ahmad alkinaniعنوان المقال مقتبس مما تألف عليه فقهاء الشيعة من ابراز مقدرتهم الاجتهادية وابداء وجهات نظرهم المختلفة مع بقية الفقهاء وتدوينها بشكل تعليقات على متن الرسالة العملية للسيد كاظم اليزدي المسماة بالعروة الوثقى، وهذا العنوان ستدخل تحته مجموعة من المواضيع المختارة ذات الطابع النقدي للتشريع الاسلامي كنت قد دونتها في سالف الايام عندما كنت ادرس الفقه، وقد حان الوقت لنشرها، علها تساهم في ترسيخ الوعي لواقع الدين في حياة الناس لئلا يقعوا فرائس لتجار الدين .

الموضوع الاول يتناول مسألة العبادات الاستأجارية او النيابية، وهذه المسألة بالذات تدر ارباحا لا يستهان بها للفقهاء، ولا اقصد طلبة العلوم الدينية ممن يعتاشون على هذه العبادات، وما اقصده جباة الاموال والوكلاء المعتمدون لدى المراجع الدينية عندما يجولون البلدان بحثا عن صيد سمين، وتمثل مراسيم اداء فريضة الحج والعمرة لهؤلاء موسم الحصاد ينتظرونه طوال العام ليجنوا من خلاله ما يكفيهم من الارباح الى حين حلول موسم الحج القادم ومن دون بذل اي جهد يذكر سوى تذكير الزبائن البسطاء بخطورة ما يقترفوه تجاه الاباء اذا لم يؤدوا عنهم ما فاتهم من الصلوات والصيام والحج، وبأمكانهم انقاذ هؤلاء الاموات من عذاب جهنم ان هم بذلوا مقدارا من الاموال للنيابة عنهم في اداء الفرائض . وبالطبع سيكون الدفع بالريال السعودي .

و عند العودة الى الديار ستوزع هذه العبادات على البؤساء من طلبة الحوزة بالدينار العرقي او بالتومان الايراني وبثمن بخس دراهم معدودة، والقسم الاعظم سيصب في حساب هؤلاء الجباة حلالا طيبا.

و اخيرا ابتدعوا طريقة عصرية تعتمد التكنولوجيا الحديثة بالاستفادة من شبكة الانترنيت، حيث يضعوا رقم الحساب البنكي وتعرفة العبادات بالدولار الامريكي، وللتسهيل على الزبائن وضعوا خيار الدفع ببطاقة الائتمان "Credit Card"، وما عليك الا ان تدفع رسوم العبادة من الصوم او الصلاة بالفيزا كارت، وستبرأ ذمة الميت ان شاء الله تعالى .

و اليك نموذج من هذه الطريقة :

موقع الشيخ محمد تقي الذاكري

اجرة الصلاة والصيام للعام الواحد600$ مع صلاة الايات

اجرة الصوم لشهر واحد 250$

اجرة الصلاة (من دون صيام )350$

لتأجير شخص مطمئن يمكنكم دفع المبلغ عبر الكريدت كارد (اضغط على مفتاح المساهمات المادية)

كما يمكنكم ارسال شيك بالمبلغ (بعد التنسيق معنا) على العنوان التالي

" العنوان في الولايات المتحدة الامريكية "

للوقوف على هذا الاعلان يراجع الرابط التالي :

http://www.alzakery.com/index.php?option=com_content&view=article&id=30&Itemid=95

 

لكن السؤال ان هذه العبادات الاستئجارية هل لها اصل في التشريع الاسلامي او لا ؟

فلنرجع الى الادلة الشرعية ونتحرى الجواب عن السؤال المتقدم .

يبدو ان مسألة الاستئجار في العبادات لم تكن مطروحة اصلا في كتب الفقهاء قديما، ولم تكن متداولة عندهم كما هو الحال اليوم، وانما هي من ابداعات الفقهاء المتاخرين . صرح بذلك صاحب الذخيرة ـ وهو من اعلام فقهاء الامامية ـ كما نقل عنه السيد الحكيم في مستدرك العروة الوثقى (١):

قال في الذخيرة :" لم اجد تصريحا به في كلام القدماء، ولم يكن ذلك (اي الاستئجار في العبادات) مشهورا بينهم قولا ولا فعلا، وانما اشتهر بين المتأخرين ".

و لذا عبر عنه السيد الحكيم بأنه " مشهور بين المتأخرين "

و هذه الشهرة المتأخرة لا اعتبار لها كما هو المحقق في اصول الفقه، والعبرة في شهرته عند القدماء وهي غير متحققة .

فهل معنى هذا ان المسألة لا دليل عليها في اصل التشريع ولذا لم يتطرق اليها القدماء من الفقهاء، او ان الدليل موجود لكنه غاب عن القدماء واكتشفه المتأخرون؟

احتمالان ...

هنالك مجموعة من الروايات عن ائمة اهل البيت تتعرض لهذه المسألة صنفها الحر العاملي تحت عنوان "باب استحباب التطوع بالصلاة والصوم والحج وجميع العبادات عن الميت، ووجوب قضاء الولي ما فاته من الصلاة لعذر"، من ابواب قضاء الصلوات، في كتابه " وسائل الشيعة، اعتبرها الفقهاء المتأخرون ادلة على صحة الاستيجار في العبادات .

 سأناقش اول رواية في المجموعة واترك البقية الباقية لانها لا تخلو من الاشكالات السندية مما يجعلها ساقطة من الاعتبار .

الراوي لهذه الرواية محمد بن يعقوب الكليني صاحب كتاب الكافي يرويها عن" عدة من اصحابنا عن احمد بن محمد بن خالد عن محمد بن علي عن الحكم بن مسكين عن محمد بن مروان قال : قال ابو عبد الله (ع): ما يمنع الرجل منكم ان يبر والديه حيين وميتين، يصلي عنهما ويحج عنهما ويصوم عنهما فيكون الذي صنع لهما وله مثل ذلك فيزيده الله عز وجل ببره وصلته خيرا كثيرا ".

 الرواية تبتدأ" بعدة من اصحابنا " وعدة الكليني كما يسمونها في كتب الرجال والتراجم هي مجموعة من الرواة ينقل عنها الكليني يتصدرها علي بن ابراهيم صاحب تفسير القمي وهو احد اعلام خط الغلو في المذهب الشيعي وتفسيره شاهد على ذلك، فالرواية من حيث السند ظاهرة البطلان .

اما من حيث الدلالة والمفهوم فانها مخالفة للقواعد الفقهية المتسالم عليها وهي الصلاة والصوم والحج عن الوالدين حيين وميتين، ولم يقل احد من الفقهاء بأداء العبادات عن الاحياء .

و لعل اعراض قدامى الفقهاء عن هذه الادلة لعدم تماميتها وصلاحيتها كأدلة على الاستيجار في العبادات .

و منهم من صرح بعدم وجود النص، او ان النص وارد في الحج ولا يصح تعديته الى باقي العبادات، كما نقلت اقوالهم المدونات الفقهية، ولا داعي للاطالة ...

دع عنك كل ذلك ولنفترض ان الادلة قائمة على صحة العبادات النيابية، لكنها تخالف المنطق السليم، فلو فرضنا ان شخصا غنيا لم يسجد لربه قط، وشخصا اخر بائس افنى عمره في عبادة الله توفي في مرض موته وفاتته بعض الصلوات لذلك، هل معنى ذلك ان يدخل الاول الجنة اذا وجد من ينوب عنه في العبادات من ماله، ويدخل ذلك البائس المسكين النار لعدم وجود من ينوب عنه . اين عدالة الله

و دع عنك هذا وذاك، فالواقع يثبت من دون ادنى شك ان العبادات الاستيجارية تثير جشع جباة الاموال من  وكلاء المراجع الدينية مما يسئ الى الدين كله، اليس هذا كاف للردع عن ابتزاز اموال الناس والاسقواء بها على الضعفاء .

 

....................

المصادر:

(١) محسن الحكيم، مستمسك العروة الوثقى، ط 1404 هجري نشر مكتبة المرعشي النجفي،ج7 ص105

(٢)الحر العاملي، وسائل الشيعة،كتاب الصلاة، ابواب قضاء الصلوات، الحديث 10647

 

الملفت للنظر والذي يثير الاستغراب هوهذا الاقبال الشديد على التدين الظاهري الشكلي في الوقت نفسه نشاهد هناك اقبال شديد وبنفس القوة على الفساد بكل انواعه وبشكل عميق وجوهري واي نظرة موضوعية يتضح لك انه اقبال على الفساد ولكنه مغلف بالتدين

وهذه ظاهرة عامة انتشرت في كل البلدان العربية والاسلامية كلما ازداد الاقبال على الدين كلما ازداد الاقبال على الفساد

المفروض والمعروف ان الحالة تكون معكوسة وهي كلما ازداد الاقبال على التدين كلما قل الفساد بكل انواعه بل ازيل وتلاشى من هذا يمكننا القول نحن امام ظاهرة جديدة لم نألفها من قبل فكنا نقول هذا متدين وهذا فاسد لكل واحد طريقه ولونه اما الان فالفاسد صبغ نفسه بلون المتدين وتظاهر بانه يسير في طريق الدين وهكذا ضاع المتدين وضاع الدين

يا ترى لماذا الامور تجري خلاف ذلك؟

في العراق نشأت حالة جديدة غير مالوفة وهي الاقبال الشديد والواسع على التدين على اقامة الشعائر والطقوس الدينية على بناء المساجد والحضور الواسع على المساجد ودور العبادة وزيارة العتبات المقدسة واضرحة الاولياء والصالحين واقامة الولائم والعزائم والاحتفالات والمهرجانات الدينية.

