وحرية الجسد؛ والبحث عن دور جديد للنساء ... الخ (وذلك حسب ما ذكرته الباحثة سلوى محمد نصره في مقدمة كتابها الفلسفة النسوية في فكر الإمام محمد عبده).

ومع دخول القرن التاسع عشر ظهر الفكر النسوي في شكل ثورة تطالب خلالها بحقوق المرأة نتيجة الاضطهاد الذي عانت منه عبر العصور وفي مختلف الديانات، انطلاقا من نقدها للسلطة الكلية للرجل على المرأة من خلال تغيرها لعدة مفاهيم، فتعتبر أن الأبوية ذريعة اتخذها الرجل للسيطرة على المرأة، باستغلاله لطبيعة جسدها الضعيف أمام جسده، فليكون هناك توازن على المرأة أن تحقق هويتها وذاتها بأن تكون عنصر فعال في المجتمع، لتظهر خلال هذا كله موجات وتيارات نسوية، فالموجات النسوية تمثلت في ثالث موجات ابتداءً من الموجة الأولى التي كانت تبلوراتها خلال سنة 1792م كتمهيد للموجة الثانية التي كانت بين سنة 1960م حتى نهاية القرن 20م، لتأتي الموجة الثالثة كآخر موجة التي كانت بداياتها من التسعينيات لتمتد إلى يومنا هذا؛ حيث عملت النسوية خلال هذه الموجات إعادة الحقوق للمرأة مهتمة بكل قضايا المرأة. نفسها. لنجد التيارات على تحقيق العدالة والنسوية التي تبدأ بالتيار النسوي الماركسي، ثم التيار النسوي الليبرالي، فالتيار النسوي الاشتراكي، أخيراً نجد التيار النسوي الراديكالي. لتبرز الفلسفة النسوية الغربية وحتى العربية في كافة المجالات العلمية والفكرية.

ومن أهم المفكرين الذين أولوا قضية المرأة عناية فائقة والمنظرين لأسس الفلسفة النسوية بمفهوم ورؤية خاصة تستحق الدراسة والتحليل هو الأستاذ ماجد الغرباوي؛ ذلك الرجل الذي يمثل (كما قال الأستاذ شاكر فريد حسن في مقاله ... ماجد الغرباوي المثقف التنويري والمفكر المضيء): رمز ونجم فكري وثقافي نقدي لامع يتجدد كل يوم في فضاءات العلم والثقافة والسياسة والمعرفة؛ ويقف ضمن طليعة المفكرين والمثقفين العرب المستنيرين والنقديين المشتغلين على نقد الفكر الديني والحركات الاسلامية ومسائل النهضة والاصلاح والتجديد والمعاصرة والتنوير والعنف والتسامح بين الاديان والعقائد والمذاهب؛ وقضية المرأة ومسألة تحررها المرتبطة بتحرر المجتمع كله . فهو يتمتع بموهبة أدبية ابداعية وخلاقة وآفاق علمية واسعة؛ ويتصف بالذكاء والفطنة والبصيرة الثاقبة وبعد النظر والرؤية الواضحة والوعي المتجدد المتوهج المتوقد ... وهو المفكر المتواضع الثري بالثقافة الاسلامية والفكر الانساني والوعي النقدي؛ والانسان العصامي؛ الصلب؛ المقاتل والمحارب بالكلمة والقلم؛ والثورة لديه فصل حب وعشق كوني شمولي ... هو كذلك المفكر المتمرس المتبحر في التراث الاسلامي؛ يملك الأسس العقلية المنفتحة والأدوات الفنية التي يعتمدها اسلوبه الكتابي النقدي ومقارباته الفكرية والثقافية؛ التي تعد اهم ركائز واوليات الاستنساخ للمثقف المبدع الخلاق المبتكر المجدد ... وهو أيضا كاتب وباحث عميق وجاد؛ صاحب مشروع فكري نهضوي معاصر يسعى من خلاله الى ترشيد الوعي عبر تحرير الخطاب الديني من سطوة التراث وتداعيات العقل التقليدي؛ ومن خلال قراءة متجددة للنص الديني على اساس النقد والمراجعة المستمرة من اجل فهم متجدد للدين كشرط أساس لأي نهوض حضاري وعصري متقدم وجذري  يساهم في تأصيل قيم الحرية والتسامح والعدالة في اطار مجتمع مدني خال من العنف والتنابذ والاحتراب .

والسؤال الآن : ما هي رؤية ماجد الغرباوي لأفكار الفلسفة النسوية من مكانة المرأة ؟ والمساواة؛ والحرية؛ وحقوق المرأة وأيضا موقفه من الفلسفة النسوية الغربية والفلسفة النسوية العربية؟ ما وماهي المنطلقات الفكرية في نظر الأستاذ لنسوية ما بعد الكولونيالية ؟ وهل يعد القهر الذي تتعرض له المرأة موضوعا عالميا وليس موضوعا عربيا؟؛ وكيف تقهر المرأة من وجهة ماجد الغرباوي ؟ وما هو مفهوم النظام الأبوي وما ماصدقاته؟ وماهي الأصول الفلسفية لتبعية المرأة في هذا النظام ؟ وما فلسفة النظام الأبوي في تربية المرأة ؟   وذلك من وجهة نظر الأستاذ انطلاقا من الايدلوجية التي يتبناها ماجد الغرباوي ؟ وأسئلة كثيرة أخري صاغها كاتب تلك السطور وأجاب عنها بإفاضة الأستاذ ماجد الغرباوي .

إن رؤية ماجد الغرباوي تتضح من خلال مشروعه التنويري والذي يقول عنه: أما عن مشروعي، فسأبداء ببيان الخطوط العريضة لرؤيتي حول النسوية، معززة بالمبادئ التي اؤمن بها:

أولاً - أسعى في مشروعي إلى إقامة مجتمع مدني متحضر، يأخذ بأسباب العلم والمعرفة، ويعزز قيم الدين والفضيلة، باعتبارهما قيما إنسانية أصيلة تكافح الظلم والعنف وتعضّد روح التسامح والسلم الأهلي. وتقوض مشاريع الهيمنة والتوسع والسيطرة، وخطط إذلال الشعوب ونهب ثرواتهم. وتساهم في التحرر من سطوة المؤسسات الدينية والأفكار المتطرفة والهدامة. وعلى هذا الأساس أقارب موضوعات النسوية تارة باعتبارها فردا، وثانية باعتبارها جزءا من المجتمع.

ثانياً- تعريفي لمفهوم النسوية - Feminism، وفقا لمفهوم الفلسفة المعاصرة، القائمة على النقد والعقلانية، هو: (تحرير وعي المرأة وإعادة تشكيله وفق رؤية إنسانية عادلة). ليكون موضوعها: (نقد مكونات الوعي وارتهانات تشكيله). وقد تمت الإشارة له سابقا، أذكر به للمناسبة.

ثالثاً - تبدأ الخطوة الأولى على طريق تحرير المرأة، واستعادة حقوقها، من استرداد إنسانيتها، واستعادة ثقتها بنفسها، وبعقلانيتها وحكمتها وقدراتها العقلية والنفسية، بعد تحرير الوعي من تراكمات التربية والبيئة وسطوة التراث والعادات والتقاليد، وعقد النقص والدونية.

رابعاً - توظيف الخطاب الديني العقلاني، وقيم الحضارة الحديثة، والقيم الأخلاقية والإنسانية، لإعادة تشكيل وعي الرجل بالمرأة، وانتزاع اعتراف حقيقي بإنسانيتها، يضعها على قدم المساواة معه. للتخلص من منطق المنّة والشفقة والتكرّم والتفضّل المستوطن وعي الذكر في تعامله معها.

خامساً - ما لم يكن اعتراف المجتمع بإنسانية المرأة اعترافا حقيقيا يبقى التسامح معها تسامحا شكليا، ويواصل الرجل نظرة الازدراء، يضع نفسه فوقها، ويتعامل معها بتعالٍ ذكوري.

سادساً - تستمد حقوق المرأة مشروعيتها من إنسانيتها. تبقى تدافع عنها على هذا الأساس، وتشعر بالظلم والإهانة عند الاستهانة بها. أما المرأة المنهزمة فتبقى مشروعية حقوقها مرتهنة للرجل وإرادته. فتتعرض للاضطهاد والظلم، دون التمرد عليه باعتباره قدرها. وهذا فارق جوهري اؤكد عليه دائما في مسألة النسوية، وأعتبر جميع الحقوق بناء فوقيا، ينبغي أن يؤسس على أسس إنسانية وعقلية وأخلاقية. ينبغي للمرأة أن تحدد حقوقها بنفسها، بعيدا عن سطوة الرجل وسلطته. وهو ما نراه الآن، حيث الذكر هو الذي يحدد حقوق المرأة.

سابعاً - أؤمن من حيث المبدأ بحرية المرأة ومساواتها مع الرجل، ما لم تمسا قيم الفضيلة، التي هي أساس تماسك الشعوب. لذا أميل للحرية العادلة، والمساواة العادلة. والعدالة قيمة نسبية، تحددها مصالح الشعوب ومرتكزاتها الفكرية والعقدية إضافة إلى التزاماتها الاجتماعية (عادات، تقاليد، تعليمات دينية، لوائح قانونية، مقررات) التي تستمد شرعيتها من شرعية تعاقد مضمر بين أبناء الشعب، أو عقد اجتماعي، وجود الفرد يؤكد قبوله به، فيفرض عليها الالتزام به. ومن يعش داخل مجتمع، يلتزم بما يلتزم به أفراده. التزام يحيل على عقد اجتماعي يستمد شرعيته هو الآخر من عدالته والالتزام به. وقد يحد المجتمع من حريات أفراده، شريطة أن تكون قيودا عقلانية، تصب في مصلحة الجميع، وينتفي عنها صفة الاعتداء والظلم. أي أن تحديد الحرية التي هي صفة وجودية للإنسان، لا يعتبر اعتداء، مادام له مردود إيجابي على الجميع والمرأة جزء منه. فهي تتنازل عن بعض حريتها لأجل تعزيز قيم الفضيلة التي تعضد تماسك الشعب. وهكذا بالنسبة للمساواة، فهي حق للمرأة أصالة، لكن لا ينبغي للرجل استغلالها لإقحام المرأة باسم المساواة إلى سلوك يضر بمصداقيتها، كأن يجبرها على عمل شاق فوق طاقتها وقابلياتها، باسم المساواة فيوجب عليها ذلك، لذا اشترطت في المساواة العدالة، كشرط أساس لتحقيق توازن قيمي، يراعي خصائص المرأة، خاصة البايلوجية. والعدالة تحفظ حقوق الجميع، دون غَبن أو ظلم. فثمة فرق بين الحرية والمساواة باعتبارهما لازمين لوجود المرأة. وبين الحرية والمساواة كممارسة اجتماعية خاضعة لشروط العقد الاجتماعي.

ثامناً - الدين تجربة روحية تروي ظمأ الإنسان المتعطش للمطلق، والمرتهن للغيب والمقدس. يغمره قلق مصيري لا شعوري، وتوق جنوني للسمو يستبد به وهو يعيش تجربته، فتنعكس آثارها على سلوكه ومشاعره ومواقفه. والدين بهذا الفهم الصوفي يساهم في تعميق قيم التسامح والسلم الأهلي، حينما يضفي الدين معنى لحياته وتضحياته، ويرفد المجتمع بقيم المحبة والسلام، ويساهم في تماسك الأواصر الاجتماعية، والحث على العمل الصالح. وعدم التآمر ضد مصالح شعبه ووطنه. لا يسود الاستقرار والأمن، ولا تحقق المواطنة أهدافها من خلال القوانين وقوة القضاء، بل ينبغي وجود ثقافة موازية تثقف الشعب على القيم والمبادئ الكفيلة باستقرار الشعب. والدين بالمعنى المتقدم يلعب دورا إيجابيا عندما يخلق وازع التقوى، وحب الخير، وحينئذ سيلتزم بالأنظمة والقوانين حتى في خلواته بعيدا عن عدسة الرقيب الأمني. وهذا النمط الديني يعارض منطق الفرقة الناجية، ويفتح باب النجاة أمام  الجميع، ويحول دون دعوى احتكار الحقيقة، وسيادة منطق التكفير.

تاسعاً - الأحكام الشرعية، أحكام نسبية، ترتهن فعليتها لفعلية موضوعها، وبعد أربعة عشر قرنا، حصلت تحوّلات حقيقية، ينبغي أخذها بنظر الاعتبار، إذا أن الشريعة قائمة على أساس ملاكات ومصالح ومقاصد، ويمكن اعادة النظر بجملة منها، باستثناء بعض العبادات.

عاشراً - أهم إشكالية تواجه المرأة عامة والمرأة المثقفة خاصة، تحرير العقل الجمعي من ذكوريته وسلطويته واستخفافه، ليرقى إلى مستوى إنسانيته في تعامله معها. مع تعميق ثقتها بذاتها وبمنجزها، بعيدا عن تاء التأنيث، تحاشيا لإعادة انتاج الذكورة من خلال تكريس الأنوثة. وهذه اشكالية مركبة، تتطلب من المرأة عملا مزدوجا. تنقية العقل الجمعي من قيم التمايز الجنسي، وتأكيد إنسانيتها، من خلال مواقفها ومنجزاتها بعيدا عن التكريس اللاشعوري للأنوثة. فتارة تكرّس المرأة الذكورة وهي تقاوم تحدياتها، فتعيد انتاجها بصيغ مختلفة. وهذا ما يحصل حينما تصرّ المرأة على تأنيث منجزها تفاخرا أو تحديا، أو تكريسا لخصوصيتها، ليبقى المجتمع العربي في دوامة ثنائية المرأة / الرجل. الذكر / الأنثى. وتبقى نبرة الرجل تعلو صوت المرأة، رغم حضورها الكبير على المستوى العلمي والأكاديمي والاجتماعي والثقافي والأدبي والفني. بل ونافست الرجل في أعلى مناصب القيادة عندما مارست السلطة والحكم (رئيسة دولة أو رئيسة وزراء)، أو كوزيرة ومستشارة، ومديرة، ورائدة فضاء، وبرلمانية... وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

الشعبوية تعنى بالشعب والجماهير، خاصة من الناحية الكمية وليست الكيفية، وما يؤثر في توجهات الجماهير سلباً أو إيجابا، ومتعلق في مسألة الوعي الجمعي والمجتمعي.

وقد ارتبطت الشعبوية بالعمل السياسي، ولكننا لا ننكر أنها تسربت إلى كل أنماط السلوك والعمل الاجتماعي، ويلعب وعي الجماهير دورا كبيرا أيضاً في توجيه السياسيين والدينيين وغيرهم من المعنيين في الساحات الاجتماعية.

ولو انتقلنا بالفكرة من بعدها السياسي إلى بعدها الديني والثقافي، لوجدنا أن الشعبوية هي جزء من سلطة العوام على مسيرة تطور الفكر الديني والثقافي، التي تتحكم بعمل الفقيه في استنباطات الحكم وفق أسسه السليمة، وتلعب أيضا في رسم توجهات كثير من المثقفين، ورسم معالم أولوياتهم في الاصلاح والنهضة، وعلى مستوى الثقافة والفكر والنقد والأدب.

أي ان النظام المالي ليس المعني الوحيد بهيمنة العوام على هذه المسيرة، ولكن أيضاً الشعبوية، التي إما يتقوى بها الفقيه والنخب من المثقفين والمفكرين السياسيين لطرح ما لديهم من أطروحات قد يكون بعضها تقليدياً تراثياً، أو بعيدا عن هموم النهضة ومعيقاً في مسيرة تطور الفكر الديني والثقافي، وإما أنها تكون القيد الذي يقيد الفقيه وتلك النخب ويحد من قدراتهم للإفصاح عن الحقيقة "الفتوائية" لحكم ما، خوفا من العوام، وأيضا ينطبق ذلك على النخب الفكرية والثقافية.

فلولا العوام لكان الكثير من الفقهاء والنخب مبسوطو اليد واللسان في الافصاح عن حقيقة كثير من الفتاوى والأفكار التي تم التعتيم عليها، خوفا من العوام.

فنحن هنا أمام عدة حالات أهمها:

١- شعبوية تعيق وتقيد العلماء والنخب، وهنا موقف هذه النخب يعتمد على تشخيص الأصلح والأهم، إما وفق قاعدة تزاحم وتعارض المصالح، أو قاعدة تشخيص المصلحة والمفسدة، ولكل حالة يفترض من النخب دراستها وفق أسس سليمة وتشخيص مفاسدها ومصالحها ومن ثم بناء موقف وفقا لدراسة التشخيص الأنسب، أما الرضوخ الغير مدروس بحجة الخوف على المشاريع الخاصة، أو العزل الاجتماعي، فإن ذلك يكرس مع الجهل على حساب الوعي، وهنا لا أدعو لمواجهة هؤلاء مواجهة عنفية، بل أعني أن النخب من العلماء والمثقفين وظيفتهم هنا تشخيص الموقف الأنسب لكشف الحقيقة وآليات كشفها، ورصد كل الوسائل الممكنة في مواجهة هذه الشعبوية الصوتية غالبا، مواجهة معرفية مدروسة.

٢- شعبوية ترجح آراء لحساب آراء، وهذه الشعبوية غالبا لا تعتمد في ترجيحاتها على مرجحات علمية وموضوعية مدروسة بشكل دقيق، بل تعتمد غالبا على انفعالاتها وميولها خاصة العقدية، لذلك تلعب دورا مهما في تقوية مسار ضد آخر، وفي تبني آراء وإهمال أخرى، وهذه الشعبوية يستخدمها كثير من النخب من العلماء والمثقفين في مواجهة الآراء الأخرى خاصة الجديدة منها، مواجهة ليست معرفية قائمة على المحاججات البرهانية، بل مواجهة عنيفة يسقط فيها المختلف اجتماعيا وتسقط معه آراءه حتى لو كانت صائبة، وهذه هي الشعبوية الموجهة التي يستغلها البعض لتحقيق ما يراه هو، فهناك مرجعيات دينية وعلماء ونخب وخطباء استطاعوا فعليا أن يستخدموا سلطة العوام، أي الشعبوية، في الحفاظ على مكتسباتهم الفكرية التي تعتمد على التراث أكثر من اعتمادها على أصول ثابتة ومعاصرة في الفكر الديني. وقد تكون ظاهرة المنابر وما يرشح عنها هي أكبر ظاهرة تدلل على سلطة العوام، فالكثير من الخطباء يلجؤون إلى الطرح، إما التقليدي جدا البعيد عن واقع الدين والمختلط بالأعراف والتقاليد الباطلة، وإما إلى الطرح المذهبي القصصي نزولا عند رغبة عوام الناس.

٣- شعبوية واعية تواجه الانحراف بكافة أشكاله، وتضم في صفوفها النخب الفاعلة، التي تواجه الآخر المختلف مواجهات معرفية رصينة، تقوم على المحاججات البرهانية، ويكون جل همها رفع منسوب الوعي عند الجماهير، وتحويلها لرصيد فاعل في النهضة والتغيير.

فوظيفة المثقف أن يكون هو الراصد للإشكاليات الاجتماعية وهموم المجتمع، وأن يلعب دورا فاعلا وإيجابيا في وعي الجماهير وتوجيه هذا الوعي في تحقيق واقع الاصلاح والتغيير، وليس تحقيق مصالحه الخاصة. فالشعبوية ليست شر مطلق ولا خير مطلق، بل هي تعتمد كأداة فاعلة في التغيير، على الوعي وعلى معايير الخير والحق، وهي معايير على المثقف أولا استيعابها بشكل فاعل ، هذا إضافة إلى أن المسؤولية المكتنزة في داخل المثقف هي التي تدفعه لمواجهة القوة الخفية في الاجماع الشعبوي على قضية من القضايا، لأنها تعري مخاوفه النابعة من حب الانتماء للجماعة، والتي يرتفع منسوبها عند بروز إشكاليات اجتماعية يريد أن يواجهها بوعيه لا بوعي الإجماع الشعبوي، وتحت ضغط حب الانتماء والخوف من الإقصاء الاجتماعي والعزل التي تبرز عند الإجماعات الشعبوية وقوتها الخفية، فالمثقف عليه التخلي عن هذا الشعور الانحيازي للانتماء وحاجته له، وأن يواجه هذه القوة الخفية وهذه الحاجة الذاتية بفهم الواقع، وإدراك واقع هذه الإشكاليات وجذورها ومواجهة الإجماع الغير صائب، بالحقيقة والحلول التي تحل هذه الإشكاليات جذريا وليس ترقيعيا نزولا عند رغبة المجتمع، مراعيا في ذلك القابليات المختلفة في المجتمع، وموظفا خطابا يدركه الجميع، ومراعيا الرفق في طرح الحقيقة بتدرج لا يخل بالواقع وحقيقة الحلول.

"يؤكد مولر في كتابه[2] على ضرورة الحوار مع الشعبويين والإنصات لجمهورهم وعدم معاملتهم بدونية واحتقار، وهو ما يستلزم أيضاً محاولة فهم السياقات التي تدفع بالجماهير إلى الارتماء في أحضان الحركات الشعبوية، وهو تنبيه مهم في سياق مآلات الربيع العربي، خاصة وأن هذه المآلات السلبية في عدد من دول الربيع قد أدت بالعديد من النخب إلى تغليب الرأي القائل بأن الجماهير ميالة دائماً للعاطفة والعنف. فأحد المؤشرات المثيرة للاهتمام على هذه النظرة الدونية في الدول العربية هي الشعبية التي أصبح يتمتع بها في السنوات الأخيرة كتاب “سيكولوجية الجماهير” الذي صدر منذ أكثر من قرن للمفكر الفرنسي غوستاف لوبون، وهو كتاب يؤكد على النوازع العاطفية والغرائز اللاعقلانية والتدميرية للجماهيرـ وهي رؤية  لا تخلو من التبسيط، وتؤدي في نهاية المطاف إلى نفس النظرة التحقيرية والمتعالية التي يحذر منها مولر"[3][4].

وللشعبوية اليوم أدوات عديدة وجديدة، فلم تعد الساحات العامة والأماكن الحساسة في البلد هي الساحات الفاعلة فيها تلك الجماهير، فاليوم هناك وسائل سهلة جدا ومتوفرة بشكل كبير لدى الجماهير، أهمها مواقع التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى منابر صوتية، يمكن من خلالها تشكيل رأي عام ضاغط يدفع باتجاهات غالبا صوتية غير مدروسة، وتكون في كثير من الأحيان مؤثرة في قرارات أي سلطة، دينية كانت أو ثقافية أو سياسية.

فبعد ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، لم تعد صناعة الوعي محصورة دون صدى، بل باتت تفاعلية ذات صدى عالمي، يتفاعل فيها الأفراد من المجتمعات المختلفة تفاعلا تواصليا ينعكس على حركة الوعي الفردي والاجتماعي، وتتواصل فيها مكونات المجتمع كافة بشكل مباشر وإن افتراضي مع النخب من العلماء والمثقفين والمفكرين والأكاديميين، وتطرح الأسئلة بكافة إشكالها دون حرج، ويتم التفاعل مع هذه الحوارات والآراء بشكل مفتوح وواسع وكبير جدا.

ويتم من خلال هذا التفاعل تشكيل حركة موجية تتسع بشكل سريع ومتدرج تنتقل فيها الآراء والمعلومات بسهولة، ويتشكل خلالها وعي غير مكتمل، كون هذه المنصات إما تتحكم بها قوانين معينة أو محددات تمنع من تعميق الأفكار وتكاملها، وتطرح رؤوس أقلام تتحول ضمن ثقافة الجمهور إلى مسلمات دون فحص كل جوانبها ومبانيها وزوايا النظر فيها. فيتم تلاقف الآراء التي قد يكون مصدرها مجهولا أو منسوبا لشخصيات موهومة، يتم تناقل هذه الأفكار كمسلمات معرفية، بسرعة كبيرة تنتشر في مساحات وعي الجمهور وتشكل إما معول هدم وتبديل، أو معول بناء وتطوير، ويعتمد ذلك على نوعية الأفكار، ومستوى وعي الوسط الاجتماعي المطروحة فيه، ومدى فاعلية النخب وقدرتها على تفنيد تلك الأفكار ومواجهة غثها وسمينها.

وفي دراسة للمركز الديموقراطي العربي بعنوان : "دور مواقع التواصل الاجتماعي في السياسة الدولية" يذكر: "لقد أحدثت مواقع وسائل التواصل الاجتماعي ثورة في عوالم الاتصال والتواصل والمعلومات ، ومست بقوة بمنظومات القيم الاجتماعية والثقافية وتدخلت على نطاق واسع في تغيير البنى والمؤسسات السياسية وفي حتى التلاعب بموازين القوى السائدة ، فقد أجمع خبراء الاتصالات على أن دخول أدوات الاتصال الجديدة إلى مجتمع ما ، يؤدي حتما إلى تعديلات وتأثيرات في منظومة القيم الإجتماعية مما ينعكس على النظام السياسي الداخلي ، وعليه فمنذ انطلاق مواقع التواصل الاجتماعي عبر شبكة الانترنيت والمتضمنة (face book  &Twitter & YouTube)    وإلى حد هذه اللحظة بلغ عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في العالم إلى ما يقارب ٤ مليارات مستخدم يملكون حساب وصفحة، سواء أكان هذا الحساب في الفيس بوك أو التويتر او الانستغرام أو حتى تطبيقات الأندرويد) فايبر و واتس اب وتليغرام ..الخ (حيث لاتزال هذه الوسائل تلقي الرواج والانتشار السريع لأنها اصبحت (ثورة العصر) أولاً ، وثانياً هناك من وضع الخطط لنشرها عن طريق توفيرها بأسعار زهيدة الثمن وتكاد تكون مجاناً ، ولذلك يختلف تعامل الدول والمجتمعات مع هذه الأدوات التواصلية من دولة لأخرى، وذلك حسب نظامها السياسي وأيديولوجيتها ودرجة حساسيتها الثقافية والسياسية"[5] .

"أن الابعاد الخاصة بشبكات التواصل الاجتماعي والتي لا تنشأ في الأصل من فراغ وإنما تخضع الى اعتبارات إيديولوجية فمؤسسو الشبكة سواء كانوا أفراداً أو جماعات يتبنون أفكاراً معينة، وتنشأ بناء على هذه أفكار الشبكة (نموذج شبكة الفيس بوك)، وهذا لا يعني أن هناك حالة سكونية في البناء الشبكي، إذ قد تتغير الوجهات الفكرية لمؤسسي الشبكة تبعاً لتغيير الإيديولوجيا المسيطرة على تفكريهم، خاصةً أن الإيديولوجيات ليست حتمية ولذلك ظهرت محددات تبرز الطابع الإيديولوجي للشبكات الاجتماعية ومنها:

١- الإيديولوجيا السياسية وما يدور حولها من أحداث، أذ أصبحت هذه الشبكات أشكالاً من المداولة والنقاش حول الشأن العام، وسمحت للنخب تجاوز أليات تغيبها في المجال العمومي التقليدي الذي تسيطر عليه الدولة.

