fatehi alhabowbi«... الذي يضطهد فردا آخر هو أخوه في الانسانية لأنّ له رأيا يخالف رأيه، هو وحش. وهذا لعسر في إدراكه. فما بالك بالحكومة وبالقضاة وبالأمراء الذين ينكّلون بمن لا يدينون بدينهم ».

فولتير/ من كتاب " القاموس الفلسفي"

 

يعسر على الإنسان العربي وهو يخضع إلى أَلف قيدٍ وقيد على حريّته، أن يعبّر عن رأيه أو معتقده المختلف عن السائد دون خوف ووجل من ردّة فعل المجتمع، التي قد تكون مدوّية بقوّة بركان ينفجر، حتّى في نطاق الأسرة الضيّق، بما ينسجم مع ما يعبّر عنه بالعقل المجتمعي أو الأنا الأعلى، الرامز في حضارتنا إلى هُويَّة المجتمع العربي والإسلامي وذاكرته ومعتقده وثقافته، المنفعلة والمتأثرة بتاريخ التخلّف الذي عاشه ويعيشه هذا المجتمع المثقل بإرث تشريعات هي اليوم خارج سياقاتها الموضوعيّة و تقاليد لا تنسجم مع روح العصر وعادات سيّئة وترّهات فظيعة، جاء بها شيوخ السلاطين الذين يتوهّمون النطق باسم الدين الذي لا ناطق رسمي باسمه، فيما هم يروّجون لتخاريف، طوّقت رقابنا وعقلت عقولنا وحجّرت علينا التفكير الحرّ وعصفت بالمجتمع العربي وتعسّفت عليه بما أعاق الأنا و ضمن أسترقاقها. لذلك فإنّ قضيّة تحرير عقل الإنسان العربي المكبَّل بالأَغلالٍ، تعتبر ذات أولويّة قصوى لينطلق من عقاله فيفكّر ويعبّر ويبدع ويحقّق نصيبه من التقدّم في العلم والفكر والأدب والفنون، في سياق ما يسمّى بالصراعَ بين العقل الفاعل والعقل المنفعل. و حتّى لا يبقى العقل العربي موسوما على الدوام بالعقل المنفعل لا الفاعل. وهي سمة تكاد تكون وصمة عار-مزمنة- في جبين أجيال عديدة من أجيال العرب منذ نكبة سقوط الأندلس إلى اليوم.

وعلى نحو ما قال فولتير عن التعصّب من أنّه « مرض متجذّ ر في أعماق الشعب الفرنسي، وفي أعماق عائلته الشخصيّة وطائفته الكاثوليكية بالذات»، فإنّي أزعم، رغم ما قيل ويقال وما كتب في موروثنا الثقافي والديني من أنّ مجتمعنا متسامح، أنّه -بالقطع- ليس كذلك. فلو كان مجتمعنا أو عقلنا المجتمعي بالصورة التي يروّج لها -زورا و زيفا- لما صودر الرأي المخالف وحورب المعتقد المغاير واضطهد أصحابه في ظروف مأساويّة شديدة الفظاعة كما حدث للحلّاج و محي الدين بن عربي وغيرهما. بما شكّل عائقا كبيرا ومزمنا أمام بلوغ حركيّة فكريّة نشيطة مثلما هي قائمة في الغرب الذي لم يكن يختلف عن مجتمعنا في تشدّده وعدم تسامحه، لا سيّما فيما يتعلّق بالدين والمعتقد جرّاء التعصّب المذهبي البغيض. ولكنّ أعمال ونضالات فلاسفة كبار من طينة الفيلسوف الإنجليزي جون لوك القائل« الحرية هي ألا يتعرّض المرء للتقييد والعنف من الآخرين » والفيلسوف الفرنسي فرانسوا ماري أرويه شهر فولتير القائل « إنّنا جميعا مجبولون على الضعف والخطأ فليغفر كل منّا حماقة أخيه». لقد طرح هؤلاء الفيلسوفان وناقشا بجدّية مسألة التسامح بما يمثّله من إشكاليّة بين أفراد المجتمع فيما لو جدّ إختلاف فكري أو إيديولوجي ومذهبي بين أفراد المجتمع الواحد، بل حتّى داخل الأسرة الواحدة مثلما هو واقع الحال في قضيّة جون كالاس (Jean Calas)،بما هي مظلمة سنعرض لها لاحقا. و قد أعطى طرح كلا الفيلسوفين واقتراحهما الحلول لموضوع التسامح ثماره الطيّبة بعد مرور أجيال عديدة على عصرهما ومبحثهما في التسامح. وها هي اليوم تنعم بنتائجه شعوب العالم الغربي التي تنظر إلى التسامح كقيمة وفضيلة أخلاقيّة وإنسانيّة و إجتماعيّة بصرف النظر عن إرتباطها بالدين من عدمه.

فليس من قبيل الصدف أن يكتب جون لوك سنة1689 ثم فولتير سنة (1763) كتابين بنفس العنوان تقريبا وهو " رسالة في التسامح'' (Traité sur la tolérance)، بل كان ذلك نتيجة حتميّة لتحوّلات عصري النهضة والتنوير ولتطوّر النزعة الإنسانيّة التي كرّستها أفكار و مبادئ فلاسفة عصر التنوير، ولا سيما الموسوعون منهم؛ ديدرو (Diderot) و روسو ((Rousseau ودالامبير (D'Alembert) و كوندياك (Condillac) وفولتير، والمرتكزة بالأساس على إعلاء مكانة العقل في مواجهة الفكر الغيبي. رغم انتقاد نيتشة –لاحقا- لهذه المكانة في سياق نقده للحداثة التي تقوم بالأساس على العقلانيّة.

لذلك فقد أكّد جون لوك صاحب مقولة« إن حريّتي تنتهي عندما تبدأ حريّة الآخرين» في" رسالته في التسامح" على عدميّة التفكير الآحادي الذي ينفي الآخر و لا يقبل محاورته. كما شدّد على عبثيّة ودمويّة التعصّب الديني المغلق على ذاته، ودعا إلى فهم الدين إعتمادا على العقل بما يسمح بتأسيس مفهوم التسامح الديني الذي يستتبعه أن لا تكون الدولة لها دين بعينه. لأنّ من مفاعيل خلاف ذلك ما يجدّ من إضطهاد معتنقي الأديان الأخرى والطوائف التي تمثّل الحلقة الأضعف صلب الدولة على نحو ما يجري اليوم للشيعة في السعوديّة والبحرين واليمن وللسنّة والمسيحيين في لبنان وسوريا وللشيعة العرب في إيران بما يتماشى تماما مع مقولة توماس الأكويني « إن كان خصمنا لا يؤمن بالوحي المقدّس، فالوسيلة الوحيدة المقنعه لإثبات البنود الدينيّة ردّا على إعتراضاته هي القول أنّها ضد الدين». وهو ما يعني أنّنا على صواب ومخالفنا على خطأ، و لا يكون التسامح عندئذ عنوانا لأيّ فضيلة بل عنوانا للتنازل لمعتقدات الآخر.

و في سياق مقاربته لمفهوم التسامح الديني، دعا جون لوك، وهو أول من استخدم تاريخيّا مصطلح حقوق الإنسان، إلى تكريس مبدأ المساواة في الحقوق بين جميع الطوائف الدينية في زمن كانت فيه الحرب ضارية بين الكاثوليك والبروتستانت بماهي تعبير عن الحقد الذي يجمع بينهما على مدى التاريخ تماما كما هو حال الحقد والعداء و"الخصام الأخوي " الذي لا ينتهي بين كلّ من السنّة والشيعة1 من أجل أحداث غابرة تجاوزها التاريخ ولم يعد لها تأثير فعلي في حياتنا المزدحمة بالمشاغل المهمّة والأحداث والتحدّيات الكبيرة التي تختلف درجات خطورتها في المكان والزمان. ولكنّه الهوس بالحفر في الذاكرة والنبش في الماضي، شديد القتامة والدمويّة، لاستحضاره بدلا عن الحاضر. بما يعني الإنبتات عن العصر والإنصراف عنه نهائيّا والعيش خارج التاريخ أو في أحسن الاحوال في جوار مزبلة التاريخ التي تزكم الأنوف.

ودون الغوص -لضيق المجال- في التفاصيل الدقيقة لكتاب ''رسالة في التسامح'' لجون لوك، الذي يعتبر بحقّ أهم فيلسوف تنويري في العصر الحديث، فإنّه يمكن أن نكتفي بالإشارة إلى بعض مقولاته التي من بينها أنّه « ليس لأي انسان سلطة في أن يفرض على إنسان آخر ما يجب عليه أن يؤمن به أو أن يفعله لأجل نجاة نفسه هو، لأنّ هذه المسألة شأن خاص ولا تعني أيّ انسان آخر. إن الله لم يمنح مثل هذه السلطة لأي انسان و لا لأيّة جماعة (... )». ولو طبّقت الكنيسة هذه المقولة لما كفّرت عالِم الفلك و والفيزيائي الإيطالي غاليلو غاليلي (1564 - 1642)، و لما اعتبرت مواطنه ومعاصره الفيلسوف والشاعر وعالم الفلك جيوردانو برونو (1548-1600 )Giordano Bruno مهرطقا مكابرا و سجنته ثمّ قطعت لسانه وأحرقته حيّا بتهمة الإرتداد عن المسيحيّة والكفر لمجرّد تأكيده على لا نهائيّة الكون وعلى أنّ المسيح إنّما هو "دجّال ذكي" أو "ساحر ماهر" (Mage habile).

ويضيف جون لوك لمزيد تأكيد المعنى السابق أنّ« خلاص النفوس من شأن الله وحده...ثم ان الله لم يفوّض أحدا في أن يفرض على أي انسان دينا معيّنا... وأن قوّة الدين الحقّ كامنة في اقتناع العقل، أي كامنة في باطن الانسان». ولكن -للأسف الشديد- هذا هو عكس ما يحدث اليوم في سوريا بعد مرور قرون على اقتناع الغرب بوجاهة هذا القول. حيث أبلغني الصديق الصحفي الفرنسي من أصل لبناني روني نابا René Naba)) ، عبر مقال2 له تفضّل بإرسال نسخة منه لي، أنّ 18 قرية درزيّة سوريّة أرغمت ، في خضمّ الثورة السوريّة المسلّحة، على أن تتحوّل إلى "اعتناق الوهابيّة". و هو ما لا يمكن القبول به مطلقا. لأنّ حمل النّاس على الإيمان بالقوّة بعكس ما يعتقدون إنّما هو إرهاب ديني، لا يمكن أن يجعلهم في إعماق ضمائرهم مخلصين له مهما كان حجم الترغيب والترهيب. ومن هذا المنطلق فقد أكّد جون لوك على أن حريّة الضمير هي حقّ طبيعي لكلّ انسان. ولعلّه من المفارقات اليوم أنّ السجال لم يحسم بعد في المجتمع المدني التونسي حتّى بعد التصديق على الفصول المتعلّقة بحريّة الضمير و تجريم التكفير ضمن الدستور الجديد رغم ثوريته وريادته و تقدّمه على جميع الدساتير العربيّة. باعتباره-رغم هناته- قد حقّق نقلة نوعيّة في مجال تثبيت قيم الجمهوريّة، و تأسيس دولة الحقّ و القانون العصريّة، وتكريس الحقوق والحرّيات الأساسيّة العامّة منها والفرديّة، و ضمان استقلاليّة عديد الهيئات القضائيّة والإعلاميّة و الإنتخابيّة والحقوقيّة ونحوها عن الدولة، بما يستجيب للمعايير الدوليّة وينسجم مع القيم الكونيّة وأسس الدولة المدنيّة المعاصرة.

وأمّا فولتير، أحد   رواد العقلانيّة والتنوير، المعروف بدفاعه عن قيمة التسامح بفضل مقولته الشهيرة « إنّي أخالفك رأيك ولكنّي أدافع حتّى الموت عن حقّك في إبدائه»، فمعلوم لدى دارسيه أنّه ركّز أغلب معاركه الفكريّة على تكريس هذه القيمة النبيلة .التي طالما قرنها بحريّة العقيدة وبحريّة التعبير في آن معا. وقد سعى فولتير بصدق إلى إشاعة روح وثقافة التسامح، دون السقوط في السجالات العقيمة والمناقشات البيزنطيّة حول ما إذا كان العنف يسبق التسامح و الشرّ يسبق الخير أم العكس. بل حارب العنف والتعصّب الديني و الايديولوجي المقيت، وكان براغماتيّا في مقاربته لمفهوم التسامح من خلال دفاعه المستميت منذ أكثر من قرنين ونصف عن قضيّة جان كالاس ( Jean Calas)، المنتمي إلى مذهب الأقليّة البروتستانتية والذي أتّهم زورا بقتل إبنه لوي كالاس (Louis Calas) بوحشيّة وبشاعة لمجرّد إعتناقه للمذهب الكاثوليكي المخالف لمذهب العائلة البروتستانتي فيما هو بريء تماما من ذلك. إلّا انّه أعدم رغما عن ذلك بتسرّع مثير للريبة والإستغراب ودون احترام للإجراءات القانونيّة مثلما يحدث اليوم-بعد قرون- في أغلب الدول العربيّة التي لا تزال تفتقر لسلطة قضائيّة مستقلّة حقّا. وقد تبنّى فولتير هذه القضيّة بعد أن سجّل الإخلالات التي رافقتها منذ انطلاقها، فدافع عنها بشراسة وإصرار لرفع الظلم عن صاحبها ولو بعد مصرعه. حتّى أنّه أفرد لها كتابه الموسوم ''رسالة في التسامح''. و هي بالقطع إحدى روائع الفكر التنويري الفرنسي المنحاز إلى الحقّ أينما كان، والمؤسّس لمفهوم المواطنة وحقوق الإنسان. وجاء دفاع فولتير على رجل بروتستانتي من الأقلّية رغم أنّه يتبع مذهب الأغلبيّة الكاثوليكي بحكم الانتماء العائلي. بل ورغم أنّه مفكّر لاديني (déiste)، يؤمن بالله ولا يؤمن بأيّ دين. وهو دليل، لا يرقى إليه الشكّ، على عظمة هذا المفكر الحرّ، الذي ينتصر للمذهب المعادي لمذهبه "المفترض" عندما يكون على حقّ، بدل انتصاره لعصبيّته الطائفية عندما تكون على باطل. وبهذا المعنى، فهو لا ينصر أخاه ،ظالما أو مظلوما وفي كلّ الأحوال، مثلما هو سلوك النّاس في ربوع العرب والمسلمين رغم ما ورد في القرآن في خلاف ذلك.

وقد استهلّ فولتير رسالته في التسامح بالحديث مطوّلا عن مصرع جان كالاس جرّاء سيادة التعصّب الديني المذهبي الذي يثير في نفسه الاشمئزاز والقرف ، مستغلّا هذه الواقعة الفظيعة ليقف بحزم ضدّ كل المجازر التي إرتكبها الكاثوليك في حقّ البروتستانت في أكثر من مكان من أوروبّا، مندّدا بها بصوت مرتفع يعلو على كلّ الأصوات دونه، و متوجّها للأصوليين المتعصّبين، المنتهجين للعنف كوسيلة للدفاع عن الدين أو المذهب بالقول «فإن شئتم أن تتشبّهوا بالمسيح، فكونوا شهداء لا جلّادين». فيا له من قول رائع، إذ لو استوعب الوهابيون، الطارئون عن الإسلام، دلالاته الإنسانيّة النبيلة، لما وجدت حركات على شاكلة "القاعدة" ولا "النصرة" ولا "داعش"، ليس لها من مهمّة غير البطش بالإنسان أينما كان.

ويستعرض فولتير تفاصيل كافة الأطوار الغريبة للمحاكمة المستعجلة للمتّهم جان كالاس، مشكّكا في القضاء والقضاة، بل ومستغربا بشدةّ من اضطهاد الانسان للانسان بسبب عقيدته أو رأيه، ومعتبرا أنّ التعصّب مخالف لجوهر وروح الديانات جميعا. وهو موقف ينمّ عن إحترام فولتير لكل الديانات رغم عدم إيمانه بها مطلقا. وفي ذلك إشارة إلى أنّه متسامح إزاءها ولا يعتبرها شرّا مطلقا. كما انّه لا يعتبر نفسه على صواب فيما الآخرون على خطأ، بما يستدعي تكفيرهم و هدر دمائهم بالنتيجة. وفي هذا السياق فقد عبّر فولتير عن إعجابه بالنموذج الهولندي و الإنجليزي، حيث يسود التعايش في كنف السلام بين مختلف الأديان والمذاهب بخلاف ما هو حال فرنسا أنذاك.

وبعد رحلة شيّقة عبر التفاصيل المثيرة للقضيّة موضوع الكتاب بما آل إلى إعادة محاكمة جان كالاس الذي ينتصر بعد موته(à titre posthume)؛ حيث أنصفته العدالة فبرّأته، في نهاية المطاف، بفضل الجهود المضنية المبذولة التي يعود منها لفولتير النصيب الأوفر. وبذلك و إضافة إلى ما سبق، فإنّ فولتير يعتبر مثقّفا عضويّا بامتياز، لأنّه يعايش قضايا المجتمع المدني معايشة لصيقة، وفق مفهوم المثقّف العضوي، الذي سيحدّده المفكّر الإيطالي أنطونيو غرامشي بعد عدّة عقود من عصر فولتير.

 

المهندس فتحي الحبّوبي

.........................

(1) أنظر مقالي على النت حول هذا الموضوع بعنوان La querelle fratricide sans fin entre Sunnites et Chiites

(2) أنظر مقال René Naba الصادر في 17 يناير 2014 في موقعه En Point de Mire بعنوان Les deux François et la chrétienté d’Orient /Conversion forcée au wahhabisme de 18 villages druzes de Syrie

 

mustafa alomariثمة ما يدفعنا الى العزوف عن الدخول في واقع الامة المشتعلة والخوض مع الخائضين في قضايا ميتة أصلاً، لكن ثمة ما يؤرقنا لحال هذه الامة التي ننتمي لها ثقافة وتأريخاً ونندمج معها كنشوء فطري وننصهر بها كمكون اجتماعي وحتى وان تقولبنا مع هذا المجتمع يبقى يرعبنا ذلك المجتمع بسلطته غير الواعيه وتحريكه من قبل بعض الاطراف التي تؤلب قوماً على قوم اخرين وتبقى قضايانا ليس فيها حياة ولو كانت حية لما أجزم كل طرف على انه الخلف الحقيقي للرسول وانه هو من يملك الحقيقة المطلقة التي لا يشاركه بها آدمي قط، أمة مسعورة على نهم لحوم البشر ومولغة بدم المساكين ومنعطفة الى حيث القتل والنحر والتفجير دون أي واعز انساني او محرك عقلي يرشدنا الى حيث المعطوب من هذا الذي يؤرق حياتنا ويزل بنا وبمستقبل أمة كاملة الى حيث الهلاك الحقيقي، اننا نحتاج الى تشخيص هادئ ومتقن منصف وغير متحزب متعلم ومتحرر لكي يعتق هذه الامة المسعورة من بعض المسعورين الذين تشرعنوا باحاديث ونصوص ليس لها مساحة تتوائم مع اخلاق النبوة، اننا نحتاج الى دراسة شجاعة لإزالة كل سواد التأريخ عن حاضر اليوم والمستقبل .

الذي تمر به الامة العربية والاسلامية اليوم من حرب وقتل ودمار وقطع الرقاب كله يأخذ شرعيته من نصوص دينية ولأن هذه النصوص اخذت قدسيتها من قدمها وإعتياد الناس على التحدث والتبرك بها ليس هناك من يحاول من رجالات التدين ان ينقب عن صدقية هذه الاحاديث وعن هتكها في بعض الاحيان للعرف العلمي والاجتماعي والادبي، ولأن أغلب رجال الدين من المنتفعين بالدين وغير نافعين به تجرهم أهوائهم الى حيث السمين من العلف والكثير من الاموال والوفير من العيش، فتغافلوا عن واقع الدين المنخرط الى الدرك المنحط في هذا العالم الكبير وتهافتوا يتلاهثون خلف ملذاتهم وشهواتهم . لم يكتفوا بالطعن واللعن بل سيرتهم غرائزهم المتوحشة الى استباحة دم الابرياء من الناس يلقونها بخطب صادحة يحرصون بخطبهم على ان تخرج الحروف من مخارجها الصحيحة يتلون بها كتاب الله وتعاليمه ويدعون بأسم الله الى قتل عباد الله، مفارقة محزنة حقاً .

إننا أحوج الامم الى الانسانية التي يأخذ الدين منها وينطلق بها، الانسانية المصلوبة على عتبة صفار الكتب المزورة الداعية الى جلد المتحررين وقتل المبدعين وتحجيم الواعين، كيف لنا ان نسير في هذه الحياة وما زالت كتب الحديث المختلقة تهدد عيشنا وتقهرنا على الرجوع الى زمن ميت عاش فيه اصحابه بتناحر وخصام وقتل وصليل سيوف لم تهدأ، ودم لم يجف ؟ كيف لي ان أعيش في الولايات المتحدة المتطورة علمياً وأنا لازلت أفكر في أحاديث ابو هريرة وطريقتها وسردها وموضوعاتها صحتها ودسها كذبها وتحريفها ؟ كيف لنا ان نستقيم ونحن لازلنا نتعامل مع التأريخ وكأنه اليوم أما اليوم فهو عدم غير موجود؟

المدافعون عن الاسلام والشريعة الاسلامية كثر لكن للأسف المخلصون قله المتأسلمون كغثاء السيل أما المسلمون فقلة ايضاً، المتصلبون على الاسلام البيئي يلهثون ان الحق معهم يحيطونه بهالة من الاحاديث والروايات الزائفة، أما المسلمون المنفتحون فتجدهم يوجدون المشتركات مع الاخر المغاير دون حرج في الاخذ منه او تزويده بما يتلائم مع المصلحة الانسانية والادبية، العاملون على تنقية التراث محاربون أما المبتدعون في تزييف التراث متصدرون واجهة الاحداث ويرفعون على الاكتاف .

 

نحاول هنا إيجاد مساحات غير ملغومة لكي يعيش عليها البسطاء من الناس وغير المنتفعين منهم نجتهد في تطهير بعض الملغوم في أزقة الفقراء وأذهان العوام نحاول إزالة ذلك الثابت المقدس بسلطة التخويف وألسنة الوعاظ والفارغين من الناس .

السنة النبوية احاديث الرسول أم تلفيق مزيف . يلحق ...

 

مصطفى العمري / أمريكا

 

adnan oayeed"الليبرالية الجديدة"، هي مجموعة من الخطط الاقتصادية التي أصبحت واسعة الانتشار مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث بدأ المهتمون يتلمسون نتائجها وتأثيراتها هنا، من خلال تلك الظاهرة الاجتماعية المرعبة، وهي زيادة غنى الغني وفقر الفقير، رغم أن العالم قليلا ما سمع عن الولايات المتحدة الأمريكية في تلك الفترة. هذا وأن الليبرالية الجديدة استطاعت أن تعبر أيضا في تطبيقاتها العملية والفكرية إضافة إلى المسائل الاقتصادية، عن المسائل السياسية والدينية أيضا، ففي الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت الليبرالية السياسية، موقفا استراتيجيا قائما بذاته في منع الصراعات الطبقية / الاجتماعية، وهي تحاول أن تقدم في مشروعها الفكري النظري الفقراء والطبقة العاملة، كمعادل تقدمي تجاه التيار اليميني المحافظ، بينما نجد في الممارسة غير ذلك. أما الحرية الاقتصادية، فموقف السياسيين الليبراليين المحافظين تجاهها هو موقف مختلف، حيث ليس لديهم مشكلة مع الليبرالية الاقتصادية وخاصة في شكلها الليبرالي الجديد، الذي يعمل على قطع العلاقة نهائيا ما بين السوق والدولة، والحد كثيرا من الطموحات الايجابية لدى الليبرالية (الاقتصادية)، وخاصة في موقفها من تدخل الدولة في فترة ما بين الحربين، وأثناء الحرب الباردة في النصف الثاني من القرن العشرين، تجاه مساندة أفراد المجتمع والتخفيف من مشاكلهم بشكل عام .

إن الليبرالية (الاقتصادية) في الحقيقة أصبحت أكثر شهرة، منذ بداية طرحها في بريطانيا، مع الاقتصادي المشهور "آدم سميث" وبعض من ناصروا عدم تدخل الدولة في الأوضاع الاقتصادية، ورفض وضع القيود على المانيفاكتورات، أو الحواجز وفرض الضرائب على التجارة من قبلها. حيث يعبر عن هذا التوجه آدم سميث بقوله: إن التجارة الحرة كانت الطريق الأفضل لتقدم اقتصاد الأمة، وأن تطبيق الفردية شجع المشروع الحر، والمنافسة الحرة... التي جاءت أصلا بهدف حرية الطبقة البرجوازية من أجل تحقيق منافع كثيرة لهم ووفقا لما يريدون هم.

أما في أمريكا فقد راحت الليبرالية الاقتصادية تسود منذ القرن الثامن عشر حتى أواخر النصف الأول من القرن العشرين، غير أن أزمة عام/1929/أدت إلى ارتفاع بعض الأصوات التي راحت تطالب بضرورة مواجهة الليبرالية الاقتصادية من أجل الحفاظ على النظام البرجوازي والطبقة البرجوازية ذاتها، ومن بين هذه الأصوات كان صوت الاقتصادي المشهور"جان ماينارد كينز"(John Maynard Keynes ) الذي طرح نظريته المشهورة بـ (الكنزية)، وهي نظرية أريد منها مواجهة تلك الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت العالم آنذاك وأدت إلى قيام الحرب العالمية الثانية كما هو معروف، حيث يشير"كينز في هذه النظرية قائلا: في الجوهر، من أجل أن تنمو الرأسمالية،وتستطيع أن تنجز مهامها، من الضروري أن تتدخل الحكومات والبنوك المركزية في دعم الاقتصاد الوطني، وتأمين العمالة، وهذا ماتم فعلا، حيث حققت هذه الأفكار تأثيرا واضحا على الرئيس الأمريكي"روزفلت"، وشرعت أمريكا والعديد من الدول الأوربية التي أصبحت بسبب الحرب العالمية الأولى وأزمة/1929/ منهكة، في تبني هذه النظرية الكنزية، وبذلك استطاعت أن تعيد التوازن والثقة للطبقة الرأسمالية ونظامها مع تحسين واضح لحياة العديد من الناس.

إن الاعتقاد الذي يقول، بأن الحكومة قادرة على تقديم الأشياء الجيدة للمجتمع، أصبح مقبولا آنذاك بشكل واسع. ولكن مع توالي الأزمات الاقتصادية وخاصة بعد حرب تشرين وارتفاع أسعار النفط، ثم أزمة الثمانينيات من القرن ذاته ( مثل أزمات الحرب الباردة ومنها حرب النجوم مثلاً- المترجم)، وما تلا هذه الأزمات من انكماشات في الإنتاج، وتقلص في نسب الأرباح، أثار لدى النخبة الرأسمالية المتضامنة الرغبة في إنعاش الليبرالية الاقتصادية، التي راحت بدورها ترتقي شيئا فشيئا إلى ليبرالية جديدة على السلم العالمي، وبخاصة مع تلك التحولات ذات الصبغة العالمية السريعة والعميقة التي انتابت الاقتصاد الرأسمالي، ومنحته صفة العولمة تحت ظل النظام العالمي الجديد.

 

سمات وخصائص الليبرالية الجديدة:

أولا: التأكيد على دور السوق الحرة: تعتبر الليبرالية الجديدة أن تحرير أي مشروع مفروض من قبل الدولة، ليس مشكلة، مهما تكن طبيعة الأذى الذي يمكن أن تتركه عملية التحرير هذه على المجتمع، كما تعتبر أيضا، أن الانفتاح الكبير على التجارة العالمية والتوظيفات، كما الحال في/نافتا/، سيساعد على تخفيف الأجور، ويضعف وحدة أو تحالف العمال، وإلغاء حقوقهم التي ربحوها عبر سنين طويلة من النضال، ثم لا تعود الأسعار موجهة ومدروسة كثيرا، أو بتعبير آخر، الكل في الكل، هو الحرية الكاملة للتيار الرأسمالي، هذا ويؤكدون أن عفوية السوق هي أفضل وسيلة لزيادة النمو الاقتصادي التي سوف تخدم بشكل مطلق كل فرد من أفراد المجتمع.. ولكن بطريقة لن يعطي فيها الغنى كثيرا من خيراته للفقراء كما سيبدو لنا.

 

ثانيا: إلغاء النفقات العامة من أجل المجتمع:

1- الخدمات: وتمثل هنا، التربية، العناية الصحية، شبكة الأمان للفقراء، صيانة الطرق والجسور، التزود بالمياه ... الخ، فالليبرالية الجديدة تقف ضد دور الحكومة في تقديم المعونات في مجال هذه الخدمات للمواطنين، بينما هي لا تمانع أن تقوم الحكومة في تقديم المعونات للصناعات البرجوازية من فوائد الضرائب وغيرها. (لذلك طرحت كل تاتشر وفيما بعد بلير ضرورة تبني النظرية العالمية الثالثة، وهي نظرية مخالفة تماماً للنظرية الكنزية، أو دولة الرفاه- المترجم)

2- تحرير التجارة: هي تطالب بأن تكون التجارة حرة من أي قيد يمكن أن يفرض عليها من قبل الحكومة، كما تدعو الحكومة إلى تخفيف أو إلغاء أي إجراء من قبلها يساعد على إضعاف الأرباح، حتى لو كان الأمر يتعلق بحماية البيئة، أو العمالة.

3- الخصخصة: هي تطالب ببيع المشاريع الكبيرة والهامة التابعة للدولة، من مصانع، ومشاريع خدمية وغيرها، للقطاع الخاص، وهذه المشاريع تتضمن، الصناعات الرئيسة، البنوك، السكك الحديدية، ضريبة الطرق الرئيسة، الكهرباء، المدارس، المستشفيات، وحتى المياه النقية.. الخ، وتأتي كل هذه المطالب عادة تحت أسم من أجل تحقيق الكفاءة العالية التي غالبا ما تكون ضرورية بالنسبة لها في طبيعة الحال. هذا وأن الخصخصة حققت بالدرجة الأولى تركيز الثروة في أيدي القلة، التي راحت بدورها تعمل على تحديد أجور العمالة وفقا لمصالحها.

4- إلغاء مفهوم الجمهور أو العامة: تسعى الليبرالية الجديدة إلى تمييع أي دور لمسؤولية الكتل الاجتماعية، ومحاولة مركزة المسؤولية في الفرد كسمة عامة لنشاط وطموح المجتمع، لذلك كثيرا ما يمارسون الضغط على الناس الفقراء من أجل أن يقوموا هم أنفسهم في البحث عن الوسائل أو الطرق التي تساعدهم على تأمين حاجاتهم الصحية والتعليمية وأمانهم الاجتماعي، ثم توجيه كل اللوم لهم في حال عجزوا عن تحقيق ذلك، ووصفهم بالكسالى.

إن أهم ما يميز سمات الليبرالية الجيدة هو، تبنيها من قبل مؤسسات مالية قوية مثل صندوقي النقد الدولي (imf)، وصندوق البنك الدولي للإعمار والتنمية، ومنظمة الجات العالمي .. الخ، ومحاولة نشر وتسييد أنموذجها عالميا من خلال هذه المؤسسات المالية، هذا وقد كانت أمريكا اللاتينية أول ضحايا هذه الليبرالية الجديدة، حيث اعتبرت (تشيلي) الدولة الأسبق في هذا الاتجاه، والشكر يعود طبعا لمن سيّد هذا الأنموذج، وهم جامعة شيكاغو، والاقتصادي"ميلتون فريدمان"، والمخابرات المركزية الأمريكية التي كانت وراء الانقلاب الذي أطاح بالنظام السياسي لـحكومة "الليندي"المنتخب من الشعب عام/1973/، ثم تلت الشيلي فيما بعد الكثير من الانقلابات في العديد من دول أمريكا اللاتينية، إلا أن التأثير الأكثر سوءاً لليبرالية الجديدة كان في دولة"المكسيك"، حيث راحت الأجور تنحدر إلى ما بين 40% و 50%، في العام الأول من نشاط منظمة التجارة العالمية،/نافتا/، بينما تكاليف الحياة ارتفعت حتى 80%، يضاف إلى ذلك أن ما يقارب/20000/مشروع صغير ومتوسط قد فشلت وتوقف نشاطها، وأكثر من/1000/مشروع خاص بملكية الدولة (قطاع عام)، قد خصص في هذه الدولة، ونتيجة لهذا الانحدار المخزي راح يعلق أحد الباحثين حول ذلك قائلا: إن (الليبرالية الجديدة) هي وسائل للاستعمار الجديد، تهدف إلى استعمار أمريكا اللاتينية).

أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد استطاعت الليبرالية الجديدة أن تحطم برامج"دولة الرفاه"، ومهاجمة حقوق العمال بما فيها حقوق العمال المهاجرين، وكذلك استطاعت تخفيض البرامج الاجتماعية، وبخاصة ما يتعلق منها بحماية الأطفال والشباب والنساء، بل الكوكب نفسه الذي نعيش عليه.. كما يحاول دعاتها خداعنا لنقبل بالقول إن كل ما تقوم به الليبرالية الجديدة سوف يبعد الحكومة عن كاهلنا.

عموما نقول: إن الليبرالية الجديدة، لن تحقق الفوائد إلا للقلة القليلة في هذا العالم، بينما هي سببت كل الدمار والعذاب للأغلبية الساحقة من شعوب العالم.

 

What is Neoliberalism?

by Elizabeth Martinez and Arnoldo Garcia

ترجمة: د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

adnan oayeedقبل القرن العشرين، كانت الليبرالية " الكلاسيكية " هي الفلسفة السياسية المسيطرة في الولايات المتحدة الأمريكية على ما يبدو، وهي التي شكلت منطلق الفلسفة السياسية لـ " توماس جفرسون " (Thomas Jefferson) .. ولموقعين بيان الاستقلال .. وعلى أساسها تم تطبيق بنود بيان الاستقلال الأمريكي، ممثلة بالدستور، وأوراق الفيدرالية، والعديد من الوثائق التي أنتجت من قبل الناس الذين أوجدوا نظام الحكومة الأمريكية، هذا وأن العديد من المحررين أو المعتقين الذين عارضوا العبودية، كانوا من حيث الجوهر ليبراليين، مثلما كان المنادون بحقوق المرأة، أو ممن قاتل من أجل مساواتها في الحقوق ليبراليين أيضا.

على العموم، إن الليبرالية " الكلاسيكية " في سياقها العام هي الإيمان بالحرية، وحتى هذا اليوم، فإن أوضح البيانات (النظرية) لهذه الفلسفة هو ما جاء في بيان الاستقلال/ لجفرسون/، وإن معظم الناس في ذلك الوقت، كما هي الحال اليوم، يعتقدون أن حقوقهم تأتي من الحكومة، وأن معظمهم اعتقد أيضا بأنه يملك هذه الحقوق فقط عندما يتم انتخاب الحكومة التي ستمنحهم هذه الحقوق . بيد أن الفلاسفة الانكليز أمثال " جون لوك " ( John Locke)، فقد بينوا أن الطريق الآخر للحقوق يدور حول الإقرار بأن الناس يحصلون على حقوقهم بمعزل عن الحكومة كون هذه الحقوق تشكل جزءا من طبيعتهم، ثم إلى حد بعيد يستطيع الناس تشكيل هذه الحكومات وحلها أيضا، على اعتبار أن الهدف الشرعي للحكومة هو حماية هذه الحقوق .

