المثقف - نصوص أدبية

القطار

جلست قبالته في القطار الذي يربط بروكسيل بباريس.

أحس بوجودها فلملم جسده ليفسح لها مكاناً دون أن ينظر إليها، وغرس عينيه في كتابه الإلكتروني.

عندما إنطلق القطار حمحمت عدة مرات دون أن يعيرها إهتماماً، فركلته بركبتها.

رفع عينه: عفوا سيدتي..آنستي ..هل من حاجة؟

كانت في العشرين من عمرها أو أكثر بقليل.

ردت: هل تقرأ كثيرا؟

- أحياناً..عندما أكون في القطار أو في الطائرة.

- أليس من الأجدر أن تقرأ في بيتك وتترك القطار والطائرة للتعرف على الآخرين؟

- رأي جدير بالإحترام...لكن مثل هذه المحاولات قد تعود علينا بالبلاء.

سوت خصلة في شعرها وناولته قطعة حلوى.

سألها: هل أنت من بروكسيل؟

- نعم...وذاهبة إلى باريس لاحتفل بعيد ميلادي العشرين.

- كل عام وانت بخير.

كاد يعود الى كتابه الإلكتروني لكنه سمعها تقول له:

- انك تشبه أبي.

إرتبك وتمتم: صدفة سعيدة.

اتكأت على بلور النافذة وهي تنظر الى المروج المسرعة: لم أعرفه إلا من صورة في صالون بيتنا. قد مات ولم اتجاوز العام.

- رحمة الله.

وضعت منكبيها على ركبتيها ونظرت في عينيه: انني أكرهه.

كاد أن يقفز من مكانه لكنه تمالك نفسه ورد: ربما لانك تفتقدينه.

تراجعت الى الخلف وساد الصمت بينهما عدة دقائق. تأكد أنها لم تكن تبكي. أراد أن يقول أي شيء ليواسيها لكنه سمعها تهمس بنبرة حزينة: بل انني أكرهه فعلا. تزوج أمي وهو في الستين من عمره وكان مريضاً بداء السكري. بعد ولادتي بأشهر مات في حادث سيارة اثر أزمة. لماذا انجبني وهو مريض.

تذكر أنه شارف على الستين وأنه لم يتزوج بعد. لو تزوج مبكرا لكانت ابنته في سنها ولكان أخذها إليها لتحتفل معها بعيد ميلادها.

فرك شعر رأسه وكأنه يبدد كتلة حرارة موجعة تجمعت فيه: الأعمار بيد الله. ربما كان يحبك.

فصرخت حتى ازعجت الركاب: لا أحب الموتى.

معذرة... رددتها بصوت منخفض.

دخل القطار محطته الأخيرة.

ودعها مطأطأ العينين.

كان يمشي أمامها على الرصيف فلحقت به وتأبطت يده.

 

محمد نجيب بوجناح

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

قرأت إلتقاطتك المتميزة الرائعة والتي تمثل جقل ابداع وفيرو مثمر , , سلمت لنا ودمت بخير , مع كل اعتزازي ومحبتي

د.هاشم عبود الموسوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الصديق و الشاعر محمد نجيب بوجناح
يسعدني ان تتذكر ايام القطار الاسود في بولندا، و قطار الانفاق الفضي في مترو باريس،
هذه اللوحة القصصية تكاد تكون استعادة فنية لعقدة جوكستا، مقلوب اوديب،
فالانثى تتمسك بالمذكر لانه يشبه اباها،
رشيقة و ذكية.

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4277 المصادف: 2018-05-22 09:39:18