153 فلاح الشابندرقراءة نقديَّة في مجموعة (في زنزانة السُّؤال)

مما لا شك فيه أنَّ الفعل الجماليّ والإبداعيّ ينطلق أساسا من ذلك التوهج والاشتعال الذي يثيره السُّؤال أو مجموعة الأسئلة التي تعتمل في ذهن الشّاعرالذي يعيش وإياها حالة من الصراع الدائم بحثاً عن الإجابة، وفي كثير من الأحيان يصل إلى اللاجدوى، وما بين البحث عن الإجابة واحتدام الصراع يجد الشَّاعر نفسه مُحتجزا ً في فلك تلك الأسئلة .

و(في زنزانة السُّؤال) (1) وهي مجموعة شعريَّة جديدة للشاعر فلاح الشّابندر وامتداد لمجاميعه السَّابقة من حيث الأسلوب الذي اعتمده الشَّاعر بإسباغ سمة الرمزيَّة على نصوصه المنطلقة من رؤية فلسفيَّة بإزاء الحياة ومن إيمانه بديمومة الرَّمز وقدرته على تأصيل المعنى وتوهجه، فقصائد الرَّمز لا تنأى فيها المعاني ولا تموت بمجرد وصولها إلى المتلقي بل هي متجدِّدة في خلق التَّوتّر الأوَّل الذي تَولَّد لدى الشَّاعر وأوصله إلى المتلقي وبدرجات متفاوتة، وإنْ لم يكن الشَّاعر قاصداً ذلك المستوى من التوصيل حسبما يقول " رتشاردز": (فإنَّك لو سألته عمّا يفعل فأغلب الظنّ أنَّه سيجيبك قائلا: إنَّ التوصيل في نظره مسألة لا شأن له بها . أو على أحسن الافتراضات فإنَّه يقول: إنَّها مسألة ثانويَّة بحتة، وإنَّ كلّ ما يفعله هو أنَّه يصنع شيئاً جميلاً في ذاته أو شيئا يبعث على الرِّضا في نفسه أو شيئا ذاتيّا يُعبّرعلى نحو غامض عن مشاعره ونفسه). (2)، غير أنَّ فلاح في مجموعته هذه يسعى إلى خلق مستوىً من التوصيل للمتلقي بتعليقه مفاتيح النصوص في مكان ما منها متحدِّيا ذائقة المتلقي ومراوغا أحيانا وصولاً إلى المعنى وبالتالي إلى لذَّة الاكتشاف التي تميّز الرحلة مع القصيدة الحديثة عن القصيدة المباشرة التي لا تذهب إلى أعمق من سطح المعنى التي تجاوزها فنُّ الشِّعر ومازال بعضهم متمسكاً بها، أو الرَّسائل الوعظيَّة التي قال فيها الشّاعر الأنكليزي (جون كيتس): (إنَّنا نمقتُ الشعر ذا الهدف البيّن لأننا نحس بغريزتنا أنَّ وظيفة الشِّعر الحقيقي ليست الوعظ).(3)

وقد ذهب عبد القاهر الجرجاني إلى معنى مقارب حينما قال (... ومن المركوز في الطبع أنَّ الشيء إذا نِيل بعد الطلب له والاشتياق إليه ومعاناة الحنين نحوه كان نيله أحلى وبالمزية أَولى، فكان موقعه من النفس أجلّ وألطف وكانت به أضنّ وأشغف). (4)

إنَّ نصوص هذه المجموعة تقودنا إلى موضوع الغموض في قصيدة النَّثر بكل تأكيد والذي تصدى له عديد من النقاد العرب والعراقيين     والغربيين ولكني وجدت نفسي أميَل إلى رؤية الناقد فاضل ثامر وتأكيده: (إن الغموض، كما نفهمه لايعني إغلاق النَّصّ أو تعتيمه أمام القاريء، بل يشير إلى الطاقة الإيحائيَّة الكامنة القادرة على تقديم بثّ دلاليّ وسيميائيّ متعدد الأوجه والتأويلات والاحتمالات، وفي الوقت ذاته فإنَّ هذا النوع من الغموض لايضع جداراً "صينياً" بين القاريء والنَّصّ ولا يخلّ بوظيفة الشَّاعرالاجتماعيَّة ومسؤولياته الإنسانيّة والثقافيَّة المتعددة، ولذا فنحن مع الغموض المشعّ الذي يكشف دخائل النَّصّ ويحفّز نداءاته تجاه القاريء ويدفع إلى لذَّة جماليَّة متّصلة، وهي لذَّة معرفيَّة وروحيَّة معاً...). (5)

على هذا الأساس جاءت قصائد المجموعة ممانعة في منح نفسها للمتلقي للوهلة الأولى ولكنّ ذلك لايمنع من سحب المتلقّي إلى فلك جُمل شعريَّة قد تبدو للوهلة الأولى غريبةً ومشوّشةً وعسيرةً على الفهم وغير مترابطةٍ ظاهريّاً بالقياس بالمألوف، لكنَّه ليس غموضاً عشوائيّاً يرمي إلى الخلط وتشتيت المعاني وإنَّما لزيادةِ شحنةِ التَّأويلِ وتحقيقِ التَّراسل بين النَّصّ والمتلقي .

وبقدر خطورة اللعبة في أنْ ينزلق النَّصّ إلى التَّعمية على الشَّاعر أنْ يتمسك بجوهر قيمة هذا التراسل بينه وبين القاريء. وهنا نتساءل: ما الذي يريده الشَّاعر؟؟ وهذا التساؤل بحدِّ ذاته هو الذي يقودنا إلى معرفة الهدف الحقيقي للقصيدة وصولاً إلى نشوة الاكتشاف، اكتشاف الفكرة التي يقول عنها جان فاري جويو (من أضاف فكرة إلى تراث العقل الإنساني كان في إمكانه أنْ يبقى بهذه الفكرة ما بقيت الإنسانيَّة ...).(6) والفكرة ربَّما تكون إجابة محتجزة " في زنزانة السُّؤال ".

وإذا ما دخلنا المجموعة عبر الغلاف فإنَّنا سنُفاجأ بالعتمة السَّائدة مجسَّدَة بعتمة اللون الدالّ على ظلاميَّة المشهد وعدم وضوحه تُطلُّ منها صورة وجه الشَّاعر وقد أثخنته تضاريس الحَيرة وخطوط البحث عن الإجابة بعينَين ذابلتين منهكَتين وقد وضع يده على فمه كمنْ يكتم سرّاً لايريد له أنْ ينطلق أو كارثة لايريد لها أنْ تعمَّ ..ولذا فهو مُحتجزٌ حقّاً خلف قضبان أسئلته كتما وإجابة ولكلٍّ منهما فصول من الحزن المُعَبَّر عنها في نصوص المجموعة، فيما جاء الإهداء متعالقا مع الغلاف ليطرح سؤالاً كبيراً مشحونا بالحزن والأسى ليتقدم أسئلة المجموعة، طارحا سؤال الفقد الذي انزاح من الجسد المادّي إلى معنى آخر يتمثل بالحرّيَّة:

(الشَّمس ...

التي أفتقد ...

أهي نائمة؟) (7)

لتتوالى بعد ذلك عشراتُ الأسئلة عبر نصوص المجموعة التي تتراوح بين القصير جدا والطويل والتي تعكس تجربة الشَّاعر الحياتيَّة ورؤيته الفلسفيَّة بإزاء ما يواجهه في هذا الكون، فعمق النَّصّ يتجلّى في عمق السُّؤال الذي يطرحُه الشَّاعر.

* الدخول إلى الزنزانة:

ما إنْ ندخل إلى زنزانة أسئلة الشَّاعر حتى نُفاجأ بسَيلٍ من علامات السُّؤال التي تصطخب وتضجُّ رافعةً يافطات الرَّفضِ تارة والاستغرابِ ثانيةً والدَّهشةِ ثالثةً في فضائَي الزّمان والمكان .

وبقراءة إحصائيَّة في نصوص المجموعة وجدتُ أنَّ الشَّاعر قد اعتمد مفردة (السُّؤال) أربع عشرة مرَّةً، فيما بلغت الجمل الاستفهاميَّة اثنتين وثلاثين جملةً أي أنَّ الشَّاعر قد طرح على المتلقِّي ستاً وثلاثين سؤالا تضمنت تساؤلاتِه الكونيَّة ومخاوفَه ورفضَه وحَيرتَه بإزاء ما يشهده بوصفه إنساناً محاصراً بالموت والحرب والحبِّ والفناء والمحو.

وهكذا نجد أنَّ (الأسئلة) التي أصبحت ظِلَّ الشَّاعر المنطلق من وعيه لما حوله وسرّه المعرفيّ للكون المُعبَّر عنه عبر آلاف الأسئلة التي لا نهاية لها والتي تواصل الطَرق وبإلحاحٍ بحثاً عن إجاباتٍ تشفي غليل الشَّاعر قبل أنْ يتحجَّر السُّؤال مثلَ مسمار في باب قديم :

(نعم، سيدي السُّؤال؟

يُغمغِم ويغادر ..ألفاظ الطَرْق ثانية ً

مسمار في بابي.. السُّؤال،

في اللحظة ذاتها لو أستعيرُ اسما

أو أستبدلُ لونَ شعريَ الأبيض ..؟

قال: هاهو مُستل ٌ من جمع وجع ...خذوه!

تحت لساني – وصيّة أمي – حفنة ملح)(8)

* زهرة المفتتح ... وسؤال الحرب:

تترك الحرب آثارها على الشَّاعرعبر قصائد المجموعة وتتَّخذ أشكالاً مختلفة فمنها الحرب التي وقودها الناس والحجارة ومنها حربه مع نفسه ومنها حربه مع الآخر..

وهاهو يصرخ ألماً وحُزناً بوجه الحرب التي سلبتهُ السَّلام والحبيبةَ والجَمال والبراءة التي رسمها عبر الذاتِ الشَّاعرةِ المثقلةِ بالأسى وبلغةٍ بدأها مُتهكِّما لينتهي بها مفجوعا عبر مفارقة الموت والحياة:

(إلى الحرب:

مع التحيّات

ماتت...

ماتت زهرة البراري !)(9)

وتنعكس الحرب بظلالها ثانيةً بمآسيها في (لون الوضوح) مُتَّخذةً شكل نحيب الشمس الممزوج بنعيق الغراب وهي استعارات دالَّةٌ على ظلاميَّة الحرب وقساوتها التي تثقلُ نور الشَّمس بالحزن وترسمُ صورتها بتقانات الرؤية واللُّغة السينمائيَّة:

(بيضاءُ ... ثريَّة ٌ

الشَّمسُ المائلة،

على نحيبها

الزنجي، غراب).(10)

وهو إذ يتصدى للحرب فإنَّه يغور بتفاصيلها الكارثيَّة الأخرى من قتلٍ ونزوحٍ وفقدٍ وتشريد، إذ يجد الإنسان نفسه وقد فقد كلَّ شيء بسبب أهوالها ... بعد أن فقد الدفءَ الأوَّل ليستحيل إلى مجرَّد حطب والحياة إلى رماد لا تورثنا إلا الثَّلج، إذ تتضاعف جرعة الفقد وتتعاظم المأساة:

(على هذا القدر من القرب،

دفء...

وعلى قدرٍ من البعد،

رماد...

والحطب جوفُ الثلج

لكن قلبي يتجرأ على مضمون آخر للفقد

بعد أن كان لايجرؤ على ذلك إلا سرَّا). (11)

ويعود الشَّاعر صارخاً بوجه الحرب في قصيدة ( أنا النّاجي من الحرب)، الحرب التي أثقلت لحظاتِ عمرنا وعقاربَ ساعات العمر بالخوف والقلق المُمِضّ خشية الفقد وما بعده من نسيان مُميت !!!

(تنالُ منك فقاعةٌ على الصَّدأ

تنحلُّ كالدمع من غصنِ الخريفِ

باذخٌ هو الفراق ...

أنا النّاجي من الحربِ

أفرغني النسيان !) (12)

لكنَّهُ وبمشهد ساخر من الحرب ومآلاتِها ومن تجّارها الذين أشعلوها رغبةً بدخول التاريخِ وصنعِ مَجدٍ بطوليٍّ زائفٍ لهم، يقف الشَّاعر مُغتنِماً فرصةَ هزيمةِ زعماءِ القتلِ والموتِ والدَّمار ليُعلنَ نفسه زعيماً منتصراً بإرادة الحياة وهزيمة إرادة الموت في تبادلٍ للأدوار يرسمه الشَّاعر لنفسه:

(... الصدفةُ،

ترتّبُ الأدوار

زعيم أنا .

أرباب ٌ الآن،

يقشرون البصلة،

البصلةَ المكتومةَ بالدَّمعِ

في دروبِ المدينةِ،

حشرجة ُعربةِ ضَحكٍ

زنّارُها علبُ صفيحٍ فارغةٌ

الحوذيّ مضى بلا عربة .).(13)

وهكذا تنهار الصّروح الفارغة ويتردَّد صداها صدى علبِ صفيحٍ فارغة ويتجرَّد منها أقرب الناس لاعناً اللحظة التي ركب فيها تلك العربة التي جرَّت معها الخيول المتصبِّبة عرقاً إلى الهاوية .

* أسئلة الحُبّ ... وهاجسُ الأبديَّة:

في أسئلة الحبّ نجد أنَّ الشَّاعر عاشقٌ يسعى إلى إثبات كينونته ويسعى باحثاً عن هذا السرّ الكامن في جوف الصَّخرة، أو تلك التي لو "سألها موعداً لأنتشرعطر الغواية متوجِّها لها بسؤال السُّؤال:

(هل بيننا سؤال

لانعرفه ..؟

لمسَتُكِ !!) (14)

وهل لمَسُ الحبيبة يوصله إلى يقينيَّة الجواب بأنه حيّ مثلا؟ أم سيظلُّ حالما بالأبديَّة ملاذاً وفتكَّاً بالمسلَّمات؟ :

(تعالَي اللحظةَ،

الأبديَّة ُ: ليلٌ في وشاح أبيض)(15)

وفي قصيدته التي عنونها "إلى الحياة " يستدعي شاعرنا الأبديَّة خياراً للهروب من زيف الحياة التي فقدت عريَّها الأوَّل وتأخذ الأبديَّة شكل الحبيبة:

(تبدو الأبديَّة ُمكاناً مألوفاً

حبَّة ضوء

قطرة ندى

بدائيَّة العُري الأوَّل:

غسقٌ، وبحرٌ،

نارٌ ومرايا

وليلٌ في "ساتان" أبيض ...

تبدو الأبديَّة مكانا مألوفاً

ضميني، ضميني أيتها الأبديَّة ..). (16)

وهكذا فالأبديَّة تعني له السَّلام الروحي والنقاء والسّكون وهو تارة يصفها "ليلٌ في وشاح أبيض" وتارة " ليلٌ في ساتان أبيض" والوصفان المتقاربان من الممكن أنْ ينزاحا نحو المرأة التي تربض في لاوعي الشَّاعر .

ولا تخلو صور الحبّ عنده من تلك "الآيروسيَّة" العذبة ففي " تكوين"

يقول:

(منسوجة من غنج النعاس اللذيذ

تتثاءب،

ونباهة النّهد،

لئلا ينزلقُ القميص متأوهّا بإهمال).(17)

* أسئلة المَحو .. أسئلة الغربة

تكتنف المجموعة أسئلة أخرى فضلاً عن أسئلة الحياة والموت والحرب ولعلَّها أمضّ وأكثر وجعاً منها ..ألا وهي أسئلة المحو والفناء والغربة والإقصاء التي باتت تضاعف مخاوف الشَّاعر وهواجسه في وعيه ولا وعيه وهي تنسلُّ بين نصوص قصائده لتَطلَّ برأسها عبر نصوص المجموعة، مرّة تلميحاً وإشارةً ومرّة تصريحاً وجهرا:

(من الشَّعر

ممنوع اللمسِ .

تفاحة ٌ..

مرحُ السُّمِ، لم يعد سرّاً

فما كلّ هذا اللغو بالشبهات؟

ربما تأخذك سِنةٌ من النوم،

وينسدلُ السِّتار !..). (18)

هنا يتجلى بوضوح الخوف من المحو ..الذي يعني محو الحضور والجسد والتأثير، ولذا فإنَّ الشَّاعر عبّر عن الخوف بانسدال السِّتار ونهاية فصل الحياة بالنوم الأبديّ مُوردا مفردة السُّم الذي يمحو الحياة، وتتسع مفردة انسدال السِّتار لتشمل محو حضارة وأمم وحقب تأريخيَّة بأكملها وهذا ما يزرع الرّعب في قلب الشَّاعر .

ويشكّل الإحساس بالغربة هاجساً مضافاً لذلك فهو يتشبث بالحبيبة ليتحرَّر من هذا الهاجس القاتل:

(لا تتركيني أموت من دونك

كم أحبُّك

تدنو ...

تدنو...

إلى هوة تدركها

أيَّتها الهوة..يا كلَّ انفاسي ..لو أتحرَّر) (19)

وكثيراً ما يركن الشَّاعر في نصوصه وبعبثيَّة واضحة إلى عدم جدوى الحياة، وهذا ناجم بكلِّ تأكيد من الحجم الهائل من الإحباطات التي عاشها التي ملأت صورة الحياة عنده بالضَّباب والكسوف والدّخان، ومن قساوة الحياة وتهميشها لإنسانيَّة الإنسان ...وصولاً إلى اللاجدوى:

(أيُّ كسوف؟

أيُّ همس

في غيوم ودخان؟

أيَّةُ عوامة، أيُّ غرق؟

كيف للحياة أنْ ترميك خارجها؟

تُرى ما يعوّل عليه الحتميّ؟

أيتبنى كلَّ هذا الهراء؟

إقامةٌ بانتظارٍ... لايصل). (20)

* هيمنة التكرارات

تُهيمن التكرارات على أغلب نصوص المجموعة بشكل ملفت وتأخذ أشكالاً متعدّدة منها ما هو تكرار للحرف ومنها ماهو للمفردة ومنها ما هو للعبارة أو الجملة .

والتكرارإذا لم يؤدِ وظيفته في ترصين النَّصّ والإشارة إلى فكرة ٍ ما أو يفصح عن مكنون أراد له المُنشئ أنْ يظهر فلا معنى له ويُحدث وجودُه إضراراً بالنَّصّ وإضعافاً له، والتكرار موجود في كلام العرب وفي الأدب الحديث للإبلاغ عن شيء مُعتنى به، وله وظائفه التي تأخذ في كثير من الأحيان بعداً نفسيَّا ودراميَّا .

ولعلَّ (أهم أشكال التكرار التي تقوم بوظيفة السَّبك النَّصّيّ الذي يتحقق بتوارد زوج من الوحدات المعجميَّة بالفعل أو القوة لارتباطهما بعلاقة دَّلاليَّة معينة قد تكون تضادّا حادّا أو عكسيَّا أو اتجاهيَّا، وربَّما يتحدَّد بفضل علاقة التنافر المُؤسَّس على الرَّتبة أو النَّفي أو الزَّمن).(21)

تقول نازك الملائكة: (إنَّ الشُّعراء المعاصرين يلجأون إلى هذا النوع، لأن اللُّغة قاصرة عن البوح بكلِّ المكنونات النفسيَّة وبالتالي فإنَّ تكرارالكلمة يمنح القصيدة نغماً وايقاعاً موسيقيَّاً يُترك في ذهن السَّامع، ويمنح النَّصّ قوة وصلابة لأن اللَّفظة المكررة تؤدي دوراً خاصَّاً ضمن سياق النَّصّ العام) (22)

لقد تمدَّدت وأتسعت مساحة التكرارات في المجموعة لتشمل أربعينَ موضعاً، خمسةٌ وعشرون موضعا منها في متون النَّصوص وخمسة عشر تكرارا في عناوينها .

وتأخذ هذه التكرارات أبعاداً مختلفة إلا أنَّ ما يهيمن عليها هو البعد "السايكولوجي" الذي أراد الشَّابندر أن يوصله إلينا عبر التركيز على مفردة معيَّنة بذاتها:

(أين يهدي الصُّوت هذا؟

لئلا يُمحى ..فينا صوت .. صوت فينا ..صوت فينا

... صوت فينا ..فينا صوت ..فينا صوت .. مغارةٌ

هو الصُّوت ...). (23)

ففي هذا المقطع الصغير يكررعبارة (فينا صوت) ثم يَقلبها إلى (صوت فينا) ليطلقها بشكل درامي وهستيري وهو يتشبّث بصوته مخافة أن يفقده، عاكسا جوّاً نفسيّاً مضطرباً يصل إلى حَدِّ الجنون في التعبير عن حساسيتة بإزاء ما يرى ويشهد، والصَّوت هو المعادل الموضوعيّ له إنساناً وكياناً ووجوداً، وفقده الصُّوت يعني فقده لكلِّ شيء، والإحساس بالفقد هنا قد يشمل الجميع وليس الشَّاعر فحسب بدليل اعتماده مفردة (فينا) فهو بذلك يخشى من موت واقصاء جماعيّ للمجتمع وتحوّله إلى مجتمع خالٍ من التأثير والإرادة .

ومثلُ ذلك قصيدة "زهرة المفتتح" إذ تتكرر مفردة (ماتت) مرّتين وهو يرثي زهرة البراري تعبيراً عن لوعة الفقد والموت وتأكيداً لفعل الموت .

ويأخذ التكرار في قصيدة (ضربة فرشاة) ومثلُها في قصيدة (زنزانة السُّؤال) بُعداً صوتيَّا ً وزمنيَّا:

(ذاكرة منظورة، أسمعها .. قلق صفري ٌساعةُ الحائط:

تك

تك

تك) (24)

ليعود إلى تكرارها في المقطع اللاحق للقصيدة نفسها معبّراً بها عن مرارة الانتظار وثقل خطوات الزَّمن الذي نعيشه بعد أنْ اختلَّت فيه الحقائق وساد التزييف ليختفيَ المعنى الحقيقي للحياة والإنسان:

(لا أدري ما تصرّح به، وبلا شك أنَّها بريئة ...ننتظر

وبينما ننتظر:

تك

تك

تك

تاريخٌ، غيّر مؤرخك ..ذلك معناك !) (25)

وظهرت التكرارات في أربعة عشر عنواناً في ضمن المجموعة جاءت على الصيغ الآتية (إلى صديقتي مُبصرا، إلى صديقتي مُتذوِّقا، إلى صديقتي عطراً، إلى صديقتي كُلَّاً، إلى صديقتي بإصرار، إلى صديقتي روحاً، إلى صديقتي معزولاً، إلى صديقتي فتكَّاً بالمسلَّمات، إلى صديقتي إصراراً، إلى صديقتي بوحاً، إلى صديقتي لامساً، إلى صديقتي ضامَّاً، إلى صديقتي سرَّاً)(26)

وهنا يريد الشَّاعر بهذه التكرارات تأكيد مفهوم الصَّداقة بمعناه الأبعد والأشمل لينزاح إلى الرُّوح والفتك بالمألوف والإصرار على البوح بمكنونات القلب وصولا إلى التوحد والتماهي والرُّؤية عبر الرُّوح .

وفي قصيدة (زهايمر) يأخذ التكرار وظيفة رسم الصُّورة صورة نزول قطرة الماء:

(كلّنا في مرجل بخاريّ

والصَّفوة:

قطرة

قطرة) (27)

غير أنَّ تكراراً مقطعيّاً لم يكنْ من المناسب تكراره في المجموعة وقد ورد في قصيدة زنزانة السُّؤال:

( ....

القضيَّة

أيَّة قضيَّة؟

بِلا). (28)

والتكرارغير المناسب هنا ليس فيما رمي إليه الشَّاعر في ضمن السِّياق العام لقصيدة "زنزانة السُّؤال"، بل بتكرار المقطع بصيغة متشابهة تقريبا في ضمن المقطع الثالث لقصيدة أخرى هي "مسرَّات ":

(- أمسيتُ قضيَّة

- أيَّة قضيَّة

- بلا) (29)

وكان الأولى به أنْ يكتفي باعتماده لمرَّة واحدة وأن لايعيد ما اعتمده في قصيدة مرَّة ثانية وبطريقة مماثلة .

عدا ذلك استطاع الشَّاعر أنْ يمنح تكراراته الأخرى بعداً دلاليّا وفكريّا عَكَسَ قدرته على جذب انتباه القاريء نحو حرف دالّ أو مفردة ساخنة أو جملة تملكته وأصبحت لازمة تدور في فلك القصيدة بعد أنْ كانت تدور في ذهنه .

* ذروة السَّرد في الزنزانة

من المعروف أنَّ السَّرد بتقنياتة حاضر في أغلب التجارب الإبداعيَّة لقصيدة النَّثر التي استندتْ في بنيتها إلى الحكي والحوار والمفارقة بهدف خلق عنصر تأثير آخر على المتلقي وذلك بعد أنْ تخلت عن الإيقاع الخارجيّ.

وتتعدد مظاهر الحضور السَّردي في قصيدة النَّثر التي استعارت طرائق السَّرد وتقنياته، ومن هنا فتحت قصيدة النَّثر باباً لهذا التداخل بحيث تبدو القصيدة أقرب إلى السَّرد القصصيّ، رغم أنها تنأى عنه نأيًا واضحًا.

وفي هذه المجموعة نجد أنَّ السَّرد واضح في أكثر من موضع لكنَّه بلغ

ذروته التي تفوّقت فيه تقنيات السَّرد الحكائي في قصيدة (مول أعرابي):

(أردت أنْ أبتاع قميصا، فأهتديت إلى محل للألبسة

المزدحم بفوضى الألوان، والاحجام

رست حيرتي عند نصيحة طفل:

( يسرني أن لا قياس لك في متجرنا) ويشير إلى محل

آخر: إلتفتُّ إلى الواجهة المنتشرة ( بوستر) ..لا

يمكن تلافيه لمعاناً، الناطح للفراغ في مهب الريح،

الآيل للسقوط من ملل..

في الجزء الأسفل يقف الرجل ( رجل إعلان)

القزم برأسه الضخم ..الخارج من عمق البياض ... البعيد بسُحنته البنيَّة،

واللحية الكثة، والشارب المقوس بقسوة ..وإذا ما ضحك يتسع،

ثقب معطوب .

واقف هو يعتمر عقالا، ونظارة ً سوداء، مرتديا

دشداشة يُعبّئ بها الرِّيح ....... الخ) (30)

من الواضح أنَّ الشَّاعر في هذا النَّصّ قد استعار تقنيات السَّرد لتمرير فكرته وهي البحث عن كينونته في فوضى الألوان وزحمة المهرِّجين ورجال الإعلان معتمدا على توصيف المشهد بلغة التقطيع السينمائيّ ليعطي للسرد قوة الثبات والتأثير في ذاكرة المتلقي، ((في الجزء الأسفل/ يقف الرجل / رجل إعلان / القزم برأسه الضخم / الخارج من عمق البياض/ ... البعيد بسحنته البنيَّة / واللحية الكثة / والشارب المقوس بقسوة/ ..وإذا ما ضحك/ يتسع ثقب معطوب /واقف هو/ يعتمر عقالاً / ونظارة ً سوداء / مرتديا دشداشة/ يُعبّئ بها الريح/) وكأنَّه يرسم مشهداً أوَّليَّا قبل الدخول إلى قلب الحدث .

إنَّ مجموعة (في زنزانة السُّؤال) بقدر ماهي حافلة بالأسئلة التي أطلقها الشَّاعر ليعبّر من خلالها عن رفضه الموت والحروب والغربة والمحو والإقصاء، بقدر ماهي حافلة بفنون الإبداع الواجب توافرها في قصيدة النَّثر ..ليؤكد لنا من جديد بعد "فحم وطباشير" و"سطر الشارع" أنَّه شاعر يثري نصوصه بما اكتنزه من رؤى وأفكار وثقافة تتعدى حدود السطح لتغور عميقاً في جوهر الفكرة النافرة من "ظلِّ الوردة إلى دهشة السُّؤال " .

 

د. سعد ياسين يوسف

................

(1) فلاح الشابندر، في زنزانة السُّؤال، دار سطور، بغداد- 2018

(2) ا.آ. ريتشاردز، مبادئ النقد الأدبي، ترجمة: الدكتور مصطفى بدوي، مراجعة د. لويس عوض، القاهرة – 1963، ص65

(3) اليزابيث درو، الشِّعر كيف نفهمه ونتذوقه، ترجمة محمد إبراهيم

الشوش، مكتبة منيمنة بيروت 1961-، ص34.

(4) ينظر د. محمود لطفي اليوسفي، الشِّعر والشِّعريّة: الفلاسفة

والمفكرون العرب – ما أنجزوه وما هفوا إليه، الدار العربية للكتاب،

تونس - 1992، ص358.

(5) فاضل ثامر، شعر الحداثة من بنية التماسك إلى فضاء التشظي، دار

المدى سوريا دمشق – 2012ط1، ص388

(6) جان فاري جويو، مسائل فلسفة الفنّ المعاصر، ترجمة وتقديم الدكتور سامي الدروبي، ط 2، دمشق - 1965ص69

(7) فلاح الشابندر، في زنزانة السؤال، المصدر السابق ص5

(8) المصدر السابق ص68

(9) المصدر السابق، ص7-8

(10) المصدر السابق، ص10

(11) المصدر نفسه، ص12

(12) المصدر نفسه، ص76

(13) المصدرنفسه، ص 74

(14) المصدرنفسه، ص 47

(15) المصدرنفسه، ص54

(16) المصدرنفسه، ص79

(17) المصدرنفسه، ص 61

(18) المصدرنفسه، ص85

(19) المصدرنفسة، ص 83

(20) المصدرنفسه، ص 41

(21) يُنظر نعمان بوقرة، مدخل إلى التحليل اللساني للخطاب الشعريّ، عالم الكتب الحديث، الأردن – 2008، ص38

(22) نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، دار العلم للملايين،

بيروت، لبنان، ط1، 1981 ص264

(23) فلاح الشابندر، المصدر السابق، ص83

(24) المصدر نفسه، ص23

(25) المصدر نفسه، ص24

(26) لمصدر نفسه، ص46- 59

(27) المصدر نفسه، ص88

(28) المصدر نفسه، ص26

(29) المصدر نفسه، ص 40

(30) نفسه ص 66

 

151 انمار رحمة اللهقراءة في مجموعة (بائع القلق) للقاص أنمار رحمة الله

قول في القصة، وقفة عند العنوان: الادب / منتج ذات انسانية متفردة تمد خيوط الكلمة صوب شمس الحرية وفضاء الجمال والحكمة، تفجر نبع الذات المنتجة، وتوفر المتعة للمتلقي، في مراحل التطور البشري، وتنوع اشكال وأساليب هذا المنتج الذاتي الشفاهي والمكتوب مما استوجب بالتالي الى تصنيفه الى شعر ونثر ثم تفرع من كل منهما فروعا اخرى .

ملخص القول الادب فن الإبداع غذاء ألروح رافعة الحب، رافعة الجسد، مفجر الاحلام والشجون مولد الجمال والحكمة، مقاتل القبح على مر العصور .

الذي يهمنا هنا هو جنس القصة القصيرة، التي هي عبارة عن مقطع عرضي وطولي مقتطع من الحياة اليومية للإنسان، يختزل سرد حدث عبر فعل لماح يرافق مسيرة البطل منذ خط الشروع ثم المرور عبر الموانع والكوابح او الميسرات والدوافع للوصول الى الخاتمة سواء ما هو سار او محزن، متوقع او صادم بالنسبة للقاريء .

القصة القصيرة | مخلوق رشيق، ممتع، جذاب، معبر، خفيف الدم، لماح فطن، يؤمن بمقولة خير الكلام ما قل ودل، يتبع مختلف الاشكال والأساليب ليحقق صفاته ومواصفاته اعلاه يتأرجح بين الواقعية اللماحة، والانتقادية والواقعية السحرية والغرائبية، يرويها على لسان انسان او حيوان او كائن مخلق في مخيال القاص وغير مألوف بالنسبة للمتلقي ...

في الوقت الذي تشكل فيه القصة القصيرة صفحة او فصل من رواية فالقصة القصيرة جدا هي روح القصة القصيرة بدون توصيف ولا تعريف بل هي ومضة بارقة تومض امام ناظري المتلقي ثم تختفي لتترك اثر ما في مخيلة القاريء، انها ثمرة على شجرة من دون اوراق ولا ازهار، ثمرة تلتف على بذرة هي روح الروح في القصة القصيرة جدا ...

هذا الفن الابداعي الرائع بحاجة الى خالق متدبر مفكر، يمتلك الحنكة والتجربة ويمسك زمام الكلمة ويتقن ملامح الصورة ليتمكن من انتاجه ويكون في مستوى متطلبات هذا الكائن الجمالي المدهش ...

امامنا مجموعة (بائع القلق) القصصية للقاص انمار رحمة الله، الصادرة عن دار الرافدين للطباعة والنشر الطبعة الاولى 2018 المؤلفة م 92 صفحة تضم بين ضفتيها (91) عنوانا لقصة قصيرة وقصيرة جدا وهي المجموعة الثالثة للقاص انمار .

المجموعة من خلال عنوانها اللافت (بائع القلق) تثير تساؤل وهو مايرمي اليه القاص بوعي كبير منه كما نرى، فلا حياة بلا قلق، لا جواب بلا سؤال، لا حدث بدون حديث... انها دعوة للإنسان للتفكر والترقب والتدبر، دعوة للحركة والبحث عن الجوهر، البحث عن المستتر خلف المخفي والمضمر، كشف المستور وفضح المستتر، وضع جمرة في يد المتلقي ليستشعر وجوده، تحريك الساكن وإعراب المتحرك لمعرفة محله من الاعراب في جملة الحياة المعاشة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وهل الحركة تناسب بالفعل موقعه في بحر الحياة؟؟

هذا المالك لهذه البضاعة بضاعة القلق يسائله القاريء والمتلقي عن مصدر بضاعته هذه وعن سر تجارته التي تبدو في حالة التسطيح والمألوف بضاعة خاسرة يتجنبها الناس ويبتعدون عنها، الانسان في طبيعته ميال للسكون والاستقرار والاطمئنان نابذا المغامرة والقلق والترقب ...

لا شك ان القاص يمتلك الاجابة حول هذا السؤال المنطقي والمشروع، على القاريء للنص، والمتلقي ان يغادر وضع السكون وحالة الكسل الفكري والمعرفي ليستنتج الاجابة عن سؤاله من خلال التفكر في قصص المجموعة ودلالة احداث وتالويلات وسلوكيات ابطالها، ان القاريء والمتلقي ربما لا يمسك بكل دلالة الجواب إلا اذا كان قد عاش تجربة الكاتب وتفاصيل حياته وامتلاكه لشبكته الفطنة التي استطاعت ان تصطاد كل هذه الكائنات الكتابية الحية من بحر الحياة الهائج ومعرفة المكان الذي ترمى فيه هذه الشبكة ليكون الصيد افضل من حيث الكم والنوع، العيش في جزر وخلجان وسواحل هذا البحر في لجته وهياجه واسترخائه وسكونه ...

لا يسعنا ان نرى عدد من اقبلوا وسيقبلون على شراء الكمية والنوعية من بضاعة انمار رحمة الله المعروضة امام انظار الجميع، ولكن نزعم اننا سنكون من زبائن (بائع القلق) الدائمين لشراء بضاعته الحاضرة والقادمة، نملك الاستعداد للوقوف في الطابور لنحصل على حصتنا من هذا القلق الانساني المنتج ...

نحاول ان نتفحص مفردات بضاعتنا واحدة واحدة لنرى هل هي بمستوى ما بذلناه من مخزون فكري وانتظار وجهد انتظار وترقب في طابور الشراء لأجل الحصول على مبتغانا من حاجتنا من قلق الحياة لفهم كنهها ومتعرجاتها وتحولاتها ...

لأرى بالتالي ما الذي تغير من مقاسي بعد اكمالي قراءة وتفكر (بائع القلق) كما يقول ديفيد سيدراس في مقدمة المجموعة:-

(القصة القصيرة الجيدة، تنتزعني من نفسي، ثم تقيدني اليها بصعوبة، لان مقاسي قد تغير، ولم اعد مرتاحا بداخلي كما كنت قبلها) م ص4.

يطوف بنا (انمار رحمة الله) في مركبة خياله المدهشة، في عالم غرائبي عجائبي ليلف بنا في تعرجات حياتنا اليومية في ادق تفاصيلها يفتح لنا المخبوء، ويظهر لنا الصور السالبة، حاملا بوصلته الجمالية متسلحا بعدته الفكرية المنحازة للجمال والمحبة والعدل والسلام وهو يستعرض صورا من السلوكيات الانسانية المختلفة مرددا امنيته الاثيرة:-

(تمنيت ان يسرقني فايروس الفرح، ذك الفايروس اللعين الي سرق عائلتي ونبذني وحيدا في غرفتي بلا عائلة أو كتابة) ص81.

نعم سرق الفرح زوجته (محنة) رفيقة حياته منذ الطفولة والصبا والشباب، سرق منه طفليه الاعز على قلبه (كآبة) و(قلق)!!!

فما اجمل هذه السرقة وما اجمل وأنبل هذا اللص (الفرح) نتمنى ان تفتح كل الابواب والنوافذ والطرقات لهذا اللص الرائع ليسرق الحزن والألم والمحنة والخراب من كل البيوت والمدن العراقية ليعم السلام والحب والفرح، مخاطبين (انمار) ان يدلنا على هذا السارق الجميل ...

ان اسلوب السرد الشيق وخيال الكاتب الواسع، ادخل المعقول في جوف اللامعقول وبالعكس نماذج السلوكيات الانسانية في مجتمعنا الحاضر، فمن اناس بلغ بهم النهم والقبح واللاذوق اكل اللحم الحي المجسدة في سمكة كبيرة اصطادها حارس النهم السياسي الكبير، هذا الحارس كلب الصيد الذي يصطاد فرائسه ليضعها في جوف سيده كما في (تآمر) ص12. وقد كان مصيرهم الغرق نتيجة وحشيتهم .

ونزعة الشر ونشر الخوف والهلع بدلا من الفرح كما في (عودة سانتاكلوز) ص34، قتل روح المدينية والتحضر والجمال عبر هيمنة روح التصحر والوخز والغلظة العاقولية كما في (عشيرة العاقول) ص73، ماذا يبيت مدعي محب اليمام الذي اغدق عليها بالطعام لتكون بالتالي طعما لشراهته وحيونته كما في (محب اليمام) لنكون على بينة من حقيقة من استغفلها بعطفه ولطفه الزائف ومن ثم التهمها ولم يبقي لها اثر .

كما ان الكاتب يعرض لنا حالة الانسان المتسائل الواعي المقاوم لمظاهر القبح بمختلف انواعه مبتليا بوعيه بدماغه المشاكس الذي لا يريد ان يخضع لواقع زائف ومتردي لا يجد الحال والسكينة إلا باستبدال مخه بمخ (خروف) كما في (صوت الحملان) ص78.

يؤشر لنا الكاتب واقع مصادرة حياة الانسان في المجتمع المستهلك المتخلف حيث توضع في رقبته مشنقة الاعراف والتقاليد والقيم السائدة حتى تؤدي الى هلاكه في محاولة عبوره للضفة الثانية حيث الحرية وامتلاك ألذات وقصر فعل مساعده فبدلا من ان يخلع المشنقة من رقبته يحاول ان يمسك بحبل المشنقة ليبقيه طافيا في الماء ويحول في غرقه فيذهب فعلا هباءا وبالتالي يغرق الاثنان تحت ضغط المشنقة كما في (طريق المشنقة) ص70.

في قصة (صداقة) ص 30، و(الحديقة السرية) ص41، و(اللص) ص44، و(مدينة الاقفال) ص80.

يؤشر لنا انمار حالة المجتمع الظالم الذي لايمتلك روح وثقافة المحبة والتضامن ولا يدفع الفرد إلا لطريق الجريمة والقتل ليفوز بالحياة والحصول على لقمة العيش، لا يعني رفضه لهذا الخيار النابع من سلميته وطيبته ومقاومته للانحراف والانجراف في طريق الشر إلا بالقضاء على حياته وحياة من يحب بالأداة الوحيدة التي يسرها له المجتمع (السكين) التي تستعصي حتى على البيع ولا تجيد إلا القتل كما في (قبل مجيء الصباح (ص82.

في قصة (اضراب) يرفض الابن الحياة الموعود فيها ضمن واقعه المعاش كحياة والده حيث القهر والجوع والخوف والحرمان فيضرب عن الطعام حتى الموت للخلاص من ارتهانات حياة بائسة وغير عادلة .

يذكرنا انمار ب اريك فروم في (الهروب من الحرية) في مجتمع خاضع خانع مستسلم لقيم الخراب والرذيلة والعنف ومحاربة الطيبة وقيم الخير والانسانية عند الانسان ورفضه مغادرة عبوديته، المباهاة بسلاح الجريمة والقتل لتكون هي الثقافة اللسائدة التي زرعها السفاح بفأسه بين ثنايا المجتمع كما في قصة (ديستوبيا) ص61.، وفي قصة (كحول ومئذنة) حيث تهيمن سلوكيات الجهل وعدم التمييز بين الحلال والحرام ونسيان مقولة (من احيى نفسا كانما احيا الناس جميعا) فتموت الطفلة البريئة بسبب التفسير الخاطئ لتعاليم الدين ورفضهم تبرع (السكان) بدمه المطابق لدم المريضة لإنقاذ حيتها بدعوى النجاسة والحرام .