٢- الشبكات الاجتماعية لا تعمل بمعزل عن سياقها أي (المجتمع الافتراضي (، و إذا كانت الفرضية الأساسية للمجتمع الافتراضي منذ نشأته ترتكز على مشاركة الاهتمامات، فإن الأفراد أو الجماعات عند النفاذ إلى الشبكات الاجتماعية، يحتكمون إلى الاهتمامات التي تعد بدورها محدداً إيديولوجياً ينطوي على عنصر اختيار، يستمد مرجعيته من الأطر الفكرية الحاكمة للمستخدمين.

٣- إن الشبكات الاجتماعية أفرزت أشكالاً جديدة من الفعل الجماعي، وخلقت فضاءات بديلة اقتضت جماعات افتراضية، وتكونت حولها مشاغل مشتركة سياسيه واجتماعية وفنية ورياضية ومهنية تنطلق من أيديولوجيات متعددة. 

بروز قادة رأي عام حدد لهم منابر إعلامية وتقنياتهم الخاصة لحشد الجماهير وتعبئة الأفراد ،وقد تكون هذه من أهم المحددات الإيديولوجية للشبكات الاجتماعية ، وذلك لكون قادة الرأي العام في مواقع التواصل يؤثرون بالمجتمع، وأصبحوا فاعلون باستطاعتهم أن يغيروا في الحياة ألاجتماعية والسياسية والثقافية ، ومع هذا وفي ظل تحولات العالم سياسية وخصوصا الواقع العربي برز فاعلون جدد من مختلف دول العالم، لا يأخذون جهداً في التسلسل للمجتمع الشبكي والذي أصبح نظاماً للعلاقات السياسية والاجتماعية والإنسانية والاتصالية ومتحكما فيها أيضا ، إذ يحاول هؤلاء استغلال أية وسيلة أو منصة لتكون وسما لهويتهم[6]. 

"من الناحية السيسيولوجية، فأن دخول التكنولوجيا الرقمية في المجتمع حوّل التفاعلات بين الإفراد ووسطهم الاجتماعي، لكن التطورات الاجتماعية بقيت مستقلة عن التقنية نفسها، فالإنترنت والهواتف المحمولة لها قدرة فائقة على محو الحدود بين الفضاءين العام والخاص واختصار المسافات واختزال الوقت، مما يجعل العمل الجماعي أكثر فعالية وتأثيراً، أي أنهما يسمحان بالاتصال بين عدد غير محدود بين المساحات الجغرافية وتبادل المعلومات وتنظيم اللقاءات والأنشطة وتوفير الفرصة بغض النظر عن المسافة وطبيعة المكان ما بين الأفراد، فالتقنية نفسها ليست من يحول العلاقات الاجتماعية بل أن طريقة استخدامها هي التي تحفّز القوى التي كانت موجودة أساساً في المجتمع قبل انتشارها وتجعلها راهنة، أنهم المستخدمون أو المستهلكون أو المستعملون الذي يستخدمون التقنية لأغراضهم وليس العكس (Ayari & Geisser, 2011, 47)"[7].

وتخضع أيضا هذه الوسائل لقانون الشعبوية، كون نوعية المطروح كما أسلفنا خاضع لمستوى وعي وثقافة الجمهور، الذي غالبا لم يعد محليا خاصا، بل تجاوز التفاعل خارج الحدود الجغرافية، وتحول لتفاعلات مفتوحة الفضاء، مختلفة الثقافات والأفكار والإيديولوجيات، لكن أحد أهم إشكاليتها أنها غير مكشوفة الهوية، أي أن حقيقة المتحدث غير معروفة وقد تكون افتراضية غير واقعية، وتكون خلف هذه المنصات مجموعات أو قيادات مؤدلجة وموجهة، وطبعا هنا تصبح المساحات مختلفة وبالتالي يصبح الخطاب الموجه أشمل وأعمق ويتطلب دراية أكبر، وهو ما لا يمكن للمثقف الفرد القيام به منفردا، بل هذه المواجهة تتطلب المثقف المؤسسة، بمعنى قيام مؤسسات أهلية من أعضاء مثقفين ومراكز رصد ودراسة وتوثيق، لمتابعة آخر المعطيات الثقافية والإشكاليات التي تواجه المجتمعات في مواقع التواصل الاجتماعي، مضافا لوظيفتها الداخل محلية الخاصة بها، لذلك لم يعد مفيدا مواجهة الشعبوية مواجهة فردية من قبل المثقفين منفردين، بل على المواجهة أن تكون مؤسساتية توزع فيها الأدوار والمهام، وقائمة على أساس عمليات كالمراقبة والرصد والمعلومات ، ليستطيع المثقفين من تحليل المعلومات المقدمة ورصد الإشكاليات وفقها، وتقديم معالجات واقعية وعصرية، وهنا لا نعني بالمواجهة الصدام مع الشعب أو الجمهور المتكتل بعنوان قضية موحدة، بل نعني مواجهة الشعبوية معرفيا وإعادة صياغة وعي وازن يقلل من سلبياتها ويدفع لرفع أرصدتها الإيجابية في حركة المعرفة والتغيير والوعي. وهناك شعبوية إيجابية سأقوم بعمل إطلالة سريعة عليها. وهذه المؤسسات قد تتبناها الدولة وتفرض عليها سياق معرفي محدد وموجه، وقد تتبناها شخصية اقتصادية وتفرض وجهتها السياسية والمعرفية، وقد تتبناها مؤسسات دينية وكذلك تفرض نسقها المعرفي، ولكل الحق في التصدي، لكن في واقع الأمر معالجة هذه الإشكالية بدون تحيز معرفي، يتطلب تصدي النخب من المثقفين المستقلين، الذين يحملون هم المعرفة والوعي خارج نطاق التحيزات المعرفية خاصة السلبية منها.

خاتمة: 

هناك عوامل مهمة في بناء علاقة سليمة بين المثقف والمجتمع هي:

١- إن وظيفة المثقف ومسؤوليته تفرض عليه أن يكون كفؤا في إنجاز مهمته، هذه الكفاءة تتطلب منه فاعلية على مستواه الشخصي من حيث السعي المستديم في طلب المعارف وتوسيعها، وإدراك الإشكاليات الاجتماعية إدراكا مجملا يمكنه من خلاله أن يشخص الخلل ويضع الحلول. مسؤوليته أولا لبناءه الذاتي ليكون كفؤا للتصدي الاجتماعي، وثانيا بناء المجتمع معرفيا، وهذا متوقف على كفاءته التي من خلالها سيصنع جسور ثقة تعزز من مصداقيته اجتماعيا، خاصة عندما يربط قوله بفعله، وهذه المصداقية تؤثر بفاعليته الاجتماعية وتأثيره في وعي المجتمع.

٢- الصدق من أهم ما يجب أن يتحلى به المثقف، صدقه مع ذاته من جهة، وصدقه مع مجتمعه من جهة أخرى، وهذا الصدق يحتم عليه عدم محاباة المجتمع والنزول عند ما يريده دون تصويب ونقد وتقييم وتوجيه، فقط يكون ما يريده المجتمع حقا ولكن يحتاج أن يصوب بطريقة مدروسة لتحقيق الهدف، ويحتاج أن تستخدم طرق وأدوات سليمة، لذلك المثقف يجب أن لا يحقق رغبة الجمهور تحت ضغط الجمهور عليه، أو بحجة الإسقاط والتشهير الاجتماعي، لأن من مصاديق صدق المثقف هو صدقه مع مجتمعه في كشف الواقع والحقيقة كما هي، لا كما يريده الجمهور.

٣- الاستعداد لتقديم التضحيات لأجل مسيرة الوعي، وصيرورة المجتمع في طريق الوعي، وعدم الالتفات للمصالح الشخصية والمكاسب الذاتية في هذا الطريق.

 

إيمان شمس الدين

 ...............

 [1] من كتاب المثقف وجدلية القهر والاستبداد/إيمان شمس الدين/ ص ٢٤٢-٢٤٩+ ٣١٦/ دار الانتشار العربي ط١/ بيروت

[2] راجع الهوامش في في هذا الكتاب

[3] http://www.al-jazirah.com/2018/20180213/ar7.htm

 [4] رغم أن كتاب “سيكولوجية الجماهير” قد صدر سنة 1895، وتلته انتقادات عديدة منذ مراجعة سيغموند فرويد لنظرية لوبون سنة 1921، من المثير للانتباه ملاحظة شعبية كتاب لوبون على مواقع التواصل الاجتماعي في الدول العربية، وكذلك توالي الطبعات العربية للكتاب، حيث صدرت منذ سنة 2011، أي سنة الربيع إلى اليوم أكثر من ست طبعات. كمثال على استعمال كتاب لوبون للتعبير عن نظرة دونية للجماهير تبرر في نفس الوقت النخب الحاكمة في الدول العربية، انظر: رجاء العتيبي، “سيكولوجية الجماهير”، 13 فبراير 2018. 

[5] مجلة اتجاهات سياسية – العدد الأول ديسمبر – كانون الأول – سنة “2017” احدى اصدرات المركز الديمقراطي العربي 

[6] - بابكر مصطفى، معتصم /أيديولوجيا شبكات التواصل الاجتماعي وتشكيل الرأي العام/ مركز التنوير/ الخرطوم/ 2014/ ط 1/ ص 191-192. 

[7] التحولات في النظام العربي: الجذور والأسباب وتحديات بناء الدولة العصرية / د. حسن عبدالله جوهر ـ أ. د. غسان العزي

قسم العلوم السياسية/جامعة الكويت

 

علي المرهجعلى الرغم من التداول السلبي لمفردة الإرهاب عالمياً، إلَا أنه يبقى مفهوماً إشكالياً، يُرفض وفق تطورات مدولالات اللفظ تاريخياً، إلَا أنه بشكله في منظومة الفكر الإسلامي من حيث النشأة لا دلالة سلبية كبيرة فيه، فالإرهاب هو لتخويف العدو ورده عن مقاصده ومراميه في القضاء على فكر منبعه لاهوتي مُقدس من أعداء خرجوا عن الملَة ومقتضيات الوجود المجتمعي الذي جاءت به الرسالة "الربانية" "توأعدوا لهم من رباط الخيل تُرهبون به عدوكم وعدو الله".

لم يخلو التاريخ الإنساني منذ بداية الخليقة إلى يومنا هذا من وجود أو حضور لما يُسميه (تيري إيجلتون) "الإرهاب المُقدس"، فقد ظهر جلياً في الحضارات الأسطورية القديمة أشكال من التعبير عن مفهوم "الإرهاب المُقدس"، ولك في نزوع كلكامش وبحثه عن عشبة الخلود مظهراً من مظاهر نرجسيته واعجابه المفرط بنفسه وبقوته وفرادته بالقياس لأنكيدو وسكان الوركاء، فكان يظن أن الوجود لا بد أن يصطفيه.

"فديناه بكبش عظيم" قربان فيه تشكيل وقناعة للقبول بـ "العُنف المقدس" بحق البشر، ولكن رحمة الله خففت من شكل العنف، فبدل من أن يكون عُنفاً القصد منه ذبح إنسان، صار "الكبش" أضحية نستسيغ ذبحها وتوزيع لحمها لأن فيه كسب لرضا إلهي "مُقدس".

تظهر الأضحية هنا أصلاً للدين كما يقول (رينيه جيرار) في كتابه "العُنف والمُقدس"

وفي أسطورة (عشتار وتموز) أو (إينانا وديموزي) ما يشي بنزاع بينهما فرض على أحدهما القضاء على الآخر، فكانت (عشتار) هي التي تمكنت من ايداع (تموز) في (العالم السفلي) بقصد اثبات قوتها وتفوقها على تموز. إنه "عُنف مُقدس"، فكلاهما إله، والإله في الأساطير يمكن أن ينتصر على إله آخر بحكم دهائه أو قوته.

عدم رضا (قابيل) عن (هابيل)، بعد أن تخاصما حول زواج "الشقيقة"، فقدما قُرباناً، فنزلت نار من السماء أكلت قُربان (هابيل)، وبعدها قتل (قابيل) أخوه (هابيل)، ولا أخوض في تفسير وتفاصيل القصة، ولكن بنائها الدرامي مرسوم على أساس تبيان الطبيعة البشرية لرفض الرأي الآخر، حتى وإن كان من أقرب المقربين، والتبرير هو الصراع على السلطة، وتصوير قتل الأخ لأخيه على أنه شكل من أشكال الطاعة!، ولذلك هو يدخل في مُسمى "الإرهاب المقدس".

في قتل الخضر للطفل ممارسة لنوع من أنواع "الأرهاب المقدس" لأنه خشيَ أن يُرهق أبويه "طُغياناً وزندقةً"!، لأنه رأي فرد (تقي) لا مبرر عقلاني لفعل القتل سوى وضعه بأنه نوع من أنواع "الإرهاب المقدس".

أسطور اليهود وإيمانهم بأنهم "شعب الله المختار" وأن الله اصطفاهم على بقية بني البشر، جعلتهم يمارسون الإرهاب بحق كل شعوب وأهل الديانات الأخرى تحت عنوان "الإرهاب المُقدس".

إن مفهوم "الإرهاب المُقدس" هو ذاته "العُنف المُقدس" مع اختلاف تاريخية لفظ "الإرهاب" بوصفه مقترناً بمدلوله القرآني، مع تاريخية لفظ "العنف" الذي هو أسبق تأصيلاً في الحضارات والديانات القديمة.

"عُنف السلطة" واحتكارها للعُنف، فيه ما يشي أن عُنفها مقبول وفي مقبولية عنفها مجتمعياً ودولياً ما يجعل هذا بمثابة "عُنف مُقدس".، فعنف السلطة وإرهابها ضد كل من تضعهم أو تصفهم بأنهم من الخارجين عن القانون يكون مقبولاً وينال استحسان الأغلبية وكأن مقبوليته تسير جنباً إلى جنب مع مقبوليتنا لوجود "العنف المُقدس" أو "الإرهاب المُقدس".

"الحرب المُقدسة" ماذا تعني؟ إنها نوع من أنواع الدفاع عن النفس والأرض والجنس والنوع تُبررها الشرائع السماوية والدولية، فكل من يحارب من أجل الدفاع عن وطنه وحدوده ضد خطر عدو فهو يمارس حقه في "القتل" للعدو، وقتل العدو للوطن أو للأمة أو للدين واجب أخلاقي وشرعي، تُمارسه الجماعة لرد العدوان كل بحسب أيديولوجيتها أو معتقدها.

رفض الماركسية للرأسمالية على الرغم من عدم انتماء أصحاب المذهبين لتبرير "الحرب الباردة" بينهما وفق مقولات "ثيولوجية" (لاهوتية) إلَا أنها بحكم طبيعة الصراع والرفض القطعي لأحدهما للآخر، ومحاولة كل قطب منها جمع أكبر عدد من المؤيدين، جعل من حربهما تبدو وكأنها حرب بين معسكرين: (دار الكفر) و (دار الإيمان) بحسب استخدام جماعة الأخوان المسلمين لهذين المفهومين، وكل مختلف مع معسكر يدعي "وصلاً بليلى" المعسكر المخالف أو "الآخر". إنها حرب بين مذهبين إنسانيين ولكنهما في طبيعة الصراع بينهما إنما يحملان مضمر التعبير أو "المسكوت عنه" بأن حرب أحدهما ضد الآخر إنما هي "حرب مُقدسة".

هي "دكتاتورية البروليتارية" المشروعة أو الحقة بعبارة ماركسية ضد "الهيمنة الامبرايالية" ورديفتها "الرأسمالية".

واقلب المعادلة، وقُلَ: إنها "الديمقراطية" و وعودة الفرد لذاته في بحثه الدائم والجاد عن "الحرية الفردية" للخلاص من سطوة "الأنظمة الكليانية" أو الشمولية، أو "الديكتاتورية" التي لا تقوض بنيانها سوى "الليبرالية".

 

ا. د. علي المرهج

 

سامح عسكر في حسابات بعض المتنورين يرون أنفسهم مجموعة واحدة بقدرات واحدة ، فلقد انتقدوا جميعا تراثهم الديني والاجتماعي ووقفوا على أسباب تخلف دولهم.. هنا ينتقل الذهن لمرحة أخرى وهي التفكير في اجتماع تلك القدرات في عمل واحد بمبدأ "قوة الاتحاد" ظانين منهم أن الاستنارة ستحدث بشكل سريع إذا تحقق هدفهم بالوحدة..

أرى أن هذه الرؤية يشوبها بعض القصور، وقد تحاورت عدة مرات بشأنها سواء في محاضراتي على أرض الواقع وفي اليوتيوب أو في المقالات، وموجز تلك الاعتراضات تتضمن مبدأ استحالة الوحدة على حُكم قيمي وهو "التنوير" فكلٍ منا يرى التنوير من زاويته الخاصة المحكومة بقدراته في العقل والمعلومة والنفس والجسم والمادة والإدارك، كلها عوامل تخلص افتراقنا لأحزاب ودول وشعوب مختلفة لا يمكن جمعهم تحت لواء واحد يسمى دولة الكون أو مجتمع الأرض مثلا، فلم يحدث ذلك من قبل وظني أنه لن يحدث في المستقبل ليس فقط للعقبات التي أشرنا إليها كعوامل افتراق ولكن لأن هذا المبدأ الوحدوي يتخيل حياة البشرية بدون شرور ويؤمن بأوهام تدفعه للاعتقاد بأن البشرية يمكنها أن تعيش حياتها بسلام دائما..

لقد انعكس ذلك على المستنيرين الذي أجملهم في أن الفرقة الطبيعية بينهم ليست في القدرات التي أشرنا إليها كالعقل والنفس والإدراك..إلخ، لكن أيضا في تطور الحالة التنويرية لكلٍ منهم، فهناك مجموعة نشأت في مجتمع مستنير وتشرّبت أفكاره وبالتالي لم تخض تجارب المتخلفين ونقدهم للمجتمعات، هؤلاء تقدموا في تنويرهم عن البقية بحيث هم يعيشون فعليا في زمن قادم مستقبلي لم ندركه بعد، ويؤثرون بالتبعية في الإعلام والصحافة والدول بحديث دائم عن المستقبل والخيال العلمي.

إنما هناك مجموعة أخرى لا زالت تكافح أجواء التخلف وتنقدها في محاولة منهم لتجاوز عقباته والانتقال لما بعد الاستنارة، وهؤلاء في رأيي لم يدركوا ما تفقهه المجموعة الأولى من تنوير بعد، وكلما تعرضوا لأحكام تلك المجموعة وقناعاتهم يُصدَموا في ما وصلت إليه من جرأة في الطرح وانسلاخ كلي من مجتمع البشرية الحديث الذي لا زالت أجواءه تنعم بمظاهرة تخلف واضحة في الجهل والحروب والأزمات ونشر قيم غير معرفية ولا منطقية قوامها المادة لا غير، وقد تأملت حديث زعيمة الديمقراطيين "نانسي بيلوسي" وهي تصف دعوة ترامب بسحب جنودهم من سوريا بأنها دعوة غير منطقية وغريبة في ظل دعوة نفس الرئيس لإرسال جنود إلى السعودية لحمايتها من إيران مقابل المال، وتتساءل بتعجب بمزيد من الدهشة كيف هذا القرار الذي يعرض جنودهم للخطر مقابل المال..!!

هنا الرئيس ترامب عند بيلوسي لا يفكر بعقلية المستقبل أو حقوق الإنسان أو مصالح أمريكا التي آمنت بها بيلوسي كزعيمة المعارضة الأمريكية، بل هو عندها يأتي من ماضٍ سحيق ما قبل التفكير المنطقي الأرسطي، أو بالأحرى ما قبل ظهور الفلسفة التحليلية وشمولية الأفكار التي كانت تسمح للبشرية بإجمال قناعاتها في أحكام نهائية دون تفصيل وتحليل علمي كما هو عليه العقل البشري الآن.

رأيي أن المجموعة التنويرية الثانية التي تخوض غمار النقد هي التي تقدم تضحيات وتقتحم أسوار وحواجز صعبة، فبرغم أن إدراكها لم يصل بعد لإدراك المجموعة الأولى إلا أنهم أقوى نفسا وأوسع من ناحية المعلومات التي يحتاجونها في ظل ذلك الصراع، ولو تأملنا التاريخ سنرى أن تلك المجموعة الثانية عندما وجدت في أوروبا عانت من ما يعاني منه تنويريي العرب والمسلمين حاليا، حتى بعد انقضاء جيلين أو ثلاثة يتطور ذلك التنوير الذي أسسوه ليصبح تنويرا منتميا للمجموعة الأولى بالضبط كما نصف شخصا ما أنه ولد وفي فمه "ملعقة من ذهب" كناية على وراثته للغنى والأموال والثراء الفاحش دون مجهود، مما يعني أن تنويريي المجموعة الأولى هم تطور طبيعي ونتاج عملي لتضحيات المجموعة الثانية من قبل، وبالتالي فكرة جمع المستنيرين على حزب واحد أو جماعة واحدة يجب أن تراعي ذلك الفارق عِوضا عن مراعاة أسباب الافتراق المذكورة في المقدمة.

ولأن التنويريين المناضلين والمكافحين هدفهم التغيير فيلزمهم تأثير وتواصل مع الجمهور، بالتالي ففكرة اجتماعهم في الغرف المغلقة أو الاكتفاء بحوارات النخبة لا يفيد ولا يقرب المسافات بينهم وبين الشخص العادي، بيد أنهم بحاجة ماسة للتواصل الشعبي لنشر الثقافة الجماهيرية والارتقاء بعقول الناس من نواحي النقد والأدب وخلافه، وهذا كان دور المسرح الشعبي في مخيلة اليسار إبان ظهورهم الأول وتبنيهم مبدأ الاستنارة الشعبية عن طريق الأدب، وقد لوحظ أن مفكري اليسار الذين انشغلوا بتلك الجزئية ظهروا كأدباء وشعراء وممثلين أنتجوا تنويرا شعبيا فرض حالة تقدمية في العالم أوائل القرن العشرين، وقد لاحظنا أن تلك الحالة التقدمية هي التي أنتجت بعد ذلك مستنيرين عرب كمحمد عبده والأفغاني من فئة رجال الدين، ثم طه حسين ونجيب محفوظ من فئة الأدباء، حتى في المذاهب الإسلامية شاع لأول مرة نقدا لأصولها على يد الشيخ "علي عبدالرازق" لينقض خلافة السنة، والشيخ "محمد حسين النائيني" لينقض إمامة الشيعة.

كانت الدول الإسلامية والعربية في تلك المرحلة لا تعتمد على نفسها في إقرار حالتها الثقافية، بل كانت متأثرة بقيم الاستعمار الفكرية التي تراعي الحالة التقدمية التي يعيشها العالم، وهذا سر من أسرار ضعف الأصوليين في تلك الحقبة، ولكن بعد التخلص من الاستعمار وسيادة روح ثورية على أسس قومية لم ينجح القوميون في سد الفراغ الثقافي الذي صنعته حكومات الاستعمار الليبرالية، فطأطأوا رؤوسهم أمام الأصوليين الذين انتشروا بدعوتهم منذ الستينات ، ولحفظ ماهية الاستعمار كعمل قبيح ترفضه الفطرة البشرية الحديثة أكتفي بالقول أن تقييم الاستعمار لا ينبغي فقط من حالته العسكرية والاقتصادية والسياسية التي ذقنا ويلاتها ودفعنا منها كشعوب شرق أوسطية ملايين الضحايا،ولكن ينبغي مناقشة حالته الثقافية التي أثرت على وعي وإداراك الشعوب إيجابا مما يلزمه الوقوف على الخلل بمناقشة واضحة إما تثبت ذلك أو تنفيه من حيث المبدأ، ثم تبحث في إمكانية استدعاء تلك الحالة الثقافية التقدمية مرة أخرى والاستفادة من تجارب وخبرات هذه الدول في بناء أنفسها.

ترجع أهمية الفصل بين المستنيريين من حيثية تطورهم الزمني هنا، في إمكانية الاستفادة من خبرات وتجارب الغرب وليس تقليدها كما يطالب بعض أنصاف المثقفين، فالحالة التنويرية الغربية أزعم أنها تعيش في معظمها إدراكا للمجموعة الأولى التي تطورت وأخذت حظها من الارتقاء، بالتالي فهي أقرب للمستقبل منا ..والواقع يشهد على ذلك أن كل جديد منذ 100 عام يأتي منهم، ونحن مهما تقدمنا وصنعنا لا ننتج ولا نكتشف مثلما يكتشفون مما يؤكد أنهم في طليعة الفكر التقدمي، هنا الاستفادة يجب أن تراعي ما قلته ببطلان دعوى الوحدة بين المستنيرين الآن، فالعمل القيمي الذي ينشده المستنيرون سيتوقف على أعتاب المادة والإنتاج والمستقبل الذي وصل إليه الأولون، ومنطقيا يستحيل الجمع بين ما وصل لأسرار المادة وبين الذين يزالون منشغلين بقضايا الميتافزيقيا ونقد التراث الديني وأفكار الجماعات من الناحية النظرية.

إن الحالة التنويرية الأولى أنتجت معتقدات "لاإكتراثية" نحو الأديان وبالتالي محاولة دفعها للوقوف خلف أو مع مستنيرين العرب هو جهل بالتطور التنويري اللاإكتراثي عند الغرب أصلا، فضلا عن تأثير هؤلاء اللاإكتراثيون فينا كشعوب شرق أوسطية وظهور تيار شبابي ونخبوي يفكر مثلهم بالضبط، وبحسبة بسيطة يمكن القول أن اللاإكترثية الغربية مع مبادئ وقيم البراجماتيين تجعل هدف البشرية الحالي هو "سهولة الحياه الاقتصادية دون متاعب" فقد اختفت صراعات الأحزاب والأيدلوجيات الآن من مجتمعات الغرب والتقدمية بشكل عام، وأصبحت الأولوية للاقتصاد مما أدى لما نشهده الآن من مظاهرات واحتجاجات في "السودان والأردن والعراق وليبيا وإيران وبيرو والمكسيك وبوتوريكو ومصر" دافعها الأساسي هو الاقتصاد والثورة على الفساد وطريقة توزيع الثروات.

أما نحن في الشرق الأوسط ما زلنا نعيش مخاض وآلام التخلص من سلبيات الماضي ونصفي حسابنا مع التاريخ العنصري والمذهبي للمسلمين بالذات، مما يجعل نشاط التنويريين في المجموعة الثانية مطلوبا بشدة لكونه الصخرة التي تتكسر عليها أحلام المتخلفين بالعودة والسيطرة، ورأيي أنه وبدلا من أن نطالب بوحدة المستنيرين الآن كما نعرفهم أن ندعم أي فكر تنويري من زاوية إنسانية تعددية، فنحترم كل الآراء التي تبحث عقليا في الموضوعات ونناقشها بموضوعية قدر الإمكان، سيساهم ذلك في الارتقاء والتحرر بشكل أسرع مما وصل إليه الأوربيون..خاصة إذا علمنا أن تنويريي أوروبا في السابق لم يحصلوا على حظوظنا اليوم في الاتصالات والبرمجيات المدهشة التي ساعدت في تسهيل التواصل بين المفكرين بشكل أيسر مما حصل عليه الأوروبيون.