لا شك ان هذا يفرح النفوس ويسر القلوب اذا كان الامر لوجه الله، لكن الامر يظهر ليس لوجه الله وانما لوجه الشيطان

فاذا كان لوجه الله فانه يدفع صاحبه الى الصدق والعفة وحب الاخرين والتضحية والاخلاص في العمل وعدم التسيب والغش والتزوير واستغلال النفوذ والوساطات الغير مشروعة ومساعدة الغير فالمتدين بدين الله مثل الامام علي الذي يمنح طعامه الذي لا يملك غيره للسائل والمحروم ولو كان هذا التدين لوجه الله لعشنا في جنة ونعيم

لكن هؤلاء جعلوا من الدين تجارة رابحة ليضلوا الناس ويسرقون عرقهم وتعبهم ويجعلون منهم مطية لتحقيق رغباتهم الفاسدة ومصالحهم الغير شرعية ويشغلوهم في امور تافهة لا قيمة لهم في حين يبعدونهم عن الامور المهمة الذي يثير الغرابة ان هؤلاء الذين يتظاهرون بالتدين الشكلي لا يفهمون ولا يعرفون اي شي عن الدين بل انهم من اهل السوابق واصحاب الفساد والموبقات مثل السرقة الدعارة الاحتيال والنصب على الاخرين والمزورين والانتهازين الذين ينهقون مع كل ناهق

فهاهم يقلبون الدنيا رأسا على عقب اذا شاهدوا شعر فتاة ربما لم تقصد او لحالة خاصة لكننا لم نسمع منهم اي كلمة عندما تسود الرشوة ويعم الفساد الاداري والمالي ويصبح البلد بلد الفساد والمفسدين كانما ذلك من اصول الاسلام

احد رجال الدين يقول اقبال الشباب على التدين يؤدي الى انخفاض الجريمة والحد من الفساد والرشوة

 لكن يا شيخنا المية تكذب الغطاس فهذا الاقبال على التدين زاد في الجريمة وزاد في الفساد والرشوة حتى اصبح دوائر الدولة كلها تتعامل بالرشوة والمواطن لا يحصل على حقه الا بالرشوة والفساد وحتى الدعارة

لا ادري هل شيخنا الفهيم الفاهم يعيش في العراق ام خارج العراق اعتقد انه من الذين انعم عليهم الشيطان فاصبح كل شي يطلبه جاهز وتحت الطلب

لا شك ان العودة الى التدين بشكل ظاهري وطقوس دينية شكلية لا تدخل في اعماق الانسان وتحرك روحه وعقله عملية تسيء للدين بل تؤدي الى ازالته والقضاء عليه

فالمنظمات الارهابية الوهابية والتي يطلق عليها السلفية والجهادية والتي استخدمت العنف في فرض جهلها وظلامها على الاخرين اعطت صورة اخرى غير صورته الحقيقية كما انها عندما وصلت الى كرسي الحكم لم تعطي صورة موضوعية سليمة للعالم بل اعطت صورة اخرى صورة العنف والجهل والتخلف والقتل والتخريب

هاهم المسلمون بعضهم يكفر بعض وبعضهم يذبح بعض لماذا من اجل من ماذا يريدون لا يريدون شي سوى الموت

اذهبوا وحدكم الى الموت لا الا بذبح الاخرين الا بتدمير الحياة هذا هو شعارهم لا مستقبل للانسان الا القبر

لا ادري كيف يدعي انه متدين ويذبح المسلمين بالجملة ويفجر دور العبادة ويقتل كل من يصلي بها ويحرق كل نسخ المصاحف ويصرخ الله اكبر يسرق اموال الناس وبغتصب النساء ويصرخ الله اكبر ربما هناك من يقول هناك متدينون غير هؤلاء اقول نعم لكن اين هؤلاء انهم لا يمثلون شي فصوت الدين وصورته اولئك الارهابيون الوهابيون التكفيريون

وبهذا حولوا الدين الى وباء مدمر للحياة والانسان لهذا بدأ المجتمع الدولي بدأت البشرية التي تعشق الحياة وتعمل من اجلها تتنبه لخطر التدين ومن حقها ان تدافع عن الحياة والانسان وتتصدى بقوة لهذا الوباء الذي اسمه التدين

الحياة مهددة بالفساد والارهاب والمتدين فاسد وارهابي المعروف جيدا ان الفساد يولد الارهاب

فالذي يتعاطى الرشوة يعني يتحول الى ارهابي وليس العكس فالذي يتعاطى الرشوة هو الذي يخلق الارهابي

لهذا على الذين يشعرون بالغيرة على الاسلام ان يكفروا الذي يتعاطى الرشوة ويستغل نفوذه فهو مصدر كل الرذائل والموبقات وكل انواع الفساد في الارض

من صفات المتدين ان يكون صادقا مع الاخرين متمسك بالصدق حتى وان اضره مبتعدا عن الكذب وان نفعه

مخلصا في عمله معتبرا العمل عبادة من افضل العبادات واكثرها قربا لله فلا يشغل نفسه بأي شي ولا يضيع دقيقة واحدة من مدة العمل المخصصة بل يجد الراحة والمتعة فيه لانه يؤدي الهدف والغاية التي خلقه الله من اجلها وامره به وهو خدمة الناس ومنفعتهم وفائدتهم وكل الفرائض الاخرى من اجل ان تهيأ الانسان لذلك الهدف وتلك الغاية

والله يقرب الانسان ويبعده من خلال قربه وبعده عن الناس من خلال ما يقوم به من منفعة وفائدة للاخرين

يقول احد رجال الدين الصادقين ان الله يوم القيامة يسأل الانسان

هل أذيت احد من البشر فاذا لم تؤذ احد هيا ادخل الجنة لم يسأله عن صلاته عن صيامه عن ضحكه عن بكائه

بل يسأله عن افعاله وتصرفاته هل كانت مضرة بالحياة وبالانسان ام كانت ذات فائدة للحياة والانسان

 صحيح اصبح القضاء على الفساد والعنف امر صعب بل مستحيل لكننا نريد ان نفصل المتدين عن الفاسد نبعد الدين عن الفساد

لنحمي على الاقل ديننا وننقذه من هذه الكارثة

 

مهدي المولى

 

المفكر المبصر هو الذي تقوده بصيرته إلى إختيار ما يناسب مصلحة أمته الحاضرة فيما يعالج من أفكار، أما المفكر فاقد البصيرة فهو الذي يتخبط في طرح الأفكار عشوائياً من غير إعتبار لعناصر الزمان والمكان.

المبصرون يملكون جهازاً إستكشافياً ذاتياً للتعرف على إحتياجات أمتهم، أو ما يسمى بعنصر (الوعي المجتمعي)، أي يقومون بمرعاة إحتياجات الواقع المعاش ومصالح جمهور المتلقين.

مثلاً: المفكر الذي يعيش في مجتمع يعاني من المجاعة ولا يكاد يجد معظم أفراده قوت يومهم، ثم يطرح قضية مساويء ومضار التخمة الغذائية يعتبر مفكراً فاقداً للبصيرة، لأن مجتمعه الجائع في ذلك الحين لا يحتاج للتوعية بقضية التخمة. وبالتالي فإن هذا المفكر سيستنفذ جهده  ووقته في بحث قد يعتبر قيماً من ناحية علمية مجرده، إلا أنه بكل تأكيد غير ذي فائدة بالنسبة لمجتمعه في ذلك الوقت.

أما المفكر الواعي فإنه يختار دوماً أن يعالج القضية الأكثر إلحاحاً بالنسبة لمجتمعه في زمانه ثم يتدرج في سلم الأولويات، ويسمى هذا النوع من الطرح بالفكر المسؤول، أي الفكر المرتبط بإحتياجات الجمهور.

وبالتالي فإن المفكر المسؤول يتحرك دوماً بديناميكية مرنه مع الواقع المعاش وينوع في القضايا المطروحة بحسب إحتياجات الجمهور. ففي مجتمع منفتح جداً ويعاني من إنفلات أخلاقي، يجب على المفكر المسؤول طرح قضايا مثل العفة والشرف والألتزام الخلقي ونحو ذلك، لأن هذا ما يحتاجه مجتمعه في تلك اللحظة، أما في مجتمع مغلق ومقيد، فأن هذا المفكر نفسه سيتوجه نحو طرح قضايا تتعلق بحقوق المرأة والأفراد وحرية الإختيار. كذلك في مجتمع يقبع تحت الإحتلال ستكون القضية الرئيسية المطروحة هي المقاومة والتحرر الوطني، بينما يتم التركيز في مجتمعات مستقلة ذاتياً على معالجة مسائل التنمية وتطوير الجهاز الإداري، وما إلى ذلك.

وهكذا ففي مجتمع يعاني من إرتفاع وتيرة الشحن الطائفي بشكل غير مسبوق مما يهدد بتدمير تماسك النسيج المجتمعي الوطني الداخلي، فإن التركيز ينبغي أن ينصب على التقريب وتبيان أهمية الوحدة ونبذ الفرقة والتعصب، بينما نجد مفكرين متخبطين ومعكوسين تماماً يطرحون بالضبط ما لا يجب أن يطرح في تلك اللحظة التاريخية ويهملون اولويات ما تحتاجه أمتهم.

 

abdulhusan shaabanلا يمكن الحديث عن مشروع نهضوي عربي جديد دون الاستناد إلى ثلاثة عوامل أساسية، أولها إعلاء شأن الحرية، استناداً إلى حرية الفرد والمجتمع، وثانيها إعادة النظر في مفهوم الهوّية، لا سيّما العلاقة بين الهوّية الجامعة العامة الموحّدة، وبين الهوّيات الفرعية، بالاعتراف بقيم التنوّع والتعددية والتمايز والاختلاف، وثالثها الإقرار بالحقوق الإنسانية بما تتطلبه من مبادئ المساواة والمواطنة الكاملة وعدم التمييز .

