ali almirhig

الصنم هو الشخص أو الحجر وهو "الطوطم" الذي يُعبد تيمناً به وحباً، بوصفه واسطةً بين الكعبة وحُجاجها أيام الجاهلية.

وقد أعلن نتشه في كتابه "أفول الأصنام" أو "غروب أو غسق الأوثان" أن البشرية قد عاشت مدةً طويلةً مُنساقة ًوطائعةً للصنم في السياسة والدين والأخلاق والفلسفة، فصرنا نحن البشر أسارى لمقولات هؤلاء، وصيرنا أنفسنا عبيداً لأقوالهم وطائعين مُسلمين بدعواهم. فما كان من نتشه بعقله النقدي سوى تحفيزه للعقل الإنساني وتذكيره للإنسان بقيمته العُليا، بوصفه صانعا لقيم جديدة، ترفض القيم التي صِيغت لنا (قيم الخنوع والإذلال والضعف) لنُعيد بناء قيمنا بنفسنا وفق مُقتضيات الواقع وتقلباته، لذلك صب نتشه جام غضبه على "سقراط" الذي أراد صياغة الحقيقة وفق منطق تطابق الفضيلة مع المعرفة.

ولم يكترث نتشه للفلسفة الكانتية في رؤيته النقدية.

تجاوزت فلسفة كانت الظاهر بوصفه حقيقةً مُدركةً لتجعل للميتافيزيقا أفضليةً على نظام الإدراك التعايشي للطبيعة في تمييزه بين عالم "النومين" (الظاهر) و "الفينو نومين" (الباطن).

لم يكن نقد نتشه للصنمية مُنصباً على الفلسفة اليونانية متمثلة بقلسفة "سقراط" والحديثة طِبقاً للتصور الكانتي، إنما كان نقده الحقيقي مُنصباً على الدين والتدين المسيحي، فقد وجد في أخلاق التصنيم المسيحية "أخلاقاً مُعاديةً للطبيعة"، فالطبيعة الإنسانية تقتضي الصراع ، فإنتقد بشدة دُعاة "فعل الخير"، أو رجال الكنيسة الذين جعلوا الناس عبيداً وتابعين ووضعوا أنفسهم أوصياء على الحقيقة حتى صارت الناس تنظر لهم وكأنهم قديسون مقدسون وفي أعلى عليين.

لم يكن همهم كما يرى نتشه (ويقصد بهم القساوسة، دُعاة فعل الخير) سوى تدجين الإنسان وتحويله من كائن عاقل لكائن جاهل في مُحاولة منهم للقضاء على عقله إمعاناً منهم في تأكيد جهله وتغييب قدرته العقلية وإنكار إستطاعتها على تحويل نوعها وتمكنها من الصراع مع الطبيعة بطابعها الإحيائي للوصول للإنسان "السوبرمان" أو الإنسان الفائق، الذي يُنتج قيمه بنفسه ويَهدم القيم التقليدية ليُنتج قيماً جديدة تجعله كائناً حُراً لا يخضع للصنم ولا يصنع الوثن ولا يهزمه الوهم، لأن الوهم عالمٌ مؤسطر بالغيب مُحاط بهالة قُدسية تستمد قُدسيتها من أفاعيل المصلحين والمجددين في التاريخ، يستمد منه المدعين تبنياً له في إدعاء تبنيه لتجييره لمصلحته الشخصية وتضخيماً لشخصهم لرفع رصيدهم وحضورهم الاجتماعي والسياسي المُفتعل والمؤطر ببعد ديني يصنعه عارفون برغبات القطيع

من الرعية، وتدجينهم وترويضهم عاطفياً عبر النقر والتطبيل والعزف على وتر الطائفية وتوظيف الرمز الديني المُقدس في إستدرار عواطف العامة كي يكونوا تابعين مُستسلمين، مُقتنعين بأن لا خلاص لهم إلا بدُعاة إستحضار الرمز ممن يُتقنون اللعب في السايسة بوصفها تدينا والتدين بوصفه سياسة... ولي قول يطول وسأكتفي اليوم بهذا القول

 

 

منذ نشأة الانسان الاول والاسئلة العميقة تلاحقه، فيحاول إيجاد الحلول بالتفكير والمتابعة البحثية الجادة، وكلما كثرت القيود المانعة من التفكير في الاسئلة الداخلية للفرد أو الأجوبة التقليدية المُستهلكة، كلما إزداد إختناق العقل وذبُلت شرايين الدم الموصلة له، فيموت من غير تكلف . نظرية التجهيل والإخناق لا تحتاج الى كثير من التخطيط لكنها تحتاج الى كثير من النصوص المخيفة والمرعبة، فيما اذا خرج أحدهم عن السياق العام للتفكير القائم للمجتمعات المخدرة بوباء تقديس الموروث والذي حُرمت من التفكير به، على الرغم من أنها تتعبد بنصوصه وقوانينه .

أعتمد الفلاسفة الاوروبيون بالتحديد على إيجاد نظريات للخروج من قاعدة تنميط المجتمعات وقولبتها الى تحريك المجتمعات عبر بث روح جديدة للتفكير ومن أهم عوامل التفكير وبدايته هو الشك . خرجت في اوربا حركات متعددة منها الشكوكية التي أخذت حيزاً من تفكير المجتمع، لكن رائد الشك وواضع نظريته هو الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، الذي طلّق اليقين ليرحل الى عالم الشك، الشك بكل الموجودات في هذا الكون، لأنه رأى لا مجال للتقدم في اي من عناوين الحياة مالم نشك وأدرك ان لا حظوظ لتطور الانسان اذا بدأ من اليقين او اليقينيات المكتسبة، يجب ان ينطلق العقل في رحلته البحثية من اللاحقيقة الى الحقيقة النسبية، عكس ما موجود في ثقافتنا الواهمة اننا نملك الحقيقة المطلقة ! ساقه عقله الشاك بالاشياء الى سؤال مهم، هل أنا موجود ؟ فكان جوابه المعروف أنا أفكر اذاً أنا موجود. ولم يكن لهذا الاستنتاج ان يمر دون ان توجد له معارضة ًاو تصحيحاً، فقال أحد مجايلين ديكارت . (ان مقدمته الكبرى مضمرة ف الأنا أفكر، تفترض المقدمة التي تنص على ان: كل مفكر موجود) يحاول هذا التوصيف إيجاد ادمية الانسان واختلافه عن باقي الموجودات من حيث المعطى العقلي التفكري . ولو حاولنا قلب المعنى، انت تقلد فقط هذا يعني انت لا تفكر. فتكون النتيجة اذاً انت غير موجود في مساحة الوعي والتفكير.

تعتقد معظم المجتمعات البسيطة والتي لا يكون للعقل دور فيها انهم خُلقوا على الحق المطلق، بينما غيرهم خُلق على الباطل، لهذا السبب تكثر الدعوات التلقينية المتماشية مع طبيعة وسلوك ذلك المجتمع . نجد هذا واضحاً في مجتمعنا الشرق أوسطي، الذي يغيب فيه الشك (العقل) بينما يسرف بهذيان اليقين والمطلق (الجهل) يُنقل عن ابي حامد الغزالي قوله : الشكوك هي الموصلة للحق فمن لم يشك لم ينظر ومن لم ينظر لم يبصر ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال. وهذه فقرة تُحيلنا الى مستوى مهم من العقل والتفكير، لطالما إحتجنا لها وهي ان الايمانات المطلقة التي ورثناها من أهلنا بتلقين وترديد يجب تفكيكها وإعادة هيكلة البنية الاساسية في منظومة الايمانات المطلقة . الايمان او التدين المطلق موت حقيقي للعقل، الايمان المطلق سياج حائل ومانع للشك والبحث العقلي . اذا كنت مؤمناً بالقضايا الدينية او السياسية إيماناً مطلقاً، هذا يعني لا مجال للعقل للدخول الى باحة ذلك الايمان والبحث فيه . إستحالة استخدام العقل امام اي معتقد مؤشر على ان المعتقد معطوب من الداخل لذلك غُلف بطريقة تجهيلية تقديسية ألغت كل مجسات المعرفة للتقرب من ذلك المعطوب . هل هناك أي مجال عند أصحاب العقل المُقلِد المؤمن بالحقيقة المطلقة ان يراجع أياً من قضاياه اليقينية ؟ بالتأكيد لا . لأن إيمانه التلقيني الوراثي سحق على عقله وأماته بطريقة إحتيالية ووهب له معلومات جاهزة وايمانات مطلقة لا يجوز البحث او السؤال عنها. ليست الشكوك هي التي تفقد العقل بل اليقينيات .كما قال نيتشة . والحق أن هذه المقولة لها من المصاديق ما يؤهلها لتكون اقرب الى الحقيقة من زيف الحقائق التي يهرف بها البعض .

مات العقل بكثرة اليقين ووهم الحقيقة وغياب العقل الشاك والباحث والناقد . سأل أحدهم لو كان النبي محمد موجوداً الان هل سيبقي القران كما هو؟ ولأن القران حقيقة يقينية، توجم البعض من هذا السؤال وأجاب الاخر بكل تلقائية ولا اظن القارئ سيخرج من حرج الجواب الذي سيُحيل الى اسئلة اخرى. رغم ان هذا السؤال مباح لكن العقل التلقيني لا يستمرئ هذا النوع من الاسئلة . فتشابه الجواب مع الواقع وراهنيته يفضي الى مزاولة العقل كمحرر منجي فيكون الجواب، بالتأكيد سيرفع النبي اغلب ايات القران .. عندما لا تشك او تراجع في ايماناتك فتأكد ان عقلك قد لقي حتفه وناله من تعسف تدينك وإيمانك الكثير من الاجحاف والمهانة . نبذ الفيلسوف الهولندي سبينوزا من أهله ومن الجالية اليهودية في امستردام، بسبب ادعائه ان الله يكمن في الكون والطبيعة وأن النصوص الدينية هي عبارة عن استعارات ومجازات غايتها تعرّف بطبيعة الله.

الايمان والتدين بالحقيقة المطلقة، يتجسد في إيمان داعش في هذه المرحلة، فهو أصدق الايمانات وأوضحها، تدين لا يعترف بالعقل ولا يعبأ بالشك ولا يركن للعلم. وكمصداق حقيقي على ان التدين يقتل العقل، فأفراد داعش مؤمنون حقيقيون بل أكثر إيماناً من الذين يدعون التدين وفي أغلبهم مزيفون يلهثون خلف مصالحهم . السبب الرئيس في موت عقل المسلم هو تدينه وإيمانه التلقيني المطلق الذي لا يسمح لعقله بالخوض في تلك الايمانات او مراجعتها . يملك القدرة على تفخيخ نفسه والذهاب بها الى اسواق المدنيين ثم تفجير جسده بتلك الارواح البريئة، لكنه لا يملك القدرة على مراجعة هذا التدين الذي حوله الى وحش .

كخلاصة للذي قلناه او الذي نروم قوله :

1- التدين المطلق والعقل نقيضان، كلما ارتفع منسوب احدهما قل الاخر

2- اي إيمان يزعم الحقيقة المطلقة إيمان وهمي وزائف

3- العقل الذي لا يمارس الشك والنقد والمراجعة، عقل ميت كلما تشدد الفرد في إيماناته كلما إضمحل ناشطه الذهني

4- الاشخاص الذين يؤمنون بكل ما وجدوا عليه آباءهم، ميتون وان كانوا أحياء

5- الحقيقة نسبية فمن يزعم الحقيقة المطلقة يقع بالوهم

6- غالباً ما يكون التدين عاطفياً مبنياً على مقررات غير مرئية لا حضور للعقل بهذه المقررات

7- أغلب الاشياء التي تحيط بنا في هذا الكون متحركة ونسبية غير مطلقة، اذن لا يمكن إعتماد النسبي على انه مطلق، فيجب التفكير بالنسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق لكي يتم التعامل معه خارج قوس التقديس

8- هويتنا الانسانية أننا نفكر ونتأمل وليس نجتر ونكرر ما لُقنا به

 

مصطفى العمري

 

 

 

 

هناك تسائل مشروع عن سبب طغيان التدين الشكلي الطقوسي على حساب التدين الانساني بحيث اصبح الحجر أكرم من البشر، وبناء الجامع او الحسينية اهم من إشباع جائع او إيواء مشرد او تكفل يتيم، وتسائلوا عن علاج هذه الظاهرة السلبية التي تحولت الى ثقافة تجتاح المجتمعات الاسلامية.

اذا أردنا ان نكون اكثر جدية ونتجاوز الأسباب الطافية على السطح ونبحث في العمق عن أسباب هذه المشكلة سنرى ان السبب الأساس الذي يكمن ورائها يتمثل في الفهم الخاطئ للدين والقراءة المقلوبة لرسالته التي تهدف بالمجمل الى صناعة الانسان الصالح المتحلي بقيم الاخلاق، وإحياء الحس الإنساني عند الانسان المتدين حسبما جاء عن نبينا الكريم ص (إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق )، ولكن ما حصل هو تقديم قراءة سطحية للدين جعلت موضوع الأخلاق وقيم الانسانية ينزوي في اخر اهتمامات الانسان المتدين بدل ان يكون اولا، ورد عنه ص (لا إيمان لمن لا أمانة له) لتصبح سائر تعاليم الدين واهتماماته رافدة وداعمة هذا البعد في شخصية الانسان المؤمن. فانقلبت الصورة وتأخرت واقصيت قيم الأخلاق في أولويات المُربّي المتدين وتقدمت عليها أمور كثيرة اقل أهمية منها، تكفي نظرة سريعة لما يبثه الخطاب الاسلامي عموما عبر القنوات والمنابر الدينية المختلفة ليكتشف  المراقب عملية الإغفال والتجاهل للاخلاق والقيم الروحية والإنسانية في عملية تنشأة الانسان المسلم وتربيته. وان اهتمام الخطاب الاسلامي بالطقوس والشعائر دونه بكثير اهتمامه بمسألة الاخلاق اذ تراجعت هذه الأخيرة تراجعا كبيرا لتنحسر في زاوية ضيقة.

نعم العبادات مهمة في حياة الانسان المتدين خصوصا الصلاة ولكن ماقيمة صلاة لا تقترن بالصدق ولا بكف الاذى عن الاخرين ولا بالامانة ولا بحب الخير للناس، وما جدوى صوم مع اكل أموال الناس بالباطل او صوم لا يقترن بقضاء حاجة محتاج وإشباع جوعة جائع.؟

ألقى تراجع الاهتمام بالاخلاق وانزوائه في الثقافة الدينية السائدة في أوساط المجتمع عامة بضلاله الكثيفة على المنهج المتّبع من قِبَل الآباء في تربية ابنائهم بعد ان تربوا هم أنفسهم ايضا على الدور الهامشي للاخلاق فنجد ان الأب المتدين يحرص منذ الصغر وقبل سن التكليف ان يدرب ولده على الصلاة ولكنه لا يحرص بنفس الدرجة من الاهتمام على تنشأته على حفظ الامانة او الصدق او احترام الموعد الخ، وينزعج كثيرا ان علم ان ولده تهاون بفرض من الفرائض ولكنه لا ينزعج بنفس الدرجة ان اكتشف ان ولده لم يف بوعد، او أنه كذب، او لم يحفظ أمانة. وبذلك هو يرسل رسالة لولده غير مباشرة يتلقاها الطفل بوضوح مفادها ان الذي يوصلك الى الله ويجعلك من اهل رضوانه ويدخلك الجنة هي صلاتك كيفما اتفقت اما القيم ومالمبادئ الاخلاقية فلا تعدو ان تكون ثانوية كمالية هامشية ليست ضرورية. من هنا صار المسلم يجمع بين الصلاة والسرقة او الصوم والظلم او الحج والتجاوز على الاخرين ولنا فيمن تصدى للحكم من اصحاب الايادي المتوضأة ان في العراق او مصر او تونس او تركيا خير دليل.

وأخيرا ان لم يتقدم عنصر الأخلاق ويكون عماد التربية وأساسها الذي تبتني عليه كل المسائل الاخرى فسنظل نجتر مأساتنا وتتوالى خيباتنا ولنا في اليابانيين أسوة عملية حين اعتمدوا مادة الأخلاق كأهم مادة دراسية منذ مراحل الدراسة الاولى.

mustafa alomariقبل الخوض في هذا الموضوع، دعني أسألك أيها القارئ العزيز : أيهما أفضل وأقدس المسلم أم الاسلام؟ وقبل أن تسترسل بالقراءة يجب ان تحدد جوابك وبوصلتك.

صعّرَ بعض المتشددين الاسلاميين من لهجتهم (الاسلام هو الحل) حتى غدا هذا الشعار سيمفونية تتردد على شفاه البسطاء دون التمعن بحيثياته ومضمونه، هكذا تُمرر قضايا ومشاريع كبيرة من خلال عناوين واسماء كبيرة ايضاً . هتفت معظم الشعوب العربية والاسلامية بهتافات ببغاوية دون اي اكتراث او مراجعة لماهية هذا او ذلك الشعار، فبالوقت الذي يصرخ فيه أنصار سيد قطب (الاسلام يقود الحياة) يرتد عليهم صدى الاسلام العراقي المتأثر بثقافة الاخوان المسلمين (الاسلام من طنجا الى جاكرتا) بالوقت ذاته ينفعل الاسلام السعودي ويتفاعل ويُفعّل حركته التوسعية في البلدان العربية والاجنبية، حاملاً سيفاً وقنبلةً ورايةً كتب عليها بثقة عالية (لا إله إلا الله) تحت تلك الراية سقطت رؤوس بني البشر غير المؤمنين بهذه الدعوة . في ايران تتمدد سلطة الولي الفقيه لتغزو بلداناً وتحتلها بذريعة الإله او التبشير الاسلامي، ولا مانع من سيلان الدماء تحت يافطة كتب عليها ( الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا .. العنكبوت اية 69) .

أطنب المجتمع العربي بإيمانه بالشعارات والصور والايماءات الاتية له من بعض رجال الدين، حتى فقد ميزة التفكير من كثرة الاحباطات والتوصيات الاجتماعية والدينة، ولهذا السبب بات لم يعبأ بالاخر الذي لا يشاركه فكرته او بالخصم الذي يتبنى الفكرة المغايرة له. فقدت أغلبية المجتمعات العربية،المجس الانساني او الشعور بالمختلف، وتمسكت بالفارغ من الاسم فقط .

معظم مجتمعاتنا الاسلامية ترى ان الاسلام أهم من الانسان ! وهذا التفكير قاد حشد من المتطرفين الى قتل الانسان الذي لا يؤمن بما يؤمنون به هؤلاء المتطرفين، قُتِل الانسان لأنه يسأل ويكتب ويشكك ويبحث، قُتل الانسان لأنه أساء لرمز او لأنه تهكم على فكرة او لأنه يعتبر الحقائق غير مكتملة المعالم والدلائل . مشروع قتل الانسان لا يحرك بالمبرمجين شيئاً لكن الاعتراض او التشكيك على فكرة إبتدعها الانسان واختلقها وحولها الى دين باسم الدين،بالتأكيد سيثور لها كل الدهماء والمعطوبين فكرياً .

أنظروا معي الى المساحة الجغرافية للوطن العربي، ستجدون الدمار والقتل والتفجيرات والرايات السوداء والرؤوس المتدحرجة والجحافل المتحركة والجثث الملقية على الطرقات، كل هذا المنظر لم يحرك بالواقع العام للشعوب العربية، ولم نسمع ان ثورة قامت ضد الثورة،لأن اغلبية المسلمين يعتقدون ان الدين الذي هو نصوص منقولة عبر وسائل غير أمينة، أهم من المسلم وأقدس من الانسان في هذه الحالة يتحول العقل من الحركية النشطة الى عضو خانع خلف النص الديني الجامد، عندها ينتكس هذا الخانع لكي يرى ان الاخبار المنقولة بصفحات الكتب القديمة، أهم وأقدس من جميع بني البشر . لم ينتبه المسلمون ان الاديان تأتي من أجل الانسان وفي خدمته ولرقيه وصفاء نفسه وليس العكس كأن تأتي للقتل والتحريض والألغاء وسيلان الدماء بذريعة الحفظ على الدين !

رقدت معظم مجتمعاتنا على وهمية الشعارات وقدسية النص ونامت دون إكتراث بما هو عليه العالم . الناس نيام ينتبهون عندما يقوم شاذ هولندي برسم كاريكاتير للنبي محمد، فيهبون ويحرقون ويقتلون . ينتبهون عندما يقوم طالب شهرة متسكع فارغ من فلوريدا، بحرق القرآن الكريم، فتخرج المظاهرات في جميع البلدان العربية .

نيام عندما تقوم داعش بقتل آلاف من الشباب، ينتبهون عندما يسحق احدهم راية داعش التي كتب عليها اسم الله . نيام عندما تغتصب النساء باسم الاسلام، ينتبهون عندما لا يعرف أحدهم الغُسل الاسلامي بعد الاغتصاب . نيام عندما تُنحر الشباب والاطفال، ينتبهون عندما يسمعون همس إمرأة .

ليس المهم الاسلام، دعني أُكررها، ليس المهم الاسلام، بل المهم المسلمون نوعيتهم، صدقهم، انسانيتهم،تعاملهم مع الناس، اريحية عقولهم .

الذي اريد قوله هنا ان الانسان أهم من الاديان وأهم من المعابد والمساجد، الانسان هو ثروة الله في الارض وكل المفاهيم الكونية جاءت في خدمة الانسان .

وفي جدلية الدين والانسان التي ستستفز عقل البعض، يمكن ان نطرح اسئلة مهمة في أيهما أولى بالحفظ والاهتمام .

و إذا ما اعترض معترض بان الاسلام أهم من الانسان، فسنقول له عن أي اسلام تتحدث، السني، الشيعي، الاباظي، السلفي، الصوفي؟ ثم حتى داخل تلك المسميات هناك طرق وتعبدات مختلفة، اذا كنت تدافع عن الاسلام السني فهل تعتبر الاسلام الشيعي اسلاماً؟ ونستطيع ان نسأل كل هذه الفرق نفس السؤال .

أيها القارئ الكريم، هذه الفرق المتشظية، فيها نسبة من الاسلام الاصلي وليست هي كل الاسلام، أما أنت فإنسان مسلم ولا يمكن المساس بهويتك الانسانية، التي هي أكبر وأعظم من الهوية الرمزية التي إختلقها لك بعض المستفيدين والمحاولين تعطيل القدر الاكبر من خلاياك العقلية، لكي يوهموك ان الله سيعذبك ويحرقك ويشوي لحمك في حال فكرت او تساءلت في أيٍّ من قضايا العقيدة.

في كتابه الدين والظمأ الانطلوجي يقول الدكتور عبدالجبار الرفاعي (ليست المهمة الاصلية للاديان رسم صورة مرعبة لرب العالمين وتحويل الدنيا والاخرة الى سجون أبدية ووضع الكائن البشري في قلق متواصل وزرع الخوف في قلب الانسان ص150)

عندما يشخص الطبيب مرضاً يجده في المريض لا يعتبر ذلك الطبيب متجاوزاً او محبطاً، يمكن ان نصفه عارفاً مدركاً مشخصاً، حتى ولو لم يصف الدواء لكنه تمكن من اكتشاف الخلل، هنا استطيع ان أقول انني أهتم بالمسلم أكثر من الاسلام وبالانسان أكثر من الاديان،لا ادعو للتقارب بين الاديان والطوائف لكني ادعو ارباب الدين لكي يشذبوا أديانهم ويرفعوا منها وعنها المصدوء والرديء والسام القاتل.

انا ادعو الانسان ان يحرك عقله الخاص ولا يستعيض بعقل غيره، يفكر هو بدل ان يُفكر عنه، يدرس حركته التعبدية بدل الاتكاء على الآخرين.

عندما نفكر باستقلالية فتأكدوا اننا سنلتقي بدون مؤتمرات ونحب بدون تكلف .

عندما يشتغل العقل سيتمرد على السراب وسيسحق الوهم

وستكون الواقعية هي الأصل بدون حواجز التاريخ وسيكون الانسان هو المهم وسينتعش التدين بتفعيل العقل مع الدين . وكما يقول الامام مالك إستحسان الناس للاشياء هي الدين .

اذن كفانا صراخاً الاسلام يقود الحياة ! الاسلام هو الحل ! واتركوا المسلم يتحرك بعقل منطلق غير مقيد او مؤدلج .

يجب ان تكون المرحلة المقبلة هي : المسلم ومشروع النهضة، لأن الاسلام أضحى نصوص تتعارك عليها الملل والطوائف أيهما الاصدق والاكثر جرحاً وتعديلاً وتوثيقاً والحمدُ لله الجميع يدعي ذلك. الاسلام اصبح إسلامات وقراءات متعددة ورؤى مختلف عليها وقضايا نُحر بسببها طوابير من البشر، الاسلام متعدد لكن الانسان واحد، الاسلام نص جامد لكن المسلم كائن متحرك، نصوص الاسلام قديمة لكن عقل المسلم حداثوي يتطلع نحو المستقبل.

تمكين النص من العقل توهين وإهانة للانسان وها نحن نشهد على تاريخ يمضي به اصحاب النص بقوة للايغال في طمس اي انبثاق فكري او علمي . اذن المسلم أهم من الاسلام .

 

مصطفى العمري

 

MM80 الكذب من ابرز العادات الشائعة لدى الأبناء، والتي قد تستمر معهم في الكبر إذا ما تأصلت فيهم، وهذه العادة ناشئة في اغلب الأحيان  عن الخوف، وخاصة في مرحلة الطفولة من عقاب يمكن أن ينالهم بسبب قيامهم بأعمال منافية للأخلاق، أو بسبب محاولتهم تحقيق أهداف وغايات غير مشروعة، ويكون الغرض منه بالطبع حماية النفس، وللكذب صلة بعادتين سيئتين أخريين هما السرقة والغش، ويمكن إجمال هذه الصفات الثلاثة السيئة  بـ [ عدم الأمانة ]، حيث يلجأ الفرد للكذب لتغطية الجرائم التي يرتكبها للتخلص من العقاب، وقد وجد الباحثون في جرائم الأحداث بنوع خاص أن من اتصف بالكذب يتصف عادة بصفتي الغش والسرقة، فهناك صلة وثيقة تجمع بين هذه الصفات، فالكذب والغش والسرقة صفات تعني كلها [عدم الأمانة].

يلجأ الكثير من  المربين إلى الأساليب القسرية لمنع الناشئة من تكرار هذه العادة، غير أن النتائج التي حصلوا عليها هي أن هؤلاء استمروا على هذا السلوك ولم يقلعوا عنه، وعلى هذا الأساس فإن معالجة الكذب لدى أبنائنا يحتاج إلى أسلوب آخر، إيجابي وفعّال، وهذا لا يتم إلا إذا درسنا هذه الصفة وأنواعها ومسبباتها، فإذا ما وقفنا على هذه الأمور استطعنا معالجة هذه الآفة الخطيرة.

أنواع الكذب: 

1 ـ الكذب الخيالي:

 كأن يصور أحد الأبناء قصة خيالية ليس لها صلة بالواقع، وكثيراً ما نجد قصصاً تتحدث عن بطولات خيالية لأناس لا يمكن أن تكون حقيقية. إن علينا كمربين أن نعمل على تنمية خيال أطفالنا لكونه يمُثل جانباً إيجابياً في سلوكهم، وذو أهمية تربوية كبيرة، وحثهم لكي يربطوا خيالهم الواسع بالواقع من أجل أن تكون اقرب للتصديق والقبول.

غير أن الجانب السلبي في الموضوع هو إن هذا النوع يمكن أن يقود صاحبه إلى نوع آخر من الكذب أشد وطأة، وأكثر خطورة إذا لم أن نعطيه الاهتمام اللازم لتشذيبه وتهذيبه .

2 ـ الكذب الإلتباسي:

وهذا النوع من الكذب ناشئ عن عدم التعرف أو التأكد من أمر ما، ثم يتبين أن الحقيقة على عكس ما رواه لنا الشخص، فهو كذب غير متعمد، وإنما حدث عن طريق الالتباس، وهذا النوع ليس من الخطورة بمكان، وهنا ينبغي أن يكون دورنا بتنبيه أبنائنا إلى الاهتمام بالدقة وشدة الملاحظة تجنباً للوقوع في الأخطاء.

3 ـ الكذب الادعائي:

وهذا النوع من الكذب يهدف إلى تعظيم الذات، وإظهارها بمظهر القوة والتسامي لكي ينال الفرد الإعجاب، وجلب انتباه الآخرين، ومحاولة تعظيم الذات، ولتغطية الشعور بالنقص، وهذه الصفة نجدها لدى الصغار والكبار على حد سواء، فكثيراً ما نجد أحداً يدعي بشيء لا يملكه، فقد نجد رجلاً يدعي بامتلاك أموال طائلة، أو مركز وظيفي كبير، أو يدعي ببطولات ومغامرات لا أساس لها من الصحة، وعلينا في مثل هذه الحالة أن نشعر أبنائنا أنهم إن كانوا اقل من غيرهم في ناحية ما فإنهم احسن من غيرهم في ناحية أخرى وعلينا أن نكشف عن كل النواحي الطيبة لدى أطفالنا وننميها ونوجهها الوجهة الصحيحة لكي نمكنهم من العيش في عالم الواقع بدلاً من العيش في عالم الخيال الذي ينسجونه لأنفسهم، وبذلك نعيد لهم ثقتهم بأنفسهم، ونزيل عنهم الإحساس بالنقص. 

4 ـ الكذب الانتقامي:

وهذا النوع من الكذب ناشئ بسبب الخصومات التي تقع بين الأبناء وخاصة التلاميذ، حيث يلجأ التلميذ إلى إلصاق تهم كاذبة بتلميذ آخر بغية الانتقام منه، ولذلك ينبغي علينا التأكد من كون التهم صحيحة قبل اتخاذ القرار المناسب إزاءها، وكشف التهم الكاذبة، وعدم فسح المجال أمام أبنائنا للنجاح في عملهم هذا كي يقلعوا عن هذه العادة السيئة.

5 ـ الكذب الدفاعي:

وهذا النوع من الكذب ينشأ غالباً بسبب عدم الثقة بالأباء والأمهات بسبب كثرة العقوبات التي يفرضونها على أبنائهم، أو بسبب أساليب القسوة والعنف التي يستعملونها ضدهم في البيت مما يضطرهم إلى الكذب لتفادي العقاب، وهذا النوع من الكذب شائع بشكل عام في البيت والمدرسة.

فعندما يعطي المعلم لطلابه واجباً بيتيا فوق طاقتهم ويعجز البعض عن إنجازه  نراهم يلجئون إلى اختلاق مختلف الحجج والذرائع والأكاذيب لتبرير عدم إنجازهم للواجب، وكثيراً ما نرى قسماً من التلاميذ يقومون بتحوير درجاتهم من الرسوب إلى النجاح في الشهادات المدرسية خوفاً من ذويهم.