ولنحفظ قاعدة التنوير الأولى التي وصل إليها السابقون أنه كل عقل ليس مؤهلا للتفكير بشكل صحيح، أو كما قال أفلاطون أن العلم ليس متاحا للعامة ولا يجب أن ينشغلوا به، وأن مطلب الثقافة الجماهيرية يجب أن يكون منصبا على نقد ورفض ظواهر التخلف التي عاشها الناس أصلا لا إشغالهم بحقائق زائفة لم يعيشوها ولا يعرفوها ولا تحوز على اهتمامهم بشكل مبدئي، وقد رأيت في مطالب بعض المستنيرين – كالدكتور مراد وهبة  - مطالب مجحفة وغير واقعية تتمثل بنشر الفلسفة بين الناس..وهذا غير ممكن، فالتفلسف في الأخير هو قدرات وإدراكات للخاصة يختلف عليها المثقفون ولا يدركها العوام كي يختلفوا فيها، مما يعني أن مطلب توحيد المفكرين هنا سيكون صدام مع المجتمع والشعب مثلما حصل في السابق مع رموز كهيباتيا وجاليليو وجوردانو برونو..وغيرهم

في الأخير: لا يوجد عاقل يرفض التنوير..حتى الكهنة والأصوليين يقولون نحن مع التنوير، ويجتهد كل منهم بطريقته، لكن الجهد الأول الذي يجب أن يُشغل المثقفين ليس النشاط التنويري فحسب ولكن وضع أسس وقواعد وغايات له لا يختلف عليها اثنان، أي هي تحوز على الرضا البدهي عند البشرية، وقد سبق قلت في أحد لقاءاتي التلفزيونية أن الأصوليين والمثقفين المسلمين – مثلا- يتفقون على ثلاثة أشياء هم "عدل الله الكلي – وعالمية الإسلام كدعوة أخلاق – وعدم عصمة غير الأنبياء مع تحديد كيفية العصمة" حتى في ظل هذا الاتفاق اختلفوا بشكل أصبح منهم إرهابيين ولادنيين بشكل متناقض، مما يعني أن الاتفاق على المبادئ ليس كافيا للوحدة بل مناقشة طرق كل فصيل وكل مجموعة وشخص لتصور تلك المبادئ، وهل يوجد في الحقيقة ما هو أعلى من مبدأ الاستنارة غير واضح ومكتوم لحسابات خاصة أم لا.

 

سامح عسكر

 

علي المرهجتعني (دوغمائية العقل) قبول الإنسان بتجميد عقله والاعتماد على إنسان آخر يُفكر عنه بالنيابة، وفق المثل القائل (ذبها بركَبة عالم واطلع منها سالم)، ومثل هكذا شخص يرتضي لنفسه أن يكون مُقاداً في كل أمور حياته، ولا يُعمل عقله لأنه سلمه بيد إنسان آخر يتبعه حذو النعل بالنعل كما يُقال ولا يحيد عن أوامره قيد أنملة، يعني كالأغنام التي تتبع الراعي تسير على خطاه وهديه، بل "أضل سبيلا"!. والعجيب الغريب انه مطمئن على أنه ماسك بلباب الحقيقة وسيجازيه الله الجنة الموعودة وغيره في الدرك الأسفل من النار!.

العقل الدوغمائي عقل وثوقي مُتعصب لا يرى من الحقيقة سوى ما يرغب برؤيته

وضع شريعتي وصفاً لل"العقل المُستقيل" بتعبير محمد عابد الجابري، على أنه يعيش في "قوقعة فكرية" بتعبير الوردي، أو يدور في فلك "الأسيجة الدوغمائية" كما يقول محمد أركون، وهذه تعابير ومفاهيم تعني غياب العقل وتماهييه مع الراكد السائد في الحياة الاجتماعية، أو ما سماه الوردي أيضاً "التنويم الاجتماعي" الذي يجعل الفرد أسيراً لعادات مُجتمعه، وإن كان كثيراً منها لا ينسجم وتحولات العصر، ولا حتى مع الفهم العقلاني للدين.

قسم شريعتي أنواع السجون هذه إلى عدة أنواع، أهمها:

1ـ سجن النفس أو الذات، من أصعب أنواع السجن حينما لا يستخدم الإنسان وعيه الذاتي ليتخلص من سجنه لنفسه واغترابه عن مُجتمعه، ابتعد عن المُشاركة في صُنع الحياة، حياته هو وحياة مجتمعه، ليعيش في وهم التصورات الحالمة كي يجعل من نفسه إنساناً مثالياً، تقترب روحه من التسامي ومن التماثل مع مفهوم "الإنسان الكامل" الذي رغبت بوجوده الديانات السماوية. وهذا مما يختلف به شريعتي عن الوردي، فلا وجود للإنسان الكامل وفق رؤية الوردي في العالم الواقعي، ولا يحتاج الإنسان للتسامي وأن يكون إنساناً مثالياً، بقدر ما يدعو الوردي الإنسان لوعي حركية المُجتمع ومُتغيراته الداخلية والتأثيرات الخارجية كي يستطيع العيش في دنيا الواقع المُتغير هذا، فالحياة تحتاج إلى إنسان من جنسها لا لإنسان يخلق مُجتمعات يوتوبية من فعل المُخيلة، فالحقائق نسبية ومُتغيرة عند بني البشر، لذلك نجد الوردي يهتم بفكر السفسطائية مؤكداً مقولة فيلسوفها الأكبر بروتورغوراس بأن "الإنسان مقياس الأشياء جميعا"، الأمر الذي يترتب عليه الاهتمام بالإنسان وعلاقته بالعالم والمجتمع بمعزل عن الجوانب الغيبية والثيولوجية، ومن ثم الاعتقاد بالحقيقة النسبية والمتغيرة من شخص الى شخص بحسب ما يدركه ذلك الشخص والإنسان مصدر الحقيقة وهذه متغيره بتغير مصالحة ورغباته وشهواته.

2ـ سجن الطبيعة: يشمل سجن الذات هذا سجن الطبيعة وهو أن يجعل الإنسان نفسه عبداً للطبيعة يسير وفق قوانينها، لا يُحاول أن يفك قيودها أو يتخلص من أسرها وهيمنتها عبر خضوعه لمتطلباتها عبر تماهيه مع الغريزة والإنغماس بملذاتها ونسيان ملذات الروح في الـتعقل والأمل.

3ـ سجن التاريخ، ويعني قبول الإنسان في الخضوع لحالة الذل والهوان التي رسمتها قوى الإستبداد والطغيان وسدنتها لسجن الذات داخل أطر اجتماعية مُغلقة أو "أسيجة دوغمائية"، توحي للفرد أنها السبيل الوحيد للخلاص، ألَا وهي سُبل لسجن التاريخ وفق منظور "المتفرنجين" وجعل الإنسان الشرقي رهين الإرادة الغربية، أو سجن التاريخ وفق منظور "المتأسلمين" وسدنة السلطان الذي صيَروا التاريخ، تاريخ تماهي وخضوع لسلطة "خليفة الله" "السلطان".

وكذلك يظهر سجن التاريخ في تقديسنا المستمر للماضي وكأن زمن الإبداع قد توقف عنده، فصرنا أسيرين له ولمقولاته كل حسب توجهه الأيديولوجي أو العقائدي، فاعتقدنا أن لا خلاص لنا من دون العودة له والاحتماء به وتركنا الحاضر وما ينبغي علينا القيام به لنكون فاعلين فيه ومؤثرين، ولم نستطع من جعل الزمنين (الماضي) و(الحاضر) في خدمة الزمن الآتي (المستقبل)، فالدول التي يرنوا أهلها صوب التقدم إنما يتخذون من معطيات الزمنين الماضي والحاضر كمخزون ثقافي وحضاري لخدمة المستقبل، لا العلكس، أي ننظر للمستقبل من خلال نظارة الماضي المجيد وركود الحاضر البليد.

يختلف سجن التاريخ عند شريعتي عن "حتمية التاريخ"، لأنه من المعتقدين بهذه الحتمية وبنهايته بالوصول للمثل الأعلى وتسامي الذات الإنسانية في إرتقائها عبر نزوعها الروحي الكامن في الذات الإنسانية للخلاص وإدراك سُبل النجاة عبر إدراك قيمة المعرفة الدينية.

4ـ سجن المُجتمع: وهو أن يكون الإنسان أسير قيم وتقاليد بالية لا تنسجم والمعرفة الدينية الحقة ولا مع المعرفة العقلانية. هذا النوع من البشر سماه "كارل مانهايم" بـ "المُقيد اجتماعياً" وهم الذين لا يخرجون عن "الأطر الفكرية" أو "الأسيجة الدوغمائية" التي رسمها لهم المجتمع الذي يعيشون فيه، حتى ظنوا بأن كل مُعتقد يُخالف مُعتقدات مُجتمعهم إنما هو مُعتقد باطل، وأصحابه لن يكونوا حتماً ممن أدركوا "سُفن النجاة".

ملاحظة: ما يتعلق برؤى شريعتي استقيناها من كتابيه:

- بناء الذات الثورية وهو الكتاب الذي فصل فيه وجهة نظره هذه، وهو مصدرنا الأساس في كتابة هذا المقال.

- النباهة والاستحمار وهو مرجع استعنا به.

- قراءات أخرى من تاريخ الفكر.

 

ا. د. علي المرهج

 

نبيل دبابشفي القرن الثاني عشر للميلاد، كتب ابن رشد كتابا سماه '' فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال ‘‘. تضمن الكتاب محاولة تبيان قيمة العقل، والتي – في نظره- لا تقل في الدرجة عن قيمة الشريعة في مقاربة مسائل المعرفة.. بل هي تعادلها. اختار ابن رشد مصطلح '' الحكمة '' وهو المصطلح الوارد في القرآن، بديلا عن مصطلح '' الفلسفة ‘‘. بسبب ما عرفه المفهوم الأخير – في زمنه - من نفور واستهجان لدى الأوساط الفقهية، وذلك بالرغم من انتشار هذا المفهوم واعتماده في الكثير من الرسائل والأعمال التي سبقته تاريخيا.

عربيا وبعد رحلة نابليون الى مصر1798م، لم يكن سؤال التنوير مطروحا لدى كتاب النهضة، بقدر ما انصب الاهتمام عندهم حول كيفيات ترجمة المنتوج الأوروبي والاستفادة منه في تصحيح المسار الاجتماعي والفكري الضعيف، الذي أنتجته سلطة الخلافة. لقد كانوا في حالة انبهار بعدما اكتشفوا أن شعوبا أخرى- لا تقاسمهم المعتقد- تصنع المفاهيم والقيم وتؤسس لجمهوريات جديدة. لقد تبين لهم - فجأة- أن العقل بمفرده في مقدوره أن يؤسس المستقبل انطلاقا من حسن الاستعمال. بتعبير أخر لم يكن لدى كتاب النهضة أدنى شك في الذات المؤسسة للمعنى وغاب عنهم مساءلتها.

ثم حدث أن علقت آمال كبيرة على الاختيارات الايديولوجية في صناعة مستقبل جديد، وكانت الرؤية الشمولية هي المنهج لسنوات طويلة.. قبل أن يصطدم العقل العربي مرة أخرى بالجدار ويكتشف هزل تلك الاختيارات وابتعادها الكبير عن حل المشاكل الفعلية.

التنوير مشروع ضخم ومتشعب، من المستحيل أن تتحمله الرؤية الايديولوجية أو تستطيع أن توفر له ما يحتاجه لارتباطها الشديد بالحاجة لا أكثر. ان أكبر عائقا على أي مشروع تنويري هو في اختزاله ضمن سياج الرؤية الايديولوجية. كونها تتأسس على يقين زائف وعلى الوهم والاقصاء بأنواعه الاكثر تقدما. التنوير قبل كل شيء هو في شرعية السؤال وبلا قيود، هاته الشرعية هي ما لا تقبله الايديولوجية السياسية أو الدينية.

التنوير هو في انتهاء الوصاية على الحرية والاختيار، وفي تفطن الناس الى ما يمتلكون من قدرات نفسية تؤهلهم على تبني ما يحبون من دون وسيط. يبدأَ التنوير عندما يقتنع الجميع، على اختلاف انتماءاتهم الاثنية واللغوية والفكرية أنهم لا يمتلكون كل الفضاء الاجتماعي بل هم ًأجزاء فيه لا أكثر. يبدأ التنوير عندما يعيد الجميع التفكير فيما ورثوه من أحكام وقيم، ظلت مترسبة في عقولهم من دون أدنى حلحلة. يبدأ التنوير عندما يقتنع الجميع بأنه لا يمتلك كل الحقيقة، بل حقيقته هو فقط.

 

اذا كان لوثر في القرن السادس عشر للميلاد قد أسهم في تقويض سلطة البابا على العقل والمعتقد، فإننا عربيا نحتاج الى ألف لوثر لأن حجم مشاكلنا الموروثة عن القرون الوسطى مضاعفة مرات.

يبدأ التنوير عربيا عندما نستطيع التخلص من ثقافة القطيع وتلك الحاجة الملحة الى راع أبله مستبد، يجب الاقتناع بالفردية والاختلاف والحق في الحياة وقدسيتها.. يبدأ التنوير عندما تقتنع الكثير من العقول أنها غير مطالبة في هذا العصر بإعادة انتاج نفس القيم التي أنتجها الناس في القرون الماضية، بل عليها أن تتفتح وبصدق على قيم عصرنا وتعمل على تبنيها بشجاعة كبيرة ودون تردد.

اننا لا نواجه الوصاية على الفكر والمعتقد فحسب، بل كذلك الوصاية على أبسط السلوكيات والتصرفات اليومية من لبس الحذاء الى شرب الماء .. اننا ننتمي الى مجتمعات يؤلمها رؤية الفردية ولا تتقبل الاختلاف اطلاقا، ينظر الى الجديد بحذر وخوف شديد. وغالبا ما يجرّم الافراد لأجل حقوقهم الطبيعية. اننا ننتمي الى مجتمعات لم تعلمها المؤسسات الوطنية في قطاع التعليم او حتى من خلال الاعلام الفرق بين الدين والتديّن الفرق بين الكتاب الديني المقدس والتشريع الديني المؤقت.

هل نحن في الطريق الصحيح نحو أنوار عربية ؟ لا، المسافة لا تزال بعيدة ولا شيء ينذر باقتراب الولوج الى تلك المرحلة.. كثيرة هي المجهودات الفكرية التي كتبت في هذا المجال وفكر أصحابها بصدق في مشروع عربي للأنوار، للأسف هي أعمال يقرأها الأقلية ولا حضور لها الا على الهامش في كل مجتمع.

قبل الحديث عن تجديد البنيات الاجتماعية والسياسية المهترئة ينبغي التفكير وبكثير من الصدق في تجديد العقول ومساءلة الذات وفسح المجال واسعا أمام الحرية، هي أولى الشروط التي من شائنها بناء مجتمع متنور. لقد جرب غيرنا الانغلاق عن العالم ورفض كل دخيل وعرف سلبيات مثل هذا الاختيار على الواقع الاجتماعي ، فلماذا الاصرار على تكرار أخطاء الآخرين.

لا يمكن أبدا أن تسير المجتمعات نحو الأمام وتتفادى الكثير من الأزمات الا في ظل بيئة تتوفر على قدر كبير من الحرية وتفسح المجال واسعا للمبادرات الفردية ولا تميتها باسم المحرم والمنبوذ. مشكلة المجتمعات التي ننتمي اليها أنها ترفض حتى مجرد التفكير في الاختلاف، ولا تقبل بالنجاح، بل ترى فيه تهديدا لكيانها. مجتمعات تفتقد الى الثقة في ذاتها، اعتادت انتظار الحلول الجاهزة ولا تؤمن بقدراتها على الخلق والابداع. مجتمعات تخاف من كل شيء، من الجديد من المحاولة من المغامرة من التميّز.

سيسأل البعض عن وضعية الدين في مجتمع الأنوار وفي ذهنه الصورة التي كونها لنفسه عن تجارب أوروبية بين القرن السابع عشر والقرن التاسع عشر للميلاد.. سيقول أننا سنفتقد الى الاخلاق وسيتمزق المجتمع وتتفكك الأسرة.. وهلم جرا من مفردات صارت مألوفة في أًبجديات خطاب الاسلام السياسي. مشكلتنا أننا نعطي للدين أكثر مما هو مطلوب ونجعل منه كل شيء الا أن يكون دينا. نجعل من الدين حلا اقتصاديا وبرنامجا سياسيا ومشروعا ثقافيا ورياضة جسدية وطريقة في الأكل والزّي .. نجعل منه كل شيء الا أن يكون عبادة خالصة.

من المؤكد أن التنوير لن يكون الا عبر مراحل، للأسف لا تزال الكثير من الأصوات النيرة تخوّن وتقصى وتضرب الرقابة على بيع كتبها.. كنا نعتقد أن محاكمة طه حسين أو علي عبد الرازق قد انتهت في القرن العشرين وانتهت الايديولوجية التي كانت تغذيها.. .و لكننا وبعد مضي كل ذلك الوقت، لا يزال ينظر بحذر كبير الى كتب رشيد ايلال، محمد المسيح، هالة وردي، كمال داود.. وغيرهم.

لا يمكن أن نبني المستقبل باليقين الزائف ولا أن نسير بثبات من دون ممارسة الشك وزعزعة كل اليقينيات بما فيها اليقينيات الدينية. يجب التخلص من ثقافة الغرور.. لسنا أفضل أمة أخرجت للناس ولن نكون كذلك الا بإعادة قراءة مشكلاتنا بكثير من الصدق..

نقدس لغة الفقيه حتى وان كانت تافهة ومن دون جدوى، ونطالب بها لحل ابسط المعضلات. وهو ما أسهم في تضخيمها اجتماعيا وسياسيا لأننا لا نؤمن بأنفسنا، وفي المقابل نستبعد خطاب الباحث النقدي لأنه يؤذي غرورنا ويقيننا ولا نتقبل منه الا ما يرضي الكسل والانغلاق لدينا. لا نريد أن نختبر ذواتنا خارج السياج الذي ورثناه جاهزا.

السؤال حق طبيعي، السؤال هو ما يحقق انسانيتنا ويؤكد وجودنا.. لقد تساءل المعتزلة – في الكوفة والبصرة - بداية من القرن الثامن للميلاد بكثير من الجرأة في مسائل قد تبدو لنا غريبة نحن أبناء هذا العصر.. لقد كانوا أكثر تنويرا منا، ولم يكن حينها أسلوب التكفير غائبا في تلك البيئة التي عرفت بحدة الاقتتال لأجل السلطة.. نسمع بآراء المعتزلة ونعجب لقراءتها ولا نسمع اليوم بمن كفروهم.. في بداية التسعينات من القرن الماضي، عندما كنت أستاذا للفلسفة واجهت الكثير من المتاعب والتعنيف بسبب اصراري على تدريس أراء المعتزلة لطلبة الطور الثانوي، ولم تكن الوزارة الوصية- يومها- توفر أدنى شروط الأمن، خصوصا وان الجزائر في تلك المرحلة كانت تعيش اصعب مراحل تاريخها المعاصر ..

ما هو السؤال؟ السؤال هو قلق يحررنا ويكشف خفايا الخطاب الجاهز الذي يحبه المؤدلج، السؤال هو الانسان فمن منا لا يؤمن بإنسانيته الكاملة. السؤال هو الأداة التي بها نتميَّز عن بعضنا البعض أو نتخاطب، نتفق أو نتخاصم ، نجتمع أو نفترق.. هو ما يجعل وجودنا يتحقق بالفعل. الأنوار هي الخروج من ظلمات القرون الماضية وخطابها المتجمد الذي لا يمكن أبدا تبيّئته.. الأنوار هي حقيقة الانسان الذي كان يعتبر رعية وغلاما ليصبح مواطنا كامل السيادة.

الأنوار هي الابداع والثورة على المألوف والكلاسيكي.. في الفن والفكر والقانون، هي الانقلاب على وضع لم يعد يطاق، وصار لا يمتلك الأجوبة.. هي انفجار كبير ينبع من وسط الصخر ليسقي الأرض العطشان.. هي عقل جديد، ورؤية مختلفة، وصناعة لظروف أكثر ملاءمة وقادرة على تقبل اختلافاتنا من دون ضرر..

ان عقل الأنوار لا ينتظر من السلطة أن توفر له ظروف الكتابة والابداع لينتج ما ينبغي انتاجه.. انه عقل يولد من المآسي وفي خضم الأزمات. يولد ليقول بأنه مختلف وجديد ومبدع وثوري. هل لدى النخبة المثقفة العربية ما يؤهلها لصناعة أنوار؟ نعم، يوجد الكثير من الأقلام والطاقات الممتازة. فقط هي تحتاج الى الايمان بذاتها والى الكثير من الشجاعة. يجب أن ننسى عقدة النموذج الجاهز، ولا نحاول السقوط في لغة التقليد، لأنها قد تعمينا عن رؤية واقعنا بشكل واضح.. نحن لسنا في فرنسا ولا في المانيا ولا حتى في امريكا.. اننا أبناء مجتمع يتوسط كل النماذج ، له خصوصياته الجغرافية، الثقافية والتاريخية.

تبدأ الأنوار عندما تتعلم نفوسنا حب الجمال، وتفكر في تعميم ذلك الحب ونشره. قبل أن نفكر في شكل الأنظمة السياسية والاقتصادية التي تخرجنا من المآزق الكثيرة الذي وقعنا فيها، علينا أن نفكر في خلق عقول جديدة متحررة من العقد والتابوهات المترسبة. الأنوار ثورة والثورة يؤسسها عقل جديد.

 

نبيـل دبابـش - كاتب من الجزائر

 

مجدي ابراهيمعندي أن الإصلاح "فكرة"، تسيطر فيها القوى الروحيّة على المادة. والإرهاب واقع دامي مشهود، تسيطر فيه القوى المادية على مطالب الأرواح والعقول؛ فكيف يقوم الإصلاح في زمن التسلط والقهر والإذلال والإرهاب؟!

إنها لمفارقة عجيبة تدعو إلى الأسف والتأمل معاً؛ فأمّا الأسف؛ فعلى الأوضاع المتردية في العالم العربي، فاقت الحصر وألزمت الناظرين إليها روح التشاؤم والقنوط.

وأما التأمل؛ ففي هذا "الإصلاح" الذي نتحدَّث عنه، وكأننا لأول مرة نسمع عن "الكلمة" شيئاَ ذا دلالة، فلا كأننا كنا منذ زمن بعيد معنيين بآثار الإصلاح في الفكر والواقع، ولا كأن المنهج الذي ينبغي أن نسير عليه كان أمامنا واضحاً وضوح الشمس في ضحاها خلال حركة التنوير العربية التي بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي برفاعة رافع الطهطاوي (1801 - 1873م) ومن خلال ما تلاه من رموز الفكر الإصلاحي امتداداً للقرن العشرين، هؤلاء الذين قدموا لأمتهم العربية أصوب الآراء وأدق القضايا وأشدّها خطراً على المستويين: الداخلي والخارجي.

فليس بالإمكان مطلقاً غَضّ النظر عنها ونحن نتكلم في الإصلاح ونتولّاه بالرعاية والاهتمام. وإذا أردنا أن نغض الطرف بعيداً عن آراء المفكرين والمصلحين وأهل الرأي ودعاة التهذيب وحاملي لواء التغيير في شتى مناحي الحياة: في الفكر، والثقافة، والاجتماع، والسياسة؛ فعلينا إذن أن نطلب من متخلفي الأمة ليقوموا بعمليات الإصلاح والتغيير، وننحي جانباً أولئك العقلاء المفكرين؛ لأن أقوالهم - فيما تبدو لنا - ترفٌ عقلي أو نظر فكرى؛ إنْ هى إلا تزجية للفراغ العاطل.. أو هكذا يتصوّر الأدعياء. إننا إذا ذكرنا الإصلاح ذكرنا معه محاربة الفساد؛ فلا تقوم الفكرة فيه من أساسها ناهضة قوية والمجتمع من حولك يأكل بعضه بعضاً، والفساد يلاحق أفراده ومؤسساته تماماً كما يلاحق الضمائر الخربة والعقول التلفانة، ولكن لا بدّ مما ليس منه بدٌ: لا بدّ من إصلاح يـتأسس على القيم العاملة النافعة؛ ليربط مسائل الدنيا بمسائل المصير.

فمن أسف أننا حين نتحدث عن الإصلاح، نتحدث عنه ونحن في عزلة عن أولئك الذين خبروه واستوعبوا دلالاته وحفيت أقلامهم في الدعوة إليه؛ ليتم تطبيق خطواته في مجالات الحياة بالجملة فضلاً عن التفصيل. ولن يقوم الإصلاح قياماً ذاتياً من تلقاء نفسه، ولا هو ينغرس فيما فسد من أرض الواقع غرساً عشوائياً بغير دراسة واعية، ولكنه على كافة مستوياته (الدينية، والفكرية، والثقافية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والحياتية على وجه الإجمال) يحتاج إلى مصلحين درسوا وتعبوا في البحث والدراسة والتخطيط المنظم حتى تمخضت أذهانهم عن وجوه الرأي المختلفة، وتشكلت لديهم رؤية فيما هم يقومون بمعرفته، فكانوا بذلك رموزاً في العمل الإصلاحي: محاوره ومجالاته. وماذا نقول فيما كان قدّمه جمال الدين الأفغاني (1839- 1897م)، وعبد الرحمن الكواكبي (ت 1902م)، في الربط بين الفكر والسياسة، وفي مجال الإصلاح السياسي على وجه الخصوص. وهل نرى غضاضة إذا نحن أخذنا اليوم على عاتقنا معرفة مجمل الآراء الإصلاحية التي قدمها الشيخ محمد عبده (1849- 1905م)، أو قاسم أمين (1863-1908م)، أو محمد إقبال (1873 - 1938م)، أو الشيخ مصطفي عبد الرازق (1885- 1947م)، أو أحمد أمين (1886 - 1954م)، أو المفكر المصلح الجزائري عبد الحميد بن باديس (1889 - 1940م)، أو الأستاذ المرحوم عباس محمود العقاد (1889 - 1964)، أو طه حسين (1889 - 1973م)، أو غيرهم من كبار المفكرين والمصلحين الذين يعلمون عن الإصلاح ومداخله الكثير والكثير ويدرؤون الفساد بالتفكير الدائم في قيم الثقافة والتعليم والحضارة والتقدم وممارسة الخُلق الرفيع؟!