ولعل الحديث عن مشروع النهضة لا ينفصل عن القراءة النقدية الأبستمولوجية، ابتداءً بالتراث ووصولاً إلى شروط التغيير، وذلك من خلال النقد العقلاني التاريخي بما فيه الديني والتأويلي التي تشمل نقد المسلّمات والفكر اليومي والسائد .

أما القراءة الثانية فتقوم على نقد الأيديولوجيا السائدة سواءً كانت دينية أو قومية أو يسارية في منطلقاتها ومرجعياتها، خصوصاً لما عفا عليه الزمن ولم يعد صالحاً.

أما القراءة الثالثة فهي قراءة تستند إلى الثقافة خصوصاً من زاوية القيم الإنسانية التي تقوم عليها، في إطار عملية التنمية الثقافية السوسيواقتصادية، بما فيها وسائل الاتصال والمعرفة الحديثة وعلاقتها بقضية العدالة الاجتماعية .

ومثل هذه القراءات تحتاج إلى مراجعة نقدية واضحة وصريحة لمشروع التغيير لمرحلة ما بعد الاستقلال، لا سيّما لنكوص العديد من أركانه، خصوصاً مع عودة العلاقات القديمة والولاءات ما قبل الدولة: الدينية والطائفية والمذهبية والعشائرية والجهوية وغيرها، تلك التي أسهمت في تبديد المشروع وتشتيت القوى القائمة عليه، بل ودفعتها باتجاه تناحري إلغائي وإقصائي .

والمسألة الثانية التي تحتاج هي الأخرى إلى إقرار، هي تراجع القوى والجماعات التي حملت لواء الحداثة والتقدم، بل وارتدادها أحياناً إلى جماعات محافظة، وتحوّلها من قوى راديكالية إلى قوى محافظة، بل إلى قوى رجعية في الكثير من الأحيان، لا سيّما عندما تسلّمت مقاليد السلطة، وتحت مبررات الدفاع عن وجودها والحفاظ على مواقعها، قمعت كل رأي معارض بما فيه حلفاؤها .

والاعتراف الثالث الذي ينبغي إعمال النقد فيه هو فشل المشروعات الثورية الخمسينية والستينية، بل وارتدادها بحيث انقلبت الثورات إلى نقيضها، إلى درجة أن البعض كفر فيها، في حين كان يمكن للتطوّر التدريجي والتراكم التاريخي والإصلاح المؤسسي الطويل الأمد، أن يؤدي إلى إنضاج عوامل التغيير من دون الحاجة إلى عمليات قيصرية وانقلابات عسكرية وأخرى مضادة وهكذا .

وإذا كانت هذه المراجعة ضرورية، لأن العديد من القوى والشخصيات الفكرية والثقافية والسياسية بدأت تقتنع بها وتميل إليها، فإنها بحاجة إلى تأصيل وحوار مجتمعي يحرّم العنف ويضع التغيير السلمي لعقد اجتماعي جديد، وهو ما فعلته بعض قوى دول أمريكا اللاتينية، التي استبدلت بشعار الثورة عبر الكفاح المسلح، شعار “الثورة من خلال صندوق الاقتراع”، خصوصاً بعد أن أصبح الارتداد على الماضي، بل وتقهقر خطط التنمية والتغيير، سمة مميّزة للثورات السابقة، والأمر لا يقتصر على المشروعات التغييرية العربية فحسب، بل إن له أبعاداً عامة، لا سيّما انهيار أنظمة أوروبا الشرقية وانحلال الكتلة الاشتراكية، بعد نهج شمولي استبدادي بالضد من الشعارات التي روّجت لها وحملتها لسنوات تبشّر فيها بالثورة والتغيير، بحيث عادت مسألة الهوّية إلى الانبعاث على نحو عكسي لما هو قائم من وحدات ظهرت قسريتها وسلطويتها على نحو واضح وهنا يمكن لفت الانتباه إلى أن بعض المراجعات ذهبت أبعد من ذلك حين “أثّمت” جميع محاولات التغيير، على الرغم من ضرورتها واضطرارها أحياناً، دون نسيان أخطائها وارتكاباتها وهدرها حقوق الإنسان، كما “مجّدت” الماضي بكل عيوبه ومثالبه .

المسألة الرابعة التي ينبغي الإقرار بها هي أن مشروعات الإصلاح التي رفع لواءها عدد من الروّاد مثل: رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي وحسين النائيني وشبلي شميل وفرح أنطون وسلامة موسى وعلي عبد الرازق وغيرهم، لاتزال تحتاج إلى مراجعة وتجديد انسجاماً مع التطور الدولي، لا سيّما في مفاهيم حقوق الإنسان، وذلك استناداً إلى بناء الدولة، أو إعادة بنائها باعتمادها على الديمقراطية والتنمية والعدالة ومبادئ المساواة، ولا يمكن الحديث عن إصلاح دون التنمية، وهذه تحتاج إلى تربية وتعليم، كما تحتاج إلى الديمقراطية، التي هي الأخرى تستوجب إقراراً من جانب الناس، وتأييداً من قوى المجتمع وتياراته المختلفة ونقاباته واتحاداته المهنية الحرّة، أي بتوفّر الإرادة السياسية للتغيير، كي يكون قاعدياً ومن خلال قناعة الناس .

لقد انتهى أو انحسر مفهوم الانقلاب المفاجئ العسكري، الثوري، الذي تقوم به نخبة فوقية بهدف تغيير المجتمع وإحقاق الحق وإقامة العدل، فالتغيير بحاجة إلى دور أساسي من جانب المجتمع وقواه وهيئاته، وإلى إشراك أوسع سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً للقوى التي تستهدفها عملية التنمية الشاملة بجميع أبعادها الإنسانية .

وقد أظهرت حركة التغيير في العالم العربي على الرغم من تأخّرها لنحو عقدين من الزمان عن الموجة العالمية التي بدأت مرحلتها الثانية في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية في نهاية الثمانينات، أن العالم العربي غير معزول عمّا يجري في العالم وأنه جزء من أرخبيل مفتوح وليس بركة مغلقة، وأن القيم الإنسانية واحدة في ما يتعلق بكرامة الإنسان وحقوقه وحرياته، وهناك مشتركات إنسانية عامة تخص بني البشر بغض النظر عن قوميتهم ودينهم ولغتهم وجنسهم وأصلهم الاجتماعي وأفكارهم السياسية وغير ذلك .

فالحق في الحياة واجب، والحق في التعبير والتنظيم والاعتقاد والمشاركة السياسية هي حقوق أساسية تخص الإنسان أينما كان، ومثل هذه الحقوق تتعلق بالحق في العمل والسكن والتطبيب والضمان الاجتماعي والراحة والتمتع بأوقات الفراغ وكذلك بمنجزات الثقافة، مثلما هو الحق في عدم التعرّض للتعذيب وأي عمل يحطّ  من كرامة الإنسان أو ينتقص منها، كما هو الحق في شخصية معنوية قانونية، بما فيها المساواة أمام القانون والحق في الجنسية والحق في التنقل والإقامة وغير ذلك من الحقوق .

وتلك أمور لها علاقة بالحداثة وما أفرزته من تطوّر، لا سيّما في ظل ثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والثورة الرقمية “الديجيتل”، خصوصاً بإقرار تنوّع واختلاف البشر وتعدد أعراقهم وأديانهم وجنسياتهم وأجناسهم وألوانهم ومستوياتهم الاجتماعية وأفكارهم السياسية .

إن التغيير الذي حصل في العديد من البلدان العربية هو جزء من تغيير عام سيصل إلى بلدان أخرى بطرق مختلفة حتى وإن انثلم أو تصدّع أو تعرّض لمحاولات الهيمنة عليه، فالماضي أصبح ماضياً، ولا يمكن إعادته بأي شكل من الأشكال، وليس بوسع الناس الذين خرجوا إلى الميادين وفرضوا التغيير إعادتهم إلى القمقم من جديد، كما لا يمكن لأحد عزل نفسه عن حركة التغيير والتحديث، خصوصاً أن أفق الحرية المجتمعية واسع، لا سيّما في ظل ارتفاع شأن الحرية الفردية، وصعود الهوّية، سواء على المستوى العام، الجماعي، أو الفردي، وذلك جزء من الحقيقة الاجتماعية الجديدة، فلم تعد الشعارات ذات الطبيعة الأيديولوجية هي التي تحرّك النخب، بل وتقودها، إنْ لم تُقد من قبلها، خارج نطاق الحرية، الضرورة، الحاجة التي لا يمكن إحداث النهضة المنشودة، والتنمية المنشودة، والعدالة المنشودة من دونها .

وإذا كان الحديث عن استراتيجيات وثوابت وطنية، فلعلّ الاستراتيجي المستمر والثابت المتواصل، هو الحرية وليس غيرها، والحرية هي غاية الإنسان، التي ينبغي أن يخضع لها كل شيء، لأنها تمثل القيمة العليا، وتلك هي التي تمثل الديناميكية الحركية، الاجتماعية والفردية التي تجسّد الهوّية ذات الأبعاد الإنسانية بمضمونها الجماعي أو الفردي، والتي مثلت الفاعلية التاريخية لحركة التغيير العربية اليوم، من دون نسيان محاولات المعاكسة والتراجع والتحدّيات التي تواجهها، والمنزلقات التي يمكن أن تُدفع إليها .

