عبد الجبار نورييوم الخميس 18 أكتوبر فازت رواية "بائع الحليب" للروائية الأيرلندية "آنا بيرينز" ولادة بيلفاست 1962 بجائزة مان بوكر للعام 2018، لتنال الرواية القادمة من أيرلندا الشمالية التكريم الأدبي المرموق عن ثالث عمل روائي طويل لها، وشهدت تلك الرواية منافسات أدباء القارات الخمسة وبالخصوص بين ستة روائيين وأربع سيدات ورجلين كان من بينهم الروائية "ديزي جونسون" 27 سنة وهي أصغر مرشحة في تأريخ (مان بوكر) وجائزة مان بوكر تأسست عام 1969 تختار كل عام أفضل رواية مكتوبة باللغة الأنكليزية ومنشورة في المملكة المتحدة، وتدور الرواية في مدينة مجهولة لا تذكرها بالأسم وحتى شخوص وأبطال الرواية تتركهم بلا أسماء ربما لحساسية الأحداث المرعبة خلال الأحداث الدامية في الحرب الأهلية الطاحنة بين البروتستانت والكاثوليك، وتدور قصة الرواية بين بائع الحليب رجل يكبرها بالسن بكثير في نهاية مرحلة الكهولة وبين فتاة صغيرة السن بعمر 22 عام، وهي قصة أمرأة صغيرة تعيش في مجتمع منقسم تتعرض إلى مضايقات من رجلٍ يكبرها سناً بكثير ومتزوج يستغلها جنسياً، جعلت آنا بيرينز للفصل الأول من الرواية الوصف البشع لبطل الرواية هو كائن غير مسؤول مفرط في الأنانية وحب الذات وجشع ووصولي ومتزوج يستند على قوة المال والجاه والرؤوس الحاكمة والمتنفذه مستفيدا من الأنفلات الأمني والتطاحن المذهبي الديني، ومستغلا الأنقسامات والأضطرابات المجتمعية في أستخدام القوة المتوفرة لديه والتي بحوزته ليلاحقها وهو السبب الحقيقي في السرد المخفي في حيثيات الرواية لكونه حدث مرفوض أجتماعيا ويفتقرإلى الأمان والمقبولية الأخلاقية والتكافؤ في السايكولوجية الرومانسية الروحية في العلاقات السوية في مذهب الحب والغرام، وفي الفصل الأخير تحكي حياة الضحية البائسة وهي تعاني الموت البطيء كل يوم بل كل ساعة تعايش القهروالعنف والأستغلال الجنسي فكانت حصتها الحرمان والكآبة، والرواية ذاعت شهرتها ونفذت طبعاتها الثلاثة حين قال عنها أشهر النقاد الفيلسوف الروائي " كوامي أنتوني رئيس لجنة التحكيم : لم يقرأ أحدٌ منا شيئاً كهذ من قبل، وأن صوت " آنا بيرينز " المميّز تماماً يتحدى الشكل والتفكير التقليديين بنثر مدهش وطاغٍ " وأضاف عند التكريم : أن الرواية التي تمّ أختيارها كانت معجزة في الأسلوب الأبتكاري .

ويعد العنف ضد المرأة واحداً من أكثر القضايا والمشكلات الأجتماعية المثيرة للجدل في وقتنا الحاضر والتي ما زالت تعاني منها مناطق شاسعة من العالم خاصة دول العالم الثالث أي الدول النامية وأسبابها سوسيولوجية أجتماعية تتعلق بالموروثات القبلية القديمة من عادات وتقاليد بالية ووذكورية المجتمعات الاشرقية وحتى بعض الغربية ووجود الصراعات والتناقضات السالبة تحت غطاء الدين، ويعرّف العنف ضد المرأة هو الحرمان التعسفي من الحرية سواء تلك التي تكون في الحياة العامة والخاصة وبالتأكيد يعتبر العنف أنتهاك لحقوق المرأة في فضاءات الأنسنة وتكون أفرازاتها عواقب مدمرة أجتماعيا وسياسيا وثقافيا في مجالات حياتية كالزواج القسري وزواج القاصرات وختان الأناث وجرائم الشرف كلها تدور في سلوكيات قسرية وأجبارية وتداعياتها آثار جسدية ونفسية أنعدام أحترام الذات والقلق وسرعة الأنفعال وفقدان الذاكرة وقلة التركيز والخوف والكآبة ووسواس قهري تقود لأفكار أنتحارية .

ثمة مقاربات خواطر ورؤى في تجليات أحداث (بيلفاست) وقرية (كوجو) في سنجار العراقية

-أن قصة رواية بائع الحليب حقيقية حدثت على أرض الواقع لذا أماطت اللثام عن أسماء شخوص الرواية وحتى المكان مجهولا ربما لأسباب أمنية وأجتماعية، وما حدث في قرية (كوجو) العراقية في سنجار للطائفة الأيزيدية وبالخصوص على فتاتهم " ناديا مراد " مواليد 1993التي أسرت من قبل مقاتلي داعش الأرهابي في شهر آب 2014 وهي قصة حقيقية شهودها الضمير العالمي .

- تدور أحداث رواية آنا بيرينز خلال سنوات الجمر والشحن الطائفي بين المذهبين البروتستانتي والكاثوليكي في أيرلندا الشمالية، وكذا في عموم العراق وبالذات في المناطق المحتلة من قبل داعش حيث الشحن الطائفي والأثني بين الشيعة والسنة وبين الأكراد والعرب وبتحوّل الأحداث إلى حرب أقتتال طائفي وصلت قمتها سنة 2006 و2014 .

- وفي الروايتين بائع الحليب ورواية المسبية نادي مراد مبنية على أساس الأغتصاب القسري فكلٌ من بطلة رواية بائع الحليب وناديه مراد هما (الضحية) والرجل المسن في الرواية وداعش الأرهابي هما (الجلاد)، أستُغلتْ المرأة جنسياً تحت مظلة مجتمع منقسم على نفسه تستكشف الأشكال الخفية التي يمكن أن يتخذها القهر في الحياة اليومية، أنهما قصتان مبنيتان على الأعتداء الجنسي والمقاومة المطعمة بدعاية لاذعة .

- تقترب قصة رواية " آنا بيرينز" في كون البطلة فتاة صغيرة بعمر22 سنة مستغلّة جنسيا مع رجل كبير السن متزوج مستغلا الأحداث الدامية في أيرلندا الشمالية مع الفتاة الأيزيدية العراقية ذات ال22 سنة التي سبيت من قريتها كوجو على أيدي أرهابيي داعش بعد قتل جميع رجال القرية وأسر 3800 أمرأة من ضمنهن ناديه مراد بذريعة فقدان الأمن والجو الساخن للأضطرابات الشعبوية والمذهبية .

- الشابة ناديه مراد 22 عام تمكنت من الهرب من القبضة الحديدية لداعش الأرهابي وأقسمت أن توصل معاناتها وأهلها في أيام القهر القسري للعبودية الجنسية إلى أسماع العالم المتمدن وتفضح فتاوى الظلالة المتشددة في أعتبار المرأة كلها (عورة) والأكثر حتى صوتها بل وأسمها؟! تلك هي الراية السوداء لألغاء (المرأة) ولهلكوست أبادة الجنس البشري بدلالات الهوس الجنسي الفرويدي، فضربت ناديه مراد جسوراً مقارباتية مع ضحية رواية بائع الحليب التي بقيت تحت سيطرة الرجل الهرم سنوات طوال في جو مكهرب مشحون بالصراعات الطائفية فأستحقت بطلة (آنا بيرينز) جائزة مان بوكر للعام 2018 كما حصلت الضحية " ناديه مراد جائزة نوبل للعام 2018 ويستحقان أن تدق لهما أجراس همنغواي في شخصنة الأنسنة البطولية وأجراس الكنائس القديمة والتوضؤ بدموعهما الطفولية البريئة .

 

عبد الجبار نوري - كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

 

عبد الرضا عليتوطئة: ترتبط قراءة الشعر (بغض النظر عن نوعه) بالنخب الثقافيّة أكثر ممّا ترتبط قراءة الفن السردي بهم. لأنَّ قرّاءة الفنَّ الشعريّ تتطلّبُ قارئاً من ذوي الأقدار المعرفيّة بشروطِ صناعتِه،ولغتهِ الدلاليّةِ التي تكوّنُ نسيجهُ الخاص: فلسفةً، وأفكاراً، ومضامين؛ في حين لا تتطلّب قراءة الفنِّ السرديّ مثلَ هذه المواصفات في مريديهِ وقرّائه، فضلاً عن أنَّ قراءة الشعرِ تشترط ُ (في الأعمِّ الأشملِ): التركيز، والتأمّل، ومعرفة ما وراءَ النصِّ من مسكوتٍ عنه.

لذا، شاعَ عندَ غير العربِ قراءةُ الأعمال السرديّة في محطّات انتظار الحافلات، وعربات المسافرين،و قطارات الأنفاق، وصالات المطارات المكتظة بالمغادرين إلى أصقاع الدنيا، وغيرها من الأمكنة، لأنَّ قراءة السرديّات (الرواية مثلاً) لا تتطلّب قارئاً حاذقاً من ذوي تلك الأقدار المعرفيّة في التأمل، والتعرّف على خفايا المجازات الدلاليّة للأشياء، إلى جانبِ أنَّ الأعمالَ السرديّةَ تشدّ ُ القارئ إليها شدّاً، ليتواصلَ مع مجرياتها من غيرِ كدٍّ ذهنيّ في أحايين كثيرة، رغبةً في التواصلِ مع ما يؤول إليه الحدث، وصولاً لتحقيق المتعة المنشودة في معرفة ما سيأتي  من أحداثٍ مستقبليّة، بعكس الشعرِ الذي يتوجب على قارئه أن يشدَّ نفسه إليه شدّاً، سواء أكان ذلكَ في القصائد ذات الاتجاه الرمزيّ، أم في ذات الغموضِ الشفّاف.

وعلى وفق ما تقدّم فإنَّ قرّاءَ فنَّ السرد يزدادونَ أعداداً يوماً بعد آخر (وإنْ لم تكن هذه الزيادة على حسابِ قرّاءة الشعر)، وإنّ الروايةَ تحديداً قد "اغتدت على عهدنا هذا، وقبلَ عهدنا هذا أيضاً، الجنسَ الأدبيّ الأكثر مقروئيّة في العالم"¹، وإنّ كتّاب هذا الفنّ أكثر حظوة عندَ الناشرين العرب من غيرهم من المبدعين، وإنَّ معارض الكتب الدوليّة تشهدُ إقبالاً على السرديّات أكثر من الإقبال على شراء المجاميع الشعريّة العديدة التي صار يكتبها كلّ من هبَّ ودبَّ من القادرينَ على تحمّل أجور طباعتِها، وإنّ حفلات توقيع إصدارات السرديّات أمست من الفعّاليّات الجميلة التي ينتظرها المثقّفون في تلك المعارض، وأنّ مؤتمرات كتّابها، أو حلقاتهم الدراسيّة باتت أكثر نشاطاً من مؤتمرات غيرِهم من صنّاع الإبداع، وإنّ قسماً (غير قليل) من شعرائنا المعاصرين بدؤوا يخصّصون بعضاً من الزمنِ ( الذي أوقفوه سابقاً لصناعة الشعر) لكتابة تجاربهم السرديّة الجديدة، بعدما شعروا أنّ مقولة عصفور من أنّ هذا الزمن هو "زمن الرواية" قد تكون صحيحة.

*****

تعالج رواية قصيّ الشيخ عسكر" المقصف الملكي" موضوعة الإنسان (العراقي) المستلب في المهاجر، أو المنافي الاختياريّة التي عاشَ فيها ردحاً من السنوات العجاف، وتحمّلَ خلالها ما تحمّلَ من عنتِ العيشِ، وضنكه، وما رافقهما من قلقٍ وجوديّ، وخوفٍ دائم من مصير مجهول قد يكونُ ذا علاقات ملتبسة في تكريس واقع مأزومٍ  يثلم كبرياء الشخصية، ويخدش عزّتها.

تتلخّص الرواية في أنَّ مثقّفاً عراقيّاً من أبناء مدينة البصرة في جنوبي العراق يقرّرُ مغادرة وطنه كي لا يُشاركَ في الحرب التي شنّتها الدكتاتوريّة الحاكمة في بغداد على أبناء الشعب الكوردي في كردستان العراق في الثلث الأوّل من عقد السبعينيّات من القرن الماضي، متّخذاً من مدينة بيروت محطّته المهجريّة الأولى في الانطلاق إلى المنافي التي يستطيع أن يتنفّسَ فيها هواء الحريّة، جاعلاً من مقصف بيروتي هو" المقصف الملكي" فضاءً مكانيّاً لمعظم أحداثِ هذه الرواية.

ومع أنّ هذه الرواية أفادت من فنَّ السيرة الذاتيّة في تسجيلِ أيّامِ بطلِها، إلّا أنها لم تكن روايةً سيرةٍ بالمفهومِ العام، لأنّها ركّزت حصراً على أيّامِ بطلها في بيروت، وأهملت ما عداها، وهذا ما جعلها تنأى عن روايات السيرة التي تُعنى بدقائقِ حياةِ البطل وبنائه النفسي، وتكوينه، ومواقفه، وعلاقاته، وفلسفتهِ في الحياة، وغير ذلك من أمور حيويّة.

ما تقدّمه "المقصف الملكي" من سيرةِ بطلها يقعُ في ثلاثةٍ وعشرينَ يوماً من العام 1976م، لكنَّ هذه المذكّرات التي تبدأ في يوم الأربعاء 9/1/1976م، وتنتهي في يوم السبت 14/4 من العامِ نفسهِ تتخللها انقطاعات عديدة، وهذه الانقطاعات هي من المسكوت عنه، أو الحذف المقصود فنيّاً، وقد لجأ إليه قصي عسكر عامداً ليجعل من قارئه الذكي سارداً آخرَ يكمل المحذوف على وفق زاوية قراءته النفسيّة له، فضلاً عن أنَّ هذا المسكوت عنه يُثير في قارئه أسئلة الإبداع الملحّة التي تبحث عن إجابات ٍلها.

ومتى ما تمكّن المبدع من جعلِ متلقِّيه قادراً على تأويل رؤيا السارد، أو لعبته المتخيّلة، فإنه يكون قد حقّقَ هدفه في جعل متخيّله السردي حمّال أوجهٍ في التعليل، لهذا كان الحذفُ تقنية ً زمنيّة ً مقصودة وليست غفلاً عن لحظةٍ من الحدث، وهذا ما قال به بعض النقّاد حين تناولوا مصطلح الحذف في الخطاب السردي²، لهذا يمكننا القول باطمئنان : إنّ خلو مذكّرات السارد من أيّام الخميس(مثلاً) طوال أكثر من ثلاثة أشهر من تاريخ المذكّرات لم يكن إغفالاً بريئاً، إنّما كان إغفالاً مقصوداً (عامداً) جرى عن وعيٍ فنّي مع سبق الإصرار والترصّد.

وقد اخترنا ملمحين ِ جماليين فقط من ملامح هذه الرواية رأيناهما حريينِ بالتحليل والدراسة النقديّة، تاركين بقيّة الملامح الجماليّة للقارئ النابه، تحفيزاً لذائقته القرائيّة من جانب، واستكمالاً للكشف من جانبٍ ثان، وهذان الملمحان هما:

أولاً- تقنية المكان:

مع أنَّ هذه الرواية قد استثمرت أمكنةً معيّنة في تحريك أحداثها كالمطبعة، وشقة السكن، والجريدة، وبحر بيروت، وبيت صاحبة الحانة، وغيرها من الفضاءات المكانيّة، إلّا أنَّ المكان الذي تمَّ التركيز عليه في بؤرةِ السردِ كان فضاءَ المقصف، بزبائنه المختلفين (أجناساً وثقافات) ومفرداته المركّبة الصاخبة) من صفقاتِ نخاسةٍ لشراءِ أجسادِ النادلات (وبعوالم المستلبين الذين يشعرون بالرضا المؤقّت فيه، فيؤجّلون جزعهم إلى حينٍ آخر، وما إلى ذلك من أمورٍ أخرى.

إنَّ خصوصيّةَ العمل ِ السرديِّ الناجحِ تكمنُ في قدرة الساردِ على جعلِ المتلقّي يرى المكانَ من خللِ الحروفِ، ويشمّ رائحة الأرضِ من خلال غبارها المتصاعدِ على الورق، ويشاهد خضرتها السندسيّة من  بصيرة الساردِ المتمكّن التي تلوّنُ لوحاتِ المشهدِ المتحرّكِ، فيعيش الأحداثَ وكأنه شاهدٌ على مجرياتها.

وعليه، فإنّ ابتداع صرعةِ التخلّي عن المكان في العمل السردي ضربٌ من العبث، أو تهويمٌ في اللاواقع، لذلك قال باشلار: " إنّ العملَ الأدبيَّ حين يفقد المكان، فهو يفقد خصوصيّته، وبالتالي أصالته."³، فالحبكةُ التي تتلخّصُ في كونها أحداثاً ترتبطُ فيما بينها بأزمنةٍ معيّنة لتؤدّي غرض السرد، أو السارد، لن تكون بغير أمكنةٍ ترتبطُ بالأزمنة ولا تنفصلُ عنها، وهو ارتباط يحقّق وظيفة الزمان والمكان في خلق الوهم لدى القارئ من أنّ ما يقرأه  قريب من الواقع،أو جزء منه.⁽⁴⁾

ولعلّنا لا نغالي إذا ما قلنا: إنّ ما رسمه قصي عسكر من لوحةٍ  متحرّكةٍ للحانة  أنْ جعلنا نراها من خلال عينيهِ اللمّاحتين في الوصفِ الدقيق، ومكّننا من الاستماعِ إلى ما كان فيها من صخبٍ وموسيقى وحوار، وفي اللوحةِ الآتية ما يثبت ذلك:

"للمرة الأولى أدخل هذه الحانة.

قد يكون ضجري  ....

أو  مجرد العنوان.. طريق ضيق متفرع من شارع الحمراء وإذا بي أفجأ بهدوء وصخب لطيف شفاف يذوبان معا فاستريح على ضفافهما وقد توقفتُ لحظةً عند إحدى الأغاني. كان  الزجاج المعتم يفتح شدقه فيدفع إلى الرصيف أحد الزبائن ويرسل لي أغنية عراقية كادت تشرف على نهايتها أو انتهت.

" المقصف الملكي" لمحت اللافتة المشرئبة نحو السماء الملبدة بغيوم مبهمة الملامح، وحانت مني التفاتة ٌ إلى الداخل قبل أن يعود شدق الباب للانطباق من جديد فيحجب عني السمع والرؤية، لتختفيَ من أمام عيني  إنارة خافتة، ودكة ووجه فتاة أكاد أميز سحنته السمراء عن بعد، وصفوف تربعت فوقها قنان زاهية الألوان.

لحظتها كانت بقايا الأغنية العراقية تذوب بهدوء وراء الباب،وقد فقدتُ رغبتي في الذهاب إلى مقهى يطل على الساحل كما خطر في ذهني قبل أن أغادر البيت.

ربما مررتُ بالمكان أكثر من مرة وفاتني أن ألتفتَ إليه حتى جذبتني أغنية ٌ سالت مع السراب فدفعني الفضول  للانعطاف نحوذلك المقصف الذي رأيته يلوحُ على بعد خطوات مني  كنبع صاف يغري العابرين بالوقوف عنده والتلذذ بمائه العذب.

كانت كلمات الأغنية القديمة تغسلُ بعض التعب عن وجهي وتمسحُ من يدي بقايا الحروف التي تدغدغ أصابعي طوال النهار. الحروف تتناوشني من كل مكان. في المطبعة الحبر الأسود والحروف. الكلمة تلك . السطر هكذا. مئات الكلمات تمر بي فلا أتذكرها. والحوادث كثيرة استوعبها فأنساها. وهناك لحن قريب.. شيء ما يشدني إلى الماضي..أغنية ربما سمعتها عشرات المرات فلم التفت إليها:

عمي  يابياع الورد

كل لي الورد بيش

لم لوحَّت لي الأغنية بنهايتها واختفت؟

كيف مرَّت بي في هذا الوقت الملبد بالغيوم؟

أين أذهب إذا ماتغيرت لبنان؟ هل أبالغ في هواجسي؟ الحوادث كثيرة مثل الحروف التي تستوعب أخبار العالم وخواطر الناس. البلد على وشك أن ينفجر. احتقان على الوجوه، وغضب في العيون.وأنا يكاد الفراغ والقلق يأكلاني كأنَّ الأغنية تدعوني للدخول .. تمد إليّ ذراعيها. "المقصف الملكيّ".. واحة أم مقصف. لايهم.. عنوان أثار انتباهي ! أجل... جلست في ركن قصي.تأملتُ كأسي خلال الجوّ المعتم،بعد فترة ربما طالت قليلا  تهادت إلى أذنيّ كحداء صحراوي أغنية  أوروبية:

Who can take you far away

من وضع حضيري ابن الناصرية المغني الريفي الذي نأنف من سماعه نحن جيل الشباب بصف ديمس روسز؟عندما توقفت الأغنية،أشرتُ بيدي،فتركت صاحبةُ المقصف مكانها عند الدكة،وتوجهت نحوي. تبينتُ أنها سمراء حقا مربوعة تهتز كبطة في مشيتها الرشيقة:

- هل من الممكن – لو سمحتِ - الأغنية الأولى؟

وجهها ينمّ عن دهشة تضيع مع ابتسامتها:

- أية أغنية ؟

قلت ُمؤكدا:

- الأغنية العراقية "وأردفتُ" ربما كنت مشغولة مع الزبائن فلم تنتبهي إليها!

- آه أغنية بائع الورد!

ذهبت إلى آلة التسجيل،فتهادت موسيقى ما ثم رجعت:

على رأسي حالما تنتهي بعض الأغاني التي طلبها زبون قبلك."

ثانياً – الراوية والتداعي والمناجاة:

راوية "المقصف الملكي" راوية ٌ عليمٌ،وليسَ موضوعيّاً،وثمّةَ فرقٌ بين الراوي العليم، والراوي الموضوعي، فالعليمُ يعرفُ كلَّ شيء،لأنّه(في الغالب)  يكونُ البطل المحوري الذي يروي  أحداثاً معيّنة من سيرتهِ الذاتيّة، كاشفاً عن بعضِ ما يختزنه في ذاكرتِهِ من حركةِ الأحداثِ، وعلاقاتها المتشابكة، وما يحمله من تصوّر كاملٍ عن شخصيّات النصِّ السردي، سواءٌ أكان ذلك في البناءِ النفسيّ، أم البناءِ المعرفي الثقافيّ، ناهيكَ عن علاقات تلك الشخصيّات بمحيطِها الإنسانيّ، وتفاعلها الحركيّ مع مجتمعها المعيش.

وهذا الراوي يتيحُ لنفسهِ التدخّلَ في كلِّ جزئيّات النصِّ، فقد يحذفُ أحداثاً على حساب أخرى، أو يركّز على صراعٍ دراميٍّ دونَ آخر. ومثلُ هذه الحريّة تنأى به عن دائرة الموضوعيّةِ، وتجعله غير محايد.

ومع هذا فالمتلقّي الجاد يرتضي ذلك، ويرغبُ في هذه التقنية، ويفضّلها على تقنية الراوي الموضوعي، لكون الأخير يصف الأحداثَ من الخارجِ،ولا يراعي دواخلَ الشخصيّات، أو عوالم لا وعيها، لكونه يُعنى بالسرد الوصفي أكثر من عنايته بالتحليل، ويكون بذلك أقرب إلى الوثائقيّة منه إلى الفنيّة في بنية العمل الإبداعي.

ومعَ أنَّ هذا الراوية َ َقد تسلّمَ راية الإبلاغ السردي، إلّا أنّه استعان بتقنياتِ :التداعي الحر، والارتجاع، والمناجاة (المونولوج الدرامي) وغيرها، وجعلها تكمّل بعضها بعضاً في تقديم مشاهد اللوحات على نحوٍ من تدفّقٍ صوري، لا يخلو من انسيابيّة جميلة، ممّا يؤكّدُ أنَّ قصي عسكر واحدٌ ممّن يمتلكونَ أدواتِ المتخيّل السردي، وحرفة الكتابة باقتدار متميّز، وهو دليلٌ على أنّ دربته في ممارسة هذا الجنس الأدبي لم تكن قصيرة.

فالراويةُ يتوقّفُ عن الإخبار السردي حينما يبدأ بطلُ الرواية ِعمليّة التداعي الحرّ، أو الارتجاع الفنّي، ممّا يجعل المتلقّي ينسى المهيمن الأول مدّة من الزمن، فيعيشُ مع مناجاة البطل النفسيّة، وحواراته الدراميّة التي يجريها مع أعماقه من غير تكلّفٍ في الانتقال من تقنيةٍ إلى ما سواها، مع أنّه يلجأ أحياناً إلى عمليّة التداخل الزمني بما يُشبه الأحلام أو الكوابيس التي تحتاجُ إلى منبّه يوقظها ممّا هي فيه من شطحات، ولن تكون بغير العودة إلى تقنية الوصف السردي، أو الالتجاءِ إلى تقنية الديالوج لمعاودة الاتّصال بالمهيمن (حامل راية الإبلاغ) ثانيةً، كما في النصّ الآتي التي تتداخل فيه تقنية الراوي العليم بالمناجاة النفسيّة، والتداعي الحر، والديالوج، والوصف على نحوٍ تلقائي:

" غادرت الجريدة قبل الواحدة بدقائق. وقصدت البيت مباشرة. ارتميت على السرير ولم تكن بي رغبة للطعام.بطالة وموت قادم.خلال دقائق كنت استسلم للنوم....حلمت بالحروف وأشياء أخرى غريبة، في متنزّه ما حيث الأضواء المعتمة الخضراء والمناضد المنتشرة تحت أشجار الليمون نساء جميلات عاريات الظهور يحضرن الحفل. يتخذن مواقعهن على الكراسي وثمة في الممر وجدت نفسي أقف كأنني نادل يلبي طلبات الزبائن فيقع بصري على قامة فارعة القوام نادت بأصبعها السبابة ودعتني نظرة عينيها  أن أقدم..اقتربت منها على ضوء المصابيح الخافتة وحينما وقفت أمام المنضدة  ورفعت رأسها إلي اكتشفت أنها لينا الدغيمي.!

لم أصب بالدهشة أمام جمالها، وتسريحتها الرائعة التي تحدت بها تسريحة ممثلات السينما في عقدي الخمسينيات والستينيات. قالت لي بصوت رقيق إنها جاءت وفي نفسها البحث عن شاب وسيم سوف تلبي كل رغباته ويسعدها أن تنتظره هنا وما علي إلا أن أناديها حالما يأتي.هو أكثر وسامة من أي شاب آخر، رحت أتطلع إلى الباب من غير أن أعرف أو أعير أية التفاتة للأسماء  لكني فوجئت بصاحب المطبعة وهو ينهض من كرسيه ليقول لي إن هناك تلبكا واختلاطا في الحروف يجب أن أعالجه  ودس يده في جيبه.سلمني مجموعة من الحروف كانت جميعها تشتبك مع حرف الحاء الذي كان أكبر من الجميع. سلسلة حروف متشابكة.. سألت نفسي هل يقصد الحروف العربية أم الأجنبية؟ وتكاسلت عن العودة.لم أتوجه إلى المطبعة بل ذهبت مباشرة إلى البيت وفي رغبة لأن أغسل الحروف بالماء لعل ذلك يساعدني على فصلها.. وجدتهن بانتظاري ولما يزل حروف الحاء بيدي.صرخت بصوت حاد:

سأفصلكن. سأفصلكن .. انتظرن!

كاد المنزل يغص بهن إذ تفرقن.حاوية الأزبال ممتلئة..حوض الغسيل.. سرير النوم.. الحمام.. المطبخ.. الطباخ الغازي.. حنفية الماء.. بعيدا ينط سيل منها فيشفط حقول الشعيبة ليشخص في المكان شجر سدر ويلتم ثانية يطلع نحو النخيل يقتلعه فينبت مكانه كافور طيب الريح ثم تعود الحروف في الوقت ذاته إلى بيروت.  بعد المكالمة الهاتفية تصل إلي رسالة من والدي: أمك مشتاقة إليك. إذا ضاقت بك الحال تعال فكل شيء على مايرام.حروف الرسالة تختلط  ببقية الحروف يضيع أثرها ماعليَّ إلا أن أفصل جميع تلك الحروف واعلقها بسلسلة  مفاتيح حرف الحاء التي مازالت بيدي  لكني لم أفلح..كلما قبضت على مجموعة وجدت أخرى جديدة تحل محلها لا أعرف من أين تأتي الحروف غير أني تكاسلت فارتميت على السرير وكنت أتقلب في تلك اللحظة على جنبي الأيمن فأجد نفسي وحدي وقد تقحّمني هياج جارف وفحولة غير متناهية  لاأشك قط في أنها فحولة كاذبة...تمنيت في تلك اللحظة أن تكون نريمان جنبي أو نوليا .هؤلاء عائلتي. ألم تقل نريمان ابق معنا أفضل لك! هناك امرأة أريد أن أعريها وإن كانت امرأة رجلا مثل لينا. أية منهن لايهم.

فقط أريد أن أثبت فحولتي!"

عالم "المقصف الملكي" عالم يمورُ بمعاناة مثقّف عراقيٍّ مستلب من الباحثين عن الأمان في الهاجر والمنافي، ومع أنّه هربَ من بلده كي لا يُشارك في قتال أبناء وطنه، إلّا أن شبح الحرب يلاحقه حتّى في مستقرّه الجديد "بيروت"، فقد كانت نذر اندلاع الحرب الأهليّة على وشك الوقوع في منتصف سنة 1967م، لكنّ السارد لم يشأ أن يتحدّث عنها،فقد أنهى الرواية دون أن يعلمنا عن خلاص البطل، أو نهايته، وحسناً فعل، فهذا المسكوت عنه جعل كلّ متلقٍّ (من الباحثين عن النهايات) يختار النهاية التي تتناسبُ وزاوية قراءته النفسيّة للرواية،وهي لمحة ذكيّة تدلّ على ما ألمعنا إليه من أنّ قصي الشيخ عسكر كاتبٌ روائيٌّ متمرّس⁽⁵⁾، فضلاً عن كونهِ شاعراً موهوباً، وناقداً حصيفاً، لهذا سيجد القارئ الجاد في هذه الرواية جرأةً في توصيفِ ما يجري في هذه المقاصف الليليّة من امتهانٍ لكرامةِ المرأة العربيّة تحديداً، وما تعانيه بعضهنّ من ضير الزمن وبشاعته، وتسلّط القهر الإنساني بسبب الحاجة إلى لقمة العيش.

ولكنّه من جانبٍ آخر سيحظى بمتعة الإدهاش التي تجذبه لإتمام النصّ، وعدم مغادرته حتّى ينتهي منه، لما فيه من إثارة في الأداء والتوصيل، فضلاً عمّا يمتلكه هذا النصّ من لغةٍ جميلة.

 

أ. د. عبد الرضـــا عليّ

.....................

هوامش

 (1) عبد الملك مرتاض، في نظريّة الرواية، بحث ٌ في تقنيّات السرد،160، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1998م.

(2) يُنظر: حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، 125، بدلالة د.علي المانعي (القصة القصيرة المعاصرة في الخليج العربي)  55، ط1،مؤسسة الانتشار العربي، بيروت 2010م.

(3) غاستون باشلار"جماليات المكان" ترجمة غالب هلسا، 5-6،ط(2) المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1984م.

(4) يُنظر: د. عدنان خالد "النقد التطبيقي التحليلي"،82،سلسلة آفاق،بغداد، 1986م.

(5) ما يؤكّد تمرّس قصي الشيخ عسكر في هذا الجنس الأدبي من الإبداع آثاره العديدة التي بلغت ثلاثَ عشرةَ روايةً، ومسرحيّة، وهـــــي:

- المعبر: رواية، دمشق، 1985م.

- سيرة رجل في التحوّلات الأولى: رواية، 1986م.

- المكتب: رواية، دمشق 1989م.

- المختار: رواية؟ لم أعثر على زمن طباعتها، (أرجح أنّها كتبت العام 1990م).

- شيء ما في المستنقع: رواية، مط، خالد بن الوليد، دمشق، 1991م.

- للحمار ذيلٌ واحد لا ذيلان: رواية،ط1، دار الحضارة الجديدة، بيروت، لبنان، 1992م.

- نهر جاسم: رواية، دار الأضواء، بيروت، 2004م.

- الشمس تقتحم مدينة الثلوج: رواية،( د- ت- م .)

- آخر رحلة للسندباد: رواية، (د- ت - م.)

- الموتى يزحفون: روايات اغترابيّة (د- ت - م.)

- روايات وقصص من الخيال العلمي،ط1، مؤسّسة شمس للنشر والتوزيع، القاهرة، 2010م.

- وأقبلَ الخريف مبكّراً هذا العام: رواية، ط1، مؤسسة شمس للنشر والتوزيع، القاهرة، 2022م.

- الشاعر: مسرحيّات، ط1، مط الغريّ الحديثة  في النجف الأشرف، 1973م.

 

 

410 نادية الابرولو جلسنا لقراءة هذه الرواية الاستطرادية في عربة للقطار تقطع مسافة 500 كيلومتر إلى البصرة، لوجدنا مطولتها السردية على لسان شخوصها لا تنتهي إلا في محطة المعقل، فقد وجدتها من أطول السرديات التي قرأتها لروايات عديدة هذا العام، تداخلت فيها " اللعبة الميتا سردية " كما يسميها ناقدنا علوان السلمان الذي يُعّرفْ تقنيتها بأنها أيضا " ماوراء السرد أو ما وراء الرواية " (1)، ودائماً ما تكون الجملة الطويلة هي الطريق المفتوح لأي رواية، ولا تأتي المتعة المتعة دونها وقدرة الكاتب على تغيير مساراتها من فقرة إلى فقرة، إلى الدوران حول زمكانها، التواءات أحداثها، إضافة إلى ما تمليه عليه مراوغتها، وغالباً ما يكون الأمر مضحكا - ليس بسبب المحتوى -، بقدر ما يمنحها الإيقاع السردي من مفاجآت والإحساس بحرية حوارات شخوصها، هذه هي بعض عوامل نجاحها باتفاق جمهرة كبيرة من النقاد عرباً وأجانب .

في رواية الكاتبة العراقية نادية الابرو التي لم نجد إشارة لها في الكتاب عن سيرة لحياتها ككاتبة، لكننا أمام روائية عرفت كيف تقف على تقنيات كتابتها، فشخصياتها كانت تتجول بحرية من مكان إلى آخر، " كاظم عبد الجبار العنبر "، الأم " وفية "، الأب، " زينب "،، " أمين "، " شهد "، " شيرين " حيث تبدأ الرواية بفصلها الأول : " (كاظم) مساء الأحد 14كانون الأول 2003 "، وهو سيكون الراوي لفصل طويل أخذ من الرواية 131 صفحة تمكنت الكاتبة وبقدرة تنم عن مطاولة سردية واضحة باختراق زمان ومكان الحدث مدفوعة بقدرة تعبيرية لا يمكن تصديقها عندما نجد الأنا الداخلية لها تتكلم بلغة المذكر طوال تلك الصفحات لتروي أحداثا ً عاصفة مرت بالعراق أيام الحكم الشمولي الذي لم يسلم من بطشه الرجال والنساء، الكبير والصغير منها بتهم ملفقة وأخرى ثورات حقيقية على مدى غطرسته وإيغاله قتله وتشريده لأبناء شعبه، كانت دائماً ما تنتهي فصولها تحت سُرف الدبابات وأسرى بالمئات من رجال ونساء وأطفال تعرضوا للتعذيب واغتصب خلالها الكثير من النساء بما فيهم " وفية " التي حملت طفلاً من أحد مغتصبيها، لحظات من القسوة المرعبة والعنف نراهما جنبا إلى جنب مع زخم الحنان، لم تنقطع خلالها كلمات الراوي " كاظم " حتى وهو يسترجع لحظات الألم والخوف، ومع نهاية الفصل الأول نكون على أعتاب فصل ثان حمل عنوان : " ليلة الاثنين 15 / كانون الأول 2003 "، حيث تسرد لنا الأم " وفية " بعد سردية " كاظم "، أحداثاً جديدة عاشتها معه وهي من أطول ليالي البوح، الرؤى، التمزق، النبش في الذكريات وبصوت أحادي في سلسلة لا تنقطع من جُمل " نظيفة كالعظام " كما يقول جيمس بالدوين (2)، تقول:

" آه ... آه يا ولدي ... لقد جرت بنا الظروف على عكس ما كنا نشتهي أو نتوقع، سلبتنا أمننا وأماننا، حرمتني كل ما أحببت ... لكن الحمد لله أنت لا تزال معي ... وربما سيأتي يوم وتغفر لي وتصفح، فقط أود أن تعرف يا كاظم أني لست نادمة، لو عاد بي الزمن فسأتتبع آثار خطواتي السابقة ... ما دامت ستصل بك إلى بر الأمان " .

 هنا تفرض الجملة الجيدة منطقاً عالياً من الدهشة لشد القارئ على غرابة ما يعيشه أبطال الرواية إنها تحصل على قوتها من التوتر بين سهولة صياغتها وصدمة أحداثها مع " كل خطوة وصول " لمسيرة أحداثها، وتستمر " وفية " في السير بين خطوط وصولها الطويلة وهي تسرد حكايتها وكيف قاومها جنينها من السقوط وهو - ابن حرام – كما كانت تطلق عليه حتى ولدته على يد الطبيبة إيمان التي كانت تحضها على إرضاعه :

" أرضعيه هيا ... هو يتضور جوعاً ولن يسكت ما لم يشم رائحتك "، رفضت، تقلصت بطني إمتعاضاً إلا أنها أصرت أن ألقم فمه المفتوح الذي تكالب على صدري ونام " .

" كنت أتحاشى النظر إليه حتى لا تضعف مقاومتي وتنهض فيَّ من جديد تجاهه غريزة أمومة أجاهد في كبحها كل يوم، لم أعطه إسماً لكنكم أطلقتم عليه إسم ماجد، وأصبح الجميع ينادونه " مجودي " تحبباً إلا أنا " .

هكذا يمضي فصل الرواية الثاني حتى نتوقف أمام فصلها الثالث والأخير والذي حمل عنواناً كان من الأهمية أن نتعرف عليه منذ بدأ " كاظم " سرد أحداثها بداية، لكن الكاتبة رأت أن تفرد له فصلاً كاملاً كي تختم به الأحزان التي ادلهمت بها ليالي العراق، : الفصل الثالث (عبد الجبار) مساء الأحد 14 كانون الأول 2003، وبسردية طويلة أيضاً نتعرف على خيبات هذا الرجل بدءاً من حياته وسط أسرة متنافرة وكيف عرف استغلال كل فرد منهم، إلا " وفية " التي يعترف بانتصارها عليه وهو الذي داس بقذارته على صدور نساء كثيرات كما يعترف :

" كدت أفقدها أو بالأحرى فقدتها حين ... حين قبضت ثمن الشهامة والنخوة التي ظنتها بي، فكان ظنها أسوء الظنون وما عادت تلك النظرة الوديعة الممتنه تقطن عينيها، تفتح نافذة إلى السماء، منها الدعاء مستجاب، وحلت محلها نظرة قرف وازدراء فقدت فرصتي معها كما فقدت فرصتي الأولى، أنا الأحمق الملعون بفقد من أحب " .

ويسدل ستار الرواية بانتحار " عبد الجبار " الذي وضع حداً لاستهتاره وعنجهيته لتنتهي معها أطول سردية على شفاه ثلاثة من شخصياتها " كاظم "، " وفية "، " عبد الجبار " صنع كلا منهم أحداثاً لازلنا نعيشها بكل حزن .

شارحة /

 

كتابة: أحمد فاضل

.....................

(1) في المبنى الميتا سردي، علوان السلمان، صحيفة الزمان بطبعتيها المحلية والدولية .