فهؤلاء المصلحون هم في الواقع كانوا خيرة عقول الأمة، ولا زالت آراؤهم تنير لنا الطريق، فلا يطلب - مرة ثانية - من متخلفي الأمة أن يقوموا بعمليات الإصلاح والتغيير؛ فعلى الفئة المفكرة العاقلة أن تشرّع، وعلينا نحن أن ننظر فيما شرّعوه؛ لنرى ما يوافقنا منه فتأخذه تنفيذاً مقبولاً غير ساخطين. إنّ العقول التي عشقت هذا التراب المصري والعربي لهى هى العقول التي عرفت معنى الولاء للضمير فارتفعت به؛ ليكون رمزاً علوياً للإنسان أنيَّ كان؛ فإذا أنصلح ضميره، انصلحت تباعاً جميع قواه التي تميزه عن سائر الكائنات الحيّة. ولك فيما لو شئت أن تجرد من الإنسان عقله، وفكره، وضميره، وأخلاقه، وقيمه، أو تجرِّده من قدراته الروحيّة والفكرية والثقافية والمعنوية على وجه العموم؛ ثم تنظر إليه فماذا تراه يكون غير كونه حيواناً أو أشبه بالحيوان؟

لقد حفيت أقلام مفكرينا الكبار من أجل وضوح الرؤية حول عملية الإصلاح، الخاصة بالفرد قبل المجتمع، وكُتِبِتْ كتابات مستفيضة حول هذا الهمِّ الأيديولوجي والتطبيقي على السواء، كانت فكرتها الأساسية تدور حول التغيير والتحديث والتطوير والتجديد، وجميعها اصطلاحات تلف لف تغيير العقلية العربية وتدور في فلكها، ثم نقلها من مراحل الجمود على القديم والانغلاق عليه، إلى مراحل المشاركة في الانجازات العالمية، بل كانت هناك كتب متخصصة كاملة تناولت فكرة الإصلاح بمستوياته المختلفة وأقسامه المتباينة وأولوياته، فيمن ساهموا بوضوح الرؤية فيه؛ مثلما كتب "أحمد أمين" كتابه "زعماء الإصلاح في العصر الحديث"، ومثلما كتب الدكتور "زكي نجيب محمود" في "تحديث الثقافة العربية"، "وتجديد الفكر العربي"، وفيما كتبه "محمد إقبال" في "تجديد الفكر الديني"، وأستاذنا المرحوم الدكتور عاطف العراقي في "العقل والتنوير"، و"البحث عن المعقول في ثقافتنا العربية"؛ ناهيك عن فلاسفة المغرب في القديم والحديث والمعاصر، وفي مقدمتهم محمد عابد الجابري في "نحن والتراث"؛ "ونقد العقل العربي" بأجزائه الثلاثة؛ "والتراث والحداثة"؛ وغير هذه وتلك من المصنفات التي كان كُتابها مجددين مستنيرين، يدعون إلى الأفكار الإصلاحية الكبرى، ويهدفون إلى الإصلاح بكافة مستوياته. فهل استفادت الجهات المسئولة التي يعنيها الشعب جملة لا الفرد بصفة خاصة، بهذه الجهود المبدعة الخلاقة لإصلاح حال الأمة والتفتيش عن مقومات وحدتها، وصمودها أمام الحوادث العارضة والخطوب الواردة؟ وهل أعطت هذه الجهات المسئولة في أمتنا العربية قاطبة مساحةً حرة في أجهزتها الإعلامية لتعزيز تلك الأفكار الإصلاحية والجهود المستنيرة، ودعمها، وتشجيع قيم الاستنارة فيها، ومحاولة تطبيق الفكرة فيها؛ كيما تصل طارقاً بتليد؟!

بادي الرأي عندي: أن الإجابة قطعاً بالنفي، فالعكس هو الصحيح. هناك بعض الدول العربية شجعت الفكر المتطرف، ونمّت روح التعصب، واقتدرت بنفوذها المادي على تمويل الأفكار الرجعية، وفتحت الساحة العربية للسقوط في المستنقع الآسن والحمأة الوبيئة: الإرهاب، والتسّلط، ومحاربة الأفكار الإنسانية العامة التقدمية؛ الأمر الذي ساعد على حل روابط التضامن والاتحاد والاعتصام من الفرقة: تفككت خلالها العروة الوثقى، وفقدنا مع شيوع الإرهاب الدموي هُويتنا الحضارية لأننا استعضنا التخلف عِوض التقدّم والتقليد للأفكار العفنة الممجوجة بديلاً للفكرة الراقية، نستمد أصولها من عقولنا المفكرة لا عقول غيرنا نقلدها ونغرق في التقليد المنبوذ سنوات وراء سنوات!

وهنا تقوم "المفارقة" التي وصفناها في مطلع هذه السطور بأنها عجيبة، فهل تقام للإصلاح قائمة في زمن الإرهاب والتسلط والقهر والإذلال؟!

الإصلاح يحتاج إلى أجواء رحبة من الحرية المسئولة، ويتنفس هواءً نقياً في مؤسسات تعليمية حكيمة وعاقلة، منظمة ومنضبطة. الإصلاح تمليه ضرورة فكرية وروحيّة وعقلانية في المنهج والمسلك، تفرض التسامح مع الآخر المختلف بمقدار ما تفرض شيوع قيم المحبة والأخوة والوئام. وهذه الضرورة مفقودة أو تكاد؛ فكيف - والحال على ما ترى - يستقيم الإصلاح بغير القوة المهيأة لإعداد المنبت الصالح لغرس "الفكرة" في جو من التحرر عن العنف، وفلك قيود التسلط والإرهاب؟!

صحيح أننا لا زلنا نبكي على اللبن المسكوب: نبكي الهرج والمرج والفوضى والتخبط في أكثر دولنا العربية، ننعي الفُرقة والتمزق والتشتت والانقسام، نبكي التّخلف الذي يعتصر الأرواح عصراً في غير رحمة ليل نهار. ولكن مع هذا كله، علينا أن نتذكر هذا الشعار الذي يضمَّه مبدأنا: إنه إذا أرتفع صوت القذيفة تراجع صوت العقل، وإذا هاجت شهوة الانتقام خمدت إرادة الحياة وغارت استطاعة الإصلاح فيها، وإذا سادت لغة القتل والتخريب والاغتيالات الحمقاء تقلصت لغة الحكمة والمحبة والسلام.

على أن الأزمنة العسيرة في التاريخ البشري كله هى الأزمنة التي تجمع العجائب وغرائب المفارقات؛ فيُخَيَّل إليك أنك "تنفخ في قرب مخرومة" لا أنك تنادي العقول الحكيمة والضمائر الإنسانية المستقيمة، واليوم أعود إلى ما كنت كتبته منذ سنوات لكي ألاحظ تطور التهديد بالإرهاب واستخدام فكرة الإصلاح لتحقيق المأرب الاستعبادية، فقد كان شغل كافة المراقبين السياسيين في السنوات السابقة كيفية التعامل مع المشروع الأمريكي الصهيوني المفروض على الواقع العربي، والذي استهدف الإصلاح في الوطن العربي، فقبله مَنْ قبله ورفضه مَنْ رفضه، وخرجت علينا الصحف يومها بآراء تقول إنّ مشروع الشرق الأوسط الكبير مشروع فجائي طفر على السطح فيما يشبه القفزة غير المحسوبة، حتى عقدت حوله المؤتمرات، ولم تزل تعقد، وأخرها مؤتمر الإسكندرية المعقود في مارس 2004م، أسفر عن وثيقة بها أربع وستون توصية كان شارك في بحثها أكثر من 150 شخصية عربية.

وعندي أنه على الجملة هو "مشروع بلا شرعية" غايته الاستعمار والاستعباد، وتكبيل الحريات وانهيار قيم وحقوق الإنسان، وبخاصة الإنسان المسلم والمواطن العربي. ولئن كان تضمّن فروضاً ولوازم، غير أنه لم يطفو على السطح طفرة فجائية كانت خافية على أحد، ولكنه كان بالجملة محتمل الحدوث ومتوقع الأثر في ردود الفع،، وخصوصاً بعد الحرب الأمريكية على العراق منذ أن أطلقت في العالم شعارات مثل"النظام العالمي الجديد"، و"تغيير خريطة الشرق الأوسط" قبيل المفاوضات والمباحثات التي سبقت غزو العراق.

لقد أعلنت الإدارة الأمريكية يومها أن من أسباب الحرب على العراق كانت تلك الأسباب التي تتضمّن القضاء على الإرهاب ومحاربة فلولة في شتى بقاع الأرض؛ وإنه بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (2001م)؛ أعلن الرئيس "بوش"، أن الولايات المتحدة الأمريكية في حالة حرب، وأن هذه الحرب لم تتوقف ما لم يقض على الإرهاب، لكنه استثنى ما تفعله إسرائيل من أعتى جبروت الإرهاب في العالم ضد الشعب الفلسطيني، نفس الشيء الآن يعلنه ترامب مع إيران، ثم كان من بين أسباب الحرب على العراق سبب معلن عن تغيير خريطة الشرق الأوسط الكبير، وإشاعة الديمقراطية في الشعوب العربية حكاماً ومحكومين، وتوثيق حقوق الإنسان وترسيخ قيمها وتحرير المرأة تحريراً فعلياً يمكنها من تفعيل دورها في المجتمعات العربية.

وقامت الحرب؛ ودخلت القوات الأمريكية العراق، في حين كانت إسرائيل تنفذ بأحطِ وأنذل أنواع الاغتيالات المجرمة "إرهاب الدولة" مع الفلسطينيين، ثم جاء دور تغير خريطة الشرق الأوسط الكبير؛ فإذا المشروع صدق لا كذب فيه ولا تهريج، تماماً كما كانت الحرب من قبل جداً لا هزل فيه ولا تكذيب: صدق من حيث إنه هدف استعماري بلون جديد، يطمع في تفكيك الوطن العربي وتقسيم العالم الإسلامي، ويستند على لوثة عنصرية صهيونية مؤسسة على سفك الدماء واستحلال حرمة الأراضي والمقدسات. لقد كان منطق إحادية القوة أو وحدويتها هو السائد في مفهوم العقلية الأمريكية والصهيونية على السواء: عقول لا تفكر سياسياً سوى في الاستعباد وامتصاص الدماء. إذا قال الأمريكيون: سنفعل كذا؛ فمما لا مناص منه أن نتوقع أن هذا الفعل لا بد واقع، وعلى المفعول فيه أن يستقبل خانعاً ذليلاً أوامر الفاعل بالضرورة، وما عليه سوى الاستسلام والطاعة العمياء؛ لأنه ضعيف لا يقوى على عواقب المقاومة والرفض.

ومما نشرته الأهرام يومها لنائب وزير الخارجية الأمريكية "ريتشارد ارميتاج"، حول مبادرة الشرق الأوسط الكبير أنه قال: قد تولد لكثيرين في العالم العربي انطباع أن هذه المبادرة أمر يتمُّ فرضه من أعلى إلى أسفل، وربما نكون قد بدأنا بداية خاطئة دون أن نضع في الاعتبار الثقافة المميزة والعوامل الوطنية، أو حقيقة التعامل مع (22 دولة) أو أكثر، لقد حاولنا تصحيح ذلك حيث ذهب زميلي "مارك جروسمان" إلى المنطقة، وقام بشيء من الصعب للغاية على الأمريكيين أن يقوموا به، وربما قام بأمر غير مسبوق".

إلى هنا؛ والكلام منطقي، فما هو الأمر غير المسبوق، والصعب على الأمريكيين القيام به؟ تجيء إجابة "رتشارد ارميتاج" ذروة في الاستخفاف بالديمقراطية إذا هى كانت تهم الشعوب العربية، والاستخفاف كذلك باحترام حقوق الإنسان العربي والمسلم.

يجيب: " إنه (أي مارك جروسمان) استمع للآخرين ثم عاد !".

يا سبحان الله! حتى الكلام المصرح به فيه مفارقات !!

ولم لا؟!

إرهاب بالقول يتبعه إرهاب بالفعل. أو إنْ شئت قلت: إرهاب بالفعل يؤيده إرهاب بالقول.. والنتيجة: أنْ لا إصلاح في زمن الإرهاب.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

مجدي ابراهيمتحت كلمة "ثقافة" تتعدَّد الوجهات المعرفية، بمقدار ما تتعدد تحت هذه الكلمة الفضفاضة عقائد المثقفين، حتى لكأنك لم تعد تدري: إلى أي معنى تصيبه كلمة "الثقافة" حين تطلق على علاتها كلمة فضفاضة واسعة بغير قيود ولا حدود على بعض خلق الله. إنه لكثير جداً ما تروح فتجد بعضاً من أولئك المثقفين، أدعياء "العقل"، والمنطق، والتحليل، تغالبهم نفوسهم فيما يعتقدون ويرتأون ثم يزعمون؛ تغالبهم نفوسهم؛ إذْ تنتصر عليهم في اعتقاداتهم وفي تصوراتهم، وتغالبهم في مسالكهم وأحوالهم تماماً كما تغالبهم نفوسهم في قناعاتهم، فيكون مبعث هذه الغلبة غربة روحيّة ونفسية عنيفة، ونتيجتها (أي هذه الغلبة) دعوى عريضة لا يقوم عليها دليل!

وكل صاحب دعوى "غلبان"! تغالبه نفسه بدعواه، وتقهره تحت إلحاح الدعوى حتى ليمضي بها إلى درجة لم يكد يعرف فيها: ماذا عَسَاه يريد؟ وماذا عَسَاه يأخذ؟ وماذا عَسَاه يدع؟ إن دعواه العريضة لتحجُبه عن معرفة نفسه في مطالبها وحاجاتها بل في حقوقها وواجباتها؛ فلم يعد يدرك شيئاً من أوهامها، لكأنما الوهمُ كثيراً ما يأخذه بعيداً عن مداركه الواعية فيتصوَّر على الغفلة أن ما يعيه لهو الواقع المحقق فعلاً في كافة الحالات، غير أن الواقع الذي يعيشه، ناهيك عن واقع نفسه هو، بخلاف ما يدَّعيه.

ثمَّ إنه ليعترف بدعواه، وقد لا يبرئ نفسه مطلقاً من تهمة الدعوى، بل يماريها فيما ترى من مغبِّة الوقوع فيها صباح مساء. ربما كان صاحب الدعوى من المحقق، قصداً وفعلاً، يروم التغيير فيفر من واقعه إلى خيال يرتجي فيه محاولة التغيير، ولكن هذا الخيال لا يوجد إلا في نفسه، ولا يتصور إلا في أحلامه. بيد أنها أحلامُ منمقة وأوهامُ منظمة كأنها تمسُّ الواقع بصلة قريبة، يظل صاحبنا يكدح وراءها، إنشاءً وتعبيراً وطرحاً مقصوداً إلى أن يستفيق على الواقع الذي هو أشدُّ من الحجارة قسوة وصلابة.

ومن ها هنا؛ تأتي "المُغالبة": نشدانُ التغيير من جهة، وقلة الاستجابة الواقعية من جهة ثانية، وحياة النفس على التوتُّر والرَّبْكة الجوانيِّة فيما عساه يقع بين الجهتين، ثم مقاومة كل ما يحيطه في حياته لكل ما يريده هو، بما فيه نفسه التي بين جنبيه.

ولو أن هذا المثقف كان وجه نظره إلى خاصة نفسه قبل كل شيء لهان الخطب وخف البلاء، ولهوَّن - من ثمَّ - من قدر مغالبته؛ لأن تركيزه على أخطاء نفسه سيضيق عليه مقدار "المغالبة" التي يُعاني، وحجم المصارعة التي يتصارعُ فيها الباطن مع الظاهر، والخفيِّ المستتر مع المكشوف البادي، ولكن "المثقف" صاحب الرأي يستمد رأيه في الغالب من خياله المريض ونفسه الملوثة ومزاعمه الدَّعيَّة ثم يطرحه على الناس طرحاً مبالغاً فيه ليأخذوا به أخذاً حرفياً، كما لو كان قراراً يسنَّه حاكم مستبد على رعية أجراء.

المثقف، صاحب الرأي؛ لا يرى إلا نفسه فلا يقبل في باطنه نقداً لرأيه، ولا تفنيداً لدعواه لكأنما يستوحي مثل هذا الرأي استيحاءً من مناهل السماء. وحين يعزف عنه الناس يشعر بألم ما قبله وما بعده من ألم: يشعر بالغربة والتوهان، فيعتزل المجتمع؛ لأنه لا يرى سوى نفسه ولا يخاطب إلا أوهامه ولو أنه كان وجه نقده ابتداءً إلى حاله لعَرَفَ كيف يحتاج هو نفسه أكثر من غيره إلى إصلاح.

هذه أولى الأزمات النفسية - ولا أقول الروُحيِّة - التي تقابل بعض المثقفين وتطاردهم في حياتهم، فضلاً عن ملاحقتها لهم في حلِّهم وترحالهم: أعني الاغتراب عن الواقع مع قلة فهمه والإدِّعاء بإصلاحه؛ فلا هو -  أي المثقف -  أصلح واقعه ودنياه، ولا هو أنقطع لآخرته وعمل لها، وبين هاتين الغايتين يكون الاغتراب خاصَّة المثقف المخصوصة، ولم تكن غربته التي يستشعرها دوماً في غير انقطاع غربة من خارج بل هى غربة باطنة. إنها شعورٌ دائم لا يفارقه، وإحباط يلازمه نتيجة مرارة الغربة يحسها في أعماقه من غير أن يدري لها سبباً مباشراً معلوماً أو معقولاً.

ولم يكن "أبو حيان التوحيدي" الذي عاش مغترباً في القرن العاشر الميلادي، ببعيد عن تجسيد الملامح الشاهدة على "غربة المثقف" في عبارات مؤثرة وأخاذة، وذلك حين قال في كتابه (الإشارات الإلهية؛ من تحقيق وتقديم عبد الرحمن بدوي؛ طبعة جامعة فؤاد الأول؛ القاهرة سنة 1950م) يصف حاله في عصره:" أما حالي فسيئة كيفما قلبتها؛ لأن الدنيا لم تؤاتني لأكون من الخائضين فيها؛ والآخرة لم تغلب عليّ فأكون من العاملين لها".  هذه أول أزمة نفسية يعانيها المثقف ولا أقول الروحية. فهو بين أملين لا عمل لهما؛ وبالتالي لا ثمرة لها.

ثم يخفق قلبه ويصرح ضميره فيقول في نفس المصدر "الإشارات الإلهية": " فإلى متى نعبد الصنم بعد الصنم، كأننا حُمُرُ أو نَعَمْ (أي أنعام)؟! إلى متى نقول بأفواهنا ما ليس في قلوبنا؟! إلى متى نَدَّعي  الصدق، والكذبُ شعارنا ودثارنا؟! إلى متى نستظل بشجرة تقلص عنَّا ظلُّها؟! إلى متى نبتلع السموم ونحن نظن أن الشفاء فيها؟!".

وبقليل من التأمل في نص التوحيدي؛ ندرك من أين يأتي الشعور بالاغتراب لدى المثقف، وقد بينه المؤلف حين وصف لنا حاله: التي لا هى إلى الدنيا تواتيه ليخوض فيها مع الخائضين، ولا هى إلى الآخرة تغلب عليه، فيكون لها من العاملين. وبعبارة أخرى؛ لكأنه يقول: نحن في عبادتنا عَبَدة أصنام وأوثان؛ نعبدُ الصنم بعد الصنم, كأننا بلا ضمائر ولا قلوب, بل حُمُرُ وأنعام! وتلك ثورة روحية باطنة في تصحيح العلاقة بين العبد والرب، ناهيك عن خلخة في نظام القيم، وازدواجية في المعايير الخُلقية: أن نقول بأفواهنا ما لا تحمله قلوبنا وندَّعي الصدق إدعاءً في حين يكون الكذب هو الشعار لنا وهو الدثار، ونستظل بظل الشجرة واهمين ونحن نعلم أن ظلها إلى زوال، ونبتلع السموم وفي الحق أن هلاكنا محققٌ فيها. حقاً .. إلى متى نبتلع السموم ونحن نظنُ أن الشفاء فيها؟! أو إلى متى نقول بأفواهنا ما لا تكنه قلوبنا؟! ألا يؤدي هذا حتماً إلى الشعور بالاغتراب؟!

أما الأزمة النفسية الأخرى - ولا أقول الروحيّة كذلك - التي يعانيها "المثقف"، والتي تقوده أيضاً إلى اغترابه عن الواقع، فهى تتمثل في إدعاء "العقل" والمنطق والبرهان، وإهمال القلب والشعور والوجدان؛ فالإفراط في النزعة العقلية الجافة وجعل الإنسان كله كتلة ماديّة صماء وركل الجانب الروحي فيه لهو شعور آخر بالاغتراب عن قيم العالم العلوي، وهذا الشعور في غاية القسوة والحيرة والضلال؛ لأنه شعور يمس مصدر الطمأنينة القلبية في الإنسان مسَّاً مباشراً.

وأني لأعني بالعقل هنا؛ العقل التجريبي، والعقل الاستدلالي المنطقي، العقل المادي، لا العقل مطلق العقل؛ إن المثقف المزعوم الذي يَدَّعي العقل والمعقول، وهو لا يعرف كيف يدير نفسه، لا ينتظر من المجتمع أن يؤهله لأن يتقدّم إليه بخطة فكرية وثقافية ينصلح عليها شئونه وأحواله ومرافقه الحيوية. ومَنْ فقدَ الشيءُ لا تتوقع منه أن يعطيه؛ فلا تستغرب - من ثمَّ - فشل النظم والتيارات الأرضية في إصلاح المملكة الإنسانية! واستغناء الناس بعد التجربة، لا قبلها، عن كل الأوهام الفكرية والأنظمة الأيديولوجية التي جاءت زاعمة - على مرض الخيال العاطل - أنها تقدِّم للمجتمع خطط إصلاح وميادين تعمير وتقدّم، ثم اعتبارها في المجمل ترفاً فكرياً وثقافة؛ مجرد ثقافة, ليس إلا.

هذا صحيح إلى حد ما؛ لأنه لا يمسّ حقيقة الإنسان ولا روحه ولا جوهره الباقي. نعم! قد يوفِّر له فيما لو طبق بعض شيء من الإصلاح المادي، لكنه مهما يكن لا يوفر له إصلاحاً روحياً ولا سعادة يخلص إليها ضميره من وطأة الثقالة والوخامة والإرث البغيض والميراث الغليظ.

مهما يكن من أمر النزوع المادي الذي تتبناه التجارب العلمية والمذاهب البرجماتية والذي هو نتيجة إيغال العقول في الدعوات المادية، ومهما يكن من أمر دعوتها الجافة بعيداً عن وعي الضمير الحر اليقظ؛ فهى لا تعطي الإنسان نوراً يمشـي به في الناس، بعد أن يكون قد عَرَفَ من خلاله نفسه وأضاء له الطريق الذي يسير عليه.

إن هذا النور لا يوجد في أنظمة الفكر وتيارات الثقافة النظرية؛ لأن هذه الأنظمة والتيارات قاصرة مهما بلغت من إدِّعاء الكمال عن تلبي في الإنسان نداء الروح ومطالب الضمير، ناقصة مهما طالبت المزيد من بلوغ التمام عن أن تعطي للإنسان "هداية النور" الذي يمشي به في الناس؛ لكونها لا تعبِّر عن الحقيقة المطلقة بل تعبر عن أهواء أصحابها، وفوق كونها كذلك، فهى لا تخاطب في الإنسان ضميره الحر الأبيِّ، بل تخاطب فيه عقله الجاف مفصولاً أو معزولاً عن شعوره، وتنسى غافلة قلبه وخوافيه. وقلب الإنسان هو كيانه، هو كينونته، هو روحه الباطنة وراء الشحم منه واللحم، هو كل شيء فيه، وإنمَّا الأنظمة الفكرية والعقلية تريد فقط أن تشطر الإنسان وتفصله عن قلبه، وعن روحه، وعن وعيه بكينونته وجوهره، لتجعله كتلة مادية صماء يتحرك بذرِّ كما تتحرك في يده لُعْبَة الإنسان الآلي.

قد تفلح تلك الأنظمة في اختراع هذا الإنسان الدُّمْية، لكنها لن تفلح أبداً في اختراع الروح الإلهي الخالد أو في شجبها عن الإنسان بما هو إنسان. والباحثون في تلك الأنظمة الفكرية والعقلية ممَّن جعلوا من عقولهم أصناماً يعبدونها من دون الله، وألغوا حقيقة الإنسان: قلبه وعقله، لم يفلحوا قط في غرس الطمأنينة في القلوب قدر ما غرسها "الإيمان". ومما لابد له للعقل المروَّض على معرفة الحقائق الكبرى - كيما لا يُصَابُ الإنسان بالغربة عن أصله - أن يحيلَ إلى العقيدة الملهمة حين يحيل في الوقت نفسه إلى الإيمان.

ولأستاذنا الراحل "عباس العقاد" - طيَّب الله ثراه - رأي وجيه كان ذكره في مقال عن "ماكس نوردو؛ منشور بجريدة البلاغ في 29 يناير سنة 1923م, ثم جُمع ضمن ما جمع من مقالات في كتاب "مطالعات في الكتب والحياة" من طبعة دار المعارف؛ القاهرة سنة 1987م؛ نثبته هنا في هذه المسألة: مسألة إحالة العقل إلى الإيمان إذْ يقول:" وصفوة القول أن البحثَ خليقٌ أن يجدينا ويسعفنا في الحيز الذي ندركه ونحسن أن نتأمله ونتقصاه. أما إذْ نعبره ونوغل بالأمل خلف رتاجه، فهناك فلتسعفنا العقيدة والإلهام، ولنثق أن العقول لم تجعل لنا أداة للضلالة والفوضى والاختباط، فإذا هى أختلط عليها الأمر ورانت عليها الفوضى، ولم تأوْ بنا إلى ظل من طمأنينة العقيدة الملهمة، فليس الذنب ذنب العقيدة ولكنه بلا ريب ذنب العقول (ص31).

لا شك نجحت رسالة الأنبياء في حين أخفقت أنظمة الفكر والثقافة ولازالت تقدم للإنسانية ما يشغلها من إخفاقات وسخافات، تبعدها عن حقيقتها، وتدخلها في شواغل وأزمات تؤخرها عن نهضتها الروحيّة ووعيها الأمين.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

علي اسعد وطفة"أعني بالحكمة: النظر في الأشياء بما تقتضيه طبيعة البرهان" ابن رشد.

هل يمكن تحرير السُذج من الأوهام التي يبجلون؟ وهل هناك أشد عميا من ذاك الذي لا يريد أن يرى؟ يحاول أفلاطون  في "أسطورة الكهف" أن يحدد لنا طبيعة العلاقة بين عالمي النور والظلام. في هذه الأسطورة يحدثنا أفلاطون عن كهف مظلم فيه أسارى مثقلون بأصفادهم، مشدودون بأغلالهم، يستمتعون بالنظر إلى غور الكهف حيث ترتسم لهم ظلال وأشباح، تلقيها عليهم نار مشبوبة في الخارج، وهم يخالون ما يرونه على الجدار، من إسقاطات وخيالات وظلال وأشباح، حقائق كونية لا تقبل الشك أو الجدل. وحين يتاح لأحد الأسرى (وهو الفيلسوف المنوِّر) أن يتحرر من أغلاله وأن يكسر أصفاده ليخرج من بوابة الكهف، فيرى الشمس حقيقة مشرقة بضيائها وسحرها الكوني، يعود إلى الكهف ليساعد المخدرين بالأوهام على تحطيم أغلالهم وتبديد أوهامهم والخروج من عالم الظلام إلى عالم الحق والجمال والخير والنور، فيأبى المنوّمون ويرفضون الخروج لمواجهة الحقيقة ورؤية النور، مفضلين البقاء في ظلام الكهف، تحت سطوة أهوائهم وغرائزهم وأوهامهم، بعيداً عن العيش في الأنوار التي تفيض بها شمس الكون الساطعة.