الحقيقة ان كل قصة من قصص المجموعة بحاجة الى مقالة منفردة لبيان مغزاها ومبناها ناهيك عن بيان حنكة الكاتب ومهارته في السرد الهادف الذي لبس اجمل ثياب الابداع المنتجة قماشتها في معمل الواقع المعاش رغم غرابتها الظاهرية بعيدا عن الزخرف اللفظي الزائد، مجيدا لوصف البياني البليغ وكما يقول انريكي اندرسون امبرت:

(يوقف الوصف الزخرفي مسار الحدث .. اما الوصف البياني فو يساعد الحدث في مساره) ص*320

... ياخذنا القاص في عالم من الفنتازيا والغرائبية والخيال الخصب في عدد من قصصه كما في (ساعة الطفل) وفي (انتظار جوجل) و(الكلماتي) و(رقاب متجرة) وغيرها من القصص التي ربما استعصى علينا فك طلاسمها ودلالتها ولكن لم تفتنا متعة ورشاقة سردها وبلاغة مفرداتها .. ليكشف لنا عن قدرة قاص مميز، في الوقت الذي لم ينزلق الى طريق المباشرة الفجة في السرد القصصي فقد كان في عمق الواقع والقدرة الكبيرة على فهمه وكشف زيفه وتعريته امام القاريء الفطن متمكنا من اجباره على فتح محفظة فكره لشراء جرعة من القلق الانساني المشروع من متجر (بائع القلق) الذي أحتضن اثمن البضائع المغذية للروح والمنشطة للفكر .

في الختام نتمنى ان لا يستجيب القاريء لتوصيات (اليد) ص 89، ويمتنع من الاستحمام في حمام الفوضى العمومي ... ولا يضطر الى (لبس بذلة انيقة، بذلة مصنوعة من افخر اقمشة الغباء...)

لا يشكر هذه اليد بل يحرقها بنار وعيه ومحبته وذكائه سعيا الى حياة الحب والجمال والسلام ...

 

بقلم الاديب: حميد الحريزي

.....................

• القصة القصيرة – النظرية والتطبيق – تاليف انريكي اندرسون امبرت – ترجمة علي ابراهيم علي منوفي – مراجعة صلاح فضل - المجلس الاعلى للثقافة ط1 2000.

 

 

152 عمر الفحليقراءة في السيرة القصصية "رقصات على سرير دهشتي" لمؤلفها الأستاذ: عمر الفحلي.

أ ) روح الإبداع: ليس من سمع كمن قرأ:

يمتلك كل مبدع أصيل روحا خاصة أسميها نَفَساً، يسري من صدره، ومن قلبه وعقله، إلى الكتابة فيمنحها حياة حارة حارقة أو سارة مشرقة ويقود القارئ إلى ما في نصه من صدق وما فيه من ألق، كما يقوده إلى المواضع الحساسة والغنية في التجربة، يقوده إلى فرادة الأسلوب وجدة المعنى وأصالة الفكرة. تشرق في خاطري هذه الفكرة وأنا أقرأ وأعيد، السيرة القصصية الممتعة أسلوبا والمشبعة عبرا ومغازي، والنافعة قدوة لمن شاء التمرس على التجريب والتجديد في السرد الذي ينشئ من صهارة اللغة لوحات فنية غاية في الأناقة اللفظية والإفادة الفكرية والإمتاع الجمالي.

"رقصات على سرير دهشتي" الذي هو عنوان المؤلف الجديد لصاحب " الصفعة" ومحكيات أخرى، الكاتب عمر الفحلي، يجمع فعلا بين الرقص بالكلمات والعبارات، وصهر حديد وصخر اللغة لتشكيل صور ومشاهد من حيوات جوانية وبرانية صار الكاتب لها ساردا بعد أن كان عليها وفيها فاعلا ومساهما وشاهدا، إن الكاتب يعزف كداوود على أوتار الجرح والفرح واليأس والأمل ليخلق سمفونية سرد/شعرية متميزة عن الكثير من السرود والأشعار التي أتيح لي قراءتها بروحها الخاصة ونَفَسِها الخاص، مع وجود تقارب مع أنْفاس نصوص أخرى، حكت السير نفسها أو بعضها أو فروعا لها من زواياها الذاتية، وهو تقارب المجاورة لا تقارب الشبه. فقد كُتب ما كتب من سير مشى أصحابها على الجمر وفوق نتوءات الصخر، وعصفت بهم أيام الشحط والكحط وكابدوا الآلام وقاوموا الظلام. فكان لكل سيرة نَفَسُها المتميز، الذي يقود إلى روح ومعدن وتجربة صاحبها في الحياة وفي الكتابة معا.

إنه رقص ونحت وتصوير وعزف حد الإبهار، وانتصارٌ للإبداع ولفن الكتابة التي تستقل هنا بذاتها عن تجربة صاحبها الحياتية والواقعية، ويسمو بها كاتبها عن الواقع ليجعلها دهشة خالصة. كما لو كان يكتب في حالة ألم قصوى أو فرح أقصى أو نشوة عجيبة أو غيبوبة أو ذهول أمام اللامتوقع الذي وجد نفسه فوق لجي مائه وتحت أتون ناره.

صنف مغاير في فن "الكتابة" كرقصة المجاذيب المستغرقين في الحال.

في "رقصات على سرير دهشتي" تسمو التجربة بالكاتب فتعركه وتصقله وتُطهره بكيات النار حتى يصير مسرودا ثم في تبادل عجيب للأدوار وفي التحام وانصهار أغرب منه، يعود الكاتب إلى التجربة نفسها ساردا لها وواصفا إياها ومعرفا بها، موحدا بين الكتابة والحياة، والشخص والشخصية والسارد والمسرود، والواقعي والمتخيل .ومثلما تسمو التجربة بالكاتب فتنمي وجدانه وتصقل فكره وتنير بصيرته وتوسع آفاقه في اتجاه اكتمال إنسانيته وإزهار شجر حكمته الشخصية، يسمو الكاتب أيضا بالكتابة واصفا ما يجل عن الوصف في أدق تفاصيله، واصفا فيض الوجدان بالمشاعر والأحاسيس، وتدفق الذاكرة بالصور والأسماء والأحداث والوقائع، واصفا حالة الانخطاف التي يصلها من استغرقته الحال وفُتحت أمامه أبواب الكشف وطوت له الزمان والمكان ودونت له التاريخ على صفحة كفه وبأصابعه. لاعبا لكل الأدوار على سرير المكاشفة بكبسة على آلة التحكم أو نقرة على زر لوح الكتابة، فهو العازف والراقص، وهو الرائي والمرئي، هو العين والصورة، يرى نفسه من داخله ومن خارجه كما لو أنه كسر جدران الداخل والخارج معا. كاتب/سارد/شاعر بعين ثالثة وحاسة سادسة. هذا ما هو عليه.

و بالصفة هذه يخلق الكاتب إذن واقعا موازيا ينفصل ويتصل بالواقع العيني في لحظة تجل خاصة يجتمع فيها الماضي بالحاضر والحلم بالحقيقة وتنصهر فيها الكتابة بالتجربة بحيث يصبح هذا الواقع الموازي الذي هو واقع الكتابة، مستقلا بذاته ومعاشا هو أيضا كتجربة خاصة وليست مجرد مجازات واستيهامات وأحلام أو ذكريات تسترجع بواسطة اللغة لإعادة بناء الذات والتأكيد على الهوية. أو للبوح وللتنفيس عن منسوب الألم، أو لمجرد التقاسم والمشاركة، إن الكتابة هنا واقع جديد وتجربة ثانية إلى جانب التجربة الواقعية.

أليس يعبر في ثقافة ما على تقاسم الألم بتقاسم الخبز. وأ ليس تقاسم الكتابة أيضا مشاركة وتقاسما وجدانيا للألم. ألا نشارك بمعنى ما الإنسان طعامه ونحن نتغذى على حروفه وكلماته ومعانيه؟

يكتب عمر متأسيا بأهل سيد الزوين: " يقول المرحب من أهل بلدتي وأقول معه: المحبة لا تعذروني فيها والموجود من الطعام والشراب نتقاسمه بالتساوي. وأنا أضيف إلى المحبة وتقاسم الرغيف، تقاسم المعلومة المفيدة والسلوك النبيل" ص 12

فمرحبا بنا جميعا على سرير الدهشة لنتقاسم مع المؤلف رغيف الحرف والمحبة والسلام.

ب) السرير أولا

مريض وعلى سرير الألم.

مريض وعلى سرير التجربة التي سيخرج منها أقوى وأرق وأرهف.

مريض على سرير الدهشة. وقادر على أن يخلق الدهشة بكتابته، إنها دهشة المعاناة، ودهشة المعرفة. لأن المعاناة أيضا تصبح معرفة عندما نستطيع تملكها وتقاسمها، وليس بعد هذه الدهشة دهشة أكبر.

سرير يتحول ويتبدل على مدار النهار، ذلك النهار الذي يبدو أنه يستغرق عمر السارد بكامله، سرير يصبح حرفا أو رقما أو اسما. ويصبح مركبة للسفر عبر الألم ورحبة للرقص وحلقة للأشعار والأذكار والأحاجي والحكبي.

يصبح شاشة. يصبح لوحا، يصبح طائرا مقصوص الجناح، يصبح سجنا، يصبح جسدا، يصبح لغة، ورقا، تاريخا، أسماء، ماضيا، فكرا، مبدأ، رفاقا، مرضى، ذكرى، محبة، قوة، صبرا، صمودا، مقاومة. وهلم جرا.

يصبح غيفارا مرة ومرة جورج حبش، ومرة الكسعي ونوار وزينب والحفيدين، والوزة البيضاء، وأبا، وصديقا شاعرا، وصديقا يتلعثم أو يتعثر في الكلمات أو متحولا جنسيا أو فقيها مغتصبا للأطفال، أو نبيا او بلدة أو جلادا فهو بلقيس وهو سليمان وهو درب مولاي الشريف سبأ وسيدي قدور، ويصبح سبابة تضغط على الزناد في مخيم الجولان وأصبعا يصوب النبلة إلى عنق الأيائل والريم. وهو في كل تحولاته تلك يبقى دائما وأبدا مزمورا من مزامير داوود ونشيدا من إنشاداته.وفصلا من كتاب المحبة وأنات الألم.

رقص وعزف، وسفر عجيب، من لوح الكُّتاب والصلصال والكراك إلى لوح المفاتيح والفضاء الأزرق والنقرات.

سفر أيضا للبحث عن نصوص منسية لإعادة كتابتها وإعادة تشكيل هويتها، أو عن نصوص وأيام وتجارب سقطت سهوا أو بفعل فاعل من الذاكرة المزدوجة، ذاكرة الإنسان وذاكرة الحاسوب.

سفر وإقامة.

ورؤية ورؤى.

وواقع وأحلام على سرير الدهشة.

أليس السرير مكانا للحلم والتذكر ؟ وأليس هو أيضا مكانا للألم وللوجع بامتياز؟ إذ لا مكان لأحلامنا غير أَسِرة نومنا، ولا مكان لآلامنا غيرها أيضا،ألا يسمى السرير سرير النوم لخلي البال، كما يسمى سرير المرض للمبتلى؟ وسرير الفحص والكشف لعليل الجسد، وسرير المكاشفة والبوح لصفي الروح؟ عجبا كيف يتصادى ويتناغم الألم والحلم والبوح واسترجاع الذكرى على السرير نفسه، والأعجب من ذلك كيف يصبح الحلم أملا يتعلق به المريض، والكتابة حلا للتسامي والتصعيد والانتصار على الموت وهزمه، بمؤازرة من يحيطون بالسرير، أو يُكَوِّنون حلقة المتضامنين والمتعاطفين حول الرحبة، أي حلقة المحبة، ما أضيق السرير وما أو سع الرحبة. ما أصغر الجسد وما أوسع الحلم حين يتمدد ليشمل الآخرين .

لقد كان اختيار العنوان مناسبا وموفقا ووفيا للمعنى... الرقص على سرير الدهشة، رقص تحت كيات النار وشرر الذكرى وفوق الماء الذي يروي الجذور ويغذيها.

سفر /سيرة على امتداد عمر الكاتب الذي سمى مؤلفه سيرة قصصية، وإني لأميل ميلا قويا إلى تسميته سيرة شعرية أو سرد شعرية، متميزة ومختلفة عن الكثير من السير الشبيهة الأخرى في البناء والأسلوب والمعنى وفي الوقع والأثر.

سيرة للرقص تحت كيات النار، نار الاعتقال ونار النضال ونار الاختبار بالمرض الرجيم، نار الألم ونار التجربة،

سيرة للرقص فوق الماء، ماء الارتواء بثقافة الأسلاف وبالموروث والتراث وبالفكر الجديد، بالعرفان والبيان وبالبرهان جميعها معا ومرة واحدة، حاضرة لتدل على مدى سعة اطلاع صاحبها واتساع آفاقه ورحابة صدره وعقله الذي يسع ويستوعب الثقافة والفكر في مختلف ضروبهما، موروثا ودينا وفلسفة وثقافة شعبية وسياسية وحقوقية، وعادات ورؤى وأحلاما مجهضة أو منسية.

هل يستطيع قلب أن يرقص تحت النار وفوق الماء إن لم يكن قلب شاعر صادق، مسكون بالفكر وبهواجسه، وإن لم يكن قلب إنسان كبير، مسكون بمحبة الإنسان وبالدفاع عن كرامته؟

شعر وفكر، عاطفة وعقل، وقوة وهشاشة.

هل يستطيع قلب أن يتحمل كل ذلك الألم إن لم يكن رغم هشاشته ورهافته الإنسانية من معدن صلب كالحديد؟

والهشاشة هنا، آخذها بالمعنى الإيجابي تماما، تلك الهشاشة التي قد تفتل الحديد وتطوي الزمن وتقدر سرده تقديرا.

وكيف تجتمع الرقة والرهافة والهشاشة في قلب وتجتمع معها القوة والصلابة والعزم والإرادة، ذاك سر وسحر التقدير في السرد الآخر، سرد الحكاية بعد سرد الحديد، وكلاهما، الحكاية والحديد يبدءان بحرف الحاء، حاء الحب، والمحبة التي تجعل من الحكاية/ الحديد استحضارا لمعجزة داوود الذي قدر في السرد وأتقن الغرزة، وتجعل من الكاتب ساردا لمعجزات الانتصار على الجمر والرصاص ومعارك الأمعاء الفارغة التي انتهت بمعارك جديدة ما يزال الكاتب يخوضها ضد المرض حتى الانتصار.

ج) الرقص ثانيا

من زاد عليك في الرقص فقد زاد عليك في الألم.

ذاك ما كان من شأن السرير، آلة الحفر و" طيارة" السفر، أقصد الحفر في ثنايا وطي ضلوع السارد والسفر بمكنوناتها عبر الأزمنة والحقب والأمكنة المتفرقة والمتباعدة، فماذا بشأن الرقص بذاته، إذا ما اعتبرنا السرير رحبة للّوحات الراقصة؟

في الكتاب السيرة للصديق عمر الفحلي، إتقان لغرزة السرد ولفن الحكي إلى درجة أن السيرة المكتوبة لوحدها وبمعزل عن أي فكرة مسبقة عن تجربة صاحبها مع الألم والمقاومة ومع الوفاء لجوهر الإنسان، تعد تحفة فنية ومعزوفة خالصة، ولوحات راقصة من تصميم كوريغراف مقتدر .

وليس من قرأ الكلمات كمن رأى الرقصات.

الرقص أقدم من الكتابة، بل هو أقدم من اللغة نفسها، إنه أول لغة عرفها الإنسان، ونتحدث هنا عن اللغة تجاوزا، لأن الرقص وسيلة تعبير شاملة تتجاوز اللغة، مثله مثل مشاعر الفرح والألم التي تتوزع على الجسد كله وتقصر اللغة عن التعبير عنها. إنه لغة الوجدان والشعور والعواطف والأحاسيس، وقليلا ما ينتبه الناس إلى أن الرقص ليس صنو الفرح وحده بل هو صنو الألم أكثر، ورقصة الألم أكثر قوة وأشد تأثيرا لأنه لا مجال فيها للتصنع والزيف والادعاء، ليس رقص الأفراح كرقص المآتم، قد يرقص الجميع في الأفراح تقليدا وتصنعا، ولا يرقص عند الألم إلا المكلوم والموجوع حقا، الرقص صنو الألم ولسان حاله بامتياز، أليس إذا ما أصيب عضو من الجسد تداعت له سائر الأعضاء من السهر والحمى؟ فكذلك الرقص ينبض له وترتعش بحماه كل أطراف الجسد من أخمص القدم حتى قمة الرأس، ولذلك يقال إن للرقص حمى، أو نقول عمن يهتز جسمه بالرقص لقد أصابته حمى الرقص، فلا حمى أشد وقعا من حمى رقصة الألم. لأنه على سرير المرض تكون حمى الرقص موجعة فعلا ككوابيس النوم، وإذا كانت أحلام النيام المتألمين أصدق من أحلام القيام الفرحين، فأحلام المرضى هي أقوى وأنقى وأصدق الأحلام على الإطلاق، في حالتي النوم واليقظة معا، إذ ليس لهم من رحبة للرقص غير سرير المرض، إن الرقص هو أسلوب التعبير الوحيد على أحلام اليقظة التي ينتجها الألم حين يحقن سم الأفاعي والعقارب في الجسد الواهن العليل.

د) لعبة التجلي والتخفي في نص ظاهره الكتابة وباطنه الرقص

1) مستويا ت التلقي لرقصات على سرير دهشتي:

حين تعتمد اللغة في تعبيرها وإبانتها التصريح تُفهم من العموم، وإذا انتقلت إلى المجاز والاستعارة وما شابه من بديع فهمتها الخاصة، وتأولت منها ما احتاج إلى تأويل، فإذا صارت إلى التلميح والإشارة لم تفهمها غير خاصة الخاصة وذلك راجع إلى أن التجارب أيضا هذا شأنها، ففيها المشترك الإنساني والثقافي والاجتماعي العام، وفيها ما يخص الفئة من الفئات أو الجماعة من الجماعات أو الشريحة من الناس لأنه يُتداول في أوساطها وبين أفرادها ويهم معيشهم أو اختيارهم المخصوص، وفيها ثالثا ما لا تدركه أو تفهمه وتعقله وتتأول رمزه ومجازه وتفك شيفرات أقفاله إلا خاصة الخاصة، وتلك هي المجموعة الضيقة التي تقاسمت التجربة بشكل حميم أو في شكل جحيم على حد سواء، فارتوت من المعين نفسه واكتوت بالنار نفسها. فكذلك رقصات عمر، فيها المشترك الإنساني العربي المغربي العام، من تراث وفكر إنساني وثقافة شعبية، كتضمين النص والقصص القرآني أو الاستفادة من التراث العرفاني، أو توظيف المشترك من تاريخ النضال القومي أو الأممي أو توظيف الأحاجي والحكايات والأهازيج الشعبية، أو استعمال صور من البيئة الصحراوية التي تحيل على حياة البداوة وعلى رحلات القوافل إلى منابع الأسطورة وعيونها، وفيها الخاص الذي تشاركه وتقاسمه السياسيون والمناضلون والحقوقيون والكتاب والأدباء والمثقفون بشكل عام كذكر أسماء أعلام لكتاب بعينهم وعناوين كتب أو اسم معقل أو جلاد أو توظيف المعجم اللغوي السياسي للتنظيمات الحزبية أو الجمعوية ألخ ). وفيها خاص الخاص وهو ما تقاسمه وتشاركه السارد ككاتب مع محيطه وخلانه ودائرته الحميمة الضيقة (الأسرة والرفاق )، فإشاراته وتلميحاته وغمزاته لن يفهمها إلا من عاشها وتقاسمها معه( كالإحالة على أحداث بعينها داخل المعقل، أو أثناء الاستنطاق أو سلوكات وتصرفات وأسفار ورحلات ونقاشات خاصة بظرف أو واقعة، وبمفردات خاصة يدرك معناها من تقاسمها مع السارد في حينها أو أحيط علما بها من طرفه. وهذا لا يعيب قصص السيرة ورقصاتها بقدر ما يزيدها تشويقا وإثارة ويضيف إليها قيمة جمالية خاصة. ويدفع القارئ وهو يستلقي على سرير الدهشة إلى جوار السارد وقبالة الأرقام والحروف الأخرى أو يسافر على متن "السرير/ الطيار"، إلى الضغط على آلة التحكم عن بعد لتوجيه "سرير / الأسرار" نحو المزيد من الضرب والإيغال في تضاريس القارة الداخلية للسارد، وتدفعه لأن ينبش ويتحقق ويتأول حركة الرقصة وشكلها واتجاهها. فمستويات الكتابة إذن تبعا لهذه الرقصات، ثلاثة:

كتابة مباشرة وكتابة مجازية وكتابة إشارية، دون أن ننسى التأكيد على أن الأشكال الثلاثة هذه للكتابة، لا تتخلى في أي وقت من الأوقات عن بصمتها الشاعرية القوية والتي تلمس شغاف الروح وتهز الوجدان طربا لحسن اختيار العبارة. لأن الإشارة نفسها تحتاج إلى عبارة تنقلها وتوصلها إلى المتلقي أيا كان المستوى الذي يقف عنده.

هذه واحدة من نقط قوة هذا المؤلف الشائق والجميل للكبير عمر الفحلي. لقد ذهب في البوح إلى أقصاه فأشرك معه القراء في أخص خصوصياته، وكسر كلا من الزجاج الداخلي للنفس والجدران الخارجية للمحيط متخطيا كل عائق يحول دون "مسرحة الذات والحياة" بجعل الداخل ينفتح على الخارج كليا. لقد تعرى ليظهر نقاءه الداخلي كاملا، وليكشف أيضا عن جرحه وألمه كاملا.

2) الظاهر والباطن في لعبة الكتابة

* ــــــــــ نقطة القوة الثانية في الكتاب السيرة أن الكاتب يجترح لنفسه أسلوبا خُلَّبا ظاهره الاسترسال والاستطراد وتداعي الأفكار وباطنه التشفير والتشظية والشذرة والومضة والإضاءة والتدوينة والتغريدة والقصيدة، هذا هو ديدنه في التعبير عن الحاضر مستعملا أحدث ما جد في عالم المعلوميات والتواصل من مفردات كالسيلفيات واللمسة والنقرة والحذف والحفظ، فإذا عاد إلى الماضي وغاص في الجذور عاد إلى ما كان عليه حكي الماضي وأحاجيه من تشويق واسترسال لغزل الوقت وتغذية وجدان البنين والبنات بالأمثولة والأحجية والأهزوجة وغيرها، هما إذن تقنيتان " أسلوبيتان" مختلفتان، واحدة لاسترجاع الماضي وواحدة لتثبيت الحاضر، وهو في ذلك كالراقص الذي يعزف من الداخل مستهديا ومسترشدا بالنوتات الموسيقية الموضوعة أمامه، وإذا كان الرقصُ لا يُرى وكانت الموسيقى لا تُسمع،فإن فيضهما وأنفاسهما يسريان في الكتابة. وهي نقطة قوة ليست بالهينة.

فومضة حلم، هي مرور صورة غيفارا رمزا لنضال أممي اغتالته الأمبريالية العالمية وقوى الاستكبار والاستعمار.

وومضة حلم، هي مرور صورة الحكيم جورج حبش أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إحدى فصائل منظمة التحرير إلى جانب فتح عرفات وجبهة نايف حواتمة الديموقراطية، مرتين اثنتين تطل منهما الصورة، ويطل منهما احتمال البندقية والضغط على الزناد، وتداعيات تاريخ وصراع ومواقف ومبادئ جعلت الولاء المغربي يتوزع على هذه الفصائل الثلاثة خاصة بحسب الانتماءات الحزبية والصراعات الداخلية للفرقاء في الفكر والاختيار، ما بين يمين محافظ ويسار قومي ويسار أممي، كل شارك إلى جانب واحد من هذه الفصائل حسب إيمانه واعتقاده وقناعته وإيديولوجيته، مقاتلون تدربوا على السلاح وخاضوا المعارك نصرة للقضية الفلسطينة بالقول والفعل وبالشعار والأفكار والقتال، وسواء كانت صورة الحكيم رؤية أو رؤيا، واقعا أو حلما، فقد كانت نصرة القضية الفلسطينة حقيقة توجب الفداء والقتال ولا تحتمل الجدال.

وومضة حلم، هو سفر السارد صحبة بورخيس على الطريق التي تفضي إلى الماضي بكل متعه وحرائقه كشبيه وقرين له في المكابدة والمعاناة، وكتوأم لروحه في آلام الجسد وأحلام الكتابة، وفي قلب الحقائق والأحداث الواقعية إلى تخييل أدبي، وفي ارتياد رياض الأنكولوجيا أوحدائق المتاهات التي تود الإبل والعيس والجمال التي لا تعترف بالحدود أن تجوبها وحدها بلا توقف. أخوة هي في الألم وفي دم الكتابة تجمع السارد ببورخيس، يجمعهما أسلوب الحياة وأسلوب الكتابة والطريقة المتفردة في تحمل أوجاع المرض، وذاك ما أوجب الصحبة . وسواء كان هذه السفر واقعا أو حلما فإن السفر رفقة توفيقي بلعيد وعلى أشواك مساراته الحادة كان حقيقة لا تقبل الجدال. وإن لم يكن قد تم لقاء بورخيس فقد تم عناق بلعيد، لا فرق بين متاهات ذاك ومسارات هذا. أما المرض الرجيم فقَدَرُ الكاتبين معا. "عمر وبورخيس"، محاربان جمعتهما تجربة الكتابة وتجربة المرض، محاربان واقفان على خط النار، واحدة تلتهم العقل والوجدان وواحدة تنهش الجسد. محرقتان لحلم واحد ولألم مشترك.

وومضة حلم، هو الحلم بوطن الحرية والديموقراطية والعدالة وحقوق الإنسان، بمعية الأحرار والحرائر والشعراء والفضلاء والأخيار، وسواء تحققت هذه الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية أم بقيت مؤجلة إلى يوم الدين، وسواء عاش الوطن ينعم بالكرامة ويسود فيه الإنسان، أم علقت كل الأحلام على صومعة الحجام، فإن الفيلا بمراكش كانت حقيقة والحجاج بدرب مولاي الشريف كانوا حقيقة، وقدور كان حقيقةَ وطن لا تقبل الجدال.

ومضة حلم أيضا، هي الصحبة الدائمة لمزامير داوود. صحبة تجعل "السارد المحبوب" أو "السارد داوود" شخصا واحدا، فمعنى داوود هو المحبوب، والذي غالبا ما يسميه السارد وهو يحاوره ناظرا إلى وجهه" العزيز"، يا أنت أنا وأنا أنت أيها العزيز، داوود واجه جالوت الجبار والسارد يواجه المارد اللعين، المحبوب داوود يعزف عزفه الشجي ويشدو ويغني والسارد يرقص على إيقاع المزامير التي هي في النهاية الزبور. لقد وجد داوود أخيرا من يصغي لزبوره ويرقص على إيقاع عزفه، لقد وجد المحبوب أخيرا حبيبه. ولن يجرأ أحد بعد قراءة "رقصات على سرير دهشتي " أن يقول:

"لمن كتعاود زبورك يا داوود"

ترانيم داوود للصباح وللمساء ولكل الأوقات هي الرقصات، لأن داوود كان أمة في رجل، فكيف لا يلهج السارد بذكره ويرقص على عزفه، وفي ذاك العزف، في الصوت وفي النفخ وفي الأنات والرنات والنقرات صبر أيوب وشكوى يعقوب ومحنة يوسف وسؤال الوجود، ثم في صحبة داوود ولا شك اطمئنان ويقين لا شك فيهما. لن تكون صحبة داوود حقيقة أبدا، بل ستكون أكثر من حقيقة، إنها يقين بأن عزف المحبوب يصعد من الداخل وأن رقص المحبوب على إيقاع عزفه لا يكون إلا في رحبة القلب. لكن لا أحد يرى ما يحصل على سرير الدهشة من إصغاء ومن رقص. فهل تستطيع الكتابة أن تنقل هذا المعنى إلى السامع.

نعم تستطيع أن تنقله، وذلك ما تفعله "رقصات على سرير دهشتي" .

غيفارا، جورج حبش، بورخيس، توفيقي بلعيد، الوطن، فلسطين، الأب، الجدة، الزوجة، الأصدقاء، الأدباء، المعقل، الأحفاد، مول الفران، خلية الثمانية، بوزفور والرافعي وأبو يوسف طه، والقارئ، والسارد،والكاتب والوجوه العزيزة كلها، ومضات من أحلام وأحداث ووقائع حقيقية تماما، جعلتها الكتابة تخييلا مثيرا ومشوقا وجذابا. ومضات من أحلام كانت تتراقص أمام عيني السارد وهو ممدد على سرير المرض برياض الأونكولوجيا، وكانت ترقص في صدر الكاتب وهو معلق بالطيارة وتهتف به أن يقدر في السرد.

* ــــــــــ أما نقطة القوة الثالثة في الكتاب. فهي أن الكاتب ينقل تجربته الإنسانية والاجتماعية والحقوقية والسياسية والثقافية، تجربة النضال والاعتقال والتعذيب والاستنطاق،و تجارب الطفولة والكتاب والتحناش والتكراك والصلصال، تجربة مآسي أخريبيش وملاهيها، وتجربة مواجهة المرض المفاجئ الصاعق،و تجربة مواجهة النفس واستخراج مكنوناتها ومقومات صمودها، وتجربة مواجهة الشاشة الزرقاء على سرير الدهشة، ينقل كل هذه التجارب، المتعددة والمتنوعة والغنية إلى حقل الأدب من داخل أنساق الأدب وسياقاته وبلغة الأدب وأساليبه حاديا حدو بورخيس، محولا الأحداث الواقعية إلى تخييل أدبي، فاصلا بين الحقول وأساليب القول، فاصلا بين التجربة والكتابة، فاصلا بين السياسة والثقافة ومتكلما في كل حقل بلغته الخاصة، دون أن يكون الفصل عشوائيا أو تعسفيا. منتصرا لثقافة الحياة والصدق في مواجهة ثقافة الموت والرياء.

إن التمييز هنا بين السياسة والأدب، أمر في غاية الأهمية، لأن الكاتب ـــــ أقصد عمر الفحلي ــــــــــ لا يصنع مكانته في الأدب بتاريخه الشخصي ونضاله الشخصي ومكانته الاعتبارية أو بمرضه ومأساته الشخصية، بل يصنعه بجدارته الأدبية. وبها وحدها فقط.

وهو لا ينقل تلك التجارب من خلال لغة الأدب فقط، بل ينقلها إلى أرق وأسمى ما في لغة الأدب، إنه يكتبها شعرا. مبطلا بذلك الزعم القائل بأن أهل اليسار أهل شعار، والزعم الآخر بأنهم فتية مدينيون مقطوعون عن جذورهم وثقافتهم وإرثهم الحضاري الكبير.

ه) الكاتب والسارد: أو لعبة التجلي والتخفي في نص يكتبه أكثر من سارد

مثلما كان السارد وفيا للكاتب وفي مستوى تطلعه إلى مسرحة المعاناة في كل ومضة حلم وكل أنة ألم وكل استحضار لوجه أو صوت أو ذكرى، منشغلا بالرقص على كل ما حوله محلقا في كل الأجواء بلا فاصلة توقفه أو نقطة تضع نهاية لانسياب ألمه من بين الشفاه وحروفه من تحت الأصابع، فقد كان الكاتب أيضا وفيا لسارده فهيأ له الرياض موطنا والسرير رحبة وحلبة ومرقصا وأدار حوله أسوارا من زجاج شفاف بحيث يُرى كاملا ومن الداخل والخارج معا. وظل يسير معه وهو يقص سيرته مجانسا بين الرقص والقص وبين السرير والسرد وبمهارة إبداعية فائقة جعل من السرير كتابا ومن الفصول والفقرات لوحات ومشاهد راقصة.

إن الكاتب في هذا النص المذهل مصمم رقصات من الطراز الرفيع لأكثر من سارد/ راقص. إنه كوريغراف مقتدر.

فكما يدخل الراقص أو المجالد أو الفارس كل واحد من هؤلاء إلى الرحبة أو الحلبة أو المضمار أَدْخَل الكاتب سارده الراقص والمجالد والفارس إلى الرياض ومدده على سرير التجربة مفتتحا العرض الراقص باستهلال لتتوالى بعده اللوحات في مشاهد أخاذة، واحدة واحدة، حتى تمام العرض على امتداد عمر إنسان هو الكاتب/ السارد الذين لا يني يذكر أحدهما الآخر ويذكران معا القارئ بأنهم جميعا واحد وإن فرقت الكتابة بين من يتمدد على سرير المرض ومن يتمدد على صفحات الكتاب ومن يتحلقون حول رحبة الرقص. وأدعو القارئ السابق أو المقبل لهذا النص الجذاب أن يتابع معي بعض اللوحات الراقصة التي صممها الكاتب / الكوريغراف بمهارة من يتقن الغرزة ويقدر في السرد. ويشرك معه المتعاطفين والمريدين والأحبة في شطحه الخاص.

1) استهلال:

كما يفتتح الراقص عرضه بتقديم نفسه وتحية جمهوره، كذلك يُفتتح الكتاب باستهلال فيه عرفان وشكر للمحيطين الأقربين من زوجة وأحفاد وأصدقاء وشركاء في المعاناة والألم، وكما يتوجه الراقص أيضا بالتحية لمن له فضل خاص عليه، يتوجه الكاتب بشكر خاص لمن له الفضل في الإشراف على علاجه ومساعدته على استعادة الثقة بنفسه وتنمية استعدادات المقاومة والصمود لديه، يسميه بالاسم والصفة" عبد اللطيف بنيدر: " شجرة الزيتون فوق قمة الجبل"

ثم ينطلق العرض الراقص وتتوالى اللوحات والمشاهد متنوعة ومختلفة الواحدة منها عن الأخرى، وإن كانت في عددها ليست تحصر فأقتصر على بعضها مجتزأة من سياقاتها كما لو أنني من كل لوحة اقتطعت مشهدا .

* رقصة الألم: وأي رقصة هي أقوى وأشد على الجسد، من أن تتسلل إليه ذئاب الليل فتعوي بين الجلد والعظم، أي رقص هو أقوى وأشد بالجسد من سم يسري إليه من صدفة تحت الكتف، صدفة كسم الإبرة، منها ينفذ سم العقارب والأفاعي إلى الجسد، فيهتز أو يسكن لا فرق ويتلاشى أو ينتشي لا فرق، ويحضر أو يغيب بين طيات الزمن وليس يدري في أي جهة هو من بين الجهات، أعلى أرض يمشي أم عند سقف سماء يقطف النجوم، برقص لا يُرى وألم لا يُحس؟

يطير البدن كعصفورة مبللة ثم يحط. كما يحط طفل في حجر أمه، لعل يدها تمسد شعره ولعله ليس هنا، هو ليس هنا الآن، ولا هناك، جسد هامد، جسد صامد، وخلاياه أقمار والقلب وحده شمس تدور حولها الوجوه والأسماء والكلمات.

* رقصة التيه: حادي الأينق يمضي، يضرب في الصحراء، ولا ينظر إلى الوراء، لا يعرف من هو، حين يرى وجهه على مرايا السراب يظن أنه يراه، فإذا وصل، لم يجد نفسه ولا صورته، وكلما صاح يا أنا، رد الصدى، يا لستَ أنا. فمن يكون الراقص هذا إن لم يجد نفسه فيما يراه. أهو السارد أم الكاتب أم القارئ، ألذلك يستحضر البسطامي منتقلا من التأكيد والتشديد إلى الشك في الهوية والذات، مظهرا سبحاني سبحاني ومضمرا " حسبي من نفسي حسبي " ومن أبو يزيد؟ ومن يعرف أبا يزيد؟ أبو يزيد يطلب أبا يزيد منذ أربعين سنة فما يجده" والكاتب يطلب السارد ستين سنة منتقلا به من الرياض عائدا معه إلى أخربيش.

سيرقص التبروري، سترقص أم السيسي، سترقص الصبايا على ضوء الشموع، سترقص الأحاجي والحكايات، وترقص الجدات، سيرقص حفيد لوركا ويرقص بلعيد وبورخيس وسيعزف داوود على العود مزاميره والكاتب سيحكي سيرته ويقدر في السرد.

* رقصة الندم: الجسد هامد وصامد. يسترجع الأعداد والأرقام، ويضرب الأسداس في الأخماس، يطلع من بين طيات الغياب شاعر يعد نباله ويرميها فتخيب، هكذا ظَنُّهُ، فيكسر السبابة التي لم تضغط على الزناد، بينما رواية أخرى تقول لقد كسر القوس وحدها، ولكن في ماذا ينفع القوس والزناد إذا كانت الخيبة شاملة. قد أصاب ولكنه لم يعرف أن التيه أيضا ألم، وأن الخيبة أيضا ألم، وأنه كالملايين غيره، هو لم يعرف إصابته في وقتها وهي لم تكن على موعد مع التاريخ. لقد أخطأ الحساب كما أخطأت هي الحساب، هي لم تكشف عن حساب التاريخ وهو لم يكشف عن داء جسمه. والرقصة توحد الجميع. رقصة الندم. الشاعر القديم والسارد المعاصر. كلاهما ندم لأنه أصاب الهدف، ولكنه لم يحط به علما.

رقصة الخلان: على شرف بلعيد وبورخيس وداوود. الثلاثة الذين ليسوا إلا واحدا.

رقصة على شرف الأب الذي يحرس التراث ويستيقظ فجرا لتلاوة القرآن

رقصة على شرف الجدة التي تحرس الموروث وتحمي الصبايا والحكايات

رقصة على شرف الحلاج

على شرف حبش

على شرف غيفارا

على شرف خلية الثمانية

على شرف عبد اللطيف بنيدر

وكما بدأنا العد نعيده

رقصة طويلة على شرف زينب.

ورقصة أخيرة تحية للحفيدين وهما يسألان :

" بابا لاباس... بابا لاباس. ثم يحاوران شخوص السيرة واحدا واحدا... يسردان مقاطع من سيلفيات الرقصات على سرير الدهشة ويرسلان السلفيات إلى القراء والمشاهدين..."

و) عود على بدء

على سبيل الخلاصة:

يُشَبِّهُ المحلل النفسي، الحياة النفسية للفرد بجبل الجليد الذي يمثل فيه الجزء الكبير المغمور بالماء " اللاشعور" بينما تمثل القمة الصغيرة التي تطفو على السطح " الشعور"، علما بأن اللاشعور هو الفاعل الأساس والمؤثر الحاسم في الحياة الشعورية.

يروق لي الآن أن أستلهم هذا التشبيه عن الشعور واللاشعور لأطبقه على الإبداع الأدبي بمختلف أنواعه وخاصة منه القصة والرواية والسيرة، حيث يكون الجزء الكبير المغمور بالماء من جبل الجليد هو تجربة الكاتب، بينما يكون الجزء الصغير الذي يطفو على السطح ليشكل القمة المرئية من الجبل هو الكتابة. إن جبل التجربة المغمور تحت الماء هو الأساس الصلب للكتابة وهو الذي يغذيها ويرويها ويجعلها ما هي عليه، إن الجبل هنا هو مضمر في القمة وهو خلفيتها ومرجعها لأن لِكُل ظاهر باطنٌ يؤثر ويفعل فيه دون أن يُرى، مثلما أن اللاشعور يختفي في الشعور ويلابسه ويؤثر فيه دون أن يُرى.

قد تخدعنا بعض الكتل التي تطفو على السطح فنعتقد أن تحتها جبلا، وكذلك قد تخدعنا بعض الكتابات ونعتقد أنها تتغذى من تجربة عميقة وصميمة وكبيرة، ولكننا لا نلبث أن نميز بين الكتابة التي ترسو فوق تجربة عميقة والكتابة السطحية الضحلة التي تسبح كالقشرة فوق الماء، فهذه الأخيرة لا تلبث أن تذوب مثلما تذوب قشرة جليد تعوم منفردة فوق السطح. أما الكتابات المتشبعة بالتجارب والممتلئة بالخبرات والقوية والعميقة، فهذه تظل ثابتة في مكانها، بل إن الماء لينحسر عنها شيئا فشيئا ويجعل بعض ما خفي منها يعلو ويبدو جليا لمن يمعن النظر.

"رقصات على سرير دهشتي" للمبدع عمر الفحلي، واحدة من هذه الكتابات التي تكشف عن التجربة الغنية والقوية لصاحبها. بالمعنى المتعدد للتجربة إذ لا توجد تجربة بصيغة المفرد، والذين يبحثون وراء كتابة الكاتب أو يفسرون مكتوبه بواحدة فقط من تجاربه يغمطونه حقه ولا شك، ويحجبون عن القراء العيون والمنابع والروافد الثرية الخصبة التي تغذي كتابته، كما يحجبون عن القراء سعة الأفق الذي تعد به هذه الكتابة، وهذه أيضا واحدة من الإعاقات التي قد تعاني منها أي قراءة متعجلة للرقصات. ذلك أنه وبسبب أن الكاتب هو واحد من المعتقلين السياسيين السابقين ـــ وهذا وسام شرف يحمله بكل فخر هو ومن شاركه التجربة ـــ فإن كل قراءة ستنحو منحى الحديث عن هذا الشق من حياته كما وستبحث في مجموعته عما يفسر أو يضيء هذا الجانب من تجربته فقط. ( كما قلت) ستغمط الكاتب حقه في أن يُقرأ أولا وقبل كل شيء كمبدع وأن لا تختزل كتابته في واحد من جوانب تجربته المتعددة أو فلنقل تجاربه. واستطيع أن أجزم أن التجربة الإنسانية الكبيرة والواسعة لهذا الكاتب ولأضرابه هي ما جعل تجربته السياسية تصير إلى ما صارت إليه. إن التجربة الإنسانية العظيمة هي التي تجعل كاتبا ما أو سياسيا ما أو مفكرا ما في المكانة التي يصير إليها، فإنسانية الإنسان هي التي تغذي تجربته السياسية والأدبية والفكرية وليس ميله أو فعله أو نزوعه السياسي هو الذي يصنع تجربته الإنسانية . كما أن إنسانيته أيضا هي التي تضيء طريقه وتقوده إلى نوع خاص وفريد من الالتزام الذي سيقوده هو نفسه إلى الاكتواء بنار التجربة، فالإنسان أولا، ثم السياسة ثانيا، لأن الإنسان ثقافة قبل كل شيء، وقيمة السياسة والالتزام السياسي تقدر بالقيمة الثقافية للإنسان الذي يحمل الفكرة السياسية. لذلك فقيمة الكتابة أيضا هي بقيمة الكاتب وإنسانيته. الإنسان قبل الكتابة وقبل السياسة. والكتابة واحدة من الوسائل التي تمكننا من الإجابة على هذه المعادلة الصعبة.

