karem merza2أشهر أخوانيات وطرائف شعراء النجف الأشرف بين 1775 م - 1975م (7)

يطلُّ عليكم في هذه الحلقة شاعر يُعدُّ من أشهر شعراء العراق الّذين أنجبهم القرن التاسع عشر، ولولا أن فاجأه القدر بالموت المبكر على أعتاب القرن العشرين، لكان له شأن عظيم في الأحداث السياسة والاجتماعية التي توالت على العراق في الربع الأول من القرن الحالي. وشغل حيزاً كبيراً في تاريخ الأدب العربي، لما يتمتع به من نبوغٍ فطري، وألمعية فذّة، وأريحية طيبة وحسن عشرة وخفّة روح، وسرعة بديهية، وقوة شاعرية، وجرأة أدبية. وهذه الصفات قد أجمع المؤرخون ونقاد الأدب وأكبر العلماء على تمتعه بها.

والحقيقة قد كنت أحتفظ بديوانه الموسوم (سحر بابل وسجع البلابل)(1) إبان طفولتي وشرخ شبابي مع العشرات من دواوين الشعراء الكبار، بل حفظت كثيراً من قصائده ونتفه ومقطوعاته. فللشاعر الجليل علاقة حميمة بأسرتنا وأهلنا، وبكلمة أدق مع أجدادنا منذ قرن ونيف من الزمان، فمن الوفاء أن نذكر محاسن موتانا ونبجل عظماءنا فمن هو السيد جعفر الحلي؟

الشاعر هو أبو يحيى السيد جعفر بن السيد حمد (2) آل كمال الدين الشهير بالحلي، يرجع نسبه الشريف إلى الحسين ذي الدمعة بن زيد الشهيد بن علي بن الإمام الحسين (ع)، ولد في النصف من شعبان سنة 1277هـ (26شباط 1861م) في قرية السادة من قرى العذار جنوب الحلة. ويذكر الدكتور البصير " سميت كذلك لأن أكثر من سكنها من العلويين الذين هاجروا إليها من الحجاز منذ قرون عديدة طلباً للانزواء في هذه البقعة النائية من الأرض، فراراً من الاضطهاد." (3).

نشأ شاعرنا في كنف والده الذي كان من كبار تلامذة العلّامة السيد مهدي القزويني، وفي أيام شبابه انتقل إلى النجف الأشرف،" فدرس مقدمات العلوم، واتصل بجماعة من فحول الشعراء، وقرض الشعر فنبغ فيه، وهو أحد العشرة المعروفين. نبغ في الأدب، ونظم في أبواب الشعر واتصل بالأمراء والحكّام، ومدح وهجا وكان صريح القول، قوي الجنان. حضر في الفقه والأصول على العلامتين الشيخ أغا رضا الهمداني والميرزا حسين الخليلي، واختص بالفاضل الشرابياني." (4)، وظهر بالنجف ظهوراً عالياً وأحبّه الجميع لعبقريته ونبوغه، ويُعدّ بحق من أكابر شخصيات العراق في القرن التاسع عشر، أثنى عليه العديد من عليّة القوم وعباقرتهم، ولا نستطيع أن نورد كلّ الأقوال بحقّه، لكن الأسماء التى سنذكرها تكفي دلالة وبرهاناًً، ذكره السيد محسن الأمين في (أعيانه) قائلا،: " كان فاضلاً مشاركاً في العلوم أديباً محاضراً شاعراً قوي البديهية، حسن العشرة، رقيق القشرة، صافي السيرة حسن السريرة.." (5)، ويذكره الجواهري في (ذكرياتي) بإكبار واستحسان ويجعله مقارباً للشاعر الشهير (السيد حيدر الحلي) وكان منصفاً في تقديره إذ يقول، (أمّا الشاعر الحلي الكبير الثاني، والمحلق على وجه التقريب بعد (السيد حيدر)، فهو(جعفر الحلي)، صاحب الديوان الشهير، فقد هنّأ والدي بولادة أخي الأكبر (عبد العزيز) ببيتين من الشعر:

بشراكمُ هذا غلامٌ لكم ***مثل الذي بشر فيه (العزيز)

سمعاً أباهُ أن تاريخهُ **أعقبتَ يا بشراك (عبد العزيز)

وفي هذا البيت ومن جملة أعقبت يابشراك إلى أخره، يكون تاريخ الولادة بما كان متعارفاً عليه، بما يسمونه حساب (الجمل) أي أن تجمع الحروف من ألفها إلى يائها، ليكن المعدل منها تاريخ هذه الولادة أو تلك " (6).

ويعتبره الخاقاني " من أشهر مشاهير عهده، ومن أركان النهضة الأدبية في عصره" (7). وذكره الشيخ جعفر النقدي في كتابه: (الروض النضير) فقال: فظهر في النجف ظهورا عالياً، وأحبه الجميع لعبقريته ونبوغه، فقد ولج المجالس العلمية والأدبية، ولاكم فحول الشعراء.. وكانت منتديات النجف تحترمه وتفتقده ..(8)، ويكتب المرجع الديني الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء مقدمة مطولة لديوانه واصفاً شعره بقوله :" ولسلاسة شعره رحمه الله، وعذوبة مجاريه، وأخذه الحظ الوافر من الانسجام نجده خالياً من حوشي الألفاظ وغريب اللغة إلا نادراً.. كما ان لغلبة الانسجام عليه والرونق والرواء لإتراه يتكلف البديع وأنواعه من الترصيع والتوشيح وأضرابها إلا ما جاءه عفواً، وأتاه صفواً... وإن النظم ينهال عليه كما ينهال العذب الزلال من منحدر الجبال .." (9)، لذلك يعده الدكتور البصير: " أحد أكبر شعرائنا في القرن المنصرم.. أمّا خفّة روحه فلا أدلّ عليها من شعره الهزلي الكثير.." (10)، ومع ذلك يقول الاستاذ جعفر الخليلي: " ولم يكن يومذاك أجرا من السيد جعفر الحلي الذي كان يتهيب الشعراء مداعبته" (11)، وعدّه أيضاً العلّامة الشهير والمحقق الثبت الشيخ آغا بزرك الطهراني في (نقباء البشر): " أحد أعلام الأدب المشاهير في عصره.." (12)، ثم وصفه قائلا: " كان صريح القول قوي الجنان.." (13)، ونختم الأقوال عنه بما نقله الخطيب المعروف السيد جواد شبر في (أدب الطف): " وهو في كل ذلك حلو المحاضرة فهو يسير إلى النباهة والاشتهار بسرعة ويتقدم إلى النبوغ والظهور بقوة...سرع في نظم الشعر وهو دون الثلاثين، وأصبح من الشعراء المعدودين الذين تلهج الألسن بذكرهم وتتغنى بشعرهم.." (14)، ولا ريب ان السيد شبر كان يردد كبقية خطباء المنبر الحسيني قصيدته الشهيرة التي أصبح مطلعها على لسان العامة والخاصة في العراق :

الله أيّ دمٍ في كربلا سُفكا ***لم يجرِ في الأرض حتّى أوقف الفلكا(15)

اتصل شاعرنا بالملوك والأمراء، كالسلطان عبد الحميد الثاني، وآل الرشيد في جبل حائل بالحجاز، وأمراء المحمرة وكبار العلماء، ووجوه المجتمع وأعيانه، وكان شعره لهم لا يتعدى كونه يمدح صديقاً أو أخاً له، يحمل بين جنبيه قلباً هاشمياً، وبين أضلاعه فؤاداً عربياً، لا يعرف الخضوع، ولايرضخ للهوان، ولقد كان يحبّه أكبر إنسان يخرج عن حدود الأدب بما يسيئه لئلا يشعر أنّه ضعيف، فالكرامة عنده قبل كل شيء ... (16). وقد عبر الشاعر عن نفسه في إحدى قصائده البدوية الشهيرة عن نفسيته الرفيعة، وسجيته العربية، في عصره كان العرب فيه يرضخون تحت السيطرة العثمانية، ويغطون في سبات عميق، اقرأ معي هذه الأبيات بحدو البدوي:

خليّاني انتشق ريح البوادي ***فأخو البيد غريب في البلاد

أبلاديٌّ وأهلي عـــــربٌ ****فــــي الفلا لم ينزلوا إلا بوادي

يمتحونَ الماء فـــــي أذنبةٍ ****أو تحيّيهم ملثــات الغوادي

قومنا اكفاؤنا منهــــم فلا *****أحوج الله إلى القــوم البعاد

فقضاياهم حســــــانٌ كللها*****شرع في عكسها والاطـراد (17)

لبّى الشاعر نداء ربّه في 22 شعبان 1315هـ (17كانون الثاني 1898م) في مدينة النجف الأشرف ودفن بوادي السلام في الجانب الغربي من يمين مقام (المهدي) بمئتي خطوة عند قبر أبيه، عن عمر لا يتجاوز سبعاً وثلاثين سنة (رحمة الله عليه)، ورثاء عدة شعراء.

طرائفه وأخوانيته :

كان شاعرنا يعتد بنفسه كثيراً، وهذه الصّفة قد ورثها فهي من خصائص الشعراء والفنانين الكبار، وزادها رسوخاً ما اكتسبه من بيئته العربية العريقة، وجريئاً يعبر عن رأيه بصراحة مهما كلفّه الأمر، ولكن بظرافة الأديب وتواضع الكبار، فمن قوله في حلقة درس الشيخ محمد الشربياني، وهو من زعماء الدين في عصره وممن يصدر الأمر والنهي عنه:

للشربياني أصحابٌ وتلـــمذةٌ ***تجمّعوا فرقاً مــن ها هنا وهنا

ما فيهمُ من له في العلم معرفةٌ **يكفيك أفضل كلّ العارفين أنا (18)

وهذان البيتان كان لهما أعظم الأثر في أعضاء حلقة الشيخ، في حين أن منهم الرجال البارزون، وفي بحث مجلس أستاذه الفاضل الشربياني نفسه، والشيخ مازال على منبره، ارتجل شاعرنا هازلاً:

أشيخ الكلّ قد أكثرت بحثاً ***بأصل براءةٍ أو احتياطِ

وهذا فصل زوارٍ ونـــوطٍ***فباحثنا بتنقيـــح المناط (19)

ويذكر الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (رحمه الله ) في الديوان، وكنّا ذات ليلة على الفرات وكان هو رحمه الله، وأخوه السيد علي معنا، ونحن نتذاكر في المسائل العلمية ونستدل بالآيات القرآنية، فبينما نحن كذلك، إذ قام السيد علي المذكور بانزعاج وذعور، فذعرنا لذلك ثم هدأ، فقلنا له ما الخبر؟ فقال حيّة صعدت من الأرض إلى حجري ففزعت لذلك، فقال رحمه الله على البديهة مرتجلاً:

لا تحسبوا حيّة الأرض التي التصقتْ ***في حجر سيدنا رامت به فزعا

لكنّها من صنوف الجّنّ قد سمعتْ ***بالوحي يُتلــى فجاءتـــهُ لتستمعا(20)

ومن ظرفه الجريء قوله :

أنا مسلمٌ وهما علىّ تحالفا ***هذا مجوسيٌّ وهذا صابي

اني لعمرك كافرٌ بكليهما*** خرء المقسم في فم النواب (21)

خمّست الأبيات من قبل عدّة شعراء لفكاهتها البريئة، وإن تبدو غير إنسانية، وهو الإنسان الكبير، ففي عصره لم تكن الطائفية والعنصرية متفشية،ولا يحسب لقائلها حساب هذه الأيام القاتلة، ربّما العشائرية كانت سائدة، وقضية الشمرت والزكرت معروفة لدى النجفيين في تلك الأيام، والذي قضى على فتنتها، وأخمد أوارها الشاعر المعروف عبد الباقي العمري المتوفي سنة 1279 هـ 1862 م دون أن تسيل قطرة دماء من القبيلتين المتصارعتين .

ومن أخوانيّاته قال مخاطباً صديقه الحاج أحمد مرزة، المكنى أحمد رشيد لرشد سلوكه، وكان رئيساً لبلدية النجف الأشرف إبان تأسيسها الأول في أواخر القرن التاسع عشر:

ما حلت لي مجالس لست فيها ***كيف تحلو وأنت عنها بعيدُ

إن دعوني أهل الغــري إليهمْ ***قلت يا قوم ليس فيكم رشــيدُ (22)

له عدّة قصائد مطوّلة في أسرتنا، تضمنها ديوانه .

وقال ممازحاً بعض الأطباء، ونعتقد انه خصّ بهذه الأبيات الشيخ الطبيب محمد صادق الخليلي الذي ينتسب إلى الطبيب الشهير ميرزا خليل جدّ الأسرة الخليلية المعروفة :

في كلّ شيءٍ صادقٌ (صادقُ) ***إلا إذا جاء إليهِ العليلْ

يقولُ هذا داؤهُ قــــاتلٌ ****ويوجب الافطار لا عن دليلْ

ليس له في الطّبّ شيءٌ سوى**نسبته للشيخ مرزا خليلْ (23)

ومن جرأته وحسن تخلصه قوله في الزعيمين الجليلين السيد محمد بحر العلوم والسيد محمد القزويني:

شتّان بين محمدٍ ومحمـــدِ ***ذا طبطبائيٌّ وذا قزويني(24)

انا اعرفُ الرجلَ المهذّبَ فيهما**بالله تسأل عن الثعيّينِ

ولك أن تعرف كيف كبر في عيون الرجلين وحاشيتهما، لم يعط شيئاً واخذ كل شيء!!

ومن قوله في زعيم عشائري يدعى (مجهول) وقد مرّ به مع نفر من اصدقائه فلم يعبأ بهما، فقال:

عن المغرور (مجهولٍ) سمعنا ***حديث الجود عن عمرو وزيدِ

فجئت، فلم أجد مــــن ذاك شيئاً ***فصحَّ القول تسمع بالمعيـدي

ولست بخازنٍ عنــــهُ لســـــاني ****ولو قيّدتنــــي في ألــفِ قيدِ

صور المغرور والمعيدي والخازن والف قيد تدل على فكاهة لذيذة، ظرف لطيف، وتضمين رائع للمثل العربي المعروف والمنسوب للنعمان بن المنذر ملك الحيرة (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه)، والأمثال تضرب ولا تقاس .