وفي بعض الأحيان يكون لهذا النوع من الكذب ما يبرره حتى لدى الكبار، فعندما يتعرض شخصاً ما للاستجواب من قبل سلطات الأنظمة القمعية بسبب نشاطه الوطني،  يضطر لنفي التهمة لكي يخلص نفسه من بطش السلطات، وفي مثل هذه الأحوال يكون كذبه على السلطات مبرراً.

إن معالجة هذا النوع من الكذب يتطلب منا آباء ومعلمين أن ننبذ الأساليب القسرية في تعاملنا مع أبنائنا بصورة خاصة، ومع الآخرين بصورة عامة كي لا نضطرهم إلى سلوك هذا السبيل.

6 ـ الكذب الوقائي:

وهذا النوع من الكذب نجده لدى بعض الأبناء الذين يتعرض أصدقاءهم لاتهامات معينة فيلجئون إلى الكذب دفاعاً عنهم . فلو فرضنا أن تلميذاً أقدم على كسر زجاجة إحدى نوافذ الصف، فإننا نجد بعض التلاميذ الذين تربطهم علاقة صداقه وثيقة معه ينبرون للدفاع عنه، نافين التهمة رغم علمهم بحقيقة كونه هو الفاعل.

 وعلى المربي في هذه الحالة أن يحرم هؤلاء من الشهادة في الحوادث التي تقع مستقبلاً لكي يشعروا أن عملهم هذا يقلل من ثقة المعلم بهم، وعليه عدم اللجوء إلى الأساليب القسرية لمعالجة هذه الحالات، وتشجيع التلاميذ على الاعتراف بالأخطاء والأعمال التي تنسب لهم، وان نؤكد لأبناء أن الاعتراف بالخطأ سيقابل بالعفو عنهم، وبذلك نربي أبناءنا على الصدق والابتعاد عن الكذب.

7 ـ الكذب الغرضي:

 ويدعى هذا النوع من الكذب كذلك [الأناني ]، وهو يهدف بالطبع إلى تحقيق هدف يسعى له بعض الأبناء  للحصول على ما يبتغونه، فقد نجد أحدهم ممن يقتر عليه ذويه يدعي انه بحاجة إلى دفتر أو قلم أو أي شيء آخر بغية الحصول على النقود لإشباع بعض حاجاته المادية، وهذا يتطلب من الأهل أن لا يقتروا على أبنائهم فيضطرونهم إلى سلوك هذا السبيل.

8 ـ  الكذب العنادي:

ويلجأ الطفل إلى هذا النوع من الكذب لتحدي السلطة سواء في البيت أو في المدرسة عندما يشعر أن هذه السلطة شديدة الرقابة وقاسية، قليلة الحنو في تعاملها معه، فيلجأ إلى العناد، وهو عندما يمارس مثل هذا النوع من الكذب فإنه يشعر بنوع من السرور.

يحدث هذا النوع من الكذب لدى الأطفال حيث يقلدون آبائهم وأمهاتهم الذين يكذب بعضهم على البعض الآخر على مرأى ومسمع منهم، أو أن يمارس الوالدان الكذب على الأبناء، كأن يَعِدان أطفالهم بشراء هدية، أو لعبة ما، ولا يوفيان بوعودهما فيشعرون بأن ذويهم يمارسون الكذب عليهم، فيتعلمون منهم صفة الكذب التي يمكن أن تترسخ لديهم هذه العادة بمرور الوقت.

إن على الوالدين أن يكونا قدوة صالحة لأبنائهم، وأن يكونا صادقين وصريحين في التعامل معهم، فهم يتخذونهم مثالاً يحتذون بهم كيفما كانوا، فإن صلح الوالدين صلح الأبناء في غالب الأحيان ، وإن فسدوا فسد أبناؤهم.

10 ـ الكذب المرضي المزمن:

 وهذا النوع من الكذب نجده لدى العديد من الأشخاص الذين اعتادوا على الكذب، ولم يعالجوا بأسلوب إيجابي وسريع فتأصلت لديهم هذه العادة بحيث يصبح الدافع للكذب  لاشعورياً وخارجاً عن إرادتهم، وأصبحت جزءاً من حياتهم ونجدها دوما في تصرفاتهم وأقوالهم.

 فهم يدعون أموراً لا أساس لها من الصحة، ويمارسون الكذب في كل تصرفاتهم وأعمالهم، وهذه هي اخطر درجات الكذب، واشدها ضرراً، وعلاجها ليس بالأمر السهل ويتطلب منا جهوداً متواصلة ومتابعة مستمرة.

كيف نعالج مشكلة الكذب؟

لمعالجة هذه الآفة الاجتماعية لدى أبنائنا ينبغي لنا أن نلاحظ ما يلي:

1 ـ التأكد  إذا ما كان الكذب لدى أبنائنا نادراً أم متكرراً .

2 ـ إذا كان الكذب متكرراً فما هو نوعه ؟ وما هي دوافعه ؟

3ـ عدم معالجة الكذب بالعنف أو السخرية والإهانة، بل ينبغي دراسة الدوافع المسببة للكذب.

4ـ ينبغي عدم فسح المجال للكاذب للنجاح في كذبه لأن النجاح يشجعه على الاستمرارعليه.

5 ـ ينبغي عدم فسح المجال للكاذب لأداء الشهادات.

6ـ ينبغي عدم إلصاق تهمة الكذب جزافاً قبل التأكد من صحة الواقعة.

7ـ ينبغي أن يكون اعتراف الكاذب بذنبه مدعاة للتخفيف أو العفو عنه، وبهذه الوسيلة نحمله على قول الصدق.

8ـ استعمال العطف بدل الشدة، وحتى في حالة العقاب فينبغي أن لا يكون العقاب اكبر من الذنب بأية حال من الأحوال.

9 ـ عدم إرهاق التلاميذ بالواجبات البيتية.

10ـ عدم نسبة أي عمل يقوم به المعلمون أو الأهل إلى التلاميذ على أساس انه هو الذي قام به، كعمل النشرات المدرسية، أو لوحات الرسم وغيرها من الأمور الأخرى.

 

وختاماً ينبغي أن نكون صادقين مع أبنائنا وطلابنا في كل تصرفاتنا وعلاقاتنا معهم، وأن ندرك أن الطفل الذي ينشأ في محيط يحترم الصدق يتعود عليه، وأنه إذا ما توفر له الاطمئنان النفسي والحرية والتوجيه الصحيح فإن الحاجة تنتفي إلى اللجوء إلى الكذب.

 

حامد الحمداني

7/12/2016

 

abduljabar alrifaiإن خلط كل شيء بكل شيء احدى مشكلات تفكيرنا الديني الحديث، وهو ضرب من تلفيق عناصر متضادة ينفي بعضُها البعضَ الآخر، كما انه على الضدّ من منطق التفكير العقلاني وترفضه مناهجُ البحث العلمي. منطق التفكير العقلاني ومناهج البحث العلمي يعتمدان البحثَ المتواصل بغية رسم حدود جغرافية للمعتقدات والمذاهب والمدارس والاتجاهات الفكرية، وتحديد المقولات والمفاهيم والأشياء، وتمييز كل منها عن الأخرى، وتصنيفها عبر الكشف عما يتميز ويختص به كل منها، وعما يشترك به كل منها مع سواه.

مقياس تطور المعارف وتقدم العلوم  يقاس بمدى اكتشافاتها للحدود. ولولا ذلك للبثت المعرفة محدودة وساذجة وبدائية. تقدّمُ المعارف والعلوم يكفله تشعبُها واتساعها وتعدد موضوعاتها، إذ لا علوم ومعارف بشرية بلا اختلاف وتنوع.

ذهنية التلفيق تنشأ من شعور مرير يتملكنا ناجم من الخوف على هويتنا، والقلق من افتقاد خزان الذاكرة، والافتقار لرموز التراث التي تغذيها، فيوقعنا ذلك الشعور في مفارقة ملتبسة، فلا نحن بالقادرين على استحضار ما كان كما كان، ولا نحن بالقادرين على الاقلاع عما كان.

الهوية ملاذ لمن لا يجد ملاذاً له في العقل. لقد غذّى "فوبيا ضياع الهوية" من جهة، والحاجةُ الملحّة للحضور في العالم من جهة أخرى، نزعةَ التلفيق بين الماضي والحاضر، والتراث والحداثة، والأصالة والمعاصرة، والديني والدنيوي، فأنهك النصوصَ الدينية بعمليات تأويل متعسفة، لا يقبلها منطقُ التأويل القديم ولا الجديد، عبر اسقاط مكاسب الحداثة المتنوعة في الفلسفة والمعارف والعلوم على النصوص الدينية.

 هوية الجماعة تغذيها معتقداتُها ومروياتُها عن نفسها، وتصوغها أحلامُها وتطلعاتُها، لذلك تعمل الهوية على إنتاج الحقيقة في اطار أحلامها ومطامحها ومعاييرها، سواء كانت تلك الحقيقة دينية أو دنيوية.

 الهوية في عصر تكنولوجيا المعلومات ووسائل الاتصال الجديدة لم تعد ساكنة، تعدّدت وجوهُها وأبعادُها، ولا يمكن أن تظلّ ذاتَ وجه وبعد واحد، لأن الواقع الشديد التحول يفرض عليها أن تصير متعددةَ الوجوه والأبعاد، تتعدد عناصرها وتتنوع مكوناتها تبعاً لتعدد وتنوع إيقاع حركة الواقع الشديد التركيب والتغير.

بنية الهوية في عالمنا اليوم معقدة، تتألف من سلسلة طبقات متنوعة العناصر، لا تلبث عناصرُها على الدوام في سُلّم ترتيبها، ولا تمكث في موقعها، ولا تقف عند صورة واحدة من صورها، لذلك تتطلب معرفتُها تفكيراً صبوراً، يتوغل في طبقاتها، ويحلّل عناصرَها، ويضئ صورَها المتلاحقة.

 الهوية في حالة تشّكّل مستمرة، إذ لا تستطيع أية هوية أن تعزل نفسها عما يجري فيما حولها من تحولات مختلفة في العالم، وإيقاع حادّ ومتسارع للتغيير في كل شيء، ولا يمكن أن يتغير كلُّ شيء فيما تظل الهويةُ ساكنة.

الهوية في حالة صيرورة، بل هي صيرورة لا تكفّ عن التحول المتواصل، لأنها علائقية بطبيعتها، تتحقق تبعاً لأنماط صلاتها بالواقع، وما يجري على الهويات الموازية لها، وذلك يفرض عليها أن يُعاد تكوينها، فتصاغ في سياق: تفاعلها، انفعالها، تضادّها، صراعها، تسوياتها، تساكنها، تضامنها، مع كل ما يحدث في الواقع، وكلّ ما يجري على الهويات الأخرى. ممانعة الهوية ومكوثها في أنفاق الماضي يفضي إلى انغلاقها على نفسها وتحجرها، وفشلها في إعادة إنتاج ذاتها في سياق يواكب الايقاع المتسارع لتحولات الواقع، ومن ثم خروجها من العصر.

 من الوهم النظر الى الهوية الدينية كأمر قارّ ساكن، لا يتحول ولا يتبدل، يؤثر في كل شيء ولا يتأثر بشيء، وذلك ما تكذبه وقائع الجغرافيا والتاريخ والثقافة والحضارة والاجتماع البشري، كما تكذبه مسيرة الأديان، وما تخوضه من حروب داخلية، بفعل حالتها الانقسامية المستمرة، وولاداتها المتوالية فرقاً تتشظى الى فرق، وطوائف تتشعب الى طوائف.

 وعيُ البعض لشيء من صور هذا المأزق ألجأهم لتلفيق الثنائيات المتنافرة، وتركيب كلّ شيء يبهرنا في الحاضر بكلّ شيء مازال يُكبّل عقولَنا في الماضي، وقد أفضى ذلك إلى أن تتيه عقولُنا في الموضات الفكرية والسياسية، ويغرق تفكيرُنا في إسقاط كل شيء يفتننا اليوم على النصوص الدينية، في محاولة لامتلاك ما يبهرنا ولصقه بهويتنا.

لو قرأنا نماذج من أدبيات النهضة، بعد صدمة اكتشافنا الغرب وعلومه الجديدة، نجدها تسقط بعض الاكتشافات العلمية التي أنجزها غيرُنا على النص الديني، كما فعل الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره: "الجواهر في تفسير القرآن الكريم"، الذي استوعب تفسيرُه لكلّ ما عرفه وقتئذ من العلوم الحديثة، فاتسع لكلّ شيء ما خلا التفسير، وهكذا فعل كثيرون غيره في تلك الحقبة.

وفي مرحلة لاحقة اجتاحتنا فتنةُ الاشتراكية، فأصبح النبي محمد "ص" وبعضُ الصحابة كأبي ذر والخلفاءُ وغيرهم اشتراكيين، كما يقول لنا مصطفى السباعي في سلسلته عن الاشتراكية والاشتراكيين في الاسلام، ومحمود شلبي، وغيرهما.

وبموازاة ذلك اجتاحتنا فتنةُ اليسار، فتفشت كتاباتٌ تفتش عن اليمين واليسار في الاسلام، وتسعى لتفسير الاسلام تفسيراً ماركسياً، كما فعل بعضُ الكتّاب العرب، وآخرهم صديقنا حسن حنفي، الذي أصدر العدد اليتيم من مجلته "اليسار الاسلامي"، وكتاباته الغزيرة في هذا السياق، التي يصرّ فيها على تلفيق مقولات متكلمي الفرق المختلفة وفتاوى فقهاء المذاهب المتعددة مع مقولات ومفاهيم اشتراكية وغيرها.

واليوم تجتاحتنا فتنةُ الديمقراطية والليبرالية، بنحو أمسى فيه الاسلامُ ديمقراطياً وليبرالياً، حتى ان أشرس الجماعات الدينية المناهضة للديمقراطية أمست ترفع شعارَ تطبيق الديمقراطية. وكأن هذه الجماعات تتنكّر لأدبيات مؤسسيها ومنظّريها وكتّابها الذين كتبوا الكثيرَ من النصوص التي تزدري الديمقراطية وتبالغ في هجائها وتحذير المسلمين منها، بوصف الديمقراطية في مفهومهم هي التعبير الصريح للحضارة المادية الغربية. وإن كان بعضُ رجالها يتخذ من الديمقراطية قناعاً يختفي خلفه، بغية القبض على السلطة، والتمكن من تطبيق أحكام المدونة الفقهية.  

وفي وطننا العراق اليوم مثلاً تفشى مصطلح "مدنية" سياسياً، وكما هو معروف ان هذا المفهوم ولد وتطور في سياق الفكر السياسي الغربي الحديث، وهو يشي بدلالات لم تولد أو تتشكل في سياق اسلامي. وكلّ من له أدنى خبرة بالفكر السياسي الحديث يعلم ألّا دولة مدنية بلا ديمقراطية، وبلا فصل الدين عن الدولة، وبلا فصل الديني عن الدنيوي... يشدّد سيد قطب، في كتابه "معالم في الطريق" وغيره من كتاباته، على جاهلية الديمقراطية، وجاهلية فصل الدين عن الدولة، وجاهلية فصل الديني عن الدنيوي، وجاهلية كل المعارف والأفكار والفنون والآداب، والشرائع والقوانين، المنتجة في سياق غربي. والجاهلية كما يصرّح في كتاباته تعني الكفرَ بالله. يكتب سيد قطب: "نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم.كل ما حولنا جاهلية. تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم. حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرا إسلاميًا. هو كذلك من صنع هذه الجاهلية!".

 ولا نعرف ما الذي سيجري في قادم الأيام من تلبيس للإسلام، وتقويل النص الديني مالم يقله، ونسبة أفكار لمفكّري الإسلام لم يفكروا فيها.

لن يخرج الدين من مأزقه، ولن تخرج مجتمعات الاسلام من مأزقها التاريخي، مالم ترسم حدوداً يتكشف فيها مجالُ الدين وحدوده ومجالُ الدنيوي وحدوده، ويكف كتّابُنا عن التلفيق ولصق كل ما يغويهم بالدين.

 لن نكتشف طريقَ الخلاص مالم يكن الدينُ ديناً لا غير، والمقدسُ مقدساً لاغير، والدنيا دنيا لا غير، والآخرةُ آخرة لا غير، والفلسفةُ فلسفةً لا غير، والعلمُ علماً لاغير، والأسطورةُ أسطورةً لا غير، والمتخيلُ متخيلاً لا غير، والأدبُ أدباً لا غير، والفنُ فناً لا غير... لا بمعنى القطيعة الجذرية بين كلّ منها، وانما بمعنى رسم صورة لكل منها تضئ ملامحَه، وتتعرف على ماهيته، وتحدد اطار موضوعه، وتعلن عن وظيفته.

ختاماً اتمنى قراءة ما يرمي اليه المقال بدقة، المقال لا يدعو لطرد الدين من الحياة، لأن ذلك فضلاً عن انه غير ممكن، هو ايضاً تعبير مبسط يتجاهل حضور الدين، ولا يدرك حقيقته.. كل ما ينشده المقال هو التنبيه على مأزق التوفيق والتلفيق ولصق كل شيء بكل شيء في تفكيرنا الديني.

 

عبد الجبار الرفاعي

 

 

mustafa alomariفي إطارها التفاعلي مع مجتمعها تقود النخب الواعية ما يشبه المعركة، للتحرر من قيود الجهل فتنثني مرة لألتقاط نفس الحياة ليتسنى لها التقدم في مشروع محاط بالغام الطيش، معركة يموت فيها العقل عند الجماهير فيحاول الواعون صعقه بجرعات متتالية من ثقافة بناءة ومتطلعة نحو الامام، ثقافة تبيح السؤال وتحرم السكوت، تستنجد بالعقل والخبرة ولا تركن الى غير العلمي، فتجعل هدفها العقل في خدمة العقل .

دائماً ما تتقدم الامم بعقول عباقرتها ومفكريها وليس بصيحات جماهيرها او بيافطات يرفعها العوام دون الاكتراث بما مكتوب بتلك اليافطة.

المهمة صعبة اذا ما قورنت بين تغيير يتمحور حول المجتمع واخر حول الدين واخر حول ذات المغير الواعي (المثقف)

فبالتالي كل هذه الفروع الثلاثة متغيرة ومغيرة وغير مطلقة في الايمان العقائدي الذي تؤمن به، هذا ما يشعرنا ان كل الاشياء المتغيرة عبر هذا الكون تحتاج الى مراجعة ثم الى تشذيب وتغيير فيما هي عليه، هذا التغيير ياتي عادةً من اقطاب المجتمع الفاعلين والمشتغلين بالحقل العلمي المعرفي، فتؤسس آجرة البناء نحو النهضة والتغيير بتلك العقول ..

مجتمع كالمجتمع العربي يصعب فيه الدوران والبحث حول الايمانات المطلقة التي تعود عليها الجمهور، فأنت يجب ان تؤمن بالحقيقة المطلقة، اي النتيجة التي ورثتها من أهلك بدون جهد او عناء.

المشكلة التي تزعجني حقاً ان المجتمع العربي يعج بالواعين والذين يحملون افكاراً متقدمة جداً، لكنهم ما ان يسنح لهم طقس ديني او اجتماعي او سياسي، حتى تجد ان اكثر هؤلاء الواعين قد انخرطوا مع الجماهير غير الواعية .

تماهي العقل الواعي مع الجماهير وممارسته لطقوس يبتدعها العقل الغرائزي المتخم بالخرافة والجهل، يقلب أحقية ذلك العقل بالتميز والتقدم والنضج ويحيله الى رقم ينضم الى صفوف ملتهبة وغير واعية . 

في كتابه سايكلوجية الجماهير، يقول كوستوف لوبون: 

(الخصائص الاساسية للفرد المنخرط في الجمهور هي: تلاشي الشخصية الواعية، هيمنة الشخصية اللاواعية، توجه الجميع ضمن نفس الخط بواسطة التحريض والعدوى للعواطف والافكار، الميل لتحويل الافكار المحرض عليها الى فعل وممارسة مباشرة، وهكذا لا يعود الفرد هو نفسه وانما يصبح انسان آلي ما عادت ارادته قادرة على ان تقوده

مجرد ان ينطوي الفرد داخل صفوف الجماهير فانه ينزل درجات عديدة في سلم الحضارة )

عندما يلتصق الواعي بالجماهير محال ان يغير بتلك الجماهير شيئاً، لكنه من الممكن ان يأخذ دوره الفعلي عندما يتقدمها كمرشد ناضج .

إنخراط بعض المثقفين والواعين في ممارسات بيئية طقوسية غير عقلية، لا ينهض بتلك الممارسات لأن تأخذ دوراً ريادياً متصدراً في المشهد الفكري الثقافي او الديني التعبدي، بل سيرتد نكوصاً على الظاهرة الطقوسية وعلى المثقف في نفس الوقت .

يتوهم بعض الاشخاص ان الطبيب والمهندس وغيرهما من حملة الشهادات العليا، متفوقون بالفكر والثقافة كما هم متفوقون في اختصاصهم العلمي ! وهذه معادلة غير منطقية تؤمن بها المجتمعات القاحلة معرفياً وتروج لها كثيراً .

يقول لوبون (يمكن أن توجد هوة سحيقة بين عالم رياضيات شهير وصانع أحذيته على المستوى الفكري، ولكن من وجهة نظر المزاج والعقائد الإيمانية فإن الاختلاف معدوم غالبا، أو قل إنه ضعيف جداً)

هذه الفقرة بالتحديد تستدعي منا التوقف عندها متمهلين، لكي نكشف بعض ما آلت اليه المنظومة المعرفية المتمثلة بالواعين، عندما انخرطوا إنخراطاً متهالكاً يريدون إشباع نهم العوام وتطمين بعض السذج من انهم (الواعين) لازالوا يفكرون في نفس الدائرة التي يفكر منها الأمي والجاهل . تفكير عزز من قوة الشارع العام في ممارساته المستفحلة نحو منطقة اللامنطق وشرعنة اللامشرعن، فتمادى ذلك الشارع بعدما تهاون المسؤول وتماهى المثقف.

ما معنى ان ينساق المثقفون خلف طوابير أسسها جهلاء القوم وعديمي المعرفة للتقرب الى الله او السلطان؟ ما تحليل إنهماك بعض الواعيين لحضور ولائم لا يكون فيها العقل حاضراً وغير مبالين او معترضين على منجز يقدم الهذيان والصياح باسم الله او الثقافة ؟!

في متاهات هذا المنزلق غير المنضبط ومع تهاون ونكوص النخبة الواعية تتراجع المجتمعات ويموت فيها العقل الذي يدرك الاشياء فينظمها ويرتبها . كما يقول ابن رشد .

مشكلتنا محيرة حقاً فعندنا القدر الكافي من المثقفين والناضجين، لكن ليس عندنا القدرة على التقدم نحو مشروع علمي فكري . الرعب المسطور في اذهان بعض النخبة، اتى بنتيجتين غير مرضيتين وهما:

 

انغلاق المثقف على ذاته وانطواءه على معلوماته دون ان يفصح او يشرك احداً بها

أمام هذا التماهي من قبل المثقف يتمادى المجتمع بطروحاته غير العقلية ويسحب كله بكله الى دائرة الفعل أمام اللاتفكير .

مهمة الواعين الان ليس الردح مع الجماهير غير الواعية، بل الاشارة لتلك الجماهير على الاستدلالات العقلية والدينية وتثقيف المجتمع بجرعات فيها وعي مغاير ناهض لا يحتمل المحاباة والمجاملة، مالم تكن رغبتنا بالتغيير حقيقية سنلبث مصفدين أمام ولائم موت العقل الجماعي وسنشيع ارواحنا بايدينا وبرغبات خارجة عن قدراتنا لإيقافها.

 

مصطفى العمري 

 

ibrahim ohseenلم يكن من اللائق أبدا أن نسخر أقلامنا وأوقاتنا وبُنَيَّاتِ أفكارنا لتوافه الدهور وسفاسف الأمور، خصوصا ونحن في ظرفية تَحتَّم منَّا فيها أن نقف وقفة تأمل، ونتساءل بشكل جدّي عن جدوى كل ما أنفقناه وما ننفقه في تحليلاتنا وتخطيطاتنا الاستراتيجية وبحوثنا الاستشرافية ورؤانا الموسومة دائما بالحكمة، بل وفي كل الجهود المبذولة من لدن المراكز البحثية المشهود لها بالتخصص في كافة المجالات المعرفية عبر رقعة الوطن العربي الشاسعة، تحت مسمياتها الرنانة التي تبعث على الافتخار والاعتزاز، وتحت الأكلاف المادية الباهضة – طبعا - لمسوداتها التي تُبْدِئ وتُعيدُ كل مرة على شكل حلقات حلزونية لا تنتهي.. كل هذا العمل الجبار ودار لقمان باقية وساكنة على حالها المتصدع والمكروث، في ظل وطن تاريخه ماضٍ ماثلٌ في حاضره بتعبير المغربي "عبد الله العروي"، حاصدا السّواد ومحتضنا بين عطفيه زمن الخسارات والأخطاء، محيلا أيام الناس المشهودة أيام فوضى وعشوائية وحروب دموية طاحنة، حينا باسم السياسة والمصالح، وحينا آخر باسم الدين والمذهب والطائفة والمعتقد... الأمر الذي يدعونا لمساءلة الذات مرة أخرى: لماذا عجزت كل العقول العربية والإسلامية وشعوبهما عن تجاوز أزماتها المركبة على مدار الأجيال المتعاقبة، بالرغم من نداءات "الطهطاوي"      و" الكواكبي" و"الأفغاني" و"محمد عبده " و"مالك بن نبي" وغيرهم، وعلى ما تزخر به كتبنا السماوية وكتبنا التنويرية من نداءات التضامن والتسامح ونبذ كل أشكال العنف والإقصاء؟؟ أو لنقل بشكل أكثر غرابة وإثارة : كيف انخرط المعمِّرون لأرض الأنبياء والعارفين بالله والتنويريين في الانحطاط، واستقام أمر – طبعا ليس إلى حدود الكمال – من عمَّروا أرض الفلاسفة والملاحدة والمتحررين اجتماعيا وثقافيا؟؟ هل نحتاج لجرعات إضافية من التنوير ومن التحرر الاجتماعي والثقافي؟؟ أم نتبادل مع الآخر المواقع الجغرافية، لعل التراب والمناخ ينطويان على سرّ ما؟؟  أم نسمح لأنفسنا أن نتعبقر (من العبقرية) ونحاكم البيولوجيا، عسانا نعثر لدى الآخر على مركبات جينية تساهم عمليا في تجاوز حاملها لماضيه الأسود، عوض جيناتنا " الأنانية  " – بتعبير " دوكينز" – التي خربت يومنا وأمسنا؟؟ أم نسلّم بمقولة الأديب البريطاني "رودريار كيبلنغ": "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا"، ونصمت؟؟

طبعا ،الكل متيقن من أننا طرحنا هكذا أسئلة منذ عقود خلت،إلى أن صارت أيقونات خالدة محفورة في ذهن كل عربي وكل مسلم، كما أننا متأكدون من كوننا سمعنا آلاف الإجابات عنها من مفكرين ومثقفين تعددت مشاربهم وخلفياتهم الأيديولوجية ،وهي إجابات ، على اختلافها، رامت -عن حسن نية أصحابها- وضع قطار التنمية بأبعادها المختلفة على سكته الملائمة، وكذا لمّ شتات أوطان مترامية الأطراف، ومحاولة صهر تعدديتها الهوياتية والحضارية والثقافية داخل بوثقة التاريخ المشترك والدين واللغة العابرة للحدود الترابية..لكننا مرة أخرى، نضطر كالعادة أن نردد مع " دعبل الخزاعي" قوله:

ما أكثرَ النـاسَ لا بل ما أقلَّهُـــمُ ===  الله يَعلمُ أنِّـــي لم أقُلْ فَنَدَا

إنّي لأفتَحُ عيني حينَ أفتحُهــا  === على كثيرٍ ولكن لا أرى أَحَدَا

لعل المؤرخ " أرنولد توينبي" لم يكن يقصد قطعا أمتنا المتهالكة حين قال: " حينما تنحدر الأمة لابد أن يصطدم رأسها بقاع البئر، بعد ذلك تكون إغفاءة واستيقاظ، بعدهما يكون تسلق من جديد"، لأنها وبكل بساطة أمة بلغت قعر البئر رافضة التسلق من جديد، مستمتعة للأسف بتركيب قطع الظلام، وبمضغ آثار وأمجاد الأسلاف والافتخار بقول الله تعالى: " وكنتم خير أمة أُخرجت للناس..الآية" وترديده بزهو في المجالس دون التعمق في مقصده الكوني النبيل.كما أن الفيلسوف الروسي "نيكولا بيردياييف" لم يكن لِيُعَرِّجَ على أمتنا النائمة حين عبّر في كتابه "معنى التاريخ" قائلا: " عندما تتراجع الأمم وتنحدر يرهف فيها الحس التاريخي والنقدي للتاريخ.".وكيف يتأتى في نفوسنا هذا الحس المرهف ونحن كلما استدعينا تاريخنا الماضي إلا وانتقينا منه الأسوء والأسود، فمن داحس والغبراء إلى بُعاث، ومن الجمل إلى صفّين، ومن كربلاء إلى مجازر الحجاج...وهي نفس المجازر والوقائع التي تتكرر بين ناظرينا الآن شئنا أم أبينا، طبعا مع تغيير في الزمان وفي أشكال الأسلحة، مع الحفاظ على نفس مواقع المعارك الجغرافية والإبقاء أيضا على نفس السلالات المتناحرة، فالأمر برمته لا يعدو أن يكون نقلا للمعارك من الأجداد إلى الأحفاد بصورة أكثر شراسة وأكثر دموية.وهذا مآلٌ منطقي ونتيجة منتظرة إلى حد كبير، فالأمة التى لا تدرس تاريخها كما قال "جون سانتيانا"، تغامر بتكرار نفس أخطائه، أو بتعبير المفكر "علي شريعتي": " لا يدرك قوانين المستقبل إلا من أدرك قوانين ماضيه وتاريخه ".