و"رقصات على سرير دهشتي" ليست سوى ذلك الجزء الصغير من تجربة الكاتب والذي ظهر للعيان لأنه أصبح مقروءا. أما تجربته فهي أغنى وأكبر وأعقد، وربما لو شاء الكاتب أن يدونها حقا لما كفته آلاف الصفحات، لأنها تجربة تعنيه وتعني أترابه وتعني أهله وتعني جيله وتعني رفاقه وتعني مجتمعه وتعني كل من انحازوا في العالمين إلى ما هو نقي وعظيم ورفيع في التجارب الإنسانية، وللكاتب ولا شك القدرة على الكشف على جزء آخر من هذا المشترك الإنساني الذي يسمى تجارب، وبدون هذا الفعل فإن ذاكرات كثيرة لا غنى لمجتمعاتنا عنها ستتعرض للتلف والضياع.

 

بقلم: جمال الدين حريفي - القنيطرة

 

 

نجيب طلالقول القول: مبدئيا؛ ليس هناك فن بدون قضية، والمسرح باعتباره أبو الفنون؛ بالمعنى الإبيسي للكلمة؛ فهو الأقدرعلى طرح القضايا ذات الطابع الإشكالي المنغرس أو المنبعث من البنية المجتمعية؛ ولاسيما أنه الأقرب؛ إبداعية للتفاعل بين الجسدي والفكري والروحي؛ بغية اكتشاف معنى الوجود وما في الوجود؛ من موجود، مما يساهم رأسيا تغيير نظرة الإنسان للكون وللإنسان؛ وأفقيا في طباعه وسلوكاته وتطبعه في محيط وجوده.

ومن ثمة فهو سلاح حضاري؛ حاد الزوايا في استنهاض الفكر وانتعاشة الروح وصياغة ثقافة سليمة وفعالة؛ تدفع بالمكون الثقافي الذي أساسه الإنسان؛ تجاه الرقي والسمو؛ لكن المسرح [العربي] تبدلت معطياته السامية التي من أجلها انوجَد؛ وأمسى ضمن ثقافة الاستهلاك؛ متحولا إلى [سلعة] خاضعا لشروط الإنتاج والترويج؛ وهذا لا ينفي بأن المسرح الاستهلاكي (أو) التجاري لمْ يكن حاضرا في الثقافة العربية ! ولكنه كان يعيش نوعا من الحصار الجماهيري؛ وفي نفس الآن كان مدانا ومرفوضا؛ من طرف العديد من القوى الثقافية/ الإبداعية؛ بحكم طروحاته المبتذلة والترفيهية الفجة وكذا سطحيتها الهادفة لتبليد الفكر والأحاسيس؛ وترسيخ مفهوم – الكاتتريس- بمنظور يذكي المهادنة والاستسلامية؛ تجاه كل ما هو سلبي؛ وضد أحقية إنسانية الإنسان في العيش والعدالة الاجتماعية إلا: أن مضامين انتشار إيديولوجية ثقافة الاستهلاك والمؤسسات الثقافية والسياسية؛ التي تبنى عليها في قلب مركزها في العالم الأول والأماكن الأخرى؛ حيث تبنتها الأقليات القليلة المنتفعة؛ إلى بقية أنحاء العالم، هو تغيير اجتماعي على قدر حقيقي من الأهمية العالمية (1) بداهة التغيير يفرض نفسه؛ بحكم حركية المجتمع وما يحيط به من تحولات طبقا للسيرورة التاريخية؛ ولكن ليس من أجل أقلية ضد الأغلبية؛ لكن منظور العولمة يسير في الاتجاه المعاكس؛ وذلك بغية تقليص قدرات الشعوب؛ في الحراك المضاد وايجابية في الحراك الاستهلاكي؛ بحيث يلاحظ الآن التسابق اليومي نحوَ محلات [الهومبورغر/ الماكرو تجاري] من أجل [الأكل/ التسوق] فحتى الأسر ذات الدخل المتدني أو التي تعيش في هوامش المدن أوالأرياف؛ أوالذين هاجروا من القرى والمداشر؛ ولم يتكيفوا بعْد بمظاهر المدينة والمدَنيَّة، تتسابق وتتلفظ ب [shopping] بدل [التسوق] أو [الاقتناء] فمن وجهة نظري: من حقها؛ وتلك قناعات ذاتية كاختيارات؛ ولكن الأمر يترك نوعا من الارتجاجات النفسية؛ التي تؤدي للجنوح والانحراف؛ وما الشذوذ والجرائم المحيرة للعقل التي طفت في عدة دول عربية؛ ماهي إلا مؤشر نفسي ومدى علائقه بالاستهلاك؛ الذي يعد إيديولوجية العولمة إضافة لانتزاع سيادة الدولة في الضبط والاحتراز حول السلع والبشروتدفق المعلومات والأفكار؛ وطبيعي جدا أن الدولة [العربية] ستتراجع وتتقلص قدرتها لاعتبارات داخلية أهمها؛ عدم تجدد شرايين الأنظمة والتناوب والحسم في إشكالية التنمية؛ وخاصة الاقتصادية والفكرية ،أما العامل الخارجي فهو الأقوى وخاصة في التدفق الهائل في مجال المعلومات والإعلام؛ التي اخترقت الحدود؛ وساهمت في تغيير الجغرافية السياسية؛ وكذا التوظيف العملي للتكنولوجيا والتحكم في الأقمار الاصطناعية؛ وبالتالي ف [الخوصصة] استراتيجية لتجاوز نظام الدولة والشعب وتقليص أدوارهما؛ وهاته المعطيات سائرة في التطبيق؛ مما تم تهميش المجال الثقافي الفاعل في كيان الأمة؛ وانحصرالفعل الثقافي والإبداعي؛ في الزاوية الترويجية/السياحية [فلكرة الثقافة] وتشريع بوابة الشراكات الأوربية والمؤسسات الدولية غير حكومية؛ وهذا الانفتاح من طبيعته أن يغير أساليب الإنتاج؛ ليظل تابعا للعرض والطلب وبالتالي : إن قفز المجتمعات العربية إلى الاستهلاكية من دون أن يرافق هذا القفز تحولات داخلية فيها ضاعف النتائج السلبية لهذه الأنماط، مما حول النتاجات الفنية والإبداعية؛ إلى مواد وسلع واستهلاك..‏ هذا هو الانهيار الكبير الذي نشهده ونشاهده ونعيشه؛ على مستوى الفن، وهذا التراجع الرهيب لكل ما هو خارج النمط الاستهلاكي؛ مما تحول المجال – المسرحي- بكل تنويعاته وتفريعاته؛ إلى سلعة استهلاكية إعلامية، وتخلّي عن موقعه في مواجهة الواقع وتجاوزه ، كيف يمكن له ذلك ولقد أضحى : سلعة مرتبطة بمختلف التعابير المتخلفة والمتراجعة، فبدل أن يتجاوز المنحى الاستهلاكي الذي جرف ما يسمى وسائل الاتصال توقف عندها فأصبح المسرح الاستهلاكي الذي يستغل مآسي الناس وقضاياهم وهمومهم وتناقضاتهم والواقع لأهداف تجارية بحتة (2) فهاته الوضعية فرضت إقحام الشركات؛ لعرض منتوجاتها التجارية؛ بشكل مباشر؛ وذلك بحكم أن العديد من الفرق التي كانت شعلة في العطاء الإبداعي/ الفكري/تحولت إلى شبه مقاولات؛ أو مقاولات تتحكم فيها المقايضات سواء بين المنتجين والمستشهرين والممثلين والأطراف المساهمة في العرض [المسرحي] وبالتالي تميع المجال المسرحي؛ وأمسى سوقا للمضاربات

والصراعات؛ من هنا افتقد الوجه الأسمى للمسرح؛ جماليا وفكريا وسياسيا: كأنما لم يبق من المسرح السياسي العربي أثر يذكر، هذا الانطباع تكرس سواء عبرالمهرجانات أو العروض المنفردة في (مهرجان القاهرة التجريبي وقرطاج والمهرجات الخليجية وعمان) كأنما تراجع المسرح السياسي أدي إلى حد كبير إلى تراجع المسرح ككل كما لو أنهما توأمان وكأنما الجمهور بابتعاده عن الحالة المسرحية كان يسجل ارتباطاً بالسياسي(3) فطبيعة الجدل تفرض هاته الصورة القاتمة عن نوع من الفعل المسرحي الراقي والفعال في البنية المجتمعية؛ وبالتالي فالعولمة في بعدها العام هجمة وحرب ثقافية؛ مفادها تهجين العالم العربي؛ وتجريده من خصوصيته؛ على أساس فرض وترسيخ مفاهيم ثقافية و سلوكات وتقاليد [الآخر] عبر آليات ثقافية؛ تمارس الغزو والفتك؛ لتشويه الهوية ثم القضاء عليها؛ وذلك من خلال تمرير مصطلحات وتقديم النماذج؛ ولنا الآن (مثال) في [الجندر   »sexe » ( ليعوض مصطلح[ التفريق بين الذكر والأنثى] وذلك لشرعنة الشذوذ الجنسي؛ وبالتالي فمدخل القطب الثقافي لن يتم إلا عن طريق القطب السياسي؛ ولاسيما أن الوضع السياسي العربي، أمسى متهلهلا وسلبيا سواء في قضاياه المحلية أو القومية أو الدولية؛ ولم يعد يسيطر إلا على ما أراده [الآخر] أن تتم السيطرة عليه؛

ونلاحظ عبر الخريطة العربية؛ ليست هنالك [معارضة/ احتجاج] حول أخطار أوسلبيات العولمة؛ ;على البني المجتمعية [عربيا] كما هو الشأن في الحراك المدني والسياسي في /أوربا/ أمريكا/ شرق آسيا/ ومن البدهي؛ أن يسهل التأثير؛ وإن كان المنطق يقتضي؛ بأنه لا يمكن لأي مجتمع أن يعيش بدون سلطة؛ التي هي شرط تماسك الجماعة؛ سلطة ليست بالمفهوم القمعي والاستبدادي؛ والتي تبدأ منذ التنشئة الاجتماعية (الوالدين) مرورا بالتعليم الأولي والرسمي؛؛؛ إلى غير ذلك؛ لكن في سياق التحولات؛ أمست السلطة متراخية أو بالأحرى مغلوبة على أمرها؛ مما يقع/ وقع انفلات؛ أحدث فجوات أعمق تهدد القيم والتصورات؛ التي أدت باستفحال [الجنس] كقيمة استهلاكية في بعدها السلبي والإبتذالي :

صفوة القول:

وعليه؛ فنحن أمام مخطط أعد له سلفا ومنذ عقود؛ من لدن جهابذة الاختراق والاستراتيجيات منطلقين من أرضية فكرية بعيدة المدى؛ وما أطروحة المعرفة والتواصل التي تلوح في فضائنا وخطاباتنا؛ ماهي إلا غطاء لمفهوم العولمة ذات البعد الهيمني؛ التي يعبرعنها [صموئيل هنتجتون] صراع الحضارات؛ والتي هي في الواقع صراع قيم؛ نظرا أن الحضارة ملك إنساني؛ ولكن أطروحة الصراع وجه لخلق نوع من الانفتاح الفكري والسلوكي نحو الآخر؛ مما يفرض عدم الانغلاق على الذات؛ من أجل نبد التعصب الفكري والثقافي؛ الذي يهدف ضمنيا إلغاء الآخر؛ وفعلا؛ ما وقع ويقع من حروب واستعمار للعَديد من الدول العربية / الإسلامية؛ فأوضح نموذج [العراق] ومخطط التهويد لبيت المقدس الذي يعتبر الروح الحية والنابضة للحضارة الإسلامية / العربية؛ وفي السياق ذاته فالقوى [العربية] المناهضة؛ لكل ما يحاك حولنا؛ بكل أسف شديد تتخبط في صراعاتها الداخلية؛ والبعض يبحث عن تخريجات لإثبات انوجاده؛ عبر مسالك محتشمة؛ وبعض البعض انهارت معنويته؛ إثر الحصار والقمع الممنهج؛ مما تهلهل الإبداع المتميز وَ الفاعل في النسيج الاجتماعي؛ بحكم أنه كان يلازم ويتغذى ويتقاطع وخطاب اليسار أو المعارضة لكل خطاب أو ممارسة مهادنة واستسلامية؛ وبالتالي انجرف وراء [ثقافة الاستهلاك]

 

نجيب طلال

.........................

الإحالات :

1) من الحداثة إلى العولمة؛ تأليف ج تيمونز روبيرتس أيمي هايت ترجمة سمر الشيشكلي /عالم المعرفة عدد310/ ديسمبر/2004 ص 247

2) المجتمع العربي بحاجة إلى مراجعة نقدية ذاتية / حوار مع بول شاؤول في الملحق الثقافي لجريدة الثورة أجراه ايفلين الأحمد في 8 /02/2005

3) نفس الحوار مع بول شاؤول

 

149 خالد حسنيتجسد رواية "ألف شمس مشرقة" للكاتب الأفغاني خالد حسيني ملحمة إنسانية متكاملة، تبدأ في أواخر الحقبة الملكية ومن ثم إعلان الجمهورية إثر انتقال سلمي للسلطة، في تلك السنوات كانت الشخصية المحورية الأولى (مريم) تعيش في كوخ متطرف عن إحدى المدن الأفغانية البعيدة عن كابول، منشأ عزلتها عن العالم الخارجي، كونها ابنة غير شرعية لشخصية ثرية ومعروفة، تمردها على تلك الوصمة يقودها إلى العاصمة، حيث تشهد حياة مختلفة بكل أجوائها وتفاصيلها، لا يغيب عنها التسلط الذكوري، بل يزداد هيمنة على أقدارها التي ترضخ لها طويلاً مع كل ما تشهده البلاد من صراعات وانقلابات، لا تنتهي مرحلة منها حتى تبدأ أخرى أكثر شراسة، من الشيوعية وما يرافقها من اجتياح الاتحاد السوفيتي للبلاد حتى تناحر الجماعات الإسلامية "لوردات الحروب" فيما بينها للسيطرة على عموم البلاد، ممهدة الطريق لظهور ومن ثم سيادة حكم حركة طالبان وسندها الأقوى تنظيم القاعدة، بينما كانت أمريكا ـ سيدة العالم الجديد ـ تجهز مناهضي السوفييت بالسلاح وتسمح للمقاتلين من كل حدب وصوب بالانضمام إليهم، غير عابئة بوطن اسمه أفغانستان، وذات الشيء يحصل في بلادنا الآن، وعلى حسب المصالح التي تعلمت الجماعات الإرهابية التعامل معها، ومثلما السياسة قائمة على الديناميكية المستمرة كذلك هي مسارات أحداث الرواية المتسارعة، ممتلكة القدرة على جذب تركيز القارئ كلياً رغم تطرقها إلى مختلف التفاصيل الحياتية والنفسية للشخصيات، وعبر مراحل عمرية متفاوتة، إلا أنها لا تجنح إلى الإسهاب غير المبرر للحبكات الدرامية المتداخلة، فكل فقرة لها إشاراتها الدالة والمؤسسة لحدثٍ جديد ومفاجئ، وهنا تكمن حرفية الكاتب في إثارة التشويق لدى القرّاء، عبر تقنيات درامية تتجاوز الحزن الذي يخيم على مضمون النص.

(ليلي) الشخصية المحورية الثانية، تضطرها الظروف إلى تحمل مشاق أكبر من عمرها، رغم عيشها في كنف والديها، فالحروب تجعلنا نكبر قبل الأوان، ونعيش أعماراً متوازية بصور غريبة نجبر على التكيف معها، من بين أنقاض الماضي تجد نفسها أسيرة قدرٍ واحد مع (مريم) ولا مناص من الافتراق عن بعضهما في حياة النيران والطغيان الذكوري الهارب من أهوال الجحيم إلى رغبة التسلط والشهوة المجردة من كل مشاعر إنسانية، تتركز في شخصية (رشيد) بعد تجربة فقدان زوجته الأولى، ومن ثم غرق ولده في نهر يصيبه الجفاف هو الآخر بعد أعوام من الاقتتال المجنون.

تضعنا الرواية أمام خليط من التداعيات، يتشاركها الرجل والمرأة، كل على طريقته وحسب المفاهيم والمعتقدات الاجتماعية المحيطة، من جانب آخر، ورغم أن النص يفسح المساحة الأكبر لوجع ومعاناة المرأة بشكلٍ عام، لا الأفغانية فحسب، نجد في (طارق) الذي يفقد إحدى ساقيه إثر انفجار لغم روسي، شخصية الطفل، المراهق، الرجل، والعاشق دائم البحث عن خلق حياة جديدة ولو من رحم الموت.

عبر هذا التناغم الفني نستطيع أن نستشف رؤية الكاتب لكل ما حدث من نكبات من زاوية مغايرة، تستمد روحها وتميزها من الثقافة الأفغانية، التي أشار إليها هنا وهناك دون تكلف يثقل السرد، على اختلاف مراحلها وتعدد انتماءاتها القومية (باشتون، أزبك، طاجيك...) حتى لو كانت سبباً جوهرياً في إشعال الحرب الأهلية، بالإضافة إلى الولاءات القبلية والمعتقدات المذهبية، ومثل هذا الخليط ليس ببعيد عن تركيبة المجتمع العراقي والكثير من المجتمعات الشرقية بصورة عامة، فالقنبلة الأهلية ستظل جاهزة للإعداد، من قبل هذا الطرف أو ذاك، تحت ذريعة الإرهاب التي حط كليل حالك الظلمة في فضاء شخصيات الرواية المنقادة إلى مصير مجهول، تنقلب بدورها خلال الأحداث مرة تلو الأخرى حتى تغدو المتناقضات متممة لبعضها، وليس في ثنائية الحياة والموت فحسب، فشخصية (مريم) ابنة الحرام، كما كانت تذكِرها والدتها دوماً لتبقيها منعزلة عن العيون قدر المستطاع، والتي كانت تجد في البرقع ستراً لعري نسبها، نجدها تهب الشرعية لعائلة تستعيض بها عن كل ما فقدت، حتى من قبل أن تولد، تدرك معنى وجودها من خلال تلك العائلة كي لا تكرر المأساة، مأساة الحرمان المشتت بين الأحلام المجهضة، اسمها لا يظهر في الصحف، بل في عيون الأطفال الذين فقدوا ذويهم في مدينة "تايتانك" كما صار أهل كابول يسمونها بعد مشاهدتهم الفيلم، خلسة عن الوجوه المتوعدة بجحيم الأرض قبل جحيم السماء.

"طوال اليوم وهذه القصيدة عن كابول تحوم في رأسي. كتبها (صايب ـ إي ـ تبريزي) في القرن السابع عشر كما أظن.. كنت أعرف القصيدة كلها لكن كل ما أتذكره الأن هو بيتين:

لا أحد يستطيع أن يعد الأقمار التي تشع على أسطحها

أو الألف شمس مشرقة التي تختبئ خلف جدرانها" ص198

وخالد حسيني يجيد البحث عن الشموس المختبئة خلف الجدران العالية والمعتمة بقوة جذب سردية متقنة تنأى بالرواية عن الرثاء الكئيب لبلاده المنسية، وهذه الإشكالية تواجه كل كاتب يتطرق إلى صفحة من تاريخ وطنه المثخن بالجراح العميقة ومستمرة النزيف: مخاتلة الحزن قدر المستطاع، أو اختزاله، دون المساس بمصداقية العمل الفني؟

تحدٍ جعل الكثير من كتّابنا يجنحون إلى الفنتازيا والواقعية السحرية أكثر من ذي قبل، يسعون إلى التجديد وتمييز نصوصهم في زخم الإنتاج الروائي الغزير الذي تشهده الساحة الثقافية. رواية "ألف شمس محرقة" لم تأخذ مثل هذا المنحى، رغم ذلك استطاعت أن تجد تميزاً من نوع خاص، متجسدة في شخصيات يعتقد القارئ إنه يعرفها تمام المعرفة ويرى ملامح منها في كل بلد يكرر فيه ذات سيناريو أفغانستان بصورة أو بأخرى.

"نيسان 2003 ـ انتهى الجفاف، أثلجت أخيراً الشتاء الماضي، طول الركبة، والآن إنها تمطر منذ أيام، نهر كابول يجري مرة أخرى، فيضانه الربيعي أغرق مدينة تايتانك." ص 405

مفارقة غريبة، ذات تاريخ الاحتلال الأمريكي للعراق المنتظر إشراق شموسه منذ عقود!.

 

أحمد غانم عبد الجليل

كاتب عراقي

 

 

رابح حيدوسيجميل جدا، ان تكون مبدعا، وعظيم لا محالة، ان يكون النص صناعة لسنفونية ابداعية، ان مستوى نضخ الخصوبة الابداعية، في البنية الشكلية من جهة، وتفكيك نظام النص، واليات اللعب باللغة، السهلة انفعاليا والمتمردة وجوديا ثانيا، الانفتاح على الابتكار وتجاوز العقلانية المبتذلة، اللغةالقائمة على نقل المعاناة والمشاعر الدفينة الى مستوى النص، كواقعة قابلة للمشاركة والتعاطف بما لها من مزاياثالثا، تنسجم مع رؤية علي مغازي في هدم واعادة بناء اليات الكتابة، فهي فعل وان كان صعبا للغاية من زاوية ابداعية، الا انها سهلة ولا يفصل القارئ لكي يكون مبدعا الا حركة اصابعه على الكيبورد، وهتك خيمة اليقين بشبق الاسئلة المعلقة، فالبساطة اللغوية من جهة، وروح اللعب الطفولي التي يبعثها النص، بوصفه حكيا ومنولوجا داخليا يشعر به كل واحد، واذكاء روح الاسئلة المتعبة، يغوي القارئ، وان كان قارئا بسيطا على المشاركة في لعبة الكتابة . بوصفها لعبة ممتعة، ممكنة فعلا، وليس كما نعتقد، صعبة لا تنقاد فيها اللغة والشكل الا بالمعاناة والتمرس والتجربة .

ان النص لدى علي مغازي في قلبيات، لعبة استدراج وغواية، تتماهى فيها اللغة والحرية مع الوضع الوجودي، بل انها، وكما ادعي، تتجاوز قدرة النص المسرحي على ملامسة الجمهور ومداعبة اذنيه وعينيه ليجنح الى التفاعل الحسي بالتصفيق والصفير، او قظرة النص السردي على شد الانتباه وصناعة الصمت، بل انها عند علي مغازي، مداعبه للحس التخيلي الابداعي، وصناعة لوجودية تفاعلية، لتشاركه في ابداعية الابداع حيث يشكل وقراءه سنفونية تعبر رغم هواجسها المشتركة، عن قدرة المبدع، ليس بحبس انفاس مريديه، ولا بدهشتهم امام براعته التخيلية، وانما بجرهم واغوائهم بامتطاء اللغة واستنفاذ مهاراتهم بلاحدود، ولا ترتيبات مسبقة عن مسلمات الكتابة وقواعدها ومساميرها الاكاديمية .

ان النص في قلبيات علي مغازي، مصمم بعناية فائقة، فالثقة في القاريء تزرع بواسطة مشتلة لغوية منتقاه بعناية فائقة، اغوائية الطابع وجودية الوضع، لاشعورية المضمون، متمردة في اسلوبها، وهو امر يجد فيه القارئ المبدع بالمشاركة دون سابق امعان او خطة ومشروع، نفسه ولحظته الهاربة، ليطاردها ويقبض عليها، مستعينا بقدرة علي مغازي، كنموذج في الكتابة الى امتطائها والعزف بكل ما في اللغة من عمق او بساطة والامر سواء، بوصفها نوتات تصنع نشازا قويا في اتجاهات الكتابة فمن النص المحكم بالشكل والقيود النمطية واللغة الصلبة المعلبة، الى نص حر متمرد مندفع، ولغة جديدة هي لغة الحال بلا تزيين بعيدا عن مخابز التدجين للواقع وطمس معالمه، وصدأ ايامه .

في قلبيات، النص رغم صغره وبساطته، مساحة للحرية، مصمم خصيصا، للتمتع بها فما جدوى اللغة ان كانت سجنا؟ وماقيمة الشكل ان اصبح حملا والمعنى سرابا مستحيلا؟ اننا نجد القارئ لعلي مغازي ان قارئه مبدع كذلك، وهذا نادر في النصوص الابداعية، اذ الرؤى النقدية التقليدية تنصب صفة الابداع بالقدرة على الادهاش، وفي اعتقادي ان هذا رائع حتما في النص الابداعي، لكنه لايقل هيمنة من ديكتاتوري، اذ الدهشة تعطيل للخيال وعلى ما ارى ان الابداع هتك للهيمنة وخلق لما لايتوقعه القارئ، وهنا لابد ان نستشف الاساس النظري في صياغة الشكل الذي طرحه علي مغازي، اوليس هو تجاوز الابداع كمنتج خاص بالعبقرية، لمنتوج خاص بالقدرة على التمرد والحرية والاختلاف، بل والتطاول على الممكن الى ماوراءه ربما . كمهمة اساسية للمبدع؟

ولا يخفى على قارئ على مغازي في نصوص قلبيات على صفحته في الفايسبوك كوسيلة تواصل و مشاركة اجتماعية، ان النص صانع حديقة العاب، تتراقص فيها اسئلة المشاركة والمطارحة كغرام مشترك الى نسيج ابداعي، فتتوالد النصوص تزامنا وتتابعا، فالكاتب يطلق بنص اول، اشارة اللعب ليصنع في كل مرة متابعيه من الشعراء والكتاب والمتابعين البسطاء لوحات مميزة للغاية، أولم يقل فولتير ان قيمة مانكتب من مقال فيما يخلفه من اثر، لا في ترديده والاستشهاد به .

ان النص ليس مجرد ليس عبئا على مبدعيه بل انه تحرر من هواجس ومخاوف، وهو تنفيس جمالي عن احتقان داخلي، هو تمرد على الواقع والشكل واللغة والواقع، انه حرية الولادة الخلق، وولادة الجمال، هو المتعة في السخرية من حالة البؤس وتناغم ومشاركة لا وصاية ولا رقابة ولا حظر . ان قطعة موسيقية، فهل يهم ما اسم عازفها؟ ام انقيمتها تكمن في قدرتها ليس على الابداع فقط، انما في ابداع المبدعين؟

قلبيات هي صورة لموضوعات اخرى تتعامل مع الواقع كأن يقول من انا؟

انا مترشح

ولكم ان تتصوروا

هذا نموذج ولكم ان تطرحو مايدورور في اذهانكم ؟!!!

هل سينتصر النص المتمرد ؟ ام سيدهشتا الادباء الكبار ؟

 

بقلم:الاستاذ : حيدوسي رابح الجزائر

 

 

امجد نجم الزيدييخضع الخطاب الروائي، في بعض التجارب الروائية، الى محددات ايدلوجية او اجتماعية، اقترنت اكثرها بالمناهج السياقية، كالرواية الواقعية، والرواية الاجتماعية، او الرواية الواقعية النقدية وغيرها، تبعا للأسلوب الذي ينتهجه الروائي في تقديم روايته، حيث يميل الى خلق سياقات ثابته تصب فيها الثيمة الروائية، حتى يوصل او يصل الى مبتغاه من خلال الهيمنة على القارئ، وادارة تلقيه صوب الرؤية التي اختطتها الثيمة، ومن تلك الاساليب هي الجملة المغلقة، التي تجعل من الروائي ورؤيته هما المهيمنين على خطاب الرواية، اذ ان النوع الاخر من الجمل وهو الجملة المفتوحة؛ التي ينسبها امبرتو ايكو في كتابه (الاثر المفتوح) الى القارئ او المؤول، تمنح ذلك القارئ هيمنة على الخطاب الروائي، وقدرة على اعادة بناءه، لذلك تميل الروايات الواقعية الى الاثر المغلق او الجملة المغلقة، التي تحقق لها السيطرة على القارئ، وعلى وجهة تلقيه، والرؤية او الخلاصة التي تخرج بها تلك القراءة.

عند قراءة رواية (الياقوتة السوداء)* للكاتب موسى غافل الشطري، تنفتح امامنا عدة مسارات للتحليل، ممكن لنا ان نختطها في تتبع البناء الفني والثيمي للرواية، واول هذه المسارات هو المسار الذي يركز على خطاب الرواية من خلال نوعية الجملة التي يستخدمها الروائي، حيث تميل جمله الى الجملة المغلقة، المفسرة، وهذا برأيي بسبب الحمولات الايدلوجية التي يريد ان يفرغها الروائي بهذا الخطاب، والتي تؤثر على تركيبة الجملة نفسها، وليس فقط على دلالتها، او ثيمتها، لان الجملة المفتوحة او بالتحديد الجملة ذات الدلالة المفتوحة ربما تخرج عن ربقة او المسار المحدد الذي ترسمه الايدلوجيا، لذلك فقد بدت عناصر الرواية كالمكان والشخصيات.. الى اخره في روايتنا هذه، وكأنها مجرد اوعية لتلك المحمولات، ولم تستطع الافلات من ربقتها الا في مواضع قليلة، وخاصة في الصفحات الاخيرة، وبالتحديد في لحظة احتضار (سعدة) الشخصية الرئيسية، حيث البناء الشعري الذي صيغ فيه ذلك الحوار المفترض بينها وبين (شمران)، الذي حافظ على نسيجة رغم انفتاحه، دون ان ينقاد وراء اي رؤية قبلية او محمولات تثقل عليه، بل انساب بكل هدوء وشاعرية، تتناسب مع الموقف الذي جمع الروحين، (- انا ما انحب على دنياي، بس من ألم راسي. هاي الشغلة دوختني سعده، حيل دوختني، سالفه مو معقولة، ما حاطها براسي) ص153، حيث قل استخدام تلك الجمل المغلقة واستبدلت بجمل مقطوعة، وكلمات دالة تختصر ربما ما يمكن ان يعبر عنه بجمل طويلة.

وما اقصده بالجملة المغلقة هي الجملة التي تفسر نفسها ولا تحتاج الى التفكير في تأويلها او البحث عن ما تشير اليه، او المقيدة بدلالة واحد، وكما استخدمها الروائي مثلا في الصفحة الاولى من الرواية كـ (أغنية صافية الاديم) او (تغردها حنجرة، بنبرات واضحة) او (تداعبها رغبة جامحة) حيث نرى هنا تركيبة الجملة المغلقة او المفسرة، ان كانت بصفات تلحق بالاسم او بجملة او شبه جملة تفسر ما قبلها، حيث ان (الاديم) جاءت لتفسر (أغنية صافية)، و(بنبرات واضحة) لتفسر (تغردها خنجرة) وهكذا دواليك، وتقصدت ان استشهد بهذه النوعية من الجمل، حيث انها في ظاهرها تخلو من اي محمولات ايدلوجية او اجتماعية، بل انها جمل وصفية، حيث اريد ان اوضح ان هيمنة الثيمة الواقعية التي يراد منها ان تكون وعاء لتلك المحمولات المفترضة، يجعلها ايضا تهيمن على تركيبة الخطاب الروائي برمته، ومنها لغته، من خلال الجملة المغلقة دلاليا، حيث تمثل ربما اثافي سرد الواقعية الاجتماعية، قد يرى البعض ان هذا الاسلوب في بناء الخطاب اللغوي للرواية يمثل ضعفا في هذا البناء، ولكن هذا الرأي ربما يلغي الطبيعة البنائية لهذا الصنف من الروايات، التي تركز على المحمولات الاجتماعية والسياسية بما يعرف بروايات (الواقعية الاجتماعية النقدية)، حيث يمكنني ان اجترح نوعين من الجمل داخل هذه الرواية:

* اولا: الجملة المرتبطة بالمكان، وهي هنا تؤثث هذا المكان او تلونه، المدينة كما في ص5 وما يليها، او الريف ابتداء من ص44 الى نهاية الرواية، مع ان هذين المكانين يحملان بين تضاعيفهما امكنة اخرى اصغر، اماكن مفتوحة واماكن مغلقة، ولأوضح ما اقصده؛ لاخذ هذا الاقتباس واحلله وفق وجهة النظر هذه (في مثل هذا الصباح الجميل تلوح الشمس بكامل اشراقها الدافيء. وعند اعتلاء أسطح البيوت العالية، او الطابق الاعلى من مدارس المدينة، فتمتد امام المتأمل، مروج مترامية من البطائح الخضراء، من مزارع القمح والشعير والمراتع، وماشية ترعى في سفوح المزارع بهدوء.) ص5، حيث نلاحظ من هذا الاقتباس ان الراوي يحاول ان يخلق لدينا صورة ذهنية مرئية لهذا المكان الذي يصفه وهو المدينة، اذ نلاحظ على جمل هذا الاقتباس انها جمل مغلقة تامة المعنى والوضوح، حيث تفسر بعضها بعضا، فـ (الصباح جميل)، و(الشمس بكامل اشراقها الدافئ) الى اخره وطبعا هذا نموذج بسيط لتوضيح ما اقصده عن ما يمكن ان تجده في الرواية، فيما يخص المكانين، حيث يصبح المكان واجهة سيسيوثقافية تتواشج فيها باقي العناصر ضمن محمولات الثيمة، ايدلوجيا واجتماعيا، وخاصة بيت حواس وفدعة المتواضع ص6-7، على عكس بيوت المدينة الاخرى التي يغيب عنها التفصيل وانما هي اشارات ضمنية، كـ (بيوت أهل الخير) ص24، او الاشارة الى خدمة (فدعة) او (سعدة) في تلك البيوت، والتي تبني لنا تصورا ضمنيا عن تلك الامكنة وانها عائدة لطبقة اخرى.

* ثانيا: الجمل المرتبطة بالشخصيات، وهي جمل وصفية، تصف الشخصيات او افعالها، وكما صورت لنا حواس الاعمى، وفدعة، وسعدة، وبدر، وبدرية، والشيخ حرب، وشمران، وكهرباية وغيرهم، وهذه الجمل وعند استخدامها في وصف الشخصيات تصبح بنية ضمنية تختزل باسم الشخصية فقط، فعندما يذكر حواس مثلا، يستدعى الى الذهن تلك الجمل الوصفية التي وصفته (بالأسود والضرير.. الخ)، ولا تظهر هذه الجمل بصورة مباشرة دائما مع هذه الشخصيات، الا عندما تزج هذه الشخصيات في موقف ما، او ان تكون في سياق اجتماعي او ايدلوجي (أن فدعة ما كانت في يوم ما تمد يدها كمتسولة. بل حالها حال المحتشمات، رغم سوادها، رغم فقرها المدقع.) ص13.

وربما من خلال ما اوردناه سابقا في تصنيفنا للجمل المغلقة في خطاب الرواية، تلك المقترنة بالمكان او بالشخصيات، تظهر لنا ما قلناه سابقا بان عناصر الرواية او ما يرتبط بالمكان والشخصيات على اقل تقدير، هي مجرد اوعية تصب بها تلك المحمولات الايدلوجية او الاجتماعية، حيث لا يظهر هذا النوع من الجمل، الا في سياق اجتماعي او ايدلوجي.

 

أمجد نجم الزيدي

.................

* الياقوتة السوداء (رواية)، موسى غافل الشطري، دار ومكتبة قنديل ط1 بغداد 2017

 

لطالما اجتهد الَبْحثُ الأدبيّ عامةً والشعريّ خاصَّةً منذُ زَمنٍ في اسْتِكناهِ خَلْخلةَ العِلاقةِ بين المُلقِي والمُتلقِّي، وخَبْوِ حرَارتِها، واهْترَاءِ مَلامِح الجّسر التَّوافُقيّ الواصِل بيْنهما، وكذلك الاغْتِراب الضّارِب جُحودِه بين صَوتِ الكلِمَة المُلقاة وخَرسِ صَداها في الذّاتِ المُتلقِّية، وحيثُ إن الكِيميَائيّة الشِّعْريّة لا تتَجَانسُ إلّا بالتّمازجِ الكافِي، والانْدِماجِ الوافِي لعُنصُريّها الأسَاسيين ألَا وهُما "المُرسِلُ والمُستقْبِلُ"، -وقد أكدّ ذلك ابْن قُتيبة فِي كِتابه " الشِّعر والشُّعراء "، حين بَلَغَ بِدَرجةِ جَاذِبيةِ المُلقىَ للمُتلقِي، حُدودَ انْصهارِ الأخِير، وذوبَانَ نفسِه في جَماليات ما رَنا إلى مَسْمعه واسْتقرّ بوجْدانِه، إِذْ قال " أشْعَر النَّاسِ من أنت في شِعره حتى تفرغَ منه " - كان لِزاماً علىَ النُّقاد والمُفكِّرين قَرعَ أجْراسِ التنْبِيه، ومُحَاولة اسْتنباطِ عِلَّة العُزوفِ مِن بَواطِنها، وتبَيْنِ أصْداعِ الوصْلِ، ورأبِ مَواطنِها .

وقد يُعزَى هذا النفُورُ القائِمَ وذاكَ الفتُورُ الدّائمَ إلى حَالاتِ الفصْلِ التّام، والتي ربما تحدثُ في اللّاشُعور الإبْداعيّ، أثناء مُعايشةِ التّجربةِ الشِّعريةِ منذ اسْتهلالِها، وهي ما أطْلقتُ عليها حالاتِ "الانْفِصَام التّعبيريّ" وهذا المصطلح إنما يسعى - في مضمُونه - إلى تفسِير مَاهية العِلاقة ذات الصِّلة بين ذائقةِ المُتلقي وحُدوث الشِّعرية،

ومِن ثَمَّ مُلاحقةِ أسْبابِ إقصَاء مَنابضِ الإبْداع، وإذْكَاء الذَّات المُتلقية بما يَجْعلها أشْسَعَ اِحتداماً بين المَوجُود والمفْقُود، والحَاضِر والمُستحضِر، مما يَركنُ بها إلى رفضِ هذِه التّناقُضات، وزجْرِ المُضاداتِ التي تُطوقُ أرجَاء البوح المسْتعار، وهذا على عكس ماكان سائداً في عهدِ الأدبِ القديم، الذي كان يَعْظُمُ فيه حُضورُ المتلقِي، باِعْتبارِه جزءًا رئيسيّاً من الحالةِ الشِّعرية، بل وكانت معَايير تقْيِيم الشّاعر ونصِّه عادةً تُعزى إلى اسْتحسَان السّامع وتذوْقه وِفْق سَلِيقتِه وخِبرَتهِ السَّماعِية .

وفيما نحنُ نتَغورُ مع هذا المُصْطَلح الأدبيّ فِي قَرارِ المُسبِبَات، ونَجتهدُ فِي تعْلِيل نُزُوحِ المصَبَّات، كَي يتَسنَّى لنا مُلامسة قَلْبِ قَضِية العُزوف الرّاهِنة، وتكثِيف المَباحِث لاسْتدْراك مَخارِجِها الآمِنة، نَجدُ أنفُسَنا فِي مُواجَهة مع تفسِير اسْتيحَائي لهذا المُصْطَلح ..

كيفَ يَكُونُ الانْفِصام التعبيريّ ؟

الإنفِصَام التعبيريّ هو دَاءٌ إبداعيٌّ يُصِيبْ عَصَبَ الحِسِّ لدَى المُبْدِع، فيَعْملُ علَى الفَصلِ التّام بيْنهُ وبَيْن عَوالمِ الأرْواحِ المُكتظّة مِن حَوْلهِ، أو بَيْن ذَاتِه المُتشظِّية ومَراكِز الإبْداعِ فِي دِماغِه، مِمّا يُؤدِّي بِه إلى حالةٍ مِن " الشِيزُوفْرينيا " في التَفكِيرِ والتّعْبيِر أثناء تخَلُّق نَصِّه وتنْشِئته الأولَى .

فَعلى سبِيل التنَاولِ نَجِد أنّ الانفِصام في الجَوهَرية الضِّمْنيّة " المَعنى "، هو ذاكَ الانفصام الذي يكُون بين التصَوّرات والرُّؤى التعْبِيريّة ل "المُرسِل "، وتلك الحَلقَة الضَّيْقةِ والمُخنَّقةِ التِي يَدُور بها "المُستقبِل"، بمعْنى اِغْترَاب الشّاعر عن مدارات الحياة اليومية للآخر، والتّستر على عَوْرات المَعيشَة، وأوجَاع الشّارع، وتَوْليف ما قَد تُنْشزه شَراسِة الطبيعةِ الحَياتيةِ، وذلك بمُسَاندَةِ كثَافة تَعدُّدِية مِن مبْنياتِ النّص الأدبيّ گ " المجَاز، التّخييل، الاسْتعَارة، الكِناية، الاقْتبَاس، والتّناص وغيرها من الصّوائِغ البَديعية "، حيث أنّ هذه الهُوّة الفَسِيحة بين مَطْمحِ وجْهَيّ العُملة الشِّعرية _ مُبدعاً ومُتذوقاً _، وهذا الاسْتِعْلاء النَّصيّ عن رُوحِ الدَّلالة الحاضِرة، واسْتدْعاء المُهَجّن مِنها، بمَقدُوره لَجْم رُوح الإنْصَات والإسْتِمتاع لدَى المُستقبِل، بَلْ وبثّه أوْزاعاً من الرُّكُود الشَّغفيّ مِمّا يَصِلُ بِه إلَى الخُمُول التَذوقيّ، وهذا ما يُوقِعهُ لا إرَاديّاً أسِير تِلك المُفارقَةِ المنْظُورة بين ما يَسْتَصْرِخُه فِيهِ واقِعُه وماتُدبِّجُه يَراعاتُ الصَّفْوة فِي مُجتَمعِه .