فان كان ذلك (مجهول) فالشيخان عباس خميس وعلى رفيش من الشخصيات العلمية البارزة في عصره بالنجف حينذاك، ما قال في جورتيهما:

ان عيشي بالحويش ***ضيق انكد عيش

بين عباس خميسٍ ***÷وعلي بن رفيش

مداعبات جميلة، لا يمل منها، تأتي خفيفة على العقل والنقل:

ونختم هذه الفقرة بالدعاء...!!

في يوم من الأيّام قلل السيد إبراهيم بحر العلوم من شأن شاعرنا، وهذا التصغير لا يمر بسلام على من ينال منه، ولما ظفر السيد جعفر الحلي بقصيدتين للسيد ابراهيم المذكور والشيخ محمد السماوي كتهنئة من الاول ورد من الثاني عليها، فوضع نفسه حكما بينهما وأنشد:

أيّا اخويَّ السائلـــيَّ حكومـــةً ****إذا كنتما حكمتماني فاســــمعا

محمد قد جلّــــى بحلبة شعـــــره ***سباقاً وإبراهيم يشكو التظلعا

تخلّف عن مجرى السماويَّ عاثـــــراً **فلا دعدعا للعاثرين ولا لعا

واصبح كالمبهوت في آخرالمدى**اذا ابصر المجتاز يسألهُ الدعا (25)

وجميلة صورة المتعثر المبهوت يسأل الدعاء من الرائح والغادي لعجزه وتعبه ويقيني أنه لم يرفع الشيخ (محمد) إلا ليكبس صاحبة (إبراهيم) رحم الله الجميع.

نواصل مسيرتنا مع السيد جعفر الحلي، وتذكّر أنّه توفي في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي 1897م، أي سنة توّلد الشاعر الشهير أحمد الصافي النجفي، وقبل ميلاد شاعر عصرنا الجواهري الكبير بسنتين، فالجواهري ولد عام 1899م

مهما يكن من أمر، يذكر الشيخ محمد السماوي، اخذت مسبحة (يسر) من السيد جعفر، أعطاه اياها بعض الحجاج، فكتب السيد إليَّ مطالباً بها، وشاعرنا التزم في جميع أبياتها بالجناس قائلا:

محمد يا أخا ودّي وأنسي*** ويا من فيه هم القلب يسرى

تسيّر نحوكم غرر القوافـي*** فيدلج بالثنـاء لكم ويسرى

إذا ما الممحل استجدى نداكم**تيقّن أنَّ بعد العسر يسرى

اعدْ لي يا فداك أبي وكفّــرْ*** يمينك سبحةً سوداء يســرا

وما تبغي بسودا همـــــتُ فيها***وكـم قلبتها يمنى ويسرى

إنّها سوداء زنجية، ولعبت بها يميني ويساري، فماذا تبتغي منها ايها الشيخ؟!

وارسل شاعرنا إلى السيد محمد القزويني مضمناً بعض شطور من قصيدة السيد حيدر الحلي، على سبيل الهزل، وهي في ديوانه المطبوع سوى البيتين الرابع والخامس في أعيان الشيعة.(24)

لي زوجةٌ كان أخوأمّها**يحسن في حالي وفي حالها

يهدي لنا العنبر من رزّهِ**والجوع لا يخطر في بالها

والعام نالت زرعهُ جمرةٌ*** فاحترق العنبر من خالها

لمّا رأتْ قوتيَ لمْ يكفهـــا **** فــرّت لاهليها بأطفالها

كتبتُ أن زوري عليـاً فما***ردّتْ جوابي وهي في آلها

إذا درتْ أنّك واصلتنـي****زارتْ علــــى رقبــة عذّالها

فأجابه السيد القزويني بقوله:

اكتبْ لها تقبلْ على سرعةٍ**** واقتبـــل العمر باقبالهـا

ما شية تطرب مـــن مشيها**** لكن علـى رنّة خلخالها

والكلُّ منّا لك يحبو غنـىً** فاستغنِ من مالي ومن مالها

والسيد مع كبر حجمه، وسعة حريته، كان في ضيق مادي، فكتب هذه الابيات:

لي قلمٌ اخرسُ لكنّه***ينطق عن معجم افكاري

بريته حبّاً ولكنّه***ما احسن الشكر الى الباري

حتّى غدا رزقي به ضيقاً***كأنه من شقه جاري

والحقيقة أنّ الشاعر قد عبّر عن واقعه الأليم منذ نعومة أظفاره قبل اتصاله بأمراء الحجاز وما درّت عليه مسابل العراق بقوله:

مَلكتْ فكرتي بكار المعاني****وإلى الآن ما ملكتُ كتابا

المهم قد سبقه (السري الرفاء) إلى هذا المعنى عندما سأله صديق عن خبره وحاله في حرفته فأجابه:

يكفيك من جملة اخباري*** يسري من الحب واعساري

في سوقةٍ أفضلهم مرتدٍ****نقصاً ففضلي بينهم عاري

وكانتْ الأبرةُ فيما مضى***صائنـــةً وجهي وأشعاري

فأصبح الرزقُ بها ضيقاً****كأنّه من ثقبها جاري! (27)

القلم والابره كلاهما سواء بسواء، وربّما الأبرة أرحم من القلم، فللأبرة حرفة، والقلم حرفة من لا حرفة له !!!

يذكر صاحب (البابليات) الشيخ علي الخانقاني من مداعبات السيد الشاعر مع شخص يبدو أن اسمه محسن. قد حلّ السيد جعفر ضيفاً عليه:

أنت يا محسن عندي****أحسن الناس جميعا

فإذا جاءك ضيفٌ **** مات في دارك جوعــا

كن مطيعاً فإذا ما*****شئت رخمنا مطيعا ! (28)

وترخيم (مطيعا) لمن لا يعرف هذا الترخيم العجيب: (مطيا)، و(المطي)، لمن لا يعرف لهجة اهل العراق هو (الحمار)، وبلغة العرب كل ما يمتطى من الدواب. يقول جرير :

ألَسْتُمْ خَيرَ مَن رَكِبَ المَطَايا*** وأندى العالمينَ بطونَ راحِ

ويمدح أبو نواس الأمين، وقيل من أروع المديح قائلاً

وإذا المطيُّ بنـا بلغن محمداً *** فظهورهنَّ على الرجال حرامُ

والحق هذا السخر من البخلاء، والهجا ء لهم، يذكرنا بسخر وهجاء دعبل الخزاعي (ت 246 هـ)، وابن الرومي (ت 283 هـ)، وهما متعاصران من العصر العباسي، ويقول أبو العلاء المعري عنهما:

لو نطق الدهر هجا أهلهُ *** كأنّه الروميُّ أو دعبلُ

مما قال دعبل في هجاء بخيل:

وإن له لطباخاً وخبزًا ***وأنواع الفواكه والــشرابِ

ولكن دونه حبسٌ وضربٌ **وأبواب تطابق دون بابِ

يذودون الذباب يمرّ عنهُ ***كأمثال الملائكة الغضابِ

أمّا ابن الرومي ففي وصف عيسى البخيل يقول:

يقتر عيسى على نفسه *** وليس بباق ولا خالدِ

فلو يستطيع لتقتيره *** تنفس من منخر واحــدِ

دعبل وابن الرومي مدرستان في الهجاء والسخر، الأول بدوي هدفه منهما المعارضة السياسية للخلفاء والوزراء والقادة والمتخمين بالسحت الحرام، وابن الرومي الحضري عانى من الوسوسة وضعف النفس، ورأى من لا يستحق قد تبوّأ المناصب الرفيعة ونال الثراء الفاحش دون وجه حق، فصبّ جحيمه على المجتمع، أما السيد جعفر الحلي فيستخدم الهجاء والسخر العابر للمزاح العابر، والمداعبة الملطفة ....

المهم على ذكر الحيوانات رأى السيد جعفر أن ّ ديوكاً أهديت لجارٍ له من العلماء الأعلام، وكان العالم ذا مسجد وجماعة، فكتب إليه على سبيل الهزل:

أحبُّ بأن اصلّي كلَّ يومٍ****وراءكَ في العشي وفي الغداةِ

ولكن ليس لي في البــــيت ديكٌ***ينبهني لاوقـات الصلاةِ

ولابد أنّ السيد قد حصل على المقسوم من الديوك بلا أخذٍ ورد !!

ويسرد (هكذا عرفتهم) عدة طرائف للسيد جعفر، منها: كان بعض أصدقاء السيد جعفر الحلي ينسبونه (للكشفية)، وكان الحلي يهيج ويشتم ويتنصل من الكشفية - كلّ عادةٍ جديدةٍ دخيلةٍ على المجتمع ينبذها بدايةً - ويرميهم مقابل ذلك بما يجري على لسانه فيضحكون، وقرأ مرة الشيخ جواد الشبيبي أبياتا كان يزمع إرسالها إلى السيد جعفر، رحمه الله، فدسَّ فيها الشيخ عبد الكريم الجزائري هذا البيت:

لئن أكشف غطاء الهجو يوماً***لساءك جعفر الحلي (كشفي)

وهي تورية مقصودة، ولابد ان الشبيبي أشار للسيد جعفر أن البيت مدسوس بين أبياته من الشيخ الجزائري، وهو لا يتحمل تبعته، ولكن بعد أيام تلقى الشبيبي من السيد جعفر البيتين التاليين:

نحِ عبد الكريم عن حلبة الشعر****فعارٌ على ذوي الالبابِ

أعليك الخيول ويحك قلّتْ****فشددتَ السروج فـوق الكلابِ

ولم ينتشر هذان البيتان إلا عن لسان الشيخ عبد الكريم الجزائري نفسه (29) والشيخ الجزائري، كما هو معلوم. من رجالات ثورة العشرين الكبار سياسي ماهر وعلامة مقتدر، وشخصية رفيعة، قد عيّن وزيراً للمعارف، ورفض المباشرة واستلام المنصب لمدة ثلاثة اشهر، ولكن الشعر النجفي الخاص، قد يسلك أقسى أنواع الهجاء المقذع دعابة، ويتقبله المهجو برحابة صدر، ويصفق له، كأن لم يكن شيئا مذكورا، وربّما يردده المهجو في مجالسه الخاصة، فالعقول كبيرة والحياة حلوة والدنيا بخير! والحقيقة قد عكفت عن ذكر الطرائف الأقسى ورميت ذمتها للكاتب.

وهناك قصة اخرى للسيد جعفر مع السيد ابراهيم بحر العلوم الشاعر النجفي المشهور أيضاً يرويها لنا هذه المرة صاحب الأعيان (30)، إذ كان السيد إبراهيم في محفل من الأدباء يلقي شعراً، والسيد جعفر الحلي من ضمنهم، فطلب الأخير (سيكارة) من بعض الجالسين، وقال معرضاً بالسيد إبراهيم:

ألا من يقتل البــــقَّ***فانّ البـــقَّ آذاني

إذا طنطن في الجوِّ**يصمُّ الصوتُ آذاني

ففطن لذلك السيد إبراهيم وقطع الإنشاد وقال:

فقلْ زمجرة الليثِ******بها وقّر آذاني

ودعْ طنطة البـقَّ**لكابي الشعر خزيان

وقبض على يد السيد جعفر واراد صفعه، فارتجل السيد جعفر:

رأيت إبراهيم رؤيا بها****اضحى كاسماعيلَ يا جعفرُ

ها انذا جئتك مستسلماً****يا ابــــت افعل بي ما تؤمرُ

فضحك لحسن اعتذاره وسري عنه!!

وللحب في مذهب السيد جعفر منزلة كبيرة، لذا نرى سيدنا بكثر من التهنئة القلبية للمتزوجين حتى ولو بأرملة لو مطلقة قد جاوزت الأربعين، ثم ماذا؟

وإليك هذه الأبيات من قصديته التي وصف فيها عروساً لصديق له تزوج بامرأة ثيب (31) :

بشراك في لؤلؤةٍ قد ثقبــــتْ***أنفعُ مـن لؤلؤةٍ لم تثقبِ

ومهرةٍ وطّأ شخصٌ ظهرها**أحسن من جامحةٍ لم تركبِ

وقد وجدنا في الكتاب آيــــةً****قدّمَ فيها اللهُ ذكــر الثيّبِ

اسمُ العجوزِ في المقال طيبٌ****لانّه وصـــفٌ لبنت العنبِ

مرّت عليها اربعون حجّــةً*****فهي إذاً كالصارم المجرّبِ

عرّفها الدّهرُ تقلباتــــــهُ******فاستصفها عـــــارفة التقلّب

بكِ الأثافي كمّلتْ ثلاثــــــةً *****ففز بهـــا كالرجل المنصبِ

وختاماً أنقل هذه الأمسة النجفية قبل قرن ونيف من الزمان، فالأثافي الثلاثة قد نصبت فعلاً هذه المرة في حوش الدخلاني، والعبد الحبشي منهمك في تنظيف السمك، وغسل الرز والكشمش وتنظيفهما، والعطور الطيبة والروائح الشهية تعجّ بأجواء (الحوش)، والنار تشعل لإعداد هذه الوليمة (العزيمة) في بيت الشيخ مرتضى كاشف الغطاء على أغلب الظن حيث لم يشر المؤرخون لذلك، المهم قد اجتمع بضعة من الشيوخ والشعراء في (البراني)، والفوانيس والشموع تنير الأجواء، والفرش مبسوطة، والوسائد متوضعة للإتكاء، والشعراء في سجال يتسابقون ويتسامرون،فإذا بالخبر الصاعقة قد نزل عليهم، الهرّ قد سطا على غنيمته، والعبد المنكود في صراع مع هذا اللعين، والسيد جعفر الحلي قد وجد فرصته لوصف وقائع هذه الليلة الليلاء، فنظم هذه القصيدة الهزلية، ارتجالاً يرثي بها العشاء وأرسلها إلى الشيخ علي كاشف الغطاء المرجع الديني الكبير في عصره وهي من مجزوء الرجز (مستفعلن مستفعلن.. مستفعلن مستفعلن) (32) ...إليك إليك القصيدة ...تلقّفها!!