إن الناس الذين يطلقون على أنفسهم اليوم اسم " الليبراليون الكلاسيكيون " غالبا ما يميلون إلى امتلاك الرؤية ذاتها للحقوق، ولدور الحكومة ذاتها التي امتلكها أوعبر عنها " جفرسون " ومعاصروه، إضافة إلى ذلك، لم تكن لديهم الرغبة أو الميل لوضع أي تمايز هام ما بين الحريات الاقتصادية، والحريات المدنية .

على يسار بقعة الضوء السياسية لليبرالية، توجد أشياء كثيرة معقّدة، حيث نجد الاختلاف الكبير بين ليبرالي القرن التاسع عشر، وليبرالي القرن العشرين، فليبراليون القرن التاسع عشر اعتقدوا بالحريات الاقتصادية، بينما لم يؤمن أو يعتقد بها ليبراليون القرن العشرين، الذين اعتقدوا بأنها – أي الحريات الاقتصادية - لاتكون اختراقا أو اغتصابا لأي حق أساسي من حقوق الحكومة في ضبطها لمسائل مثل، أين يعمل الناس ؟، ومتى يعملون ؟، أو ما هي الأجور التي يعملون من أجلها؟، وما هي الأشياء التي يستطيعون شراءها، أو يستطيعون بيعها، أو السعر الذي يستطيعون الشراء به؟ ... إلخ. هذا وفي الوقت نفسه، نجد أن ليبراليين القرن العشرين قد استمر تأثرهم بمعتقدات القرن التاسع عشر، وكذلك احترامهم للحريات المدنية، بل نجد في محطة المدار الأخير للقرن التاسع عشر، أن هناك دعما غير محدود من قبل الليبراليين للحريات المدنية. هذا ونحب أن نشير هنا أيضا إلى أنه منذ أن أصبحت الليبرالية هي الآيديولوجيا المسيطرة في القرن العشرين، راحت النزعة السياسية العامة لهذا القرن تعكس معتقدات هذه الليبرالية، ثم مع نهاية القرن العشرين ذاته، حقق المواطنون القليل من الحقوق الاقتصادية قياسا لما حققوه أو حازوا عليه في بداية القرن، بينما كان حظهم أوفر كثيراً في جانب الحريات المدنية .

نماذج الحقوق المدنية :

إن قوائم حقوق الإنسان تشير بأن للأفراد " حقوقا " كثيرة، ولكن الأسئلة المشروعة التي تطرح نفسها علينا هنا هي : ماذا يعني الحصول على الحق ؟، وهل تكون بعض الحقوق مختلفة بالأساس عن الأخرى ؟ . ومع ذلك نجد في تقاليد الليبرالية الكلاسيكية،أن الحقوق حازت على الكثير من الصفات أو السمات التالية :

أولا : الحقوق تعتبر وسائل اتصال :

تعتبر الحقوق وثيقة الصلة بالمسؤوليات الأخلاقية التي يتعامل بها الأفراد مع بعضهم بعضا، وهي تشير هنا بشكل خاص إلى نطاق السلطة أو السيادة التي يتمتع بها الأفراد داخلها، وتخويلهم رغبة الاختيار دون تدخل من أحد، ففي هذه الحالة تحكم الحقوق هنا كمسألة أخلاقية على أعمال الناس الآخرين في عالم لا يقوم على شخص واحد فقط، أو على عالم يتواجد فيه أفراد كثر لايتفاعلون مع بعضهم . فالعدالة أو الحقوق وفق هذه الرؤية سوف لن توجد في عقل الفرد الذي لايريد لأي شخص آخر أن يطالب بحق مقابل، كما أنها لن توجد أيضا في عقل من يريد الدخول بصراع مع أية تجربة لحقوق الفرد، إن الحقوق توجد حيث يتفاعل الناس مع بعضهم ويقيمون علاقات وفقا لاهتماماتهم ومصالحهم .

ثانيا : الحقوق الأساسية تقتضي الواجبات :

إن من حق أي فرد أن يقوم بأعمال خاصة تتطلبها رغباته وحاجاته، على أن لايكون لهذه الأعمال مساس بحقوق الآخرين، وهذه الأعمال الفردية في المقابل تتطلب واجبات من قبل الآخرين تجاهها، فعندما يقوم (س) مثلا بوضع (مرجوحة) في منزله، يعتبر هذا حق مشروع له، ومن واجب الآخرين عدم ممانعته في عمله هذا، ولكن في المقابل ليس من المفروض على الآخرين تقديم المواد الأولية له على سبيل المثال، وهذا ينطبق على(س) أيضا تجاه الآخرين .

على العموم يمكنا القول في هذا الاتجاه، إن هناك واجبا سلبيا وآخر إيجابيا في مثل هذه الحالة، فوضع (المرجوحة) في منزل " س " على سبيل المثل فرض الواجب (السلبي) على الآخرين تجاه بناء المرجوحة، - أي عدم ممانعتهم أو تدخلهم في وضعها -، كما أنه لم يفرض واجبا إيجابيا في المقابل وهو المساعدة في تقديم المواد الأولية لـ " س ". هذا وفي السياق ذاته يمكننا الإشارة هنا إلى أنه من الحقوق الأساسية المعروفة وهي، حق الحياة، والحرية، وحق الملكية، قد تدفقت حقوق كثيرة أخرى أو اشتقت من هذه الحقوق الأساسية، بناء على تزايد النشاط العملي والفكري للناس، ثم راحت من هذه الحقوق المشتقة تتكون واجبات جديدة .

ثالثا : الحقوق مصانة :

بين " توماس جفرسون " في بيان الاستقلال، بأن الحقوق الأساسية مصانة، وهذا يعني أنه من غير الممكن التفريط بها من قبل الفرد الذي حاز عليها، كما أنه من غير الممكن تصديرها أو استيرادها .. بيعها أو شراءها، أو المتاجرة بها، ولكن من الممكن انتهاكها على أية حال .

رابعا : الحقوق الأساسية لايمكن أن تأتي من الحكومة :

وهنا أيضا نتكئ على بيان الاستقلال الذي أشار بأن الحقوق الأساسية لاتعطى أو تصنع أو تحوز على شرعيتها من قبل الحكومة، بل إن الحكومة ذاتها تحصل على شرعيتها من وجود هذه الحقوق ذاتها، وحسب رؤية كل من " لوك " و " جفرسون "، والعديد من الآخرين الأخلاقيين والعقلانيين، فإن الحكومات تشكل من أجل حماية هذه الحقوق، هذا وقد أكد " لوك " في هذا الاتجاه أيضا، بأن شرعية الحكومات في الحقيقة قد أسست لتسهل أكثر الأعمال تأثيرا وهي فرض هذه الحقوق الأساسية، وأن الحكومات الشرعية وجدت بالتوافق، بينما الحقوق الأساسية لم تؤسس أو توجد بالتوافق .

خامسا : الحقوق الجوهرية مقابل الحقوق الإجرائية :

إن بعض الحقوق التي دخلت ضمن قائمة حقوق الإنسان عدّت حقوقا " جوهرية " وبعضها الآخر حقوقا " إجرائية "، والآباء المؤسسون لقضايا حقوق الإنسان، كانوا مهتمين جدا وبكل وضوح بهذين النوعين من الحقوق، والعمل على التمييز بينهما، لذلك كثيرا ما نجدهم يشيرون إلى أن الحكومات الشرعية وجدت أساسا لحماية الحقوق الجوهرية، ولكن أثناء ممارستها لهذه المهمة الحكومية، تكون بحاجة للإلتزام بإجراءات حقيقية لتحقيق مهمتها، فعلى سبيل المثال، لكي تحمي الحكومة الحقوق، وتحكم أو تفصل في الخلافات حول هذه الحقوق، يجب على الحكومة هنا أن توجد وتدرب أجهزة خدمة لهذه المهمة (قوات شرطة)، وهذه المسألة تدخل في مدار الحقوق الإجرائية، هذا وتحوز الحقوق الإجرائية على أربع سمات أساسية هي الآتية :

1-هي أقل أصالة من الحقوق الجوهرية .

2- هي حقوق عرضية .

3- هي تدل ضمنا على الواجبات الايجابية .

4- هي نتاج توازن المصالح .

الحقوق في الدولة التشا ركية :

ما يميز نشاط الدول ذات الطابع التشا ركي في القرن العشرين، مثل الدولة (الشيوعية) أو الدول ذات الطابع القومي العنصري، مثل، (النازية، والفاشية)، هو رفضها الفكرة الكلاسيكية للحقوق الليبرالية، حيث نجد أن كل أنموذج من هذه الدول يؤكد وفقا لاتجاهه الأيديولوجي، طبيعة أو صيغة الحقوق التي يطالب بها، فبالنسبة للشيوعية كان التركيز على حقوق الطبقة العاملة، ومواجهة الحقوق الفردية في صيغتها الليبرالية، وبالنسبة للنازية والفاشية، كان التركيز على حقوق العرق والأمة والمجال الحيوي، وبالنسبة لمهندسي دولة الرفاه، كان التركيز على مطالب الحاجات الاجتماعية بعمومها، هذا وأن كل هذه الأنظمة تقر بشرعية عيش الأفراد من أجل الدولة، ومعارضة الحقوق التي طرحتها الليبرالية الكلاسيكية، ثم نادرا جدا ما هاجمت فكرة الحقوق في حد ذاتها، بل هي في الحقيقة طرحت تعريفا جديدا لمفهوم " الحق " بالشكل الذي أفرغت منه معظم محتوى الحق في صيغته الليبرالية .

مصادر الحقوق :

سؤالان مشروعان يطرحان نفسيهما علينا هنا وهما : من أين تأتي الحقوق ؟، وكيف يمكن لهذه الحقوق أن تصان ؟ .

إن الآباء المؤسسين لمسألة الحقوق، اعتقدوا أن الحقوق الأساسية أو الجوهرية تأتي من الطبيعة، لذلك من هنا جاءت تسمية " الحقوق الطبيعية "، هذا في الوقت الذي اعتمدوا فيه أيضا على النماذج الأخرى من المفاهيم أو الرؤى العقلانية لحماية كلا الاتجاهين في الحقوق وهما، الجوهرية منها والافتراضية وهي التي تتضمن المذهب النفع، والقانون المشترك، ونظرية العلاقات الاجتماعية .

أما أهم مصادر هذه الحقوق فهي :

الطبيعة كمصدر للحقوق :

إن الحقوق كمطالب أخلاقية وشرعية، تعمل على محاصرة أعمال الحكومة والأفراد التي تتخذ ضد الفردية، أو ضد ما من شأنه أن يقوي أو ينمي تلك المطالب التي نهضت بداية مع الحقوق الطبيعية التقليدية في الفلسفة، فالفلاسفة أمثال " هوجو كروتيوس "Hugo Grotius ((1583 -1645)، و (سامول فون فبندوروف) (Samuel von Pufendorf) (1632- 1694)، والعديد من المشاهير أمثال (جان لوك) (1704- 1632 (، ناقشوا بأن الإنسانية قد حازت على حقوق أساسية أكيدة مثل حق (الحياة، الحرية، الملكية)، وهذه الأفكار قد أثرت في الحقيقة وبكل وضوح في الآباء المؤسسين، كما انعكست في بيان الاستقلال الأمريكي والعديد من الوثائق المتعلقة بحقوق الإنسان. ففي الوقت الذي نرى فيه العديد من المفكرين المبكرين بما فيهم " لوك " يعتقدون أن " الله " هو الذي منح هذه الحقوق، نجدهم أيضا يشيرون إلى أن الإنسانية امتلكت حقوقا أخرى حتى مع إبعاد فكرة أنها من عند " الله "، وبذلك استطاعوا عبر اكتشافهم لإمكانية استخدام القدرات الإنسانية للعقل، أن يمتحنوا حتى القوانين الطبيعية للكون .

إن مسألة الجدال الذي دار حول القوانين الطبيعية غالبا ما يتسع ليجذب إلى محيطه نماذج القوانين الأساسية، أو الجوهرية أيضا، مثل، حق الحياة، الحرية، والملكية، وأنه من السهل بمكان أن نرى كيف أن نظرية الحقوق الطبيعية قد توافقت مع الحقوق الافتراضية، لتدرج في قائمة الحقوق فضاءات حق الكلام، والدين، والاجتماع .

المنفعة مصدر من مصادر الحقوق :

تعامل الاتجاه الفلسفي الثاني من الجدال مع الحقوق الأساسية أيضا، حيث أكد دعاة هذا الاتجاه أن الحقوق الأساسية أو الطبيعية تكون ذات بعد حيوي، كونها تخلق الظروف التي تكمن تحتها السعادة، أو القاعدة العامة للرفاه بشكل متزايد، إضافة إلى ذلك، وبسبب، أن معظم الأفراد يعتبرون أنفسهم، هم الحاكم الأفضل لحاجاتهم التي تمثل متطلباتهم، رغباتهم، قيمهم، ومن ثم مجموع الرفاه الاجتماعي لهم، فإنه من المكن أن تتحقق هذه الحاجات وبشكل متزايد عندما يكون الشعب حرا في قراراته، ومستقلا عن تلك القرارات التي يصنعها شخص بمفرده، أو كتلة اجتماعية صغيرة تحركها منافعها الشخصية الضيقة . لذلك، ولكي تتحقق سعادة الإنسان ورغبته في العيش، من الضروري إيجاد مجال أو فسحة واسعة للاستقلال الذاتي داخل هذا الإنسان. فكل حكم للفرد نابع من إدراك الفرد بذاته (هو أو هي ) لطبيعة وأهداف عمله، يكون هذا الإدراك هو الأساس، أو المنطلق للحرية الحقيقية، وأي تدخل من قبل الآخر فرد كان أم حكومة في هذا (الحكم) المتعلق بالفرد، سيكون غير قانوني .

إن المنظرين القدماء لحقوق الإنسان، أمثال (لوك)، قدروا تماما ذاك الجدال الذي دار حول أهمية (المنفعة) كمصدر للحقوق، ففي نقاشه حول مسألة (الملكية) وجد " لوك " أنه عند السماح للناس في نقل ملكيتهم من الملكية العامة إلى الملكية الخاصة، فإن الجهد الذي وضعوه من أجل تحسين ملكيتهم عبر هذه الطريقة يهدف – برأيه – إلى إنتاج المنفعة للمجتمع بعمومه .

القانون العام مصدر من مصادر الحقوق :

يعتبر هذا المصدر الذي عرف واشتهر من قبل المؤسسين بـ (القانون العام)، قريبا في رؤيته من رؤية (الحقوق الطبيعية)، هذا ويمكن للقانون أن يقسم هنا إلى قسمين هما : القانون العام، والقانون الخاص، والقانون العام في سياقه العام وجد من قبل هيئات تشريعية، ويتألف من قوانين شرعية، أسست بدورها على أبنية دستورية. أما على مستوى القانون الخاص، فقد ارتقى عبر السياق التاريخي له كنتيجة للقرارات الرسمية المتعلقة بالمحكمة، أو للقرارات القضائية، في دوائر الملكية والاتفاقات القانونية بين الناس .

إن (القانون الخاص) صفة استخدمت لوصف عملية قانونية قديمة، عملت على تصوير وكشف أن أساس هذه العملية القانونية جاء تراكميا – قضية قضائية بعد أخرى – عبر التاريخ، وبذلك فإن الحكام الذين تعاملوا مع هذا القانون الخاص، لم يروا أنفسهم كخالقين لهذا القانون بقدر ما هم مكتشفين له، وبالتالي هذا الموقف دفعهم إلى تأييد مبدأ (القانون الطبيعي) الذي بموجبه يكون هناك قوانين طبيعية للتصرف تأصلت في الإنسانية نفسها، وبسهولة كبيرة، اكتشفت عبر ثورة العادات والتقاليد التجارية .

إن وظيفة أو مهمة حاكم القانون الخاص، كانت للنظر، أو بذل الجهد لكشف القوانين التي وجدت مسبقا، ثم تقديم أحكام جديدة تؤسس عليها.

 

العقد الاجتماعي مصدر من مصادر الحقوق:

لقد أدركت سلطات الدساتير التي انطلقت من حقوق الإنسان، ذاك الأثر العظيم لنظرية "العقد الاجتماعي" على الحقوق الفردية، وفي هذا الاتجاه ناقش الفيلسوف " توماس هوبس " بأن الحكومة الشرعية هي التي تؤسس على عقد اجتماعي بين المواطنين (الذين تعهدوا بإطاعة الدول)، وبين سلطة الدولة التي تعهدت بدورها مقابل تنفيذ المواطنين لتعهدهم أن تقوم بحمايتهم من الجريمة والاعتداء الخارجي)، هذا وللفيلسوف " جان لوك " وجهات نظر حققت تأثيرا واسعا على المؤسسين، حيث شرح مفهوم (العق) بين أعضاء المجتمع على انه وعد يتم فيه تبادل التخلي عن الحريات الحقيقية التي استطاع الأفراد قانونيا ممارستها في الحالة الطبيعية من أجل التزود با الأمان عبر الحكومة التي أنشئت بذاك العقد الاجتماعي . ثم أن كلا من " هوبس " و"لوك" وفي إدراك محدود جدا، ناقشا بأن المواطنين الحقيقيين اعتقدوا بضرورة الحفاظ على الحقوق الأساسية بمستوى يواجه عمل الحكومة .

إن المعرفة الأساس لنظرية العقد الاجتماعي، هي أن الحكومة ربحت شرعيتها من خلال موافقة المحكوم (الشعب) الذي حاز على حق تشكيل الترابط السياسي بين الطرفين (الحاكم والمحكوم)، وهذا الترابط أو الدمج، هو نفسه الذي أوجد الواجبات والقوة لكلا الطرفين، بينما نرى في الواقع أنه لاتوجد حكومة قامت من خلال عقد اجتماعي، وراحت تتطور عبر طريق ميثاق العقد الاجتماعي الذي فرض طاعة المواطنين للحكومة مقابل حمايتها لحقوقهم وتامين الاستقرار لهم، لذلك غالبا ما نجد تلك الاختراقات والتعديات على الحقوق غير المبررة إما من قبل المواطنين أنفسهم تجاه بعضهم بعضا، أو من قبل الحكومة نفسها التي تقوم بتجاوز سلطتها الشرعية باختراقها للحقوق الفردية .

من بين الفلاسفة الأكثر حداثة، يأتي الفيلسوف "جان راولز"   John Rawls، الذي أعطى حياة جديدة لنظرية "العقد الاجتماعي"، فبدلا من عرض الحقوق على أنها هدايا من الحكومة أو من (الله)، أو بدلا من كون أساسها المنفعة، أو العقل، وما يحققه هذا العقل من نتائج تتعلق بأسس هذه الحقوق، فهو يرى أن "العقد الاجتماعي" كأساس للحقوق، لم يكن عقدا اجتماعيا يوقعه الناس فيما بينهم، بقدر ما هو (اتفاق افتراضي) يريده الناس (العقلاء) الذين عرفوا بأنهم ذاهبون بالضرورة للعيش تحت ظل حكومة، غير أنهم لم يعرفوا إلى أين تقودهم مواقفهم الفردية. ففي هذه الحياة الحقيقية، كل واحد منا يعرف بأنه يحوز على ممتلكات، ومسؤوليات قانونية تتضمن في سياقها العام، الذكاء، القوة، الصحة، الدخل الوافر، وعلاقات أسرية .. الخ، وبهذه المعرفة كل واحد منا أيضا، يفضل هنا الميل بالضرورة نحو المؤسسات التي تحقق له منافعه الخاصة حتى ولو كانت بعيدة عن الحكومة وسلطتها .

 

What Is Classical Liberalism

by John C. Goodman

ترجمة (بتصرف): د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

adnan oayeedمدخل: تشكل الليبرالية التي تعود بجذورها إلى عصر التنوير، مجموعة متميزة من الأفكار المترابطة ونظريات الحكم، التي تعتبر الحرية الفردية منطلقا أساسيا ومهما للهدف السياسي والاجتماعي معا. ففي السياق العام، راحت الليبرالية تؤكد على تحقيق حقوق الفرد والفرص المتساوية للجميع في هذه الحياة. بيد أن هناك صيغا مختلفة من الليبرالية، قامت بعرض خطط وسياسات مختلفة على مستوى حقوق الإنسان أيضا، إلا أن مجموع هذه السياسات تقف في المحصلة عند نقطة دعمها بكليتها لمجموعة مبادئ شاملة تحوز على مساحات واسعة من حرية التفكير والكلام والممارسة، هذا وأن مجال نشاطها بشكل عام، هو، السلطات الحكومية وحكم القانون وحرية التغيير الفكري والمعتقد وحرية السوق الاقتصادية ونظام الشفافية للدولة .

إن القسم الأعظم من الليبراليين، وبعض المناصرين لليبرالية من الأيديولوجيين السياسيين الآخرين أيضا، يدعمون الخلاف أو التنوع الحاصل، أو الذي يحصل في طبيعة أو صيغ الحكومات المعروفة بالديمقراطية الليبرالية، والدعوة إلى الانفتاح على انتخابات عادلة، ينال فيها كل المواطنين حقوقهم العادلة وفقا للقانون .

لقد رفضت الليبرالية في جوهرها العديد من الافتراضات الأساسية التي سادت معظم النظريات المبكرة في حكم المجتمعات، مثل نظرية " الحق الإلهي للملوك " أي نظرية "الحق المقدس " ونظريات " الوراثة "، أو كل النظريات القائمة على مرجعيات أو أسس دينية، منطلقة في ذلك من إيمانها العميق بأن التقدم الاجتماعي أكد ويؤكد دائما بأن القيم التقليدية الموروثة، لم تستطع أن تحمل معها إلى الحاضر قيما وراثية ايجابية، أو تجارب، أو خبرات اجتماعية قادرة على التأقلم بشكل مستمر مع المنفعة العظيمة للإنسانية التي هي المكوّن المشترك للآيديولوجيا الليبرالية . هذا إضافة إلى أن الليبرالية تشارك أيضا وبقوة في مسألة الاعتقاد بأن المجتمع الإنساني يجب أن يكون دائما منظما، وبما يتفق مع الحقوق الفردية الثابتة والأكيدة للفرد والمجتمع .

توجد هناك مدارس ليبرالية عديدة تؤسس على مفاهيم مختلفة من حقوق الإنسان، ولكن يظل هناك من القواسم المشتركة المتعلقة بحقوق الإنسان ما يلاقي الدعم من كل الليبراليين، وهي التي تشمل حق الحياة والحرية والتملك .

بشكل عام، هناك تياران أساسيان من التفكير داخل الليبرالية التقليدية / الكلاسيكية تنافسا على استخدام مفهوم الحرية (liberal )، ودار بينهما صراع على العديد من القضايا المتعلقة بهذا المفهوم ومنها بشكل رئيس ما يشكله هذا المفهوم بالذات . فالتيار الأول داخل هذه الليبرالية التقليدية يعتقد مثلا، أن الحرية الوحيدة الحقيقية، هي القدرة على التحرر من الإكراه والجبر الذي يفرض على الفرد والمجتمع، وبالتالي فإن تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي ومحاولة التخطيط له يشكل قوة جبرية تحد من حرية الأفراد الاقتصادية، لذلك هم يرفضون تدخل الدولة في هذا الاتجاه، كما أنهم يعارضون " دولة الرفاه " . بينما نجد في التيار الثاني من هذه الليبرالية التقليدية ممن يدعوا إلى توسيع مجال الحريات الاجتماعية، ويؤكد على ضرورة أن تأخذ الدولة أي دوراً فاعلاً وقادراً على النهوض بحرية المواطنين، كما اعتقدوا بأن الحرية الحقيقية يمكن أن توجد فقط عندما يكون المواطنون في حالات ازدهار اقتصادي وثقافي ومتحررين فعلا من فقرهم المدقع، هذا إضافة إلى تفضيل هذا التيار وتأكيده على تحقيق حقوق التعليم والصحة والأجر المناسب للعامل، كما أنهم يفضلون سن القوانين التي تواجه التمايز في المسكن والعمل، وكذلك سن القوانين التي تواجه التلوث البيئي، والمساعدة على تحقيق الرفاه الاجتماعي والحد من البطالة وتقديم الإعانات والمنافع المادية للمشردين والمنكوبين من الكوارث البيئية .

 

الاستخدام اللغوي والتاريخي للمفهوم:

إن كلمة " حر " (liberal)، قد اشتقت من اللاتينية (liber)، ودلالتها اللغوية هي، حر وليس عبدا، هذا وقد تشاركت المفردة مع كلمة "الحرية" (liberty)، ثم مع مفهوم (freedom) .

في التاريخ الروماني للمؤرخ "ليفي"، ( . Livy)، يذكر في هذا التاريخ بأنه منذ بدء هذا التاريخ، كان النضال يدور فيه من أجل (الحرية) بين طبقتي (العامة) و (والخاصة)، أو ما يسمى الأشراف.

بعد السكون الذي ساد إلى حد كبير العصور الوسطى في أوربا، عاد الصراع من أجل الحرية ثانية مع عصر (النهضة) الايطالية، مجسدا بين مناصري حرية " دول المدن " من جهة، ومناصري "البابا" أو "الإمبراطورية الرومانية المقدسة " من جهة ثانية، فهذا " نيكولا ميكيافليي " ( Niccolò Machiavelli)، في مقال له عن المؤرخ " ليفي " يعرض مبادئ الحكم الشعبي. كما قام " جان لوك " (John Locke)، في بريطانيا، ومفكروا التنوير الفرنسي بتوضيح مجمل حالات النضال من أجل الحرية عبر مفاهيم " حقوق الإنسان " .

في القاموس الانكليزي " أكسفورد " (oed)، هناك إشارات تبين أن كلمة (liberal ) أي " الحر " قد وجدت في اللغة الانكليزية منذ وقت بعيد، وهي تحمل دلالات عدّة تتناسب مع الحرية، النبل، الكرم ... وكذلك وجدت مع الفنون " الفنون الحرة "، والتحرر من قيود الكلام والممارسة، هذا وقد استخدمت مفردة (liberal)، لدى الانكليز من قبل المعارضين للحكم،   وفي فرنسا استخدمت من قبل ما كان يطلق عليهم (المشاغبون أو الغرباء) .

مع حرب الاستقلال الأمريكية، تأسست أول دولة على مفهوم الحكومة الليبرالية، أي أن إدارة الحكومة قامت على الاتفاق الشعبي .

مع قيام الثورة الفرنسية، الكثير من المبادئ البرجوازية لهذه الثورة جربت لتأسيس حكومة تقوم أو تؤسس على مبادئ الحرية . فالاقتصاديون أمثال " آدم سميث " في كتابه (ثروة الأمة - 1776)، أعلن مبادئ الحرية التجارية . ومحررون الدستور الاسباني عام (1812) كتبوا أول مرة كلمة (liberal) في الدستور، وقد سمى هؤلاء المحررون أنفسهم بـ " الأحرار " معلنين معارضتهم تجاه القوة المطلقة للحكومة الملكية الاسبانية .

مع بداية القرن الثامن عشر، أصبحت الليبرالية الآيديولوجيا الرئيسة عمليا في كل البلدان المتقدمة المعروفة في عالم اليوم .

 

ميول ونزعات الليبرالية :

لاشك أن في نطاق مفهوم الليبرالية ودلالاته، هناك صراعات وجدالات عميقة، وغالبا قاسية بين الليبراليين، أما المنبثق من هذه الجدالات إلى خارج الليبرالية الكلاسيكية، فهو مجموعة من الميول المختلفة، ولكي لاتتشعب وتتعقد علينا الأمور كثيرا، سنحاول أن نتعامل مع بعض المفاهيم أو الميول الأولية التي تشير أو تدل بمجموعها في نهاية المطاف إلى المعنى العالم لليبرالية .

ففي السياسة: سنستخدم تعبير " الحرية السياسية " من أجل دعم الديمقراطية التحررية، إما في نطاق (الأنظمة الملكية الدستورية)، أو في نطاق (الدولة الجمهورية)،هذا إلى جانب (الملكية المطلقة) أو (الأنظمة الدكتاتورية) .

وفي الثقافة: سنستخدم " الثقافة الليبرالية "، وذلك من أجل دعم (الحرية الفردية) إلى جانب القوانين التي تسمح بالحرية الدينية والفكرية .

وفي الاقتصاد : " سنستخدم الحرية الاقتصادية "، وذلك من أجل دعم (الملكية الخاصة) إلى جانب دعم (التنظيم الحكومي) و(الحريات الاجتماعية) و(المساواة أمام القانون) والوقوف إلى جانب دعم (الدولة) لتخفيف آلام الناس الناتجة عن الفقر والكوارث الطبيعية .

إن الليبرالية في نهاية المطاف إذن تعني، اختلاط أو امتزاج هذه الصيغ من الحرية التي جئنا عليها هنا، والتي راحت تتأسس في معظم العالم المعروف بالمتقدم، أما رهانات هذه الليبرالية فهي الدولة التي تستطيع أن تكون قوية، إلا أنها مقيدة – وقوتها بسبب إكراهها للشعب -، ومع ذلك هي قادرة على تحقيق الكثير من متطلبات الشعب مثل حق التعليم، تكافئ الفرص، الكرامة الشخصية، وكل ما من شأنه أن يحقق نمو ورقي وإبداع وإنتاج الإنسان، الفرد والمجتمع، ولضمان كل هذه المتطلبات أو الحقوق راح الليبراليون يدعمون الدور الواسع للدولة في المجتمع والاقتصاد، أما القوة الموازنة أو المعادلة للدولة، فتأتي هنا عبر الضمانات القوية للحريات المدنية من خلال استقلال الصحافة،والتعددية الاجتماعية وغيرها من الحريات الفردية والاجتماعية .

Liberalism

Paul Starr

From Wikipedia، the free encyclopedia

ترجمة : د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

hamoda ismaeliإن تهديد الأطفال بالعقاب الإلهي، بأن الله سيحرقهم في الحجيم أو عذاب القبر أو سينزل عليهم اللعنات إذا قاموا بتصرفات معينة، يعتبر عداوانا ممارسها على طفولتهم، وطريقة مزرية لتربيتهم طالما أنها تعتمد على ملئ عقول الأطفال ـ القابلة لتصديق أي شيء ـ بالسيناريوهات المخيفة عن الوجود والحياة، تعيق نموهم العقلي والنفسي. زيادة عن تخويفهم من تربص الشياطين أو الجن والعفاريت بهم، كهلاوس تطاردهم حتى عندما يكبرون، تشكل صعوبات أمام تحليل منطقي لواقعهم وتحمّل مسؤوليات تصرفاتهم.

تقول هيباتيا (الفيلسوفة الاسكندرانية): الخرافات يجب النظر إليها كخرافات، الأساطير كأساطير، والمعجزات كأوهام شاعريّة، تعليم الخرافات على أساس أنّها حقائق هو أسوء شيء. عقل الطفل يقبل ويؤمن بها، ومن خلال ألمٍ عظيمٍ فقط وربما مأساة يستطيع الطفل بعد سنين أن يتخلص منها.

لا تجبروا اولادكم على عاداتكم فقد خلقوا لزمان غير زمانكم .. كما يقول الإمام علي ابن أبي طالب.

تقول الإخصائية النفسية جيل ميلتون (وهي تُعنى بمعالجة من عانوا نتيجة التخويف الديني والتربية المتشددة بالطفولة): "عندما أعود لطفولتي، أتذكر أنها كانت محكومة بالخوف، الخوف من استهجان الآخرين وبالوقت نفسه الخوف من العذاب الأبدي. فبالنسبة للطفل، تُعتبر صور العذاب والنار والعقاب، مشاهد حقيقية وليست فقط مجرد تشبيه خيالي". وتضيف أن : "تربية الطفل بعيدا عن التفكير الحر وممارسة النقد واتخاد القرارات، يظل بالنسبة لي شكل من أشكال العدوان الممارس على عقلية الطفل ونفسيته".وحينما سألها ريشارد دوكنز (أثناء حواره معها بأحد برامجه الوثائقية): "ماذا قالوا لك عن الجحيم (يقصد بطفولتها)؟ أعني ما الذي يحدث فيها؟".

أجابت : "إنه من الغريب أنه بعد مرور كل هذا الوقت (بعض خصلات شعرها تخللها البياض نتيجة السن) لازِالتُ أتأثر عندما تطرح علي مثل هذا السؤال. الجحيم طبعاً مكان مرعب، هناك النبذ التام من الله، إنها محاكمة كاملة ونار حقيقية، عقاب حقيقي وعذاب حقيقي، يستمر للأبد ولا مجال للفرار من ذلك".

وحتى بداخل الحقل الديني، فقد كشف مرة يوسف القرضاوي عن انزعاجه من مثل هذه الأمور (بأحد برامجه التي تبثها قناة إخبارية)، وذلك عندما اشتكى له أحدهم من أن ابنته (وهي شابة وليست طفلة) تعرضت لأزمات نفسية حادة نتيجة مشاهدتها لشريط عن عذاب القبر، وقد عبّر ساعتها (بانفعال) على أنها مجرد أوهام : "إيش أفاعي وإيش ثعبان وأيُّ سُخفٍ هذا !". لكنه بالمقابل نجد مرضى ساديين يستمتعون بانتاج مواد تدمر عقل الإنسان البالغ رُعباً (فما بالك بطفل). الناس تستكشف أعماق البحار و سراديب الأهرامات لتقديم إيضاحات عن العالم، والبعض يغطس بحُفر أرضية مُشوّهة ويُبلِغُك بأنها ستصبح إما فيلات أو زنزانات تعذيب أبدية، لكن ألم يصل إلى مسامع هؤلاء الحمقى أنه ليست كل الجثث تُدفن، فهناك التي تُحرق، وهناك التي تختفي دون أثر (مثل غرقى البحار وضحايا الكوارث). فكيف نفسر هذا الأمر؟ أم أن الأشباح ستطاردهم بحثا عنهم لإجل إعادتهم للإقامة الجبرية؟! . عالم لا زالت تسكنه الشياطين ! .

لسنا ضد انتاج خطابات وشرائط مرضى الدين العصابيين، لكن يجب النظر إليها كقصص دراكولا أو قصص فُلّة والأقزام أو الشبح كاسبر (رغم أنها لا ترقى لمستواها)، وليس الأخد بحرفيتها وواقعيتها كحقيقة !! .