(2) جيمس آرثر بالدوين، هو روائي وكاتب أمريكي، وكاتب مسرحي وشاعر وناشط في مجال الحقوق المدنية، يتناول جيمس بالدوين في معظم أعماله القضايا التي تتعلق بالتمييز العنصري والقضايا المتعلقة بالجنس في منتصف القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية .

 

جميل حمداويالمقدمة: تعد الشعرية (Poétique) من أهم المقاربات النقدية المعاصرة التي استهدفت قراءة النصوص والخطابات الأدبية والإبداعية والفنية من الداخل بحثا عن أدبيتها أو شعريتها الجمالية والوظيفية. ومن ثم، فهي نظرية معرفية ونقدية علمية تعنى بدراسة الفن الشعري بصفة خاصة، والاهتمام بالفنون الأدبية بصفة عامة.

ويكمن غرض الشعرية في استكشاف خصائص هذه الفنون الأدبية من النواحي الفنية والجمالية والبنائية، والتشديد على أدبيتها الداخلية، والسعي الجاد إلى فهم آليات الكتابة الأدبية، واستجلاء مقوماتها ومميزاتها التي تجعل منها فنا معينا يختلف عن باقي الفنون الأخرى. لذا، تهتم الشعرية بالأدبية، وعلم الأدب، والقيمة المهيمنة، والأجناس الأدبية، وبلاغة النصوص والخطابات، والانفتاح على اللسانيات البنيوية من ناحية، وعلم الجمال من ناحية أخرى.

وقد تطورت الشعرية في أحضان الشكلانية الروسية من جهة أولى، واللسانيات من جهة ثانية، والبنيوية من جهة ثالثة، وجماعة تيل كيل (Tel quel) من جهة رابعة.

وتتميز الشعرية بالتنوع، فهناك شعرية الشعر، وشعرية السرد، وشعرية الدراما، وشعرية المسرح، وشعرية الأجناس الأدبية...وقد ساهمت الشعرية في "علمنة" الأدب وتحويله إلى مجموعة من القواعد والمكونات والسمات التي تميز نصا أدبيا ما عن باقي النصوص الأخرى.

وعليه، فلكل مقاربة أو منهجية أو نظرية أدبية أو علمية أو فنية إيجابيات وسلبيات.ومن هنا، فللشعرية مواطن قوة من جهة، ومواطن ضعف من جهة أخرى.

المطلب الأول: إيجابيات الشعرية

للشعرية مجموعة من الحسنات والإيجابيات كباقي المناهج النقدية الأخرى. فمن الإيجابيات أنها أقرب المناهج إلى النص الأدبي؛ لأن اللغة هي التي تشكل النص وتحدد وجوده وكينونته. ومن ثم، فاللسانيات الشعرية هي المنهجية الوحيدة الصالحة لدراسة اللغة في كل تجلياتها الوصفية.

ومن جهة أخرى، فلقد ظهرت الشعرية رد فعل على المناهج الخارجية التي تقارب النص الأدبي في ضوء المجتمع، أو في ضوء علم النفس، أو في ضوء اللاشعور الجمعي عند كارل يونغ، أو في ضوء الذوق  والتاريخ... وفي هذا الصدد، كان النص الأدبي لا يحلل تحليلا عميقا في بنيته الداخلية، كما تقوم به الشعرية البنيوية التي تتعامل مع النص باعتباره نسقا داخليا مغلقا، وتدرسه من خلال المستويات اللسانية كالمستوى الصوتي، والمستوى الإيقاعي، والمستوى الصرفي، والمستوى الدلالي، والمستوى البلاغي، والمستوى التركيبي،والمستوى التجنيسي...

وتحاول هذه المقاربة الشعرية علمنة النص الأدبي وفق بنيوية سانكرونية، ومقاربته مقاربة موضوعية اعتمادا على علم اللغة ومفاهيمها الاصطلاحية المجردة عن كل ذاتية وذوق انطباعي.ومن ثم، تحاول البحث عن أدبية النصوص والخطابات والأجناس، باستقراء المستويات الداخلية للمتون والمباني.

ويعني هذا كله أن الشعرية مقاربة بنيوية لسانية وبلاغية وأسلوبية وسيميوطيقية بامتياز، مادام هدفها هو تفكيك الخطابات وتركيبها بحثا عن القواعد المطردة، واستكشاف المكونات الثابتة، واستجلاء السمات الحاضرة والغائبة.

وأكثر من هذا تسعى الشعرية جادة إلى تجنيس الخطابات والنصوص  وتنميطها وتنويعها وتحليلها وفق المقاييس اللسانية، بدراسة اللغة الشعرية، والصور البلاغية، والتراكيب النحوية، والصيغ الصرفية، والحقول الدلالية والمعجمية.

 ومن جهة أخرى، تدرس المكونات السردية للقص والرواية، بالتوقف عند الحوافز، والشخصيات، والفضاء السردي، والمنظور، والزمن، والصيغة اللغوية والأسلوبية، أو دراسة التمسرح، والشخوص الدرامية، والفضاء الدرامي، والصراع الدرامي، والإرشادات المسرحية، واللغة المسرحية، والحوار، والسينوغرافيا، إلخ...

علاوة على ذلك، تدرس الشعرية الصناعة الإبداعية في مختلف أنواعها وأجناسها، بالتركيز على البنى الثابتة والمتغيرة، ودراسة القيم الخلافية، وشكل المضامين، والبحث عن الوظيفة الجمالية للنصوص، والقيمة المهيمنة في كل خطاب، وما يميز نصا أدبيا عن باقي النصوص الأخرى، ورصد فرادة الأسلوب وتنوعه...

المطلب الثاني: سلبيات الشعرية

للشعرية البويطيقية سلبيات وهنات عديدة، يمكن حصرها في كونها مقاربة نقدية أدبية تقصي التاريخ، وتهمل ذاتية المبدع، وتغض الطرف عن المرجع الخارجي، وتنأى عن استحضار القارئ في بناء دلالات النص، وتهمش دور الذوق الذي يعد محكا ضروريا في تقويم النص، وتذوق جماله، واستكناه متعته الحقيقية. كما تقتل الشعرية البنيوية إنسانية الإنسان، وتستلبه ماديا وروحيا، بتحويله إلى بنيات وأرقام وأشياء، كما يؤكد ذلك روجيه جارودي  (Roger Garaudy) في دراسته القيمة عن (البنيوية وموت الإنسان)[1].

 وما ظهور المناهج و المقاربات النقدية الأخرى  بعد الشعرية كالسيميوطيقا، والبنيوية التكوينية، والتفكيكية، وجمالية القراءة... إلا دليل على قصور هذا المنهج عن الإحاطة بجميع جوانب النص الأدبي وعتباته الأساسية.

وهكذا، فلقد أظهرت الشعرية عجزها في تحليل النصوص والخطابات والآثار الأدبية، وأبانت عن مدى قصورها وأحادية مراميها؛ لأن الواقع العلمي  الحالي يفرض علينا أن نجمع  كل المكونات المشكلة للنص الأدبي في دراساتنا لكي تكون المنهجية المطبقة  منهجية علمية مقبولة، توفق بين الداخل والخارج، و تجمع بين النص والمرجع.

ونرى  مطمئنين، بعد تجربة نقدية لابأس بها، أن المقاربة المتعددة التخصصات[2] تنفتح على كل المناهج والمقاربات أفضل بكثير من الشعرية الذي لاتبالي بالمعطيات السياقية والتاريخية، وتغض الطرف عن الواقع، وتهمل ذاتية المبدع، وتقصي ذوق القارئ.

ناهيك عن ذلك، تدرس الشعرية النصوص والخطابات باعتبارها أنساقا ثابتة، وفق بنيوية لسانية وصفية سانكرونية. ويعني هذا كله أن الشعرية لاتدرس الأدب المتداخل باعتباره نسقا متعددا ومهجنا، يستلزم مقاربته وفق بنيوية دياكرونية، أو شعرية لسانية  توليدية. ويعني هذا أن العمل الأدبي نسق متعدد ذو دلالة.وأكثر من هذا فالعمل أو الأثر الأدبي عبارة عن مجموعة من النصوص لها قواسم مشتركة تكون نسقا من الأنساق.أي: إذا كان الكتاب نسقا، فإنه يتكون من النصوص والأجناس والأنواع الفرعية التي تعد بدورها أنساقا فرعية.

ويتضمن النص والنسق الأدبيان مجموعة متفاوتة من الأنساق المتداخلة والمتناوبة في توترها. وتتكون الأنساق المتعددة من أنواع ثلاثة من النصوص هي:

1- النصوص الأدبية بالمفهوم الواسع للأدب؛

2- النصوص النقدية (التي تتضمن تقويمات نقدية وميتانقدية والنص الموازي (المقدمات)؛

3- النصوص والنماذج التي تتخذ طابعا نظريا مجردا.

ولابد من دراسة الأنساق المتعددة في سياقها التطوري التاريخي. ومن جهة أخرى، هناك الأدب الأولي والأدب الثانوي، والأدب النبيل والأدب الوضيع، والأدب الرسمي والأدب الشعبي، والأدب المقدس والأدب المدنس.ومن ثم، هناك أدب حقيقي رسمي تعتمده الدولة، وتدرسه في المؤسسات التعليمية والجامعية، وتسهر على تلقينه وتعليمه وتدريسه للناشئة.وفي المقابل، هناك أدب شعبي لاتعترف به المؤسسة الثقافية الحاكمة والمهيمنة. ويعني هذا أن هناك أدبا مركزيا قويا ومهيمنا ومحترما له تقاليد وأعراف رمزية وجمالية خاصة، مقابل أدب الهامش والمحيط الذي يدخل مع نسق المركز في صراع وتنافس وتوتر حاد، هدفه الوحيد هو السيطرة على السلطة الأدبية والثقافية التي يتمتع بها نسق المركز.

ويدعو كليمون موزان إلى دراسة الأدب، لا على أساس أنه كلمات وجمل مستقلة ومنعزلة عن سياقها الثقافي والتداولي، بل دراسة الأدب على أساس أنه حقل ونسق كلي.أي: يرفض كليمون موزان دراسة الأدب باعتباره علامة لسانية وسيميائية محايدة، تستند إلى الدال والمدلول فقط، بل لابد من استحضار المرجع والسياق الخارجي للنسق.وفي هذا، يقول الباحث:"فمن جهة أولى يلاحظ هنا بوضوح بروز خطاطة الوهم التاريخي للتاريخ الأدبي خصوصا في اعتباره الأدب (الكلمة) بمثابة اتحاد فكرة ما عن الإنسان أو الأثر أو عنهما معا مع فكرة ما عن المجتمع تقدم التاريخ بوصفه نسقا منغلقا، ومن جهة ثانية بروز تاريخ أدبي مختلف يجعل منطلقه الكل المدرك كتشكيل وتنظيم للعناصر التي يسمح داخلها التعالق بتحديد الظاهرة الأدبية في مجموعها بدل عزلها عن النسق الكلي، والإيهام بأن مجموع الكتاب والآثار الأدبية هو الذي يسمح ببناء النسق.[3]"

وعليه، فالنسق الأدبي نسق منفتح ومهجن ومركب ودينامي، يتفرع إلى مجموعة من الأنساق الفرعية التي يترابط معها في علاقات داخلية وخارجية، وليس نسقا داخليا مغلقا كما تدعي الشعرية البنيوية السانكرونية. وفي هذا، يقول كليمون موزان:"وعلى عكس النسق المنغلق يعتبر النسق المنفتح نسقا فكريا وواقعيا في ذات الوقت، ويتعلق الأمر بتنظيم حي أو بتنظيم متضمن للحياة والحركة والتبادل والعلاقة. فلاستمرار النسق ينبغي على التنظيم أن يتقبل ويمنح باستمرار الطاقة والمادة والأخبار. إنه نسق معقد، إذن، يتموضع في مستوى أعلى، وفي وضعية من اللاحتمالية أو اللاتوقعية. ويزودنا التواصل بالسنن الذي يصف الكيفية التي يجب على المادة أن تنتظم بها، وكذا طبيعة الوظائف التي يجب أن تفرض (تقرر) حتى تحافظ على ذاتها بنفسها. إن عدم التوازن شيء ممكن دائما حتى داخل الأنساق الصارمة. فالنسق (الأنساق) المنفتح(ة) يتحول بدوره ليتجه نحو تعقيد متزايد ونحو ترابط داخلي واختلافية تراتبية. ويمكن أن يعتبر النسق المنفتح بمثابة شبكة وتراتبية متعددة المستويات.[4]"

وعليه، يعد الأدب نسقا ثقافيا وسيميائيا متعددا ومركبا ومتنوعا، يتفرع إلى مجموعة من الأنساق الفرعية التي تشكل ما يسمى بثنائية المركز والمحيط.ويخضع النسق الثقافي لثلاثة خصائص أساسية هي: الانفتاح، والتهجين، والدينامية.

وتتحدد الأنساق المركزية، مقارنة بالأنساق الهامشية والمحيطة، بواسطة سجلات ثقافية معيارية مقننة،  يسهر عليها الأفراد والجماعات والمؤسسات، وبها تتحدد الثقافة السائدة في فترة زمنية معينة، ومكان محدد.

وعليه، يعد الأدب عبارة عن مؤسسة اجتماعية ثقافية بامتياز. ويتميز بسجلات مركزية وسجلات فرعية.ومن هنا، فالأدب نسق ثقافي واجتماعي مركب، ومتعدد، ودينامي، ودياكروني، وليس نسقا شعريا أحاديا مغلقا وثابتا وسانكرونيا. ويتضمن هذا النسق مجموعة من النصوص والسجلات (Répertoires) التي تتفرع، بدورها، إلى مجموعة من الأنساق والأجناس الأدبية من الدرجة الأولى والدرجة الثانية.

الخاتمة:

وخلاصة القول، يتبين لنا، مما سلف ذكره، أن الشعرية (Poétique) مشتقة من الإبداع ونظم الشعر، ويقصد بها مختلف القواعد والمكونات التي تتحكم في النص الأدبي وفق القيمة المهيمنة من جهة، وعنصر الأدبية من جهة أخرى. ومن ثم، فهي مقاربة بنيوية لسانية سانكرونية بامتياز، تدرس النصوص والخطابات وفق مجموعة من البنى والعناصر والمستويات المنهجية تفكيكا وتركيبا. ويعني هذا أن الشعرية نظرية علمية للأدب بامتياز، تهدف إلى توصيف الآثار الأدبية وتشريحها لسانيا وبلاغيا وأسلوبيا وعلاماتيا بغية استخلاص القواعد الأساسية، بالتركيز على المكونات الثابتة من جهة، واستجلاء السمات الحاضرة والغائبة من جهة أخرى.

ولقد عرفت الشعرية البنيوية اللسانية تاريخا طويلا في امتدادها التطوري، وارتبطت بالإبداع الأدبي، منذ انبثاقها في بداية الأمر، إن نظرية، وإن ممارسة. ومن هنا، يمكن الحديث عن شعرية غربية، وشعرية آسيوية، وشعرية أفريقية، وشعرية عربية إسلامية...

وإذا كانت الشعرية الغربية قد عرفت تطورا كبيرا منذ اليونان إلى يومنا هذا، فلقد ارتبطت الشعرية العربية، بدورها،  بنقد الشعر وصناعته وتقويمه مع مجموعة من النقاد والبلاغيين واللغويين والفلاسفة والمفسرين كقدامة بن جعفر، والأصمعي، والباقلاني، وابن وهب، والخفاجي، والآمدي، والعسكري، والجاحظ، وابن طباطبا العلوي، والحاتمي، وعبد القاهر الجرجاني، وابن سينا، والفارابي، ابن رشد، وابن رشيق القيرواني، وابن خلدون، وحازم القرطاجني، والسجلماسي، والكلاعي، و القلقشندي، و الحموي، والصفوري...

وعلى الرغم من أهمية الشعرية في كونها منهجا لغويا شكلانيا، يقارب النص الأدبي من الداخل تفكيكا وتركيبا، ويتعامل مع النص المعطى باعتباره بنية مغلقة، في ضوء مستويات لسانية بنيوية وصفية، تهدف - بشكل من الأشكال- إلى استكشاف البنيات المنطقية والقواعد العميقة  التي تتحكم في توليد النصوص والخطابات، فإن هذه المقاربة تهمل السياق الخارجي، وتقصي المبدع من حسابه، وتغض الطرف عن العوامل النفسية والاجتماعية والتاريخية التي يكون لها دور من الأدوار في عملية الإبداع والتأثير. ومن هنا، تقتل الشعرية البنيوية الإنسان، وتهمش التاريخ، وتتعالى عن الواقع. بيد أن الشعرية تظل  المنهج النقدي الأقرب إلى النص الأدبي الفني والجمالي لوجود اللغة باعتبارها عنصرا مشتركا بينهما. ومن ثم، فعلاقة الشعرية البنيوية بالأدب هي علاقة تكامل وترابط ليس إلا.

 

د. جميل حمداوي

أستاذ الدراسات العليا في المغرب

........................................

 [1] - Roger Garaudy : STRUCTURALISME ET MORT DE L'HOMME, Revue La Pensée, n°135,1967.

 [2] - تهدف المقاربة المتعددة التخصصات إلى التعامل مع النص الأدبي في ضوء مجموعة من التخصصات العلمية والمعرفية. ويعني هذا أنه من الصعب بمكان الحديث في هذا السياق عن منهجية خالصة ومستقلة، بل المنهجيات المستخدمة - هنا داخل العمل الأدبي- متداخلة ومتقاطعة بشكل يخدم فيه الواحد الآخر. أي: إن المقاربة المتعددة التخصصات مقاربة منهجية مفتوحة تدرس الأدب في ضوء مجموعة من العلوم والتخصصات المعرفية المتعددة والمتشعبة بغية الحصول على الدلالة، وبناء المعنى. وبهذا، تكون هذه المنهجية مرنة، ومنفتحة، وموسوعية، تشترك في بنائها مجموعة من المناهج والتخصصات المتعددة. فليس ثمة نظرة ضيقة أحادية، ولابعد منهجي واحد في التعامل مع القضية الأدبية أو الظاهرة الثقافية فهما وتفسيرا.وتعمل هذه المنهجية على استجلاء مختلف مستويات الدلالة النصية، وتفسيرها ضمن تعددية دلالية وتأويلية. بمعنى أن النص الأدبي يقدم معرفة إنسانية وتجربة إبداعية رمزية متشعبة ومركبة، من الصعب مواجهتها بمنهج نقدي واحد محدد نظريا وتطبيقيا، فلابد من الاستعانة بجميع المناهج النقدية للإحاطة بالنص الأدبي من جميع جوانبه النصية سطحا وعمقا قصد الظفر بالدلالة التي قد تنتج عن مستويات مختلفة للمعنى. علاوة على ذلك، تتعامل المقاربة المتعددة التخصصات - بالضبط - مع النصوص الإبداعية التي تحمل في طياتها خطابات متعددة، ومستويات مختلفة من الدلالات. كما تتعامل هذه المنهجية مع النصوص الغامضة والمعقدة والمركبة والمتشعبة، مثل: النصوص الشعرية الرمزية والاستعارية، والنصوص الصوفية كما لدى الحلاج - مثلا-، أو التعامل مع النصوص الشعرية ذات الصورة الرؤيا، كما عند أدونيس، أو عبد الوهاب البياتي، أو محمد بنيس، وغيرهم...

ومن هنا، ترتكز هذه المقاربة منهجيا على تحديد الخطابات المتعددة، واستخلاص الرؤى المختلفة المتحكمة في العمل الأدبي، وتبيان الرؤية الموحدة الجامعة بين كل مستويات هذا النص في ضوء هذا التعدد المتباين، مع استكشاف البناء المنطقي لهذه التعددية خفاء وتجليا. 

[3]- كليمون موزان: (التاريخ الأدبي باعتباره خطابا علميا)، ترجمة:حسن الطالب، مجلة فكر ونقد، المغرب، العدد28، 15أبريل 2000م، صص:21-30.

[4]- كليمون موزان: نفسه، صص:21-30.

 

رحيم الغرباويما تزال المرأة بطانة الرجل ورمز لأسراره، وهي النموذج الحي لرحلته ، وليس من حقيقة إلا وهي أصل لها، وقد تمثلت منذ مطلع الحضارات بالأم بوصفها رمزاً للإخصاب، "وهي زوجة الإله الذي يموت ثم يبعث حيَّاً، وهي في الوقت عينه عذراء إيزيس، وعشتار لتموز، وكيبيلا لأتيس، وتمثل الإلهة قوى الأرض المنتجة" (1)؛ لذلك نجدها شاخصةً في عيون التواريج وإلى يومنا هذا، أما في الشعر فهي الأنثى التي سلبت العقول قبل القلوب، وما الشعر الوجداني لدى الرجال إلا متسع ينبض بها ولها، لكن من اللافت أنَّ وجهة نظر المرأة الشاعرة اليوم قد قلبت الموازنة في نصوصها فصارت المنتظرة بل والمُفرَّط في حقوقها وفي كثير من الأحيان تكون المجارية لما يخطه الرجل لها .

ولعل تركيبة العصر الحالي الذي زاغ عن تكويناته الأولى بفعل ما ترسب فيه من أفكار وتطلعات وثقافات جعل المرأة يعلو شأنها في أماكن من المعمورة وفي آخر نراه يتضاءل تبعاً لمردودات الحضارة عليه ؛ ولما لنزعة الرجل المتجذرة بطبيعة تكوينه في غلبة العنف وما يتنكبه من متضادات مثل ما هي عليه الطبيعة وما يستشعره بالتفوق والغلبة، وقد حكت لنا الأساطير من صراعات بين البشر وبمناصرة الآلهة حسب الاعتقادات السائدة، وقد كانت المرأة هي محور هذه الصراعات في غالب الأحيان كما حكت لنا الملحمة الإغريقية الإلياذة التي كان سبب حدوثها هو اختطاف أحد أمراء طروادة ملكة اليونان هيلانة (2)، فطغت وعلى مرور الأزمان شقوة الرجال واعتزازهم بالمآثر وتخليد مقاماتهم في الشجاعة والبطولة والكرم لاسيما لدى العرب وتحولت المرأة لديهم من إلهة كعشتار إلى ممتهنة ترعى الشياه والإبل . وما زال هذا الفكر متجذراً في نفوسهم إذا ما ابتعدت عقولهم عن وهج الحضارة ومراقي المدنية .

وشاعرتنا سلوى محمد علان واحدة من الشاعرات اللاتي كتبن للتعبير عن لواعجهن تجاه محنة العصر وفيه مأساة الكثير من نسائه والتي يقود دفته الرجال ولا يسمح أنْ تُدارَ الحياة إلا بذهنيته ؛ مما جعل من إحساس النساء يعوم في محنة التمزق والشتات جراء العنف الذي يتمثل في الرجل ؛ لما له من هيمنة وسيلتها القوة والشعور بالتعالي فنراه يوظفهما لأجل الغلبة والسطوة والاستبداد، لذلك نرى شاعرتنا سلوى تنتقد الذكورة التي تتحكم بمصائر العباد بعدما كانت المرأة في نشأة الحضارات الأولى لها الدور الكبير في قيادة الحياة وفي تدبير امور البلاد، بل و كانت الحاضنة المشفقة على الرجال، وهم يسجدون لها ويقدمون بين يديها القرابين لكنها بقيت كما هي بالأمس أُمَّاً تمنح الحب حتى لمن يعقّها ويستبيح كرامتها ؛ لأنها خلقت للحب وللخصب والنماء، فنراها تقول في ذلك :

تعال أستجر بك من رمضاء الأشواق

أهش بوجهك الصبوح على ناصية سهري

متوثبة

أُحضر الخطايا لحظة عتاب

كلوح زجاج مكسور

وأماني طفل يتيم

ينتظر العيد ولا يأتي !!!

لي الأيام الثكلى

ولك بعضي أو كُلِّي لو شئت !!!

لي رداء شفاف لا يستر عورة خيباتي

ولك قلبي خيمة ووطن !!!

فهي تعلن استجارتها من رمضاء الأشواق، لما تستشعره من جفوة الرجل (الحبيب) بسبب سطوته التي يختال بها يرغب، بينما يؤمه قلبها قبل عينها، فهي تومئ لذلك بـ ظِل وجهه المتخيل حين تقلِّب صورته في منامها، كما أنَّ الخطايا تفرشها لأجل العتاب، وقد استعملت أسلوب التشبيه ؛ لتوضح المعاني التي ترومها ففي النص تشبيهان، إذ تشبه توسلها بالزجاج المكسور أو كطفل يتيم ينتظر العيد الذي لايأتي بسبب حرمانه، إشارة منها إلى أنَّ أمانيها لاتتحقق مع من ترومه ؛ مما جعلها ثكلى وهي تطلب منه أن يتملكها ولو لجزء منها . ثم بالمفارقة تمنح سطورها دهشة المتلقي حين تصف رداءها الشفاف الذي لايستر خيباتها بدلاً من أتقول (لايستر عوراتها)، بينما تجعل من قلبها خيمة ووطن له ؛ وكأننا نقرأ أنَّ النفوس تعيش عناء الاغتراب لا كما حالها في نشأتها الأولى، بينما الإنسان يظل يسعى للتآلف والانسجام معها، ولما كانت حياة المخلوقات مبنية على الصراع الأزلي بين الخير والشر وأنَّ الإنسان ينتابه كلا النزعيتن (فألهمها فجورها وتقواها)، لذا نجد غلبة الشر على الخير في عصرنا؛ مما جعل كل شيء في غير مقامه ومكانته التي خُلِق بها .

فهي تقول:

لي ليل الكآبة

ولك فجر يلوح أفقه !!!

في ذمتك وعود خاوية...

ولك في ذمتي أرض وسكن...

ها قد ناداك النوم بإغراء لا يقاوم

وأفسدت مخيلتي ونهاري !!!

فداهمني البكاء بلا دمع ...

حين وليت وجهك عني...!

ولعلها أيقنت أنَّ الحب لديها هو العيش في الليالي الكئيبة، بينما تراه يعيش الدعة والأمان وهي تقارن بين حالين : حالها المأساوي من جهة، وحاله الذي يتسم بالحبور والسعادة من جهة أخرى، فهو لن يبالي بوعوده التي قطعها لها، بينما هي تمثل السكن والملاذ الأصيل كون المرأة باقية على حقيقتها لا تتغير بل هي تبقى مثال الأرض المعطاء في تمثلها للأم والوطن والسكن، وقد استعملت أسلوب المغايرة بالمقابلات، وهو أسلوب يمنح النص جمالياته المعنوية، و نرى تفشيه في سطور النص: لي ليل الكآبة – لك فجر يلوح أفقه، في ذمتك وعود خاوية – ولك في ذمتي أرض .

ويبدو أنها تتهم الرجل الشرقي بعدم الوفاء وهو من ينقض العهد والميثاق ؛ لأنَّ قلبه تحول إلى ظلمات تجاه الجنس الآخر المرأة، فتراه يتعامل معها كما يتعامل الفارس مع القلاع حين يسعى إلى اقتحامها، ولايهتم سوى بتهديم أسيجتها واقتلاع أبوابها المؤصدة من دون ارعواء حتى وإنْ انهارت أركانها ؛ ذلك شعور المتلبد بثقافة الغابات التي تتطوح في البقاء للأقوى، بينما يبقى قلب المرأة الودود يحن ويشتاق على الرغم من الأسى الذي تكابده، هذا ما أرادته الشاعرة من التعبير عن نساء عصرها وهي واحدة من بينهن، كما نلمس في قصيدتها نكهة المرأة التي اشتعلت عيونها وفاء وقلبها مواريث رماد .

 

بقلم: د . رحيم الغرباوي

.....................

(1) سحر الأساطير، م ف إلبيديل 360

(2) ينظر في النقد الأدبي الحديث، فائق مصطفى : 114

 

عبد القادر اعمر"القطعة الأدبية لا تلمس القارئ إلا إذا تفجرت من ألم الكاتب، فالكلمات التي تلمس القلوب هي كلمات تنبع من الام عميقة، ولن تتحول إلى إبداعا إلا إذا لمسها الألم الراقي وصقلها لتصبح تحفة ثمينة في متحف الحياة"

بصدد قراءتنا لرواية "ذاكرة قاتل كي لا تنسى" للكاتبة سلمى الغزاوي الصادرة سنة 2018 عن دار اكتب النشر والتوزيع عدد صفحاتها 142 من الحجم الصغير، بداية نلاحظ أن العنوان يوحي إلى ذاكرة مليئة بالحزن والإنتقام التي تما إستحضارها لكي لا تنسى هذه الذاكرة أو هذه القصة لتبقى رمزا من رموز الظلم والاضطهاد، كما أن صورة الغلاف التي من إعداد أحمد فرج توحي لنا من خلال نظرتنا الأولى لرواية أن هناك فتاة بزيها الأحمر الدي يميل إلى ماهو رسمي وسط غلاف أسود يوحي بالظلمة التي تهرول هربا منها هذه السيدة الثلاثينية العمر على حد التقدير وتتضمن الصورة كدلك شخص اخر يظهر منه جانب يده الأيسر فقط، يرتدي هو الأخر نفس اللون الأحمر ويحمل سكينا، هذا ما قد يوحي لنا بأنها يد القاتل المقصود، وباعتبارها تنتمي إلى جنس الرواية البوليسية وكما هو معروف من أكثر الأدب شيوعا في الغرب الدي نشأ مبكرا ربما في القرن السابع عشر أو الثامن عشر، حيث يضع القارئ تحث وطأة نص تشويقي ومثير لايستطيع إلا أن يتتبع وقائعه، وهذا مانجده في رواية سلمى الغزاوي حينما تكبلنا بقيود الفضول والسير خلف حروفها لكشف الغموض حول شخصية "القاتل الما لانهاية" على حد قولها، محاولا استنتاج النهاية وكشف اللغز الذي يؤدي بهذا القاتل إلى إرتكاب الجرائم، لكن كما هو معروف "الإبداع الحقيقي هو الذي تكون نهايته غير متوقعة وصدمة للقارئ وتجعله في الأخير شارد الذهن ".

نجد أن رواية "ذاكرة قاتل كي لا تنسى"، تسرد قصتها صحفية تدعى عايدة، اتخذت قرار دراسة الصحافة وامتهانها لإكمال ما بدأه والدها الذي كان صحفيا معروفا وشريفا في محاربة الفساد، وعندما صرح في آخر مقال كتبه أنه يملك معلومات هامة وخطيرة في قضية من أكبر قضايا الفساد المادي، قاموا بتصفيته وهو يغادر مقر الجريدة، وبعد ذلك امتهنت عايدة الصحافة بقسم الحوادث وتكتب العديد من التحقيقات حول جرائم وحشية .. إلتقت بعشيقها عمر الذي يشتغل في الشرطة القضائية بعدما راسلها عبر البريد الإلكتروني حيث أبدى عن إعجابه لكتابتها ونية مساعدتها في كتابة التحقيقات وكذلك تبادل التخمينات والإستنتاجات لتوصل إلى هوية القاتل المدعو المالانهاية الذي كان يقتل الضحايا المرتبطين بالبيدوفليا وتصفه عايدة بالشبح أو الشيطان الذي يتلذذ في نحر ضحاياه ويغيب بعد ذلك أثره، وهذه القضية التي يشتغل عليها عمر من خلال مهنته من أجل إلقاء القبض على المجرم، كذلك عايدة التي تحاول كتابة مقالات حول الجرائم لتنوير الرأي العام بالمستجدات وهو الأمر الذي أدى بعايدة إلى الوقوع في حب عمر، بعدها توالت جرائم القاتل دون أن يترك أي دليل يثبت هويته حتى وصل إلى جريمته السابعة وهي الجريمة الأخيرة والأكثر بشاعة من كل جرائمه المتسلسلة لكن هذه المرة أخطأ القاتل حساباته وخلف بصماته وأثر حذائه في منزل الضحية، مما مكن من تحديد هويته وهو المدعو سعيد والملقب بالسعدية لأنه معروف بشدوده الجنسي، والضحية السابعة هو رجل سياسة يدعى منصف سراج الدين، لكن سعيد فر إلى نزل بإحدى المدن الصغيرة وبعدما حددت الشرطة مكانه، اقدم على الإنتحار عن طريق تناوله لمزيج قاتل من المواد الكيميائية الخطيرة، مما أدى إلى وفاته على الفور.

بعد انتحار سعيد أغلقت القضية على إثر كل الدلائل التي تثبت تورطه في الجرائم السابقة لكن عايدة ظلت تفكر في أن هذه القضية تحمل في طياتها مفاجآت كبرى أبعد عن احتمالاتنا لأن لعنة السفاح المالانهاية لم تنتهي ولن تنتهي أبدا.

والمفاجأة الكبيرة التي تحملها الرواية هي أن هوية السفاح المالانهاية ليس هو سعيد بل هو الشخص المقرب لها هو عمر الشرطي القضائي الذي تعرض إلى الإستغلال الجنسي في سن السابعة مما أدى به إلى الإنتقام للأطفال المغتصبين، وأقر على أن القوانين المجتمعية والقوانين الوضعية قاصرة لحقوق الأطفال المغتصبين، وكان مغتصبه هو صديق والده "منصف سراج الدين" حيث اصطحبه معه في نزهة إلى إحدى الغابات، أوقف سيارته وأغتصبه فوق مقعدها الخلفي، هذا ما أدى الشرطي إلى تطبيق عدالته الخاصة في حق مغتصبه ومن أجل تطوير قدراته في القتل أخد عينات إجرامية وشرع في البحث عن ضحايا تجريبية وساعدته مهنته ليستعملها كوعاء لتنفيذ جرائمه بسهولة مطلقة.

في الليلة التي قطف فيها روح منصف، تسلل إلى إقامته الثانوية البعيدة عن الأنظار التي كان يخصصها لممارسة اضطراباته الجنسية، ارتدى عمر قفازتين وأجهز سكينه وجلس ينتظر في الظلام وعند انقضاضه على منصف دس يده في جيبه واتصل بعشيقه الشاد سعيد وطلب منه أن يلتحق به وبعد ذلك قطع العضو التناسلي لمنصف وألقاه في المدفأة وقصد غرفة النوم وحطم الخزينة من أجل إلقاء التهمة على سعيد وكما كان متوقعا دخل سعيد إلى البيت وتناول الطعام وأقدم على السرقة وبعد ذلك انطلق عمر إلى غرفة سعيد وزرع الأدلة بعناية وهي بعض من الأعضاء الجسدية التي كان يقتلعها من الضحايا وبعد ذلك فر سعيد وأقدم على الإنتحار ليكون الضحية الثامنة بشكل غير مباشر، ويغلق معها البحث عن مجرم المالانهاية، وتقرب عمر من عايدة لأنه يريد أن تكتب رواية عن إنجازاته الإجرامية وتكتب عن الصغار ضحايا البيدوفليا. 

لكن هل استطاعت سلمى الغزاوي الدفاع عن الأطفال ضحايا الإعتداء الجنسي؟

هل يمكن أن تكون الكتابة طريقا لدق مسامر النسيان على أحداث مؤلمة مخزنة في الذاكرة؟

هل تحرر الذاكرة من الماضي رهين بكتابة ألم وإخفاقات الكاتب؟

يقول علي شايع في مقاله المعنون ب "كتابة النسيان" ضرورة الكتابة هو أن نفعل ونعيش المقبول والمحدود منطلقا منه، والكتابة عليها أن تكون بحجم الميزان قبل الوثوب عليه لأنها ستكون قفزة في جهة النسيان الأعمق.

وحسب جاك لاكان "الكتابة هذه العملية الزئبقية الضرورية الواقعة بين الذاكرة والنسيان في مقام برزخي بين الواقعي والخيالي والرمزي هو الضابط رغم تداخل الدوائر الثلاث"، ومن هنا قد نفهم أن استرجاع الأحداث المخزنة في الذاكرة من الألم ضروري في كل كتابة، لا بالمعنى الذاتي للكلمة بل بالمعنى الجمعي، فالكاتبة سلمى الغزاوي هي النائب عن الأطفال ضحايا البيدوفليا، تحمل آلامهم الصغيرة والكبيرة وهي ذاكرتهم الطفولية وذاكرتهم الحالية وهذا ما تجسده شخصيتها عايدة الكاتبة التي تحاول أن تسلط الضوء على هذه الظاهرة لكشف أسبابها ومخلفاتها في حياة الأطفال.

ولأن الكتابة هي لعبة نسيان تطوي الأحزان والمعاناة في النهاية لكنها لا تطوي قصص المظلومين الذين تجرعوا ألم الخذلان من المجتمع الذي تنكر لهم، على لسان عايدة "مترددة أنا، متأرجحة بين النسيان واللانسيان، حتى انتهي منها ومنه وأغادر مغاور الذاكرة بأقل الذكريات الممكنة "هنا تحاول الكاتبة أن تبين أن استرجاع الأحداث المؤلمة من أجل تحويلها لحروف هو أمر مرهق يعيد أحداثا حزينة تجعلنا نتأرجح بين النسيان واللانسيان لكن ضرورة الكتابة تفرض العودة إلى هذه الأحداث من اجل الخروج منها بأقل الأضرار.

وتقول أيضا "يؤمن معظم الكتاب أننا ندين الجراح بالكثير، فلولاها ما كنا لنطلب اللجوء الأدبي لنكتب ونشفى بعد أن تمكننا الكتابة من رتق جروحنا، كثيرون هم الكتاب الذين يستشهدون على علاقة الجراح الغائرة بالكتابة بالقول الشهير لكافكا "الكتابة انفتاح جرح ما.."

هذا الجرح الذي تتحدث عنه الرواية هو حب عايدة لعمر الذي لا طلما غواها شغفه الجميل لكنه كشرعن أنيابه بعدما وصل عمر إلى مبتغاه، فصعب عليها النسيان لأن طيف الحب أقوى من الإستسلام لنسيان... لكن هل استطاعت عايدة أن تنسى طيف عمر بعدما خطت أناملها رواية عمر السفاح المالانهاية ؟

على لسانها تقول "ماذا لو امتلكت الشجاعة الكافية لأول وأخر مرة في حياتي وأحرقت مسودة هذه الرواية الملعونة لأتحرر من طيف هذا الحب القاتل " وتعود للقول "لأول مرة أعي أن كل ما يشاع عن استحالة إصابة قلوبنا بداء النسيان مجرد ترهات نسجتها الروايات والأفلام الرومانسية لنبقى على قيد الأمل.."وهنا تقر الكاتبة أن الكتابة لا تستطيع ان تمسح الذاكرة القلبية للكاتب لأنه لا سبيل للنسيان عبر الأحرف لكن البحث في قبو الذاكرة والألم يفجر الإبداع.

وفي الشق الثاني نلاحظ أن الكاتبة استطاعت الدفاع عن الأطفال الصغار ضحايا الإعتداء الجنسي بعد سردها لقصة عمر أو السفاح المالانهاية وكشفها للأثار النفسية البعدية الانتقامية التي تستعمر ذاكرتهم والرافضة للنسيان جراء عدم استيعابهم الصدمة، وهو الشيء الذي خلق اضطرابا في بنية شخصيتهم وكذلك أكدت على أن تخزين الطفل للحدث خلال تعرضه للإعتداء يقوم بنقل الذكريات والأحاسيس المريضة إلى منطقة اللاوعي إلى أن تتطور حالته وتصبح ذكرياته وأحاسيسه كيانا مستقلا قائما بذاته لتنتج اضطراب أخر يدعى بالسكيزوفرنيا تجسيدا للشخصية الانتقامية وترجع الكاتبة مشكلة تنامي هذه الشخصية الانتقامية لدى الأطفال إلى الأمهات والآباء لأنهم لم يلاحظوا تعرض أبنائهم للإعتداء الجنسي وحتى إذا تمت ملاحظة الأمر فيكون بعد فوات الأوان أي بعد تشوه شخصية الطفل الضحية إلى حد تعجز فيه المساعدة النفسية عن تجميلها، لنصل في الأخير أن استحضار الكاتبة لعنوان قصة قاتل كي لا تنسى من أجل الوقوف على ظاهرة الأطفال ضحايا البيدوفليا كي لا تطغى عليهم النظرة التحقيرية من المجتمع، وتقديم لهم المساعدة اللازمة لتجاوز الأزمات النفسية وكذلك معاقبة كل المجرمين المتورطين بالبيدوفليا بأقصى العقوبات.