وا أسفا على العشا***مطبقاً مكشمشا

قد ظفر الهرُّ بـــهِ***ونال منه ما يشا

ولم يدعْ إلا طبيـ **خاً ماشهُ ما جرشا

فكيف يرجى أمنهُ*وهو سروقٌ يختشى

يختلُ إنْ أمكنه الـ *****ختلُ وإلا نتشا

ما حاجةٌ ينظرها ****إلا لها قـد خمشا

لمّا أتى العبدُ رأى****طبيخه مخربـشا

من بعد ما كمّلهُ ***نضجاً لهُ ونشنشـا

وأتعب النفس بهِ***من الصباح للعشا

بكى عليه وغدا **يمسح طرفاً أعمشا

وقال ويلُ الهرّ لا ****يعلمُ فيمن بلشا

وجسمهُ من عزمهِ**جميعهُ قد رعشــا

جرّ العصا واستفزع الـ* نوب له والحبشا

وصاحَ فيهمْ صيحةً* منها الورى قد دهشا

فزمجر العبدُ وجيـ **ـش الهر فيه احتوشا

وانتفخ الـــهرّ ومدّ ****ذيلــــــهُ وانتفشا

والعبدُ من سورتــــه *** لمنخريـــه فرشا

فالتقيا واعتركا ****واصطدما واهتــوشا

هذا بذا قد بطشــــا ****وذا لذا قد خرمشا

فافترقا والقتل مـــا ****بين الفريقين فشا

وجعفر الحلَّي عــــــن****قريضه قد دهشا

ومذ رأوا عبدهـــــمُ***** بوجههِ محنـفشا

لا شمعةٌ أوقدهــــــا ****ولا فراشاً فرشا

فقال مولاهُ الرضــــــا **ياعبد جئنا بالعشا

متنا من الجوع فقـــــمْ***وأتِ بهِ لننعشـــا

وقلبهُ مـــــن وجلٍ*****فرّ كموسى ومشى

والجاهلُ المغرورُ مــــن**بالعبد قد تحرشا

كمْ اسودٍ بســـــيدٍ *****من قبله قد بطشـا

خلاصةُ الأمر بانْ ****العبد ولًـــى ومشى

أبا حسينٍ طالما الـ **الحافي لديك انتعشى

ياابن الذين فضلهمْ **في كل مصر قد فشا

والكاشفين كرماً ***عن الورى ماغطشا (33)

هم معشرٌفي بيتهم* طير الهدى قد عششا

ونورهمْ يحلو لنا ** ليل الخطوب إذ غشا

كم بائسٍ في ردفهمْ***من بؤسه قد نعشا

يا ذا الذي من بأسهِ *ليث الثرى قد دهشا

سحاب كفيك بعا * ـم المحل يروي العطشا

نموتُ جوعاً كلّنا ****إن لم تغثنا بالعشا

صورة رائعة للندوات الأدبية والمجالس الاجتماعية التي كانت تسود أجواء النجف الأشرف في أواخر القرن التاسع عشر، رأينا من المفيد أن ننشرها كاملة لتعكس أجواء ذاك العصر، أمّا الصور الكاركتيرية المتتالية لأحداث المعركة بشخوصها وأدواتها نتركها لذهن القارئ الكريم واتساع خياله ولله في خلقه شؤون،وتسلمون .

من الطرائف الأدبية إلى اللطائف الغزلية ...!!

و أنتقل بك الآن الى نسيبه واقلب صفحة طرائفه الاجتماعية إلى طرائفه الغزلية، وعليك ان تتقبل بامتنان هذا المقلب الجعفري، اذ يدور بك أنّى يشاء، ويجعلك منبهراّ لتحليلاته وصحونه الطائرة، كيف لا ؟! وقلبه يطير مخترقاً الأجواء، وجسمه ينفذ من شقوق الابواب، وما أحسبه نظم الأبيات الثلاثة، إلا لكي يوصلك إلى البيت الثاني، وهو بيت القصيد:

إني شكرت نحول جسمي بالمها*** إذ صرت لم أمنع بكلِّ حجابِ

إن أغلقــــت باباً فقلبي طائرٌ**** والجســم ينفذُ من شقوق البابِ

فأنا بعكس ذوي الهوى إذ دأبهم *** ذم النحول، وشكرهُ من دابي(34)

وأنا اميل إلى أن نحوله كنحول المتنبي في صغره

كفى بجسمي نحولاً إنني رجلُ*** لولا مخاطبتي إياك لم ترنى

وليس كما ذهب الساخر المضحك بشار بن برد، اذ يزعم أنّه نحيل ويزعم الدكتور طه حسين أنّه كاذب في قوله :

إنّ في بردي جسماً ناحلاً*** لو توكأتَ عليه لانهدم

ثم لا أخالك لا تنتشي بصهباء السيد الذائب عسجدها بلجينها، وحمرة الخدود التي انعكست على الراح، او تشربت به، وبهذا العشق الممزوج بالخوف، والعيون الحائرة بين حبيبها ورقبائها.

!ثم ماذا ؟

الشبيبة تناديه، وثوبها قد سلب، فكيف السلوان؟

هل ثوب اللهو المسلوب، أتراه كناية عن العمر المهدور أم عذراً يتستر به لكرع كاسات السرور؟ّ

لا تبالي هلمّ معه لنشرب الصهباء، ونستغفر الله ونحمده بالصلاة على محمد وآله الكرام .. مادام الكأس خيال، والكلام من السحر الحلال .. وأخيراً ينتصر شاعرنا لإرادة الحياة، فما الليث إلا بشبله، وما الاسد إلا بضرغامه.. والدنيا تواصل مسيرتها.. اقرأ معي ما قاله مهنئاً صديقه العالم الأجل السيد محمد القزوينيرحمه الله :

أهل ترى لؤلؤاً في الكأس ام حببا ***وغلمة تجتليها ام قطيع ظبا

وذاك جام به الصهباء ذائبــــةٌ ****ام فضة قذ أذابوا وسطها ذهبا

ياما آحيلاه ملعاباً يطوف بها**** يجدُّ فينا رسيس الشوق إن لعبا

سيّان لـــون حمياهُ ووجنتــــهُ*** فصبّـهُ ليــس يدري كلًما شـــربا

أراحهُ حمرة من خدّه اكتسبتْ**** أم خدًهُ حمرةٌ مــن راحهِ اكتسبا

وافى إليّ وسرّ النجم منهتك *****والليّل يضرب من ظلمائه حجبا

خوفٌ وعشقٌ على عينيه قد حكما** فمقلةٌ ليّ والاخرى الى الرقبا

ياهل يعود لنا دهــــرٌ بكاظمــةٍ **** سرعان ما مرّ حاليه وما ذهبا

حيثُ الشبيبةُ ثوبٌ قد لهوت بهِ ***كيف السلو وثوب اللهو قد سلبا

هلّم يا مترعَ الكاساتِ نشربها**** صهباء لم تبق لي هماّ ولا وصبا

إضافة الماء تنمي عـــن أصالتها**** فبالحباب عـــرفنا أصلها عنبا

وروّ فيها حشـــى لو بعض غلتها**** بالدجلتين لما طــابا ولا عــذبا

وكفّر الذنــــب فيها بالثناء علـــى ****محمدٍ وعلـــى ساداتنــا النجبـا

إنّ البشير الذي وافــى يبشــــرنا***** لمنعم وعلينا شـــــكره وجبــــا

أعزَّ ما اقتنيه النفس وهـي لهُ *** إحدى المواهب لو يرضى بما وهبا

ما حاول اللـــيث إلماماً بلبوتـــه**** إلا ليصبــــح منـــها للشــــبول أبا(35)

لا جرم أن الشاعر برقته العذبة وغزله الرائع لم يتعد حدود مجتمعه المسلم المحافظ الورع اذ كان يتفهم الوازع الإنساني، والوجدان العاطفي لشاعر حساس يحترم عرفه ويفهم تعاليم دينه، هذه الله في خلقه، وإرادة الحياة، ولن تجد لسنة الله تبديلا :

ما حاول اللـــيث إلماماً بلبوتـــه**** إلا ليصبــــح منـــها للشــــبول أبا

والحقيقة أنّ الغزل باب من أبواب الشعر، وكانت العرب في الجاهلية لا تفتح مدائحها إلا به.. من قفا نبكِ.. وأحبها وتحبني.. حتى أطلال خولة.. ودار عبلة، بحومانة الدراج فالمتلثم.

ثم قف! ألم يقف كعب بن زهير الذي هجا رسول الله (ص) ذات يوم، مما تسبب بهدر دمه أمامه ليعتذر منه بطلب من قبيلته بعد أن ضاقت به السبل ليتغنى بسعاده في أطلالته على سيد المرسلين...!!:

بانت سعاد فقلبي اليوم متــــبولُ**** متيـــمٌ إثرها لم يفدِ مكبـــولُ

وما سعاد غداة البين إذ رحلوا **إلا أغرّ غضيض الطرف مكحولُ

وما أن انتهى من إلقاء قصيدته حتى خلع الرسول (ص) بردته الشريفة ليمنحها للشاعر تكريماً له ورضاء عنه، و(تقرير) رسول الله (ص) و(فعله) ثلثا سنته!!" (36)

ثم ألم يتغزل فقيه المدينة عروة بن اذينة بهذا الغزل الغض الذي قل نظيره في شعرنا العربي -كما يقول السيد مصطفى جمال الدين- اقرأ رجاء بعض ما قاله هذا العروة الجميل:

إن التي زعمت فؤادك ملـّـها ****خُلقت هواك كما خُلقت هوىً لها

فبك الذي زعمتْ بها وكلاكـــما ****أبدى لصاحبـــه الصبابة كلّـها

ويبيتُ بين جوانحي حبٌ لها ****لو كـــــان تحتُ فراشــها لاقلـّـها

لمّـا عرضتُ -مسلماً- لي حاجةٌ** اخشى صعوبتها .. وأرجو ذُلـّها

منعت تحيتها فقلــــت لصاحبي:**** ما كــــان أكثرها لنا.. وأقلّـها

فدنا، وقال : لعلّها معذورةٌ *****في بعض رقبتها.. فقلتُ: لعلّـها (37)

ولعلك لا تنسى - ياصاحبي- قصيدة الشريف الرضي الغزلية التي تعد من عيون الشعر العربي :

ياظبية البان ترعى في خمائلــــهِ ***ليهنك اليـــــوم أنّ القلب مرعاكِ

هامت بك العين لم تطلب سواك هواً** من علّم العين أنَّ القلب مرعاك

والشريف تعرفه كم هو شريف ورضي...!!

ومقصورته في رثاء الإمام الحسين (ع) أشهر من أنْ تنسى.

كربلا لا زلتِ كرباً وبلا ***ما لقـى عندكِ آل المصطفى

كم على تربك لمّا صرعوا** من دمٍ سال ودمع قد جرى

والسيد جعفر الذي نظم عقد رثائه البديع (الله اي دم في كربلا سفكا..) التي مرّ ذكرها ورائعته التي وصف بها فاجعة كربلاء:

وجه الصباح عليّ ليلٌ مظلمُ ***وربيـــــع أيّامي علـيّ محرمُ

والليل يشهدُ لي بأنّي ساهرٌ** مذ طاب للناس الرقاد وهوموا(38)

والسيد هو نفسه الذي سار على خطى سالفيه، مما سيجعلك - فيما يغلب ظني- على أن تتقبل بتلهف واشتياق مقاطع من قصيدته التي صدّح بها سادات المقام العراقي المعاصرون كناظم الغزالي ومحمد القبنجي.. ومن بعدهم المطرب المعروف سعدون جابر.

وشاعرنا في هذه القصيدة الأخوانية المدحية يطلع بها مشبّباً على عادة شعراء العرب القدماء، فهو ظمآن يروم أن يرتوي من المنهل العذب، ويتمتع بما يزهو به رشأه من الأعين الدعج، وما أضفى إليه من استعاراته المتتالية حتى الخد الأسيل .