 

hasan ajmiأمسى التجهيل فلسفة عالمنا العربي والإسلامي لأن التجهيل في عالمنا اليوم له مبادىء وعقائد عامة وتفصيلية. من مبادىء وعقائد التجهيل العربي والإسلامي مبدأ أن الجهل فضيلة وأن تجهل أفضل من أن تعلم لأن من خلال جهلنا فقط  سيتم قبولنا من قبل مجتمعاتنا ومؤسساته. لقد طورنا التجهيل فأصبح التجهيل لدينا سوبر تجهيل. والسبب الأساس وراء سيطرة التجهيل والسوبر تجهيل هو أنه فقط  من خلال تجهيل أنفسنا وتجهيل الآخرين سنتمكن من أن نحيا في مجتمعاتنا اليوم لأنها مجتمعات محكومة بالديكتاتوريات والطوائف والمذاهب التي لا تنتصر سوى بفضل آليات التجهيل.

ثمة فرق بين التجهيل والسوبر تجهيل. بينما التجهيل هو حجب المعلومات عن الناس، السوبر تجهيل هو تقديم معلومات كاذبة على أنها صادقة واقناع الناس بصدقها. نظامنا العربي السائد اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً يمارس التجهيل والسوبر تجهيل معاً. فهو يمارس التجهيل من خلال حجب المعلومات عن الناس كي يبقى النظام الديكتاتوري العربي محتكراً للمعلومات ما يساهم بقوة في استمرارية حكم الديكتاتورية للعالم العربي. ونظامنا العربي يطور التجهيل أيضاً فيحوّله إلى سوبر تجهيل من خلال تقديم المعلومات الكاذبة على أنها صادقة واقناع الناس بصدقها. وهو يفعل ذلك لكي يطور تخلف العالم العربي ما يجعله مهيمناً بشكل كلي على دولنا ومجتمعاتنا. تولد الديكتاتورية باغتيال العقل وتنمو في تشويه المفاهيم والمعارف والإنجازات الإنسانية. عالمنا العربي يحيا اليوم في عصر السوبر تجهيل لأن معظمنا يساهم في تطوير الجهل والتخلف والتعصب الطائفي والمذهبي. ولقد تحوّلنا إلى سوبر جهلاء نجهّل أنفسنا والآخرين لأننا مواطنو النظام العربي الديكتاتوري وتلاميذه.

للسوبر تجهيل آليات عدة منها آلية تشويه الأفكار والنظريات والمنجزات الحضارية وتحويلها إلى أدوات قمع واضطهاد. فمثلا ً، معظم العرب يظنون أن الديمقراطية هي حكم الأكثرية بينما الحقيقة هي أن الديمقراطية هي حكم الحقوق الإنسانية كحق الفرد في أن يكون حراً. أما حكم الأكثرية فهو ديكتاتورية الأكثرية لأنها تلغي الأقليات وتقضي على مصالحهم، وبذلك حكم الأكثرية هو نقيض الديمقراطية التي تحافظ على حقوق ومصالح الأقليات. والأكثرية قد تتفق على خطأ أو ضلالة، وبذلك حكمها ليس حكماً ديمقراطياً. لكن نظامنا العربي يقدِّم الديمقراطية على أنها حكم الأكثرية رغم أن حكم الأكثرية نقيض الديمقراطية. هكذا يمارس النظام المعرفي العربي السوبر تجهيل من خلال تقديم معلومات كاذبة على أنها صادقة واقناع الآخرين بصدقها. هنا شوّه النظام المعرفي العربي مفهوم الديمقراطية وحوّل نظرية الديمقراطية إلى نظرية مناقضة للديمقراطية. وبذلك تمكن النظام الفكري العربي المهيمن من قتل أروع منجزات الحضارة ألا وهي الديمقراطية واستغلال اسمها لإغتيال عقولنا وحريتنا وحقوقنا. هكذا بدلا ً من أن تحررنا الديمقراطية أصبحنا سجناءها.

من منطلق آلية تشويه الفكر الإنساني والحضارة الإنسانية، نظن عادة ً أن الحرية كامنة في حرية التصرف والتفكير وحرية الانتخاب. لكن الحرية الحقيقية قائمة في امتلاك القدر الأكبر من المعلومات لأن من خلال امتلاك النسبة الأكبر من المعلومات سيتمكن الفرد من امتلاك حرية أكبر في تقييم معلوماته ما يحتم نشوء حرية أوسع في اختيار معارفه فتصرفاته على ضوء ما يختار من معارف. فالإنسان الذي يملك معلومات قليلة يتم سجنه ضمن ما يعلم من معلومات وبذلك تتقيد حريته فيخسر الحرية الأوسع في التفكير والتصرف. أما مَن يملك معلومات أكثر فيتحرر بفضل كثرة معلوماته التي تسمح له في التصرف بحرية أكبر على أساس الممكنات الواقعية والنظرية التي تقدمها كثرة المعلومات. من هنا، الحرية الحقة كامنة في امتلاك أكثر نسبة معلومات ممكنة. لكننا اليوم نشوّه الحرية من جراء سجنها في حرية التنقل والتصرف الجسدي وحرية انتخاب الزعماء أو ممثلي الشعب بينما الحرية الفعلية تتشكّل من امتلاك أعلى نسبة من المعلومات. في بعض من بلادنا العربية والإسلامية لدينا حرية التصرف والتفكير وحق الانتخاب لكننا لم نتمكن من تحقيق الديمقراطية في بلداننا لأن الحرية الحقة تكمن في اكتساب أعلى نسبة من المعلومات. ولم تنجح وسائل التواصل المعاصرة كالتلفزيونات الفضائية والإنترنت من جعلنا نكتسب القدر الأكبر من المعلومات لأن تلك الوسائل التواصلية مجرد أدوات قد تُستخدَم لنشر العلم والمعلومات وقد يتم استخدامها لنشر الجهل والتجهيل. ولقد أجدنا نحن العرب والمسلمين في استخدامها لرفع رايات الجهل والتجهيل لأن معظم تلك الوسائل التواصلية هي في أيدي الأنظمة الديكتاتورية والطوائف والمذاهب المتصارعة. فالديكتاتورية لا تستطيع سوى نشر الجهل والتجهيل لكي تبقى في الحكم كما أن أي مذهب ديني أو عقائدي في صراع مع المذاهب الأخرى لا يستطيع سوى أن ينشر الجهل والتجهيل لكي ينتصر على المذاهب الأخرى علماً بأنه لا يوجد معيار معرفي يمكننا من الحكم على أية عقيدة هي الأفضل أو الأصدق وإلا لتمكنت البشرية من حل خلافاتها العقائدية.

بالإضافة إلى ذلك، نشوّه مفهوم المساواة حين نعتبرها مجرد مساواة أمام القانون بينما المساواة الحقة هي المساواة في امتلاك المعلومات. فحين يتساوى الأفراد فيما يملكون من معلومات يتساوون في قدرتهم على الاختيار بحرية فتتحقق الحقوق الإنسانية كحق الفرد في أن يكون حراً وحقه في أن يُعامَل كما يُعامَل الآخرون. هذا لأن الإنسان يفكر ويتصرف على ضوء ما يملك من معلومات، ولذا إذا تساوى الناس فيما يملكون من معلومات يتساوون في قدرتهم على التفكير فالاختيار فالتصرف وبذلك يتحررون من خلال قدراتهم فتتحقق الحرية الحقة بشكل متساو ٍ بين الأفراد. ومتى تساوى الناس فيما يكتسبون من معلومات سيمتلكون حينئذٍ المستوى الثقافي فالاجتماعي نفسه ما يؤدي على الأرجح إلى معاملتهم بالتساوي. هكذا المساواة في امتلاك المعلومات أساس تحقيق الحقوق الإنسانية كحق أن يكون المواطن حراً وأن يُعامَل بمساواة مع الآخرين. لكن الديمقراطية هي حكم الحقوق الإنسانية، وبذلك المساواة فيما نملك من معلومات أساس الديمقراطية وأصلها وجوهرها. لكننا اليوم في عالمنا العربي والإسلامي نشوّه مبدأ المساواة ونختزله إلى مجرد مساواة بين الأفراد أمام القانون فقط  بينما المساواة الحقة هي المساواة في امتلاك القدر الأكبر من المعلومات. فعندما نملك النسبة الأكبر من المعلومات ونتساوى في امتلاكها نغدو متساوين فكرياً فاجتماعياً فاقتصادياً. من هنا، الديمقراطية الحقة تكمن في التوزيع العادل والمكثف للمعلومات. لكننا اليوم نرفض المعلومات لأننا نرفض العلم والمنطق ونتعصب فقط  ليقينياتنا المُسبَقة ولذا خسرنا الديمقراطية وما تتضمن من حقوق إنسانية وخسرنا الإنسان ذاته لأن الإنسان مجموعة حقوق كالحق في أن نكون أحراراً ومتساوين.

من جهة أخرى، إلغاء فكر الآخرين آلية أساسية من آليات السوبر تجهيل. ومضمون هذه الآلية هو التالي : ثمة نظرية أو عقيدة واحدة صادقة بينما النظريات والعقائد الأخرى كافة كاذبة. هذا مبدأ جوهري من مبادىء فلسفة السوبر تجهيل ؛ فبمجرد أن نعتبر أنه توجد نظرية أو عقيدة واحدة صادقة دون سواها ونصر على أن النظريات والعقائد الأخرى كاذبة سنرفض لا محالة كل أفكار ونظريات وعقائد الآخرين المختلفة عما نعتقد ما يؤدي إلى رفض الآخرين المختلفين عنا. لكن الديمقراطية مبنية على قبول الآخر المختلف. وبذلك من خلال الإصرار على صدق نموذج فكري واحد وتكذيب النماذج الفكرية الأخرى نرفض الديمقراطية وما تتضمن من حريات وحقوق إنسانية. هكذا النظام المعرفي القمعي السائد في عالمنا العربي- الإسلامي أصل ومصدر رفضنا للديمقراطية وللحقوق الإنسانية. فعندما نعتبر أنه يوجد نموذج فكري أو عقائدي واحد هو الصادق دون سواه سنتعصب للنموذج الفكري الذي نعتبره صادقاً ونلغي معتقدات الآخرين فإنسانيتهم. وهذا أساس العنصرية والطائفية والمذهبية. من هنا، الديمقراطية الفكرية التي تقبل كل الأفكار والنظريات والعقائد وتؤكد على أنها كلها متساوية في قيمتها ومقبوليتها هي وحدها الكفيلة بأن تقضي على التعصب بكافة تجسداته العنصرية والطائفية والمذهبية. ومتى نعتقد بأنه توجد نظرية أو عقيدة واحدة فقط  هي الصادقة وهي على الأرجح ما نعتقد بصدقها سنوقف عملية البحث الفكري لأننا نظن أننا نمتلك النظرية أو العقيدة الصادقة ولذا لا داع ٍ للبحث الفكري عما قد يكون صادقاً. وبذلك اعتقادنا بصدق نظرية واحدة دون سواها يوقف عملية التفكير فيقضي على إنسانية الإنسان الكامنة في القدرة على التفكير المستمر.