فالتنوير إذن، كما ترمز إليه أسطورة أفلاطون، حالة ذهنية وقّادة، يدك فيها الإنسان جدران الأوهام، ويدمر عبرها أركان الوصاية على العقل بوصفه الجوهر الإنساني في الإنسان. إنها وفقاً لمنظور "كانط" الوضعية التي يخرج فيها الإنسان من دائرة الخرافات والأوهام، ليحطم كل أشكال العطالة الذهنية والجمود ومقاليد الوصاية على العقل. وفي هذا كله تأكيد لسيادة العقل وسلطانه حيث لا يكون سلطان فوق سلطانه؛ ولذا غالبا ما يقترن مفهوم العقل بمفهوم النور أو التنوير في الحضور والغياب، يقابله هذا الاقتران الكبير والجوهري بين الجهل والظلام. وضمن توجهات هذه المعادلة التنويرية، يكون حضور العقل حضوراً للتنوير وغيابه حضوراً للجهل والظلام. ومن الواضح تاريخياً في هذا السياق، أن حضور العقل والعقلانية كان في أصل كل حضارة وتقدم، حيث كان العقل، وما ينتجه من حكمة وعلم وبرهان، هو أداة الإنسان لفهم الكون والإفادة الرشيدة من الطبيعة؛ بما يحقق الغايات الإنسانية النبيلة. فالعقلانية هي التي منحت الإنسان القدرة على التحرر من غوائل الطبيعة والانتصار على كل أشكال الضعف والقصور لبناء حضارة الإنسانية والإنسان.

إنها حالة مأساوية في حقيقة الأمر عندما تأخذنا المؤشرات الإحصائية العالمية الموظفة عادة لقياس مدى تقدم الأمم وتحضرها، إلى استحضار الصورة المأساوية للتخلف الذي تعيشه أمتنا العربية في مختلف مستويات الحياة والوجود. فالمجتمعات العربية تصنف وفقاً لهذه المؤشرات، بين أكثر المجتمعات الإنسانية تخلفاً وجهلاً وعسكرةً وتسلطاً ودمويةً واستبداداً وغرقاً في مستنقعات الظلام. فالدول العربية تأتي دائما في أدنى سلم التحضر الإنساني من حيث التعليم والإبداع والبحث العلمي والتصنيع والديمقراطية وحقوق الإنسان!

إنها صورة صادمة حقاً، عندما نتأمل في مدى غياب العقل والنقد والتنوير والعقلانية عن العقلية العربية، وفي مستوى انحسار العلم وتراجع المعرفة العلمية والنظرة العقلانية إلى الوجود. وتكون هذه الصورة أكثر صدماً ومأساوية، عندما نتأمل في مستوى الانحدار الأخلاقي والقيمي، وفي مستويات انتشار الفساد والرشوة والتسلط والظلم والخرافة والأوهام والتعصب والتسلط والطائفية والحروب الدموية والانقسام، وغياب حقوق الإنسان، وتغييب حقوق المرأة والطفل، إنه عالم متخلف بنيوي التخلف بامتياز.

لقد أبلى المفكرون والباحثون العرب في الكشف عن عوامل هذا التخلف الأسطوري الذي تعيشه الأمة اليوم، وقد أجمعت غالبيتهم على أن غياب العقل وتغييبه كان من أبرز عوامل تخلف هذه الأمة، وأكثرها أهمية وخطورة. وقد بين كثير منهم أن تخلف هذه الأمة يتم تحت تأثير استبداد سياسي، يقوم على محاصرة العقل والعقلانية؛ بتغييب كل أشكال الحرية والديمقراطية، وإخضاع الأمة لحالة من الاستبداد الوجودي الشامل.

وفي مواجهة هذه الوضعية المتردية، حاول المفكرون والمصلحون العرب، منذ عصر النهضة حتى اليوم، اختراق جدار الظلام الحضاري للأمة، وتفجير أعتاب العتمة الوجودية التي لحقت بها. ومما يؤسف له أن المساعي التنويرية لهؤلاء المفكرين التنويريين لم تؤت أكلها، كما كان يتوخى أصحابها. ويعود هذا الإخفاق إلى نسق من العوامل الموضوعية والتاريخية التي حالت دون نهوض هذه الأمة وتحضرها، كما حالت دون استحضار الحالة التنويرية العامة في المجتمعات العربية، على غرار الحالة التي شهدتها أوروبا في القرن الثامن عشر، إذ بقي الفكر التنويري سجين النخب، ولم يتحول إلى حالة تنويرية جماهيرية فاعلة في العالم العربي.

وضمن هذه الوضعية خفتت أضواء التنوير، وتراجع تأثيره، وبقيت الساحة الثقافية غارقة في العتمة، لأن محاولات النهضة في العالم العربي أخفقت تحت تأثير الطابع النخبوي للتنوير، فلم تستطع هذه المحاولات أن تخترق حجب الظلام، وبقيت الجماهير العربية تحت سيطرة الغرائز والعواطف والميول البدائية المناوئة بطبيعتها لكل أشكال العقلانية والتنوير. وكانت القوى المناوئة الظلامية أكثر قدرة على تدمير منصات التنوير، وحجب أضوائه، ومحاصرة مريديه، وتجريدهم من القدرة على التأثير حضاريا في الحياة والمجتمع.

ومع الزمن، وبفعل هذه العزلة التنويرية، تكاثفت في المجتمع عقلية سحرية خرافية ظلامية تنتفض، إيمانا بكل أشكال الخرافة والأساطير، لتتحول إلى عقلية عمياء تتميز بخصائص الانصياع والاتِّباع والخضوع والقبول الصاغر لكل الإيحاءات التقليدية، التي تفرضها نصوص وتعاليم مفرغة تماما من جدواها، لا تسندها أدلة وبراهين مقبولة، لترسِّخ ثقافة جماهيرية استلابية، بنيوية التخلف، تعاند كل توجه منطقي عقلاني.

ومن المدهش أن هذه الموجات الاغترابية التسطيحية، استطاعت أن تجد طريقها إلى فئات الأكاديميين الضالعين في حمل الشهادات العلمية العالية. حتى إنك لَتُذْهل عندما تجد أن جوهر ثقافة الأكاديميين قد لا تختلف كثيراً عن ثقافة العامة، ولاسيما في مدى قبولها لمختلف أشكال وأنماط التفكير الخرافي الأسطوري النصي المنغلق على الأصول الذي فرض نفسه في عقولهم كمقدسات غير قابلة للنقد والنقض والتحليل. ويبقى هذا دليلاً على أن الإنتاج الثقافي التربوي ما زال يعمل بقوة على إنتاج أجيال مصممة على القبول الصاغر لشكليات النص، والتناغم مع مستويات عالية من الانصياع التلقائي المبرمج، وإضفاء الطابع القدسي على كل ما تعلموه من خرافات ونصوص وتعاليم وأوهام وأساطير.

في مواجهة هذا الواقع الفكري العربي المأزوم، الذي يجأر بكل دلالات التخلف ومؤشرات السقوط، ما زالت فئة واسعة من المثقفين تحمل شعلة التنوير والضياء، وفي قلب هذه العتمة الوجودية التي خيمت على صدر الأمة بدأت الشموع الثقافية المضيئة تتلألأ هنا وهناك، حيث انبرت طائفة كبيرة من المفكرين -من كل الاختصاصات والمشارب العلمية والفكرية - للعمل بصمت وصبر وإيمان وعمق وتُؤَدَةٍ من أجل تشكيل حزمة هائلة من الضوء قادرة على تبديد الظلام الذي تعيشه الأمة.

ومما لا شك فيه، أن الساحة الفكرية العربية تضم بين جناحيها عددا كبيرا من المفكرين التنويريين الراغبين في عملية البناء الحضاري للأمة، ولكن تفرقهم وتشرذمهم في الأنحاء كان وما زال يضعف مسيرتهم التنويرية، ويقلل من دورهم الحضاري الفاعل، وهم اليوم في أمسّ الحاجة إلى تشكيل حزمة ضوء كبيرة قادرة على ممارسة الدور الحضاري المنشود في مجالي النقد والتنوير.

وإذا كانت الحكمة القديمة تقول:" أن تُشعل شمعة خير لك من أن تلعن الظلام"، وهو قول جميل نبيل، فإننا نقول لقد آن الأوان لمثقفي هذه الأمة المتنورين ان يوقدوا شمعة تنوير مضيئة تعزز الإيمان الكبير بالدور الحضاري للثقافة في بناء حضارة العقل والإنسان. وأن يحدثوا صدمة تنوير قادرة على إيقاظ هذه الأمة من غفلتها التاريخية وأن تهزّ غفوتها فتنهض بها من سباتها الأبدي في دياجير الظلام إلى يقظة حضارية تنهض بالحياة والحضارة والإنسان. .

نعم، نحن بحاجة اليوم إلى صواعق التّنوير لتبديد ظلام التخلّف وكسر جموده وتحطيم تصلّبه، نعم نحن بحاجة إلى "بروموثيوس" مزلزل قادر على تحطيم أصنام التخلّف وحمل شعلة الحق والخير والعقل التي تصعق ظلامنا وتبدّد تخلفنا، وتعيد لنا إنسانيتنا المهدورة. نعم، نحن بحاجة إلى نخبة فكرية شابّة جديدة تحمل نور المحبة والسلام والعقلانية إلى أوطاننا المقهورة. بل كم نحتاج إلى عمالقة من المفكّرين الجدد القادرين على حمل الصّواعق التنويرية من أمثال الجاحظ والمتنبيّ والمعرّي والتّوحيدي وابن عربي وجلال الدين الرومي، وابن خلدون، وابن رشد...نحتاج إلى عقول متفجّرة بالحبّ والسلام والبحث عن الحقيقية أمثال غاليلو غاليلي وفولتير وغرامشي ونيوتن وبورديو وجاك لاكان... نحتاج إلى جيل من المفكرين الجدد الذين يملكون القدرة اللاّزمة على تغيير المصير، والانطلاق قدما نحو عالم النور والحياة.

 

علي أسعد وطفة – جامعة الكويت

 

فتحي الحبوبيبصرف النظر عن مفهوم المثقف البالغ الالتباس والتعقيد، والذي سنعرض إلى بعض مداليله الإشكالية، فانّه من المفترض أنّ الرسالة الأهم، التي على المثقف النقدي المتفاعل مع محيطه والفاعل فيه، المنحاز إلى الجماهير في غير ما مهادنة، ولا سكوت عن مظالم السلطة، إنّما هي الرسالة التي يحملها تجاه المجتمع الذي ينتمي إليه -لا بل تجاه كلّ المجتمعات إن بلغت طروحاته وأفكاره مرتبة العالمية- والتي لا تقتصر، على إنتاجه للأفكار ولصنوف الثقافة في تمظهراتها المختلفة ولا في محاولة بثّ الوعي المعرفي في النّاس وتحفيزهم على التفكير النقدي وتحريضهم على السعي إلى التغيير، بل تتجاوز ذلك إلى ما أهمّ، وهو قيادة تغيير الوضع القائم. ليس هذا فقط، بل من مهام المثقف النقدي الأساسيّة قبل وبعد ذلك مهمّة طرح حلول للتحدّيات التي يواجهها المجتمع في منعطفاته الصعبة ولحظاته التاريخية الحرجة التي قد تفضي إلى التحوّلات الكبرى، وتبلغ أحيانا، حدّ استهداف وجوده في حاضره وفي مستقبله أيضا، مثلما هو حال الوطن العربي اليوم الذي يعيش أعراض المخاض "القيصري" العسير للثورات العربية المنحرفة عن مسارها. لذلك فهو ينتظر من المثقف، بما هو ضمير الأمّة وعقلها وقائدها إلى التغيير وبما يمثّله من حقّ الإعتراض ومن قوّة إقتراح للبدائل، ينتظر منه بلورة رؤيته الإستشرافية- المستندة إلى علم المستقبل لا إلى التخمينات والتهويمات اليوتوبيّة- ثمّ طرح تصوّراته للنهوض من وضع التشضّي والتردّي لهذا الوطن العربي المكلوم، بهدف تحقيق التقدّم المأمول في اتجاه صناعة غد أفضل للأجيال القادمة. بهذا المعنى، الذي يتحفّظ عليه الماركسيون ويرون فيه نفخا مبالغا فيه في صورة المثقف، فيما هو منسجم مع أنساق وسياقات المقاربات الحداثية لأنطونيو غرامشي (المثقف العضوي) وما بعد الحداثية لميشال فوكو، ذات الصلة بتعريف المثقف، دورا ومفهوما، في السرديات الغربية. وهو منسجم كذلك مع ما جاء لاحقا في كتاب "المثقف والسلطة" للمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد الذي أفاض في طيّاته في تفكيك مفهوم "خيانة المثقف" الذي إصطلحه جوليان بندا قبل ذلك بعقود طويلة، فانّه يظلّ من الصعب الإقرار بأنّ العرب، راهنا، لهم مثقّفون يستحقّون أن نخلع عليهم هذه الصفة المقترنة أساسا - منذ الارهاصات الأولى لمفهوم المثقف - إن في أوروبا الشرقية او في فرنسا فيما بعد- بالنزعة العقلانية النقدية الإحتجاجيّة وتحدّي السلطة ومعارضتها. بما يعني ضرورة لعب المثقف دورا توجيهيّا ونحريضيّا فاعلا ومؤثّرا في الحياة العامة، تعضدعه المواقف النبيلة والشجاعة ضدّ المظالم الاجتماعية والسياسية كما اشتغل على ذلك في فرنسا بالأمس" إميل زولا" في قضية "درايفوس" الشهيرة التي اتّهم فيها باطلا بالجوسسة لصالح ألمانيا (الخيانة العظمى)، وقد سبقه"فولتير" في مسعى مماثل في قضية "كولاس" الذي أتّهم على وجه الشبهة وأعدم على عجل على خلفية الصراع الكاثوليكي البروتستنتي (1). وهذا المسعى (الإعتراض الشجاع على السلطة والدفاع عن المظلومين) هو ذاته ما يشتغل عليه اليوم ( لا بل ومنذ عقود طويلة) في أمريكا أشهر المثقفين المعاصرين الأحياء، الفيلسوف وعالم اللسانيات نعوم نشومسكي (2)، المندّد دوما ودون هوادة بالسياسات الأمريكية الظالمة للشعوب الضعيفة، ولا سيما بمظلمة القرن العشرين، ألا وهي قضية الشعب الفلسطيني واغتصاب دولته ومباركة الولا يات المتّحدة لذلك في صلف وصفاقة لا حدود لهما.

قطعا، كان للعرب والمسلمين، في أحقاب سابقة، سبقت بقرون عديدة، الثورة الفرنسية التي أسفرت عن بروز مصطلح المثقف بمفهومه النقدي والنضالى، كتّاب ومفكّرون وفلاسفة وفقهاء سلاطين وعلماء دين صدرت عن القلّة القليلة منهم بعض المواقف الجريئة التي خلّدتهم وأبانت عن استقلالية مواقفهم لكنّها لم تكن، في الأغلب الأعمّ، في علاقة بقضايا الإنسان الأساسية، منخرطة على نحو ما في الرهان على بحث حلول لها، فيما لو استثنينا مواقف نادرة تهم الشأن العام، كموقف أحد أبرز الكُتّاب المسلمين غير العرب، ألا وهو عبد الله ابن المقفع. وهو الموقف الذي ضمّنه رؤيته في إصلاح الحكم والحاكم في ما وسمه ب"رسالة الصحابة". تلك الرسالة الشهيرة إلى الخليفة المنصور، التي لم تكتف بالإشارة إلى مساوئ النظام في علاقة بمن يحكم من ولاة وأمراء وحتّى الخليفة المنصور ذاته، وبمظاهر الفوضى والفساد وشقاء الرعية، بل طرحت الحلول الضرورية لتغيير الوضع نحو الأفضل، بما يجعل بن المقفع موضوعيّا أوّل مثقّف نقدي مسلم، فيما لو طبّقنا عليه بأثر رجعي مفهوم ومواصفات المثقّف كما أسلفنا تفصيلها. ما يعني تصنيفه خارج فئة المثقفين الذين إعتبرهم جوليان بندا خائنين- إشتقاقا من مصطلحه "خيانة المثقّف"- ووضعهم"خالد الحروب" في خانة «المثقف القطيع»، وبداهة، خارج قائمة من أسماهم بول نيزانPaul Nizan ب« كلاب الحراسة» من المطبّلين المدافعين عن خيارات السلطة. لذلك كان جزاء بن المقفع لا يختلف عن جزاء المهندس البيزنطي"سنمار"، وكانت نهايته شنيعة(2) ومأساوية إلى أبعد مدى، لا على صعيد الواقع فحسب بل وكذلك على صعيد ما فوق الواقع أي على الصعيد السرياليSurréalisme))، لا بل وعلى صعيد ما فوق توثّب االخيال والتخييل الروائي والتسريد. اللافت في ذات سياق والفترة، أنّ الامام مالك بن انس، وهو قامة سامقة في الفقه والحديث، كان مطيعا لهذا الخليفة العبّاسي، حتّى أنّه ألف كتابه "الموطّأ" الشهير استجابة لطلبه ووفق أهمّ المعايير التي رسمها له مسبقا. أستذكر ذلك بصرف النظر عن القيمة العلميّة لكتاب"الموطّأ" الذي يعدّ اليوم مرجعا لا غنى عنه، إن في الفقه أو في علم الحديث.

 لذلك، فأنا أزعم - بل أكاد أجزم- أنّ أغلب مواقف النخب الفكرية العربيّة الإسلاميّة في الحقب التاريخية البعيدة كانت تدير الظهر لقضايا عصرها ولا تسعى إلى التغيير والإصلاح الإجتماعي والسياسي أو تطرح حلولا لمشاكل المواطنين/ الرعايا، بل كانت تتعلّق بقضايا فكرية مثل (علاقة الفلسفة بالدين) أو مسائل دينية خلافية مثل (قضية خلق القرآن) و(قضيّة التشبيه والتجسيم) وهي، لعمري، لا تهمّ الرعيّة في شيء، ضرورة أنّها ( أيّ الرعيّة ) لم تكن ترداد المدارس -على قلّتها آنذاك- بالكثافة التي هي عليها اليوم، وذلك لتدنّي الوعي بأهمّية المعرفة والعلم. ليس هذا فقط، بل إن الرأي السائد عند قادة الفكر العربي والإسلامي، إلى زمن قريب، إنّما هو عدم تشريك العوام في الخوض في مثل هذه المسائل، من باب التحقير والإزدراء. وهو ما يستبطنه عنوان مستفزّ لأبي حامد الغزالي" ألّفه في الغرض ووسمه ب"إلجام العوام عن علم الكلام". بما يعني الدعوة إلى عدم دمقرطة المعرفة، والإقرار بوجود هوّة سحيقة بين النخبة والعوام، مؤدّاها انحسار جهود قادة الفكر، في البحث والتدريس والمناظرات العلمية والسجالات النقدية في الفضاءات المغلقة داخل أسوار الجامعات وفي بطون الكتب ليس أكثر. بما يجعلهم منكفئين على أنفسهم في ابراجهم العاجية خارج دائرة الفعل المؤثر في المجتمع.

 فحتّى فرقة المعتزلة رائدة العقلانيّة في الفكر الإسلامي، وإن نظرت إلى الإنسان باعتباره غاية الوجود وصاحب الإرادة والاختيار، فإنّها لم تواجه ما واجهته من حملات القتل والتعذيب، في عهد الخليفة المتوكّل، إلّا لرؤاها الفكريّة ولمتبنّياتها بتأسيس الدّين على العقل، واعتباره أقوى الأدلّة، ثمّ لمواقفها المخالفة لمواقف عموم المسلمين في قضيّة مرتكب الكبيرة وقضيّة خلق القرآن وليس لأنخراطها في الشان العام وتفاعلها مع قضايا المجتمع. لا بل وحتّى بن رشد، سليل الفكر المعتزلي هو الآخر، وهو من هو، أحد أعظم الفلاسفة العرب، إن لم يكن أعظمهم، لم ينل ما ناله من متاعب وتكفير ونفي جرّاء المؤامرات التي حيكت ضدّه وعصفت به، إلّا لانّه مشتغل « بالحكمة وعلوم الأوائل» أي بالفلسفة ولأنّه يرى أنّ الحكمة (الفلسفة) والشريعة (الدين) لا يتناقضان مثلما ذهب إلى ذلك ابو حامد الغزالي في “تهافت الفلاسفة”، ثمّ لانّ بعض شروح بن رشد لأرسطو أوّلت بانّها نالت من المقدّس كقوله «فقد ظهر أنّ الزهرة أحد الآلهة»

لقد إستدركت النخب العربية هذه النقيصة، في العصر الحديث، وتحديدا على مدى القرنين الماضيين، بفعل تاثّرها وانبهارها بالحضارة الغربيّة فبذلت جهودا غير قليلة في مجالي الإصلاح الديني والنهوض الاجتماعي بدءا برفاعة رافع الطهطاوي(1801-1873) في مصر وخير الدين باشا (1825-1889) في تونس وبطرس البستاني في لبنان، ثمّ مع محمّد عبده ورشيد رضا ومن سار على نهجهم. ولكن لضيق المجال سنعرض فقط إلى أكثرهم شهرة وتاثيرا، لأنّ مبحثنا في هذه الورقة إنّما هو المثقف النقدي وليس رواد النهضة العربية رغم دورهم المحوري في الإصلاح والتحديث .

فأمّا رفاعة الطهطاوي فقد طرح الإرهاصات الأولى للإصلاح ومنها فكرة الحريّة كسبيل للتقدم، واحترام خصوصيات الأقلّيات غير المسلمة. وهو الطرح الذي يتماهى بالتأكيد مع مفهوم الدولة المدنيّة الديمقراطيّة التي يشكل التعايش الآمن الناتج عن حريّة المعتقد أحد مرتكزاتها الأساسية وتمظهراتها في آن معا. وهو ينظر إلى الحكم باعتباره يرمي إلى سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة في آن معا. وأن سعادته في الدنيا تقتضي، توفّر حضارة مدنية كالتي قامت في أوروبا الحديثة. لذلك نادى الطهطاوي، لتحديث المجتمع المصري، بضرورة التطوّر وإرساء الديمقراطية والحكم الدستورى وإشاعة التعليم للذكر والأنثى على حدّ السواء. وهي المفاهيم الفكرية الأساسيّة التي قامت عليها الدول الحديثة والمتقدّمة، والتي من بينها مبدأ المواطنة الذي وصفه بأنّه «المنافع العمومية التي تقوم على الحرية والإخاء والمساواة بين أبناء الوطن الواحد» وهو تماما ما ترجمه قبل ذلك، شعار الثورة الفرنسيّة الذي أصبح لاحقا شعار فرنسا، منذ الجمهوريّة الثالثة. وقد حاول الطهطاوي وضع بعض أفكاره موضع التنفيذ بإنجاز مشاريع ذات طابع علمي لعلّ من أهمّها إنشاؤه لمدارس في احتصاصات متعددة وبعث مطبعة ومجلّة ثقافيّة ومكاتب محو الأمية. إلّا أنّ قدر هذه المحاولة، كان العرقلة والإجهاض من قبل السلطة، فكان جزاؤه النفي. ولكنّه يظلّ، رغما عن ذلك مثقّفا نقديّا فيما لو وظّفنا المفهوم بمفعول رجعي.

وأمّا خير الدين باشا المعروف في المشرق بخيرالدين التونسي فيعتبر هو الآخر أحد أبرز أعلام النهضة والتنوير في تونس، بل هو أبرزهم تاريخيا ومن حيث المساهمة-نظريّا وعمليّا- في بناء نهضة تونس الحديثة تماما كما الطهطاوي, حيث أنّه لم يكتف ببثّ روح اليقظة والنهوض في الأمّة وشحذ عزائم الإصلاح عن طريق نشر الفكر فحسب، بل إنّه طبّقه على أرض الواقع, فأنشأ سنة 1875، باعتباره رجل سياسة ونفوذ، المدرسة الصادقيّة لتعليم الفنون والعلوم الحديثة وطوّر مناهج التعليم التقليدي في جامع الزيتونة وأنشأ المكتبة العبدلية.ونظّم مؤسسّات الدولة تنظيما حديثا، ضمن خطة شاملة للإصلاح شملت التعليم والزراعة ونظام الضرائب وأتاحت سنّ تشريعات تخدم الإصلاح والتطور. كما سعى لبعث مصنع بخاري للسفن وتطوير شبكة الطرقات. أمّا عصارة أفكاره التي وفّقت بين الفكر الليبرالي القائم على الحكم الدستوري والحريّة الاقتصاديّة وبين التقاليد الإسلاميّة، فقد توزّعت بين كتاب "دراسة الأسس التي قامت عليها المدنيّة الغربيّة وكتابه الخالد “أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك” الصادر 1868، وهي السنة ذاتها التي ظهر فيها الجزء الأوّل من كتاب “رأس المال” لكارل ماركس منظّر الفكر الشيوعي. وقد لمسناه فيه -كما الطهطاوي- متأثّرا بما شاهده في فرنسا من معالم نهضة حضاريّة وفكريّة واجتماعيّة وسياسيّة .فهو يؤكّد ضمن مقدّمة الكتاب، الذي دعا فيه معاصريه إلى الاستعارة من الغرب من أجل الارتقاء بالأمة، أنّ الحكم المطلق الشمولي لا يؤدّي إلّا إلى التخلّف المزمن. وأنّ لا خوف على المسلمين إن هم اقتدوا بالحضارة الأوروبية، وأن لا غضاضة في اعتماد النظم الأوروبيّة في المجالات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصادية؛ لأنّها لا تتعارض في جوهرها مع النظم الإسلاميّة، بل إنّها تتوافق معها بشكل يكاد يكون كلّيّا، وأنّ استلهامها ليس سوى تنفيذ لروح الشريعة الإسلامية ومقاصدها. وهو ما جعله ينادي بأن تؤسّس الدولة على دعامتي الحرية والعدل وتعدد مؤسسات الحكم ومشاركة “الرعايا”/المواطنين في إدارة شؤون الدولة، ملحّا على توفّر وعي الأمّة واستنارتها لتطالب بحقوقها ولتضمن مراقبة دواليب الحكم لتجنّب الاستبداد والانفراد بالحكم . يضاف إلى ذلك دعوته إلى العدل والمساواة بين المواطنين وإصلاح أنظمة الحكم، ومناداته بمقاومة الدكتاتوريّة. ليس هذا فقط، بل نادى (وفق تعبيره) بحرية “المطبعة” بما هي حرية للرأي والكتابة والنشر وركن أساسي في إرساء الديمقراطيّة.