فلنفترض أن الحبر الذي كُتب به تاريخنا عبارة عن تعصب سائل كما يحلو ل"مارك توين" أن يعبر، وهَبْ أن مواضينا البشرية لطخت ببقع سوداء مخجلة، فالآخر الغربي كذلك قد مُلئت صحائف ماضيه بحبر أشد سوادا وحلكة، بل نستطيع أن نقول بيقين ثابت أن مواضيه تبعث على الحسرة والخجل وأحيانا على الشفقة، بيد أنه استطاع في غضون عقود يسيرة وبمجهود عقول متنورة معدودة أن ينفلت بشعوبه من ضيق الماضي إلى سعة الحاضر، ومن إقصائية الطائفية والتمذهب والميز العنصري والعرقي إلى الإعلاء من شأن الإنسان كذات مستقلة لها حقوق وعليها واجبات، الأمر الذي مكَّنَهُ ببساطة من تملُّك أدوات الحضارة والثقافة والمدنية، معتمدا على تحرير العقل وارتياد آفاق الإبداع، دون الحاجة إلى التقليد والاستيراد والاقتباس.ولقد صدق "إيمانويل كانط" ملخصا فلسفة التنوير الغربي – في شقها التفاؤلي على الأقل - قائلا: " بدأتُ حياتي ظانًّا أن رُقي الإنسان وشرفه رهن ما تحصّل لديه من المعرفة، إلى أن استيقظتُ وعلمتُ أن الإنسان يكون كذلك بمقدار ما يكون إنسانا،فبدأتُ أعلّم نفسي كيف أحترم بني الإنسان ".

رسمت البشرية عبر أصقاع المعمور لوحات عريضة ملونة بحقول من الدماء والعصبية والعنصرية بدعوى السيطرة على العالم وهيمنة السلالات الأقوى والفضلى وتحقيق مصالحها المختلفة، إلى أن جاءت الأديان السماوية والحملات التنويرية لترفع العنف والخلافات الدنيوية المحقورة والدنيئة، التي تضع نفسها على مسافة بعيدة عن منطق الأخلاق الرامي لجعل الكائن البشري بكل تلاوينه خلقا يستحق الاهتمام والاحترام اللائقين به.أما كل أشكال التطاحنات المتدحرجة على سفوح التاريخ حتما لم تكن بسبب الدين أو العرف أو الثقافة، إنما بسبب استغلال هذه المعطيات بشكل خاطئ، وهي الفكرة المحورية التي ناقشتها باقتدار الكاتبة "كارين أرمسترونغ" في كتابها "حقول الدم: الدين وتاريخ العنف". ويحق لنا إذن في ذيل السطور هاته أن نفكر مع  البوسني "علي عزت بيكوفيتش" الذي اقترح جائزة نوبل على من استطاع الإجابة على سؤاله المُعجِب : " كيف يكون الدين الإسلامي بنصوصه أكثر الأديان حثا على النظافة والطهارة، وفي نفس الوقت أكثر الأديان حثا على الانضباط والترتيب، وأمته من أكثر الأمم قذارة وعشوائية؟؟" ، فإن عجزت أمتنا المتصدعة إذن عن وضع إجابات لأسئلتها المصيرية،أقصد إجابات مقنعة ذات فاعلية على أرض التطبيق، قادرة على نشلها من غيابات الجب وقعور التخلف والتشظي،و إن اختارت شعوبنا الاستئناس بجراحها والانزعاج من وجود أطباء يحرصون على عافيتهم بتعبير "روسو"، فإننا مدعوون آنئذ أن نتجاوز بني البشر ونبعث أسئلتنا رأسا إلى الله في رسائل عبر البريد العاجل، كخيط نور أخير نهتدي به، قبل أن نتبنى منطق " شوبنهور" المشؤوم والمختصر في مسكوكته :" الموت شيء جميل، والأجمل منه أن لا نُولَد أبدا

 

mustafa alomariتحتل رغبات الانسان ونزعاته للتقدم مكاناً مبكراً منذ نشأته الاولى، فما ان يستنشق هواء الحياة حتى تبدأ غرائزه بالانفتاح نحو المجهول، رغبات طفولة مبكرة لا تعترف بالعراقيل ولا تعبأ بالمحذورات التي صنعها الكبار.

يكبر فتكبر معه رغباته ومشاريعه وميوله وتكبر معه أوهامه وسذاجته وتخلفه والمؤثرات الداخلية لمجتمعه . بالتأكيد ستأخذ هذه العوامل نسبة وحيزاً من شخصية اي فرد، لكي يرحّل معه رغباته البدائية الى ما بعد الاكتمال الجسماني او العقلي.

العلم الحديث وضع بعض المحددات العلمية والدراسات الاجتماعية والنفسية لقياس مدى تفاعل الفرد مع منجزه الداخلي ومدى استطاعة تفعيل هذا المنجز ليكون حقيقة، فبين المخطط الذهني الحبيس والمشروع الحقيقي الواقعي، مسافة زمن فيه حركة وفعل .

المشاريع النامية في عقل العربي او المسلم كبيرة وكثيرة، لكننا في صدد الاشارة الى ظاهرة خطيرة اذا ما درست دراسة علمية مستقلة، وهي إعتقادنا (المسلمون) أننا معنيون بتغيير العالم من دياناتهم الى الدين الاسلامي ! لأننا أصحاب الدين الحق والمنجي والاخير . ولو كلفنا هذا التغيير قتل الناس او نفيهم من الارض فسنفعل لأننا نريد ان ندخلهم الجنة ونبغي لهم الخير رغماً عنهم !

إنها رغبات طفولية ساذجة حقاً ! يولد الفرد منا فتسكن في ذهنه مهمة تغيير العالم تغيير الامم فينصب إهتمامنا نحو تغيير الاخر البعيد المختلف عنا بتفاصل حياته وعاداته وبيئته وطقوسه،بينما نهمل أنفسنا ومجتمعنا من التغيير الذي سيسوقنا نحو الخلاص المفترض .

يقول المفكر السعودي إبراهيم البليهي: أخطر ما نعانيه نحن وتعانيه البشرية هو الاختلاف العميق في المعايير الاخلاقية بين المسلمين وغيرهم من الأمم ووجود إحساس ملح لدى الكثير من المسلمين بأنهم أوصياء على العالم .

النزعة الطفولية الضاربة في أعماق المسلم من انه يريد ان يقود الحياة او تغيير الامم، نزعة تاهت بمجتمعنا وأضاعت منه فرص التقدم . نزعة متقدمة بالوهم المسف فبالوقت الذي تطور العالم علمياً من جميع الجهات، يحرن المسلم في تفكيره الطفولي القديم انه يجب ان يغير هذا الكون واستطاع وبسهولة ان يشبع رغباته في التغيير بنصوص دينية داعمه لمشروعه الجبار !

إنكفأ الفرد منا يفكر بما أملته عليه إيماناته الاولية وهي دفع الاخرين للدين والعلم ولكن اصبحنا أكثر الشعوب تخلفاً علمياً وأبعدنا عن مفايهم الدين الحاثة على الصدق والتسامح والاخلاق وإحترام الاخرين ... فالعقلية التي تؤمن انها الحق المطلق لا يمكن ان تركن الى الحوار او تذعن للتغيير، العقلية التي تؤمن أنها تتحدث باسم الله كيف لها ان تصغي لصوت البشر! الامة التي تؤمن بما لا يقبل الشك انها أعطيت خيراً كبيراً لم يعطى لمثلها من قبل أيعقل انها سوف تتغير بحضارة وثقافة أمم اخرى! إذن نحن ولدنا لكي نغير ولا نتغير، نؤثر ولا نتأثر! إنها مهزلة عقل ميت وأحلام جنينية أودت الى انتكاسة غير معروف نهايتها.

كان المسلم الأعرابي في جيوش الفتح يرى نفسه سيد المتحضرين ومعلمهم وقائدهم واستمرت هذه المعضلة مهيمنة على ثقافتنا منذ ذلك الحين حتى الآن . ففي بداية ظهور الاسلام صار المسلم مرادفاً لمعنى معلم أوداعية أو عالم حتى وهو أمي .... ولكن لم ينتبه المهتمون منا لهذه المعضلة الأساسية المزمنة التي أثرت ونهشت سلوك وعقل المسلم .

ينشغل بعض المتاجرين بالاسلام في الغرب لتغيير العدد الاكبر الى الاسلام من الغربيين ويبذلون أموالاً سخية لمثل هذا المشروع غير المدروس علمياً او دينياً او إجتماعياً. محاولين سحب العدد الاكبر من البسطاء ليكونوا مسلمين بدون معرفة الاسلام الحقيقي.

يقوم بمثل هذه المهمة بعض المتسربلين بوهم المعرفة وبأموال ووجهات إجتماعية، ليس غايتهم الله او الانسان إنما هو الاستكثار وزيادة العدد الرقمي غير المنتج . ملء بعض الذهنيات الفارغة بخصومات التاريخ العربي الاسلامي، التي لا تشكل في عقل الامريكي حيزاً ولو بنسبة بسيطة وهي لا تعنيه، لكنها تعني بعض المرضى الذين يحاولون إفشاء مرض عضال عمره قرون ولازال فعالاً وفتاكاً . مرض التكريه والالغاء والفتك والقتل وإستباحة كل ماهو مقدس..

إلتقيت ذات مرة باحد هؤلاء المتغيرين الجدد وهو امريكي اسمر صاحب لحية متمددة وثوب قصير، سألني هل أنت مسلم قلت نعم ضحك مستبشراً، ثم سألني بلغة الواثق، كيف ترى الحياة مع الكفار؟ قلت له ماذا تقصد بالكفار ! قال الامريكان ! أذهلني جواب هذا المسكين المفخخ والمعبأ بما لا يدرك . سألته من علمك ان الاخر المختلف كافر؟ ثم من أجاز لك وصف الاخرين بالكفار؟، وبثواني ركب سيارته واختفى .

علمياً هل سيستفيد العقل الاسلامي من هذا الشخص او أمثاله؟

دينياً هل سيرفع هذا المُلَقن راية الاسلام ليحاجج الامم؟

إجتماعياً هل تُعد هذه النبرة في الحوار مقدمة للتسامح وقبول الرأي الاخر؟ أم هي كما يقول ابن رشد وحدانية التسلط .

في كتابه محنة ثقافة مزورة يقول الصادق النيهوم

رغم ان الاسلام لا يعتبر الوعظ حرفة ولا يجيز الاكتساب منها ولا يعترف اصلا بشرعية رجال الدين فإن التاريخ لم يعرف ديناً ازدحم فيه الوعاظ والفقهاء كما حدث في تراث الاسلام .

أعتقد حان الوقت للمراجعة والتفكير الجاد، بعدما أسرفنا في أحلامنا الصبيانية ونزعاتنا السوريالية لتغيير العالم، العالم الذي غير نفسه بنفسه وبضربات التجارب القاسية، أيها الاخوة والسادة والقراء لا يحتاج العالم الى تغييرنا فهو يملك أدواته ومشاريعه المستقبلية بل نحن نحتاج الى التغيير لأننا لا نملك الادوات وليس عندنا خطط استشرافية للقادم . فلابد من المبادرة لتطمين العالم بتوحد الدول الإسلامية ضد التفكير التكفيري وإتباع القول بالفعل لتحرير عقل المسلم من هذا الوباء.

أننا أكثر الامم تحتاج الى التغيير بعد هذا التأريخ الطويل من نزف الدم، دعونا نترك دعوة الاخرين للاسلام ونلتفت الى المسلمين الذين لا يعرفون عن الاسلام والحياة الا ما لقنه لهم أهلهم عندما كانوا أطفالاً. لا تثقلوا كاهل الاسلام بدعوة غير المسلم، فرب إرتدادية أقوى من الدافعية .

 

مصطفى العمري

 

المعتقدات كانت ولا زالت ابرز العوامل الكبرى في تحديد ملامح حياة الشعوب فمنها ينتج فهم الحياة ويتولد السلوك . وعندما تم التعامل معها على انها يقينيات مرتبطة بقوى خارقة او آلهة او مثال اعلى لابد من اخضاع الجميع لها والدفاع عنها بكل ثمن حدثت انعطافات تاريخية كبيرة على اثرها جرت صدامات وحروب دامية أدت الى ازهاق الكثير من الأرواح وتدمير البلاد وأقيمت محاكم مارست اقسى انواع العقوبات بحق الخارجين عن العقائد الحاكمة . وما نصنفه احيانا كصراعات بين الخير والشر هي من زاوية اخرى ليس الا صراعات بين قناعة واُخرى مخالفة لها . فاذا كانت المعتقدات بهذه الأهمية والدور في حياتنا فالجدير بِنَا ان لا ننشغل بتصنيف المجتمعات وفقا لنوع معتقداتها بل ان نتقدم خطوة جديدة تهدف الى فهم اسباب نشوء المعتقدات وماذا يقف خلف كل هذا التنوع العقائدي.

 هناك من يرى ان الاختلاف في نشوء المعتقدات مبني بالتحديد على اختلاف القدرات الذهنية بين البشر وان نشوء المعتقدات يحدث دائما بشكل واعي . ولكن هذه الإجابة غير سليمة والا فماذا نفسر وجود اشخاص يمتلكون قدرات ذهنية ابداعية حققت إنجازات علمية واكتشافات كبيرة وفي نفس الوقت نجدهم يعتنقون معتقدات غريبة الأطوار مليئة بالخرافات والأساطير . بمعنى انهم يجمعون بين العقلانية واللاعقلانية في آن واحد . وهذا يعني ان اعتقاداتهم بالخرافات والأساطير غير مرتبطة بضعف قدراتهم الذهنية بل هناك عوامل اخرى . كشف لنا علم النفس الحديث عن وجود عوامل كثيرة تؤثر في نشوء المعتقد بعضها داخلية واُخرى خارجية كما كشف عن انواع مختلفة من المنطق تقف خلف نشوء الاراء والمعتقدات فبالإضافة الى المنطق العقلي هناك المنطق العاطفي والمنطق الديني والمنطق البايلوجي والمنطق الروحي تحدث عنها بعض الباحثين في علم النفس وكان أشهرهم الباحث غوستاف وما يهمنا هنا في هذه المقالة ان نكتفي بتسليط الضوء على دور المنطق العاطفي .

 ان حصر نشوء المعتقدات بالمنطق العقلي جعل الاغلب يدعي انه الأكثر عقلانية من بين الاخرين ولكي يسوق معتقداته فانه يعمل على تأطير معتقداته بمفاهيم عقلية وأقيسة منطقية لتلاقي مقبولية جيدة بين الناس . وطالما نشاهد في الجدالات والمناظرات الدينية ما يحدث من تبادل الاتهامات بالغباء وعدم العقلانية والتزمت بالراي لان كلا الطرفين يجد ان معتقداته عقلانية والادلة عليها واضحة كوضوح الشمس، غافلا عن الدور اللاشعوري الذي يدير الجزء الاكبر من عملية الاعتقاد . وفي تصوري ان الخطا الجوهري في هذه الاشكالية هو الخلط بين دوافع وأسباب نشوء المعتقدات من جهة والقضايا العلمية من جهة اخرى. فالحديث عن صفات المربع او المثلث او المخروط بما هم اشكال هندسية لا يحمل بعد عاطفي بخلاف الحديث عن الامور اللاهوتية او المسميات التي تحمل رمزية دينية او عقائدية فالابعاد العاطفية هنا تلعب دور كبير جدا. الى درجة ان المنطق العاطفي عادة ما يتخذ قراره تجاه معتقد معين قبل ان ياخذ المنطق العقلي كفايته في محاولة تعقل ذالك المعتقد .

 ان ما يجري هو ان كلا من المنطق العقلي والمنطق العاطفي يعمل بشكل مختلف عن الاخر، فكما نحن مختلفون في قدراتنا على ادارة الذهن كذلك نحن مختلفون في حساسية العناصر العاطفية، اي تلك المجاميع من العناصر العاطفية والتي بمجموعها تكون ما يسمى الطبع . ان تقلبات الحساسية الفردية والمجتمعية تكشف لنا سبب تغيير اراءنا وأفكارنا وتقبلنا و تقلبات الحساسية العاطفية كما هي تؤثر في توجه الفرد كذلك هي تقلبات الحساسية للمجتمع، ومن هنا تعد دراسة الاعمال الفنية والشعرية والأدبية لمجتمع معين في زمن ماضي يعتبر مصدر جيد للتنقيب عن الحساسية الجمعية لذالك المجتمع وفهم مظاهر حياتهم العاطفية في تلك الحقبة الزمنية . ان الجزء الصعب هنا هو ان العناصر العاطفية تعمل ضمن المنطق العاطفي بشكل لاواعي مما يجعل مراقبتها وتفحصها ليس بالأمر الهين وهنا يجب ان يزول استغرابنا عندما نرى بعض المشاهير من العلماء رغم كونهم اصحاب نتاجات علمية ونظريات رائعة وفي نفس الوقت نراهم يؤمنون ببعض الخرافات والأساطير . لان منشأ المعتقد خاضع لمنطقهم العاطفي . وهنا يتضح مدى دهاء من يقوم بتسويق معتقد ما تحت تاثر عناصر عاطفية قوية كعنصر الخوف مثلا . ولنا ان نلاحظ بشاعة من يحاول ترسيخ الإيمان تحت سطوة الخوف، ان هذا ما يجري فعلا عندما يطلب من شخص ان يؤمن بفكرة معينة وفي نفس الوقت يتم اخباره بان عدم الإيمان بتلك الفكرة يستوجب العذاب واللعنة . ولَك ان تتخيل كيف سيكون عمل المنطق العاطفي لهذا الشخص تحت تاثير سطوة الاٍرهاب الفكري . ان تقلبات العناصر العاطفية في اللاوعي تخلق لدينا ايضا دوافع كامنة في اللاوعي تحملنا على تقبل اعتقادات معينة وفقا لإشباع تلك الدوافع .. ما أود ان أشاركه هو تسليط الضوء على العناصر الاخرى اللاواعية التي تكمن عميقا تحت ارضية المعتقدات، وبما اننا نتوجه الى منطقة اللاوعي فان الموضوع يصبح ذا صلة وثيقة جدا بما يقدمه علم النفس الحديث وخاصة ما كشفه من حقائق علمية خلال الملاحظة والتجربة عن دور اللاوعي في حياتنا اليومية حيث قدم لنا قوانين ومعادلات فعالة تعمل في عالم اللاوعي تم اعتمادها في علوم تطبيقية ففي الطب الحديث تبين ان انواع من الأمراض الجسدية تعود اسبابها الى اضطرابات عاطفية مكبوتة تحت منطقة اللاشعور وكذلك تطور علاج الأمراض النفسية وعلم التنويم الايحائي وبرمجة العقل الباطن والتحليل النفسي وتطوير مناهج التعليم وقد ألفت العديد من الكتب في هذه المجالات. من المهم جدا ان ندرك خطورة جهل طبيعة العناصر العاطفية وتاثيرها في نشوء المعتقدات فالقدرة على استغلال المنطق العاطفي للمجتمع يمكن ان يحسم الكثير من الامور المصيرية . فبواسطة التلاعب بتلك العناصر العاطفية امكن احداث انعطافات خطيرة في التاريخ . ولنا ان ننظر كيف ان العديد من الخطابات السياسية والدينية استطاعت ان تخلق عند المجتمع دوافع مخيفة حملت الانسان للاقدام على اعمال جنونية كتفجير جسده بل امكنها تحريك الساحة السياسية والاقتصادية لمصالح دنيئة، ان التلويح بعنوان ديني قد يكفي لكسب تأييد الراي العامة واشاراة الى فكرة معينة قد تدفع الآلاف بالخروج في مظاهرات حاشدة وكذلك جر الناس الى حروب طائفية طاحنة امتدت لمئات السنين . وعلى الرغم من ان الذاكرة العاطفية تضعف بشكل كبير جدا قياسا بالذاكرة العقلية الان انها يمكن ان تعيد نفسها بالتغذية عن طريق حقنها بجرعة عاطفية . وكما تقول الحكمة . حقد لا يغذى لايبقى .

 ان ما يدعم ما تقدم هو توجه علم النفس الحديث الى التحول من المفهوم الكلاسيكي القديم للذكاء الاحادي الى فهم موضوعي اخر حيث اصبح يرى ان تصنيف شخصين بشكل مطلق احدهما ذكي وآخر غبي امر مخطئ لوجود مستويات متعددة للذكاء والتي أسس لها جاردنر واطلق عليها (الذكاءات المتعددة) وبذلك قدم لنا مستويات مختلفة من الذكاء كالذكاء المنطقي والموسيقي والبصري والاجتماعي والذاتي وغيرها فوفقا للذكاء الذاتي الذي يتمحور حول قدرة الانسان على تامل ذاته وفهمه لانفعالاته ونواياه فنحن مختلفون في قدرتنا على التواصل مع مكنوناتنا ودوافعها الذاتية ووفقا للذكاء العاطفي الذي تناوله دانيال جولمان في كتابه (الذكاء العاطفي) كذلك نحن مختلفون ايضا في مستوى قدرتنا على التواصل مع عواطف الاخرين .

 ان خلاصة هذه المقالة هي دعوة لإعادة النظر في النقاط التالية:

 ١- مراجعة معتقداتنا بشكل دوري للتاكد من مدى عقلانيتها فجميعنا يحمل دوافع عاطفية كامنة في اللاشعور .

 ٢- النظر بمرونة وموضوعية تجاه من يختلف معنا وعدم التسرع في إطلاق الأحكام ضد الاخر بتهم عدم العقلانية او محاربة الحقيقة التي نراها نحن . فالجزم بامتلاك الحقيقة ادعاء غير عقلاني

 

mustafa alomariعادةً ما تجتاح المجتمعات موجات من ثقافات مغايرة تحرك تلك الموجات الركود وتعيد صياغة بعض القوانين العامة او تلغيها، ويعتمد هذا التغيير او الالغاء على العقل المنتج والعقل المستقبِل في تحريك الوعي العام . فالمنتج يجب ان يكون واعياً صادقاً حريصاً غير منتفعاً، أما المستقبِل فعليه ان يكون حذراً يقظاً حيال استقبال المعرفة وخاصة التي تتناغم مع معتقداته الاولية، فكثير من الاختراقات التدميرية التي تنسف او تسفه الكيانات او المذاهب العامة تاتي من داخلها، فتكون اكثر تأثيراً وإيلاماً .

المتابع للوضع العربي بالتحديد يجده مختلفاً عن سائر خلق الله، فبالوقت الذي لا تخلو فيه مدينة او قرية،من مسجد او مكان يعبد فيه الله، ولا يخلو شارع من مكان للعبادة، ترتفع من كل بيت الخطب والمواعظ التي تقدمها الفضائيات وتصدرها للمستهلك كوجبة سريعة مكفولة التوصيل الى غرفة النوم والمطبخ .

وبالوقت الذي يصّر الشارع العام بدفاعه عن هذا الهذيان المنطلق عبر خطابات الفضائيات والمساجد، يبقى كما هو دون ان تحرك فيه الخطب التي تدعوا الى احترام البشر او تلك التي تحثه على النظافة مثلاً . يبقى الشارع العام عندنا هزيلاً ضعيفاً مالم نغير منتج المعرفة الاصلي والا سيبقى تغيير بعض الالوان كخدعة واهمة على تغيير المنتج الاصل، وسيستمر هذا الوهم في تغذية الشارع العام بالمعرفة . 

في كتابات سابقة كنت قد حذرت من رجال الدين السيئين وأعتقد اني بعثت بمنتجي الى المستقبِل عبر الصحف والمواقع . بعض الاشخاص قبلوا بالفكرة بعد تحليل واعي ودراسة جادة، البعض الاخر لا يستطيع البحث او التساؤل بهذا الامر، فأوصد بابه وجلس مستريحاً !

مرت النهضة الاسلامية بمنعطف خطير لم يحصل لها من قبل وأكاد أجزم لم يحصل بعدُ ان حدث مثل ذلك المنعطف، وهو الحوار الجاد  والمشروع الكبير بين ابن رشد 595 هج وابو حامد الغزالي 505هج، فبينما كان الغزالي قد أصل للفقه واصوله وإضفاء مشروعية القداسة على القديم من النص غير المحَقَق، إنتهج ابن رشد منهجاً مغايراً وهو منهج فلسفي فكري عقلي . وبين صراع منهجين عقلي ونقلي بالتأكيد ستهرول العوام نحو النقل بينما يترك العقل مضرجاً يتلوى من طعنات الجهلاء .

تغلب منهج الغزالي لأن أجدادنا كما مجتمعنا اليوم يحبذ النقل على العقل، فمات العقل او كما يقول عنه رابرت رايلي في كتابه إغلاق عقل المسلم . وضع الغزالي الختم على عقل المسلم فالعقل بالنسبة للغزالي هو العدو الاول بالنسبة للاسلام لذا رأى ان على المسلم الاستسلام الكلي الى ارادة الله اي كل ما جاء في الوحي من قران وسنة النبي ومن السلف الصالح من تفسير للنصوص والشريعة بدون اي سؤال او مناقشة . 

انتصر الغزالي لأن المستقبِل (الشارع العام) لم يكن واعياً بل كان شبه مخدراً، والمنتج اعني الغزالي كان واعياً جداً فالرجل كان فيلسوفاً ومفكراً قبل ان ينحدر انحدارته قبل الاخيرة ليكوِّن منهجاً دفن به عقل المسلم وسلب به إرادته الى اليوم .

في كتابه نحو تاريخ مقارن للاديان يقول الدكتور محمد اركون الشيء المسيطر على عقلية العرب والمسلمين حالياً ليس فكر ابن رشد وانما فكر الغزالي، في كتابه المعروف فيصل التفرقة بين الاسلام والزندقة، أسّس للتكفير كمنهاج في التراث الاسلامي، وهو منهاج لا يزال للأسف ساري المفعول حتى الان . 

لو قدر وكان منهج ابن رشد هو السائد اليوم أجدني أقرب للجزم ان حركة وفعل المجتمع الاسلامي سنجدها مختلفة تماماً عما نراه الان، ابن رشد رد على الغزالي بطريقة غير مباشرة في كتابه (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) فلم يعتمد التكفير او الالغاء في منهجه رغم انه كان يستطيع فعل ذلك وله القوة فيما اذا أرآد لأنه كان قاضي قضاة زمانه، ويحق له اطلاق الفتاوى مثل الغزالي ولكنه اتبع المنهج العقلاني القائل بضرورة تفحص حجج كلا الطرفين اي الطرف المتبع للشريعة والطرف المتبع للحكمة والفلسفة.

في هذه المقدمة التي تحوم حول مسألة مهمة في تاريخ الوعي الاسلامي والتي كتب عنها كبار المفكرين العرب والغربيين، أجدني مضطراً لإعادة بعض من ذلك التأريخ لكي لا يستغفل العقل الاسلامي ولا يُستهزء به من قبل القائمين عليه، ولا يغرر بالابرياء بنصوص دافعة لسحق الانسان وكرامته وعقله .

فبالوقت الذي احذر فيه من الادعياء باسم الدين او اللصوصية الدينية يجب ان اشير الى مسألة مهمة غالباً ما يسير خلفها العوام من الناس وعادةً ما يسكت حيالها الواعون منهم وهي انني مع رجل الدين الواعي الذي يحترم انسانية الناس جميعاً، مع المثقف الجاد في طلب العلم والقراءة وليس بالضرورة ان نتفق في إيماناتنا بالقدر الذي نسمح لعقولنا بالحوار والمناقشة.

بالوقت نفسه أنا ضد كل مزور مدعِ وهنا يجب القول ان بعض المتصدرين للوعي الديني والذين يجنون ارباحاً من ذلك، فارغون مدعون،  مخادعون لأستمالة الشارع العام وتأييده، بينما تجد البعض وهم قلة قليلة يمكثون في بيوتهم رغم العلم الحقيقي الذي يمتلكونه والقابلية المعرفية على استيعاب الحوار المختلف كما كان منهج ابن رشد، مع ذلك نلحظ ان الشارع لا زال كما هو زمن الغزالي فهو يخشى من الفلسفة والتفكير ويأنس للخنوع والتسليم والإذعان .

وهنا يبزغ الدكتور السيد طالب الرفاعي كمثال حي على ما قلته، فالرجل الذي افنى عمره في دراسة وتدريس العلوم الدينية والاكاديمية أضحى شبه معزولاً بعدما نزى الجهلاء والوهميون واقارب المتصدرين على المؤسسة التي خدمها لفترة طويلة من عمره.

 اية الله السيد الدكتور طالب الرفاعي الحاصل على شهادات ووكالات مطلقة من كبار مراجع وفقهاء الدين الشيعة والحاصل على شهادة الدكتوراه من مصر، وهو ايضاً استاذ بعض المراجع في حوزة النجف، لا يحبذ لقب اية الله رغم ان طلاب طلابه غدو ايات والبعض إنتحل اسم اية الله كهوية مزورة في بازار مجتمع لا يسأل كثيراً لكنه ينصهر أمام الالقاب .

يعود بنا الرفاعي الى موضوعنا الاول وهو بين الغزالي وابن رشد كمادة ومنهج مستمر لتسطيح وعي الناس، ويذكر بهذا الشآن رئيس قسم الفلسفة في جامعة القاهرة الدكتور محمود قاسم فيقول : أدركته ايام تقديمي للدراسات العليا في كلية دار العلوم جامعة القاهرة في ستينيات القرن الماضي وكان استاذاً متخصصاً في الفلسفة الاسلامية، كان الدكتور قاسم ومن خلال محاضراته وحديثه يرفض فكر الغزالي، لأن الغزالي كان ساخطاً على الحكمة والفلسفة.

وبما ان الرفاعي رجل دين ومن انصار ابن رشد يعتقد هو والدكتور محمود قاسم استاذ الفلسفة ان الغزالي كان أحد اسباب تأخر المسلمين وانحطاط العقل في المجتمع الاسلامي وتفشي ظاهرة التكفير والقتل والتشدد . وكم يركز الرفاعي على خصوصية ابن رشد وما قاله عنه صديقه قاسم (كم خسر العالم الاسلامي يوم اخر الفكر الفلسفي لأبن رشد واستعاض عنه بفكر الغزالي الممثل في كتابه احياء علوم الدين)

قبل ان نغادر الى مكان اخر يجب ان انوه الى محورين مهمين في هذا الموضوع

أولاً:  أتمنى ان لا يفهم من كتاباتي اني ضد رجال الدين بالمطلق، وهذا ما يحاول بعض رجال الدين إشاعته، لذلك قدمت مثالاً حياً لرجل دين كبير هو السيد طالب الرفاعي، علني أسهم في دفع بعض رجال الدين الفارغين والمهتمين بالالقاب او المتصدرين بهوية القرابة او المصاهرة للتفكير وإعادة ترتيب مشاريعهم الحاثة على طمس كل ما هو نابت، والتقدم نحو مسارات علمية مضيئة بوعي ومطالعة فزمن الاختباء والتبرير اختفى او هو كذلك ..

ثانياً: هذه الكتابات تحريضية للعقل لكي يمارس مهامه التي فطره الله عليها، وليس التيبس على القيود التي صنعها البشر، وبدعوة فيها من الشراهة للبحث والتفتيش والمراجعة والتحليل والاخذ والرد يجب ان يكون العقل غير مكبل وغير مسبوق باحكام ضد او مع .