يقول أوشو (فيلسوف ومتصوف هندي) : "الخوف جعل ملايين الناس ينحتون الحجارة على شكل آلهة ويعبدونها. لا حبا بها، بل خوفا منها. لقد صنعوا آلهتهم بأيديهم وخافوا مما يصنعون، وهكذا صار الخوف مقرونا بالله، بينما الله الحقيقي مقرون بالمحبة والتسامح. ما لهؤلاء الناس يزرعون الخوف في أنفسهم؟ إنه الغباء القاتل. لماذا يبحثون عن الله في الحجارة والخوف؟ لماذا لا يبحثون عنه في المعابد والكنائس والجوامع؟

لا تذهب إلى حيث يقودك الخوف، بل إلى حيث يقودك الحب، إلى حيث تجد الغبطة والنعمة. إياك والخوف، إنهم يريدونك أن تخاف. هذا هو إلههم، إله الخوف والرعب، حتى جنتهم أقرب إلى جحيمهم. لماذا؟ بسبب الخوف المزروع في نفوسهم".

يجب النظر للترهيب الديني للأطفال كعدوان مُمارس على طفولتهم، واعتباره من أسوأ أساليب السيطرة عليهم، ومنهج تربوي فاشل وسادي.

jawad albashiالبابا فرانسوا (الكاردينال الأرجنتيني خوري ماريا برغوليو، والذي خَلَف البابا بنديكتوس السادس عشر) نَسَفَ منظومة كاملة من المعتقدات الراسخة في الديانة الكاثوليكية إذْ قال، على وجه الخصوص، إنَّ جهنَّم لا وجود لها، وإنَّ قصة آدم وحواء أسطورة، وإنَّ الأديان جميعاً صحيحة، وإنَّ "الحقيقة الدينية" تتغيَّر وتتطوَّر، وإنَّ الرَّبَّ نفسه يتغيَّر ويتطوَّر، وإنَّ بعض أجزاء الإنجيل عفى عليها الزمن.

البابا فرانسوا هو الآن، وبشهادة "أقواله الثورية" تلك، يقود ثورة إصلاحية دينية لا تَقِل أهميةً (إنْ لم تَزِدْ) عن ثورة مارتن لوثر وكالفن؛ ولسوف يمتد تأثيرها إلى سائر الأديان السماوية؛ لأنَّ كثيراً من المعتقدات الجوهرية المشترَكَة بين هذه الأديان هو المشمول بالهدم (وإعادة البناء) الذي بدأه البابا.

من أين يستمد البابا فرانسوا "الشرعية الدينية (والسماوية)" لكلامه الديني الثوري الجديد، والذي استهلَّ به ثورته الدينية الإصلاحية؟

أجاب البابا قائلاً: من طريق "البحث الروحي" و"التأمُّل" و"الصلاة".. توصَّلْنا إلى، واكتسبنا، "فَهْماً جديداً لبعض العقائد". وبابا الفاتيكان هو (مع مؤسسته) مرجعية دينية لمئات الملايين من المؤمنين المسيحيين الكاثوليك؛ فـ "القاعدة الشعبية" لا تُجادِل، على وجه العموم، في صواب وصدق ما ينطق به.

البابا مُحِبٌّ لـ "الحقيقة"؛ لكنَّه لا يرى من طريق إليها إلاَّ طريق "المثالية"، بوجهيها الفلسفي والديني؛ فإنَّ سؤالاً من قبيل "لماذا قاد البحث الروحي والتأمُّل.. الآن، وليس من قَبْل، إلى هذه المفاهيم الدينية الجديدة؟" لا يثور، ولا يمكن أنْ يثور، في ذهنه؛ لأنَّ إجابته تُلْزِمه أنْ يَفْهَم ضغوط الواقع الموضوعي على أنَّها مَصْدَر التغيير للأفكار والمعتقدات التي تسري في أدمغة البشر، وفي دماغه هو أيضاً.

ثمَّة مشكلة كبرى أراد البابا حلها؛ فإنَّ كثيراً من المؤمنين الكاثوليك تُرْغمهم (وتُكرههم) مصالحهم الدنيوية الواقعية على العيش بما يُناقِض كثيراً من المفاهيم الأخلاقية المسيحية، وبما يُناقِض، أيضاً، كثيراً من المعتقدات الراسخة في الديانة الكاثوليكية؛ فتضيق بهم، من ثمَّ، الكنيسة، أو يقوى لديهم الميل إلى هجرها، والنأي بأنفسهم عنها.

إنَّهم منغرسون (عن اقتناع أم عن اضطِّرار) في نمط حياة يناقِض كثيراً من المعتقدات الدينية الكاثوليكية؛ فلمَّا باءت بالفشل كل جهود ومساعي المؤسسة الدينية (الفاتيكان) لإعادتهم إلى "الطريق القويم"، استخذت هذه المؤسسة لحقائق الواقع العنيدة، وقرَّرت أنْ تتغيَّر هي فكرياً وعقائدياً بما يجعلها أكثر تصالحاً مع هذه الحقائق وجماهيرها؛ أمَّا الغاية فهي استعادة المؤسسة الدينية ما فقدته من "نفوذ شعبي روحي".

البابا يقول الآن لذوي الميول الجنسية، الملعونة دينياً من قبل، وللمثليين جنسياً، ولمؤيِّدي الإجهاض، وللمحافظين والليبراليين والشيوعيين والملاحدة، ولغيرهم: أبواب الكنيسة مفتوحة لكم على مصاريعها؛ أنتم، وعلى الرغم مما أنتم عليه من أحوال فكرية ومعيشية وسلوكية، ما زلتم مؤمنين مسيحيين؛ وإيَّاكم أنْ تظنُّوا أنَّكم قد غدوتم مارقين من الدين؛ فالمعتقدات الدينية الجديدة والصحيحة تَتَّسِع لكم، وبما أنتم عليه؛ نحن اليوم (أي الفاتيكان) ما عُدْنا قضاة؛ نحن الأب المُحِب لأبنائه جميعاً؛ وهذا الأب لا يدين أبناءه؛ نحن اليوم قومٌ "حداثيون" و"عقلانيون"، "منفتحون" و"نكره التعصُّب".

إنَّها دعوة إلى تحويل "الكنيسة" من "حزب حديدي (صخري في وحدته)" إلى "حزب ليبرالي" يتَّسِع لجمهور أوسع من المسيحيين، فيَتَّسِع، من ثمَّ، نفوذه الروحي الشعبي.

حتى الخوف من "جهنَّم"، ومن "كل عقاب قاسٍ في الآخرة"، نزعه البابا من القلوب، إذ قال إنَّ الرَّب محبَّة، حبه لأبنائه، أو للبشر جميعاً، لا يحده حد؛ وإنَّ "جهنَّم"، من ثمَّ، تُناقِض هذا الجوهر الإلهي؛ فالرَّب ليس قاضياً، ليس جلاَّدا، ليس مُعذِّباً لأبنائه ولو كانوا من القوم الكافرين؛ إنَّه يحنو عليهم، ويحتضنهم، جميعاً.

ولقد اكتشف البابا من طريق "البحث الروحي" و"التأمُّل" و"الصلاة".. أنَّ "جهنَّم" هي كناية عن "الروح المعزولة"، والتي ستتَّحِد، في آخر المطاف، كما النفوس جميعاً، في محبَّة الله.

حتى الملحد رآه البابا مؤمناً بالله؛ فالملحد، على ما اكتشف البابا، يكفي أنْ يعمل الخير حتى يكون مؤمناً بالله، وإنْ أنكر ذلك بقوله ولسانه.

هل من دين باطل، أو غير صحيح؟

البابا فرانسوا يجيب قائلاً: كلاَّ، ليس من دين باطل، أو غير صحيح؛ فكل الأديان "صحيحة، وعلى حق؛ لأنَّها كذلك في قلوب الذين يؤمنون بها".

وهذا إنَّما يعني أنَّ الإسلام (مثلاً) هو، في المعتقد الجديد للبابا، دين صحيح؛ أمَّا السبب فيكمن، بحسب المعتقد نفسه، في كَوْن المسلمين يعتبرونه صحيحاً؛ فـفي "القلب" يستوطن "الرَّب"، ومعه تستوطن "الحقيقة"؛ فإذا آمن قوم بما تعتقده قلوبهم، فهذا الإيمان صحيح.

إنَّ البابا فرانسوا يُوسِّع "نسبية الحقيقة"، بمفهومها الآينشتايني، ليجعلها تشمل أيضاً "الحقائق الدينية"؛ فـ "الحقيقة"، بمفهومها البابوي الجديد، ليست ما يفكِّر فيه موسوليني الآن؛ وإنَّما ما تؤمن به، وتعتقده، "القلوب". قَلْب اليهودي يقول له إنَّ اليهودية هي الدين القويم، وقَلْب المسيحي يقول له إنَّ المسيحية هي الدين القويم، وقَلْب المسلم يقول له إنَّ الإسلام هو الدين القويم؛ أمَّا البابا فرانسوا، وعملاً بمبدأ "نسبية الحقيقة"، فيقول: إنَّكم جميعاً على صواب، وإنَّ الأديان جميعاً صحيحة، وعلى حق.

هل "الحقائق الدينية" ثابتة مُطْلَقة، لا تتغيَّر، ولا تتطوَّر؟

البابا يجيب قائلاً: إنَّها تتغيَّر وتتطوَّر في استمرار. وبعد أنْ يصف الإنجيل بأنَّه "كتاب مقدَّس جميل"، يُعْلِن البابا، وفي جرأة غير عادية، أنَّ بعض أجزاء هذا "الكتاب المقدَّس الجميل" قد عفى عليها الزمن (أي شاخَت، وتقادم عهدها).

وأخيراً، بلغت ثورة البابا فرانسوا منتهاها؛ فهو سرعان ما انتقل من آينشتاين إلى هيجل، قائلاً إنَّ الرَّبَّ نفسه لا يشذ عن ناموس التغيُّر والتطوُّر؛ فهو في تغيُّرٍ وتطوُّرٍ مستمرين.

وعلَّل البابا تطوُّر الرَّب قائلاً: إنَّ الرَّب يسكن فينا، وفي قلوبنا؛ ونحن البشر في تطوُّر مستمر؛ ولا بدَّ للساكن فينا، وفي قلوبنا، من أنْ يتطوَّر بتطوُّرنا.

لقد استنفدت البشرية زمناً طويلاً للتسليم بفكرة التطوُّر التاريخي للإنسان؛ أمَّا البابا فرانسوا، أو هيجل الفاتيكان، فشرع يؤسِّس لفكرة التطوُّر التاريخي للرَّبِّ نفسه؛ لكنَّه لم يُجِبْ بما يكفي من الوضوح عن السؤال الفلسفي العظيم الآتي: هل تطوُّرنا نحن البشر (مع مجتمعاتنا) هو انعكاس لتطوُّر الرَّب الساكن فينا، وفي قلوبنا، أم هل تطوُّر الرَّب نفسه هو انعكاس لتطوُّرنا نحن البشر؟

البابا كاد أنْ يقول: كما تكونوا، يكون الرَّب!

 

adnan oayeedالعقلانية مفهوم استخدم في الفلسفة واللاهوت، بعيدا عن أية صيغة منهجية كانت، بغية احترام عقل الإنسان كمعيار نهائي، ومصدر رئيس للمعرفة، هذا مع المعرفة المسبقة أن مثل هذه الموقف المنهجي العقلاني في تحديد مفهوم العقلانية، سيتعارض بالضرورة مع كل العقائد التي استندت بشكل كامل على الرؤى المطلقة. فالفرد وفق هذا الموقف المنهجي أو الرؤية العقلانية، يجب عليه أن يبحث أو يتحقق عن كل شيء بنفسه، وهذا يتطلب منه في المحصلة أن يتخلى عن أي موقف - حتى ولو كان قانونيا أو شرعيا - غير قادر من خلاله أثبات عقلانية هذا الموقف. هذا وأن جوهر العقلانية في طبيعة الحال يكون متزامنا مع تطور الإنسان ذاته، وأن الدين نفسه ابتدأ أساسا كمحاولة عقلانية من أجل تحقيق العلاقات الودية ما بين الإنسان وقوى الطبيعة ذاتها غير المدركة أو المعروفة أسرارها آنذاك من قبل الإنسان، لذلك فكل ديانة من الديانات الميتة تلاشت في الحقيقة بعد أن كشفت أسرار وجودها، أي عوامل إنتاجها .

بيد أن تيار العقلانية قد كسب الكثير من العلاقات والارتباطات مع التفكير الحديث،. وفي حالات استخدامه الشائع وارتباطاته، غالبا ما واجه التيار العقلاني ودعاته كل الذين أعلنوا قبول تطبيق سلطة الكتاب المقدس كمدوّن معصوم وموحى به كرؤى صالحة لكل زمان ومكان. كما ترادف –أي التيار العقلاني- أيضا وبشكل عملي مع التفكير الحر، مع التنويه هنا، بأن هذا الأنموذج من العقلانية راح يؤسس بشكل واسع على نتائج البحث التاريخي والأركولوجي الحديث. فقضية الخلق في كتاب سفر التكوين ‘ترى من خلال هذا المنهج العقلي، عبر قراءة السجل الزمني لهذا السفر،أي عبر تاريخيته، حيث شكلت مسألة الخلق قيمة شعرية ورمزية اكتشفت عبرها الحضارات المتمدنة والأكثر أهمية في قدمها، ومن جهة أخرى، إن دراسة الدين المقارن قد وضعت الكتاب المقدس في علاقة حميميّة مع الأدب القديم أيضا، وذلك لما احتواه من أحداث ذات طابع قصصي، الأمر الذي جعل من الكتاب المقدس وفق هذا التصور العقلاني أقدم وثيقة أدبية .

إن الكتاب المقدس، وبالخصوص، العهد القديم (التوراة)، أُعتبر حتى من قبل المسيحيين الأرثوذكس ومن وجهة نظر عقلانية، مختلف جدا في تفسيره ما بين مراحل الكنيسة المبكرة والوسطى، فالعقلانية داخل الكنيسة المسيحية تختلف، ومع ذلك ظلت العقلانية تيارا فكريا اشتغل إلى حد ما على توضيح الحقائق الأساسية للعقيدة المسيحية. أما العقلانية المتطرفة على الجانب الآخر من المسألة، فقد أنكرت بشكل قطعي القوى الخارقة للطبيعة، ومع ذلك إن كانت هذه القوى موجودة أم لا، فهي تشكل مواضيع معرفة إنسانية .

إضافة إلى الصعوبات المتعلقة بالكتاب المقدس على اعتباره سجلا تاريخيا، وعلى الأخص بالمسائل الأدبية (القص) الظاهرة في النص المقدس، ثم لمجموع الانتقادات الأخرى التي وجهت إلى النص عبر تيار العقلانية بشقيه المعتدل والمتطرف، فإن المفكر الحديث ينكر بأن مسيحية العهد الجديد، أو تفسير هذا العهد من قبل اللاهوتيين الجدد قادر أن يقدم نظرية واضحة عن حياة الإنسان وواجباته، أو حتى جزءاً من الاستخدام العام للعقلانية باتجاه الدين خصوصا.

إن العقلانية الفلسفية هي ذاتها نظرية معرفة تحافظ على أن يكون العقل في ذاته وبذاته مصدراً للمعرفة، وأن تلك المعرفة المتحصلة هنا عبر هذا العقل، تمتلك سلطة جد عالية على المعرفة المتحصلة عن طريق الإحساس. وهذا الرأي يتعارض في الحقيقة مع العديد من المناهج الفكرية المختلفة التي تعتبر العقل في نشاطه المعرفي هذا وكأنه (قرص مدمج)، والعالم الخارجي في داخله يطبع نفسه عبر الإحساس. (نظرية المثالية الذاتية– المترجم) . هذا وأن مسألة التناقض مابين النظرية العقلانية (في صيغتها المثالية الذاتية – المترجم) والنظرية الحسية تبدو قضية مجردة وبسيطة جدا، وكثير من المفكرين قد أقر بهاتين النظريتين، حيث دعي هؤلاء بالفلاسفة العقلانيين الحسيين، ووفقا لذلك راحوا يؤكدون بشكل خاص على وظيفتي العقل والإحساس في المعرفة .

بشكل عام، إن العقلانية الفلسفية تعارض هنا النظريات التجريبية في المعرفة، هذا في الوقت الذي اعتبرت فيه –العقلانية الفلسفية- إلى حد ما أن المعرفة الحقيقية قد نتجت عن المفاهيم الأولية الأصيلة، (نظرية المثالية الموضوعية - المترجم)، وهذا الموقف الناقد للعقلانية الفلسفية، قد طرح من قبل " ديكارت " و" ليبنتز " و"وولف " وقد أسس على قاعدة أساسية لـ " ديكارت " مفادها، بأن المعرفة يجب أن تكون واضحة، وتمارس البحث من أجل أن تقدم للفلسفة اليقين، كما تقدم أيضا تلك السمعة أو الصيت الطيب عن الرياضيات.

أما الهجوم على العلاقة السببية التي قادت بشكل مباشر إلى العقلانية الجديدة لـ " كانت " فقد انطلق من " دافيد هيوم "، الذي قال بأنه من الخطأ اعتبار الفكر مجرد تحليلات مجردة، فالمفاهيم الأولية تكمن هناك، أي في الفكر المجرد، ولكن إذا كانت هذه المفاهيم ستُضخم أو تُفصل أكثر في نطاق المعرفة، يجب إخضاعها للنقد، أو بتعبير آخر ربطها بالمعطيات النقدية .

هذا وأن مفهوم العقلانية في الوعي اللاهوتي الضيق، قد استخدم بشكل خاص العقائد التي استخدمت من قبل مدارس اللاهوتيين الألمان، ومدرسي الكتاب المقدس الذين اشتهروا بالقسوة ما بين أعوام / 1740 – 1836 /، ومع ذلك اعتبرت هذه العقلانية بمظهرها اللاهوتي داخل الكنيسة في ذلك الوقت تيارا فكريا تنويريا، عرف بـ (audklarung) . بيد أن جوهر المشكلة الصعبة، كانت مسألة العقيدة الخارقة للطبيعة .. مسألة طبيعة العلاقة بين ما يوحى به والدين الطبيعي .

لقد اعتبر " ج – س – سيملير " (J. S. Smeller )، وهو أول قائد عقلاني، أن الدين الحقيقي ينبع من الروح الفردية، وهاجم سلطة الكتاب المقدس بروح نقدية عالية، وقد وصل إلى قناعة راسخة بأن الكتاب المقدس بالنسبة له يعتبر بكل بساطة واحدا من الوثائق القديمة، علما أنه لم يطعن في الكنيسة، بل اعتبرها شيئا نافعا استطاعت حفظ وحدة المجتمع الخارجية وهذا الموقف الفكري تبناه الكثير من المفكرين الأوربيين، ويأتي في مقدمتهم الفيلسوف المفكر " كانت " حيث قام بعرض هذه الفكرة على المستوى الفلسفي .

إن التيارين العقلانيين العظيمين في اتجاهيهما النقدي والفلسفي قد تعايشا في النهاية مع بعضهما، أو بتعبير آخر ترافقا مع بعضهما بعضا، بيد أن الملفت للنظر هو أن هذه العقلانية قد أطلق عليها " العقلانية البذيئة أو المبتذلة أو الساذجة " في فترة زمنية من تاريخ الفكر الأوربي امتدت من عام /1800   إلى 1833 .

 

rationalism

by:Louis Gustave- Ratisbonne

ترجمة :د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

adnan oayeedإذا نظرنا إلى الواقعية كرؤى أو مواقف ذهنية (عقلانية) تؤمن بدور التجربة والخبرة الاجتماعية في معرفة حياة الإنسان وما يحيط به من ظواهر عبر تاريخه الطويل، فسنجد إرهاصتها الأولية لدى كثير من الشعوب، ممثلة في أقوال بعض منتجي أساطيرها، أو لدى حكمائها الأولين، كما هو الحال مثلاً في رد " أناناتبشم" على "جلجاميش" في (ملحمة جلجاميش) عندما اشتكى "جلجاميش"  لـ " أنانا تبشم" عجزه في إيجاد سر الخلود بعد ان بحث عنه طويلاً، حيث قال له "أناناتبشم" مواسياً: (متى بنينا بيتاً دام إلى الأبد!؟، ومتى صنعنا ختماً دام إلى الأبد..!؟.). فمثل هذه المقولات الدالة على دور التجربة والخبرة في معرفة طبيعة الحياة وقوانين تطورها وتبدلها، كثيراً ما نجدها في ملاحم الشعوب القديمة وأساطيرها كما أشرنا.

أما إذا نظرنا إلى الواقعية كموقف فلسفي، فيبدو أنها جاءت عبر سياقها التاريخي كرد فعل على الفلسفة المثالية التي كانت تمجد المطلق والمجرد والغيبي والجبري والمستبد، والمؤمنة بكل تياراتها بأن الواقع يأتي بعد الفكرة التي تعتبر منبع الحقيقة مهما يكن مصدر هذه الفكرة (ما وراء الطبيعة – الروح- الفطرة - البنية النفسية - العقل المجرد..الخ.). فالفلسفة المثالية - في نظرتها إلى العالم الخارجي والإنسان، تخالف في الحقيقة الفلسفة الواقعية التي تؤمن بالنسبي والملموس والعياني وحرية الاختيار. وأن الواقع المادي المحسوس عندها هو مصدر الحقيقة، وأن الحواس هي أداة المعرفة، أو الوسيلة التي توصلنا إلى هذه الحقيقة.

عموماً إذا كان " أفلاطون" هو مؤسس المدرسة الفلسفية المثالية، التي تأثر في أفكارها، أو قال بما يؤيدها، أو يقاربها فيما بعد، العديد من  الفلاسفة والمفكرين، أمثال جورج باركلي، ودافيد هيوم، وكانت، وأبو حامد الغزالي، وغيرهم الكثير أيضاً ممن آمن بالتأمل العقلي واعتقد بأن عالم الفكر يسبق عالم الواقع. فإن "أرسطو" يعتبر رائد الواقعية كتيار فلسفي، حيث جاء فيما بعد أيضاً، العديد من الفلاسفة الذين أسسوا على أفكاره ، أو قالوا بما يقاربها أو شبيهاً بها، أمثال القديس توما الأكويني، وفرانسيس بيكون، وابن رشد، وابن حزم ، وابن خلدون، وجون لوك، وديكارت وغيرهم الكثير من الذين كانوا واقعي النظرة، وتجريبي النزعة، ويقرون بأهمية الإحساس في تشكيل المعارف للوصول إلى الحقيقة. مثلما كان لمسألة الربط بين العلم والتطبيق العملي، وللتربية في نظر بعضهم الدور الكبير والفاعل في إعداد الفرد لحياة سعيدة، ، وبمثل هذه المواقف الفكرية التي آمنوا بها، جاء الواقع عندهم سابقاً على الفكر.

الفلسفة الواقعية إذاً، هي التي تقر في المحصلة بأن معرفتنا بحقائق الواقع تتزايد بالاكتشاف والتحليل الموضوعي والتفسيرات العلمية، فالظواهر تسير وفق قوانين طبيعية/ موضوعية، ودور الإنسان فيها هو الكشف عن هذه القوانين والتحكم بها وتسخير آلية عملها لمصلحته.

 

مبادئ وأسس منهج الفلسفة الواقعية المعاصرة:

في عصرنا الحاضر وأمام ما انتاب الحقيقة عموماً والفكر وتياراته على وجه الخصوص من ضياع وتهميش وتداخل تحت ظل النظام العالمي الجديد، وأهمها ذاك التداخل الذي حصل لتيارات الحداثة بكل تجلياته والفلسفة العقلانية من ضمنها، مع تيارات ما بعد الحداثة، ممثلة بموت ونهاية كل شيئ (الفن، الأدب، الفلسفة، الأخلاق، الدين وغير ذلك من مفردات الحياة)، ليتشكل تياراً فكرياً هجيناً (ما بعد حداثوي)، غابت فيه ملامح العقلانية والمثالية معاً، لتسود فيه رؤى فكرية يغلب عليها طابع الفوضى الفكرية، والعبث، واللامعقول، والتجزيئية، واللاأدرية، وعدم الإيمان بجدوى القيم الأخلاقية الجوهرية، والتمسك بالشكلي، والدعوى إلى النمذجة التي تحاول أن تجعل من الظاهرة، وفي مقدمتها الإنسان، ذرة معزولة عن غيرها من الظواهر ليس لها لون أو طعم أو رائحة، إلا لون وطعم ورائحة ما يخدم مصالح قادة هذا النظام الكوني الجديد.. الخ.

من هنا وأمام مواجهة هذه الحالة من اللامعقول، وبخاصة ما يمارس اليوم تجسيداً عملياً لكل هذا اللامعقول في سورية ومصر وليبيا والعراق من قبل قوى الظلام ومن يساندهم على الساحة العربية والعالمية، يفرض علينا المنطق والواجب تجاه إنسانيتنا، ضرورة التمسك بما هو إيجابي وعقلاني، وإعادة إنتاج ما من شأنه أن يعيد إنتاج إنسانيتنا، وبخاصة الفكر التنويري بعد تنقيته من جراثيم ما بعد الحداثة، ونفض غبار الجهل عنه، وكل ما اعتراه من  تفاهات فكرية هدامة وتخريبية تريد النيل من جوهر الإنسان، والعودة به مع  حواملها الاجتماعية إلى حياة العصور الوسطى، عصور الظلام والجهل وأهل الكهف،هذا ويأتي في مقدمة الجهود الايجابية التي يجب أن تبذل الآن من أجل إعادة الإنسان إلى جوهر إنسانيته، هي رد الاعتبار للفلسفة العقلانية أو الفكر التنويري، ومحاولة إغنائه برؤى فكرية جديدة تضفي عليه طابعاً أكثر عقلانية وعلمية تتناسب وتحديات المرحلة الراهنة، منطلقين من إعادة التأسيس لمبادئ وقواعد أكثر علمية وعقلانية لفلسفة واقعية معاصرة تتناسب وطبيعة التحديات المعصرة، يمكننا تحديد أهمها بالتالي :

1 - إن للظواهر قوانينها الخاصة بها والتي تتحكم بآلية عملها، وهي موجودة بشكل مستقل عن الإنسان – أي الظاهر - تؤثر فيه ويؤثر فيها، وتأثيره فيها يأتي بعد ملاحظتها واكتشاف قوانينها وآلية عملها.

2- إن الإنسان في طبيعته ليس ضرورة فحسب، بل وحرية أيضاً، وهنا تكمن استقلاليته النسبية عن الضرورة وبقية الظواهر الأخرى المحيطة به، وقدرته على التحكم فيها وتسخيرها لمصلحته.

3- الظاهر بمجموعها ومن ضمنها الإنسان ذاته، ليست ثابتة جامدة في معطياتها، بل هي في حالة سيرورة وصيرورة دائمتين، أي هي في حالة حركة وتطور وتبدل وتشكل دائم، وهذا بالتالي ما يمنحها نسبيتها وينفي إطلاقيتها، ويؤكد أن حقيقتها تقوم دائماً على معرفة ناقصة.

4- الفلسفة العقلانية المعاصرة لا تؤمن بوجود قوى فطرية موروثة خلقت مجردة عن تاريخ الإنسان قبل الولادة، بل تؤكد على أن الإنسان محكوم بتأثير البيئة الطبيعية والاجتماعية على تفكيره وسلوكياته، دون أن تنكر أن هناك استعدادات وراثية أولية لعبت فيها تلك الظروف الدور الأساس على وراثة الإنسان .

5- الفلسفة الواقعية المعاصرة تؤمن بأن الفرد هو أساس الكيان الاجتماعي، وأن المجتمع ما هو إلا مجموعة الأفراد، وعليه فإن حرية الفرد لا يمكن لها أن تتحقق إلا في حالة تمتع الفرد بجميع الامتيازات والحقوق الخاصة، وهذا لا يتم إلا بانعتاق الإنسان وتخليصه من كل ما يعيق تطوره وتطور المجتمع معاً، وذلك عبر تجاوزه للكثير من المحرمات السلبية التي يفرضها المجتمع والدولة معاً على تفكيره وتصرفاته.

6- لا تقر الفلسفة العقلانية المعاصرة بالأخلاق المعيارية المسبّقة، والتي غالباً ما تسلبه حريته وإبداعاته، وإنما تقر بنسبية الأخلاق وضرورة مواءمتها للمرحلة التاريخية المعيوشة، فهي ضد القوالب الأخلاقية والفكرية الجامدة التي غالباً ما تدخل الإنسان في عوالم (دنكوشيتية) تحد انعتاقه ومن تطور ونمو إنسانيته.

7- العقل الإنساني في معطيات الفلسفة العقلانية المعاصرة ليس معطىً بيولوجياً تقوم آلية عمله بشكل مستقل عن مجموع علاقات الإنسان مع المحيط الاجتماعي والطبيعي الذي يتفاعل وينشط فيه، بل هو مجموعة الرؤى والأفكار والمعارف والمهارات التي شكلها الإنسان عن طريق إدراكه وحواسه وتجربته الفردية والاجتماعية تاريخياً، وراح يرفض أو يتبنى من خلالها ما يناسبه أو ما لا يناسبه من أفكار وسلوكيات وفقاً لطبيعة المرحلة التاريخية التي يعيشها، والتي غالباً ما تفرضها طبيعة مصالحه الخاصة والعامة.

8- تؤمن الفلسفة العقلانية المعاصرة بدور وأهمية التربية في تدريب الإنسان وإكسابه المهارات النظرية والعملية القادر من خلالها على التفاعل بايجابية مع الواقع الذي يعيش فيه، وحالات تبدل وتطور هذا الواقع .

9- الفلسفة العقلانية المعاصرة فلسفة ترفض تقسيم العالم بشكل تعسفي وجذري إلى مادة وصورة.. روح ومادة، فللجانب الروحي عندها أهمية في إغناء الجانب العملي، على الرغم من أن البداية للفعل،  والعكس صحيح بالنسبة لتأثير الجانب العملي على الجانب الروحي، فالعلاقة بين طرفي المعادلة جدلية، والروح عندها هي المعرفة المكتسبة بالخبرة والتجربة وما تولده لدى الإنسان من مهارات ذهنية، وإحساسات داخلية تتجلى في شعوره بالحب والكره، والجمال والقبح تجاه الظواهر التي تحيط به ويتعايش معها .

هذه هي أبرز القواعد التي ترتكز عليها الفلسفة العقلانية المعاصرة في عالمنا المعاصر برأيي، والتي تشكل المنطلقات الفكرية لكل تفكير عقلاني  تنويري يرمي إلى تجاوز عقلية وثقافة الجمود والتكفير والزندقة ورفض الأخر، إضافة إلى عقلية وثقافة المجتمع الاستهلاكي بكل ما تحمله من تفرد سلبي، وعهر، وتنمية للغريزة على حساب العقل وقتل لروح الإنسان وإبداعاته، وبالتالي العمل على نمذجته.

 

كاتب وباحث من سورية

  

adnan oayeedسؤال مشروع يطرح نفسه علينا قبل الخوض في هذا الموضوع الخلافي والإشكالي معاً وهو:

هل من الوجهة التاريخية والمعرفية (الابستموبولوجية) نستطيع القول إن بداية التفكير المنطقي لدى الإنسان بدأت عملياً مع بداية تفكيره الفلسفي وتخليه عن تفكيره الأسطوري؟.

هذا مع تأكيدنا على أن الإجابة عن هذا السؤال تفرض علينا بالضرورة توضيح دلالات كل من مفهومي التفكير الفلسفي والأسطوري معاً.

فإذا كانت الفلسفة في أبسط صورها كما بينها ابن رشد، (بأنها فعل ليس أكثر من النظر في الموجودات .. والموجودات إنما تدل على الصانع لمعرفة صنعتها، وكلما كانت المعرفة بصنعتها أتم، كانت المعرفة بالصانع أتم.) ثم يتابع) .. فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي.. وهو أتم أنواع النظر، وهو المسمى برهاناً..). (1). (فلسفة ابن رشد (فصل المقال) – المكتبة المحمودية التجارية – مصر- دون تاريخ نشر – ص2-3

وبغض النظر هنا عن مفهوم العقل ودلالاته الذي ربطه ابن رشد بالفلسفة، ومن حيث رؤية ابن خلدون ذاته أيضاً لطبيعة العقل إن كان معطى معرفياً تاريخياً شَكَلَه الوجود الاجتماعي للفرد أو المجتمع، أو هو قدرة ذهنية أفاض بها الله على المرء كي يميز بها الخير من الشر، ويستطيع التكيف مع المحيط الذي ينشط فيه، فهو بالمحصلة إقرار بأهمية العقل وقدرته اللامحدودة على استخدام القياس والبرهان عند تعاملنا مع الواقع والحقيقة معاً، أي مع مقولات الفلسفة الواقعية والعقلانية مثل الحركة والتطور والنسبية والضرورة والمصادفة والعام والخاص .. الخ، وهذا ما يتنافي مع التفكير أو المنطق الأسطوري اللاعقلاني الذي لا يقر بارتباط العقل بالواقع، وبالتالي تشكله عبر هذا الواقع ذاته، ليتحول فيما بعد إلى وسيلة لتحليل الواقع وإعادة بنائه من جديد وفقاً لتصورات ورغبات حوامله الاجتماعيين ومصالحهم في المرحلة التاريخية المعيوشة، فالعقل الأسطوري هنا، يشكل في طبيعته معطى كلياً بشكل مسبق، وقائم بذاته، وهو بالتالي مفارق بالأساس للواقع الذي يتعامل معه أو ينشط فيه، وغالباً ما يتمسك بالجوهر والماهية وبالإيمان المطلق والمتناهي تجاه الحقائق، على حساب النسبي، والمتحرك والظاهر. وهو في ذلك موقف فلسفي أيضاً، بيد انه موقف فلسفي مثالي.

إذاً، إن التفكير الفلسفة العقلاني، أو العقل النقدي، يعمل منهجياً على استخراج ماهية الأشياء من ظاهرها، من ما هو محسوس ومعيوش وعياني. أو بتعبير آخر إن للفلسفة العقلانية وظيفة أو مهمة، هي اكتشاف وإدراك سر الوجود والطبيعة اللانهائية لكل كائن، وهذه هي المهمة الرئيسة والمركزية للمعرفة الفلسفية العقلانية.

أما العقل الأسطوري، فقد تجاهل أو لم يستطع طرح أو فهم العلاقة بين ماهية الشيء وظاهره طرحا أو فهماً جدلياً، أي لم يستطع حل التناقض بين ماهية الشيء القابلة للإدراك بواسطة العقل النقدي القادر بدوره على الدخول إلى عمق الشيء ذاته، وتفسير حركته وآلية عمله وتجلياته، وبين الشيء القابل للإحساس بواسطة الحواس، والوقوف عند هذا الحد من المعرفة الظاهرية السطحية للأشياء، حيث تشكل هذه المعرفة عنده بداية تاريخ الشيء ومنتهاه.

إن البحث في المطلق والعام والمعطى بشكل مسبق والدائم، وفي عالم الفكر المجرد، هو إذن الموضوع المركزي للتفكير أو العقل الأسطوري. وهذه الإشكالية المعرفية والمنهجية معاً، قد استمرت آلاف السنين ولم تزل قائمة وتمارس دورها بشكل مباشر وغير مباشر على حياة ومستقبل إنسان هذا العالم، بدون أن يتمخض ذلك عن جواب يشفي الغليل . (والسبب أن الإشكالية هي في أصلها إشكالية مغلوطة، ولذلك لا حل لها في الإطار الذي وضعت فيه، وبالطريقة التي طرحت بها).، حيث تحولت إلى إشكال معرفي ومنهجي مستعصي عن الحل، بل راح هذا الإشكال يمارس دوره بروح ومنهجية أكثر فاعلية وحيوية في تسير المواقف الاجتماعية والسياسية والثقافية في حياتنا المعاصرة.