 

من كتابة عبد القادر أعمر

 

جميل حمداويالمقدمة: إذا كانت الشعرية الغربية قد عرفت تطورا بارزا منذ فترة اليونان (أرسطو وأفلاطون) إلى يومنا هذا، مرورا بالمدارس الشعرية الكبرى كالشكلانية الروسية، ومدرسة المورفولوجيا الألمانية، ومدرسة النقد الجديد، ومدرسة التحليل البنيوي، فإن الشعرية العربية، بدورها، قد شهدت مراحل كبرى من الطفرات والقفزات النظرية والتطبيقية البارزة في الحقل الثقافي العربي القديم والحديث والمعاصر. ويمكن القول : إن الشعرية العربية قد ساهمت في إغناء الشعرية الغربية الحديثة والمعاصرة بتصوراتها الحداثية، إن تصورا، وإن ممارسة.

المطلب الأول: الشعرية العربية القديمة

لقد اهتمت الشعرية العربية القديمة بنظرية الأدب نقدا وتجنيسا وتوصيفا وتصنيفا، كما يبدو ذلك جليا عند قدامة بن جعفر، وابن طباطبا العلوي، والباقلاني، وابن وهب، والخفاجي، والعسكري، والجاحظ، والكلاعي، وابن رشيق القيرواني، وحازم القرطاجني، والسجلماسي، والقلقشندي، والحموي، والصفوري...

ومن جهة أخرى، كانت هناك اهتمامات كثيرة بصناعة الشعر، وعمود الشعر العربي، ونظرية النظم، والمحاكاة والتخييل، وتقعيد الشعر، والبحث عن الحداثة الشعرية تحولا وانزياحا ومعاصرة، والاهتمام بعملية التجنيس والتصنيف الأدبي،  وما نظرية الأغراض الشعرية (مدح- فخر- هجاء- وصف...) سوى دليل قاطع على اهتمام نقادنا العرب القدامى بالشعرية وعملية التجنيس ؛ حيث ميزوا، في البداية، بين الشعر والنثر، وتحدثوا عن أفضلية كل واحد منهما، وخاصة في العصر العباسي، ثم شمروا عن سواعدهم للتمييز بين مجموعة من الأجناس والأنواع والأنماط الأدبية (الرسالة-النادرة-المقامة- الخطبة- الوصية- العتاب- الاعتذار- الحكاية- المثل- الأدب- الموعظة - النقد- الخبر- الحديث- الطرفة- النكتة- الأحجية- المناظرة-...). ونجد هذا الاهتمام أيضا عند الفلاسفة المسلمين أنفسهم (الفارابي، وابن سينا، وابن رشد...)، وبالضبط بعد ترجمة كتب أرسطو الفلسفية.

كما اهتم النقاد والفلاسفة واللغويون والبلاغيون وعلماء التفسير بصناعة الشعر من حيث المضمون والشكل والوظيفة، وركزوا على مظاهر الإعجاز القرآني، وبلاغة الحديث النبوي وبيانه، ودرسوا شعرية المتنبي، وأبي تمام، والبحتري، وأبي نواس، وغيرهم؛ فتوقفوا عند إشكالات شعرية ونقدية مهمة كقضية الغموض الشعري، وقضية القدم والحداثة، وقضية الثبات والتحول، وقضية الطبع والصنعة، وقضية اللفظ والمعنى، وقضية بناء القصيدة الشعرية، وقضية الوحدة الموضوعية والعضوية، وقضية الصورة الشعرية، وقضية عمود الشعر العربي، وقضية المحاكاة والتخييل، وقضية المعنى والإحالة، وقضية السرقات الشعرية، وقضية الفن والدين، وقضية البيان والتبين، وقضية الإيقاع العروضي، وقضية رواية الشعر ونحله وانتحاله، وقضية البديع والتوليد الشعري، وقضية الكساد الشعري، وقضية المفاضلة بين الشعر والنثر، وقضية النظم، وقضية صناعة الشعر، وقضية المصطلح النقدي، وقضية البيئة، وقضية علاقة الشعر بالفلسفة والمنطق، إلخ...

المطلب الثاني: الشعرية المعاصرة وقضية التجنيس

إذا انتقلنا إلى الحقل الثقافي العربي المعاصر بغية تتبع شعرية الأجناس الأدبية، على سبيل المثال،  فثمة دارسون عديدون  قد اهتموا بتأريخ الأجناس والفنون والأنواع والأنماط الأدبية، بتعريفها من حيث الشكل والمضمون والوظيفة، وتحديد مرتكزاتها ومكوناتها وسماتها، مع ذكر النماذج التمثيلية من الثقافتين : الغربية والعربية على حد سواء، ثم الانتقال  إلى دراسة بعض النصوص التي تمثل أجناسا أدبية محددة مضمونا وشكلا، كما فعل محمد مندور في كتابه( الأدب وفنونه)[1]، وعز الدين إسماعيل في كتابه (الأدب وفنونه)[2]، وعبد المنعم تليمة في(مقدمة في نظرية الأدب)[3]، ومحمد غنيمي هلال في كتابه(في الأدب المقارن)[4]، وعبد السلام المسدي في كتابه(النقد والحداثة)[5]، وموسى محمد خير الشيخ في(نظرية الأنواع الأدبية في النقد العربي)[6]، وإحسان عباس[7] في كثير من دراساته التي خصصها  لمجموعة من الفنون والأجناس الأدبية، كالنقد الأدبي، وفن الشعر، وفن السيرة... وما قام به بعض الدارسين المحدثين من مراجعة لقضية الأجناس الأدبية في ضوء مناهج حديثة:  بنيوية، وسيميائية، وقرائية، ونقدية تاريخية، كما فعل عبد الفتاح كليطو في كتابه(الأدب والغرابة)[8]، ورشيد يحياوي في كتابيه ( مقدمات في نظرية الأنواع الأدبية)[9]، و(شعرية النوع الأدبي)[10]،ومحمد برادة الذي طبق مفهوم التجنيس المستوحى من ماري شيفر في كتابه(لغة الطفولة والحلم، قراءة في ذاكرة القصة المغربية.[11])

وعليه، فلقد اهتم النقاد والدارسون المحدثون والمعاصرون بنظرية الأجناس الأدبية تأريخا وتعريفا وتنظيرا وتطبيقا، وخاصة  طه حسين الذي  أعاد النظر في تقسيم القدماء للكلام العربي إلى شعر ونثر، في كتابه (من حديث الشعر والنثر)[12]؛ حيث ميز بين الشعر كجنس أدبي مستقل. وقسم الأجناس النثرية إلى قسمين رئيسيين هما: الخطابة والنثر الفني، بعد أن كان قد أشار إلى مجموعة من الأنواع النثرية المعروفة، كالخطابة، والتاريخ، والترسل، والمناظرات العلمية والفلسفية والدينية، والقصص الخاصة، وأيام العرب.

علاوة على ذلك، فلقد خصص الباحث المغربي عبد الفتاح كليطو نظرية الأجناس الأدبية بفصول متميزة ومركزة في كتابه(الأدب والغرابة)؛ حيث  اعتمد، في عملية التجنيس، على نظرية التلفظ. بمعنى أنه يعتمد على تحليل علاقة المتكلم بالخطاب. ويعتني على سبيل الخصوص بمسألة إسناد الخطاب، وبما يترتب عن الإسناد من أنماط خطابية. ومن ثم، يحدد كليطو أربعة أنماط خطابية:

1- المتكلم يتحدث باسمه: الرسائل، والخطب، والعديد من الأنواع الشعرية التقليدية..

2- المتكلم يروي لغيره: الحديث، وكتب الأخبار...

3- المتكلم ينسب لنفسه خطابا لغيره.

4- المتكلم ينسب لغيره خطابا يكون هو منشئه.وهنا حالتان: أما لايفطن إلى النسبة المزيفة فيدخل الخطاب ضمن النمط الثاني، وأما يفطن إلى النسبة فيدخل الخطاب الأول.وكمثال نذكر " لامية العرب" التي أنشأها خلف الأحمر ونسبها إلى الشنفرى.

ثلاث ملاحظات:

- النمط يلم عدة أنواع.

- الخطاب الواحد يمكن إرجاعه إلى نمطين، مثلا:

ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة   فقالت: لك الويلات أنك مرجلي

كلام الشاعر من الصنف الأول: أما كلام حبيبته فإنه من الصنف الثاني(إن كان الأمر يتعلق برواية)، أو من الصنف الرابع (إن كان الأمر يتعلق بنسبة).

- في الخطابات المندرجة ضمن الصنف الأول، ينبغي مراعاة حصة الخطاب العام الذي ينبع من الحقل الثقافي.

للتبسيط يمكن إرجاع الأنماط الأربعة التي ذكرنا إلى نمطين:

1- الخطاب الشخصي.

2- الخطاب المروي:

1-  بدون نسبة.

2- بنسبة:

أ- صحيحة.

ب- زائفة.

ج- خيالية."[13]

أما عبد السلام المسدي في كتابه( النقد والحداثة)، فيرى أن قضية الأجناس الأدبية هي قضية مستوردة من الغرب، وأن العرب كانوا يعرفون الشعر والنثر ليس إلا. بمعنى أن" مقولة الأجناس دخيلة على قيم الحضارة العربية في مكوناتها الإبداعية، وهذه من ظواهر الخصوصيات المميزة، إذ لايحكم لأمة من الأمم بتفوق حضاري إن هي عرفت لونا من ألوان الأدب، كما لا يحكم على حضارة أخرى بنقصان إن هي لم تعرفه، بل ليس بقادح في تاريخ العرب أن تصورهم للأدب لم ينبن على مقولة الأجناس أصلا، وإنما قام على تصنيف ثنائي مرتبط بنوعية الصوغ الفني، غير متصل بطبيعة الجنس الإبداعي، فكان بذلك تصنيفا نوعيا أكثر مما كان تصنيفا نمطيا.

لقد أقام العرب أدبهم على منظوم ومنثور وبين الشعر والنثر فاصل فني بنائي قبل كل شيء، أما مضامين الدلالة فليس واحد منهما بأحق بها من الآخر، بل إن كان منهما ما هو خليق بالكل دون البعض، فإنما هو الشعر إذ بفضل طاقته الاستيعابية حاز السبق فقال عنه أهله:" الشعر ديوان العرب".

وبما أن كل إبداع في فن الأدب قد حام على فلك هذين المدارين، فقد تمسك بهما أجدادنا العارفون بشأن الصياغة الإنشائية، فتوسلوا بالمنظوم والمنثور كرة أخرى لما هموا بتعريف النص المقدس الذي تحدى العرب في أقوى خصائصهم المميزة: بلاغة اللفظ وفصاحة اللسان. فقالوا عنه:" إنه ليس بنظم ولابنثر، وإنما هو قرآن""[14]

وينتقد عبد السلام المسدي تلك الدراسات العربية الحداثية التي تحاول دراسة الأجناس الأدبية في تراثنا العربي، في ضوء مقاييس ومنهجيات نقدية غربية حداثية ظلما وتعسفا. وفي هذا، يقول الدراس:" إذا عدنا إلى نقدنا العربي المعاصر وما يسعى إليه رواده من حداثة في الوصف والاستنطاق أيقنا أن من معضلاته الإجرائية اصطدام مقولة الأجناس الأدبية بإشكالية التعامل مع التراث الإبداعي في تاريخ حضارتنا العربية، وعديدون هم النقاد الذين غفلوا عن تلكم الحقائق الأولية، فلم ينجوا من مأثم الإسقاط المنهجي حين توسلوا بمقولة "القراءة"، فتعسفوا المقروء متسترين برداء الحداثة، إذا بهم يسقطون على الأدب العربي أنماطا من التصنيف غريبة على روح التراث الحضاري الذي هو منبته وحوض منشئه...

ولكن هذا الاعتراض المنهجي لايعني قطعا الاعتراض على منزع الحداثة في النقد العربي، ولا هو متضمن نقض مقولة القراءة كنمط من المعالجات التي توجه طبيعة الالتقاء مع النص الأدبي، ولكنه ينشد تأسيس مبدإ الاستكشاف الذاتي الذي يتسلح فيه الناقد بسلاح الحداثة، ثم يلج التراث، فيستخرج خصوصياته في بناء نظري متناسق كفيل بأن يفضي إلى وضع مقولات من القراءة الذاتية، فلايطعن التراث في الحداثة، ولا تتجنى الحداثة على التراث. "[15]

وهكذا، يعيد عبد السلام المسدي تصنيف الأجناس الأدبية في تراثنا العربي في ضوء مقياسي القراءة والحداثة، معتمدا في ذلك على معايير معينة هي: الصياغة، والمضمون، والتركيب. وهذه الأصناف الأدبية التراثية هي: فن الخطبة، وفن الخبر، وأدب الأغاني، وأدب التأريخ للأمثال، وفن المقامة،و أدب المرايا، والترجمة الذاتية.

ومن جهة أخرى، فلقد خصص رشيد يحياوي الجنس الأدبي، في كتابه(نظرية الأنواع الأدبية)[16]،بمقالات ودراسات متنوعة؛ حيث تحدث،  في البداية، عن استقلالية الأثر عند كروتشه، وتلاشي الأدب، وتفرد الأثر عند موريس بلانشو، فاستقلالية النص والكتابة عند رولان بارت. ثم، ناقش ثلاثية الملحمي والغنائي والدرامي كما ناقشها جيرار جنيت. ثم، تناول قضية تصنيف الأنواع وتحولها بالدراسة والمناقشة والفحص.

وينطلق محمد العمري، في مقاله القيم (المقام الخطابي والمقام الشعري في الدرس البلاغي)[17]،من المقاربة البلاغية في دراسة الأجناس والأنواع الأدبية ؛حيث يدرس مجموعة من الأنواع الخطابية، كالخطاب الشعري، والفلسفي، والعلمي، والإقناعي،في ضوء تصورات البلاغة القديمة والجديدة، معتمدا في ذلك على دراسة المقام وأحوال المخاطبين في البلاغة الغربية والبلاغة العربية على حد سواء.

أما سعيد يقطين، في كتابه (الكلام والخبر)(1997م)، فيميز بين المقولات الثابتة، وهي الأجناس، والمقولات المتحولة، وهي الأنواع، والمقولات المتغيرة، وهي الأنماط. كما يقسم التجليات النصية إلى تجليات ثابتة،وهي الأجناس، أو معمارية النص، وتجليات متحولة، وهي الأنواع أو التناص، وتجليات متغيرة، وهي الأنماط أو المناصات.[18]

وينطلق يقطين من مفهوم الصيغ الكلامية،" ونحن حين ننطلق  من الصيغة أساسا للتمييز بين أجناس الكلام العربي، فذلك لأننا نعتبرها تقوم على مبدإ الثبات أكثر من غيرها من المعايير المعتمدة. فهي متعالية على الزمان واللسان، أنها ذات طبيعة لسانية وتداولية كما يرى جنيت.غير أن انطلاقنا منها لايعني بالضرورة استنساخنا للأجناس أو للأصول الثلاثة الطبيعية التي ركز عليها الغربيون، وذلك لأننا لاننطلق من محاولة رصد طرائق تمثيل الأحداث، بواسطة اللغة، كما نجد ذلك في البويطيقا الغربية.إننا ننطلق من منطلق مغاير تماما، فالصيغة نراها كامنة في طرائق التمثيل الكلامي بوجه عام.ونعتبر هذا الفرق جوهريا، لأننا في التصور الاول، نقابل  بين: اللغة والعالم.

وتبعا لذلك، تمثل (تحاكي) اللغة" أحداث العالم إما بواسطة السرد الخالص أو المختلط أو المحاكاة.ونجد هنا، ضمنا أو مباشرة تصورا أفلاطونيا للعالم (وتاريخ الآداب الغربية خير مثال على ذلك)، وما التمييز بين الذاتي والموضوعي الذي تقدمه لنا إحدى النظريات الجنسية (كيت هامبورغر) سوى أحد التجسيدات الدالة على هذا.أما في التصور الثاني الذي ننطلق منه في رؤية الكلام العربي، يغدو التمثيل الكلامي عالما مستقلا بذاته.فهو لايأتي لمحاكاة العالم الخارجي بهذا الشكل أو ذاك كما نجد في الآداب الغربية، ولكنه يشكل عالما موازيا ومختلفا عن العالم الخارجي، وهذا هو سر احتفاء العرب بالكلمة احتفاء لانكاد نجد له نظيرا."[19]

ويدخل في نطاق القول كل من المخاطبات، والمحاوارات، والمراسلات، والخطب، والمساجلات، وما يدخل في هذا النطاق من أنواع القول، حيث نجد القائل يعبر عما في نفسه كالشكوى، والحنين، والعتاب...أو يتوجه إلى المخاطب بالقول ليدفعه إلى شيء ما، ليفعله أو يتركه كالأمر، والنهي، والسؤال، والوصية، والنداء...

ويتصل الخبر بالوقائع والحكايات والأخبار والتواريخ وماشاكل ذلك من الإخبارات، وفيها جميعا نجد العلاقة بين المخبروالإخبار والمخاطب تقوم على الانفصال بوجه عام، لأنها تتم على مسافات متعددة الملامح والأبعاد. ويذكرنا هذا التمييز بتمييز العرب بين الخبر والإنشاء، وتمييز بنيفنست بين الخطاب والحكي، وتمييز كيت همبورغر بين التخييل واللاتخييل.[20]

ويقسم يقطين القول والخبر - حسب الأداة- إلى ثلاثة أجناس متداخلة فيما بينها، وهي: الشعر، والحديث، والخبر. بمعنى أن الحديث هو قول، والداخل بين القول والخبر هو الشعر. وقد أضاف يقطين السرد، باعتبار أن الخبر قد يتحول إلى سرد. وبالتالي، يميز داخل السرد - من خلال ليالي الإمتاع والمؤانسة للتوحيدي- بين نوعين هما: الخبر والحكاية. وعلى مستوى النمط، يميز بين جهات ثلاث:

1- الكلام في علاقته بالتجربة الإنسانية، أو مدى مطابقته للواقع، ومن هذه الجهة ينقسم الكلام إلى أليف، وغريب، وعجيب.

2- الأثر الذي يحدثه الكلام في المتلقي، حيث نميز بين مواقع الجد ومواقع الهزل، وضمن ذلك يحقق الكلام أحد المقاصد الآتية: التعرف- التدبر- التفكر- اللذة.

3- أسلوب السرد ولغته: وهو يكون إما ساميا، وإما منحطا، وإما مختلطا.

وهكذا، يقسم سعيد يقطين الجنس الأدبي إلى صيغة (القول والخبر). ثم يقسم الصيغة إلى أجناس ثلاثة هي: الحديث، والشعر، والخبر. ويقسم الجنس إما إلى أنواع ثابتة تتمثل في: الخبر، والحكاية، والقصة، والسيرة؛ وإما إلى أنواع متحولة تتمثل في: أخبار الظراف والحمقى والعشاق، أو حكايات الصالحين، أو المقامات، أو السير الشعبية، أو النكت واللطائف والبدائع...؛ وإما إلى أنواع متغيرة ومختلطة تتجلى  في قصص الحيوان التي تجمع بين قصة الحيوان والمثل، والرحلة  التي تقوم على التاريخ، والجغرافيا، والسيرة...

وينقسم النمط بدوره إلى أنماط ثابتة، مثل: الواقعي والتخييلي والخيالي من جهة، والأليف والعجيب والغريب من جهة أخرى. وتكمن الأنماط المتحولة إما في الجد والهزل، وقد تتم المزاوجة بينهما، وإما في التعرف (القصص الرمزية، وقصص الحيوان..)، وإما في التدبر(قصص الوعاظ والزهاد والمصلحين)، وإما في الضحك( قصص الحمقى والمجانين والمغفلين والظرفاء والملح والنكت والطرف)، وإما في اللذة( أخبار العشاق والظراف والمتماجنين وحكايات الغلمان والجواري )... وتنقسم الأنماط المتغيرة إلى: الأسلوب السامي، والأسلوب المنحط، والأسلوب المختلط .[21]

وثمة كتب أخرى تناولت نظرية الأجناس الأدبية بطريقة أو بأخرى، ومن أهم هذه الكتب كتاب(الأدب المقارن) لمحمد غنيمي هلال[22]، وكتاب( الأدب وفنونه) لمحمد مندور[23]، وكتاب(الأدب وفنونه) لعز الدين إسماعيل[24]، وكتاب( مقدمة في نظرية الأدب) لعبد المنعم تليمة[25]، وكتاب (في نظرية الأدب) لشكري عزيز الماضي[26]، وكتاب (مشكل الجنس الأدبي في الأدب العربي القديم)[27] لمجموعة من المؤلفين، وكتاب( بحوث في النص الأدبي) لمحمد الهادي الطرابلسي[28]، وكتاب (الخبر) لمحمد القاضي[29]، وكتاب (الفن الأدبي) لغازي يموت[30]، وكتاب( في السرد الروائي) لعادل ضرغام[31]، وكتاب (تداخل الأجناس الأدبية في الرواية العربية) لصبحة أحمد علقم[32]...

وثمة العديد من الدراسات المقالية المؤلفة والمترجمة التي اعتنت بقضية الأجناس الأدبية بالتعريف، والتأريخ، والتحليل، والتقويم ؛ حيث يصعب حصرها واستقصاؤها لكثرتها وانتشارها في مواقع رقمية وورقية عدة، من الصعوبة بمكان الوصول إليها كلها.

بيد أن أحمد اليابوري، في كتابه (دينامية النص الروائي)، يتجاوز نظرية الأجناس الأدبية ليهتم بمكونات التجنيس الداخلية على غرار نظرية ماري شيفر وكريزنسكي.بمعنى أن ما يهمه هو الاستكشاف الداخلي للنصوص، واستقراء مكوناتها البنيوية والسيميائية والجمالية واللاشعورية. أي: ينطلق من الداخل النصي لتحديد مكوناته التجنيسية والجمالية والفنية بعيدا عن التصور الأجناسي الخارجي المجرد والمسبق. وفي هذا الإطار، يقول أحمد اليابوري:"وعلى الرغم من تسلمنا، كما أشار إلى ذلك إي، دي، هرش (E.D.Hirsch) بأن" التصور الأجناسي المسبق لدى مؤول نص معين، يعتبر مكونا لكل ما سيفهمه من ذلك النص"، فإن ابتعادنا عن مسألة الجنس الأدبي، في هذا البحث، وتقيدنا بالنصوص، في خصوبتها وتنوعها، ربما جعلنا في مأمن نسبي من الوقوع في أوهام التصورات المسبقة،والتأويلات المرتبطة بها؛ ذلك على الأقل، ماكنا نهدف إليه."[33]

تلكم- إذاً- مجمل الكتابات النقدية العربية النظرية والتطبيقية حول شعرية الأجناس الأدبية، وقد تنوعت منهجيا إلى المقاربة التاريخية، والمقاربة الاجتماعية، والمقاربة البنيوية، والمقاربة السيميائية، والمقاربة الجمالية، والمقاربة البلاغية...

المطلب الثالث: الكتابات الشعرية العربية المعاصرة

يمكن الحديث، اليوم، عن كتب عديدة تحمل فوق غلافها الخارجي عنوان الشعرية مثل: (في الشعرية) لكمال أبوديب[34]، و(تحولات الشعرية العربية )[35] و(أساليب الشعرية المعاصرة) لصلاح فضل[36]، و(شعرية التفاصيل) لفخري صالح[37]، و(الشعرية العربية) لجمال الدين بن الشيخ[38]، و(التواصل اللساني والشعرية : مقاربة تحليلية لنظرية رومان جاكبسون) [39]و(أصول الشعرية العربية) للطاهر بومزبر[40]، و(الشعرية العربية)[41] لأدونيس، و(شعرية اللغة الروائية: محمد حسن علوان أنموذجا) لسميرة بنت ضيف الله الزهراني[42]،  و(شعرية الانتماء: قراءة في القصيدة السعودية) لمجدي الخواجي[43]، و(اللغة في شعرية محمود درويش) لسفيان الماجدي[44]، و(شعرية النص الموازي) [45] و(شعرية الهوامش)[46] و(شعرية المتخيل الفضائي)[47] و(شعرية الإهداء)[48] لجميل حمداوي، و(شعرية القصيدة الثورية في اللهب المقدسة) لنوارة ولد أحمد[49]، و(شعرية تودوروف) [50] و(الشعرية التوليدية) [51]لعثمان الميلود، و(رحيق الشعرية الحديثة) لبشير تاوريريت[52]، و(الشعرية العربية : دراسة مقارنة في الأصول والمنهج)لحسن ناظم[53]، و(الشعرية العربية ) لرشيد يحياوي[54]، و(الشعرية العربية) لنور الدين السد[55]، و( الشعرية العربية: قراءة جديدة في نظرية قديمة)، لطراد الكبيسي[56]، و(الشعر والشعرية ) لمحمد لطفي اليوسفي[57]، و(اتجاهات الشعرية الحديثة: الأصول والمقولات) ليوسف إسكندر[58]، و(الشعرية بين فعل القراءة وآلية التأويل) لعصام عبد السلام شرتح[59]،  إلخ ...

الخاتمة:

وفي الأخير، لقد أصبحت الشعرية البويطيقية، في الجامعات العربية، ولاسيما جامعات المغرب العربي، هي المقاربة المنهجية المفضلة عند الكثير من الباحثين في تفكيك النصوص والخطابات والآثار الأدبية والإبداعية ؛ لما تملك من آليات لسانيات بنيوية وأسلوبية وبلاغية وسيميوطيقية قادرة على تطويق المتون الأدبية ونقدها وتوصيفها تشريحا وبناء، أو تفكيكا وتركيبا. بيد أن هناك من وسع هذه الشعرية المغلقة السانكرونية لتصبح شعرية منفتحة كما عند سعيد يقطين في كتابه (انفتاح النص الروائي: النص والسياق)[60]، أو شعرية توليدية كما عند عثمان الميلود في كتابه (الشعرية التوليدية)[61]، أو  شعرية دياكرونية كما عند جميل حمداوي في كتابه (البنيوية الدياكرونية)[62]...

 

د. جميل حمداوي

............................

[1] - محمد مندور: الأدب وفنونه، دار النهضة،القاهرة، مصر، 1980.

[2] - عزالدين إسماعيل: الأدب وفنونه، الطبعة السابعة، الفكر العربي، القاهرة، دون تحديد لتاريخ الطبعة.

[3] -  عبد المنعم تليمة: مقدمة في نظرية الأدب، دار الثقافة، القاهرة، 1987.

[4] -  محمد غنيمي هلال: الأدب المقارن، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة.

[5] - عبد السلام المسدي: النقد والحداثة، دار الطيعة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1983م، ص:108.

[6] - موسى محمد خير الشيخ: نظرية الأنواع الأدبية في النقد العربي، دار الترجمة، الكويت، الطبعة الأولى، 1995م.

[7] - إحسان عباس:  فن الشعر، دار الثقافة، بيروت، لبنان، طبعة 1953م؛  فن السيرة،دار الثقافة،  بيروت، لبنان، طبعة 1956.

[8]  -  عبد الفتاح كليطو: الأدب والغرابة، دار الطليعة، بيروت، لبنان،الطبعة الثانية، 1983.

[9] - رشيد يحياوي: مقدمات في نظرية الأنواع الأدبية، أفريقيا الشرق، الطبعة الثانية، 1994.

[10] - رشيد يحياوي: شعرية النوع الأدبي: في قراءة النقد العربي القديم، دار أفريقيا الشرق، الطبعة الأولى، سنة 1994م.

[11] - محمد برادة: لغة الطفولة والحلم، قراءة في ذاكرة القصة المغربية، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[12] - طه حسين: من حديث الشعر والنثر، دار المعارف، القاهرة، مصر، طبعة 12، 2004م.

[13]-  عبد الفتاح كليطو: نفسه، ص:25-26.

[14]- عبد السلام المسدي: النقد  والحداثة، دار الطليعة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1983م، ص:108.

[15] - عبد السلام المسدي: النقد  والحداثة، ص:108-109.

[16] - رشيد يحياوي: نظرية الأنواع الأدبية، أفريقيا الشرق، الطبعة الأولى سنة 1991م.

[17] - محمد العمري: (المقام الخطابي والمقام الشعري في الدرس البلاغي)، نظرية الأدب في القرن العشرين، ترجمة: د. محمد العمري، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1996م، صص:122-136.

[18] - سعيد يقطين: الكلام والخبر، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1997م، ص:184-187.

[19] - سعيد يقطين: نفسه، ص:189-190.

[20] - سعيد يقطين: نفسه، ص:190-191.

[21] - سعيد يقطين: نفسه، صص: 194-205.

[22] - محمد غنيمي هلال: الأدب المقارن، دار النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة الثالثة، دون تاريخ.

[23] -  محمد مندور: الأدب وفنونه، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة، 1974.

[24] -  عزالدين إسماعيل: الأدب وفنونه، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الرابعة،1968م.

[25] -  عبد المنعم تليمة: مقدمة في نظرية الأدب، دار الثقافة، القاهرة، 1973.

[26] - شكري عزيز الماضي: في نظرية الأدب، دار الحداثة، بيروت، الطبعة الأولى، 1986م.

[27] -  جماعة من المؤلفين: مشكلة الجنس الأدبي في الأدب العربي القديم، منشورات كلية الآداب منوبة، تونس 1994م.

[28] -  محمد الهادي الطرابلسي: بحوث في النص الأدبي، الدار العربية للكتاب، تونس، 1988.م.

[29] - محمد القاضي: الخبر في الأدب العربي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الاولى سنة  1998م.

[30] - غازي يموت: الفن الأدبي، دار الحداثة، بيروت، الطبعة الأولى سنة 1990م.

[31] - عادل ضرغام: في السرد الروائي، الدار العربية للعلوم ناشرون، ومنشورات الاختلاف، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:109.

[32] - صبحة أحمد علقم: تداخل الأجناس الأدبية في الرواية العربية، وزارة الثقافة، عمان، الأردن، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2006م.

[33] - أحمد اليابوري: دينامية النص الروائي، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1993م، ص:7.

[34] - كمال أبوديب: في الشعرية، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، لبنان، طبعة 1987م.

[35] - صلاح فضل: تحولات الشعرية العربية،الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 2002م.

[36] - صلاح فضل: أساليب الشعرية العربية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 1996م.

[37] - فخري صالح: شعرية التفاصيل، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، ومنشورات الاختلاف، الجزائر،  الطبعة الأولى 2009م.

[38] - جمال الدين بن الشيخ: الشعرية العربية، ترجمة:مبارك حنون وآخرون، دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1996م.

[39] - الطاهر بومزبر: التواصل اللساني والشعرية : مقاربة تحليلية لنظرية رومان جاكبسون، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2007م.

[40] - الطاهر بومزبر: أصول الشعرية العربية (نظرية حازم القرطاجني في تأصيل الخطاب الشعري)، منشورات الاختلاف، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2007م.

[41] -أدونيس: الشعرية العربية، دار الآداب، بيروت، الطبعة الأولى سنة 1985م.

[42] - سميرة بنت ضيف الله الزهراني:شعرية اللغة الروائية: محمد حسن علوان أنموذجا، النادي الأدبي الثقافي، الطائف، السعودية، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2018م

[43] - مجدي الخواجي: شعرية الانتماء: قراءة في القصيدة السعودية، نادي جازان الأدبي، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان،  الطبعة الأولى 2018م.

[44] - سفيان الماجدي: اللغة في شعرية محمود درويش، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2018م.

[45] - جميل حمداوي: شعرية النص الموازي(عتبات النص)،منشورات المعارف، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة2014م.

[46] - جميل حمداوي: شعرية الهوامش،الموقع الشخصي للدكتور جميل حمداوي

http://hamdaoui.ma/news.php?extend.88.1

[47] - جميل حمداوي: شعرية المتخيل الفضائي، الموقع الشخصي للدكتور جميل حمداوي

http://hamdaoui.ma/news.php?extend.188.4

[48] - جميل حمداوي: شعرية الإهداء، الموقع الشخصي لجميل حمداوي،

http://hamdaoui.ma/news.php?extend.91.7

[49]- نوارة ولد أحمد: شعرية القصيدة الثورية في اللهب المقدسة، دار الأمل للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، طبعة 2008م.

[50] - عثمان الميلود: شعرية تودوروف، عيون المقالات، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1990م.

[51] - عثمان الميلود: الشعرية التوليدية، المدارس، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م.

[52] - بشير تاوريريت: رحيق الشعرية الحداثية، مطبعة مزوار، الوادي، الجزائر، الطبعة الأولى سنة 2006م.

[53] - حسن ناظم: الشعرية العربية: دراسة مقارنة في الأصول والمنهج، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة سنة 2003م.

[54] - رشيد يحياوي: الشعرية العربية، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1995م.

[55] - نور الدين السد: الشعرية العربية، ديوان المطبوعات الجزائرية، الجزائر، طبعة 1995م.

[56] - طراد الكبيسي: الشعرية العربية: قراءة جديدة في نظرية قديمة،اتحاد كتاب العرب، دمشق، سورية، طبعة 2004م.

[57] - محمد لطفي اليوسفي: الشعر والشعرية، الدار البيضاء، المغرب، طبعة 1992م.

[58] - يوسف إسكندر: اتجاهات الشعرية الحديثة: الأصول والمقولات، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية سنة 2008م.

[59]- عصام شرتح: الشعرية بين فعل القراءة وآلية التأويل،دار الخليج،  عمان، الأردن، الطبعة الأولى 2018م.

[60] - سعيد يقطين : انفتاح النص الروائي: النص والسياق، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، طبعة 1989م.

[61] - عثمان الميلود: الشعرية التوليدية، المدارس، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م.

[62] - جميل حمداوي: البنيوية الدياكرونية، مطبعة الخليج العربي، تطوان، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2017م.

 

اناس الكنونيلكل كتابة بعدا دلاليا يتوارى حول الكلمات والمضامين والأفكار والرموز التي تحتويها، ومن خلال التصفح الأولي لرواية "تيلاندسيا" لكاتبتها سلمى الغزاوي، توحي لنا بسمات وإيحاءات عديدة، من حيث الشكل يتضح لنا أن الرواية صادرة عن دار كيان للنشر والتوزيع، وأنها عبارة عن جنس سردي أدبي، تتكون من 155 صفحة من الحجم المتوسط، تتضمن مجموعة من المذكرات تدخل بلا شك في أدب الرحلة، تحكي عن معاناة وآلام مجموعة من الشخصيات الذين تصادفهم أحداث مختلفة في طريق رحلتهم نحو تحقيق أحلامهم.

يوحي عنوان الرواية "تيلاندسيا" بعدة معاني، من بينها "الطحلب الاسباني" وهو في الغالب ينبت في المناطق الرطبة، ويسمى أيضاً بالريشة الوردية، كون أن لون زهرته يميل إلى الوردي، كما يتميز بأوراق خشنة قادرة على استخلاص الرطوبة من الهواء.

ويقدم لنا غلاف الرواية إيحاءات كثيرة، من بينها صورة لشخصية يظهر من خلال ملامحها السوداء أنها من أصول إفريقية، والتي يمكن التكهن بأنها شخصية محورية في الرواية تدور حولها مجموعة من الأحداث، وقبالة أنظار هذه السيدة مدينة وردية تحيط بها مساحة بمثابة بيداء، وهي في رمزيتها أقرب من الحقيقة إلى الحلم، واللون الوردي الطاغي على غلاف الرواية يرمز إلى الحلم الذي نظل نقاتل من أجل تحقيقه وبلوغه، ومن ناحية أخرى يرمز إلى لون نبتة تيلانديسيا ذات الزهرة الوردية والتي ترمز إلى الحلم حسب الحكايات التي تتداول عنها.

لكن سرعان ما تترجم كل هذه الفرضيات أو القراءة التوجيهية إن صح القول إلى عدة دلالات وتأويلات يوحي بها مثن الكتاب، ينوط الوشاح عنها حينا، وحينا آخر يرغم القارئ على التسلح بكل الإمكانيات والتقنيات والمعارف المناسبة لفك رموزه وشفراته، كون أن كل نص أدبي يحمل في طياته غايات قصوى هي الدافع إلى إنتاجه.

تحكي الكاتبة في روايتها عن مأساة إنسانية يتعرض لها المهاجرون من دول إفريقيا الوسطى نحو قارة هو بمثابة خلاص أو فردوس لكل غذاباتهم، وعلى رأس هؤلاء المهاجرين الأمازيغي "مامادو" من أصول مالية، ترعرع بتمبكتو، وهو يعتبر شخصية محورية التي تدور حوله جل أحداث الرواية التي تكشف لنا عن محنته التي تسببت فيها الصراعات الدموية التي خلفتها جماعة "بوكو حرام" ومجموعة من المتطرفين، حيث هاجر نحو المغرب باعتباره بوابة العبور نحو أوروبا، وتتقاطع معه في محنته هذه مجموعة من الشخصيات التي رافقته في جل الأحداث التي مر بها في المغرب، "عبدول" رفيق دربه، ثم "حماد" و"جورج" من الكاميرون، و"أماديا" من النيجر، و"ميكائيل" من الكاميرون، و"تلايتماس" أمازيغية مغربية، و"نورس" من سوريا، و"علياء"... بالإضافة إلى مجموعة من الشخصيات الثانوية التي تتقاطع مع مامادو في نفس المعاناة والآلام والأحلام، فتتشكل بين هؤلاء الشخصيات علاقة إنسانية، تجعلهم يمدون يد العون إلى بعضهم البعض، ويحاولون ما أمكن تخفيف عبء الحياة عن بعضهم البعض.

تضمن الكاتبة روايتها مجموعة من القيم الإنسانية الكونية، كالمحبة والتعايش والتلاقح بين الديانات والتقاليد والعادات، كما تجعل من التسامح جغرافية شاسعة تدخل تحت مظلتها كل إنسان يتصف بإنسانيته رغم اختلاف معتقده ولونه وجنسه وبلده.. وهذا يظهر جليا من خلال التعايش الحاصل بين مامادو ورفاقه المسلمين مع جورج المسيحي الذي أواهم بمنزله وأطعمهم، والشيء نفسه نلاحظه من خلال التعايش الحاصل بين مامادو ورفاقه مع صاحبة مطعم أنوال بطنجة "تلايتماس" و"نورس" أصحاب البشرة البيضاء، إذ لم يكن مشكل الجنس أو اللون أو العرق عائقا أمام توظيفهم ودعهم من أجل تحقيق أحلامهم.

يمكن القول أن الفكرة المحورية التي تنبن عليها الرواية في سردها، تتمثل في الدفاع عن القيم الإنسانية الكونية المشتركة بين جميع الناس على اختلاف معتقداتهم وجنسياتهم وألوانهم وأعراقهم، كقيم المحبة والتعايش والتسامح والتواصل والتلاقح والانفتاح وقبول الأخر واعتبار الإختلاف نعمة، وتجنب الخلاف والتعصب والعنصرية التي رمزت إليها الكاتبة في مجموعة من الشخصيات الثانوية التي تتلفظ بألفاظ شنيعة في حق المهاجرين الأفارقة القادمين أفريقيا الوسطى.