من يحاول المغامرة والبحث عن معظم مصائبنا والمحن التي مرت وتمر علينا سيجد ان السبب الاول هو تعطيل العقل وعدم السماح له بالتفكير، الركون الى الموروث والعادات والخضوع والتقليد سبب رئيس في موت عقل المسلم .

 

مصطفى العمري   

 

sabri alfarhanالعقل الاسلامي ما زال في باكورة معرفته: اذ لم تفرز الساحة مفكرا اسلاميا او فيلسوفا اسلاميا منفصلا عن الفقيه، بعبارة ادق عن شخص المرجع، عدى المفكر الاسلامي مالك بن نبي ملهم ثورة الملون شهيد، ثورة الجزائر الاسلامية التي صودرة لصالح الفكر الراسمالي وتربع العلمانيون على سدة الحكم، والدكتور علي شريعتي معلم الثورة الاسلامية الايرانية التي سجلت كثالث ثورة شعبية في العالم في العصر الحديث وانتهت كاي تجربة من تجارب العالم الثالث

اذ باتت تحاكي تجربة البعث في العراق، ولكن تحمل بوادر القفز الى مصاف الدول الكبرى بالقوة لا بالفعل ويعتمد على مدى اخلاص ومبدئية وفاعلية قادتها .

 اما المفكر حسن البنا ووالمفكر السيد قطب فهم في رحى رجل الدين المرجع، والكاتب الاسلامي مصطفى محمود وان لم يكن عالم دين ولكن لم ياخذ مداه في المجتمع - من مصر

والمفكر ابو الاعلى المودودي في نفس الوادي - من الباكستان

وكذا المفكر محمد حسين كاشف الغطاء والمفكر محمد رضا المظفر و الفيلسوف محمد باقر الصدر والمفكر محمد صادق الصدر والمفكر عبد العزيز البدري والشيخ احمد الكبيسي فكانوا رجال دين مراجع والباحث الاسلامي كمال الحيدري سرعان ما تصدى للمرجعية ايضا - من العراق 

وبما فيهم المفكر الاسلامي محمد حسين فضل لله الذي حدد منعطفات الداعية انعطف في منعطف المرجعية، والمفكر السياسي فتحي يكن كان عالم مرجعا، والباحث الاسلامي محمد مهدي شمس الدين ظل تحت اسم رجل الدين – من لبنان

 

 والفيلسوف محمد حسين الطباطبائي رغم عدم تصدية للمرجعية ولكن بقى تحت صفة رجل دين وكذا الفيلسوف مرتضى مطهري. والفيلسوف مصباح يزدي وكذا الباحث الاسلامي محمد مهدي الاصفي - من ايران .

وبما فيهم محمد بن عبد الوهاب وبن لادن فهم في كنف المشيخة والمرجعية من السعودية

 وقد يتواجد مثل هذا المفكر او الفيلسوف الذي ليس مرجعا ولا رجل دين ولكن يعيش بعيدا عن العالم متخذا زاوية ولا يغني الفكر الانساني العالمي (1).

 وهذا يعني بعد الظهور او يوم العدل الالهي الذي يعم كل الارض او وصول البشرية الى شاطئ السلام وبر الامان اي ما زال الوقت مبكرا لظهور المهدي المنتظر كما يصورة المذهب الجعفري او قل الطائفة الشيعية رغم كل الضجة التي تقال سيخرج الامام بعد موت ملك الحجاز عبد الله او كل العلامات تمت او الصحية قريبة او ظهور المنقذ كما تصورة المذاهب الاسلامية الاخرى او قل الطائفة السنية ككل او ظهور المخلص كما تصورة الديانة المسيحية او ظهور عزير النبي كما تصورة الديانة اليهودية او يوم المشاعية كما يصورة الفكر الشيوعي او يوم العقل كما يصورة الفكر الرسمالي .

اذ لايخرج الامام المهدي حتى يتكامل العقل الاسلامي او قل حتى تتواجد الشخصية الاسلامية التي تتحمل اعباء اصلاح العالم، ولا يخرج المنقذ او المخلص حتى تصل البشرية الى طريق مسدود في العدل والسعادة حسب تصور الفكر الاسلامي .

ولا تصل البشرية الى يوم المشاعية وتضحية الانسان بذاته من اجل المجتمع الا اذا رقى العقل البشري حسب تصور الفكر الشيوعي

ولاتصل البشرية الى شاطئ السلام وبر الامان حتى تكتمل تجارب العقل البشري حسب تصور الفكر الرسمالي .

لذا طرح الفيلسوف الاسلامي المرجع محمد باقر الصدر نظريته حول يوم العدل الالهي لا كما هو معروف من خلال الروايات والنصوص الماثورة بل برهن بشكل عقلي وصول البشريه الى ذلك اليوم وظهور الامام المهدي علية السلام، اذ يذكر بعد ان تصل البشرية الى ماساة كبرى وتستسلم لابد من منقذ عند ذاك يخرج الامام المهدي والبشرية مهيئه لان تقبل افكارة .

 

 العقل الاسلامي فتيا

 فرز لحد الان مراهق سياسي اسلامي يترنح في خطواته يقدم رجل ويوخر اخرى رغم كل تبجح الجمهورية الاسلامية في ايران بمناطحت الدول الكبرى وتنيك الاخوان المسلمين ومناورات حزب الدعوة وسيف السلفية ونار داعش (2) وحماس التيار الصدري .

العقل الاسلامي متاخرا

 عن العقل البشري بخطوات شاسعة وما يطرحة المحلل السياسي العسكري المخضرم السطام (3) اذ يقول الاسلام في طريقة الى الانقراض يصح.

 لانه بعد نضج العقل البشري ككل ينضج العقل الاسلامي كجزء من الكل فتختفي المساحة الرمادية من المجتمع وعلية سيترك كل المغفلين الذين يقدسون العلماء لجهل او لمصلحة ما الدين، اذ بدت بوادرة حيث نشاء تيار تحت اسم الا دينين او الملحدين الجدد(4) اغلب المنتمين الية من المتديين او حتى قسم ممن كان ينتمي للحوزة العلمية او التيار الديني بشكل عام ونخرط قسم من المجاهدين سابقا في اطار هذا التيار   

 

العقل الاسلامي ضحلا

وكموشر لذلك في وقتنا المعاصرتعرض الرمز الاول في الفكر الاسلامي والمعلم الاول الرسول الاكرم محمد بن عبد الله صلى الله علية واله وسلم الى الاساءة فلم يتصدى احد الى رد الشبهات او طرح شخصية الرسول الاكرم بشكلها الصحيح ليفهمه الاخر فلا تنطلي علية شبهات المغرضين (5)

العقل الاسلامي لم يتخطى مرحلة ردود الفعل لما يريد الاخر ان ينفعل به.

كما شخص ذلك المفكر الاسلامي محمد حسين فضل الله اذ قال بالحرف الواحد افعالنا عباره عن ردود فعل لما يريد الاخر ان ننفعل به واوصى ان ننتقل الى مرحلة الفعل، والانتقال من مرحلة رد الفعل الى مرحلة الفعل ليس بعصى سحرية بل مخاض ومعانات وتازر وتكاتف وجهود جبارة يجب ان تبذل في هذا المجال .

وما نعيشة في هذه المرحلة من تخندق طائفي ليس اعتباطا بل مخطط له من قبل اعداء الاسلام لتفريغ الفكر الاسلامي من محتواه من جهه ومن جهة اخرى صراع الامة من داخلها فالدول احيانا تمر بحرب اهلية بعدها يسود القانون فالصراع الفكري داخل الامة ياصل الفكر ويدفع به الى الامام

 

العقل الاسلامي اصابة الخرف

هذا ما يراه السطام اذ يصفه اشبة بعجوز بخيل يريد ان يبدد كل خرافاته قبل ان يطمر تحت التراب والقول يصح ايضا .

 اذا اكدنا ان المنطقة الرمادية ستختفي في العقل الاسلامي اذ بعدها لايصدق المرء ان شخصا مثل في صحراء وجاءه فارس يمتطي الفرس يلبس البياض فادله على الطريق، او ينسخ قصاصة ورق عشر مرات تصل اليه ان شخصا راى في المنام وليا فقال له اذكر قصتي ووزعها على عشر سترى خيرا وامر عشرة بذلك ومن لم يفعل سوف يلاقي تعسا مرضا او غيره.

 

العقل الاسلامي متخلفا

ويذهب السطام الى اكثر من ذلك اذ يقول ان الاسلام يسير باتجاه معاكس للعلوم وخاصة الفيزياء الكوانتم مما اضحك العالم علينا وخاصة عند محاولة البعض من الاسلاميين تفسير النظرية النسبية ونظرية التطور ونظرية الكوانتم بالنصوص الدينية القرانية، ففي نظرية الكوانتم ينعدم الزمان والمكان ويمكن ان يكون الشي متواجد في اكثر من مكان في ان واحد وهذا ما يحدث تحت الذرة حيث توجد طاقة ومادة .

ولكن اجاب المفكر الاسلامي الشهيد محمد باقر الصدر اذ قال ان القران كتاب هداية ولم يكن كتابا في التاريخ او الفيزياء، واجابة الفيلسوف الاسلامي الشيخ الشهيد مطهري في نظريته التي لم يستوعبها الكثير من ان الانسان لو خلق شيئا ورأى الله ان يفيض فيه اروح افاضها .

اذ هي مسيرة الحياة نحو الكمال والعقل الاسلامي ضمن قوانينها وبلغة القران ضمن سننها اذ ينضج شيئا فشيئا وهذا متوقف على همة العاملين ومرونة عقيلياتهم .

 الى جانب مسيرته العلمية الرصينة هذه في الفقه والأصول وعلوم الشريعة، ومعروفية أساتذته ومعلميه، هناك إشارة لافتة في حياته ‏طهرت روحة في سلوك العرفان ‏والعلوم الأخلاقية. اذْ بعد اطلاق سراحه من السجن في فترة اعتقاله الأول عام‏1975م من قبل الزمرة الحاكمة في بغداد، انصرف الى الدعاء وسلوك طريق‏المعرفة الإلهية وللحدّ الذي كاد ان يتلف نفسه من كثرة التضرّع والصلاة والبكاء،حتى طلب منه استاذه السيد الشهيد الصدر الاول التخفيف من ذلك رفقاً بصحته ‏وحاله... ثم راح بعد ذلك يدرس العرفان على يد أحد كسبة النجف فأحبّه كثيراً حتى عدّه أستاذه في هذا المجال وهو أمر غريب في السياقات المعروفة في‏ الدراسات الحوزوية اذ كيف يكون أحد الكسبة أستاذاً لعالم دين؟ أو عالم في‏الحوزة؟ وكان جوابه (رحمة اللَّه عليه) على‏ هذا السؤال:

ان الحديث الشريف يقول (أخفى اللَّه أولياءه بين عباده) اذ ان مقدار الاقتراب ‏الى اللَّه سبحانه ليس منوطاً بالعلم وانما بصلاح النفس وفهمها وصفائها لحقيقة العبودية واندماجها في هذا المعنى، وهذا لا يحصل لكلّ أحد، ولا يناله الّا من ارتضى‏ اللَّه له‏ذلك عالماً كان أو كاسباً

وهذا دليل ان هناك مفكرا او فيلسوفا ولم يكن رجل دين ولكن منزويا

الدوله الاسلامية في العراق والشام (داعش ) تنظيم اسلامي متطرف يعود الى السلفية الجهادية يحاول تطبيق الخلافة الاسلامية بنسختها القديمة حيث السبي والقتل - امتازت داعش بحرق الانسان وهو يخالف كل دساتير العالم اذ قامت بحرق طيار اردني اسرته في الموصل وجنديين عراقيين في الفلوجة .

 

................

1- درس محمد صادق الصدر عند كاسب

إشارة لافتة –استاذه كاسب:

2- داعش مختصر د= الدولة، ا = الاسلامية ع= العراق، ش = الشام

3- السطام بدا حياته طالب يدرس الهندسة بعدها التحق بالجيش وارسل الى روسيا وهناك بات شيوعيا وبعد الهجم الشرسة للبعث على المعارضين له التحقق في صفوف حزب البعث وسرعان ما احيل على التقاعد وطرد من حزب البعث لانتماء احد اقاربة لحزب الدعوة ايد السيد محمد صادق الصدر وحسب ما ينقل اخضعه الصدر لدورة نفسية لسحق ذاته البعيده عن الدين فطلب منه ان ينزل للشارع متسولا ليعيش حال الفقراء .

 4- ممكن مشاهدة

 صفحة حوارات ساخنة جدا بين الدين والالحاد

و صفحة الملحدين العراقيين الجدد

https://www.facebook.com/groups/442126202529922/?pnref=lhcpe=1

 (5) – لم ترد الشبهات اول باول عدى محاولة السيد محمد قطب في كتابة شبهات حول الاسلام عالج فيها شبة الرق وتحريم الخمر وشبهات اخرى صدر الكتاب في بداية النصف الثاني من القرن العشرين

 

mustafa alomariعادةً ما يحاول بعض رجال الدين أزاحة المنجز العلمي المنهجي نحو مشروعهم غير الممنهج اصلاً و اختطاف بعض الالقاب و الدرجات و لصقها بمدارس او اشخاص للرفع من مكانتهم الاجتماعية، بتلك الممارسة غير الاخلاقية و النابعة من عدم إقتناع مطلق بما هم عليه يتم تحويل المزيف الى حقيقة أما الحقيقة فتهمل لأنها لا تأخذ شرعية دينية . من تلك الممارسات الوهمية التي يتشدق بها المتدينون و التي من خلالها يحاولون بسط السيطرة العظمى على المساكين و حتى بعض الواعين، هي ركوب سفينة الاختصاص . سمعت و قرأت و حاورت الكثير من الشخصيات الدينية و أول ما تتحدث معهم يحاولون ان يقمعوك بطريقتهم الوهمية، فيكون الحوار بهذا الشكل

رجل الدين : عندما تمرض أكيد تذهب الى الطبيب .. النتيجة حتمية

عند بناء عمارة أو بيت بالتأكيد سيكون المهندس حاضراً

الذي يقود الطائرة قطعاً سيكون طياراً ماهراً أليس كذلك ؟

وستكون القائمة طويلة بتعدد نوعية و اشكال الاختصاصيين .

وعندما تكون عندك مسألة دينية لمن ستذهب يا ولدي؟! ... الى رجل الدين لامناص في ذلك.

لا خلاف على هذا الرأي فهو مقدمة صحيحة لنتيجة وهمية كما يقول المناطقة.

وهنا يجب ان يكون الحوار اكثر واقعية وإدراكاً للواقع، فأقول :

1- هل يستطيع اي شخص ان يلبس لبوس الدين و إيهام الناس انه رجل دين؟ اذا كان الجواب نعم فهذه حقيقة واذا كان الجواب لا يستطيع فعل ذلك، فيأتي السؤال الاخر..

2- من يستطيع إيقاف رجل الدين الوهمي؟ فهو يضع على رأسه شيئاً ما و يلبس ملابس توحي انه رجل دين، من يملك السلطة لكي يخلع ملابس الوهميين؟ وهل حصل من قبل ان شكلت لجنة من المؤسسات الدينية لمراقبة المزورين و الدجالين؟ (لا ارغب بالاجوبة المستعجلة او العاطفية)

3- هل بمقدور الاشخاص الذين اضحى على وجودهم بالمؤسسة الدينية زمناً ما ان يقلدوا أنفسهم بأنفسهم شهادات و ألقاب و درجات عالية بدون دراسة و قراءة؟

4- ألم يحصل ان طرح بعض الاشخاص انفسهم لمواقع علمية دينية متقدمة وهم لا يملكون من تلك العلوم شيئاً؟

أيعقل ان يقفز البعض على الالقاب بهذه السهولة، فاية الله العظمى و حجة الاسلام والمسلمين و العلامة الفهامة، ما عادت لها قيود و باتت دون حصر او مراقبة .

دعونا نكمل الحديث مع من يزعم الاختصاص الديني فنعيد الاسئلة على المقدمة فنقول: هل يستطيع اي شخص في الدول الغربية او العربية او حتى الصومال  ان يلبس لباس الطبيب و يمارس عمله في العيادة او المستشفى؟ بدون شك كلا و الف كلا . فهناك قوانين و اجازات تسمح للمتقدم لأي وظيفة كانت باشهار رخصته القانونية .

من هنا نستنج ان مقارنة رجل دين بالطبيب و المهندس و المعلم، مقارنة باطلة اصلاً، لأن هؤلاء تحت قوانين مؤسسة تحميهم من الدخلاء و تمنع عنهم الوهميين و تمنحهم إجازات قانونية .

في المؤسسة الدينية يكثر الدخلاء و النزقيين وليس هناك من ضابط لتقيم الاشخاص فقربك و علاقاتك و مرورك برجال ذو مكانة في تلك المؤسسة سيلهمك مكانة ايضاً، و سيتحول إليك علماً يُطلق عليه (لدّني) أي انك ستكون جهبذ فالفطرة و الوراثة !

مقارنة رجل الدين بأي إختصاص علمي أراها تعدٍ على حقوق المؤسسة العلمية التي ارتقت و تطورت و انجزت و عالجت الكثير من المشاكل، مقارنة تعصر الفؤاد أمام تيهان متخبط و ضرب عشواء .

يقول الدكتور فرج فودة عن الفرق بين اختصاص رجل الدين و رجل الطب:

(ان المختص بالطب لا يدعوني للإيمان بالطب بينما المتخصص بالإسلام يدعوني و يدعو غيري للإيمان بالإسلام!

اجمل ما في الاسلام انه يخلو من الكهنوت وانه بانقطاع الوحي انقطعت صلة السماء بالأرض وان الاسلام لا يعرف واسطة بين الله وبين عبادة).

وهم التقدير هو نتاج واضح لوهم المعرفة، وهم المعرفة ليس مقصوراً على رجال الدين فقط، بل يشمل الكثير من النزقيين الذين يحاولون رفع مستواهم الوهمي على حساب العلم و المعرفة .

تساءل الدكتور عبدالاله الصائغ بمقال مطول:

كم من ألقاب الدكاترة التي نسمي بها الاشخاص لكن بدون معرفة اختصاصهم العلمي او المشرف على إطروحتهم وما هي إطروحة الدكتوراه وفي اي جامعة؟

يبقى الجواب حارناً دونما اجابة و تبقى التساؤلات تنزف خوفاً من سياط الوهم، الى ان يرتفع هذا المجتمع بمستواه العلمي و الفكري لكي ينفض عنه كل الوهميين .

 

مصطفى العمري

 

masud alfakihوَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (يونس/ الآية 18).

الدين نص وتأويل، هذا من عند الله، وذاك من صنع البشر. هذا ثابت، وذاك يختلف باختلاف الأفراد والمجتمعات والحقب. فإن كان النص ليس بالوسع تبديله، فكثيرا ما تحايل البشر عليه بتأويله حتى يوافق أهواءهم ونزعاتهم.

وقد أبى بعض مفكري اليونان وروما الأقدمين، مثل Pythagore وNuma Pompilius، أن يخلفوا نصوصا تكبل فكر التابعين، فأحرقوا قبيل وفاتهم ما كتبوا، أو أوصوا بأن تدفن كتاباتهم معهم، حتى يتيحوا لكل جيل من كل قطر أن يخرج بفكر يناسب عصره وبيئته. وقد يقال أن نبي الإسلام أيضا لم يأمر بجمع القران، بدليل أن الخليفة أبا بكر تردد حين عرض ابن الخطاب عليه الفكرة، قائلا لعمر أنه لا يستطيع أن يقدم على ما لم يقدم عليه النبي ولا أوصى به قبل وفاته. غير أن الافتراض السائد في الدين هو أن تعاليمه الواردة في النص المقدس صالحة للكافة في كل زمان ومكان.

بيد أن كثيرا ما كان البشر أضعف من أن يلزموا أنفسهم بأحكام النص، وأجبن من أن يثوروا، وأخبث من أن يعترفوا بعجزهم أو صدودهم. وإذ كانوا دائما في حاجة إلى عز اليقين الذي يوفره لهم الذين، لم يروا بأسا إزاء ضعفهم في أن يبقوا عليه مع تأويله تأويلا يريحهم، ويوهمهم في الوقت ذاته بأنهم مخلصون له.

 

الحاجة النفسية إلى الوسيط أو الشفيع

وقد كان أشق ما فرضته عليهم الأديان السماوية تجريد مفهوم الرب. فالعبادة في العالم القديم لم تكن بالتي يمكن تخيلها دون وثن أو صورة، وكانت آلهة الأقدمين دوما محسوسة ومجسدة، صنما كانت أو كوكبا أو ملكا أو ظاهرة طبيعية. فكان لابد إذن من مرور قرون طويلة حتى يرسخ هذا المفهوم الجديد للآلهة في الأذهان. غير أن الإحساس ظل قائما لدى عامة البشر بالفجوة الهائلة التي باتت تفصل بينهم وبين إلههم، حتى أن صور لهم هذا الإله على أنه أب لهم، أو أقرب إليهم من حبل الوريد. وكان أن نشأت لديهم حاجة (وثنية) ملحة إلى ملئ هذه الفجوة بأية وسيلة، أو اجتيازها بأية حيلة. وهي حاجة نفسية رأى بعض رجال الدين أن من الحكمة الاستجابة لها بقدر محدود، خشية أن تنصرف العامة عن الدين بأسره، أو حرصا على بقاء سلطانهم. وسرعان ما حلت التماثيل الدينية والأيقونات مكان الوثن، وتقديس الأولياء محل عبادة الآلهة والملوك والأسلاف.

وقد صحبت هذه الحاجة النفسية لدى العامة إلى المحسوس، حاجة أخرى -هي نفسية أيضا- إلى الشفيع أو الوسيط. إذ أنه مهما أصر الملوك والكبراء على فتح أبوابها للرعية، ومهما أكدت الديانات أنه لا وسيط بين العبد وربه، ستظل العامة تهولها فكرة الحضرة الملكية أو الإلهية، وتفضل توسيط من يرونه أدنى إليهم. وأشبه بهم فإذا هم يتحولون عن الدعاء الرب إلى دعاء نبيه، إلى حفيد نبيه، إلى سليل بعيد من أهل البيت، إلى ولي صالح في مدينة أو قرية، يطلبون شفاعته أو عونه، ويلجئون إليه وقت المحنة والضائقة.

ولا شك في أن الأديان السماوية قد أثرت تأثيرا عميقا في عقائد الشعوب التي اعتنقتها، وفي سلوكها وعاداتها وأنماط عيشها. غير أنه مما لاشك فيه كذلك أن الأفكار والمعتقدات القديمة التي جاءت هذه الأديان لاقتلاعها ولتحل مكانها، قد أفلحت في التسرب إلى الأديان، وفي تكييفها وفق الاحتياجات النفسية والاجتماعية للشعوب.

وكثيرا ما امتزجت التعاليم الأساسية لدين معين بالعقائد المحلية امتزاجا أسفر عن نتائج ذي صورة جديدة يتعذر التعرف على التعاليم الأصلية فيها.

وقد كانت الشعوب دائما من الخبث، أو الذكاء، أو الضلال، بحيث أوجدت أساسا (دينيا) جديدا لاستمرار تمسكها بالمعتقدات القديمة، وصبغت عقائدها وطقوسها وعباداتها التي لا تنوي بأي حال من الأحوال أن تتخلى عنها، بصبغة الدين الجديد، وأدخلتها في إطاره. ونذكر على سبيل المثال استمرار كراهة الزواج بالأرامل في الهند حتى بعد دخول الإسلام  فيها ومحاولة تفسيرها تفسيرا إسلاميا مع أنه من المؤكد أنها مخالفة لروح هذا الدين الحنيف. كما نذكر أن بعض القبائل الأفريقية التي كانت ديانتها الوثنية تحرم ذبح الديكة وأكل لحومها، استمرت بعد إسلامها تحرمها ولكن على أساس جديد هو أن الديكة هي التي توقظ النيام لصلاة الفجر، ومن ثم فهي طيور مقدسة. 

 

تجاوز العقبات القائمة في سبيل تقديس الأولياء

غير أنه ما من وسيلة أتاحت الفرصة أمام الشعوب للإبقاء على بعض جوانب دياناتها القديمة ومعتقداتها قدر ما أتاحه تقديس الأولياء.

فإن كانت الشعوب التي اعتنقت المسيحية قد وجدت متنفسا في تقديس تماثيل مريم والمسيح والأيقونات الدينية، فقد كان تقديس الأولياء المتنفس الرئيسي للرواسب القديمة لدى بعض من اعتنق الإسلام، إزاء التحريم القاطع الذي جاء به هذا الدين للأوثان.

وقد جابهت الشعوب الإسلامية عقبتان كبيرتان في سبيل محاولتها أن يكون لتقديس الأولياء مكان في إطار الدين الجديد، وأن ينسبوا المعجزات (أو الكرامات كما يسمونها) إلى هؤلاء الأولياء حتى يبرروا هذا التقديس:

العقبة الأولى هي أن الإسلام لا يعترف بوسيط بين الله والناس، ولا مكان فيه أصلا لمثل هذا التقديس، بل لقد استنكر القرآن صراحة تقديس اليهود والنصارى للأحبار والرهبان:  اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (سورة التوبة الآية 31)

والعقبة الثانية هي أن نبي الإسلام لم يدع لنفسه القدرة على خرق قوانين الطبيعة، ولا ادعى علم الغيب، ولا كان القدماء ينسبون إليه من المعجزات غير ما نص عليه القرآن، وإنما كانوا يكتفون ببيان أفضال الله عليه، ولا يرونه غير بشر كريم يوحى إليه. فكيف يمكن أن تنسب العامة للأولياء من المعجزات ما لم يقم النبي بمثله أو بما هو أغرب منه؟

قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ (سورة الأنعام الآية 50)

قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (سورة الأعراف الآية 188)

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ( الأنعام الآية 109)

فأما العقبة الأولى، وهي مخالفة تقديس الأولياء لروح الإسلام، فقد تجاهلتها العامة تماما، ودارت حولها دون أن تزيلها، وغض معظم الفقهاء الطرف عن هذا التجاهل، ما لم يصل التقديس إلى درجة تناقض التوحيد تناقضا صارخا. بل لقد أيد تقديس الأولياء ثلاث نفر من مفكري الإسلام هم: ابن سينا في كتابه (الإشارات)، والغزالي في كتابه (الإحياء)، وابن خلدون في (المقدمة).

فإن كان البعض كالمعتزلة والحنابلة ثم الوهابيين قد حاربوا هذه البدعة وغيرها من آثار الوثنية، واستندوا ضمن ما استندوا إليه في حربهم إلى قولة عمر بن الخطاب للحجر الأسود في الكعبة: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك. فإن دعواتهم هذه ضاعت هباء مع العامة في أماكن كثيرة.

و أما العقبة الثانية فقد نشطت العامة للتصدي لها، ونجحت نجاحا ملحوظا في تجاوزها. رأت أن ليس بالإمكان نسبة معجزات الأولياء إلا بعد إدخال تغيير على المفهوم الإسلامي الخالص عن النبوة، وأنه ليس من اللائق ولا من الأدب الحديث عن كرامات للأولياء هي أعظم مما كان عندها للنبي. وكان السبيل السهل إلى التغلب على هذه العقبة أن تنسب إلى النبي مئات المعجزات، منها ما يتحدث عن إطعامه جيشا بأسره من صحفه ثمر، أو تفجيره عينا في الصحراء بغرس رمح في الرمال أو إبرائه أحد الصحابة من رمد بأن تفل في عينيه. وكلما ثار الفقهاء إذ تنسب إلى ولي من الأولياء معجزة لم يأت النبي بمثلها، بادرت العامة فنسبت إلى النبي ذاته معجزة تفوقها روعة.

من أمثلة ذلك ما ورد في (تاريخ الخميس) للديار بكري: عن أسماء بنت عميس (زوجة جعفر ابن أبي طالب) من طريقين أن النبي كان يوحى إليه (في خيبر) وهو في حجر علي، فلم يصلي (علي) العصر حتى غربت الشمس.

فقال له رسول الله: أصليت يا علي؟ قال: لا. فقال النبي: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فأردد عليه الشمس. قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت. وهذا حديث ثابت الرواية عن ثقات !!!

ثم اقتضى الأدب والذوق إضفاء مثل هذه القدرات الخارقة على بعض كبار الصحابة، إمعانا في تمهيد السبيل لتقديس الأولياء: (وتناول علي ابن أبي طالب باب حصن خيبر وكان من حديد، فقلعه وترس به عن نفسه ... فلم يزل في يده وهو يقاتل ... وقد حمله علي بعد ذلك على ظهره وجعله قنطرة حتى دخل المسلمون الحصن. ثم لما وضعت الحرب أوزارها، ألقى علي ذلك الباب الحديد وراء ظهره ثمانين شبرا... وروي عن ابن رافع أنه قال: فلقد رأيتني في سبعة نفر وأنا ثامنهم نجهد أن نقلب ذلك الباب فما نستطيع أن نقلبه. وفي (المواهب أللدنية): قلع علي باب خيبر ولم يحركه سبعون رجلا إلا بعد جهد. وفي رواية ابن إسحاق سبعة. وفي شرح المواقف: قلع علي باب خيبر بيده، وقال: ما قلعت الباب بقوة جسمانية ولكن بقوة إلهية... !! (تاريخ الخميس).

 

محاولة إيجاد سند قرآني لكرامات الأولياء

فما وجدت هذه المعجزات مكانها على صفحات الكتب، وخطب الوعاظ، وأذهان العامة، حتى كان الجسر المطلوب قد أقيم على الهوة الفاصلة بين الإلهي والبشري، وحتى بات الطريق مهيئا لنسبة المعجزات الإلهية إلى بشر سموا بالأولياء، وهو لفظ أورده القرآن وصفا للمتقين المقربين، دون أن يذكر شيئا من قدرات لهم خارقة: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ .( يونس/62-64)

وقد خيل لفقهاء العامة أن بوسعهم أن يجدوا سندا في القرآن لكرامات الأولياء. فقد تحدثت سورة آل عمران الآية 37، عن الرزق الذي كان الله يبعث به إلى مريم في المحراب: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

كذلك تحدثت سورة النمل الآية 40 عن شخص لم تسمه أتى سليمان بعرش ملكة سبأ من بلادها قبل أن يرتد إلى سليمان طرفه. وإذ لم تكن مريم ولا كان صاحب سليمان هذا من الأنبياء، فمن الجائز إذن أن يهيئ الله لغير الأنبياء كرامات أشبه ما تكون بالمعجزات.