ونقِيسُ علَى ذَلك أيْضاً الانفِصام في المَظهَريّة أي " البُنيَة"، وهو من أهَم أسْباب العُزوفِ أيضاً، والذي يَدْفعُ بالقَصيدِ لِلتموْقعِ تحت طائِلَة أحَد الغَزْوين أولاً : التَّنَاول الإِرْثيّ لهَيمَنة المُعجَم اللّغويّ على تدَاولِية القَصِيد في شَتّى نِداءاتِه ونَبْراتِه، وتَكليف البُنية اللّفْظية - باعْتِداِدها سِرَّ المَركَزيّة الشِّعرية - إدَارة الكَيانِ الإبْداعيّ، وتَجاهُل رُوحِ النّص المعنويّة، فِيمَا يُخلخِل مبَادِئ العَقِيدة الشِّعرية لدَى مُعتَنِقِيها مِن العَامَّةِ، ويُصيُّرهَا رَهِينة فئَة فِكْريَّة نخْبَوية مُعيّنة، وثانياً : الغَزو التَّأثُري الشَّائِك للكلِمات والعِبَارات التي تُحاكِي لغة الشّارع، وتَستَجِيب لأهْوائِه ونَزعَاتِه ورَوافِد بيئَته، فِي نظْرةٍ اِسْتِحْدَاثيّة مُتدنِّية، كهَزِيمَةٍ سَاحِقةٍ لِلُغَةِ الهَيكلِ النَّظْمِيّ والتنْظِيمِيّ للنص، مما يُساهمُ في ضَياع المضمُون الفِعليّ والفِكرة المُستهدفة، تَبعاً لضَياعِ اللّغة الُمتأدِبة ورَكاكة الأسْلُوب والتّعبير .

ثم إن هُناك أيضاً "الانفِصام الذاتيّ" للروحِ المُبدعَة بين فلسَفة الإِذعَان الرُّوحية _ وفقَ أبجديّات مُغايرة لمنْطَقَةِ الحَاضِر "كالمُغالاة في التّفاؤل أو التّشاؤُم على سَبيل المثَال" _ وبين التَّنكرِ الحَاد لما يُغالب النفسَ ويقضُّ وجْدانَها، ممّا يجعلها تُسخرِ تفاعُلاتها التَّصوُّرية والإبداعيّة، وفقَ ضَمِير إبداعيّ مُستَعار، ومُنافٍ للحَراك الثَّائر في دوَاخلِها، وهذا بِدوْره مايُغذِّي رَداءةَ المُنتج الأدبِي، سَواء مِن نَاحِية سُوء التعْبِير والإسْراف فِي التصوير - تَسَتراً على اللّامنْطِق _أو مِن ناحِية استِشْعار الإِدْلاء *، والاسْتِدعَاء الجبريّ لمعايشة النص، ما يُظهر إرتباكية المُبدع، وتعثر إلقَائه، مما يقف حَائلا بيْنه وبيْن تذَوقِ واسْتِساغةِ المتلقي له.

وعلى نحوٍ آخر فهُناك الانفِصام التعْبيريّ في البُعد الزَّمنيّ، وهو مايمكن التّعبير عنه ب " التعَصُّب الثقَافيّ "، أي انحِسار الطّاقةِ الإبداعِيةِ دَاخِل كَونِيةٍ ابستمُولوجيّة مُنغَلقة وانْعِزالية، ذات إيدُولوجيّة ثقَافية وفلسَفية حَادة التّمَركُز، وهذا الانْفصَام يقفُ بِمُنتأى صرِيحٍ إمّا عن نظَريّة المُحاكَاةِ الأدَبية وانْفِعالاتِ التّأَثرِ والتّأْثِير دَاخِلها، أو عن مُواكَبةِ المعَالِم والظَّواهِر الحَياتِية المُتغيّرة والمُسْتَحْدثة، وهذا مَعَ الأَسفِ ما يُصيب أغَالبة الشُّعراء في عَصْرِنا هذا، حِين ينْزعُون بالشِّعر إلى تَأرِيخ هَويَّته الإبْداعية، وتَجمِيدِها وفْق زَمنٍ بِعيْنهِ، من حَيث البِنَاء والتَّركِيب واللّغة، فإمّا يتجَاوزُون حدَّ التجذِّر في القَوْلبةِ القَـدِيمة، إلى حيث التَّوحد فيِها واسْتِنْسَاخِها، دون أيّ إنتَاجٍ خالِصٍ للحَاضِر، أو علىَ العكسِ تَماماً يقومُون بتفكِيك الحُمُولة البُنيَوية لهَا، والتَّملّص المُرِيب مِنها، إلى خَلقِ نظَريَّات شِعرية جَديدة تحتفِي بكُل مُستحدثٍ ومستغربٍ، غاضِّين البَصر عن أنّ الشِّعرَ هو حَالة أدَبية إنسَانية خَالِصَة، تتجاوزُ كلّ الأزمِنةِ والأمْكِنةِ .

حيث يقول الأدِيبُ طه حُسين * (إنّما الأدبُ الخِصبُ حقَّا هو الذِي يلذك حِين تقْرَأه لأنه يُقدم إليّك ما يُرضي عَقلَك وشعورَك، ولأنه يوحَي إليك بما ليْس فيه، ويُلهمك ما لَم تشْتمِلْ عليه النصُوص. ويُعِيرك من خِصْبه خِصْبا، ومن ثروتهِ ثروة، ومن قوتِه قوة، ويُنطقك كما أنْطق القُدماء، أو لا يكاد يسْتقر في قلبِك حتّى يتَصور في صُورة قلبِك، أو يُصوِّر قلبَك في صُورته. وإذا أنتَ تُعيده على النّاس، فتُلقيه إليهم في شَكل جَديدٍ يُلائم حَياتَهم التِي يُحيُونها، وعواطِفَهم التي تثُور في قُلوبهِم، وخَواطِرهم التي تضّطَرب في عُقولِهم.)، وهذا ما يجعلُنا نَقفُ عند مُميزات وتَأثيِرات الأدبِ الحَيّ، غير المَوقُوت، الذي لا يَنتَهي بعصرٍ او بِجِيل، إنما هو عِوضاً عن اسْتِقرَاره في وجْدان مُتلَقيه المُتذَوقين، يَسْعى أيّضاً أن يُصْبح مُتّسعاً مِن الإلْهَام للأُدبَاء، ودَوحاً غَنّاءً لمتَلمِّسيّ البَيان والإحْيَاء .

وفي الحَقيقَة إنّ كُلَّ نوعٍ من هَذِهِ الانْفِصامات حَقِيقٌ بالتنَاولِ المُفصّل والبَحثِ الجِّديّ، ولا يتوقفُ البَحث هاهُنا، حيثُ أن الانفصَاماتِ في التعْبِير ولغةِ المخَاطبة كثيرةٌ ومُتعدِّدةُ المآخِذِ، وهي ماوَراء هشاشة الصِّلة بين الخِطابِ والمُتلقِي، وعدم تحْقِيق الأثرَ الموْسُوم فيِه، وبِما أنّ الشّعر على يَدِ أرسطو تَحْول من مَنظُور الإنْشاء البُنيَويّ الصّلد إلىَ مَنظُور فلسَفةِ الإبدَاع والابْتكَار، ومِن مَدلُول الحَصْريّة إلى مَدلُول الكُليّة، كانَ حَريّاً بالشّاعر ارتِكابُه لإنْسَانيّة الشّعر، والمُخاطَبة - فنياً وحسياً - للذّاتِ المُتذوْقة له.

 

بقلمي : غادة البشاري

...................

- إضفاء روح شعرية مصطنعة

- كتابه "على هامش السيرة"

 

فالح الحجيةتعتبر اللّغة أداة الاديب: الشّاعراو الكاتب وهي الوسيلة او الاسلوب النمطي التي تؤدي المعنى والكلمة المعبرة عن روحية الشاعر فنّيا والّتي يترجم من خلالها الشّاعر انفعالاته واحاسيه وما يعتمل في نفسه من مشاعر من خلال ما يشعر به اوينظم قصيده وتحكي مفاهيمه وتجاربه في بناء النّصوص الشعرية فهي تمثل معرفة الذّات الخلاقة المنبعثة من خوالج النّفس، وقد وجد الانسان فيها وسيلة ليعبر عن نفسه في شعره و يفلسف بها ذاته وليبقى التعامل معها قائما لتؤدّي مهمة كشفها عن مكامن الذّات الانسانية وتبقى وسيلة من وسائل التواصل الإنساني لابراز من علاقاته الفكرية والفنية.

ولابد للشاعر أن يُوَثِّق صلته بمفاهيم اللغة بحيث تصبح مَلَكَة اللغة في نفسه فطرة، فهي بحر زاخر يغرف الشاعر منها بلا انتهاء، فعندما يبدع تكون الصور الشعرية وما ياتي به من ابداع ثر جميل ومطابق لما تقصده نفسيته الشعرية ويردده المتلقي ليستفيد منه فيحلق معه في جو رائق ترتاح اليه نفسه وتنتج منه موسيقى شجية تتناسب مع اعاريض قصيدته،وتلك الاوزان الشعرية . فيأتي بأروع الأنغام وآسناها دون الخروج على أسس اللغة وقواعدها خاصة في اختيار القافية المناسبة مع ما تسمو اليه القصيدة.

وارى أن تقفية القصيدة العربية حالة عامة في الشعرالعربي ومطلب سيكولوجي فني مُلِحّ، يلتزمه الشاعر ولا يزيغ عنه الا نادرا وفي مواقع محدودة و تلك ضرورة لا سبيل للاستغناء عنها في الشعر فهي – كما اراها - تُقَوِّي بصيرة الشاعر وتزيد في شاعريته ،وتفتح له أبوابا موصدة ربما كانت غامضة، وتقوده الى مواطن سامية تموج بالحياة والا مل ، كما أنها مفاتيح للمعاني الخفية في اللغة ، لتُنْبِتُ الأفكار، وتغير مغزي القصيدة إلى مجالات واسعة وخصبة لانها اي القصيدة وسيلة رجحان القلب ونشوته واهتزاز النفس وسعدها واستقرارالروح في المتلقي فوجودها يُشعره بوجود نظام رائع وجميل ينطلق من ذهن الشاعر يعتمد التنسيق بين الفكر والخيال ووضوح الرؤية من خلال قوة تجربة الشاعر الشعرية . فالشاعر المبدع من يُلْهِمُهُ حِسُّه الفني ويقوده الى المواضع الافضل التي يلتزم بها في قصيدته . من هنا يتضح ان القافية تمثل حياة كاملة وليست مجرد كلمات عابرة موحدة.

فالقافية واهميتها في الشعرالمعاصر سديدة ومحكمة في ظل الاحداث التي تمر ببلادنا العربية في هذا الوقت وما تحتاجه من خطابية في القصيدة المعاصرة وان خفتت فترة من الزمن بظهور القصيدة النثر التي حاولت مزاحمتها اومنافستها وظهرت هذه الحالة في العقد ين الخامس والسادس من القرن العشرين تقريبا وما بعده ولا تزال تبحر في الشعر العربي وتتسامق مع القصيدة العمودية وكَثُرَ من يكتب بها من الشباب الا ان الشاعر المعاصر يبدو في قصيدة النثر ارادته مسلوبة او لايرتقى الى مصاف القصيدة العمودية ذات القافية في المواقف السياسية والخطابية فيميل الى الغموض والابهام لتعزيز مواقفه ويجعل من شاعريته – كما يتصور- ذات معارج يرتقيها الا انها تبقى قاصرة من وجهة نظرالمتلقي فيميل الى القصيدة العمودية التي اعتاد سماعها لان سماعية اذنه الموسيقية اعتادت على القصيدة العمودية الثائرة وقافيتها .

واذا ظن الشاعر المعاصر انه يجيد قصيدة النثر المعاصرة في كل فنون الشعر فهي لا تسمو سمو القصيدة العمودية في الامور السياسيىة والاحداث المعاصرة وما تمر بها هذه الفترة من مجريات صعبة وشديد ة تحتاج الى قصيدة ثورية شديدة الوقع تتسم بالخطابية لإثارة النفس العربية التي اصبحت متعبة في ظل الوضع الراهن في المتلقي العربي . وما اتوقعه وقلت فيه ان صوت قصيدة النثر الآن بدأ بالخفوت او مال الى الخفوت ، ولم يَعُدْ مقبولاً لدى المتلقي خاصة في الامور النضالية والجهادية لذا بدأ الشاعر المعاصر يعود تدريجيًّا إلى قصيدته الخالدة من جديد. ونلاحظ الكثير من الشعراء من اخذ ينظم شعره في القصيدة العمودية وتخلى عن كتابة قصيدة النثر الا بعض الشباب وخاصة العنصرالنسوي.

واتمنا على الشاعر المعاصر التمسك بالقافية في قصيدته لأنها تمثل جزءا أساسيا لموسيقى الشعر لا يمكن الاستغناء عنه. فالقافية تمنح الشاعر إحساسا سامقا بأنه ذو عزيمة صلبة لا تلين منبعثة من اعماق نفسه الابية ، فالقافية في القصيدة السياسية الثائرة تمثل نفسا مقاتلة ولها صولة في ساحة الشعر مثل ساحة الوغى بحيث تنزل على السامع نزول الرعد الغاضب ، وكل قافية تمثل قنبلة تنفجر في ابيات القصيدة العربية . نلاحظ قصيدة الشاعر على محمود طه حيث يقول:

اخي جاوز الظالمون المدى   فحق الجهــاد وحق الفـــــــــدا

وليس بغير صليــل الســـيوف   يجيبون صـــوتا لنــــا اوصـــدى

فجرد حســـــامك من غمــــده   فليـــس لــه بعــــد ان يغـــمدا

اخي ايهـــــا العـربـي الابي   ارى اليــــوم موعدنــــا لا الغــــدا

فالشاعر المبدع من يستلهم حسه الفني في ايجاد قافية شديد ة الوقع تثير النفس في المتلقي .يستنبطها من معين الكلمات المناسبة فيأخذ الاحرف الاشد وقعا عند معانقتها للاخرى بحيث تحدث زخما حادا او اثارة قوية في نفس المتلقي و تهزه هزا عنيفا وتولد شرارة شعلة في النفس والقلب فيه ونحن نعلم ان العربي سريع التاثر سريع الانفعال فتسيتقظ عاطفته الوطنية فيعبر عما في دواخله ازاء وطنه وامته

 

امير البيـــــان العربي

الدكتور فالح نصيف الكيلاني

العراق- ديالى - بلــــد روز

 

سردار محمد سعيدحكمت محكمة المجتمع الأبوي على قمع حرية الأنثى بصورها المختلفة في العمل والتعلم واللبس والحركة والجلوس وطريقة الأكل والحديث والضحك ووصل القمع منتهاه بسجن الأراء والأفكار، فاندحر ابداعها إلا في حالات وثقها لنا السلف وكانت على سبيل الإخبار أو التسلي على وفق ظنّي.

وبما أن الإبداع والحرية أشقاء، فأن الأنثى كانت شهيدة الفكروالتعبيرعن الرأي وعمدت إلى الإستعارة والكنى ولم تجد أحياناً.

من ذلك قول جارية للخليفة بعد أن قال لها إنك لرسحاء فقالت : ما نقصناه في الطست زدناه في التنور .

ومثله قول سحّاقة : الموز لذيذ لكنه ينفخ البطن .

ومثله :قول امرأة اشترى زوجها جارية فاشترت غلامين فقال : ماهذا؟ قالت: أما علمت أن الرحى أحوج لبغلين من حاجة بغل لرحا .

الحديث يطول بذكر الأمثلة وأظن أنها تحتاج لنص خاص، وأنا هنا أمام نص القاصة المائزة فاديا عيسى قراجة واستعاراتها الذكية التي تحتاج إلى قراءة فاحصة وتدبّر.

ولعل غيري لاسيما النقاد الكرام سيجدون ويكتشفون عوالم أخرى فاتتني .

في نص فاديا زوج يرقب زوجته التي لم ير منها المشاعر الإنسانية فبدأ الشك يتسرب إلى فكره، إلى هنا الموضوع مطروق والفكرة مألوفة، لكن لنتمعن كيف تناولتها فاديا وكيف طرحتها بشكل غيرمطروق وغيرمألوف .

إذن وهذا من أسلوبها القصصي المتفرد تطرح المطروق والمألوف بشكل غير مطروق ولا مألوف وهنا الإبداع .

" أمدد قمصانها الحمراء والزرقاء، الشفافة والكاذبة لعل هناك من ترك روث بصماته عليها"،

ماالذي نفهمه من هذه العبارة الذكية ؟

ولاحظوا معي استعمالاتها المدهشة للنثر الأيروسي كما في كلمة " روث "،

أحييك فاديا على جرأتك واستعاراتك وكناك .

ولننتقل إلى عبارة أخرى،

" أصاب بزكام مزمن، وأنا أشم روائح تهب من هنا وهناك "

وماذا قال عنما كان يراقب جوّال زوجته

" وكم أُقفل وكم فُتح "

لله درك يا فاديا كم مرة جعلت العقل يفتح ويغلق بنصك هذا.

وغيرها كثير

" تهجم روحي المدمرة على عنقها المرمري، أضغط بقهر قبيلة من الذكور "

" ألملم ما تمزق من رجولتي "

" أنت جائع لقد برد الطعام، سأعود لتسخينه ثانية "

لابد من ملاحظة

أن فاديا تكتب بجرأة فلا تساوم على أية عبارة مقابل ارضاء الذكوريين .

أن فاديا تؤمن بأن الحرية صنو الإبداع .

ربما فُقدت نصوص لكاتبات وشواعرنفيسة بسبب الخوف من قسوة المجتمع الأبوي الذي تصدّت له فاديا وكما أسميتها من قبل سليلة ليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي وعلية الأميرة العباسية ..

أحييك مرة أخرى، كوني بخير .

نقيب العشاق بين الفرات والعاصي

 

سردار محمد سعيد .

......................

للاطلاع

صمت البحر / فاديا عيسى قراجه

كريم مرزة الاسديرؤىً جديدة اقرأوا البحث والتحليل إلى آخره رجاءً وتأملوا معي، والليالي يلدن كلّ عجيب !!

أولاً - أبيات القصيد:

وَإِنَّ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ بَنِــي أَبِـــي*** وبَيْنَ بَنِــي عَمِّـي لَمُخْتَلِفٌ جِـدَّا

أَرَاهُمْ إِلَى نَصْرِي بِطَاءً وإنْ هُـــمُ ****دَعَوْنِي إِلَـى نَصْرٍ أَتَيْتُهُمُ شَدَّا

فَإِنْ أَكَلُوا لَحْمِي وَفَرْتُ لُحُومهُمْ** وَإِنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لَهُمْ مَجْدا

ثانياً - القصيدة:

قال محمد بن ظفر بن عمير الكندي الملقب بالمقنع الكندي (توفي 69 هـ / 689م - العصر الأموي) قصيدته الشهيرة - قصيدة دين الكريم - من البحر الطويل:

1 - يُعَاتِبُنِي فِي الدَّيْنِ قَوْمِي وَإِنَّمَــا**** دُيُونِيَ فِي أَشْيَاءَ تُكْسِبُهُمْ حَمْدَا

2 - أَلَم يَرَ قَومي كَيفَ أوسِرَ مَرَّة **** وَأُعسِرُ حَتّى تَبلُغَ العُسرَةُ الجَهدا

3 - أَسُدُّ بِهِ مَا قَدْ أَخَلُّوا وَضَيَّعُوا***ثُغُورَ حُقُوقٍ مَا أَطَاقُـوا لَهَا سَدَّا

4 - فَمَا زَادَنِي الْإِقْتَارُ مِنْهُمْ تَقَرُّبًا**وَلا زَادَنِي فَضْــلُ الْغِنَى مِنْهُمُ بُعْدَا

5 - وَفِي جَفْنَةٍ مَا يُغْلَقُ الْبَـابُ دُونَهَـا ****مُكَلَّلَـةً لَحْمًا مُدَفَّقَـةً ثَــرْدًا

6 - وَفِي فَرَسٍ نَهْدٍ عَتِيـقٍ جَعَلْتُــهُ**** حِجَابًا لِبَيْتِي، ثُمَّ أَخْدَمْتُهُ عَبْــدا

7 - وَإِنَّ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ بَنِي أَبِـــي**** وبَيْنَ بَنِــي عَمِّـي لَمُخْتَلِفٌ جِدَّا

8 - أَرَاهُمْ إِلَى نَصْرِي بِطَاءً وإنْ هُــمُ **** دَعَوْنِي إِلَى نَصْرٍ أَتَيْتُهُمُ شَدَّا

9 - فَإِنْ أَكَلُوا لَحْمِي وَفَرْتُ لُحُومهُمْ**وَإِنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لَهُمْ مَجْدا

10 -وَإِنْ ضَيَّعُوا غَيْبَي حَفِظْتُ غُيُوبَهُمْ** وإنْ هُمْ هَوُوا غَيِّي هَوِيتُ لَهُمْ رَشْدًا

11 - وَلَيسوا إِلى نَصري سِراعاً وَإِن هُمُ *** دَعوني إِلى نَصرٍ أَتَيتُهُمُ شَدّا

12 - وإنْ زَجَرُوا طَيْرًا بِنَحْسٍ تَمُرُّ بِي****زَجَرْتُ لَهُمْ طَيْرًا تمُرُّ بهِمْ سَعْدَا

13 - وَإِن هَبطوا غـــوراً لِأَمرٍ يَســؤني**** طَلَعــتُ لَهُم مـا يَسُرُّهُمُ نَجــدا

14 - فَإِن قَدحوا لي نارَ زنــــدٍ يَشينُني*** قَدَحتُ لَهُم في نار مكرُمةٍ زَنـدا

15 - وَإِن بادَهونـي بِالعَـــداوَةِ لَم أَكُــن****أَبادُهُمُ إِلّا بِما يَنـــعَت الرُشـــدا

16 - وَإِن قَطَعوا مِنّي الأَواصِر ضَلَّةً**** وَصَلتُ لَهُـم مُنّي المَحَبَّــةِ وَالوُدّا

17 - وَلاَ أَحْمِلُ الْحِقْدَ الْقَدِيمَ عَلَيْهِمُ*** وَلَيْسَ رَئِيسُ الْقَوْمِ مَنْ يَحْمِلُ الحِقْدَا

18 - فَذلِكَ دَأبي فـــي الحَياةِ وَدَأبُهُم****سَجيسَ اللَيالي أَو يُزيرونَني اللَحدا

19 - لهُمْ جُلُّ مَالِي إِنْ تَتَابَعَ لِــي غِنًى*** وَإِنْ قَلَّ مَــالِي لَــمْ أُكَلِّفْــهُمُ رِفْـدَا

20 - وَإِنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ مَا دَامَ ثَاوِيًـا** وَمَا شِيمَةٌ لِي غَيْرَهَا تُشْبِهُ الْعَبْدَا

21 - - عَلَى أَنَّ قَوْمِي مَا تَرَى عَيْنُ نَاظِرٍ***كَشَيْبِهُمُ شَـيْبًا وَلاَ مُرْدِهِمْ مُرْدَا

22 - بِفَضْلٍ وَأَحْلاَمٍ وَجُودٍ وسُــؤْدُدٍ*** وَقَــوْمِي رَبِيعٌ فِي الزَّمَانِ إِذَا اشْتَــدَّا

ثالثاً - نظرة عروضية:

القصيدة من البحر الطَّوِيْل وزنه بحسب الدائرة العروضية:

فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ ** فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ

لا يستعمل هذا البحر إلا تاما وجوبا.

ضابطه:

طَويلٌ لَهُ دُونَ البُحورِ فضائل ** فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ فَعُوْلُنْ مَفَاْعِلُ

للبحر الطَّوِيْل عروض واحدة تامة مَقْبُوضَة (قبضها واجب)، وهو زحاف جارٍ مجرى العلة، ولها ثلاثة أضرب صحيح (مَفَاْعِيْلُنْ)، مقبوض (مَفَاْعِلُ) مثل عروضته، و محذوف معتمد (مَفَاْعِيْ) - ويستحسن قبض "فَعُوْلُنْ" الواقعة قبل هذا الضرب -

أ - قصيدة شاعرنا المقنغ الكندي: عروضها مقبوضة وجوباً، وضربها صحيح، وهذا وزنها:

فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ فَعُوْلُنْ مَفَاْعِلُنْ*** فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ

أما الزحافات والعلل في البحر الطَّوِيْل فيجوز في حشو الطَّوِيْل:

(مَفَاْعِيْلُنْ) تَصْبَحُ : مَفَاْعِيْلُ، مَفَاْعِلُنْ

(فَعُوْلُنْ) َتصْبَحُ: فَعُوْلُ،عُوْلُنْ، عُوْلُ.

ب - في هذا العجز: (طَلَعــتُ لَهُمْ مـا يَسُرُّهُمُ نَجــدا)، قد ورد في كلّ المراجع والمصادر بهذه الصيغة، وكان ثقيلاً مكروهاً على أذني، ولم أرَ من أشار إليه أو قطّعه عروضيا، والحق فيه ثلاثة زحافات تعاقبت في حشوه، أحدها مكروه، وهي قبض (فَعُوْلُنْ) الأولى فأصبحت (فَعُوْلُ)، وكف (مَفَاْعِيْلُنْ) الأولى فأصبحت (مَفَاْعِيْلُ) ، وثرم (فَعُوْلُنْ) الثانية فأصبحت (عُوْلُ)، التقطيع:

طَلَعــتُ لَهُمْ مـا يَسُرُّهُمُ نَجــدا

طَلَعْــتُ / لَهُمْ مـا يَ/ سُرْرُ/ هُمُو نَجْــدا

فَعُوْلُ / مَفَاْعِيْلُ / عُوْلُ / مَفَاْعِيْلُنْ

ج - البيتان الثامن والحادي عشر متشابهان في المعنى واللفظ، وكل المصادر والمراجع التي أعتمدت عليها تدونهما، ولكن المشكلة العروضية، جميع ما أعتمدت عليه تكتب عجز البيت الحادي عشر هكذا: (دَعوني إِلى نَصيرٍ أَتَيتُهُمُ شَدّا)، وبهذا التشكيل يكسر الوزن إلا بحذف الياء من (نصيرٍ)، لتكون (نصرٍ)، فيصبح العجز (دَعوني إِلى نَصرٍ أَتَيتُهُمُ شَدّا)، فيكون التقطيع:

فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ فَعُوْلُ مَفَاْعِيْلُنْ

لأن لو قبلنا بما أتت به كل المراجع والمصادر التي أعتمدت عليها، ورضينا بقبض

(مَفَاْعِيْلُنْ) في الحشو، وسكّنا ميم فتكون (أَتَيتُهُمْ) لكانت التفعيلة الثالثة في العجز (فَاعِلَنْ)، وهذه ليست من تفعيلات البحر الطويل، يعني يكون التقطيع (فَعُوْلُنْ مَفَاْعِلُنْ فَاعِلَنْ مَفَاْعِيْلُنْ).

من كل هذا أريد أن أقول إن البيت الحادي عشر منحول، وليس من القصيدة على أغلب الظن !!!

والسؤال الأهم كيف عبر هذا البيت من يومه حتى يومنا ؟!! وتنقله المراجع والمصادر والمواقع حتى الأدبية المتخصصة، ليس من ناحية العروض فقط، ولكن تكرار المعنى واللفظ للبيت الثامن، والثامن أقوى تشكيلاً.

د - في عجز البيت الثامن عشر:(سَجيسَ اللَيالي أَو يُزيرونَني اللَحدا)، هنالك احتمالان لإعراب (أو)، إما أن تكون عاطفة، فالفعل (يُزيرونَني)، تلفظ فيه النونيَن، نون الجمع ونون الوقاية، وتختلس الياء للكسر، فيكون تقطيع العجز: (فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ)، وإما أن تكون (أو) أداة نصب للفعل المضارع، ففي هذه الحالة تحذف نون الجمع، وتبقى فقط نون الوقاية، فيلفظ الفعل بنون واحدة هي نون الوقاية، وعليك تحريك ياء المتكلم بالفتح (يُزيرونيَ)، ويبقى التقطيع السابق نفسه، والله خير الحاكمين .

تنويهات:

أ - لا يجوز اجتماع الكف والقبض في (مَفَاْعِيْلُنْ). والْكَفّ والْقَبْض إن وقعا في جزء أو جزأين قُبِلا، فإن زادا عن ذلك لم يتقبلهما الذوق.

ب - الْخَرْم (حذف أول الوتد المجموع أول التفعيلة) وذلك في تفعيلته الأولى (فَعُوْلُنْ) فإن كانت سالمة أصبحت (عُوْلُنْ) ويُسَمَّى هذا ثَلْمًا، وإن كانت مَقْبُوضَة صارت (عُوْلُ) ويُسَمَّى ثَرْمًا.

ج - لا تأتي عروض الطويل سالمة (مَفَاْعِيْلُنْ) إلا عند التصريع فتكون سالمة مع التصريع ومقبوضة حيث لا تصريع.

يبقى عليك تقطيع القصيدة، فهو سهلٌ يسير على المتمرس !!

رابعاً - اسمه ونسبه وولادته :

جاء في (الأغاني): " اسمه محمد بن ظفر بن عمير بن أبي شمر بن فرعان بن قيس بن الأسود ابن عبد الله بن الحارث الولادة - سمي بذلك لكثرة ولده - بن عمرو بن معاوية ابن كندة بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب قحطان شاعر مقل من شعراء الدولة الأموية وكان له محل كبير وشرف ومروءة وسؤدد في عشيرته

قال الهيثم بن عدي أن عمير جده سيد كندة وكان عمه عمرو بن أبي شمر ينازع أباه الرياسة ويساجله فيها فيقصر عنه."

وفي اسم أبيه خلاف، قيل: عمير، وقيل ظفر بن عمير، وقيل عميرة.

ولد الكندي في وادي دوعن بحضرموت في قبيلة كندة اليمنية جنوب الجزيرة العربية، من أهل حضرموت وُلد بـوادي دوعن، ولا تعرف سنة مولده ولكنه عاصر الدولة الأموية،فهو من شعرائها، (توفي 69 هـ / 689م).

خامساً - لقبه:

يقول صاحب (الأغاني): " المقنع لقب غلب عليه لأنه كان أجمل الناس وجها وكان إذا سفر اللثام عن وجهه أصابته العين.

قال الهيثم كان المقنع أحسن الناس وجها وأمدهم قامة وأكملهم خلقا فكان إذا سفر لقع - أي أصابته أعين الناس - فيمرض ويلحقه عنت فكان لا يمشي إلا مقنعا."

و قيل العكس : كان من أجمل أهل زمانه وأحسنهم وجها، وأتمهم قامة، فكان إذا كشف وجهه يؤذى، فكان يتقنع دهره، فسمي لذلك المقنع.

وقيل أيضاً لأنه فارس رئيس مغطى بالسلاح كما قال الجاحظ، وهو الأقرب للعقل و المنطق، وهكذا ذهب التبريزي في تفسيره للقبه بقوله: ن المقنع هو اللابس لسلاحه.

سادساً - حياته:

يقول أبو فرج الأصفهاني في (أغانيه) " ونشأ محمد بن عمير المقنع فكان متخرقا في عطاياه سمح اليد بماله لا يرد سائلا عن شيء حتى أتلف كل ما خلفه أبوه من مال فاستعلاه بنو عمه عمرو بن أبي شمر بأموالهم وجاههم وهوي بنت عمه عمرو فخطبها إلى إخوتها فردوه وعيروه بتخرقه وفقره وما عليه من الدين فقال هذه الأبيات المذكور."

عاصرالمقنع الكندي عبدالملك بن مروان وامتدحه،كان له محل كبير وشرف ومروءة وكان المقنع يُعرف بمكانته ومنزلته الرفيعة داخل عشيرته. إذ كان جدّ المقنع عمير زعيم كندة، وبعد موته نشأ خلاف بين والد المقنع وهو ظفر وعمه عمرو بن أبي شمر على الزعامة، وقد كان هذا الخلاف سبباً في الخلاف بين المقنع الكندي وأبناء عمّه في ما بعد وقد يكون هذا سبب رفض أبناء عمّه تزويجه أختهم مما قيل عنه.

فقد نشأ شاعرنا في وسط هذا وعرف بالإنفاق وحب العطاء فانفق ما تركه له والده حتى أصبح مديوناً، وجاءت إحدى قصائده (الدالية الخالدة الني تسمى: دين الكريم) معبرة عن حاله بعد استدانته من أبناء عمه، وتعد هذه القصيدة من أطول القصائد التي كتبها، واشهرها، وفي هذه القصيدة قام بالرد على أقاربه بعدما عاتبوه على كثرة إنفاقه والاستدانة منهم، فهو الكريم الذي لا يرد سائل، فدافع عن نفسه في هذه القصيدة.

سابعا - من أشعاره:

لم يتم جمع أشعاره في ديوان وتفرق الكثير منها، ولم تكن قصائد الكندي طويلة فكان أطولها القصيدة الدالية، و من بعدها قصيدة تضم 18 بيت وباقي القصائد تتراوح بين سبعة أبيات وبيت واحد، وتدور معظم قصائده في نفس إطار القصيدة الدالية والتي سبق ذكرها.

وذكر ألدكتور نوري حمودي القيسي في كتابه (شعراء أمويون) ما مجموعه واحد وثمانون بيتاً في ثلاثة عشر نصاً ما بين قصيدة ومقطوعة ونتفة وبيت يتيم .

وقد أنشد الكندي بعض أشعاره بين يدي عبد الملك بن مروان، وتوفى عام 69 هـ، وقيل 70هـ.

يمتاز شعره برصانة الأسلوب وانتقاء الألفاظ والمفردات الشعرية بعناية فائقة تعرب عن تمكنه في صناعة الشعر وسمو مكانه بين شعراء العربية، فشعره من أحسن ما قيل في معناه جزالة ونقاوة وسباطة وحلاوة.

وتعد قصيدة الدالية قصيدة (دين الكريم) المتقدم ذكرها من أشهر قصائد المقنع، وأشرنا من قبل .

شاعر مقلّ من شعراء الدولة الأموية، ومن جيد شعره:

إِنِّي أُحَرِّضُ أَهْلَ الْبُخْلِ كُلَّهُمُ*** لَوْ كَانَ يَنْفَعُ أَهْلَ الْبُخْلِ تَحْرِيضِي

مَا قَلَّ مَالِيَ إِلاَّ زَادَنِي كَرَمًا ***حَتَّى يَكُونَ بِرِزْقِ اللَّهِ تَعْوِيضِي

وَالْمَالُ يَرْفَعُ مَنْ لَوْلاَ دَرَاهِمُهُ** أَمْسَى يُقَلِّبُ فِينَا طَرْفَ مَخْفُوضِ

لَنْ تَخْرُجَ البِيضُ عَفْوًا مِنْ أَكُفِّهِمُ*** إِلاَّ عَلَى وَجَعٍ مِنْهُمْ وَتَمْرِيضِ

كَأَنَّهَا مِــــنْ جُلُودِ الْبَاخِلِينَ بِهَـا****عِنْدَ النَّوَائِبِ تُحْذَى بِالْمَقَارِيضِ

ومن جيده أيضاً:

نَزَلَ الْمَشِيبُ فَأَيْنَ تَذْهَبُ بَعْدَهُ***وَقَدِ ارْعَوِيتَ وَحَانَ مِنْكَ رَحِيلُ

كَانَ الشَّبَابُ خَفِيفَــــــةً أَيَّـــامُهُ*** وَالشَّـــيْبُ مَحْمَلُهُ عَلَيْكَ ثَقِيلُ

لَيْسَ الْعَطَاءُ مِنَ الْفُضُولِ سَمَاحَةً***حَتَّى تَجُـــودَ وَمَا لَدَيْكَ قَلِيلُ

الصداقة والصديق) قال المقنع الكندي:) وفي كتاب

وَصَاحِبُ السَّوْءِ كَالدَّاءِالْعَيَاءِ إِذَا ** مَا ارْفَضَّ فِي الْجِلْدِ يَجْرِيهَا هُنَا وَهُنَا

يَجْرِي وَيُخْبِرُ عَنْ عَوْرَاتِ صَاحِبِهِ*** وَمَا يَـــرَى عِنْدَهُ مِـنْ صَــالِحٍ دَفَنَا

كَمُهْرِ سَـــوءٍ إِذَا رَفَّعْتَ سِـــيرَتَهُ *** رَامَ الْجِمَــاحَ وَإِنْ أَخْفَضْــتَهُ حَـرَنَا

إِنْ يَحْيَ ذَاكَ فَكُنْ مِنْهُ بِمَعْزِلَــةٍ *** وَإِنْ يَمُـــتْ ذَاكَ لاَ تَشْــهَدْ لَـهُ جَنَنَــا

ثامناً - تحليل قصيدته الخالدة :

أ - المقدمة والمناسبة:

يطلُّ علينا هذا الشاعر المقنع الأموي بإطلالة غير(طللية)، لا وقوف على الأطلال، ولا تشبيب، ولا نسيب، ولا قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ، ولا لخولة أطلالٌ ببرقة ثهمدِ ....كما ذهب الشعراء الجاهليون، بل ولا حتى بـ تأسفتْ جارتي لما رأتْ زوري، أو تحاوبن بالأرنانِ والزفراتِ كما أنشد دعبل العباسي ... ما هكذا تورد يا (كندي) الإبل...!!!

شاعرنا دخل علينا بالعتاب، وهاجمنا بالدفاع ...!! كم كانت نفسيته متألمة، حزينة، متعبة، ولا تعب إبان لحظات نظم القصيدة، مشاعر مكبوتة حتى الانفجار ببوح إنساني رفيع، وما الإنسان إلا بالإنسان !! فوجد نفسه في صراع فكري اجتماعي وجداني سلوكي ...فعدَّ نفسه لتعداد خصاله الحميدة وأياديه الكريمة ونفسه الكبيرة، وجعل من مظلوميته جسراً لعبور بني أبيه وبني عمه إلى المجد الرفيع والسؤدد السامي !!    

إنَّ السببَ المباشر، والمناسبة الأليمة لنظم المقنع أفضلِ عقد قصائده - والتي اشتهرت على الألسُن، وخلدها الدهر أنَّه أحبَّ ابنة عمِّه أيضًا، وخطبها إلى أبيها وإخوتها، فرفضوا تزويجه إيَّاها، وما الحجة؟!!

نعم الحجة جاهزة هي فقره ودَينه، وما سبب فقره ودينه؟ لأنَّه لا يردُّ السائلين والمحتاجين والفقراء، وبابه مفتوح للضيوف على مصراعيه!!:

ب - تحليل أبيات القصيدة نقدياً وبلاغياً:

1 - يُعَاتِبُنِي فِي الدَّيْنِ قَوْمِي وَإِنَّمَــا*** دُيُونِيَ فِي أَشْيَاءَ تُكْسِبُهُمْ حَمْـدَا

يشرع بعتاب قومه له في دَيْنه،ويأتي بجناس ناقص بين (ديْن) في صدر البيت و (ديون) في عجزه، فيحصر أمر (ديونه) بأداة الحصر (إنّما)، وبعد (الحصر) يكمل ... هذه الديون صرقتها في أشياءَ - ممنوعة من الضرف - تجلب لهم الثناء والحمد !! وقلب السحر على الساحر !!

و الحقُّ هذا من أعمال النفوس الكبيرة الأثيرة، المضحية من أجل الآخرين وإسعادهم، وله في قصيدة أخرى ما ذهبنا إليه، قوله:

لَيْسَ الْعَطَاءُ مِنَ الْفُضُولِ سَمَاحَةً ***حَتَّى تَجُـــودَ وَمَا لَدَيْكَ قَلِيلُ

2 - أَلَم يَرَ قَومي كَيفَ أوسِرَ مَرَّة **** وَأُعسِرُ حَتّى تَبلُغَ العُسرَةُ الجَهدا

البيت الثاني كله أسلوب إنشائي طلبي استفهامي،الغرض منه التقرير و اللوم و التأكيد.

و الاستفهام المنفي، تكون الإجابة عنه بالإثبات باستخدام (بلى) : (أَلَم يَرَ قَومي كَيفَ؟!...) الجواب بالإيجاب: (بلى، رأى قومك كيف....)، ومن بعده بثلاثة قرون جاء أبو فراس الحمداني بالصيغة نفسها وجاوب بنفسه: (أما للهوى نهيٌ عليك ولا أمرُ؟! ....بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعة ٌ...).

وبعد حصر الديون لتكسبهم مجدا، يشرع بالبيت الثاني مستفهماً منهم مستنكراً قباحتهم معه، ويلبس لباس التوازن المتعقل بين يسره وعسره (بطباق) جميل، بل ويزايد عليهم أنه يجهد نفسه بالعسرة. ويواصل البيت الثالث وتعال معي رجاءً!!

3 - أَسُدُّ بِهِ مَا قَدْ أَخَلُّوا وَضَيَّعُوا***ثُغُورَ حُقُوقٍ مَا أَطَاقُـوا لَهَا سَدَّا

دقّق معي الصيغ البلاغية المتتالية في هذا البيت (أسدُّ ...سدّأ)،جناس ناقص اشتقاقي رائع يتلقف السامع الفطن القافية قبل أن ينطقها الشاعر، والشاعر لم يترك مجالاً للشك والريب، حسم الأمر حسماّ،أن ديني وديوني ما كانت سوى تسديد لما أخلّيتم وضيعتم من ثغور الحقوق ...الطباق جلي وواضح بين (أسدُّ و أخلّوا)، و (ثغور حقوق) يشبه الشاعر الحقوق بالثغور التي يجب سدادها وهو تجسيد للمعنى حيث يشبه شيء معنوي بشيء مادي، والكناية عن عجزهم في (ما أطاقوا لها سدّا) بيّنة!