وأما بعد، فلا أراك إلا أن تسير بين توسل الدم المطلول والولهان المقتول للرضاب المعسول والطرف المكحول، ولم ينسَ السيد شكوى عليل لعليل، والتعلق بالأنجيل على عادة العرب معدنه الأصيل، في وصفهم والعاشقين في تلهفهم ولهفهم يقدمها لك الشاعر بعقد لئالئ وجمان وبأعذب الألحان، اقرأ وترنّم ياقارئي الجميل:

يا قامة الرشأ المهفهف ميلي*** بظماي منك لموضع التقبيل ِ

فلقد زهوتُ بادعجٍ ومزجــجٍ**** ومفلجٍ ومضـــرجٍ واســــيلِ

رشأ أطلَّ دمي وفي وجناتــــهِ***** وبشأنه أثر الدم المطـلولِ

يا قاتلي باللحظ أول مـــــــرّةٍ *****اجهزْ بثانيــةٍ على المقتولِ

مثّل فديتك بي ولو بك مثّـلوا** شمس الضحى لم ارش بالتمثيلِ

فالظلم منك عليّ غير مذممٍ *****والصبر منّي وردها المطلـول

ولماك رّيّ العاشقين فهل جرى** ضربٌ بريقك أم ضريب شمولِ

يهنيك يا غنج اللحـــاظ تلفّتي***** ياخـــير آمالي وأكرم سولـي

لام العذار بعارضيك أعلّنــــــي *****ما خلت تلــــك اللام للتعليلِ

وبنون حاجبك الخفيفة مبـــــتلٌ***** قلبي بهـــم في الغرام ثقيل

أتلو صحايــف وجنتيك وانـــت في** سكرِ الصبا لم تدرِ بالأنجيلِ

أفهل نظمت لئالئاً من أدمعي ****سمطين حول رضابك المعسولِ

ورأيت سحر تغزّلي بـــــك فاتنا**** فجعلتـــه في طرفك المكحول

أشكو إلى عينيك من سقمي بها ****شكوى عليل في الهوى لعليل

فعليك من ليل الصدود شباهة**** لكنّـــها فـــي فرعـــك المســدول

وعلى قوامك من نحولي مسحة***** لكنّها فــي خصرك المهـزول

ويلاه من بلوى الموشّح أنّــــه**** لخفيـــــف طبـــع مبتـلٍ بثقيــــل

لا ينكر الخالون فرط صبابتي**** فالداء لـــم يؤلم ســوى المعلــول

لي حاجةٌ عند البخيل بنيلــــهِ**** ما أصعب الحاجات عنـــــد بخيـــلِ

وأحبّه وهو الملول ومـــن رأى*****غيري يهــــيم جوىً بحبّ ملول

أكذا الحبيب أبثّه الشكوى التي***** يرثي العدو لها ولا يرثي لي (39)

وعادةً يبدأ شاعرنا قصائده الأخوانّية في التهنئة والمديح بنسيب رهيف وغزل رقيق، تذوب عنده النفوس، وتتراقص أمامه الأرواح، فتهفو إليه القلوب، وتطرب له الأذان أنها غاية الروعة لسعة الخيال الفني، إذ تمتزج عطور القرون السالفة لأيام ألف ليلة وليلة بمسك الأعوام الخالفة لبلدان الجن والملائكة.. يقدمها إلى أنظارنا الشاعر الكبير، ونقدم إليك قامة لرشأ مهفهف آخر، إذ تسحب أبرادها في روضات الجنان وتحت أنغام موجات اللحن الفتان، ونترك إليك الريح الشمالية والمعانقة العذرية والنجوم التي انكدرت والنمال التي حُسدت والصدور الموصولة إلى الكعوب والمشي على القلوب، إنّ مطلع لقصيدة قالها شاعرنا الحلي مادحاً الحاج مصفى مرزة، ومهنئاً بزواجه:

بالغلس انسلّت إلى حبيبــها *** تخطو وعيناها إلــى رقيبــها

ساحبة الأبراد فــــي مرابــعٍ**** أرجـاؤها تضـــوّعت بطيبها

مرّت بها ريح الشمال فاغتدتْ* تحمل طيب المسك في جيوبها

فرشت أحشاي لها لكّننـــي *****خشيت ان تضجر من لهيبها

عانقتها كأن كفيَّ التقــــــت ***من قضب الجرعا على رطيبها

حشاشتان التقتا كــــلٌّ ترى**** أن ليس فــي الآخر كالذي بها

إذ النجوم انكدرت فــــي نحرها ****والبدر قد كوّر في جيوبها

وفوق طرس الصدر منها أسطرٌ** ما نظر القاري إلى مكتوبها

مثل النمال سرّبت في دميةٍ** تسري لها والحسن في تسريبها

احسد هاتيك النمال أنّهـــــا***** إلى الرضـــاب منتهى دبيبـها

تسبل فوق ردفها ذوائبـــــاً***** يذوب قلب الصبّ من تقليبها

سودٌ عــــلى أكفالهـا كأنّــها***** أساودٌ تســــعى إلـــى كثيبها

تحبّها الناس ولكن إن مشتْ***** كأنّـــــها تمشي على قلـوبها

فكم شكت عشاقها لها جـوىً**** شكاية المرضى إلى طبيبــــها

كم كسّرتْ أجفانها فـــي غنجٍ***** فانكسرت لي عبرة ابكي بها

تنظر في دعجٍ وأرنو بالتي***** أخضلت الأردان في غروبـــها

وهبتها قلبي لا في عوضٍ**** إن رضيــــتْ فيه فمـــن نصيبها(40)

لك ان تهبَ قلبك .. ولها ان ترضى او تأبى .. الإنسان هو الإنسان .. رحم الله السلف الصالح، وأنعم على الخلف الطامح.

 

كريم مرزة الأسدي

...................

(1) الديوان بتحقيق العلامة الشهيد والمرجع الديني الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (رحمه الله ) مع مقدمة ثمينة للمحقق نفسه وقعت (بقلم النجفي)، وهنالك ترجمة لحياة الشاعر مقتبسة من (البابليات) للشيخ علي الخاقاني، وترجمة اخرى بقلم اخيه وجامع شعره السيد هاشم الحلي.

(2) ذكر في الديوان اسم ابيه (محمد) وهو تصحيف والحقيقة كما دوناه.

(3) (نهضة العراق الأدبية..) للدكتور مهدي البصير ص125 طبعة 1990م.

(4) (نقباء البشر) للشيخ آغا بزرك الطهراني ص288-289، طبعة 1404هـ.

(5) أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين، م4 ص97، 98.

(6) ذكرياتي للجواهري، الجزء الأول ص44.

(7) البابليات، للشيخ علي الخاقاني، ج1 ص180-181.

(8) المصدر نفسه.

(9) الديوان، المقدمة ص43.

(10 ) نهضة العراق الادبية، م.س.

(11 ) (هكذا عرفتهم) : جعفر الخليلي، ج1 ص82.

(12) نقباء البشر، م.س.

(13) المصدر نفسه.

(14) أدب الطف: السيد جواد شبر، ج8 ص103.

(15) الديوان، ص383-385، طبعة 1988، تتضمن القصيدة خمسة واربعين بيتاً.

(16) البابليات، م.س.

(17) الديوان ص202-203.

(18) (19) و(20) و(21) (22) و(23) تجد الشعر في الديوان الصفحات 12، 204، 312، 406، 222، 409 . وفي مصادر اخرى.

(24) يختلط على كثير من العراقيين والعرب لقب (طباطبائي) على أنه فارسي، وهو لقب عربي قح، ليس له علاقة بالفرس، لقب (طباطبا) أطلق على إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الإمام الحسن عليهم السلام الحسني العلوي الهاشمي القرشي أحد أعيان بني هاشم من قبيلة قريش. اشتهر بـلقب « طباطبا »، لأنّه كان يلفظ « القاف » طاءً، للثغة في لسانه، ولذلك كان يلفظ « قَبا » « طَبا » وعرف إثر تكرار هذه الكلمة بـ « إبراهيم طباطبا » كان أحد أصحاب الإمام جعفر الصادق . وهو ذي الخطر، لانه كان خطرا على الدولة العباسية. توفي مقتولا في سجن هارون الرشيد عام 190 هجرية. راجع الموسوعة الحرة.)

(25) راجع اعيان الشيعة، م4 ص97-98.

(26) الأعيان م4 ص 97 - 98.

. (27) معجم الادباء/ياقوت الحموي ج11 ص 182-189/دار الكتب العلمية بيروت 1991

(28) البابليات/الشيخ علي الخاقاني ج1 ص191.

(29 ) هكذا عرفتهم/ جعفر الخليلي ج1 ص383.

(30) الاعيان م2 ص129-131.

(31) الديوان ص71-72، نهضة العراق الادبية../د.مهدي البصير ص125.

(32 ) الديوان ص301-303.

(33 ) والكاشفين كرماً..فيه زحاف (الخبل) وهو مركب من الخبن والطي في تفعيلة واحدة تحذف سين وفاء مستفعلن فتصبح (متعلن) وينقل الى (فعلتن) وهو جائز ولكنه غير مستحسن.

(34) الديوان ص 88.

(35) الديوان ص 96 .

(36) ديوان السيد مصطفى جمال الدين (الديوان): ص81 الطبعة الثانية.

(37) المصدر نفسه ص83-84.

(38) الديوان ص 429 .

(39) الديوان ص 388 - 389.

(40) الديوان ص 99 - 101.

 

saleh alrazuk2منذ فاتحة أعمالها، وهي رواية (عجلة النار)*، تحاول كليزار أنور أن تحتفظ بشيء من التوازن مع شرطين أساسيين في الخيال الأدبي، وهما الحداثة والمحاكاة. وقد تابعت على نفس المنوال في روايتها الثانية (الصندوق الأسود)**، ووزعت اهتماماتها بين الذات المنكوبة والمريضة وبين الواقع الشاحب والآيل للسقوط. بمعنى أنها استعملت الذات كمرآة عاكسة لصور الواقع. وهكذا حققت شيئا من الهدنة بين شرط الحداثة وأدوات الفن الواقعي. ولذلك تكلمت الروايتان عن هموم إقليمية، وهي بالتحديد حرب الخليج الأولى وسقوط النظام في بغداد، وبأدوات استعارتها من شكل السيرة الذاتية.

ولكن باعتبار أنها تكره الحروب، وتدين الحل العسكري لفض النزاعات، كانت تنظر لكل شيء بنظارة سوداء. فهي جاهزة من أول دقيقة لانتقاد الحالة العامة. ويمكن القول إنها تؤمن بفلسفة الممانعة. وهي لم توفر أحدا من سهام النقد والهجاء الذي تحول إلى مرثية لعالم نسوي، يحتل البيت جزءا بسيطا منه. فقد تطور عالمها، في الروايتين، في أروقة المستشفيات والعيادات، وبين الأطباء وأصحاب المعاطف البيض، إن صحت العبارة. وربما استعملت هذه الكناية لتدل على حالة غير طبيعية.

وأستطيع التأكيد إن حاسة الكاتبة للروائح النفاذة جيدة. بل هي ممتازة. ومع عبير التراب، بعد المطر، كانت تتسلل روائح الأدوية والمعقمات. فبطل (عجلة النار) ضابط يرقد في المستشفى لعلاج ذاكرته المفقودة، بينما بطلة (الصندوق الأسود) تنتظر في عيادات الإنجاب الصناعي.  ويمكن أن نقرأ في الحالتين جهدا دؤوبا لاستعادة شيء ضائع أو مفقود. الذاكرة في أول حالة، والخصوبة في ثاني حالة. بمعنى أن كليزار أنور تجسد بشكل ملموس صيغة معدلة من علاقة الإنسان بذاته. وتتجلى الظاهرة، على نحو أساسي، في (الصندوق الأسود) حيث بطلة الرواية تستمر بتحدي المعوقات. ويفاقم من المشكلة أن أعراض الخلاف في البنية والتكوين وليس في الظروف. أي في ذات الإنتاج وليس في المكان الحاضن. ولذلك كانت حياتها حربا متواصلة، وتنطوي على ثلاث رسائل.

الأولى ذاتية: وتتلخص بفشل الحمل الصناعي.

والثانية موضوعية: وتوجز ببالغ الأسى والألم  مأساة السقوط.

أما الرسالة الأخيرة فهي استراتيجية، وتعبر عن عكس الأطروحة. فنساء (الصندوق الأسود) دائما خارج المكان. وبلغة أوضح إما في دمشق (للعلاج) أو في دبي (للعمل). وخلال هذا الشتات يكسب محور العمل ويخسر محور العلاج. ولدينا أكثر من إشارة تدل ضمنا على يأس الشخصيات من الحل الاستراتيجي والاستسلام للحل الذاتي. فالكاتبة تعتقد أنه لو لا صدّام وطموحاته لكانت العراق تعوم بالرفاهية مثل دبي. وعن ذلك تقول: لو لم يلهنا صدام بمسلسلات حروبه العبثية لكان العراق مثل أية إمارة خليجية.

لكنها تساوي بين سوريا والعراق بمستوى الفساد. وتتكلم عن الروتين والبيروقراطية وتفشي المحسوبيات والرشاوي. وبهذا السياق تقول: لم يختموا جوازاتنا إلا بعد وضع عشرة آلاف دينار عراقي في كل جواز. وفي الحدود السورية الفساد الإداري نفسه. فقد وضعنا مائة ليرة سورية داخل كل جواز.

وكانت تبدو المشاهد السياحية، في كل من دمشق وحلب، وكأنها منفصلة أو أنها صدى لخبرات الماضي. فالشخصيات لا تتعايش مع ما ترى، وتمر بالمناظر مرور الكرام، مثل أية مشاهدة من خلف الجدار العازل الذي تكلم عنه سارتر. بعكس حالها في دبي، فقد وجدت في البيئة الحاضنة جوابا ناجعا لمشكلة المكان البديل.

ويكفي أنه تحتل المستشفيات وأسرّة المرضى حصة سوريا. بينما يحتل المساحة، في حصة دبي، البيت وأماكن الاستجمام. والفرق واسع بين أن تأوي إلى بيتك أو أن تلجأ لمصحة. وحتى لا نضع على لسان الكاتبة كلاما لا تريد أن تقوله، يمكن أن نؤكد إن وعيها الباطن كان محتارا من الناحية الاستراتيجية. فطوال الوقت هي رهينة الانتظار الممل والوعود غير الموثوقة كما تقول بالحرف الواحد في مستهل العمل. ناهيك أنها  تحت مظلة من الصراع النفسي لدرجة ملحمية.

وتبدو عاطفتها وأفكارها مشتتة نحو الاحتلال أيضا، أو ما أحب أن أسميه السقوط. فهي لا تعرف ماذا تقول عنه؟. ولا كيف تتعامل معه؟. ولكنها تتناوله بفصل خاص وهو (المفكرة). وفيه تضمنه يومياتها، وهذا أيضا يستوجب وقفة تحليلية.

فيوميات الاحتلال تتراكم ولا تتطور، وترسم صورة محزنة بأسلوب تعبيري سريع هو التلخيص. بمعنى أن فترة طويلة من الأحداث الجسيمة تختصرها بعدة سطور. مثلا حرب الخمسين يوما في الموصل ترويها لنا في ثلاثة سطور، وتخيم عليها الرتابة والتكرار.

بينما الوضع الصحي يعكس الآية. فمعاناة المريضة في العيادة لبضع ساعات توليه كل عنايتها، وتفرد له صفحات طويلة، وكل لحظة انتظار في العيادة تغطيها من كافة الجوانب.. بالمشاهدة (ما تراه العين) وبالإصغاء (ما تسمعه الأذن) وبالإحساس (ما يشعر به القلب وما يأتي على الذهن من خواطر). وهذا لا يبدو عادلا من وجهة نظر موضوعية، غير أن له ما يبرره وجدانيا.