كما نشير إلى أن الرواية تضم ثلاث فصول رئيسية، عنونة الكاتبة الفصل الأول ب "في طريق الحلم والذي يبدأ من بداية الرواية إلى حدود ص: 56، والذي تتحدث فيه الكاتبة عن المعاناة والمشقات التي تعترض المهاجرين السريين وهم يحاولون شق طريقهم نحو تحقيق حلمهم بالعبور إلى الضفة الأخرى. فيما يخص الفصل الثاني يمكن القول أنه يبدأ من ص: 57 إلى حدود ص: 110، عنونته الكاتبة ب "على ضفاف الحلم"، وتحكي فيه عن مرحلة جديدة من حياة المهاجرين، والتي يبدؤون فيها بتهييء أنفسهم لاستقبال أحلامهم، بالاشتغال وجمع المال لتسديد تذكرة العبور إلى إسبانيا. أما الفصل الثالث والأخير يبدأ من ص: 111 إلى نهاية الرواية، وقد عنونته الكاتبة ب "أضغاث أحلام"، إذ في هذا الفصل تتبخر أحلام كل المهاجرين، بعد أن أودى حلم العبور إلى الضفة الأخرى بحياة "أماديا" و"جورج"، فبدأ "مامادو" و"عبدول" و"نورس" بالعدول عن حلم هجرتهم إلى العدوة الأخرى شيئا فشيئا، وقد ساهمة صاحبة مطعم أنوال بطنجة "تلايتماس" في عدول هؤلاء الشباب عن الهجرة وتسوية وضعيتهم بطنجة، كما دعمتهم في بناء مستقبلهم وعودة "مامادو" و"عبدول" إلى موطنهم تمبكتو وإنشاء مستقبلهم هناك.

فالرواية في مجملها تعبر عن ظاهرة إنسانية واقعية في عمقها، إبداعية من ناحية سردها، تتجلى فيما نشاهده من حروب طائفية وصراعات دامية بأفريقيا الوسطى وغيرها من الدول الأفريقية، والتي تسببت في خلق احتقان وهجرة العديد نحو أوروبا، وتسببت من ناحية أخرى في تفشي الفقر والمجاعة التي ساهمت في هجرة العديد نحو شمال إفريقيا وأوروبا بحثا عن متسع للحياة، وما يعرف هذه الهجرة من معاناة وآلام وعذابات تكاد تكون أقسى على المرء من أمواج البحر الأبيض المتوسط.

 

بقلم أناس الكنوني

 

جميل حمداويالمقدمة: من الثابت أن نظريات الأدب قد ظهرت مع وجود الأدب نفسه في الحضارات القديمة كالحضارات السامية والحامية (البابلية، والآشورية، والسومرية، والأكادية، والفرعونية، والأمازيغية...)، والحضارة الصينية، والحضارة الهندية، والحضارة اليونانية، والحضارة الرومانية، والحضارة العربية الإسلامية، والحضارة الغربية... وقد اهتمت هذه الحضارات بدراسة النصوص الأدبية والفنية والجمالية وتحليلها وتأويلها. ومن هنا، يمكن الحديث عن شعريات متعددة كالشعرية الغربية، والشعرية العربية، والشعرية الآسيوية، والشعرية الأفريقية إلخ...بيد أن ما يهمنا كثيرا في موضوعنا هذا هو التوقف عند الشعرية الغربية من جهة، والشعرية العربية من جهة أخرى.

المطلب الأول: تطور الشعرية الغربية

لقد عرفت الشعرية الغربية ثلاث مراحل كبرى، يمكن حصرها فيما يلي:

1- مرحلة شعرية البلاغة التي كانت تهتم بالصور الشعرية والفنية والبلاغية التي يتزين بها النص الإبداعي، على أساس أن البلاغة زينة وجمال وتنميق وبديع، وظيفتها الإمتاع والتأثير في نفسية المتلقي.

2- مرحلة شعرية الانزياح والتواصل.بمعنى أن الإبداع ليس كلاما عاديا مألوفا خاضعا للقواعد المعيارية والمنطقية السائدة في الخطابات العلمية، بل هو خطاب متمرد ومنزاح عن القواعد المألوفة.

3- مرحلة الاهتمام باللغة الشعرية. ويعني هذا التركيز على اللغة الشعرية، بتبيان فنياتها وجماليتها وروعتها، ودراسة مختلف صيغها الكلامية والتلفظية في سياقاتها التواصلية المتعددة. أي: دراسة اللغة في ذاتها ولذاتها.

بيد أن الشعرية النظرية قد بدأت مع أرسطو الذي وضع مجموعة من القواعد الخاصة بالشعر والمسرح والخطابة في كتابيه (فن الشعر)[1] و(فن الخطابة)[2]. وتتجلى هذه الشعرية في وضع نظرية للأجناس الأدبية؛ حيث قسم الأجناس الأدبية إلى شعر، وملحمة، ودراما[3]. وفي الحقيقة، فقد " كثرت التأملات حول الأجناس الأدبية، وهي قديمة قدم نظرية الأدب، ومادام كتاب أرسطو في الشعر يصف الخصائص النوعية للمحلمة والتراجيديا، فقد ظهرت،منذ ذلك الوقت، مؤلفات ذات طبيعة متنوعة احتذت حذو أرسطو. لكن هذا النوع من الدراسات لم يحقق تقاليده الخاصة إلا ابتداء من عصر النهضة، حيث تتابعت الكتابات حول قواعد التراجيديا والكوميديا، والملحمة والرواية، ومختلف الأجناس الغنائية، وارتبط ازدهار هذا الخطاب، بكل تأكيد، ببنيات إيديولوجية سائدة، وبالفكرة المتبناة عن الجنس الأدبي في ذلك العصر، أعني كونه قاعدة محددة لاينبغي خرقها. صحيح أن الأجناس الأدبية كانت تنتمي إلى الأدب، ولكنها كانت تعتبر وحدة من مستوى أدنى تنتج عن تقطيع بإمكاننا أن نقارنه بموضوعات نظرية الأدب السابقة، ولكنها مع ذلك متميزة عنها. ففي حين، إن الرمز أو التمثيل أو الأسلوب المجازي هي خصائص مجردة للخطاب الأدبي، فإن الأجناس الأدبية كانت تنتج عن نوع آخر من التحليل، إنه الأدب في أجزائه."[4]

ولقد سميت الشعرية بهذا الاسم؛ لأن بدايتها كانت تنطلق من فن الشعر باعتباره الجنس الأدبي الأول والسامي الذي كان يتربع على قمة الأجناس والأنواع الأدبية منذ الفترة اليونانية. وأكثر من هذا فلقد كانت الدراما والحكاية والملحمة تكتب شعرا.لذا، حظي هذا الفن الشعري بمكانة كبرى في مجال الشعرية.لذا، فالشعرية لها علاقة وثيقة بالشعر والشعري، مادامت قد أسست قواعدها وآلياتها ومفاهيمها ومعاييرها على أسس الشعر ومبادئه. ومن هنا، فلقد كان يطلق الشعر على الأدب بصفة عامة.

ولقد اهتم أفلاطون أيضا، قبل أرسطو، بالشعرية ونظرية الأجناس الأدبية في كتابه( الجمهورية) عندما ميز بين السرد والحوار[5]،أو بين الحكي القصصي والحكي المسرحي؛ حيث يشتمل الأول على السرد والحوار، ويتضمن الثاني الحوار فقط. ومن ثم، تمثل الملحمة النمط الأول، وتمثل المسرحية المأساوية والهزلية النمط الثاني، على أن هناك نمطا ثالثا يشتمل على السرد فقط، وهو المدائح.[6]

ونجد مؤلفات أخرى في الشعرية كالمطلق أو السامي(Du Sublime) لمؤلف مجهول (Du Sublime)، وكتاب (الفن البوطيقي/L’art poétique) للاتيني هوراس (Horace) الذي ميز فيه بين الأجناس الأدبية كالشعر والدراما والملحمة على غرار أرسطو.

وفي فترة العصور الوسطى، سار الباحثون والمبدعون على خطوات كتابات أرسطو وهوراس في دراسة الشعرية وتقويمها، واحترام قواعد الفن الشعري. ومن ثم، فلقد انتقلت الشعرية إلى إيطاليا مع سكاليجير (Scaliger) وكاستل فيترو (Castelvetro). وبعد ذلك، إلى ألمانيا مع لسينج (Lessing) وهيردر (Herder)، والأخوين شليجل(Schlegel)، ونوفاليس(Novalis)، وهولدرلين (Hölderlin) الذين أرسوا دعائم المدرسة الرومانسية . وترافقت الشعرية في بريطانيا مع المدرسة الرمزية التي تمثلها كولريدج (Coleridge)، و وضع أسسها إدغار ألان بو (Edgar Allan Poe). وأخيرا، عرفت فرنسا الشعرية مع مالارمي (Mallarmé)، وفاليري(Valéry)...

وفي القرن الثامن عشر الميلادي، تحولت الشعرية، في ألمانيا بالخصوص، إلى مبحث مرتبط بالفلسفة الجمالية (الإستيتيقا)، ونتج عن ذلك أن اختفى التحليل الملموس للنصوص والخطابات بشكل تدريجي.

وبعد ذلك، طرح السيد أبرامس (A.H.Abrams) تصنيفا للنظريات الشعرية وفق عناصر أربعة يتشكل منها العمل الأدبي وهي: المؤلف، والمتلقي، والنص، والمحيط. ويمكن حصر هذه النظريات فيما يلي:

1- نظرية المحاكاة التي تربط الأدب بالواقع المرجعي والسياقي والتاريخي؛

2- النظرية البراجماتية التي تربط العمل الأدبي بالمتلقي، كما يبدو ذلك جليا في القرنين السابع والثامن عشر الميلاديين؛

 3- النظرية التعبيرية التي ركزت كثيرا على المبدع كما عند الرومانسيين الألمان؛

4- النظرية الموضوعية التي ركزت على النص في حد ذاته، دون الاهتمام بالمبدع وعبقريته وفرادته، كما يبدو ذلك واضحا في منظور الرمزيين.

المطلب الثاني: المدارس الشعرية الغربية

منذ القرن العشرين، ظهرت الشعرية الغربية باعتبارها نظرية أو تخصصا علميا مستقلا، تعنى بخصائص الأجناس الأدبية من حيث المكونات والسمات، وتهتم بتحليل النصوص بنيويا وأسلوبيا، وتصف الخطابات توصيفا شكلانيا . وقد نتج عن هذا ظهور أربع مدارس شعرية كبرى، يمكن حصرها في الشكلانية الروسية، ومدرسة النقد الجديد بالولايات المتحدة وإنجلترا، والمدرسة المورفولوجية الألمانية، ومدرسة التحليل البنيوي.

الفرع الأول: الشكلانية الروسية

غالبا، ما تطلق الشكلانية، في الأدب والفن، على المدرسة الشكلانية الروسية، لكن يمكن أن نضيف إليها مدرسة تارتو السيميائية (Tartu) بموسكو، وحلقة براغ (Prague) اللغوية. إضافة إلى المنظرين الذي يحملون تصورات شكلانية، وإن لم يكونوا منتمين - مباشرة- إلى جمعية الأبوياز، أو جماعة المدرسة الشكلانية الروسية.

وعليه، فلقد ظهرت الشكلانية الروسية ما بين 1915و1930م، في سياق تاريخي ينبذ الرأسمالية، و لا يعترف إلا بالاشتراكية العلمية التي تعود، في جذورها، إلى كتابات كارل ماركس، وبيليخانوف، وهيجل، وأنجلز، وجورج لوكاش، وغيرهم من المنظرين الجدليين...، والسعي الجاد نحو ربط المضمون الأدبي بالواقع الثوري والعملي والمادي، ومحاربة جميع التيارات الشكلية والنزعات البنيوية التي تعنى بالشكل على حساب المضمون.

ومن ثم، فلقد حوربت الشكلانية الروسية أمدا طويلا، بعد أن تعاظم الدور الاشتراكي واليساري للأدب. ولم يتحقق النجاح لهذه الشكلانية إلا بعد اطلاع الأوروبيين عليها سنة 1960م، ولاسيما الفرنسيين منهم، عبر الترجمة، والصحافة، والاحتكاك الثقافي، والتمثل العملي... فطوروا تصوراتها النظرية والتطبيقية، وانطلقوا من مبادئها الفكرية، واستخدموا مفاهيمها الإجرائية، وبالضبط في اللسانيات، والسيميوطيقا، ونقد الأدب، كما يتبين ذلك واضحا عند كثير من الدارسين الأوروبيين كرولان بارت، وكلود ليفي شتروس، وكلود بريمون، وجيرار جنيت، وغريماص، وفيليب هامون، وأمبرطو إيكو، وجان مولينو، و تزفيتان تودوروف، وجوليا كريستيفا، وجان كوهن، وفرانسوا راستيي.علاوة على اللسانيين كأندري مارتيني، ولوي هلمسليف، وغيرهم...

ومن باب العلم، يمكن الحديث عن مدارس أساسية ضمن التيار الشكلاني الروسي هي:

1- جماعة موسكو التي يمثلها رومان جاكبسون (Roman Jakobson) ؛

2- جماعة بيترسبورغ، أو جماعة دراسة اللغة الشعرية (أبوياز/Opoiaz) التي يقودها فيكتور شلوفسكي (Victor Borissovitch Chklovski)؛

3- جماعة تارتو السيميائية بموسكو؛

 4- حلقة براغ اللسانية التي تمثلت الفكر الشكلاني.

إذاً، تعد الشكلانية الروسية الممهد الفعلي للدراسات السيميوطيقية في غرب أوربا، ولاسيما في فرنسا، واسمها الحقيقي جماعة أبوياز (Opoiaz) . وقد ظهرت هذه الجماعة رد فعل على انتشار الدراسات الماركسية في روسيا، وخاصة في مجال الأدب والفن، وقد أصدرت مجلة تسمى بـ(الشعرية/ Poetica). وقد نشطت المدرسة في المطلع الأول من القرن العشرين، وعرفت اضمحلالها في أواخر سنوات الثلاثين. وقد تحامل على هذه الجماعة كثير من الخصوم، فاتهموها بالجريمة الشكلانية، كما فعل تروتسكي في كتابه (الأدب والثورة)؛ حيث قال سنة 1924م: "إذا ما تركنا جانبا الأصداء الضعيفة التي خلفتها أنظمة إيديولوجية سابقة على الثورة، نجد أن النظرية الوحيدة التي اعترضت الماركسية في روسيا السوفياتية، خلال السنوات الأخيرة، هي النظرية الشكلانية في الفن"[7].

 ونستحضر من أعدائها كذلك ماكسيم غوركي ولوناتشارسكي الذي وصف الشكلانية في سنة 1930م بأنها "تخريب إجرامي ذو طبيعة إيديولوجية".[8]

وتعد سنة 1930م نهاية أكيدة للشكلانيين الروس، حتى إن بعض السوسيولوجيين الروس أرادوا تطعيم المنهج الشكلي بالتحليل الاجتماعي الماركسي، كما هو الشأن بالنسبة لأرفاتوف وميخائيل باختين. بيد أن إشعاعها انتقل إلى عاصمة تشيكوسلوفاكيا (براغ)؛ حيث أنشأ رومان جاكبسون حلقة براغ اللسانية مع تروبتسكوي، والتي تولدت عنها اللسانيات البنيوية والمدرسة اللغوية الوظيفية. وبقي الإرث الشكلاني الروسي طي النسيان مدة طويلة إلى أن ظهرت مدرسة بنيوية سيميائية أدبية وثقافية جديدة، تسمى بمدرسة تارتو (TARTU) نسبة إلى جامعة تارتو بموسكو.

وعلى العموم، فلقد نشأت الشكلانية الروسية بسبب تجمعين هما:

1- حلقة موسكو اللسانية التي تكونت سنة 1915م، ومن أهم ممثليها البارزة رومان جاكبسون الذي أثرى اللسانيات بأبحاثه الصوتية والفونولوجية. كما أغنى الشعرية بكثير من القضايا الإيقاعية والصوتية والتركيبية، ولاسيما نظريته المتعلقة بوظائف اللغة، والتوازي، والقيمة المهيمنة، والقيم الخلافية...

2- حلقة أبوياز بلينِينجراد، وكان أعضاؤها من طلبة الجامعة. أما عن خطوط التلاقي بين المدرستين، فتتمثل في الاهتمام باللسانيات، والحماسة للشعر المستقبلي الجديد، كما يبدو ذلك واضحا عند فلاديمير ماياكوفسكي، وباسترناك، وأسيڤ، ومانديل شتام...

وعليه، لم تظهر الشكلانية إلا بعد الأزمة التي أصابت النقد والأدب الروسيين، بعد انتشار الإيديولوجية الماركسية، واستفحال الشيوعية، وربط الأدب بإطاره السوسيولوجي بشكل مرآوي انعكاسي؛ مما أساء إلى الفن والأدب معا.

ولقد ارتكزت الشكلانية على مبدأين أساسيين هما:

1- إن موضوع الأدب هو الأدبية. أي: التركيز على الخصائص الجوهرية لكل جنس أدبي على حدة .

2- دراسة الشكل قصد فهم المضمون. أي: شكلنة المضمون، ورفض ثنائية الشكل والمضمون المبتذلة.

ولقد قطعت الشكلانية الروسية مراحل عدة في البحث الأدبي واللساني. ففي المرحلة الأولى، انصب الاهتمام على التمييز بين الشعر والنثر. وتعلقت البحوث، في المرحلة الثانية، بوصف تطور الأجناس الأدبية. ومن ثم، فلقد نشرت كثير من الدراسات الشكلانية، وترجمت في مجلات غربية هامة، مثل: مجلة الشعرية (Poétique)، ومجلة التحول (Change).

ويرى دافيد كارتر (David Karter) أن الشكلانية الروسية قد عرفت ثلاث مراحل أساسية. وفي هذا، يقول: "إن ثمة ثلاث مراحل متميزة في تطور الشكلانية الروسية، والتي يمكن أن تتميز بثلاث استعارات. تنظر المرحلة الأولى إلى الأدب كنوع من "الآلة" له تقنيات مختلفة، وله أجزاء تعمل. وعدت المرحلة الثانية الأدب على أنه "كائن حي"؛ أما المرحلة الثالثة، فقد رأت أن النصوص الأدبية هي عبارة عن أنظمة."[9]

و من رواد الشكلانية الروسية تينيانوف (Iouri Nikolaïevitch Tynianov)، وإيخنباوم (Boris Eichenbaum)، وشلوفسكي (Victor Borissovitch Chklovski)، وفلاديمير بروب (Vladimir Iakovlevitch Propp)، وتوماشفسكي (Tomachevsky)، وجان مكاروفسكي (Mukarovsky)، ورومان جاكبسون (Roman Jakobson)، وميخائيل باختين (Bakhtine)، وأوسيپ بريك (Ossip Brik)، وفينوكرادوف (Vinogadrov)، وكريكوريي فينوكور (Grigoryi Vinokour)...

 ولقد انصبت جهود هؤلاء على التمييز البويطيقي بين الشعر والنثر. في حين، اهتم موكاروفسكي بالوظيفة الجمالية، ووصف اللغة الشعرية. أما اللساني رومان جاكبسون، فلقد اهتم بقضايا الشعرية واللسانيات العامة، وخصوصا ما يتعلق بالتواصل، والصوتيات، والفونولوجيا. أما السيميائي فلاديمير بروب، فقد أوْلى عناية كبيرة للحكاية الروسية العجيبة، فأخضعها لمجموعة من القواعد المورفولوجية القائمة على الوظائف والعوامل .

ومن جهة أخرى، فلقد ركز ميخائيل باختين، في أبحاثه المختلفة، على جمالية الرواية وأسلوبيتها. واهتم، بالخصوص، بالرواية البوليفونية (متعددة الأصوات)، فأثرى النقد الروائي بكثير من المفاهيم كفضاء العتبة، والشخصية غير المنجزة، والحوارية، وتعدد الرؤى الإيديولوجية... إلخ.

وتتميز أبحاث الشكلانيين الروس بكونها نظرية وتطبيقية في آن واحد، ومن نتائج هذه الأبحاث ظهور مدرسة تارتو( Tartu) التي تعد من أهم المدارس السيميولوجية الروسية، ومن أعلامها البارزين يوري لوتمان صاحب (بنية النص الفني)، وأوسبينسكي، وتودوروف، وليكومتسيف، وأ.م. بينتغريسك. ولقد جمعت أعمال هؤلاء في كتاب جامع باسم (أعمال حول أنظمة العلامات... تارتو) (1976م).

ولقد ميزت تارتو بين ثلاثة مصطلحات هي: السيميوطيقا الخاصة التي تدرس أنظمة العلامات ذات الهدف التواصلي؛ والسيميوطيقا المعرفية التي تهتم بالأنظمة السيميولوجية وما شابهها؛ والسيميوطيقا العامة التي تتكفل بالتنسيق بين جميع العلوم الأخرى. ولكن تارتو اختارت السيميوطيقا ذات البعد الإبستمولوجي المعرفي.

ومن جهة أخرى، لقد اهتمت هذه المدرسة بسيميوطيقا الثقافة حتى أصبحنا نسمع عن اتجاه سيميوطيقي خاص بالثقافة له فرعان: فرع إيطالي (أمبرطو إيكو، وروسّي لاندي...)، وفرع روسي (مدرسة تارتو). وتعنى جماعة تارتو (موسكو) بالثقافة عناية خاصة، باعتبارها "الوعاء الشامل الذي تدخل فيه جميع نواحي السلوك البشري الفردي منه والجماعي. ويتعلق هذا السلوك في نطاق السيميوطيقا بإنتاج العلامات واستخدامها. ويرى هؤلاء العلماء أن العلامة لا تكتسب دلالتها إلا من خلال وضعها في إطار الثقافة. فإذا كانت الدلالة لا توجد إلا من خلال العرف والاصطلاح، فهذان بدورهما هما نتاج التفاعل الاجتماعي. وعلى هذا الأساس، فهما يدخلان في إطار نطاق الثقافة. ولا ينظر هؤلاء العلماء إلى العلامة المفردة، بل يتكلمون دوما عن أنظمة دالة. أي: عن مجموعات من العلامات، ولا ينظرون إلى الواحد مستقلا عن الأنظمة الأخرى، بل يبحثون عن العلاقات التي تربط بينها، سواء كان ذلك داخل ثقافة واحدة (علاقة الأدب – مثلا - بالبنيات الثقافية الأخرى؛ مثل: الدين، والاقتصاد، والبنيات التحتية... إلخ)، أم يحاولون الكشف عن العلاقات التي تربط تجليات الثقافة الواحدة عبر تطورها الزمني، أو بين الثقافات المختلفة للتعرف على عناصر التشابه والاختلاف، أو بين الثقافة واللاثقافة".[10]

وإذا انتقلنا إلى مرتكزات الشكلانية الروسية لفحص دعائمها النظرية والتطبيقية، فيمكن حصرها في النقط التالية:

1- الاهتمام بخصوصيات الأدب والأنواع الأدبية. أي: البحث عن الأدبية، وما يجعل الأدب أدبا؛

2- التركيز على شكل المضامين الأدبية والفنية، ودراستها في ضوء مقاربة شكلانية؛

3- استقلالية الأدب عن الإفرازات والحيثيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتاريخية (دراسة الأدب باعتباره بنية مستقلة عن المرجع)؛

4- التركيز على التحليل المحايث قصد استكشاف خصائص العمل الأدبي؛

5- التوفيق بين آراء بيرس وسوسير حول العلامة (أعمال ليكومستيف مثلا)؛

6- استعمال مصطلح السيميوطيقا بدل توظيف مصطلح السيميولوجيا؛

7- الاهتمام بالسيميوطيقا الإبستمولوجية، والتركيز على الأشكال الثقافية؛

8- التشديد على خاصية الاختلاف والانزياح بين الشعر والنثر؛

9- الإيمان باستهلاك الأنظمة وتجددها وتطورها باستمرار من تلقاء ذاتها؛

10- عدم الاكتفاء بالأعمال القيمة والمشهورة في مجال الأدب في أثناء التطبيق النصي، بل توجهت الشكلانية الروسية إلى جميع الأجناس الأدبية مهما كانت قيمتها الدنيا؛ مثل: أدب المذكرات، وأدب المراسلات، والحكايات العجيبة... قصد معرفة مدى مساهمتها في إثراء الأعمال العظيمة، كما فعل ميخائيل باختين مع الأجناس الشعبية الدنيا في كتابه (شعرية دوستويفسكي)[11].

ومن أهم مؤلفات الشكلانيين الروس: (كيف صيغ معطف غوغول؟) لبوريس إيخانباوم، و(شعرية دويستفسكي) و(الماركسية والفلسفة) لميخائيل باختين، و(الشعر ذاته) ليوري تينيانوف، و(الحكايات الروسية العجيبة) لفلاديمير بروب، و(سيمياء الكون) و(بنية النص الفني) ليوري لوتمان، و(نظرية النثر) لشلوفسكي...

وعلى العموم، يعد الشكلانيون الروس من السباقين إلى تطبيق الشعرية أو البويطيقا في دراسة النصوص الأدبية، بالاعتماد على مبدأي الشكل والاستعانة باللسانيات. ومن ثم، فلقد برز مجموعة من الدارسين كفلاديمير بروب الذي درس الحكاية الشعبية في ضوء مقاربة مورفولوجية سيميائية، ترتكز - بالخصوص- على الوظائف والتحولات؛ ورومان جاكبسون الذي اهتم بالأدبية وشعرية النص؛ وميخائيل باختين الذي ركز كثيرا على الرواية الحوارية أو البوليفونية؛ ويوري لوتمان الذي اهتم بسيميائية الثقافة كما في كتابه (سيمياء الكون)؛ وجان موكاروفسكي الذي اهتم بالوظيفة الجمالية في الآداب والفنون. أما أوسيب بريك (O.Brik)، فلقد اهتم بدراسة البنيات العروضية والتنغيمية والإيقاعية في الشعر. بينما مال فينوغرادوف إلى دراسة آثار الأسلوب. في حين، ركز تينيانوف على جدلية الأجناس الأدبية. أما طوماشفسكي، وفيكتور شلوفسكي، و بوريس إيخانباوم، فلقد ركزوا - كثيراً - على البنيات السردية في النصوص المحكية...

الفرع الثاني: النقد الجديد

لقد اهتم النقد الأنجلوسكسوني، ولاسيما النقد الجديد (New criticism)، بتحليل النصوص وتأويلها تحليلا عميقا متأنيا، مستبعدا التحاليل السياقية الخارجية النفسية والاجتماعية والتاريخية. ولقد ظهر هذا النقد منذ عشرينيات القرن الماضي من أجل البحث عن وظائف المعنى داخل الأدب مع ريتشاردز (I.A.Richrds)، وإمبسون (W.Empson)، وتوماس إليوت (T.Elliot). كما اهتمت الشعرية الأنجلوسكسونية بالمنظور السردي مع بيرسي لوبوك (Percy Lubbok).

 ولقد انصب النقد الجديد اهتمامه أيضا على الصورة الشعرية والفنية والبلاغية، بالتوقف عند السخرية، والمفارقة، والغموض، والانزياح...كما عند بروكس (Brooks) وويمسات (Wimsatt). فضلا عن الاهتمام بنظرية الأدب كما عند روني ويليك(Wellek) وأوستين وارين (Warren).

الفرع الثالث: مدرسة التحليل البنيوي

لم تظهر مدرسة التحليل البنيوي في فرنسا إلا في سنوات الستين من القرن الماضي، بعد أن هيمن التأريخ كثيرا على الدراسات الأدبية من جهة، وانتشار الصحافة الانطباعية من جهة أخرى. ومن ثم، فلقد ساهمت اللسانيات مع إميل بنفينست (E. Benveniste) في تطوير الدرس الأدبي والنقدي البنيوي. وقد كانت دراسات موريس بلانشو (M.Blanchot) الفلسفية وأبحاث كلود ليفي شتروس(C.Levi-Strauss) الأنتروبولوجية بداية حقيقية لظهور مدرسة التحليل البنيوي التي ستعرف ازدهارها مع مجموعة من الأعلام البارزين كرولان بارت(R.Barthes)[12]، وتزفيتان تودوروف(T.Todorov)[13]، وجيرار جنيت(G.Genette)[14]، وكبيدي فاركا (A.Kebidi-Varga)[15]، وجون كوهن (John Cohen)…[16]

الفرع الثالث: المدرسة المورفولوجية الألمانية

ظهرت المدرسة المورفولوجية في ألمانيا ما بين 1925و1955م، وتستند ، في مفاهيمها النظرية والتطبيقية، إلى إرث جوته (Gothe) وكتاباته الأدبية، والابتعاد عن النزعة التاريخية تأثرا بجماليات كروتشه (Croce) وفوسلر(Vossler)...

ولقد اهتمت هذه المدرسة أيضا بأسلوبيات ليو سبيتزر (Leo Spitzer)، وستايغر (Staiger)، وويرباخ (Awerbach)[17]. دون أن ننسى مدى اهتمامها الكبير بأشكال الخطاب الأدبي وأنواعه وأجناسه، والتركيز على أسلوب المبدع كما يبدو ذلك واضحا عند أندري جول (André Jolles) الذي اعتنى بالأجناس الأصلية الأساسية كاللغز، والحكاية، والوعي، والخرافة، والمثل...

واهتم فالتزر (O.Walzel) كذلك بسجلات الكلام كالسرد الموضوعي والأسلوب غير المباشر الحر. .

 في حين، ركز مولر (G.Müller) على الزمنية، بينما اهتم لامير (E.Lämmert) بتركيب السرد. واهتم فولفغانغ قيصر (Wolfgang kayser) بماهو تطبيقي؛ حيث ركز على التحليل البنيوي الذي يعنى بشعرية النص الأدبي، ولاسيما في مظهره التلفظي.

وعلى العموم، فلقد تأرجحت الشعرية منذ تأسيسها بين التوصيف والتعليم على حد سواء.بمعنى أنها كانت تعنى بالتحليل والتصنيف وتوصيف النصوص والخطابات من جهة، ووضع القواعد المعيارية التعليمية من جهة أخرى.

وبعد ذلك، تطورت الشعرية الغربية من خلال الاهتمام بقضية الأجناس الأدبية بصفة عامة، واحترام قواعد الأنواع بصفة خاصة.

ومن هنا، تعد النظرية الكلاسيكية امتدادا للنظريات الشعرية والأدبية والأجناسية اليونانية والرومانية(أرسطو، وديوميند، وهوراس..). وتنبني هذه النظرية على احترام قواعد الأجناس الأدبية احتراما كبيرا، بالفصل بين هذه الأجناس، وتمثل قواعدها كما أرسيت في مرحلتي: اليونان والرومان.

وتتحدد الأجناس الأدبية- حسب النظرية الكلاسيكية- بقواعدها ومضامينها وأساليبها وصيغها الفنية والجمالية. لذا، ينبغي على المبدعين احترام خصوصيات الأسلوب الشعري، والأسلوب الملحمي، والأسلوب الدرامي، وعدم الخلط بينها.

وتبعا لذلك، فلقد كان مبدأ التجنيس هو الفصل بين الأنواع والأنماط والأشكال والأساليب، والاستعانة بالتراتبية الهرمية في التصنيف والتنويع والتقسيم. وبتعبير آخر، تستند النظرية الكلاسيكية إلى بلاغة الفصل بين الأجناس الأدبية. في حين، تتكئ النظرية الرومانسية على بلاغة الوصل والنقاء والصفاء.

وإذا كانت الكلاسيكية تفصل بين الأجناس الأدبية في ضوء معايير تجنيسة معينة،فإن الرومانسية تؤمن بانصهار الأجناس الأدبية في بوتقة أدبية واحدة.أي: تقر الرومانسية بالوحدة الفنية بين الأجناس الأدبية، وتشكيلها لوحدة أجناسية كبرى. وفي هذه الفترة بالذات، ظهر مفهوم الأدب (La littérature) الذي كان يجمع في طياته أجناسا وأنواعا وأنماطا أدبية مختلفة داخل وحدة فنية وجمالية كبرى. وفي هذا السياق، يقول تزتيفان تودوروف (T.Todorov):" وأخيرا، بدأت فكرة وحدة الفنون تفرض نفسها. ومن هنا، أخذت تتبلور نظرية للفنون تحاول أن تؤطر على الأقل أكثر الممارسات الفنية هيبة، أعني الشعر والرسم. وتحولت هذه النظرية في القرن الثامن عشر إلى دراسة خاصة هي علم الجمال، حيث سيهيأ مكان لنظرية الأدب في الحدود التي تندمج بها في نظرية عامة للفنون، وسيكون ليسنج وكانط الممارسين الأولين لهذا الخطاب، وقد مهدت لهما بحوث طويلة منذ ليوناردو دافنشي إلى شفتسبري.

والنتيجة-إذاً- هي أن أيا من هذه التطورات الثلاثة لم يؤد مباشرة إلى تكوين الوحدة" أدب". وبالرغم من ذلك، فإنها عملت كلها على التمهيد لها، فقد أصبحنا نتوفر على مقولة عليا هي مقولة الفن، الذي يمكن تقسيمه بسهولة إلى كيانات، من رتبة أدنى هي الأجناس الأدبية، كما أننا نتوفر على كتاب الشعرية الذي تضمه استمرارية التقليد. لن يتخذ مفهوم الأدب استقلاله إلا مع حلول النزعة الرومانسية الألمانية، وسيكون ذلك بداية نظرية الأدب بالمعنى الدقيق.لقد توقفت مفاهيم المحاكاة والتمثيل والتقليد عن دورها المهيمن لتعوض في قمة الهرم بالجميل، وكل ماارتبط به من غياب الغائية الخارجية، والانسجام المتناغم بين أجزاء الكل، وعدم قابلية العمل للترجمة.كل هذه المفاهيم اتجهت نحو استقلالية الأدب، وأفضت إلى تساؤل حول مميزاته الخاصة، ذلك هو السؤال الذي نجده في الكتابات الرومانسية، لكن تأثيرها لم يكن مباشرا خاصة في الدراسات الأدبية المؤسسية، وهذا يرجع بدون شك للشكل الذي اتخذته هذه الكتابات، إما لأنها كانت كتابات مقطعية شذرية تشبه الشعر في جوانب عديدة (كما هو الحال عند شليجل ونوفاليس)، وإما دراسات فلسفية منتظمة لن تحيد عن التقليد الذي رسمه علم الجمال، الذي يحتل الأدب فيه مكانا محدودا، وتلك هي حالة شليجل وهيجل."[18]

وعليه، فالنظرية الرومانسية هي التي وحدت الأجناس الأدبية في نظرية أدبية وفنية واحدة. وهي التي ساهمت في ظهور مصطلح الأدب.وفي هذا، يقول كليطو:" لاشك أن السؤال التالي يخامر ذهن القارئ: هل المعنى الحديث لكلمة(Littérature) كان مجهولا فيما مضى؟ إذا وضعنا السؤال هكذا فإننا نفترض أن السؤال واضح، وإننا نعرف ما نعني عندما نستعمل الكلمة، إلا أننا ربما نستطيع أن نقول: إنه قبل الثورة الرومانسية الألمانية كان الكلام يدور حول الأنواع التي كانت تعتبر قارة وثابتة ومنفصلة بعضها عن بعض.أما مع الرومانسية، فإننا نلاحظ نزعة نحو التركيب ومزج الأنواع والمتضادات.لهذا، نجدهم يولون اهتماما كبيرا لشكسبير الذي لم يكن يلتزم صوتا واحدا في مسرحياته، وإنما يمزج أصناف الكلام، فيمزج مثلا الكلام الجزل بالكلام السوقي. ونفس النزعة جعلتهم يهتمون بالحوار الأفلاطوني الذي يتقبل في ثناياه عدة أنواع مازجا بين الجد والهزل. والشيء الذي لا يجب إغفاله هو أنهم يضعون الرواية في الصدارة؛ لأنهم انتبهوا إلى كونها تتضمن أو يمكن أن تتضمن جميع الأنواع. في القرون الماضية، كانت الرواية بمثابة الفرد الفقير في عائلة الأنواع، إلا أنها منذ نهاية القرن الثامن عشر.أي: في فترة معاصرة لميلاد مفهوم (Littérature)، ولبزوغ الرومانسية، أخذت تشق طريقها شيئا فشيئا، إلى حد أنها صارت مع مرور الزمن قمة الأنواع. ذلك أنها تستوعب الرسالة والمذكرات والسيرة الذاتية والحوار المسرحي، بل يمكن أن تستوعب حتى الشعر. وإن تعودنا على قراءة الروايات هو الذي يجعلنا لا نلمح هذه الخاصية."[19]

وهكذا، فالنظرية الرومانسية هي التي وحدت بين جميع الأجناس والأنواع الأدبية في قالب واحد، برفض مبدأ الفصل والتمييز بين المقولات التجنيسية.

وقد تطورت الشعرية كثيرا مع نظريات الأدب في القرن العشرين، وبالضبط مع تصورات الشكلانية الروسية، والبنيوية الفرنسية، والنقد الجديد(New criticism)، والبلاغة المعاصرة، والسيميائيات...

ومن جهة أخرى، يلاحظ أن أهم ما انشغلت به الشعرية المعاصرة بصفة عامة، ونظرية الأجناس الأدبية بصفة خاصة، هو التقسيم الثلاثي: الغنائية، والملحمية، والدرامية باعتبارها إشكالا أرق الكثير من الباحثين والدارسين الغربيين، فهل هي ثنائية أم ثلاثية؟ لأن جيرار جنيت في كتابه (جامع النص) قد شكك في هذا التقسيم الثلاثي بقوله:" ليس النص هو موضوع الشعرية، بل جامع النص.أي: مجموعة الخصائص العامة أو المتعالية التي ينتمي إليها كل نص على حدة. ونذكر من بين هذه الأنواع: أصناف الخطابات، وصيغ التعبير، والأجناس الأدبية. ولقد اجتهدت الشعرية الغربية منذ أرسطو في أن تشكل من هذه الأنواع نظاما موحدا قابلا للإحاطة بكامل الحقل الأدبي.ولم تتم تلك الجهود من غير التباسات، أهمها: التقسيم الثلاثي المعترف به منذ القرن الثامن عشر، والذي أسند خطأ لأرسطو نفسه، وهو تقسيم الحقل الأدبي إلى ثلاثة أنماط أساسية صنفت تحتها جميع الأجناس والأنواع الأدبية:الغنائي، والملحمي، والدرامي.

ولقد سعيت إلى تفكيك هذه الثلاثية المزعجة بأن أعددت رسم تكونها التدريجي، وميزت، بما أمكنني من الدقة، الأنماط المتعلقة بجامع النص، التي تتداخل فيها. ولايعدو مسعاي أن يكون محاولة لفتح الطريق، ولو بصيغة تهكمية، أمام نظرية عامة ومحتملة للأشكال الأدبية."[20]

وهذا ما تنبه إليه أيضا رونيه ويليك حينما قال :" تعتبر التقسيمات الثلاثية في تاريخ الأنواع الأدبية من أهم التقسيمات. ولقد حاولت الآنسة آيرينه بهونز أن تبين في أطروحتها الموثقة (علم تصنيف الشعر) (1940م) أن الثالوث ماهو إلا نتيجة للتفكير النظري في القرن الثامن عشر. واعتبرت كتاب شارل باتو ( الفنون الجميلة من خلال مبدإ واحد) (1746م) هو الوثيقة الأساسية التي تتبعت تسرب أفكارها إلى كتابات النقاد الألمان المتأخرين والصيغ التي اتخذتها عندهم. ويضم كتابها أمثلة عديدة على التقسيمات الثلاثية التي استعملت في القرون السابقة استعمالا كثيرا ماكان عابرا."[21]

وعليه، فلقد أصبحت نظرية الأجناس الأدبية - اليوم - جزءا لايتجزأ من الشعرية من جهة، ونظرية الأدب من جهة أخرى، بل أصبحت من أهم المستندات النظرية والتطبيقية التي يرتكز عليها النقد الأدبي في تعامله مع النصوص والآثار الأدبية والفنية . ومن ثم، لايمكن الاستغناء عنها إطلاقا في عملية التصنيف، والتعيين، والقراءة، والتقويم، والتأويل، والتوجيه.

وبناء على ماسبق، لم تتشكل الشعرية الغربية، في حقيقة الواقع، إلا مع رومان جاكبسون[22] الذي أرساها على دعائم لسانية وصفية وعلمية موضوعية، بالتركيز على الأدبية (Littérarité)، والقيمة المهيمنة، والعناصر البنيوية التي تميز جنسا أدبيا عن الآخر. ومن ثم، فلقد كان يقارن بين لغة الشعر ولغة النثر العادية في ضوء مقاربة بنيوية لسانية، وكان هدفه الرئيس هو البحث عن أدبية النص استبدالا وتأليفا. ولقد ركز كثيرا على دراسة الشعر لسانيا باحثا عن قواعده وقوانينه بمقارنته بالكلام اليومي. ومن ثم، فلقد كان يستقري المعطيات النصية الصوتية والإيقاعية والنغمية والصرفية والتركيبية والبلاغية والدلالية، ضمن نسق تفاعلي كلي، تترابط فيه العناصر البنيوية جميعها إن إيجابا وسلبا، وإن تفكيكا وتركيبا. وقد اهتم بالخصوص باللغة الشعرية، وربط الصوت بالدلالة، مع تصنيف المعطيات المبنينة في النص الشعري بغية رصد الوظيفة الجمالية أو الشعرية التي تتحقق في النص، ودراسة الدوالّ اللفظية باعتبارها علامات سيميائية.