على العموم: إن الفلسفة العقلانية والواقعية معاً، ليست هي وسيلة معرفية أو عقل أداتي يُستخدم للتخلص من التفكير التبريري والأسطوري القائم على الإطلاق والثبات، وعلى أشكال من الوهم والخيال واللامعقول التي تسيطر على البنية الفكري والعملية للإنسان المعاصر، بل هي عراك ميداني مع الوهم، وحالة نهوض اجتماعي نحو الحقيقة، وأن الفيلسوف العقلاني (العضوي)، وهو المنحدر من عامة الناس والمندغم بمجتمعه الإنساني، رغم ارتقائه إلى النخبة الفكرية بفضل مجهوده النظري ونمو وعيه النقدي، فهو يتحمل اليوم مسؤولية كبيرة على عاتقه، وهي الالتزام بقضايا الناس الذين ينحدر منهم، وتكريس حياته من أجل خدمتهم، وفضح كل أشكال الاغتراب الفكري الذي راح ينتشر اليوم انتشار النار في الهشيم على الساحة الثقافية والفكرية، وبكل مستوياتها الاجتماعية، ويُمارس – أي الاغتراب- عبر ما هو متاح له من وسائل توصيل إعلامية وثقافية، تتحكم في إدارتها وتوجيهها قوى عالمية تسعى جاهدة لنشر وتعميم الجهل والتخلف، وتغليب الغريزة والشهوة على العقل والمنطق خدمة لمصالحها الأنانية الضيقة.

إن الفلسفة العقلانية النقدية ممثلة بحواملها لاجتماعية ومنها الفكرية والسياسية على وجه الخصوص، إذا ما أرادت أن تواجه التفكير الأسطوري، وتنتصر للقيم الكونيّة الايجابية ينبغي عيها أن تبادر بدراسة أشكال الصراع الاجتماعي، وان تحشر نفسها في هذا الصراع من أجل الوقوف إلى جانب الفئات الأقل حظا، والانتصار لحقوق الإنسان المغرب والمشيئ والمستلب اليوم، والإمساك بأشياء هؤلاء الناس بالأيادي الحقيقية، والرؤية المباشرة للأحداث الملموسة، فهم صناع أمل وحرية المواطن انطلاقاً من مواقعهم في الدولة والمجتمع، وعليهم أن يدركوا أنهم عمال حقيقة، وليسوا خدماً لمؤسسات، ولا أصحاب ولاءات، أو وحراس سلطات، يترقبون التسميات وينتظرون الترقيات والامتيازات.

 

كاتب وباحث من سورية

 

safaa khalafيخرج الحجيج الشيعة من مدنهم وقراهم الى كربلاء، مشياً على الاقدام، تلبية لرغبة معلنة هي "الشفاعة" والقبض على "الجنة"، مأسورين بفكرة الراحة الابدية من الشقاء الدنيوي، يخطفون انفسهم من الواقع المرير الى المتخيل السرمدي، يهربون بارواحهم المثقلة الى خفة اداء "الواجب"، لكنهم لا يتلفتون ابداً الى حقيقة الرجل المذبوح عطشاناً، والساعي وراء "كرامته" التي باتت معرضة للهتك.

يخرجون مشياً لاعلان الولاء السنوي للرجل الذي ثار من اجل ان لا يخضع ويكون شاهد زورٍ على عصر "انحطاط" السلطة، وتلاعبها بمصائر الناس. فيما هم -اي الماشين- لا يفكرون بـ"كرامتهم" المنزوعة من قبل السلطة، وان كانت شيعية، خرجت من مظلوميتهم، ويرون فيها طغيانا يستحق منهم "الثورة"، ولا يجدون في انفسهم العليلة بالعوز صدى لتلك الصرخة العظيمة العابرة للزمن، والآتية من صحراء الطف "هيهات منا الذلة".

الحسين أُفرغ من قيمته الثورية التغييرية، وبات ذاك الرجل "الضعيف" الذي القت به المصائر الجائرة الى القتل البشع، فاستحق من "الشيعة" عراقياً، النواح والندب والضرب بالزناجيل والرايات الرخيصة المستوردة من الصين الشيوعية "الكافرة" فقط، فاضحى "الحسين المنتصر" بـ"الدم" مهزوماً به.

لم يتحقق المسير السلمي المقدس في التاريخ الحديث، كمسير الشيعة الى "الحسين" الثائر العظيم، الا مرة واحدة، عبر مسيرة الملح "الساتياجراها" السلمية التي قادها الرجل النحيف المتلفع بقماشة القطن، غاندي، ليحقق بها استقلال الهند، كحركة عصيان مدني واسعة النطاق، ارغمت المحتل البريطاني على الاعتراف بـ"الكرامة" الهندية، واستلهمها مارثن لوثر كينغ في اقرار "حقوق السود" في اميركا. لكن الشيعة لم يستثمروا مسيرتهم "العقائدية" في تحقيق "كرامتهم" يوماً.

اعتياد الاهانة يورث المهانة. ومن لا ينتفض لكرامته لا يستحق ان يكون حراً. فالحرية والكرامة شرطا تحقق الانسانية، ومن دونهما لا يكون الانسان سوى رقم مضاع في حديقة "الحيوان". وللحرية شرط اقسى من الشعور بها، بأن نمسك الحقيقة بغض النظر عن كونها تتفق مع مصالحنا او تتعارض معها، فالمعيار هو تحقق "الكرامة".

يخرج الحجيج "الزوار" الشيعة من مدنهم وقراهم الى كربلاء مشياً على الاقدام، يهجرون مدنهم، قراهم، قصباتهم، وضيعاتهم، يقاسون البرد العاصف، الموت المزروع على الطريق، والمتربص بهم كـ"أعداء مذهبيين لدودين"، يسخرون أموالهم من اجل طعام وشرب، ويغالون كثيراً بفتنهم بـ"الحسين"، لكن لا احد منهم يفتتن به كـ"صيحة" كرامة وانتزاع حقوق ومكاسب، لكنهم يرون فيه "حسينهم" الخاص المضرج بالدم، والمستسلم لقدره "الالهي"، على قاعدة "ان كان دين محمد لم يستقم الا بقتلي فيا سيوف خذيني".

فالدين العراقي الحسيني دينٌ، يطالب بالمعجزات، ولا يعترف الا بالاتكال على الغيب الذي لا يستجيب لرجاءاتهم المخذولة من اجل ان تنصفهم "الدولة" في الخدمات!

تعاني المدن الشيعية في العراق، كسائر المدن الاخرى المختلطة منها، والسُنية، من الاهمال الخدماتي المريع، من كفران السلطة بحقوق المواطنين، ولعل السُنة ليس في تاريخهم الموالي للسلطة ثائرٌ كـ"الحسين" نجدهم معذورين، لكن الشيعة المتورطين بالخيبة والظلم، منذ اعلانهم الولاء الاول للبيت العلوي، لا يستثمرون "الدم المقدس" المسفوح من اجلهم.

يعتقد المسيحيون ان "يسوع" مات من اجل الناس. تحمل العذاب على الصليب والاهانة المؤلمة، من اجل راحة البشر والتكفير عن خطاياهم، فكان ايقونة خلاصية.

الشيعة في ولائهم "الحسيني" يقتربون من هذا المفهوم الغنوصي، لكنهم يستعيدون عبر اللاشعور وفي عقلهم "الجمعي" التاريخي، تموز العراقي المضحي، المغدور الذي نزل الى العالم السفلي، فيبس العالم، وذهبت البركة عنه، فيستعيدون ذكراه عبر شارع "الموكب" البابلي، معزين ونادبين، لكن روح التضحية لم تكن حاضرة في ارواحهم من اجل انفسهم. تموز العراقي ضحى من اجل ذاته. والحسين بن علي انتصر لكرامته. اما العراقيون لا تضحية تموز حفزتهم، ولا "دم الحسين" استثارهم لنصرة انفسهم على الضيم والموت اللاحق بهم.

السلطة اليوم في العراق، تغرق بفسادها، كما المدن التي تغرق بفيضانات الامطار.

السلطة تهادن السراق، وتذهب الثروة الهائلة الى العدم، فيما المدن خربة على اهلها، والموت المجاني يحصدهم، والسلطة "الشيعية" تتفرج، بل تغذي لدى "الشيعة" الشعور بالمهانة ازاء الموت، ولان العراقيين بطبعهم يعشقون "دور الضحية" نذروا انفسهم لليأس، وخرجوا الى "الحسين" ماشين، يمرون بالمدن الخربة، يهجرون بيوتهم المتهالكة، والتي اصابها الفيض، ويزحفون في حشود بينما الموت يحصدهم، وليس فيهم من يستعيد ذاك "الحسين" المهمل، صاحب الصيحة الاثيرة ضد الظلم.

هناك من يلعب على الخروج الشيعي الى كربلاء مشياً على الاقدام، على انه تحدٍ للقوى "الطائفية" التي تهدد العالم الشيعي بالزوال، ترسخ في اعماقهم التضليل، وان هناك اعداءً متربصين بالجوار. لكن لا احد يعمق لدى "الشيعة" الاحساس بالكرامة.

ايها السائرون الى "الحسين"، لستم مأجورين بشيء من "شفاعته" حسب ايمانكم، ما لم تحولوا المسيرة السلمية العظيمة الى انتفاضة حقيقية ضد السلطة التي تنهب اموالكم، وتخرّب مدنكم، وتترككم ترزحون تحت خط الفقر المدقع، فجلّ من يخرجون، محبطون، لا بصيص امل في ارواحهم، اكل الخوف والعوز منها الكثير، فيما جيل جديد لم يفتح عينه سوى على الحروب والخراب، يخرج لتنفيس غضبه، واحباطه، يتسلى كذباً بان للرجل الراقد بسلام في قبره، سيحقق احلامه في الرخاء والعمل والرفاهية.

عليكم ان تعوا جيداً ان "الحسين" لم يخرج لتندبوه، بل لتتعلموا كيف تدافعون عن كرامتكم، وعيشكم. انكم تهزمون "الحسين" بالسير مخذولين الى كربلاء! اجعلوا من مسيرة "المشي" انتفاضة حقيقية للتغيير.

 

fatehi alhabowbi«... والأدلّة، ثلاث: دلالة العقل، لأنّه يميّز بين الحسن والقبيح، ولأنّ به يعرف أنّ الكتاب حجّة، وكذلك السنّة والإجماع. وربما تعجّب من هذا الترتيب بعضهم، فيظنّ أّنّ الأدلّة هي: الكتاب والسنّة والإجماع فقط، أو يظنّ أنّ العقل إذا كان يدلّ على أمور فهو مؤخّر، وليس الأمر كذلك»

من كتاب “فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة” للقاضي عبد الجبّار بن أحمد، طبعة تونس 1972

لعلّه من نافل القول التأكيد على أنّ إشكاليّة التخلّف المزمن وفشل، محاولات النهضة العربيّة التي تعاني من جرّائها المجتمعات العربيّة اليوم، سواء منها تلك التي عاشت ربيعها الثوري أو التي لم تعشه، ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة مراكمة مواطن خلل عديدة وأخطاء كثيرة، ليس في المقاربات المفاهيميّة للتنمية ومحدوديّة وقصور مناويلها في مستوى التشغيل والعدالة الاجتماعية بين الفئات والجهات فحسب ، بل وكذلك كافراز لرؤى فكريّة ومتبنّيات، منها ما يتّصل بالمقدّس بما هو ادّعاء بامتلاك الحقيقة الربّانية المطلقة واعتناق لمعتقدات في غير ما اعتماد للعقلانيّة في شأنها، ومنها ما يتّصل بالزمني بما هو دنيوي مادّي/ مخلوق.

حيث أنّه، كلّما قامت في المجتمع العربي الإسلامي حركة فكريّة نقديّة تنويريّة وإصلاحيّة تؤمن بأّنّ العقل هو المعيار الرئيسي في فهم كل القضايا ذات العلاقة إن بالدين أو بالدنيا وسعت لبثّ الوعي، وتحريض العقل العربي على الإشتغال تجنّبا للتعطّل والجمود والتكلّس، إلاّ وكان –قطعا- مآلها الضُمورَ والنكوص ثمّ التلاشي.

ضمن هذا السياق، فإنّي أزعم أنّ العصر الوسيط للمسلمين، الذي يتوافق تقريبا مع العصور الوسطى للغرب الأوربي التي عرفت فترة ركود وظلام ، تميّز بمحاولتين للنهوض الفكري بالعالم العربي الإسلامي. فأمّا المحاولة الأولى فكانت على يد فرقة المعتزلة رائدة العقلانيّة في الفكر الإسلامي، التي تؤمن بتأسيس الدّين على العقل، فتجعل منه أقوى الأدلّة وتنصّبه حكماً في أمور الدّين والعقيدة. وقد إشتهرت كمدرسة كلاميّة بموقفها المخالف لموقف عموم المسلمين في قضيّة مرتكب الكبيرة الذي اعتبروه كافرا، فيما أقرّ المعتزلة بأنّ منزلته هي بين منزلتي الإيمان والكفر. كما اشتهرت كتيّار فكري حرّ ظهر مبكّرا منذ بداية القرن الثاني للهجرة، في مدينة البصرة- أحد أهمّ المراكز الفقهيّة والفكريّة والأدبيّة- ووقع التصدّي له ورفضه بقوّة وتربّصوا به الدوائر باعتباره يقوم في جوهره على اعتماد العقل في شرح وتفسير العقائد الإسلاميّة إنطلاقا من نصوص الكتاب والسنّة. بل أنّ المعتزلة يقدّمون العقل أحيانا على النصّ كما جاء في كتاب "في فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة" للقاضي عبد الجبّار بن أحمد. وفي تقديري فأنّ رفض الفكر المعتزلي يتضمّن بعدين هامّين يستحقّان منّا الوقوف عندهما وإن بطريقة عَجْلَى. أوّلهما أنّ بيئة وذهنيّة المجتمع العربي حديث العهد بالإسلام آنذاك، تطمئنّ أكثر إلى الإجماع حول الرأي المتشدّد/المتصلّب، فيما لا تؤيّد حقّ الإختلاف في الرأي، لا سيّما إن كان لحساب الفكر التنويري المؤمن بأولويّة العقل على النصّ الديني وليس بأولويّة النصّ على الواقع بما هي أولويّة للدّين على الدنيا. وثانيهما أنّ التكفير الذي نعاني اليوم من نتائجه الكارثيّة المدمّرة في كل مكان من العالم العربي والإسلامي متجذّر في ثقافتنا منذ البدايات. لذلك، فرغم أنّ الفكر المعتزلي كان في عهد الخليفة المأمون هو المذهب الرسمي للدولة وتأثّرت به تيّارات فكريّة أخرى لها النزعة التحرّريّة ذاتها، فإنّ المعتزلة العقلانيين قد واجهوا، لاحقا في عهد الخليفة المتوكّل، المعتنق للمذهب الأشعري الجبري اللاعقلاني الذي ينفي مكانة العقل ويلغي دور وفعل الإنسان وكذلك حريته في رسم مسار حياته، ولو في الحدود الدنيا. واجهوا صدّا ومقاومة شديدة من قبل ذوي الفهم الفقهي النقلي المتخلّف للإسلام، الذين يؤمنون بمقولة القسر والجبر. وهي المقولة التي يكون بمقتضاها الإنسان مسيّرا وليس مخيّرا ومسؤولا عن اختياره الحرّ. وكان من نتائج ذلك أن قتل من المعتزلة من قتل وعذّب من عذّب منهم، إلى أن اندثر تيّارهم الفكري العقلاني المستنير الحرّ الذي سبق الفكر التنويري الانجليزي الالماني الفرنسي بحوالي عشرة قرون. ولو قدّر للمعتزلة الإستمرار في نشر طروحاتهم الفكريّة، التي تتمحور بالأساس حول فكر يقوم على حريّة الفرد، وينظر إلى الإنسان باعتباره غاية الوجود وصاحب الإرادة والاختيار، لأسهموا بفعاليّة في إحداث نهضة المجتمع العربي بالفكر العقلاني النقدي الذي يعضده العمل الجاد باعتبارهما يمثّلان عصب كل نهضة وقطب الرحى لكل تقدّم في أيّ مجال كان. ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن بفعل العقليّة العربيّة الشرقيّة وبنيتها التي تركن إلى السائد وتقاوم المختلف ولا تشجّع على النجاح. وهو ما عبّر عنه الدكتور أحمد زويل المتحصّل على جائزة نوبل عندما قال:« الغرب ليسوا عبآقرة .. ونحن أغبيآء !! ھٓم فقط يدعمون الفآشل حتى ينجح ..! ونحن نحارب الناجح حتى يفشل .. »

وأمّا المحاولة الجادّة الثانية للنهوض الفكري بالمجتمعين العربي والإسلامي، فكانت على يد الفيلسوف الأندلسي ابن رشد، عبر إنتاج منظومة فكريّة عقلانيّة مستنيرة بخاصيّات قريبة من منظومة الفكر المعتزلي، بل إنّها تكاد تتماهى معها في بعض التفاصيل. إذ أنّه سجّل موقفا متميّزا من قضيّة العلاقة بين الدين والفلسفة من خلال كتابه (فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال). حيث يقول-في تعارض صارخ مع أبي حامد الغزالي، أحد أكبر المتسبّبين في تخلّف المسلمين - أن « لا تعارض بين الدّين والفلسفة، وإذا كان هناك من تعارض فالتعارض ظاهري بين ظاهر نصّ ديني وقضيّة عقليّة ونستطيع حلّه بالتأويل…». ومن هذا المنطلق، فهو يرى أن الشرع أوجب ليس فقط النظر بالعقل في الوجود بل أوجب كذلك دراسة المنطق. ويرى أيضا «أنّ القضايا البرهانيّة العقليّة هي حقّ، وما نطق به الشرع حقّ، والحقّ لا يضاد الحقّ بل يؤكّده ويشهد له». بما يعني أنّ الحكمة (الفلسفة) والشريعة (الدين) لا يتناقضان كما ذهب الغزالي إلى ذلك في “تهافت الفلاسفة ” الذي شكّل في تقديري تكريسا للإنغلاق ومصادرة للرأي الآخر وسقوطا في ما يسمّيه أفلاطون "الميزولوجيا"، بما هي "كراهية العقل" . لذلك يمكن الجزم بما يشبه اليقين، أنّه بموت إبن رشد انتصرت -وياللأسف- مدرسة النقل لزعيمها أبو حامد الغزالي، ثانية ونهائيّا، على المنهج العقلي الذي خبا تأثيره بعد أن مثّلته مدرسة الإعتزال ومنظومة ابن رشد الفكريّة التي كاد بمقتضاها أن يؤلّه العقل رغم تديّنه الشديد. وكان من تداعيات ذلك، أفول الفلسفة الإسلاميّة وبداية تخلّف وانحطاط العالم العربي والإسلامي الذي لا يزال متواصلا إلى اليوم على طريقة السقوط الحرّ -في الفيزياء- وعلى جميع الصعد. فلم يعد المسلمون فاعلين في بناء الحضارة الإنسانيّة، لابل واستسلموا لنوم عميق، ما زالوا يغطّون فيه إلى اليوم، وربّما إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فمن يدري؟! أليس "الجلوس على الربوة أسلم" لمن لا يريد خوض المعارك الفكريّة والتجارب العلميّة، ويستمرأ الكسل ويفضّله على العمل والجهد المنتج، فيبدّد طاقته وينفق وقته فيما لا طائل من ورائه؟! كالتغنّي بأمجاد الماضي التليد من باب التوكؤ عليه وتصوير السلف على أنّه صالح على بكرة أبيه لا تشوبه شائبة، لا بل على أنّه معصوم ويدنو من الملائكة من باب تقزيم الحاضر ولعن المستقبل ليس إلّا. وهو ما لا يستقيم عقلا ولا يمكن القبول به نهائيّا. لأنّ الإنسان، إنسان بخيره وشرّه، في كلّ زمان ومكان. فقد خلق الله الإنسان حراً ليجرّب الشرّ والخير والخطأ والصواب ، والكفر والإيمان. لذلك جاء في الآية الكريمة: « فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ». ولعلّ في إنقلاب الصحابي معاوية وهو من السلف "الصالح" على مبدأ الشورى في الخلافة والإستعاضة عنه بالملك العضوض، حيث أكّد على ذلك في أوّل خطبة له « إني والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا، وإنّما قاتلتكم لأتأمَّرَ عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون » ، وكذا أمره بلعن علي بن أبي طالب على المنابر، عبرة بليغة لمن يعتبر، سنّة وشيعة، ممّن يقدّسون السلف "الصالح" حدّ الهوس.

وأمّا في العصر الحديث والمعاصر، وانطلاقا من منتصف القرن التاسع عشر، فإنّ محاولات النهوض الفكريّة والحضاريّة التي مثّلت تقديم إجابات عن تحدّيات العصر من أجل تقدّم الاّمة العربيّة ونهضتها، قد إتّسمت بالكثرة والتنوّع. وكان بروز المشاريع الإصلاحيّة الأولى على يد رفاعة الطهطاوي مؤسّس حركة النهضة في مصر وخير الدين باشا رائد النهضة العلميّة في تونس، ومؤلّف أوّل موسوعة عربيّة/دائرة المعارف وفق المنهج الحديث، وهو بطرس البستاني في لبنان، صاحب شعار" الدين لله والوطن للجميع". وكانت هذه المشار يع في عمومها تسعى لفصل الدين عن السياسة وإفراز مجتمع مدني شبيه بالمجتمعات الأوروبية، تفُكُّ فيه الدولة عنْ نفسِهَا قيدَ الدِّينِ دون التخلّي عن الهويّة الإسلاميّة. بحيث يكون الإسلام في المجتمع كعقيدة دينية ليس أكثر. بما ينسجم مع ما قاله -لاحقا- قائد النهضة في ماليزيا مهاتير محمّد «عندما أردنا الصلاة إتّجهنا صوب مكّة، وعندما أردنا بناء البلاد إتّجهنا صوب اليابان ». وعلى صعيد آخر برزت محاولات التجديد والإجتهاد الديني التي قام بها كلّ من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا. وقد سعت بجدّ لتصحيح الرؤية التقليدية للدين التي غالبا ما كرّست الجمود. وذلك من خلال إعادة صياغات جديدة للمبادئ الإسلاميّة الكبرى ذات الطابع الاجتماعي في محاولة لإفراز مجتمع مدني مرجعيّته الشريعة الإسلامية، يتصدّى إلى الدعوات التغريبية ويقف في وجه الهجمة الحضارية الغربية التي بهرت الأبصار وأخذت العقول.

ضمن هذا الحراك الفكري يعتبر رفاعة الطهطاوي (1801 - 1873) ، أحد أهمّ الدعائم الفكريّة التي قامت عليها النهضة في مصر، أوّل مفكّر عربي معاصر طرح سنة 1834 في كتابه الشهير "تخليص الابريز في تلخيص باريز" ، الذى تتجاوز أهميته حدود عصره، طرح الإرهاصات الأولى للإصلاح ومنها فكرة الحريّة كسبيل للتقدم، ينظر لها ليس فقط باعتبارها تكرّس المفهوم الإسلامي للعدل والإنصاف وتتوحّد معه، بل وكذلك وبصفة خاصّة، باعتبارها من أهمّ أسباب نهضة الأمّة وتمدّنها المنشود. وهو الطرح الذي يفترض محاولة التوفيق بين الأحكام الشرعيّة الإسلاميّة والقوانين الوضعيّة سليلة الحضارة الغربيّة الحديثة. كما يفترض محاولة التوفيق في ذات الوقت بين الولاء للأمّة الإسلامية في كلّيتها واحترام خصوصيات القوميات/ الأقلّيات غير المسلمة التي تعيش ضمن المجتمع الإسلامي. وهذا الطرح يتماهى بالتأكيد مع مفهوم الدولة المدنيّة الديمقراطيّة التي يشكل التعايش الآمن الناتج عن حريّة المعتقد أحد مرتكزاتها الأساسية وتمظهراتها في آن معا .

 ويمكن إختصار مقاربة رفاعة الطهطاوي لتحديث المجتمع المصري في ،نظرته إلى الحكم باعتباره يرمي إلى خير أو سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة في ذات الوقت. وأن سعادته في الدنيا تقتضي توفّر حضارة مدنية كالتي قامت في أوروبا الحديثة ذات القوة والعظمة، بفضل تشجيعها على تنمية مختلف العلوم والفنون والآداب. بما يحتّم الإقتداء بها دون التفريط في الأصالة العربيّة الإسلاميّة. لذلك فإنّ الطهطاوي، الذي نادى بضرورة التطوّر وإرساء الديمقراطية والحكم الدستورى وإشاعة التعليم، بما في ذلك تعليم المرأة ونشر العلم ، تتطرّق للمفاهيم الفكرية الاساسيّة التي قامت عليها الدول الحديثة والمتقدّمة، التي من بينها مبدأ المواطنة الذي وصفه بأنّه «المنافع العمومية التي تقوم على الحرية والإخاء والمساواة بين أبناء الوطن الواحد».

ورغم أنّ طهطاوي ، باعتباره رجل سياسة ونفوذ ، قد حاول وضع بعض أفكاره موضع التنفيذ بإنجاز مشاريع ذات طابع علمي لعلّ من أهمّها إنشاء مدرسة الألسن، إلّا أنّ قدر هذه المحاولة كان- هو الآخر- العرقلة والإجهاض من قبل السلطة في عديد المحطّات التاريخيّة.

أمّا خير الدين باشا المعروف في المشرق بخيرالدين التونسي (1825-1889 ) فيعتبر هو الآخر أحد أعلام النهضة والتنوير في تونس، بل هو أبرزهم تاريخيا ومن حيث المساهمة- نظريّا وعمليّا- في بناء نهضة تونس الحديثة. حيث أنّه لم يكتف ببثّ روح اليقظة والنهوض في الأمّة وشحذ عزائم الإصلاح عن طريق نشر الفكر فحسب، بل إنّه طبّقه على أرض الواقع فأنشأ سنة 1875، باعتباره رجل سياسة ونفوذ، المدرسة الصادقيّة لتعليم الفنون والعلوم الحديثة ونظّم مؤسسّات الدولة تنظيما حديثا، ضمن خطة شاملة للإصلاح تدعو فيما تدعو إليه، إلى توسيع مجال السياسية الشرعيّة ليشمل كل ما لا يخالف الكتاب والسنة، وعدم حصرها على ما ورد في شأنه نصٌّ قرآني أو حديث . أمّا عصارة أفكاره التي وفّقت بين الفكر الليبرالي القائم على الحكم الدستوري والحريّة الإقتصاديّة والتقاليد الإسلاميّة فقد تضمّنها كتابه الخالد " أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك " الصادر 1868، وهي السنة ذاتها التي ظهر فيها الجزء الأوّل من كتاب "رأس المال " لكارل ماركس منظّر الفكر الشيوعي. وقد لمسناه فيه-كما الطهطاوي- متأثّرا بما شاهده في فرنسا من معالم نهضة حضاريّة وفكريّة واجتماعيّة وسياسيّة. فهو يؤكّد ضمن مقدّمة الكتاب، الذي دعا فيه معاصريه إلى الإستعارة من الغرب من أجل الارتقاء بالأمة، أنّ الحكم المطلق الشمولي لا يؤدّي إلّا إلى التخلّف المزمن. وأنّ لا خوف على المسلمين إن هم اقتدوا بالحضارة الأوروبية، وأن لا غضاضة في اعتماد النظم الأوروبيّة في المجالات السياسيّة والإجتماعيّة والإقتصاديّة لأنّها لا تتعارض في جوهرها مع النظم الإسلاميّة. بل إنّها تتوافق معها بشكل يكاد يكون كلّيّا .وكلّ نظام له ما يقابله في الدولة الإسلاميّة. فالوزير المسؤول أمام الأمّة/الشعب في أوروبّا، إنّما يقابله الوزير الصالح في الإسلام الذي يسدي النصيحة ولا يخشى في الحقّ لومة لائم. أمّا نواب البرلمان فيقابلهم أهل الحلّ والعقد. وأمّا الحكم النيابي وحريّة الصحافة فيقابلهما مبدأ الشورى. ويخلص خير الدين باشا بعد ذلك إلى أنّ استلهام النظم الأوروبية ليس سوى تنفيذ لروح الشريعة الإسلامية ومقاصدها انطلاقا من مبدأ "المصلحة" لابن قيم الجوزية. وهو ما جعله ينادي بأن تؤسّس الدولة على دعامتي الحرية والعدل وتعدد مؤسسات الحكم ومشاركة "الرعايا"/المواطنين في إدارة شؤون الدولة واحترام حقوقهم الإنسانية ، ملحّا على توفّر وعي الأمّة واستنارتها لتطالب بحقوقها ولتضمن مراقبة دواليب الحكم لتجنّب الاستبداد والانفراد بالحكم الذي يؤدّي بالضرورة إلى التفريط في الحقوق . يضاف إلى ذلك مناداته بحرية "المطبعة " بما هي حرية للرأي والكتابة والنشر وركن أساسي في إرساء الديمقراطيّة.

ومثلما عرقلت محاولة طهطاوي فإنّ محاولة خير الدين باشا عوّقت من قبل المعارضين للإصلاح وخاصةّ منهم باي تونس /الملك الحاكم.

ورغم أنّ خير الدين باشا لم يحقّق مراده من الإصلاح إلّا أنّه ترك بصمته الإصلاحيّة الواضحة في المجتمع التونسي الذي أصبح في موقع المركز، على الأقل، من حيث المساواة بين المرأة والرجل ومن حيث انطلاق الثورة العربيّة الراهنة وتثبيت مسار ودعائم الحكم الديمقراطي رغم المعوّقات الظرفيّة الكثيرة والإنفلاتات.

وما يمكن الإشارة إليه في النهاية، أنّه رغم أنّه قد برز إلى السطح في العالم العربي فكر تنويري وإصلاحي، إلّا أنّه لم يمثّل حركة تنويرية إصلاحية جذريّة كإفراز لمنظومة فكريّة متكاملة تحمل مشروعا واضح المعالم وتمثّل مرجعيّة صلبة كما حدث في أوروبّا خلال القرنين السابع والثامن عشر بفضل لفيف من فلاسفة التنوير الغربيين الذين جمعهم هاجس القطع مع النظم السائدة والدفع إلى صياغات لفكر ونظم جديدة. بينما ما جمع بين المفكرين المعاصرين العرب التنويريين إنّما كان مجرّد ردّة فعل على مشاريع التغريب أكثر منها إبداع فكر جديد.

 

بقلم المهندس فتحي الحبّوبي

 

adnan oayeedإذا كان العقل في لغة العرب، يعني التحديد والتقييد، حيث ارتبط العقل هنا بكلمة عقال التي تفيد تقييد ساق الناقة حتى تبقى في مكانها. فإن دلالات العقل على المستوى الفلسفي، ظلت في سياقها العام قضية خلافية وإشكالية لدى المفكرين والفلاسفة على كافة مدارسهم، واتجاهاتهم الوضعية منها والدينية معاً. فهناك من اعتبر العقل ملكة وقوة من قوى النفس، وظيفتها استنباط الحقائق، وبها نستطيع تجاوز ما هو حسي وجزئي ومتعدد، إلى ما هو مجرد وكلي وواحد. ومن المفكرين الذين قالوا بهذه الرؤية الفيلسوف " الكندي" في كتابه (رسالة في حدود الأشياء ورسومها)، حيث جاء عنده أن العقل (جوهر بسيط مدرك للأشياء بحقائقها) . وهناك من قسم العقل إلى عقل نظري مجاله البحث في قضايا الرياضيات والطبيعيات والميتافيزيقيا والمنطق، وإلى عقل عملي، ومجاله السياسة والأخلاق، وهذا ما قال به الفيلسوف "الفارابي" في كتابه (فصول منتزعة) حيث اعتبر القوة الناطقة (العقل)، بأنها القوة التي َيعْقَلُ بها الإنسان، وبها  تكون الروية، وبها تبنى العلوم والصناعات، وبها يميز ما بين الجميل والقبيح، وهذه القوة منها ما هو نظري ومنها ما هو عملي .

هذا في الوقت الذي نجد فيه من يعتبر العقل أيضاَ عبارة عن مجموعة من القدرات والمهارات والتقنيات والمناهج التي تمكّن من الاستدلال والبرهنة، وهذا العقل في توصيفه يختلف ويتطور في مهاراته وقابلياته من مرحلة تاريخية إلى أخرى وفقاً لمجالات نشاطه. فالعقل وفقاً لهذه المعطيات هو وعي الإنسان وآلية عمل هذا الوعي (الميكانيزم)، في إدراك المحيط الذي ينشط فيه بكل مكوناته، وهذا الوعي يُكتسب تاريخياً عبر علاقة هذا  الإنسان مع الطبيعة والمجتمع معاً. أو بتعبير آخر العقل هو ما اكتسبه الإنسان عبر تنشئته التاريخية بكل ما تحمل هذه التنشئة من معطيات مادية وروحية. وهذا الفهم الأخير للعقل يدفعنا في المحصلة إلى تجاوز فكرة تعريف العقل، للنظر في تعيينه، أي تعيين الظروف التي تنتجه وتحدد بالتالي طبيعته ومهاراته وقدراته في هذه المرحلة التاريخية أو تلك، وضمن هذا الحقل المعرفي أو ذاك .

إن العقل إذن كما أراه، هو المعرفة الإنسانية، ووعي الإنسان بذاته وما يحيط به، معيناً في مرحلة تاريخية محددة. أو بتعبير آخر، هو المعرفة الإنسانية في سيرورتها وصيرورتها التاريخيتين. وبذلك يكون العقل خاضعاً بالضرورة لظروف إنتاجه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والبيئية، وهي وحدها من يمنح العقل شقاءه ممثلاً هنا في رؤاه الأسطورية، والامتثال والإطلاق والسجال والنقل والثبات، وفصل العقل أو المعرفة عن العالم الواقعي المحيط به. مثلما هي ذاتها من تمنح العقل تاريخيته أيضاً (عقلانيته)، بحيث يصبح محايثاً للعالم، ومترافقاً مع معطياته المادية والفكرية/الروحية في حركتها وتعددها وتبدلها وكليتها ونسبيتها وجدليتها.

 

لماذا يكون العقل/ الوعي شقيا؟َ:

إذا كان شقاء العقل أو الوعي يكمن في مفارقة هذا العقل للواقع الذي أنتجه بسبب جهل حوامله، للقوانين التي تتحكم في هذا الواقع ذاته وآلية عمله، وبالتالي محاولة تفسير ظواهر هذا الواقع بعمومها تفسيراً لا يمت لآلية عمل هذه الظواهر والقوانين التي تتحكم فيها، وحالة حركتها وتطورها  وتبدلها، فهذا يعني في بعده الإنساني تحقيقاً لحالة اغتراب هذا الإنسان بكل أشكالها، بدءاً من اغترابه عن الطبيعة التي تحيط به وينشط عليها، مروراً باغترابه أو غربته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وصولاً إلى اغترابه أو غربته الروحية والثقافية .