فالرواية، مع أنها اختارت توقيت الغزو بالضبط،  كانت مهمومة بضعف المرأة العاقر، وبانكشافها على مأساتها الشخصية.  وهنا أيضا تخدمنا المقارنة. فأدب الحداثة العائد للمرأة، وفي الذهن غادة السمان ونوال سعداوي وليلى بعلبكي، يبادر الواقع بالهجوم. بتعبير آخر إنه يقلب داخل الشخصية ليصبح خارجها (كما يقول سكوت ماينار في قصيدته: أوهام حقيقية). وبلغة أوضح. إنه يسقط هموم ومعاناة الأفراد على الأشياء غير العاقلة. وفي قصص غادة السمان مونولوجات مطولة تتشارك فيها مع الأبنية والشوارع والأنهار والحيوانات المستأنسة كالعصفور والهرة..

لكن الحداثة التي تتبناها كليزار أنور تضغط الخارج في الداخل، وتتحول الذات إلى جو تفريغ. إن عاطفتها ووعيها الباطن يتحولان لعصّارة أفكار ومشاهد. كل شيء عليه أن يمر بالبوتقة الذاتية وأن ينصبغ بلونها، لا أن يصبغ العاطفة بلونه. وهذا يضع كتاباتها على حدود مغامرة الحداثة. وأزعم أنها تتخلى عن الأطروحة المركزية لعالم ذات مجروحة تعاني من الواقع، وتدخل في واقع تجزيئي، ينكشف لنا بالتقسيط، ويتقدم إلينا عشوائيا بشكل لوحات مبعثرة، وعلينا تقع مهمة تركيبه. فالمعنى لا تقدمه الكاتبة جاهزا، وتترك فراغات كثيرة بين شجرة الأساليب المتفرعة، وعلينا عبء إعادة الترتيب والتفسير.

ما هو المعنى الغائب؟.

وما هي الصور المحتملة؟.

لكن ما يجب أن نتأكد منه: أن الغزو استكمل انتشاره، وأن الحمل لم يتحقق، وأن الحل الأمريكي مثل الحل السوري، كلاهما مكتوب عليه الفشل، والعلاج موجود في زمن آخر.

هل تلمح الرواية إلى الدكتاتورية العسكرية التي لم تعدل إلا في توزيع الظلم، أو ما نسميه مبدأ الدكتاتور العادل؟؟!!. أم أنها تلمح إلى المدينة الفاضلة (وربما دبي صورة منها)؟.

يصعب أن تحدد. لأن التردد كان أهم سمة من سمات هذه الرواية. على الضد من موقف الضابط في عملها السابق (عجلة النار). فقد كان جازما في تحديد علاقة الذاكرة بالتاريخ، مثل شكل الرواية الذي قلص مساحة التجريب ووسع مجال المحاكاة، وجعل من الضابط ومن ذاكرته المفقودة مرآة لمخاض أول حرب عصفت بالمنطقة.

وعليه لا يمكن اعتبار (الصندوق الأسود) ولا (دولاب النار) من الرموز الفرويدية، التي تدل على الكمون أو الطاقة الحبيسة والمقيدة، وإنما هي رموز اجتماعية تدل على الاحتراق أو السقوط في ظرف طوارئ تفرضه المأساة.

عموما، ليس في الروايتين مشاهد جنسية، وحتى أن الأسرّة تقتصر على غرف العلاج في المستشفيات، ولا يرد ذكر فعلي لأي سرير في المخدع أو غرف النوم.

والشيء بالشيء يذكر. إن أيام شهر العسل في دبي، لم تقدم صورة واحدة عارية، واقتصدت بمفردات الحب ونجوى الغرام، إن لم نقل إنها فرضت عليها التقنين. مقابل الإسهاب في طريقة استلقاء المريضة على سرير التلقيح الصناعي في القبو، ورفع ساقيها. وكانت كليزار أنور مباشرة في التهجم على استعمال لغة مكشوفة، ونوهت ، في الخاتمة، برواية علوية صبيح (اسمه الغرام)، وبالأخص كرمها في تعرية النساء، بطلات الرواية.

 

د. صالح الرزوق

..................

*منشورات دائرة الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2003.

**منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2010.

 

goma abdulahلا شك ان الرواية ان الرواية الوثائقية، تشهد الاهتمام الكبير في الجهد الابداعي، وتحظى بقبول في الاوساط الادبية والثقافية، بما تملك في حوزتها امكانيات في الكشف معالم العتمة، وقدرتها على الرصد والتنقيب والبحث، عن المصادر والمراجع التي تستند عليها، وكذلك البحث عن الوثائق والمعلومات والمذكرات والمدونات وغيرها التي تغنيها وتعمق قيمتها الابداعية، فهي في خزين واسع من المعلومات والحقائق، التي تضع يدها عليها، لكي تكون عجينة طيعة، لتحويلها الى عمل ابداعي راقي المستوى، في نسيج المتن الروائي . وهذه الرواية (قصة عائلة) تضع يدها على اصعب حقبة زمنية حرجة، مرت على تاريخ العراقي السياسي الحديث. فقد نبشت عن مضامين الحقائق والتفاصيل الدقيقة، المكشوفة وغير المكشوفة، في تسجيل الظواهر الداخلية والخارجية، في تفاعل ابداعي متمكن من ادواته وتقنياته في الفن السردي . وحبكته الفنية، التي تفاعلت في مسار الاحداث المتسارعة والمتلاحقة، في جدية واهتمام، بفعل المصداقية التوثيق، وفي تسليط الضوء الكاشف، وهي تتناول بالتفاصيل، احرج حقبة زمنية، من خلال الاحداث التي واجهت شخوصها المحورية، التي وجدت نفسها في وسط عواصف دراماتيكية ملتهبة، ومتصارعة بافعال الصدمة، وهي توثق مرحلة سقوط الملكية في العراق، والدخول في مرحلة العهد الجمهوري، في ثورة 14 تموز عام 1958 . وما صاحبها من احداث سياسية عاصفة، في وشائج متوترة ومتشنجة، في خضم الصراع السياسي، الذي اتخذ نهج العنف، وكسر العظم بين اقطاب الصراع المتنازع، بين قطب اليسار والشيوعيين، وقطب القوميين والبعثيين من جهة اخرى، في زوابع الانقسام السياسي والاجتماعي، الذي اتخذ وتيرة سلوكية، في العدوات والحقد والكراهية والانتقام المتبادل، بين قطبي الصراع، وانسحب بشكل افعال متشنجة الى الشارع، بشعور او بدون شعور، فقد لعبت العواطف الانفعالية المتشنجة والمتسارعة، التي تعمق الثغرة والفجوة بين الجانبين (اليسار والشيوعيين بالضد من القوميين والبعثيين) هذه التناقضات الصادمة والعنيفة، التي لا يمكن حصرها . خلقتها ثورة تموز، التي فتحت (صندوق باندورا) على العراق، في انتهاج سلوكية العنف السياسي، التي دشنت افتتاحها . بالمجزرة الرهيبة، في قتل الملك وعائلته، والتمثيل بالموتى، السحل في الشوارع، او تعليق الجثث على اعمدة الكهرباء، اي ان ثورة تموز فتحت طريق مبدأ (الدم يجر الدم)، واصبح نهج سياسي قائم في ذاته، في تصفيات السياسية . مما قاد ثورة تموز الى مأزق سياسي دراماتيكي، فقد انحرفت عن سلوك الرؤية السياسية الواضحة، في المعالم والاتجاه في رسم خطوط البرنامج السياسي للثورة بوضوح، حتى تقطع الطريق على اعداءها من القوى المضادة لها . لذا فأن ثورة تموز ولدت وهي تحمل شهادة وفاتها، او بالمعنى الادق، شهادة انتحارها في الصراع السياسي المتناقض، الذي توج في احداث دموية، ليعلن وفاتها، في انقلاب البعث الفاشي . في شباط الاسود عام 1963 . لان قادة الثورة اضاعوا البوصلة الطريق، الذي يقودهم الى الانتهاج الخط السياسي الواضح الاتجاه والمعالم، وضيعوا الثورة وضيعوا انفسهم، فقد كانوا في وسط الحبل المشدود، بين اليسار واليمين، منْ يشد اكثر ضغطاً تميل الهوى اليه، ثم تنقلب آلآية ضد الاخر، هذا التقلب حتى انها فقدت انصارها ومؤيديها، من محبي الزعيم، من تيار اليسار والشيوعيين، وانعش تيار القوميين والبعثيين، الذين حافظوا على مواقعهم الحساسة في المؤسسة العسكرية، في براعة النهج السياسي الثعلبي الماكر والمنافق بالغدر والوقيعة في أجهاض الثورة لصالحهم، فقد استخدموا كل الوسائل المضللة والمخادعة، حتى حشروا الدين وتأثيراته لصالحهم، في بدعة الشيوعية كفر والحاد وبحجة ان الدين الاسلامي، يرفض الاباحية في السلوك والاخلاق التي ينادي بها اليسار والشيوعيين، هذا التضليل المنافق نجح نجاحاً كبيراً، في تقويض واجهاض الثورة واسقاطها . وخاصة ان الثورة بعللها وامراضها وثعراتها وفجواتها الكثيرة، منها اسلوب القتل والسحل والتمثيل بجثث الموتى التي شرعت نهجه في قتل العائلة الملكية، وما انقلابهم الفاشي،إلا تطبيق همجي للبربرية السادية، في انتهاج الوحشية الفظة، فقد حولوا العراق الى مجازر ومسالخ الذبح، بواسطة (الحرس القومي) الفاشي، الذي يتصيد الابرياء في الشوارع، فقد امتلئت السجون ودور التعذيب، باشلاء الجثث المتناثرة، حتى الرصاص يلعلع ولا يهدأ، لا في الليل ولا في النهار. هذه الابعاد الدراماتيكية العاصفة . قدمت بشكل راقي، في العمل الروائي المرموق في النص الروائي، برؤية ابداعية وموضوعية في التناول، في رواية (قصة عائلة) للروائي القدير قصي الشيخ عسكر، في توظيف متناسق بين الذات والعام، في استقراء ضوئي، ليكشف الكثير من مناطق العتمة، في تلك الفترة العصيبة من تاريخ العراق السياسي، وجعل شخوصها المحورية، تتكلم بضمير المتكلم، في ادق التفاصيل حياتهم أبان الثورة، في فجواتها وثغراتها، وكذلك عن حياتها وسط هذه العواصف الدراماتيكية، ولكن احتل (هشام نجم - 13 عاماً، في مدرسة اول ثانوي) غالبية ضمائر المتكلم، وهو يكشف عن محنة عائلة ابيه (الحاج نجم) المتكونة من (الاب والام وهاني الملازم الاول واخوته، هشام . نعمان . عباس . كامل . محمد، واختهم هناء) ان محنة هذه العائلة المصغرة، هي محنة عائلة العراق الكبيرة . ان قوة الابداع الروائي واضحة المعالم، بحيث ان تلاحق وتسارع الافعال الدرامية الى حد الصدمة، تأخذ بخناق القارئ، في حثه على المواصلة والمتابعة تسلسل الافعال الدراماتيكية في الرواية .

68 kusayaskar2

احداث الرواية:

بدأ حدث الاول في الاستهلال في عام 1996، غادر (هاني نجم) الى المانيا، ليمنح الدم الى أبنه المصاب بسرطان الدم، تعلق بجسمه في حرب الخليج، ولكن كان وصوله كان متأخراً، فقد اقتطف الموت أبنه قبل وصوله الى المستشفى، ثم يأخذنا في الاسترجاع الزمني (فلاش باك) الى عام 1959، ليسلط الضوء الكاشف على محنة عائلة (الحاج نجم) أبنه الكبير، (هاني نجم) ضابط ملازم اول . يساري الهوى، محسوب على محبي وانصار الزعيم (عبدالكريم قاسم) (شاب مفعم بالحيوية وسيم طويل القامة يزهو بالنجمات على كتفيه، فيته مع احلامه الجديدة ... في المستقبل يمكن ان يرتقي ويصل كل اربع سنين يقفز رتبة حتى يصل الى رتبة الزعيم) ص17 . ينتقل من بغداد الى الوحدة العسكرية في البصرة، ويأخذ عائلته واخوانه معه، ويسكنون في دور الضباط هناك، وفي احد الايام يأتي الى بيته الجندي المراسل، ليخبر الملازم اول (هاني نجم) عن جريمة وقعت بقتل وسحل، حدثت في سريته من الجنود الملثمين، ضد العقيد (جلال)، وهذا العقيد كان يعامل جنوده بوحشية دون رحمة، اضافة إلا انه قومي الاتجاه، حاقد بشكل فظ، وبكراهية انتقامية ضد الزعيم واليسار والشيوعيين، يعتبرهم جراثيم يجب اقصاءهم من الوجود، تنتشر جريمة القتل والسحل اسرع من سرعة الضوء بين الناس والاعلام، وتصبح حديث الناس، بالمبالغات والاشاعات الترويجية المضخمة في التهويل، تنتقل من مدينة الى اخرى، بل من مدرسة الى اخرى، بالاضافات الزائدة، منها اسقاط مؤامرة التي تعد الى انقلاب عسكري ضد الزعيم، او تصفية الخونة الذين يحتلون المواقع الحساسة في المؤسسة العسكرية، وغيرها، ولكن الاهم اتهام الملازم اول (هاني نجم) بأنه هو الفاعل في ارتكاب الجريمة، ليدافع عن الزعيم، واعتبر عمله بطولي جسور في افشال مخططات اعداء الثورة . ولكن في مناطق ومدن اخرى، يعتبر متهم بجريمة القتل ويجب الاقتصاص منه، بالانتقام بالمثل بالقتل، رغم ان الضابط (هاني نجم) كان في بيته ساعة حدوث الجريمة، وانه بريء من فعل الاجرام، لكن الشارع التهب بين فعل الحماس، وفعل السخط، ففي مدرسة شقيقه (هشام نجم) رفعوه الطلبة على الاكتاف كشقيق البطل الضابط (هاني نجم)، ورددوا هتافات مدوية لجريمة قتل العقيد جلال (عاش هاني نجم ... يسقط العقيد جلال .. يسقط الخونة ... عاش هشام نجم .. عاشت جميلة بوحيرد .. عاش كاسترو) ص31 . يعني ببساطة تحمل الضابط ارتكاب الجريمة وهو بريء منها، رغم انه حاول انقاذ المقتول، لكن كان الوقت متأخراً، وابلغ الجهات المسؤولة بفعل الجريمة . لكن اتهم هو بالقيام بالجريمة، واحتجز واحيل الى محكمة عسكرية تحقيقية، وكان يصرح في كل تحقيق عسكري، بأنه بريء، لم يكن في السرية وقت حدوث الجريمة بقوله (اختلف معه في الرأي نعم . كان قومياً وانا يساري . نعم . احب الزعيم وهو يكرهه . صحيح . هذه الامور لا تدفعني للقتل . ولو قتلت لما انكرت . الجميع يعلم أني كنت خارج السرية حال وقوع الجريمة) ص50 . لكن احيلت اوراقه الى المحكمة العسكرية العليا، التي يترئسها العقيد (شمس عبدالله) وهو (ذو اتجاه قومي بعثي، كان يحكم على انصار الزعيم واليساريين باحكام قاسية قطعية، وتشكل حالة فريدة في تاريخ العراق، اذ أنه يترئس محكمة تحاكم انصار الحكومة ومؤيديها) ص53 . . ويبادر (هاني نجم) ان يستدعي شقيقه (هشام 13 عاماً) ويطلب اليه السفر حالاً الى بغداد، ويعطيه مبلغ (خمسين ديناراً) ان يوصلها الى صديقه (عباس الحاج عليوي صاحب سوبرماركت) لكي يكلف المحامي (قاسم كبة) لدفاع عنه، ويسافر الى بغداد شقيقة وهو يحمل المبلغ الكبير في مقاييس ذلك الزمان وهو صبي (13 عاماً) . ولكن النتيجة، حكم بالسجن سبع سنوات، وهو يتنقل من سجن الى اخر . وطردت عائلته من الدار السكن، وقطع الراتب، فجأة وجدت عائلة (الحاج نجم) طريدة ومشردة بدون مأوى، مرمين في العرى والشارع، دون ان يمد احداً يد العون والمساعدة لهم، فأضطروا ان يعودون خائبين يجرون القهقرى، الى بغداد، ولكن المصيبة الى اين في بغداد منهم؟ فقد بدأت بغداد غريبة وموحشة لهم، لا ناصر ولا معين . ويقول (هشام) عن بغداد (بغداد التي ألفناها بدت غريبة عنا . تلك المدينة التي شهدت ولادتي وطفولتي . ادركتها في حال بؤس وسورة دم، حزن وصخب . دامية تنظر ألينا بأستغراب . كأن الدم الذي انفجر من العقيد المغدور، وطالتنا شظاياه في البصرة مازال يلاحقنا نحن الابرياء) ص94 . واخيراً بعد معاناة، وجدوا دار سكن للايجار في منطقة (الرحمانية)، و(هشام) يسجل في مدرسة ثانوية في منطقة (الجعيفر) المدينة ذات الاتجاه القومي / البعثي، تحمل روح العداوة والانتقام الدموي، ضد اليسار والشيوعيين ومحبي الزعيم . وحينما اكتشفوا هوية (هشام) بأنه شقيق الضابط الذي ارتكب جريمة القتل ضد العقيد (جلال) وجدوا الفرصة الثمينة للانتقام واخذ الثأر من مقتل العقيد، لذلك تجمعوا حولوه لارتكاب جريمة القتل، لكن المدير الشريف من اهل المنطقة (الجعيفر) انقذه باللحظة الاخيرة، وطلب منه التفتيش عن مدرسة اخرى، قبل ان يقع ضحية قتل هدراً، وانتقل، الى مدرسة في مدينة (الكاظمية) يسارية الاتجاه ومن محبي الزعيم . وحي عرفوا بأنه شقيق الضابط البطل، وليس شقيق المجرم، فقدموا كل العون والمساعدة والاحتضان، تقديراً لعمل شقيقه البطولي، وتوطدت العلاقة مع الطلبة وهيئة التدريس، وتعرف على احد المدرسين ذو الميول اليسارية وهو (الاستاذ والكاتب المعروف محمد شرارة . والد المترجمة والاستاذة الجامعية الاديبة الناقدة المرحومة حياة شرارة)ص123 . وقدم كل العون والمساعدة، وتوسط له من احد اقاربه، في ايجاد عمل في بلدية العاصمة كمراقب، ولكن عليه ان يقول بأن عمره 17 عاماً، وليس عمره الحقيقي 13 عاماً . وفي احد الاعياد فكر (هشام) في مغامرة غير محسوبة العواقب، ان يزور بيت العقيد (عبدالرزاق النايف) في منطقة اليرموك، فقد كان آنذاك (مدير الاستخبارات العسكرية في زمن عبدالكريم قاسم . ولد في الفلوجة . رئيس وزراء العراق بعد انقلاب  17 تموز 1968 . بقي في الوزارة يوم الانقلاب 30 تموز، ثم نفي الى لندن واغتيل فيها بتكليف من صدام حسين) ص179 . وانسل بين المهنئين، وبعد ما فرغت صالة الاستقبال من الناس، تطلع العقيد الى وجود صبي صغير جالس في الصالة وحيداً، استغرب لماذا لم يذهب مع اهله، فبكى وافصح عن حاجته بأن شقيقه مسجون وهو بريء، فتعاطف معه وطلب منه ان يكف عن البكاء لانه رجل، وعيب البكاء للرجال، وحاول ان يهدئ من روعه (انت ضيفي . عيب، نحن عرب نكرم الضيف، فكيف وانت جئت أليَّ في العيد) ص183، واخيراً ادارة قرص التليفون، وطلب اطلاق سراح (هاني)، ثم قال له بأن شقيقه اطلق سراحه من السجن وهو الان ينتظرك لتأخذه الى بيتكم، وفعلاً اطلق سراحه من السجن . وفي انقلاب البعث الفاشي، به تحول العراق الى مسلخ ذبح كبير . وامتلئت الجثث في السجون والدور التعذيب، حتى الرصاص لم يهدأ نهاراً وليلاً . من (الحرس القومي) الفاشي، داهموا في احدى الليالي بيت (هاني) ودخلوا البيت عنوة واطلقوا الرصاص عليه، لكنه هرب في اللحظة المناسبة، وانقذ حياته من الموت المحقق، لكن بعد ايام اعتقلوا شقيقه (نعمان 16) بتهمة الانتماء الى الحزب الشيوعي، وساقوه الى عنابر الموت كالاخرين، لكن الحظ حالفه . بعد ما شاهد اهوال الموت، بأن احد مسؤولي الحرس القومي في منطقته، اطل سراحه مقابل دفع رشوة ثلاثين ديناراً . وبعد فترة جاء رسول من (هاني) يخبرهم بأنه يريد الهرب الى ايران عن طريق اهوار (العمارة) ويريد شقيقته (هناء) وابنها الرضيع، لتغطية والتمويه على نقاط التفتيش المنتشرة في الطريق، وبالفعل تطوعت شقيقته (هناء) حتى وصل الى هور العمارة، لكي يهرب الى ايران، ثم يصل الى الاتحاد السوفيتي، ولكن الامن الايراني قبض عليه وارجعه الى العراق، ولحسن الحظ كان انقلاب القوميين على البعث، وكانوا اقل دموية، اما ماذا حدث بعد ذلك، فأنه يحتاج الى كتاب او رواية اخرى، لنعرف التفاصيل الدقيقة

 

- رواية: قصة عائلة . تأليف الروائي الدكتور قصي الشيخ عسكر

- الطبعة: عام 2018

- اصدار: مؤسسة المثقف العربي - سدني / استراليا

ودار أمل الجديدة دمشق / سورية

 

جمعة عبدالله

 

 

adnanhusan ahmadصدرت عن دار "المؤلف" ببيروت رواية جديدة للشاعرة والروائية اللبنانية السورية مريم مشتاوي تحمل عنوان "تيريزا أكاديا . . حُب من نوع آخر"، وهي العمل السردي الثالث بعد روايتي "عِشق" و"ياقوت". وإذا كانت الروايتان السابقتان تدوران في الفلَك الواقعي، وتنتميان إلى المَذهب الرومانسي المُغرِق في ميوعته العاطفية فإن روايتها الثالثة، مَناطَ بحثنا ودراستنا النقدية، تجنح إلى الخرافة أو تتبنّى منحىً عجائبيًا يمكن أن نردّه إلى "الليالي العربية" في أبعد تقدير.

قبل أن نخوض في تفاصيل هذه الرواية لابدّ من الإجابة على سؤال محدّد مفاده: كيف تُصنّف هذه الرواية؟ هل هي رواية خرافية مُختَلَقة؟ أم أنها رواية واقعية مطعّمة بالخرافات؟ وإذا كانت راوية النص وبطلته لا تؤمن بالخرافات فلماذا تبنّت مريم مشتاوي هذه الأوهام وتعاملت معها وكأنها حقائق ملموسة لمس اليد مع أن العِلم ينفي وجود الجنّ والشياطين والعفاريت وما إلى ذلك؟

تُعاني هذه الرواية من غياب الثيمة الرئيسة التي أشبّهها دائمًا بالنسغ الصاعد الذي يبدأ من جذور الشجرة وينتهي عند أغصانها جميعًا، وربما يعود السبب في اضمحلال الثيمة أو تآكل العمود الفقري للنص الروائي إلى كثرة الثيمات الفرعية التي ترددت على ألسن الشخصيات الرئيسة مثل تيريزا أكاديا أو حبيبها أغسطينو كارلوتي أو العمة نويل عوّاد أو أمين الدير "حنى نيّا" وسواهم من الشخصيات التي انتظمت ضمن الأنساق السردية لهذا النص الروائي.

لابد من الإشارة إلى اللغة العذبة التي يتوفر عليها هذا النص الروائي المحبوك جيدًا بسبب بنائه المعماري الرصين الذي أربكتهُ الأوهام والخُرافات التي يصعب أن تجد لها محلاً في العصر الحديث الذي تتسيّد فيه الكشوفات العلمية المُذهلة. ومع ذلك نجد أنفسنا مضطرين للتعامل مع هذا النص الروائي على وفق المُعطيات المتوفرة في ثيماته الفرعية المتناثرة حول الحُب، والخيانة،  والغِياب أو بكلمات أُخر الحُب المتبادل بين الإنس والجنّ أو بالعكس.

تنطلق أحداث الرواية من مدينة بورتوفينو الإيطالية التي وصل إليها ميخائيل عوّاد، البحّار، المفلس، الفارّ من ميناء طرابلس اللبناني، وتزوج من أدريانا أرابيلا، المرأة الإيطالية الجميلة التي أنجبت له تيريزا أكاديا وفارقت الحياة بعد مدة قصيرة لتسجِّل في ذاكرة ابنتها أول غِياب قاسٍ لا تتحمله طفلة صغيرة بعمرها. ومن حسن حظ تيريزا أن تربّيها أنجيليا أرموني، صديقة أمها التي أحبّت هي الأخرى ميخائيل عواد وأخلصت له ردحًا من الزمن لكنها غابت هي الأخرى في ظروف غامضة لتترك تيريزا وحيدة، يائسة، عزلاء.

أحبّت تيريزا طالب العلوم أغسطينو كارلوتي في السنة الجامعية الثانية، وقد وجدت نفسها في هذا الحُب الرومانسي اللذيذ الذي عزّز النص بأفكارٍ وثيماتٍ مؤازرة حيث تقول الراوية:"كان يمتصّ شفاهي كما النحلة تمتصّ رحيق الورد، وكان طعم ريقه عسلاً، لقد شعرت بقطراتٍ من العسل تختلط بلعابي"(ص25). لم تستمر هذه العلاقة العاطفية طويلاً فبسبب خياناته الواضحة تقرّر تيريزا الابتعاد عنه، وإدراجه في عِداد المفقودين الذين غابوا عن حياتها من دون سابق إنذار لكنها لم تستطع نسيانه فهو يُدهم تفكيرها بين أوانٍ وآخر، ولا ينفكّ عن مشاغلتها كلّما وجد فرصة مؤاتية.

يتلاقح هذا النص الروائي مع الأساطير القديمة حيث يحضر آلهة من قبيل بوسايدن إله البحر، وجاريوس، إله الموج لكن يبقى إيروس، إله الحُب والجنس والرغبة هو الأكثر هيمنة على مدار النص وذلك لتعدد أوجه الشبه بينه وبين أغسطينو، فكلاهما ينتعل صندلاً، وكلاهما يمتلك أجنحة، ولعل حبكة النص تقوم على هذا الجناح الذي تحسسته تيريزا على ظهره من دون أن تنتبه إليه: "لم ألتفت لأراه لكنه بدا لي جناحًا صغيرًا"(ص36). وعلى الرغم من أنّ أغسطينو لم يتحدث عن عائلته، ولم يذكر لها اسم القرية التي يعيش فيها لكنها سوف تتعرف لاحقًا على مكان إقامته. وحينما تعود تيريزا إلى لبنان تذهب إلى "عتابا" وهي قرية اخترعتها مريم مشتاوي لتُكمِل أحداث النص الذي سوف يُوغل في الخرافات الشعبية. ومع ذلك سوف نلتقي شخصيات روائية عميقة مثل نويل عواد أو القدّيسة "بركة" كما يلقِّبها سكّان القرية، وقد أغدقت عليها الروائية خصالاً متفردة يندر أن نجدها عند بقية الشخصيات النسائية على وجه التحديد. فهي بصيرة رغم أنها فقدت نعمة البصر، وتمتلك قدرة حدس عجيبة تمكِّنها من معرفة كل ما يدور بين ثنايا الدير الذي يجمع بين قسميه الراهبات والرهبان الذين لا يلتقون إلاّ في قدّاس الأحد.