وقد حرص هؤلاء احتراما منهم للأنبياء على ألا يسموا معجزات الأولياء بالمعجزات أو الآيات، وإنما أسموها كرامات أو بركات. وقالوا أن الكرامة من خوارق العادة، وهي تختلف عن المعجزة التي هي أيضا من خوارق العادة في أن المعجزة غنما يريد الله بها أن يدلل على صدق دعوى الرسل، أما الكرامة فغير مقرونة برسالة، ولا من قبيل تحدي الكافرين. كذلك فهي تختلف عن المعونة في أن المعونة يتلقاها مسلم لم يخض تجربة خاصة، وتختلف عن الإرهاص الذي هو معجزة يريد بها الله أن يشعر النبي قبل تكليفه بالرسالة على أنه في سبيله إلى أن يكلف. وقالوا أن الولي قد يكون جاهلا بقدرته على الإتيان بالكرامات، بينما لا يملك النبي إلا أن يشعر بها، وأن على الولي أن يخفي كراماته وأن يهون من قيمتها قدر الإمكان، ويعتبرها اختبارا له لا هبة من الله، بينما الواجب على النبي أن يظهر المعجزات ويحيط قومه علما بها من قبيل التدليل على نبوته.

غير أن الواقع أن كرامات الأولياء (كما أوردتها الكتب والأحاديث العامة) لم تكن في أي وقت من الأوقات بدون معجزات الأنبياء شأنا:

فمالك بن دينار: بلغ من منزلته أنه ركب مع جماعة ذات مرة سفينة فضاع فيها جوهرة اتهموه بسرقتها. وإذ رفع رأسه إلى السماء خرج في الحال كل ما في البحر من السمك على الماء وقد أمسكت كل سمكة بفمها جوهرة. فأخذ مالك من كل ذلك جوهرة واحدة وأعطاها للجماعة، ووضع قدمه على الماء فسار عليه في يسر حتى وصل على الساحل.

وأبو العباس القصاب: قيل أن صبيا كان قد أمسك بزمام بعير يحمل حملا ثقيلا، فانزلقت رجل البعير ووقع وانكسرت رجله. واستغاث الصبي فقصده الناس. وغذ مر أبو العباس وعلم بما وقع. أمسك بزمام البعير واتجه إلى السماء فقال: اللهم اشف هذا البعير، وإذا لم تشأ أن تبرئه فلم أحرقت قلبي ببكاء هذا الصبي؟ !!!

وفي الحال نهض الجمل، ومضى صحيحا معافى. (الأمثلة من كتاب /كشف المحجوب/ للهجويري).

 

وثنية أم إسلام

آراء الفقهاء والعلماء في الأمصار المختلفة كثيرا ما تتفق، فإن اختلفت فكثيرا ما يكون الاختلاف بينها طفيفا وغير ناتج عن اختلاف المصر. أما ديانات العامة فواضحة التباين بتباين البلدان، حتى إن كان الدين الرسمي فيها جميعا دينا واحدا. فالعامة لا تقرأ كتابات الفقهاء والعلماء ولا تتأثر بها، وباستطاعتها في اغلب الأحيان أن تتجاوز الحدود الدينية دون أن تقع تحت طائلة العقاب أو التقريع.

فإن نحن قلنا بعد كل هذا أن شطرا من العامة في صعيد مصر يرى أن الطواف سبع مرات بقبر الشيخ القناوي بقنا (وهو طواف يبادر إليه الكثيرون فور وصولهم إلى المدينة) فيه غناء عن أداء مناسك الحج إلى بيت الله الحرام، وإن قلنا أن عددا من الفقهاء قد أيد هذا الرأي استنكارا منه لفكرة أن يفقر البعض نفسه بتحمل نفقات حجه إلى مكة، ثم إن نحن افترضنا بعد ذلك أن هذا الشيخ أسطورة، وأن القبر أقيم على طلل معبد آلهة من آلهة قدماء المصريين، لوصلنا إذن إلى نتيجة غريبة، وهي أن العامة قد أحلت محل ركن من أركان الإسلام الخمسة طقسا وثنيا خالصا يرجع إلى زمن الفراعنة.

 

بقلم: مولاي مسعود الفقيه

 

mustafa alomariتختلف المعاناة باختلاف حجم المسؤولية وتعتمد على نوعية الفهم وطريقة التفكير، بالوقت الذي نحاول فيه اخضاع الفهم الديني للتحليل والنقاش والمساءلة لكي يكون ديناً حقيقياً يتوافق ومتطلبات الانسان ولكي لا يكون عثرة في طريق التفكير والتطور البشري، يختنق العالم العربي والاسلامي بغيوم ملبدة من التبريرات والمغالطات المشحونة، ويتفوق عالمنا عن عوالم الكون من انه يدافع عن التاريخ اكثر من دفاعه عن المستقبل ويهتم بالأموات اكثر من اهتمامه بالأحياء ويتمسك بالمنهج القديم ويقدسه ويرفض اي خطوة نحو التقدم ويعتبرها انحراف عن الخط العام.

الدين الذي عندنا لم يعد ديناً سماوياً بل اضحى ديناً أرضياً بامتياز، فرغبة المجتهد والفقيه ورجل الدين المنبري باتت واضحة في معالم الدين الأرضي، ولذلك اصبح الدين مشكلة ولنكون اكثر دقة الفهم او القراءة  الدينية أصبحت خاضعة للمزاجية الفردية وليس النظرة الدينية الروحية الخالصة .

في كتابه الاخير (نحو تاريخ مقارن للاديان التوحيدية) يشير الدكتور محمد اركون الى موضوع مهم وهو هل بالامكان اعادة قراءة النصوص الدينية الاسلامية وفق المنهجية العلمية الفيلولوجية ؟ ويعترف اركون انه عمل شاق جداً .

فهم الاديان يكاد يكون واحداً لكنه فهماً

مغايراً بطبيعته العامة، لما يريده الله وغائراً بعيداً عن المعنى العام للإتجاهات السماوية ومرد هذا الفهم الغائر الى الفهم البشري والعقل الذي لم تكتمل دورته التجريبية . فالمسلمون اختلفوا إختلافاً ليس فيه رحمة بعيداً عن الموازين المعرفية او العلمية الابستملوجية، وتمسكوا ببعض الاراء والاحاديث التي صبغوها بالتبرير لكي تحل محل الحقيقة . يبقى الفهم والادراك البشري قاصراً في معرفة الحقيقة الالهية ويبقى الهذيان من قبل بعض الادعياء مستمراً من أنهم يملكون الاطلاق بتلك المعرفة .

الشريعة قدسية كاملة وإلاهية المصدر والمنشأ، أما فهم الشريعة فلا يتصف بأيٍّ من هذه الصفات، ولم يكن في أيِّ عصر من العصور كاملاً ولا ثابتًا ولا نقيًّا، ولا بعيدًا عن الخطأ والخلل، ومنشأه ليس قدسيًّا ولا إلاهيًّا، وهو ليس بمنأى عن تحريف المحرِّفين أو الفهم الخاطئ لذوي العقول القاصرة، وليس خالدًا ولا أبديًّا  ...

وإن أسئلة كلِّ عصر هي وليدة علوم ذلك العصر، ولا يمكن أن تطرأ على بال أحد قبل نضج العصر علميًّا. وبما أن العلوم تتجدد، فإن الأسئلة، وثانيًا الأجوبة، تتجدد. ومن هذا المنطلق، تبقى المعرفة الدينية في تجدد مستمر

والحقيقة ان الاسئلة محرمة عندنا والاجوبة باتت تبريرية ممعنة في الازدراء بالعقل وملغية له، لذلك ولدت الغاية الاستمرارية للدين ميتة او كسيحة لا تقوى على الحراك . أسوء شيء فعله العقل الديني انه نصب نفسه المسؤول عن الله في الارض، فجار هذا العقل على الله وعلى عباده وبمراوغة إحتيالية زورت الغايات الكبرى للمقاصد السماوية وبُدلت الى منافع بشرية غايتها اشخاص معنين بعدما كانت غايات الله الانسان بالمطلق . أسوء شيء عندما يحاول البشر تقمص هيئة الله لكي يجيب باسم السماء يفتي ويقتل ويحرم ويحلل وينهى ويأمر ويجعل فواصل وخنادق ملغومة لكي لا تعبر الناس الى الناس ولكي لا تحب البشرية بعضها البعض الاخر . في موضوع سابق كنت قد سألت 12 سؤالاً وعنونتها الى الله الواحد الاحد، كم من الاشخاص الذين حاولوا الاجابة على تلك الاسئلة؟

رغم أنها ليس لهم وليس بمقدروهم الرد عليها لأنها تخص الخالق، من هنا نستطيع ان نكتشف ان تدخل البشر في المقررات الالهية كان ومازال قائماً ولن ينتهي . بعض الذين إطلعوا على الاسئلة وجدوها تمادياً او تشكيكاً في الخالق البعض الاخر قالوا انها حق بشري مضمون من الله، ليس المهم ماذا قيل المهم ماذا قال الله وليس ماذا قال البشر .

الخلاصة : إنحراف الاديان عن المقاصد الالهية أدى لكي تنحرف الانسانية ايضاً

الزعم ان الله يحاول جعل الناس في دين واحد زعمٌ بطُل في اول صدمة مع العقل

الله يبتغي للناس الرقي والاحترام الانساني والتقارب والتعارف بعضنا على البعض الاخر وليس الجمود او استعداء الاخر الذي يختلف معي .

يبقى الايمان شعور داخلي ليس من حق اي شخص السؤال عن حجمه ومقدرته الفعلية .

 ليس الايمان بالمظاهر الخارجية او الادعاء الاجوف او الممارسات الممسوخة  .

يبقى الله للجميع ليس لفئة او قومية او دين او بقعة جغرافية خاصة

لا يجوز لأي دين او مذهب استخدام اسم الله لتمرير الاغراض البشرية الدنيئة او جعل مميزات معنوية او مادية لأشخاص دون سواهم .

الله لا يحتاج الى مؤسسات الجباية او الجداية لكي تقنع الناس ان هناك حق في أموالهم لله، وما ان يدفع المساكين أموالهم التي جلبوها من عرق جبينهم حتى تسقط في جيوب المنعمين والمزيفين .

لا يحتاج الله الى رجال دين لكنه يبتغي دين فعلي واقعي عند الرجال .

الفعل هو الذي يقرر مسارات الاشخاص، والفعل الذي نتوقعه لو كان الرسول يعيش في هذا العصر بالتأكيد سيستخدم جميع التقنيات الحديثة وسيغير معظم المفردات العبادية وطريقة الدعوة اليها وأكيد سيركب الطيارة والسيارة وسيكون عنده حساب على الفيسبوك مثلاً .

لا يحتاج الإله الى افواج من من المبشرين بل يحتاج الى أفواج من الفاعلين الحقيقيين لخدمة المشروع الانساني .

الدين الذي يريده الله ليس فيه لعن للاخر او قتل او استباحة الدم والمال والعرض .         

أسئلة اخيرة الى القارئ الحاذق

من اختار أسمك انت أم أهلك؟

من اختار دينك انت أم أهلك؟

من اختار مذهبك انت أم أهلك؟

هل فعلاً عرفت الله بالعقل أم ان أهلك لقنوك وقولبوك كيف يكون الله؟

لاشك ان أغلبية الناس مساكين يدافعون عن اشياء ليس من اختيارهم ولم يبذلوا جهداً للبحث بها، ومع ذلك يصّرون على أنهم الحقيقة المطلقة . التأمل والتفكير بهذه الاسئلة أهم من الاجوبة .

 

مصطفى العمري

 

mustafa alomariتولد المجتمعات لتجد أنها مخلوقة ومعها هالة كبيرة من ديانات وطقوس وأعراف وتقاليد وممارسات بيئية مختلفة باختلاف تلك البيئة، تأخذ بعض الممارسات المجتمعية حيزاً كبيراً في الوعي العام ليصدّق بها الاغلبية ويذعنوا لها إذعاناً صاغراً، ولا إشكال في ذلك، يقع الاشكال عندما تريد ان تُخضع مجتمعات اخرى الى ثقافة ووعي ومنهج مختلف عمّا أنت عليه، وتطالبهم باللحاق بك ثم تقول لهم انك تمثل الله في الارض .

لم تدرك معظم الاديان ان الله لا يريد ان يكون حزباً ولا يبغي إصطفافاً فيه تمايز بين الاجناس او الالوان .

الله ايها السادة أنزل مفاهيماً راقية فيها خدمة الانسان والحرص على النفس البشرية . لا إشكال في تطبيق تلك المفاهيم وان كنت يهودياً او مسلماً او مسيحياً او حتى غير منتمياً الى دين، المهم ان تكون إنساناً لا تطغي عليك النزعة الحيوانية ولا تتخيل انك الحق الذي يجب ان يسود الكون، أنت إنموذج لتفاعلات ثقافية لبيئة متشظية من هذا العالم الكبير . معظم المجتمعات محكومة بثقافتها المحلية فهي رهينة التلقين والاكتساب الذي استنسخته من ذات البيئة، والعقل البشري مرهون للمعلومات الاولية التي اكتسبها بنشأته ومن خلال ثقافة مجتمعه. وفي هذا السياق عندما أنزل الله القران الكريم لم ينزله بثقافة تختلف عن الثقافة العربية ولا بلغة اليونان الفلسفية، إنما انزله بلغة عربية وبمفردات أميل الى لغة الصحراء منها الى لغة الحضر . وفي هذا الصدد يقول الدكتور عبدالكريم سروش يذكر القرآن نساء الجنة بأنهن حور أي سوداوات العيون ولسن زرقاوات العيون، وأنهن يسكنَّ في خيام: "حُورٌ مقصوراتٌ في الخيام" [سورة الرحمن 72]. ويوصي الناس إلى النظر إلى الإبل وخلقتها: "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلِقَت" [سورة الغاشية 17]. ويعتمد القرآن التقويم القمري، ويتحدث عن إيلاف قريش ورحلاتها الصيفية والشتوية، ويحكي عن أبي لهب، ويذكر الدواب التي يعرفها العرب، كالخيل والإبل والحمير إلخ – كلها دلائل على أن اللون العربي والرائحة العربية والخُلُق والعنف والتقاليد والعادات والبيئة والمعيشة العربية أحاطت بالنواة المركزية للفكر الإسلامي.

يستمر سروش في عرضه العلمي المنهجي الواقعي فيقول (لا جدال في أن الإسلام لو نزل في اليونان أو الهند أو بلاد الروم بدل الحجاز لكانت عَرَضيات الإسلام اليوناني والهندي، المتغلغلة إلى أعماق طبقات النواة المركزية، تختلف اختلافًا كبيرًا عن الإسلام العربي ولوفَّرت الفلسفةُ اليونانيةُ المتينة، على سبيل المثال، أدواتٍ لغويةً ومناهجية ومنظومةً مفرداتية خاصة لنبي الإسلام لتغيِّر معالم خطابه، كما أن الإسلام الإيراني والهندي والعربي والإندونيسي اليوم، بعد قرون من التحولات والتفاعلات، تمثل أنماطًا من الإسلام يختلف بعضها عن بعض بشهادة أدبياتها ونتاجاتها . ولا تقف التباينات عند تخوم اللغة والظواهر، بل تمتد إلى أعماق الوعي والثقافة الدينية)

ثمة سؤالاً مهماً يخصنا نحن المسلمون، نستطيع ان نستنتجه من خلال الاسطر الماضية

1- هل الدين الاسلامي جامد أم متحرك؟

2- متفاعل أم ميت؟

أسئلة يجب ان يبحث بها المسلم بنفسه ولا يتركها لغيره، لكي يكتشف النتيجة بعقله الحي وليس بعقل انسان اخر ربما تملي عليه أهواءه لكي يداهن ويدلس فتكون النتيجة عكسية تماماً .

يزعم غالبية رجال الدين عندنا ان الاسلام لكل زمان ومكان ولطالما صدعوا الاذان بهذه المقولة الجوفاء، اذا كان فعلاً كما تدعون، لماذا الرجوع في كل فتاويكم وخطبكم واحاديثكم وحلالكم وحرامكم الى ما قبل التاريخ ؟ ما الذي يجعل القوانين غير الانسانية فاعلة الى يومنا هذا، كحد السيف والرجم والرمي من شاهق وقطع يد السارق والحرق والإغراق وغيرها؟ أين التفاعل مع الزمان والمكان في هذه الحدود التي يجب ان يقام عليها الحد؟

ثمة سؤالاً اخراً مهماً طالما نسمعه من خلال صيحات بعض الناس .ما الذي اخر العقل الاسلامي؟

انه الجمود على ذات الخطاب الذي كان قبل أكثر من الف وأربعمائة سنة جعل منا أحياء لكن يجب ان تغادر عقولنا الى عالم الموت .

الاسلام كان له بالامكان الانتشار افضل من الطريقة التي انتشر بها لو انه اتبع الاحياء وليس الاموات وأنّى له اتباع الاحياء وقد ساد الاموات هرميته ! لو اتبع المسلمون ابن رشد مثلاً، بالتأكيد كان حالنا افضل بكثير الان .

في مقدمة كتابه (نحو تأريخ مقارن للأديان التوحيدية) يقول الدكتور محمد اركون : مسكين ابن رشد ليس له حظ في عالمه العربي الاسلامي، الفقهاء المالكيون يدينونه في عصره ويبصقون على وجهه في المسجد الكبير أمام كل الناس عندما كان ذاهباً للصلاة مع ابنه، وفقهاء عصرنا يفعلون الشيء نفسه وتمتقع وجوههم ما ان تذكر اسمه في الوقت نفسه يتلقف الغربيون كلامه ومؤلفاته ويترجمونها ويبنون عليها نهضتهم . ثم يسألونك بعد كل ذلك، لماذا تاخر المسلمون وتقدم غيرهم ! .

هناك خطبٌ كبيرٌ لحق بالمسلمين وأوقف مسيرتهم وجعل منهم إضحوكة لزمن تفترس فيه غلمان الغرب العلوم والتكنولوجيا، بينما هم يفترسون أحدهم الاخر حد الموت، الذي أخر المسلمين هم قيادات المسلمين او علماء دينهم بالتحديد كان لهم الدور الكبير في تشظي الامة لتصل الى هذا الحال الذي نحن عليه الان .

الاعتقاد بان الخطاب الذي كان في عمق الجزيرة العربية يجب ان يستمر الى هذا العصر، خطاب ميت ويدل على ان المتصدين للدين غير مدركين لمعنى الرسالة السماوية . لم تأتي الاديان لكي ترغم الناس للولوج في ثقافة مغايرة او إعتقادات مختلفة الرسالة الربانية عموماً رسالة رحمة ومحبة تطلب من الناس الالتقاء والمشاركة وليس العكس . صحيح ان الذي لحق بهيكلية الاديان من تحريف وتزوير كبير لكن محورية الانسانية والتسامح يجب ان تبقى هي الرسالة الاصلية .

ويجب ان يقتنع القائمون على الدين ان الاستماتة لبقاء نفس القوانين وذات الخطاب سوف لن يجنوا منه الا تفسخاً للحالة الدينية والاجتماعية معاً .

عدم استخدام العقل يحيلك باللاشعور الى عدم المعرفة، ليست هذه قاعدة فلسفية لكنها واقعية تجريبية، فالتجربة تقول ان جميع المجتمعات تعتز بتراثها وتتسمك به الى حدٍ ما لكنها لا تنغلق عليه ولا تتوقف عنده بل تجاري الحديث وتتغير وتنشط لكي ترتقي، لأن المكتسب يكون في كثير من حالاته أنفع وأروع من الاصل، هكذا تطورت الامم بالبحث والتجربة والمغامرة في اكتشاف المجهول، المجتمعات الواعية لا تحرم الخوض بالتجارب الجديدة بل تشجع عليها وتحث الناس لها، لأنها تدرك ان رقي العقل البشري كفيل بكبر التجربة التي يخوضها الناس كما يقول جون لوك (العقل لوح فارغ تأتي التجربة لتخط عليه المبادئ والمعاني). وبما أن العقل لوح أردوازي فارغ وليس فيه أي أفكار، فإن السؤال المهم من أين يكتسب العقل أفكاره؟ هو سؤال يقول عنه لوك: عن هذا أجيب بكلمة واحدة: (من التجربة)

وبما ان اختلاف المجتمعات ثقافياً ومادياً وجغرافياً مرهون بالتجربة التي تحيط بالمجتمع أدى بها لكي تنصهر تلك المجتمعات مع مألوفاتها لتكوّن لها قالب من طابع حياتي خاص ومعتقد تنظم به امورها .

ليس هناك من مسوغ عقلي بأن الله يريد الناس ان تكون في شريعة واحدة (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ-;- وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)

لكن هناك أكثر من مسوغ ان الله يريد من الناس الانضباط والتقدم وليس الوقوف والاجترار .

 

مصطفى العمري

 

mustafa alomariفي طبيعة المجتمعات الساكنة شبه المخدرة هناك سلطة للضبط والهيمنة اللاهوتية فلا خوف ان تخترق نظريات المعرفة ومفاهيم التجديد طلائهم العام ولا خوف عليهم من أيدلوجيا الميول نحو فلسفة امانويل كانت او هوبز او جون لوك او ماركس.. بالتأكيد ستجد كل هذه المعارف مكانها النهائي في سلّة المهملات التي تعوّد المجتمع الجامد ان يسحقها بحوافر لا ترحم صوت الاستغاثة ولا تتريث عندما يصرخ العقل، كل من خالف الطريقة العامة للمجتمع او لم يسر وفق السياقات المعروفة سيكون تحت أقدام الفيلة . فيلة يرهبها صوت العقل وتخيفها الكلمة، كلمة وان كانت مقرونة بعطر الله لكنها ستشكل هيكلاً مخيفاً طالما فيها دعوة للتغيير او للمراجعة النقدية الحقيقية . سيرة المجتمعات عموماً تكاد تكون متشابهة في قابلياتها الادراكية في الرؤية الأحادية للأخر المختلف، فعادةً ما نسمع الكلام المحبوك بصياغة غير معرفية وبحروف تقطر غلّاً على المجتمع الاخر الذي يختلف عنّا في تفاصيل حياته وعيشه وسلوكه في التدين، ولذلك هو مختلف ولأننا لا نفهم طبيعة الاختلاف نتصور أن الاخر المختلف عنا هو ضدنا، لهذا السبب لم اسمع في مجتمعي من يثني على المجتمع الاخر المختلف، بل هناك دعوات متصاعدة للمجتمع الاخر ان يذوب بمجتمعنا بعاداتنا وتقاليدنا، لبسنا وبكيفية الاكل عندنا . هذه التجاذبات التي تزعم انها دائماً الأفضل والأقرب الى الحقيقة، لا تحرك في طبيعة المجتمع الجامد لأنها صيحات خارج الاطار المعرفي للمجتمع الواحد وان كان لها تأثير فلا يعدو ان يكون نسبياً لا تستطيع الأرقام الحسابية من اكتشافه .

المجتمعات الناهضة تشتغل من داخلها فتكرر افكارها ثم تحاول تطبيقها في الشارع العام .

في المجتمع الاسلامي العربي بالتحديد هناك معوقات قاهرة يتطلب عبورها مجازفة ربما تودي الى الموت، هذه المعوقات للفكر والنهضة أحالت المجتمع الى شبه ميت وعادةً ما يتمسك اشباه الاموات بالاموات لذلك تمسك المسلمون بكل ماهو ميت وقديم .

في كتابه تكوين العقل العربي يقول محمد عابد الجابري (العقل العربي كان وما يزال عقلاً فقهياً عقل تكاد تقتصر عبقريته في البحث لكل فرع عن اصل لكل جديد عن قديم يقاس عليه وذلك بالاعتماد على النصوص)

هذا العقل الفقهي الذي يستمد صلاحيته من القديم غير المؤصل أصلاً، جعل الحاضر والمستقبل رهينٌ للماضي، فبدل ان نرحل نحو التقدم واذا بنا نهاجر نحو الماضي، نحو الاموات، باتجاه قال فلان عن فلان، وبهذه الطريقة التي ظاهرها التقرب الى الله انسحق المجتمع العربي الاسلامي . المغادرة نحو القديم في جميع الجزئيات حوّل البيئة الاسلامية كالذي يسير الى الامام لكن رأسه للخلف .

الدعوة للاندماج المطلق مع اي ثقافة خطأ، والاندماج مع التأريخ خطأ أيضاً،الحاصل في ثقافتنا ان الحاضر والمستقبل يجب ان يرحل نحو الماضي.

انا ادعو للاستفادة من النهضة الغربية ولندع مزابل التاريخ لانها نتنة.

انا ادعو لان تكون انت صديقي المقدس والمحترم والذي يجب الحفاظ عليك وليس نصوص تأتيني من عمق الماضي لتجعل حاجزا بيني وبينك،  انا أؤمن بالانسان الفاضل فهو المقدس الوحيد في هذا الكون.

مغادرة الماضي والانعتاق من الاوبئة مرهون بوعي الجماعات المتطلعة نحو التقدم وليس المنقادة خلف بعض رجال الدين الجهلاء او المستفيدين من الدين لتكريس الجهل .

في طبيعة التقدم والنضج لا تكتفي الامم بشخص لكي يقود المرحلة، بل بتظافر الجهود والنزول من المثال الى الواقع، والواقع العربي يحتم علينا ان ننظر الى الامام لكي نستشرف المستقبل .

 

مصطفى العمري

 

bobaker jilaliمقدمة: يحمل مشروع "التراث والتجديد" عند "حسن حنفي" هموم الإنسان فكرا وواقعا ووطنا في العالم العربي المعاصر، يقاوم لإبداء الموقف الحضاري الدقيق من التراث العربي الإسلامي ومن التراث الغربي ومن الواقع بأبعاده الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والثقافية والفكرية والفلسفية وغيرها، هذا الاجتهاد يتمّ بصورة لا تخلو من الانسجام والنسقية بين الجبهات التي فتحها المشروع، وهو يسعى للإمساك بشروط تجاوز التخلّف الفكري والاجتماعي، وأوّلها الانسجام بين العقل والتراث والواقع والآخر، من خلال الانتقال من التراث إلى التجديد، في سياق العصر ومن منظور معاصر، فما مدلول التجديد في التراث والتجديد؟ وأين وكيف يجري التجديد من منظور التراث والتجديد؟.

 

1- التجديد في مشروع التراث والتجديد

يمثل التجديد ظاهرة مهمّة جدّاً وضرورية لكل فكر يسعى إلى التحوّل أو عمل يسعى إلى التطوّر انطلاقاً من تغيير ظروفه وعناصره، ما دامت كلمة تجديد (innovation) مصدر لفعل جدّد، يجدّد والمصدر تجديد، "وجدّد الشيء صيّره جديداً، والتجديد إنشاء شيء جديد أو تبديل شيء قديم، وهو مادي كتجديد الملبس والمسكن أو معنوي كتجديد مناهج التفكير وطرق التعليم، ويغلب على التجديد أن يكون مذموماً في المجتمعات الزراعية الشديدة التمسك بتقاليدها،وأن يكون محموداً في المجتمعات الصناعية التي تقدّس روح الاختراع."[1] وإذا كان التجديد عند 'أندريه لالاند' هو: "Innovation : Production de quelque chose de nouveau."[2]

فالتجديد في تعريف 'لالاند' هو إنتاج شيء جديد قد يكون مادياً وقد يكون معنوياً. لكن التجديد لا يرتبط بالأشياء المادية والمعنوية فقط بل يعني تبديل شيء قديم، والشيء الذي يجري عليه التبديل هو الآخر قد يكون مادياً وقد يكون معنوياً كتبديل الكوخ الطيني بالمسكن الإسمنتي، وكتبديل طريقة العرض والإلقاء بطريقة الحوار في التعليمية.

والتجديد في معناه يرتبط بعدة مفاهيم تتطلبه ويتطلبها، فهو لا يقوم بدونها، بعضها يمثل شرطاً سابقاً عليه و بعضها يمثل عنصراً ملازماً له والبعض الآخر يمثل نتيجة حتمية له. فمفهوم التغيّر والذي يعني انتقال الموضوع أو الشيء من حال إلى حال، ومفهوم التحوّل الذي يعني تغيير يصيب الشيء أو الشخص في ماهيته أو في صفاته العرضية، ومفهوم التقدّم الذي يعني السير إلى الأمام وعدم الثبات، وهو عند الفلاسفة تقدم بالطبع وتقدم في الزمان وفي الرتبة وتقدم بالشرف وبالعلة. ومفهوم التطور الذي يعني تحول الموضوع أو الشيء من طور إلى طور وهو لدى الفلاسفة متعدد فهو النمو أو التبدل الموجّه أو الانتقال من البسيط إلى المركب أو الارتقاء من الأدنى إلى الأعلى وضد التطوّر التكوّر الذي يعني التقبض والتقلص والتّضام والتراجع، ومفهوم الإبداع الذي يعني إنشاء الجديد من القديم وهو كشف واختراع. وارتباط مفهوم التجديد بهذه المفاهيم من خلال علاقة التلازم والتكامل يدل على أن التجديد في الحضارة هو فاعلية إنسانية ترتبط بعدة فاعليات أخرى، هذه الفاعليات بعضها يمثل شرطا ضروريا لحصول التجديد في التاريخ والحضارة.

فضرورة التجديد في ارتباطه بالمفاهيم التجديدية الأخرى، ولا يمكن الاستغناء عنها في حياة الفرد والمجتمع داخل التاريخ ولبناء النهضة والحضارة، خاصة إذا عرفت حياة الأمة مثل الأمة الإسلامية والعربية ظاهرة التكوّر لا التطور وهي أمّة تملك من الإمكانات ما يمنحها الأهلية الحضارية والريادة التاريخية مادياً ومعنوياً، فلها من الماضي والتاريخ صفحات مشرقة وبيضاء وهو تراثها العتيق العتيد، ولها من الثروات المادية الكثير المتنوع، لكن واقعها فاسد مادياً ومعنوياً، لا هي استطاعت أن تحافظ على تراثها وقيّمها وماضيها بالرغم من دعوات الأصالة والمحافظة والتقليد وهو موقف التيار التراثي ولا هي استطاعت أن تعيش عصرها وتعيش ما فيه من تقدم علمي وتكنولوجي وفكري بالرغم من دعوات الحداثة والتغريب وهو موقف التيار اللاتراثي، وعجزت عن التوفيق بين الاثنين في وقت مطالبة بعدم التفريط في الماضي وبعدم التفريط بالعصر وظروفه خاصة وهي أمة تراثية، التراث حيّ فيها في مجال الشعور القومي والفردي وفي داخل اللاشعور القومي والفردي. وأمام تيار التواصل مع التراث إلى درجة الانقطاع عن العصر وتيار التواصل مع العصر إلى درجة الانقطاع عن التراث وتيار التوفيق أو التلفيق بين التراث والعصر بغير إيجابية وفعّالية لا من جهة التراث ولا من قبل العصر، يقوم مشروع'التراث والتجديد' لطرح قضية التراث كأساس وشرط وقضية التجديد كمنهج وميدان وعلم داخل مشروع حضاري قومي من شأنه يحلّ أزمة العالم العربي والإسلامي المعاصر بأسلوب علمي التزامي بعيداً عن الأحادية في المنظور وفي المنهج والدراسة والنتائج، فهو مشروع يؤسس للتغيير الاجتماعي من خلال منهج أو نظرة تجمع بين التراث والتجديد بكيفية جديدة لا تسمح بسيطرة التراث بمفرده أو سيطرة العصر بمفرده أو سيطرة التغليف و التلفيق مثلما هو الحال في النماذج السائدة والمشاريع القائمة والتي لم تستطع حتى الآن تجاوز وضعية التخلف وأزمة التحضر في العالم العربي والإسلامي المعاصر.

