المثقف - أقلام حرة

ثقافة التظاهر وخراب البصرة

محمد الذهبيفي عام 91 وفي أوج هزيمة الجيش العراقي من الكويت واشتعال أوار التظاهرات، خرج الشباب في مدينة الثورة، وأعلنوا انتفاضتهم، وجاءني صديقي فرحاً، لقد تظاهرنا بالأمس وحطمنا زجاج المصرف واقتلعنا قطعة مصلحة نقل الركاب، قلت تقصد المصرف القريب من بيتكم، قال: نعم، قلت: وتقصد بقطعة مصلحة نقل الركاب المظلة التي يستظل تحتها الناس عند انتظار المصلحة، قال: نعم، قلت له: بربك هل رأيت صداما يقف تحت هذه المظلة ام رأيته يقترض من هذا المصرف، المصرف يقدم خدماته لأبناء الحي الذي نسكن فيه، وكذلك المظلة فهي تحمينا من الحر والبرد، وفي مرة من المرات جلست مع صديقي ذاته، وطالت الجلسة وصار الرجل يستخرج مكنون ما يؤمن به، وأثناء عودتنا ومرورنا بقطعة استدلالية مكتوبة بخط جميل تشير الى شركة مقاولات مختلطة، قام صديقي وهتف بسقوط صدام واقتلع القطعة وراح يدوسها بقدمه، عندها توجهت بالحديث اليه وقلت له : أنت لا تمتلك ثقافة التظاهر، وكثير من الثورات والانتفاضات فشلت بك وبأمثالك، هذا واقع الحال، الشعب الذي يختار 325 لصاً لقيادته في الانتخابات لا اعتقد انه يستطيع فرز مئة متظاهر يستطيعون إيصال أصواتهم بشفافية ونزاهة، وهذا ما حصل لصاحب الزنج الذي استعان بثورته بالرعاع وقطاع الطرق، فانفضوا من حوله بعد خراب البصرة وإحراقها تماما، لا اعتقد ان في الأمر غرابة، فالإنتفاضة الشعبانية التي حدثت في العراق، كانت ثورة حقيقية لكنها استعانت ببعض أشباه الزنج وزاد شبهتها ان قسما من رجال المخابرات العراقية استطاعوا التسلل اليها فشوهوا أهدافها بأعمال الحرق والقتل، وبعدها استخدمهم النظام في التعرف على رجال الإنتفاضة الحقيقيين.

زمن التظاهر بحرق الممتلكات العامة انتهى وعلى الشعب العراقي ان يعي هذه المسألة، المدرسة التي تحترق والمشفى لا يمكن إعادة بنائه والأنبار والموصل خير شاهد على هذا الأمر، نحن لا نتكلم عن المدسوسين، فهؤلاء قلة لا يستطيعون فعل شيء اذا لم يكن رأي الجماهير المحيطة مطابقاً لرأيهم، الجميع رأى الفيديوات وشاهد نوعية المتظاهرين، اغلبهم شباب صغار قد أعماهم الحماس والتهور وأغرتهم الشعارات وكان لديهم الاستعداد على ارتكاب أبشع الأعمال، هنا تأتي اهمية القانون ونظام الدولة، لسنا أكثر ديمقراطية من اميركا، لنتباكى على المطار والمستشفيات ونصرح ان من احرقها من المدسوسين، كنا نلاحظ الشرطة الأميركية وهي تسحب المتظاهرين مستخدمة الهراوات في تفريق الذين يريدون أذى ببنية الدولة، الجميع كان يتفرج على النيران ويهتف بقوة احرقوها، لم يكن المدسوس بينهم الوحيد الذي رفع شعار الحرق والقتل، وإنما هي وراثة يستعرضها تاريخنا الطويل فهذه ثالث مرة تحترق بها البصرة، فالمرة التي وصلت طلائع الجيش العباسي اليها كان قد انتهى كل شيء فقالوا بعد خراب البصرة وهذا في زمن صاحب الزنج علي بن محمد العلوي، الذي انتسب الى العلويين واستقطب العبيد بأمل تحريرهم ثم ادعى النبوة وانه المهدي المنتظر فاستقطب الشيعة الذين طال انتظارهم للمنقذ، واستغل ضعف الدولة فحكم أكثر من سبعة عشر عاما انتهت بحريق وخراب البصرة، هذا السيناريو سيتكرر كثيرا وسيظهر من يظهر مطالبا بالزعامة مادام هناك من ينفذ غرضه ويصدق انه مقدس وان ما يقوله مرسل من الله، الفرد اغلب الأحيان على خطأ والشعب هو صاحب القرار الصحيح اذا ما كان شعبا واعيا يميز الأمور تمييز اللبيب، الف تحية لكل متظاهر واعٍ اراد ان ينتزع حقوقه من فم ظالميه، والف تحية لكل صوت صادق صدح ويصدح بسقوط الفساد والتخاذل، والف قبلة على جبين كل متظاهر انسحب حين رأى ان الأمور خرجت الى مفهوم التخريب والتدمير ليحافظ على سلامة مدينته ويعيد الكرة في رفع صوته حين تكون الظروف مؤاتية لهذا الغرض، سلاما على البصرة المظلومة فهي القريبة من الماء لكنها تشكو العطش، وهي القريبة من النفط لكنها تشكو العوز والفاقة.

 

محمد الذهبي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4387 المصادف: 2018-09-09 01:50:52