إن جهل الإنسان وعجزه في اكتشاف قوانين الطبيعة بشقيها البيئي والاجتماعي، وآلية عملها، حقق حالة غربته عن محيطه الطبيعي، لذلك خاف ظواهر الطبيعة بكل تجلياتها، في رعدها وبرقها وصواعقها وبراكينها وزلازلها وعواصفها وسيولها، وفي قمرها وشمسها وكواكبها.. الخ، الأمر الذي جعل عقله / وعيه مغرباً وشقياً، فدفعت هذه الغربة صاحبه (الإنسان) لعبادة هذه الظواهر الطبيعية وخلق آلهة تمثلها وتتناسب في صفاتها وطبيعتها مع حالة تلك الظواهر وما تقدمه من خير أو شر له بغية تلافي شرها، أو إرضائها لتديم نعمها عليه، وهذه الغربة وما حققته من شقاء لعقل الإنسان لم تكن من صنع يد الإنسان ذاته في مراحل حياته البدائية، بل فرضتها الضرورة الحكمية عليه.

أما غربة الإنسان الاجتماعية، وما حققته أيضاً من شقاء  لعقله، فقد بدأت مع نشاط الإنسان عبر وجوده الاجتماعي، وما حققه هذا النشاط من تطور في وسائل وقوى وعلاقات إنتاجه، وبالتالي في وجوده الاجتماعي والروحي برمته، حيث أخذ يتخلص عبر هذا النشاط شيئاً فشيئاً من سيطرة قوانين الطبيعة العمياء عليه بعد أن راح يكتشف أسرارها وآلية عملها عبر التجربة والمشاهدة المباشرة، ليدخل في غربة وضياع آخرين في محيطه الاجتماعي بكل علاقاته المادية والروحية التي أنتجها بنفسه هنا، والتي تمثلت بالقوانين والأعراف والعادات والتقاليد وكل المثل الروحية التي أنتجها ... الخ. ففي هذه الحالة من التطور الإنساني التي يتجلى فيها اغتراب الإنسان الجديد أو اللاحق في منتجاته، فإن أهم ما يتجلى فيه هذا الاغتراب، أو شقاء عقل الإنسان، في ما أبدعه من أساطير جديدة حاول بها تفسير وجوده في هذه المرحلة، فبعد أن تجاوز تأليه وأسطرة معطيات أو ظواهر الطبيعة المباشرة، أخذ يؤله ويؤسطر الكثير من علاقاته الاجتماعية والروحية الجديدة، حيث أخذت هذه الأساطير ذاتها تشكل الجذر الثقافي والمعرفي لحياته أو علاقاته الاجتماعية والروحية (الدينية) بشكل خاص آنذاك ولفترة زمنية طويلة، مجسدة في آلهة لها مهامها المختلفة والمتناسبة مع طبيعة علاقاته القائمة في تلك الفترة، بدءاً من آلهة الحب والخصب والمطر، مرورا بآلهة الحرب، وصولاً إلى الإله الملك أو الحاكم، الذي تحكم بالسلطة وراح يزيد في غربة وشقاء عقل من هم تحت سلطته حفاظاً على هذه السلطة.

لقد راحت الأسطورة تُنسج في حياة الإنسان في المراحل التاريخية اللاحقة لمرحلة الضرورة الحكمية، أو البدائية،  من قبل مَنْ امتلك السلطة في شقيها الديني والسياسي من أجل التحكم في حياة أفراد المجتمع، وتحقيق غربتهم المادية والروحية، أي شقاء عقولهم... هذه الأسطورة التي جعلت الإنسان غير قادر على التمييز بين ذاته وموضوعها، فتركته ينظر إلى الظواهر جميعها نظرة إيحائية ذاتية، وهو ما يعني أنها لم تستطع أن تمنحه القدرة على أن يخطو الخطوة الفاصلة نحو التمثل العقلي ألبرهاني للكون، وبذلك ظلت الأسطورة تحيل إلى العواطف والانفعالات والذاتية والإيمان ألامتثالي، وليس إلى التفكير والتجريد والبرهان. أو بتعبير آخر ، الانتقال من وصف الأشياء، إلى البحث عن القوانين العلمية التي تتحكم فيها، ومن البحث عن الأسباب، إلى الاهتداء للغايات التي تحركها، وأخيراً بلغة " هيجل" نقول : من الوعي الشقي المنفصل عن العالم، إلى الوعي المحايث للعالم، والمترافق مع ميلاد العقل التاريخي والعقلانية.

ملاك القول: إن حالات الاغتراب هذه وما رافقها من شقاء للعقل، ظلت الأسطورة ذاتها، ولو بأشكال مختلفة، وبروح معاصرة تساهم بهذا الشكل أو ذاك، وبشكل فاعل ومذهل، وأحياناً بوعي مدرك تماماً لأهدافها، في التأثير حتى في عالمنا المعاصر، عالم ما بعد الحداثة، الذي فرضته علينا آلية عمل اقتصاد السوق الاحتكاري، ممثلة بالطغمة المالية العالمية وشركاتها المتعددة الجنسيات، التي تحكمت بقدر الإنسان الكوني عبر امتلاكها وسائل مادية ومعنوية هائلة سخرتها بكل أشكال ووسائل الاستبداد والقهر بدءاً بالكلمة، وصولاً إلى الطلقة، من أجل تشييئ الإنسان واستلابه، وبالتالي تحقيق غربته وشقاء عقله/ وعيه، ونمذجته، أو تذريره كي يبقى عدداً (فرداً)، وتركه يبحث عن خلاصه الإنساني الفردي خارج عالمه العياني، وبعيداً عن مصادر شقائه الحقيقي... أن يبحث عن خلاصه هناك في عالم العبث واللامعقول والنهايات والموت، بدءاً من نهاية منظومة الإنسان الأخلاقية الايجابية، وصولاً إلى نهايته التاريخية، أي عدميته، لتبقى فقط في هذا العالم سلطة سوق الرأسمال الاحتكاري حرة قوية، كما رسمت لها أساطير قادة هذا النظام .

 

كاتب وباحث من سورية

.........................

ملاحظة: إن سيطرة التفكير الوهابي الذي روج له آل سعود منذ استلامهم الحكم في السعودية، وما ينتج عن هذا الفكر من ممارسات لاتمت إلى الإنسان والحقيقة بصلة، هو أهم تجليات هذا الوعي أو العقل الشقي في عالمنا العربي اليوم.

 

adnan oayeedالعلاقة الجدلية مابين العلمانية والحداثة: قبل الوقوف عند مفهوم العلمانية وتبيان دلالاتها كما أراها، لا بد لنا بداية من الإشارة إلى أن العلمانية من حيث سياقها التاريخي كظاهرة اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية جاءت مرتبطة بالحداثة، والحداثة هنا، إشارة مرسلة تدل على تطور تاريخي لمجتمع ما في إطار التاريخ العالمي. أو بتعبير آخر، إشارة مرسلة تدل على حدوث تحول وتطور لمجتمع من المجتمعات في مجمل مستوياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ... تحول وتطور عقلانيان يشيران إلى تجاوز قوى وعلاقات الإنتاج القديمة، وتشكل أو إنجاز قوى وعلاقات إنتاج جديد تتناسب مع اقتصاد السوق وتحرير العملية الاقتصادية من رحم الاقتصاد البطريريكي (الأبوي)، بالترافق مع بدء انتشار وتكون وعي جديد ذي سمات علمية وعقلانية لتفسير حركة وآلية عمل الطبيعة والمجتمع بعيدا عن أسس التفسير السابقة المستندة على الرؤى والمفاهيم الذاتية والغيبية، هذا إضافة إلى تشكل جمعيات ثقافية وأحزاب سياسية ذات تصورات أيديولوجية مختلفة تتوزع مابين اليمين واليسار، واتساع لدوائر ومؤسسات الدولة الحديثة ذات التوجهات الليبرالية والسمات العقلانية .

إن كل ما أشرنا إليه، رافقه بالضرورة تحولات وحراك اجتماعي طال فئات وطبقات اجتماعية واسعة في المجتمع تمثل في انتشار التعليم وزيادة نسبة المتعلمين واتساع حرية المرأة وبروز تبدلات في القيم والعادات والتقاليد ... الخ .

نقول: إذا كان هذا الذي جئنا عليه يصب في العلاقة الجدلية ما بين الحداثة والعلمانية، فما هو مفهوم العلمانية إذن ؟ .

على العموم، إن العلمانية إن جاءت من ( اَلْعَاْلَمْ )، أي من الحياة اليومية المباشرة بكل معطياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، أم جاءت من ( الْعِلْمْ ) بكل قوانينه الوضعية، فإن للعالم والعلم كلاهما قوانينه الموضوعية التي تفرض نفسها على الإنسان وإرادته، وتتحكم بسير حركة الواقع وتطوره بعيداً عن إرادة الإنسان ورغباته. بيد أن العلمانية التي تقر بوجود هذه القوانين الموضوعية لاتنفي بالمقابل أن للإنسان وعيه وحريته اللتان تعطيانه القدرة على التحكم أيضا في آلية عمل الكثير من هذه القوانين وضبط حركتها لمصلحته. أي إقرار العلمانية، بأن ثمة فسحة واسعة من الحرية قد امتلكها الإنسان ليفكر ويمارس ويبحث عن ذاته وتنميتها، وبالتالي، فالعلمانية في أبسط صورها هي: قدرة الإنسان على الممارسة و التحكم بتلك المساحة من التفكير والإرادة الكامنة فيه بحرية وعقلانية من اجل تأمين حاجاته المادية والروحية بعيدا عن أية سلطة مادية او روحية تحد من هذه القدرة بادعائها أن الإنسان ضرورة فقط. أي إنسان يفتقد القدرة على التفكير والممارسة بحرية.

إن هذا الفهم البسيط للعلمانية يشكل برأيي نقطة الخلاف الأساس ما بين العلمانيين ومناهضي العلمانية من متديني الإسلام السياسي المعاصر، وبخاصة هؤلاء الذين يريدون أن يحجروا على حرية الإنسان وعقله، ويقروا بكل صراحة باستقالة العقل أمام النقل، ويمثل هؤلاء كل أصحاب الفكر السلفي الذي تعبر عنه المدارس الفقهية والكلامية التي رفضت العودة إلى العقل لتفسير النص المقدس القرآن والحديث خدمة لتطور الواقع وما يفرزه من أحداث ووقائع جديدة تفسح في المجال واسعاً أمام (البراءة الأصلية) كما يقول بعض الفقهاء، أي خدمة لتوسيع دائرة المباح بدلاً من تضييقها، لذلك قرروا أن ما قاله السلف وما مارسوه حتى القرن الرابع للهجرة حيث توقف الاجتهاد، هو المعتمد في التفسير أو العودة إليه لتفسير هذا الجديد معتمدين على مصادر التشريع الأربعة وهي: القرآن والحديث والإجماع والقياس – قياس الحاضر على الماضي-، بعد أن ضبطها الإمام الشافعي وأصبحت مدرسة لرجال الفقه والفكر السلفي مثل ابن حنبل وأبو حسن الأشعري وأبو حامد الغزالي وابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب، وكل رجالات الفكر السلفي المعاصرين الذين ينتمون إلى هذا التوجه الفقهي ومن اشتغل عليه من السلف. وبالتالي فإن أي خروج عن سلطة النقل والامتثال للمطلق يعتبر عندهم بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وعلى هذا الموقف الفكري الجبري والامتثالي، كُفر كل من اعتمد على عقله أو أعطى لإرادته مساحة واسعة من الحرية في التعايش مع الحياة ومجاراة تغيراتها تحت ذريعة الخروج عن النص المقدس الذي فسره مشايخهم الأوائل، أو استنتجوا أحكامه ودلالات ومقاصده كما فهموه أو أرادوه، وغالباً ما تحكمت في تفسيره المواقف السياسية التي كانت تخدم السلطات الحاكمة المستبدة، على اعتبار أن هذا الموقف السلفي السياسي في صيغته الفقهية أو الكلامية، هو من برر فساد السلطة ومنع من يقاومها، واعتبر أن من يخرج عليها كافر. فهذا ابن حنبل يقول: (فإن من غلبهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبت ولا يراه إماماً عليه براً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين.) (راجع كتاب السلطة في الإسلام، عبد الجواد ياسين،ط1، المركز الثقافي العربي، ص86 ). كما يقول في هذا الاتجاه أيضاً أحد كبار الأشاعرة وهو الباقلاني: (إن الإمام لا ينخلع لفساده وظلمه، بغصب الأموال وضرب الأبشار،وتناول النفوس المحرمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود.). (المرجع نفسه ص86). وذلك كله يأتي تحت ذريعة الخوف من عقدة الفتنة. وأحب أن أشير هنا إلى مسألة على غاية من الطرافة والدلالة، ففي الوقت الذي كان فيه ابن حنبل يحكم على من يقول بخلق القرآن بالكفر والزندقة، كان يقول عن الخليفة المعتصم الذي سجنه كونه رفض القول بخلق القرآن: (بأمير المؤمنين). وهذه الرؤى والمواقف الحنبلية السلفية الجبرية ذاتها آمن بها الأشاعرة وعلى رأسهم أبو الحسن الأشعري الذي يعتبر المؤسس الثاني بعد الشافعي للفكر السلفي في صيغته المنهجية بعد أن ادخل علم الكلام في الفقه، وهو الذي يقول: (قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، هي التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل، وسنة نبيه محمد"ص"، وما روي عن السادة الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون بما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل نضر الله وجهه وأجزل لمثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون.) (المرجع نفسه ص54و55 ). وهنا أتساءل: كيف يدعي الأشاعرة بأنهم وسطيون، وهم يميلون كل هذا الميل الذي لا حياد عنه إلى الحنابلة ؟. عموماً نقول في هذا السياق: لقد حول هؤلاء السلفيون أحكامهم واشتهاداتهم الشرعية إلى نصوص مقدسة، شأنها شأن النص المقدس نفسه (القرآن والسنة). هذا مع تأكيدنا على أنهم في الكثير من الأحكام التي اجتهدوا فيها قد انطلقوا في آلية عملهم أو منهجهم الفقهي من اللفظ إلى المعنى عند قراءتهم للنص المقدس بشكل خاص، أي كثيراً ما نظروا إلى النص المقدس أثناء بحثهم عن الأحكام الشرعية، على انه بناءٌ من الألفاظ والجمل والتراكيب اللغوية، ومن هذا البناء اللغوي يجب استنباط الأحكام الفقهية، أكثر من نظرتهم أو تعاليمهم مع هذا لنص على أنه علم من الأحكام والنظم والمقاصد يجب أن يشتغل العقل للوصول إليها. لذلك هذا ما جعلهم على سبيل المثال أن يفسروا مثلاً سورة (العلق) تفسيرا طغى عليه البعد اللغوي أكثر من الغوص في عمق دلالات مقاصده ونظمه وأحكامه، أو النظر إلى السورة نظرة كلية شمولية بما تحتويه هذه الشمولية من دلالات إنسانية، لا نظرة تجزيئية تعتمد على الكلمة أو الجملة أو العبارة. (راجع تفسير الجلالين). وإن وجد هناك من حاول أن يغوص في دلالات هذه السورة، فقد وقف عند معجزة تقول: إن هذا الرسول الذي استطاع أن يغير مجرى التاريخ هو أمي لا يجيد القراءة والكتابة، وقد نزل على مجتمع أمي، استطاع بعون الله أن يحقق كل تلك الانجازات التاريخية، وبالتالي لم تؤخذ هنا الدلالات التي تؤكد على دعوة الله للإنسان عموماً وليس للرسول فحسب، أن يتعلم، لأن العلم والمعرفة ستساعدانه على امتلاك إرادته، وتعطيانه القدرة كي يتحكم بالواقع الذي يعيش فيه، وأن لا يكون اتكالياً، وعليه أن ينظر بنفسه إلى الواقع المحيط به، وما يفرزه أو يقدمه هذا الواقع من وقائع مستجدة دائماً والتعامل معها وفقاً لمصالحه.

إن الدين في حقيقة الأمر إذن لا يخالف العلمانية من حيث الجوهر، فالدين لم يلغ في نصوصه البينات حرية الإنسان ودفعه إلى تجميد أو إلغاء حرية التفكير والممارسة عنده، بل على العكس، فإن معظم النصوص تطالب الإنسان بالتفكير وتشغيل العقل للوصول إلى الحقيقة، ولم تخف هذه النصوص الدعوة بتكليف الإنسان ذاته خلافة الله على الأرض، هذا التكليف الذي رمى على عاتق الإنسان مسؤولية الإشراف والحفاظ على حسن سير الطبيعة والمجتمع معاً، ولكي يدرك الإنسان ويعرف طبيعة هذه المسؤولية الملقاة على عاتقه، أُمره الله أن يسلك طريق المعرفة، فكانت أول آية قرآنية نزلت وخاطبت الإنسان هي (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم .) .

نعم لقد كانت دعوة صريحة للإنسان الخليفة وتنبيهاً له، بأنه لن يستطيع أن يمارس دور الخلافة على الأرض ما لم يكن حرا ومدركا لدوره ورسالته وطبيعة المسؤولية الملقاة على عاتقه، وهذه لن تتحقق إلا باكتساب المعرفة، وأول ما عليه معرفته، هو، أن الواقع الذي يعيشه أقوى من النص المقدس ذاته، وأن النص جاء للواقع، ومن أجل تغيره وإعادة بنائه أو إعماره تحقيقاً لمصلحة الإنسان وبما يخدم تنميته والسمو به إلى عالم الإنسانية الرحب، ولو لم يكن النص المقدس كذلك لما جاء القرآن في الحقيقة منجما، ولما كان الناسخ والمنسوخ، ولما كان الفقه الذي يعني في الأساس، مجموعة الأحكام الشرعية التي يضعها أو يصدرها الفقهاء لمصلحة الإنسان بغية تيسير حاجته المادية والروحية،وهي أحكام لم تؤسس في معظمها على النص المقدس عند بعض الفقهاء أو المتكلمين العقلانيين، رغم أن هذا النص المقدس ظل محتكاً بالواقع وممتداً معه، ولكن هذا الواقع كان دائماً يسبق النص في حركته وتطوره، وهذا ما جعل عمر رضي الله عنه ينظر نظرة جديدة للنص في عام الرمادة، ومسألة الخراج، إن هذا الموقف الجريئ ذاته نظر من خلاله بعض الفقهاء العقلانيين، فإضافة لاعتمادهم على النص المقدس في إصدارهم لهذه الأحكام الفقهية بعد فتح النص الديني على كل دلالاته، أو العمل على استفزازه وتفجير طاقاته في مواجهة الزمان والمكان المتغيرين والمثقلين بالواقعات، نجدهم – أي الفقهاء والمتكلمون العقلانيون- يعتمدون على مصادر فقهية إضافية غير تلك المصادر الأربعة التي حددها السلفيون أو ما سموا (بأهل الحديث) وبخاصة القرآن والسنة والاجماع والقياس، وإنما اعتمدت أيضاً على مصادر عقلانية أخرى مثل المصالح المرسلة، والاستحسان، وتغير الأحكام بتغير الأزمان، وغير ذلك من مصادر فقهيه تمنح حرية واسعة لدور العقل وإرادة الناس انطلاقاً من مصالح الناس، بالرغم من موقفهم الرافضة لمصدري القياس والإجماع وما يصب في بوتقتهما من مصادر أخرى مثل أقوال الصحابة والتابعين وأعمال آهل المدينة وغير ذلك من المصادر التي تبناها السلفيون في فقههم. أما أهم من مثل هذا التيار العقلاني من مذاهب وتيارات فكرية، فهم المعتزلة على مستوى أهل الكلام، والمذهبان الفقهيان الحنفي والجعفري على المستوى الفقهي. فجميع هؤلاء أمنوا بأن الإنسان مخيراً وليس مسيراً، كما آمنوا بدور العقل وحرية الإرادة الإنسانية في التعامل مع النص الديني المقدس وضرورة فتحه على حركة الواقع واستيعاب ما يجري فيه من أحداث جديدة أو مستجدات. هذا وقد حوربت هذه المواقف العقلانية في شقيها الكلامي والفقهي من قبل ألتيار السلفي (أهل الحديث) بكل تياراته الكلامية أيضاً ومذاهبه الفقهية.

إن مثل هؤلاء الفقهاء والمتكلمين العقلانيين هم من آمن ضمناً بمقولة: إن هذه الأمة تحتاج كل مئة عام لمن يجدد لها في دينها. مع اعتقادي أن هذه الأمة أمام ما يتعرض له العالم من تطور وتغير يومي بسبب ما حققه الإنسان من تطور علمي وتكنولوجي، وتأثير هذا التطور بالضرورة على جملة حياة الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، لا بد أن يوجد هناك من يجدد لنا ديننا كل يوم.

على هذا الأساس نتساءل: ما هي معطيات المقاربة ما بين الدين والعلمانية؟ .

أولا: ضرورة الإقرار بأن النص الديني المقدس (القرآن والسنة)، يجب أن يفتح دائماً في دلالاته الإنسانية على مستجدات الواقع، ولا يجوز إغلاقه خدمة لمصالح قوى اجتماعية محددة ذات أبعاد أنانية ضيقة .

ثانياً: الإقرار بأن الإنسان يمتلك إرادة وتفكيراً حرين، ومسؤولية إنسانية توازي هذه الإرادة وهذا التفكير، وتعمل على ضبطهما بما يخدم حياة الإنسان الكريمة ومستقبله .

ثالثاً: الإقرار بأن الحياة في حالة من التطور والتبدل المستمرين، أي في حالة سيرورة وصيرورة دائمتين.

رابعاً: إن المجتمعات التي تتعدد فيها الأديان والمذاهب والطوائف، لا يمكن أن تحكم بالدين، وبالتالي لا بد من الإقرار بضرورة فصل الدين عن الدولة، أو السياسة، أو تحيده والعمل وفق مقولة: (الدين لله والوطن للجميع). وهي ضرورة لا تسيء للدين من جهة، ولا تسيء للمتدينين من جهة أخرى. فمن صلب العلمانية تنبثق الديمقراطية، ومن أولى أسس هذه الديمقراطية، احترام التعددية، وفي مقدمتها التعددية الدينية وحرية الاعتقاد.

خامساً: رفض النزعة العدمية تجاه الدين، وعدم الممانعة في الاتكاء عليه تربوياً وأخلاقياً واجتماعياً تحت مقولة ما نسميه التوظيف السوسيولوجي للدين. فالدين إذا ما وظف بشكل عقلاني لتربية الفرد على القيم الفاضلة سيحقق نتائج إيجابية رائعة، فهو الشرطي الكامن في أعماق شعورنا ولا شعورنا معاً. غير أنه يَفْسَدْ ويُفْسِدْ الفرد والمجتمع معه عندما يوظف سياسياً. إن الدين عندما يوظف سياسياً، يتحول إلى أيديولوجيا براغماتية، تعمل على تحقيق مصالح قوى اجتماعية محددة على حساب قوى اجتماعية أخرى، أو تجعل قوى اجتماعية محددة وصيّة على قوى اجتماعية أخرى، وهذا كله يجعل من النص الديني قوة أيديولوجية فوق الواقع وحركته وتطوره... قوة أيديولوجية تعمل على ليّ عنق الواقع كي ينسجم معها دائماً، أي مع مصالح القوى الاجتماعية الضيقة أو المحدودة التي تعبر عنها هذه الأيديولوجيا على حساب قوى اجتماعية أخرى، وهنا ندخل في باب التكفير والزندقة ورفض الآخر، وتحليل دمه أو قتله على هويته الدينية المخالفة للخطاب الديني السائد أو المسيطر، أو مَنْ يشعر مِنْ حملة هذا الخطاب أو ذاك أنهم هم الفرقة الناجية، وبالتالي سيساهم هذا الخطاب الديني العدواني في بنيته وأهدافه على تفتيت المجتمع وتجزيئه وتذريره إلى كونتونات اجتماعية تقوم على الطائفة والمذهب . ومن هذا الخطاب الأيديولوجي البراغماتي جاء موقف الإخوان من العلمانية كم حدده سيد قطب في كتابه ( العلمانيون والإسلام) حيث يقول: (العلمانيون هم المرآة التي تعكس ما يريده أعداء الأمة من اليهود والنصارى، ولذلك فهم يتبنون كل ما من شأنه إبعاد هيمنة الإسلام عن حياة المسلمين.). وكذلك رأي رئيس المجمع الفقهي في السعودية: ( إن هذه الدعوة الآثمة – فصل الدين عن الدولة – في حقيقتها عزل الدين عن الحياة ووأد الناس وهم أحياء ...) (لمعرفة المزيد من هذه الآراء المتخذة ضد العلمانية . راجع كتاب ظاهرة التطرف الديني، للدكتور سفير أحمد جراد . دار محمد الأمين للطباعة والنشر والتوزيع. ط3. دمشق. 2012 . من ص507 إلى ص 512 .). وللأسف إن كل التيار السلفي المعاصر دون استثناء يتبنى وجهة نظر (المجمع الفقهي) في السعودية من مسألة العلمانية. وإن كل هذه الآراء الواردة في هذا الكتاب من قبل العديد من الكتاب والباحثين الإسلاميين أو المؤسسات الإسلامية، تشير إلى قَبلِيَةِ هذه الآراء وتسييسها، فهي آراء لم تقم على مواقف معرفية ونقدية لفهم العلمانية وطبيعتها وأهدافها، أو حتى دراسة تاريخها وصيغها.

هكذا نجد من خلال هذه المقاربة الأولية ما بين الدين والعلمانية، أن العلمانية ليست ضد الدين أو نافية له، بل هي الجانب العقلاني والإنساني فيه... إنها دعوة لحرية الإنسان وسيادة العقل والمنطق في تفسير آلية عمل ظواهر الحياة الطبيعية والاجتماعية وتسخيرها لمصلحة الإنسان ... إنها دعوة لتسييد العقل على النقل والامتثال . هذا مع تأكيدنا في نهاية هذه الدراسة بالقول: إن العلمانية ليست صيغة واحدة معطاة بشكل نهائي، وقابلة للتمدد في صيغتها الوحيدة لكل زمان ومكان، إن العلمانية شأنها شأن الديمقراطية، فهي صيغ متعددة، تفرض كل صيغة منها طبيعة المرحلة التاريخية المعيوشة وحواملها الاجتماعية، لذلك نجد أن صيغة العلمانية التي طرحها رجالات الثورة الفرنسية في القرن الثامن شر، تختلف في الحقيقة من حيث الجوهر عن الصيغة العلمانية التي طرحها رجالات الثورة البلشفية في روسيا مع بداية القرن العشرين، أو عند لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية في النصف الثاني من القرن العشرين. فالثورة الفرنسية لم تحارب الدين من حيث كونه حالة روحية ووجدانية تتضمن في جوهره قيماً أخلاقية إيجابية كثيرة، وإنما جاءت العلمانية آنذاك، ضد سلطة الكنيسة الاستبدادية التي التقت مع السلطة الاستبدادية الملكية ضد الشعب ومصالحه، وبالتالي فقد كانت تهدف العلمانية عند قيام هذه الثورة الفرنسية إلى فصل الدين عن الدولة بغية منع سلطته الاستبدالية من جهة، ومركزته في الفرد بدل الكتلة ضرباً للطائفية والمذهبية لا أكثر من جهة ثانية. بينما نجد صيغة العلمانية في الثورة البلشفية، أنها كانت تتجاوز مسألة فصل الدين عن الدولة، لتدخل في مسألة فلسفة الإلحاد، وهذا ما أوقع الاتحاد السوفيتي سابقاً في مآزق كثيرة لدى شعوب الاتحاد السوفيتي، إن كان عند بعض قومياته التي تتخذ الإسلام ديناً لها من جهة، أم عند اليهود والمسيحيين الروس أنفسهم من جهة ثانية. ثم هي غيرها أيضاً في بعض دول أمريكا اللاتينية التي اتخذت من لاهوت التحرير منهجاً لها في موقفها من الدين والدولة، وسخرته تسخيراً ثورياً لضرب مواقع الاستبداد والفساد دون الدعوة إلى تبنيه بديلاً عن الدولة المدنية أو دولة القانون والمؤسسات..

 

كاتب وباحث من سورية

.........................

ملاحظة: هذه الدراسة نشرت منذ أكثر من خمس سنوات في العديد من المواقع والصحف الالكترونية، وقد اعتبرها البعض من أوائل الدراسات التي تناولت موضوعة المقاربة مابين العلمانية والإسلام. وأنا أعيد نشرها اليوم ضمن سلسلة مقالات قضايا التنوير بعد أن أجريت عليها الكثير من التعديل.

 

 adnan oayeedمدخل: يعتبر السيد  جورج جاكوب هوليوك، (George Jacob Holyoake) الكاتب البريطاني، أول من قدم تعريفا للعلمانية، حيث بين أن العلمانية في سياقها العام، هي قاعدة أو منطلق أفكار وقيم رقي المجتمع الدنيوي، التي تجاوزت أساليب التفكير الديني في تفسير أحدث وظواهر الطبيعة والمجتمع في الميدانيين العام والخاص معا.

في الميدان العام:  تؤكد العلمانية بأن الحق يجب أن لايرتبط بقيود التعاليم الدينية فقط، كما تؤكد أيضاً على عدم فرض سلطة الدين على الناس من قبل الدولة، التي يجب أن تكون دولة حيادية تجاه حالات الاعتقاد، وأن لاتقدم أية امتيازات أو دعم لأي دين من الأديان في ظل المجتمعات أو الدول المتعددة الديانات. (تمييز الفقرة من قبلي – المترجم)

في الميدان الخاص : تشير العلمانية إلى ضرورة الاعتقاد بأن النشاطات الإنسانية وما يتخذه الناس من قرارات وبخاصة على المستوى السياسي منها، يجب أن تؤسس على الدليل والبرهان للوصول إلى الحقيقة، وليس على تأثير الرؤى والأفكار الدينية فقط .

كما يؤكد أيضا هوليوكا (Holyoake)، بأن الفكر العلماني الذي يؤسس على التدريب والتعلم، سيحقق بالضرورة حالة الانفصال أو الابتعاد عن الدين أو العقيدة بالنسبة للدولة.

إن النقاشات والجدالات التي دارت حول دعم العلمانية  في المجتمع الأوربي، كانت واسعة جدا، حيث راحت تؤكد على أن العلمانية هي حركة قريبة من المدنية، وبعيدة عن القيم والتقاليد الدينية. وهذا الأنموذج من العلمانية على المستويين الاجتماعي والفلسفي، غالبا ما تتبناه أو تسير على نهجه الحكومة العلمانية، هذا في الوقت نفسه نجد أن الكنيسة الرسمية وسلطة الدولة العلمانية لا تتخليان كلياً عن دعم الدين بهذا الشكل أو ذاك. ففي الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، هناك بعض المهتمين بشؤون العلمانية يقولون: إن الدولة قد خدمت إلى حد بعيد الدين عبر تدخل الحكومة، بينما هي لم تتدخل بالشكل المطلوب لخدمة انتشار العلمانية على المستوى الاجتماعي. هذا ونجد أن تدخل الحكومات في الدول العلمانية يختلف في درجة قوته أو ضعفه من دولة إلى أخرى لأسباب مختلفة تتعلق بظروف الدولة ذاتها .

 

في التعريف:

استخدم مصطلح العلمانية لأول مرة كما أشرنا أعلاه من قبل الكاتب الإنكليزي (George Jacob Holyoake)، عام 1846 . وبالرغم من أن المصطلح يعتبر جديدا على الساحتين الثقافية والفكرية في أوربا، غير أن الأفكار العامة المرتبطة به، وبخاصة الأفكار الدينية ذات الطابع الفلسفي العقلاني، قد وجدت عبر الكثير من مراحل التاريخ، حيث نجد إرهاصاتها الأولية لدى المفكر العربي الإسلامي (ابن رشد)، ومدرسته الفلسفية، بشكل خاص.

لقد ابتكر هوليوكا (Holyoake)، مصطلح العلمانية كي يقدم أفكاره في المسائل الاجتماعية عبرها، بطريقة بعيدة في مضمونها عن الدين، دون الدخول من قبله أيضا في انتقاد المعتقدات الدينية بشكل فاعل.

إن هوليوكا (Holyoake) اللاأدري،(تيار فلسفي أعلن عم قدرة الإنسان على معرفة الحقيقة المطلقة- المترجم) كان يؤكد في أطروحاته بأن العلمانية ليست مخالفة للدين، أو في حالة صراع مع الكنيسة، بل هي دعوة لاغبر من أجل الاستقلال عنهما، كما أنها لم تدعي الشك في المسيحية، وأن المسيحية طورت المجتمع في فترة ما من تاريخها، كما أن العلمانية عنده أيضا لم تقل بغياب تجليات النور والعقل نهائيا عن الوجود، بل أقرت بوجود هذه التجليات في الحقيقة العلمية، وأن مقومات وشروط وجودها قائمة بشكل مستقل عن إرادة الإنسان، وهي تعمل دائما دون توقف، والمعرفة العلمية كما يراها وبكل وضوح هي ذاك النوع من المعرفة التي وجدت من أجل إدارة وتنظيم شؤون المجتمعات الإنسانية بشكل أفضل، محققة بذلك إمكانات الاختيار عبر التجربة في هذه الحياة .

إن معهد باري كوسمين (Barry Kosmin) للدراسات العلمانية في المجتمع والثقافة، قسم العلمانية الحديثة إلى أنموذجين، أنموذج قاسي والآخر لطيف، ووفقا للسيد موسمين ( Kosmin)، فالعلمانية القاسية تعتبر المواضيع الدينية من الناحية المعرفية غير قانونية، أما بالنسبة للعلمانية اللطيفة فهي ترى أن إنجاز الحقيقة المطلقة أمر مستحيل، لذلك لابد من اعتماد قاعدتي الشك والتسامح معا كمنطلق في التعامل أو النقاش حول العلم والدين معا .

 

الدولة العلمانية أو علمانية الدولة:

معظم حكومات العالم تعتبر بشكل رسمي حكومات علمانية، كخط أزرق، والدولة الدينية منها خط أحمر. وفي التعريفات السياسية، العلمانية هي حركات باتجاه فصل الدين عن الدولة، (عرفت غالبا بفصل الكنيسة عن الدولة)، أي تخفيف طبيعة العلاقات أو الروابط بين دين الدولة والدولة، عبر استبدال الوصايا والتشريعات الدينية الصادرة عن الكتاب المقدس ومن يقوم على تفسيرها مثل (الوصايا العشرة)، بقوانين وضعية، والعمل على إزالة التمايزات القائمة بين الناس على أسس دينية، وهذه التوجهات العلمانية في هذا الاتجاه تشكل أحد معطيات الديمقراطية (والمواطنة- المترجم)، التي تعمل على حماية حقوق الأقليات الدينية في المجتمعات الأوربية .