في كثير من الأحيان تكون المشكلة في اتجاهات الفكر العربي والإسلامي المعاصر في المفاهيم، لذا يؤكد صاحب مشروع 'التراث والتجديد' على ضبط مفهومي التراث والتجديد. إن نقطة الانطلاق في المشروع هو التراث وليس الغرض من ذلك تجديده لأجل المحافظة عليه وعلى أصالته، "بل من أجل المحافظة على الاستمرار في الثقافة الوطنية، وتأصيل الحاضر، ودفعه نحو التقدم، والمشاركة في قضايا التغيير الاجتماعي. التراث هو نقطة البداية كمسؤولية ثقافية وقومية، والتجديد هو إعادة تفسير التراث طبقاً لحاجات العصر، فالقديم يسبق الجديد، والأصالة أساس المعاصرة والوسيلة تؤدي إلى الغاية التراث هو الوسيلة، والتجديد هو الغاية، وهي المساهمة في تطوير الواقع، وحلّ مشكلاته، والقضاء على أسباب معوقاته وفتح مغاليقه التي تمنع أيّة محاولة لتطويره."[3]

فالتجديد في ارتباطه بالتراث يجعل التراث ليس هو غاية في ذاته أو قيمة في ذاته، مجرد متحف للأفكار نتغنى ونفتخر بها بل مادة حيّة تعطي النظرية العلمية في تفسير الواقع والسعي إلى تطويره، ونظرية للعمل ومحددا للعمل ومحددا وموجهاً لسلوك الإنسان ومادة قومية تُكتشف وتُستثمر لإعادة بناء الإنسان وعلاقته بالأرض، فالتخلف بمختلف مظاهره وفي جميع قطاعات الحياة يعود إلى غياب مشروع حضاري قومي محكم وإلى غياب ثورة إنسانية في الوعي والفكر، والثقافة سابقة على الثورة في الزراعة أو الصناعة أو غيرها، "فالنهضة سابقة على التنمية وشرط لها والإصلاح سابق على النهضة وشرط لها والقفز إلى التنمية هو تحقيق لمظاهر التقدم دون مضمونه وشرطه. 'التراث والتجديد' إذن يحاول تأسيس قضايا التغيّر الاجتماعي على نحو طبيعي و في منظور تاريخي، يبدأ بالأساس والشرط، قبل المؤسس والمشروط."[4]

المنهج السائد في التعاطي مع التراث يعيق تجديد التراث وتحويله إلى ذخيرة فردية وقومية تضطلع بإعادة بناء الإنسان انطلاقاً من الإصلاح، فالنهضة فالتنمية فالتقدم. وإذا كان الغرب الحديث ابتدأ نهضته العلمية من الواقع باعتباره مصدر الفكر الأول والأخير، فإن تراثنا جزء من الواقع حيث مازلنا نعيش بفكرة القضاء والقدر وثنائية الله والعالم وبتصور الكلي والجزئي في النظري على حساب العملي، وبالقيّم السلبية في التصوف مثل الصبر والتواكل والقناعة والتسليم، وتتشعب المناقشات في الفروع التي لا تغيّر شيئاً في الواقع. فالتراث ما زال حياً في شعور العصر ووجدانه، يمكن للتراث أن يؤثر في العصر ويكون محدداً وموجهاً للسلوك فيه، و"تجديد التراث إذن ضرورة واقعية، ورؤية صائبة للواقع، فالتراث جزء من مكونات الواقع وليس دفاعاً عن موروث قديم، التراث حيّ يفعل في الناس ويوجّه سلوكهم، وبالتالي يكون تجديد التراث هو وصف لسلوك الجماهير وتغييره لصالح قضية التغير الاجتماعي. تجديد التراث هو إطلاق لطاقات مختزنة عند الجماهير بدلاً من وجود التراث كمصدر لطاقة مختزنة... تجديد التراث هو حلّ لطلاسم القديم وللعُقد الموروثة وقضاء على معوقات التطوّر والتنمية والتمهيد لكل تغيّر جذري للواقع، فهو عمل لا بد للثوري من أن يقوم به."[5]

وتجديد التراث لا يكون إلا بتحليله، وتحليل التراث هو تحليل للعقلية القومية المعاصرة وإظهار مكوناتها وعناصرها وأسباب ضعفها وتخلفها، وتحليل العقلية القومية المعاصرة وهي عقلية تراثية تاريخية فهو تحليل للتراث ذاته مادام التراث القديم مكوناً رئيسياً في العقلية المعاصرة، وهذا من شأنه يسمح برؤية الحاضر داخل الماضي ورؤية الماضي داخل الحاضر، فالتراث والتجديد في المشروع يؤسسان حسب 'حسن حنفي' علما جديداً "وهو وصف للحاضر وكأنه ماض يتحرك، ووصف الماضي على أنّه حاضر معاش خاصة في بيئة كتلك التي نعيشها حيث الحضارة فيها مازالت قيمة، وحيث الموروث مازال مقبولاً... ولما كان التراث يشير إلى الماضي والتجديد يشير إلى الحاضر، فإن قضية التراث والتجديد هي قضية التجانس في الزمان وربط الماضي بالحاضر وإيجاد وحدة التاريخ... فلا يعني انتقال شعب ما من مرحلة إلى أخرى حدوث قطع أو انفصال حضاري بل يعني استمرار الحضارة ولكن على أساس جديد من احتياجات العصر، قضية التراث والتجديد هي إذن الكفيلة بإظهار البعد التاريخي في وجداننا المعاصر واكتشاف جذورنا في القديم... التراث والتجديد يمثلان عملية حضارية هي اكتشاف التاريخ وهو حاجة ملحّة ومطلب ثوري في وجداننا المعاصر. كما يكشفان عن قضية البحث عن الهوية عن طريق الغوص في الحاضر... عن طريق تحديد الصلة بين الأنا والآخر."[6]

ومسألة تجديد التراث هي مسألة إعادة جميع الاحتمالات في القضايا المعروضة، وإعادة الاختيار حسب متطلبات الحياة في العصر الحاضر، "فلم يعد الدفاع عن التوحيد بالطريقة القديمة مفيداً ولا مطلوباً، فكلنا موحدون منزهون، ولكن الدفاع عن التوحيد يأتي عن طريق ربطه بالأرض، وهي أزمتنا المعاصرة."[7] وإذا كان التشبيه أو التجسيم اختياراً قديماً غير مقبول، قد يحرك العقول والقلوب نحو الربط بين الله والأرض، بين الله وفلسطين. وإذا كان الفصل قديماً بين الله والعالم والإنسان جزء من العقل هذا الفصل يبرره الدفاع عن الألوهية ضد الثقافات والفلسفات الأخرى، أما حال عصرنا مختلف فأصبحت المأساة هي التراث والتعاطي معه، فسيطرة الفكر الأشعري لمدة أكثر من عشر قرون وكان إحدى معوقات العصر آنذاك لأنه قام على التصور الرأسي للعالم لا التصور الأفقي الذي جعل البديل في الاختيار الاعتزالي الذي بلغت بوجوده الحضارة الإسلامية أوجها وقوتها لأنه الاختيار الذي يعبّر عن حاجات ذلك العصر ومتطلباته. وكان أكثر سلبية لمطالبه. 'فالتراث والتجديد' "إذن هي إعادة كل الاحتمالات القديمة بل ووضع احتمالات جديدة واختيار أنسبها لحاجات العصر، إذ لا يوجد مقياس صواب وخطأ نظري للحكم عليها بل لا يوجد إلاّ مقياس عملي فالاختيار المنتج الفعّال المجيب لمطالب العصر هو الاختيار المطلوب. ولا يعني ذلك أن باقي الاختيارات خاطئة بل يعني أنها تظل تفسيرات محتملة لظروف أخرى، وعصور أخرى ولّت أو مازالت قادمة."[8]

لا يجوز القول بأن حضارتنا حضارة وحدة لا تنوع واتفاق لا اختلاف، فتراثنا القديم قدّم جملة من الاحتمالات. فالاجتهاد مثلاً ليس هو منهجاً في أصول الفقه فقط فهو كذلك منهج في أصول الدين ووظيفته لا تقتصر على القياس بل كذلك اختيار النظريات المناسبة للعصر ولروحه. وروح العصر أو احتياجات العصر أو الواقع المعاصر لا يعني الإشارة إلى جماعة بشرية ما بل الإشارة إلى تركيبات نفسية وأبنية اجتماعية، هذه التركيبات وهذه الأبنية هي التي تحدد الهوية. وأي تفسير ينطلق من العنصر أو القومية أو الجنس فهو تفسير تابع للهوى والمزاج ولا صلة له بالعلم وبتحليل الواقع، وقد يكون تفسيراً منحرفاً عن الموقف الحضاري وتابعاً في مساره لمسار بيئة الحضارة الغربية وظروفها الفكرية والمادية. كما يصعب التحليل في تناول قضية 'التراث والتجديد'. فتحليل القديم يؤدي إلى الأكاديمية والتعالم والانعزال عن الواقع. وتحليل الواقع المعاصر يُجرد البحث من التراث القديم ويصبغه بصبغة اجتماعية معاصرة بحتة، فمعادلة تحليل التراث والواقع تقتضي تحليل التراث وليس تركه وتقتضي تحليل الواقع دون عزل التراث عن واقعه الذي يتحرك بفعل التراث.

وتجديد التراث ليس بدافع عاطفة التبجيل والتقديس والتعظيم بل كون الإنسان الذي يجدد ينتمي إلى أرض ما وإلى شعب ما ويشرح 'حسن حنفي' هذا الموضوع قائلاً: "لذلك أتأسف كل التأسف لغياب هذا الطابع الوطني من معظم دراسات معاصرينا في التراث وكأنهم لا يعيشون عصرهم أو أي عصر بالمرّة. وربما يرجع ذلك إلى أن الدافع على التأليف هو الكتاب الجامعي المقرر أو على أكثر تقدير الحصول على درجة علمية دون الالتزام بأي هدف أو مجرد الشهرة والتشرف بقضية يتاجر بها المشاهير على صفحات الجرائد بغية التصدر والزعامة، وهم أقرب الناس إلى الارتزاق والعهر الفكري."[9] فتجديد التراث ليس مطلوباً لذاته بل هو أداة للبحث عن العصر وروحه والسعي إلى تطويرها من خلال دراسة البعد الاجتماعي فيه فهو جزء من علم الاجتماع الديني أو علم الاجتماعي الحضاري. وتجديد التراث لا يبحث في نشأة التراث، "والمجدد هنا كعالم الحديث مهمته البحث عن صحة الحديث في التاريخ وليس عن مصدر الحديث في النبوة وصدقها."[10] وإذا كان التراث قضية شخصية قومية يلتزم الباحث بالتراث بحيث يصير هو والموضوع المدروس أمرا واحدا. ولا يُنقص الالتزام هنا من موضوعية وحياد الباحث المجدد فالالتزام هو نفسه موضوع العلم وبذلك "تتكشف المشاكل القديمة في شعور الباحث المعاصر كمشاكل شخصية في حياته وحيوية ثقافته الوطنية، ويتحول التراث القديم بالفعل إلى مشكلة الثقافة الوطنية، فهو مصدر الثقافة باعتباره مخزوناً نفسياً موجّهاً لسلوك الجماهير، وهو موجّه نحو الواقع باعتباره أسسا لنظرية ممكنة للتغيير والتنمية وإذا كانت ثقافتنا الوطنية تتأرجح بين القديم والجديد، بين الماضي والحاضر، فإن تجديد التراث يعطي لثقافتنا الوطنية وحدتها الضائعة وتجانسها المفقود."[11]

والتساؤل عمّا يقدمه 'التراث والتجديد' بالنسبة للمنهج والعلم والميدان يقرّر صاحب المشروع بصعوبة تصنيف التجديد بين هذه الأطر الثلاثة، فالمنهج علم يؤسس للعلم والعلم المؤسس ميدان. فتحليل الواقع وبداخله التراث وتحليل التراث على أنه مخزون نفسي واجتماعي يهدف إلى تحليل الواقع، 'فالتراث والتجديد' "إذن يغطّي ميادين ثلاثة:

1- تحليل الموروث القديم وظروف نشأته ومعرفة مساره في الشعور الحضاري.

2- تحليل الأبنية النفسية للجماهير وإلى أي حد هي ناتجة عن الموروث القديم أو من الأوضاع الاجتماعية الحالية.

3- تحليل أبنية الواقع وإلى أي حد هي ناشئة من الواقع ذاته ودرجة تطوره أم أنّها ناشئة من الأبنية النفسية للجماهير، الناشئة بدورها عن الموروث القديم، وإن شئنا فالتراث والتجديد يودّ الانتقال من علم الاجتماع المعرفة إلى تحليل سلوك الجماهير. أي من العلوم الإنسانية إلى الثقافة الوطنية ومن الثقافة الوطنية إلى الثورة الاجتماعية والسياسية."[12]

وقضية تجديد التراث ليست جديدة، تناولها العديد من المصلحين الدينيين والمفكرين المعاصرين لكن التحليل جاء إمّا جزئياً أو للتعبير عن الأماني والنيات الحسنة وإما جاء خطابها حماسياً وإما جاء في قوالب وأُطر التراث الغربي. وتجديد التراث ليس مهمة فرد بل دور كافة المثقفين وجميع الباحثين، فجوانب التراث متعددة ومتنوعة وتحتاج إلى التخصص كل في مجاله. والنمو الحضاري لأي مجتمع كان يحصل بالإبداع الحضاري في الفن والسياسة، "أو في الروح العامة باسم 'المحافظة والتقدم'، فالنمو بطبيعته هو خروج الجديد من براعم القديم، مشكلة خطيرة إذن لو استطاع المجتمع النامي دراستها دراسة علمية لحافظ على تجانسه في الزمان، ولتأكّد من إرساء قواعد ثورية واطمأنّ إلى مسارها العلمي."[13]

 

2- ميادين التجديد

يطرح 'حسن حنفي' إشكالية التراث والتجديد في وضعها الحالي من خلال الاتجاهات التي تتنازعها لأجل حلها وهي ثلاثة اتجاهات:اتجاه يكتفي بالحل الذاتي التراثي فيقع في العجز والنفاق والنرجسية. واتجاه يرفض الحل الذاتي التراثي ويأخذ بالحل الخارجي المستورد للجديد فيقع في القصور والتقليد والازدواجية. أما الاتجاه الثالث، فلا يأخذ بالحل التراثي الذاتي بمفرده ولا بالحل المستورد بمفرده بل يوفّق بين الحلّين طلباً للتوازن والاعتدال من خلال الجمع بين القديم وما يتفق مع العصر، وإرجاع الجديد لمقاييس القديم فيكون فيه التجديد من الخارج من خلال ظاهرة الانتقائية من الفكر الأوربي الحديث والمعاصر ثم قياس التراث عليه أو التجديد يكون من الداخل من خلال إظهار الجوانب المشرقة في التراث القديم المنقول واستثمارها في تلبية متطلبات العصر وحاجات الواقع المعاصر مما يحتاجه من تغير اجتماعي وتقدم في مجالاته المختلفة. لكن لا توجد محاولة واحدة من هذه المحاولات استطاعت أن تعي الأزمة، أزمة التراث والتجديد وتبني مشروعاً حضارياً قومياً يعالج قضية التراث والتجديد من جذورها ويصل إلى حل الأزمة من خلال الموروث والوافد في الواقع المعاصر.

ومما زاد مشكلة التراث والتجديد تعميقاً وتفاقما كما هي في وضعها الحالي، أزمة البحث العلمي في الواقع العربي والإسلامي المعاصر وهو ما يعرف بأزمة أو مشكلة المنهج في الدراسات الإسلامية. بحيث تضاف أزمة البحث العلمي في التراث والتجديد إلى أزمة التغيير الاجتماعي وهي أزمة ثورة. فسيطرت النعرة العلمية كما يريدها الغرب على الدراسات والبحوث في مجتمعاتنا، بمناهجها وأساليبها مما ألحق الخلل والجمود في دراسة ثقافتنا الحالية أو موروثنا القديم سواء باستخدام المنهج التاريخي أو التحليلي أو باستخدام الإسقاط وفكرة الأثر والتأثر وهي مناهج ارتبطت أساساً بعمل الاستشراق والمستشرقين وبدعواتهم وأغراضهم. من جهة أخرى شهدت النزعة الخطابية التي سيطرت على بحوث ودراسات المفكرين والباحثين من أبناء العالم العربي والإسلامي نفس النتائج في الخلل والفساد وغياب مشروع حضاري واضح المعالم ومجدد المنطلقات والمرامي، ذلك لسيطرة التكرار والاجترار والتقريظ والدفاع والتبرير والجدل والمهاترات ووصل كل من أصحاب النزعة العلمية وأصحاب النزعة الخطابية إلى باب مسدود في التعاطي مع أزمة التراث والتجديد فغاب الحل و بقيت الأزمة قائمة.

يؤكد 'حسن حنفي' أن أزمة البحث العلمي في العالم العربي والإسلامي لا تُحل بأي منهج من المناهج الثلاثة السابقة بل يتم بطرق أخرى عديدة تتعلق بأبعاد التفكير المعروفة، بعد اللفظ وبعد المعنى وبعد الشيء، وتجديد التراث يحتاج إلى لغة جديدة تماماً تكون خالية من عيوب اللغة القديمة وقصورها وحتى عادت اللغة القديمة غير مواكبة تماماً للعصر وللتقدم العلمي التكنولوجي والاجتماعي المستمر، فالعصر في حاجة إلى لغة فعّالة وإيجابية تتميز بأن تكون عامة و مفتوحة وعقلية ولها ما يقابلها في مجال التجربة والمشاهدة والحس وأن تكون إنسانية لا محلية ضيّقة. وفي إطار التجديد اللغوي ضرورة تتبع الأساليب الثلاثة: أسلوب الانتقال من اللفظ القديم إلى لفظ جديد أو أسلوب الانتقال من المعنى الضمني في اللفظ القديم إلى لفظ جديد وأسلوب الانتقال من الشيء أو الموضوع المشار إليه إلى لفظ جديد. هذا في مجال منطق التجديد اللغوي أما في مجال تحليل التراث وتفكيكه في نشأته وعند أصحابه وفي تكوينه في ظروفه التاريخية تمكين الانتقال إلى مستوى التحليل الشعوري أو الظاهراتي وهو مستوى حديث للتحليل يمثل المنظور الذي يُقرأ منه التراث وهو مستوى موجود في التراث القديم بجميع جوانبه ابتداء من الوحي القرآن والسنة فاجتهادات العلماء إلى العلوم المختلفة إلى الثقافة الشعبية في صورتها البسيطة. وهذا التجديد في منطق اللغة في مستوى التحليل لا ينجح إلاّ بتغيير البيئة الثقافية، وواقع البيئة الثقافية يمثل مستوى ثالث للتحليل لأن الثقافة التقليدية نشأت في ظروف وأوضاع خاصة بها والتجديد المطلوب والمستورد في عصرنا لحياتنا الفكرية والثقافية والنظرية له ظروفه وأحواله المعاصرة، فإن لم تتغير البيئة الثقافية الحالية في عصرنا وهي بيئة كلاسيكية، بيئة القدماء فيكون التجديد في هذه البيئة مجرد وهم لأنه ليس تجديداً بل تكرار وإعادة لبيئة ماضية واعتبارها جديدة. فلا يتم التجديد بالظروف والأوضاع الثقافية والفكرية الحالية في واقعنا المعاصر، بل يشترط تغيير بيئتنا الثقافية لينطلق التجديد الفعلي من خلال قراءة القديم وتجريده من كافة الشوائب التي اتصلت به وإعادة بنائه داخل الشعور وتحرير المعاني لتتجاوز ألفاظ النص أي بواسطة تحليل القديم وتنقيته وإعادة بنائه وتحليل الواقع المعاصر بنظرية التفسير ثم مقابلة القديم بالواقع، "أو تركيب الأولى عن الثانية وتأسيس الموضوع المثالي على الواقع العصري وإعطاء النفس بدناً، والروح طبيعة، والفكر واقعاً، والله عالماً، وهنا لا يخطأ الباحث، فهو ليس مسئولا عن الموضوع المثالي ولا عن روح العصر وإنما مسؤوليته في توجيه أحدهما بالثاني والربط بين القديم والجديد، وإحياء التراث، وتأصيل العصر."[14]

يرتبط التجديد بكل جبهة من الجبهات الثلاث، جبهة التراث وجبهة الآخر وجبهة الواقع. وكل جبهة من الجبهات الثلاث ترتبط بموقف حضاري ما، يتبلور فيه التجديد ويقوم بداخله النهوض الحضاري تغييرا للوضع الحالي لمشكلة التراث والتجديد والموقف الحضاري بأبعاده الفكرية والتاريخية، بُعد التراث والماضي وبُعد الآخر وثقافته وبُعد الواقع وتحدياته يمثل الميدان الواسع للتجديد والإبداع كما يمثل الساحة الكبرى للمعارك الثلاث في الجبهات الثلاث. والموقف الحضاري بأبعاده الثلاثة الأنا والآخر والواقع يرتبط من جهة أخرى بالزمان، فيرتبط في الموقف الحضاري بُعد الحاضر بالواقع ومتطلباته وتحدياته ويرتبط الماضي بالتراث وجوانبه المشرقة والمظلمة، كما يرتبط المستقبل بالآخر وثقافته وأمام هذه الثلاثية النظرية والزمنية يحتاج التجديد إلى أن يكون في كل ميدان من هذه الميادين الثلاثة، الميدان التراثي، وميدان علاقة الأنا بالآخر وميدان الواقع.

بالنسبة لميدان التراث، فمجتمعاتنا تراثية تاريخية، تعيش بالتراث وعلى التراث فهو مخزونها النفسي الذي يؤثر في سلوك أفرادها شعورياً ولاشعورياً، وتجديده أمر ضروري، ولما كانت الأزمة هي أزمة التغيير داخل المجتمع أو أزمة ثورة، وأزمة منهج البحث والدراسة وأزمة البحث العلمي، ولما عجزت المناهج والاتجاهات القائمة حالياً عن التجاوب الايجابي والفعّال في حلّ هذه الأزمة صار من الضروري تجديد الموروث القديم بطرق وأساليب تسمح بالتعاطي مع هذه الأزمة بفعالية ونجاعة، والخروج من الوضعية التي تجعل أقصى جهد البحث هو "إعادة الاختيار بين البدائل التي وُجدت عند القدماء دون إبداع بديل جديد من وحي العصر. ينتقي مما هو موجود ولكنه لا يضيف إليه شيئاً، وبالتالي يظل الفكر محكوماً بالبدائل القديمة، ومع ذلك قد تكون إعادة الاختيار بين البدائل بداية الاجتهاد ولكنها ليست نهايته."[15] والتجديد في التراث يخص أساساً العلوم التراثية وهي عقلية نقلية تتمثل في علم أصول الدين وعلوم الحكمة (الفلسفة) وعلم أصول الفقه وعلم التصوف، وأخرى نقلية وهي علوم القرآن وعلوم التفسير وعلوم الحديث والسيرة والفقه، أما العلوم العقلية فهي الرياضة وعلوم الطبيعة والعلوم الإنسانية. فتجديد هذه العلوم يتمثل في إعادة بنائها وتحويلها إلى طاقات متفجرة في الحاضر تشارك في بنائه بإيجابية وفعاّلية، وفي هذا يقول 'حسن حنفي': "ولما كان التراث يرتكز في شعور الناس على تراث السلطة، الأشعرية في العقيدة، وليس الاعتزال، والاشراقية في الحكمة وليس العقلانية، والنصية في أصول الفقه وليس المصلحة، والأحوال والمقامات السلبية وليس الإيجابية كانت مهمة إعادة التراث هو إعادة التوازن في شعور الناس وثقافة الجماهير بين تراث السلطة وتراث المعارضة العقلاني الاعتزالي الفلسفي، والوضعي الفقهي والاجتماعي الصوفي حتى تنشأ حركات التغير الاجتماعي من الداخل وليس من الخارج، بتراث الأنا وليس بتراث الغير. فيحدث التغير الاجتماعي من خلال التواصل وليس من خلال الانقطاع، ويقع التراكم التاريخي المتصل دون الوقوع في الردّة والانكسارات والعودة إلى الصفر باستمرار."[16]

حسب 'حسن حنفي' فإن طرق ومناهج التجديد الثلاثة المقترحة وهي منطق التجديد اللغوي، ومنطق التحليل الشعوري ومنطق تغيير البيئة الثقافية عامة تشمل التراث برمّته وتوجد طرق خاصة يمكن بها إعادة بناء كل علم من العلوم التراثية على حدة الذي هو ميدان التجديد والإبداع. هذه الطرق تتمثل في 'منطق التفسير' و'منطق الظواهر' و 'منطق التقييم' و'منطق التجديد'. وإعادة بناء العلوم الدينية العقلية الغرض من ذلك اكتشاف الوحي وكيفية تحوّله إلى علوم عقلية، "حتى يمكن أن يكون مثالاً للمحاولات الحالية لتحويل الوحـي إلى عـلم محـكم... وفي إعادة بناء العلوم يمكن أن يوضع كل شيء موضع التساؤل من جديد، ولكن تظلّ نقطة البداية هي الوحي الموجود بالفعل في الكتاب... وكل المشاكل التي تعرضها العلوم التقليدية تحتاج إلى إعادة بناء."[17] أن العلوم التراثية كلها صدرت من الوحي وشقت طريقها نحو الإبداع والتجديد فعلم الكلام حوّل النص إلى معنى دون أن يتصل بحضارة أخرى بل بجهد داخلي. والفلسفة استطاعت أن تقدم نظريات شاملة وأقسام عامة هي الإلهيات والطبيعيات والمنطق. وقدّم أصول الفقه منهجاً خارجياً عن الفلسفة وأصول الدين في التشريع، وجاء التصوف يستخدم التأويل ويقدم منهجاً صاعداً من الله إلى العالم في مقابل أصول الفقه أو التنزيل كمنهج نازل من الوحي إلى العالم. والعلوم العقلية البحتة الرياضية والطبيعية والإنسانية فهي لم تصدر من الوحي لكن لها بواعثها في الوحي والحضارة مثل الدعوة إلى التأمل والبحث والتجريب. أما العلوم النقلية فهي قامت من أجل ضبط الوحي تدويناً وتفسيراً وإعادة بناءها تسمح باكتشاف دلالات جديدة للعلوم القديمة وتلبية متطلبات العصر من خلالها. والعلوم التراثية لما كان مصدرها الوحي فهي بعد تطورها صارت ظواهر فكرية من خلال ارتباطها بالشرعي والعقلي والواقعي وهذه الظوهر محتواه في الوحي وتعرف بعملية 'الاحتواء'.