تنجح مريم مشتاوي في تصوير الحياة التي ينبض بها الدير وخاصة قصص الحُب المتبادلة بين الرهبان والراهبات، فالأخ جورج يراسل الأخت ياسمين والأخت سوسن في الوقت نفسه، والأخ بولس يراسل الأخت سميرة، والأخت إيفون حامل وقد أقسمت على الكتاب المقدّس قائلة:"أقسم بأنني لم أعرف رجلاً في حياتي، أعلم أن ما من أحد سيصدقني لكنها الحقيقة"(ص100). وسوف تطرد العمة بركة الراهبين جورج وبولس لأنهما تورطا بكتابة رسائل غرامية في محاولة لإغواء الراهبات واللعب بمشاعرهنَّ ولكنها استبعدت أن يكون أحدهما قد اغتصب الأخت إيفون وكان سببًا في حمْلها الذي تكتمت عليه العمة بركة حتى قدِم إلى الحياة بعد ولادة عسيرة. وقد رفض أن يرضع من صدر أمه لكنه تناول رضّاعة مليئة بالعسل والماء الساخن قليلاً في إشارة إلى "أنَّ  صدور نساء الجنّ تدرّ العسل بدل الحليب"(ص169).

ثمة أحداث كثيرة تقع في متن الرواية مثل انتقال فاطمة إلى الدير، وانتحار سميرة، وقتل الداية أم يوسف لزوجها ثم إقدامها على الانتحار، وأقاويل عن التحاق الأخ جورج بمجموعة إرهابية وما إلى ذلك، لكن الأهم من ذلك كله هو ما يحدث في وادي الجنّ الذي لا يبعد كثيرًا عن قرية "عتابا" وديرها العتيد. إذ تنحلّ العُقدة الروائية وتتكشف خيوطها حينما نعرف من ملك الجن: "أنّ هناك تسعة أيام في السنة سمّاها بالأيام الخضراء يسمح فيها بالزواج بالإنس ومطارحتهم الغرام في الهواء الطلق"(ص117). عندها نفهم أن مجيء تيريزا إلى قرية عتابا كان بإيحاء من أمها أنجيليا التي تزوجت إنسيًا ذات يوم وهو ميخائيل عواد لكنها وجدت نفسها مضطرة لأن تعود إلى وادي الجن كي تزوّج ابنها من إحدى الجنيات القريبات لكنه فرّ واختبأ في مكان قريب من الوادي. وحينما جاءت تيريزا مع الدرويشة أم حبيب لحفل الزواج في وادي الجنّ عرفت أن ملكة الجان هي أمها أنجيليا وإلى يسارها أغسطينو بينما يجلس إلى يمينها "حنى نيّا" الذي أحبّ تيريزا وفرّ منها ذات يوم دون حجة أو ذريعة لكنها شعرت بنتوء في ظهره كأنه جناح ذكّرها بالجناح الموجود في ظهر أغسطينو، هذا الكائن الذي أحبته لكنه جاءها محملاً بفكرة الانتقام منها لكن هذا الانتقام تحوّل إلى حُب جامح لم يستطع كبحهُ أو السيطرة عليه فعاد من حيث أتى لتنتهي القصة برمتها. أما النهاية التي رسمتها مريم مشتاوي فقد جاءت على الشكل الآتي حيث اقترح أغسطينو على تيريزا أكاديا أن تتزوجه وتعود معه إلى وادي الجن. أما الملكة أنجيليا فلم تؤيد فكرة الزواج لأن أغسطينو سبّب لها حزنًا كبيرًا لكنها طلبت منها أن تصفح عنها، وتأتي لزيارتها مع الدرويشة أم حبيب كلما تسنّى لها ذلك. ويبدو أن تيريزا أكاديا التي أحبت شخصين ينتميان إلى عالم الجن وهما أغسطينو و حنى نيّا ومارست معهما الحُب قد اكتفت بهاتين التجربتين المريرتين مقابل استعادة أمها التي ربّتها ودفعتها لترك بورتوفينو والعودة إلى عتابا في أقل تقدير كي تكون على مقربة من عمّتها القديسة بركة وعلى مشارف وادي الجنّ الذي يحتضن أمها الثانية التي لم تغب عن ذاكرتها على مدى سنوات الطفولة والصبا والشباب.

وفي الختام لابدّ من الإشارة إلى أن مريم مشتاوي يمكن أن تكون روائية ناجحة لأنها تمتلك لغة معبِّرة قادرة على إنتاج ثيمات رئيسة وثانوية لكن هذه الثيمات الرئيسة يجب أن تظل متوهجة على مدار النص الروائي دون أن تخبو هنا أو تنطفئ هناك، فالثيمة الرئيسة هي أشبه بالشرايين الدقيقة التي يجب أن تمرّ بجسد الرواية برمتها. كما تمتلك مريم مشتاوي القدرة على إنتاج بنية روائية متراصة أساسها الحبكة، وتطور الأحداث، ونمّو الشخصيات بطريقة معقولة لكن المشكلة في هذه الرواية تحديدًا تكمن في المناخ الخرافي الذي خلقته الكاتبة ولا نستطيع أن نصدّقه بسهولة، والمشكلة الثانية تتجلى في نهايتها غير المقنعة التي تمثلت برفضها الزواج من أغسطينو الذي اعتذر لها، وطلب منها أن تتزوجه، وتعود معه إلى وادي الجن لكنها رفضت هذه الفكرة جملة وتفصيلاً، وقررت العودة إلى قريتها المُختلَقة علّها تشرع في قصة غرامية جديدة مع كائن إنسيّ يعيد لها بهجتها المفقودة.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

rasmiya mhybesخان الشابندر هي الرواية الأولى التي أقرأها للروائي العراقي المغترب محمد حيّاوي الذي عرفته روائيًّا وقاصًّا منذ تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يهاجر إلى بلد اغترابه هولندا. كان قد أنجز آنذاك مجموعة من الروايت والأعمال القصصية اللافتة قبل أن ينغمر في دراسته وعمله في الغربة، ثم يعود بقوة في روايتين مهمتين صدرتا عن دار الآداب، الأولى "خان الشّابندر" موضوعة هذه المقالة والثانية "بيت السودان" التي وصلت العراق مؤخرًا ولم تسنح لي الفرصة لقراءتها بعد.

تدور أحداث رواية "خان الشّابندر" في حيٍّ فقير من احياء منطقة الحيدرخانة الشعبية في قلب العاصمة العراقية بغداد، وهو حيٌّ بائس يسكنه المهمشون والمسحوقون وتعرّش فيه الرذيلة. قد يدهشك أسلوب الكاتب في تناول الأحداث والتغييرات التي طرأت على المجتمع العراقي والبغدادي على وجه الخصوص، فأغلب مجريات الرواية تدور في حي شعبي مهجور وبيت منزوٍ وسط الخراب الذي هو الشخصية الرئيسية في العمل، تتخذه بائعات الهوى سكنًا ويمارسنّ فيه مهنتهنّ في أغواء الرجال وتشرف على المبغى امرأة متوسطة العمر تدعى "أمّ صبيح" يتلخص دورها في تقديم الفتيات لمن يدخل المبغى من الرجال وتسهّل له كافة الأمور والمغريات ليصبح زبونًا دائمًا لديها. تبدأ الرواية باقتباسة جميلة للشاعرة الأفغانية الشابّة التي قتلها رجال طالبان "رحيلة موسكا" تقول فيها (جسدي طازجٌ مثّل أوراق الحنّاء.. أخضر من الخارج لكنه لحم نيء من الداخل). وهي عتبة تمهد الدرب للقارئ وتقوده إلى وليمة الجسد التي قادنا إليها محمد حيّاوي بحرفيَّة عالية، حيث بطل الرواية الصحفي العائد من الخارج الذي قاده صديقه إلى هذا المبغى وتركه هناك محاطًا بنسوة يمتهنّ البغاء، تحاول كل منّهنّ اغواءه بطرق خبرنّها طويلاً ووسائل تدربنّ عليها لاصطياد الرجال، بعد أن قذفتهن ظروف الحياة إلى هذا المكان حين سُدت في وجوههنّ جميع الأبواب، نتيجة الحروب والقتل الذي فتك برجالهنّ، فكل واحدة منهنّ لها قصة خاصّة وضعتها امام خيار محير، أما الموت او هذا المصير الذي هو موت آخر. أما الخان نفسه والحي الذي يقع فيه، فهو عبارة عن خراب مطلق، ذلك الخراب الذي اعترى جسد بغداد المنتهكة بعد العام ٢٠٠٣ نتيجة الاحتلال وسيطرة الأحزاب والكتل والمليشيات عليها. تلك المدينة التي أحالتها التفجيرات اليومية إلى ركام.

يبدأ ذلك الصحفي المغترب متمنّعًا في البداية للدخول إلى ذلك العالم، لكنّه لا يقاوم إغراء هند وضويَّة وغيرهن من فتيات "أم صبيح"، ليكتب من خلال هذه التجربة ما عاشه من متع جسديَّة مع هند التي تخاطبه في مفتتح الرواية حين ترى تمنّعه وتبريره الأمر بأنّه جاء لغاية أخرى كما يزعم: (إن أحببتنا ولو لبعض الوقت، لن نتركك تغادر سالمًا). فهل صدقت نبوءة هند التي عاش معها تجربة خاصّة أنسته "نيفين" تلك المرأة الوحيدة خارج نطاق المبغى التي يرتبط معها بعلاقة عاطفية كادت أن تؤدي إلى الزواج، لولا دخوله الخان الذي نسف هذه الرغبة لدى "نيفين" وجعلها شخصية هامشية لا أثر لها إلا في الصفحات الأخيرة من الرواية، فهو يحن إلى "هند" على الرغم من وجوده مع "نيفين" ويحاول العودة إلى هناك على الرغم من حطامه الجسدي.

لقد ترك ذلك المكان بصمة قويَّة على روحه وجسده، ولم يتمكن من الإفلات من تلك الرغبة التي تعاوده كلّما وجد نفسه بعيدًا، الأمر الذي يدفعنا للسؤال عن ماهية المكان وكيفية توظيفه عبر السرد ومنحه هويَّة عميقة ومؤثرة على الاحداث. فالمكان هنا (خان الشّابندر) هو الشخصية الرئيسية في الرواية، والعودة إليه أو البحث عنه وسط الركام، هو الحبكة التي تشدّ القارئ وتقوده مع شخصية الصحفي في زوايا ومنعطفات الحيدرخانة وشارع المتنبي ومنطقة القشلة .إنّ البيئة هنا لم يعد لها ذلك السحر، بعد أن فقدت بغداد جماليتها الخاصّة حسب الراوي، فهو عالم مظلم عبارة عن ركام هائل من الأنقاض التي تركت بصماتها على روح الانسان وجسده المنتهك، فهل كانت نظرة الكاتب المغترب العائد هي نظرتنا نحن الذين لم نفارقها ونغض الطرف عن خرابها وما اعتراها من تغيير؟

1209 RASMIAخارج المبغى يمثل لقاءه بالطفلة "زينب" التي تبيع الكعك لإعالة أخوتها اليتامى التي تمثل نموذجًا آخر للمسحوقين، ويمثّل تمسكها بشخصية الراوي توقها إلى الأبوّة التي حرمتها منّها الحرب. لقد استطاع الكاتب، بواسطة شخصية "زينب"، أن ينطلق في سردٍ واقعي شمل وصف تلك الطفلة الفقيرة المشردة التي يتجسد يومها في البحث المحموم عن لقمة العيش، وفي مشهدٍ بالغ الروعة حين يقودها الصحفي عبر الشوارع لترشده إلى شارع المتنبي وهي الخبيرة بالأزقّة والدرابين التي تمارس فيها مهنتها كبائعة للكعك، وقد سألها ان كانت جائعة فأكدت له انها تعودت على تناول وجبة واحدة في اليوم مع اخوتها، وحين دخلت معه المطعم خجلت من تناول الطعام لأن عيون الفضوليين تنظر إليها باستنكار، وقد سألته السماح لها بأخذ الكباب معها إلى أخوتها، وهو مشهد إنساني مؤثر يدلُّ على وعي الكاتب وانحيازه لهذه الشريحة من الناس، شريحة الفقراء الذين سحقتهم الحرب وتماهياتها وغياب سلطة القانون والانهيار الفاجع للدولة.

في تلافيف العمل الروائي، لم يغفل الكاتب قضية التطرق لنفوذ الأحزاب والمليشيات التي بسطت نفوذها على مناطق بغداد، حيث كانت "أمّ صبيح" تدفع لهم لتضمن سكوتهم او غضهم الطرف عن عملها، بالإضافة إلى ما خصصته لهم من حصة في أجساد الفتيات وفق حجج يلجؤون إليها بين الحين والأخر، وهي قضية مهمة جدًّا وإشارة ذكية من خلال شخصية "ملّا جليل" ذلك الشيخ الذي يمثّل السلطة الدينية وضمان حقّها في تقاسم المنافع وتتبادل الأدوار، مستفيدة ـ تلك السلطة ـ من نفوذها في حماية الرذيلة سرًا ومحاربتها علنًا. إنّها رواية عراقية صرف تُعبّر عن مرحلة ما بعد الاحتلال في العام ٢٠٠٣ وما تلاه من موبقات بنجاح منقطع النظير

 

رسمية محيبس

 

 

1206 taeiإنَّ اللغةَ الفنيَّةَ أداةُ توصيل، وتعبير، وتحديد هوية، فلا يتفكَّر بها من تعتملهُ هواجسُ الشعر المُترفة بالأحاسيس والمشاعر، أو يستحضرها عن قصد وطبيعة، فهناك بنية خفيَّة تحكم ظاهرَ الكلام، وتجعل منه نشاطاً فرديَّاً ذا صفةٍ جماعية قادرة أنْ تؤدي رسالةً محددةً ومفهومةً للآخَر .