ومن جهة أخرى، فلقد اهتم بالتوازي أو التعادل حينما تحدث عن الوظيفة الجمالية القائمة على إسقاط محور الانتقاء أو الدلالة على محور التركيب أو التأليف. ومن ثم، لا يقتصر التوازي على الإيقاع فقط؛ بل يمتد ليشمل التركيب والدلالة معا. وفي هذا الصدد، يقول جاكبسون: "كل مقطع، في الشعر، له علاقة توازن بين المقاطع الأخرى في المتتالية نفسها، وكل نبر لكلمة يفترض فيه أن يكون مساويا لنبر كلمة أخرى، وكذلك فإن المقطع غير المنبور يساوي المقطع غير المنبور، والطويل عروضيا يساوي الطويل، والقصير يساوي القصير، وحدود الكلمة تساوي حدود الكلمة، وغياب الحدود يساوي غياب الحدود، وغياب الوقف يساوي غياب الوقف. فالمقاطع تحولت إلى وحدات قياس، والشيء نفسه تحولت إليه أجزاء المقاطع وأنواع النبر."[23]

وأهم مقال فصّل فيه جاكبسون مبدأ التوازي أو التعادل مقاله المعنون بـ(نحو الشعر وشعر النحو)[24]. بيد أن هذا المبدأ قد "انتقده كثير من الباحثين، خاصة جان كوهن[25]؛ وذلك لأن التعادل لا يتوافر في الشعر كله، ولا يتوافر في القصيدة جميعها. ومن ثمة، فإنه ليس مكونا من المكونات الشعرية، وإنما يصح أن يسمى خاصة ثانوية محتملة قد تحضر وقد تغيب."[26]

كما اهتم جاكبسون، ضمن تحليله للوظيفة الجمالية أو الشعرية، بالمحورين: الاستبدالي والتركيبي، وعلاقتهما بالاستعارة والكناية. فلقد أثبت أن الاستعارة شعرية، أما الكناية فهي واقعية. "وقد تطورت هذه الفكرة نتيجة البحث في الاضطراب العقلي وفقدان القدرة على الكلام (الأفازيا)[27]. وفي جملة "عبرت السفينة البحر"، يمكن أن تكون الجملة مجازية أو استعارية عن طريق اختيار فعل مختلف، على سبيل المثال، بمقارنة حركة السفينة بحركة المحراث (حرثت السفينة البحر)، والكنابة هي استخدام وسيلة سمة شيء ما للإشارة إلى الأمر برمته. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يشير العمق للبحر "وعبرت السفينة العمق". تعتمد الاستعارة على مزيج من الأشياء ليست بالضرورة أن تكون مرتبطة أو متجاورة، بينما تستخدم الكناية السمات المرتبطة ببعضها ارتباطا وثيقا."[28]

واعتمادا على هذا التمييز، يمكن التفريق بين المدارس والاتجاهات الأدبية؛ فالمدرسة الرومانسية استعارية. في حين، تعد المدرسة الواقعية كنائية. وفي هذا، يقول جاكبسون: "وقد تم الاعتراف بأسبقية العملية الاستعارية في المدارس الأدبية الرومانسية والرمزية مرارا وتكرارا، ولكنها لا تزال غير مدركة أن الكناية هي الغالبة، والتي تكمن وراء ما يسمى بالاتجاه الواقعي الذي ينتمي إلى مرحلة وسيطة بين انحدار الرومانسية وصعود الرمزية. وتعارض هذه العملية كل منهما على حد سواء."[29]

وعليه، فلقد أثرى رومان جاكبسون الشعرية بأجوبة كثيرة ومقنعة، كان يطرحها النقاد ودارسو الأدب بإلحاح شديد؛ مثل: ما الذي يميز الأدب؟ وكيف يمكن تصنيف الأجناس والأنواع الأدبية؟ وكيف يمكن التمييز بين المدارس والاتجاهات الأدبية والفنية؟ وكيف يمكن تحليل الأثر الأدبي تحليلا بنيويا لسانيا وشكلانيا؟!! 

الخاتمة: 

وخلاصة القول، إذا كانت القرون الأدبية، قبل القرن العشرين، تؤمن بنظرية الأجناس الأدبية تمثلا وانضباطا وفصلا، فإنه بعد منتصف القرن الماضي، أصبحت الأجناس الأدبية متداخلة ومختلطة؛ حيث يصعب الحديث عن جنس أدبي معين.لذا، وجدنا جماعة تيل كيل(Tél Quel) - مثلا- تثور على هذه النظرية بشكل جذري رافضة عملية التصنيف، مستبدلة الجنس الأدبي بالعمل أو الأثر الأدبي أو الكتاب. وفي هذا السياق، يقول رينيه ويليك:" لاتحتل نظرية الأنواع الأدبية مكان الصدارة في الدراسات الأدبية في هذا القرن. والسبب الواضح لذلك هو أن التمييز بين الأنواع الأدبية لم يعد ذا أهمية في كتابات معظم كتاب عصرنا. فالحدود بينها تعبر باستمرار، والأنواع تخلط أو تمزج، والقديم منها يترك أو يحور، وتخلق أنواع جديدة أخرى إلى حد صار معها المفهوم نفسه موضع شك."[30]

ولقد تجاوزت الشعرية قضية التجنيس الأدبي لتهتم بآليات تحليل النصوص والخطابات وفق المناهج اللسانية وصفا، وتفسيرا، ووظيفة. كما اعتنت الشعرية المعاصرة بالبلاغة أسلوبا، وصورة، وحجاجا، وتأويلا.

وبعد ذلك، توالت الدراسات التي تهتم بالشعرية مع مجموعة من الباحثين الغربيين المعاصرين، كالشكلانيين الروس، وتزفيتان تودوروف( Tzvetan Todorov)، وجيرار جنيت (G.Genette)، ورومان جاكبسون (R.Jakobson)، وجان ماري شايفر(J.M.Schaeffer)، والأب بيرون (L'abbé Piron)، وجاستون باشلار (G.Bachlard)، وميكاييل ريفاتير(M.Rifaterre)، وغيرهم كثير...

 

د. جميل حمداوي

.................................

[1] - أرسطو: فن الشعر، تحقيق إبراهيم حمادة، مكتبة الأنجلو مصرية، الطبعة الأولى سنة 1990م.

[2] - أرسطو: كتاب الخطابة، ترجمة: عبد الرحمن بدوي، وزارة الثقافة، بغداد، العراق، طبعة 1986م.

[3] - أرسطو: فن الشعر، المرجع المذكور سابقا.

[4] - تزفيطان تودوروف: الشعرية، ترجمة: شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1987م، ص:15.

[5] - أفلاطون: جمهورية أفلاطون، صص:267-270.

[6] - حميد لحمداني: (السرد والحوار)، ص: 148.

[7] - انظر: الشكلانيون الروس: نظرية المنهج الشكلي، ترجمة: إبراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الرباط، الطبعة الأولى سنة 1983م، ص:9.

[8] - الشكلانيون الروس: نظرية المنهج الشكلي، ص:9.

[9] - دافيد كارتر: النظرية الأدبية، ترجمة: باسل المسالمه، دار التكوين، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:30.

[10] - سيزا قاسم: (السيميوطيقا: حول بعض المفاهيم والأبعاد)، مدخل إلى السيميوطيقا، الجزء الأول، منشورات عيون المقالات، الدار البيضاء، المغرب، ص:40.

[11] - ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ترجمة: الدكتور جميل نصيف التكريتي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م. 

[12] -R.Barthes: Critique et Vérité, Éditions du Seuil, Paris, 1966; S/Z essai sur Sarrasine d'Honoré de Balzac, Éditions du Seuil, Paris, 1970; Essais critiques, Éditions du Seuil, Paris, 1964.

[13] -Todorov.T : Littérature et Signification, Paris, Larousse, 1967 ; Introduction à la littérature fantastique, Paris, Le Seuil, 1970 ; Grammaire du "Décaméron", Paris, Mouton, 1969 ; Poétique de la prose, Paris, Le Seuil, 1971.  Qu’est-ce que le structuralisme ? Poétique, Paris, Le Seuil, 1977 ; Les Genres du discours, Paris, Le Seuil, 1978 ; Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, avec Oswald Ducrot, Paris, Le Seuil, 1979.

[14] -G.Genette: Figures III, coll. « Poétique », 1972; Introduction à l'architexte, Paris, Le Seuil, coll. « Poétique », 1979 ; coll. « Points essais », 2004 ; Fiction et diction, Paris, Le Seuil, coll. « Poétique », Paris, Le Seuil, 1991, coll. « Points essais », 2004.

[15] -kébidi-Varga :Les constantes du poème: À la recherche d'une poétique dialectique. Den Haag: Van Goor. 1963 ; Rhétorique et littérature: Études de structures classiques. Paris; Bruxelles: Didier. 1970 ; Discours, récit, image. Bruxelles: Madarga. 1989.  Les poétiques du classicisme. Paris: Aux amateurs de livres. 1990.

[16] -Jean Cohen: Structure du langage poétique (Champs, Flammarion, 1966, réédition 2009.

[17] -Awerbach : Le Haut Langage : langage littéraire et public dans l'Antiquité latine tardive et au Moyen Âge, trad. de l'allemand par Robert Kahn, Paris, Belin, 2004, 347 p ; Mimésis. La représentation de la réalité dans la littérature occidentale, trad. de l’allemand par Cornélius Heim, Paris, Gallimard NRF, « Bibliothèque des idées », 1968 (1946 pour l’édition originale), 561 p.

[18] - تزفيطان تودوروف:نفسه،ص:13-14.

[19] - عبد الفتاح كليطو: نفسه،ص:18-19.

[20] - جيرار جنيت: جامع النص، صفحة المقدمة.

[21] - رينيه ويليك: مفاهيم نقدية، ص:390.

[22] -R. Jakobson: (Linguistique et poétique), Essais de linguistique générale, t. I, Minuit, 1963. 

[23] -R.Jakobson : Essais de linguistique générale, Paris, Minuit, 1963,220.

[24] -R.Jakobson : Huit questions de Poétique, Paris, Point, 1977, pp : 88-108.

[25] - Jean Cohen : Le haut Langage, Paris, Flammarion, 1979, p : 16.

[26] - محمد مفتاح: في سيمياء الشعر القديم، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1989م، ص:46.

[27] - شرحها في كتابه (أصول اللغة) سنة 1956، وقد نشر الكتاب بالاشتراك مع موريس هالي (M. Hally).

[28] - دافيد كارتر: نفسه، ص ص:38-39.

[29] - نقلا عن دافيد كارتر: نفسه، ص:39.

[30] - رونيه ويليك: مفاهيم نقدية، ص:376.

 

349 رواية نهر جاسمسلطة المكان تؤكد حضورها في الفضاء الروائي بشكل كبير، ومفعم بالتعابير الدالة، في عمق الاحداث ومسار دلالالتها، في عينة التقلبات والمتغيرات والتطورات السياسية والاجتماعية للبيئة الذاتية. في القرية العراقية، التي رسمت رمزية العراق بصورته الكبيرة، عبر الحقب السياسية التي تعاقبت على تداول السلطة، عبر انقلاباتها العسكرية. لذا فأن النص الروائي ينطلق من عملية نتاج الواقع، عبر مخاضه السياسي العسير، وعواصف الاحداث ومساراتها مرت على العراق، التي تناولها بشفافية اسلوبية في المتن السردي، بواقعية موضوعية، تلتزم الصدق التعبير، في منصات المعايشة والتجارب والسير الذاتية الحياتية، وفي براعة توظيف ناصية الاستذكار والاسترجاع (فلاش باك) في اطار الخيال الفني الواقعي. في جمالية الابداع الروائي وتتقنياته الضرورية، في الايغال في ذاتية البيئة المحلية. قرية (نهر جاسم) في تصوير بانورامي، يسلط الضوء الكاشف على حياة القرية، في معايشتها اليومية وتأثير الموروثات والتقاليد الاجتماعية والدينية والعشائرية السائدة في مؤثراتها على عقول الناس وطريقة حياتهم، واستجاباتهم لها. لقد قدم المتن الروائي، حالة المعايشة في سلوك وتصرفات الشخصيات المحورية في السرد الروائي، في اطار واقعي وموضوعي، دون زخرفة ديكورية متصنعة بتكلف زائد. وانما بحقائقها وواقائعها التي تدب بفعلها على الارض، في ارتباط وثيق في التعامل اليومي ارتباطاً وثيقاً في التعبير والرؤية والموقف والطرح، في اسلوبية روائية برعت في ادواتها الفنية وصياغتها التعبيرية، التي توغلت في اعماق المكان المحلي والذاتي للقرية. ضمن محسوسات العقل الواعي وغير الواعي. في مسح ابداعي، يعكس المرآة الواقع لقرية (نهر جاسم) منذ انبثاقها الى خوض غمار التطورات اللاحقة التي عصفت بها، بالمتغيرات المتقلبة. والتي احتلت تغاليف السرد الروائي، في عناصر التشويق الروائي الممتع. في كشف معالم قرية عراقية، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعراق، في تحولاته وتطوراته، في كل تفاصيل الواقع اليومي والمعاشي، بتحولاته في الحقب السياسية المتعاقبة، التي تدولات على السلطة والنفوذ، وكذلك كشفت الصراع الناشب بين اركان الحكم والسلطة انفسهم، في احتكار الحكم والتعامل معه، حسب مضمونها السياسي ومواقفها ونظرتها العامة، في العلاقة بين السلطة وعامة الناس. وتوزعت الرواية الى اربعة أقسام، حسب التطورات والاحداث والمتغيرات التي برزت في عناوين الحقب السياسية. وكذلك تناولت التحولات الاجتماعية، التي طرأت على الواقع والاوضاع العامة. وهذه الاقسام هي :

1 - الكتاب الاول: الداهية:  الموت والثأر

- الصبية الحسناء ذات العقل الراجح. الذي اطلق عليها مستر (دوسن) باني قرية (نهر جاسم) ومهندس بساتينها وانهارها، اطلق عليها لقب ذات يوم (الداهية) وعرفت فيما بعد به . لقد جاءت مع ابيها وشقيقها (عبد) الى (بيت جوك) بعدما هربت عائلتها من قريتها، خوفاً من الموت بالثأر العشائري، واتخذت من المكان الجديد، مأوى وملجأ، بعدما اصبحت طريدة وغريبة. وتكيفت مع البيئة الجديدة بأحسن حال في علاقتها مع الاهالي، لكن الاحداث التي عصفت بها، قتل شقيقها (عبد) كمطلوب للثأر، وموت ابيها فيما بعد، حتى اصبح قبره، ضريح لمزار الناس. وتزوجت من (الباشا آل النمر) بينما كانت ترفض الزواج من الاخرين، ولكنها اقتنعت ب (الباشا) وهو شخصية اجتماعية وسياسية لها نفوذ ونشاط تجاري كبير، وكذلك وجد (البشا) زواجه الثاني من (الداهية) في انجاب ذرية ترث أسمه امواله واعماله التجارية الواسعة، وبالتالي الزواج من (الداهية) المرأة المعروفة ذات السمعة المحبوبة والطيبة بين الناس، يصب لمنفعته وتقوية نفوذه السياسي والاجتماعي، بأنه سيحصد اصوات انتخابية اضافية في انتخابات مجلس النواب، التي سوف تجري نهايات الخمسينات من القرن الماضي من تاريخ العراقي السياسي، وهو موعود بمنصب حكومي كبير في الدولة العراقية. اضافة الى اعماله ونشاطاته التجارية، وهو يملك معمل لكبس التمور في قرية (نهر جاسم). وترزق منه ولد اطلقت عليه اسم شقيقها المغدور (عبد)-. وقد عاهدت نفسها على أخذ الثأر لشقيقها القتيل (عبد) وكان زوجها (الباشا) له علاقة مباشرة في عملية القتل (- أنا ولي عبد، سوف يأتي جوابي في الوقت المناسب) ص19. وكانت السبب في موت زوجها (الباشا) مسموماً، لكن تحول موته الى قضية وطنية، ضمن الصراع والتنافس على السلطة والنفوذ آنذاك. وقد اتهم بسبب موته (نوري السعيد). لانه كان نداً ومنافساً قوياً له، حتى عامة الناس يطلقون اوصاف على (الباشا) بأنه فرخ الانكليز، وكلب الاستعمار، ولكن أسفوا على موته، وصبوا جام غضبهم على (نوري السعيد) (نوري السعيد قتل الباشا، وضع السم في فنجان القهوة، سماً بطيئاً كي لا ينافسه في المستقبل) ص52.

الكتاب الثاني: الطريق..   موت واحتراق الرئيس  

- ارسسلت (الداهية) ابنها (عبد) الى المدرسة، لكي يواصل تعليمه الدراسي. وعلى صعيد العراق، كان الحدث البارز هو سقوط الملكية. لكنه دشن العهد الجديد، الخلافات والصراعات السياسية على المكشوف. لكن بذات الوقت بدأ الحديث عن أهمية شق طريق عام في قرية(نهر جاسم) يساهم في تخفيف معاناة الناس اليومية. وضمن التطورات المتلاحقة، يزف الخبر بزيارة الرئيس (عبدالسلام عارف) ليدشن افتتاح الطريق العام، وبدأت حمى الاستعدادات للاحتفال في استقبال الرئيس الزائر. واستعدت قرية (نهر جاسم) بأحسن حلة من الاستقبال الكبير، فقد تعطلت المدارس ليساهموا التلاميذ في مراسيم الاحتفال والاستقبال، واصطفوا بجانبي الطريق مع حشود الناس، وحضرت الذبائح ابتهاجاً لزيارة الرئيس، وانتظرت الحشود طويلاً لقدوم الرئيس المنتظر، لكنهم تفاجأوا بالخبر الصاعق. حيث قتل الرئيس في حادث الطائرة واحترق بالجو، يا للنشوة التي لم تحصل، وتسجل بزيارة الرئيس للقرية، ولكنها ظلت نشوة فقط لا غير (- الآن سجل التاريخ (أسم النشوة) حيث قتل الرئيس وعادت قرية نهر جاسم الى النسيان)ص100. وعادوا الاهالي الى بيوتهم خائبين، وانصرف تلاميذ المدارس الى بيوتهم، وبدأ القيل والقال والتنابز واللغز، حول مقتل الرئيس، فالبعض كان متهكماً بالسخرية، والبعض الاخر يدعو الى التروي والرحمة والسماح للقتيل المحترق (- يا جماعة. المثل يقول اذكروا محاسن موتاكم، لقد قلت دائماً ان الله يسامح عبدالسلام عارف على أخطائه، لكونه خلصنا من الحرس القومي وافعالهم السود) ص102.

3 - الكتاب الثالث: الشبكة.. جواسيس واعدامات

ويأتي البعث من جديد الى السلطة. في انقلابه الثاني عام 1968. وبدأ الناس في حالة الحذر والتوجس والقلق، خشية من ظهور الحرس القومي السيء الصيت والسمعة من جديد، وخوفاً من فتح السجون وانتهاك الحرمات. وبدأوا يترحمون على عهد الحاج مشن وسفن آب، التسمية التي يطلقونها على عهد عارف، فقد جاء الى الحكم، عصير صعب الهضم (البعث) الباء بعوض. والعين عبث، والثاء اعدامات تعلق في الساحات، ولكن مقابل هذه التطورات السياسية العاصفة، بدأت قرية نهر جاسم، تتلمس بحبوحة العيش في طور جديد. فقد دخلت الكهرباء والتلفزيونات والثلاجات، بالنهوض الجديد في القرية. ولكن ايضاً بدأت جحافل الامن والجيش الشعبي، تظهر من جديد في الشوارع، مما يثير هذا الظهور مخاوف، بعودة الحرس القومي، بأسلوب ومظهر جديد، والعراق عرف بعهد الانقلابات العسكرية المتعاقبة (حين انقلب القومييون على البعثيين وارسلوهم الى السجن، أستقبلهم الشيوعيون وهم يغنون : سبحان الذي جمعنا بغير ميعاد، وهاهم الشيوعيون بصفتهم خميرة، يستقبلون القوميون بالترحاب ذاته) ص111. وظهر اول الغيث في حكم البعث، في اكتشاف شبكات التجسس واعدامهم وتعليقهم في الساحات في البصرة وبغداد. بذريعة (منذ سنوات والجواسيس يعيثون فساداً في بلادنا، نشروا اسراننا لاسرائيل، وتكاثروا تكاثر الصراصر والذباب، حتى كدنا نراهم في بيوتنا، واعتقدنا أنهم مندسون بيننا، ومع أطلالة العهد الجديد، أنتهى عهدهم. ولكي يكونوا عبرة لذوي النفوس الضعيفة) ص120.. ونجحت (الداهية) في اعفى ابنها من الخدمة العسكرية الالزامية بعد حصوله على الشهادة الجامعية، بدفع الرشوة. بأنه مريض غير مؤهل للتجنيد العسكري الالزامي، لكي يتفرغ الى نشاطه التجاري بين البصرة وبيروت. وفي نفس الوقت تحذره بشدة، بصيانة لسانه وعدم التطرق الى السياسة والحزبية، لانهما مثل البيضة الفاسدة.

4 - الكتاب الرابع: الحرب..  قربان الضحايا الابرياء في الحرب

يتصاعد احاديث الناس عن اكتشاف النفط تحت ارض قرية نهر جاسم، لهذا الزرع لم يثمر، وتناولت الاقاويل عن شروع الحكومة في شراء الاراضي من الاهالي، مقابل المظاهر الحياة الجديدة، في تبعيث المجتمع، بالدعوات الى الانضمام الى حزب البعث، والعراق يشهد انجازات تقدمية في تطور الحياة المعيشية مثل تأميم النفط. وأمتلئت الشوارع بالشعارات البعثية التي تلاحق الجميع، مما يزيد هاجس القلق والخوف عند عامة الناس. والصراعات بين اقطاب البعث، في نزالهم في كسر العظم بين القيادة البعثية نفسها، فقد اضطر الرئيس الى التنازل عن الرئاسة، وتقديمها على طبق من الذهب الى صدام حسين، الذي اصبح الرئيس الجديد على كبش القربان، في المجزرة التي فتكت بنصف القيادة البعثية، ليدشن عهده بالتسلط والاستبداد والارهاب. والحملة في التجنيد للبعث تحت شعار (العراقي الجيد هو البعثي الجيد، وأن لم ينتمِ) ص157. وطفحت على السطح المناوشاة الخطيرة. وقرع طبول الحرب، ضد ايران بعد سقوط حكم الشاه. وصار الناس في دوامة القلق والخوف، في انتظار ساعة الصفر، واعلان الحرب. وسقطت قرية نهر جاسم بين حوافر الحرب ك (حصان الطروادة) واصبحت غير صالحة للعيش والسكن. وعلى الاهالي الانتقال الى مكان اخر في البصرة اكثر سلامة لسلامتهم، وهذا القدر المحتم عليها (في غضون ذلك تحتم على نهر جاسم، ان تحتضن الموت، أشبه بأعدام حصان معتوه بدلاً من ان يذهب أهلها الى مكان اخر ليعزوا ذوي الموتى) ص185.هكذا يلوح الموت فوق الرؤوس، في نار الحرب التي تأكل الاخضر واليابس. وان يكون العراق مجنداً للحرب، وعليه ان يختار الموت تحت اية لافتة يروج لها النظام البعثي. أما شهيد. او خائن. او جبان متخلف عن الواجب الوطني. ففرق الاعدامات موجودة خلف جبهات الحرب. في حرب شعواء بأرادة عقلية مجنونة

 

 جمعة عبدالله

 

رحيم الغرباويللشاعرة اللبنانية نوره حلَّاب

الشعر هو الميدان الأرحب للبوح عن المشاعر حين تُترجَم إلى كلمات تبعث في المتلقي مثلما يستشعره صاحبها من رضى أو سخط، فرح أو حزن، أمل أو قنوط، وإنْ كان الشعر هو جمال فني يستكمل نقص الطبيعة؛ لبلوغ حالة التناغم بين الواقع والخيال، فإنَّ الشاعر يعيش تجربة حياتية واقعية وهو يعالج نقصها لكنْ بعاطفته وعقله؛ ليظهرها برونق جديد تتعافى به النفوس المتلقية ونفسه أولاً؛ من خلال خلق صور لما فوق الواقع معتمدا على ماتوحيه له الأشياء وما ترسمه المخيلة، وبما يُفعل فيه من مواقف حياتية إنسانية (1)، فالفن إذن هو عمل " وإنتاج ينتجه الإنسان؛ فيصوغه صياغة خاصة، إذ يعيد تنغيم مادته وتشكيل عناصره حتى تتخذ هيأة لاتتخذها في وجودها الطبيعي " (2) وإنْ كان هدفه هو التعبير عن الواقع واستحصاله على التوافق معه بوصفه جزءً من متطلبات الخبرة الجمالية (3).

و الشاعر حين يعبِّر عن شعور ما، لابدَّ أن تستوحى صور ذلك الشعور من الطبيعة من طريق الخيال؛ مما يمنح النص فنيَّةً لأجل بث التأثير في نفوس متلقيه؛ إذ أنَّ " جوهر الفن أو أساسه يقوم على التعبيرعن عاطفة الإنسان وموقفه الوجداني تجاه الوجود " (4) .

و لعل الشعر صار همَّاً للنساء الشاعرات الذي شاع في عصرنا الحاضر شيوعاً لافتاً، فأصبح يشغل مساحة واسعة بسبب تقنيات التكنلوجيا لاسيما صفحات التواصل الاجتماعي، فنجد الكثير منهن بتنَ يعزفن على وتر البوح الشعوري؛ ليترجمن ما ينتاب مشاعرهن وأحاسيسهن إزاء مؤثرات الحياة بما فيها من مظاهر ذات أثر واضح وكبير؛ لما يدهم حياتهن من قلقٍ وضياع وتشتت واستلاب، والشاعرة نورا الحلاب واحدة من بين تلك النوارس اللاتي حلَّقن في عالم الشعري؛ لتصوغ لنا من أجمل قلائد الكلمات قصائد تعبر بهن عن تطلعاتها تجاه الكون والوجود، فنراها تقول في قصيدتها أفق التلاقي:

تخيّل يا سيدي ....!!!

لم نَعُد الفدائيات المستبسلات

للذود عن موطن عينيك ....

ولا العاديات الظامئات

لسُندس المروج

في مراعيها ....

فنجد الإكبار والشمم الذي يختلج القصيدة؛ فهي تنضح بما فيها من دلالات معبِّرة لاسيما رفض الاستسلام للآخر (الرجل) فنراها تخاطب رجال العصر بل ورجال الزمن العتيق الذين ما انفكوا يمتهنون المرأة، فيتعاملون معها كالجارية التي تعيش بين حدقتيه وتذود عن حياضهما فدائية مستبسلة لاترضى إلا ببريقهما وتدافع عنهما من غلواء المُنافِسات، فما عادت امرأة العصراليوم أنْ تقتات من مروج عينيه ما يروِّي ظمأها حسب الرؤية العصرية لواقع المرأة، فشاعرتنا قد استعملت (ألف المد وتاء التأنيث) في الألفاط: (الفدائيات المستبسلات و العاديات الظامئات)؛ لتجعل من منطلقها بعيد الأثر، طويل الزمن، إذ أنَّ الشاعرة وهي تبوح بمشاعرها بهذه الفكرة آثرت أنْ تستعمل في نصها جمع الأناث بمد الألف أربع حركات متتالية، مما يحدث لنا استطالة في الصوت؛ وذلك لتعمق دلالة النص المرجوة، ولتمنح في الزمن الصوتي المستطيل دلالة النأي والبعد اللذين يمثلان الرفض للواقع المقيت من لدن المرأة وهي تحاول أن تبتعد عن ذلك الرجل، وقد أكدت حالة الرفض التي رصدناها من خلال ظلال الكلمات لاسيما في أداة الجزم (لم) التي نفت الفعل  (يعود)، ثمَّ عززت دلالة النفي بـ (لا) في قولها: (ولا العاديات الظامئات)، كذلك تكرار حرف العين خمس مرَّات وهو الذي يدل على اللوعة والألم .

ثم تقول:

صِرنا الناجيات

من حروقِ الشمس

المشرقة بين شفتيك ..

من تلك الإبتسامة

الطاغية في تدانيها ...

اليوم

نحن نجمات

تتلألأ بعيداً

عن وصاية مَدَارك

ولا مواسم لتلاقيها ...

ويبدو أنَّ شفتي من توجه له الكلام حارقة، ولعل السياق لايدلل على المعنى الظاهر، وكأنَّ القارئ لأوَّل وهلة يقرأ أنَّ الشفاه التي قصدتها الشاعرة هي شفاه الرجل الحارقة بعذوبتها وشبقها، لكن الهروب منها يدل على معنى تسلطها أيضاً، وقد عبَّرت الشاعرة فيما يبدو عن حروق الشمس في الشفاه؛ بوصفها لاهبة في لذعها مستعيرة بذلك للكلام الجارح، والمتجاوِز على المرأة؛ وجعلها ضعيفة في مجتمعنا العربي، منزوعة الإرادة، فالشاعرة تعبر عن لسان حال نساء جيلها، ولعل الابتسامة في النص لم تكن ابتسامة ودٍّ، بل ابتسامة استهجان وغرور، بينما النساء في حقيقتهن كالنجمات اللاتي يتلألأن بجمالهن وحريتهن وعطائهن بعيداً عن وصاية المستعمرين وليس هناك بعد الآن أنْ يلتقين بمثل هكذا ثقافات أو أفكار متخلفة . وقد استطاعت الشاعرة مرة أخرى أنَّ تشير إلى الزمن الفارق بين هذا الواقع الذي تتعرض له المرأة كل يوم، وبين النساء اللاتي ابتعدن في جوف السماء؛ لينلن حريتهن بلفظتي: (الناجيات و النجمات) ومد الألف فيهما؛ لاستغراق الزمن كما ذكرنا آنفاً، وقد أوردت النون في هذا المقطع تسع مرات وصوت الميم سبع مرات؛ لتعبر عن ترنمها وهي تعيش الزهو المؤثل؛ لانطلاق حريتها بعيداً عن قيود العبودية .

ولعل الشاعرة نوره الحلاب بعقليتها المتنورة ورفضها للكثير من حالات الاضطهاد القسري لاسيما اضطهاد المرأة من قِبل الكثير من الرجال في عالمنا العربي ومردوده السلبي، آثرت إلا أن تعلن راية التحرر أمام سيوف الذل ونوازع الاستلاب .

أما قصيدتها الأخرى (غنج ودلال) تصف فيها شاعرتنا المرأة العصرية التي صارت اليوم مدعاة غنج ودلال، وهي تتبختر؛ لأنَّها نالت استحقاقها في تقاسم الرجل الحياة، كما أنها تمارس دورها في جميع حقولها لاسيما الشعر الذي صارت فيه تجاري الرجال، إذ أصبحت تلتفت إلى أشعارها القلوب وترفع لها هاماتها الأكوان وتنحني لطلَّتها القوافي، فنراها ترسم بأشعارها شعورها البهيج بحسن العبارة وروعة الأحاسيس، لما تعيشه المرأة اليوم معبِّرة عن لسان حالها بقولها:

على جسر القصيدة

أتبختر أنا

حافية القلب .

حاسرة الفكر

والنبض

والشريان .

فرحي بهامة الكون،

لا تحنيه ثورتك

ولا يؤجّل أعياده

جنون غيرتك .

أتبختر أنا

على جسر القصيدة؛

ولهدو خطوي

تنحني القوافي

ويجلجل خلخال

الحروف !

إذ رسمت الشاعرة للقصيدة جسراً، والجسر يمثل مظهراً من مظاهر الحضارة الحداثية، بينما هي تتبختر حافية القلب، ولعلها تفاجئنا بالمفارقة الأسلوبية، وهي العنصر المحوري في العمل الفني، فالحافي حافي القدم، لكنها أشارت إلى القلب؛ لتوحي لنا أنْ لاهموم تنتابها ولا أحزان، فقد خلا القلب من الاكتواءات التي يمكن أنْ تنتابها في حال من الأحوال، كما نراها حاسرة الفكر والنبض والشريان؛ كناية عن إزاحتها هموم الحياة ومنغصاتها بل وخرجت من المغارة إلى عالم الأفكار الخالد (5)، ومما لايجعل الشعور أسيفاً، فهي تعيش حالة استرخاء طالما هاجسها الشعور الندي والفكرة الطامحة والرقة الشفيفة بدلالة الألفاظ: (اتبختر) التي وردت مرتين، و (فرحي، هدو، تنحني، يجلجل) وجميعها تدل على السرور والانتشاء والاحساس العذب بتفوق المرأة العصرية الشاعرة بفكرها وانتصارها لمطالبها في الارتقاء نحو ذرى الحرية، إذ لايثنيها اهتمام المحبِّ ولا جنون غيرته، فما عاد هو من يلقي بشباكه؛ ليصطاد من يهوى، بل هي من تصيغ حياتها بكبريائها وبجمال إحساسها الذي تعبِّر عنه من دندنة خلاليل حروفها اللافتة الجمال.

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

.......................

(1) ينظر: دراسات في الشعر والفلسفة، د. سلام الأوسي: 90

(2) في النقد الأدبي الحديث، د. فائق مصطفى: 14

(3) ينظر: الوعي الجمالي، د. هيلا شهيد: 252

(4) في النقد الأدبي الحديث: 15

(5) ينظر: عالم صوفي، جوستاين غاردر: 115

 

جميل حمداويالمقدمة: تعد الشعرية (Poétique) من أهم المقاربات النقدية المعاصرة التي استهدفت قراءة النصوص والخطابات الأدبية والإبداعية والفنية من الداخل بحثا عن أدبيتها الوظيفية أو شعريتها الجمالية. ومن ثم، فهي نظرية معرفية ونقدية علمية تعنى بدراسة الفن الشعري بصفة خاصة، والاهتمام بالفنون الأدبية بصفة عامة.

ولايمكن فهم مدلولات الشعرية (Poétique) إلا بتحديد اللفظة لغة واصطلاحا على النحو التالي:

المطلب الأول: الشعرية لغة

الشعرية (Poetics/ Poiesis) كلمة يونانية الأصل، تعني (Poetic) الإبداع أو الفن الشعري.  ويشير مورفيم (Ic) إلى المدرسة أو الاتجاه العلمي الذي تتخذه هذه اللفظة.بمعنى أن الشعرية نظرية علمية ونقدية وأدبية ومعرفية تهتم بقواعد الإبداع الأدبي والفني والجمالي. أما اللاحقة (S)، فتعني الجمع.أي: هناك شعريات متعددة ومختلفة. ومن هنا، فالشعرية مصدر صناعي يدل على خصائص الكتابة الأدبية والإبداعية ومقوماتها وسماتها المختلفة.

ولقد ترجمت لفظة البويطيقا (Poetic/Poétique)، في حقلنا الثقافي العربي القديم، بمجموعة من التسميات كالصناعة، وصناعة الشعر، وعمود الشعر، ونظم الكلام، ونظرية النظم، وفن الشعر، والتخييل...

وترجمت هذه اللفظة أيضا، في حقلنا الثقافي العربي الحديث والمعاصر، بالإبداع، والفن الإبداعي، والشعرية، والإنشائية، والهيكلانية، والبويطيقا، والبويتيك، وعلم الأدب، والشاعرية، والأدبية، ونظرية الشعر، ونظرية الخطاب....

وعلى العموم، ترتبط الشعرية بالفن الشعري من حيث الاشتقاق اللغوي. بيد أن الشعرية، في الصميم، نظرية علمية ومعرفية ونقدية تسعى جادة إلى فهم بنيات العمل الأدبي، وتفسير جمالياته الوظيفية، واستكشاف مكوناته وسماته الحاضرة والغائبة.

وتعني الشعرية أيضا علم الأدب، مادامت تصف الفنون والأجناس الأدبية وصفا علميا موضوعيا، بتمثل المقاربة البنيوية اللسانية، وإبعاد المرجع الخارجي،  وتحليل النصوص والخطابات تحليلا بنيويا محايثا داخليا وفق منهجية سانكرونية. ومن ثم، تقوم الشعرية على تفكيك النصوص الأدبية إلى مختلف مستوياتها الفنية والجمالية.وبعد ذلك، تسعى إلى تركيبها في مقولات وخلاصات واستنتاجات علمية شكلية موضوعية.

المطلب الثاني: الشعرية اصطلاحا

يقصد بالشعرية كل نظرية داخلية للأدب[1]. وقد تعني الشعرية أيضا تلك الاختيارات الأدبية والأسلوبية والبلاغية والتصويرية والموضوعاتية والتأليفية التي يختارها المبدع في التعبير والكتابة عن الذات والموضوع معا كشعرية مالارمي، أو شعرية  فيكتور  هيجو، أو شعرية أدونيس، إلخ[2]. وقد يقصد بالشعرية كذلك مجموعة من القواعد والقوانين المعيارية التي تحتكم إليها مدرسة أدبية وفنية ما. ويبقى المفهوم الأول هو المفضل في تعريف البويطيقا، على أساس أن الشعرية عبارة عن القوانين والمكونات والسمات التي تميز فنا أدبيا عن باقي الفنون والأجناس والأنواع الأدبية الأخرى[3].

علاوة على ذلك، فالشعرية هي تلك الطريقة أو المقاربة  أو المنهجية النقدية التي تهدف إلى  استخلاص المكونات البنيوية للنص الأدبي، وتحديد أدبيته، واستقراء مجمل القواعد الجوهرية الثابتة التي تتحكم في توليد النص وإبداعه. ومن ثم، تهتم الشعرية بعلمنة الأدب ووضع القواعد والمعايير والمكونات والسمات التي تنبني عليها الأجناس الأدبية. أي:تدرس الإنشائية (Poétique) علم الأدب، أو ما يجعل من الأدب أدبا. أي: تشدد على وظيفة الأدب التي تتأسس على الوظيفة الجمالية أو الشعرية،  بإسقاط المحور الاستبدالي على المحور التركيبي، أو الجمع بين الانتقاء الدلالي والعلاقات النحوية. ويعني هذا أيضا أن الأدب يتكون من مواد دلالية وعلاقات نحوية وتركيبية، أو الجمع بين الدلالة والنحو ضمن علاقات الغياب (الدلالة) من جهة، وعلاقات الحضور (التركيب) من جهة أخرى.

وعليه، فموضوع الشعرية هو الاهتمام بما يميز نصا أدبيا عن باقي الخطابات الأخرى .بمعنى أن الأدب يتميز بالوظيفة الجمالية التي تقوم على إسقاط المحور الدلالي على المحور التركيبي. ومن ثم، تهتم الشعرية برصد الثوابت البنيوية التي تخصص النص الأدبي مقارنة بالنصوص والخطابات الإبداعية الأخرى.أي: تعنى باستجلاء القواعد التجنيسية التي يقوم عليها نص إبداعي ما، بتحديد مكونات جنسه وسماته. فالمكونات هي العناصر الثابتة.في حين، تتميز السمات بكونها خصائص وعلامات تحضر وتغيب. ومن ثم، تهتم الشعرية بجرد كل مميزات النص الفنية والجمالية والإنشائية، وتوصيف النص الأدبي وفق مقولات بنيوية شكلية وهيكلية. وما يهم الشعرية أيضا هو التركيز على الأدبية.أي: ما يجعل النص أدبا، وتمييزه عن باقي النصوص غير الأدبية.لذا، تحضر نظرية الأجناس الأدبية في الشعرية بشكل كبير جدا.