ومثلما عرقلت محاولة طهطاوي فإنّ محاولة خير الدين باشا عوّقت من قبل المعارضين للإصلاح وخاصةّ منهم باي تونس /الملك الحاكم. لذلك قال بلهجة المنكسر: « لقد حاولت أن أسير بالأمور في طريق العدالة والنزاهة والإخلاص، فذهب كل مسعاي سدى(...)»

ورغم أنّ خير الدين باشا لم يحقّق مراده من الإصلاح إلّا أنّه ترك بصمته الإصلاحيّة الواضحة في المجتمع التونسي الذي أصبح في موقع المركز، على الأقل، من حيث المساواة في الحقوق بين المرأة والرجل ومن حيث انطلاق شرارة الثورة العربيّة الراهنة وتثبيت مسار ودعائم الحكم الديمقراطي في تونس رغم تعدّد المعوّقات الظرفيّة وكثرة الانفلاتات وتعدّد الأعداء المنربّصين بتونس وبثورتها من بين الأصدقاء والاشقّاء

وما يمكن الإشارة إليه في النهاية، هو أنّه رغم أنّه قد برز إلى السطح في العالم العربي فكر تنويري نقدي، إصلاحي وتحديثي، إلّا إنّه لم يمثّل حركة نقدية إصلاحية جذريّة كإفراز لمنظومة فكريّة متكاملة تحمل مشروعا واضح المعالم وتمثّل مرجعيّة صلبة كما حدث في أوروبّا خلال القرنين السابع والثامن عشر بفضل لفيف من فلاسفة التنوير الغربيين الذين اعتبروا مثقّفين -بمفعول رجعي- وقد جمعهم هاجس القطع مع النظم السائدة والدفع إلى صياغات لفكر ونظم سياسية جديدين. بينما ما جمع بين المفكرين المعاصرين العرب الإصلاحيين إنّما كان مجرّد تفاعل إيجابي مع الحضارة الغربيّة أو ردّة فعل على مشاريع التغريب، أكثر منها إبداع فكر إصلاحي ثوري لم يسبق إليه الآخرون، معضود بالانخراط في قضايا الشأن العام, تلك هي الإشكاليات االتي واجهت التفكير الاصلاحي العربي الذي اكتفى باسنجلاء الأسئلة والطروحات القديمة.التي طرحها الغرب فبل وأثناء نهضته.

ما نستخلصه في نهاية التحليل، هو إنّ العرب -عموما-لا يتوفّرون على مثقّفين نقديين وازنين، لأنّ وهجهم الثقافي باهت ولأنّ اهتماماتهم لا تلتفت إلى الشأن العام. ثمّ إن أغلبهم لا يخرج عن فلك السلطة فهو إمّا "مثقّف قطيع" أو "مثقّف خائن" أو مثقّف من فصيلة "كلا ب حراسة" السلطة. ومن بين إستتباعات ذلك إنّ الوضع العربي يزداد إستفحالا كلّ يوم، ولا يكاد يخرج العرب من مطبّة حتّى يقعون في مطبّة أكبر منها. وأنا أردّ ذلك لا إلى ضحالة وبؤس السياسيين وفشلهم المريع فحسب، بل وكذلك إلى غياب المثقف النقدي/العضوي، حتّى لا أقول ضحالة وبؤس وفشل "المثقف" العربي في إثبات الذات في الحياة العامة، خارج الجدران المغلقة والإطار الأكاديمي المحدود.

 

المهندس فتحي الحبّوبي

..........................

 (1) أنظر كتاب فولتير: traité sur la tolérance

 (2) أنظر مقالة الكاتب: نعوم تشومسكي: الإستثناء الجميل زمن الرداءة الأمريكيّة

 

 

عبد الجبار الرفاعيالتديّن الشعبي تديّنٌ عفويّ برئ، يتوارثه الناسُ جيلًا بعد جيل منذ عصر الرسالة. وهذا التديّنُ متصالحٌ مع طرائقِ عيشهم وطبيعةِ حياتهم، ولا يجدون تناشزًا فيه مع فنونِهم الشعبية وفلكلورِهم، ولا يشكّل عبئًا على علاقاتهم بمحيطهم، ولا يفرض عليهم سلوكًا متشدّدًا في علاقاتهم الاجتماعية بالمُختلِف في الدين أو المذهب أو الهوية أو الثقافة. لا تحضر في التديّن الشعبي التدقيقاتُ الفقهيةُ التفصيلية، وفتاوى الاحتياط بالجمع بين الحكم الترخيصي والأصلي، مثل الجمع بين القصر والتمام والصوم والقضاء في السفر. إنه تديّنٌ لا يعرف التشدّدَ والمبالغةَ في الاحتياط، يؤدي المتديّنُ فيه الصلاةَ والصومَ والفرائضَ المتفاعلةَ مع الثقافة المحلية. حدودُ التسامحِ، في هذا النمطِ من التديّن، ليست ضيقةً في التعامل مع المُختلِف في الدين والمعتقد والمذهب.

لكن التديّنَ الشعبيّ طالما وقع ضحيةً للجهل، وافترسته الخرافة، لأن الأميةَ والفقرَ والمرضَ لا تغادر مواطنَ الجماعاتِ الشعبية في القرى والأرياف والأحياء الفقيرة وأحزمة البؤس في المدن، وهذه العوامل تمثّل بيئةً خصبةً لظهور الخرافات والمعتقدات الغرائبية. وعلى الرغم من نفحاتِ الروح الرحيمة في هذا التديّن وحضورِ الأخلاقيات، لكن يلتبس أحيانًا في هذا التديّن ما هو أخلاقيّ بما هو شكليّ، ويصعب على الناس التمييزُ بين الدينيّ والدنيويّ والمقدّس وغيرِه، لذلك تتسع دائرةُ المقدّس باستمرار، لتستوعبَ غيرَ المقدّس وتدمجه في فضائها.

وتمثّل هذه الجماعاتُ بيئةً ملائمةً لولادةِ شكلٍ آخر من التديّن وتغلغلِه في مجالات حياتها المختلفة، وهو ما نعبّر عنه بـ "التديّن الشعبويّ"، والذي هو نمطُ تديّنٍ شكلي ذرائعيّ، يظهرُ في مختلفِ الأديان، لكنه ينشط كلّما تبلّد العقلُ أكثر، واشتدَّ تزييفُ الوعي، بعد أن يحدث انزياحٌ للتديّن عن مجاله، وترحيلٌ لوظيفتِه، فبدلًا من توظيف الدين في بناءِ الحياة الروحية، وإيقاظِ الضمير الأخلاقي، تصبح الشعائرُ المُفتعَلةُ، لأغراضٍ لا صلةَ لها بوظيفة الدين الروحية والأخلاقية، هي محورُ التديّن، ويحدث تطابقٌ بين مفهومِ التديّن ومصاديقِ هذا النوع من الشعائر المُفتعَلةُ، ويفتقدُ هذا التديّنُ الحسَّ الأخلاقي، وتنضبُ فيه الطاقةُ الروحية. وعادة ما يتحوّل التديّنُ الشعبوي إلى سلعةٍ يتداولها الأفرادُ لامتلاكِ رصيدٍ يُعلي من مكانةِ ودورِ الفرد في الجماعة، وترسّخ بواسطته المؤسّساتُ حضورَها المجتمعي، لذلك يدخل سوقَ مزايدات مبتذلة أحيانًا. التديّنُ بهذا النمط يعني أن الشخصَ الذي يبحث عن دورٍ ومكانةٍ في الجماعة لابدّ أن ينخرطَ في مهرجانات الشعائر، فكلّما كان حضورُه فيها أكثرَ صار أكثرَ تديّنًا، على وفق معايير السوق الدينية لهذا التديّنِ، واكتسب بذلك مكانةً استثنائيةً عند الجمهور، ووجاهةً اجتماعيةً مرموقة، ومقامًا دينيًا رفيعًا.

تبرعُ أكثرُ السلطات السياسية وبعضُ المؤسّسات الدينية في تكريسِ التديّن الشعبويّ، واستغلالِه لأغراضٍ على الضدِّ من وظيفة الدين الحقيقية، فيُتخَذُ التديّنُ وسيلةً للاستحواذ على السلطة والثروة. إنه ضربٌ من تنويم العقل وتفشي الجهل الذي يتخذ من الدين غطاء، لذلك تتشوّه فيه براءةُ الروح، ولا تتجلّى فيه عفويةُ وطهارةُ النمط الفطريّ للتديّن الشعبيّ. وعادةً لا يخلو التديّنُ الشعبويّ من افتعالٍ يتولاه دجالون يضلّلون الناسَ لغايات غيرِ سامية، يمتلكون وسائلَ بارعة في تجييشِ مشاعر الناس، وإذكاءِ انفعالاتهم النفسية، والإفراطِ في استغلالِ المقدّس لتغذيةِ هذه الانفعالات وتفجيرِها متى شاؤوا. يسرف من يضلّلون الناسَ لغايات غيرِ سامية في إنتاجِ شعائر لم ترد في النصوص الدينية المعروفة، ولم يعرفها الناس من قبل، ويوظفون لترويجها مختلفَ وسائل التأثير على الرأي العام، ويختلقون من أجل زجِّ الناس فيها شائعاتٍ تثير الرغبةَ والشغفَ للانخراط فيها، تتناغم وأذواقَ عامة الناس، وتوقد مشاعرَهم، وتثير حساسياتِهم النفسية، وتفجّر ذاكرتَهم الطائفيةَ الجريحة.

في هذا النمط من التديّن يلتبس مفهومُ المقدّس، فيجري تقديسُ غيرِ المقدّس، ويُنسى المقدّسُ. إنه تديّنٌ تفترسه الوثنيةُ والخرافة، وهو أشبه بالشعوذة منه بالتديّن. ويستهلك في هذا النمط من التديّن ما هو شكليّ كلَّ ما هو أخلاقي، وتنضب منابعُ إلهام الروح فيه. في هذا التديّن يزحف المقدّسُ على ما هو دنيويّ فتتقدّس أشياءُ وأيامُ وأماكنُ غيرُ مقدّسةٍ بمرور الزمان، وتتفشّى ظاهرةُ تقديس أشخاصٍ لا يمتلكون الحدَّ الأدنى من طهارةِ الروح وسلامةِ القلب وصحوةِ الضميرِ الأخلاقي. ويجهض هذا النوعُ من التديّن محاولاتِ إحياء الحياة الروحية، والتربيةَ على القيم الأصيلة، وبناءَ التفكير العقلاني. التديّنُ الشعبويّ يصيّر العقلَ رميمًا، ولا يضع المقدّسَ في حدوده إلّا العقلُ. إذا لم يضع العقلُ حدودًا للمقدّس يمسي كثيرٌ من الأشياء غيرِ المقدّسة أوثانًا، بل يمسي المقدّس وثنًا. وكلّما اتسع تقديسُ غير المقدّس انحطت مكانةُ الإنسان، وأُهدرت كرامتُه، وانطفأ ضميرُه الأخلاقي، وتشوهّت حياتُه الروحية، وتبلّدت حاستُه الجمالية، ودخلَ عقلُه حالةَ سبات.

وهناك نمطٌ آخر من التديّن وهو التديّن السياسي، ظهر منذ تأسيس الأخوان المسلمين سنة 1928، وتعزّز حضورُه لدى الجماعات الدينية التي نشأت بعد ذلك، وهو تديّنٌ مسكونٌ بالسياسة، لذلك يقترنُ بالسعي للاستحواذِ على الدولة والسلطة والثروة. وهو ضربٌ من التديّنِ استبدت الغايةُ السياسيةُ للدينِ في أدبياتِاته وثقافته وما تنشده أحلامُه، فحجبت المنخرطين فيه عن تبصّرِ أيّ أفق روحي وأخلاقي وجمالي للمعنى الديني خارجَ هذه الغاية. لذلك لا يعبأ هذا التديّن كثيرًا بالقيم والحياة الروحية، ويحرص على الشكل، ولا يهتمُّ بمضمونِ الشريعة ومقاصدِها.

لقد تفشّى هذا الشكلُ من التديّن لدى الجماعاتِ الدينيةِ في نصفِ القرن الأخير، بعد أن غادروا المرحلةَ السريّةَ في عهد الأنظمةِ القمعيةِ، وتخلّصوا من بطش الحكّام المستبدّين، وتفاقمَ بشكل مخيف بعد وصول هذه الجماعات للسلطة. وينكشف ما هو مُضمَرٌ في هذا التديّن لحظةَ تستحوذُ هذه الجماعاتُ على السلطة، إذ يفتقرُ تديّنُ بعض رجال السلطة من أتباعها إلى الأخلاق، ويتراجع حضورُ الحسِّ الدينيّ لدى أكثر من يحتل موقعًا في السلطة، بالشكل الذي يمنعه من تجاوز الحدود التي يسمح بها القانونُ والأخلاقُ والشريعةُ.

وبغيةَ الاحتفاظ برصيده الديني في الجماعة التي ينتمي إليها يحرص رجلُ السلطةِ على تبرير سلوكه ومواقفه من خلال اللجوء إلى الحيلِ الفقهية، وفتاوى "مجهول المالك"، وكلِّ ما يسوّغ له الاستحواذَ على المال العام، فيتخذها قناعًا يختفي سلوكُه اللامشروعُ خلفَه.

تحرص الجماعاتُ الدينيةُ في تربية أفرادها على التمسّك الحرفيّ بالأحكام الفقهية، لأنها لا ترى حدودًا للإسلام خارجَ المدونة الفقهية، وتشدّد في أدبياتها على ما يخصّ الفكر السياسي، والتكييفَ الفقهي للسياسة والإدارة والاقتصاد والمصارف والمؤسسات المتنوعة في الدولة.

وينتج عن اقترانِ التربية في هذا التديّن بالتخويف، حالاتُ حذرٍ وتوجّسٍ وسوءِ ظن بالآخر، لذلك تضمحلّ فيه منابعُ محبةِ الناس والعفو والغفران والرحمةِ في التعامل معهم، بل يتحول أحيانًا إلى بيئةٍ لنموّ نزعاتِ الكراهية.

حدودُ التسامحِ ضيقةٌ في هذا النمطِ من التديّن، فهو غالبًا لا يعرف حقَّ الإنسان في الخطأ، ولم يتكرّس في تقاليد التربية في هذا التديّن الحقُّ في الاختلاف، لذلك لا يستطيع أغلب الأشخاص الذين يتمسكون بهذا النوع من التديّن تحمّلَ أصحاب المعتقدات الأخرى، ويتعذّر على كثيرٍ منهم العملُ مع من يختلف معه في رؤيته للعالم، ويصعب عليهم قبولُ التفكير الذي لا يتطابق مع تفكيرهم، لذلك نجدهم عندما يتحدثون عن المُختلِف يسود لغتَهم تخويفٌ منه، وتحذيرٌ من دسائسه ومكائده ومؤمراته. يعيشُ الشبابُ المنخرطون في هذا التديّن حالةَ توجسٍ من المختلف، بنحوٍ يصابُ فيه بعضُهم بالشلل النفسي في إدارة علاقاته خارج جماعته. وأحيانًا تصلُ الحالةُ عند بعض أفراده إلى أن يتحولَ هجاءُ المُختلِف واتهامُه إلى مهنته الأبدية، بل ربما يشعرُ أن استمرارَ حضوره في العالَم يقترنُ بهجاءِ المُختلِف والانشغالِ به، من دون أن ينشغلَ هو بنفسِه وإصلاحِ أحواله. وتشيع بين أفراده كتاباتٌ تضع  المسلمَ في مواجهة أبدية مع العالم1 ، ونتيجةً لانتشارِ هذه الكتابات وتأثيرِها الشديد يولد موقفٌ عدائيّ من كلِّ ما ينتمي للغرب الحديث، ويمتدّ ليشمل مختلفَ العلوم والفنون والآداب وكلَّ ما يمثّل معارفَ الحداثة وقيمَها ومكاسبَها. ومن الطريف أن بعضَ أشدِّ الكتاب مناهضةً لقيم الحداثة ومعارفها يقيمون في الغرب، ويحملون جنسياتِه منذ سنوات طويلة، ويتشبّثون بكلِّ الحقوق والحريات التي منحتها لهم الحداثةُ السياسيةُ والأنظمةُ الديمقراطية في الدول الغربية.

في تقاليد هذا التديّن يعجزُ أكثرُ الأفراد عن بناء الذات، لأنهم يستهلكون كلَّ طاقتهم بمعارك أكثرُها مُفتعَلٌ مع المُختلِف، وتبعًا لذلك يعجزون عن بناءِ العقول والأرواح والضمائر والأوطان.

وهناك نمطٌ آخر للتديّن يتمحور حول الفتاوى الواردةِ في المدونة الفقهية، ويهتمُّ بتطبيق الفتاوى حرفيًا على كلِّ واقعة في الحياة الشخصية والاجتماعية، تُختزَل في هذا التديّن الشريعةُ بالفقه، ولا يكترثُ كثيرًا بتربية الروحِ، وترسيخ الضميرِ الأخلاقي، وتنميةِ الذوقِ الفنيّ، وإلهامِ الحسِّ الجمالي، مادام المتديّنُ مُلتزِمًا بتطبيق الفتوى على الواقعة الحياتية. نجد أحيانًا في هذا النمطِ من التديّن ما هو أخلاقي، لكن طالما صار هذا التديّنُ غطاءً للتديّن الشكلي.

لا يشدّدُ هذا التصنيفُ للتديّن على أن كلَّ نمطٍ من أنماطه المذكورة مستقلٌ بذاته ولا يلتبسُ بغيره، فالتديّن الشعبي يتداخل أحيانًا بما هو شعبوي، والتديّنُ الشعبوي أوضحُ مثال للتديّنِ الشكلي، وأحيانًا يكونُ التديّنُ السياسي مثالًا للتديّن الشكلي.

كما يشير تصنيفُنا لأنماط التديّن إلى أن الدينَ يتخذُ شكلَ المحيط المجتمعي الذي يحلُّ فيه، ويصطبغُ بنوع الشخصية البشرية وطبيعةِ العمران ومختلف الظروف التي يعيشها الناس. الدينُ مثلما يؤثّرُ في حياة الناس يتأثرُ بثقافاتِهم وتقاليدِهم وطرائقِ عيشهم. وهذا يعني أن حضورَ الدين بالشكل الذي يكون معه فاعلًا إيجابيًا في البناء والتنمية يتوقفُ على نمطِ تديّنٍ مُلهِمٍ للروح والضمير الأخلاقي والحسّ الجمالي، ويرتبطُ ذلك عضويًا بإعادةِ بناءِ أنظمة التربية والتعليم في ضوء مكاسب العلوم والمعارف الحديثة، والاهتمامِ بالقيم الكونية المشتركة بين البشر، وخلقِ وعي جديدٍ مواكبٍ للتحولات الكبرى في العالم.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

................

مثل: " قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام أبيدوا أهله" لجلال العالم، وعشرات العنوانات غيره. كان الدعاةُ السلفيون يوزعون هذا الكتيب بكثافة في مدارس الخليج والسعودية. وهو كتيب يعتمد إثارة الشباب واستفزاز غيرتهم الدينية، من خلال نقل معلومات تخويفية، كثير منها ليس دقيقًا ومضلل.

 

عبد الجبار الرفاعيأعني بالتديّنِ الشكلي ذلك النمطَ السطحي المجوّف من التديّن، المفرّغَ من نبضِ الحياة الروحية، ووهجِ الضمير الأخلاقي، الذي يضع معاييرَ ظاهريةً شكليةً تُقاس درجةُ التديّن بمدى الالتزام بها، بغضّ النظرِ عن بناءِ الكيان الداخلي للمتديّن. وكثيرًا ما ينتهي التديّنُ الشكليّ إلى تديّنٍ زائفٍ يمحق روحَ الدين، بعد أن تنطفيءَ فيه جذوةُ الإيمان، وتتهشم القيم، وتتحوّل المفاهيمُ المولّدةُ للطاقة الروحية إلى مفاهيم محنطة، وطالما تحوّل هذا التديّنُ إلى نوعٍ من الفلكلور المبتذل، لذلك كان سببًا أساسيًا لنفور الناس من الدين.

ويتداخل هذا التديّنُ مع بعض الأنماط الأخرى، فالتديّنُ الشعبويّ أظهرُ أمثلة التديّن الشكلي، ويظهر التديّنُ الشكلي أيضًا بوضوحٍ في بعض حالات التديّن السياسي. وقد انتهى النموذجُ الذي صنعه التديّنُ الشكلي الى المبالغةِ في التشديد على السلوك الظاهري للمتديّن، وأسرف كثيرًا بالاهتمام بالشعائر والاحتفالات الجماعية، وانشغلَ بشكلِ اللباس، ولغةِ الجسد، وتعبيراتِ الوجه، ونوعِ الحركة والمشي، ونبرةِ الصوت، ما دعا أكثرَ المتديّنين بهذا النمط من التديّن لصناعة جدارٍ سميك بين شخصيته الحقيقية المحتجبة في داخله، وبين ما يُظهره للخارج من سلوك، وأفضى ذلك إلى انشطار الشخصية إلى كيانين: خارجي لا يشبه الداخلي، وداخلي لا يشبه الخارجي. وربما حاول بعضُهم أن يظهر بملامح غامضة، بغيةَ إخفاءِ شخصيته الداخلية وحجبِها عن الأنظار. وربما أسرف بعضٌ آخر في التمثيل بغيةَ إخفاء أكثر ملامح شخصيته، حتى صار ذلك الشخصُ لفرط التمثيل بلا ملامح.

تعرّفتُ في حياتي على شباب أصبحوا متدينين بهذا النمط من التديّن، وعندما تديّنوا افتقدوا بالتدريج لكثيرٍ من وضوحِهم وبساطتِهم وعفويتِهم وتلقائيتِهم ومباشرتِهم في التعبير عن أنفسهم، بعد أن فرضتْ عليهم بيئةُ التديّن الشكلي محاكاتَها بكلّ ما يتفشى فيها من تمثيلٍ زائف.

وصار همُّ المتديّن المزمنُ إيصالَ رسالةٍ للجماعة التي ينتمي إليها تعلن تديّنَه المفتعَل وتقواه الصورية. لذلك تراه حتى لو مارس عبادةً في السرّ كنافلة الليل مثلًا، يحرص على إفشائها وترويجها في العلن. ولو تطوّع بعمل خيري، يسلك الطرقَ المختلفةَ للإعلانِ عن عمله، وإن كان ذلك الإعلانُ مذمومًا في بعض الموارد في الشريعة، لأن كلَّ ما ينشده المتديّنُ الشكلي من فعلِ الخير هو إبلاغُ الآخرين كي يشهدوا على أنه متديّن. ويرمي المتديّنُ من الإعلانِ لجماعته عن أنه متديّنٌ الى الفوزِ باعترافِ الجماعة وثقتِها. وهو رأسُ المال الرمزي المهم الذي يحرص على امتلاكه، كي يوظفه في تعزيزِ نفوذه الاجتماعي، وتسويقِ شخصيته للاستحواذ على مواقعَ ومكاسبَ يسعي إليها، في مجتمع يشيعُ فيه هذا اللونُ من التديّن، وتحكمه تقاليدُه ومفاهيمُه.

وأظن أن هذا الضربَ من التديّن نشأ في قصورِ الخلفاء والسلاطين في عالَم الإسلام، ثم تسرّب بالتدريج إلى مجالاتٍ أخرى في المجتمعات الإسلامية. ومن قبله وُلد وترعرع في دولةِ الكهنوت الكنسي في أوروبا العصور الوسطى.

وطالما تقمّص التديّنَ الشكلي التجّارُ ورجالُ الأعمال وكلُّ من يسوّق البضائعَ للناس، ووظّفه السياسيون ورجالُ الحكم في المجتمعات الدينية. ويتغوّل هذا التديّن عادةً في مجتمعات تعتمده معيارًا في التوثيقِ والتصديقِ في المعاشِ والمعادِ.

الخوفُ ليس مصدرًا للأخلاق

تقترن التربيةُ في التديّن الشكلي بالخوف؛ لذلك يشدّد هذا التديّن على قيمة العنف في الحياة الدنيا،كما يستحضر على الدوام صورَ العذاب الأخروي، والمشاهدَ التي تثير الهلعَ في الحياة الآخرة. ويسود اعتقادٌ لدى أكثر المتدينين بهذا النوع من التديّن أن الأخلاقَ لا تولد إلّا من الخوف، ولا يمكن بناءُ الفرد والمجتمع الصالح من دون خوف، وكأنهم لا يعلمون ان تأمينَ حقوق الإنسان وحرياته هو الضمانة الحقيقة لحماية الفرد والمجتمع من الأمراض الأخلاقية والنفسية.

الخوفُ ليس مصدرًا للأخلاق، فربما تجد من يخاف حدَّ الهلع لكنه ليس أخلاقيًا، وربما تجد من كان يبدو أخلاقيًا قبل امتلاكه السلطة والثروة، غير أنه لحظةَ يمتلكهما تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية. الخوفُ لا يصنع أخلاقًا، ولا يخلق إنسانًا أخلاقيًا، الخوفُ يغطي لاأخلاقيةَ بعض الناس، لذلك يُفتضح الوجهُ الحقيقي لهؤلاء عندما يتخلصون من الخوف، كما نرى بعضَ الناس ممن يبدو أخلاقيا في الظاهر حين يكون فقيرًا، غير أنه لو استغنى ينزعُ الغطاءَ الأخلاقي الزائف، وبعضَ الناس ممن يبدو أخلاقيًا إن كان ضعيفًا لا يمتلك سلطةً أو نفوذًا، لكنه لو امتلك أيَّ شكل للسلطة تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية فيستبدّ ويطغى.

يستفيق الضميرُ الأخلاقي بالتربيةِ الصالحة، وتأمينِ حقوق الإنسان وحرياته، والبناءِ السليم للمجتمع... بناءُ الأخلاق على الخوف لا يؤسّس أخلاقًا أصيلة، ولا يبني مجتمعًا أخلاقيًا، وكثيرًا ما ينتهي إلى ازدواجيةٍ ونفاقٍ سلوكي.

للأخلاقِ قيمةٌ بذاتها، ذلك أن الحَسَنَ حَسَنٌ بذاته، والقبيحَ قبيحٌ بذاته. ويستمدّ الفعلُ الأخلاقي قيمتَه من كونه فعلاً أخلاقياً لا غير، وذلك ما يجعل أثرَه يظهر مباشرةً على حياةِ وسلوكِ فاعله قبل غيره. جوهرُ الفعل الأخلاقي أنه واجبٌ لذاته بغضّ النظر عن نتائجه، فلو حاول شخصٌ إنقاذَ غريقٍ فإنه قام بفعل أخلاقي، سواء أفلح بذلك أم لم يفلح. للوجودِ ذاكرةٌ أخلاقيةٌ لا يُمحى فيها أثرُ أيّ فعل أخلاقي، لذلك يُعلِن الفعلُ الأخلاقي باستمرار عن نفسه ويتحدّث عن فاعله، ويفرض احترامَه على كلّ إنسان.