كل هذا يرينا أن السوبر تجهيل المهيمن على مجتمعاتنا العربية والإسلامية لا يلغي الحرية والمساواة والديمقراطية فقط  بل يغتال أيضاً إنسانية الإنسان من خلال إلغاء قدرة الإنسان على التفكير. فالعلم والمعلومات أساس الديمقراطية كما أن الديمقراطية هي المُطوِّر الأساسي للعلوم والمعلومات لأن الديمقراطية ليست سوى إنتاج المعلومات وتوزيعها العادل بين المواطنين. فمن خلال صياغة المعلومات وتوزيعها العادل بين الناس تتحقق الحريات والمساواة والمقدرة على التفكير والإنتاج الحضاري. العلم وما يتضمن من معلومات عملية تصحيح مستمرة لِما نعتقد تماماً كما أن الديمقراطية عملية تصحيح مستمرة لِكيفية الحكم، ولذا يشكّل كل من العلم والديمقراطية حقلا ً وجودياً واحداً لا يتجزأ. من هنا، استغلالنا للعلم من أجل تجهيل أنفسنا والآخرين، وذلك من خلال تشويه المعلومات أو إلغائها، ليس سوى عملية رفض للديمقراطية ولإنسانية الإنسان.

 

مقدمة: البناء الفكري هو إدراك محيط ما من خلال تحصيل وتراكم المعرفة وبرمجتها وتنظيمها بالاستنتاج (التفقه) إلى سلوك وخبرة من خلال التفاعل مع المحيط. وتكون هذه العملية بإنشاء قاعدة، مكونة من مجموعة مبادئ وقوانين وأفكار، يرتكز عليها الإنسان في الاستنتاج والتفاعل مع محيطه. كالنحلة فهي تجمع المواد من الأزهار وتقوم بهضمها وتحويلها من خلال قدراتها الخاصة إلى شراب نافع، وهذا عمل الفكر السليم!

والبناء يصاحبه التخطيط والتصميم والتنظيم، ويقابله التكديس او التجميع العشوائي غير المنظم ومن دون هدف. فعملية البناء تقوم على استقطاب العلوم والمعارف والتنقيب عنها وفق احتياجات ومعايير وأهداف الشخص. وتكون القاعدة التي يرتكز عليها الإنسان في تصرفاته وأقواله وتحليله وفهمه للواقع من حوله. أي أن عملية البناء تستمر وفق منهجية وأهداف واضحة في ذهن الشخص، ومع الوقت تصبح هذه المكتسبات وهذا البناء قاعدة تحكم سلوك وفهم الأمور.

أما التجميع فالمقصود به: جمع الأفكار والعلوم والمعارف الموجودة والمتداولة في الواقع بمختلف الوسائل دون تخطيط او هدف .

والبناءُ الفكريُّ يتأثر بعاملين أساسيين؛ أولهما: هو" العقل والمنطق"، والآخر هو الطباع الخاصة بالإنسان، فإذا اتفقت جميعُ طباع الإنسان مع العقل والمنطق وصلْنا إلى البناء الفكري السليم، وإذا اختلفت بعضُ الطباع مع ما يمليه العقلُ الرشيد، حدث صراعٌ بين الطباع والعقل، حتى تكون الغلبة لأحدهما، وهذه الغلبةُ هي الضابط الذي يحدد عملَ الإنسان ويفسر سلوكياته وطريقة استجابته في المواقف الاجتماعية المختلفة، والظن الشائع في مدارس علم النفس الغربية أن الغلبة تكون في أكثر الأحوال للطباع، لقوة سلطانها، وصعوبة مدافعتها، ولا ينتصر العقلُ إلا عند الأقوياء القادرين على ترويض أنفسهم ودفع هواها.

وهناك اشكالية تَعرض لها "مالك بن نبي"  سماها: "فاعلية الأفكار" في كتابه: "ميلاد مجتمع"، وبيَّن أنه كلما كانت شبكة العلاقات حول فكرة ما أوثق، كلما كانت الفكرة أكثر فاعلية وتأثيرًا. والحق أن "مالك بن نبي" لا يقصر مشاكل الأمة على ذلك؛ فقد قرر في كتابه: "وجهة العالم الإسلامي" أن واقعنا الآن هو: "إما فكرة لا تطبق، وإما عمل لا يتصل بجهد فكري". وأنه لا يكفي مجرد صواب الفكرة، ولا عمقها ولا إبداعها في تغيير الواقع، بل لابد لها من هيكل فعال قادر على تطبيقها وتحويلها إلى حقيقة. ولا يكفي كذلك مجرد حشد المؤيدين والمتعاطفين والمتحمسين للفكرة دون إيجاد شبكة من العلاقات فيما بينهم تتضح فيها المهام، وتقسم فيها الأدوار.

ويذكر "مالك بن نبي" في كتابه "شروط النهضة" تحت عنوان: "من التكديس إلى البناء"، حيث ضرب مثلا : "برجلين أراد كلٌ منهما أن ينشئ عمارة، فالأول: اشتري الحديد والآلات والأحجار، وكل ما يلزم لإنشاء العمارة وتركها في موقع البناء، أما الثاني: فقد أخذ يشتري جزءًا من مواد البناء ويبني، فما هي إلا بضعة شهور حتى أقام عمارته، بينما الأول لم يفعل شيئًا سوى أنه اشترى مواد البناء وتركها مكدسةً بلا تفعيل ولا عمل، فلن يبني عمارته".

فالمفكر الذي يكتفي بمجرد حشد المتعاطفين مع فكرته دون أن ينشئ شبكة من العلاقات بينهم، ثم يوظف كل واحد منهم طبقًا لمواهبه وإمكاناته في المكان المناسب لخدمة هذه الفكرة لن يستطيع أن يتحول بفكرته من مجرد خيال وأحلام إلى واقع ملموس. ويقول "مالك بن نبي" في كتاب شروط النهضة: "فكم من طاقات وقوى لم تستخدم؛ لأننا لا نعرف كيف نوظفها! وكم من الطاقات وقوى ضاعت فلم تحقق هدفها، حين زحمتها قوى أخرى صادرة عن نفس المصدر، متجهة إلى نفس الهدف... فهناك ملايين السواعد العاملة، والعقول المفكرة ، صالحة لأن تستخدم في كل وقت، والمهم هو أن ندير هذا الجهاز الهائل، المكون من ملايين السواعد والعقول، في أحسن ظروفه الزمنية، والإنتاجية المناسبة لكل عضو من أعضائه، وهذا الجهاز حين يتحرك، يحدد مجرى التاريخ نحو الهدف المنشود".

ويقول مالك بن نبي عندما بدأ العالم الإسلامي يشعر بتخلفه اثر احتكاكه بالحضارة الغربية التي انطلق منها الاستعمار , اخذ يبحث عن علاج لمرضه دون أن يحدد طبيعة مرضه وهكذا فقد توجه العالم الإسلامي إلى صيدلية الحضارة الغربية يطلب عندها الدواء وهو بهذا التصرف إما أن يحصل على الدواء الذي يشفيه أو يحصل على الدواء الذي يميته لأنه لا يناسبه . وعندما يكون الفرد في حالة التخلف , يغلب عليه تكديس الأشياء , لا صناعتها , فتكديس أعداد من الحجارة او الاسمنت لا يعني أن البناء أصبح جاهزاً فالأمر بحاجة إلى مهندسين وبنائين وتخطيط , وهذه مشكلة العالم الإسلامي .ونجد مشكلة العالم الإسلامي اليوم كالطفل يكدس في أشيائه ضنا منه انه قد حاز كل العالم وهو لا يملك منه إلا الأشياء بينما الأفكار بعيدة عنه كل البعد فلن تجديه الأشياء في تكوين الحضارة .

والفرق بين نهضتنا ونهضة اليابان, أن اليابان وقفت من الحضارة الغربية موقف التلميذ , بينما وقفنا منها موقف الزبون , فهم كانوا ينشئون حضارة وكنا نشتري بضاعتها .

من الجدير بالذكر إن البناء والتجميع لا يختلفان فقط بالمعطيات ولكن أيضا يتباينان بالنتائج. فالبناء ينتج أفكار واعية ناضجة موضوعية بامتياز. بينما التجميع من المرجح أن لا يخرج بنتيجة أو ستكون  نتيجته  عبارة عن أفكار غير منهجية وضئيلة غير ناضجة. وليس من المستبعد ان تكون هذه الافكار خاطئة.

وتظهر اهمية البناء باننا نحصل على نتائج وأفكار قابلة للحياة ويمكننا الاستفادة منها في المضي قدما في طريق الابداع والابتكار ونهضة الامة بينما تكمن اهمية التجميع بالتعرف على جميع الافكار والحقائق التي تخص الموضوع الصالحة والطالحة حتى يستطيع المفكر نقدها وتحليلها بموضوعية ودون أن يغفل عن اي جانب من الجوانب.