أضف إلى ذلك أن الشعرية تهدف إلى فهم الآليات البنائية التي يقوم عليها النص الأدبي، وقد تكون آليات صوتية، وإيقاعية، وفضائية، وصرفية، ودلالية، ونحوية، وبلاغية. كما تستجلي مظاهر الوحدة والتنوع في مجال الإبداع الأدبي، والبحث عن بصمات المؤلف والمبدع على حد سواء.وبذلك، تستفيد الشعرية من اللسانيات من جهة، كما تنفتح على البنيوية من جهة أخرى. ويعني هذا أن الشعرية هي نظرية في تحليل الخطاب الأدبي وفق مقولات بنيوية ولسانية، يتمثل أساسها في تحديد أدبية النص، ورصد وظيفتها الشعرية أو الجمالية. 

وتعني أدبية النص (Littérarité)  العناية بما يميز النص الأدبي عن باقي النصوص الأخرى، أو ما يسمى بالوظيفة الجمالية أو الشعرية عند رومان جاكبسون(R.Jakobson). فكل جنس أدبي له وظيفته الخاصة؛ حيث يمتاز الشعر بالوظيفة الشعرية، وتمتاز القصة بالوظيفة القصصية، والرواية بالوظيفة الروائية، والمسرح بالتمسرح، وهكذا مع باقي الأجناس الأدبية الأخرى...

وترتكز الوظيفة الجمالية على إسقاط المحور الاستبدالي على المحور الأفقي. ونعني بالمحور الاستبدالي الترادف أو المعنى أو الدلالة. في حين، يقصد بالمحور التأليفي علاقات المجاورة، أو علاقات التركيب النحوي. ويعني هذا كله أن الوظيفة الجمالية تتضمن الدلالة والنحو معا.

وعليه، تعنى الشعرية بتوصيف النصوص الأدبية من جهة أولى، وجرد مكوناتها الثابتة وسماتها المتغيرة من جهة ثانية، ثم الاهتمام بقواعد تجنيسها من جهة ثالثة. وهنا، نتحدث عن شعرية الشعر، وشعرية السرد، وشعرية السينما، وشعرية اللوحة التشكيلية، وشعرية المسرح، وشعرية الإيقاع[4]...

وعليه، تدرس الشعرية الأشكال  الفنية والجمالية والأساليب الأدبية.ومن هنا، فلها علاقة وطيدة بالأسلوبية (la stylistique)، وعلم السرد (la narratologie)، وبلاغة الصور (des figures de style). ومن ثم، فالشعرية هي دراسة الفن الأدبي باعتبارها إبداعا تلفظيا [5]، أو دراسة الصيغ الداخلية للنص.

ومن ثم، يمكن الحديث عن شعرية إيقاعية، وشعرية صوتية، وشعرية فضائية، وشعرية بلاغية، وشعرية تركيبية، وشعرية الخطاب، وشعرية البلاغة، وشعرية الأسلوب، وشعرية الجنس والنوع والنمط، وشعرية الأدب بصفة عامة...

واليوم، يمكن الحديث عن شعريات كبرى، فهناك الشعرية البنيوية اللسانية، والشعرية التوليدية[6]، والشعرية المعرفية [7]....

وخلاصة القول، تعنى الشعرية بقواعد الإبداع الأدبي والفني والجمالي، والبحث في مكوناته الداخلية المحايثة، والاستفادة من البنيوية اللسانية، والتركيز على النسق التفاعلي الداخلي، وتفكيك النصوص والخطابات وتركيبها، ودراسة المستويات الصوتية، والإيقاعية، والصرفية، والتركيبية، والدلالية، والبلاغية. فضلا عن كونها تهتم بتصنيف الأنواع والأنماط والأجناس الأدبية، والاهتمام بما يميز الشعر والرواية والقصة والمسرح عن باقي الأجناس الأدبية  والفنية الأخرى.

المطلب الثالث: الشعرية منهجا ومقاربة

الشعرية طريقة بنيوية وصفية في قراءة النص الأدبي، تستند إلى خطوتين أساسيتين ألا وهما: التفكيك والتركيب . وهي لا تهتم بالمضمون المباشر، بل تركز على شكل المضمون وعناصره وبناه التي تشكل نسقية النص في اختلافاته وتآلفاته. ويعني هذا أن النص أو الخطاب عبارة عن لعبة الاختلافات، ونسق من العناصر البنيوية التي تتفاعل فيما بينها وظيفيا داخل نظام ثابت من العلاقات  والظواهر التي تتطلب الرصد المحايث، والتحليل السانكروني الواصف من خلال الهدم والبناء، أو تفكيك النص الأدبي إلى تمفصلاته الشكلية، وإعادة تركيبها من أجل معرفة آليات النص ومولداته البنيوية العميقة قصد فهم طريقة بناء النص الأدبي.

ومن هنا، يمكن القول: إن الشعرية منهجية  بنيوية وتشريحية بامتياز، ونشاط وقراءة وتصور فلسفي يقصي الخارج والتاريخ والإنسان، ويبعد كل ماهو مرجعي وواقعي، ويركز فقط على ماهو لغوي، و يستقري الدوال الداخلية للنص، دون الانفتاح على الظروف السياقية الخارجية التي قد تكون قد أفرزت هذا النص من قريب أو من بعيد. و يعني هذا  أن الشعرية تتعارض مع المناهج الخارجية كالمنهج النفسي، والمنهج الاجتماعي، والمنهج التاريخي، والمنهج البنيوي التكويني الذي ينفتح على المرجع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتاريخي في ضوء ثنائية الفهم والتفسير؛ والغرض من ذلك هو تحديد البنية الدالة والرؤية للعالم.

ومن هنا، تتميز منهجية الشعرية بأنها منهجية بنيوية لسانية تقوم على التوصيف الداخلي للنصوص والخطابات بنية، ودلالة، ووظيفة.بمعنى أنها تعنى بالآليات التالية:

Œ1- تصنيف النصوص الأدبية والفنية وفق منطق الأجناس والأنواع والأنماط الأدبية والفنية؛

2- تحديد مكونات النصوص وسماتها؛

Ž3- التشديد على أدبية النصوص والخطابات؛

4- الاهتمام بالقيمة المهيمنة ووظائف النص؛

5- دراسة النص الأدبي وفق مستوياته البنيوية، واللسانية، والبلاغية، والأسلوبية، والسيميائية ؛

‘6- البحث عن القواعد والبنى الثابتة والمتغيرة التي تتحكم في النصوص والخطابات الأدبية والفنية؛

’7- المقارنة بين النصوص والخطابات وفق قواعدها التجنيسية والنوعية؛

“8- البحث عن الفنيات والجماليات التي يتميز بها نص ما، ويتفرد بها عن باقي النصوص الأخرى؛

”9- توصيف الأسلوب والصور البلاغية بغية تحديد أصالتها الإبداعية؛

•10- وصف النصوص والخطابات والمعطيات والأحداث وصفا منسجما متسقا من جهة، ووصفا بنيويا داخليا ومحايثا وسانكرونيا من جهة أخرى .

إذاً، عندما نريد مقاربة النص أو الخطاب الأدبي الجمالي شعريا، فلابد من التسلح باللسانيات باستثمار مستوياتها المنهجية، كالمستوى الصوتي، والمستوى الصرفي، والمستوى الدلالي، والمستوى التركيبي، والمستوى البلاغي، مستبعدين السياق الخارجي من مؤلف، ومرجع، وكاتب، ومقصدية، ورسالة... ويعني هذا أننا لانهتم بالمضمون، أو صاحب النص، أو ظروف النص وحيثياته السياقية، بل ما يهمنا كيف قال الكاتب ماقاله. أي: نركز على شكل المضمون، برصد البنيات الخطابية واللغوية، وكشف الثنائيات المتآلفة والمتعارضة داخل النص.

ومن هنا، تعتمد الشعرية على خطوتين منهجيتين متكاملتين هما: التفكيك والتركيب. وبتعبير آخر، نقوم - أولا- بتفكيك النص إلى عناصره البنيوية الجزئية من أصوات، ومقاطع، ودلالات، وتراكيب، وحقول دلالية ومعجمية، وصور بلاغية، ثم نقوم بعملية التركيب بطريقة كلية، في شكل ثنائيات أو استنتاجات بنيوية شكلية. وتتم هذه العملية استقراء واستنباطا. وتشبه هاتان العمليتان ما يقوم به الطفل الصغير حين يفكك لعبته أو دميته من أجل تركيبها من جديد.

 وللتبسيط أكثر: إذا أخذنا على سبيل المثال قصيدة شعرية لتحليلها بنيويا، فسنقوم بتفكيكها إلى مستويات منهجية على الشكل التالي:المستوى الصوتي، و المستوى الصرفي، والمستوى النحوي، والمستوى الدلالي، والمستوى البلاغي.

وإذا أردنا تفكيك نص سردي أو روائي، فلابد من تحديد المقاطع والمتواليات السردية، ورصد الوظائف الأساسية والثانوية والمؤشرات الفضائية، والاهتمام بالمنظور السردي(الرؤية من الخلف، والرؤية مع، والرؤية من الخارج، وتحديد وظائف السارد)، والتركيز على زمن السرد(الترتيب، والمدة، ورصد بنية التواتر)، والعناية بالصيغ الأسلوبية( السرد، والحوار، والمنولوج، واللغة)، كما عند جيرار جنيت، ورولان بارت، وكلود بريمون، وتودوروف... والهدف من هذا التفكيك هو رصد القواعد السردية التي تتحكم في النص أو الخطاب المدروس.أي: تبيان المنطق السردي الذي تقوم عليه القصة أو الرواية.

وإذا أردنا التعامل مع النص المسرحي، فلابد من تقطيع النص إلى متواليات مشهدية أولوحات درامية، وتحديد الوظائف المسرحية، وجرد الشخصيات، ورصد البنية الفضائية، واستخلاص الإشارات الركحية، وتبيان أنواع الحوار.

إذاً، تبرز الشعرية، في مقصديتها، قواعد السرد والدراما،  في ضوء مقاربة شكلانية لسانية بنيوية، تثبت أن النص الأدبي نص داخلي مغلق، يتكون من مجموعة من البنيات التي تكون بدورها نسقا لسانيا ودلاليا محايثا.

وبناء على ماسبق، تبقى الشعرية، على الرغم من سلبياتها وهناتها، أقرب إلى الأدب والنص الفني والجمالي من بقية المناهج النقدية الأخرى لوجود اللغة كقاسم مشترك بين الاثنين. ومن ثم، فعلاقة الأدب بالشعرية علاقة تكامل وتداخل وانسجام. في حين، إن علاقة الأدب بالمناهج النقدية النفسية والاجتماعية والتاريخية علاقة تنافر وتباعد.

إن الشعرية منهجية بنيوية لسانية بامتياز، تعنى بأدبية الأدب، وتوصيف النصوص والخطابات وفق قواعدها وشعريتها الداخلية، والبحث عن وظائف العناصر اللغوية، والتركيز على بعدها التواصلي. ومن ثم، فللشعرية علاقة وثيقة ووطيدة بالبلاغة من جهة أولى، والأسلوبية من جهة ثانية، والسيميوطيقا من جهة ثالثة، والبنيوية اللسانية من جهة رابعة.

وتعتمد الشعرية على مجموعة من المفاهيم والمصطلحات الرئيسة كالانزياح، والتكرار، والإيحاء، والتقرير، والتضمين، واللغة، والكلام، واللسان، والتلفظ، والتوازي، والاندماج، والغموض، والحجاج، والتعيين، والانزياح، والمشابهة، والمجاورة، والصور البلاغية، واللغة الشعرية، والتخييل، والمتخيل، والإيقاع، والجهة، والتنغيم، والقيمة المهيمنة، والتفكيك، والتركيب، والتشريح، والتوصيف، والبنى، والمكونات،والسمات، والقيم الخلافية، والثنائيات البنيوية، والسانكرونية، والأدبية، والإنشائية، والهيكلانية، ونظم الشعر، والمحاكاة، والأجناس، والأنواع، والأنماط،وصناعة الشعر، والتقطيع، والمقاطع، والمتواليات، والتيمات، والحوافز، والموضوعات، والمبنى الحكائي، والمتن الحكائي، والنص، والخطاب، والإبداع، وصناعة الشعر، والنظم، والنسق، والعناصر،والاتساق، والانسجام، والعلامة، والأسلوب، والمحايثة، والدال، والمدلول، والمرجع، والبنيوية، واللسانيات، والاستبدال، والتأليف، والوظيفة الجمالية، والوظيفة التعبيرية، والوظيفة التأثيرية، والوظيفة المرجعية، والوظيفة الميتالغوية، والمرسل، والمرسل إليه، والرسالة، والقناة، والمرجع، والسياق، واللغة، والسنن، والذاتية، والموضوعية، والمستويات، والشكل، والبناء، والدلالة، والمنظور، والسارد، والراوي، والمدة، والصيغة، والصياغة، والسرد، والحوار، والمنولوج، والتمسرح، والروائية، والميتاسرد، والفضاء السردي،والشخصيات، والحوار،إلخ ...

المطلب الرابع:  أسئلة الشعرية

لقد طرحت الشعرية ومازالت تطرح إشكالات وأسئلة شائكة عديدة ومختلفة على النحو التالي: ما الأدب؟ وما الذي يميزه عن غير الأدب؟ وكيف يمكن تصنيف الأجناس والأنواع الأدبية؟ وكيف يمكن التمييز بين المدارس والاتجاهات الأدبية والفنية؟ وكيف يمكن تحليل الأثر الأدبي تحليلا بنيويا لسانيا وشكلانيا؟ وما مكونات النص الأدبي وسماته؟ وما مميزات الخطاب وآلياته؟ وما بنيات الأدب ودلالاته ووظائفه؟ وما علاقة الشعرية بالأسلوبية والسيميوطيقا؟ وما أهم الآليات التي تستند إليها الشعرية في توصيف النصوص والكتابات والخطابات والآثار الأدبية والإبداعية؟

المطلب الخامس: مقومات الشعرية

تستند الشعرية إلى مجموعة من المرتكزات والمقومات النظرية التي يمكن تحديدها فيما يلي:

1- التركيز على أدبية النص (Littérarité) .أي : العناية بما يميز النص الأدبي عن باقي النصوص الأخرى، أو ما يسمى بالوظيفة الجمالية أو الشعرية عند رومان جاكبسون. فكل جنس أدبي له وظيفته الخاصة؛ حيث تمتاز القصة بالوظيفة القصصية، والرواية بالوظيفة الروائية، والمسرح بالتمسرح...

2- العناية بالشكل: لقد تجاوز البويطيقيون ثنائية الشكل والمضمون، و انطلقوا من الشكل البنيوي على أساس أنه علامة بارزة تحيل على منطق الدلالة، وأس المعنى. فمن خلال الشكل، يبدو المعنى مبنيا، ويتجلى في آثاره الفنية والجمالية واللغوية والنصية.

3- الانفتاح على اللسانيات: أهم ما تمتاز بها الشعرية البويطيقية اهتمامها بمكتسبات اللسانيات، وخاصة في دراسة الشعر، بتوظيف المستويات الفونولوجية والصوتية والإيقاعية والتنغيمية، ودراسة البنية الصرفية والبلاغية، ورصد مستويات الدلالة والتركيب معا.

4- المقاربة البنيوية: تستند الشعرية الإنشائية إلى المقاربة البنيوية اللسانية التي تعنى بدراسة بنيات الشعر والسرد والشعر والحكاية، وكذلك تحليل بنيات الشخصيات بطريقة بنيوية محايثة وثابتة ووصفية وسكونية.

5- دراسة الأجناس والأنواع والأنماط الأدبية والفنية: اهتمت الإنشائية  بتقنين الأجناس الأدبية تجنيسا وتصنيفا وتنميطا، وفق المقاييس اللسانية والشكلية، مستبعدين المضامين والمرجعيات الإيديولوجية.

6- الاهتمام بنظرية الأدب: يعد البويطيقيون من أهم العلماء الذين اهتموا بتأسيس نظرية للأدب في ضوء المعطيات اللسانية، والمقاربات الشكلانية، والتصورات البنيوية والبلاغية والسيميائية. وبهذا، يكونون قد مهدوا للدراسات البنيوية اللسانية والدراسات السيميوطيقية الشكلية.

7- إقصاء المرجع الخارجي:  لقد أقصى الإنشائيون ما يسمى بالمرجع النفسي والاجتماعي، وتجاوزوا المضامين والمحتويات والخبرات والشعارات الإيديولوجية نحو استجلاء أسرار الشكل بنية، ودلالة، ووظيفة.

8- الاهتمام بالمكونات والسمات: ويعني هذا أن الشعرية تهدف إلى استجلاء مكونات النصوص والخطابات الأدبية والفنية والإبداعية، ولاسيما الخصائص والمميزات الثابتة.وفي الوقت نفسه، تبحث عن السمات الحاضرة والغائبة التي تميز نصا عن باقي النصوص والخطابات الأخرى.

9- العناية بالتجنيس: يتمثل الهدف الرئيس للشعرية في الاهتمام بتجنيس النصوص والخطابات الأدبية والفنية وفق مكوناتها الثابتة المستقرة من جهة أولى، أو وفق سماتها الحاضرة والغائبة من جهة ثانية.

10- مبدأ التوصيف: تسعى الشعرية جادة إلى توصيف النصوص والخطابات من الداخل بغية فهم الآليات التي تتحكم في توليد النصوص وإنتاجها. 

الخاتمة: 

وخلاصة القول، تلكم، إذاً، نظرة مختصرة إلى مفهوم الشعرية بأسسها العلمية والتوصيفية الثابتة والجلية، ومرتكزاتها النظرية والتطبيقية التي لايمكن الاستغناء عنها في أثناء تحليل النصوص والخطابات الأدبية والإبداعية والفنية والجمالية.

وتلكم أيضا أهم الأسئلة التي انطلقت منها الشعرية البويطيقية باعتبارها مقاربة أدبية ونقدية علمية في دراسة النصوص والخطابات والأجناس الأدبية والنوعية والفنية.

وتلكم كذلك أهم المقومات التي ترتكز عليها الشعرية في توصيف النصوص والخطابات إن نظرية، وإن تطبيقا.

 

د. جميل حمداوي

 ......................

[1] -Oswald Ducrot et Tzvetan Todorov: Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, Points,2ditions du Seuil,1972,p :106.

[2] -Oswald Ducrot et Tzvetan Todorov: Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, p :106.

[3] -Oswald Ducrot et Tzvetan Todorov:Ibid, p :106.

[4] - Meschonnic, Henri, 1982, Critique du rythme. Anthropologie historique du langage, Lagrasse, Verdier, 1999, Poétique du traduire, Lagrasse, Verdier. ; Dessons, Gérard et Meschonnic, Henri, 2003 [1998], Traité du rythme, des vers et des proses, Paris, Dunod.

[5] O.Ducrot et T.Todorov : Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, article « Poétique », p. 193, Paris, 1995.

[6] - عثماني الميلود: الشعرية التوليدية: مداخل نظرية، شركة النشر والتوزيع-المدارس- الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2000م.

[7] - إسماعيل شكري : في معرفة الخطاب الشعري: دلالة الزمان وبلاغة الجهة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2009م.

 

جميل حمداويتوطئة لابد منها: لقد تناولت الشعرية، في تطورها التاريخي، مجموعة من القضايا العويصة كقضية التجنيس الأدبي، وقضية محاكاة الطبيعة، أو محاكاة النماذج، وقضية اللغة الشعرية، وقضية تركيب السرد وتأليفه، وقضية المنظور السردي، وقضية الزمنية السردية، وقضية الصورة البلاغية، وقضية الأسلوب، وقضية الإيقاع، وقضية علاقة الشعرية بالبلاغة، وقضية الشخصية السردية، وقضية الفضاء السردي، وقضية الوظائف والتيمات والموضوعات، وقضية تقطيع النصوص والخطابات إلى وحدات ومتواليات ومقاطع، وسجلات الكلام...

ومن جهة أخرى، ركزت شعرية المسرح على مجموعة من القضايا الرئيسة كقضية التمسرح، وقضية الصراع الدرامي، وقضية الحوار المسرحي، وقضية الإرشادات المسرحية، وقضية الفضاء الدرامي، وقضية الشخصيات الدرامية، وقضية السينوغرافيا، وقضية الديكور، وقضية تلقي الفرجة، وقضية الدراماتورجيا، وقضية الإخراج، وقضية التمثيل، وقضية الإضاءة، وقضية الإكسسوارات، إلخ...  

شعرية الشعر

شعرية السرد

شعرية المسرح

المستوى الصوتي- والمستوى الإيقاعي والتنغيمي- والمستوى الصرفي- والمستوى التركيبي- والمستوى البلاغي- والمستوى الدلالي والمعجمي- والمستوى الأسلوبي- ومستوى التجنيس...

مستوى التقطيع إلى وحدات ومتواليات ومقاطع- مستوى الوظائف والحوافز- مستوى الشخصيات والعوامل- مستوى الفضاء الزمكاني- مستوى الوصف-مستوى المنظور السردي- مستوى الزمن السردي- مستوى الصيغة- مستوى اللغة...

مستوى الأحداث الدرامية- مستوى المناظر واللوحات والمشاهد- مستوى التمثيل- مستوى الصراع الدرامي- مستوى الفضاء الدرامي- مستوى الإرشادات المسرحية- مستوى اللغة والحوار-مستوى الديكور-مستوى السينوغرافيا- مستوى الإخراج- مستوى الدراماتورجيا- مستوى الإنارة- مستوى الإكسسوارات-مستوى الموسيقا والتصويت...

وتأسيسا على ما سبق، لقد تناولت الشعرية مجموعة من القضايا الأدبية الكبرى التي يمكن حصرها فيما يلي:

المطلب الأول: قضية الأدبية وعلم الأدب

يعد رومان جاكبسون، أو ياكبسون (R.Jakobson)، من الشكلانيين الأوائل الذين أرسوا دعائم الشعرية، أو ما يسمى بعلم الأدب، أو من الذين ساهموا في تطوير نظرية الأدب على أسس علمية وموضوعية، بحصر موضوع علم الأدب في دراسة الأدبية (La littérarité). ويعني هذا أن علم الأدب، أو ما يسمى أيضا بالبويطيقا أو الإنشائية (Poétique)، يدرس ما يجعل الأدب أدبا. أي: التركيز على وظيفة الأدب التي تتأسس على الوظيفة الجمالية أو الشعرية، بإسقاط المحور الاستبدالي على المحور التركيبي، أو الجمع بين الانتقاء الدلالي والعلاقات النحوية. ويعني هذا أيضا أن الأدب يتكون من مواد دلالية وعلاقات نحوية وتركيبية، أو الجمع بين الدلالة والنحو ضمن علاقات الغياب (الدلالة) من جهة، وعلاقات الحضور (التركيب) من جهة أخرى.

المطلب الثاني: اللغة والنظام التواصلي

يستند التواصل اللساني - حسب رومان جاكبسون - إلى ستة عناصر أساسية[1] هي: المرسل، والمرسل إليه، والرسالة، والقناة، والمرجع، و السنن/ اللغة.

وللتوضيح أكثر، نقول: يرسل المرسل رسالة إلى المرسل إليه؛ حيث تتضمن هذه الرسالة موضوعا أو مرجعا معينا، وتكتب هذه الرسالة بلغة يفهمها كل من المرسل والمتلقي. ولكل رسالة قناة حافظة كالظرف بالنسبة للرسالة الورقية، والأسلاك الموصلة بالنسبة للهاتف والكهرباء، والأنابيب بالنسبة للماء، واللغة بالنسبة لمعاني النص الإبداعي...

ويعني هذا كله أن اللغة ذات بعد لساني وظيفي، و لها ستة عناصر، وست وظائف: المرسل ووظيفته تعبيرية أو انفعالية، والمرسل إليه ووظيفته تأثيرية أو انتباهية، والرسالة ووظيفتها جمالية أو شعرية، والمرجع ووظيفته مرجعية، والقناة ووظيفتها حفاظية، والسنن ووظيفته الوصف الميتالغوي. وقد انطلق جاكبسون من مسلمة جوهرية ألا وهي أن التواصل هو الوظيفة الأساسية للغة. ومن هنا، فللغة ستة عناصر أساسية، ولكل عنصر وظيفة ما:

 عناصر التواصل ووظائف اللغة

أرقام العناصر والوظائف

عناصر التواصل

مصدر التواصل

الوظيفة

1

المرسل

الرسالة

انفعالية

2

الرسالة

الرسالة

شعرية

3

المرسل إليه

الرسالة

تأثيرية

4

القناة

الرسالة

حفاظية وتواصلية

5

المرجع

الرسالة

مرجعية

6

السنن

الرسالة

الواصفة

وقد تأثر رومان جاكبسون بأعمال فرديناند دوسوسير(Ferdinand De Saussure )، والفيلسوف المنطقي اللغوي جون أوسطين(John L. Austin).

وعليه، يبدو أن كثيرا من النصوص والخطابات والصور والمكالمات الهاتفية عبارة عن رسائل يرسلها المرسل إلى مرسل إليه؛ حيث يحول المتكلم رسالته إلى نسيج من الانفعالات والمشاعر والأحاسيس الذاتية، ويستخدم في ذلك ضمير المتكلم. ومن ثم، يتخذ المرسل بعدا ذاتيا قوامه التعبيرية الانفعالية. بمعنى أن الوظيفة الانفعالية التعبيرية هي التي تحدد العلائق الموجودة بين المرسل والرسالة. وتحمل هذه الوظيفة، في طياتها، انفعالات ذاتية، وتتضمن قيما ومواقف عاطفية ومشاعر وإحساسات، يسقطها المتكلم على موضوع الرسالة المرجعي.

أما المرسل إليه، فهو المخاطَب الذي توجه إليه رسائل المتكلم بضمير المخاطب بغية إقناعه، أو التأثير فيه، أو إثارة انتباهه إيجابا وسلبا. ومن هنا، فإن الوظيفة التأثيرية هي التي تقوم على تحديد العلاقات الموجودة بين المرسل والمتلقي، بتحريض المتلقي، وإثارة انتباهه، وإيقاظه عبر آليتي الترغيب والترهيب، وهذه الوظيفة ذاتية بامتياز، ما دامت قائمة على الإقناع والتأثير.

إذاً، يتحول الخطاب اللفظي أو غير اللفظي إلى رسالة، وهذه الرسالة يتبادلها المرسل والمرسل إليه، فيسهمان في تحقيق التواصل المعرفي والجمالي، وهذه الرسالة مسننة بشفرة لغوية، يفككها المستقبِل، ويؤولها بلغته الواصفة. وتتجسد هذه الرسالة ذات الوظيفة الشعرية أو الجمالية في إسقاط المحور الاستبدالي على المحور التأليفي، أو إسقاط محور الدلالة على محور التركيب والنحو انزياحا. ويعني هذا أن الوظيفة الجمالية هي التي تحدد العلائق الموجودة بين الرسالة وذاتها، وتتحقق هذه الوظيفة في أثناء إسقاط المحور الاختياري على المحور التركيبي، وكذلك عندما يتحقق الانتهاك والانزياح المقصود بشكل من الأشكال.

 كما تهدف الرسالة، عبر وسيط القناة، إلى الحفاظ على التواصل، وعدم انقطاعه: (آلو .. آلو... هل تسمعني جيدا؟)؛ أي: تهدف وظيفة القناة إلى تأكيد التواصل، واستمرارية الإبلاغ، وتثبيته أو إيقافه، والحفاظ على نبرة الحديث والكلام المتبادل بين الطرفين. وللغة كذلك وظيفة مرجعية، ترتكز على موضوع الرسالة باعتباره مرجعا وواقعا وسياقا أساسيا، تحيل عليه تلك الرسالة. وهذه الوظيفة في الحقيقة موضوعية، لا وجود للذاتية فيها؛ نظرا لوجود الملاحظة الواقعية، والنقل الصحيح، والانعكاس المباشر...

 وثمة وظيفة أخرى مرتبطة بالسنن، وتسمى بالوظيفة الواصفة أو الوظيفة الميتالغوية القائمة على الشرح والوصف والتفسير والتأويل، وتهدف إلى تفكيك الشفرة اللغوية بعد تسنينها من قبل المرسل. والهدف من السنن هو وصف الرسالة لغويا، وتأويلها وشرحها وفهمها، مع الاستعانة بالمعجم أو القواعد اللغوية والنحوية المشتركة بين المتكلم والمرسل إليه.

المطلب الثالث:  قضية الأجناس الأدبية

لقد اهتمت الشعرية الغربية منذ القديم - وما تزال- بمسألة الأجناس الأدبية. وقد ميز أفلاطون، في جمهوريته، بين السرد والحوار[2]،أو بين الحكي القصصي والحكي المسرحي؛ حيث يشتمل الأول على السرد والحوار، ويتضمن الثاني الحوار فقط. فالملحمة تمثل النمط الأول، والمسرحية المأساوية والهزلية تمثل النمط الثاني، على أن هناك نمطا ثالثا يشتمل على السرد فقط، وهو المدائح.[3]

ويعد أرسطو، في كتابه ) فن الشعر)، المنظر الأول للأجناس الأدبية دون منازع، فقد قعدها وصنفها بطريقة علمية قائمة على الوصف، بتحديد السمات والمكونات.ولقد قسم الأدب إلى ثلاثة أقسام: الأدب الغنائي، والأدب الملحمي، والأدب الدرامي[4].

وتبعا لذلك، فلقد صارت قضية التجنيس في العصر الحديث من أعوص القضايا التي ناقشتها نظرية الأدب والتصورات البنيوية والسيميائية وما بعد البنيوية؛  لما لها من دور فعال في فهم آليات النص الأدبي، وتفسير آلياته الإجرائية قصد محاصرة النوع،وتقنين الجنس دلالة، وبناء، ووظيفة.

ولقد أشار تودوروف(Todorov)إلى أن مسألة الأجناس"من المشاكل الأولى للبويطيقا منذ القديم حتى الآن، فتحديد الأجناس وتعدادها ورصد العلائق المشتركة بينها لم يتوقف عن فتح باب الجدال. وتعتبر هذه المسألة حاليا متصلة بشكل عام بالنمذجة البنيوية للخطابات؛ حيث لايعتبر الخطاب الأدبي غير حالة نوعية"[5].

ويؤكد العالم الألماني كارل فيتور(KARL     Viëtor ) أن "الأجناس الأدبية هي إنتاجات فنية؛ لأن أصلها التاريخي من أغمض الأمور.[6]"

ولقد عرفت عملية تجنيس النص الأدبي امتدادات تاريخية وفنية وجمالية. وقد عرفت أيضا تطورات على مستوى التصور النظري والممارسة التطبيقية منذ شعرية أرسطو وأفلاطون، مرورا بتصورات برونوتيير[7]، وهيجل، وجورج لوكاش، وصولا إلى تصورات ميخائيل باختين، وكريزينسكي، وفراي، وتودوروف، وهامبورغر كيت، وأوستين وارين، وروني ويليك، وماري شايفر، وفيتور، وجيرار جنيت، وغيرهم...

كما انتقل الجنس الأدبي من مرحلة الصفاء والنقاء النوعي مع الشعرية اليونانية إلى مرحلة وحدة الأجناس الأدبية مع الرومانسية. وبعد ذلك،  انتقل إلى مرحلة الاختلاط والتهجين والتلاقح مع نظرية باختين. و بكل اختصار،انتقلت عملية التجنيس من مرحلة الانغلاق والثبات والاستقرار إلى مرحلة الانفتاح والتكون والتغير. ومن هنا، يؤكد تزفيطان تودوروف(T .TODOTOV)  أن التأملات حول الأجناس الأدبية قد كثرت، فهي" قديمة قدم نظرية الأدب، ومادام كتاب أرسطو في الشعر يصف الخصائص النوعية للملحمة والتراجيديا. فقد ظهرت منذ ذلك الوقت مؤلفات ذات طبيعة متنوعة احتذت حذو أرسطو. لكن هذا النوع من الدراسات لم يحقق تقاليده الخاصة إلا ابتداء من عصر النهضة، حيث تتابعت الكتابات حول قواعد التراجيديا والكوميديا والملحمة والرواية، ومختلف الأجناس الغنائية، وارتبط ازدهار هذا الخطاب، بكل تأكيد، ببنيات إيديولوجية سائدة، وبالفكر المتبنى عن الجنس الأدبي في ذلك العصر. أعني كونه قاعدة محددة لاينبغي خرقها. صحيح أن الأجناس الأدبية كانت تنتمي إلى الأدب (أو إلى القصيدة أو إلى الفنون الجميلة)، ولكنها كانت تعتبر وحدة من مستوى أدنى تنتج عن تقطيع، بإمكاننا أن نقاربه بموضوعات نظرية الأدب السابقة، ولكنها مع ذلك متميزة عنها. ففي حين، إن الرمز أو التمثيل أو الأسلوب المجازي عبارة عن خصائص مجردة للخطاب الأدبي (حيث يكون استيعابها نتيجة ذلك أكبر من الأدب وحده)، فإن الأجناس الأدبية كانت تنتج عن نوع آخر من التحليل، إنه الأدب في أجزائه"[8].

ولقد استعير مفهوم الجنس والنوع من العلوم الطبيعية، ويرجع الفضل في ذلك إلى العالم الروسي فلاديمير بروب (V.Propp) رائد التحليل البنيوي المورفولوجي للسرد، وقد استفاد كثيرا من وصفات علم النبات وعلم الحيوان.

ولقد ثار موريس بلانشو(M. BLANCHOT ) على نظرية الأجناس الأدبية، مثلما ثار عليها عالم فن الجمال الإيطالي كروشيه في دعوته إلى التخلص من مفهوم الجنس ونفيه. وهكذا، كتب بلانشو في أواخر منتصف القرن العشرين قائلا:" لم يعد هناك كتاب ينتمي إلى جنس. كل كتاب يرجع إلى الأدب الواحد... ومن ثم، فهو بعيد عن الأجناس وخارج خانات النثر والشعر والرواية والشهادة... يأبى أن ينتظم تحت كل هذا، أو يثبت له مكانه، ويحدد شكله..."[9].

وينادي رولان بارت كذلك إلى إلغاء الحدود الموجودة بين الأجناس الأدبية، وتعويض الجنس الأدبي أو الأثر الأدبي بالكتابة أو النص. وبما أن النص يتحكم فيه مبدأ التناص، واستنساخ الأقوال، وإعادة الأفكار، و تعدد المراجع الإحالية التي تعلن موت المؤلف، فلا داعي للحديث عن الجنس الأدبي ونقائه وصفائه، مادام النص، من جهة أخرى، جماع نصوص متداخلة، وملتقى خطابات متنوعة ومختلفة من حيث التجنيس والتصنيف. 

 ويعني هذا أن الكتابة الأدبية - حسب بارت-هي خلخلة لمعيار التجنيس، وانتهاك لترتيب الأنواع، وانزياح عن قواعد تصنيف الأنماط. وفي هذا، يقول رولان بارت:"إن النص لاينحصر في الأدب الجيد . إنه لايدخل ضمن تراتب، ولا حتى ضمن مجرد تقسيم للأجناس. ما يحدده على العكس من ذلك هو قدرته على خلخلة التصنيفات القديمة.[10]"

ويلاحظ اليوم أن الكتابات الإبداعية المعاصرة، سواء في الثقافة الغربية أم في الثقافة العربية، قد بدأت - فعلا- في خلخلة الجنس الأدبي، وتحطيم معاييره النوعية، ونسف مقوماته النمطية، باسم الحداثة، والتجريب، والتأصيل، والتأسيس. فأصبحنا - اليوم - نتحدث عن القصيدة النثرية التي يتقاطع فيها الشعر والنثر، والقصيدة الشذرية التي يتقاطع فيها الشعر مع الفلسفة، والقصيدة الدرامية التي ينصهر فيها الشعر والحوار المسرحي معا. كما أصبحت الرواية فضاء تخييليا لتلاقح النصوص، وتداخل الخطابات والأجناس تناصا وتهجينا. دون أن ننسى المسرح الذي أصبح أب الفنون والأجناس الأدبية بامتياز.

وعليه، فسؤال الأجناس الأدبية قديم قدم الأدب نفسه،فلقد نشأ في حضن الأدب ليجيب بدوره عن أسئلته تجنيسا وتنويعا وتصنيفا[11]. ولقد ارتبط فعل التجنيس بملاحظة النصوص الأدبية، والبحث عن أوجه التشابه والاختلاف بينها، فقادهم هذا العمل إلى التجريد والتنظير والمقارنة بين الظواهر النصية تنميطا وتجنيسا وتنويعا. ومن ثم، فلقد انتقل الجنس الأدبي من مرحلة النظرية إلى مرحلة التقنين المؤسساتي.ومن هذه اللحظة بالذات، بدأت الإنسانية في تنظيم ذاكرتها، وترتيب أدواتها المعرفية والعلمية والإبداعية إن نظرية، وإن تطبيقا.

بيد أن الوعي بالأجناس، بشكل نظري وعلمي مقنن، قد بدأ مع ظهور  كتاب(الشعرية) لأرسطو الذي قسم الأجناس الأدبية إلى شعر، وملحمة، ودراما[12]؛ وإن كان أفلاطون بدوره قد اهتم بنظرية الأجناس الأدبية في كتابه(الجمهورية)، حين ميز بين السرد والحوار[13].

وإذا كانت النظرية الكلاسيكية تفصل بين الأجناس الأدبية، فإن الرومانسية قد وحدت بينها ضمن نظرية الأدب.وبعد ذلك، أخذت نظرية الأجناس الأدبية طابعها الأكاديمي والجامعي مع نظريات الأدب في القرن العشرين، وبالضبط مع تصورات الشكلانية الروسية، والبنيوية الفرنسية، والنقد الجديد(New criticism)، والسيميائيات...

بيد أنه مع ظهور نظريات ما بعد الحداثة، في الفترة الممتدة بين سنوات السبعين والتسعين من القرن الماضي، انبثقت مجموعة من المذاهب والتيارات الفكرية والأدبية ثائرة على نظرية الأجناس الأدبية تفكيكا وتقويضا وتشتيتا، مع مجموعة من الأسماء الغربية، مثل:جاك ديريدا، ورولان بارت، وموريس بلانشو، وجوليا كريستيفا... وهكذا، يقول موريس بلانشو: " إن الأدب لايقبل التفرقة بين الأنواع، ويرمي إلى تحطيم الحدود"[14].

ويعني هذا أنه مازال مرتبطا بمجموعة يينا الألمانية كما في القرن الثامن عشر الميلادي. وهناك من يرى أن النص الأدبي يجب، بالإضافة إلى التحرر من الأجناس والأنواع، أن يسعى إلى تضمين النظرية التي أنجته، وينبغي أن تتجه العناية كل العناية نحو عملية الإنتاج نفسها[15]، فإننا مرة أخرى نردد ماجاءت به جماعة ييينا الرومانسية التي كانت تدعو إلى وحدة الأجناس الأدبية والفنية[16].

ومن جهة أخرى، يلاحظ أن أهم ما انشغلت به نظرية الأجناس الأدبية هو التقسيم الثلاثي: الغنائية، والملحمية، والدرامية، باعتبارها إشكالية أرقت الكثير من الباحثين والدارسين الغربيين، فهل هي ثنائية أم ثلاثية؟ لأن جيرار جنيت في كتابه(جامع النص) قد شكك في هذا التقسيم الثلاثي بقوله:" ليس النص هو موضوع الشعرية، بل جامع النص.أي: مجموعة الخصائص العامة أو المتعالية التي ينتمي إليها كل نص على حدة. ونذكر من بين هذه الأنواع: أصناف الخطابات، وصيغ التعبير، والأجناس الأدبية. ولقد اجتهدت الشعرية الغربية منذ أرسطو في أن تشكل من هذه الأنواع نظاما موحدا قابلا للإحاطة بكامل الحقل الأدبي.ولم تتم تلك الجهود من غير التباسات، أهمها: التقسيم الثلاثي المعترف به منذ القرن الثامن عشر، والذي أسند خطأ لأرسطو نفسه، وهو تقسيم الحقل الأدبي إلى ثلاثة أنماط أساسية صنفت تحتها جميع الأجناس والأنواع الأدبية:الغنائي، والملحمي، والدرامي.