أساسُ الأخلاق أحكامُ العقل العملي. وهذا العقلُ هو الذي يحكم بقبحِ الكذب وحسنِ الصدق، وقبحِ الخيانة وحسنِ الأمانة، وقبحِ الظلم وحسنِ العدل. وهو المرجعيةُ في كلّ ما هو حسن أو قبيح، وفي ما نجده من قيم أخلاقية كلية في البنية العميقة للمجتمعات البشرية التي لم تتعرّف على الوحي الإلهي، فلو لم تكن هناك نواميسُ كونيةٌ للقيم والأخلاق، وكان كلُّ حُسن يحيل إلى ما يُحسّنه الوحي، وكلُّ قُبح يُحيل إلى ما يقبحّه الوحي، فسيفضي ذلك إلى تفريغِ الأخلاق من مضمونِها، وغيابِ أيِّ فعل أو سلوكٍ أخلاقي في المجتمعات البشرية التي لم تعرف الوحي. وعلى الرغم من أن تلك المجتمعات لم تعرف الأديانَ الابراهيمية، ولم تصل اليها تشريعاتُ الوحي، فإن تاريخَها يبرهن على أن هناك حضورٌ للكلمات والأفعال الأخلاقية في حياة وسلوك الفرد والجماعة، وأنها تدرك أن للكلمات والأفعال الأخلاقية الأصيلة بصمةً في ضمير العالم.

منابع التديّن الشكلي

يتغذّى التديّنُ الشكلي في مجتمعاتنا من العائلة والمدرسة والعشيرة والمجتمع والسلطة السياسية، كلُّ هذه المؤسّسات تتولى تدجينَ الطبيعة البشرية، وتعمل على تنميطها، فتبثّ الرعبَ ببراعةٍ في القلوب، وتسقي العقولَ والمخيلة أوهامًا خادعة، حتى تودعها في صندوقٍ مقفل. الخداعُ الذي يتغذّى منه المتديّنُ يتضخّمُ ليضفي على ذهنه قشرةً واهيةً، تشعره بتوهم معرفة كلِّ شئ، وأنه على صوابٍ دائمًا، ويترسّخ لديه توهمُ القوة والإنجاز، لذلك لا يجرؤ على أن يعبّرَ عن شعوره العميق بالعجز وعدم القدرة والضعف، خشيةَ الازدراء في مجتمعه، ولئلا يفقدَ تلك الهالةَ الزائفةَ التي تحملتها شخصيتُه وصدّقها.

ويتغذّى التديّنُ الشكلي أيضًا من الازدواجية ويغذّيها، إذ يعملُ هذا التديّنُ على تغذيةِ وترسيخِ الجذورِ العميقة لانشطار الشخص إلى كيانين، كيانٍ باطني يعبّر عنه كما هو في ذاته، وكيانٍ ظاهري يحاكي ما يحقّق له حضورًا ومكانةً مجتمعية، وهذا الكيان لا يعبّر عنه إلا بالشكل الذي يريده الناس، لذلك يفرض عليه ارتداءَ أقنعةٍ تختبئ خلفَها شخصيتُه الباطنية.

كذلك يتغذّي التديّنُ الشكلي من تقاليد التربية والتنشئة المجتمعية التقليدية ويغذّيها. وأكثرُ هذه التقاليد ليست واقعيةً، لأنها على الضدِّ من الطبيعة البشرية، وتتنكر لكثيرٍ من احتياجاتها الأساسية. فهي مثلًا لا تكشف مكامنَ الضعف الطبيعية للإنسان، ولا تكترث بهشاشةِ الكائن البشري وعجزِه الطبيعي، وتشدّد على الدوام على إضفاءِ قوّةٍ وهميةٍ على الأشخاص، والإعلاءِ منهم، ومن تفرّدِهم الاستثنائي بكلِّ شيء، وتفوّقِهم على كلِّ شخص سواهم. وتبدأ هذه الأساليبُ في مرحلة الطفولة، فمثلًا من أسوأ الأخطاء التربوية التي يرتكبها أكثرُ الآباء والأمهات في المجتمعات التقليدية، وعادةً ما يدفع الأطفالُ فاتورتَها مع تقدّم عمرهم، هي ترسيخُ قناعات زائفة عند الناشئة بأنهم أكبرُ من مرحلتهم العمرية، والعملُ على ترويضهم وتدجينهم باستمرار على أن سلوكَ جيلهم هو عبثٌ وطيشُ صبيةٍ غيرُ متزن، لا يليق بعقلهم ومكانتهم وشخصيتهم، ويجد ذلك تعبيرَه بوضوح في حرمانِهم من اللعب، ومنعِهم من العبث البرئ في طفولتهم مع أقرانهم، الذي يتكفّل ببناءِ مَلَكةِ التفكير، وانبثاقِ قدرات الإبداع والابتكار، وإيقاد فاعلية المخيّلة في أذهانهم.

ويتغذّى هذا التديّنُ من استبدادِ السلطة، والأنساقِ العشائرية الراسخة في مجتمعنا وما تشدّد عليه من روحِ الانقياد والإذعان، ويغذّيها. الاستبدادُ أخطرُ منابع التديّن الشكلي، فكلُّ استبدادٍ ينشد التطابقَ وإنتاجَ نسخٍ متماثلة للكائن البشري، ويعمل على محوِ الاختلاف، ومن ثمّ طمسِ الخصوصيات الذاتية للفرد، لأن الاستبدادَ لا يتمكن من إنجاز ما يرمي إليه إلّا بالعمل على محوِ الذات الفردية. على الرغم من أن كلَّ من يريد أن يكرّره الآخرُ لا يفهم الذاتَ البشرية وطبيعتَها المتفرّدة التي يتعذّر محوُها. الفرديةُ هي الهويةُ الوجودية للكائن البشري، فكلُّ كائنٍ بشري لا يتطابق كلّيًا إلّا مع ذاته. ولأن الذاتَ يتعذّر محوُها تمامًا، لذلك تفضي أساليبُ تربية الأنظمة المستبدّة إلى الإصابة بالازدواجية وتفشّي النفاقِ السلوكي، وعلى أثر ذلك تتعدّد أقنعةُ بعض البشر بعدد المواقفِ والحالاتِ التي يكون فيها، والأشخاصِ الذين يخاطبهم. ويلبث الشخصُ من هؤلاء كلَّ حياته منفيًا خارج ذاته،كلَّ مرة يعيش حياةً شخصيةً أخرى مُستعارَة، وكلُّ حياة بشخصية مستعارة نمطُ حياةٍ ينفي الحياة.

وأحيانًا يستفيقُ الشخصُ المدجّنُ على تقاليد التديّنِ الشكلي وينتفض ليعود إلى شخصيته الحقيقية، لأن الطبيعةَ البشرية ينهكها التزويرُ والتمثيلُ الزائف الذي يُكره عليه الإنسانُ في مختلف المواقف. الطبيعةُ البشريةُ صلبة جدًا، تقاوم بصمتٍ من يعبثُ بها، لذلك يرتدّ انتهاكُها على ذات الإنسانِ فيترسب على شكلِ عقدٍ نفسية.

نتائج التديّن الشكلي

يرادفُ التديّنَ الشكلي أحيانًا ازدواجيةٌ ونفاقٌ سلوكي، وادعاءاتٌ ومزاعم، وحيلٌ فقهية، وتوريةٌ، وإظهارُ الحياءِ والعفّة والتواضع المصطَنع، وكثرةُ الكلام في الدين والفقه، والجدلُ العقيم والثرثرةُ في قضايا دينية هامشية، والإلحاحُ في السؤال، وطلبُ فتوى الفقيه لكلِّ شيء يقوله أو يفعله المتديّن، وربما تتورم حالتُه فينتهي إلى مرضٍ نفسي واضطرابٍ ذهني وسلوكي.

المتديّنُ الذي ينخرطُ في هذا النمط من التديّن يهمّه التسويغُ الفقهي لفعلِه وقولِه، مهما كان أثرُه السلبي على حياتِه الروحية والأخلاقية، ومصيرِه الأخروي، وإن كان سلوكُهُ مضرًّا بمصالحِ الناس ومعاشِهم، فهو يحرص جدًّا على أن يعثرَ على فقيه، وما أكثر من يدّعي الفقاهةَ اليوم، يفتي له بجواز فعلِ أو قولِ ما يريده، وإن كان ذلك الفعلُ أو القول قبيحًا على وفق أحكامِ العقل العملي "الأخلاقي"، أو كان يهدم العمرانَ وعلى الضدّ من بناءِ الأوطان، أو كان ذلك الفعلُ أو القولُ يجرح الروحَ وينتهك الضميرَ الأخلاقي.

شاهدتُ وأشاهدُ باستمرار في حياتي، ويشاهد كثيرٌ ممن عاش في مجتمعات دينية، أفعالًا يومية على نمطِ هذا التديّن الشكلي في سلوك ومواقف أكثر من نتعامل معهم. لأن التديّنَ الشكلي أكثرُ أشكال التديّن شيوعًا في مجتمعاتنا، فهو يتحكّم في العلاقات الاجتماعية بين المتدينين، وتسود القيمُ الشكلية التي أنتجها حياتَهم، وهي التي تحدّد أنواعَ اهتماماتهم وأحكامهم.

وأحيانًا يتحولُ التديّنُ الشكلي إلى غطاءٍ لبعض الأمراض النفسية التي تتخذ من هذا النوع من التديّن قناعًا لها. ويمكن تشخيصُ سلوكيات مصابين بأمراض نفسية يتخذون من التديّن العنيف والمتشدّد والمتنطّع والمُغالي أقنعةً يتلفعون بها، وتظهر تعبيراتُ هذه الأمراض النفسية بأشكال متنوّعة، فنقرؤها أحيانًا في اللغةِ وأساليبِ التعبير، ونسمعها في الصوتِ الذي قد يتمثّل في نغمة تخدش السمع، أو نراها على شكلِ تعبيراتٍ في الوجه تثير القرف، أو حركاتٍ منفّرة في لغة الجسد، أو أنماطٍ عنيفةٍ في التعامل مع الآخر. فقد يكون الشخصُ مصابًا بوسواس قهري1 ، فتظهر لديه حالاتُ مبالغةٍ في الاحتياطات الفقهية في كلّ شيء، وإغراقٌ في تكرارٍ مملّ للغسل والوضوء، والصلاة، ومناسك الحج، وغيرِ ذلك من العبادات.

وربما يكون الشخصُ مصابًا بشيزوفرينيا حادّة فيظهر ذلك المرضُ في تديّنه، ويصير التديّنُ غطاءً لسلوكه العدواني. وربما يكون ساديّا فيتلذّذ بذبح البشر. وربما يكون مازوشيا فيتلذّذ بتعذيب جسده بممارسات تعنّف الجسد، وربما يتفجّر مخزونُ الكبت المتراكم لديه فيرتدّ بشكلٍ عنيف ضدّ جسده، كأولئك الذين يجرحون رؤوسَهم في ولائم دامية بذريعة أداء الشعائر. وربما يكون المتديّنُ مصابًا باكتئابٍ شديد، فتراهُ كمن يقيمُ في كابوسِ حزنٍ مزمن، وتنعكس بعضُ أعراض اكتئابه في عباداته، وفي مختلف أشكال سلوكه وأساليب تعامله مع الناس. وغير ذلك من الأمراض النفسية المختلفة التي تتخذُ من التديّن قناعًا تختفي خلفه.

وقد يتحول التديّن الشكلي إلى غطاءٍ لبعض الأمراض الأخلاقية، علمًا بأن هناك صلةً عضويةً بين بعض الأمراض النفسية والأخلاقية، لكن الأمراضَ الأخلاقيةَ أشدُّ فتكًا في المجتمع من الأمراض النفسية والجسدية، والعدوى فيها لا تختلف عن عدوى الأمراض الجسدية المعدية، وتشتدُّ هذه العدوى إنْ سقط بعضُ الشباب ضحايا في أحضان معلّم يغطّي تديّنُه الشكلي مرضَه الأخلاقي. أعرف شبابًا مهذبين أمسوا من ذوي العاهات الأخلاقية عندما تلمذوا على معلّمين مصابين بأمراض أخلاقية حادّة.

وتنحرف الطقوسُ في التديّن الشكلي عن مقاصدها الروحية والأخلاقية. حتى الصلاة قد تتحول أحياناً إلى غاية بذاتها، وربما تصيرُ الطقوسُ وثنًا. توثينُ الصلاة مثلاً يصاب به بعضُ المتدينين، وتظهر أعراضُه على شكل اضطرابٍ وضوضاءٍ وهوسٍ وقتَ الصلاة. وأحيانا يصبح الغرقُ في التديّن الطقوسي ضربًا من التعبير عن شغفٍ بسلطةٍ مُشتهاة. عندها يجري توظيفُ الطقس قناعًا لتكريسِ سطوة الشخص على من حوله، بمعنى أن مثلَ هؤلاء ينشدون سلطةً دنيوية، أكثر مما ينشدون إثراءَ حياة روحية وأخلاقية. لذلك يتعرض من يتعاملون معهم إلى ضربٍ من العنف الرمزي المنبعث من أجسادِ هؤلاء المهووسين بالطقوسِ، ولغتِهم، وأساليب تعاملهم مع الناس، فترى بعضَهم يعيشون حالةَ انفعالٍ وتوترٍ شديدين، ولا تخلو ممارستُهم الطقسَ من تكلّفٍ وتعبيراتٍ تشي بالشغف بسلطةٍ منشودة، وكأنهم لا يفتؤون عن تنبيه الآخَر بسطوتهم، اثر إشعاره بتفوّق مقامهم الروحي.

في التديّن الشكلي طالما عجزَ الإنسانُ عن البوح والاعتراف، لذلك نجد بعضَ الأشخاص يمارس مراوغةً مبتذلة في التعبير عمّا يريده، ويظهرُ العجزُ عن البوح والاعتراف في المذكرات الشخصية بوضوح، إذ قلّما نطالع في مذكرات من يكتب في مجتمعاتنا اعترافات، خلافًا للغربيين الذين نقرأ في مذكراتِهم الشخصية كثيرًا من البوح والحديث المكشوف. إنها اعترافاتٌ شجاعة تبوحُ بطبيعتهم البشرية التي تختزن ضعفَهم وهشاشتَهم وقلقَهم وعبثَهم وأخطاءَهم وتناقضاتهم.

لم يكن هذا الشكلُ من التديّن في يوم ما حلًا لمشكلة، بل كان وما زال، هو المشكلةُ في عالَم الإسلام، فمن الآثارِ الخطيرةِ للتديّن الشكلي أن لادينيةَ أكثرِ الشباب اليوم هي احتجاجٌ على هذا النمط من التديّن، إنها احتجاجٌ على نمطِ تديّنٍ يغيبُ فيه الضميرُ الأخلاقي، تديّنٍ يُفقِر الحياةَ الروحية، تديّنٍ يعجز عن تذوق جماليات الوجود، تديّنٍ ضد الفنون، تديّنٍ ضد الفرح، تديّنٍ حزين، تديّنٍ كأنه اكتئاب.

وأودُ الاشارةَ إلى أن هذا التصنيفِ الذي اقترحتُهُ للتديّنِ جاء محصلةَ خبرةٍ في الحياة الدينية، وعيشٍ داخل جماعات متدينة، وكنت اهتمّ منذ وقت مبكر برصد تمثلاتِ الدين وتعبيراتِه في سلوك الفرد والجماعة، وما ينبغي أن ينتجه من آثارٍ عمليةٍ، يفترضُ أن تجدَ تعبيرها الأخلاقي في سلوك المتديّن.

في هذا التصنيفِ لم أجد الحدودَ صارمةً بين كلِّ واحدٍ من هذه الأنماطِ والآخر، بل وجدتُ التديّنَ الشكلي مثلًا يتداخلُ مع تعبيراتِ التديّنِ الشعبوي، كما يتداخلُ مع شيءٍ من تعبيراتٍ لأنماطِ تديّنٍ أخرى. وقد تنبهت لذلك منذ أكثر من ثلاثين عامًا، كما أشرتُ لبعض هذه الأنماط منذ أكثر من عشر سنوات في بعض كتاباتي، وبعد ذلك كتبتُ مُخطّطًا أوليًا لهذا التصنيف في مقالةٍ نشرتها قبل ست سنوات، أدرجتُ فيها هذه الأنماطَ وشرحتُها بإيجازٍ شديد.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

.....................

1- "الوسواس القهري أفكار أو إلحاحات وساوس متكررة لا يمكن السيطرة عليها. سلوكيات أو أفعال عقلية متكررة يشعر الفرد بأنه مجبر على أدائها". مجموعة مؤلفين. علم النفس المرضي. مكتبة الأنجلو المصرية، 2016، فصل 7 "الوسواس القهري والصدمة والاضطرابات المرتبطة بهما"، ترجمة: د. ملك جاسم الرشيد، ص 399. "الوسواس القهري اضطرابٌ نفسي يشعر فيه المصابُ أنّ فكرةً معيّنة تلازمه دائمًا، وتحتلّ جزءًا من الوعي والشعور لديه بشكلٍ قهري، أي أنّه لا يستطيع التخلّص أو الانفكاك منها، مثل الحاجة إلى تفقّد الأشياء بشكل مستمر، أو ممارسة عادات وطقوس بشكل متكرّر، أو أن تسيطر فكرةٌ ما على الذهن بشكل لا يمكن التفكيرُ بغيرها. كما يعرّف الوسواس القهري بأنّه فكرٌ متسلّط وسلوك جبري يظهر بتكرار لدى الفرد، ويلازمه ويستحوذ عليه ولا يستطيع مقاومته، رغم وعيه بغرابته وعدم فائدته؛ ويشعر بالقلق والتوتر إذا قاوم ما توسوس به نفسُه، ويشعر بإلحاح داخلي للقيام به". جيهان سيد بيومى القط. عمليات الممارسة في خدمة الفرد. حلوان - مصر: مكتبه دار السحاب، 2015، ص 179.

 

نبيل دبابشلقد كنا بالأمس ونحن طلبة جامعيون نميز بين نوعين من المثقفين، مثقف عضوي راديكالي بسبب انتماءه إلى النشاط النضالي الحزبي وتمسكه بأبجديات الممارسة السياسية المنصوص عليها في المنشورات الثورية – وفق تصنيف غرامشي-، وبين مثقف السلطة الذي اختار أن ينتسب إلى مشروع المؤسسة الحاكمة ليكون صوتها لدى الجماهير في مجال الكتابة وإنتاج المعنى وفق أجندة مناسباتية...لم يكن حينها التميّز بين المثقف السلطوي والمثقف الأصولي قائما بشكل واضح .بل هما – في الغالب – يحملان نفس الرؤية وينتجان نفس الخطاب بأسلوبين مختلفين.

غالبا ما كان مثقف السلطة هو من يحتكر إلى جانب الفضاءات العمومية ، قيم المواطنة والوفاء وشرعية الخطاب، في مقابل المثقف العضوي الذي لم يلق إلا التخوين والإقصاء بسبب عداءه لأيديولوجية الدولة الوطنية وأساليبها في معالجة الانشغالات الاجتماعية، بعد أن كان في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي هو من يمثل الخطاب الشرعي. نعم تغيرت الأحكام والمراتب بتغير موازين القوى.

سؤالنا اليوم، هل تغير الوضع كثيرا ؟

 وهل التصنيف السابق يصدق على واقعنا المعاصر بعد انتهاء عصر الإيديولوجيات وتراجع الأصوليات المختلفة، وبعد أن ساهمت الانتفاضات الشعبية بدءا من 2010م في زعزعة مصداقية الدولة الوطنية وما تركته من منظومة معرفية كبيرة لا تزال تتحكم في كتابة برامج التعليم والإعلام؟... اننا نظن بأن تلك الثنائية لم تعد تملك حظوظا كبيرة في تفسير الواقع في هذا الظرف التاريخي، وأن ذلك التصنيف لن يكون صادقا بما فيه الكفاية لو اخترنا الاعتماد عليه.

ربما نفضل– اليوم- تصنيفا أخر نظنه اقرب إلى الواقع. يتمثل في الفصل بين مثقف في التاريخ ومثقف خارج التاريخ، بين مثقف نقدي يعيش مشكلات زمانه المعرفية أو الاجتماعية بوعي ومشاركة، يسعى إلى الكشف عن الآليات الخفية التي تتحكم في إنتاج المعنى في واقعنا، وبين مثقف أصولي يرى في اسئلة الواقع المتغير اختبار لوجوده الراكد والحالم، ولا يرى في حركية التاريخ إلا ذبابة تريد أن توقظه من نعاسه الجميل...

صار عندنا اليوم مثقف نقدي يعمل على تفكيك مجموعة كبيرة من المعطيات الفكرية والاجتماعية في سبيل تقديم قراءة أكثر وضوحا، ومثقف يتقمص دور الداعية ليعتقد في نفسه المسؤول الأول عن الغنم الضالة، ولا يرى في الوجود الاجتماعي إلا أخطاء تنتظر منه الوصاية. إن الاختلاف هو بين من يبحث عن الحقيقة ولا يدعي أبدا بأنه قد أدركها وبين من يرى الشيطان في كل شيء وهو وحده من يمتلك خاتم سليمان لتطويع ذلك الجن المارد، ثم يقر – ضمنيا - بعجزه على المواجهة في غياب القاموس الجاهز الذي ورثه عن القرون الماضية.

ليس بالضرورة أن يمثل دور الداعية ذلك المتدين الكلاسيكي– دائما -، بل قد يكون من بين المثقفين المحسوبين على التيار التقدمي أو ضمن الذين لم يفهموا الديموقراطية إلا بعد تجويفها من معانيها التاريخية. المشكلة هي في اسلوب الرؤية وفي مسافة التموقع من الحقيقة. الدوغمائية والتعصب إلى الرأي وتعظيم الخطأ كلها معايير تتنافى والموقف النقدي.

يردد الكثير من الباحثين في – أيامنا - عبارة عودة الديني إلى الفضاء العام بعد غياب طويل، والمقصود هو عودة الخطاب الديني وانتشاره بين الفئات الاجتماعية. نحن لا نوافق على هذا التصور، ربما لقصوره الواضح في مقاربة الواقع. بل نقول بوجود مراحل عرفها الخطاب الديني وصورا متعددة تميز بها خلال التاريخ فليس هناك غياب أو حضور، بل كل ما في الأمر هو انتقال من حالة إلى أخرى ومن وضع إلى آخر.

هي نفسها الحالة التي تميز بها الخطاب النقدي، فهو يتغير بتغير موازين القوى. قد يكون هو الخطاب السائد في مرحلة من التاريخ، أو عكس ذلك هو الخطاب المضطهد. لقد عرفت بغداد وقرطبة لحظات تاريخية عظيمة تعالت فيها أصوات العقل والإبداع لتشكل نموذجا لا يزال يلقى الإعجاب إلى يومنا هذا، ونقلت الينا المدونات اخبار ما كان يحدث من لقاء ونقاش بين الطوائف والملل في بيئة اتسمت بتغليب لغة المنطق والعقل، لتأتي بعدها مراحل الردة وانتشار كبير لمجالس التفتيش وحلقات التكفير.

المثقف النقدي هو صاحب رسالة من نوع خاص، ليس من الضروري أن يستمر التعامل معها بمعايير المنفعة التي نستعملها مع السياسي او كل نشاط ذو طبيعة إجرائية...للمثقف أسئلته وهواجسه فليس من المعقول أن نرى فيه بائعا للحلول أو ننتظر منه الحضور في كل مناسبة...يجب أن يعاد ترتيب المقاييس. رسالة المثقف لم تعد النهي عن المنكر والأمر بالمعروف...اذ قد يسهم بقلمه في تقديم تصورات حول مشكل اجتماعي أو سياسي ولكنها ليست رسالته الوحيدة.

قبل أن يحدثك عن فوضى المجتمع وتناقضات النشاط السياسي ، فان المثقف النقدي يبدأ - اليوم - بالحديث عن فوضى التفكير والحدود المنهجية لبعض الأنساق المعرفية والتصورات. هو لن يحدثك عن الواجبات والأحكام بقدر ما يشد بيدك للتفكير سويا في سياق عقلي أنجع يتجاوز الاختزالية المتوارثة عن المعطيات الأيديولوجية. هو لا يرى في السلوكيات الممنوع والمحرم بل التعدد والاختلاف، ولا يفكر ضمن الجاهز كما يريد له الاصولي، بل هو من يعلن الثورة على الجاهز ويسعى الى تفكيك اصوله وكشف المسكوت عنه. ليس في نية المثقف النقدي تأسيس خطاب منتهي او التشريع لبرنامج حياة، بقدر ما يهدف الى تقديم صورة اوضح عن المجال المعرفي والسوسيولوجي بعدما يقوم بتنقيتها.

ان صورة الاب والنموذج الناجح الجاثمة في ذواتنا هي نقطة انطلاق المثقف النقدي، الذي سيجد نفسه بسببها امام تحد كبير. القبول بها يعني السقوط في التفاصيل، رفضها يعني الدخول في صراع مع المحيط، وهنا يكمن سر معاناته.

ان نكون مثقفين اليوم يعني ان تكون لنا مواقف وليس مهن نتعلمها لنسترزق منها. من المؤسف ان الكثير من المثقفين الاكاديميين اختاروا الابتعاد عن الكتابة النقدية لأجل الاهتمام بمقتضيات الدرس والمحاضرة اي الانغماس في التفاصيل، وهو ما يميز الكثير من الاقسام الجامعية في المنطقة العربية، ويؤهل نسبة معتبرة من المتخرجين الى تبني الخطاب الدوغمائي...اننا في امس الحاجة الى فئة طلائعية، تؤسس لفكر نقدي جديد وتؤمن بضرورة احداث القطيعة الفكرية مع المنهجية التقليدية. لا نعتقد ان المؤسسة الجامعية في منطقتنا العربية تتوفر على الامكانات الكافية لصنع هذا النوع من النخبة في الظرف الحالي.

اذا كان خطاب المثقف التقليدي يتميز بالثبات، معتمدا على منهجية السلف دون اي تحيّين منهجي لمعطياتها بما يتطلبه الراهن او لأن معطياتها تحكمها الضرورة التاريخية ولذا يصعب كثيرا الاحتفاظ بها كاملة. فان المثقف النقدي لن يكون إلا بإحداث القطيعة مع اجيال من التصورات، من خلال انتاج خطاب يكشف المسكوت عنه ولا يتوقف عند الاسس والاصول بسبب قداستها بل يسعى الى اعادة قراءتها وتبيان الخلل الذي اراد المؤرخ ان يخفيه عنا . وفي هاته الحالة لا بأس ان نشيد بجهود الدكتور محمد المسيح في كتابه الصادر سنة 2018 م '' مخطوطات القرآن. مدخل لدراسة المخطوطات القديمة '' وجهود الباحث المغربي رشيد ايلال '' صحيح البخاري نهاية اسطورة ''. لما لهاته البحوث من قيمة في كونها كانت السباقة الى اعادة قراءة ما اصطلح على تسميته بالأصول والثوابت.

و نحن نتعمد اختيار النموذج من بيئتنا حتى لا يقال اننا ننسخ افكار الغرب لندمر بها دار الاسلام ونزيل بها مجد المسلمين وعزهم. الاسئلة التي ورثناها كثيرة ويصعب تعدادها، ولكن المشكلة التي نواجهها هي في قلة الجرأة وضعف الادوات.