يذكر الدكتور عبدالكريم بكار اهدافا للمعرفة ففي بلد مثل أمريكا لا يحفظ الطلاب إلا القليل من المعلومات. والفهم والمهارة هما الهدف الأساسي للتعلم. اما في بلادنا يهتم الناس بالحفظ عن ظهر قلب أكثر بكثير من اهتمامهم بالفهم والتحليل والاستنباط والتوظيف.

فبات علينا أن نستجلي أهدافاً جديدة للمعرفة، وأن نتبع أساليب جديدة في تخزينها واستخدامها. ويقول الدكتور عبدالكريم بكار أن جميع ما يتعلمه أبناؤنا في المدارس، وجميع ما يطلعون ونطلع عليه نحن الكبار، يجب أن يستهدف الأمور الخمسة التالية: (1(

1ـ تطهير العقل من العادات الذهنية والنفسية التي تحرمه من الرؤية الصحيحة مثل التعصب والمبالغة والانغلاق والميل إلى التبسيط والخضوع للمقولات الشائعة، والتعامل مع الواقع على أنه كتلة صلدة، ورؤية نصف الحقيقة.

2- تكوين العقل المثقف، وهو ذلك العقل الذي اجتاز عدداً كبيراً من حالات التدريب على التفكير المستقيم، والذي يستطيع استلال نموذجه الخاص من خلال استعراض عدد كبير من وجهات النظر المختلفة في القضية الواحدة.

3ـ تحسين مستوى اتخاذ القرار من خلال معرفة جيدة بالإمكانات والقدرات الذاتية والفرص المتاحة والتحديات والمعوقات الموجودة واستشراف آفاق المستقبل.

4ـ التلاؤم مع التغير والتكيف مع المعطيات الحديثة، وذلك من خلال امتلاك طاقة روحية وعقلية، تمكن المتعلم من استيعاب الوافدات الجديدة، والاستجابة لها على نحو صحيح. وهذا لن يتم إلا إذا تدرب المتعلم على النظر في اتجاهات مختلفة، وعلى دمج الجديد في القديم عبر آفاق رحبة من الملاحظة والإدراك؛ والقيام بعقد موازنات ومقارنات بين الأصيل والطارئ، ليقف على خير ما فيهما.

5ـ تعديل السلوك، وتشذيب الزوائد الأخلاقية، وتأهيل المتعلم لأن يحيا (الحياة الطيبة) من خلال انسجام سلوكه مع معتقده، وإنشاء أسرة صالحة، وإقامة علاقات جيدة مع الناس، والنجاح في العمل، وتحقيق التوازن والانسجام بين المطالب الروحية والمادية. حتى تؤدي معارفنا هذه الوظائف الكبيرة، وحتى تبلّغنا هذه الأهداف العظيمة، فإننا بحاجة إلى أن نعيد هيكلتها في أذهاننا، وأن نحسن طرق تخزينها في عقولنا. نحن في البداية بحاجة إلى التخلي عن طريقة السرد في تخزين المعرفة، تلك الطريقة القائمة على حشد عدد هائل من المعلومات المتتابعة، والتي لم تخضع لأي تقسيم أو عنونة أو تبويب. تلك المعلومات تشعر وأنت تسمعها بأنها خليط من الآراء والحقائق والعادات والأوهام والمعارف المتشرذمة، وتشم منها رائحة التحيز والسطحية والاختيارات الشخصية التي لم تخضع لأي اختبار.

وبداية التخلي عنها تتمثل في أن ننظر إليها بعين التوجس والحذر. وتتجسد الخطوة الثانية في أن نعامل المعلومات التي نحصل عليها على أنها مواد أولية وبيانات بكر، وكأنها أرقام غير مميّزة، وذلك حتى نتمكن من إعمال طاقاتنا الذهنية فيها بحرية وفاعلية. والخطوة الثالثة تتجلى في أن ندخل تلك البيانات والمعلومات إلى أذهاننا موزعة على مساقات وبنى ونماذج إرشادية. وهذا يحدث إذا عمدنا على نحو مستمر إلى البحث عما يمكن استخلاصه من فحص المعلومات والبيانات المتوفرة من مفهومات ومؤشرات وعلاقات ومقارنات، وكليات وموازنات ومعدلات بواسطة ما نملكه من ملكات التحليل والتركيب والاستنتاج. وفي المقابل فإن علينا أن نصرف الانتباه عن كل المعلومات التي لا نشعر أنها تفيدنا في دعم رؤيتنا الخاصة، وتشكيل حصيلتنا المعرفية المنتخبة، وهي اليوم كثيرة جداً. وإنما أقول هذا لأن هذا الفيضان من المعلومات المتشظية والمتقاطعة يربك عمل العقل، وربما ضلله، وانحرف به عن مساره الصحيح. وقد بات من الواجب علينا في عصر تفجر المعرفة أن نختار بدقة ما نرغب في الاطلاع عليه، وأن نتساءل باستمرار كيف نفيد منه، ونوظفه في تحسين المحاكمة العقلية لدينا والارتقاء بثقافتنا.

وفي ظاهرة التكديس يقول "مالك بن نبي": "إنّ علينا أن نكوّن حضارة أي أن نبني لا أن نكدس فالبناء وحده هو الذي يأتي بالحضارة لا التكديس ولنا في الأمم المعاصرة أسوة حسنة فالحضارة هي التي تكوّن منتجاتها وليست المنتجات هي التي تكوّن حضارة إذا من البديهي أن الأسباب هي التي تكوّن النتائج وليس العكس، فالغلط منطقي ثم هو تاريخي لأننا لو حاولنا هذه المحاولة فإننا سنبقى ألف سنة ونحن نكدس ثم لا نخرج بشيء".

وترتكز أفكار مالك بن نبي على قاعدة رئيسة، وهي محور أفكاره وتصوراته ألا وهي أهمية الأفكار في بناء الحضارة فهو يقول: "مشكلتنا هي مشكلة أفكار: فبعض الأفكار المميتة أسلمت العالم الإسلامي إلى مرضه وتخلفه، ولقد كان فشل الوسائل التي استخدمت في الوصول إلى النهضة أنها لم تتخذ الفكرة هادية فقد تخبطت في فوضى من التقليد، وحيث يكون التقليد تنسحب الفكرة. والأفكار المُمِيتة جاءتنا بالتقليد الأعمى، فهي مستوردة.

ويمكن أن نفرق بين التجميع والبناء بعدة نقاط: (2)

1- الاستمرارية: عملية البناء مستمرة وتأثيرها متواصل، أما التجميع فهو عملية قد تتوقف وخاضعة لظروف وجهد الشخص.

2- الأهمية: كلا المفهومين مهم، إلا أن البناء أهم ومقدم على التجميع العشوائي.

3- السهولة: البناء أصعب من التجميع، فمثلا عندما يمارس عامل البناء التجميع لا يمارس جهدا كبيرا، يقوم بجمع مواد البناء من حجارة وأسمنت وغيرها بالتعاون مع الموردين، أما البناء فيتطلب منه جهدا كبيرا وتركيز ومسؤولية.

4- البناء الفكري هو: تحصيل و تراكم المعرفة، و التي يتبع فيها الإنسان منهجا علميا بنائا عن قصد و بهدف إنماء قدرات عقله و معارفه . أما التجميع الفكري أو ما يمكن تسميته بالعقل الجمعي: فهو النموذج المعرفي الذي كونته تراكم المعرفة في مجتمع ما و أصبح القاعدة المعرفية التي ينطلق منها الإنسان بغير منهجية علمية مقصودة و لا غاية يحددها.

5- العقل الجمعي بشكل عام يعاني من السطحية و انخفاض الفهم للذات و للواقع، يعاني من الجمود و النفور من التجديد و شديد التمسك بما يعرف و ذلك أن الاكتفاء بالموروث يعمل على إكسال العقل، فيبتعد عن التحليل الدقيق و التفلسف العميق عكس البناء الذي يتميز بفهم كبير جدا للذات و للواقع و منفتح على أغلب المعرفة حيث أن من أدواته تعدد و تنوع مصادر تحصيل المعرفة و يحتوي بذات الوقت على الأدوات اللازمة لإصلاح منهجيات التفكير و نقدها مما يجعله أقل تمسكا بما يعرف و في حالة ارتقاء معرفي متواصل و يجعل الإنسان في مراجعة دائمة لمنهجيته و على وعي و معايشة أكبر للواقع.

6- في البناء، العقل يكون تحصيلي يعمل على التفكيك و التركيب ليحاول الوصول دائما إلى فهم أعمق و أشمل و أتقن، و أما في التجميع فالعقل تحصيلي تكديسي.

7- العقل الجمعي تحكمه بشكل عام العاطفة لا العقل و المنطق و أما البناء فتحكمه منهجية علمية مركبة.

8- العقل الجمعي يحوي معرفة بلا هدف، و البناء يحوي معرفة مقرونة بغاية/هدف.

ولكي نستثمر التجميع: لابد من استشارة المتخصصين، و تحديد الهدف بالضبط، و وضع خطة منهجية للتجميع ترتكز على الهدف والاستشارة.

ادوات البناء الفكري:

1- الأدوات التأسيسية: التربية، الفطرة، العبادة

2- الأدوات المعرفية: القراءة العلمية، الاستماع والمشاهدة ، المناقشة، التجارب والاختبار

3- الأدوات التطويرية والإبداعية: الكتابة والتأليف، الحوار ،المحاضرات، البحث العلمي والدراسات العليا، المشاركة في تأسيس وتطوير المشاريع الاجتماعية وبناء المؤسسات.