كان الغرض من العلوم التراثية خاصة العقلية النقلية هو تحويل الوحي إلى نظرية أو علم أو منهج، وذلك من خلال ظاهرة توحيد العلوم التراثية لارتباط كل علم ببقية العلوم الأخرى تأييدا أو معارضة ونقداً، ويحدد 'حسن حنفي' طبيعة 'التراث والتجديد' بالنسبة لظاهرة توحيد العلوم فيقول: "فالتراث والتجديد مع أنه دراسة في الفكر إلا أنه يقوم على منهج فقهي بمعنى أنه يُطبق على الفكر القياس الفقهي، ويعتمد على الاجتهاد في الفكر... فالصالح العام هو الأصل وأحد مصادر الشرع ... 'التراث والتجديد' دراسة فقهية يقوم بها فقيه في الحضارة الإسلامية ككل وليس في الفقه وحده... فإذا كانت بداية العلوم العقلية التقليدية هو الوحي فإن نهاياتها هي الإيديولوجية. 'التراث والتجديد' في النهاية إن هو إلا تحويل للوحي من علوم حضارية إلى إيديولوجية، أو ببساطة تحويل للوحي إلى إيديولوجية. وارتباط الإيديولوجية بالواقع، وتعبيرها عن عصر معين لا يعني أنها متطورة ومتغيرة باستمرار، فالوحي أيضاً علم للمبادئ العامة التي يمكن بها تأسيس العلم ذاته وتأسيس العلوم الجزئية، والتي يمكن أن تكون الأساس العقلي للإيديولوجية. تكون مهمة 'التراث والتجديد' إذن تحويل الوحي إلى علم شامل يعطي المبادئ العامة التي هي في نفس الوقت قوانين التاريخ وحركة المجتمعات فالوحي هو منطق الوجود."[18]

فمهمة 'التراث والتجديد' في ميدان التراث لدى 'حسن حنفي' وبالنسبة للعلوم التراثية هو "دورنا في إعادة بنائها وتطويرها من واقع المسؤولية، فإن القدماء رجال ونحن رجال نتعلم منهم ولا نقتدي بهم، رسالتنا هي التبليغ والتعبير وإيصال الحقيقة للناس، وتقديم التراث لهم يقرؤون فيه حياتهم، ويجدون فيه هويتهم، لذلك يجد الباحث نفسه اليوم في مواجهة قضية اللغة والمصطلحات، ومستويات التحليل، والمحاور والبؤر الحضارية وإعادة الاختيار بين البدائل القديمة... في هذه اللحظة فقط تبدو إمكانية الثورة أعني حين تضغط المحافظة إلى أدنى ترسب ممكن، وتمتد العقلانية والطبيعية إلى أقصى حد ممكن. هنا فقط سيتحرك التاريخ من جديد، وتبدأ مرحلة ثالثة بعد الأولى التي اكتملت فيها من القرن الأول حتى السابع. وبعد الثانية التي حافظت فيها على نفسها من السابع حتى الرابع عشر. فيكون جيلنا معاصراً لمرحلة ثالثة و ممهدا لها إذ يجمع فيها بين تأويل القديم وبين إبداع الجديد."[19]

والميدان الثاني المعني بالتجديد في مشروع 'التراث والتجديد' هو جبهة الموقف من الآخر، من الغرب وثقافته وفكره والتجديد هنا يخص الموقف من العلاقة بين الأنا والآخر حيث عرفت الساحة الفكرية في العالم العربي والإسلامي المعاصر عدة مواقف تجاه الغرب، "الموقف الأول هو موقف الانقطاع عنه ورفضه لأنه تراث الآخر المخالف، الوافد الذي يمثل خطراً على الموروث وعلى الهوية والذي ينتهي إلى الوقوع في تقليد الآخر والتغريب والتبعية... أما الموقف الثاني فهو موقف التواصل وهو موقف التيار العلمي العلماني الذي يرى أن الغرب نمط التحديث... والموقف الثالث هو موقف الانتقاء من التراث الغربي ما يعبّر عن حاجاتنا العصرية ومطالبنا في التقدم والنهضة."[20] كل هذه المواقف لم تستطع أن تحل الأزمة، ودخل بعضها في حوار مع الآخر على حساب "الحوار مع الأنا مع أن الحوار مع الذات يسبق الحوار مع الآخر، ومعرفة النفس سابقة على معرفة الآخر، والتساهل في معرفة الذات يؤدي إلى تساهل في معرفة الآخر، وبالتالي يعزّ الحوار، ويقع سوء التفاهم. لذلك لم ينجح الحوار مع الآخر حتى الآن لأنه لم يقم على الحوار مع الذات أولا."[21] ولم يجد الحوار إلا في اعتبار الغرب النموذج الواحد والوحيد لأي تقدم حضاري وهو ممثل البشرية جمعاًء، و"اعتبار الغرب المعلم الأبدي واللاّغرب التلميذ الأبدي ... رد كل إبداع ذاتي للشعوب غير الأوربية إلى الغرب ... أصبح الغرب هو الإطار المرجعي الأول والأخير لكل إبداع غير أوربي، كما كان الحال مع الحكماء الأوّلين بالنسبة لليونان فخرج ابن رشد أرسطيا."[22]

صحيح أصبح التراث الغربي يشكل واحدا من الروافد الرئيسية للوعي القومي في البلاد العربية والإسلامية، "لم تحدث بيننا وبينه قطيعة إلا في الحركة السلفية. ولم تقم حتى الآن حركة نقدية له إلا في أقل الحدود وبمنهج الخطابة أو الجدل دون منهج النقد ومنطق البرهان، وقد يتم التركيز على هذا المصدر وحده فتنشأ ثقافتنا العلمية العلمانية وحركاتنا الإصلاحية والتحديثية وتعليمنا العصري ونظمنا الحديثة اقتناعاً وإيماناً أو دفاعاً عـن مصـالح الحكـام... وبالتالي بدأ وعينا يسيطر على قدمين: الأولى طويلة وقوية وربما رفيعة نظراً لأننا نجهل تراثنا القديم، والثانية قصيرة ومتورمة نظرا لانتشار الثقافة الغربية في وعينا القومي لدرجة الانبهار بها والتبعية لها."[23] لذا "نشأ 'الاستغراب' في مواجهة التغريب الذي امتد أثره ليس فقط إلى الحياة الثقافية وتصوراتنا للعالم وهدد استقلالنا الحضاري بل امتد إلى أساليب الحياة اليومية ونقاء اللغة ومظاهر الحياة العامة وفن العمارة ... الاستغراب هو الوجه الآخر والمقابل بل والنقيض من الاستشراق يهدف 'علم الاستغراب' إذن إلى فك العقدة التاريخية المزدوجة بين الأنا والآخر ... يعبر عن قدرة الأنا باعتباره شعوراً محايداً على رؤية الآخر ودراسته وتحويله إلى موضوع وهو الذي طالما كان ذاتاً يحوّل الآخر إلى موضوع...مهمة هذا العلم الجديد رد ثقافة الغرب إلى حدودها الطبيعية."[24] لذلك تتغير علاقة الأنا بالآخر في إطار وعي حضاري يشمل موقفاً حضارياً من الآخر كما يشمل بعد المستقبل الذي يصنعه الحاضر الممتد في التاريخ والماضي.

والميدان الأخير الذي يشمله التجديد هو الواقع، والواقع ليس ذا طبيعة نصية مثلما الأمر في الموروث والوافد. فالواقع له مشكلاته وتحدياته تحتاج من الفكر موقفا حضاريا هو نظرية التفسير أو نظرية في تفسير الواقع، الفكر العربي الإسلامي المعاصر وقف من الواقع أكثر من موقف تأرجح بين التبرير والرفض والانعزال. "وأول موقف للفكر العربي الحديث من الواقع هو التبرير، تبرير النظم القائمة وتبرير الوضع القائم لأن وظيفة العقل هي تبرير المعطيات السابقة سواء كانت في العقائد الدينية أم في النظم الاجتماعية ... والموقف الثاني هو موقف الرفض والتمرد والغضب... أما الموقف الثالث فهو الانعزال كلية عن الواقع لا تبريراً ولا رفضاً بل نفورا أو تعففاً."[25] و لمّا كان من غير الممكن فهم التراثين بعيدا عن الواقع الحالي وظهر عجز المواقف الحالية في الساحة الفكرية عن التعبير عن الأزمة وحلّها وعجزها عن "تغيير الواقع أو حتى إلى فهمه بل تدل على عدم نضج في التعامل معه. وهنا تأتي أهمية الموقف الرابع الذي يقوم على التنظير المباشر له- الواقع- بعد العيش معه وتجربته وإدراك مكوناته والإحساس به ثم محاولة فهمه والتعبير عنه دون الاعتماد على قال فلان أو علاّن من التراث القديم أو من التراث الغربي."[26] لأن الفكر العربي المعاصر يفتقد إلى نظرية التفسير ونظرية التفسير "هي التي تربط بين الوحي والواقع –أو إن شئنا- بين الدين والدنيا أو إن فضّلنا يبن الله والناس. فإذا نظرنا إلى تفسيرنا الحالي نجد أننا لا نملك نظرية محكمة... ومنهج تحليل الخبرات هو النظرية الوحيدة الممكنة في التفسير وذلك لأن فهم النصوص لا يأتي إلا بإرجاعها إلى مصدرها في مجموع الخبرات الحيّة التي نشأت فيها."[27]

تتعاطى نظرية التفسير التي تستخدم منهج تحليل الخبرات مع الواقع حسب تحدياته. وهي تحرير الأرض من الغزو والاستعمار وتحرير المواطن من الظلم والاستبداد والدفاع عن حريته وحقوقه في مقابل قهره وتعذيبه وتحقيق العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثورة على الناس وتحقيق الوحدة في مواجهة التجزئة والعنصرية والطائفية وتحقيق الهوية في مواجهة التغريب والحرص على تحقيق التنمية ضد كل مظاهر وصنوف التخلف واللجوء إلى الغير وتجنيد الناس وحشد الجماهير ضد السلبية واللامبالاة. فنظرية التفسير منهجها أسلوب تحليل الخبرات الذي يربط النص التراثي القديم أو النص الوافد الجديد بالظروف التي نشأ فيها ويردّه إلى أصوله في مجمل التجارب الإنسانية الحيّة التي أفرزته، وبالتالي تتكامل الجبهات الثلاث والموقف الحضاري بأبعاده الثلاثة، كما تندمج ميادين الإبداع الثلاثة ميدان الموروث وميدان الوافد وميدان الواقع، بأبعادها الزمنية ومع بعضها البعض فتنطلق الحضارة ويتحرك التاريخ.

هذا الموقف الحضاري يتكامل في مكوناته و يتعاطى مع الواقع والآخر والموروث وفق تصور عام "للمرحلة التاريخية الرامية من منظور كلي شامل يمكن إدراك أهمية النقد الحضاري المزدوج للموروث القديم وللوافد الغربي الحديث فقط كالعولمة، ونظام العالم الجديد، ونهاية التاريخ، وصراع الحضارات، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والأقليات، وتلوث البيئة و الطائفية، والعنف، و النزاعات العرقية الجديدة. يُضاف إلى ذلك النقد الاجتماعي لمشاكل السكان والبطالة والطفولة والشيخوخة والأمراض الاجتماعية وعلوم الحياة، والجينات والهندسة الوراثية. بل ويعني أيضاً النقد الاجتماعي المباشر للتسلّط والنظام الأبوي والتجزئة والتزلّف والظلم الاجتماعي والتغريب ولامبالاة الناس."[28]

 

3- مناهج التجديد

يربط 'حسن حنفي' ظاهرة التخلف العام في الواقع العربي والإسلامي المعاصر بغياب مشروع حضاري قومي على المستوى النظري، وبغياب نظرية محكمة في تفسير الواقع ترتبط بها النهضة وينطلق منها التجديد. ولما كان الموقف الحضاري غير واضح بل لم يتبلور ومن أسباب ذلك أزمة التغير الاجتماعي وأزمة المنهج في الدراسات والبحوث أي أزمة البحث العلمي، يقترح صاحب مشروع 'التراث والتجديد' مناهج وبدائل يربطها باللّغة وبمعاني اللّغة وبالأشياء تبعاً لأبعاد الفكر الثلاثة، اللّفظ والمعنى والشيء.

ولا يقوم العلم بدون لغة، والعلم الجديد مرتبط بلغة جديدة تكشف عنه، والتجديد بواسطة اللّغة هو بداية العلم. وهكذا مع الحضارة التي تتطور وتتجدد بفعل اللّغة وإذا ما ضاقت لغتها تُسقطها وتضع لغة جديدة قادرة على التعبير والتواصل. فالعلوم التراثية عندنا مازالت تستخدم اللّغة القديمة بمفاهيمها ومصطلحاتها في أصول الفقه وفي علوم التفسير وفي علوم الحديث وغيرها. "هذه اللّغة لم تعد قادرة على التعبير عن مضامينها المتجددة طبقاً لمتطلبات العصر نظراً لطول مصاحبتها للمعاني التقليدية الشائعة التي تريد التخلص منها ومهما أعطيناها معاني جديدة فإنها لن تؤدي غرضها لسيادة المعنى العرفي الشائع على المعنى الاصطلاحي الجديد. ومن ثم أصبحت لغة عاجزة عن الأداء بمهمتها في التعبير والإيصال."[29]

وإذا كانت معاني اللّغة القديمة هي معاني التراث أما اللّغة فهي لغة التجديد، لا يمكن إسقاط لفظ واستبداله بلفظ آخر يرادفه أو يشبهه بكيفية تلقائية. فلا تتجدد اللّغة بالإرادة بل فعل يحصل في الوعي لدى الباحث الذي يكتشف أن عجز اللّغة القديمة عن التعبير عن معانيها لارتباطها بثقافة حديثة وببيئة ثقافية جديدة عليها، والتجديد اللّغوي ضروري في هذه الحالة لأنه لا يتخلص من جمود اللّغة القديمة وعجزها على التعبير عن الماضي بل يتخلص من الغموض في الاستعمال، فيصبح التجديد اللّغوي أمراً ضرورياً طبيعياً لاستبدال اللّغة القديمة بالجديدة لأجل التعبير عن تجدد المعاني وفقاً لحاجات العصر ومتطلبات الواقع، والتجديد بواسطة اللّغة لا يغيّر أو يشوّه مضمون الفكر، فاللّفظ حامل للمعنى وموصول له يعطيه قوّة للتعبير عن نفسه بلفظ جديد يكشف عن معطى كان مخفياً في اللّغة القديمة، وهكذا مع لغة العلم، فاللّغة تلعب دوراً كبيراً في إنشاء العلم وبنائه. "بل إنه يمكن القول بلا أدنى مبالغة إن العلم هو لغة و أنّ تأسيس العلم هو إنشاء اللّغة."[30]

الحاجة إلى تغيير اللّغة التقليدية تصبح ضرورة عندما يعلن اللسان القديم على عجزه عن أداء وظيفته في التعبير والتواصل ويؤكد أن الخصائص المميزة له التي أدت مهمتها في التعبير والتواصل قديما صارت عيوباً وصعوبات تعيقه على التكيف مع البيئة الثقافية الجديدة. ولغتنا التقليدية أصبحت قاصرة وعاجزة عن التعبير والتواصل في واقعنا المعاصر لأنها ارتبطت بالإلهيات وبلفظة الله التي تحتوي على بعض النقائص في الاستعمال والتداول لكونها مادة لغوية تحدد المعنى أو التصور باعتبار المعنى مطلقاً يقصد التعبير عنه بلفظ محدود مقيد. وترتبط بالدين فألفاظها تشير إلى موضوعات دينية بحتة فأي لفظ ديني أصبح عاجزاً عن أداء وظيفته في الإيصال نظراً لارتباطه بمعاني عديدة جاءت نتيجة لطول تاريخ استعماله وقد تتعارض هذه المعاني أو بعضها مع المعنى الأصلي الأول الذي أعطاه الوحي، فاللفظ هنا مرتبط بالتاريخ وليس بالوحي. ومن هنا نجد اللغة في تراثنا القديم ذات طابع تاريخي لأنها تعبّر عن أحداث التاريخ لا عن الفكر. وكل الألفاظ في اللغة القديمة "لا تشير إلا إلى وقائع تاريخية، وأشخاص أو حوادث أو مناطق جغرافية، وليست مفاهيم علمية لها دلالـتها المستقلة... واللغة في تراثنا القديم لغة تقنينية تضم الوجود وتضعه في قوالب. فهناك قانونية المصطلحات في أصول الفقه، والتقسيمات العقلية في أصول الدين والفلـسفة علـى السـواء...ولكن لغة التقنين لا تصلح لكل عصر. فعصرنا مشابه لعصر الوحي القديم وقت نزوله... فالواقع يقتضي فكرة كما اقتضى الواقع القديم الوحي. صحيح أن تقنين الثورة من قاموسنا المعاصر ولكنه لا يعني فرض قوانين على الواقع بقدر ما يعني تنظيم ما يفرضه الواقع من تغيّر ثوري حتى لا يجهض أحد ما هذه التغييرات أو يستعملها لحسابه الخاص."[31]

بالإضافة إلى كون اللغة التقليدية ذلت طابع إلهي ديني تاريخي وتقنيني نجدها صورية مجردة، فالتقسيمات العديدة والتفريعات المتعددة في كل علم من العلوم التراثية مثل تقسيمات الوجود إلى ممكن وواجب ومستحيل وجوهر وعرض في الفلسفة أو علوم الحكمة وكذلك في علم أصول الفقه نجد أنواع العلل إلى موجبة وقاصرة ومؤثرة، وملائمة وغيرها. وكذلك الأمر في التصوف دون ربط ذلك بالواقع والتجربة الإنسانية الشعورية البحتة المعاشة حسياً وفكريا ونفسياً. تحولت تلك المفاهيم والتقسيمات إلى تجريد أفقد اللغة المتداولة ارتباطها المباشر بالإنسان والواقع. أما الألفاظ الجديدة مثل الأنا، الآخر، التاريخ، الثورة، التقدم، التخلف، والأزمة فهي تمثل أسلوب العصر ولغة الجيل ومنطق عمل وجدل في التاريخ وبناء في المجتمع. "إن التجريد ينشأ بعد نشأة العلم كموضوع وكمنهج وكبناء، ونحن الآن بصدد إعادة بناء العلوم من حيث النشأة. ومن ثم فمستوى التجريد في العلوم لا يلاءم مرحلتنا الحالية في إعادة بنائنا للعالم ووصف نشأته وتكوينه من جديد."[32] ولما رفض عصرنا اللغة التقليدية لكون ارتباط اللفظ فيها بشحنات تاريخية وخلافات مذهبية. تصبح من غايات 'التراث والتجديد' "عمل ثقافة وطنية يمكن التعبير عنها بلغة يقبلها الشعور العامي. فالألفاظ التي يتقبلها العصر هي التي يمكن استعمالها... ويعني أيضاً تطويع اللغة نشأتها واختيار ألفاظها إلى متطلبات الواقع حتى لا تقع في انعزالية الثقافة بصورية اللغة... اللغة التقليدية إذن قاصرة عن أداء وظيفتها في إيصال المعاني التي يمكن للباحث أن يعبر عنها للآخرين. فإذا بدأ الباحث برؤية الشيء وفهمه لمعناه ثم وضعه في اللفظ المناسب للتعبير فإن السامع يبدأ سماع اللفظ ثم يحدد معناه ثم يرى الشيء الذي رآه الباحث أولا. فإذا كان تجديد اللغة مهمّا بالنسبة للباحث بإعطائه المعنى وإشارته إلى الشيء فإنه مهم أيضاً للآخر باستقباله المعنى ورؤيته للشيء."[33]

وإذا كانت اللّغة التقليدية لا تفي بالغرض في تحقيق التغيير والتواصل لأنها تحمل تلك الخصوصيات التي أعطتها القدرة على التعبير والتواصل والإبداع في القديم، وصارت حالياً عيوباً تعيق التعبير والتواصل بل تزيد الأزمة تفاقما وتعميقا وتعقيداً فظهور لغة جديدة تفي بمتطلبات العصر وبحاجات الواقع ضرورة ملحّة وعاجلة، هذه اللغة الجديدة تزيح عيوب اللغة التقليدية وتستبدلها بخصائص أخرى تُسهل التعبير والإيصال. وأهم خاصية ينبغي أن تتوفر في اللغة الجديدة هي أن تكون عامة لتخاطب جميع الأذهان، فمن أهم خصائص العلم المضبوط أن تكون مفاهيمه ومصطلحاته عامة بحيث يستطيع كافة العلماء التعامل معها. وأن تصير قابلة للتغيير والتبديل ذات طابع عقلي غير قطعية لأن الثبات والقطعية والتوفيق في اللغة كل هذه الصفات تجعل منها مغلقة لا تقبل التجديد في ألفاظها وفي معانيها وفي وجودها ككل. ومما هو أساسي في اللغة يجعلها ذات وظيفة في الفكر وفي النفس وفي المجتمع وفي التاريخ والحضارة ارتباطها بما يقابلها في الحس والمشاهدة والتجربة أي ارتباطها بالواقع الذي تعيش فيه تكويناً وتعبيراً وتواصلاً وتجديداً. فالواقع هو المرجع والمحك للمعاني داخل الإشارات اللغوية. وبهذا يُصان الفكر من الألفاظ الخاوية وتختفي عزلة الفكر والمفكرين. والطابع الإنساني للغة يجعل الإنسان يستعملها مهما كان اتجاهه الفكري أو عقيدته، أما اللغة الخاصة فهي اصطلاحية تشير إلى مقولات غير إنسانية إذا عرفت التأويل والتفسير وتغذّت من مدلولات إنسانية. واللغة الجديدة في الواقع العربي والحالي لا ينبغي أن تكون مستعربة أو معربة بواسطة النقل الحرفي والصوتي للغات أخرى. بحجة قصور اللغة العربية، فذلك دعوة إلى ثقافات أخرى دخيلة. 'فالتراث والتجديد' جاء ليعبر عن فعل جماهيري ثقافي وطني يقرؤه الجميع، ويصيغ لغة واحدة مشتركة يستعملها جميع المثقفين بصرف النظر عن اتجاهاتهم المتباينة.

وفي 'التراث والتجديد' نجد ارتباط التجديد باللغة الجديدة وارتباط هذه اللغة بمنطق علاقة أبعاد الفكر فيما بينها، اللفظ والمعنى والشيء وفي هذا يقول 'حسن حنفي': "يمكن إخضاع التجديد اللغوي إلى منطق محكم يقوم على التعبير المطابق للمعنى والذي يقوم بوظيفته في الإيصال. فالمنطق اللغوي يشمل جانبين جانب التعبير وجانب الإيصال. وهما لا ينفصلان بل يشيران معاً إلى حياة اللفظ ودورانه بين المتحدث وبين السامع. ويمكن وصف هذا المنطق لتجديد اللغة بطرق ثلاث: إما بالانتقال من اللفظ التقليدي إلى معناه وإمّا بالانتقال من معنى اللفظ التقليدي إلى لفظ جديد، وإما بالانتقال من الشيء نفسه الذي يشير إليه التقليدي إلى لفظ جديد."[34] بالنسبة للحالة الأولى وهي الانتقال من اللفظ التقليدي إلى لفظ جديد لا لكون اللفظ القديم معيب لذاته بل لارتباطه بالتاريخ وتجريده من التاريخ لا يضمن صلاحيته مثل لفظ الإجماع أو الاجتهاد أما لفظ الخبرة بين الذوات أو التجربة المشتركة فهو لفظ معاصر ويدل على معنى اللفظ القديم دون كشف لعيوبه. أما بالنسبة للانتقال من المعنى الضمني إلى اللفظ الجديد، ففي حالات كثيرة يكون اللفظ القديم في معناه غير قادر على التعبير والتواصل فيعبر عن معناه الضمني بلفظ آخر جديد يكون قادراً على التعبير عن هذا المراد الضمني وتبليغه مثل التعبير عن معنى الكفّارة والحد بألفاظ جديدة مثل لفظة السلب ولفظة الإيجاب أو السالب والموجب. أما التجديد اللغوي بالانتقال من الشيء المشار إليه إلى لفظ جديد يقوم لوجود شيء يحتاج إلى لفظ يدل عليه و يحدث الأمر نتيجة التفاعلات الحضارية الفكرية والمادية كما يحدث نتيجة التطور والازدهار الحضاري في حياة الإنسان في جميع مستوياتها. "وأنه من التجاوز أن يسمى هذا اللفظ جديداً لأن ليس له مقابل تقليدي يعادله أو يوازيه بل نشأ نشأة تلقائية للتعبير عن الموضوع والإشارة إليه. فمثلاً ألفاظ صورة ومضمون وموضوعية، ألفاظ جديدة يمكن بواسطتها التعبير عن الهيكل العام لعلم أصول الفقه."[35]

لم يكتف 'حسن حنفي' بمنطق التجديد اللغوي الثلاثي الأبعاد والمكونات والذي يعطي قدرة كبيرة على التعبير عن المدلولات والبناءات المثالية الموروثة التي أغلقتها اللغة القديمة. بل اعتمد على مستوى حديث للتحليل في نظره يعطي مجالا خصباً وواسعاً تتكشف فيه خصوبة التراث واتساعه. ويعني بمستوى التحليل "المنظور الذي يُنظر منه إلى تراث.وهذا لا يتم إلا برؤيا معاصرة له. فالتراث يمكن قراءته بمنظورات عدة كلها ممكنة، والتجديد هو إعادة قراءة التراث بمنظور العصر. ليس معنى ذلك أن القراءات القديمة له خاطئة أو أن القراءات المستقبلية له غير واردة. بل كلها صحيحة، ولكن الخطأ هو قراءة التراث من المعاصرين بمنظور غير عصري. هنا يكمن الخطأ، خطأ عدم المعاصرة."[36] والمستوى الحديث لتحليل الموروث القديم هو مستوى الشعور. لأن الشعور "مستوى أخص من الإنسان، وأهم من العقل، وأدق من القلب وأكثر حياداً من الوعي، يكشف عن مستوى حديث للتحليل موجود ضمناً داخل العلوم التقليدية نفسها ولكن نظراً لظروف نشأتها لم يوضع في مكان الصدارة، ولم تعط له الأولوية الواجبة، ولكن يُفهم ضمنا، ويُقرأ فيما بين السطور... لم يظهر الإنسان واضحاً في الحضارة كبعد مستقل كالإلهيات أو الطبيعيات لأن الإنسان كان موجوداً بالفعل. ومع ذلك فنجد أن الإنسان و بوجه أخصّ الشعور موجود ولكنه متخفيا وراء الإلهيات وداخل العلوم التقليدية."[37] فكل العلوم التقليدية العقلية النقلية أو العقلية أو النقلية نشأت في الشعور الذي يظهر في البنية الثلاثية لأصول الفقه، الأدلة واللغة والأحكام وكذلك في الفلسفة وأصول الدين والتصوف والفقه والسيرة وغيرها. "ونصوص الوحي ذاتها نشأت في الشعور، أما في الشعور العام الشامل وهو ذات الله أو في الشعور المرسل إليه والمعلن فيه، وهو شعور الرسول أو شعور المتلقي للرسالة، وهو شعور الإنسان العادي الذي قد يشعر بأزمة فينادي على حل ثم يأتي الوحي مصدقاً لما طلب."[38] وإذا كان القرآن عبارة عن مواقف يعمل فيها الشعور العام وكانت السنّة مواقف إنسانية يعمل فيها شعور النبي فإن في الإجماع والاجتهاد مواقف إنسانية يعبر فيها عن التجارب المشتركة والتجارب الفردية، فهذا يعني أن الشعور أساس المعرفة والوجود قديماً وحديثاً وفي عصرنا، ولغته لغة شائعة وهو جزء من وسطنا الثقافي بواسطته تتكشف الحقائق ويصبح العقل التجديدي المعني بالموروث أمرا ًممكناً.

يقترح 'حسن حنفي' فيما سبق منهجين لتجديد التراث، المنهج اللغوي والمنهج الظاهراتي الشعوري على أساس عجز اللغة الكلاسيكية عن التبليغ والتواصل، وعجز المناهج في الساحة الثقافية عن حلّ أزمة التراث والتجديد لكونها تقع في خطأ قراءة التراث وتحليله بمنظور غير عصري، خطأ عدم المعاصرة. ويؤكد على اللّجوء إلى مستوى ثالث إلى جانب منطق اللغة ومنطق الشعور هو مستوى تغيير البيئة الثقافية لأن العلوم التقليدية التي تمثل موروثنا نشأت في واقع معين له ظروفه وأحواله والعلوم ليست مطلقة حدثت وتثبتت بصفة مطلقة، فالعلم نسبي ومتطور باستمرار، فالبناء في العلم لا يتغير بينما مادته تتغير تعطيها البيئة الثقافية المعينة في الزمان والمكان، وهذا ما فعله فلاسفة الإسلام إذ غيّروا مادة الفلسفة اليونانية بمادة إسلامية، ففي أصول الفقه طغت العبادات على المعاملات، وفي أصول الدين طغت مشكلة التوحيد على مشاكل الإنسان الاجتماعية وتكثر في الفلسفة المشكلات التي لم تعد مواكبة لعصرنا الحاضر لارتباطها بظروف نشأتها في عصرها الماضي. "أما الآن فهذه المادة لم تعد ذات دلالة فالأفلاك موضوع لعلم الفلك، والطبيعة موضوع لعلم الطبيعة، والعقل والنفس موضوعات لعلم النفس، والتوحيد ذاته موضوع لعلم النفس والاجتماع لتحديد نشأة الأفكار الدينية في ظروف نفسية واجتماعية معينة اضطهادا أو غلبة... إن الخطر علينا الآن هو الخرافة والأسطورة والخلط بين المستويات...وهناك مشاكل تاريخية خالصة لا تلزم العصر الذي نعيش فيه... كل ذلك حوادث تاريخية صرفة ووقائع لا تهمنا إلا من حيث أنها تحقيق لنظم، وحتى في هذه النظم يفرض واقعنا المعاصر نظمه ولا يحتاج إلى شرح للنصوص أو تأويل للماضي مناف لتطور الحاضر ومانع له."[39]

يؤكد 'حسن حنفي' على إمكانية تغيير المادة العلمية والتأسّي بالقدماء مع تعاطيهم مع الحضارات والثقافات والديانات الأخرى. فتجديد مادة العلم تتم بتجريد الموضوع من كافة شوائب الحضارات التي علقت به وبمعناه وبكيفية عرضه وتحليله وبنتائج فهمه. ويُعاد بناء الموضوع الأولي، بناء معناه بعد أن تجرّد من الشوائب، والبناء يكون داخل الشعور والواقع ثم إطلاق المعنى حتى يتجاوز حدود اللفظ فتصبح المعاني مباحث الوجود العام وإطلاق المعنى يكون من الاشتقاق ويمكن إطلاقه مجازاً إذا اقتضى الأمر ذلك. ولما كانت الغاية من تغيير البيئة الثقافية هو اكتشاف الواقع في العصر الحاضر والعيش فيه بدل من العصر القديم وثقافته من خلال قراءة هذه الثقافات وتجديد مادتها، هذا لا يحصل إلا من خلال تحليل القديم وتخليصه من الشوائب وتحليل المعاصر بواسطة نظرية في التفسير تعطي موقفاً من الواقع ثم مقابلة القديم بالمعاصر، "أو تركيب الأولى على الثانية وتأسيس الموضوع المثالي على الواقع العصري، وإعطاء النفس بدناً، والروح طبيعة والفكر واقعاً، والله عالماً. وهناك لا يخطئ الباحث فهو ليس مسئولا عن الموضوع المثالي ولا عن روح العصر وإنما مسؤوليته في توجيه أحدهما بالثاني والربط بين القديم والجديد، وإحياء التراث، وتأصيل العصر."[40] كل هذا ليبدأ 'حسن حنفي' في محاولاته لإعادة بناء العلوم التراثية على الرغم مما تواجهه هذه المناهج التجديدية من صعوبات ومشاكل في الواقع المعاصر.

 

خاتمة

إنّ الموقف الحضاري في المشروع مرتبط بالتراث والواقع والآخر، فلسفته ذات طابع تحليلي نقدي يظهر ذلك في آثار صاحب المشروع من مقالات ومؤلفات وحوارات وغيرها، كما يطغى على هذه الكتابات التكرار والاجترار في وقت يُعرض عن القراءة الطويلة، وإن كان التكرار قد يكون في بعض الحالات مشروعا ومطلوبا تتطلبه الحاجة إلى الدقة والعمق والتفصيل من أجل الإلمام بجميع جوانب الموضوع، وإذا كان المشروع يتميز بالثورة والتثوير فهو غزير وضخم جدّا مفتوح على أكثر من جبهة يصعب إتمامه كما يصعب تطبيقه خاصة إذا كانت عناصره وأجزاؤه وأقسامه وجبهاته متكاملة من الناحية النظرية، فلا يتحقق بجزء واحد أو ببعض الأجزاء دون الأخرى لأنّ الأمر يحتاج إلى المشروع بأكمله. لا نعرف إذا ما كان المشروع مآله النجاح خاصة وأنّ التراث ضخم والمواقف منه كثيرة ومتباينة وأنّ الواقع متأزم وأزمته عميقة وأبعادها كثيرة وأنّ ثقافة الآخر صارت محرك الحياة المعاصرة وميزة الواقع المعاصر فهل يجد المشروع حيّزا له في هذه الحياة وفي هذا الواقع أم يبقى مجرد إعلان عن مبادئ ونوايا ومقاصد في واقع مريض شبه ميئوس من شفائه يسهل فيه الحديث ويكثر ويقلّ فيه العمل ويغيب الإبداع.