كثيرا ما يرتدي المثقف التقليدي ثوب المثقف الحداثي والنقدي ليخفي اهدافه الايديولوجية او احيانا العنصرية والاقصائية ، وهي ليست ميزة التقليدي – عندنا – فحسب بل موجودة وبكثرة في بلدان اوروبا ..و لا بأس ان نشير الى كتابات اودون لافونتان Odon lafontaine حول الرسول (ص)، او منشورات سامي الذيب... فبالرغم من ان هؤلاء الباحثين يّدعون الانتساب الى الرؤية العلمية والنقدية فهم لم يعيدوا سوى انتاج خطاب القرون الوسطى، الذي تميّز بتفضيل ثقافة المنتصر واعلاء شأنها.

آن الوقت لفتح قارات جديدة من الاسئلة يساهم المثقف العربي فيها لأجل اعادة الاعتبار لوجوده المهدد بالزوال على حد تعبير ادونيس، مهدد بالانقراض لأنه عجز عن المشاركة في صنع تاريخه الراهن والمساهمة في انتاج المعنى الذي غالبا ما يلجأ الى استيراده جاهزا من مجتمعات اخرى.

مشكلة المثقف في المنطقة العربية واحدة، الانتظار المستمر ان توفر له السلطة كل ما يحتاجه وتهيئ له المناخ والامكانات. وكأنه لا يعلم لأي سلطة ينتمي؟...لا نريد السقوط في ابجديات خطاب الاسلام السياسي بتعداد مواصفات الزامية يتحلى بها المثقف النقدي، كأن نبدأ بجرد الخصال اللائقة والمباحة وتجنب المشبوهة او المكروهة. ولكننا نسعى – بكل بساطة – الى تقريب صورة النموذج الحي بوضعه بين هلالين.

فشلت الكثير من موجات الانتفاضة الشعبية في المنطقة العربية بسبب غياب المثقف النقدي الذي يعطيها معنى، ويخرجها من سياج العاطفة والحاجة لتصبح مشروع مجتمع جديد...ربما لان الظرف التاريخي وتسلسل الاحداث لم يوفر الوقت او الفرص التي قد يحتاجها المثقف لإبداء رأيه بكل حرية، ورغم ذلك نعتقد انه لا يزال في وسعه ان يقدم الكثير .هذا هو عصرنا ولا خيار امامنا ان اردنا ان نعيشه برؤوس عالية وبحضور حقيقي،علينا ان نمارس وجودنا ثقافيا هو اهم ما نحتاج اليه.

هل يمتلك المثقف العربي مشروع معرفي بمعزل عن الخطاب الايديولوجي المتداول منذ خمسينيات القرن الماضي او قبلها بقليل ؟ لا اعتقد ذلك ولا نتفق مع الدكتور على حرب عندما ذهب الى القول باننا نساهم في صنع الحداثة من خلال مناقشة قضاياها عربيا. اظنه فرق كبير بين أن تترجم مفاهيم كبيرة َأنتجها عقل غريب وبين أن نكون السباقين الى توليدها من رحم بيئتنا.

ذلك هو ما يجعل من المثقف نقديا. أن يمتلك مشروعا لمجتمع ومشروعا للعقل.

 

نبيَــــل دبابـــــش.

 كاتب من الجزائر

 

محمود محمد عليقليلون أولئك الرجال الذين يعيشون وفق ما يكتبون، ويظهرون ما يضمرون، ويعملون بما يؤمنون، ولا ريب في أن ماجد الغرباوي، والذي لم أعرفه شخصياً إلا من خلال عدة أسابيع فقط، حين طلبت من أخي الدكتور مجدي إبراهيم (أستاذ الفلسفة بجامعة العريش) أن يتوسط لي عنده بالنشر في صحيفة المثقف، وبدأت علاقتي به من خلال الماسينجر، حيث أهديته أول نسخة الكترونية من كتابي " حروب الجيل الثالث ونظرية تفتيت الوطن العربي"، ومنذ ذلك الوقت بدأت أتابعه عن كثب من خلال ما كتبه أو ما كُتب عنه، وسعدت كثيراً بالتكريم الذي حظي به في يوم الأحد الماضي من قبل منتدى الجامعيين وجمعية الاكاديميين بأستراليا.

وماجد الغرباوي من خلال قراءاتي له في تلك الفترة الوجيزة اكتشفت أنه مفكر جدير، إذ يُعدّ أحد القامات الفكرية العراقية - العربية التي آلت على نفسها الجمع بين النظرة العقلية الغربية والتراث الإسلامي في معالجة القضايا الفكرية، وهي تلك النظرة التي كشفت له عن العديد من الأفكار المهجورة في الفكر الإسلامي، وفي علاقة الإسلام بالآخر والقضايا الفكرية الآنية، ويحسب له أنه موسوعي الثقافة مستنير الفكر، فهو الذي كتب عن نقد الفكر الديني، والتسامح، والعنف، والحركات الاسلامية، والمرأة، والاصلاح والتجديد، وهو متخصص في علوم الشريعة والعلوم الإسلامية.

علاوة علي أنه متعدد المواهب فهو كاتب، وشاعر، وباحث دؤوب؛ حيث يسعي من خلال مشروعه في تجديد العقل الديني إلى ترشيد الوعي عبر تحرير الخطاب الديني من سطوة التراث وتداعيات العقل التقليدي، وذلك من خلال قراءة متجددة للنص الديني تقوم على النقد والمراجعة المستمرة، من أجل فهم متجدد للدين، كشرط أساس لأي نهوض حضاري، يساهم في ترسيخ قيم الحرية والتسامح والعدالة، في إطار مجتمع مدني خالٍ من العنف والتنابذ والاحتراب.

وقد بلغت إنجازاته العديدة في ميادين البحث والعقل والتنوير حوالي أكثر من ٢٥ عملاً ومؤلفاً، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات والبحوث والمقالات التي نشرها في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية المختلفة المتعددة، فمن أعماله علي سبيل المثال لا الحصر : إشكاليات التجديد (3 طبعات)، 2000م،2001م و2017م، فرص التعايش بين الأديان والثقافات (طبعتان)، 2006م و2008م، تحديات العنف، 2009م، الضد النوعي للاستبداد .. استفهامات حول جدوى المشروع السياسي الديني، 2010م.، الحركات الإسلامية.. قراءة نقدية في تجليات الوعي، 2015م، جدلية السياسة والوعي.. قراءة في تداعيات السلطة والحكم في العراق، 2016م، الشيخ المفيد وعلوم الحديث، 1992م، ترجمة كتاب الدين والفكر في شراك الاستبداد، 2001م.، تحقيق كتاب نهاية الدراية في علوم الحديث.. وهلم جرا.  وقد نال الاستاذ ماجد الغرباوي عدداً من الجوائز التقديرية عن أعماله الفكرية والعلمية البحثية.

وتتميز كتاباته بالوسطية والعقلانية، وتكشف عن تعمق كبير في العلوم الإنسانية والعلوم الشرعية، ويتميز أسلوبه بالوضوح والمنطقية؛ ولقد شهد له كل من كتب عنه من الباحثين بالدقة، والأمانة العلمية، والثقافة الواسعة ..إلي جانب ما يتمتع به من خلق رفيع، وتمسك بتعاليم الدين الحنيف . ولا غرو في ذلك فهو يمثل منظومة حافلة بالعطاء العلمي الجاد، والشموخ الإنساني المتميز، باحثا ومنقبا، محققا ومدققا، مخلفا وراءه ثروة هائلة من الكتب العلمية، والبحوث الاكاديمية الرصينة، وطائفة كبيرة من المريدين والاتباع الذين أعطاهم خلاصة فكره وعلمه.

ولقد أعجبني وصف الأستاذ "شاكر فريد حسن" في مقاله له بعنوان " ماجد الغرباوي المثقف التنويري والمفكر المضيء"، عندما قال :" ماجد الغرباوي: مثقف تنويري ومفكر مضيء"، (فهو يمثل) نخلة عراقية باسقة وشامخة في الفكر العربي الإسلامي، عانق نور الحياة في مدينة قلعة سكر، النائمة على نهر الغراف، وتتوشح بجمال طبيعتها وانسياب نهرها. نشأ بين أزقتها وحواريها، وتعلم الابتدائية في مدارسها، ثم انتقل وهو صغير السن مع أفراد أسرته إلى العاصمة العراقية بغداد، وفيها أكمل دراسته في إعدادية الكاظمية ثم الثانوية، لكنه تعرض للسجن مع ثلة من رفاقه، وبعدها واصل دراسته خارج حدود وطنه بموضوع الشريعة والعلوم الإسلامية، واستقر به الحال والمطاف في سيدني بأستراليا .

كما وصفه أيضاً بأنه يمثل رمز ونجم فكري وثقافي نقدي لامع يتجدد كل يوم في فضاءات العلم والثقافة والسياسة والمعرفة، ويقف ضمن طليعة المفكرين والمثقفين العرب المستنيرين، والنقديين المشتغلين على نقد الفكر الديني، والحركات الإسلامية، ومسائل النهضة، والإصلاح، والتجديد، والمعاصرة، والتنوير، والعنف، والتسامح بين الأديان والعقائد والمذاهب، وقضية المرأة ومسألة تحررها المرتبطة بتحرر المجتمع كله .

وإذا ما انتقلنا للحديث عن مشروعه في تجديد العقل الديني نجد أنه أعاد كتابة العلوم الدينية في صيغة عصرية، كما أعاد أيضا تأويل موقف الشريعة من قضايا المرأة، خاصة فيما يتعلق بحقها في تولي القضاء والفتوى والشهادة، والمساواة بينها وبين الرجل في الحقوق السياسية والمدنية؛ علاوة علي أنه صاحب رأي معلن بجرأة ووضوح في قضايا الدولة والمجتمع المدني وحرية الرأي والديمقراطية ومواجهة الفساد والتطرف، خاصة في كتابيه الحركات الإسلامية.. قراءة نقدية في تجليات الوعي، وجدلية السياسة والوعي.. قراءة في تداعيات السلطة والحكم في العراق. ويؤسس فلسفيا للتسامح في كتابه" التسامح ومنابع اللا تسامح .. فرص التعايش بين الأديان والثقافات".

ولما كان مقالي يدور حول جهود ماجد الغرباوي في تجديد العقل الديني، فلا أملك إلا أن أقول عنه من خلال ما قرأته في كتاباته ؛ وبالأخص كتابيه " إشكاليات التجديد"، و" تحديات العنف"، بأنه أحد أبرز المفكرين في الفترة الحالية الذين جمعوا علوم الدين من ناحية، والفلسفة من ناحية أخرى، وتقديمه المعلومة بلغة عصرية مفهومة عبر رحلة طويلة من الفقه إلي الفلسفة، حتى تؤدى إلي تكوين خطاب ديني جديد، رافضًا تجديد الخطاب الديني القديم.

لا شك في أن كتابا " إشكاليات التجديد"، و" تحديات العنف" لماجد الغرباوي يبرزان لنا كيف قدم الرجل مشروعًا جديدًا لتجديد الفكر الديني مرتكزًا علي العقلانية النقدية، حيث يري ضرورة تطوير علوم الدين، وليس إحياء علوم الدين القديمة، نظرًا لتجمدها الذي يحوِّل القرآن من نص ديناميكي يواكب الحياة المتجددة إلي نص إستاتيكي يواكب زمنًا مضي وانتهي، ويُؤسس الغرباوي لتفسير جديد ينتقل من الوعظ والإدهاش والتخويف إلي تفسير من أجل التعقل والتفكير؛ حيث وجدناه يدعو إلي تكوين خطاب ديني جديد في كتابه " إشكاليات التجديد "، وافتتح مشروعه بالتأكيد علي أن الإسلام الذي نعيشه اليوم خارج التاريخ ومنفصل عن واقع حركة التقدم، ومن ثم بات من الضروري العودة إلي "الإسلام المنسي"، ولذلك رأي الغرباوي تكوين خطاب ديني جديد وليس تجديد الخطاب الديني القديم، بإقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة وتهجينها بلغة ومفردات العلوم الاجتماعية والإنسانية وفق متغيرات العصر وطبيعة التحديات التي تواجه الأمة، ونشر ممارسة مفاهيم التنوع والتعددية وقبول الآخر.

هذا بالإضافة إلي النظرة الشاملة لماجد الغرباوي من أجل الدخول بالأمة "إلي عصر ديني جديد"، يدعو فيها إلى العودة إلى أصول الفكر الإسلامي، من قرآن كريم وسنة نبوية صحيحة، ويدعو إلى التفاعل العقلاني لهذه الأصول مع الواقع.

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة وهي أن الاستاذ ماجد الغرباوي من خلال بقية كتبة الأخري اكتشفت أنه كان يسعي جاهدا من خلال مشروعه الفكري في تجديد "العقل الديني" علي مجموعة من المهام العاجلة التي شكلت رؤيته نحو عصر ديني جديد، مثل تفكيك الخطاب الدينى، وتفكيك العقل المغلق، ونقد العقل النقلي، وفك جمود الفكر الدينى المتصلب ؛ حيث أوضح لنا في فقرات كثيرة من كتاباته إلي أن ما نعيشه في العالمين العربي والإسلامي من انتشار ظاهرة الإرهاب والطائفية التي مزقت الكثير من مجتمعاتنا العربية، مرجعه إلي الفكر المتعصب الذي يرفض الآخر، ويتعصب لوجهة نظر سياسية توظف الدين لتحقيق غايات سياسية.

ولهذا سعي ماجد الغرباوي إلي تجاوز "عصر الجمود الديني" الذي طال أكثر من اللازم في تاريخ الأمة العربية من أجل تأسيس عصر ديني جديد، وتكوين خطاب ديني من نوع مختلف، ويرفض الغرباوي تجديد الخطاب الديني التقليدي، فهو يري أنه عملية أشبه ما تكون بترميم بناء قديم، والأجدى هو إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة وبمفردات جديدة، وتفكيك كل التأويلات المغرضة.

والاستاذ ماجد الغرباوي في مشروعه لتجديد العقل الديني أكد علي ضرورة تفكيك الفكر المتطرف، وهذا التفكيك يحتاج لخطاب ديني جديد وعلوم جديدة لمواكبة المناهج العلمية»، مشيراً إلى أهمية التمييز بين المقدس والبشري، ولفت إلى جهود السلف والعلماء من أهل الفقه والتشريع، موضحاً أنها جهود بشرية قابلة للصواب والخطأ.

وأوضح الغرباوي أن الفقهاء المسلمين أكدوا على فكرة الموائمة والنسبية وملائمة العصر والمكان والزمان، مؤكداً أن العمل البشري لا يمكن اعتباره مرجعية مقدسة كالقرآن والسنة، وأن من أساسيات الخطاب الديني الجديد تعددية الصواب، وأن الخطاب الديني الجديد يجب أن يقوم على العقلانية النقدية والتفكير النقدي بما يلاءم ظروف العصر»، مشيرًا إلى أن «مقياس الحقيقة وفق التفكير الديني الجديد، الصواب هو ما ينتج في الواقع؛ بمعني أن الحق ليس حق في ذاته ولكن الحق بالنتائج المترتبة عليه في أرض الواقع الخارجي».

وشدد الغرباوي على ضرورة توجيه النقد الشامل لكل التيارات أحادية النظر، سواء كانت إرهابية أو غير إرهابية، وأن ذلك لن يحدث دون تفكيك العقل الديني التقليدي وتحليله للتمييز بين المقدس والبشري في الإسلام.

وأخيرا أكد الغرباوي أن تجديد العقل الديني، مشكلته ليست في الإسلام، بل في عقول المسلمين وحالة الجمود الفقهي والفكري التي يعيشون فيها منذ أكثر من سبعة قرون؛ لذلك يقترح الرجل «روشتة» لتأسيس خطاب ديني جديد منها الهدف منه: تفكيك الخطاب الديني الحالي، وتفكيك العقل المغلق، ونقد العقل النقلي، وفك جمود الفكر الإنساني الديني المتصلب والمتقنع بأقنعة دينية.

وفي نهاية مقالي لا أملك إلا أن أقول : تحية خالصة لماجد الغرباوي لابن أرض الرافدين، وحفيد هارون الرشيد، الذي كان وما يزال رمزاً من رموز المعرفة الموسوعية الفريدة، وواحداً من أصحاب الرؤية الفكرية والثقافية الشاملة.. بارك الله فى ماجد الغرباوي، وأفاد تلاميذه وقراءه بعلمه ووطنيته، بفكره وموضوعيته، بنقائه وطبيعته.

 

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

هذا أسوأ تزييف نعيشه .. نحن لم نعرف شيئا اسمه حداثة بالمعنى الحقيقي .. لم تكن "الحداثة" بالنسبة لنا سوى وسيلة لا غاية، وسيلة "للحاق" بالغرب، كي نصبح أقوى عسكريا وسياسيا وأحيانا اقتصاديا، لننافس الغرب أو نتحرر منه في أضعف الأحوال، بهذا المعنى لم نعرف بالفعل أية حداثة فكرية أو اجتماعية .. يكفي نظرة واحدة لنكتشف من هم حداثيونا؟ جنرالات، عسكر، وزراء، أبناء الطبقة الأرستقراطية والإقطاعية والبيروقراطية والإكليروس الديني، الذين سافروا إلى الخارج بغرض التعلم للإعداد لتولي مناصب آبائهم .. لم تكن حداثتنا نتاج صراع بين الفكر الباحث عن الحرية والجسد الباحث عن الإشباع مع قيود المؤسسات القائمة ولا نتاج النضال ضد الحكم المطلق والسلطة المطلقة للدين بالعكس كان ملوكنا ورجال ديننا هم أوائل الحداثيين، ولم تكن حداثتنا موجهة ضد هذه المؤسسات القمعية (العسكرية، الدينية) بل كانت موجهة أساسا ضد الآخر، الغرب الأقوى المستعمر، المختلف، الآخر الذي لا يكتفي بعدم اعتناق ما آمن به أجدادنا بل يجرؤ على انتقاد مقدساتنا ومقدسات أجدادنا والذي تناقض علومه كل ما نؤمن به وما آمن به أجدادنا .. حداثتنا هي مجرد خطوة تقنية لا أكثر لهذا لم ير حداثيونا أية حاجة لنقد أفكارنا الماضوية التي أصروا على منحها عصمة لم تتمتع بها حتى عندما وضعها أجدادنا أو حكامهم وساداتهم .. بالعكس كانت هذه الأفكار والأساطير هي شغلنا الشاغل .. أثبت بعضنا أنه لا يوجد تناقض حقيقي بين أساطير أجدادنا وبين الحداثة أما البعض الآخر فقد اكتشف في النصوص التي آمن بها أجدادنا كل ما أنتجته الحداثة.. لا يوجد فارق حقيقي بين تياراتنا السياسية والفكرية، جميعنا حداثيون بالمعنى التقني وماضويون بالمعنى الفكري والاجتماعي والسياسي، لا فرق هنا بين يمين ويسار .. وهذا ما يتضح اليوم فيما نقدمه للعالم .. ما نفترض أننا نقدمه للعالم الحداثي أو ما بعد الحداثي .. دعونا نقارن ما نقترحه على العالم اليوم مع ما قدمته البرجوازية عندما أرادت إغراء الفلاحين والبروليتاريين الأوائل للثورة على الملوك والكنيسة، وعدتهم بالحرية التي سمتها ديمقراطية وبالتقدم والرخاء الذي سيأتي بهما العلم المتحرر من الخرافة .. وعندما أراد ماركس وبعض المثقفين إغراء العمال للثورة وعدوهم بالعدالة المفقودة وبالمزيد من الرخاء وحتى ببعض الحرية في وقت لاحق .. ماذا نقدمه نحن اليوم لهذا العالم؟ من حسن البنا حتى ادوار سعيد : الحجاب، وعد بجنة بعد الموت ووفرة ورخاء سحريين سنبلغها بأداء الصلوات الخمس والاعتقاد بشخصيات اسطورية عاشت قبل مئات السنين وبرجم الزناة ورمي المثليين جنسيا الخ .. المصيبة هو أن هذه بالنسبة للغرب بضاعة قديمة، مارسها الغرب من قبل ونحن هنا نطالبه فقط بالعودة إلى ماضيه الذي فعل المستحيل للتخلص منه .. أما حداثاتنا "الأكثر جدية" و"جذرية" التي مارسها جلادون مثل أتاتورك وشاه إيران "المقبور" فلم تكن هي الأخرى شيئا جديدا أو حديثا في تاريخنا ومجتمعاتنا، كانت أشبه باستيلاء أتباع دين جديد على المنطقة وفرضه بالقوة، بالترهيب والترغيب على البشر تماما كما جرى في كل تغيير جذري طرأ على العقيدة السائدة في المنطقة، مع كل دين جديد جاء واستوطن بلادنا وعقولنا .. لم يكتشف أحد الإنسان بعد في الشرق .. لا نوجد ككائنات قائمة بذاتها، مستقلة، قادرة على التفكير بذاتها ولذاتها، نحن مجرد أعداد لا حصر لها ولا قيمة لها مكررة من نفس الشيء .. نكرر نفس الشيء، نؤمن بنفس الشيء، فنحن نؤمن لا نفكر، بالأحرى نجتر ما يلقى إلينا من أفكار، ما نلقنه من أفكار، وإذا لم تكن كلمات نبي آت من ماض سحيق أو قائد ملهم نعامله كإله أو نصف إله فإنه كلام فيلسوف ما نحتمي به كي نتفلسف ونفكر في الهوامش، خلافا لصرخة أرسطو بضرورة تجاوز معلمينا ودعوة ديكارت للشك ونداء نيتشه لتحطيم الأصنام .. نحن في الواقع متخلفون جدا عن المستوى الفكري والعقلي لمن نزعم أنهم أجدادنا .. لا يوجد اليوم من يشبه المعتزلة ناهيك عن المعري أو ابن الراوندي والرازي وابن سينا ... حتى "أكثرنا ثورية" و"حرية" يجد نفسه مضطرا ليختبأ خلف تصنيفات وأفكار مسبقة، محددة ونهائية وناجزة مطلقة أو نصف مطلقة، يخشى من أن يفكر أو أن يمارس الحياة دون الاستناد إلى إيديولوجيا سائدة ... أحد أفظع النكت الرائجة اليوم هو أحاديثنا الشائعة عن ما بعد الحداثة وعالم ما بعد الحداثة عندما ننصب أنفسنا حتى أكثرنا "رجعية" وهوسا بكل الخرافات الماضوية قضاة باسم الحداثة، كأننا ننتمي للحداثة أو كأننا قبلنا بها أو مارسناها أصلا .. كلمة أخيرة عن الهستيريا الأخلاقية التي تجتاح مجتمعاتنا عن أن انتشار "الفجور" و"التهتك" بالمعنى "الأخلاقي " السلبي هو ظاهرة جديدة علينا ونتاج لحداثتنا المزعومة ... إن تهتك وفجور الطبقة الحاكمة قديم جدا ويعود إلى بدايات ظهورها في صدر الإسلام وتهتك الطبقة المثقفة هو الآخر قديم وقد عاش الاثنان في عالمهما الخاص الزاخر بالجواري والغلمان والخمر والأغاني الماجنة جنبا إلى جنب مع أغلبية مغرقة في المحافظة وسلطة مطلقة للمؤسسة الدينية على العقل الجمعي .. المتوكل الذي يكال له المديح من أكثر رجال الدين تشددا "لإطفائه فتنة خلق القرآن" كان مدمنا للخمر ولاهثا وراء ما يسميه رجال الدين أنفسهم بالشهوات والملذات .. نحن نشبه المتوكل، حداثيون عندما يتعلق الأمر بالجيوش وأسلحة القتل والدمار الشامل، ماضويون عندما يتعلق الأمر بحرية التفكير، نبيح كل شيء ما دام لا يخدش الحياء العام، ولا شيء يخدش الحياء العام عندنا مثل القول بخلق القرآن أو القول بما لم يقل به أجدادنا أو التصرف والتفكير وكأننا بشر نملك عقولا أو يمكننا أن نمارس الحياة بحرية 

 

مازن كم الماز

 

726 خان النخيلة 1انطلقت على مدى يومين 2-3 \ اذار الجاري في محافظة كربلاء فعاليات النسخة الثالثة من مهرجان خان النخيلة الثقافي بحضور كبير من مثقفي العراق وتمثيل حكومي واسع، فقد حملت الدورة الثالثة من المهرجان اسم الروائي المغدور علاء مشذوب اذ استذكر المهرجان الفقيد بعرض نتاجاته الادبية في جناح خاص ,,وقال  وزير الثقافة والسياحة والاثار عبد الامير الحمداني خلال كلمة القاها في حفل الافتتاح “الوزارة عازمة على توفير البيئة الحقيقية للثقافة والمثقفين واعطاء هذه الشريحة الاجتماعية كل مستحقاتها لدورها في بناء البلاد اجتماعيا وثقافيا ومواجهة الافكار الهدامة التي تريد ان تنال من وحدتنا ووطننا ,,مبينا أن “من خطط الوزارة المستقبلية العمل على إحياء السياحة في البلاد ومواجهة وتذليل كل العقبات التي تعترضها ومن حق العراقي ان يفتخر بين الامم بما يمتلكه من ارث ثقافي وتاريخي وان الوزارة عازمة على إحياء كل المعالم الثقافية والادبية والاثارية في العراق

726 خان النخيلة 2

واوضح رئيس اللجنة المنظمة لمهرجان النخيلة الثقافي الدكتور حميد الهلالي ان النسخة الثالثة من المهرجان تتضمن مايقارب 45 فعالية مختلفة تمثلت بالتشكيل والخط والزخرفة والنحت والكولاج والرسم والحرف اليدوية وعروضا مسرحية وبانتومايم وكروباتيك ولوحات فلكلورية يقدمها ادباء وفنانون وشعراء من جميع المحافظات العراقية (كركوك والانبار وميسان والبصرةاوبابل وغيرها من المحافظات --مؤكدا ان الرصاصة لا تقتل الثقافة وكل الدماء العظيمة التي هدرت ستنبت وردا وتزهر كتبا وشعرا هذه هي الرسالة من تسمية النسخة الثالثة من المهرجان باسم المرحوم علاء مشذوب وشعب العراق شعب حي لن يموت، "خسرنا كاتب لكن الرسالة مستمرة لتقديم ثقافة وفن وشعرا بما يليق بالعراق

وقال الدكتور محمد حمود مدير الاعلام بمحافظة الانبار والمشارك في المهرجان \\ شاركت محافظة الانبار بوفد رفيع يتقدمهم السيد ممثل السيد محافظ الانبار السيد ضاري العرسان والوفد المرافق له - حضرنا حفل افتتاح بدء فعاليات مهرجان النخيلة الثقافي الثالث في محافظة كربلاء والذي يستمر ليومين بمشاركة ثقافية وأدبية تمثل المحافظة من فنانين وشعراء ومتحف الشهيد التراثي

 

كتب نهاد الحديثي