(ما) في صدر البيت موصولة بمعنى الذي والجملة التي بعدها صلة الموصول لا محل لها من الإعراب .. أما (ما) في عجز البيت فهي (ما) النافية، حيث نفت استطاعة القوم على أداء الحقوق، والكلمتان جناس تام !

وما اكتفى الرجل ... ويقيني أن الهموم والأفكار والتساؤلات والإجابات كانت مختمرة في عقل ووجدان الشاعر قبل عقد قصيدته إبان لحظات الإبداع، وبالتالي هي قصيدة تختلف عن (ألا هبّي بصحنك فأصبحينا) لعمرو بن كلثوم وغيرها !! إذ أفكارها متسلسلة ...مرتبة ... مجهّزة بأدوات حصرٍ وشرطٍ واستفهام وتأكيد، وتكرار لفظي مقصود ...كأنه يشك ويرتاب من أهله وبني عمّه أن يقتنعوا بحججه وأقاويله ونظمه.

ونواصل، ولك أن تواصل المسيرة معي، ولا أعدك، وربّما أنت أيضاً مشفقٌ عليَّ وعلى نفسك، أن نشرح القصيدة بيتاً بيتاً، فأنا أسير معك ناقداً أديبا، لا معلماً ناهجاً القصيدة سلسة، من السهل الممتنع، جليّة واضحة لكلِّ أديبٍ أريب، جلّها يغطي كلّها !! مهما يكن من أمر أسير وتسير معي إلى هذها البيت:

4 - فَمَا زَادَنِي الْإِقْتَارُ مِنْهُمْ تَقَرُّبًا****وَلَا زَادَنِي فَضْــلُ الْغِنَى مِنْهُمُ بُعْدَا

العلاقة بين الشطرين علاقة (مقابلة)، لذا لا يفوتك ما في الشطرين من جناسٍ، و (زادني ....زادني) و (مِنْهُمْ ...مِنْهُمْ)، ومن طباقٍ بين (الإقتار ...الغنى) و (تقرباً ...بعدا).

زادتني دهشة هذه المقابلة بجناساتها وطباقتها، وهذا الأسلوب الخبري المنفي لكي يستبعد تقرّبه لقومه وتذلله لهم عند الحاجة، وبعده عنهم إبان الغنى والخير، فحبّه لهم بعيد عن المصالح، لأنهم هم أهله وكفى، ويذكّرهم هو من هو ؟!!

5 - وَفِي جَفْنَةٍ ما يُغْلَقُ الْبَـابُ دُونَهَـا ****مُكَلَّلَـةً لَحْمًا مُدَفَّقَـةً ثَــرْدًا

6 - وَفِي فَرَسٍ نَهْدٍ عَتِيـقٍ جَعَلْتُــهُ**** حِجَابًا لِبَيْتِي، ثُمَّ أَخْدَمْتُهُ عَبْــدا

كأنّي بهذا المقنع الفارس لفروسيته، لا لجمال وجهه فقط تقنع: يقول لقومه و أهله وبني عمه ما كانت ديوني - أيّها السادة!!- لإعلاء شأنكم، ورفع مجدكم، وتسديد ثغور حقوقكم فقط، وإنمّا للبذل الباذخ وكرمي وجودي - وكنّى في قوله: (ما يُغْلَقُ الْبَـابُ دُونَهَـا) - عن فتح الموائد التي تتسع لسد الأبواب لكثرة الضيوف، وعليها أكاليل من اللحوم والثريد الطيب وما تشتهون !!!

قوله: (مدفقة) أي مملوءة. والأحسن أن يروى معه: (ثرداً) بضم الثاء. ويروى (مدفقة ثردا) بفتح الثاء. والمراد مثردة ثرداً دقيقاً . وقال بِشر الأسيدي:

إني ليمنعني من ظلم ذي رحمٍ *** لب أصيل وحلم غير ذي وصمِ

إن لان لنت وإن دبت عقاربه *** ملأت كفيه من صفحٍ ومن كرمٍ

في البيت السادس وصف فرسه بأنه (فَرَسٍ نَهْدٍ عَتِيقٍ، والنه د: الجسم المشرف من الخيل)، أي كناية موصوف عن صمودها بوجه الأعداء، لم يرد بقوله جعلته حِجَابا لبيتي أَنه يحجب بَيته، بل فرس هَذِه صفته جعلته نصب عَيْني وأكبر همي، و جعلت عبداً خَادِمًا لَهُ فِي تَدْبِير شؤونه.

فذلكة الأقوال لشرح الأبيات الستة، ما ذكره المروقي عن شرحها في شرح ديوان حماسة أبي تمام: " كأن قومه ينعون عليه سرفه في الإنفاق، وتخرقه في الإفضال، وتجاوزه ما تساعده به حاله وتتسع له ذات يده إلى الاستقراض، وبذل الوجه في الأديان، فقال: كثرت لأئتمتهم فيما يركبني من الديون، وإنما هي مصروفة في وجوه مؤنها علي، وجمالها لهم، وقضاؤها في أنفسهم يلزمني، ومحامدها موفرة عليهم. ثم أخذ يعد فقال: من تلك الوجوه أن ما ينوب من الحقوق فيخلون بها ويضيعونها عجزاً عن الوفاء بواجبها، أنا أسد ثغورها، وأقيم فروصها.

ومنها: أن لي دار ضيافة قدورها مشبعة موفورة، وجفانها معددة منصوبة، لا يمنع منها طالبها ولا يحجب عنها رائدها، فلحمانها كلأكاليل على رءوسها، وثرئدها قد نمق تدقيقه."

7 - وَإِنَّ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ بَنِي أَبِـــي**** وبَيْنَ بَنِــي عَمِّـي لَمُخْتَلِفٌ جِدَّا

8 - أَرَاهُمْ إِلَى نَصْرِي بِطَاءً وإنْ هُــمُ **** دَعَوْنِي إِلَى نَصْرٍ أَتَيْتُهُمُ شَدَّا

9 - فَإِنْ أَكَلُوا لَحْمِي وَفَرْتُ لُحُومهُمْ**وَإِنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لَهُمْ مَجْدا

العلاقة بين هذه الأبيات علاقة إجمال بالمساواة قبل التفصيل وبعده، البيت السادس أسلوبه خبري توكيدي إنكاري لوجود مؤكدين اثنين، هما إنّ، واللام المتصلة بكلمة مختلف ؛ وزادها (جدا)،فأخلاقه غير أخلاق اللائمين اللوّم من أخوته بني أبيه، وأبناء عمّه.

والبيت الثامن يتضمن علاقة مقابلة ما بينه وبين قومه المخصوصين،، هم بطاء لنصرته، لا يعيرون اهتماماً به، وهو يشدّ إليهم معاوناً مسرعاً، بإسلوب تعليقي شرطي، يأتيهم شدّا نتيجة وجواباً لدعوته مدّا !! ولا يفوتك الطباق بين بطاء وشدّا

وفي البيت التاسع يبدأ بالكناية عن غيبته وذكره بالسوء من قبل أهله وقومه الأقربين، في قوله (إذا أكلوا لحمي)، ويقابلها بكناية أخرى: (وفرتُ لحومهم)، أي حفظتهم في ذكر الخير، ودافعت عنهم، ويتابع متألماً حزيناً في الشطر الثاني وأعني العجز وإذا أسقطوني وشوهوا سمعتي، وهدموا مجدي وهذه الكناية الثالثة، ليدمغهم بالكناية الرابعة (بنيت لهم مجدا)، أي خلقت لهم طيب الذكر، والسمعة الحسنة، وما أجمل الصيغة البلاغية بتشبيه من اختصّهم بالعتاب بالوحوش الكاسرة الناهشة للحمه بقسوة مريرة، و تشبيه المجد بالبناء الشامخ، وبإيجاز بليغ معبر،وأيضاً هنالك طباقات في البيت مثل هدموا وبنيت، وأكلوا ووفرت !!

ويواصل دربه الشعري المتألم المنفجر من وجدان مكلوم مخذول، ليس له من معين، بمقابلات ...فإن ضيعوا غيبه، حفظ غيوبهم، وإن ضلّلوه، تمنى لهم الرشد والتوفيق والهداية.

10 - وَإِنْ ضَيَّعُوا غَيْبَي حَفِظْتُ غُيُوبَهُمْ** وإنْ هُمْ هَوُوا غَيِّي هَوِيتُ لَهُمْ رَشْدًا

فالطباقات تتوالى (ضيعوا ... حفظت، غيي ... رشدا)، وما أجمل الشعر بهذه المفارقات والتضادات، لأن الأذن تأبى الرتابة في الشعر، تنتظر المفاجآت والتقلبات بضربات قاضية غير مألوفة .

12 - وإنْ زَجَرُوا طَيْرًا بِنَحْسٍ تَمُرُّ بِي****زَجَرْتُ لَهُمْ طَيْرًا تمُرُّ بهِمْ سَعْدَا

المقصود بزجر الطير للنحس والسعد : كان من عادات العرب الجاهليين الجاهلية أن يحتكموا لتحليق الطيور في الإقدام على أمورهم أو الإحجام عنها، فإن لم يطر الطير ليتيقنوا من وجهته (يمينًا أو شمالاً) زجروه ليطير، فإن طار يميناً استبشروا واحتسبوا ذلك فأل خير وسعد وهو السانح وإن حلق شمالاً ؛ اعتبروا ذلك نحسًا وفأل سوء، وهو البارح . ومتى ما أرادو النحس لشخص ما زجروا له طيرًا لتحلق شمالاً فيلحقه السوء، ومتى ما أرادوا سعده زجروا له الطير جهة اليمين ليسعد ويكون موفقا.

على العموم في المقطع الثاني (8 - 16)، دلالة تكرار المتضادات، والمقابلات، والأسلوب التعليقي الشرطي، وعلاقة النتائج بالأسباب جلية واضحة في القصيدة، والحق هو بيان الاختلاف والتباين بين صفات الشاعر وأخلاقه وصفات قومه وأخلاقهم، أما العلاقات، فالعلاقة بين الشطرين علاقة (مقابلة). وهنالك طباقات أخرى تجدونها في الأبيات المتبقية من المقطع كـ (نحس- سعد، هبطوا - طلعت،، يسؤني - يسرهم،، بادهوني - لم أكن أبادهم،، قطعوا - وصلت) ، وجناسات تامة أو ناقصة، كـ (زجروا - زجرت،تمر بي - تمر بهم، قدحوا - قدحت، زند - زندا، بادهوني - أبادهم).

17 - وَلاَ أَحْمِلُ الْحِقْدَ الْقَدِيمَ عَلَيْهِمُ*** وَلَيْسَ رَئِيسُ الْقَوْمِ مَنْ يَحْمِلُ الحِقْدَا

يبدأ بجملة خبرية منفية في صدر البيت، والالتفات بعجزه، ويردُّ عجزه على صدره بتجانس كلمتي الحقد ... كأنه يعكس لنا ما قاله عنترة بن شداد (525 - 608م) الجاهلي الذي توفي قبل وفاته بثمانبن عاماً، وذلك بقوله:

لا يَحمِلُ الحِقدَ مَن تَعلو بِهِ الرُتَبُ ***وَلا يَنالُ العُلا مَن طَبعُهُ الغَضَبُ

مهما يكن، ثبّت شاعرنا لنفسه الرئاسة على قومه في هذا البيت، فهو العطوف، يجيب دعوة المضطر إذا دعاه!!، لا يحمل الحقد الدفين، وما ذلك بتكلف منه ولا بتصنعٍ ولا تجمّل، وإنما هذا طبع العلا والترأس !!

18 - فَذلِكَ دَأبي فـــي الحَياةِ وَدَأبُهُم****سَجيسَ اللَيالي أَو يُزيرونَني اللَحدا

أما هم ويعني بني عمّه، فشأنهم أن أن يأكلوا لحمي، ويهدموا مجدي أبد الدّهر، سجيس الليالي أو ..يقبرونني، وما يُزيرونَني اللَحدا إلا كناية عن دفنه في القبر، وأخذنا (أو) على اعتبارها عاطفة، وإذا جعلناها بمعنى إلى أن، فننصب الفعل المضارع بعدها، ونحذف النون الأولى، ةنحرك ياء المتكلم بالفتح، كما ذكرنا سالفاً في فقرة العروض، ويصبح المعنى إلى أن يقبروني ...!!

على ما يبدو شاعرنا عرف نفسه ذهب زيادة في الهجوم وهجاء أقرب المقربين إليه، جرّ نفسفه عن المبالغة في صرف أمواله، وأبدل كلمة (كلّ) بكلمة (جلّ) في البيت التالي، ليقنعنا بمصداقية أقواله:

19 - لهُمْ جُلُّ مَالِي إِنْ تَتَابَعَ لِــي غِنًى*** وَإِنْ قَلَّ مَــالِي لَــمْ أُكَلِّفْــهُمُ رِفْـدَا

وسار على أسلوبه السابق بتشكيل علاقة سبب فنتيجة، مستعملاً أدوات الشرط، لهم جُلّ مالي إن توفر لي الغنى، وإن حاطني العوز، وأحوجني الفقر، لا أمدّ يدي إليهم ليرفدوني ...إذاً ما هو السبب الحقيقي للحقد عليك، وغيبتك، وهدم مجدك.. هل يعني أن طبعهم بشري، وأنت طبعك ملائكي؟!!! نحن لا نعطي لهم الحق بالإساءات إليك، ولكن من حقّنا أن نتساءل ؟ ...هل أنت معي يا شاعري الرائع ، أم تركتني لحالي مدردما حنقا....!!!

ولكن الرجل ضربني بهذا البيت يخبرني بمؤكدين أنه عبد الضيف، وهو ليس بعبدٍ ولا يشبه العبد إلا في كرمه، فأخجلني ..اقرأ !!:

20 - وَإِنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ مَا دَامَ ثَاوِيًـا** وَمَا شِيمَةٌ لِي غَيْرَهَا تُشْبِهُ الْعَبْدَا

عجز البيت نأكيد لصدره، و(العبدا) مضاف إليه حلّ محل المضاف، ونصب بنزع الخافض، وأصل الجملة (تشبه شيم العبد)، فنزعت (شيم)، وحلّ العبد محلها منصوباً

الآن ندخل إلى رحاب البيتين الأخرين العجيبين:

21 - - عَلَى أَنَّ قَوْمِي مَا تَرَى عَيْنُ نَاظِرٍ***كَشَيْبِهُمُ شَـيْبًا وَلاَ مُرْدِهِمْ مُرْدَا

22 - بِفَضْلٍ وَأَحْلاَمٍ وَجُودٍ وسُــؤْدُدٍ*** وَقَــوْمِي رَبِيعٌ فِي الزَّمَانِ إِذَا اشْتَــدَّا

البيتان الأخيران على أغلب ظني منحولان عليه ودخيلان، ولا توجد في جميع المراجع ولا المصادر، لأنه ينقلب على ننفسه وشعره وأحاسيسه 180درجة، إذ تذهب - ولا أقول يذهب - إلى النقيض، إذ حشر الاستدراك (على أن) بتكلف وتصنع، وما هكذ كانت الأبيات السابقة، لا مقابلات ولا طباقات، وإنما جناسات (كَشَيْبِهُمُ شَـيْبًا وَلاَ مُرْدِهِمْ مُرْدَا)، ودقق بالمبالغة في المدح (مَا تَرَى عَيْنُ نَاظِرٍ كــ) ... معقول يا مقنع أنت مذبذب ومتقلب هكذا، في البداية لم نرضَ عليك ولا على قسوتك على بني أبيك وبني عمك ...!!، وفي البيت الأخير أخذ يقسّم، ويعدد مزاياهم وصفاتهم الصالحة في الفضل والحلم والجود والسؤدد، ودقق معي - يا صاحبي - في العجز الأخير (وَقَــوْمِي رَبِيعٌ فِي الزَّمَانِ إِذَا اشْتَــدَّا) ... الله - أخاف ما ترضى ...!!- هذا العجز تختلف لغته عن لغة ذلك العصر، كأنّي بالمتنبي وهو في شعب بوان الفارسي، ةمطلع قصيدته:

مَغَاني الشِّعْبِ طِيباً في المَغَاني*** بمَنْزِلَةِ الرّبيعِ منَ الزّمَانِ

وَلَكِنّ الفَتى العَرَبـــيّ فِيهَا***** غَرِيبُ الوَجْهِ وَاليَدِ وَاللّسَانِ

إنّا لله وإنّ إليه راجعون ....اقرأ الخاتمة رجاءً، ولم ألتفتُ فيها لهذين البيتين الأخرين ...!!

ج - الخاتمة:

لماذا - يا سيدي الكندي - يريد بنو أبيك وبنو عمك أكل لحمك، وهدم مجدك، وهم بطاء إلى نصرك، ويزجرون الطير لنحسك، ويحفرون قبرك ، ويأخذون جلّ مالك ويحقدون عليك وظلمك،إذا كنت تتمتع بكل هذه الصفات أو النعوت التي صدعت رأسنا بها ورأسك ؟!

أليس أيها المقنع بالرياء والكذب من حقنّنا أن نتساءل مثل هذه الأسئلة الساذجة ؟!!

الحقُّ أنني لا أصدّقك، وفي شكّ من أمرك، من يومي إلى يومك ...!!

والسبب بسيط لأنني لم أسمع وجهة نظرك غيرك من أهلك...!!

ثم كيف خلّدت هذه القصيدة؟ ولماذا؟!!!

ببساطة القول لأن كل إنسان يرى نفسه مظلوماً حتى من أقرب الناس إليه، ولا يرى نفسه ظالماً، وأنا مع المتنبي العظيم وقوله:

والظّلمُ من شيم النفوس فإنْ ترى *** ذا عفّةٍ فلعلّة لا يظلم ُ

ولهذا قيل:

احذر عدوّك مرّة ****واحذر صديقك ألف مرّة

فلربّما انقلب الصّــديقُ، فكان أعرف بالمضرّة

نعم خلّدت لأن كل واحد منّا يلبس رداء الضحية والمظلومية ..!!

" وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"

د - معاني بعض الكلمات الواردة في القصيدة:

الإقتار: ضيق العيش، والفقر.

أخلـُّـوا: قصَّروا وأنقصوا، ولم يؤدوا على وجه التمام .

ثغور: الفتحات التي ينفذ منها العدو عادة.

مكلَّلة: أي عليها من اللحم مثل الأكاليل.

والدفق: الصبّ.

النهد: الفرس القوي العظيم العتيق الكريم . جعلته حجاياً لبيتي: إنه نصب عينيه خدمة الضيوف.

مدفقة: أي مملوءة. والأحسن أن يروى معه: (ثرداً) بضم الثاء. ويروى (مدفقة ثردا) بفتح الثاء. والمراد مثردة ثرداً دقيقاً. والنهد: الجسم المشرف من الخيل.

الْجَفْنَة: الْقدح الْعَظِيم ومكللة أَي عَلَيْهَا من اللَّحْم مثل الأكاليل والمدفق من الدفق وَهُوَ الصب وكنى بِهَذَا عَن الامتلاء والثرد جمع ثريد وَهُوَ مَا يتَّخذ من كسر الْخبز والمرق.

زجروا: أزعجوا وأفزعوا .

نحس: الشر والضر والخسران .

سعدا: الخير واليمن والتوفيق والسعادة.

يُزيرونَني: و زيّر يُزِّيِّر موجودة في اللهجة المغربية والجزائرية و تعني لفّ الشيء و و ربطه، على أغلب الظن الشاعرَ يعنيه من بيته أنهم سيلفونه باللحد و هو حفرة القبر، و هذا كناية عن الدفن.

جاء في لسان العرب التالي: الزِّيارُ: ما يُزَيِّرُ به البَيْطارُ الدابة، وهو شِناقٌ يَشُدُّ به البيطارُ جَحْفَلَةَ الدابة أَي يلوي جَحْفَلَتَهُ، وهو أَيضاً شِناقٌ يُشَدُّ به الرَّحْلُ إِلى صُدْرَةِ البعير كاللَّبَب للدابة.

سَجيسٌ صِيغَة فَعيل من (سَجَسَ): لاَ أَفْعَلَهُ سَجيسَ اللَّيالِي والأَيَّامِ، سَجيسَ الدَّهْرِ لا أَفْعَلهُ أَبَد.اً

جل: معظم.

. رفدا: العطاء والصلة

الدأب: العادة والشأن.

كريم مرزة الأسدي

ملاحظة: هذا البحث كتبته في أسبوع بجهدٍ متواصل، يعني في السنة أنشر نيفاً وخمسين نصّاً أدبياً ما بين بحث مفصلٍ، أو مقالة موسعة، أو قصيدة مطولة، ليس لغرض ترقية علمبة، أو مصلحة مادية، وإنما خدمة لأدبنا وتراثنا ولغتنا الجميلة، وللأجيال والأمة، لذا أعتذر عن أي سهوٍ، أو خطأ مطبعي، والكمال لله وحده:

على المرء أن يسعى بمقدار جهدهِ **** وليس عليه أن يكون موفقا

ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ .

.............................

المراجع والمصادر:

1- الأغاني: أبي الفرج الأصفهاني - ج 17 - 111 - 114 - دار الفكر - بيروت - ط 2 - تحقيق سمير جابر .

2 - شرح ديوان الحماسة المؤلف: أبو على أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي الأصفهاني (المتوفى: 421 هـ) المحقق: غريد الشيخ وضع فهارسه العامة: إبراهيم شمس الدين الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، 1424 هـ - 2003 م 1/ 828 - 833.

3 - التذكرة الحمدونية: ابن حمدون - موقع الوراق (1/141) - الموسوعة الشاملة .

http://www.alwarraq.com

4 - الموسوعة الحرة - ويكيبديا - المقنع الكندي .

ومراجعها:

أ - لغتي الخالدة: الفصل الأول/ وزارة التعليم-الرياض، 1430هـ

www.alukah.netالمقنع الكندي" "ب -

.2009-10-08. اطلع عليه بتاريخ 20 أكتوبر 2016

ج - هاشم الأعلام ح6، ص320 .

د - المقنع الكندي".

Al- Hakawati". al-hakawati.net

. اطلع عليه بتاريخ 20 أكتوبر 2016

5 - الأعلام: خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي (المتوفى: 1396هـ) -ج 6 / 319 - 320 - دار العلم للملايين الطبعة: الخامسة عشر - أيار / مايو 2002 م.

ويهمش صاحب الأعلام عن المراجع والمصادر التي تناولت المقنع الكندي بالآتي:

- البيان والتبيين 3: 53 والتبريزي 3: 100 والشعر والشعراء 284 والمرزباني 406 والتاج: مادتا قنع، وفرع. والوافي بالوفيات 3: 179 والأغاني 15: 157 وسمط اللآلي 615 والحيوان: انظر فهرسته. وفيه كثير من شعره. والمرزوقي 1178 و 1734 وتاريخ الشعراء الحضرميين 1: 49 وفيه: (ولد نحو 65 هـ ومات نحو 128) وكلا التاريخين خطأ، ففي الأغاني، طبعة الدار 6: 211 أنه (كان ممن يرد مواسم العرب مقنعا) وكان شعره، وقد سار وتناقله الرواة، مما أنشد بين يدي عبد الملك بن مروان، وعبد الملك مات سنة 86 هـ فلو قدرت وفاته، لا ولادته، نحو سنة 65 لكان أدنى من الصواب.

(6 - بهجة المجالس وأنس المجالس - ابن عبد البر - (1/166

موقع الوراق - الموسوعة الشاملة. ومما جاء فيه:

واسمه محمد بن عمير بن أبي شمر الكندي، وكان من أجمل أهل زمانه وأحسنهم وجها،وأتمهم قامة، فكان إذا كشف وجهه يؤذى،فكان يتقنع دهره، فسمي لذلك: المقنع. وشعره هذا من أحسن ما قيل في معناه جزالة ونقاوة وسباطة وحلاوة.

7 - الإمتاع والمؤانسة: أبو حيان التوحيدي - (1 / 69) - موقع الوراق - الموسوعة الشاملة.

8 - لباب الآداب: أسامة بن منقذ - موقع الوراق - 1 / 106 - الموسوعة الشاملة.

ومما جاء فيه:

بليغ العتاب

قول المقنع الكندي

يعاتبني في الدين قومي، وإنما **** ديوني في أشياء تكسبهم حمدا

...... عدّة أبيات من قصيدته، ويواصل (بليغ العتاب):

ما بين قول المقنع الكندي: (يُعَاتِبُنِي فِي الدَّيْنِ قَوْمِي...)، وبين قول الأسيدي: (ملأت كفيه من صفحٍ ومن كرمٍ)، ننهي بحثنا، ولله في خلقه شؤون، وأنا الممنون ...!!!

(9) - البناء القيمي في دالية المقنع الكندي - د. محمد حسين العبيدي - موقع النور - بتاريخ 26 / 6/ 2012م. نظر بتاريخ 28 / 5 / 2018م .

(10) - شعراء أُمويون: د. نوري حمودي القيسي - عالم الكتب - بيروت - ط 1 - 1 / 1 / 1985 م.

 

 

محمد كريم الساعديإنَّ الجسد في المسرح من العناصر المهمة في التشكيل المسرحي، بل هو العنصر الحي المتحرك في المسرح الذي يسهم في إنتاج دلالات ثقافية مختلفة ومتنوعة تساعد في تقديم الصورة المسرحية من خلال لغة بصرية حركية تدخل في تدعيم الخطاب المسرحي بحسب الفكرة والحوار والشخصية وعناصر النص الأخرى التي تجسد على خشبة المسرح للوصول الى تكوين الحضور الفني والثقافي، الذي يعمل على تقديمه الى المتفرجين في فضاءات من التلاقح الثقافي الداعم لماهية التلقي عند المتفرج من خلال ما يقدمه الجسد من إنطباعات فنية وثقافية مختلفة تأخذ في نظر الإعتبار بيئة العرض المسرحي وكيفية تقديمها وتجسيدها من خلال منظومة المسرحية، التي يكون فيه الاداء الجسدي المحور والمرتكز لتمظهر الأحداث والموضوعات المسرحية، لذلك فان الهدف الأول من الأداء الجسدي في العرض المسرحي هو تشكيل وعي أدائي يسهم في تكوين خطاب العرض وملئ فراغاته من خلال الأداء الجسدي والحركة المستمرة القابلة الى التواصل مع بنيات تشكيل العرض المسرحي، للوصول الى بث دلالات تحمل في طياتها تشكيل الصورة المسرحية في فضاء العرض وفضاء التلقي المسرحي، والإجابة على التساؤلات التي يطرحها المتلقي لإستنطاق ما يدور في تمظهرات العرض، أو حتى في فجواته التي يمكن ان تردم من خلال التعاقب في الاحداث لإكمال الرواية المقدمة في اطارها الفني داخل العرض وخطابه . ومن هنا فأن الوعي الأدائي كما يستنتج من نظرية الخطاب عند (فوكو) هو الوسيط الذي يقع بين النص والمتلقي، فهو الذي يترجم النص ورؤاه الفكرية والدرامية ويحولها الى منظومة خطابية (بصرية حركية) تعتمل على تشكيل لغة العرض لتلقيه حسياً ومن ثم عقلياً وحسب نوع وطريقة الأدراك عند المتلقي، لذلك فان الوعي الأدائي للجسد في المسرح ينطلق من كونه وعي حاد وشديد الأختلاف والتناقض ويتميز بأنه الوعي الذي لا تتوجه رغباته نحو الحضور أو الأصول، ولكونه مواكباً في طبيعته فإنه يرفض أن يكون مقيداً داخل نسق ثابت من الإشارات، فالذات الادائية توجد في حالة كلية غامضة تحول نفسها وتنشرها داخل إنحراف مراوغ للذات وقد أصبح نشاط تفكيك الهوية في مختلف النصوص السيادية في الثقافة من أجل بثها إستجابة مؤكدة لحقيقة ولغة محددة بواسطة الهوات والفراغات والفجوات والغموض الذي تسهم في استثارة وستناهض وعي المتلقي الذي يقابل الوعي الأدائي لدى الممثل وجسده حتى يساير هذه التشكلات الجسدية وما تقدمه من تمحورات حول الكيفية التي تشكل فيها أنساقاً جديدة مغايرة للطبيعة المعتادة في العروض التقليدية، ومن هنا تنطلق آليات تشكيل الأداء الجسدي في العروض المغايرة في المسرح ما بعد الحداثة وما يقدمه من رؤى جديدة في تقديم الجسد ثقافياً وفنياً مغايراً في ضوء الخطاب الجديد المبني على ما تحمله هذه الأجساد المؤدية للحركة من صور ذات طابع ثقافي يتمظهر فيه الصراع من خلال تحشيد " علامات تسلم في رسم وتكوين ملامح الصراع بين ما قيد به من ملامح ثقافية وأسلوب الرفض لها، وذلك من أجل أن يساهم هذا الصراع في تفعيل الصورة الذهنية عند المتفرج لكون الردود الذي يلعبه الممثل في هكذا نوع من العروض على أثارة المتفرج وتفجير الحقائق الكامنة فيه وفي واقعه وإشراكه في التجربة الفنية من أجل تحقيق يقظة روحية ونفسية، أو يقظة أجتماعية سياسية " يعمل من خلالها وعي المتفرج على تبني ما يطرح على الخشبة في الخطاب المسرحي بشكل يساعد على تفعيل وإيقاظ ما هو مغيب، لذا فأن الجسد في العرض المسرحي يحمل في أدائه الفني الصراع الثقافي لما يريد أن يقدم في العرض من صراع بين الحضور والغياب، بين السلطة التي تطبع على الأجساد مقرراتها وأنظمتها وقوانينها، وبين الرغبة للخروج من سلطة السلطة وخطابها وتفكيكها والبحث في ما هو مغاير لها لذا فأن الجسد ما بعد الحداثي من خلال العرض المسرحي هو من يقوم بتفكيك السلطة التأليفية وإيهام حضورها ويشتت طاقتها الكمية ويوزعها بين المؤدين والمتلقين باعتبارها المصدر الكامن للسلطة المرجئة والأفتراضية والجوهرية ولذلك هو تنحية للحضور أو السلطة وتأكيد للغياب والعجز ورغم ذلك فانه يظل في بعض الأمثلة، تفكيكاً للأنساق المنتظمة (مثل النص) من خلال تدخل الأضطراب، أو الفوضى التي يمكن أن تبدأ تطورها في تجاه نظام تركيب أعلى قادر على إنتاج آفاق جديدة في فضاءات العرض والتلقي وإنتاج مستويات أخرى في وعي المتفرج المتواصل مع الخطاب في العرض المسرحي من خلال الأجساد المتحركة والباثه في إطار الإظهار لما هو مغاير ومغيب عن الظهور في خطاب السلطة المراد تفكيك أنساقها في لغة العرض المسرحي .إن ما يقوم به الجسد المؤدي الذي يشتغل على وفق الوعي الأدائي في العرض المسرحي هو يقدم اختباراً لصورة الصراع الثقافي للسلطة المتمثلة في خطاباتها المراد نقدها ونقضها وتفكيك دلالاتها، فالأختبار الذي يقدم في ذات الوقت عبر الجسد، أي عبر الحد الفاصل بين الذات المتمثلة بتمظهرات السلطة على الجسد، بمعنى بين الداخلي المغيب والخارجي الحاضر، ومثال ذلك لو أخذنا ثنائية الصراع بين المغيب الداخلي والحاضر الخارجي عبر الجسد في مفهوم العرق على وفق ما يريده (فوكو) في نظرية الخطاب فأن العرق يطرح في هذه الصورة باعتباره النقيض أشكالاً محددة وتفاعلية من (العنصرية) وهو أحد الأمثلة الأكثر أقناعاً في الخطاب الفوكوي (Faucauldain) الفاعلة (...) ويشير (فوكو) الى أن أنظمة الحقيقة تنبع من مؤشرات السلطة / المعرفة والى أن أشكال الخطاب تتحدث عن قاعدة، وأن المدونة التي تصوغها ليست مدونة قانونية بل مدونة تطبيع وسياق الخطاب التطبيعي حول الأختلافات المعرقة، هو محصلة أنظمة تجاوب ظرفية لحقيقة العرق. ولو أخذنا هذا المثال ومارسنا تطبيقه على عرض مسرحية (عطيل) لشكسبير كما أخرجها المخرج النمساوي (هانز جراتسر) الذي يقدم هذه الشخصية في صورة عصرية مرتبطة بمفهوم التطبيع على وفق الأشكال المحددة والتفاعلية من العنصرية، نجد أن جسد (عطيل) قد قدم كعرق مغاير ومخالف لما حوله من أجساد أخرى، جسد يتحول فيه الصراع بين الأعراق في ضوء الأنساق الثقافية المختلفة، بين الشمال والجنوب، أو بين الحضارات (الشرقية والغربية)، وهنا لا تعرض عطيل تراجيديا الغيرة أنما تعرض طبيعة محددة لغيرة رجل أسود في علاقته مع زوجته البيضاء، من جانب آخر يقودنا هذا الموضوع الى أمكانية أو عدم أمكانية الإتصال والتفاهم بين الحضارات، ونظرياً تعطينا (عطيل) عدم إمكانية هذا الإتصال بين الحضارات وفي الوقت الذي يقدم لنا فيه طبيعة محددة لغيرة رجل أسود ويرفض أن يقدم لنا الغيرة بوجه عام نجده يصل الى نتيجة عامة في أن الاتصال الحضاري بين الجنــس الأبيض والجنــس الأسود مستحيل، وهذه الأستحالة لم تأتِ من فراغ أو قانون يصاغ في مدونة معينة تناقش قضايا الأجناس والأعراق، بل هو سياق لخطاب ساد منذ عهود قديمة تناولت موضوعة عدم التوافق الحضاري بين الألوان، والأديان، والحضارات شكّل الجسد جزءاً مهم في الصراع الثقافي فيها، بل وقع على خارطة الأجساد العديد من الصراعات في هذا الإطار، لذلك فان المخرج النمساوي الذي يقدم (عطيل) في العصر الحديث هو لم يخرج من الصورة النمطية المعدة سلفاً عن شكل الصراع الثقافي والحضاري بين (عطيل وياغو) بين (الأبيض الأوربي) صاحب القيم والحضارة والمركز الذي يرجع اليه كل شيء وبين (الأسود الأفريقي)، أو (الشمال أفريقي) الذي يظهره لنا المخرج في أطار الصراع بين الحضارات بصورة نمطية أعتاد المتفرج الاوربي أن يرى هذه الصورة وخصوصاً في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، لكن آثارها مازالت تمارس الى الآن في المسرح الأوربي الحديث .

ومن الحالات الأخرى الذي ينقلها لنا كتاب (المسرح الطليعي) عن مسرحية (الستائر) التي أخرجها المخرج الغربي المعروف (بيتر بروك)، إذ يظهر الجسد الشرقي (العربي) بملامح ارتبطت به في الذهنية الغربية والى الآن، ما زلنا نشهد هذه الاوصاف للأجساد العربية والتي يقدمها على أنها (أرهابية) من خلال وصف أحد النقاد لهذه المسرحية وهو ما يشير اليها (بروك) بأفعال جسدية دالة عن هذه الأفعال، وعن ذلك يقول احد النقاد ؛ يظهر الارهابيون العرب ويرسمون بخفة ما ارتكبوه من جرائم قتل واغتصاب، كما يرسمون مخاوفهم، وذلك حتى تغطي الستائر بصورة غير واضحة للشر نتيجة ذلك مؤثرة ومثيرة للغاية، هي مؤثر ومثيرة للذهنية الجماهيرية الغربية التي جاءت لمشاهدة مثل هكذا أعمال لتسهم في تثبيت الصفات للأجساد العربية، كما ساعدت مسرحية (عطيل) في السابق في تثبيت بعض الصفات السلبية مع أصحاب العقلية البيضاء، كذلك ساعد المخرج الاميركي (ششنر) ذلك في وصف الأماكن التي قدم منها منفذين أحداث الحادي عشر من سبتمبر بأنها (أماكن رعب) فهل هذه الأمكان وبالتحديد (الشرق الاوسط) هو مكان لإنتاج الرعب بالنسبة للأمريكيين خاصة والعالم الغربي عامة، علماً أن من ساهموا في هذه الأحداث لا يمثلون أبناء الشرق الأوسط على اعتبار ان هؤلاء لا يشكلون سوى فئة قليلة دمرت بسبب أفعالهم بلدان كثيرة في الشرق الأوسط وقتل على أثر الحروب التي شنتها أمريكا العديد من الأبرياء .

إنَّ الرد بالجسد على ما يقدمه المسرح الغربي من روايات رسمية ذات أبعاد فكرية متوغلة بالفكر الكولونيالي حول أوصاف ونعوت الأجساد المغايرة لهذا الفكر يتطلب تقديم المتناقض لتلك الروايات وإظهار بطلان ما ترمي اليه من أفكار تقدم الأجساد الهامشية على أنها أجساد من عالم أخر هامشي لا يستطيع أن يساير التطور والثقافة في المركز العالمي / الثقافة الغربية ذات المواصفات الخاصة، لذلك يأتي خطاب الجسد في المسرح المغاير على إظهار التناقضات والثنائيات الواجب كشفها، وهنا لا أتكلم عن استخدام الجسد في التمثيل بصورة مغايرة لمفاهيم فن الأداء، لأن الأداء أو استخدام الجسد في المسرح هي واحدة، أي أن الممثل في الغرب والشرق يستخدم جسده في تقديم الفكرة والحوار والشخصية ... الخ لكن الأسلوب في تقديم الأجساد يتغير نسبة الى آليات كشف الخطاب الذي صدرته السلطة الكولونيالية على مستوى عقود طويلة للذهنية الشرقية، والتي جعلت من هذا الخطاب هو المعتمد عند اغلب من أعتنقوا الثقافة الغربية، التي دائماً يصفون الشرقي والعربي خصوصاً بالأوصاف المعروفة ذات الدلالات الفكرية الأنتقاصية من ثقافته وطريقة حياته، لذلك فإن البحث في عملية الأستجواب تتمركز في عملها على الأختلاف بين الدال والمدلول، أي التركيز على الخلاف بين الدال والمدلول كون هذا الدال يخفي عدد من المعاني التي تتناقض فيما بينها لو قرأت على وفق موضوعات متعددة ومتناقضة في الوقت نفسه، أي أن مسألة أثارة الأختلاف بين الدال والمدلول سوف يقوض المعنى الأحادي الذي يريد الخطاب الثقافي الكولونيالي توظيفه في الثقافات الاخرى. إن الأستجواب سيظهر للمتلقي الذي يلتقي الخطاب المسرحي المبثوث من العرض المسرحي لتشكيل الصفات الأصلانية المغيبة التي تحملها الأجساد المؤدية للعرض على خشبة المسرح .

إنَّ الهوية الثقافية التي يعمل الجسد على المسرح أظهارها تعتمد على آليات تجسيد ما يراد أظهاره من ملامح مغيبة تتصارع مع الحضور المفروض على الظاهر من الجسد، وهنا تكون عملية التظهير الذي يسعى إليها الممثل من خلال عملية التجسيد لتلك الملامح تساعد في تثبيت الهوية المراد تقديمها عن طريقة الجسد في الخطاب المسرحي، وبالتالي فإن هذه العملية تكون نشطة من تجسيد امكانيات تاريخية وثقافية بعينها، حيث يؤكد (باتلر) على بنية الاداء التي تنشئ الهوية باعتبارها عملية من التجسيد (Embodiment) واعتبار الهوية طريقة للقيام باستنساخ موقف أو حالة تاريخية، فمن خلال تكرار أفعال الأداء تتجسد مجموعة من الإمكانيات التاريخية والثقافية وبنفس المنطق يوصف الجسد بأنه تاريخي ثقافي وكذلك وقبل كل شيء تنبثق الهوية المراد أظهارها من خلال الفعل الدرامي المغاير .

إنَّ الأداء المجسد للملامح التي تشير الى تقديم الهوية ذات الأبعاد التاريخية الثقافية التي ترجع بأصولها الى الجذور الخاصة بالثقافة المحلية، هو أداء قائم لإيجاد علامات قادرة على تظهير هذه الملامح ؛إذ يقع على عاتق الممثل من خلال جسده خلق وأستنبات هذه العلامات التي تشير الى الشخصنة، والتي تتصل بإكتمال بناء العمل الفني، ومما لا شك فيه ثانية أن هذه العلامات (في نفس الطريق) تضعها تُحملّها فوق جسده كما الخطوط والألوان عند فنان التصوير الزيتي والرسام فوق القماش، وهذه العملية تتطلب المعرفة الكافية والوافية بالأبعاد الثقافية والأدائية التي تميز الجسد الذي يحمل هذه العلامات ذات الأبعاد الثقافية الأصلانية وليست مقلدة بطريقة بعيدة عن البيئة التي تشتغل بها هذه العلامات، حتى تكون الإشارة الى الهويات الثقافية وتجسيدها في بعدها التاريخي واضحة في مجال الإظهار الثقافي الداعم لهذه الهوية الثقافية .

إنَّ الجسد في ضوء التشكيل المسرحي والإختلاف على وفق الآليات الآتية :

• إن الجسدَ في ضوء الرد الثقافي في إطار المسرح يشتغل على الوعي الأدائي في إنتاج مفاهيم ثقافية تستند على البعد الثقافي الأصلاني وتسهم في ذلك الفراغات التي يوجدها الأداء الجسدي في العرض المسرحي وملأها من خلال الأداء البصري والحركي المجسد للبعد الثقافي المراد تظهيره في الخطاب المسرحي المرسل الى المتلقي .