ولقد سعيت إلى تفكيك هذه الثلاثية المزعجة بأن أعددت رسم تكونها التدريجي، وميزت، بما أمكنني من الدقة، الأنماط المتعلقة بجامع النص، التي تتداخل فيها. ولا يعدو مسعاي أن يكون محاولة لفتح الطريق، ولو بصيغة تهكمية، أمام نظرية عامة ومحتملة للأشكال الأدبية."[17]

وهذا ما تنبه إليه أيضا رونيه ويليك حينما قال :" تعتبر التقسيمات الثلاثية في تاريخ الأنواع الأدبية من أهم التقسيمات. ولقد حاولت الآنسة آيرينه بهونز أن تبين في أطروحتها الموثقة (علم تصنيف الشعر) (1940م) أن الثالوث ماهو إلا نتيجة للتفكير النظري في القرن الثامن عشر. واعتبرت كتاب شارل باتو (الفنون الجميلة من خلال مبدإ واحد) (1746م) هو الوثيقة الأساسية التي تتبعت تسرب أفكارها إلى كتابات النقاد الألمان المتأخرين والصيغ التي اتخذتها عندهم. ويضم كتابها أمثلة عديدة على التقسيمات الثلاثية التي استعملت في القرون السابقة استعمالا كثيرا ماكان عابرا."[18]

وعليه، فلقد أصبحت نظرية الأجناس الأدبية - اليوم - جزءا لايتجزأ من نظرية الأدب، بل أصبحت من أهم المستندات النظرية والتطبيقية التي يرتكز عليها النقد الأدبي في تعامله مع النصوص والآثار الأدبية والفنية . ومن ثم، لايمكن الاستغناء عنها إطلاقا في عملية التصنيف، والتعيين، والقراءة، والتقويم، والتأويل، والتوجيه.

ولقد اهتمت النظرية البنيوية كثيرا بعملية التجنيس الأدبي، وخاصة مع رواد الشعرية البنيوية، كتودوروف، ورولان بارت، وجيرار جنيت، وشولز، وكلود بريمون، ونورثروب فراي في كتابه (تشريح النقد) (1957م)، وأندري جول في كتابه (الأشكال الثابتة) (1930م)، وغيرهم...

وهكذا، فلقد درس تودوروف الأدب الفانطاستيكي دراسة تجنيسية بنيوية، تهدف إلى استكشاف مكوناته البنيوية الثابتة، كما يتجلى ذلك واضحا في كتابيه(مدخل إلى الأدب العجائبي) (1970م)[19]، و(أجناس الخطاب) (1978م)[20]. وتبعا لذلك، يميز تدوروف بين الأجناس الأدبية التي تنقسم إلى أجناس تاريخية وأجناس نظرية. فالأجناس التاريخية هي النصوص المنتجة عبر الحقب التاريخية. أما النصوص النظرية، فهي تلك التصورات الإدراكية التي ارتبطت بالنصوص والخطابات النصية تنظيرا وتقعيدا، كما فعل أرسطو وغيره، ضمن ما يسمى بشعرية الأجناس الأدبية ومنطقها. ومن هنا، تنتقل عملية التجنيس من مرحلة التجلي والممارسة النصية إلى مرحلة الإدراك النظري والتصنيفي.إذاً، فالعلاقة استلزامية وتكاملية بين ماهو تطبيقي وماهو نظري.

أما جيرار جنيت، في كتابه (جامع النص)(Introduction à l'achtexte)، فقد أعاد تصنيف الأجناس الأدبية مرة أخرى، وانتقد الثلاثية المنسوبة خطأ إلى أفلاطون وأرسطو. وقد ذهب جنيت إلى أن موضوع الشعرية ليس هو النص، بل هو جامع النص، أو ما يسمى كذلك بنظرية الأجناس الأدبية. وفي هذا الصدد، يقول جنيت:" ليس النص هو موضوع الشعرية، بل جامع النص.أي: مجموعة الخصائص العامة أو المتعالية التي ينتمي إليها كل نص على حدة. ونذكر من بين هذه الأنواع: أصناف الخطابات، وصيغ التعبير، والأجناس الأدبية. ولقد اجتهدت الشعرية الغربية منذ أرسطو في أن تشكل من هذه الأنواع نظاما موحدا قابلا للإحاطة بكامل الحقل الأدبي.ولم تتم تلك الجهود من غير التباسات، أهمها التقسيم الثلاثي المعترف به منذ القرن الثامن عشر، والذي أسند خطأ لأرسطو نفسه، وهو تقسيم الحقل الأدبي إلى ثلاثة أنماط أساسية صنفت تحتها جميع الأجناس والأنواع الأدبية:الغنائي، والملحمي، والدرامي.

ولقد سعيت إلى تفكيك هذه الثلاثية المزعجة بأن أعددت رسم تكونها التدريجي، وميزت، بما أمكنني من الدقة، الأنماط المتعلقة بجامع النص، التي تتداخل فيها. ولا يعدو مسعاي أن يكون محاولة لفتح الطريق، ولو بصيغة تهكمية، أمام نظرية عامة ومحتملة للأشكال الأدبية."[21]

ومن جهة أخرى، يميز فيليب هامون بين المكون السردي والمكون الوصفي؛ إذ لم يعد الوصف تابعا للسرد كما كان شائعا، بل أصبح الوصف عند هامون مكونا مستقلا.

وهكذا، يتبين لنا أن الجنس الأدبي هو مؤسسة ثابتة بقوانينها ومكوناتها النظرية والتطبيقية؛ حيث يتعارف عليها الناس إلى أن يصبح الجنس قاعدة معيارية في تعرف النصوص والخطابات والأشكال، والتمييز بينها تجنيسا وتنويعا وتنميطا. ويتحدد الجنس الأدبي أيضا بوجود قواسم مشتركة أو مختلفة بين مجموعة من النصوص، على أساس أنها بنيات ثابتة متكررة ومتواترة من جهة، أو بنيات متغيرة ومتحولة من جهة أخرى. وهذا ما يجعل تلك النصوص والخطابات تصنف داخل صيغة قولية أو جنس أو نوع أو نمط أدبي معين. لكن عناصر الاختلاف الثانوية لا تؤثر، بحال من الأحوال، في الجنس الأدبي؛ لأن المهم هو ما يتضمنه من عناصر أساسية قارة وثابتة، وكلما انتهك جنس أدبي، ظهر على إثره جنس أدبي آخر توالدا وتناسلا وانبثاقا. ويعني هذا أن الجنس الأدبي خاضع لمجموعة من المعايير والمؤشرات المحددة، وخاصة المكونات الثابتة، والسمات المتغيرة.

وإذا كانت القرون الأدبية، قبل القرن العشرين، تؤمن بنظرية الأجناس الأدبية تمثلا وانضباطا وفصلا، فلقد أصبحت الأجناس الأدبية متداخلة ومختلطة بعد منتصف القرن الماضي؛ حيث يصعب الحديث عن جنس أدبي معين.لذا، وجدنا جماعة تيل كيل(Tél Quel) - مثلا- تثور على هذه النظرية بشكل جذري، رافضة عملية التصنيف، ومستبدلة الجنس الأدبي بالعمل أو الأثر الأدبي أو الكتاب. وفي هذا السياق، يقول رينيه ويليك:" لاتحتل نظرية الأنواع الأدبية مكان الصدارة في الدراسات الأدبية في هذا القرن. والسبب الواضح لذلك هو أن التمييز بين الأنواع الأدبية لم يعد ذا أهمية في كتابات معظم كتاب عصرنا. فالحدود بينها تعبر باستمرار، والأنواع تخلط أو تمزج، والقديم منها يترك أو يحور، وتخلق أنواع جديدة أخرى إلى حد صار معها المفهوم نفسه موضع شك."[22]

ويعني هذا كله أن الشعرية قد أعطت اهتماما كبيرا لنظرية الأجناس الأدبية في نقائها الكلاسيكي، ووحدتها الرومانسية، وتهجينها البوليفوني، وانتفائها مع رواد مابعد الحداثة.

المطلب الرابع: الشعرية وعلاقتها باللسانيات

يتبنى رومان جاكبسون منهجا علميا وصفيا في دراسة الأنواع والأجناس الأدبية، بالتعامل مع الأثر الأدبي على أنه مادة وبناء وشكل وقيمة مهيمنة. وبذلك، فلقد تمثل المقاربة البنيوية الشكلانية في دراسة النصوص الأدبية، بتفكيكها وتركيبها اعتمادا على المستويات اللسانية: الصوتية، والتركيبية، والدلالية، والبلاغية. ومن ثم، فلقد كان رومان جاكبسون أول من طبق المقاربة الشعرية أو البنيوية اللسانية على الشعر عندما حلل مع كلود ليفي شتراوس قصيدة القطط (Les Chats) لشارل بودلير  سنة 1962م[23]. وقد درسها الاثنان دراسة داخلية مغلقة، في إطار نسق كلي من الشبكات البنيوية المتفاعلة بغية البحث عن دلالة البناء. وقد انصب هذا العمل التشريحي على مقاربة القصيدة تفكيكا وتركيبا، بالاعتماد على اللسانيات البنيوية في استقراء المعطيات الصوتية، والصرفية، والإيقاعية، والتركيبية، والبلاغية.

كما تمثل رومان جاكبسون منهجية تواصلية وظيفية في دراسة اللغة ونظامها التواصلي، ودراسة الفونيمات اللغوية باستقراء سماتها المميزة، في إطار نحو كلي كوني على غرار النحو الكلي لنوام شومسكي (Chomsky) . 

ومن هنا، يتضح لنا أن رومان جاكبسون من أهم الشكلانيين الروس الذين خاضوا في الشعرية انطلاقا من مقاربة بنيوية لسانية. ويعد أيضا من مؤسسي نظرية الأدب على أسس علمية موضوعية، بالاسترشاد باللسانيات بصفة عامة، والاستفادة من نظرياتها تصورا وتطبيقا من جهة أخرى.

و يكفيه فخرا أنه من المؤسسين الفعليين للشعرية/ الإنشائية، ومن اللسانيين الأوائل الذين أرسوا دعائم النحو الكلي، وخاصة في مجال الفونولوجيا. علاوة على ذلك، فهو صاحب نظرية السمات المميزة في دراسة الفونيمات. ولا ننسى جهوده الجبارة كذلك في مجال الأفازيا[24]، ودراسة الاستعارة والكناية، وتصنيف الأجناس والأنواع الأدبية وفق القيمة المهيمنة.

وأهم ما يمتاز به رومان جاكبسون أنه قد أرسى لبنات علم التواصل وفق الأنظمة اللسانية، على أساس أن اللغة الإنسانية لها وظيفة أساسية تتمثل في التواصل، وتستند إلى ست عناصر، وست وظائف أساسية تابعة لها.

المطلب الخامس: الشعرية وعلاقتها بالبلاغة

من الصعب فصل الشعرية عن البلاغة للعلاقة الوثيقة والوطيدة بينهما؛ لأن الشعرية تتكئ على البلاغة على مستوى التحليل والتفكيك والتركيب، وتستعمل آلياتها النظرية والتطبيقية في استقراء النصوص وتشريحها واستجلائها واستكشافها.ومن ثم، تعنى الشعرية بالصور الشعرية والسردية والفنية، وتدرسها وفق بناها الصرفية، والصوتية، والإيقاعية، والتركيبية، والدلالية . كما تهتم أيضا بعلم البديع وعلم المعاني على حد سواء من منظور لساني جديد.

ومن يتأمل كتابات الشعريين كيوري لوتمان (Y.Lotman)، وكبيدي فاركا (A.Kebidi-Varga)[25]، وجون كوهن (John Cohen) [26]، ورومان جاكبسون(R.Jakobson)، وجيرار جنيت(G.Genette)...، فقد اهتموا بشعرية البلاغة، بالتركيز على التكرار، والتوازي، والمشابهة، والمجاورة، والغموض، والانزياح، والحجاج...

المطلب السادس: القيمة المهيمنة

يرى رومان جاكبسون أن البحث الشكلاني قد مر بثلاث مراحل أساسية: المرحلة الأولى هي مرحلة تحليل الخصائص الصوتية للأثر الأدبي. في حين، اهتمت المرحلة الثانية بمشاكل الدلالة في إطار نظرية الشعر. وارتكزت المرحلة الثالثة على إدماج الصوت والمعنى في رحم الكل غير المنقسم. وفي هذه المرحلة بالذات، انتشر مفهوم القيمة المهيمنة (La valeur dominante) بشكل إجرائي واسع[27]. ويقصد بهذا المفهوم ذلك العنصر البؤري "للأثر الأدبي: إنها تحكم، وتحدد وتغير العناصر الأخرى، كما أنها تتضمن تلاحم البنية."[28]

بمعنى أن القيمة المهيمنة هي التي تحدد الأجناس الأدبية، و"تكسب الأثر نوعية. فالخاصية النوعية للغة الشعرية هي، بداهة، خطاطتها العروضية. أي: شكلها كشعر. إن هذا القول يمكن أن يظهر كتحصيل حاصل: فالشعر هو شعر، ومع ذلك فيجب للحقيقة التالية ألاَّ تغيب عن بالنا: وهي أن عنصرا لسانيا نوعيا يهيمن على الأثر في مجموعه (كليته)؛ إنه يعمل بشكل قسري، لا رادّ له، ممارِسا بصورة مباشرة تأثيره على العناصر الأخرى. لكن الشعر بدوره ليس مفهوما بسيطا، وليس وحدة غير منقسمة؛ بل هو، في ذاته، نظام من القيم، وككل نظام قيم فهو يتوفر على سلمية خاصة لقيمه العليا والدنيا، وبين هذه القيم قيمة رئيسية، هي المهيمنة، بدورها (في إطار حقبة أدبية معينة، واتجاه فني معين) لا يمكن للشعر أن يفهم أو يحاكم باعتباره شعرا."[29]

والمقصود بهذا أن الشعر قد يتحدد بالوزن، أو بالصورة، أو بالنبر، أو بالتوازي، أو بالتكرار أو بخاصية بنيوية ما... وتختلف هذه القيم المهيمنة من حقبة إلى أخرى. و"إنه من الممكن بحث وجود قيمة مهيمنة ليس فقط في الأثر الأدبي لفنان مفرد، ولا في الأصل الشعري أو في مجموع أصول مدرسة شعرية، ولكن، أيضا، في فن حقبة معينة، باعتبارها كلا واحدا."[30]

وللتمثيل، فقد كانت الفنون البصرية، في عصر النهضة، هي المهيمنة. في حين، كانت الموسيقا هي المهيمنة في العصر الرومانسي. أما الفن اللفظي، فقد كان مهيمنا في فترة الجمالية الواقعية[31].

ومن باب التوضيح أكثر، فإن نصا ما قد تغلب عليه وظيفة معينة دون أخرى، فكل الوظائف التي حددناها سالفا متمازجة؛ إذ قد نعاينها مختلطة بنسب متفاوتة في رسالة واحدة؛ حيث تكون الوظيفة الواحدة منها غالبة على الوظائف الأخرى حسب نمط الاتصال. ومن هنا، تهيمن الوظيفة الجمالية الشعرية على الشعر الغنائي. في حين، تهيمن الوظيفة التأثيرية على الخطبة، وتهيمن الوظيفة الميتالغوية على النقد الأدبي، وتغلب الوظيفة المرجعية على النصوص التاريخية، وتهيمن الوظيفة الانفعالية على النصوص الشعرية الرومانسية، وتغلب الوظيفة الحفاظية على المكالمات الهاتفية.

وعليه، فقد كانت "للأبحاث حول القيمة المهيمنة نتائج مهمة فيما  يتعلق بالمفهوم الشكلاني للتطور الأدبي. ففي تطور شكل إنشائي، لا يتعلق الأمر كليا بزوال بعض العناصر وانبعاث عناصر أخرى، بقدر ما يتعلق بانزلاق في العلاقات المتبادلة بين مختلف عناصر النظام، بعبارة أخرى:  بتبدُّل في المهيمنة. إن العناصر التي كانت في الأصل ثانوية، في إطار مجموع معين من القواعد الإنشائية العامة، أو بالأحرى الخاصة في مجموع القواعد الصالحة لنوع إنشائي معين، تغدو، على العكس، أساسية وفي المقام الأول. وخلافا لذلك، فالعناصر التي كانت، في الأصل، مهيمنة لا تعود لها سوى أهمية صغرى؛ فتغدو اختيارية."[32]

وعلى العموم، تبقى القيمة المهيمنة معيارا شكليا جوهريا للتمييز بين الأجناس والأنواع الأدبية، ويستخدم أيضا للتفريق بين الأنساق الشكلية الأدبية، ويستعمل كذلك لتفريد النصوص وتمييزها عن بعضها البعض. 

الخاتمة: 

وخلاصة القول، لقد تناولت الشعرية قضايا أدبية ونقدية متنوعة كقضية التجنيس الأدبي، وقضية القيمة المهيمنة، وقضية تحليل النصوص والخطابات وفق مستوياتها اللسانية، وقضية الأدبية، وقضية التواصل اللساني، وقضية شكل المضمون، وقضية عناصر اللغة ووظائفها، وقضية نظرية الأدب، وقضية علم الأدب، وقضية المكونات والسمات، وقضية علاقة الشعرية بالبلاغة، والأسلوبية، والسيميوطيقا...

 د. جميل حمداوي

...............................

 

[1] - JAKOBSON, R : Essais de linguistique générale, Paris, Éditions de Minuit, 1963.

[2] - أفلاطون: جمهورية أفلاطون، ترجمة ودراسة: فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، طبعة 1974م،صص:267-270.

[3]  - حميد لحمداني: (السرد والحوار)، مجلة دراسات سيميائية وأدبية ولسانية، المغرب، العدد 3، السنة 1988،ص:148.

[4] - جيرار جنيت: مدخل لجامع النص، ترجمة عبد الرحمن أيوب،دار توبقال، الدار البيضاء، الطبعة الأولى،1985،ص:5.

[5] - T .TODOTOV et DUCROT : Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage. ED, SEUIL, PARIS 1972, p : 193.

[6] - G.GENETTE :(introduction à l’Architexte). IN: théorie des genres. Points, pp : 13.

[7] - أرجع برنوتيير تغيرات الجنس الأدبي وتحولاته النوعية، في كتابه(تطور الأجناس الأدبية في تاريخ الأدب)،إلى عوامل ذاتية وموضوعية، كالوراثة، والجنس، وشخصية المبدع، ومؤثرات البيئات الجغرافية والاجتماعية والتاريخية.

[8]   - تزفيطان تودوروف: الشعرية، ترجمة: شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، دارتوبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1987،ص:3.

[9]-BLANCHOT, M : le livre à venir, PAIS, GALLIMARD, 1959, pp : 243-244.

[10] - رولان بارت: درس السيميولوجيا، ترجمة عبد السلام بن عبد العالي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى،1986، ص:61.

[11] - J.M.Caluwl:(Les genres littéraires), Méthodes du Texte, Ouvrage dirigé par: Maurice Delcroix et Fernand Hallyn,Duclot,Paris,1987,p:148.

[12] - أرسطو: فن الشعر، ترجمة: إبراهيم حمادة، مكتبة المسرح، رقم:3، مركز الشارقة للإبداع الفكري، بدون تاريخ للطبع.

[13] - أفلاطون: جمهورية أفلاطون، ترجمة: فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، طبعة 1974م، صص:267-270.

[14] - Blanchot(M): Le livre à venir, Paris, Gallimard, collection Idées, p164.

[15] - Lacoue-Labarthe(Ph) et Nancy (J.L): L'absolu littéraire, Paris, Ed.Du Seuil, 1978.P:275.

[16] - عبد الفتاح كليطو: الأدب والغرابة، دار الطليعة، بيروت، لبنان،الطبعة الثانية، 1983م، ص:19.

[17] - جيرار جنيت: جامع النص، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1985م، صفحة المقدمة.

[18] -  رينيه ويليك: مفاهيم نقدية، عالم المعرفة، ترجمة: د.محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد:110، السنة 1987م، ص:390.

[19] - تزفيتان تودوروف: مدخل إلى الأدب العجائبي، ترجمة: الصديق بوعلام، دار الكلام، الرباط، الطبعة الأولى سنة 1993م.

[20] -Todorov: Les genres de discours. Seuil. Paris.1978.

[21] - جيرار جنيت: جامع النص، صفحة المقدمة.

[22] - رونيه ويليك: مفاهيم نقدية، ص:376.

[23] -C. Lévi-Strauss et R. Jakobson : («Les Chats" de Charles Baudelaire), L'Homme, revue française d'anthropologie, t. II, n° 1, 1962.pp:5-21.

[24] -R. Jakobson : (Deux aspects du langage et deux types d’aphasie), in R. Jakobson, Essais de linguistique générale, t. I, op.cit.

[25] -kébidi-Varga :Les constantes du poème: À la recherche d'une poétique dialectique. Den Haag: Van Goor. 1963 ; Rhétorique et littérature: Études de structures classiques. Paris; Bruxelles: Didier. 1970 ; Discours, récit, image. Bruxelles: Madarga. 1989.  Les poétiques du classicisme. Paris: Aux amateurs de livres. 1990.

[26] -Jean Cohen: Structure du langage poétique (Champs, Flammarion, 1966, réédition 2009.

[27] - رومان جاكبسون: (القيمة المهيمنة)، نظرية المنهج الشكلي، ترجمة: إبراهيم الخطيب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1982م، ص:81.

[28] - رومان جاكبسون: (القيمة المهيمنة)، نظرية المنهج الشكلي، ص:81.

[29] - رومان جاكبسون: (القيمة المهيمنة)، ص:81.

[30] - رومان جاكبسون:  نفسه، ص:82.

[31] - رومان جاكبسون:  نفسه، ص:82-83.

[32] - رومان جاكبسون: نفسه، ص:84-85.

 

قراءة نقدية في رواية امرأة على أجنحة الرغبة لسلمى بوصوف.

يقول المتصوف الهندي أوشو (1931 -1990) "منظومة الزواج الحالية هي ليست بأكثر من زنزانة يقضي فيها المرء آخر طموحاته الريادية تدريجيا، او هي في أحسن أحوالها سجن محدود المساحة مهما بدا فسيحا" من هنا قد نفهم أن الزواج الذي لايكون أساسه الاحترام والحب والوفاء وتأكيد الذات والفهم السليم والتطبيق الحقيقي لمبدأ المساواة بين الجنسين هو زواج فاشل، والفاشل هو من ينتمي إلى التسلط وتجسيد الهيمنة الذكورية والاحساس بالتفضيل الجنسي والايمان بمفهوم العبودية الطبقية الابوية الرأسمالية التي تتاجر بالعلاقات الاجتماعية والمشاعر الانسانية تحت محدد التقاليد والاعراف والتي تمهد الطريق للعقد النفسية والانحراف الاجتماعي بجميع أنواعه.

بصدد قراءتنا لرواية سلمى بو صوف المعنونة ب: امرأة على أجنحة الرغبة الصادرة عن مؤسسة الرحاب الحديثة سنة 2018 التي تجسد رغبة المرأة المجبولة بقيم منظومة الزواج التقليدية والواقع المأزوم بالكبث والازدوجية القيمية والتجهيل من الانعتاق والتحرر من كل هذه المظاهر.

وتتناول الكاتبة قصة صديقتين لكل واحدة معاناتها الخاصة:

الأولى هي قصة مريم التي قررت الانفصال عن زوجها عدنان التازي إثر تعنيفها المتكرر وكذلك إلحاح الأم على عدم اتخاد هذا القرار بحجة التفكير في مستقبل ابنها طه، تقول "كلما نظرت إلى أمي كرهت ذلها، وكرهت هذا المجتمع المتناقض الذي لايتوانى عن ارتداء الأقنعة ويجد متعة في المراوغة بشكل فج...ألسنا أفرادا تتصور مسبقا ردود فعلنا ومواقفنا؟ ألا يتعين خلال توابث عصية على التعبير والطمس، فنحيط بأنفسنا بأطر مغلقة ونتصرف غالبا وفقا ماينتظر منا..." هنا تحاول الكاتبة إظهار أن دور المرأة يبقى رهين بتطبيق تقاليد واعراف المجتمع المنحسرة في إطار الزواج وتقبل سلوك الزوج رغم كل مايقترفه من قهر وتسلط ضد الزوجة، وتبقى الام بمتابة المرجع الاساسي لكل هذه الظواهر من خضوع وتحمل قساوة الزوج وهنا تعلن الكاتبة رفضها لهذا التصور وتسميه بالذل لإنه لايحترم قرارات المرأة.

وتقول مريم أيضا "كنت احارب عائلتي...أحارب نظرات المجتمع التي  تشير إلي بأصابع الابهام، لم أكن يوما مع الحماقة لطالما كان نصفي الأخر يرفض الأوهام يوما بعد آخر، أبتعد عن الناس المحيطين بي لأنهم في النهاية ربويات متشابهة تسيرها يد صانعها، يوما بعد آخر تتمزق الخيوط التي تربطني بالمناسبة والمألوف والمعتاد "وهنا أيضا تحاول الكاتبة الوقوف على الحيف والقهر والتحقير الذي يصبه المجتمع على المرأة المطلقة بإعتبارها عبئ على المجتمع ومصدر الفساد والانحطاط الاخلاقي، لكن الكاتبة تحاول التأكيد على أن المرأة يجب أن تتحرر من هذه القيود والتعالي على هذه الاعراف والتقاليد والنفاق الاجتماعي.

وتشير سلمى بوصوف إلى الحيف الذي يطال النساء من قبل القضاء لأنه لاينصف في مسألة "النفقة" وتقول مريم " تجربتي في الزواج والطلاق فتحت عيني على أمور عدة أولهما الحيف الذي يمارس بإسم القانون على المرأة بصفة عامة والمرأة المطلقة بصفة خاصة.."

وتشير إلى مسألة آخرى تتعلق بالحضانة التي تسقط عن المرأة خلال زواجها ولاتسقط عن الزوج في ظل زواجه مرة أخرى، وتعتبره الكاتبة نوع من التقصير من طرف القانون الذي يدعي أنه منصف للمرأة، قانون لا يؤمن بجهود الأم في احتضان أطفالها، وهذا مانجده ضمنيا عندما تملص عماد من الزواج من مريم ليس لأنه لا يحبها بل لأنها مطلقة وأم لإبن غيره.

أظن أن المغزى من استحضار الكاتبة لهذا المشهد هو أن الأم المطلقة تحضى برمزية قبيحة ولايرجى منها هذا المجتمع بدايات جديدة وتتحمل مسؤولية فشل علاقتها الزوجية وفي المقابل أن الرجل يحضى بالفرصة من جديد دون أي شرط أو قيد، تقول مريم موجهة الخطاب لعشقها الاول أيام الدراسة عماد "كلما قلت علاقتنا ضرب من المستحيل ليس فقط لأنك على وشك الزواج، بل لأنني امرأة مطلقة وأم لطفل وانت لايمكنك أن تربي طفل ليس من دمك، قلها، هيا قلها ولاتخجل ليس الخطأ خطأك بل خطأي أنا...انا حلمت بأحلام أكثر مني " هذا هو مجتمعنا المغربي المتناقض الذي يقف عائقا أمام الحب عامة والحب المدرسي خاصة لأنه بكل بساطة لايفهم في العلاقات سوى الجنس والإنجاب وتتشكل جميع مظاهر الانحراف في المجتمع لأنه لايقدر العواطف الانسانية.

والقصة الثانية في الرواية  وهي قصة تكملية لقصة مريم وتحاول من خلالها الاشارة إلى حالة آخرى،  حالة "هيام" التي عانت من الظلم الاجتماعي والنفسي والجسدي الذي يقع على الأنثى منذ نعومة أظافرها وتجد نفسها مرغمة على الصمت والإنطواء والعيش في الوهم واستمرار الاضطراب النفسي الذي يصل إلى مرحلة الانتحار.

هيام صديقة مريم، إلتقت بها في ندوة بكلية الآدب والعلوم الإنسانية بفاس وتوطدت علاقتهما بعد ذلك بولعهم لعالم الثقافة والأدب استمرت الصداقة بعد التخرج من الجامعة إلى مركز تكوين الأساتذة، أما الأسباب المؤدية إلى إنتحار هيام في مدكرتين : الاولى بعنوان "العري امام الذات " وتكشف من خلالها تعلقها بالاب الذي توفي مبكرا وعن اغتصابها في الطفولة وصمتها ومعاناتها، وحدة تهديد المغتصب، تقول هيام "وراء هذه الكلمات التي كتبتها بدمي، وأوجاعي وانكسارتي، هنا جزء من معاناتي، وبعض مما لم استطيع البوح به، هنا انكسارات فتاة منسية على ارصفة العذاب... " وتحمل المدكرة الثانية "الفن الصعب" كما قال نيتشه، فن الرحيل عن الدنيا في الوقت المناسب، ليس امامي الا ان امقت عالما لم يهبني سوى القلق، الالم والذكريات المريضة" هكذا تنهي هيام حياتها باختيارها الانتحار غرقا في البحر والانسحاب في الوقت المناسب، لتعلن بشكل واضح الكاتبة أن الاغتصاب في مرحلة الطفولة يسبب مجموعة من الأمراض النفسية التي تتقل كاهل المغتصب وتؤدي به إلى التضحية بجسده من أجل التخلص من الألم النفسي.

وانهت الكاتبة قصة مريم بتأسيس جمعية هيام للنساء ضحايا العنف من أجل الدفاع عن النساء ضحايا العنف وانشاء مركز للاستماع لهن في ظل صلابة المعتقد الاجتماعي وترسب التقاليد والاعراف والظلم والحيف الذي تعانيه المرأة في منظومة الزواج بشكل خاص وفي المجتمع بشكل عام، لكن الكاتبة تفتح افاق جديدة على لوح شخصيتها مريم يتجلى في الانخراط الميداني في الإطارات المدنية من أجل كسر جدار الصمت وتحقيق الذات والتمرد على الثقافة الذكورية ومقاومة كل المظاهر التي تبخس دورها الريادي في المجتمع.

لكن الانتقاد الوحيد الذي قد أوجهه إلى الكاتبة بإعتبار موضوع الإضطهاد الذي يطال الأنثى مصدره هو الذكر،  هل من المعقول أن نستحضر بأن تصور هذا الذكر الذي يمارس هذا العنف والحيف..هو "ذكر"  من إنجاب أنثى وهي من توالت على تربيته وعلى غرس بدور تفضيل النوع الذكري  وأحقيته على ممارسة سياسة النعامة على الأنثى، بالتالي نتسائل في إطار ما هو معقول! ما الحل؟ ببساطة يمكننا أن نقول أن المجتمع يحتاج إلى منهج تربية الأبناء الذي لايصفو من مبدأ احترام الآخر بإعتباره كائن انساني وبأسس المحبة والخصوصية، لا بمنطق النقيض والعدو..

 

بقلم عبد القادر اعمر

 

رحيم الغرباويمن مجموعتها الشعرية: راهب الخمر.. قراءة في المضمون الشعري.

بُني الكون على الأضداد، وأنَّ أقوى ضدين فيه ما تماهى عن حواسنا لكن آثاره تتجلَّى في عوالمه، وما يجسد هذين الركنين ما تأسست عليه الأساطير والمقدسات من نقيضين مهمين هما: الخير والشر، وما بينهما من صراع أزلي قاهر، وأنَّ في جميع الحكايات والروايات نجد الخير هو المنتصر في نهاية المطاف ؛ لذلك نرى الديانات تسعى " لكشفه والتمثل به، والثاني هو العالم المدنس الذي تسعى إليه الدنيا لكشفه والتمثل به " (1) بل والتعلق به طالما يمجد اللذائد ويعلى من ممارسة أباطيلها .

ولما كان الشاعر يكابد أزمة عصره، ويعيش فقر ضالته، نراه يستحضر رموز الشر في ظلمات القهر والحرمان والعبودية، مثلما يستحضر رموز الخير في غنى العدل والحرية والحياة المؤثَّلة بالكرم ؛ لأنَّ الأنماط العليا الكامنة في اللاشعور هي التي تتيح لمتخيلها أنْ يصف الواقع المعيش حين يفرض سيادته على النفوس ومن هذا نرى أنَّ الشاعر يعبِّر عما يصيبه منه (2).

و لعل شاعرتنا ميثاق الكريم وهي تلفت نظرنا ؛ لأنْ تجعل نفسها شطر الآخر لما تستشعره من الحياة التي صارت تناصر كل مافيه من خلاف حينما يغيب المقدس ؛ لتضع النقاط على الحروف وهي تسترسل في قصيدتها الرمزية نبيَّة العنب التي تقول فيها :

نبيِّةٌ..إسمُها ابنةُ العنبِ

أَرْسَلَها ربُّ الهوى،

إلى أمَّةِ جُنوني،

ثوبُ حياتي تَخَضَّبَ باسْمِها،

دونَها...كفقيرٍ مُلحِدٍ -

نشوةٌ اخْتَصَرَتْ الدارينَ،

ترقصُ بمحافل ليلي...

جسدُها مصحفٌ آياتُه الخمرُ

عينُها فضاءٌ من دُجى

عانقها الأَثمد..فصارتْ كالمُهَنَّدِ

فنراها تصف الخمرة التي عبَّرت عنها بالنبَّية، والنبي في كثير من سماته أنَّه رسول مُرسَل من الله، لكنَّ الخمرة عندها نبية شريرة طالما رسالتها هي الإغواء وقد أرسلها رب الهوى إلى أمَّةِ جنون الشاعرة، وهي تنشر رسالتها المتسمة باللهو والطيش ؛ مما جعلها تخضِّب ثوب حياتها دونها كفقير مُلحِد كناية على الالتحام والسكر في لذائذ مجونها بإشارة إلى طغيان المدنس ؛ نتيجة الاحتلالات التي أصابت الأمة الإسلامية لاسيما العربية من قبل قوى البغي والظلالة ؛ مما جعل  عهرهم يتفشى من خلال أجنداتهم المرتزقة من حاكمين وأذناب، فحلَّ الشر في جميع أرجاء هذه الأمة فحلَّتْ فيها لجج الظلام .

والشاعرة استطاعت بأسلوبها الفني التي استعملت فيه الاستعارات: (ربُّ الهوى، أمَّة جنوني، ثوب حياتي، محافل ليلي)، والتشبيهات: (كفقير ملحد، جسدها مصحف، آياته الخمر، عينها فضاء من دجى، صارت كالمهند)، هي تتوسل صور البيان ؛ كي تمنح النص دلالاته المعنوية بصياغات فنية عالية .

ويبدو أنَّ الشاعرة تلاقح بين وعيها ولا وعيها، وبين الواقع المعيش وما فيه من أدغال ومآس، فنراها تذهب إلى ماهو أعمق ؛ لتعبِّر برؤاها؛ لما ينتابها تجاه هذا الواقع البائس من ردود أفعال مما جعلها تعبِّر عن رفضها له .

ثم تقول :

نشوةٌ اخْتَصَرَتْ الدارينَ، ترقصُ بمحافل ليلي...

جسدُها مصحفٌ آياتُه الخمرُ

عينُها فضاءٌ من دُجى

عانقها الأَثمد..فصارتْ كالمُهَنَّدِ

شفتاها قيامةٌ من رُمَّان

قُبُلاتها مثل حكايا الشرقِ القديمةِ

لاتنتهي..إلا..بألف ليلةٍ .

فنراها تتلذذ بالخمرة التي توسمتها ؛ مما جعلها تختصر حياة (الدارين) في إشارة إلى خمرة الدنيا والآخرة، وهي تكشف عن حال ما يعيشه اللاهون من أنَّ المدنس في نظرهم بات مقدساً، فالزيغ والكذب والشعارات الموبوءة التي تُتَّخذ من القامات المقدسة، ماهي إلا تحقيق لمآرب المفسدين الدنيوية ؛ لذلك نراهم ليس لديهم من فرق بين الحياتين، إذ لا ارعواء ولا رادع يوقفهم عن غيِّهم طالما هم ينافحون من أجل لذائذهم الدنيوية بدلالة (جسدها) الذي وسمته بالمصحف لكن آياته الخمر، فالجسد يمثل الدنيوية التي شبهته بالمصحف وأنَّ آياته الخمر، والخمر كما أسلفنا يمثل الدنس، فهنا يتلاشى لدى شاعرتنا معرفة الحقيقة من دونها فنرى غلبة المدنس الذي لايُستشعر سوى بسط يده على قارعة الحياة، وإلغاء الزمن بالتفاتات تؤكد لنا أنَّ من يزرع بذار الجمال بنكهة اللذة والمتعة الجسدية، يعش في رذيلتها دون الارعواء إلى آثارها الذميمة، ومن ذلك إشارتها بـ ألفاظ (جسد، عناق، قُبل) ثم حكايا الشرق القديمة، وألف ليلة وليلة ؛ لما فيها من أنسٍ وغنج وترف مسكر يعيش ابن واقعنا متعتها وهو راتع في دوامة الجحود، وسبب ذلك كله الاحباطات الكبيرة التي عمَّت ابناء المجتمع العربي لاسيما العراقي .

ثم تؤكد لنا الشاعرة قوة إغواء الخمر، أي ملاذ الدنيا وشيوع الشر في الحياة الواقعية التي نعيشها بقولها:

هي تأريخٌ من الماءِ والنارِ

نافستْ تأريخَ العربِ والعجْمِ

يا ابنةَ العنبِ...

أيّامُك..طربُ حاناتٍ

وحديثُكِ كأسُ دهاقةٍ بالشعرِ

وجفاؤك.....توبةٌ

لايقبَلُها الله...ُ

وإن كانتْ بمحرابٍ منْ ذَهَبٍ .

ويبدو أن الفلاسفة تطرقوا إلى أصل الوجود، فقالوا أنه يتألف من أربعة عناصر، وهي: الماء والنار والتراب والهواء، ومن أوائلهم الفيلسوف امفيدوكليس الذي اعتقد أنَّ الطبيعة تتألف من هذه العناصر الأربعة التي أطلق عليها الجذور (3)، وأنَّ كلَّ شيء مكنون منها، ولعل الشاعرة أشارت عنصرين منهما، وهما: الماء والنار المكونان للخمرة (ابنة العنب)، فالنار تمثل عنصر الغواية التي تلهب النفس، فتجعلها مستعرة باللهو والمجون، بينما الماء هو ماء الخمرة، وتعدُّه مصدراً لها ؛ لإطفاء نار الهموم، وكلاهما يشيران إلى ما تحدثه في نفس شاربها، وقد أفصحت أنَّ جفاء الخمرة توبةٌ، لكنَّ الله لايتقبلها ؛ لأنَّها من كبائر المدنس الذي تتوق له النفس الظالمة والمشتغلة فيها روح الزلل والخسران .

ويبدو أنَّ شاعرتنا أشارت إلى أنَّ صناعة التكفير والفساد والحكم الضال هو ما فتح للمدنس أبوابه على مصاريعها؛ إذ ليس هناك إلا غواية للنفوس المشبعة بحب المال والجسد، ولاسبيل لواقعنا للمقدس الذي تلاشى من دون أنْ يجد له مكاناً يضيء فيه، وما بنت العنب إلا كناية عن الخمرة داعية الأغواء وساقية ملذات طالبيها الذين يكرعونها، بيد أنَّهم يمرحون داخل فخاخ الشيطان .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

.........................

(1)    العقل الشعري، خزعل الماجدي : 2 / 40

(2)    ينظر: النبوءة في الشعر العربي الحديث، رحيم الغرباوي:247 

(3)    ينظر: عالم صوفي، جوستاين غاردر : 44 .

 

392 رواية مدينة حجرقراءة في (مدينة الحجر) القصصية لزيد الشهيد

تقدم "مدينة الحجر" كمجموعة قصصية ذات أفقٍ مشترك مجالاً للقراءة يكاد يكون محدداً وموجهاً إلى مستوى أساس، هو مستوى الوقوع على مكامن المتعة القرائية لا في الانزياح عن المتوقع والمألوف بل فيهما عبر توصيف موضوعات الواقع من خلال دوالٍ وإشارات تختصره وتنتهي إليه بمرجعيتها "وهو ما يتطلب استخدام أدوات تعبر عن الكل من خلال الجزء وعن الأسباب من خلال تصوير النتائج" .