من الواضح أن التجديد الحضاري تصنعه جملة من الشروط ويتجلى في جملة من الميادين تمثل مظاهر الحضارة ومعالمها، ويمثل هو ذاته عامل البناء الحضاري لكل مجتمع  فهو يمثل الديناميكا الحضارية لكونه استراتيجية شعب يريد التحضر وينفر من التخلف ويرغب في التطور الروحي والمادي، ولكونه نظاما يُنتهج وخطة تُتبع لتطوير منتجات الحضارة الفكرية والمادية وللمحافظة على منتجات الحضارة القائمة واستمرارها من خلال الإبداع في مختلف المجالات فيتحقق التقدم والازدهار، ولكونه أسلوبا ينتهجه المجتمع في كل إصلاح ينجزه لرد المفاسد والأضرار ومن أجل إعادة البناء.

ويحتاج أي مجتمع إلى التجديد الحضاري حينما يحرص على بعث وإحياء قيم وأعمال وعادات طيبة نافعة يكون قد تخلف عنها في وقت سابق، لكن في هذه الحالات التي يكون فيها التجديد الحضاري جوهر كل العمليات الحضارية  وأساس "الديناميكا الحضارية" عند ميلاد الحضارة أو عند تطورها أو عند إصلاح ما تم إفساده، وحتى في عملية البعث والإحياء وإعادة البناء تقف أمامه جملة من الأسباب تمنع حركته وتقضي على بوادره وعلى الشروط التي تصنعه فيقوى التخلف وتتثبت أسباب الجمود والتحجر. (3)

إنّ موانع التجديد الحضاري تدخل في النسق الفكري لفلسفة الحضارة عند "مالك بن نبي"، استقاها من بحوث في التاريخ وتاريخ المجتمع الإسلامي وواقع الشعوب المتخلفة والشعوب المتقدمة، لأنّ الصراع قائم بين التحضر والتخلف وكلما قامت أسباب التحضر زالت معها موانع التجديد الحضاري والعلاقة عكسية بين شروط الحضارة وأسباب ضعفها وانهيارها وأفولها، بين موانع النهضة وشروط النهضة.

لقد حدد "مالك بن نبي" في أكثر من بحث وفي أكثر من كتاب وفي أكثر من محاضرة شروط نهضة أي شعب وهي شروط الحضارة معتبرا المشكلة الأم في حياة الإنسان هي مشكلة حضارته، والحضارة مرتبطة بعوامل بناء كما ترتبط بعوامل هدم للبناء، وأسباب تقتضي البناء في مرحلة ما قبل الحضارة هذه الأسباب التي تقتضي شروط البناء أو تهدمه ترتبط بحياة الفرد والمجتمع في جميع مجالاتها الروحية والفكرية والاجتماعية.

إنّ غياب الأفكار وسيطرة الأوثان وانتشارها يمنع كل محولة تجديد في المجال الثقافي الروحي والأخلاقي وهو الأمر في المجتمعات البدائية.

وترتبط أية حضارة في ميلادها بفكرة واضحة مضبوطة تحمل المبدأ وتحدد الغايات قريبة كانت أو بعيدة التي يعيش لأجلها الفرد والمجتمع، فالحضارة هي "نتاج فكرة جوهرية تطبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضر الدفعة التي تدخل به التاريخ".  لكن هذه الفكرة لا تقوم بوظيفتها الاجتماعية والحضارية إلا بتوفير جملة من الشروط النفسية والأخلاقية

أما الحالة الثانية فتخص مرحلة الحضارة، بحيث يكتسب المجتمع عادات فكرية تترسخ في نظامه الاجتماعي وتبق حالّة في ذهنيات أفراده ومنجزات حضارته، وهذه العادات الفكرية تقف في وجه كل جديد وتمنع التغيير ويصبح الركود الحضاري معول هدم للتجديد بقتل روح الإبداع الفردية والاجتماعية التي هي جوهر التجديد الحضاري وتطوير الحضارة وتحصينها بالتقدم الفكري والمحافظة على استمرارها وبقائها، وينتج عن هذا القتل سقوط الحضارة وأفولها مما يوسع في مجال الجمود الفكري فيزداد تخلف المجتمع وانحطاطه ويفقد معنى وجوده.

إنّ طريق الخروج من حالة الجمود الفكري للوصول إلى حالة يتطور فيها عالم الأفكار هو التغيير في حالة البداوة أو الحضارة أو ما بعد الحضارة، هذا التغيير يبدأ في نفس الفرد ثم ينميه نحو الخارج أي محيط الفرد وهو الطبيعة والمجتمع، والنهضة الأوروبية الحديثة نتاج انقلاب فكري وحاصل تفاعل جملة من التغيّرات التي دخلت عالم الأفكار في المجال المعرفي والعلمي والسياسي والاقتصادي وغيرها من المجالات الأخرى،

وإنّ التخلف والتراجع والانحطاط ظواهر تُنزل أي مجتمع من فوق وتمنع فيه أي مبادرة أو محاولة بناء أو تجديد أو إصلاح فهي ظواهر من إنتاج الجمود الفكري.

ولا يندمج أي مجتمع في التاريخ ما لم يتخطى عقبة الجمود الفكري، ويشهد نهوضا فكريا على مستوى الأفراد، و"يكون للأفكار دور وظيفي، لأن الحضارة هي القدرة على القيام بوظيفة أو مهمة معينة".  إنّ ظاهرة الجمود الفكري التي تمنع النهضة تعود إلى غياب الإرادة الحضارية، وانعدام الإرادة الحضارية يعني انعدام القدرة على التغيير لغياب النزوع أو القصد المشحون بالعزم والإصرار ولغياب الشعور بأهمية التحوّل وضرورته لدى الفرد والمجتمع .

فشراء منتجات حضارة الغير وتكديسها يخلق مشاكل خطيرة بحيث تنمو اللافعالية وتموت الفعّالية فيعيش الإنسان في تبعة حضارية لغيره ويكون عالة وليس هناك أخطر من التبعية الحضارية على حياة المجتمع وقيّمه وهويته، فالتكديس مظهر من مظاهر التخلف والتبعية يعيق التنمية ويمنع التجديد الحضاري، فشراء منتجات حضارة ما وتكديسها لا يبني الحضارة إذ أن أكوام من الأشياء المستوردة لا تساوي حضارة، فالحضارة حاصل تفاعل جملة من الشروط في التاريخ نفسية واجتماعية، وتخضع عملية البناء الحضاري لجملة من القوانين مثل قانون المبدأ الروحي وقانون التركيب بين عناصر العدة الدائمة وقوانين التوجيه وغيرها، "فإن العودة إلى الريادة في المجال الحضاري تكون بالبناء المخطط المدروس المحكوم بفكر متحرر من إرادة الأجنبي وتأثيراته وليس بدفع الأمـوال لشراء مواد الاستهلاك المادي".

إنّ سبب التخلف والانحطاط لدى الشعوب المتخلفة عامة والشعوب العربية والإسلامية خاصة ليس خارجيا بل داخليا في نفس كل فرد من أفراد هذه الشعوب وفي الإطار الاجتماعي لكل مجتمع من هذه المجتمعات المتخلفة، "لا يأتي عامل الكف من خارج الذات بل هو سبب داخلي ناتج عن نفسية الناس وأذواقهم وأفكارهم وعاداتهم وفي كلمة واحدة ناتج عن قابليتهم للاستعمار".

إنّ الاستعمار يريد ان تكون الشعوب عاطلة عن العمل ليسخرها في الأعمال الشاقة بثمن زهيد ويريد منها جاهلة ليستغلها ويريد منها متدنية في الأخلاق لكي ينشر الرذائل لتشتيت المجتمع وتفريق أفرادها حتى يحل بهم الضياع في الناحية الأخلاقية مثلما هو حال الناحية الاجتماعية، كما يريد منه كائنا تغمره الأوساخ يظهر في سلوكه الذوق السيئ ليتعرض للذل والاحتقار.

يحرص الاستعمار كل الحرص على التمكين لاستقراره في البلاد المستعمرة مستهدفا الفرد والمجتمع يؤثر فيهما لتقوية عوامل "القابلية للاستعمار" فيزيد ذلك في السيطرة على المستعمر، فهو "يؤثر في حياة الفرد في جميع أطوارها يؤثر فيه وهو طفل، إذ لا يمده المجتمع بما يقوي جسده وينمي فكره، أو يهيئ له مدرسة أو توجيها، هذا إذ كان له أب يحنوا عليه أما إذا فقد من نشأته الأب فسيكون الأمر أدهى وأمر ولسوف يؤول صاغرا إلى ماسح الأحذية أو سائل يتخلى عن كل عزة وكرامة، بإراقة ماء وجهه".

ويؤثر الاستعمار في المجتمع تأثيرا سلبيا بحيث يهدمه ويزيف قيّمه ويمنع فيه قيام أي شرط من شروط النهضة والإصلاح وأي عامل من عوامل البعث والإحياء وإعادة البناء مستعملا وسائل وأساليب عديدة مباشرة وغير مباشرة محلية ودخيلة، "كذلك نجده يحول بين الشعب وإصلاحه نفسه، فيضع نظاما للإفساد والإذلال والتخريب، يمحو به كل كرامة أو شرف أو حياء هكذا يجد الشعب المستعمر نفسه محاصرا داخل دائرة مصطنعة، يساعد كل تفصيل فيها على تزييف وجود الأفراد".

فلا سبيل إلى الحضارة أمام مجتمع تغمر أفراده "القابلية الاستعمار" أو خاضعا للدوائر الاستعمارية، فالحضارة من نصيب مجتمع يدرك أفراده معنى وجودهم ويتحررون من الوثن الخرافي والوثن السياسي والوثن لاستعماري وتكون حركة بناء تدخل التاريخ لتسقر فيه.