إن العلمانية غالبا ماترتبط بعصر التنوير الأوربي، وقد لعبت الدور الكبير في المجتمعات الغربية، بيد أن الأسس التي استخدمت لتطبيق فصل الكنيسة عن الدولة في أوربا وأمريكا، ليست بالضرورة تمثل توجها علمانيا بكل معنى الكلمة، ففكرة فصل الدين عن الدولة هذه وجدت في دستور الهند والعديد من الدول مثل، كندا، تركيا، كوريا الشمالية، وكوريا والجنوبية ... الخ، علما أن كل هذه الدساتير وغيرها لاتملك صيغة واحدة في أحكامها وبنودها تجاه التطبيق العلماني. إلا أنها في مضامينها العلمانية ظلت محاولة لم تتجاوز في معطياتها أكثر من كونها قوانين أو أحكاماً كانت في معظمها تقريبا قائمة على الورق، ومع ذلك تم إنجاز أو تأسيس الكثير من معطيات المجتمع الحديث في هذه الدول انطلاقا من معطياتها.

في مسألة الاعتقاد بضرورة فصل الدين عن الدولة، يبدو أن العلمانيين يميلون إلى تشجيع السياسيين بصياغة وإصدار قرارات تمس حياة المجتمع وتساعد على حل مستجدات عصره أفضل من أن تحل هذه المستجدات عبر الرؤى والأفكار الدينية. فالقرارات السياسية تجاه قضايا مثل، الإجهاض، والتربية الجنسية ... الخ، يعوّل النظر فيها والبحث عن حلول لها على القرارات السياسية ومنظمات المجتمع المدني أكثر من أية جهة أخرى، وبخاصة الجهة الدينية، على اعتبار أن القيمين على الدين يميلون دائما إلى لعب الدور القديم للدين الذي  يعتبر الأخلاق حالة معيارية مطلقة الثبات في شكلها ومضمونها وقابلة لكل زمان ومكان، وحتى من راح يتقبل الفكرة الديمقراطية من هؤلاء القيمين على الدين، والتي من خلالها تقبل القرارات السياسية في حل قضايا المجتمع، فهم بقوا يطمحون إلى تحقيق بعض المكاسب والامتيازات التي تمنحهم الشعور بضرورة وجودهم ودورهم الفاعل في المجتمع، وذلك عبر الحوار الدائم ما بين الكنيسة الخاصة بدين الدولة والدولة .

إن العديد من المسيحيين في أوربا وأمريكا الذين يدعمون العلمانية، يستندون في دعمهم هذا على الكتاب المقدس، وعلى مقولة السيد المسيح، (أعط ما لقيصر لقيصر، وما لله لله .). بيد أن  هناك بعض المسيحيين المتشددين (الأصوليون) وبشكل ملحوظ في أمريكا، يعارضون العلمانية، مدعين أن هناك علمانية لها توجهات أيديولوجية متطرفة، راحت في رأيهم هذه الأيام تشكل خطرا وتهديدا ليس لحقوق المسيحيين فحسب، بل وللأمن القومي أيضا (المحافظون الجدد- المترجم) .

إن معظم القوى الهامة أو الفاعلة في تكريس الأصولية في العالم المعاصر هي من الأصوليين المسيحيين والمسلمين، على اعتبارهما الديانتان الأكثر انتشارا وفاعلية،  في الوقت الذي نجد فيه أن الأقليات الاجتماعية التي تعيش في محيطهما،  هي من تدعوا إلى التطبيق العلماني اذي وجدت فيه تحقيقا للعدالة والمساواة بين الجميع. أب تحقيق   المجتمع المدني :

في دراسات فكرية عن الدين، تم الاعتراف بالمجتمع الأوربي الحديث على وجه العموم كمجتمع علماني، وهذا الاعتراف  هو في الحقيقة استحقاق للاقتراب أكثر من الحرية الدينية، (شخص ربما يؤمن بأحد الأديان، أو بديانات متعددة، أو ربما لايؤمن بأي دين كان، فهذه قضايا شخصية)، وأن الدين في نهاية المطاف لايملى على الناس عن طريق القرارات السياسية .

بالرغم من ذلك، فإن المشاهد الأخلاقية الأصيلة في التقاليد الدينية، بقيت من الناحية السياسية على درجة هامة من الأهمية في العديد من الدول التي تبنت العلمانية مثل، الصين، فرنسا، تركيا، أمريكا وغيرها، بل أن هذه التقاليد في بعض المراجع الدينية اعتبرت من نسيج ألأفكار السياسية . (مثل: الزواج والطلاق وما يمت لهذه القيم الشرعيةالأصيلة التي حددتها طبيعة الدين- المترجم)

إن علم الاجتماع الحديث، يعتبر أن هناك أزمات شرعية قد ولدت أو نتجت عن تحديات فرضتها سلطة التقاليد الدينية في الغرب منذ أن انشغل دوركهايم (Durkheim)، وكذلك الكثير من علماء وباحثي علم الاجتماع في القرن العشرين المعروفين أمثال (ماكس فيبر، كارل. ل . بيكر، كارل لويث، بانس بلومينبيرج، م. هـ. ابرامز، بيتر ل. بيرجر، و بول بينيكو.) .(Max Weber، Carl L. Becker، Karl Löwith، Hans Blumenberg، M.H. Abrams، Peter L. Berger، and Paul Bénichou) الذين انشغلوا بمشاكل السلطة في المجتمع العلماني وقضاياه، وبالعلمانية ذاتها كعملية تقدم اجتماعي وتاريخي في المجتمعات البشرية.

إن العلمانية يمكن أن تكون أيضا أيديولوجيا اجتماعية تتضمن الكثير من المعتقدات الدينية، وأحيانا المعتقدات الخارقة للطبيعة، بيد أنها في صيغتها هذه، غير قابلة لأن تكون مدخلا حقيقيا لفهم العالم عقلانيا، لذلك هي (أي في هذه الصيغة المثالية) غالبا ما كانت تُعزل عن الحكم، ولا تدخل في نطاق التفكير العقلاني، في الوقت الذي نجد فيه من يقول إن العلمانية وبكل صيغها التي جئنا عليها هنا، يمكن أن تكون ذاك التدريب العملي القادر على ترقية وتنمية المجتمع.

على العموم، إن تأكيد مواقف تُعتبر علمانية في سياق اجتماعي ما، ربما لا تكون هذه المواقف علمانيا في السياقات الأخرى، والعلمانية ليس من الضرورة أن تكون مساوية للإلحاد، فالكثير من العلمانيين هم متدينون، في حين نجد بعض الملحدين غالبا ما يوافقون على أن يكون للدين تأثير في سياسات الحكومة.

إن العلمانية في السياق المنطقي هي جزء جوهري من الأيديولوجية الاجتماعية والسياسية للمجتمع العلماني (الدنيوي)، وأن بعض المجتمعات أصبحت علمانية بشكل واسع كنتيجة لتقدم المجتمع، حيث أن عملية تقدم المجتمعات هي ذاتها تعتبر علمانية بامتياز، أي أن عملية تقدم المجتمع تفرض بالضرورة العلمانية على المجتمع.

 

أخلاق العلمانية:

العلمانية في هذا السياق إذن، هي مجموعة القوانين والمبادئ المرتبط بحياة الإنسان والتي أسست على اعتبارات إنسانية محض، وتعامل معها بشكل أساس هؤلاء الذين لمسوا الغموض في اللاهوت، والشك في مقدرته على حل كل قضايا الناس، الأمر الذي دفعهم إلى القول بقصوراللاهوت في هذا الاتجاه، أوهو غير جدير بالثقة المطلقة، لذلك هم اقروا بضرورة التعامل مع العلمانية لما تحمل من قضايا أو مبادئ حددوها هم في ثلاثة هي:

الأول: قدرة العلمانية على تحسين حياة الإنسان بوسائل علمية.

الثاني: إن العلم قوة إيجابية متاحة للجميع في المجتمع الإنساني.

الثالث: ما جئنا عليه في المبدأين أعلاه، هو شيء جيد لإنجاز عمل جيد، إن كان هناك أناس جيدون أم لم يكن، وما هو جيد في زمننا الحاضر، هو جيد أيضا للتأسيس عليه من أجل البحث عن الجيد الأخر.

يقول بعض المفكرين الغربيين ومنهم هوليوكا ( Holyake) ذاته، بأن العلمانية وأخلاق العلمانية لم تعط الاهتمام الكلي في الخطابات الدينية (عندما كانت هذه الخطابات غير عقلانية)،هذا إضافة إلى كونها لم تكن معروفة من قبل التفكير الحر، بل وحتى التفكير الإلحادي، ففي هذه المسألة يبدو أن  هوليوكا (Holyoake)، لا يتفق مع بعض الكتاب الذين تناولوا موضوعة العلمانية من جهة منطقية، ومنهم على سبيل المثال كارلس برادلوف (Charles Bradlaugh). الأمر الذي ساعد على وجود انشقاق في الرأي، ما بين من  يقول: إن التوجهات العلمانية، أو غيرها من الحركات الفكرية والسياسية المضادة للدين، هي غير ضرورية و غير مرغوب فيها، ومن يقول العكس تماما، أنه مرغوب فيها وهي ضرورية.

 

حوارات حول العلمانية:

لقد ناقش مؤيدو العلمانية مسألة العلمانية وصعودها في كل حالاتها السابقة التي جئنا عليها أعلاه، إضافة لمسألة أسس الخطاب الديني في صيغه اللاهوتية المتزمتة المناوئة  للدولة العلمانية، فوجد هؤلاء المؤيدون للعلمانية في المحصلة أنها  نتاج لعصر التنوير الذي أخذ الناس فيه يتجهون نحو العلم والتفكير العقلاني، ويبتعدون عن الأفكار الدينية (اللاهوتية) المناقضة للعلم والعقل في فهمها أو توجهاتها .

أما خصوم العلمانية، فقد ناقشوا هم أيضا قضايا العلمانية، ووصلوا إلى نتائج مفادها، أن الحكومة العلمانية خلقت الكثير من المشاكل للمجتمع بدلا من حلها، لذلك يجب على الحكومة أن تكون مع الروح والأخلاق الدينية، أو على الأقل أن لاتكون علمانية صرف لأن ذلك أفضل بالنسبة للمجتمع. هذا في الوقت الذي نجد فيه أيضا بعض المناوئين للعلمانية والدولة العلمانية من المسيحيين يدّعون بأن الدولة الدينية تستطيع أن تخدم أكثر من الدولة العلمانية  الحريات الدينية، وللبرهان على ذلك يستشهدون بالدول الاسكندينافية مثل (السويد والنرويج والدانمرك)، حيث يؤكدون بأن هذه الدول استطاعت بدساتيرها إيجاد روابط عميقة بين الكنيسة والدولة، وحتى هذه الفترة هناك اعتراف متميز بمسألة التقدم والتحرر الاجتماعي في هذه البلاد غير موجودة في الكثير من الدول التي لاتوجد فيها تلك العلاقة ما بين الدولة والكنيسة كما هي الحال في الدول الاسكندينافية. فعلى سبيل المثال، في (فلندة) تقدم الحكومة التمويل المالي من أجل بناء الجوامع ودور العبادة، وفي (السويد) نجد التوجهات العلمانية والفكر الاجتماعي السياسي الوضعي بالرغم من اعتراف الدولة الرسمي بالكنيسة الوطنية عام / 2000/ . هذا إضافة إلى أن الدول الاسكندينافية من الناحية الاجتماعية تقع بين العديد من الدول العلمانية في العالم التي تنخفض فيها نسبة الأفراد الذين يتمسكون بالمعتقدات الدينية، في الوقت الذي نجد فيه أيضا حدة النقاشات الدائرة في (النيروج) التي تنشد ضرورة الاعتراف بالكنيسة الوطنية اللوثرية .

بعض المعلقين الحداثيين المناوئين للعلمانية يربطونها بالإلحاد، أو بأنظمة الشيطان كما يقولون. وكلمة العلمانية بشكل عام شكلت رذيلة أو سبّة عند بعض المتدينين المحافظين في الولايات المتحدة الأمريكية.

إن البابا  Pope Benedict XVI، قد أعلن. (إن استمرار العلمانية سيكون مشكلة أساسية في المجتمع الحديث)، وقد جعل من مقاومتها كمسألة أخلاقية، هدفا لمرحلة ولايته البابوية.  ومع ذلك وجد بعض المهتمين بمسألة العلمانية، أن هدف علمانية الدولة هو جعل الدين حياديا، وهذا الرأي عند بعضهم، اعتبر قمعاً لحيز من المظاهر الدينية، بل قمعا متساويا لكل الأديان على حد سواء، مقابل كونه أيضا عند بعضهم، هو دعوة لحماية كل الأديان من تدخل الآخرين.

بعض الآراء السياسية المتطرفة في (الماركسية) (وبخاصة الآراء الشيوعية في الاتحاد السوفيتي سابقاٌ- المترجم)، كبحت بشكل عام أي تأثير للأفكار الدينية على الدولة والمجتمع، معتبرة ذلك أمرا سلبيا. وفي الأمم التي اعتنقت أو آمنت بمثل هذه الأفكار إن كان في أوربا الشرقية بشكل خاص، أوماسمي بالكتلة الاشتراكية سابقا بشكل عام، شكلت المؤسسة الدينية إشكالية بالنسبة للدولة العلمانية داخل المحيط الشعبي، فحرية العبادة كانت في الحقيقة تنوس ما بين الرفض والقبول من قبل الحكومة، وأن العقائد الكنسية كانت تراقب للتأكد من التزامها بقوانين الدولة العلمانية، بل حتى مدى التزامها بالفكر الفلسفي الوضعي الرسمي. بيد أن الفكر الديمقراطي الغربي يعتبر أن مثل هذه الاختراقات البوليسية  تجاه الحريات الدينية من قبل الدولة تعرقل مسيرة الحرية. في حين نجد أيضا ان بعض العلمانيين ممن يعتقد بضرورة أن تحتفظ الدولة بكامل استقلاليتها عن الدين، وأن المؤسسات الدينية يجب أن تحتفظ أيضا بكامل حريتها وبعيدا عن تدخل الدولة، لذلك فالكنائس التي اعتادت فصل سلطاتها كليا عن دعم الحكومات، تُدعى مؤسساتها الدينية اصطلاحا بالكنائس الحرة .

بعض العلمانيين الذين حبذوا السماح للدولة بتشجيع الدين، مثل (إعفاء الكنائس من الضرائب، أو دعمها بالأموال من أجل التعليم والإحسان على الهيئات الدينية)، طالبوا أن لايقتصرهذا الدعم على مؤسسة دينية واحدة كما هو الحال في الدولة الدينية، بينما نجد هناك بعض الليبراليين الكلاسيكيين يؤكدون بأن الدولة تكون على صواب عندما تقوم بإعفاء المؤسسات الدينية من الضرائب، خاصة بعد أن فقدت هذه المؤسسات سلطتها الزمنية، في (مجال فرض الضرائب وتنظيمها) وذلك انطلاقا من إيمان هؤلاء بأن السلطتين الزمنية ممثلة بالدولة والروحية ممثلة الكنيسة متطابقتان في مجالي القيم الأخلاقية والشخصية، بيد أن تحقيق هذا التطابق لايمكن أن يتم عمليا خارج نطاق إخضاع الدين للدولة.

 

Secularism

From Wikipedia، the free encyclopedia

 

ترجمة :د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

 

abduljabar alrifaiمجتمعاتنا مسكونة بهاجس التراث: ربما لا توجد مجتمعات بشرية مسكونة بهاجس التراث كالمجتمعات الاسلامية، فهي تعيش حنينا الى الماضي لا حدود له، وتخلع عليه ما يحلو لها من المعاني والصور المثالية، وتتعاطى معه باعتباره ناجزا ومكتملا وفريدا، وتحشد كل احلامها وأمانيها وتطلعاتها في استرداده كما هو، بنحو أمسى ذلك التراث قيدا يكبل حاضرها ويلغي مستقبلها، ذلك انها تسعى لأن يصير زمانها زمانا تكراريا، لا ينتهي الاّ من حيث بدأ، ولا يبدأ الاّ من حيث انتهى.

وأفضى حنينها وتمجيدها لتراثها مصدرا لطائفة من الإلتباسات والخلط في الرؤية، بشكل يتعذر فيه التمييز بين الدين بوصفه تساميا للروح وتجسيدا للقيم النبيلة، والتراث بوصفه انتاجا بشريا، يرتبط عضويا بمختلف الظروف والعوامل الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المتغيرة، مثلما تعذر التمييز بين الواقعة التاريخية والشخص التاريخي، والواقعة الرمزية والشخص الرمزي، الذي صاغه المخيال الايماني، وكرسه في الذاكرة الجماعية، واعتبره متعاليا على الأرض، ومتجاوزا لمعطيات الواقع. وكأن حركة التاريخ لم تكن تحولا من النقص الى الكمال، ومن الحسن الى الأحسن، وانما تختزل بتمامها في افكار ورؤيا ومواقف السلف، ممن توقف التاريخ عندهم، حتى أصبحت أية محاولة لمساءلة التاريخ، ونزع القناع عن التراث تنعت بالعدوان على أمجاد الأمة وماضيها المشرق، ويجري التشهير بكل باحث يعمد الى الكشف عن عمليات حذف وإقصاء الحوادث والوقائع والمفاهيم والمعتقدات التي لا تنسجم مع الايديولوجيا التبجيلية المهيمنة، أو يسعى للإعلان عن المهمش والمسكوت عنه، وفضح السائد والمتغلب في التراث.

وتشتد سطوة التراث عبر حضور فكر الأموات ومقولاتهم، بل يغدو الأموات هم مصدر الإلهام للكثير من المعاني في حياتنا، وتعلي مجتمعاتنا من مقاماتهم عندما تنصبهم حكاما على الأحياء، وتعود اليهم فيما تواجهه من تحديات، وتستعير آراءهم في أكثر القضايا والمستجدات.

اننا نعيش تحت وطأة التراث، خاصة فيما يسود مجتمعاتنا من نزعات تعصب وكراهية ونفي للآخر، وسنبقى قابعين في هذا السجن، ولا نستطيع الإفلات منه، مالم ندرك ان التراث يتمثل في مجموعة معانٍ، وان هناك شروطا لغوية وثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية لانتاج كل معنى، ومن الضروي تحليل تلك الشروط، ورصد صيرورتها التاريخية والأنساق التي تحركت فيها، ودراسة الأطر الاجتماعية للمعرفة، والأبعاد السوسيولوجية والأنثروبولوجية والسيميائية والسيكولوجية لتشكل الخطابات المتنوعة المنبثقة عن هذه المعاني.

ويحسب أنصار التراث ان الانتماء للاسلام لاينفك عن الاستسلام للتراث واستدعائه بكافة عناصره في حاضرنا، غير ان الايمان والمعتقد لا يرتكز على الاغتراف من التراث، والركون الى فهم السلف. الايمان والانتماء للاسلام يعني بناء علاقة حيوية وفعالة مع الله في العصر الذي يعيش فيه الانسان، تستقي هذه العلاقة مادتها من فهم الشخص للوحي، وتجربته الدينية الخاصة، ولاتستقيها من التراث.

 

المقدس ظاهرة أبدية

يكتب كريغ كالهون: (الدين تهديدٌ، إلهامٌ، مواساة، تحريضٌ، روتين يبعث الاطمئنان أو دعوةٌ لأن يضع المرءُ روحَه على راحته. إنه طريقٌ لإحلال السلام وسبب لشن الحروب. وكما عبّر علي شريعتي: "الدين ظاهرة مدهشة تلعب في حياة الناس أدواراً متناقضة. يمكن له أن يدمّر أو يبث الحيوية، يستجلب النوم أو يدعو إلى الصحو، يستعبد أو يُحرر، يعلّم الخنوع أو يعلم الثورة."  لا غرابة إذن أن تكون الجدالات عن موقع الدين في المجال العام مربكة إلى هذا الحد). لاحظ: "قوى الدين المتعددة، خاتمة كتاب: قوة الدين في المجال الاجتماعي".

الدين ظاهرة أبدية موجودة حيث وجدت الحياة البشرية، وإحدى البنى العميقة في الوعي واللاوعي البشري، حتى المجتمعات الغارقة في العلمنة ــــ اذا صح التعبيرــــ لا يمكن ان تغادر الدين والمقدس، لأنه غاطس في بنيتها العميقة، ونعثر دائماً على تعبيراته في حياتها.

ففي المجتمعات الغربية، التي نظن بأن الدين اختفى من حياتها، الدين مازال حاضرا لديها، لكن طبيعة حضوره في هذه المجتمعات مختلفة عنها في مجتمعات أخرى. صحيح ان الدين لا يتجلى بوضوح في الحياة الاجتماعية الغربية، أو المدنية، أو ينعكس على الإدارة والعلاقات والشأن العام بشكل مباشر، لكنه ما زال لابثا في لاوعيهم، بمعنى ان الدين ليس غائباً ولم يندثر أو يختفي، وان كان مجال حضوره لديهم غيره في الجزيرة العربية والمجتمعات الاسلامية.

 الدين ظاهرة مستمرة متواصلة، وحاجة بشرية لا يستغني عنها الانسان، غير ان تعبيراته وتجلياته وتمثلاته وطبيعة حضوره مختلفة من مجتمع لآخر. حينما تزور أيّ مدينة غربية، وتدخل المتاحف أو الكنائس، أو الكاتدرائيات، أو المباني القديمة تشاهد الكثير من الرسوم والصور واللوحات الفنية والتماثيل، من مختلف عصور التاريخ الاوروبي، خاصة العصور الحديثة، تجد ان معظم الآثار الفنية ترتسم فيها الأيقونات والثيمات والإشارات والايماءات الدينية، ومن يجهل اللاهوت والميراث الديني المسيحي والكتاب المقدس يتعذر عليه فهم عدد كبير من هذه الآثار. وحسب قول إمبيرتو إيكو: "من الصعوبة بمكان فهم ثلاثة أرباع الفن الغربي تقريبا اذا ما كنت تجهل أحداث العهدين القديم والجديد، اضافة الى  قصص القديسين".     

 

المعنى الذي يضفيه الدين على الحياة البشرية:

إنّ الحديث عن المعنى الذي يضفيه الدين على الحياة البشرية لمن يعتقد بأصالته وواقعيته، ولا يرجع جذوره لأسباب وضعية من اجتماع أو تاريخ أو اقتصاد أو أوهام أو غيرها، ليس بالأمر الهيّن، كما يبدو لأول وهلة، كما ليس بوسع شخص ما أنّ يدعي احتكار معرفته؛ ليس لأن ذلك مرتهن بمقدار استيعابنا لجميع الأسئلة والمفاهيم والمناهج التي أفرزها الإنسان في مسيرته الطويلة، وهو ما يعقِّد البت في إشكالية المعنى، بل ولأن الحديث المشار إليه يواجه مشاكل أنطولوجية وإبستمولوجية بشأن علاقة النسبي بالمطلق، وإمكانية استكناه إرادة الذات الإلهية، وطبيعة وقيمة المعرفة البشرية وآلياتها ومناهجها في هذا الحقل. ولكي لا يفسر موقفي في هذه النقطة وكأنه "تعطيل" للمعرفة، كما كان يصطلح القدماء من مفكرينا في الحضارة الإسلامية، يمكنني الإشارة إلى دور الدين في منح الإنسان "هدفا" أو "أهدافا" تتجاوز وجوده البشري المحدود إلى الأبدية المطلقة التي يمثلها "الله"، وما يعنيه ذلك من تحصينات هائلة في مواجهة المشاعر والمواقف العدمية والفوضوية التي يمكن أن يغرق فيها الإنسان. كما بوسعنا الإشارة أيضًا، إلى ما بات يسمى بـ "الأخلاقيات المؤسسة على الدين" ودورها في بث التعاون والتراحم، والألفة والمحبة، وأعمال البر والإحسان، في واقع البشر.

إن دراسة إشكالية المعنى في الدين قضية تقع في الصميم من معنى الكينونة البشرية، وهي بالإضافة إلى جديتها وعمقها وثرائها المعرفي، تنطوي على أبعاد شيقة وخصبة روحيا، لا يكاد يفلت من مداراتها العقل النقدي الشغوف بالحقيقة والمعرفة المتجددة.

لكن مما يؤسف له أنّ النموذج الممثل للدين في الحياة السياسية، ووسائل الإعلام، وغيرها، في الكثير من المساجد والمنابر، المعلن اليوم في بلادنا، يصدر عنه ضجيج واستغاثة ونواح وتعبئة، عادة ماتعبر عنه جماعات سلفية، عجزت عن إدراك مضمون رسالة الدين في الحياة، وأغرقت أنفسها ومجتمعاتنا في نزاعات ومعارك، يتجلى فيها كل شيء سوى قيم التراحم والمحبة في الدين. لقد عملت هذه الجماعات على اختزال الدين في المدونة الفقهية فقط، ثم اختزلت هذه المدونة طبقا لمطامحها السياسية بأيديولوجيا صراعية نضالية. وقامت بترحيل الدين من حقله المعنوي الروحي الجمالي القيمي الأخلاقي الإنساني إلى حقل آخر، تغلب فيه القانون على الروح. أيديولوجيا أهدرت طاقات الدين وإمكاناته في إنتاج معنى لحياة الإنسان، وإضفاء معنى لما لا معنى له.

وفي ذلك يكمن السبب العميق لمناهضة تلك الجماعات للتصوف والعرفان والفنون الجميلة، وافتقار أدبياتها إلى التعرف إلى المضامين القيمية والأخلاقية والانسانية والتجارب الروحية العميقة في التدين.

 

تخطى الإتّباع يعني ضرورة المراجعة والنقد:

تكمن أهمية النقد في أنه أهم أداة يعتمدها العقل البشري في التطور في مختلف المجالات، لأن عملية التفكير تعتمد بشكل اساس على المراجعة والتقويم، وما لم يكن هناك نقد ومراجعة لايمكن ان نفكر بجدية. النقد علامة التفكير بحرية، اما ان نفكر بحرية أو لانفكر أبدا، هذا هو التفكير الذي يضعنا في عصر جديد، وينقلنا الى عوالم مختلفة. يلخص الفيلسوف الألماني الشهير عمانوئيل كانط، شعار الأنوار في جملة واحدة، وهي: "اجرأ على استخدام فهمك الخاص". المشكلة التي نعيشها، هي قلما تجد شخصا يعتمد على فهمه الخاص، في الغالب العقل في إجازة، يعتمد الناس على فهم غيرهم، على فهم الآباء، أياً كان مثل أولئك الآباء. عندما يجرؤ الإنسان على العودة الى عقله واستخدام فهمه الخاص، ويدرب عقله على ذلك عبر تمارين بالتفكير الجريء المغاير لما هو سائد ومستحكم، من شأنه ان يصل الى نتائج مهمة. "كانط" نفسه يقول: "العقل هو النقد" ولذلك تعرف فلسفة كانط "بالفلسفة النقدية"، لأن كتبه الأساسية تبدأ بكلمة نقد: "نقد العقل المحض، نقد العقل العملي، نقد ملكة الحكم...الخ".  في الفكر الحديث والمعاصر، لا يوجد فكر بموازاته نقد، وانما الفكر هو النقد، أي ان العملية النقدية ليست منفصلة عن عملية التفكير.

 طالما قيل: ليس من الصحيح ان نثير أسئلة، ان نتحدث بإشكالات تزعزع ثقة الناس بقضية ومعتقد راسخ. لكني أرى من الضروري أن نثير أسئلة حائرة، أسئلة جريئة، أسئلة صعبة، أسئلة كبرى. ينبغي ان يكون تفكيرنا تساؤليا على الدوام، لأن التفكير التساؤلي هو الذي يمكننا من الوصول الى ما هو ممنوع التفكير فيه، والمناطق اللا مُفكَر فيها أصلاً. التفكير لا يكون محايدا، فأما ان يكون تفكيرا تساؤليا بحرية، وهو التفكير الذي ينطلق بالعقل بحرية وجرأة فيحطم كافة أغلاله، أو يكون مقيدا مشلولا يقودنا الى العبودية. النقد والمراجعة عمليتان هامتان، وهما شرط  كل تطور فكري، ومرتكز لكل عملية تحديث من شأنها تحقيق تنمية شاملة في أي بلد من البلدان.

في الفلسفة غالبا ما تتحول الإجابات الى أسئلة، والتفكير الديني العقلي تتوالد فيه الاستفهامات والأسئلة اللاهوتية على الدوام. ولايمكن تحديث التفكير الديني بلا إثارة مثل هذا اللون من الأسئلة.لا توجد خطورة أو مشكلة من إثارة الأسئلة.

 هناك منطق تبسيطي، يذهب الى ان هذا السؤال الذي يثار ينبغي ان يكون جوابه جاهزا، من أجل ان لا نثير حالة من الإرتياب والشك، وكأنه يفترض ان لكل سؤال جوابا، ولابد ان يكون هذا الجواب نهائيا، بينما هناك أسئلة ظهرت في الحياة البشرية منذ فجر الوعي البشري، وما زالت هذه الأسئلة تتكرر، واجاباتها أيضاً يعاد تكوينها، وتنبثق لها اجابات جديدة باستمرار. من هنا يمكننا تفسير اتساع دائرة التيارات والمدارس الفلسفية واللاهوتية، وتنوع الآراء والمقولات والاجتهادات لديها على مر التاريخ. فمثلا أشرنا الى دور الدين في معننة الحياة، وكيف ان الإنسان مسكون بمنح معنى للوجود والحياة. هذا أحد الأسئلة الكبرى في الوعي البشري، فقد أفاضت الفلسفات وأيضاً اللاهوت بتقديم أجوبة متنوعة عن هذا السؤال.

 وظيفة الأسئلة وظيفة أساسية، انها هي التي تسمح لنا أن ننقد وأن نراجع، وان يدحض العقل ويكذب شيئا مما كان لزمن طويل يعد من الحقائق الأزلية واليقينيات. طب جالينوس وفلك بطليموس وغير ذلك من علوم الأوائل ظلت لعشرات القرون مسلمات، غير ان العلم الحديث نسخها. تاريخ العلوم ينطوي على سلسلة من التكذيبات، وهو بمثابة "مقبرة للنظريات العلمية". حسب كارل بوبر. التساؤل والتشكيك يسمحان لنا بإستئناف النظر في طائفة من الجزميات، والقطعيات، والمسلمات، والبداهات، وقيمة الفكر الحديث والمعاصر انه يستأنف النظر بالمسلمات، وعلى حد تعبير، ادغار موران: (اللايقين يقتل المعرفة البسيطة لكنه يحيي المعرفة المركبة).

وقد كان للمتكلم الفخر الرازي المعروف بإمام المشككين وغيره من المجتهدين في علم الكلام والفلسفة أثر بالغ في  تطوير التفكير الديني في الاسلام. وحين نعود الى اللحظات الحاسمة في انتاج رؤى واجتهادات وأفكار وابتكار آراء جديدة في التفكير الديني نجدها تتوالد باستمرار في فضاء التساؤلات وتنبثق من خلال المواقف العقلية الإرتيابية.

في ديارنا المحرم التفكير فيه أكثر من المباح. النقد يرتكز على: ان لا شيء ممنوع من النقد. ما لا يمكن نقده هو فقط الممتنع التفكير فيه. لا شيء مما يخص الإنسان ــــ أي بإمكانه منطقياً أن يكون موضوعاً لتفكير الانسان به ــــ يمتنع التفكير فيه عليه، وما يطاله المنع منه يفترض أن يكون خارجاً عن عالمنا وعقولنا كآدميين، أي أن يكون المنع عنه عائداً في الحقيقة إلى كونه مستعصياً على قدراتنا المعرفية؛ وبالتالي فإن هذا الوضع يقضي أن تكون القضية "الممنوع التفكير فيها" مساوقةً لكونها "فارغة المضمون" بالنسبة لنا. 

كل المفاهيم الجديدة، والأسئلة الجديدة، والأفكار الجديدة، والمقولات الجديدة مزعجة، وربما بعضها يمثل فضيحة لصاحبه في وقتها، ستثير هذه المقولات اعصارا أحيانا، لأنها تعاكس الريح، ومن شأن هذا الإعصار ان يترك أثره، وتاريخ الفكر الديني في المجتمعات البشرية عموماً، تأريخ متحرك وليس ساكناً، فهو ظل يتحرك، ويتطور، وينمو، ويتخصب على امتداد التاريخ، صحيح انه في بعض الفترات شهد حالة تراجع وخمول، لكن سرعان ما تعود له الحياة ويتجدد، بعد ان يستعيد أدواته النقدية.

مفهوم الاجتهاد حسب تعبير محمد اقبال يمثل "مبدأ الحركة في الاسلام ". عندما بدأ الاجتهاد في الفقه، تنوعت وتعددت المذاهب الفقهية، وأصبح في كل مذهب من المذاهب أكثر من موقف، وأكثر من مسلك اجتهادي. وهكذا حينما بدأ الاجتهاد في مجال اللاهوت، أو علم الكلام، ظهرت فرق: المعتزلة، والشيعة، والأشاعرة، والماتريدية، ولكل منها ميراث واسع ، يشتمل على مواقف متنوعة، وفيه أكثر من تيار، فالميراث الكلامي للمعتزلة، ميراث في داخله أكثر من تيار، وهكذا الميراث الكلامي للشيعة، ميراث فيه أكثر من اجتهاد، وأيضاً ميراث الاشاعرة  يضم  مجموعة مواقف.

الفكر مرتبط بالتحولات الاجتماعية، ونحن لا نستطيع الوقوف امام تطور المجتمعات، بعبارة أخرى: ان دين اليوم هو دين معارف وعلوم اليوم، ودين الأمس هو دين معارف وعلوم الأمس، لكل عصر بديهياته التي ينطلق منها، وفهم الدين غير منفصل عن فهم العالم والطبيعة."تكنولوجيا المعلومات، تكنولوجيا النانو، هندسة الجينات" والآفاق الراهنة والمستقبلية للعلم والمعارف البشرية لها أثر مباشر في فهم الدين. أنا أظن ان مجتمعنا كحال الكثير من المجتمعات الحية الأخرى، حتى لو كانت هناك أسيجة مغلقة متعددة من حوله، الا ان تكنولوجيا المعلومات، والتطور الهائل في وسائل الاتصال، والتكنولوجيا النانوية، والهندسة الجينية، والعولمة الثقافية والاعلامية والاقتصادية، ستفضي الى انهيار الكثير من أسيجته، وينخرط بالتدريج في الاحتفال بأعياد التاريخ.

عادة ما تبدو الأفكار والمفاهيم الجديدة مثيرة وربما منفرة ومقلقة، ولكن بعد ذلك ستثير نقاشاً وجدلاً وحراكا عقليا اثباتاً ونفياً، ويؤول ذلك الى فتح نوافذ جديدة للتساؤلات، والى ابتكار مفاهيم جديدة، وبلوغ وجوه جديدة للحقيقة لم تتجلَّ من قبل.

 

تجاوز الإتّباع:

تحديث التفكير الديني يتطلب تجاوز الإتّباع، أي دراسة مسارات الدين عبر التاريخ والجغرافيا والاجتماع البشري، واكتشاف طبائع التدين وأشكاله في مختلف المجتمعات، والاهتمام بمقارنة الأديان ونصوصها المقدسة، وأنماط بناء وتكوين وصيرورة مؤسساتها الدينية.