واذا كانت اللغة – كما يقول ديريك والكوت – هي مجال الكفاح وليست منطقة للتراجع، فان القص في "مدينة الحجر" يسعى لتكوين عالم شديد الكثافة يتجاوز الواقع المشار إليه بمستوى هو أكثر ارتفاعاً إلى حد يمكن معه رسم ذلك الواقع وتشريح خفاياه، وصولاً إلى تأطيره وتوجيهه عبر منظومة الخطاب القصصي إلى منطقة الحلم التي تنشدها الجماعة الإنسانية الحاضنة لهذا القص . ويتم تشكيل منطقة الحلم باستحضار الماضي عبر استدعائه من الذاكرة .

إنَّ استحضار الماضي هو دعوة قوية للانجذاب إليه بديلاً عن الحاضر المحاط بالاحباطات والمراد إزاحته . وهذا هو المرتكز الأساس الذي تقوم عليه قصص المجموعة التسع. فالفعل القصصي فيها بمجمله يتحرك وفقاً لهذا المنطلق بعيداً عن المنحى الأيدلوجي المباشر؛ إذ الخلق الفني ليس فعلاً تحريضياً أو تعبوياً، ولا يصلح أن يكون موجِّهاً أو موجّهاً؛ إنما هو فعل مقاومة لضغوط هائلة ذاتية وخارجية مدركة وما ورائية يتعرض لها المبدع باعتباره بؤرة جذب لامّة لكل ما يعتري الجماعة (الحاضن الجغرافي) المحيط الطبيعي والكوني من تفاعل ومتغيرات .

وردُّ الفعل المتحقق في "مدينة الحجر" هو فعل استحضار الماضي بديلاً عن الحاضر وللتغلب على الحيز الزماني والاستبطانات الداخلية المتكررة لجأ الكاتب إلى تقنية الراوي العليم الذي يحيط الشخصية الرئيسية . والأساس في القصص التسع أي الصبي عبر إنطاقه بلغته، إذ يتحدث الصبي مستخدماً لغة ناضجة وتحليلية تتجاوز مدركاته ووعيه كصبي، ممّا يشي بأن الراوي هنا هو رجل ناضج وليس صبياً، وأنَّ ما يقوم به من قص هو استعادة لحياته الماضية .

تتحرك الشخصية المشتركة لجميع القصص _ أي الصبي _ في مسار محدد (من الآن إلى الزمن الماضي) ويتم التحرك عبر عدة محاور :

الأول بواسطة لغة القص التي يستخدمها الصبي .

الثاني من التركيب العام للمجموعة . إذ تأخذ قصة " مدينة الحجر " موقع القصة الأساس التي تقوم عليها أبنية باقي قصص المجموعة كما هو الواقع حيث الوركاء / مدينة الحجر هي الأساس التاريخي للحاضن الجغرافي الذي أنجزت المجموعة ضمن حدوده وإطاره .

الثالث وتجسد هذا المحور في الاتجاه إلى الماضي عبر مجرى الأحداث في جميع القصص تقريباً وفي معطيات القراءة الكلية لهذا المنجز القصصي .

ففي قصة " مدينة الحجر " يتجه الأولاد وبضمنهم الراوي / الصبي إلى آثار الماضي رغم كوابح الحاضر وموانعه متمثلاً بالآباء ومعتقداتهم عن هذه المدينة واستحضار الأولاد لذلك الماضي العميق عبر توقيع أسمائهم على لوحة المنطقة الأثرية لمدينة الوركاء ويبرز دور الحارس كعامل دفع لهذا الكشف مماثلاً لدور الدكتور في قصة " القرار " ودور مدير المدرسة في قصة " نحن والزورق " . ومن منطق نقدي سيميائي فهو يؤدي دوراً معادلاً لما أدّته الوسائط التي ساعدت الصبي في استكشافاته في القصص التسع كالزورق في قصة " نحن والزورق " و" القرار " والباص في قصة " بقايا حلم " وغيرها .

إن ما تقصده القراءة بالاتجاه إلى الماضي لا يعني نكوصاً قدر ما يعني سعياً باتجاه القادم والتمتع باكتشاف مجاهيله . ولعل قصة "الوباء" المكونة من قصتين أو حدثين قصصيين هما حسب ترتيب وقوعهما " القرية والمعدان" ثم "القرية والغجر" . هذه القصة هي الأقرب إلى تشكيل هذا الفهم؛ إذ يمارس الراوي الصبي هنا صنعة كشف الحقائق في حين يؤشر اتجاهه إلى الماضي عبر اتجاه السرد من قصة القرية مع الغجر إلى قصتها مع المعدان . إن نجاة الاولى في قصة " (آه نجاة) تمثل ماضياً يحاول الصبي استرجاعه من نجاة الثانية ؛ المرأة التي استحوذ عليها كريم المتمدن . ولعل كريم هنا اشارة موحية إلى المدينة المخيبة والتي اطلعنا عليه في قصة (بقايا حلم) و تبّون في قصة (تبّون والحصان) الذي يرفض بيع تمثال الحصان المعدني إلى المرأة الأجنبية رغم إغراء السعر الذي قدمته له ؛ يقدمه إلى الشاب المحلي بما يقارب المجان ومع هذا الفعل ينفتح الحدث القصصي باختراق المألوف وطيران الحصان المعدني وتحليقه كما حلقت الطيور بعد أن نالت خلاصها من الصياد على يد " سعد " . إنَّ هذا الخلاص التي تتصاعد نغمته في القصص الأخيرة من المجموعة يشي باقتراب الخلاص الكلي وتحقيق يواوبيا الماضي المنشود . في قصة (ذاكرة الأرض) خلاص آخر يتحقق من " جبار السمسار " والذي يحاول سلب ارض القرية ؟ ولا شك أن عمل "جبار" كان ابتعاداً عن الأرض / أي عن أساسها الأول / مدينة الحر، وتحقق إزاحته / قتله، استحضاراً آخر للماضي المتجه إليه .

إن الفن "الفن الحقيقي هو الذي يسلط الضوء على الوجه القبيح المتراجع"، هذا قاله كافكا. ونقول في ختام لا بد منه من لقراءتنا لهذا المنجز القصصي الجاد والذي حددت موجهاته القرائية المجال الذي تم تناوله مع افتراض بل تأكيد وجود مجالات غير ما تم تناوله في هذه القراءة الموجزة مما يستدعي التأمل ويقترح التأويل .

 

جابر خليفة جابر

 

سردار محمد سعيدبلغت القاصة الكبيرة فاديا في النص الذي أنا بصدده شأواً مرموقاً وقطعت أمداً كبيراً في السرد والقص لفظاً ومعنى، لذا أزعم أن قصة

الغرق في قارورة رجل لـ "فاديا قراجة "

تحتاج لقراءة دقيقة واعية ليست للجمل الممتعة فقط بل للكلمات ودورها في سباكة النص .

أبطال أو شخوص القصة هما الشخصية الرئيسة حواء والمُخاطب آدم، وحواء هنا قوية صلبة تعبر عن حقيقة المرأة .

 أما فكرة القصة فقد طرحت مراراً لكن طرح "فاديا" لم يُعهد من قبل لا بمتانته ولا بجرأته .

أُفتتح النص بعبارة " قالت حواء " وحواء لا تعني حواء زوجة آدم لكن تعني أي أنثى كما أن آدم يعني أي ذكر،

 وتبدأ الأسئلة تنهال على آدم، والقصد منها هو احراج المجتمع الأبوي البدائي المتخلف الذي جعل من غشاء فسلجي رقيق "البكارة " تاج شرف، لذلك كانت حواء تسأل آدم عن بكارته أي عن شرفة واغتصابه العفة وفرضها بقسوة أقول تسأل أين يكمن وكيف يفض .

سألت: هل تذوقت اللذة عندما تتعطل لغة الكلام؟

بجرأة متناهية تسأل: هل تذوقت اللذة بمعنى أنني تذوقتها قبلك وهي لذة خُلقت مع الإنسان الذكر والأنثى فهل أنت تذوقتها مثلي؟ أنا إنسان وأنت إنسان فما الفرق؟

وضمنت القول بشطر من قصيدة أمير الشعراء شوقي البديعة "جارة الوادي"، ولهذا التضمين قصد فقد قال شوقي أنه دخل في ليلين شعرها والدجى أي تكامل النشوة في أندماج ظلمة الليل وسواد الشعر في لقاء العاشق وبلغت الجوانح نشوتها:

ووجدت في كنه الجوانح نشوة – من طيب فيك ومن سلاف لماك

وتعطلت لغة الكلام وخاطبت – عيني ّ في لغة الهوى عيناك

وهنا تقول الأنثى للذكر: إنتظر لا تجب . وكررت هذا الأمر مراّت لأنها تعلم أنه سيبرر ويلف ويدور ويمتنع عن الوقوف برجولة فيعترف بحقوق الأنثى بكل أمانة وصدق وينسى أن محمداً كان يلقب بالصادق الأمين وأن ابنة شعيب عندما أحبّت انبي موسى قالت لأبيها:

... يا ابتي استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين . القصص 26

وللأمانة منزلة كبيرة عن الله:

إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا. الأحزاب 72

 وهكذا يظل يكذب ويراوغ، حتى أن التاريخ العربي مليء بالأمثلة التي تفصح عن أن شهوة الأنثى ولذتها هي هي كما لدى الذكر الذي ينكر عليها ذلك ويسمح بها لنفسه،

ففي كتاب " اخبار النساء" للجوزي والمنسوب خطأ لآبن قيم الجوزيّة فيه يسرد الجوزي بطريقة اخبارية عن شهوات النساء ولأذكرحادثتين أرى أن لهما صلة بسرد "فاديا "ولكن جرت هناك لنساء وقامت "فاديا "بعكس الفكرة فصارت على رجال وبأسلوب يبتعد عن منهج السرد الإخباري الكلاسيكي عند الجوزي

هل تجرعت طعم السم المدسوس في رضاب القبلة؟

هل جربت أن تنتحر على جسد من تحب؟

يروى أن شامة بن لؤي كان من أجمل خلق الله ونزل عند رجل من الأزد وجلس صباحاً يستن بسواك فنظرت له زوجة الأزدي فأعجبها ولما رمى سواكه، فأخذته ومصته، ولمّا علم زوجها دس لها السم في اللبن،

الحكاية الأخرى:

غزا بن هبيرة الغساني الحرث بن عمر فلم يصبه فسرق زوجته . فلحقه الحرث وقتله واسترجع زوجته ثم سألها هل أصابك؟ قالت: نعم والله ما اشتملت النساء على مثله قط، فلطمها ومزق جسدها بقتلها شر قتلة .

تكرار لفظة بكارة احتلت مساحة واسعة وهي محور القصة بشكليها بكارة المرأة الفسلجية وبكارة الرجل بما تعنيه ولو أنها تحدثت في البدء " بكارة الكلمة، وهي مجاز لغوي، لكي لا يثور الذكوريون وتثير أفكارهم البالية عن شرف البكارة، إن معنى الكلمة يتجاوز معنى كلمة لغويّا، فعيسى عليه السلام خُلق من كلمة الله التي ألقاها على مريم .

 ثم تدرجت إلى البكارة الحقيقية فأعلنت أنها وهبتها لرجل بائس وهي ملكها ويمكنها التصرف بها كيفما تشاء، وذكرت وقت فقدانها المبكر، وسألته أن يذكر متى هو فقد بكارته، تذكرني هذه العبارة أنها وهبت بكارتها لمتسول بعبارة ولادة بنت المستكفي "الشاعرة الأندلسية وهي من بيت الخلافة وحبيبة الشاعر بن زيدون:

" أمكن عاشقي من صحن خدي وأعطي قبلتي من يشتهيها " .

إن الحرج الذي أوقعت فيه الأنثى الذكرَهو رسالة "فاديا " في قصها البليغ المعنى والتصدي، وصرخة المجتع الأمومي بوجه المجتمع الأبوي الظالم .

بين الهند وسوريا الحبيبة مسافة شاسعة غير أني وجدت نفسي قريباً جداً منها بقراءة هذا النص النفيس، وأتمنى من صميم قلبي أن لا تتنازل القاصة المرموقة "فاديا "عن هذه الرفعة والسمو .

 

سردار محمد سعيد

 ............................

للاطلاع

الغرق في قارورة رجل / فاديا عيسى قراجة

 

 

 

389 السقشخييُقدِّم الكاتب العراقي علي لفته سعيد في روايته السَّقشخي محاور عدة تتعالق مع القضايا القومية والوطنية والدينية، فيغوص في إحداثيات الواقع العراقي الحديث مصوراً ما آلت إليه المنظومة السياسة من صراعات داخلية وأخرى خارجية عصفت بالبلاد والعباد، فأنتجت رؤية وفكر تعبوي اضطهادي تجاه الشخصية العراقية ثم العربية ثم الاسلامية على حدٍ سواء، كما قدَّمت الرواية نموذجاً للأنتلجنيسيا العراقية في تلك الحقبة مشخِّصة أبرز سماتها ومواقفها من تداعيات الواقع وإشكاليته المستديمة، فكان ماجد ذلك الذي لا مجد له بطل الرواية والراوي الوحيد هو الصورة الهشة للمثقف العراقي بوصفه نسق من أنساق البيئة التي زرعت في دواخل سكانها معاني الخوف والقلق والضياع وفقدان الجرأة والمواجهة والتوازن الاجتماعي.

يُعاني ماجد نمط من الخوف يسمى أنثروبوفوبيا أو ما يسمى القلق الاجتماعي أو القلق من العلاقات التفاعلية نتيجة التربية أو البيئة التي نشأ عليها، فهو ترعرع بين فكرين الأول انهزامي متمثلاً بوصايا والده الذي لطالما يحثه على الانعزال وعدم الدخول مع البعض في حوارات والتصادم معهم في وجهات النظر والمواقف؛ تفادياً للمشاكل وكل ما يؤدي به إلى مصير مجهول وهذا يمثل الشطر الأول من حياته (تعلَّمت من أبي أن أخاف وعلَّمتني الحياة أن أخاف لذلك أنا أخاف حتى من مدير المدرسة...)، أما الفكر الثاني متمثلاً بوصايا خاله يونس فهو عنفوان الشجاعة والإصرار على المواجهة وإبداء الرأي بكل أريحية واستنباط المواقف وتحليلها بثقة وثبات فكري انغرز فيه في مرحلة متأخرة من حياته؛ نتيجة للنضج الفكري وللتجارب الحياتية التي خاضها خارج الوطن.

لم يكن ماجد يعاني من القلق الاجتماعي وإحساس الخوف من مواجهة الناس فحسب بل كان يعاني من الحظ السَّيء والأقدار التَّعيسة التي تلاحقهُ أينما حلّ، فأول اختبار للحظ كان عندما حصل على وظيفة أدنى من شهادته البكلوريوس، فالتحق بإحدى المدارس في قرى الناصرية كمعلم جامعي لمادة التربية الفنية (أنا أعرف هذا الحظ التعيس الذي يلاحقني في أي مكان أكون فيه.. لا فرحة تكتمل إلا بمضايقة أو اختناق الحزن لمفاصل العمر هارباً من جور الحياة...)، ولكون هذه الوظيفة لا تكفي لتوفير احتياجات العيش الكريم سيما أنه شاب عشريني يطمح لتأمين المستقبل وتوفير احتياجات تأسيس بيت الزوجية الذي يحلم به كل شاب عمل في ساعات المساء في شوارع مدينته يُقدِّم الشاي ومعه قطعة من الكرامة المقتولة، متحملاً السخرية والإهانات التي يرمقها في عيون البعض مصوِّراً بذلك حال المثقف العراقي أبان الحصار الاقتصادي وما تعرَّض له من تهميش وإهدار الكرامة؛ نتيجة لعدم توفر مقومات العيش الكريم، وبالرغم من كونه يخشى الخوض مع الآخرين في نقاشات سياسية والكشف عن موقفه ورأيه الصريح والرد على رواد مقهاه حافظاً لوصايا والده مكتفياً بالعمل والعمل فقط إلا أن ذلك لم يكفيه شر الاعتقال والخضوع لحفلات التعذيب في السجون العراقية بتهمة مزاولة عمل آخر مع الوظيفة، أو بسبب جملة عابرة وسطحية يُعتقد بأنها مسَّت المنظومة السياسية (ربما كانت الصفعة الألف التي يحصدها خدي والشتيمة الألف التي تسمعها أذناي والركلة التي لا حدود لتعدادها التي يتلقفها جسدي...).

اختار ماجد الهروب من المعترك السياسي و ارتكاسات السلطة الحاكمة بعد أيام من التعذيب متوجهاً إلى الأردن التي لم يبقى فيها طويلاً خوفاً من الملاحقة بعدَ أن أحسَّ بكثرة عيون السلطة المزروعة فيها، فانتقل إلى لبنان وهناك انفتحت له أبواب الفردوس فالتقى بزينب خلاصهُ الأخير من الخوف والضياع لتحلِّق به بوساطة جنسيتها الأمريكية إلى سماء نيويورك، ولكن مع ذلك لم يتخلص من طالع الحظ السيء إذ طاله الاعتقال من قبل الحكومة الامريكية بتهمة الارهاب كونه متواجداً أمام برجي التجارة وشاهداً حياً للحظة التفجير في الحادي عشر من سبتمبر، فيستشعر من جديد لحظات الخوف والاضطراب (لا أريد سوى إيجاد مساحة من أرض أتوسدها و أنام قرير العين بلا سجَّان...).

قرر ماجد السَّقشخي الذي نشأ وترعرع في مدينة سوق الشيوخ العودة إليها بعد فراق دام لسنوات حاملاً آمال وتطلعات بشأن الوضع السياسي الجديد وحالماً بالمخططات والمشاريع التي سيقيمها في مدينته لينتشلها من وحل الفقر، ليصطدم بالواقع الذي ازداد سوءاً بعد الاحتلال الأمريكي في عام 2003، فيكشف عن تبدّل المفاهيم والمبادئ في المجتمع فاضحاً ما قامت به قوات الاحتلال من عمليات سلب ونهب للآثار العراقية و تحويل المجتمع لساحة علنية من الاقتتال الطائفي (شيء من الغصة أصابني و أنا أمارس لعبة المراقبة من داخل شوق مرهون و مسجون بذاكرة لم تتيبس..).

تقع الرواية في اثني عشرَ جزءاً هي عبارة عن محطات مختلفة من حياة ماجد التي عاشها في أماكن مختلفة ومشاعر مختلفة، لكنها في الأعم الغالب تتلفع بالضياع والفوضى والألم، وإحساس الخوف الذي ملأ صفحات الرواية فعبارات الخوف بلغت أكثر من مئة كلمة بصيغها المختلفة؛ نتيجة لما كان يعانيه ماجد صراع داخلي وآخر خارجي.

 

دعاء عادل آل عزوز

 

 

قصي عطية

في قصيدتي:  كوني ما شئتِ وهذا زمن الضوء

من الممتع أن يبحر القارئ في قراءة شعر يتداخل فيه الجانب الفنّي والسياسي والشعري، دون أن تأخذ القصيدة ذاتها طابعاً واحداً، ففيها يتجاور الهاجس الشعريّ مع الهواجس الأخرى. هذا هو حال القصيدة الشعرية التي يبدعها الشاعر العراقيّ المُقيم في استراليا (د.موفق ساوا)، وإن بدا أنّ الهاجس الاغترابيّ في شعره يطغى على الجوانب الأخرى، فقصيدته تطفح بالغربة والحبّ، والحنين إلى الوطن.

وبقراءة متعمّقة للبنية الداخليّة للقصيدة عنده نجد أنّ الهمّ الخاصّ يتوحّد مع الهمّ العامّ، ولا ينفصل عنه، بل يسير بالتوازي معه، إلا فيما يعبّر عنه الشاعر في قصائده الوجدانيّة الرقيقة، التي تطفح بالكثير من الحبّ والرغبة والحنين، ولكنّه الحنين الذي يوحّد ويُماهي بين المحبوبة والوطن، فنداؤه لها أشبه بنداء عاشق إلى تراب وطنه، فنجد في قصيدة (كوني ما شئت) أنّ صورة المرأة التي يُخاطبها تحتوي ضمناً صورة الوطن، فيقول:

(كوني يا سيّدتي ما شئتِ... كوني

خفاشاً أو يمامة.. ما شئتِ كوني

فأنا مُغرمٌ بكِ حدَّ الجنونِ..).

يستخدم الشاعر ثنائية ضدية (الخفاش/ اليمامة) بدلالتيها الترميزيتين (السواد/ البياض)، أو (التشاؤم/ التفاؤل)، ولكنّ الاختيار لن يغيّر شيئاً من النتيجة، فهو مغرم بها حدّ الجنون.

إنّها امرأة ارتدت لبوسَ الوطن، فنحن حين لا نملك أنّ نغيّر من وطننا شيئاً لا يمكننا، في الوقت نفسه، إلا أن نكون عاشقين له، مهما كان جارحاً أو حنوناً. إنّه الوطن الذي حمله الشاعر في حقائب غربته وسفره، الذي يظلّ حاضراً في ذاكرته، ووجدانه، فيحاول أن يبحث عن مساحة أمانٍ يلوذ بها، تأويه، وتحتضنه وتحرسه من جنونه، فيقول في القصيدة نفسها:

(أبحثُ عن غصنٍ يأويني

عن تعويذة وتمائمَ

تحرسها من بعض جنوني).

وتتقاطع هذه القصيدة مع قصيدة أخرى بعنوان (هذا زمن الضوء)، وفيها ما يؤكّد ما قلناه، إذ يقول:

(احرسيني سيّدتي

من طيشي، ومن غضبي

فما عدت أطيق البقاء في شرنقتي).

إنّه اللجوء إلى الآخر بوصفه حارساً، وبوصفه منقذاً من الذات، من الحنين والطيش والغضب، فالشاعر يمدّ يديه إلى أنثى مفترَضة، امرأة متخيَّلة، معشوقة، وقد تكون هي الوطن، فهي الحارسة، وهي الحاضنة، ولكنّه يقرّر أن يشقّ شرنقته التي بها تكوّن، وبها نما، فقد حان وقت الانسلاخ، وقت الخروج من الشرنقة، بعد اكتمال التكوين، فقد أعلن الشاعر أن (هذا زمن الضوء)، فما عاد البقاء في الشرنقة/ الوطن مُجدياً، كما يخرج الجنين من رحم أمّه عند اكتمال نموّه، فلا بدّ من الخروج، ففي البقاء موت، وفي الخروج إلى الضوء ولادة.

إنّه الاكتمال الفكري والنفسي والعاطفي، والقرار بشق الشرنقة هو القرار الطبيعي، ولكن هل ينتهي دور المرأة/ الوطن بعد ذلك؟

من المؤكّد أنّ دورها لا ينتهي، بل تأخذ دوراً آخر، هو دور الحارسة، تماماً كما هو دور الأمّ، التي ترعى مولودها إلى أن يكبر، لذلك يطلب منها (احرسيني من طيشي، ومن غضبي).

هل كانت غربة الشاعر وخروجه من العراق هي المُعادل الموضوعي لشق الشرنقة، والخروج إلى الضوء، وهل كانت (سيدني) هي الضوء الذي سمح للشاعر أن يعبّر عن فكره، وهواجسه الإبداعية والمسرحية، وهل سيقطع الشاعر حبله السري الذي ظلّ يشدّه إلى الوطن، مسقط الرأس، نينوى العراقية؟

إنّها الرغبة في الانعتاق، والتحرّر من ربقة الخرافات والعادات والتقاليد، والانفتاح الإبداعيّ على المُطلَق، فلا قيد على حروفه وقوافيه، إنّه شريان الشعر المُتدفّق نحو الضوء، نحو الحياة الرحيبة، وهو يطلب من تلك الأنثى المتداخلة تارةً مع الوطن الأم، وتارةً مع (سيدني) تلك المدينة التي اختارها مكاناً يُلقي بأوجاعه فيها، يطلب منها أن تكون حارسة على هذا الزخم العاطفيّ الدفّاق، فيقول:

(احرسي بوابة أضلعي

فـسجّانُ حروفي وكلماتي

يـُطبقُ على شطري وعجزي

يحاولُ أن يَـحـشرَ كلّ خرافاتِهِ،

في شريانِ قصائدي).

تنطوي قصيدة (هذا زمن الضوء) على ازدواجيّة، وحالة من اللا توازن، حالة من القلق الوجوديّ، حالة من التأرّجح بين ما يعيشه وما يحلم به، بين ما هو مُجبر أن يكونه، وما يرغب في أن يكونه، هي ثنائية (الواقع/ الحلم)، فالواقع مرير، ينتشر فيه المحتالون والدجّالون، والمشعوذون، والحلم مُزهرٌ مشرق بالضوء، فيحاول أن يكسر من حدة هذا الواقع، ليسمح لشعاع ضوء أن ينفذ إلى هذا الواقع العربيّ، ويحرّره من قيء الشياطين، ويعلن رفضه هذا الواقع، وعدم انتمائه إلى ثوابته العفنة الجامدة، فيقول في هذه القصيدة:

(أتسربلُ بالضوءَ، وكلّ البراهين؛

كيْ أتصدّى لشعوذتهِ "المقدسة"

فهذا زمنُ الضوءِ،

لا زمن المحتالين).

(موفق ساوا)... شاعر من زمن جميل، شاعر اختار أن يشتغل للآخرين، يكرّم المبدعين الآخرين، شاعر احتفى واحتفل بغيره، ومنعه كبرياؤه أن يحتفي بنفسه، ولكنّ الوفاء دفعني أن أسلّط بقعة ضوء على بعضٍ من شعره، بمناسبة كريمة، هي الذكرى الرابعة عشرة لميلاد جريدته (العراقية الاسترالية).

 

قصي عطية

.......................

الدكتور (موفق ساوا):

- فنّان، ومخرج مسرحيّ، وشاعر عراقي، مولود في القوش، نينوى.

- بادر بتأسيس فرقة مسرح (شيرا) في بغداد عام 1993.

- سافر إلى استراليا عام 2002.

- قام بتأسيس فرقة مسرح (ساوا) عام 2003.

- قام بعرض أول مسرحياته (3 لواعيب) عام 2003.

- عرض مسرحيته الثانية (في انتظار الضياء) عام 2004.

- أسّس جريدة (العراقية الاسترالية الأسبوعية) عام 2005.

- عرض مسرحيته الثالثة (انتبهوا... القطار قادم) عام 2015 على مسرح (Powerhouse Arts Centre in Sydney).

- أسّس أكاديمية الفنون العراقية الاسترالية (Australian Iraqi Arts Academy Inc) عام 20016.

- ألّف 20 مسرحية بعضها أخرجها في العراق والأخرى في سيدني الاسترالية.

- ألّف وأخرج فيلماً قصيراً مدّته (12 دقيقة) باللغة الإنكليزيّة بعنوان (Not 4 Sale).

- يقوم الآن بالتدريب على مسرحية (في ظل القمامة) التي سيعرضها بداية العام القادم.

- له 4 دواوين شعرية باللغة السريانية (مخطوطات).

- لديه مجموعة كبيرة من القصائد من بداية العقد السابع من القرن الماضي إلى الآن.

- طبع دراستيه (الماجستير والدكتوراه) حول المسرح السريانيّ.

 

رحمن خضير عباستبدو رواية (دميان) للكاتب الألماني هيرمان هيسة، وكأنها معزوفة موسيقية تتغلغل في أعماق النفس البشرية، وتبحث عن إشكالاتها المتنوعة والمتصارعة، والتي تتقارب أو تتنافر في هارموني من الأصوات الصاخبة مرة، والهامسة مرةً أخرى . هذه الموسيقى التي تتسلل إلى أعماقنا، وتلتقط منها الجوانب الشرسة في حدتها، أو الأليفة في رقّتها، هذه الجوانب الإشكالية تختفي بين تضاريس الإنسان وأهوائه وأحلامه وأوهامه، وكأنّه قارة شاسعة، حافلةٌ بالكهوف والمغاور والسهول. ودميان تُمثّلُ رحلة طويلة في دروب الحياة ومنعطفاتها. وهي أشبه بالمغامرة المحفوفة بشتى الاحتمالات والتي عبٌر عنا الكاتب بقوله:

"حياة كل إنسان عبارة عن طريق نحو نفسه " أو في عبارته الأكثر إفصاحا : " كل إنسان بحمل آثار ولادته، لزوجة ماضيه البدائي وقشوره".

ومن المُعتقد بأن الكاتب قد كتبها، وكأنه يترجم حياته الشخصية منذ طفولته. وبعض التجارب الحياتية التي مرّ بها. وكان هيرمان هيسة متأثرا بنظريات فرويد لعلم النفس والتي ظهرت في بعض ثنايا عمله.

لذلك فقد نسج هيسة روايته من عدة فصول. تتمحور كلها حول حياة الطفل (سنكلير)، الذي ينمو ويترعر في ظل الأضداد والمتناقضات، بين مسارات حادة وشرسة، وبين ومسارات ناعمة ومنظمة ورتيبة . بين الجو العائلي الأرستقراطي والديني، والمشبّع بالقيم الدينية والكنسية. وبين الشوارع المفتوحة لكل احتمالات الفقر والرذيلة والكذب ومنطق الغاب.

ولكن هذا النمو، يتزامن مع أسئلة عميقة في دلالاتها، ومتجذرة في أسرارها . إنها الولادة العسيرة للطائر الذي يحطم قشر بيضته، وينطلق في هذا العالم المحفوف بالمخاطر.

يبدو الطفل سنكلير متأرجحا بين عالم النور الذي تمثٌله المؤسسة العائلية، وقِيَمِها الصارمة وبين عالم الظلام، الذي يتمثل فيما هو خارج نطاق البيت. هذا العالم المشحون بالموبقات وحكايات الخادمات واللصوصية، عالم القاع الاجتماعي المتصدّع والغارق في همجيته. ولكن الطفل يبقى حائرا بين هذين العالمين .

ففي أول تجربة له في المدرسة مع زملائه الطلبة. والذين يتحدثون عن بطولاتهم وحيلهم. فحاول أنْ يختلق كذبة كي يؤكد ذاته. ولكن كذبته تتحول إلى ورطة، يقع في شِباكِها، فقد أستغلّها زميله المنحرف فرانز كرومر. وظل يبتزّه ويطلب منه النقود،ويهدده بإخبار صاحب البستان الذي إدّعى الطفل سنكلير سرقة التفّاح. و يقوم بفضح سرقته . مما جعله يعيش صراعا نفسيا ويدفعه إلى السرقة الحقيقية من أهله كي يتخلص من ابتزاز كرومر.

وفي نفس الإطار يلتقي بشخص أكبر منه اسمه دميان . هذا الشاب ذو الملامح الغامضة. والفكر العميق والقوة في الشخصية . والذي يصفه بقوله :

" وجهه وجه رجل، وجه عالم أو فنّان " .

ويقول عنه أيضا

" لم يكن وجه ولد بل وجه رجل يحمل ندوب التأريخ، بل هو يبلغ ألف عام "

وسوف نرى بأنّ دميان سيترك أثرا كبيرا في حياة سنكلير، وطبيعة تفكيره. وقد أنقذه من سطوة كرومر بواسطة معاقبة الأخير، وتحذيره بعواقب وخيمة إذا ازعج سنكلير أو ابتزّه . لكنه يقاسمه أحداث ماتبقى من الرواية. فهو المخلِّص إو المنقذ . والذي يمتلك قدرات كبيرة في قراءة الأفكار . ولكن الذي يشدّه به ويجعله رفيق دربه ( علامة قابيل) . تلك العلامة التي تعبر عن قناعات إنجيلية، تتحدث عن أنّ الرَّبُّ ميّز قابيل بالعلامة رغم جريمته، التي تحميه من غضب البشر وكراهيتهم. ولكن العلامة التي وردت في الرواية، تنصبّ على مسألة الإرادة الحرة في تلمس الحياة والانغماس بها بدون مرجعيات لاهوتية، دينية أو كنسية . وأنّ القدرات والقابليات والرغبات الإنسانية، تتكون عادةً لتلبية الحاجات الحادة في الحياة . ويضرب مثالا عن ذكور الفراشات، التي تمتلك حاسة معرفة الأنثى من مسافات شاسعة، لندرة الأنثى. فَلَو كانت الأنثى متوفرة لما امتلكت الذكور هذه الحاسة .

كما يتناول مسألة الجنس فلسفيا، من حيث الرذيلة والفضيلة. وطريقة السيطرة على الغرائز، للتحوّل إلى عالم من الروحانيات .

في فصل آخر يلتقي بأحد الشباب الغامضين والضائعين، والذي يغوي سنكلير بتجريب شرب الخمر. وسرعان مايتحول سنكلير إلى محب للخمر، ومدمن منفلت عن ضوابط الأسرة وتقاليدها الصارمة . متمرد على نفسه وعلى المجتمع . ومن تلك اللحظة فقد تحوّل من طفل غرٍّ إلى مشاغب ومبتذل، حتى سُمِّي بالزميل الشيطاني من قِبَلِ أصحابه، ويصبح سنكلير محطّما وحزينا . وكان يتألم حينما يرى أقرانه، وهم يلعبون ببراءة الطفولة، فيعيش حالة من العزلة وتأنيب الذات ومقاطعة ورفض الجميع له، ولاسيما عائلته .

لكنّ بياتريس الفتاة التي وجدها في طريقه . استطاعت أنْ تنتشله من عالم الضياع .

يقول : إنه عاد إلى نفسه، كما فعل الدكتور فاوست، الذي باع نفسه للشيطان . ومن تلك اللحظة حاول سنكلير أن يسمو في عالم من الروحانيات. فكانت غايته التطهر وليس الغبطة.

وقد تحوٌل إلى فن الرسم في محاولة للاختباء فيه. ذلك الرسم العشوائي الذي يمتصّ طاقاته الحبيسة. فجرب ان يرسم وجه بياتريس . وحينما أنجزه، وجد أن الوجه يحمل ملامح مشتركة لبياتريس و دميان وكأنهما شخص واحد . وكأن سنكلير الذي عاد إلى رشده، قد وجد أمامه من جديد القرين والمخلِّص دميان. ولكنه كان يصرخ

" إنّ في أعماقنا شخصا ما، يعرفُ كل شيء ويرغب في كل شيء ".

الجملة التي كتبها له يوما صديقه دميان وهم في صالة الدرس عن الطائر الذي يكافح للخروج من البيضة. جعلته يعيش حالة من الحلم الممتد بامتداد اليقظة. ذلك البحث عن إسطورة (إيراكساس). فأصبحَ يتوقُ إلى العزلة . وفي أحد جولاته في الشوارع الخالية استمع الى موسيقى تنبعث من داخل الكنيسة. فبدأ يستمع اليها كل يوم رغم الأبواب الموصدة للكنيسة. وفي أحد الايام وجد الباب مفتوحا ليرى الشاب العازف للموسيقى (بستوريوس)، وكان شبيها لسنكلير في الانطواء على النفس . ويستطيع أن يمد أواصر الصداقة معه، ليكتشف بأن مشاعرهما متقاربة من حيث

" التوق والانصهار الكلي في العالم، والمجاهدة للتحرر ".

كان الحوار مع الموسيقي الشاب يُثري شخصية الصبي سنكلير، ويجعل روحه تحلّق في عملية الخلق المستمر للعالم، ينتابه إيمان تصوري بالقدرة على إعادة العالم بعد فنائه. " إذا كان العالم الخارجي سيدمر فإن شخصا واحدا قادر على بنائه ". ولكن هذا الصبي الموسيقار متشابه بأفكار دميان. هذا الموسيقي الذي أعاد لسنكلير الثقة بنفسه. والذي حدّثه عن أشياء كثيرة، ومنها خصائص الأديان التي تعني حماية الروح الانسانية من عبء ذنوبها . وهذا يقوده إلى اشكالية النبي يعقوب وكيف تَجرّأ وتمرد على ملاك الرب بقوله :

" لن أدعك تذهب قبل إن تُبارِكَني ".

في إطار سعي سنكلير للخلاص الروحي، يتعرف على أمّ صديقه دميان والمسماة (إيفا) عن طريق ولدها دميان الذي التقاهُ بعد قطيعة طويلة، حينما بدأ سنكلير حياتَه الجامعية . وقد وصفها كما تخيٌلها قبل أنْ يراها :

" بوجه شبيه بوجه ابنها، وجه خارج الزمن والعمر ومليء بالقوٌة "

إنها إمرأة تؤمن بقيم معرفية وفلسفية، تتحدث عن الحلم وإمكانية تحقيقه في حالة الإيمان به. عن الثقة بالنفس، عن الحب الذي يكتفي بنفسه، عن العلامة التي تجمع البشر، عن النبوءات .

وقد تعلّق بها وأحبّها بطريقة صوفية، فقد مثّلت له مزيجا من الأم والعشيقة والمثال الأعلى للكمال الروحي .

في الفصل الاخير.

يلتقي سنكلير بصديقه دميان بعد قطيعة طويلة . يبدو دميان في ذلك اللقاء أكبر من سنّه، مهموما ومحبطا. وكان شبح الحرب يجتاح أوربا، فأخبر صديقه بأنه سيذهب إلى جبهات القتال كملازم في الجيش . ويفترقان ولكنّ سنكلير جُنّد في الجيش دون إرادته . وفي الجبهات يتعرض إلى إنفجار كاد يودي بحياته. ولكنه كان يعيش في تلك اللحظة ذات الحلم الذي راوده ذات يوم، عن النجم البعيد الذي يصطدم به ويتناثر بين ذراته الضوئية.

ويستفيق ليجد نفسه في ردهة المستشفى. ويكتشف أن دميان يرقد أيضا في نفس الردهة كجريح حرب، وكان في نزعه الأخير أثر جروحه، فيودعه سنكلير الوداع الأخير، بعد حديثهما عن الحلم في كفاح الطائر، وهو يكسر قشور البيضة، ليصارع العالم الذي يحيط به.

لقد كان الكاتب الالماني هيسة في أوج تألقه الإبداعي، حينما كتب هذا العمل الذي يناهض الحروب، لاسيما وأنه شرع بكتابتها قبيل الحرب العالمية الأولى وأكملها بعد الحرب مباشرة .

لذلك فقد غادر المانيا التي لم ترحب بكتاباته، وقد قلل من شأن ابداعه النقاد الألمان في تلك المرحلة لأسباب سياسية .

في هذه الرواية يتناول العلاقة الفلسفية للدين والحياة. والعلاقة بينهما، ومسألة الحرية في اعتناق الفرد ما يريد ويؤمن، بمعزل عن القواعد الجاهزة والمفاهيم المقدسة .

هذا الفرد الذي ينصهر ويتلاشى ضمن أُطر ودلالات تحيط به إلى حدّ الاختناق . وقد تناول الكثير من المفاهيم الكنسية برؤية مغايرة. لذلك طفحت الرواية بالكثير من الرموز الدينية. والأساطير كمشكلة فاوست الذي رهن نفسه للشيطان. وقضية النبي يعقوب وتمرده، ومذهب إركنساس ذي الأصول الإغريقية القديمة والذي يعتمد على رموز رياضية. كما تناول خطيئة قابيل والعلامة التي تمنح لبعض البشر كي يصبحوا متميزين في الفكر والوعي والسلوك. وحتى اختياره للأسماء ومنها دميان والذي هو تحوير ل (ديمونز أو الشيطان) كما يرى البعض.

وكذلك إيفا وهي أم دميان التي تعني حواء أم البشرية.

إنها رواية تكتنز بالرؤى والأفكار والمفاهيم. كما أنها تمثل ما وصلت اليه المعضلة الأوربية في ظل غيوم الحرب التي خيّمت على إوربا آنذاك .

وقد استطاع الشاعر والأديب المترجم ممدوح عدوان، أن يحافظ على الشفافية اللغوية التي اشتهر بها هيسة.

فقدم للقارئ هذه الترجمة الجميلة. لرواية رائعة، مُثيرة للإعجاب .

 

رحمن خضير عباس