• يكون الجسد كوسيط ثقافي رابط بين علامات ثقافية أصلانية مقدمة في النص المسرحي الى المتلقي لأن الوسيط الثقافي يكون حاملاً للدلالات ذات الأبعاد الثقافية والفنية للثقافة الأصلانية .

• يعمل هذا الجسد في ضوء الوسيط الثقافي على تحشيد العلامات المساهمة في دعم الصراع بين الحضور / السلطة، وبين المغيب / الهامش، وهذه العلامات تبرز أهم التناقضات في إطار الثنائيات المتقابلة بين الهويات المتصارعة .

• يعمل الجسد على تفكيك السلطة التأليفية للهوية المسيطرة في الخطاب الثقافي وتنحية حضورها من خلال عملية أستجواب تتمركز في البحث في الأختلاف بين الدال والمدلول للخطاب السلطوي للوصول الى معان متعددة ومتناقضة تسهم في تفكيك سياقاتها الثقافية.

• يعمل الجسد في ضوء الرد الثقافي على تظهير الهوية الثقافية في بعدها الأصلاني المغيب وذلك في موازاة عملية التفكيك للخطاب السلطوي، وهذا التظهير الثقافي يتم من خلال عملية تجسيد للأبعاد الثقافية والتاريخية ذات الدلالات الخاصة بالهوية المحلية، وهنا يتم التجسيد من خلال تنشيط هذه العلامات على الجسد كنوع من أنواع الرد الثقافي المقابل لخطاب السلطة المسيطرة .

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

عدنان الظاهرهل كتب أحدٌ قبل سلام إبراهيم تفصيلاً عن حملة الأنفال من بين ضحاياها ومن عايشها من الأنصار العراقيين الشيوعيين وأبناء كردستان؟ ليس عندي جواب.

قسّم كتابه هذا إلى ثلاثة أقسام رتّبها كما يلي:

القسم الأول: مع مُحقق الدولة الدانمركي

ـ عندما أدخلني الدكتاتور في الجحيم ـ

القسم الثاني: مع قاضية المحكمة الهولندية في لاهاي

ـ عندما أدخل الدكتاتور رفاقي في الجنون ـ

القسم الثالث: التشرّد ـ ما لم يطلبه المحققون ـ

كتب سلام روايات أخرى غير قليلة سبقت روايته هذه " في باطن الجحيم " وكان فيها جميعاً الكاتب المتمكّن من فن السرد الروائي وكان فيها الرجل الشجاع الصادق غير الهيّاب ولا يخشى ذكر كلمة الحق. أراه بهذا الصدد يتفوّق على غالبية الروائيين العظمى الذين يكتبون شيئاً ويُخفون الكثير عجزاً أو تحفّظاً أو حياءً. ثم لصدقه فيما يقول أفضلية كبيرة على بعض الأدباء الذي يدارون ويلفون ويكذبون ويتخفون وراء سُتُر وحُجب كاذبة مُهلهلة ليخفوا حقائقَ ما هم فيه. من هؤلاء أديب قضى عقوداً من عمره قزماً خنيثاً ضئيلاً يتنعم بحماية حزب البعث في قطر عربي وتزكيات السفارة العراقية في ذلك القطر . وبعد سقوط البعث وصدام حسين صار يكتب عن ملاحقة مخابرات البعث وشرطة أمنه لمعارضيه واغتيال بعضهم في شوارع بعض عواصم العرب ! أراد بهذا الصنيع الخبيث المكشوف أن يستر عورته بذكره لبعض سوءات وجرائم نظام البعث ولكن هيهات هيهات فهذه العناصر معروفة وسُبل ووسائل تسلّقها السلالم هي الأخرى معروفة ومكشوفة. سلام إبراهيم عراقي أصيل نقي مقاتل واضح الإنتماء جمع بين مواهبه الروائية وقتاله لحكومة البعث نصيراً في جبال كردستان فشتّان ما بين روائي موهوب مقاتل مؤمن بمذهب وعقيدة فكرية ـ سياسية وأفندي خنيث مخصيّ وكاذب ومزوّر لا يهتمُّ إلاّ بصبغ بياض شعر رأسه والكتابة عن بعض سماسرة البعث من الرجال والنساء. الفروق كثيرة بين النظافة والقذارة ، بين البطل المقاتل والخنيث الخبيث الخفيف الميزان.

أعود لسلام وما كتب في كتابه المثير الجديد الذي سمّاهُ بالإسم الواضح الذي يستحق [رواية تسجيلية وثائقية عن حملة الأنفال ..].

أبدع سلام في القسمين الأول والثاني من روايته: مع محقق الدولة الدنماركي و مع قاضية المحكمة الهولندية في لاهاي حيث جمع بين موهبته الروائية وأدق تفاصيل إجراءات المحاكم واستجوابات المحققين وعرض مفاجآت لا يتوقعها أحدٌ من قرّاء هذه الرواية ـ الملحمة المكرّسة أصلاً لكشف جرائم وفضائح نظام حكم حزب البعث العراقي خاصة زمان تفرّد صدّام حسين بالسلطة. إنها وثيقة الوثائق القانونية المزوّدة بالشهادات الحيّة وبأفلام فيديو حصل عليها محققون ومحامون وقُضاة من الدنمارك وهولندا فضلاً عن أحد ضحايا إستخدام صدام حسين للأسلحة الكيميائية المحرّمة دولياً ضد معارضيه ممن كانوا يقاتلون في جبال كردستان في ثمانينيات القرن الماضي ... أعني السيّد الأستاذ سلام عبد إبراهيم نفسه. نعم ، كتب البعضُ ممن شاركوا أنصاراً في القتال في جبال ووديان وغابات كردستان، كتبوا ولكنَّ ما كتبوا لا يرقى أبداً إلى مستوى ما كتب وثبّتَ سلام إبراهيم أبداً أبداً. المقاتلون شيوعيون أعضاءٌ في نفس الحزب لكنَّ الفرق بينهم هو مجموع الفروق بين ما يملكون من مواهب أدبية وقدرات على التعبير والتصوير وفيما يتمتعون به من عمق في الشعور وإحساس بحجم المأساة التي تعرّضوا لها هم في الجبال وعموم العراقيين في باقي أنحاء العراق. ليس كلُّ من كتبَ أبدعَ وصدقَ فنجحَ، هنا يبرز العامل الذاتي كما قال المتنبي:

فإنَّ في الخمرِ معنىً ليس في العنبِ

ناهدة جابر جاسم /

من هي هذه الشابة المقاتلة التي هجرت مدينتها وأهلها والتحقت بثوّار الجبال فأصيبت بالسلاح الكيميائي وعانت منه ما عانت وما زالت منه تعاني؟ إنها النصيرة " بهار " رفيقة وزوج سلام إبراهيم . ما كانت دوافعها للتضحية بحياة المدينة والأهل ونعومة العيش الرغيد للإلتحاق بالثوّار في ظروف غير عادية وغير مألوفة لا يتحملها إلاّ رجال الرجال؟ عاملان إثنان رئيسان عندها لا ينفصلان: زوجها سلام الشيوعي وإيمانها المبُكّر العميق بالشيوعية. فهمت أنَّ أنَّ ابناء عمومتها سجنهم البعثيون عشرين عاماً لأنهم كانوا من الشيوعيين المعروفين في مدينة الديوانية وسط العراق، ولا أستبعدُ أنْ يكونَ هذا عاملاً ثالثاً رفع فيها قوّة التحدي والمغامرة وقبول كافة ما قد تؤول إليه تجربة مشاركتها في حرب الأنصار (البيش مركة) في جبال كردستان العراق. فضلاً عن جريمة قتل الفنان الشاب كفاح إبراهيم شقيق سلام.

إقترنت السيّدة ناهدة بسلام حين كانت ما زالت صبيّة في السابعة عشرة وأنجبت منه طفلاً أسمياه " كفاح " لكنهما ضحّا فتركاه مع ذويهما وتسلقا الجبال الشديدة الوعورة والكثيرة المخاطر مقاتلين الطاغوت من أجل عراق أفضل وأجمل [وطنٌ حُرٌّ وشعبٌ سعيدٌ]. سلام النصير المقاتل الباسل أجاد في وصف رفقته لأم كفاح هناك في قمم الجبال ومنحدرات السفوح وخرير الماء والجداول في الوديان وتحت غارات وقصف طائرات وصواريخ الجيش العراقي كما أجاد في تفصيل حياة المقاتلين في حالات الإشتباك مع العدو وفي ساعات الراحة ولعب الكرة أو إعداد الطعام للمفارز والأفواج أو نقل البريد الحزبي. مزج سلام ببراعة نادرة بين حبّه لرفيقة عمره النصيرة " بهار " وواجباته القتالية اليومية كأنَّ القتال لديه وجه آخر للحب والإخلاص لشريكة العمر. لا معنى للقتال بدون حب ولا حبَّ بدون قتال مشروع لإحقاق الحق وإنقاذ العراق والشعب العراقي من ظلم حاكميه. حبّه لزوجه النصيرة المقاتلة لم يشغله عن شؤون ومعاناة بقية الرفيقات النصيرات المقاتلات العربيات والكرديات واليزيديات خاصة مّنْ فقدن أزواجهنَّ هناك في مواجهات قتالية أو جرّاء التعرض للأسلحة الكيميائية. أنقلُ نصّاً صوّر سلام فيه حدثاً بعينه يقرأه المرءُ فلا ينساه مدى عمره. شاركت " بهار " ناهدة ، فيه ولعبت دوراً مع أرملة يزيدية أُستشهد زوجها هناك في أعالي جبال كردستان. أقرأه فإخال نفسي أُشاهدُ فيلماً مُصوّراً بالألوان كل من وما فيه يلعب دوراً: الأنصار الشيوعيون المقاتلون من قوميات متعددة والمرأتان العراقيتان الجنوبية والشمالية والجبال وقبور الشهداء المتواضعة:

[[ في أواخر الشهر السادس 1988 كنّا نتناول وجبة الغداء حينما لمحنا من المسلك الهابط من قمّة العمادية ثلاثة مسلحين وامرأة بثوبها الكردي الفضفاض يهبطون مسرعين، تبينَ أنهم من الفوج الأول المُرابط في وادٍ من أودية جبل ـ كارا ـ. المرأة كانت زوجة الشهيد ـ أبو فؤاد ـ الذي قضى في القصف الأول للموقع 1987 ، جاءت تزورُ قبره بمناسبة مرور سنة على مقتله.

كيف أصف المشهد؟!

كيف؟!

سأحاولُ رغم المرارة رسم المشهد من جديد، لعلَّ من يشاهد المحاكمة (محاكمة صدام حسين ، دأب سلام على متابعتها على شاشة التلفزيون) يُدركُ معي مقدارَ لا إنسانية هذه الطُغمة التي تتمسكن أمام العدالة مُصوِّرةً نفسها وكأنها لا تُدركُ ما كان يجري وتعتقد أنها كانت تمارس واجباً وطنياً.

الموقع يُطلُّ على مجرى نهر الزاب الأعلى، على رابية متدرجة يبدو انها كانت في أوقات السلم مزارع عامرة تحولت وقت الثورة والهجرات إلى ساحات عشبية مُتدرّجة من الرابية وحتى ساحل المجرى في مسطحات تمتدُّ لأكثر من عشرة أمتار. على المسطح التالي لفسحة رابية موقع الإسناد دُفنتْ جثتا أبو فؤاد وأبو رزكار وعادةً ما يقومُ الرفاق بوضع الزهور على قبري الشهيدين بين الحين والحين. لم يُكتب شئ على الشاهدتين لكنَّ الكلَّ يعلم من يرقد على اليسار ومن يرقد على اليمين. كنتُ أُحسُّ أنَّ المرقدين مدفونان بقلبي حتى أني الآن لحظة الكتابة أراهما تحتي وكأني عُدتُ إلى تلك اللحظات المدمرة حينما كنتُ أضع باقتي زهور بريّة وأُكلّمهم عمّا جرى في غيابهم مُستذكراً كل الأحباب الذين غابوا في المعتقل أو قُتلوا في المعارك.

قدّمنا لهم الطعامّ، كنتُ أختلسُ النظر إلى وجه أم فؤاد التي رفضت بشدّة تناولَ الطعام مكتفية بجرعة ماء بلّت فيه ريقها الذي بدا ناشفاً. كنتُ أتتبعُ الماء الذي تحاولُ بلعه بعناء إذْ يتكسّر وجهها ألماً.

قلتُ مع نفسي:

سيكونُ هذا اليومُ عسيراً !!

في إلتحاقي الثاني بالثوّار شباط 1985 ومعي زوجتي حللنا ضيوفاً في بيتهم في قرية صغيرة أُقيمتْ على عَجَل تجاور الفوج الأول تجمّعتْ فيها عائلات البيشمركة اليزيديين التي هجرتها السلطة من قُراها، إذْ كُلّفَ ـ أبو فؤاد ـ بتوصيلنا إلى مقر القاطع، فرأيتُ مدى عمق علاقة الشهيد بها، كان لا يكفُّ عن المزاح معها مزاحاً لطيفاً يجعل وجهها يتهللُ سعادةً. كان لديهم جوقة من الأطفال، أحدهم أُرسلَ إلى ـ الإتحاد السوفيتي ـ للدراسة .. وهو وحده مَنْ نجا من العائلة إذْ ستضيعُ جميعها في مقبرة جماعية لم تُكشفْ لحد الآن. وهذا ما سأحاولُ إلقاء الضوءَ عليه لاحقاً.

ما أنْ فرغنا من الوجبة حتى سألتْ عن قبره. إرتبكت الوجوه، ورحنا نحملق الواحدُ في وجه الآخر منتظرين مبادرة أشجعنا . كررت السؤال مرةً ثانية وثالثة فهبطت قلوبنا إلى أسفل أقدامنا ممعنين بالصمت، هاربين بعيوننا إلى القمم والسفوح وذرى الأشجار الشاهقة ... إلى أنْ أنقذتنا ـ بهار ـ مُجيبةً:

ـ سآخذكِ إليه !

قادتها من ذراعيها وتوجّهت صوبَ المسلك الهابط جوار مجرى النبع. تبعها المقاتلون الثلاثة الذين قدموا معها. خطوتُ خلفهم متردداً. إنحرفتُ يميناً مبتعداً عن المسلك الهابط. تلفّتُ فوجدتُ رفاق الموقع جميعهم يتوجهون صوبَ الحافة المطلّة على فسحة القبرين. يتابعون بعيونهم المضطربة الموكب المكوّن من المسلحين الثلاثة السائرين خلفَ زوجة الشهيد يهبطون تتقدمهم بهار. إستداروا صوب الفسحة الصغيرة الممتدة على مسافة عشرة أمتار فقط. أبطأوا الخطو. سحبتها زوجتي برفق من معصمها الناحل إلى أنْ وقفتا امام القبرين ورأيتها تجثو نحو كومة التراب المرتفعة قليلاً.

كانت الشمسُ ساطعةً في ذلك اليوم تُضفي على المشهد وضوحاً يركزُ في الذاكرة.. تحجّر نظري على وقفة الأرملة التي كانت تنتظر عودة زوجها من العلاج بعدما تعرّضّ لمحاولة إغتيال قبل عامين إذْ دسَّ رفيقٌ تعاون سرّاً مع السلطات سُمَّ الثاليوم في كوب لبن. قاومَ ونجا بعد علاج لمدة عام في إيران. كان في طريق عودته للقاء العائلة فحلَّ في الموقع على أنْ يَبيتَ ليلته ليواصل في الصباح الباكر طريقه إلى الفوج الأول في وادي ـ مراني ـ بكارا. وفي ذلك الغروب قصفت الطائرات العراقية ـ زيوة ـ بالغازات السامة. ومن سوء حظه أنه كان يجلس على حافة موقع سقوط القذيفة التي أعمته على الفور وغيبته بعد ساعات ست إلى الأبد.

أرى الآن وأنا أُشرف من الربوة قامات الرجال الذين لم يجرأوا على الإقتراب فبقوا على مبعدة أمتار إلى يمين ويسار المرأتين الواقفتين أمام القبر. رجعت زوجتي خطوتين وتركتها وحيدة وتحتها يرقدُ حلمها المستحيل نائماً في التراب. طال الصمتُ وسكونُ قامتها المتماسكة المصلوبة جوارَ كومة التراب.

ـ هل كانت تخلقه من جديد في ذاكرتها؟!

هذا ما بتُ متأكّداً منه وما حدثَ معي حينما زرتُ العراق 2004 ووقفتُ أمام قبر أمّي وأبي اللذين قضيا وأنا في المنفى!

كنتُ غيرَ مُصدّق بأنهما يرقدان هنا خلف حائط من الجص والآجر في سرداب صغير ضائع بين بحر من القبور في مقبرة ـ السلام ـ في النجف.

تلفتُ حولي فوجدتُ رفاقي موزعين خلف شحيرات الحافة مثلَ مَنْ يخافُ من شئ يلوحُ تحتنا على لوحة الفسحة الصامتة. رجال بأسلحتهم المتدلية على الجنب، زوجتي المنتظرة، قامة الأرملة الجامدة بثوبها الفضفاض الطويل وكأنها تؤدي صلاةً ما سريّة ! وخلفها غابة صغيرة فالنهر الدافق ثم سفح قائم وكأنه جدار يرتفع عالياً أمامنا. وحده دويُّ مجرى الزاب الهادر يتردد صداهُ في الوادي.

هل كانت بصمتها الطويل الذي أربكنا ووتّرنا تمارس طقساً من طقوس الموت لدى الطائفة اليزيدية؟! لا أدري ! لكنَّ تلك اللحظات أشعرتني بفداحة الفقد المباغت لمحب حميم.

لا أدري كم من الوقت ظلت ساكنة كتمثال من حجر .. فزمن تلك اللحظات زمن مختلف لا يُقاس.

كنتُ أحبسُ صُراخي مستذكراً أحبابي الذين ضاعوا في المعتقلات !

كنتُ أحبسُ دمعي متخيلاً ألمَ كل عراقية فقد زوجها غيلةً !

كنتُ أحبسُ هاجسي متخيلاً زوجتي الواقفة خلفها بمسافة مترين تقف هي أمام كومة ترابي لو قضيتُ في القصف الذي قضى على أبي فؤاد!

كنتُ أركز نظراتي على قامتها الجامدة فلمحتُ أول تمتمة دون صوت بانت من حركة شفتيها. تمتمت بصمت فيه جلال وقليلاً قليلاً بدأ الصوتُ يظهرُ ضعيفاً مكسوراً أول الأمر، ثم شرع في إلتماسك شيئاً فشيئاً إلى أنْ بات واضحاً، خصوصاً بالنسبة لنا نحن الواقفين على حافة تطلُّ على المشهد. بدأتْ بسرد قصة حبهما وكأنه متجسد أمامها. تقصُّ وتعلّق وكأنها تسمع ما يقوله لها. القصة جديرة بالسرد في موقع غير هذا. ففيها يتجسدُ حجم معاناة زوجة العراقي المتورط بالسياسة، والذي يحبها وتحبه، فالأمرُ ليس بسيطاً كما يتخيلُ البعضُ. مَنْ يتورط في السياسة بصدق المبادئ ويعارض سلطة دكتاتورية ويُضحّي بكل شئ حتى بتشريد عائلته داخل وطنه ذلك يعني أنَّ مِثلَ هذا الشخص كرّسَ كلَ عمره لحلم مدينة فاضلة ما زالت الإنسانية تصبو إليها.

كنتُ أنصتُ لصوتها رائياً الوانَ القص، شامّاً روائح الحكاية، لامساً أجسادَ الشخوص.

قصّت كلَّ ما جرى لها وللعائلة أثناء غيابه الطويل الذي بات وقتها سنتين. سنة علاجه في إيران، ومرور سنة على مقتله. قصّتْ إلى أنْ أنهكها الكلامُ والحكاية فصرختْ صرخة واحدة طويلة حادّة أصابتنا بالكمد وارتمت على كومة التراب. غطّتها مولولة صارخةً باسمهِ. كنتُ أنشجُ بصمت وجواري ينشج رفاقي وتحتنا ينشج الرجال الثلاثة بصمت، وأم فؤاد تناديه كي يقومَ من جديد قابضةً على ذرّات ترابه في حركة تشتدُّ وتنبسط وكأنها تحاولُ خلقه من جديد. وحدها زوجتي بدت متماسكة منتظرة لحظة مناسبة كي تنشلها من وهم عودته / الصفحات 151 ـ 160 من الرواية].

هل قرأنا قبلاً أو شاهدنا فلماً ملوّناً كهذا الذي كتب سلام وصوّر بعدسة لا من زجاج ولكنْ بعدسة من طبيعة أخرى ... عدسة روح إنسان تتحرك وتُحسُّ وتنطقُ وتغيّرُ ألوانها وألوانَ ما تلتقط مِن حولها من مرئيات . تخاطب ذات المؤلف وتسألُ وتُجيب. تستنطق ما ترى من أشياء أفرزتها أو خلقتها الطبيعة الجامدة وتحركها في أي إتجاه تشاء ولإيّما غرض وهدف تشاء. إنها عدسة خالقة لا عدسة مخلوقة. إنها الروائي سلام إبراهيم. من يصل من بين الكتّاب والروائيين أو يدنو من هذا المستوى ومن هذه الظاهرة شبه الخارقة؟ قد ... نعم، قد يدنو رجلٌ مثل الروائي كابريل غارسيا ماركيز صاحب رواية " مائة عام من العزلة " الذي ذكره سلام في روايته هذه كما ذكر تولستوي وروايته الحرب والسلام:

[بقينا حتى المساء حائرين إلى أنْ قررَ أبو الجاسم الذي كان مسؤول الموقع الإنسحاب صوبَ الحدود التركية وحرق كل شئ. لا أنسى ذلك المشهد أبداً، وكأنه مشهد سبق لي رؤيته حيّاً ، مشهد روائي عشته لغةً حينما كنتُ ابنَ الخامسة عشر حينما قرأتُ رواية الحرب والسلام لتولستوي / الصفحة241].

سلام يستحق جائزة نوبل على روايته هذه التي جمعت معاً جرائم نظام حكم حزب البعث وزعيمه صدام حسين واستخدامه الأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً والتي تغاضت أمريكا عنها لأسباب سياسية وعسكرية لترجيح كفة العراق في الحرب التي كانت دائرة بين العراق وإيران وإقامة حالة توازن أسماها الرئيس الأمريكي في حينه " ريكان " لا غالبَ ولا مغلوب ! ثم محاكمة صدام وزمرته من عتاة وكبار المجرمين في بغداد حيث كان سلام يتابع وقائع تلك المحكمة من بيته في الدنمارك. يرى الجلاّدَ الذي أراد قتله بالرصاص والصواريخ ثم السموم جالساً ذليلاً في قفص الإتهام بهيئة رثّة ولحية أكثر رثاثة وشخصية هزيلة مُهتزّة مكابرة تدّعي التماسك والقوة والبراءة مما نُسب لها. صوّر سلام في روايته كل محنة العراق والعراقيين وما أصابهم من بلاوي ومصائب وكوارث لذا فإنه إبن العراق كل العراق ومحاميه المدافع عنه والكاشف بالأدلة عن قاتليه ومغتصبيه ومن خرج عن الأعراف والمبادئ الإنسانية بما فيها الشرع والقوانين الدولية المعروفة. سلامٌ عليك يا سلام.

في هذا الكتاب لوحة أخرى تُضاهي لوحة السيدة اليزيدية الأرملة أم فؤاد، زوج البطل المقاتل الشهيد " أبو فؤاد " الذي ساهم سلام في دفنه سويةً مع رفيق آخر.

أعني ما قال سلام في محاولاته المُضنية بحثاً عن مصير رفيقيه أبو جواد وأبو وسن اللذين قضيا بالسلاح الكيميائي وكيف عثرعلى جثتيهما وكيف ساهم في دفن الجثتين. سطّر كل ذلك على الصفحات 213 وما يليها وهو كثير.

لا يفوت قارئ الرواية هذه ما كتب سلام في ملحمة الهروب الجماعي من جبال كردستان العراق إلى تركيا بعد وقف الحرب بين العراق وإيران في 8.8.1988

وما لاقى الهاربون والهاربات والشيوخ والأطفال من أهوال وجوع وبرد وموت.

كل جزء كتبه سلام في روايته هذه يستحق تحويله إلى فلم واقعي موثّق بشهادات شهود عيان ومقاتلين عراقيين من شتى القوميات والأديان.

ملاحظتان أحداهما تتعلق بالصور التي أرفقها الروائي الجدير السيد سلام إبراهيم لكتابه " في باطن الجحيم " ... إنها صور نادرة سيهتم بها تأريخ العراق السياسي والنضالي وستكون موضع احترام واعتزاز أهل وذوي الصور مّنْ أُستشهد منهم والذي ما زال حيّاً. لكنْ للأسف الشديد كانت الصور صغيرة وكانت غير تامة الوضوح عموماً.

الملاحظة الثانية تتعلق ببعض الأغلاط الإنشائية القليلة والبسيطة التي وردت في هذه الرواية. إنها أغلاط شائعة في أوساط الكثيرين من الأدباء والشعراء والقصّاصين والقاصّات وبعض أدعياء كتابة الرواية ممن يمارسة أغلاطاً لغوية شنيعة ترقى إلى مقام الكفر باللغة لكنهم ينفونها ويكابرون مكابرة [زعاطيط الكتبة] ويدّعون أنها ليست أخطاءً ! لعلَّ أسوأ الجميع واحد يُقال عنه إنه خبير باللغة العربية رغم أنه لا حظَّ له من هذه اللغة إلاّ ما تعلّم في المدارس العراقية شأن الملايين غيره. ليس لديه مؤّهلٌ دراسيٌّ منهجيٌّ باللغة العربية ولا شهادات عليا ولا جامعية أوليّة فمن الذي أطلق عليه صفة خبير باللغة العربية ولماذا وكيف أرتضى هذا لنفسه قبول هذا النعت وهذه الفرية التي ألصقها به مَنْ لا يعرف قدره وحقَّ قدره؟ تلك مأساة زمن شاع فيها تزوير وتزييف الشهادات والألقاب وادّعاء إتيان الخوارق والمعجزات .

سلام إبراهيم المقاتل الشجاع النقي النظيف لا يُكابر ولا يصعّر خدّه ويشمخ بأنفه فهو يعترف بما يقع في كتاباته من أغلاط وقد يبرر ذلك بأنه في الأساس أكمل دراسته في معهدٍ زراعيٍّ في بغداد وإنه لم يتفرّغْ لدراسة اللغة العربية منهجياً ولم يدّعِ أنه خبيرٌ باللغة أو ضليعٌ منها [منها وليس فيها / مصطفى جواد .. قلْ ولا تقلْ]. سلامٌ عليك إبراهيم أيها السيّد الشجاع والروائي الفذ والمقاتل من أجل خير العراق وسعادة البشر جميعاً عراقيين وغير عراقيين. وألف سلام على رفيقة بيتك ونضالك هناك في الجبال والوديان وبين المغاور والكهوف وماراثون العذاب في الطريق لنشدان الخلاص في الجارة تركيا ... السيّدة أم كفاح التي عانت معك ما عانيتَ أنتَ بعد تعرّضكما للقصف بالسلاح الكيميائي الذي نفّذته طائرات الجيش العراق في ثمانينيات القرن الماضي.

*

في باطن الجحيم

رواية لسلام إبراهيم .

الناشر: وزارة الثقافة ـ العراق ـ بغداد ـ شارع حيفا.

الطبعة الأولى ـ بغداد 2013 .

 

عدنان الظاهر

 

منصور مهيديلقد عرفت ظاهرة الغموض اهتماماً خاصًّا في الدراسات النقدية على نحو عام، والحديثة منها على نحو خاص، كأسلوب أدبي له أسبابه الفنّية التي تفرضها الصناعة الشعرية وأساليبها البلاغية، من استعارات وكنايات وحيل مجازية تلبس النصّ وشاحاً يخفي المعاني ويسترها، حتى أصبح مقياس الوضوح والغموض أحد مقوّمات النصوص، وواضع الحدود بين أنواعها، ومن دواعي الغموض : إراد الخفاء، والتوّسع، والإيماء، واللّمح، والاختراع، والتولّد، .ومن الألفاظ التي دلّت على الغموض أيضاً (الغَلِق) و(التّعمية) و(التّعقيد) و(التلويح) و(اللّبس)[1].

وقد " نال مصطلح الغموض من القلق والاضطراب أكثر من أي مصطلح نقدي آخر لارتباطه بجوهر العمل الإبداعي من حيث المبدع والنص والمتلقي. ويعود هذا القلق والاضطراب في تحديد مصطلح الغموض إلى تعدد مستوى درجاته، وإلى الاختلاف في تحديد مفهومه، ومعرفة غايته وأهميته، كما تعود إشكالية تحديد مصطلح الغموض إلى مرادفاته اللغوية الكثيرة مثل التعمية والإبهام والاستغلاق والألغاز وغيرها من التسميات التي ربما يضلل بعضها المتلقي في تقدير أهمية المصطلح ومفهومه ووظيفته"[2].

وهو يخالف التعقيد المذموم الذي صوره لنا عبدالقاهر في قوله :"وأمّا التعقيد فإنّما كان مذموماً لأجل أنّ اللفظ لم يرتّب التّرتيب الذي بمثله تحصل الدلالة على الغرض حتّى احتاج السّامع أن يطلب المعنى بالحيلة ويسعى إليه من غير طريق "[3]

و قد اختلف البلاغيون والنقّاد في تحديد معنى الغموض، ولكنّ يجمع بينهم الاتّفاق على أنّه الكلام الذي يستوجب الجهد في استخراج معناه .بمعنى أنّ" الغموض قد يعني القصد إلى العديد من الأشياء، أو بمعنى آخر، الغموض هو احتمالية أن يعني الإنسان أمراً أو آخر أو الأمرين معاً كما قد يعني الغموض أيضاً أن تكون للعبارة معانٍ عدّة "[4]و عُرف الغموض عند القدماء أنّه" امتناع الكلام عن البوح بمعناه و ممناعته التّمكين منه لأوّل قراءة، إمّا لتعمية مصدرها الإعراب أو التقديم والتأخير وإمّا لإجراء اللفظ إجراء مجازياً يستبهم من أجله المعنى"[5].

وعلى العموم، فإنّ كلمة الغموض عندما ترد في التراث العربي القديم لم يكن يقصد بها انغلاق المعنى وعدم الاتصال مع النصّ أو مع المتلقي، بل كانت ترد بمعنى الغوص وطول التأمل والبحث للوصول إلى الغاية المطلوبة، و الغموض االمقصود "ليس ذلك الذي يصعب فتح أقفاله وتخطي أسواره ليصل إلينا، بل هو السمة الطبيعية الناجمة عن آلية عمل القصيدة العربية وعناصرها المكونة من جهة، وعن جوهر الشعر الذي هو انبثاق متداخل من تضافر قوات عدة من الشعور والروح والعقل متسترة وراء اللحظة الشعرية"[6].

يحاول أن يرقى به من التعمية إلى الفنية، فهو الغموض الفنّي الذي يكون غموضاً بناءً، يكشف عن رؤيا خلاّقة، ونظرة دقيقة، وفكر ثاقب، ولا يكون نتيجة رؤية مضطربة، أو لغة مبهمة، فالغموض الجمالي الذي نعنيه هو الغموض الذي يتولّد من طبيعة الرؤيا[7]. وهو غموض يشف عمّا يتضمّنه من المعاني، كما أشار إليه عبد القاهر الجرجاني، غموض يحتاج إلى جهد وتأمّل لإدراكه، فيقول عن الإجادة في المعاني وإدراكها بثاقب الفكر :"...وإنّما نحن في أمور تُدرك بالفكر اللطيف، ودقائق يوصل إليها بثاقب الفهم"[8].

وهو بهذا المعنى ذو صفة إيجابية فنية لا يمنع المتلقي من وصول المعنى إليه، ويعدّ الغموض البلاغي من أنواع الغموض المتولّد عن الأساليب البلاغية المختلفة؛ مثل أسلوب الالتفات والتشبيه والاستعارة والمجاز والتورية والكناية وغيرها، وهو ما يخلق نوعاً من تعدّد احتمالات المعنى، فضلاً عن اتساع دائرة التأويل والتفسير الناجمة عن هذا الغموض، " فالغموض بهذا المعنى يشكّل جوهر الشّعر، وهو نتيجة أساسية تميّز النص الشعري عن غيره، وتمنحه الخصوصية الفنّية والجمالية"[9].

وعدّ النقّاد الغموض من طبيعة التجربة الشعرية الصادرة من أعماق النّفس وأغوارها المضطربة، و عن الوعي الشعري المعقّد، الدافع الذي جعل النقّاد يقرّون بأنّ الطبيعة المعقدّة لماهية الوعي في الشعر هي سبب غموضه، واستغلاقه على القارئ .[10]"فالمبدع يتحرّك بحيويته الشّعرية من غموض النّفس الانسانية إلى بيان اللغة في أنساقها التصويرية"[11]، وهناك مدارس كثيرة ركبت موجة الغموض منها : المدرسة السوريالية، والمدرسة الرمزية، والمدرسة العبثية، ومدرسة اللاوعي

ولقد تفطّن عبدالقاهر الجرجاني (ت471هـ) إلى أنّ الشعر الجيّد لا بدّ أن يتشح بقدر من الغموض، هذا الغموض يزول مع القراءة الواعية، والفكر المتأمل المستنير، وهذا ما دعا إليه كثير من النّقاد في زمننا الحديث. ويستشف من حديث عبدالقاهر في أسراره أنّه لا يرجع هذا الغموض إلى ما يتكبّل به الشعر من قيود كالوزن، والقافية كما ذهب إلى ذلك أبو إسحاق الصابي والمرزوقي، وإنّما يرى عبدالقاهر أن سرّ هذا الغموض يكمن في طبيعة الشّعر ذاته، ولغته الخاصّة المتفرّدة.

ويعلّل عبدالقاهر سرّ جمال هذا الغموض؛ بأنّ المتّعة الحقيقية، واللّذة العميقة، يستشعرها الإنسان بعد المعاناة، والفكر، وبذل الجهد لاستكناه المجهول، ومعرفة بواطن الأمور فمن " المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له، أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيلُه أحلى، وبالمزية أولى، فكان موقعه من النفس أجلّ وألطف، وكانت به أضن وأشغف"[12]

و الغموض هو الذي يثير النّفس للبحث، ويستفزها للتفكير حين يكشف عن طرف المعنى، ويستر طرفاً آخر يمسك به المتلقي، ويدلف إلى النصّ ليكشف أعماقه، ويدرك أسراره. فالغموض ملازم للكشف، إلّا أنّه غموض شفاف، لا يتجلّى للعقل أو لمنطق التحليل العلمي، وإنّما يتجلّى بنوع آخر من الكشف، أي من استسلام القارئ له في ما يشبه الرؤيا، فإنّنا لا ندرك الرؤيا إلاّ بالرؤية[13]

وتتجلّى براعة عبدالقاهر الجرجاني عند تفسيره لهذا الغموض، فهو غموض لم ينجم عن سوء التأليف، وتعمد التعقيد، والتعمية، أو عن تلك القيود التي تحدق بالشّعر والشّاعر، وإنّما هو غموض نابع من طبيعة التجربة الشّعرية، ومن لطافة المعنى، ومن تلك اللّغة الشّعرية ذات الخصوصية، والمباينة لغيرها، التي لا تقف بك عند الصورة الأولى، وإنّما تشدّك لتأمّل ما وراء هذه الصورة من بناء ثان يكون هو المقصود والمراد. يقول عبدالقاهر: «هذا، وليس إذا كان الكلام في غاية البيان، وعلى أبلغ ما يكون من الوضوح، أغناك ذاك عن الفكرة، إذا كان المعنى لطيفًا، فإنّ المعاني الشريفة اللطيفة لابدّ فيها من بناء ثان على أوّل، وردّ تالٍ إلى سابق"[14].

ولذلك فإنّ المبدع الواعي – صاحب الرؤيا العميقة التي تعدّ من أهم بواعث الغموض[15] - يرى أنّ بنات قريحته ينبغي أن تظلّ مقنّعة لا تسفر عن جمالها إلا لمن يخطب ودّها، ويغالي في مهرها بالسهر والنظر والفكر والرويّة، ويقدّم عقله وقلبه قربانا لجمالها [16].

وقد أدرك عبد القاهر الأبعاد الجمالية للغموض، التي يتعمّده المبدع في كتاباته، لتلحق أثرا في نفسية المتلقي، وتثيره على المستوى الذهني، فتجده يتعب ويجتهد ويبذل كلّ طاقته التأملية والمعرفية ؛ لاستجلاء أبعاد المعنى، وعوالم النّص .وهذا ما جعل عبد القاهر أن يجعل الغموض مطلبا جمالياً، لا يستغني عنه أي مبدع في تصوير تجربته الابداعية. فأضحى الغموض بمثابة النظرية التي سيطرت على وعيه وتفكيره في كلا الكتابين- دلائل الاعجاز و أسرار البلاغة - ولعلّنا لا نغلو إذا ذهبنا إلى الرأي القائل بأنّ عبدالقاهر استطاع أن يجعل من الغموض نظرية تسيطر على البلاغة العربية حتّى عصرنا هذا[17].

وبذلك يصبح الغموض في لغة البلاغة ضرورة جمالية، يقتضيها العمل الإبداعي، ويمنحها قدرا من الاستمرارية المتجدّدة. أمّا العمل الذي ينشأ من لغة البساطة والابتذال، لا يثير القارئ ولا يحرّكه، فإنّه يقتل في حينه، ولا تشعر معه النّفس بأيّة لذّة أو متّعة في محاولة الوقوف عنده، لأنّه سافر لا نقاب له، يتأتّى لك بكلّ سهولة ويسر، وتدرك مراميه وأبعاده من أوّل لحظة من لحظات التّأمل.

فالإيحاء والغموض في الفنّ مطلب جمالي لا يستغني عنه؛ لأنّ الغموض كما قالت روز غريب يمنح الشعر إيحاء يتدرج بتدرج الغموض، و" كلّما ازداد الفنّ غموضاً زادت فيه قوّة الإيحاء"[18]ومن هنا نادى الفكر الحديث بضرورة وجود مقدار من الروح الإيحائي، أو الغموض في العمل الشّعري، يشبه مجرى خفياً لفكرة غير ظاهرة ولا محدّدة[19].

وترجع روز غريب غموض المعاني واستغلاقها على الفهم في الشعر إلى أسباب أخرى بقولها: " أما الصعوبة في الشعر فمصدرها إيجازه وما قد يتضمّنه من تعريض وتلميح، ومن ذلك عجز الكلام عن استيعاب المعنى بأسرها أو غرابة المعنى ورغبة الشاعر في الغموض وإثارة الفكر"[20].

فإنّ هذا الغموض النّصي يتجسّد في ثراء النّص الإبداعي، وتعدّد دلالاته وتنوّع قراءاته، ممّا يخلق نوعاً من اللّذة الحسّية والمتّعة الذهنية لما يحمله من خبايا النّص الذي تحمله المفاجأة و اللامتوقّع ـ الجديد الذي يصدم المتلقي ـ في صوره وجمالياته الفنية، وهذه الحال هي التي تخلق نوعاً من التواصل والألفة بين النّص والقارئ الذي يتلقّاه، وهو ما يجعله يشعر بأنّه في حاجة ماسّة إليه مهما يحمل هذا النّص من الغموض كي يطفئ من خلاله لهيب شوقه ومشاعره، ويرضي طموحه الذهني المتعطّش للجديد دائماً..

فأحيانا المعاني لا تنكشف لك، ولا تسفر عن وجهها، إلّا بعد المراجعة الطويلة والتأمّل الدقيق، فيكون لها من حسن الأثر على النفس، ما لا يكون لو تمّ حصولها من غير عناء، ويقول عبدالقاهر :"ومن المركوز في الطبع أنّ الشيئ إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى، وبالمزية أولى، فكان موقعه من النّفس أجلّ وألطف، وكانت به أظنّ وأشغف"[21].

فالغموض في الأعمال الإبداعية عملية موجّهة مقصودة وليس عملاً اعتباطياً، يهدف المبدع من خلاله شحن النصّ بطاقة فنية تجعله غامضاً، بحيث يطرح النص الابداعي بسبب غموضه إمكانيات متعددة، واحتمالات مختلفة للتأويل والتفسير.

ومن تأثيراته على المتلقي فإنّه " ينطوي على غاية معرفية هي إثارة فكر المتلقي، وتوسيع خياله، وحثّه على النّظر والروية، وعندئذ تطرب النّفس الإنسانية وتهزّها الأريحية"[22]، الذي يكون البيان الذي يشعّ من الغموض سبباً لها، " ليرتقي الغموض الفنّي في عرف عبد القاهر ويصبح ذلك البيان الشفاف الذي يخفي خلف شفافيته ثراء وخصوبة لا يستجيب معها، ولا يهتز لها إلاّ من أعطى الفنّ قدره ومكانته الحقيقية.

وتزداد قوّة الإثارة كلّما زادت درجة غموض المعنى واحتجاب دلالاته و استبهام مراميه، وحينها يبدأ المتلقي بمتابعة حركة النّص، ومحاولة إجلاء الغموض وإماطة اللثام عن المعاني شيئا فشيئا، بإعمال الذهن وإعادة النظر و دقة التأمل، والغوص في عوالم النص، لاستكناه المعنى، لأنّ "الغموض هو ما يمنح الفهم من أكثر من طريق أو تعدّد احتمالات المعنى"[23]، وكأنّ اللغة العالية لا تكون إلاّ غامضة، بعيدة المنال :" كالجوهر في الصدف لا يبرز لك إلاّ أن تشقّه عنه، وكالعزيز المحتجب لا يريك وجهه حتّى تستأذن عليه، ثمّ ما كلّ فكر يهتدي إلى وجه الكشف عمّا اشتمل عليه، ولا كلّ خاطر يؤذن له في الوصول إليه، فما كلّ أحدّ يفلح في شقّ الصدفة، ويكون في ذلك من أهل المعرفة، كما ليس كل من دنا من أبواب الملوك فتحت له "[24].