ونستخلص مما سبق أن التجديد الحضاري له عوامل وشروط تحدثه كما له موانع تقف في وجهه، هذه الموانع ترتبط بالفرد وبمحيطه، وترتبط بالفرد ككائن طبيعي ونفساني وعاقل واجتماعي فهي موانع ذات طابع حيوي ونفساني واجتماعي وهي كذلك ذات طابع فكري ومنهجي، بعضها ذاتي في الفرد وبعضها موضوعي، بعضها داخلي في المجتمع وبعضها خارجي، وسبيل الفرد والمجتمع إلى الحضارة هو القفز فوق موانع النهضة والتجديد للوصول إلى نقطة منها تنطلق وتقلع عملية البناء التاريخي بعدما تتوافر كافة شروط هذا الإقلاع.

 

ريناس بنافي  باحث في مجال الفلسفة والفكر السياسي

لندن 1- 5 - 2013

...................

(1) عبدالكريم بكار من التكديس إلى التوظيف مجلة المعرفة العدد 75

http://www.almarefh.org/news.php?action=show&id=3100

(2) وليد الصيفي  ثنائية البناء والتجميع  مشروع النهضة

http://www.4nahda.com/article/1160

(3) الدكتور جيلالي بوبكر - موانع التجديد الحضاري في فكر مالك بن نبي - التجديد العربي

http://arabrenewal.info/2010-06-11-14-13-03/42991-%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B6%D8%A7%D8%B1%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%83%D8%B1-%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83-%D8%A8%D9%86-%D9%86%D8%A8%D9%8A.html

 

 

abduljabar alrifaiيتشكّل الاعتقادُ في الذهن في إطارِ الأنساقِ الاعتقاديةِ المجتمعية المولّدة له، فمثلا لا يعتقد بإله ذلك الانسانُ الذي يولد ويعيش في سياق أنساق اعتقاد بوذية أو هندوسية أو طاوية، إذ لا تحضر في ذهنه صورة للإله،كما في الأديان الابراهيمية، وإن كان يخضع في بناء متخيله الديني للأسوار التي بناها رجالُ الدين ومؤسساتُه في موطنه وديانته، ولا تتزحزح هذه الصورة أو يخرج عنها، إلّا بعد أن يخترقَ تفكيرُه تلك الأسوار، فيهدمَها بالأسئلة العميقة والنقد الجذري.

أما الايمان فهو ليس فكرةً نتأملها، أو معرفةً نتعلمها، أو معلومةً نتذكرها. الايمان حالة للروح نعيشها، وتجربة للحقيقة نتذوقها. الايمان ملاذه القلب، ومسكنه الروح. وهو ليس صورةً ندركها، الصورة تتشكل في الذهن وهو من يختزنها. الايمان يثري الروح والقلب، فيلهمها الطمأنينةَ والسكينةَ والسلام، حتى يبلغ توحدُ القلب والروح بالايمان مرتبةً لا يخضعان معها لمعادلات الذهن ومشاكساته مهما كانت.

الايمان حالة ديناميكية حية، تنمو وتتغذى وتتطور وتتكرس. إنه جذوة متوهجة، كأنها طاقةٌ كهربائية. الايمان يضئ الروحَ لحظةَ حضوره، مثلما تضئ الكهرباءُ المصباحَ المظلم لحظةَ وصله بها. وهذا معنى كونه حالةً نتذوقها كما نتذوق الطعام الشهي والشراب اللذيذ.

الايمان يفيض على صاحبَه طاقةً ملهمة، إذ لا يجد نفسَه في غربة إلا ويهمس إليه صوتُ الله، فتستفيق روحُه بعد غفوتها، وتمتلئ بعد خوائها، وترتوي بعد ظمأها، ويتجدد وصالها بمن أودعها عنده، لأن الروح وديعة الله عند الانسان. ففي كلّ غياب للانسان يجد أن حضورَ الله هو الحضور، واحتجابَ الله عنه ليس سوى احتجابه عن الله.

الايمانَ يحقق الانسانَ في طور وجودي جديد؛ فحيث يسافر الانسانُ للحق تتكرس قدرته، وتترسخ ارادته، وتتعذر هزيمته، لأنه يتحقق بالحق. وبذلك يجعل الايمان الاشياءَ المستحيلة ممكنة، والشاقّةَ سهلة، والمرّةَ حلوة.

الايمان والحب كلاهما كيمياء للروح، كلاهما منبثقان من جوهر واحد، يولدان معاً، ويرتضعان معاً، ويتكرسان معاً، ويتوحدان معاً، فحيث اشتد الايمانُ يشتدّ الحب، وحيث ذبل الايمانُ يذبل الحب. إنهما في صيرورة وتفاعل وفوران، يتحول الايمانُ إلى حب، كما يتحول الحب إلى ايمان. الايمان عصارة الحب، والحب عصارة الايمان. فكلا الحالتين تنبثقان من منبع واحد وتستقيان منه، يصبح كل منهما صورةً لحقيقة واحدة متعددةَ الوجوه. حين يصير الايمانُ حباً والحبُ إيماناً تشهد حياتُنا أنوارَ الأبد.  

أما الاعتقاد فهو مفاهيم ميكانيكية جاهزة، مستودعة في الذهن، مفرغة من كلّ نبض وحياة، لذلك يفشل الاعتقادُ في التحول إلى حب، كما يفشل الحب في التحول إلى اعتقاد.

لا يولد السلام بين الأديان في فضاء الاعتقاد، وانما يولد السلام بين الأديان في فضاء الايمان، لأن المؤمنين في كلّ الأديان يستقون إيمانَهم من منبع مشترَك هو الحق، وإن تجلى لكل منهم في صور تتنوع بتنوع دياناتهم، وبصمة بيئاتهم، فيعيشون التجارب الروحية الملهمة للطمأنينة والسكينة والسلام ذاتها. الايمان حقيقة يتجلى فيها جوهرُ الأديان، والأرضية المشتركة التي تتوحد في فضائها، والشلال الملهم للحياة الدينية فيها.

لا يتخلص الانسان من نزاعات الأديان وحروبها إلا في فضاء الايمان. في الايمان تلتقي الأديان وتتعايش وتأتلف، بعد أن تكتشف شفرة اللغة الروحية المشتركة التي يتحدث بها ايمانها، لكنها تتفرق وتختلف في الاعتقاد، لأنها تتحدث لغات شتى، لا تفقه كل منها الأخرى.

 الاعتقاد يرسم جغرافيا الأديان ويضع الحدودَ الصارمة لها، والحدود بطبيعتها تنفي ما ورائها، ولا تقبل كلّ ما هو خارج فضائها. وذلك ما يبرّر الأفعالَ المتوحشة، مثل العمليات الانتحارية ضد الآخر المختلف. من هنا تأتي الحاجة لتحديث التفكير الديني، وتشتدّ الضرورة اليه في كل عصر يحتجب فيه الله عن العالم، من أجل تحرير الدين من الاغتصاب، وبعث الايمان، وحماية الاعتقاد من الاستغلال في ما يدمر الحياة.

الإيمان الذي تحدثتُ عنه هنا هو إيمان الحرية لا إيمان الاستعباد، إيمان الحرّ لا إيمان العبد.كل إيمان عندما يصبح حقيقةً حيةً، وإشراقةَ نور تلهم الروحَ كلَّ معنى جميل، لن يكون إلا حراً ومُحرِّراً.

وهذا النمط من الايمان المُحرِّر هو ما يؤنسن البشرَ، فهو بقدر ما يحرّر صاحبَه من كلّ أشكال استعباد الروح والقلب والضمير والعقل والجسد، فانه يصيّره مواطناً كونياً، ينتمي للانسان بوصفه انساناً، من دون نظر لمعتقد أو عنصر أو جغرافيا أو ثقافة. لذلك تصبح قضيتُه العظمى تحريرَ الانسان من حيث هو انسان من كل أنواع الاستعباد.

في الإيمان المُحرِّر يوقظُ الضميرَ صوتُ الله، وتُشرق الحياةُ بنوره الأبدي. الإيمان المُحرِّر ينقذ العالم من مأزق المتوحشين، ممن اغتصبوا كلمة الله، فألحدوا بالانسان، واستباحوا اسم الله. الإيمان المُحرِّر وعد مع السلام والحب والجمال، يصبح فيه: الايمان سلاماً والسلام ايماناً، والحب ديناً والدين حباً، والجمال تديناً والتدين جمالاً.

الإيمان الذي أعنيه بـ "الانسانية الايمانية، والايمانية الانسانية" هو الإيمان المُحرِّر، والذي هو نمط حضورٍ لـ "الإله الروحي الأخلاقي" في قلبِ الانسان وضميرِه وحياتِه. 

أما إيمان الاستعباد، فهو ضرب من خراب الروح ومرض القلب وشقاء الضمير وسبات العقل. إنه يستبدّ بصاحبه فيأسره، ويُعمي بصيرته، ويصيّره كائناً متوحشاً، مولعاً بالموت لا الحياة، بالحرب لا السلام، بالكراهية لا المحبة. لا يعرف معنىً لاحترام حقوق الناس وحرياتهم. لا يكترث لما تقوله أخلاقُه وإنسانيتُه، لأنه في كلّ قول وفعل أسيرُ صورة إله دموي محارِب، وعبدٍ لمعتقده هذا.

في فضاء إيمان الحرية تنشأ وتتشكل وتتطور معتقداتُ الحريات والحقوق، وفي فضاء إيمان الاستعباد تنشأ وتتشكل وتتطور معتقداتُ العبودية والاستبداد.

هذه رؤيتي للايمان والاعتقاد، كتبتها في سياق خبرتي الدينية، وتجربتي الروحية. وكل رؤية مرآة الرائي، وصورة ذاته، وتجلٍ لكينونته. وقد تجنبت فيما كتبت الضياع في متاهات اللاهوتيين والمتكلمين، التي تذوي فيها الاستبصارات المضيئة للروح وتنطفئ.

 

د. عبد الجبار الرفاعي