ويُحسَب على المشروع انتماءُ صاحبه التاريخي الثقافي والحضاري كإعجابه بمذهب المعتزلة وتراثهم وغير ذلك من جوانب التراث العربي الإسلامي، والانتماء الإيديولوجي وهو اليسار الإسلامي وربط ذلك بالماركسية كاتجاه فكري وفلسفي، وبالمادية التاريخية كمنهج فكري في تفسير الحضارة والتاريخ. وفي المشروع وفي الفلسفة التي يقوم عليها يطغى العقل والواقع والمصلحة على الوحي وعلى النص وهذا لا يُرضي التيار التراثي السلفي المحافظ فيصفه بالعلمانية ويُوصف بفقدانه للصبغة العلمية وللتوازن في الرؤية وفي المنظور على المستويين النظري والعملي. وبهذا فالمشروع لا يزيل التباين السلبي السائد في الساحة الفكرية العربية والإسلامية المعاصرة فهو لا يُرضي التيار العلماني لأنّه تراثي ولا يُرضي التيار السلفي لأنّه عقلاني واقعي فهو محسوب على العلمانيين لكنه غير علماني ومحسوب على السلفيين لكنه ليس سلفيا، هذا التفرد وهذه الخصوصية هما ما يميّز فكر "حسن حنفي" ومشروعه وفلسفته وسائر أعماله عن غيرها.

على الرغم من الانتقادات التي تعرّض لها مشروع "التراث والتجديد" وتعرّضت لها فلسفته يبقى المشروع الذي يتصدر الواجهة على الساحة الفكرية والفلسفية المعاصرة في العالم العربي والإسلامي، لأنّ فيه تعبير عن الموقف الطبيعي في الإنسان وفي حياته، فالماضي مرتبط بالحاضر في الشعور ووصف الشعور وتحليل الوعي هو ذاته وصف التراث وتحليل الماضي في تفاعله مع الواقع المعاصر، وتجديد التراث هو تحرير الطاقات المختزنة لدى الجماهير من كل ما يعيقها نحو التفجر والإسهام في تحريك التاريخ وبناء الحضارة، ولما كان المشروع يحمل هذه الدلالات والمعاني والقيّم الإنسانية التاريخية الماضية والحاضرة ويسعى إلى ترسيخها في منطلقاته ومبادئه ومناهجه ومضامينه وتوطيدها في أهدافه وغاياته ومراميه فهو يستحق بحق كلّ تقدير، كما يحتاج إلى العناية اللاّزمة والاهتمام المطلوب بحثا ودراسة وتحليلا ونقدا ولما لا عرضا على الواقع والتاريخ والعصر اختبارا له واستثمارا لقيّمه.

 

الدكتور جيلالي بوبكر

.....................................

[1]- جميل صيبا : المعجم الفلسفي، الجزء الأول، دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان، بدون طبعة، سنة 1982، ص242.

[2] - Andre-lalande : Vocabulaire Technique et Critique de laphilosophie, presse universitaire de France, 13eme édition, Paris, 1980, P516-517.

[3]- حسن حنفي: التراث والتجديد، ص13.

[4]- المرجع نفسه: ص13-14.

[5]- المرجع نفسه : ص19.

[6]- المرجع نفسه : ص19-20-21.

[7]- المرجع نفسه : ص21.

[8]- المرجع نفسه : ص22.

[9]- المرجع نفسه : ص23، أنظر هامش الصفحة.

[10]- المرجع نفسه : ص24.

[11]- المرجع نفسه : ص25.

[12]- المرجع نفسه : ص26.

[13]- حسن حنفي: قضايا معاصرة، في فكرنا المعاصر، ص78.

[14]- حسن حنفي : التراث والتجديد، موقفنا من التراث القديم، ص145.

[15]- حسن حنفي: هموم الفكر والوطن، الجزء الثاني، ص456.

[16]- المرجع نفسه : ص457.

[17]- حسن حنفي: التراث والتجديد، موقفنا من التراث القديم، ص151-152.

[18]- المرجع نفسه : ص173-174-175-176.

[19]- حسن حنفي: دراسات فلسفية، ص27-32.

[20]- حسن حنفي: هموم الفكر والوطن، الجزء الثاني، ص458-459.

[21]- حسن حنفي: حصار الزمن، إشكالات، ص414.

[22]- حسن حنفي: دراسات فلسفية، ص33.

[23]- حسن حنفي : مقدمة في علم الاستغراب، ص13-14.

[24]- المرجع نفسه : ص18-23-25-28.

[25]- حسن حنفي : هموم الفكر والوطن، الجزء الثاني، ص462.

[26]- المرجع نفسه : ص463.

[27]- حسن حنفي: دراسات إسلامية، ص177-180.

[28]- حسن حنفي: حصار الزمن، إشكالات، ص533.

[29]- حسن حنفي: التراث والتجديد: ص110.

[30]- المرجع نفسه : ص112.

[31]- المرجع نفسه : ص118.

[32]- المرجع نفسه : ص118.

[33]- المرجع نفسه : ص118-119.

[34]- المرجع نفسه : ص123.

[35]- المرجع نفسه : ص127.

[36]- المرجع نفسه : ص132.

[37]- المرجع نفسه : ص132-133.

[38]- المرجع نفسه : ص135.

[39]- المرجع نفسه : ص141-142-143.

[40]- المرجع نفسه : ص145.

 

bobaker jilaliيؤكد 'حسن حنفي' في أكثر من كتاب له أن الدافع إلى تجديد التراث هو "إعادة النظر في التراث الفلسفي خاصة وفي التراث كله عامة. علومه وأبنيته وحلوله واختياراته وبدائلها الممكنة هي تغير الظروف كلية من عصر إلى عصر ومن فترة إلى فترة."  ويعيش العالم العربي والإسلامي اليوم في أزمة متعددة الجوانب، من جوانبها أزمة الثقافة التي تعبّر عن انتقال الأمّة من مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية أخرى، "وتتكون الثقافة العربية من مكونات رئيسية ثلاثة: الموروث القديم، والوافد الحديث، والواقع المعاش... فما زال الموروث القديم يفكر فينا ولنا، وما زلنا نحن نفكر فيه و به، فـلا فرق بين التراث الحي والثـقافة المعاصرة... أما الثقافة الوافدة المعاصرة عن الغرب فهي عنصر مكون ضعيف لا يتجاوز سطح الثقافة إلى الأعماق ولا يظهر إلاّ عند النخبة... ويمثل الوافد المستقبل البعيد المحاصر، ويمثل الواقع الموروث الغائب بالرغم من التأزّم والمعاناة التي قد تصل إلى حد الكفر به، الخروج عليه أو الهرب منه. بالتالي تكون العناصر الرئيسية المكونة للثقافة العربية المعاصرة هي أيضاً عناصر تكوينية في الزمان التاريخي، الماضي والمستقبل والحاضر."

تنبعث أزمة الثقافة العربية وتظهر من تكرار واجترار وترديد التراث القديم في الواقع المعاصر على الرغم من تبديل وتغير المرحلة التاريخية وتحويلها من الماضي إلى الحاضر، هذا التغير يقتضي ثقافة جديدة وإبداعاً فكرياً وحضارياً جديداً، كما يتطلب مبدعين جدد لا يجترّون إبداعات السابقين، "فإذا كانت المرحلة الأولى قد أبدعت بلا نموذج حضاري سابق باستثناء ثقافات العرب وديانتهم السابقة على الإسلام فإن الإبداع الآن ونحن على مشارف الفترة التالية لديه نموذج سابق وهو إبداع القدماء. وبالتالي يسهل الإبداع لأنه يكون إبداعاً على إبداع، وتفكيرا على تفكير وقراءة على قراءة وتأويلاً على تأويل. وقد يصعب الإبداع إذا ما تقيّد بإبداع السابقين واعتبر الإبداع ذا نمط واحد في كل العصور."

كما تنبعث أزمة الثقافة العربية وتظهر ليس فقط من نقد التراث القديم بل كذلك من نقل الوافد الحديث من الغرب وهو نقل استمر لفترة تقترب من مائتي عام وخطوة النقل عن الغرب الحديث تنتج عن اعتبار الغرب مصدر التنوير الفكري والفلسفي والعلمي والسياسي. ويؤدي النقل عن الغرب "إلى اعتبار الغرب نموذج الثقافة العالمية بمقاييسها وعلومها وتصورها للعالم وقيّمها وعلى كل ثقافة تبنيها نظراً للتباين بين المستوين... إلى انتشار الثقافة الأوربية خارج حدودها الطبيعية وجعلها نقطة جذب لثقافات الأطراف التي تصبح مجرد مستقبل لهذا الإرسال المستمر الفيّاض... إلى زيادة حدّة التغريب في الثقافة العربية وخطورة الوقوع في الاغتراب الثقافي وطمس الهوية الثقافية مما يؤدي بالضرورة إلى الولاء للغرب."

أما المكون الثالث للثقافة العربية والذي ارتبطت به أزمتنا هو الواقع وانعزالها عنه وإذا كانت الثقافة العربية الإسلامية القديمة هي ثقافة النص وهو المكون الأساسي فيها. نص مُعطى في أوضاع وظروف تاريخية معينة ترتبط هي الأخرى بظروف وأوضاع تاريخية سبقتها هذا النص أثّر فيها وتأثّر بها فهو لا يعبر عن الواقع الثقافي والسياسي والاجتماعي للعالم العربي والإسلامي المعاصر، والأمر نفسه بالنسبة للنص الوافد الحديث فقد تكوّن في ظروف غربية غريبة عن جسم الثقافة العربية المعاصرة. فلا الأول يعبر عن واقعنا إلا بعد تأويل ولا الثاني يعبر عن حياتنا الثقافية إلا بعد تكييف وتلفيق، و"لم تُحوّل الثقافة العربية الواقع المباشر إلى نص محكم جديد يعبر عنه و يوجهه و يؤثر فيه ... و يجد فيه نصا جديدا يعبر عنه تعبيرا محكما مباشرا فيه أحكام الخطابين الموروث والوافد وفيه مباشرة الخطاب الديني والسياسي، ولما كان الواقع هو ذاته نص مباشر، مصدر كل نص ونشأته ظل الواقع في الثقافة العربية بلا قراءة وبلا صياغة فتأزم واستعصى."

يقتحم الواقع الفكر العربي المعاصر من خلال جملة من التحديات كتحدي الأرض المغصوبة في فلسطين وغيرها، وتحدي الحرية حرية الوطن وحرية المواطن ورغم تبني الليبرالية كنمط في التحديث فأزمة الحريات العامة مازالت قائمة وبحدّة. وتحدي العدالة الاجتماعية، "فنحن أمّة يُضرب بها المثل بأنها تظم أغنى أغنياء العالم وأفقر فقراء العالم. من بيننا من يموت بطنة وشبعاً، ومن بيننا من يموت جوعاً وقحطاً."  وتحدي التجزئة، تجزئة الأمة وتجزئة الوحدة الوطنية وتحدي التبعية في الغذاء والسلاح والثقافة والعلم، "نستهلك أكثر مما ننتج، ونأكل أكثر مما نعمل ونحارب بما لم تصنعه أيدينا."  وتحدي التغريب الذي أفقدنا الاستقلال الوطني وضاعت منا الهوية، فتكوّن فينا مركب النقص وتكوّن في الآخر مركب العظمة، "وما زالت سلبية الجماهير وحيادها ولا مبالاتها تمثل التحدي الرئيسي للثقافة العربية... فالموروث إن عبّر عن ما فيها فإنّه لا يحل مشاكل حاضرها. والوافد إن عبّر عن مستقبلها فإن الهوّة بينه وبينها ما زالت بعيدة... وفي التصور الموروث ما يساعد على حشد الناس وتجنيد الجماهير، فالأمّة خير أمّة أخرجت للناس كحمل الأمانة وتُبلّغ الرسالة... ويمتلئ الوافد بفلسفات تحقيق المثل الأعلى وتطبيق كلمة الله في الأرض وتجسيد الروح في التاريخ، كما أنه زاخر بفلسفات الالتزام والفعل والتقدم والمسؤولية وتحقيق رسالة الأمم الثقافية والفنيّة."

أمام وضع الثقافة العربية المتأزم من خلال صلتها بالتراث القديم والوافد الحديث والمعاصر والواقع المعاش، وهو وضع صنع واقعاً أقحم نفسه في الفكر العربي والإسلامي المعاصر بواسطة جملة من التحديات التي تفرض نفسها. فأزمة الثقافة العربية بعمقها وبمخلّفاتها على الأرض والإنسان والعالم دعت المفكرين إلى البحث عن سبيل العلاج وطرق الخروج من هذه الأزمة فشهد الفكر العربي ثلاثة نماذج، نموذج تراثي ونموذج لا تراثي فالأول يجعل المجتمع يعيش على التراث فالتراث فيه هو ماضيه وحاضره ومستقبله، دينه وفنّه وفلسفته أما الثاني فيقطع صلته بالتراث ويعيش على ثقافة العصر ومنتجات الحضارة فيه، "والنموذج هو إعادة بناء التراث أو إحياء التراث أو تجديد التراث، النموذج الذي تحاول المجتمعات النامية صياغته وتبنّيه بالرغم مما هو حادث الآن من وقوع في الخطابة أو الانتقائية من الخارج. فإذا كان النمط التراثي يضحي بالتغيير الاجتماعي من أجل المحافظة على التراث وكان النمط اللاتراثي يضحي بالتراث من أجل إحداث التغيير الاجتماعي فإن تجديد التراث أو إحيائه أو إعادة بنائه طبقاً لحاجات العصر هو الذي يحفظ من التراث دوافعه على التقدم ويقضي على معوقاته وهو القادر على إحداث التغيّر الاجتماعي بطريقة أرسخ وأبقى وأحفظ له في التاريخ من الانتكاسات والردّة وحركات النكوص."

وعملية إعادة بناء التراث ليست مطلوبة لذاتها، شرعيتها مستمدة من قيمة التراث ودوره، "ويظهر التراث كقيمة في المجتمعات النامية، وهي المجتمعات التراثية التي ما زالت ترى في ماضيها العريق أحد مقومات وجودها وفي جذورها التاريخية شرط تنميتها وازدهارها."  فالتراث العلمي المتمثل في العلوم العقلية والنقلية والعلوم النقلية والعلوم العقلية يحمل بداخله دوافع تحريك العمل السياسي والاجتماعي. ففي تراثنا ما يدعوا إلى تحرير الأرض المغصوبة، وما يدافع عن الحرية ضد القهر والجور، وما يسمح بتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين الأفراد في مواجهة التعسف وسوء توزيع الثروة ولمواجهة الفروق الكبيرة بين الفقراء والضعفاء وما يحارب التجزئة والتفكك وتحقيق الوحدة للوطن وللأمّة انطلاقاً من التوحيد وفي التراث ما يصون الهوية ويحفظها من الاغتراب لهذا ينبغي إعادة بناء التراث ليصبح حاضر الأمّة أحد حلقات وحدة تاريخها.

إن إعادة النظر في التراث أو إعادة قراءته أو إعادة بنائه كل هذا رد فعل واستجابة للأزمة الثقافية ولأزمة التغير الاجتماعي، ولفشل محاولات التغيير وارتطامها جميعاً بقضية التراث كمخزون نفسي لدى الجماهير. ومثلما نجد اتجاهات ثلاثة في مشكلة التراث والتجديد على المستوى النظري وهي اتجاه القديم واتجاه الجديد واتجاه التوفيق بين القديم والجديد نجدها ثلاثة على المستوى العملي وهي المسئولة عن أزمة التغيير الثقافي والاجتماعي.

أما الاتجاه الأول فيسعى إلى التغيير بواسطة القديم لكنه يتعثر بفعل سيادة النظرية الإلهية على الفكر النظري وأصبح التغيير المطلوب مرتبطاً بالدعوة إلى الحكم الإلهي الديني الذي ناهضته أوربا للتخلص منه إلى الحكم الديمقراطي، "وبدا أن الغاية هي الدفاع عن الله وليس التغيير الاجتماعي، وبدت الدعوة دينية متطاولة على السياسة وغير قادرة على ممارسة قضايا التغيير الاجتماعي التي تحتاج إلى علم دون دين وإلى واقعية دون إيمانية مسبقة."  أدى الفكر اللاهوتي الذي حلّ محل الفكر النظري العقلي إلى توقفه في مرحلة ما في الوقت الذي تطور فيه الواقع، فتأخر الفكر الإصلاحي وعجز عن تحويل الإلهيات إلى فكر نظري ثم نقل الفكر النظري إلى مستوى إيديولوجية واضحة المعالم وتستمر "هذه المحاولات لتغيير الواقع في تعثرها طالما أنه لا توجد أيديولوجية لها واضحة المعالم يجد فيها الواقع تعبيراً عن ذاته، وتجد فيها الجماهير تحقيقاً لمصالحها."  ولما سيطرت النظرية الإلهية على الفكر والحياة التي تقوم على التصور الهرمي للعالم من الأدنى إلى الأعلى، صنع سيطرة التصور الرأسمالي للدين والحياة وهو تصور طبقي "يضع الناس والطبقات الاجتماعية ويرتبها بين الأعلى والأدنى لا بين الأمام والخلف، هو التصور الرأسي للعالم وليس التصور الأفقي. وهو ما تابعنا فيه التراث الغربي الذي ينشر هذا النوع من الفكر الديني لأنه فيه إرساء للنظام الرأسمالي وتأسيساً له على أسس نظرية ووجدانية للشعوب المستعمَرة وللبلاد المتخلفة."

يسيطر على هذا الاتجاه فكر عدائي للمحاولات التجديدية النظرية ويرميها بالإلحاد كما يرفض تغيير الأساس النظري الهرمي وتبديله بأساس آخر الأمر الذي أوضعه في التعصب بدل الوعي الفكري، "فالإيديولوجية مجموعة من الأفكار المستقاة من الواقع والتي تُنظّر الواقع، وتقبل التغيير والتعديل طبقاً لتطورات الواقع ومن ثم فهي ضد القطعية الجازمة وعلى نقيض الروح الدجماطيقية، وهنا تأتي أهمية التنوير العقلي حتى تظهر الدعوة في قالبها الفكري."  كما أن الجدل في الكل أو لا جدل قطعاً عند الممارسة، وتغيير الواقع بالقوة دون السعي نحو تجنيد الجماهير وبالوثوب على السلطة، والاعتماد على العمل السري المنظم والتسلح، وخلق تنظيمات جماهيرية مغلقة ومطالبة الجماهير بالولاء التام والطاعة المطلقة في غياب الحرية والديمقراطية، بالإضافة إلى سيادة التصور الجنسي والبداية بالمحرمات وبقوانين العقوبات، وتطبيق الحدود. "أما الأخطاء الناتجة عن التحليل السياسي للموقف فهي ليست أخطاء جوهرية قد يقع فيها أي تنظيم، وهي في معظمها أخطاء ناتجة عن المنظور الفكري للجماعة وعن تكوينها الفكري والديني، فهي ليست أخطاء من حيث المبدأ ولكنه فقط سوء تصرف من حيث الممارسة."  كل هذا أدى إلى فشل أنصار القديم في تغيير الواقع.

أما اتجاه التغيير بفعل الجديد والذي يفشل في تغيير الواقع لأسباب كثيرة. فاستعمال الصعب من اللغة واللفظ وهي لغة وألفاظ وافدة مستوردة، والتبعية لفكر الغرب والسقوط في عالمية الثقافة، ومعاداة تراث الجماهير وتعويضه بتراث منقول، وغياب التنظير المباشر للواقع أي انعدام نظرية محكمة في تفسير الواقع وعدم وجود برنامج ثوري تثويري ويشترك مع أنصار القديم في الاستيلاء على السلطة والعمل السري واستعمال العنف ضد السلطة والدعوات المعارضة، "تفتيت الوحدة الوطنية بتفضيل الصراع الطبقي على الوحدة، والوقوع في التفسير الحرفي للإيديولوجية المنقولة دون ما علم بتطوراتها وتأقلمها طبقاً لواقع العالم الثالث الذي تكون فيه الأمة أو الجماعة أو الأسرة هي الأساس الحضاري والنفسي للتغير الاجتماعي."  والفصل بين ما هو إيديولوجي وما هو أخلاقي الذي يؤدي إلى عزوف الجماهير عن الانتساب إلى هذا التوجه لأن الجماهير تؤمن بالقدوة الحسنة وتربط بين الحق والخير. فأنصار هذا الأسلوب وقعوا كغيرهم في أزمة هي أزمة التغير الاجتماعي.

أما الاتجاه الثالث فهو الذي يسعى إلى تغيير الواقع بواسطة القديم والجديد، بين الوافد والموروث، ويفتقر هذا الاتجاه هو الآخر إلى عوامل النجاح في قراءة الواقع وتغييره رغم محاولته تجاوز الاتجاهين من خلال اعتماده على الوافد والموروث والجمع بينهما لكنه يفتقر إلى الأساس النظري الواضح للتغيير مثل غيره كما يقوم بالتغيير الاجتماعي لصالح الطبقة المتوسطة ويعادي الاتجاه الأول والاتجاه الثاني معاً لأن كلّ واحد منهما يدعو إلى التغيير الجذري، كما ينتهي بالجماهير إلى السلبية واللامبالاة وتقوم بالترقيع والتلفيق و التغليف في عملية التغيير الاجتماعي، و"لما كانت السلطة الوطنية من أنصار التوفيق بين القديم والجديد كان التغيير يحدث من السلطة وباسمها وكأنها عملية مفروضة بالرغم من تلبيتها لحاجات الجماهير."

أمام أزمة التغيير الاجتماعي والثقافي، وأمام هذه الاتجاهات الثلاثة ذات المحاولات الثلاث الفاشلة في صنع تغيير اجتماعي وثقافي داخل البلاد النامية يأتي مشروع "التراث والتجديد" بديلاً عنها وفي ذلك يقول صاحب مشروع "التراث والتجديد": "وقضية التراث والتجديد جزء من العمل الإيديولوجي للبلاد النامية، إذ أنّه عمل على الواقع، ومحاولة للتعرف على مكوناته الفكرية والنفسية والعملية، هي قضية تصفية المعوقات الفكرية للتنمية، ووضع أسس فكرية جديدة لتطوير الواقع... تتناول البحث عن الشروط الأولية للتنمية... محاولة لتحقيق متطلبات العصر للبلاد النامية في الناحية النظرية والعملية والتغلّب على مآسيه وهزائمه."  وأهم متطلبات البلاد النامية التحرر من الاحتلال ومن كل أشكال الاستعمار وصوره، وتحقيق التنمية الشاملة ضد التخلف بمختلف صوره وتحقيق التقدم ضد الركود والجمود بمختلف أشكاله. "مهمة التراث والتجديد حل طلاسم الماضي مرّة واحدة وإلى الأبد وفك أسرار الموروث حتى لا تعود إلى الظهور أحياناً على السطح وكثيراً من القاع. مهمته هو القضاء على معوقات التحرر واستئصالها من جذورها... التمرد من السلطة بكل أنواعها سلطة الماضي وسلطة الموروث فلا سلطان إلاّ للعقل، ولا سلطة إلا لضرورة الواقع الذي نعيش فيه... هو تفجير طاقات الإنسان المختزنة المحاصرة بين القديم والجديد كحصار الإنسان في اللاّهوت المسيحي بين آدم والمسيح، بين الخطيئة والفداء."

 

الدكتور جيلالي بوبكر

 

mustafa alomariتعودت مجتمعاتنا على ثقافة الكبت والإتكال وإحالة كل ما يتعلق بالدين او الثقافة الغيبية الى رجال أطلقوا على انفسهم فيما بعد (اختصاص ديني) بحيث اضحى السؤال هو المحرم الفعلي في المساحة الدينية وليس من حقك البحث والتساؤل فيما يطلب منك التعبد به والتقرب فيه الى الله.

 الله الذي حوله بعض المنتفعين الى مؤسسات نفعية لسرقة أموال الناس مادياً والصعود على اكتاف المساكين اجتماعياً وخوض الحروب عسكرياً . ¬¬¬معظم المجتمعات الغربية والاسلامية تلهج باسم الله وان اختلفت التسمية لكن يبقى الله هو نفسه الذي نتحدث عنه في مجتمعنا العربي ونفسه الذي يتحدث عنه جاري الامريكي وهو ذاته في  البرازيل وافريقيا وفي اغلب دول العالم، أكيد هناك بعض الاضافات لشكله ومظهره لكن يبقى هو صاحب السلطة الفعلية على هذا الكون كما تقول كل الاديان . صاحب هذه السلطة الكبيرة والعريضة اختلف المؤيدون له، اختلافاً مميتاً في كثير من حالاته . دعونا ننطلق من حجم هذا الاختلاف الكبير ومن منظر مخيف يكاد يسحق العالم كله باسم الله، دعونا نحن البسطاء والذين نؤمن كما وجدنا عليه أهلنا، دعونا نسأل الله خالق البشرية جميعاً وليس خالق اليهود او المسيحيين او المسلمين او البوذيين فقط، دعونا نجتهد قليلاً لأن الله يحب المجتهدين الباحثين العاملين   ..

فنسأله أسئلة طالما تسآءل بها الكثير من البسطاء أمثالنا، لكي نكتشف الله الحقيقي وليس الله المتحزب المتطرف الله الذي يدعو للحب والتسامح وليس الى القتل والعداء والاستعداء فنسأله :

  1. هل أنت يا الله من خلق هذا الكون والسموات والارض والمسؤول عنهما ؟

 2 هل حقاً طلبت ان تعتنق الناس جميعاً ديناً واحداً والا سيخلدون في نار جهنم ؟ اذا كان كذلك .

 3-  لماذا لم تخلق الناس أمة واحدة وبدين واحد وبذلك يكونون مطالبين بالتطبيق وليس التغيير والتطبيق؟

4- اذا كانت اليهودية مثلاً هي الدين الحقيقي الذي ترتضيه انت، فلماذا يا ربي خلقتني مسلماً وفي بيئة تعاقب من يغير دينه بالقتل؟ وانت تعرف هذا .

5- يا ربي مجرد التفكير في التغيير من دين الى اخر يعني موتاً فعلياً او موتاً اجتماعياً . أيعقل انك خلقت الناس لكي يكون همها الدين ثم تتقاتل فتموت بدون شفقة؟

 6- هل انت ياربي من بعث الرسل والانبياء، أم أنهم إفتأتوا عليك وقالوا إنا رسل رب العالمين؟

 7- اذا أنت من بعث الرسل فما ذنب الذين يعيشون في أوروبا  وامريكا واليابان، ان يلتزموا بالاسلام الذي نزل بلغة العرب وعرب قريش تحديداً؟

  8- أيعقل انك أوجبت على الغربيين والعالم أجمعين ان يكونوا مسلمين وأنت تخاطبهم بلغة الصحراء وبمفردة الخيل والإبل والحمير والبغال والخيام، وهم ابناء الماء والخضراء والوجه الحسن وليس لهم خبرة ومعرفة بالذي تذكره او الذي تدعوهم اليه؟

9- هل صحيح ياربي ان الديانات مكملة بعضها للبعض الاخر أم هذه فرية ! اذا كانت كذلك فلماذا هذا الاختلاف بين رسالة ورسالة اختلافاً ليس جزئياً بل هو جوهرياً يصل مداه حدّ القتل والاستعباد والاستبعاد .

 10- إلهي ما ذنب والدي الذي خلقته مسلماً لا يجيد القراءة والكتابة وفي بيئة بالكاد تجد العيش لكي تعيش، ثم تطلب منه ان يتفقه بالدين وان يتحول الى دين اخر غير الدين الذي وجد عليه أهله وإلا سيكون مصيره العذاب والحرق والصديد والحديد .

 11- هل عدل منك يا الله تخلق المسيحي المنعم على شواطئ وبحار أوروبا  وامريكا وتقول له انك على الدين الحق وتبشره بالهدايا بالاخرة وتغدق عليه بركاتك في الدنيا؟

 12- هل أنت  من صرخ برأس الفقهاء ورجال الدين ليكون كلامك بهذا المستوى : أما اعدائي أولئك  الذين لم يريدوا ان أملك عليهم فأتوا بهم الى هنا واذبحوهم قُدامّي . وهل انت من أشار على الفقهاء بأن دم المسلم يختلف عن دم غير المسلم بحيث لا يقتل غير المسلم بالمسلم في القصاص وان دية المشرك لا تساوي حتى نصف دية المسلم؟

 هذه بعض الاسئلة على هامش الذهن لم تكن بالعمق الذي يريده بعض المختصين والباحثين، لكنها كانت بحجم تفكيرنا تفكير البسطاء والذين يبتغون نشر لغة المحبة والسلام بين الناس . الزعم ان الاديان كونية ويجب ان تعم الكرة الارضية، زعمٌ ما عاد يغري ولا يجذب الناس كما كان يشاع له من قبل، الدعوة الكونية هي الزعم على ان الدين عالمي ويجب ان يسود العالم اجمع، ترتطم هذه الدعوة بالخطاب الديني عموماً الذي يكاد ينغلق ويختنق تماماً على الافراد غير المنتمين إليه بل يسد عليهم أفاق ومنافذ الارض والسماء . أعتقد ان لا دين من دون نزعة انسانية بل لا يستحق اي دين او فكرة دينية ساعة عناء من البحث اذا لم يكن الانسان هاجسه الاول .وبما ان الزعم الديني جاء من أجل رقي الانسان ولخدمته تحركت بعض العقول الحية لكي تشذب الحالة الدينية وتتخلص من كثير من اثقالها الضارة، فاستحدثوا قانوناً وضعياً غير قابل للجمود فهو يتغير من حين لأخر بمقتضى الحال الذي تطلبه مسيرة التقدم العلمي وتأخذ بالحسبان المنفعة التي ستتحقق للانسانية، هذا ما حصل في اوربا وفي العالم الغربي عموماً، اما في عالمنا الاسلامي حصروا الله في مكانات خاصة وفي بعض الاحيان في بيوتات تدّعي العلم ولذلك زعمت انها المكان الحصري الذي تعرف الله وتروج له، ولا يمكن العبادة او التقرب والعبور له الا عن طريقهم .

 في عالمنا الاسلامي ضاع الله بين عنجهية فقيه لا يرى الا نفسه وحاشيته ومن يتبعه وبين عامية الاشخاص الذين يخافون من اي سؤال، سؤال لا يُجاب عليه لكنه سيشكل غضب زبانية المؤسسة الدينية وحنق الفقيه .

كم من الاسئلة القلقة والجادة التي تناقش بها الناس بدون معرفة  وبعدما قرروا ارسال هذه الاسئلة الى العارف الفقيه، أهملت أسئلتهم وألقيت في سلة المهملات ومع ذلك لم يشكل صمت الفقيه او إهمال اسئلة الناس ورميها والاستخفاف بها أي هاجس من المراجعة لمسيرة تلك المؤسسات التي تدعي الدعوة والقرب من الله، بالوقت نفسه هي تسرق وتغش وتدفع بالمساكين الى الموت متسترة باسم الله ! .

اذن نحن بحاجة ماسة لمراجعة فعلية فردية غير تواكلية، لكي نبحث عن الخلل الذي طوق بلادنا الاسلامية خاصة، نبحث عن الله أهو كلي أم جزئي ؟ هل فعلاً ان الله يحتاج الى وسيط  والى رجال ومؤسسات متخومة ؟... يلحق . 

 

مصطفى العمري