في تاريخ الدين الإسلامي مثلاً يميِّز الباحثون بين تجربتين لنبي الإسلام"ص"؛ هما: المرحلة المكية من الدعوة، والمرحلة المدنية. يعرف المختصون طبيعة وخصائص كل مرحلة في العقيدة والتشريع، فلا حاجة لنا في وصفهما. الخطير في تعاطينا مع المرحلتين هو تغليب المرحلة الثانية على الأولى، بمعنى قراءة وتفسير التجربة النبوية، والإسلامية برمتها، في ضوء مناخات وملابسات المرحلة الأخيرة، حتى لتكاد أن تكون هي المرجع الوحيد والنهائي الذي يختزل كل ما يمكن أن يقال عن الإسلام.

المؤسف في الأمر أن رحيل نبي الإسلام سريعاً بعد عودته إلى مكة وفتحها، ترَك باب التوتر في فهم دور كل من المرحلتين في استيعاب ما هو صميمي من الإسلام مفتوحاً. في نظري أن أي محاولة للتنظير عن مهمة الإسلام في حياتنا المعاصرة تنطلق من مركزية المرحلة النبوية الثانية (المرحلة المدنية)، في إقصاء أو تهميش للمرحلة المكية، هي محاولة تخفي وراءها أغراضاً مصلحية أكثر من كونها دينية. إنها تكريس لما هو تاريخي على حساب ما هو جوهري في الدين.

تجاوز الإتباع وتحديث التفكير الديني يعني إحياء واستلهام الميراث المعنوي العميق، واستدعاء التجارب الروحية التطهيرية التنزيهية السامية في التاريخ. وبناء إلهيات عقلانية مستنيرة، تحررنا من التفسيرات التعسفية القمعية للنصوص. وتحديث الإلهيات يتطلب الخروج من السياقات الكلاسيكية للتفكير الديني، وعدم التوقف عن طرح تساؤلات بديلة، والتوكؤ على منهجيات ومفاهيم مستوحاة من المكاسب الجديدة لفلسفة الدين وعلوم التأويل والمعارف البشرية، تفضي إلى التحرر من الصورة النمطية للإله، التي تشكلت في سياق الصراعات الدامية، والفتن والحروب العديدة بين الفرق والمذاهب، والسعي لترسيخ صورة رحمانية للإله، تستلهم مايتحلى به من صفاته الجمالية، وأسمائه الحسنى، ورحمته التي وسعت كل شئ.

تجاوز الإتّباع وتحديث التفكير الديني يعني إنجاز مصالحة بين المتدين ومحيطه الذي يعيش فيه، والإصغاء لإيقاع الحياة المتسارعة التغيير، ووتيرة العلوم والتكنولوجيا التي لا تكف عن مفاجأتنا كل يوم بجديد، تتبدل معه صورة العالم، وتختلف تبعًا لها أساليب تعاطينا مع الواقع، وتتيح لنا وسائل تكنولوجيا المعلومات والنانو والهندسة الجينية مغامرات وعي، توقظ عقولنا وتخرجها من الحالة السكونية، وتقدم لنا سلسلة معطيات ومعارف وأدوات، تصوغ لنا تصورات وإدراكات وأفكارًا، تتبدلّ معها رؤيتنا للكون والحياة.

تجاوز الإتّباع وتحديث التفكير الديني يعني تحديث المؤسسة الدينية، ذلك ان لتحديث التفكير الديني رافدين يستقي منهما:

 

الرافد الأول:

دراسة وفهم واستيعاب الموروث الديني، واستكشاف مداراته ومدياته وآفاقه المتنوعة، والاهتمام بالميراث العقلي في المنطق والفلسفة وعلم الكلام، والميراث الرمزي والإشاري والروحي في التصوف والعرفان، والتحرر من المواقف التبسيطية الساذجة في التعاطي مع التراث، والنظر اليه باعتباره كماً من النصوص التي يجب استظهارها وحفظها وتكرارها، وتوقف التفكير عند تنظيمها وترتيبها وتصنيفها وشرحها وتلخيصها، بلا تدبر وتحليل وتأويل.

 

الرافد الثاني:

الاطلاع على العلوم الانسانية الحديثة ودراستها، خاصة؛ فلسفة العلم، وعلم النفس، والاجتماع، والانثروبولوجيا، والقانون والحقوق، والعلوم السياسية، والألسنيات، والهرمينوطيقا، وتوظيفها كأدوات في التحليل، ومفاهيم اجرائية في قراءة النص الديني، وتفسير الظواهر الدينية في المجتمع، واكتشاف ومعرفة أنماط التجارب والخبرات الدينية الشخصية.

في مراجعة عاجلة لحركات الإصلاح الديني الفاعلة والمؤثرة في تاريخ الأديان، والتي امتدت وترسخت عبر الزمان، نجد الحركات المشتقة من المؤسسة الدينية والمتولدة منها خاصة، هي التي أحدثت تغييرا وتجولا واسعا. مثل حركة الاصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر، وانبثقت من داخل الكنيسة، فأحدثت منعطفا وتحولا هاما في تقاليد ونظام المؤسسة الدينية المسيحية.وقد ظل على الدوام صوت هذه الحركات مسموعا ومؤثرا في المؤسسة.

 تحديث المسجد لا يتحقق إلا حين ينبثق من داخل المسجد، وتحديث الأزهر في مصر، والزيتونة في تونس، والقرويين في المغرب، والحوزة في النجف وقم، لا يتم إلا عندما ينطلق من داخلها، لكيلا يفتقر التحديث للمشروعية. حين ينطلق من داخل تلك الحواضر يتوافر له حامل إجتماعي. بينما لا تجد الدعوات والكتابات في الإصلاح من خارج المؤسسة الدينية حاملا اجتماعيا، يعتنقها ويتبناها ويتفاعل معها، داخل تلك الحواضر، ويستخدم الامكانات التي يتيحها له انتماؤه للمؤسسة الدينية، كالمنابر والشعائر والمواكب ودور العبادة، في التثقيف على المفاهيم والمقولات والرؤى والأفكار التي تدعو اليها.

قد لا تكون هذه الفكرة محببة ومقبولة لدى بعض المنشغلين بدراسة ونقد وتحديث التفكير الديني، المنحدرين في تكوينهم الفكري والأكاديمي من خارج المؤسسة الدينية، ولعل بعضهم يرى فيها تقليلاً من دورهم التحديثي، إلا أنني أرى أن الواقع التاريخي لمسيرة التحديث يصب في صالح هذه الفكرة.

في النهاية تبدو هذه الملاحظة سديدة إذا بقيت مجتمعاتنا في بنيتها الاجتماعية، وفي مصادر تكوينها العلمي والثقافي، على ما هي عليه الآن. نعم، في ظل نظام تعليمي ــــ لا سيَّما الجامعي منه ــــ جديد، أكثر حداثة وتنوعاً وعمقاً مما نجده اليوم، من الممكن توقع دور للنخب العلمية المشار إليها أكبر وأوسع.

 

fatehi alhabowbi«الكرامة هي الملاذ الأخير لمن جار عليه الزمن»  

ماكس فريش: مسرحي وروائي ألماني

بات معلوما لدى الجميع أنّ إرهاب الغرب الإستعماري الدموي  قد طال البشر والحجر في كل مكان من العالم. فقتل الإنسان وحاول تقويض وتدمير الحضارة التي يعاديها، وانتهى به الأمر خلال القرن الماضي  إلى أطلاق القنابل النووية في هيروشيما وناغازاكي، ومع  مطلع هذا القرن إلى تدمير كل من أفغانستان والعراق ذي الحضارة السومرية التي هي أقدم الحضارات. ولكنّه لم يكن إرهابا فكريّا بالأساس، رغم وحشيّته وبربريّته وتسبّبه في الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين كان من نتائجهما قتل ما يزيد عن 82 مليون نسمة، وتسبّبه قبل ذلك في مقتل حوالي 20 مليون من السكان الأصليين الاستراليين، وأكثر من 150 مليون هندي أحمر في الأمريكيتين الشمالية والجنوبيّة، واستعباد أكثر من 180 مليون أفريقي، بل وإلقاء 88٪ ممن قتلوا من بينهم في المحيط الأطلسي. ذلك أّنّه لم يطل العلم والفكر والإبداع سواء بالمصادرة أو بالمنع ولا المفكّرين الأحرار بالمضايقة أو الإهانة أو التهميش والتنكيل إلّا في حالات-ليست نادرة- ولكنّها قليلة وقليلة جدّا بالقياس لمثيلاتها في الوطن العربي والإسلامي. ولعلّ أشهر هذه الحالات على الإطلاق هي الحادثة الشهيرة لمن سمّاه اينشتاين "أبو العلم الحديث"  الفلكي والفيزيائي الإيطالي الجريء غاليليو غاليلي التي سنأتي عليها فيما بعد.

ولكن، لعلّه يكون من المفيد التذكير ببعض حالات الإرهاب الفكري القليلة التي عاشتها أوروبّا والغرب عموما، والتي كانت آخرتها حادثة إعدام أنطوان لافوازييه أكبر عالم فرنسي في زمانه وأبو الكيمياء في العصر الحديث، خمس سنوات فقط بعد الثورة الفرنسيّة.

وقبل ذلك بقرون عديدة أعدم  سافنو رولا حرقا في فلورنسا سنة 1498 جرّاء نقده اللاذع لكل من رجال الدين والسلطة الحاكمة. وبعد أكثر من قرن أحرق في ساحة روما سنة  1600، الفيلسوف المجدّد جيوردانو برونو  جرّاء صموده وتمسّكه بآرائه وأفكاره  ذات النزعة التجديدية التي تناقض قناعات الكنيسة وطروحاتها إن في الدين أو في العلم.

أمّا السجن فقد كان من نصيب المفكّر فولتير الذي اعتقل في سجن الباستيل الشهير وأطلق سراحه بعد موافقته على النفي إلى إنجلترا.  وأمّا المطاردة فقد كانت من نصيب الفيلسوف جون جاك روسو. وذلك بعد أن أصدر برلمان باريس حكما في حقّه بالسجن وإحراق كتابه "إميل" Émile ou De l’éducation الذي يبحث في فن تكوين الرجال. وهو من الكتب الاكثر قراءة في المجال التربوي إلى اليوم.

وبالعودة إلى غاليلي الذي أعتبرته الكنيسة مهرطقا، فإنّ محنته أنطلقت بعد قيامه بإثبات خطأ نظرية أرسطو حول الحركة، وهي التي سادت على مدى عشرين قرنا. فضلا عن  نشره على نطاق واسع لنظرية نيقولا كوبرنيك حول مركزيّة الشمس، والدفاع عنها بقوّة وشجاعة كانت تعوز كوبرنيك نفسه باعتباره كاهن كنيسة وليس عالما فحسب. وبصفته تلك لم يكن بإمكانه الإعلان جهرا عن مخالفته الكنسية فيما كانت تعتقده منذ 12 قرنا خلت. ووفق المؤرخ جاكوب برونسكي: «كان من تأثير محاكمة غاليليو انتقال الثورة العلمية من الآن فصاعدا إلى أوروبا الشمالية». بما يعني أنّ الإرهاب الفكري الذي سلّط على غاليلي كانت نتائجه عكسيّة وساهم بفعاليّة، بل ولعب دورا محوريا في نهضة أوروبّا والغرب عموم. ولذلك إعتبر غاليلي أحد خمسة علماء، من بينهم كوبرنيك وكبلر وبراهه ونيوتن، كان لهم الفضل الكبير في نقل أوروبا من حالة السبات العميق الي مرحلة النهضة التي طالت كل مجال. لأنّهم، بما توصّلوا إليه  من أفكار علميّة ورؤى جديدة، أحدثوا رجّة عنيفة في العقول هي أقرب إلى الصدمة الإيجابيّة التي كان من أهمّ نتائجها التحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة التي حدثت في أوربا خلال القرنين 15 و16 والتي مهّدت لا فقط لبروز  فلاسفة عظام مثل رينيه  ديكارت زعيم مذهب العقلانية في القرن17 وباروخ  سبينوزا  الذي يرى أنّ «أهواء الإنسان الدينيةّ والسياسيّة هي سبب بقائه في حالة العبوديّة»، بل وكذلك  لبروز فلاسفة عصر الأنوار الأنجليز توماس هوبز وجون لوك وربّما الصحفي والثوري توماس بينThomas Paine  وفلاسفة التنوير الفرنسيين وأهمّهم  مونتسكيو ، فولتير وجون جاك روسو خلال القرنين17 و18، والذين مهّدوا بدورهم لإعلان إستقلال الولايات المتّحدة الأمريكيّة وتفجير الثورة الفرنسيّة العظيمة التي قامت على مبادئ لا تزال تحتفظ بألقها رغم مرور ما يزيد عن قرنين وعشريتين على وضعها. ولعلّ أبرزها مبادئ حقوق الإنسان  والمواطنة وما رمز له شعار الثورة الفرنسية من وجوب ضمان "الحرية والمساواة والعدالة" للجميع والإلتزام بتطبيق العقد الإجتماعي الذي يصل الحاكم بالمحكوم وفق مضمون نصوصه.      

ما يستثير في خواطرنا الكثير من الشجون، أنّنا في العالم العربي والإسلامي، ومنذ القرون الوسطى وتحديدا بعد سقوط غرناطة، أعوزتنا القوّة، قوّة الحديد والنار فأسقط في يدنا في مجال إرهاب القوّة الممارس على الخارج، وتركّز إرهابنا بصفة خاصّة ومكثّفة على ممارسة الإرهاب على الدّاخل ممثّلا في القمع والإ رهاب الفكري المنظّم والممنهج، المسلّط على صفوة المفكّرين الإحرار، من عرب  ومسلمين، ممّن كان لهم أفكار حرة  وآراء جريئة ومواقف مستقلة نضجت من خلال تناولهم نقد موضوعات فلسفيّة أو دينيّة أو حتّى أدبيّة وفق منهج مستحدث يفرز بالضرورة مباحث وأفكار ورؤى جديدة تدكّ أعماق العقول المتكلّسة دكّا عنيفا، لأنّها تتخطّى السياقات المعهودة وتخترق الزمان والمكان وتتجاوز المسكوت عنه ثمّ تكشفه وتعرّيه تماما. بما يزعج من تعوّدوا، على عدم التفكير-وهم كثر-  أو في الحدّ الأقصى على التفكير التقليدي،  بما هو جمود يزلزل كياناته القائمة ويحدث فيها شروخا، كلّ فكر يخرج عن السائد ويفرز تصدّعات في خرسانة التفكير التقليدي المتكلّس التي يتحصّن خلفها التقليديون "الجامدون" غائمي الرؤية، المتعوّدون على "طاحونة الشيء المعتاد" ، الذين يمثّلون دوها عوائق كأداء في سبيل التغيير نحو الأفضل، ويصيبهم كلكل من اليأس والإحباط كلّما برزت على السطح فكرة جديدة ومختلفة تقوّض مسلّماتهم وأفكارهم بالغة الرجعية التي يقتاتون منها على الموائد الفاخرة لأسيادهم الذين لا يستحقّون الوضع الذين هم فيه ولا  حتّى مجرّد الألقاب التي تضفى عليهم. بل إنهم عبيد لآرائهم ولا يعتقدون في نسبية الحقيقة العلمية. لذلك ينطبق  عليهم ما قاله توماس بين من أنّ « من ينكر على الآخرين حقهم في إبداء رأيهم إنما هو عبد لرأيه الحالي لأنه يسلب نفسه حق تغيير هذا الرأي»

والتركيز على الإرهاب الفكري عند العرب لا يعني بالضرورة غياب جميع أشكال الإرهاب الأخرى، بقدر ما يعني إحتلال الإرهاب الفكري لموقع الصدارة في ترتيب صنوف الإرهاب وضروبه المختلفة.

أنّنا عند إستحضارنا وإستبطاننا لتاريخنا نقف، قطعا، على صور رهيبة كثيرة من فضاعات الإرهاب الفكري المسلّط  عبر العصور على أصحاب الرؤى الثورية الحرّة والأفكار الجديدة الذين كان حالهم كمن يصرخ في صحراء ولا أحد يسمعه. إلّا انّنا لضيق المجال سنقتصر على عرض محنة  ابن رشد فحسب بعد الإشارة-ودون توسّع- إلى  حالات قليلة أخرى تعود بالأساس إلى التاريخ المعاصر والحديث.

فقد كانت مأساة ابن المقفّع الذي ينتمي فكريّا إلى فرقة ''إخوان الصفاء وخلاّن الوفاء'' لمجرّد كتابة مخطوطة كانت سببا  في تقطيع جسده الذي أكره على أكله مشويًّا حتى مات وهو في مقتبل العمر، ولم يتجاوز السادسة والثلاثين.

 ولقي الحلّاج بعد تكفيره، مصيرا مشابها، حيث تمّ صلبه حيًّا، وفي مرحلة ثانية وقع تقطيع جسده هو الآخر، لأنّه هو وابن العربي الذي كفّروه أيضا، يعتقد بِحُلُولِ اللَّهِ فِي الْبَشَرِ وَاتِّحَادِهِ بِهِ.

    أمّا البيروني، الذي أطلق اسمه على بعض معالم القمر، وقال عنه المستشرق سخاو: «  إن البيروني أكبر عقليّة في التاريخ»، فقد تمّ تكفيره بعدما ناقش مسألة تكوين مرصد للتنبّؤ بأحوال الطقس. ضرورة أن ذلك من اختصاص الله وحده  !!!

وأمّا فيلسوف الأدباء أبو حيّان التوحيدي، الكاتب المعتزلي المبدع، فقد اتّهم بالزندقة والإلحاد لقوله بالتعطيل-وهو النفي والإنكار- فأحرق كتبه بنفسه نتيجة الأحباط ، بعد أن تجاوز التسعين من العمر وعاش بقيّة أيامه مستترا خوف من القتل.  

وأمّا عميد الأدب العربي طه حسين- فقد كفّروه ، لما ورد في كتابه "في الشعر الجاهلي''. لأنّ التكفيريين رأوا فيه محاولة  للاعتداء على التراث العربي الإسلامي وزرع الأساطير والشبهات في قلب السيرة النبويّة لتلويثها بعد أن نقّاها مؤرخو الإسلام!!!

وأمّا في التاريخ الحديثّ  فلا يمكن تجاوز محنة الباحث الأكاديمي نصر حامد أبى زيد، ، فهي جاءت بعد تكفير فرج فوده وقتله، وإثر محاولة نصر حامد، ممارسة الفكر النقدي العلمي الخالص، بتأليفه لكتاب ''نقد الخطاب الديني'' الذي رأى أنّه يخلط ما بين الديني والفكري ويعتمد على آليّة النقل ، دون تدبُّر وتفكُّر؛ بما يناهض الإبداع ويسبّب العقم الفكري. كما  دعا إلى وجوب التحرّر من سلطـة النصّ القرآني ومن كل سلطة تعوق مسيرة الإنسان. فوقع اتهامه بالارتداد والإلحاد،  ثمّ وقع التفريق بينه وبين زوجته قسراً.

وفي ذات السياق نذكر علي عبد الرّازق صاحب كتاب ''الإسلام وأصول الحكم'' الذي كفّروه وسحبوا منه شهادته العلميّة وقطعوا عنه راتبه كموظّف، ومحمود محمد طه وهو مفكّر إسلامي سوداني، أتهم بالردّة ثمّ أعدموه رغم  سنّه المتقدمة ،  وابن الرواندي صاحب كتاب "فضيحة المعتزلة" ردا على كتاب الجاحظ "فضيلة المعتزلة''  الذي كفّروه بعد تشيّعه ثمّ خروجه عن الإسلام، وكذلك المفكّر حسين مروة الذي قتلوه، ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي اللذان كفّروهما واتهموهما بأنّهما عميلان للغرب. أمّا على الوردى وعلى شريعتي، اللذان نقدا الدّين والأنبياء وأصناف من رجال الدين، ودعيا إلى ثورة في الفكر الإسلامي فقد أعتبروهما تنويريين ووقع تكفيرهما بتلك "التهمة"!!!

ناتي الآن إلى الفيلسوف إبن رشد، الذي كتب المستشرق الإسباني البروفيسور ميغيل هرنانديز يقول في شأنه « إن الفيلسوف الأندلسي ابن رشد سبق عصره، بل سبق العصور اللاحقة كافة، وقدم للعلم مجموعة من الأفكار التي قامت عليها النهضة الحديثة ». لأنّه يعتبر-عن جدارة- أفضل فيلسوف أنتجته الحضارة العربيّة الإسلاميّة على مدى تاريخها المديد. فهو قامة علميّة عالميّة سامقة. أثّر في العالم الإسلامي والمسيحي وأوروبا، لا سيما أنّه المترجم والشارح الأكبر لنظريات أرسطو. وهو أبرز المنتقدين لزعيم المتكلمين الامام أبو حامد الغزالي الذي كفّر فلاسفة الإسلام في كتابه تهافت الفلاسفة الذي شرح فيه تناقض منهجهم. فردّ عليه إبن رشد منتقدا في كتاب (تهافت التهافت) الذي أكّد فيه على الاعتراف بحق الاختلاف وبالحق في الخطأ. وأمّا محنته‏ فكانت على خلفيّة  اتهامه بالكفر والضلال والمروق عن الدين. وذلك بمجرّد وشاية من خصومه  أفضت إلى محاكمته. حيث لعنه الحاضرون من كبار القوم. ثمّ تمّ  إخراجه من المحكمة على حال سيئة، ونفيه إلى قرية لا يسكنها غير اليهود. ليس هذا فحسب، بل أمر الخليفة المنصور بحرق جميع مؤلفاته الفلسفية وبمنعه من الاشتغال بالفلسفة والعلوم ما عدى الطبّ.

إلّا انّ السبب الحقيقي للمحاكمة كان في جوهره على خلفيّة  موقفه من فقهاء عصره / أهل النقل الذين قال عنهم: « ظاهر من أمرهم أن مرتبتهم مرتبة العوام وأنّهم مقلدون. والفرق بين هؤلاء وبين العوام أنّهم يحفظون الآراء الّتي للمجتهدين فيخبرون بها العوام من غير أن تكون عندهم شروط الاجتهاد, فكأن مرتبتهم في ذلك مرتبة الناقلين عن المجتهدين ». كما كان بسبب تأكيد ابن رشد على أن الأرض كرويّة. وبصفة خاصة على موقفه المتميّز من قضيّة العلاقة بين الدين والفلسفة  أو الشريعة والحكمة من خلال كتابه (فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال). حيث يقول أن « لا تعارض بين الدين والفلسفة، وإذا كان هناك من تعارض فالتعارض ظاهري بين ظاهر نص ديني وقضيّة عقليّه ونستطيع حلّه بالتأويل...». ومن هذا المنطلق فهو يرى أن الشرع أوجب ليس فقط النظر بالعقل في الوجود بل أوجب كذلك دراسة المنطق. ويرى أيضا «أنّ القضايا البرهانيّة العقليّة هي حقّ، وما نطق به الشرع حقّ، والحقّ لا يضاد الحقّ بل يؤكّده ويشهد له»، بما يعني أنّ الحكمة (الفلسفة) والشريعة (الدين) لا يتناقضان كما ذهب الغزالي إلى ذلك في "تهافت الفلاسفة "  الذي شكّل في تقديري تكريسا للإنغلاق ومصادرة للرأي الآخر . ذلك أنّه بموت  إبن رشد -وياللأسف- انتصرت مدرسة النقل لزعيمها "حجّة الإسلام" الغزالي، و"العالم الأوحد"، كما  يلقّبه مريدوه، نهائيّا، على المنهج العقلي الذي مثّله ابن رشد ، باعتباره كاد يؤلّه العقل رغم تديّنه الشديد..وكان من نتائج  ذلك  أن أغلق باب الاجتهاد، واستسلم المسلمون لنوم عميق، ما زالوا يغطّون فيه إلى اليوم. فلعلّهم استمرؤوه.

ورغم محنته، فقد ظلّ ابن رشد، مبتدع مذهب "الفكر الحر" كما قيل عنه، رغم أسبقيّة أبي بكر بن الصائغ (ابن باجة) الذي يعود له الفضل في تحرر الخطاب الفلسفي وتلميذه ابن طفيل ، شامخا بفضل حرّيته الفكريّة واستقلاليته وعدم تبعيّته لأحد، بما ينطبق عليه قولة  فريدريك نيتشه « امتياز امتلاك المرء لنفسه لا يقدر بثمن». ولذلك فقد قال ابن رشد عند موته كلمته المأثورة في ذات السياق «تموت روحي بموتِ الفلسفة». لكنّ ما حصل هو العكس تماما. إذ أنّ  الفلسفة الإسلامية هي التي ماتت بموت روحه.  فهو دون شكّ أخر فيلسوف مسلم.

وما يمكن إستنتاجه من محاكمة كل من إبن رشد وغاليلي أن تداعياتهما كانت متناقضة وأثّرت على مسار التاريخ في الشرق والغرب. فقد أدّت محاكمة ابن رشد إلى أفول الفلسفة الإسلاميّة وبداية تخلّف وانحطاط العالم العربي والإسلامي الذي لا يزال متواصلا إلى اليوم بشكل جنوني، لاسيما من خلال سعي المتشدّدين، الذين يحنّون إلى تطبيق أحكام الردّة في غير سياقها الموضوعي، إلى إرساء الدولة الدينيّة لإرهاب البشر واسترقاقهم باسم الدين. بما يذكّرني بمقولة فريدريك نيتشه « أشعر كلما تعاملت مع رجل متدين بالحاجة إلى أن أغسل يَدَيّ». بينما ساهمت محاكمة غاليلي بشكل محوري في قيام نهضة أوروبّا والغرب عموما، وبروز فلاسفة عصر الانوار وقيام الثورة الفرنسيّة وتكريس قيم الديمقراطيّة والمواطنة واحترام حقوق الإنسان عبر إرساء الدولة المدنيّة الحديثة التي حرّرت الإنسان من عقاله وفجّرت طاقاته الكامنة.

 

المهندس فتحي الحبّوبي

  

saieb khalilفي المقالة السابقة "المثقف كأب حنون لشعبه في زمن الضياع "(1) تحدثنا عن المثقف بصفته "اباَ" مسؤولاً عن شعبه وعن مساعدته على الشفاء من أمراضه وعبور المنحنيات الخطرة في تاريخه، ونكمل اليوم في تفصيل دور المثقف باختصار شديد لمختلف المساءل التي يواجهها في مهمته النبيلة.

 

الإعلام

مطلوب من المثقف أن يحمي شعبه من الأعلام المضلل، لكن المطلوب منه قبل ذلك ان يحمي نفسه. التعليمات حول الطوارئ لركاب الطائرات تقتضي أن تلبس كمامة الأوكسجين بنفسك قبل أن تحاول مساعدة طفلك على ارتدائها! على المثقف أن يدرك بأنه نفسه مستهدف أيضاً من التشويه الإعلامي للحقيقة، وأن يكون له التواضع اللازم لذلك الحذر، والأمانة الأدبية المطلوبة لاكتشاف التضليل عندما يناسب ذلك التضليل عواطفنا وأهدافنا، فيفقدنا مصداقيتنا. ليس هذا سهلاً، وضحايا هذا التشويه من المثقفين متناثرة كشعب تعرض لمجزرة إعلامية في العراق. وحتى الأحزاب السياسية العريقة لا تنجو أحياناً من السقوط في فخ إعلامي، وتكوين صورة وهمية عن الواقع لا تحس بها إلا بعد فوات الأوان على الكثير من المواقف الخاطئة القرار.

 

النفس والحقيقة الصعبة

 

بعد أيصال الحقيقة تواجه المثقف انتزاع الإعتراف بها، وهذا هو الخندق الثاني الذي تتحصن به الأكاذيب ومروجوها. فالحقائق ليست مجرد معلومات حيادية. إنها تعني مصالحاً وتثير مشاعراً فتفرح هذا وتحزن ثان وتخيف ثالث وتحرج رابع وتشعر خامساً بالإنتصار وسادساً بالهزيمة. إن الحقائق التي تجد الصعوبة القصوى في الوصول إلى المتلقي، ليست تلك الحقائق المعقدة صعبة الفهم، أو تلك التي لم تشرح جيداً، بل تلك التي تثير انزعاجا وإحراجاً أو خوفاً لدى ذلك المتلقي. فهو ليس حاسبة نضع فيها الأرقام لتحسب النتيجة، وإنما قبل كل شيء، كيان نفسي يستند إلى مفاهيم معينة وتصورات وقناعات شكل منها صورة العالم وصورة علاقته معه، وإلى تلك القناعات يستند أمله في الوصول إلى آماله في الرقي أو في النجاة على الأقل. إن من يأتي بحقيقة مزعجة لمتلقيها فإنما يطلب منه تحمل ألم إضافي، وقلق إضافي وهم إضافي. فإن قالت حقيقة ما، أن الدولة  "الصديقة" التي نعقد عليها الآمال لتساعدنا في القضاء على من يتربص الموت بنا ويرهبنا، تقف في الجانب المقابل ضدنا وضد آمالنا، أو أن السياسي الذي وضعنا أملنا فيه، تبين أنه كذاب كبير أو فاسد أو متآمر، فأن هذا سيسبب لنا كارثة نفسية نجد أنفسنا نعمل على على تجنبها بكل ما نستطيع. يمكن ملاحظة هذه الظاهرة أحياناً لشخص يفقد عزيزاً عليه، فيرفض الإعتراف بالواقع وقد يبقى لفترة غير مصدق لتلك الحقيقة القاسية. وخير طريقة لذلك هي أن نبحث في تلك الحقيقة عن نقطة ضعف، أو نخترع لها نقطة ضعف لتنفنيدها وإزاحتها من أمامنا. وإن لم ننجح في إيجاد خلل في الحقيقة أو رفض الإعتراف بها، فأن جهازنا النفسي سيتكفل بذلك من خلال عملية "نسيان" سريعة على غير العادة. فمادام ولذلك لا مفر من بعض مشاعر الحقد على من يصر على تذكيرنا بها، فهو من وجهة نظر نفسيتنا، يرتكب عملاً عدوانياً يسبب لنا الألم!

هزيمة الماركسية مثلاً لم تكن من معارك المحاججة، وإنما كانت من خلال الألم والخوف. فقد ارتبط الإنتماء إلى الماركسيين والشيوعيين بالذات بالرعب من التعذيب الذي سيمارس ضدهم إضافة إلى الآلام الأقل شأناً من تهميش ومطاردة و "بهدلة"، ووفق جومسكي فقد أوصلت الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية تهديداً لشعب أية دولة أوروبية بالجوع إن هو انتخب أية حكومة يسارية، أما إن كان ذلك في الدول الأخرى فمصيره الإرهاب والإنقلابات.

الخوف لا يدفع الخائف فقط إلى الإبتعاد عن تبني الفكرة التي تسبب له الخوف فقط، بل ينتقل ذلك حتى إلى نظرته إلى صحة الفكرة! فمن الأسهل نفسياً أن تقتنع بأنك رفضت الفكرة لأنها "خطأ" من أن تقول أنك رفضتها أو تخليت عنها بسبب الخوف. وهناك أمثلة كثيرة جداً لشيوعيين سابقين، حتى من ذوي التاريخ النظالي الكبير مثل عزيز الحاج، قد تحولوا إلى أبواق منفلتة للجهة المعاكسة لايمكن ملائمتها مع ما يعرفون من حقائق عنها، ولو كان تحولهم معرفياً، لكان هادئاً ومحدوداً واستطاع أن يحتفظ باحترامه على الأقل لبعض نقاط عقيدته القديمة، وأن يتذكر بعض مساوئ إيمانه الجديد.

وينطبق هذا الأمر على التصديق بارتباط أميركا بالإرهاب، فهذه فكرة مخيفة حقاً ومحطمة للآمال وتعد بصراع مؤلم.

على المثقف هنا أن ينتبه لأثر الحقيقة على نفسيته أولاً واستعداده لتحملها، وأن ينتبه لأثرها على متلقيه ويتوقع ويتفهم ردود الفعل عليها، فليست كل تلك الردود هي على الحقيقة أو عليه شخصياً، وإنما على الألم الذي تتسبب به تلك الحقيقة التي يأتي بها، كرد فعل نفسي لحماية الذات من الأذى.

 

ما الذي يجب تنبيه الشعب إليه أولاً؟

عدا إعطاء الشعب صورة صحيحة قدر الإمكان عن القضايا الآنية العاجلة والخطيرة كالإرهاب والطائفية وحقيقة الموقف الأمريكي، فأن مراجعة للأسس أمر لا بد منه.

 

 الطائفية والإعلام

الطائفية ليست ظاهرة عفوية نابعة من داخل الشعب كما يحاول مروجوها أن يفهمونا، بل هي عملية صناعة متقنة تتعاون بشكل وثيق مع الإعلام ويخترق المتآمرون فيها أجهزة الدولة إلى أعلى المستويات. فمثل وزير العدل الذي ابتدع قانون الأحوال الشخصية الجعفري. هذا الشخص لا يمكن أن يكون بريئاً ليقدم مثل هذا المشروع في مثل هذا الظرف. ولا يمكن أن يكون بريئاً كذلك، المستشار القانوني للحكومة طارق حرب الذي يروج للمشروع. وعلى مستوى أدنى ينتشر على مواقع الإنترنت معلقون يتلقفون كل خبر ليضعوا له تعليقاً يجعل قراءته طائفية حتى لو لم تكن للخبر علاقة بالطائفية، وهذه التعليقات تلعب نفس دور التوجيه التضليلي لعقول القراء الذي تلعبه التذييلات الخبرية التي توضع في نهاية الأخبار من قبل وسائل الإعلام المشبوهة – وأكثرها كذلك – وتبدأ هذه الذيول عادة بكلمة "ويذكر أن ... " ليأتي بعدها ما يقول لك على أية خلفية يجب أن تقرأ هذا الخبر وبأي شيء يتوجب عليك ربطه. وقد لا تكون هذه الإضافة في نهاية الخبر، بل في أي جزء منه.

كذلك قد تجد أن العنوان كثرما يقول كلاماً يؤكد الطائفية أو ما يريد صانع الخبر، ولا تجد ما يسند هذا الإدعاء في متن الخبر (بأمل أن يكتفي القارئ بالعنوان، كما يفعل الكثيرون، أو لا ينتبه إلى الفرق بينه وبين المتن).

وهناك آفة "المصدر المطلع.." أو الذي "رفض ذكر إسمه..." ليتحدث بما يشاء من أكاذيب أويخلط الخبر الكاذب فيها ببعض الأخبار الصحيحية وتمزج بطريقة لا يسهل على القارئ أن يميز فيها ما قاله الشخص المحدد من ذلك الذي ينسبه الخبر إلى المصدر المجهول.

في هذا الظلام الإعلامي الدامس، من واجب المثقف أن يتلمس الحقيقة لينقلها إلى شعبه.