ومن خلال ما سبق ذكره حاولت أن أستخلص جملة من الخصائص الفنية التي ميزت الغموض وهي كالآتي :

- إراد الخفاء، والإيماء، واللّمح، والاختراع، والتولّد.

- يثير فكر المتلقي

- يفتح تعدد احتمالات المعنى و اتساع دائرة التأويل والتفسير

- يحتاج إلى دقة التأمل والنظر والروية

- المعنى فيه بعيد المنال

- يثري النّص الإبداعي ويزيد في لطافة المعنى

- له قوة إيحائية

- يعطي رؤيا عميقة

- الغموض دليل الشعرية المتألّقة

و إذا كان مصطلح الغموض قد نشأ في حقل التجربة الشعرية كممارسة فنّية، فلقد وجد ما يقابله في الدراسات القرآنية البيانية مصطلح الظلّ والظلال - حسب اعتقادنا-، حتّى لا نتجرأ على أنفسنا، ونصف القرآن بالغموض، وإن كان المقصود منه الغموض الفنّي الجمالي الذي يكون غموضاً بناءً يعتمد على فكر ثاقب، لا على رؤية مضطربة و لا على لغة مبهمة ومعقّدة.

فكيف لنا أن نصف القرآن الكريم بالغموض وهو الكتاب المحكم، والمنهل العذب، والمعين الزاخر الصافي والمعجزة الخالدة، الذي لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد، .ولا تحصى علومه، ولا تستقصى معانيه .ومن عجائبه أنه جمع بين الاعجاز والبيان، فجاء نظمه بناء محكما متلائم الأجزاء، في أتمّ تأليف وأروع تركيب . وهو الذي قال فيه سبحانه وتعالى :" الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ "[25].

وقبل الولوج في عمق الموضوع، واستخراج الخصائص الفنية والجمالية لما يقابل مصطلح الغموض ألا وهو الظل والظلال، قد يكون من الأهمية بمكان، الوقوف عند المدلول اللغوي والاصطلاحي للفظة الظلّ .

والظلّ لغة يعني :نقيض الضِّحّ، والظلّ يدعى ظلاً من أوّل النهار إلى الزوال، ثمّ يدعى فيئاً بعد الزوال إلى الليل[26].وأظَلَّني الشيء :غَشِيَني [27].

قال الشاعر :[28]

فَلَا الظّلَّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطيعُهُ     وَلَا الفَيءَ من بَرْدِ الغشِّيِّ تذُقُ

وجمع الظّلّ أظْلالٌ وظِلالٌ و ظُلُولٌ،  واستظلّ بالشجرة :استذْرى بها [29].

وفي القرآن الكريم ورد لفظ "الظلّ" مفرداً وجمعاً .

قال الله تعالى: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ﴾[30]

و قال الله تعالى : ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ ﴾[31]

وورد الظلّ بمعاني مختلفة في الحديث النبوي الشريف، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « سبعة يظلّهم الله في ظلّ العرش ...»[32] متفق عليه .

وفي حديث آخر : «السُّلطانُ ظلُّ الله في الأرض لأنّه يدفعُ الأذَى عن النّاس كما يدفعُ الظّلّ أذى حَرِّ الشمس»[33]

قال الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ﴾[34] .

وكلّ شاخص له ظلّ . وفي الظلال جمال وسحر واسترواح، ولحركة الظلال جمال أخّاذ و ساحر، تستمتع بها النّفس بمقدار ما فيها من مشاعر فنّية، وقد امتنّ الله على عباده بحركة الظلال بقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴾[35]، وقد رسم القرآن الكريم صورة شاخصة للظلال، صورة حيّة نابضة بالحياة والحركة: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ﴾[36] .

وكما للشخوص ظلال، كذلك للألفاظ ظلال وارفة، ولا يدركها إلّا المتذوّق الحذق، وصاحب الرؤيا الثاقبة، كذلك التعابير الأدبية إمّا أن تكون تعابير ذهنية، تكتفي باستعمال مدلول اللفظ الذهني، وإمّا أن تكون تعابير فنّية يهيء الأديب فيها للألفاظ نظاماً ونسقاً خاصاً، يسمح لها بأن تشع أكبر شحنتها من الصور والظلال والإيقاع بتناسق تامّ.

فإنّ ميزة التعبير الأدبي الراقي :"هي الظلال التي يخلعها وراء المعاني، والإيقاع الذي يتّسق مع هذه الظلال " [37]، وتستمدّ الألفاظ المفردة ظلالها من جهتين[38] :

- الجهة الأولى : مما وراء الشعور، من الذكريات والصور التي صاحبتها في تاريخها الشخصي والإنساني على الزمن الطويل.

- الجهة الثانية : ظلالها وهي في نسق كامل.

إنّ الخيال هو الذي يتلقى ظلال الألفاظ لكون الظلّ هو الذي يُلقى في الخيال [39].

فإذا كان الغموض الفنّي كفيل بأن يرقى بلغة الشعر إلى سماء الإبداع الفنّي والتألق، و دليل الشعرية المتألّقة التي تتجاوب معها النّفس الإنسانية في ارتياد آفاقها وكشف مجاهيلها، فإنّ ظلال الألفاظ والتراكيب القرآنية كفيلة بأن ترقى بالقرآن الكريم إلى درجة الإعجاز، و يضمن من خلالها بقاءه السرمدي وخلوده الأبدي .وإن كان الله سبحانه وتعالى هو الذي قيض له الحفظ في الصدور والسطور حين قال تعالى :" إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ "[40]

و من جهة تعتبر الظلال مكمن الإثارة الدائمة التي تحقّق للخطاب القرآني فنّيته و إعجازه، وتفتح مجال التعدّد القرائي فيه، ما جعل المفسرين لم يثبتوا على تفسير واحد وهم يجتهدون في تفسيره منذ أربعة عشر قرن .ومن جهة أخرى، تحقّق هذه الظلال على مستوى القارئ الوعي بالبحث والاكتشاف على مستوى الألفاظ والتراكيب، فتخلق متعةً في النّفس وإقناعاً في العقل، وهذا ما أطلق عليه الدارسون "متّعة الاستكشاف، أو متّعة السعي إلى تحقيق الاغلاق بفكّ رموزه وأسراره"[41].

وعليه تعدّ ظاهرة الوضوح والظلال في النصّ القرآني التي عبّر المفسرون عن جزء منها بالمحكم والمتشابه إحدى سمات النصّ التي تبيّن تفاعل النصّ مع الواقع، وبعبارة أدقّ هي نتيجة مترتّبة على نحو ضروري على حدوث فعل القراءة والتلقّي، فحكم الوضوح أو الخفاء ناتج عن جدلٍ في الواقع بين شيء مفهوم بدقّة وآخر غير مفهوم [42].

وقد ورد في القرآن الكريم ما يقرّ أن النصّ القرآني ليس كلّه بالمستوى نفسه من الوضوح، حيث يفهم من دون إعمال عقل، بل إنّ سمة الظلال وهي آلية متعلّقة بكيان النصّ ذاته، فيقول تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾[43].

ولعلّ ما يلاحظه القارئ المعاصر للتراث الذي خلّفه علماء القرآن هو التشابه المهمّ بين هذا الحكم، أي التفسير الغامض في النصّ بالواضح فيه، وبين ما توصل إليه النّقد الحديث من أنّ النّص يتضمّن مساحات مضاءة وأخرى مظلمة، وأنّ بالنّص أجزاء تعدّ بمنزلة (مفاتيح) دلالية تمكّن القارئ والمفسّر من الولوج إلى عالم النصّ، وكشف أسراره وظلاله، ففي كلّ نصّ مهما بلغت درجة خفاء معانيه وإيحاءاته هناك (فتحات ضوئية) تنير طريق القارئ لفهم الجوانب المستترة منه واكتشافها.

وبعد التحليل والاستنباط والمقارنة بين كل من خصائص الغموض والظلال، توصلنا إلى التقارب الكلي بين المصطلحين والتناغم الكبير الموجود بينهما والمميزات الفنية والجمالية التي تحكمهما .في هذا الجدول :

خصائص الغموص

خصائص الظلال

  1. الغموض يثير فكر المتلقي وخياله
  2. الغموض يفتح تعدد احتمالات المعنى
  3. الغموض مطلب جمالي
  4. الغموض يعطي رؤيا عميقة للمبدع والمتلقي
  5. الغموض له قوة إيحائية كلما ازداد الفن غموضاً زادت فيه قوة الإيحاء
  6. الغموض يثري النّص الإبداعي ويزيد في لطافة المعنى
  7. الغموض يخلق لذة شعورية ومتعة وجدانية
  8. الغموض إراد الخفاء وبعيد المنال
  9. الغموض دليل الشعرية المتألّقة
  10. الظلال مكمن الإثارة الدائمة
  11. الظلال تفتح مجال التعدّد القرائي في الخطاب القرآني واتساع دائرة التأويل والتفسير
  12. في الظلال جمال وسحر واسترواح
  13. ظلال الألفاظ ،لا تدرك إلّا بالرؤيا الثاقبة.
  14. في الظلال دلالات إيحائية ووظائف تأثيرية

  1. في الظل كثافة في المعنى وتصوير ومشاهد

  1. الظلال تخلق متعةً في النّفس وإقناعاً في العقل
  2. الظلال تحتاج إلى دقة التأمل والنظر والروية
  3. الظلال دليل الاعجاز القرآني

وفي الأخير حاولنا في هذا العمل المتواضع، حاولنا – كما سبق ذكره- أن ننفي الغموض في القرآن الكريم، تأدبا مع الله سبحانه وتعالى و تأدبا مع القرآن الكريم، وحاولنا كذلك أن نجد ما يناسب الغموض مصطلحا و مفهوما ويحتويه، وكذلك ارتأينا في ذلك ما يليق بمقام القرآن الكريم، فتوصلنا بعد التحليل والمقارنة إلى مصطلح الظل والظلال، لما يجمعه من خصائص فنية تتقارب في كثير من الأحيان بالخصائص التي عدّدناها لمصطلح الغموض .وأبعدنا مصطلح المشكل والمتشابه الذان يعدّان جزءا من الظلال .

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

 

إعداد الدكتور :منصور مهيدي

جامعة عبد الرحمن ابن خلدون – تيارت –

........................

[1] ينظر: ثريا عبدالوهّاب العباسي، موقف النقد العربي القديم من الغموض الفنّي في الشعر، مجلّة جامعة عبدالعزيز، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جدّة، المملكة العربية السعودية، م17، ع:2، 2009، ص:173.

[2] دريد يحيى الخواجة، الغموض الشعري في القصيدة العربية الحديثة، دار الذاكرة، حمص، ط1، 1991، ، ص: 56 ـــ 66.

[3] عبدالقاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص:129.

[4] وليم إمبسون، سبعة أنماط من الغموض، تر:صبري محمد حسن عبد النبي، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، ط1، 2000، ص:4.

[5] حسين الواد، المتنبي والتجربة الجمالية عند العرب، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 2004م، ص:280.

[6] دريد يحي الخواجة، الغموض الشعري في القصيدة العربية الحديثة، دار الذاكرة، ط1، حمص، 1991، ص: 107.

[7] ينظر: رماني ابراهبم، ظاهرة الغموض في الشعر الحديث، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ص:108.

[8] عبدالقاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تح:محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيرروت، دط، 1982م، ص:210.

[9] كمال أبو ديب: في الشعرية، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، ط1، 1987، ص:231.

[10] ينظر:سعد الدين كليب، وعي الحداثة (دراسات جمالية في الحداثة الشعرية –دراسة -)، منشورات إتحاد الكتّاب العرب، دمشق، 1997م، ص:58.

[11] نذير العظمة، قضايا وإشكاليات في الشعر العربي الحديث، النادي الادبي الثقافي، جدّة، ط1، 2001م، ص:32.

[12] عبدالقاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص:139.

[13] ينظر :أدونيس، الثابت والتحول، بحث في الابداع والاتباع عند العرب، صدمة الحداثة والموروث الشعري، دار الساقي، بيروت، دط، دت، ج4، ص:150.

[14] عبدالقاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص:144.

[15] ينظر :خليل موسى، آليات القراءة في الشعر العربي المعاصر، ص:135.

[16] محمد طه عصر، مفهوم الابداع في الفكر النقدي عند العرب، عالم الكتب،، القاهرة، ط1، 2000م، ص:115.

[17] مصطفى ناصف، الصورة الأدبية، دار الاندلس، بيروت، ط1، ص:64.

[18] روز غريب، النقد الجمالي وأثره في النقد العربي، دار الفكر اللبناني، بيروت، ط2، 1983م، ص:98.

[19] ينظر :المرجع نفسه، ص:102.

[20] روز غريّب، النقد الجمالي وأثره في النقد العربي، دار الفكر اللبناني، بيروت، ط2، 1983م، ص56..

[21] عبدالقاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص:139.

[22] محمد طه عصر، مفهوم الابداع في الفكر النقدي عند العرب، عالم الكتب، القاهرة، ط1، 2000م، ص:118.

[23] عصام محمد أحمد، الغموض في النص الأدبي، اللغة بوصفها لازمة للوضوح والإبهام معاً، مجلة الرافد تصدر عن دائرة الثقافة (مقال من الانترنيت )

[24] عبدالقاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص:141.

[25] هود:1.

[26] ابن منظور، لسان العرب، ج5، ص:512، مادة: (ظلّ)

[27] الفيروز آبادي، قاموس المحيط، ص:964، مادة:ظلّ.

[28] ابن منظور، المصدر السابق، ج5، ص:513.

[29] المصدر نفسه، ج5، ص:513.

[30] الرعد:35.

[31] الرعد:15.

[32] رواه البخاري (660)، زمسلم (1031)، حسّن إسناده الحافظ في الفتح الباري، ج2، ص:169

[33] سيد قطب، النقد الأدبي، النقد الأدبي أصوله ومناهجه، ، دار الشروق، القاهرة، ط1، 1983، ص:70.

[34]الفرقان :45.

[35] النحل:48.

[36]الفرقان :45.

[37] صلاح عبد الفتاح الخالدي، نظرية التصوير الفني عند سيد قطب، ص:99.

[38] سيد قطب، النقد الادبي، ص:70.

[39] ينظر :سيد قطب، التصوير الفنّي في القرآن، دار الشروق، القاهرة، 1988م، ص: 76.

[40] الحجر:9.

[41] مصري حنورة، علم نفس الأدب، دار غريب، القاهرة، ط1، دت، ص:45.

[42] ينظر:محمد بن أحمد جهلان، فعالية القراءة واشكالية تحديد المعنى، في النصّ القرآني، ص:120.

[43] آل عمران :7.

 

 

عدنان الظاهر1- شيء عن مؤلف الرواية: لم أقرأ قبلا شيئا للدكتور زهدي الداوودي، لذلك كانت المفاجأة كبيرة ومذهلة .

أستاذ جامعي متخصص في التأريخ، مولود في مدينة (طوز) القريبة من مدينة النفط كركوك، يكتب باللغة العربية رواية من ثلاثة أجزاء لم يتسن لي بعد الا دراسة الجزء الثاني منها . كانت مفاجأة كبيرة اذن وكانت فرحة كبيرة حقا أن أكتشف روائيا عراقيا موسوعي المعرفة متعدد الجوانب عميق الخبرات الحياتية ثم سعة اطلاعه على تأريخ العراق الحديث منذ بداية القرن العشرين حتى 1955 عام وفاة رستم كريم زوراب ونهاية هذا الجزء من الرواية . لقد رصد الروائي خلال هذه الحقبة الزمنية تأريخ الشخصية المركزية في الرواية السيد رستم كريم زوراب

وعائلته وأدق خصائص العشائر الكردية بالدرجة الأولى والتركمانية بالدرجة الثانية فضلا عن المامه التام بعادات وتقاليد القبائل العربية . ثم الأوصاف الرائعة لجبال ومياه ووديان كردستان . لقد كان زهدي رساما ومؤرخا ومن ثم مناضلا سياسيا - اجتماعيا تفتحت عيناه على أيام كفاح الشعب العراقي ضد حلف بغداد عام 1955 حيث كان يومذاك في الخامسة عشرة من العمر طالب مدرسة ثانوية .

لا يسع المرء الا أن يثني على لغة مؤلف هذه الرواية وقدرته على التعبير بلغة هي ليست لغة أمه وأبيه (التركمانية والكردية) .

كان الرجل موسوعيا يقرأ الأحداث بعدستي مؤرخ وانسانا واقعيا جريئا الى أبعد الحدود . ولعل دراسته العليا للتأريخ واقامته الطويلة في بلد أوربي (ألمانيا) قد زودتاه بهذا القدر من الجسارة الشخصية التي يقتضيها أمر التصدي لعادات مجتمعه وسلوك أفراده رجالا ونساء . لم يخجل من تسليط الضوء على أمور بشرية يتهيب سواه من ذكرها أو التطرق اليها كذكر أسماء الأعضاء التناسلية الذكرية والأنثوية وسخريته اللاذعة من الأنجليز (الصفحة 114) ... على سبيل المثال . هذا الهرم الثقافي - التأريخي الشامخ لم يستنكف من استعمال بعض الكلمات العامية والأوصاف المكشوفة حيثما تطلبت البلاغة الفنية ذلك، حتى وان جاءت على حساب البلاغة اللغوية .

2 - شيء عن الرواية

الرواية هي السيرة الذاتية لرستم كريم زوراب ما بين موطن أهله وعشيرته في وادي كفران التابع لمحافظة كركوك شمالي العراق، ومدينة الموصل حيث أتم دراسته في دار المعلمين هناك ليتخرج معلم مدرسة ابتدائية . تنتهي الرواية بموت رستم كريم في أحد مستشفيات مدينة كركوك بحضور ولده الشاب الصغير زوراب.

قبيل موت رستم تتراءى له زوجته الأولى المتوفاة مادلين في وجه احدى ممرضات المستشفى . سألها (هل أنت مادلين؟) ثم أغمض عينيه وفارق الحياة .

اذا كان الموت هو الأمتداد الطبيعي للحياة، فما يمنع الحياة من أن تكون امتدادا طبيعيا للموت؟ ختام عبقري والتفاتة فلسفية نادرة .

والرواية تأريخية عبر سرد التأريخ الشخصي لبطلها الأول رستم كريم زوراب . غطت الرواية قرابة الخمسين عاما الأولى من القرن الماضي (1912 - 1955) فأرخت سقوط السلطان العثماني عبد الحميد ليخلفه محمد رشاد ثم نشوب الحرب العالمية الأولى (1914 - 1917) وتأسيس الحكم الوطني في العراق عام 1921 متوجا بفيصل الأول ملكا، ثم انتفاضة مايس 1941 ضد الأنجليز وأخيرا دخول العراق حلف بغداد أوائل عام 1955 . لقد أبدع كاتب الرواية في سرد الوقائع التاريخية من خلال المتابعة الوصفية - التحليلية الدقيقة لما كان يجري لأفراد عشيرته وعائلته في مناطق محددة من قضاء السنجق التابع لمحافظة (لواء)

كركوك . فعشيرة شخص الرواية المركزي رستم كريم زوراب تتملك أراضي وادي كفران الذي ينقسم بدوره الى وادي كفران الجبل ووادي كفران السهل .

وتنقسم الرواية تأريخيا الى أربعة أطوار حاسمة بالنسبة الى رجلها الأول رستم كريم زوراب :

أولا - رستم الطالب في معهد اعداد المعلمين في مدينة الموصل . هنا يتعرف رستم على الأرمنية مادلين في أحد بيوت الدعارة .

ثانيا - صدر في أيلول 1912 أمر تعيين رستم معلما في مدرسة قضاء (السنجق) ليصبح في فترة لاحقة مديرا لهذه المدرسة . رستم يتزوج في هذه الحقبة من مادلين التي تفارق الحياة حوالي عام 1915 . ثم يتزوج من امرأة كردية هي الأخرى تفارق الحياة في نهاية شهر مايس 1935 . وبعد قرابة الأربعة أعوام يتزوج رستم للمرة الثالثة من فتاة تدعى (كولباغ)، نصف تركمانية - نصف كردية .

ثالثا - يصبح رستم في عام 1947 مديرا لناحية (هورين) التابعة لقضاء (خانقين) بمساعدة مباشرة من نوري السعيد .

رابعا - يحال رستم عام 1950 على التقاعد ويفارق الحياة عام 1955، عام دخول العراق حلف بغداد .

3 - جدلية التناقض في الحياة

لقد دأب مؤلف الرواية منذ بداياتها الأولى حتى نهايتها على ابراز متناقضات الحياة بأسلوب واع ودقيق وشديد الواقعية . وليس في هذا الأمر من غرابة فالمؤلف - على ما أحسب - حريص على التزامه السياسي - الثقافي مذ أن كان في سن الخامسة عشرة من عمره، ثم احترافه لاحقا لمادة التأريخ دراسة عليا وتدريسا. أستطيع أن أقدم على ذلك بعض الأمثلة :

1- التناقض الأساس بين قاطني وادي كفران الجبل الفقراء والذين رفضوا التعاون مع المحتل الأجنبي (الأنجليز) وسكنة وادي كفران السهل الذين تعاونوا مع الأنجليز فكدسوا الثروات ورفلوا بالنعيم . فالجبل العالي الشاهق بعزة النفس والوطنية يفضل الفقر على التعاون مع الأجانب . والسهل - وهو سهل بطبيعته -

يتعاون أهلوه مع المحتل الغازي . فالحضيض الجغرافي يتطابق مع وضاعة النفوس ودرك الأخلاق الأسفل .

2- التناقض بين رستم المتعلم المثالي النزيه وأبني أعمامه اللصين قادر وعباس .

وهنا رغم التناقض الصارخ بين هؤلاء، كانوا أصدقاء العمر ورفاق المسيرة الطويلة . ولقد افاد رستم منهما في مناسبات كثيرة وقدما له الخدمات في أصعب الظروف . لم يأنف من صداقتهما ولم يتبرأ من قرابتهما وهو الرجل النظيف وعالي الأستقامة . فهل - ترى - أراد المؤلف أن يقول لنا أن الخير والشر وجهان لعملة واحدة بحيث يستحيل عزلهما عن بعض؟؟ أوليس هذا هو مبدأ وحدة وصراع الأضداد؟؟

3- ولقد ذكر المؤلف كثيرا ثنائية الروح والجسد (الصفحات 180 و 235

و236) . أغلب ظني أن المؤلف هنا واقع تحت التأثير القوي لطرق الدروشة وطقوس التكايا وممارسات الأولياء الكثيرة الأنتشار في كردستان عموما وفي بيئته الأصلية في وادي كفران على وجه الخصوص . فهناك الطرائق البرزنجية والطالبانية والقادرية والنقشبندية وسواها الكثير مما هو معروف في كردستان العراق . ثم هنالك الثنائية الطريفة في صلب تحدر دم المؤلف من أم تركمانية شيعية وأب كردي سني .

4- الدين والمحرمات . فمادلين المومس الأرمنية المسيحية تترهب والدين يغفر بالأعتراف أمام قس خطاياها . بينما يغتصب رجل الدين المسلم الصبية الذين يعلمهم القرآن في أحد مساجد مدينة الموصل . ورجل الدين الملا والسيد نعيم يزني مع النساء العواقر مدعيا مساعدتهن للأنجاب، ثم انه يتعاون مع المهربين . والقاضي المسلم يشرب الخمر ويضاجع الأرمنية مريم مديرة بيت الدعارة في الموصل .

5- الشرطة (رمز النظام والسهر على القوانين) تتعاون مع المهربين (مخالفي وكاسري القوانين) لقاء عمولات ورشاوى . والقائمقام يطلب من مدير ناحية هورين على الحدود العراقية - الأيرانية أن يوفر له العرق الأيراني الأصفر المهرب ماركة " أبو السنبلة " وسكاير كوركان وعسل (الصفحات 377 - 378).

والقائمقام يدفع حصصا للمتصرف (ص 378) . سلسلة متصلة الحلق من لصوص ومرتشين يحملون أسماء لامعة ويتبوأون وظائف يحسدون عليها .

6- ثم الصراع والتضاد الحاد بين الأمبراطورية العثمانية المسلمة (الرجل المريض) والأمبراطورية البريطانية (المسيحية) المنفلتة كالعفريت الخرافي من قمقم التأريخ بما تحمل من جبروت القوى العسكرية والأقتصادية الخرافية .

4- دور الخرافات في الرواية

لعبت الخرافة في أحداث رواية (زمن الهروب) دورا بارزا ينبع في الأساس من ايمان الناس البسطاء بالجن والخوارق . لقد أفاد رستم من دور الخرافة المتفشي في أوساط أهله وعشيرته الى الحد الأقصى اذ أشاع بالتعاون مع صديقيه ونجلي أعمامه قادر وعباس خبر زواجه من جنية أطلقوا عليها اسم فريشته أي جنية باللغة الكردية . الطريف أن كلمة فريشته الكردية قريبة في نطقها كثيرا من مقابلها باللغة الألمانية Verruckt . لقد أنجبت هذه الجنية لرستم ولدا أسموه (ولي)، وما كانت هذه الجنية الا المومس الأرمنية مادلين التي تعرف عليها في بيت للدعارة في الموصل ثم هام بها حبا . تزوجها بعد أن أعلنت التوبة وأعترفت للقس في احدى الكنائس ثم فضلت العمل كممرضة في أحد مستشفيات مدينة كركوك على أن تقضي العمر راهبة في أحد الأديرة . لقد فضل المؤلف هذا الخيار الصعب لأنه   - كما يتهيأ لي - أراد أن يرينا أن دم الحياة في عروق البشر وارادة الوجود الكوني فينا هما بكثير أقوى من اغراء الدين . فالدين يأتي من بعد ضعف ومعاناة، أما الحياة فانها القوة والقدرة واغراء الحرية، وانها هي الأساس وهي الأولى والأخرى !!

5- مادلين الأرمنية

لقد وظف الخرافة التي صدقها الناس بعد أن أفاد من الدين في انقاذ مادلين بالعبور الروحي من مجرد مومس عمومية الى امرأة طاهرة وزوجة وفية لرستم . لقد غسل الدين أدران روحها وغسلت هي عار جسدها اذ قتلت فأسالت دم ضابط الأمن في مستشفى كركوك الذي أساء اليها وحاول ابتزازها واغتصابها .

لسنا ندري هل أن موت مادلين بعد تسعة أشهر فقط من زواجها من رستم كان موتا طبيعيا اعتياديا ساعة ولادتها الطفل (ولي) أم أن ارادة زوجها رستم شاءت ازاحتها من على مسرح الحياة بسبب قلقه - ربما - من ماضيها وخوفه من أن ينكشف أمرها لذويه وأفراد عشيرته؟؟ فمادلين لا تليق بأسرة أبيه أولا ولا تستحق أن تكون أما لبنيه ثانيا . أم أن مؤلف الرواية شاء ذلك كي يخلي المسرح عريضا أمام أقدار رستم تحركه آنا ويحركها آونة أخرى؟؟

الطريف أن عباس صديق وابن عم رستم هو الآخر حذا حذو ابن عمه رستم فتزوج من مومس تعرف عليها في أحد ملاهي (كباريه) مدينة كركوك .

لقد تزوج رستم من مادلين عام 1913 وماتت أوائل 1915 أو آواخر 1914، مع بداية الحرب العالمية الأولى، فأي شؤم يأتينا مع الحروب !!

6- رستم

كان رستم شديد التعلق بالأنسان والدفاع عنه وعن مصالحه . وكان هو نفسه مثاليا مستقيما رفض المال الحرام وتعالى على الرشوة حين أثرى سواه من الموظفين زمن الحرب العالمية الثانية بالتلاعب ببطاقات التموين . يدخن كثيرا ويصلي ويشرب الخمور . تزوج ثلاث مرات لكنه مات فقيرا . توفيت زوجته الأولى المسيحية الأرمنية بعد عام من الزواج وأنجبت له طفلا واحدا . أحبها الى حد التوله وظل يتذكرها طوال سني حياته . وتوفيت زوجته الكردية الثانية بعد زواج تعيس لم يدم سوى ثلاثة أعوام وقد كان أن فرضها عليه عمه (شيخو بيك) .

لم تخلف له ذرية . أما الزوجة الثالثة والأخيرة (أم زوراب) فلقد أنجبت له بنين وبنات وكانت هي الأخرى مزيج دماء مركبا تركمانيا - كرديا .

7- الرواية والدين

لقد أبرز كاتب الرواية وبشكل ذكي ساخر مظاهر النفاق الأجتماعي بأستغلال الدين بغية تحقيق مآرب يحرمها الدين أصلا وترفضها التقاليد والأعراف المألوفة والسائدة . ف(ملا) الجامع الأعمى لوطي يغتصب الأطفال الذين يرتادون الجامع كيما يعلمهم القرآن . بل وقتل صبيا بعد أن اغتصبه ورماه في بئر مهجورة

(الصفحات 7 - 9) .

وثمة مفارقة أخرى صارخة نقرأها عبرحوار يدور بين رستم وصديقه صائب اذ يقول رستم (أنظر يا صائب، الجامع سأبنيه في كل الأحوال، وأما مهمة الأمام فلا أقوم بها أنا) فيأتي تعليق صائب ساخرا مجلجلا (ها ها ها، اقرأ السلام على جامع يبنيه زبون لبيت الدعارة) ... الصفحة 10 .

أما قاضي المدينة فانه يزور مريم، الأرمنية النازحة من جيورجيا، يشرب الخمور ويمارس الجنس معها (الصفحات 11 - 15) .

ثم تأتي المفارقة الكبيرة الأخرى (الصفحات 263 - 272) اذ يسهب الكاتب وبأسلوب طريف مغر ومفصل في وصف عملية اغواء ثم مضاجعة رجل الدين الملا نعيم لأمرأة عاقر جاءته تطلب منه بركات جده النبي لكي تنجب لزوجها أطفالا .

8 - مريم

لا يكتفي مؤلف الرواية بالسرد الفني الناجح لهذه الوقائع، بل انه يعلق عليها باضافات شديدة السخرية وعميقة الدلالات، ويلقي الأضواء على خفايا أمور غير ظاهرة للعيان الأجتماعي الرسمي أو الشعبي . فمديرة بيت الدعارة (القوادة) الأرمنية مريم مثقفة تقرأ الشعر بثلاث لغات هي التركية والعربية والفارسية . وتتقن بالطبع لغاتها الأم الأرمنية والجيورجية . وهي تتابع حرب البلقان وتنتصر لحركة التجديد الثورية في تركيا التي تقودها جماعة الأتحاد والترقي . وتستلم الجرائد والمجلات، ثم انها تطلب من القاضي أن يتساهل مع (الشباب المتهمين بالتعاطف مع الأتحاديين) . لقد كشف المؤلف هنا أمورا ثلاثة :

- أن السياسة لا تستنكف من توظيف الدعارة والبغايا لتحقيق الأهداف (فلسفة ميكيافيللي) .

- لعب الأرمن دورا بارزا في تقويض الأمبراطورية العثمانية (دولة الرجل المريض) .

- وأن وجود مريم أساسا في مدينة الموصل كان عملا مخططا له بدقة من قبل قادة سياسين أرمن لكسب ود وتعاطف الرجال مع قضية تحرير أرمينيا من السيطرة العثمانية . أي أن مريم كانت تدير مركزين في وقت واحد : التجسس والدعارة . بعبارة أخرى : التجسس عن طريق الدعارة . وهو أسلوب تتبعه البشرية منذ أقدم العصور . استخدام النساء مصائد لأيقاع الرجال وجمع أو تمرير المعلومات .

ما كانت مريم المرأة الوحيدة في مركز أو بيت الدعارة هذا، انما كانت معها فيه أرمنية أخرى هي المومس مادلين . ان قصة وقوع رستم في هوى مادلين ثم زواجه منها لاحقا هي الأخرى واقعة ذات رمز يستلفت النظر . شاب كردي عراقي مسلم يصر على الزواج من بغي مسيحية أرمنية . فما الذي أراد رستم أن يقول لنا؟؟ هل أراد التبشير بخط انساني تسامحي حاول فيه الأفادة من مزايا الأديان الثلاثة؟؟ أقصد الأفادة من مبدأ التوبة في الأسلام وامكانية الزواج من امرأة من أهل الكتاب حتى لو لم تسلم . ثم الأفادة من التكفير عن الذنوب والخطايا بالأعتراف في الكنيسة أمام قس . أقول الأديان الثلاثة لأن لرستم صديقا يهوديا اسمه اسحق أفندي، كما كانت له علاقات طيبة مع تاجر يهودي يدعى هرون .

المفارقة الساخرة الأخرى هي أن امرأة قوادة تدير بيتا (منزولا) للدعارة تحمل اسم العذراء البتول (مريم) أم المسيح، والتي لم يمسسها بشر .

9 - الطفل المعجزة ولي

ولد ولي لأبيه المسلم رستم وأمه المسيحية الأرمنية مادلين بعد أن تزوجا على الطريقة الأسلامية دون أن تشهر اسلامها حسب الأسلوب المتبع (الصفحة 105).

تزوجت مادلين باسم كردي هو روناك . بعد تسعة أشهر من هذا الزواج، وهي أشهر الحمل المعتادة، توفيت ساعة أن وضعت الطفل ولي وهي تحمل اسم فريشته أي الجنية . أرضعت هذا الطفل فاطمة زوجة والد أبيه . شرع ولي كالمسيح يتكلم بعيد مولده ببضعة أيام ثم بدأ يمشي بعد ذلك بفترة قصيرة . المسيح لم يمش لكنه تكلم في المهد صبيا . وكالمسيح عيسى أخذ ولي يشفي المرضى بداء الكساح ويرد البصر للعميان . وقد تزوج قريبته نسرين العمياء بعد أن رد لها بصرها ووقع في غرامها (الصفحات 244 - 247) . هل كانت قصة ولي خرافة من نسج خيال كاتب الرواية؟؟ على أية حال، لم تعمر معجزة ولي طويلا، فلقد فقد بعد زواجه من نسرين القدرات الخارقة وأنصرف الى مساعدة فقراء الفلاحين اذ أنشأ مجتمعا شبيها بالمشاعيات البدائية وحول بيته الى تكية للمحتاجين وجعل الطاحونة المائية ملكا مشاعا للجميع (الصفحات 312 - 313) .

لماذا توقفت معجزات ولي بعد زواجه؟؟ هل أراد مؤلف الرواية أن يقول أن لو كان قد تزوج السيد المسيح ابن مريم لفقد القدرة على اتيان المعجزات؟؟ هل الحرمان الجنسي اذن هو خالق المعجزات - الخرافات والأساطير؟؟

على أن أروع ما في قصص هذا الطفل ولي هي مقابلاته في حلم النوم لأمه المتوفاة . كان يراها دوما كالملائكة بملابس بيض . يقترب منها ويقبلها لكن من خلال سياج خشبي مشبك عازل واطيء . لا تسمح له أمه أن يتخطى هذا السياج حين يهم لأجتيازه كي يلتحق بها (الصفحات 145 و 242) . هذا السياج الخشبي العازل هو الجدار الوهمي الذي يفصل الحياة عن الموت . يعزل عالم الأحياء عن عالم الأموات الذين لا نلتقي بهم الا في عالم الرؤى والأحلام، فالناس نيام أفاقوا ان ماتوا .

10 - توارد خواطر

- يبدو من قبيل توارد الخواطر أن يقص د. فاتح عبد السلام في مجموعته القصصية (حليب الثيران) حدثين سبقه اليهما د. زهدي الداوودي اذ ذكرهما في روايته زمن الهروب . ففي قصة (العالم الرابع) ذكر فاتح كيف يزني معلم القرآن ملا سعيد بالطفل أسعد في جامع المحلة (الصفحة 30) . كما أن د. فاتح قد ذكر خيول نادر شاه في القصة التي تحمل هذا العنوان . قال فاتح (الأرض التي وطأها نادر شاه عندما حاصر الموصل أربعين يوما قبل 250 سنة تقريبا)

(الصفحة 87) . أما د. زهدي فلقد قدم تقريرا مفصلا عن الملا الأعمى الذي يغتصب الصبية الذين يعلمهم القرآن في أحد جوامع مدينة الموصل (الصفحة 8).

وبدل خيول نادر شاه تطرق زهدي الى ذكر اسماعيل شاه وبعده كريم خان زند

(وغيرهما من الملوك والأمراء كانوا يقضون صيفهم على ضفاف نهر آوه سبي

...) / الصفحة 238 .

- زهدي والسورياليون: اذا قال زهدي على الصفحة 370 في روايته زمن الهروب (وما قيمة الحب اذا لم يتجاوز الروح الى الجسد) فلقد قال قبله المنظر السوريالي الفرنسي بريتون (أكيد أن الحب الجسدي والحب الروحي واحد).

من كتاب (الصوفية والسوريالية لأدونيس . الصفحة 266 . دار الساقي . بيروت، الطبعة الأولى 1992) .

ختاما أهنيء الدكتور زهدي الداوودي على هذا الأنجازالرائع وأأمل أن ينتهي من نشر الجزء الثالث من هذه الملحمة المدهشة . لقد كان زهدي في عمله هذا مؤرخا فذا ومثقفا موسوعيا قل نظيره في هذا الزمن المجدب . كان مصلحا اجتماعيا جريئا وروائيا من الأنماط العالية التي يفخر بها مثقفو العراق .

 

- زمن الهروب

- رواية للدكتور زهدي الداوودي.

- الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت.

- الطبعة الأولى 1998

 

د. عدنان الظاهر - ميونيخ – ألمانيا

 

 

السرد بحر متلاطم، كلما يزداد ولوج المرء فيه يصبح أصعب، وتصبح الكلمات تمد لسانها هازءة وباصقة احيانا، ولن تخجل ان تفتح راسك بضربة لا تقوم بعدها !

الكلمات عصية، وتقاوم، حتى وإن انتهيت من عمل وزججت به للنشر، ستبقى الفجوات تلاحقك، وكلمة ما ليست بمكانها ستأتيك لتعض اصبعك . اتذكر ان جاك دريدا قال انه يتمنى ان يكتب ادبا في حوار مترجم له نشر في مجلة افاق عربية !

ولكن الفكرة اين نختبرها؟ نستكشفها؟ في عالم يضج بالتقريرية والعادية ! هل ثمة فرق بين كاتب وآخر من حيث اختياراته / إقتناصاته؟

حتما ستكشف الفكرة التي لاتنتمي لمادة هذا العالم؛ عن نفسها بدون صعوبة وستبدو بتوهجها الخاص بين هذا الركام من الظلال . سيكون الموضوع صعبا بدون مثال ولم اجد ماهو اكثر كمالا من " المسخ "!

في عالم عادي، يعتاش الأعم من الكتاب على مواضيعه على مادته الموجودة تحت ايديهم، تماما مثل النمل الذي يصادف في طريقه الطعام ويحمله الى ثقوبه . اما كافكا فهو حالة خاصة، لانه لم يلتقط ماهو عادي ومعاش، وهذا يعود الى طبيعة نفسية وتكوين كافكا الذاتي، وتلك الغربة التي تغرز انيابها بنظراته . أغلب القصص القصيرة والروايات ترفدها التجربة التي يعيشها او يسمعها الكاتب ويسجلها بمهارة عالية وهذا ليس عيبا او نقيصة، على العكس، لان الحياة لاتجود بامثال كافكا كثيرا، لا تزرع الحساسية والمشاعر الطافحة، والقلب الخفاق كمدفع رشاش؛ في صدر اي كان .

قد تبدو فكرة كافكا او جليل القيسي او غيرهما تحمل نواتها الواقعية الموجودة، المكونات الحاضرة في الحياة نفسها، الاشياء المستعملة، وحتى طريقة العيش وما تمليه الحاجات اليومية، لكن " غريغور سامسا " الذي يقدم اليه الطعام ويعتنى به وله غرفته الخاصة، لا يعدو كونه حشرة لا تندرج مع حياتهم البشرية الرتيبة، ويبقى يطل عليهم من عينيه الحشرية وهم بدورهم ينظرون اليه من خلال أعينهم المختلفة، هذه الهوة موجودة وتمثل قطيعة تامة، على الرغم من الخيوط التي تنطلق محاولة ربط العالمين المنفصلين، الملتصقين . هذه العلاقة تحمل نقائضها وتتكون من رحم تضاداتها، تبدو في صراع اضدادها، لكن صراعها الواقع هذا ؛ هو ملامحها الخاصة، التقاسيم التي تحمل غضونها ونعومتها واخاديدها الخاصة، معتمة ومضيئة .

يجد كافكا نفسه محكوما عليه بتهمة يجهلها في " القضية "، ولا يصحو من كابوس التهمة حتى يقع في رحلة طويلة الى " القصر "، ومن جديد يجد نفسه يركض ويزحف و" يملخ " نفسه ولا يصل الى القصر المراد .

هذا الكافكا، التركيبة الاكثر نضوجا التي جادت بها الحياة عن الغرباء، هؤلاء الذين يطلون على الحياة من نافذة بعيدة ولا يكونون فيها الا في هيئة " مسخ " او " متهم " . ليست الغربة المنشودة هنا هي غربة لفكر، بل هي غربة عن كل شيء، رفض تام لكل هذه المعطيات المتواجدة في هذا العالم المكتظ . كتب البير كامي رواية " الغريب " وهي من أهم الاعمال السردية الفلسفية، التي تتخذ الرواية طريقة لايصال الفكرة التي يريدها السارد / المفكر . وهكذا " الغثيان " لسارتر و" كائن لا تحتمل خفته " لكونديرا و" الطاعون " مرة اخرى لكامي، تحمل هذه الروايات الغربة الفكرية المتصادمة مع الحضور الواقعي للعالم الملتبس وموقفهم منه، لكن هذه الاعمال وغيرها حتى وان حملت الغربة " الفكرية " هي في الظاهر مختلفة لكنها متجانسة مع هذا الواقع لانها جزء منه، لكن المسخ هي حضور ضبابي لشخص لا ينتمي لهذا العالم، بينما الاسماء المذكورة أعلاه يصارعون وجودهم لانهم ينتمون اليه ، أما كافكا فهو المرمي في فخ لا ينتمي اليه ولا ينظر اليه الا كحفرة ملعونة يرفضها .

و ليست هذه الغربة الكافكوية هي ذاتها كابوسية ادغار الان بو ! اعتقد ان قصة الغراب لا تنتمي الى تلك الغربة، لكنها اقرب الى الغرائبية، بينما قصتة " القلب الواشي " هي من تحمل هذه الغربة التي نحاول تلمسها مع كافكا . فتبوح لنا عين القاتل في قصة " القلب الواشي " عن حملها نفس الظلال التي تكفن خطوات صديقنا (ك) الماشي بدون وصول الى " القصر " .

ليست " المسخ " وحدها من بين كتابات كافكا تبقى هكذا بعيدا عن متناول الآخرين الذين يعتاشون على ما يصادفونه، لكنها تتجلى بأغلب اعماله ولا اريد الجزم بكلها، فهذه " القضية " و" القصر " وقصص قصيرة كثيرة مثل " المسافر " و" حكاية صغيرة " شواهد واضحة . إن الروايات او القصص القصيرة التي تقع بين ايدينا عظيمة وليست سهلة ابدا، لنأخذ " آنا كارنينا " هذه الرواية الخالدة ستعيش طويلا، لقد جسدها تولستوي افضل ما يمكن حتى اذا اردنا أن نحذف فقرة منها سيبدو الثلم واضحا، وهذه الدقة لا تخرج الا من رسام تفيض يديه بالدقة والجمال مثل تولستوي، لكن الفكرة نفسها موجودة في حقل الحياة، واي فلاح يستطيع جنيها، ستبقى دقة العمل، دقة اللوحة مرهونة باصابع وروح الرسام . لكن " المسخ " ستبقى مكانا لا يخترقه العابرون، يدخلونه لكنهم لا يتواجدون فيه، يبقون خارجه، إنها منطقة لا تدخلها لمجرد إنك تخطو فيها، وحتى كافكا او اقرانه من الغرباء او ما يحلو لي تسميتهم " الكارثيين " ؛ سيبقون ضيوفا على هذه المواضيع التي تبدو فوتوغرافية، حيث تصطاد الطريدة التي امامها، تقتنص المشهد، وهذا ليس ثلما او عيبا، لكنه عاديا، لذلك نرى كيف تغدو وجوههم واجمة تعيسة حين نذكر اسم كافكا او جليل القيسي، وهؤلاء على سبيل المثال لا الحصر .

أود التعريج على والدنا جليل القيسي . قصة جليل القيسي منفردة وتلعب في ساحتها الخاصة لوحدها بعيدا عن التاثيرات الخارجية، فهو وإن كان داخل " مملكة الانعكاسات الضوئية " فإن هذه الاضواء مفلترة وتدخل صافية لتغفو بين اصابعه الفريدة . وهكذا مع آخرين تفردت قصصهم حتى وان وقع هؤلاء بالتقريرية لكنهم انتجوا قصصا تبقى متعذرة عن الاخرين، عن فوتغرافية القصص السائدة، ومثال على هذا مجموعة جمعة اللامي " اليشن "، وبعض القصص لاخرين هنا وهناك . يبقى جليل القيسي يصول ويجول في القصة القصيرة العراقية، يلعب بمفرده في ساحته وكلنا نحل ضيوفا عليه، ننجح مرة ونخفق مرات، فليس الجميع لديهم تلك النظرة التي تتفرس بالحياة كسكينة تخترق عظامها وتنخرها وترفضها تماما، بل ان الاغلب يرسمون واقعهم ويلتقطون له الصور شديدة الوضوح والجمال ويحركون بعض الاشياء فيه ليبدون اكثر حرفية وموهبة، وينمقون ادواتهم ويعمقونها، لكنهم لن يكتبوا كمطرودين من هذه الحياة الى الابد مثل جليلنا الفريد . ورغم اننا قد نذهب مع جليل القيسي الى اماكن واقعية قد يصادفها اي شخص لكننا نرافقه بخطواته التي تحل كضيف خفيف ولا تنتمي الى هذه الامكنة التي تدخلها، بل تكون زائرة . بل إننا نبحر معه في " جروشنكا " و" صورة نادرة لفرانتس كافكا " داخل عوالم لا يعرفونها الكتاب البقية .

ستبقى ملامح الكتاب، وحتى ملامح قصصهم الفوتغرافية، ستبقى واجمة وحتى مرعوبة، رغم ابداعاتهم، لكنهم يعرفون الفرق او يشعرون به على اقل تقدير، عندما يسمعون اسم كافكا وجليل القيسي وغيرهم

 

حيدر سالم

 

 

عدنان حسين احمدصدرت عن دار آشور بانيـﭘال ببغداد رواية "حدود مُتداخلة" للروائي العراقي أحمد السّامريّ، وهي الرواية الأولى في رصيده السرديّ، فقد عرفناه مُخرجًا سينمائيًا من خلال فيلمه القصير "البعثة" عام 2013، وأستاذًا جامعيًا في كلية الصيدلة بجامعة بغداد. ويبدو أنه قد وجد ضالته في الرواية وسوف يكرِّس لها القسم الأكبر من حياته.

يمكن تصنيف هذا العمل الأدبي بالرواية الـﭘوليسية التي تعتمد على رجل من رجال الشرطة أو التحرّي الذي يقوم باكتشاف الجريمة، وطرق تنفيذها، والدوافع المُحرِّضة على ارتكابها. ولو تأملنا في شخصية "عادل"، ضابط الشرطة لوجدناه العنصر الأساسي في هذه الرواية السوداء Le roman noir التي يتتبّع فيها "سامي"، ويُحلِّل فيها نوازعه الإجرامية.

لم تحضر الحروب العراقية المتعددة في هذه الرواية لكنها تشكِّل خلفية واضحة لها، ويمكن تلمّس تأثيراتها على مجمل الشخصيات التي يرتكز عليها هذا العمل الروائي المحبوك بعناية فائقة.

تبدو الرواية أُسَرية وبالكاد تخرج عن إطار الأهل والأقرباء فثمة عوائل ثلاث لا غير إذا اعتبرنا عائلة الحاج عبد السلام أكثر من أسرة واحدة فهي تتألف أصلاً من عائلتين صغيرتين وهما عائلة الابن الأكبر وسام، وزوجته رغد، وابنهما سامي، وعائلة الابن الأصغر كامل، وزوجته كوثر، وابنتهما زينة. وفي دائرة الأقرباء هناك ضابط الشرطة عادل، خال سامي، وزوجته سحر التي أنجبت ابنها "مُنتظر" لكنه فارق الحياة على عجل لأن الدمّ لا يصل إلى دماغه.

تنفتح الرواية على شخصية الأب الصيدلاني عبد السلام الذي يُحب ابنه وسام ويفضِّله كثيرًا على كامل الذي يأخذ مصروفه اليومي من أخيه وزوجته الموظّفة في وزارة التربية، فلاغرابة أن تكون علاقة الأب بابنه كامل متوترة دائمًا ولا تخلو من انتقادات لاذعة في كثير من الأحيان. لا يتأخر الروائي أحمد السّامريّ كثيرًا قبل أن يزجّ القارئ في اللحظة الحاسمة أو الانعطافة الأولى للحدث الروائي. فما إن تتعطل سيارة الوالد ليلاً في مكان بعيد عن المنزل حتى يتصل بابنه كامل طالبًا منه الذهاب إلى بيت "أبو صلاح"، صاحب الرافعة، وبما أنه كان على موعد سابق مع مالك العمارة لكي يستأجر منه محلاً فقد كلّف شقيقه وسام للذهاب إلى بيت "أبو صلاح" بدلاً عنه. وهناك حصل ما لا يُحمد عُقباه، إذ دهمه لص وحزّ عُنُقه بشفرة حلاقة حينما رفض الأخير تسليمه مفتاح السيّارة. لم تأخذ الجريمة وقتًا طويلاً لتتكشّف، فسيارة وسام المسروقة استوقفها ضابط مرور شكّك في عائديتها لنعرف بعد وقت قصير أن القاتل هو مؤيد حازم مُضر، وأنه لم يتعمّد قتله لكن الضحية قاومه فطعنه بالسكين وحزّ رقبته بشفرة حلاقة أخرجها من تحت لسانه. وقد حُكم عليه في خاتمة المطاف بالسجن لمدة عشرين عامًا.

افتتح كامل مطعم "ليالي المدينة" ودعا إليه أفراد العائلة برمتها مما أثار شكوك الوالد وزوجة أخيه رغد وحينما حاصروه في زاوية ضيّقة اعترف بأنه أخذ نقود شقيقه الراحل ولكنه كان يفكر بإرجاعها حينما تتحسن ظروفه المادية.

إذا كان هذا هو حال الجيل الأول كما وصفه الكاتب في النصف الأول من الرواية، فما بالك بالجيل الثاني الذي تربّى في كنف الآباء والأجداد وخاصة سامي وزينة؟ فالأول فقدَ أباه غيلة، والثانية كانت تُعنَّف من قِبل والدها الذي فشل في كسب الزرق الحلال، وأخفق في إقامة علاقة زوجية متوازنة مع كوثر التي تحملته طويلاً، ولعلها مُصابة بمتلازمة ستوكهولم التي تتمثل بالتعاطف مع الجاني والتناغم مع أفكاره على الرغم مما تنطوي عليه من إساءة وعدوانية.

يتهدّد كامل من طرف مجهول فيما يترك الحاج عبد السلام قبل وفاته كل ما يملك من إرث لرغد التي تفكر بالرحيل إلى كندا كي تبدأ هناك حياة جديدة لكنها لم تكن تعرف أنّ ابنها الوحيد سامي قد انتقم لأبيه من القاتل وذبحه بسكّينة عمّه في زقاق مظلم. ولعل أغرب ما في هذه الرواية "السوداء" أنّ سامي تشبث بالفكرة التي طرحتها "زينة" عليه بعد بضعة لقاءات بأنها تتمنى أن تتخلص من والدها الذي لا يتورع عن ضربها وإهانتها في مناسبات كثيرة. وحينما تجد نفسها شريكة في جريمة قتل الوالد بيد ابن عمها سامي ترتبك أمام السائق قيس الذي ينقلها إلى المدرسة يوميًا، ثم تنهار كليًا في وقت لاحق حينما تتذكر الطريقة البشعة التي ذبح فيها أباها أمام عينيها: "شدّ رأسه من جبينه، ومرّر سكّينا صغيرًا على عُنُقه" وقبل أن يفكر بالهرب كان خاله عادل، ضابط الشرطة، قد أمسك بكل الخيوط التي تُفضي إلى الجريمتين الفظيعتين اللتين ارتكبهما ابن أخته سامي، الطالب الجامعي الذي يدرس بقسم الحاسبات في كلية العلوم.

تنتظم الرواية تحت ثيمات متعددة من بينها سرقة مال الأخ الميت حينما خاطبته رغد بالمحكية العراقية قائلة: أنتَ "أكلت من لحمه وهو ميت، تدري من يسوّي هيج؟ بس الحشرات". قد تبدو هذه الرواية دراما اجتماعية وهي كذلك فعلاً لكنها تخبّئ تحت أنساقها الاجتماعية كل المشاكل النفسية التي خلّفتها الحروب، والأنظمة المُستبِدة، ومختلف أشكال القمع الأسري، غير أن فساد القضاء يمثل انهيارًا صريحًا لمنظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية، فحينما يُحكَم على القاتل مؤيد حازم مضر بالسجن لمدة عشرين عامًا وهو يستحق الإعدام شنقًا حتى الموت على وفق قانون العقوبات البغدادي تقول رغد متسائلة:"بس شنو نترجّى من هيج بلد إذا حتى قاضي مستقل ما عدنا؟". وسوف يُخلى سبيله نهائيًا مع آلاف السجناء قبل بدء 2003، وهو العام الذي سقط فيه النظام الدكتاتوري السابق، وتمّ احتلال العراق من قِبل القوات الأنكَلو- أميركية.

تكتظ رواية الجريمة بمَشاهد القتل والعنف والسرقة، وإذا ما نحّينا شخصية القاتل مؤيد جانبًا الذي ادعى بأنه قتل لأسباب مادية فإن سامي لم يكن يفكر بالمادة أصلاً فقد ورث كل ما يملك جده من أموال وعقارات لكنه تصرّف كقاتلٍ متمرِّس الأمر الذي يستدعي دراسة هذه الشخصية الشابة التي لم تتخوّف من حزّ رقبة أي إنسان حتى وإن كان عمّه. كما أبدى، هو نفسه، سلوكًا عنيفًا تجاه صديقه الجامعي إبراهيم وهدده بتحطيم رأسه بحجر، وفي السياق ذاته ضرب كامل شخصًا آخر على يده بمطرقة حديدية وربما يلجأ الضحية إلى الفصل العشائري الذي شاع في السنوات الأخيرة مع ضعف الدولة وغياب القانون. المداهمات كانت حاضرة، والتهجير القسري أوشك أن يقع لولا قتل العم كامل الذي كان يهدده شخص مجهول.

لابد من الإقرار بأن رواية "حدود متداخلة" تتوفر على ثيمة جيدة ترصد استشراء العنف في المجتمع العراقي، وحبكة قوية تلائم الرواية الـﭘوليسية، إضافة إلى الشخصيات المُركبّة التي تكشّفت لنا على مدار الرواية. وربما يكون السؤال الوحيد الذي يجب أن نثيره هنا: لماذا تتحدث كل الشخصيات باستثناء الراوي بالمحكية العراقية علمًا بأن غالبيتها متعلمة وتستطيع أن تتحدث بلغة وسطى بين الفصحى والعامية كي تكون هذه الرواية مقروءة في العالم العربي برمته وليس العراق حصرًا، لأنها رواية جديرة بالقراءة لا يجد كاتبها حرجًا في الإعلان عن نوعها الأدبي المشوِّق

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

عدنان الظاهرأربعة + واحدة = خمسة

(كرنفال الأحزان / إحدى قصص كتاب الهروب إلى آخر الدنيا للدكتورة سناء كامل شعلان . منشورات نادي الجسرة في قطر 2006).

وشهد شاهدٌ من أهلها فقال: سناء تبحث عن جسدها سُدىً . يضيع منها فلا تلقاه . هل لها أكثر من جسد؟ هي تتوهم ذلك فما أساس هذا الوهم؟ هل لها جسدٌ بشريٌّ من لحم وعصب وعظم مثل باقي البشر وأخر تتصوره مجسَّداً ربما من لا مادة أو من مادة غير معروفة في الطبيعة بعدُ . من مادة أو معدن متوفر في كوكب آخر . ما الجسد في نظر سناء؟ أهو الجسدُ الرمزُ، الرمز التأريخي ... الرمز الأسطوري أم الرمز الذي ورد ذكره في سورة طه إذ صنع السامري ُّ (أو هرون أخو موسى كما في التوراة) عجلاً {جسداً} له خوار؟ [فأخرجَ لهم عجلاً جسدا ً له خوارٌ فقالوا هذا إلهكم وإلهُ موسى فنسيّ / الآية 88] . ما معنى العجل الجسد؟ جسّدَ يُجسِّدُ تجسيداً ... أي تصويراً أو تشكيلاً مجسداً ذا ثلاثة أبعاد . صنع السامريُّ تمثالاً أو صنماً مسبوكاً من ذهب مصهور تماماً كما ينحت ُ الفنان تمثالاً من حجر صلد أو من خشب أو حديد وسواه من المعادن . إنها عملية تجسيد أي تكييف المادة بحيث تخرج منها هيئة تشابه جسداً معروفاً كالإنسان أو الحيوان أو الطير. محاكاة بثلاثة أبعاد فضائية وليس كالرسم ببعدين على الورق. واصل الشاهدُ من أهلها حديثه، حديث الجسد، جسد سناء أو أجساد سناء فقال: أحسبُ أنها تتوق علناً وسراً لعالم آخر غير عالمنا فقد برمت سناء بعالمنا فضاق بها . زهدت فيه بل واشمأزّت مما فيه فطاب لها التجوال في عوالم آُخرَ لا تمتُّ لعالمنا بصلة [قصة مدينة الأحلام / كتاب أرض الحكايا . منشورات نادي الجسرة، قطر 2007] . إنفصلت سناء عنه وعنا وراحت تقضي زمانها في (يوتوبيا) من تصميمها أرضاً وبشراً وسماءً . من يجرؤ ـ تساءل الرجل من أهلها ـ على إقتحام عالمها هذا الذي له قدسية خاصة في فكر وقلب سناء لا تضاهيها أية قدسية تعارف البشر عليها منذ حواء وآدم . سألها أبو الطيب المتنبي وكان ثاني مَن حضر: هل أنتِ متزوجة يا سناء أو كنتِ يوماً متزوجة؟ لم تجبه ُ . أعرضت عنه وعن سؤاله لكنها لم تعترض ولم تمتعض . إكتفت بالإشارة برأسها المبرقع بشال حريري وردي ناحية أبي العلاء المعرّي فالتقط المتنبي الإشارة وفهم مغزى سناء !! سألها هل كتبت يوماً شعراً؟ قالت أجل، قرأت شيئاً يسيراً من شعرها فواصل المتنبي هزَّ رأسه متعجباً مما يسمع . أنشدت سناء بصوت أسمهان الدرزية ولهجة فيروز المارونية اللبنانية:

أريدُ أنْ أركبَ معك

ولو لمرةٍ واحدة

قطاراً ينسى أرصفته وقضبانه وأسماءَ مسافريهِ

أُريدُ أنْ تلبسَ

ولو لمرة ٍ واحدةٍ

معطفَ المطر

وتقابلني في محطة الجنون .

تمايل الحضورُ حتى سكروا .

ما سبب حزنك يا بنيتي الجميلة سناء؟ سألها أبو العلاء المعرّي فأجابت على الفور: محبساك أولاً منعاني ثم َّ عزوفك أنت عن الزواج قد ألهمني عزوفي عنه وزهدي فيه فأنتَ المعلم الرائد وأنت الكبير . إحتج َّ المتنبي بعنف قائلاً: يا سناء، لا من مجال للمقارنة بينك وبين أبي العلاء . شيخنا هذا ضرير يتيم نكبه زمانه بعلتي اليتم والعمى فما الذي يشبهك فيه؟ هل لديك في بيتك مرآة تُريك روعة سحر وجهك لا سيما شفتيك القرمزيتين وعينيك اللتين وصفهما أحد معارفك يوماً بعيني عقيق أخضر؟هل رأيتِ يا سناء الزمرّد الأخضر الصافي؟ إعترض المعري فقال: يا ابا مُحسّد ! قلْ زبرجد ولا تقلْ زمرّد . لقد كتبته في كتابي (رسالة الغفران) زبرجد لأننا لا نعرف هذا الزمرد في بلاد الشام . جاء صوتُ الفنان محمد بوكرش جهورياً ملعلعاً من أقاصي جنوب الجزائر وفي كفه حفنة ٌ من تمر دقلة نور: أهل العراق يسمونه زمرّد ولا يقولون زبرجد . سكت المسكين المسالم ابو العلاء ولم يكابر ولم يجادل وشعاره {إدفعْ بالتي هي أحسنُ}.

إنتبهتُ ... كنتُ نائماً أو كالنائم . تساءلتُ أين أنا من أنا أين كنتُ؟ مَن هؤلاء القوم من أتى بهم إلى بيتي كيف عرفوا عنواني كيف دخلوه بدون إذن ٍ مني وهل كان الباب مفتوحاً على مصراعيه أم كان الباب موارباً؟ هل إخترقوا كالأشباح والموتى جدران بيتي؟ عجيب ! أتساءل ولا من مُجيب . لا مَن يهتم بسؤالي لا من يسأل عني فمن أنا وما قيمة أن يكونَ البيتُ بيتي؟ أهؤلاء صحابي وهل كانوا يوماً من صحبتي وصحابي؟ الأجوبة جميعها لدى الفنان محمد بوكرش عاشق التمر واللون والحجر . كان يزورني أحياناً لكنه حين يغادر بيتي يترك كرشه الكبير جالساً على أحد الكراسي وحيداً لا يقرأ ولا يأكل ولا يدخن . أهملني الجميعُ وهم كالضيوف غير المدعوين في بيتي . أما يحق لي أنْ أسأل أو أستوضح أو أستفهم أو أعترض؟ أليس في فمي لسانٌ ومزمارٌ وشفتان وهداني ربي النجدين؟ عم َّ أسأل؟ قهقه َ المتنبي الذي قرأ أفكاري في رأسي الغائب عني وعن الجميع . قال سل ْ يا رجل.. سلْ ولا تخفْ فنحنُ أصدقاؤك وإنْ كنا ضيوفك الثقلاء . سلْ ولا تتهيبْ الموقف . هل أسأل؟؟ هل أتجاسر وبمن أبدأ سؤالي؟ أدرتُ رأسيَ ونظري بين الحضور فتعلق بها ... بها هي دون سواها . سحرتني عيناها بما تراكم فيهما من معادن مناجم العقيق الزمرّد والزبرجد وسحرني حد َّ الخَبال سرابُ مرايا ماس أسنانها وقرمز الحزن في شفتيها فهل فيهما عَلَق ٌ يترشف دم عشاقها المهووسين بحبها والهائمين على وجوههم في طُرقات البحث عنها في المدائن والعواصم؟ ما حكمُ الذي تصرعه العيون في دين الإسلام؟ أموته شهادة أم جنون وتهور ونقص عقل وعقوبته نار جهنمَ وبئس المصير؟؟ لم يطلْ بي تجوالي بين المدائن والعواصم فلقد عقدتُ عزمي أنْ أغادرَ المكانَ الذي أذلني وأضاع قدري . أنْ أبحثَ عن مكان لي بين المجرّات خلاصاً من تأثير سحر عقيق العيون وزمرَّدها المسحور بألف تميمة والذي يتقد فيه السناءُ ويتوهج ُ فيشتعلُ حتى كمال نضوب النار . إنسحبتُ من داري فكيف أمضى الضيوفُ الأربعةُ الباقون وقتهم أثناء غيابي؟

المتنبي:ـ

تغرَّب َ لا مستعظِماً غيرَ نفسهِ

ولا قابلاً إلا لخالقهِ حُكما

ـ المعرّي:

في اللاذقيةِ ضجّة ٌ ما بين أحمدَ والمسيحْ

هذا بناقوس ٍ يدق ُّ وذا بمئذنة ٍ يصيحْ

كل ٌّ يعززُ دينه يا ليتَ شعري ما الصحيحْ؟

محمد بوكرش:

ينحت نخلة تمر دقلة نور في واحة قريبة من مدينة تيزي وزّو الجزائرية .

سناء كامل شعلان:

كانت منهمكة ... تنفق مداخيلها على ملابسها والصور الجميلة ولا تتخلى عن محاولات البحث عن جسد ثالث يمثل حالة المادة الرابعة أو البعد الرابع بعد أن نجحت في تصنيع الجسد الثاني: فينوس آلهة الفتنة والسحر والجمال وربّة العقيق والياسمين والأرجوان .

غادر الضيوف منزلي فوقفتُ في حجرة الإستقبال وحيداً مشدوهاً مشتت الفكر مردداً قول فارس العرب الزنجي عنترةَ بن شدّاد العبسي (هل غادر الشعراءُ من مُترَدمِ ...): هنا جلس المتنبي وهذا مقعد المعري . هنا ظلَّ بوكرش واقفاً ينحتُ بأصابعه العارية في جذع نخلته ويجبلُ من شعر لحيته الأحمر ليفاً لها مَسَداً . أدرتُ رأسي متسائلاً أين سناء؟ أين كان مجلسها؟ أجابني جسدها الثالث الذي لم تجده بعدُ: ما كانت سناء خامستكم . ما كانت معكم أبداً وسوف لن تكون . إنها جد َّ منشغلة تساعد صديقاً عزيزاً عليها حلَّ في العاصمة فاستنزف َ جُلَّ وقتها . كانت هناك ولم تكن معكم .

هل أنا في حُلم؟ أجاب ضيوفي جميعاً وبصوت ٍ واحد: أجلْ يا نائم ... كنتَ في حُلم فمتى تصحو، متى الصحوة يا رجل؟ .

 

عدنان الظاهر

.....................

ملاحظة: للدكتورة سناء كامل قصة مستقلة بعنوان (الجسد) وهي إحدى قصص كتاب قافلة العطش / منشورات مؤسسة الورّاق للنشر والتوزيع / عمان 2006 .

 

123 الحفيدة الامريكيةالحفيدة الامريكية رواية للكاتبة انعام كجه جي، الصادرة عن الدار الجديد في طبعتها الرابعة لعام 2016. تقدم هذه الرواية صورة عن محنة الإنسان بين وطنين، وتطرح فكرة الانتماء والهويّة، وكيف يمكن للإنسان المنزوع من وطنه مجبرًا أن ينتمي لأرض أخرى، فتكون له وطنًا جديدًا يمنحه كل الولاء ويشعر معه بالانتماء. وهذا من خلال لغة بسيطة قريبة للنفس مفهومة وسرد لا تعقيد فيه. تدور أحداث الرواية حول (زينة) الحفيدة التي يُشار لها في غلاف الرواية في العنوان والصورة. زينة هي الشخصية الرئيسة في العمل وتأخذ على عاتقها دور الراوي العليم، إذ تقوم شخصيتها المركبة بتقديم السرد بالتناوب هي وذاتها، الى أن تتسلم زينة دفة الحديث في الأخير بشكل كامل. شخصية زينة تقدم لنا صراع الانسان مع نفسه، فالذات الداخلية هنا هي الروائية الكاتبة التي لم تتقبل فكرة انتماء زينة لوطن اخر مثل أمريكا، تكنّ له كل الولاء لدرجة الانتماء لصفوف جيشه المحتل لوطنها الأصلي العراق، وتأتي لتكون مترجمة في وطنها الأم وهذا ما توافق مع جدتها رحمة وأفكارها. فتكون ذات زينة هي الشخصية الرافضة المتمسكة بالوطن الام، وزينة تمثل صورة الإنسان المتقبل لفكرة الانتماء لوطن آخر والدفاع عنه. تطرح الرواية صورة لاختلاف الأجيال المتمثل بشخصية زينة التي قدمت صورة الحاضر والمستقبل وجدتها (رحمة) التي قدمت صورة الماضي الجميل الذي كان بمثابة الايقونة الحاملة للوطن الأم بداخلها والتي حاولت الجدة أن تعيد حفيدتها اليه. زينة الطفلة التي تغادر مع عائلتها بعد أن يتعرض والدها للاعتقال والتعذيب، فتجد العائلة في امريكا وطنًا جديدًا، لم تستطع الام (بتول) أن تتأقلم معه، ولا الجدة (رحمة) من الذهاب إليه فبقيت في العراق لوحدها. قدمت الرواية صورة للاختلاف الذي حل بالبلاد وكيف أصبح ساحة للموت بعد أحداث الاحتلال، كما ومثلت شخصية والد زينة صورة عما كان موجود من خراب واضطهاد في العهد السابق. قدمت شخصية الجدة رحمة صورة الانتماء الحقيقي للوطن والمحبة للماضي الجميل الذي بقي في داخلها حتى مع تقدم الزمن، بينما أوضحت شخصية زينة أن الوطن ليس هو ما مكتوب على الورق، بل الوطن هو الشعور بالأمان والراحة لهذه الأرض أو المكان وإحساس الانسان بالانتماء لهذه البقة من الأرض دون غيرها. تلتحق زينة بصفوف الجيش الامريكي لتعمل كمترجمة لديهم في العراق، إذ وجدت في هذا فرصة للحصول على المال الذي تحتاجه هي وعائلتها، تأتي الى العراق محملة بصورة من الطفولة، فتجد كل شيء مختلف، تلتزم بكل ما تمليه عليها بدلتها العسكرية وشعورها بالانتماء لامريكا. تعيش صراعها الداخلي وحبها المدفون في ذاتها للعراق، التي لطالما حاولت قمعه وعدم الاعتراف به الى أن التقت بجدتها التي اعادتها للماضي محاولة السيطرة عليها، الجدة التي رفضت كل شكل من اشكال الاحتلال ولم تتقبل فكرة انتماء حفيدتها لجيشه، ومن ثم لقاءها وحبها لاخيها في الرضاعة مهيمن ابن طاووس المرأة التي كانت تخدم جدتها وتعينها على وحدتها، ورغم انها تدرك من أول لقاء لها مع جدتها في عراق ما بعد الاحتلال، أن أولاد طاووس اخوتها في الرضاعة، الا أنها أحبت (مهيمن) متناسية كل ما لهُ صلة بالأخوة والدين. مهيمن المنتمي لفصيل مقاومة لجيش الاحتلال، ليشكل مع زينة طرفا نقيض جمع بينهم الحب. فكرة محبتها لمهيمن رغم انها تدرك انه أخوها، تبين لنا شدة تأثرها وانتماءها لوطنها الجديد الذي لا يعترف بمثل هذه الاشياء، وقد تكون صورة مهيمن صورة البلد (العراق) الذي عرفته في مرحلة الطفولة، وغابت عنه، فكان حبها له هو حبها لوطنها الذي لم تعرفه إلا في مرحلة طفولتها وعادت اليه الآن. للمكان في الرواية أثر كبير توزع على دول مثلت مراحل مهمة من حياة زينة، العراق الذي مثل مرحلة الطفولة الجميلة التي تحولت ألفتها الى خوف وألم بأعتقال والدها، والذي بقي ثيمة عالقة في روحها. أمريكا التي وجدت فيها وطن احتضنها ووفر لها الامان والحياة الجيدة. العراق من جديد الوطن المكسو بثوب الغربة وعدم الانتماء. الأردن التي كانت مكانًا أليفا شهد معرفتها بمهيمن وحبها له، ومن ثم امريكا التي تحولت الفتها الى شتات عانت منه روح زينة بعد أن احست بوطنها الأم وغادرته محملة بشجن كبير. في الرواية اشارات للوحدة وعدم التفرقة بين أطياف الشعب العراقي، لكل الظروف الصعبة التي عاشها البلد والناس، قدمت الكاتبة من خلال زينة الامال التي كانت مرسومة والوعود بالحرية والحياة الأفضل التي حملها الاحتلال يلوح بها عند دخوله البلاد، ومقابلها زيف كل شيء جاء به المحتل . تنتهي الرواية بعبارة (شلت يميني إذا نسيتك يا بغداد)، لتشير الى التغيير الذي حصل في شخصية زينة بعد أن انتهى عقدها كمترجمة وعادت لأمريكا محملة بحب وشجن للوطن والاشخاص، كما وتوضح لنا ان زينة عادت محملة بنصفين، مشتتة روحها بين وطنين العراق وأمريكا، وان لكل منهما مكانة عندها ومكانًا في قلبها وذاكرتها. وثمة اشارة في كلمة اليمين، فهي تشير لليد، وليس للقلب، وهذا دليل غير مباشر على عدم قدرتها للتخلص من الوطن الثاني الذي عاشت فيه وشعرت بالانتماء لأرضه .

 

هـــديــــل حــــسام

 

 

جمعة عبد اللهتجربة الشاعر، غنية في الابداع، والتألق الشعري، في الظاهرة الاسلوبية الجديدة في تعاطي الشعر ومنصات ابداعاته، فله ميزة منفردة على خارطة الشعر العراقي، في منجزه الشعري، بأن يتعاطى جماليات رمزية في مدلولها الايحائي المبتكر في الخلق ، في رؤى الترميز الشمولي للاشجار، في فضاءه ورؤيته الفلسفية، لذلك يطلق عليه، شاعر الاشجار دون غيره من الشعراء . ان تداعيات الترميز الشمولي للاشجار، في آفاقه الواسعة، يحتضن في طياته ومكنوناته من، الوطن . الحبيبة . الانسان، على خلفيات الارث الحضاري، والموروث الشعبي، وما تحمل من هموم وهواجس واحزان، للانسان الداخل والخارج . لذلك الشاعر يفتح مفاتيح آفاقه الشعرية، بالرؤى والرؤية الفلسفية للاشجار، يتخذها ركيزة للانطلاق الواسع، للحياة والواقع، ويطرح اسئلته في لاهاث، تبحث عن مأوى يشق خيوط العتمة والضبابية . فهو يتعامل بلغة الاشجار ومفرداتها . في سماء العراق . في شفاه الفقراء . في لوعة المغترب والغربة الثقيلة . في الجنوح الى العنف الدموي، الذي يهلك الحرث والنسل . في هموم العراقي وتطلعاته عامة، في الحلم والامل، في خروج العراق من عنق الزجاجة . اي اننا امام جغرافية وتضاريس واسعة لرمزية الاشجار، وبكل بساطة يمسك جمرة النص الشعري، ويرميها في الذات العامة او الجمع العام ، اي انه بكل اقتدار يخرج من اسوار الذات، الى الاسوار العامة وجنوحها العام . ليخرج المضامين الدالة في مدلولاتها التعبيرية . انه يلهث وراء الظواهر العامة، المكشوفة وغير المكشوفة، ليحاجج بها، بقوة الايحاء، ومنطق الحجة البليغة . انه يبتكر الصور التصويرية، بدهشة ابداعية، في معانيها العميقة، في تسمية الاشياء بأسماءها . لينطلق من خيمة الوطن (الاشجار)، في احاسيس مرهفة، بما يفرزه الواقع الفعلي . لذلك نجد رمزية الاشجار، تملك واقعية بين ثيمات الواقع . تملك الخصبة في الدلالة . فالاشجار هي الوطن، بالمحتوى والمضمون الرؤيا، في عمق تفاعلها، وتجليات تداعياتها . لذلك يمكن ان نقول ان منجز شاعر الاشجار (سعد ياسين يوسف) ظاهرة شعرية جديدة بكل معنى الكلمة، في رؤيته الفلسفية للاشجار، التي تمثل جمال الابداع في عنفوان، قوة التآلف في مكونات القصيدة، في قوة الصياغة، التي تحمل صور في الايحاء والدلالة والرمزية، يهدر بشغاف أبجديته الشعرية بكل تدفق متناسق في عفويته ملهمة، لكي يرسم لوحات تعبر عن وهموم الوطن، وهموم الانسان عامة، يتلوها في صيغة تراتيل نغمية صادحة الايقاع، تحرك الذهن بالمشاركة الفعلية، بالتأثير المحفزوالمؤثر، كأنه يغسل جراح العراق النازفة، يدعو الطيور المهاجرة أن لا تترك اعشاشها لاهثة في الفراغ، ان يكون الحبل السري، القاسم المشترك، في الثبات والتحدي . ليكون الوطن اقوى واكبر من كل الاشياء. فهو منبع الحنين والشوق والاشتياق، وهذا ما جسدته قصائد الديوان (اشجار لاهثة في العراء) . بجلاء ووضوح، في الرؤى والرؤيا . لنفتح كتاب التراتيل . ونتلمس بعض قيمتها الغنية . وما تكتنز من حقول ابداعية وتعبيرية متمكنة .

1 - ترتيلة الدم البريء: حينما تكون الاشجار عارية، اما الغزو التتار الجدد، المدججين بثوب بالوحشية والحقد الاعمى . فتتساقط اوراق اغصان الشجرة (العراق) في سموم الهمجية الجديدة، وتتساقط الاوراق الخضراء وبراعمها اليانعة، على سلم الفجيعة السوداء . وتتقافز اشباح الظلام، تبحث عن طرائدها البريئة. حتى تغتال ابتسامة الاطفال، وتحول الاعياد الى مآتم للاحزان . كما فعل المجرمون القتلة، في منطقة (الكرادة) في بغداد. في الحادث الاجرامي، بينما كان عامة الناس . يتبضعون، استعداداً لعيد الفطر المبارك عام 2016، وراح ضحية العمل الاجرامي اكثر من (1500) شهيد وجريح . معظمهم، من النساء والاطفال والشباب .

غنجُ المساءاتِ

موسيقى ...

توقفت على سلم الفجيعة ِ

خطوات راقصةً

99 سعد ياسين يوسفعلى رصيفِ صعد الى السماء

فوق نافورة من دمٍ

توضأ بالبراءةِ

فالموت بجناحيه المهولين

تسحرَ (بالكرادة)

وافطرَ جثثاً متفحمة،

صرخة فقدٍ

تهزُ سماء اللوعةِ

عيوناً من صبار

ترتلُ بثياب سوداء

ترتيلة عيدٍ وئيدٍ

2 - احتجاج الشجرة عند الرب

حينما يسود العنف الاسود، ويحجب الشمس، فتتقافز خفافيش الظلام والظلامية، فتمطر السماء ضحايا وقمصان الدماء . ويصبح الموت يتجول بكل شهيته النهمة، فينهش بحرائقه، الاطفال الابرياء، الذين فقدوا رونقة العيد، فقد اصبحوا فحم ودخان، وثكلت امهاتهم، بفلذات اكبادهن . فما موقف الرب من هذه الجرائم الوحشية، في حق عباده الابرياء، ما يكون موقفه . حين يأتون اليه اطفال بلا عيون . حاملين هداياهم من الوحوش الادمية، اين غضب الله . من هذه المشاهد المرعبة، من جحافل الموت وسفك الدماء من المغول الجدد . من هذا الحقد الوحشي الذي يطال الاطفال الابرياء، براعم تتفحم في حرائق وتتساقط كاوراق الغصون الخضراء . لقد قامت قيامتهم الوحشية يارب العالمين .

عفوكَ ربي

قامت قيامتهم

سيأتونك عند سدرة المنتهى

ولكن كما رسمتهم النيران

لا كما خلقتهم في أحسن تقويمٍ

حاملين هداياهم

اطفالاً بلا عيون

تشرق شمس الكركراتِ

من محاجرهم

يحملون ملابس بيضاء

بلون الفرح القتيل

لم تلبس بعد، ودمى مبتسمةً

بعضهم مازالوا متعانقين

3 - ترتيلة المشرد

فجيعة الطيور التي غادرت اعشاشها، قهراً وعنوةً . وتركت احلامها وراءها تئن بوجع مؤلم ، وهي تلوح من نافذة الروح للوطن، الذي تركهم في العراء بلا مأوى . وهي تسير نحو الزمن المجهول، خلف خطوط الزمن، تشق بحار الظلمة، الى الضفة الاخرى، شاخت في عناء المصيبة، وانتصبت عيناها، الشحوب وجفاف الدموع، غارقة في الحزن المتفجر في صمت رهيب، وهي في ريح الوحشية، فتسقط غصنا بعد اخر، بعد غصة في لهاث العراء

قدت من جهات أربع

حتى أستحال الدم نهراً

من رمال سفتها الريح

لا غصن يشير أليك

كل السهام أستنفرت اليباب

غير أنك كلما أندس فيك سهمٌ

نز من عريكَ وردٌ

لتظل هناك على شفا الافول

كبوذي ينثر رماد أسلافه

في احمرار الافق

لغة للغيابِ

وبلا ثياب تنسل من جسدي

والغصون وتساقط

غصناً فوق غصنٍ

فوق غصنٍ

فوق غصة

حتى تقطعت أزرار السماء

4 - ترتيلة الشهيد: يوم هاجت السماء بغضب الله، على صلب الشهيد، غدرأ وعدواناً وحقداً، سفكوا الدم الطاهر على الجسر . لكن صلبه تحول الى عرس لملائكة الله، زفت روحه الطاهر الى الجنة الله، لتفوز بالشهادة والمجد، فهؤلاء القتلة الاوغاد، صلبوا جسده، لكن روحه حلقت في اعالي السماء، مجلجلة بالفوز العظيم، وخسأوا القتلة الاوغاد . . القصيدة مهداة الى روح الشهيد (مصطفى العذاري)، الذي صلبه مجرموا داعش الوحوش، على جسر الفلوجة، بعد أسره

يوم انشقت السماءُ

لتطل وجه الله

وهو يبارك وجهكَ المرفوع نحوه

ما بين ماءٍ وسماءٍ

تنبت الاجنحة التي اشتهيتَ

وتعرج لسماواتها

لتكن هناك

قاب قوسين .... وشكوى

دمك الذي سفكوهُ فراشاتِ

تحط على ركن اللهِ

سيرتل حبل صلبك آيات الغضب

من لفافة رجلك البيضاء المدلاة

في فراغ

.............

يا أيها المصلوبُ

يا أيها المحلقُ

بلا وجوه

هم أصطفوك ليقتلوك ؟؟

لا ....

أنت أصطفت وقوفك هكذا

ولكم انشدت حزناً وحسرةً

ياليتنا .....

5 - ترتيلة الحلم:

الحلم الذي يشع ربيعاً مزدهراً في الحقول، الحلم الذي يغور في الشاطئ الدفئ والامل، الذي يزرع البسمة في الشفاه وعلى جدار القلب، ويمرح في نسيم الفصول، ليغسل الروح بالمطر والموج، الذي تحلق به فراشات لتطير، وتصوغ قلادة للقلب النابض بالحياة، الذي يوشوش، ويداعب هواجس الوجدان، لتخلق منه شمعة الفرح الذي يغسل الاحزان ، التي تغمر الروح بالضياء الاتي،

أستنهضُ الامواج

يصعد في مدك

أكاد ألامس كفكَ الآن

أضمك

أشعل شمعة الفرح

المؤجل

فيغمرني الضوء

أرتفاع الموج

يوقظني

أمد يدي فتعود دامعةً

وبها بعضً حفيف

أجنحة الفراشات

التي غيبها البحر

يداعب راحتي

 

جمعة عبدالله