 

الفساد

يجب تصحيح المفهوم المنتشر عن الفساد بأن وراءه الطمع الإنساني المعتاد، او شكل مضخم له. ففي العراق لا يتم نهب الثروة من قبل الطامعين فقط، بل يتم منع الصالحين أو الأقل طمعاً، من إنجاز أي شيء. هذا ليس موضوع طمع إذن بل مؤامرة متقنة واعية ومقصودة التحرك، وأن إسم "الفساد" ليس سوى تضليلاً يراد به حرف البحث عن الحل، نحو أتجاهات أخلاقية مثلاً. فما يسمى بـ "الفساد" في العراق هو مؤسسة كاملة لها من يرعاها عن قصد ويديرها والهدف منها منع بناء أي شيء حقيقي في البلاد، واستهلاك كل ثرواتها آنياً، ودفعها للإقتراض إن أمكن رغم ثروتها الهائلة، وإسقاطها في مصيدة الديون المعروفة التي تحدث عنها جون بيركنز.

 

صورة العالم الحقيقية:

رغم كل التقدم التكنولوجي في علم الإتصالات فأن الشعوب لا تدري حقاً ما يجري في العالم إلا بما تريده لها أن تعلمه، تلك القنوات المملوكة لمجهولين. فهذا التقدم التكنولوجي يستخدم للتجهيل كما يستخدم للتعليم، ويستخدم بشكل لم يسبق له مثيل للتجسس، ومن يدفع ثمنه يقرر كيف يستعمله. يجب أن يعلم العراقي أنه ليس وحيداً في الأزمة وأن العالم أيضاً يعاني من الضغط الشديد الذي تسلطه نفس القوى التي تسلط الضغط على الشعب العراقي، وأن الصراع يشتد بين القوى المتغولة في الثروة والسلطة والسلاح، والبشرية التي تسعى للدفاع عن آدميتها بوجه هذه النماذج التي تتوحش يوما بعد آخر. أن أمام المثقف مصادر كثيرة أمينة لينهل منها ويعود بالثمار لشعبه، وخاصة المصادر اليسارية الناقدة والكاشفة للحقائق المروعة التي يمر بها العالم والراصدة لتحركه وأتجاه سيره الخطر.

 

صورة العراق الحقيقية

أما عن صورة البلد فنقول أن العراق منخور أكثر مما يدركه من يعيش فيه ومعظم من يعيش خارجه. يجب أن نتذكر أننا نتحدث عن بلد أجهزة كشف المتفجرات المزيفة التي خدعت الحكومة بكل مؤسساتها. هذه "الأجهزة" ليست سوى علب فارغة، ليس فيها أية دائرة كهربائية ولا بطارية لتشغلها، وقد كشفتها الدولة صاحبة الشركة وحوكم صاحبها بالغش وأدين به، ورغم ذلك يستمر العراق في الحديث عن "نسبة نجاح" كذا% ، ويستمر في استعمال الخدعة بإصرار عجيب!

بالنسبة لي كان موضوع هذه الأجهزة العلامة القصوى التي أشرت مدى الإنهيار العلمي والأختراق الأمني الرهيب في العراق، ومدى هزال المؤسسات فيه، ويجب أن نتذكر ذلك لكي لا نفاجأ بالخسائر والفضائع. فحين عرفت بقضية العلب الفارغة هذه لأول مرة، أصبت بالصدمة، وكتبت عنها أكثر من مرة، وكل ما حدث بعد ذلك لم يعد يثير عجبي، فأذكر نفسي بأن العراق بلد "أجهزة كشف المتفجرات"!

الحكومة التي تخدع كالأطفال بعلب فارغة تريد الثقة من الناس وأن تخطط مستقبل بلد من أثرى البلدان في أخطر مرحلة يمر بها! من الضروري أن نبعث الثقة بالنفس، إنما مهم أيضاً أن نعرف حجم الهوة التي يعيشها العراق في كل جوانبه لكي نرى صورته الحقيقية، لعلنا نخرج بما يمكن إنقاذه ولا نفاجأ بما يحدث.

 

الحقوق:

لقد فقد الشعب الإحساس السليم بحقوقه لكثرة ما عانى من اضطهاد، فتراه مازال، وهو يمارس الديمقراطية، يتوسل بالحاكم أن يعطف عليه ويحل له مشكلة، بدلا من ان يحاسبة ويؤنبه على تقصيره في حل تلك المشكلة، وما زال الحاكم يوزع الهبات والعطايا. لذلك فعلى المثقف أن يذكر الناس بحقوقها الأصلية غير المنقوصة كبشر. عليه أن يعيد ثقتهم بالإنسان وحثهم على المشاركة في الصراع من أجل العيش الكريم، وليس العيش فقط. المثقف أقدر الخروج من الواقع وما يوحي به من حدود، إلى رؤية الممكن والصحيح والمطالبة بهما. إنه القادر على، والمطالب بـ ، بعث الحماس والثقة ووضع الخطة العامة للقيام بالقفزة المناسبة.

 

السياسة:

هناك أيضاً السياسة ومغاليقها الحقيقية منها والمفتعلة قصداً. كيف تعمل الديمقراطية؟ ماهي نقاط قوتها التي توجب علينا أن نسعى إليها؟ وما هي أيضاً نقاط ضعفها التي تسمح لخصومها بالإلتفاف حولها؟ إن كانت تمثل حكم الشعب فكيف يحكم الشعب من خلالها؟ ومتى نفهم أن هناك خللاً في الديمقراطية؟ كيف نطمئن أن ديمقراطيتنا لا تيسر نحو التردي إلى الشلل في القرار، أو إلى الدكتاتورية؟ ماهي المراهنات التي يجب أن نقبلها وتلك التي نرفضها، عندما لا يكون الخيار واضحاً؟

 

الديمقراطية:

أهم ما يجب أن يعلمه الناس عن الديمقراطية أنها لا تعطيهم أية حقوق أو مكاسب بذاتها، وإنما توفر لهم وسيلة صراع من أجل تحقيق تلك المكاسب، وأن من يرفض خوض ذلك الصراع فلن يحصل على شيء، لا بالديمقراطية ولا بغيرها. وحتى حماية الديمقراطية من التآكل من خلال السلطة التنفيذية يتطلب جهداً مستمراً للصيانة والمراجعة والتطوير، وإلا انتهت تلك الوسيلة أيضاً ولن يعود بالإمكان استعمالها مستقبلاً، حتى لو قرر الشعب ذلك لاحقاً.

 

الإقتصاد:

ما هي الرأسمالية حقاً؟ ما هو الإقتصاد المناسب لنا؟ هل حقاً تناسبنا حرية السوق؟ لماذا يتحدث بها المسؤولون والإعلاميون وكأنها التزام اخلاقي أو ديني؟ ماذا يحدث إن لم نلتزم بها؟ ماذا تعني العولمة بالنسبة لنا؟ هل حقاً بنت الدول الرأسمالية اقتصادها من خلال حرية السوق؟ يجب إثارة اهتمام المواطن وجرأته على هذه التساؤلات، وفحصها بعين شكاكة. ففي الإقتصاد من الأكاذيب ما يزيد على أي علم آخر من العلوم، حتى السياسة نفسها.

هذا عن الإقتصاد بشكله العام. ومن جهة أخرى يجب تسليط الضوء على المساءل الإقتصادية العراقية الملحة: ماهي الأخطار الكبرى التي تهدد الثروة الوطنية والإقتصاد الوطني؟ هل هناك خطر من الديون؟ ماهو، وكيف نتجنبه؟ هل اتخذت الحكومة الإجراءات اللازمة لحماية نظامنا البنكي وتأمينه أمام الأزمات القادمة حتماً، كما تفعل حكومات العالم الأخرى في كل بلد اليوم؟

إن تقصير المثقف العراقي والعربي في هذا المجال مميز بشكل مؤلم. ففي كل مكان آخر تقريباً، هناك حملات توضيح كثيرة للشعب يقوم بها المثقفون والمختصون من أبنائه.

 

أن لا تترك إجابة الأسئلة للمتآمرين على الشعب وحدهم

مثل هذه الأسئلة يجب أن لا تترك للذين يستفيدون من تحديد أجوبتها بشكل ما، لكي يكونوا الشارح الوحيد لها. على المثقف أن يذهب ويقرأ ويعود بصيده لشعبه الجائع، ويعمل على إقناعهم بما وجد وحثهم على مراجعة ما يقال لهم بشأن تلك الأمور، فهذه أموالهم وحياتهم ومستقبل أطفالهم.

شعبنا الذي حبس في قفص الدكتاتورية طويلاً، يسير أول خطواته في الغابة، والبعض ما أطلقوه من قفصه إلا ربما ليفترسوه بحرية. ومن واجب "والده" المثقف أن يفعل كل ما يستطيع من أجل حماية ولده، وجعله يعبر المرحلة الخطرة في سنواته الأولى في العالم "الحر" – الحر من القانون ومن الأخلاق! 

 

(1) المقالة السابقة حول الموضوع: المثقف كأب حنون لشعبه في زمن الضياع – صائب خليل

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/600715683318838

hamoda ismaeliعندما يكرر الإنسان سلوكا معينا قولا كان أو فعلا فإن ذلك يعني أن هذا السلوك له أهمية، وحاجة ضرورية بالنسبة للمعني ـ كالأكل والجنس والنوم ـ ودون ذلك قد يعتبر عرضا وسواسيا يكشف عن اضطراب في وظيفة التفكير وعجز عن تحليلٍ واضح للواقع. وحتى تتضح هذا النقطة، لنفترض أن شخصا يذهب للصالة الرياضية، فهو يكرر نفس السلوك تقريبا كل يوم، بالقيام بحركات معينة، غير أنه إذا ركزنا جيدا سنجد أن تلك الحركات تتغير نسبيا وتتطور مع المدة، أما إذا كان الشخص يأتي كل يوم للصالة، ويقوم بتكرار نفس الحركة كل يوم، فإما أنه معتوه، أو أنه لا يستطيع القيام بحركة أخرى (رغم أن أي شخص طبيعي سيشعر بالملل، فإما سيتوقف أو سيبدل جهدا للقيام بحركات أخرى).

بالانتقال من الصالة الرياضية، للخطاب الثقافي العربي، نجد بعض التشابه، فأغلب الكتابات العربية لا تتغير منذ قرون، هناك كلمات محددة تتكرر باستمرار، ولها من التأثير أنها تجعل الخطاب خاضعا لحقل معين، ينتج فيه ويعيد الانتاج دون تجاوزه، لأن التجاوز يتطلب آليات ورموز جديدة قادرة على إخراج الخطاب من الخضوع لحقول ومفاهيم معرفية معينة. هذه الكلمات هي "إسلام"، "خلافة"، "هجرة"، "سنة"، "شيعة"، "قرآن"، "دين"، "إلحاد"، "ردة"، "وهابية"، "الله"، "شيطان"، "نبي"، "شريعة". ومن المثير للريبة، ليس عدم وجود أي خطاب ثقافي عربي لا يتضمن إحدى هذه المصطلحات، بل لا وجود لمقال لا يحتوي أغلبها. ما يتبث أن الخطاب محصور داخل حقل الدين، رغم النقد والرد والدفاع والتحليل والتفسير والشرح والتفكيك فلم يستطع بعد تجوازه، ولم يقدر بعد على إنتاج مفاهيم جديدة تساعد على الانتقال والتجاوز وإعادة انتاج مشروع ثقافي بديل. لازالت نفس الإشكاليات ـ التي كانت مطروحة في العصر الذي أنتج هذه المصطلحات ـ تفرض سلطتها بالوقت الراهن، لازالت تمارس ضغطا وسيطرة على المثقف المنتج والمتلقي بنفس الوقت، لازالت تستعصي على الإحاطة والإخضاع. والسؤال هو: لماذا؟

طبعا الجواب هو أن الحقل الثقافي العربي لم ينتج فلاسفة، أي شخصية متساءلة تغادر الكهف الثقافي المعتاد لتُحضِر صور جديدة عن عالم واقعي لا يخضع لتصورات وتفسيرات مسبقة، لا يخضع للتأويل والرؤى الدينية الجامدة، بآليات قادرة على البرهنة بوجود واقع أفضل أو مغاير أو بديل. العرب لم يعرفوا فيلسوف ماعدا إذا رغبنا باستثناء الرازي كمتفلسف وشكاك ضد الخطاب الثقافي المعتاد، رغم أنه لم ينتج مشروعا فلسفيا ولم يقدم آليات ورموز اشتغال بديلة أو بتعبير أوضح فيلسوف لم يغادر الحقل أو الكهف، أما البقية التي يعتبرها الأغلبية المثقفة فلاسفة، فأكثر ما فعلوه أنهم اخضعوا الثراث الفلسفي اليوناني لخدمة الشريعة الدينية، لتوسيعها وتجميلها وترميمها حتى تلائم صيرورة التغير الاقتصادي والسياسي للواقع الاجتماعي.

الفيلسوف هو السؤال، هو الخلق، هو الثورة والانفصال عن المتوفر والمعتاد، أما بالنسبة للفلسفة الدينية (الإسلامية والمسيحية) فلم تعرفا فلسفة بمعناها الإبداعي والتنويري، فلسفة غير خاضعة للتصورات المنتجة مسبقا، وغير معنية بتبرير المعتقد الممنوح، ولا تكتفي بالأليات الموجودة والمتوفرة لتحليل الواقع وإنتاج خطاب ورؤى، بل تجدد الآليات بخلقها حسب نوع الخطاب البديل، فالمشروع الفلسفي الإسلامي المسيحي (أو نومة القرون الوسطى) ظل معتمدا على الآليات الأرسطوية والأفلاطونية والرموز الدينية (السابق ذكرها)، حتى ظهور ديكارت الذي انفصل عن هذا المشروع التنويمي بإيقاط خطاب جديد تطلب آليات جديدة ومنهجية جديدة تمثلت في "الكوجيتو"، وإعادة الانطلاق من التفكير كطريقة وجود بعد التشكيك في كافة المعطيات.

كل تصور فكري معين للعالم أو قفزة نوعية ثقافية، فرضت نفسها بخطاب يتضمن آليات إبداعية وجديدة، فكما رأينا "الكوجيطو" مع ديكارت، نجد "الانتخاب الطبيعي" مع داروين، و"النسبية" مع انشتاين ثم الكوانتم بعده في المجال الفيزيائي، ونجد "الأنا" و"الهو" و"الأوديب" عند فرويد، و"البروليتاريا" لدى ماركس وكذلك "الشيوعية" كمشروع يستمر مع لينين وروزا. أما بالنسبة للخطاب العربي فإن القفزة الانتقالية التقافية أو تحولات الخطاب الديني نجدها في "الوهابية" كدعوة رجعية وليست كمشروع تنويري يخلق وينتج آليات ورموز مغايرة وثورية جديدة، مثل "الفرويدية" و"الماركسية" و"الداروينية". وتجلت الدعوة الرجعية بالقطيعة مع الآليات المتوفرة مثل التخلي ورفض رموز المشروع الفلسفي اليوناني ك"اللوغوس" و"الميثوس" و"الميتافيزيقا"، واستخدام آليات اقدم تنحصر في "الحديث"، "الفتوى"، "الخلافة"، "الحد" و"القصاص"، مايشير لدعوة تدميرية تهدم المستقبل على حساب الحاضر للتقهقر نحو "رحم" الأمان الثقافي، وإعادة الاشتغال بالأسس المُشَكِّلة للمشروع الثقافي الفلسفي وهو الدين "السنة" ـ ونجد له مقابل نتيجة الصراع الداخلي الذي يمارسه الخطاب الديني المؤثر في ـ "الشيعة"، كلا الخطابين دعوة للهدم وإعادة الإنتاج بنفس الآليات المتوفرة والمستهلَكة، وهكذا ظلت الفلسفة والثقافة العربية مشروع مستهلك ومحصور داخل دائرة الهدم وإعادة الترميم، أو "الانسحاب" كتأمل هندي أخد صبغة إسلامية بآليات أفلاطونية : "الصوفية" أو الانتقال لعالم الفكر الازلي للتماهي مع المطلق (عالم العقل الهرمسي).

وكما أنتجت المنطقة العربية (بين النهرين وشبه الجزيرة) أنبياء وخطابات دينية متتالية نظرا للتأثير الفكري نتيجة القرب (فلم نسمع بنبي من بانكوك أو جنوب أفريقيا)، كذلك حصل الأمر مع المنطقة الغربية بانتاج فلاسفة متتاليين ليس كفلاسفة "نومة القرون الوسطى" أو خُدّام الإيديولوجيا (نتيجة التأثير والتقليد الثقافي تم انتاج هؤلاء المتشابهين منهجيا كذلك)، بل كنموذج ديكارتي، نراه في "تفكيك" دريدا و"المسكوت عنه" عند فوكو، و"مابعد العلمانية" لدى هبرماس، أيضا "الوجودية" عند سارتر و"الكينونة" عند هايدغر، أما بالخطاب العربي نرى "البلطجية" و"الشبيحة" كتأثير الواقع بالخطاب المقولب بدل تأثير الخطاب المفتوح بالواقع والسعي للسيطرة عليه، زيادة على التراشق اللفظي والكتابي بين الأطياف الثقافية ك"عمالة"، "تطبيع"، "إرهاب"، "غزو"، "اسقاط"، "أخونة"، "شرعية"، "تكفير". ما يؤكد تآكل الخطاب الداخلي واحتواءه على الاستهلاك العدواني الذاتي نتيجة عدم التجديد والابتكار. فالطاقة الإبداعية ترتد للخلف بدل الانطلاق لسبر أغوار الغير المتحدث عنه والغير الموطوء قبلا والمنطقة المجهولة أو اللاوعي الشرقي-العربي، إنما الخضوع والارتجاف ومحاولة صبغ الخطاب الديني والفلسفة المتواطئة وإظهارها بأنها خطاب ملائم لكل العصور كإعادة قراءة له نجدها عند أركون والجابري وأبوزيد وجعيط وحنفي والنخبة الغربية التي لم تمتلك روح فلسفية مؤثرة في الرأي العام والسياسي. وما التراشق الثقافي إلا دفاع عن الذات والأنا! .

نجد المثقف العربي يشكو قلة الاهتمام، وعدم توفير ماده إعلانية وإعلامية له وتعرضه للإقصاء والتهميش والخداع، فالجمهور يتجمع على الفن الاستهلاكي والترويج الدين-إعلامي. غير أن العقدة في اعتقاد وشعور المثقف، في أفكاره (بتعبير علي حرب "أفكار المثقف هي أزمته")، فالفيلسوف لا ينتظر دفع أو تركيز أو مساعدة، لأنه كما يؤكد نيتشه يفرض ذاته ويخلق الحدث "ينزل كالصاعقة"، الفيلسوف يمتلك كاريزما وقوة جذب مثله مثل الساحر أو كاهن القبيلة، فأصالته وإبداعه تؤثر في الوعي الجمعي كحقيقة متطلبة ومفيدة ومساعدة على التعرف الأفضل للواقع المعاش. وليس شخصية انسحابية وضحية غريبة أطوار تنتظر إعلام يديره مرضى عقليون أو دور نشر تتسول دراهم، تقدم ردفيها ليسكب أي مغفل منيّه الثقافي العقيم.. وتعمدنا استخدام التشبيه الجنسي الفاحش نظرا لعدم اختلاف دور النشر (العربية) عن العاهرة، باستثناء القلة.

ففيلسوف ينتظر من يكشفه ويعليه حتى يصعد خشبة المسرح، فهذا ثعلب وليس مثقف، زيادة على أنه تصور تقليدي، فالفيلسوف يجذب لا يصعد أو ينزل، ينتشر ولا يتمركز. لكن الإشكال هو في عدم امتلاك المثقف لآليات متطورة تقطع مع المعتاد والمتوفر، وتحرره نحو بناء جسر مع المجهول والعذري والنائي، ويعتقد أنه فيلسوف مهمش ! الفيلسوف يستمد السلطة من مشروعه وفكره، لا يتسوّلها.

خطاب التكرار لا ينتج شيئا سوى التأكيد، وحده الانطلاق "من" و"نحو" الممنوع والمرفوض والمبعد، هو ما يعيد للمثقف رونقه وتحكمه وقدرته على الإدهاش والحضور من الجوانب والأماكن غير المتوقعة، بلغة وأسلوب وآليات تمكنه من الاختراق. والآلية والرموز توجدهما الضرورة، ضرورة الخلق والإنجاب. وحتى ينجب يلزم "حمل" : توفر كرموزومات متنوعة ومن اجناس مختلفة، وليس الاعتماد على مخصب (طرف واحد مقدم للكروموزوم) وإلا سينجب مشروعا مشوها أو معاقا، إن لم يعني ذلك "العقم" كنتيجة.

الفيلسوف هو الصدمة، المصدوم الذي يصدم الآخرين، هو ذاك المفكر. الفيلسوف خرافة، وحدها الصدمة هي الواقع.

saieb khalilسأحصر كلامي ضمن المثقف الإنساني الذي يرى نفسه بدرجة أو بأخرى، باحثاً ومحارباً من أجل وصول الحقيقة والقيم العليا، والتي يراها ضرورة لا مفر منها من أجل سعادة مستقرة للبشرية.

قد تبدو للبعض هذه صورة عفا عليها الزمن، لكن الإنسان كان ومازال بحاجة إلى ضوء لامع بعيد يهتدي به، كما تحتاج السفن ضوء الفنار في الليالي العاصفة. فربما ليس من الصعب عليه أن يتحرك في حياته اليومية، لكن الحفاظ على الإتجاه العام الصحيح خلال تلك التفاصيل أمر آخر.

لا ينتظر المثقف من هذه المهمة أن تكون سهلة أو جميلة، رغم أنها لا تخلو من المكافآت الكبيرة بالإحساس بالإعتزاز بالنفس والدور الشريف الذي يقوم به في مجتمعه، ولكنها بكل تفاصيلها حرب حقيقية وسوف يخرج منها المحارب مثخناً بالجراح وبالغبار على وجهه  وشعره والإحمرار في عينيه، وكما يقول نيتشة: "ليس لمحارب أن يطالب بأن يعامل بالمراعاة"!

 

الأجمل والأشرف

من الأسهل و“الأجمل” كثيراً أن نختار بدلاً من تلك الحرب، ما تتيح لنا ثقافتنا من فرص، حتى ضمن الكتابة نفسها، فنكتب عن ما ينفعنا نفسياً ومادياً وثقافياً ويتيح تجميع المنافع والتقدير الإجتماعي، وليس إلى معركة الحقيقة الحاضرة، حيث الأحداث العادية والصراعات المشتبكة والتشهيرات التي لا يرتجى منها سوى الأذى على المستوى الشخصي. أن لوحة ارسمها لن تكلفني أكثر من الوقت اللازم لكتابة مقالة سياسية معقدة محشوة بالمصادر، وأحصل من تلك اللوحة، حتى أثناء عملي بها، على شحنة من الإرتياح والسعادة بدلا من التوتر وحرق الأعصاب في الكتابة عن حقائق مؤلمة. ربما تمكنت من بيع اللوحة لكن محاولة بيع مقالة شريفة أمر عسير. وأهم من كل ذلك أن أحداً لن يشتمني ولا سلطة تراقبني وتتوجس تحركاتي بسبب لوحة أرسمها. لكن إن اختار جميع المثقفين والفنانين والشعراء طريق "الأجمل"، فإن أحداً في هذه الحالة لن يرشد هذا الشعب إلى الطريق ليتخذ موقفه وقراره الآني الذي يحتاجه لفهم الأحداث ومواجهتها عاجلا وبلا تأخير.

يقول شريعتي: "عندما يحترق بيتك فأن من يدعوك للصلاة خائن، وأي عمل غير إطفاء الحريق خيانة". وأجد في هذا القول مرشداً جميلاً فيما يجب التركيز عليه من جانب مثقف قرر أن يقف مع ضميره.

الشعوب يخلقها بشكلها الثقافي النهائي- وكذلك خياراتها إن كان لها أن تختار - مجموعة مثقفيها، إضافة إلى العوامل المادية الأساسية. فالمثقف وإن لم يكن الخالق المادي للشعب فهو الراعي له والموجه لطريقه، تماماً كما هو الأب بالنسبة للطفل. ليس في ذلك إهانة للشعب، فأهم ما يميز الشخص الكامل عن الطفل هو معرفة الأول بالحياة أكثر من الثاني، وهذا ينطبق بالتعريف على المثقف المميز بمعرفته النسبية الأكبر عن الباقين من الشعب. أن "الأجمل" للمثقف ان يذهب حيث يمكنه أن يزدهر ويحصد النجاح، لكن الأشرف أن يذهب إلى حيث يمكنه أن يأتي طفله بما يحتاجه.

 

الأب يقسو أحيانا لكن لا يهين

 الأب يحنو على الطفل ويرعاه ويحرص على وصوله إلى مستقبله. إنه يعلمه ويساعده ويرشده إلى الطريق، لكنه يقسو أحياناً قسوة المحب الذي لا يسمح لتلك القسوة أن تصل حد الإهانة وخفض الروح المعنوية للطفل، وإضعافه وجعله عرضة للسقوط بيد المتربصين خلال مسيرة حياته. أن الأب الواعي المتمالك لأعصابه لا يسمح حتى لطفل صعب المراس أن يدفعه إلى تلك الحالة. لقد وضعته الحياة مسؤولاً عن هذا الإنسان ومصيره، وهو يقبل بتلك المسؤولية. لكن الآباء كثيراً ما ينسون ذلك في خضم الحياة، وكذلك يفعل المثقفون تجاه شعبهم.

ورغم أن المثقف لا يجب أن يقسوا على شعبه، فإنه لا يجب أن يكون رحيماً مع أعدائه أو مع الفاسدين من افراد ذلك الشعب. أنا اؤمن أن من واجب المثقف أن لا يلتزم بقواعد “التأدب” في الكتابة حينما يخدم ذلك التأدب تزييف الحقيقة. فحين نشرح لصوصية مسؤول كبير، يفترض أن نقول أنه لص وليس "مخطئ" أو "فاشل" أو امثالها من الكلمات المخففة للجرم، والتي تمنح حصراً للمسؤولين والأثرياء من اللصوص. هذا التمييز ليس جزءاً من ثقافة إنسانية حقيقية، بل هو مبدأ لا أخلاقي ومرفوض، لكنه صار معتاداً.

 

تجنب السخرية

من هنا نستنتج أن على المثقف التوقف عن المشاركة في السخرية من الشعب في كل الأحوال، سواء كانت سخرية محقة أو غير محقة. فعندما يكون وضع الطفل بحال يدعو الآخرين للضحك منه، فإن الواجب يدعو أبيه للبكاء بدلاً من ذلك! إن الأب السليم يدرك أنه هو الملام الأول على حال طفله. الملام هو المثقف!

يتلهى الكثير من المثقفين بتبادل السخرية بالإنترنت من شعوبهم، دون أن يدركوا أثرها السام على النفسية الإجتماعية، خاصة إن كانت تلك السخرية في محلها، وتستند إلى حقيقة. لو كان طفلك كسيحاً فلن تقهقه أمامه من طريقة مشيه الأعرج، أليس كذلك؟ فلماذا نقهقه بأعلى صوتنا ونتمتع بالضحك من تخلف شعبنا الكسيح بدلاً من أن نبكي عليه؟ السخرية لا تدفع إلى الإصلاح كما يوهم أنفسهم المتمتعون بالضحك ، إنها لا تدفع خاصة إن كثرت، إلا إلى اليأس. وهناك جهات متفرغة لكتابة السخرية من الشعب كما تبين مراقبتنا، وكما كتبنا أكثر من مرة. أذكر واحدة منها انتشرت بشكل كبير عن فتاة جاهلة إسمها "جعاز" وجدت نفسها في مطار بريطاني تحمل جواز سفر دبلوماسي ولا تعرف الإنكليزية ولا حتى عربيتها مفهومة، ثم يأتي الشرطي الإنكليزي شديد الأدب .. الخ. وادعى ناشروا هذه التفاهة أن مجلة بريطانية (لم تذكر) قد نشرت "الخبر"، ومن الواضح جداً من التفاصيل أنه "خبر" ملفق تماماً وأن اية مجلة لم تنشره، وأنه تم تأليفه قصداً لإهانة الشعب العراقي بأقصى صورة ممكنة.

علينا أن نتذكر أن هناك صناعة سينما كاملة تقوم على السخرية من العرب في أميركا، وقد بين الباحث جاك شاهين أنه من بين أكثر من فلم بحثها، أشارت إلى العرب بشكل أو بآخر، فان بضعة أفلام لا تزيد عن اصابع اليد الواحدة، قدمتهم بشكل محايد أو إيجابي! وقال أيضاً أن إهانة العرب تحقن في الأفلام حقناً حتى عندما لا يكون لموضوع الفلم علاقة بالعرب. تماماً كما حقن رجال الدعاية الأفلام بالتدخين وماركات السيارات لحساب الشركات المعنية. إنهم لا يدفعون مئات الملايين من الدولارات ورما المليارات بلا سبب. ونحن نقدم لهم الخدمة المجانية بنشرها مقابل أن نضحك قليلاً، وكان أجدر بنا أن نبكي، فهذا الكسيح الذي يضحك منه الآخرون، هو طفلنا!

 

لوم الشعب والفكرة الخاطئة: "إصلاح أنفسنا أولاً"

يجب أيضاً التوقف عن لوم الشعب إلا بما هو محدود ومدروس ويتوقع منه نتائج إيجابية. إن تحميل الشعب مسؤوليته تختلف عن تقريعه وإلقاء اللوم عليه أو ما يسمى عادة بإلقاء اللوم "على الذات"، وتستخدم عادة من قبل من يسعون في حقيقتهم إلى ردع اللوم عن الإحتلال وجرائمه ومؤامرات الدول الخارجية، إضافة إلى عدد كبير من الذين اقتنعوا بالفكرة الخاطئة وصاروا ينشرونها، ويدعون إلى أن "نصلح ذاتنا قبل أن نتهم الآخرين".

قد يكون "المرض فينا" والجرح جرحنا كما يقولون، لكن هذا لا يمنع، حتى ونحن مرضى أن نوقف اليد الخارجية التي تصب الملح على الجروح فتزيد مرضنا وألمنا. إن تأجيل الإلتفات إلى تلك اليد "حتى نشفى من أمراضنا" منطق أعوج يهدف إلى حماية تلك اليد وإعطاءها الفرصة الكاملة لاستكمال مشروعها المدمر، بحجة ضرورة أن "نبدأ بأنفسنا أولاً" أو أن نصلح اخلاقنا أولاً. لكن الأخلاق نتاج الوضع الإجتماعي وظروف الحياة أيضاً، وليست نتاج الثقافة والوعي وحدهما. لا يوجد مريض يقبل أن تستمر يد بضربه على رأسه بحجة أنه مريض، وأن معاناته الأساسية في نفسه وليس بسبب اليد! أن أي من دعاة "أن نصلح ذاتنا أولاً" لن يفعل ذلك إن كان هو الضحية بل يبادر إلى ردع من يزيده عناءاً. الصحيح هو العمل على كل الجبهات والتركيز على الأسرع تأثيراً منها، وهو بلا شك استئصال العوامل الخارجية المساعدة على المرض، ثم الإلتفات إلى الطرق الطويلة المدى، كتحسين المستوى الأخلاقي والتعامل الإجتماعي واحترام القانون وتعود الديمقراطية وحرية الآخر..الخ.

 

المريض يمكن أن يشفى

نعم نحن أمام شعب مريض ومجتمع مريض بشكل خطير، لكن الفكرة الأساسية التي يجب ان نفهمها ونتذكرها أن "المريض يمكن أن يشفى" و "المريض من حقه أن يدافع عن نفسه" حتى وهو في مرضه، وإلا لحكم على كل مريض بالموت وكل شعب متأخر بالإنقراض وكل وطن محتل بالتحطم. كل الشعوب التي نراها اليوم صحيحة ومعافاة، كانت يوماً ما مريضة، وربما بشكل ميؤوس منه، فلا يوجد شعب كان طوال تاريخه قوياً ومنتصراً. السؤال هو كيف تمكن المريض من القيام، وما هي الخطوات في الإتجاه الصحيح، والتي لا يعجز المريض عن القيام بها؟ هذه هي مهمة المثقف وما ينتظره منه شعبه المريض، فهو يحتاج الرعاية أكثر من السليم.

 

هيلين كيلر

 لقد استمعت قبل فترة وجيزة إلى كتابين مقروءين لـ هيلين كيلر وهي تنقل لنا عالمها الغريب. وما أثار دهشتي البالغة، ليس فقط إنجاز ذلك الإنسان الذي فقد السمع والبصر وهو طفل صغير، وإنما من وقف معه وتمكن وفي القرن التاسع عشر، من تحويل هذا المعوق الميؤوس منه، إلى أديبة ومفكرة وموحية إنسانية هي هيلين كيلر. هل هناك أدعى لليأس من طفل لم يفقد بصره فقط، بل فقد معه سمعه أيضاً، وباتت أصابعه قناته الوحيدة حقاً للإتصال بالبشر؟ كيف يمكن حتى أن نتخيل أن نصل إلى هذا الإنسان في زنزانته المغلقة الشديدة الظلام، وألمغرقة في الصمت، لنوصل إليه ليس فقط صورة الحياة، بل ونتاج الإنسانية الأدبي والفلسفي والعلمي، إلى درجة ينجح فيها في النهاية في أن يقول كلمته ويدلو بدلوه! كيف نقارن أنفسنا ويأسنا، مع من وقف مع هذا الإنسان وقام بذلك الإنجاز الهائل؟ هكذا فعل والدي هيلين كيلر لها، وهي المعوقة حد اليأس، فكيف إذا كان طفلنا غير مصاب بأي عوق جسمي، وأنه قد أثبت يوماً أنه لا يقل قدرة على بناء الحضارات مثل أعظم الشعوب في العالم؟

 

صورة الأب ترشدنا

أن صورة الأب (أو الأم) والطفل ترشدنا إلى الكثير في كيف يجب التعامل مع شعبنا. وأهم شيء فيها أن الأب يرى نفسه في خدمة الطفل وليس الأب المنتفخ الذي يجب على الطفل تقديسه ويطالبه بالقيام بخدمته، كما يفعل المثقف العربي والعراقي غالباً. والنقطة الثانية أن الأب يحمل نفسه مسؤولية أي خلل يقع فيه الطفل، حتى لو كان الأخير معوقاً ومريضاً، لا ان يتسلى مع الآخرين بالسخرية من عوقه. فإن من واجب الأب أن يسعى قدر ما يستطيع لكي يواصل طفله الحياة باقل معاناة ممكنة، وأن يشتري له بأمواله التي هي أموال الطفل في النهاية، كل ما يساعده على أن يعيش حياةً مناسبة فيها من السعادة والقيمة الإنسانية أكبر قدر ممكن. لقد عاني هذا الشعب الويلات المتتالية، وفي كل مرة كان اعداءه يحصدون السنابل العالية من أبنائه المخلصين والواعين، فلا عجب أن ترك بيدره هزيلا "كعصف مأكول". إن أمامه معركة صعبة للبقاء على قيد الحياة وأياماً حالكة وتتكاثر المؤامرات عليه من كل جانب، وتنهال عليه الضربات من حيث لا يدري. دعونا لا نتركه يشعر باليتم أيضاً!