واللغة الفنيَّة لا ترتبط بالواقع ارتباطاً وثيقاً، أوآلياً، إنَّما ترتبط ارتباطاً جدلياً بين الذاتِ والموضوع، إذ لاتفاضل بين العمل الفني واللغة، فدور الفن " أنْ يرميك في أتون الحياة لحظة يحدِّثكَ عن الموت، أو يكشف عن واقعٍ أفضل وأبهى، فيما يحدّثكَ الأليف لا دوره وحسب بل سِرَّهُ أيضاً، السرّ الذي يميِّز الأعمال الأدبية والفنيَّة العظيمة ويطبعها "، وهذا هو معنى الإرتباط الجدلي بالواقع مع لغة الفن .

وشاعرتنا لمياء الطائي تعبِّر في مجموعتها الشعرية (على قيد الحب) عمَّا يعتملها بلغتها الأدبية التي امتازت بسلاسة المفردات ورقرقتها، فقد مثَّلتْ صورةً صوتيةً لشعورها، فتزيَّنَ شعرها بصورٍ تنسجم والمعاني التي حملتها مفردات قصائدها، وهي تقدمها ترانيمَ عشقٍ، تخالج أرواح وأذواق متلقيها .

ولعلَّ في قصيدة (شهلاء)، نجدها تمازج بين الصوت والصورة، واللفظ والمعنى، بشهادة الحروف التي منحتْنا أنْ نقرأ ذلك الانسجام الخميل، فهي تقول :

كلّ النساءِ

حين يكتبنَ لك حمقى،

كلّ امرأةٍ تدخلُ مزاجَك

تخلِّفها ذكرى،

أمَّا أنا لي مزايا التغزُّلِ

بصوتِكَ، بوسامَتِكَ، بحضورِك .

نراها في تلك السطور تعكس صورة الحشرجة في صوت الكاف، حينما تتحدث عن غيرها من النساء المنافِسات لها في الاستيلاء على قلب الحبيب في الأسطر الأربعة الأولى من النص، إذ تبتدأ به، بوصفه صوتاً يتعايش مع ألفاظ الكدر، والكذب، والكفاف ...، ثم  تكرره ؛ لتمنح المعنى تأكيداً، وحينما تصف ذاتها في السطرين الأخيرين من النص نجدها تهمس بسلسلة من الأصوات ذات الوقع الشفيف، فصوت الميم وردَ خمس مرات، وصوت التاء وردَ أربع مرَّات، وهما من أصوات الهمس، وتخللتهما أصوات الصفير (السين والزاي والصاد) ؛ لتمنح دلالة التغني بأنوثتها، وترف حضورها الجاذب للحبيب . بينما صوت الكاف أوردته بنهايات كلمات التغزل (صوتك، همسكَ، وسامتك) ؛ لتعلنَ نصرها على منافساتها اللاتي اتسمن بدلالة الكاف، مومئةً لمواقعهن في نهاية الركب .

ويبدو أنَّ شاعرتنا خبرتْ لعبةَ الشعر، إذ نراها تزاولها بعذوبة أحاسيسها، وجمال مشاعرها، فالشعر لديها " لايتشبَّه بالواقع سواء أكان ظلاماً أو نوراً، أي إنَّه لايرتبط به آلياً، إنَّما تأخذهُ ككل، وتنفذ من معانيه ودلالاته وأبعاده، حيث تتشابك " الكبوةُ والصحوةُ، العتمةُ والضوء، الجمود والخلخلة، السكون والحركة، الحب والكره في حركةٍ دائمةٍ من التحوِّل الدائم، وعلى الرغم من وضوح دلالاتِ قصائدها، لكنَّها أخذت معانيها من موفور أحاسيسها التي شاعت برومانسية عالية من العشق الأنيق، وهي تتطوَّف في عوالم باذخة بالسحر والجمال ؛ لتجعل من متلقيها يعيش نشوة الحب مع طيوف محبوبته التي صوَّر طيوفَها له خيالُ شاعرتنا أنيقة المشاعر .

وقد نجد الشاعرة قد اتكأت في بعض قصائدها ؛ لتمازج بين رموز الحبِّ عبر التاريخ، ومنها قصة ليلى ومجنونها قيس ؛ لتفيد من عمق تجربة الحب الذي دهمهما، فهي تقول :

فأنا طالعةٌ من سلالةِ

ليلى العامرية .

لا أُهدي قلبي إلَّا لرجلٍ

يحترفُ عشقَ قيس

وروحَه الجنونية .

فنراها تربط حب ليلى الذي يمثل صور السلام والحياة الحرة الكريمة بامتداده إلى يومنا هذا ؛ مؤكدةً ذلك بقولها : (فأنا طالعةٌ من سلالة ليلى العامرية) .

كما نجدها تتناص مع القرآن الكريم لاسيما سورة يوسف، مستحضرةً قصة زليخا، لكنها تعكس مراودة زليخها ليوسفها، فهي تراود قلبها؛ كي لايشتط كثيراً وإنْ كان حبُّها قاتلاً، فهي تقول في قصيدتها (حصحص الشوق) :

أم ما زلتُ في السُلَّمةِ الأولى من العشق ؟

بصوتٍ خفيٍّ همسَ لي :

حصحصَ الشوقُ

فراودْتُهُ عن قلبي

لأنَّ من الحبِّ بي ماقَتل .

ويبدو أنَّ حبَّها تشكَّل بمرموزات متنوعة لاسيما للوطنِ، فهي تنتقد السياسيين وهم يزرعون شتلات الحزن في القلوب الذي جعل النفوسَ الحزنَ نفسه ؛ لما يحصل من فتن وحروب أهلكتْ الحرث والنسل . إذ تقول في قصيدتها (سيناريو جميل) :

نحن لَسنا شعباً حزيناً

نحن حزنٌ يسافر داخلَ قلوبِنا،

غربةٌ تغفو داخلَ أرواحِنا،

ساسةٌ يمزّقون أوصالَنا،

مستقبلٌ يتخاذلُ مع شهواتِنا،

ياسمين يُذبح على عتباتِنا،

ومازالتْ اللعبةُ قائمةً

وما زالوا يفتّشون عن سيناريو جميل .

إنَّ شاعرتنا في مجمل قصائدها، نراها قد توشَّحت بوشاح الحياة التي ترفل بعذوبة الجمال والانبعاث، وهي ترقى لقلوب الناس أملاً وحبَّاً وسلاماً،

فمجموعتها الشعرية تمثل دعوةً للسلام ؛ لأجلِ أنْ يشعر الإنسان الحاضر بإنسانيته، فيوجِّه مشاعره وأحاسيسة تجاه الآخرين، وشاعرتنا آثرت أنْ تزرع بذارَ الحبِّ في منعطفات الأدغال .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

 

الشعر الوسيط: الشعر الحر هو تأثير غربي دخل الأدب العربي بدافع إذلال قصيدة القريض و محوها من ذهن الإنسان العربي، وذاك محال، حيث جاء الردّ عكسيًّا من شعرائنا حين نحتوا منه الشعر (الوسيط) بموسيقى خليليّة وتعبير غربي مليء بالانزياح نحو الخيال والرمز، فكان لونًا حداثيًّا جميلًا انبثق من سيّدته قصيدة القريض بشكل

جميل ومبهر، وحلقة وصل بين القريض والحر المستورد، وتلك حركة عبقرية نابعة من الانزلاق الحيادي للرفض المجتمعي لساكني ذلك الزمن الجميل (منتصف القرن العشرين)، الذي يتمسّك بالموروث ولا يرضى بديلًا عنه، ومن هؤلاء الشعراء بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، فكانوا عندها مختبئين تحت جلباب الحذر والخجل من أنّهم أدخلوا شيئًا غريبًا للخيمة العربية المترعة بشموخ الفراهيدي، لذلك جاءت أوزان قصائدهم (وسيطة) تميل كثيرًا نحو الأوزان الخليلية بتحفّظ شديد من تطبيق الحريّة الكاملة و الاتجاه المستعجل نحو التفعيلة بشكل كامل، كما هو الحال عند عبد الوهاب البيّاتي وشعراء الحداثة وغيرهم الكثير، و قدّم هذا النوع الوسيط فائدة كبيرة للشاعر العربي، ولم يكن بمنافسٍ للشعر القريض بل خضع له و صار فرعًا مهمًّا منه،  يقع بين شعر الحر المموسق بتفعيلة و القريض المقفّى، وكان وجوده مع  الشعر القريض مساندة قوية ومحطّة فائدة، زوّدته بمضامين القصيدة الحرّة بشكل تبادلي...

 لقد ساهم الشعر الوسيط بتقريب الحريّة للشعر، التي استفاد القريض منها عند ملاحقة الشعر الحر للمعنى، حتى صارت ملاحقة القريض للمعنى بدرجة ملاحقته للموسيقى الخليليّة وأكثر، وربما بشكل متوازٍ مع طريق موجة الشعر الوسيط السيّابي، الذي يجمع بين موسيقى التفعيلة والمضامين المتعددة، و بخروجه عن الأغراض الشعريّة السلبيّة من مدح وهجاء وذم، وكسب مفهومًا ذرائعيًّا حين دخل المذاهب والمدارس الأدبية، أمّا القريض فقد حاز على تطوّر ملحوظ  بخروجه عن الأغراض وقبوله الانزياحات، كالانزياح نحو الرمز والخيال، فازداد عمقًا حين بدأ بهجر المباشرة التكوينيّة، مع تمسّكه بالوزن والقافية، أمّا الفائدة التبادليّة ذات الأهميّة التي حصل عليها الشعر الحر الوسيط من القريض، فهي الموسيقى التفعيلية المقترنة بالموسيقى الداخلية، التي أعطت الشعر الحرّ تناغمًا ولحنًا جميلًا متتابعًا وخاتمًا للجملة الشعريّة الحرّة…

الشعر الحر شعر التفعيلة:

وأمّا مبعث الحريّة في الشعر الحر فيتأتّى من إسفين الموسيقى الحديديّ الذي دُقّ بين الشعر عمومًا والنثر، فانحسار الموسيقى من الشعر يجعله نثرًا والعكس صحيح، أمّا الحريّة في قصيدة الحر التفعيلة فتنبع من تحرّرها من الأوزان

الخليليّة الستّة عشر، وجعلها حرّة في تنغيم التفعيلة المتتالية في نهاية الجمل، والمتغيّرة باستمرار طبقًا لملاحقة المعنى بضمان التفعيلة المستمرة، ولذلك وقع في الخطأ الكثيرون ممن أعطَوا شعرَ التفعيلة الحر أوزانًا ثابتة، أي أنّهم ساهموا في إعادته من جديد لقيود الوزن والقافية بعد تحرّره منها.

ومن جهة أخرى، فإنّ الحريّة في قصيدة النثر تكمن في التحررّ الكامل من موسيقى النهايات، و كليًّا من التنغيم المتتالي في نهايات جملها، وتكتفي بالموسيقى الداخلية المختبئة بين سطورها وتحتها، وليس في احتلال النهايات بشكل ظاهري، وأعجب أنا من بعض الباحثين الذين أخرجوها من الشعر الحر وأعطوها استقلالية وكأنّها مريض بداء معدي وعزلوه عن أخوته، ولا أعلم على سند علمي أسند هذا العزل والإبعاد، هي شعر حرّ مموسق خالٍ من التفعيلة، أي أنّها لا تفتقد الشعرية حتى تعزل، وهي تتبع حالة الشعر الحر التفعيلة الذي هو شعر مموسق فاقدٌ للقافية....

إنّ الفوائد التبادليّة تلك، منحت الحريّة الواسعة للشاعر بالتنويع الفكري والفني والجمالي والتكنيكي ما كان يمتلكها من قبل، وجعلت من الشاعر العربي شاملًا وموسوعيًّا و مستوعبًا لكثير من العوامل التي دخلت عليه من باب كان موصدًا، وفتحته الحداثة الإيجابية بشكل فجائي واسع، فجعلت من شاعرنا العربي اليوم يقف  بشموخ وكبرياء بين شعراء اللغات الأخرى، وهو يجيد جميع العناصر المكوّنة للنص التي بثّتها المدارس الأجنبية شكلًا ومضمونًا، بذلك أصبح الشاعر يفكّر بالتّجنيس الدقيق وبشروط النصّ وحداثته، وبنائه الفني والجمالي، ويفرّق بين الطوارئ الداخلة على النصّ العربي والانزياح نحو الخيال والرمز، والمدخولات على دواخل النصّ الداخلية من القشرة الأولى حتى أعمق أعماق النص…

الشعر الحر قصيدة النثر:

وشدّدت فترة الحداثة على التقبّل الفكري و الأدبي، ودخل ميدان الشعر الحديث الكثير، خصوصًا دخول قصيدة النثر التي تعدّ بنت الحداثة المدلّلة وإفراز جميل من إفرازات الترجمة في الأدب العربي، كونها نوع صعب التجنيس، فهو قصيدة شبيهة بالخاطرة والنص المفتوح من الناحية البصرية في جغرافية التجنيس، واختلافها المفارق عن التكوين النثري، فالموسيقى الداخلية تنبع صعوبتها من محتواها الموغِل بالتكثيف السردي المموسق، فهي شكلٌ بصريٌّ يقود إلى الحيرة والالتباس بالتأرجح بين الخاطرة والنثر الشعري، ويقرّ ذلك إسفين الموسيقى العازل بين النثريّة والشعريّة بين جنباتها ….

ظهر مصطلح قصيدة النثر في الأدب العربي( ) في مجلة شعر سنة 1960 للدلالة على شكل تعبيري جديد انتهت إليه الكثير من الأشكال التجريبية التي جرّبها جيل

النصف الأول من القرن العشرين، كالشعر المنثور والشعر الحر، ويعدّ في مرحلته بمثابة الثورة الأخيرة على عمود الشعر العربي في بعده الإيقاعي خاصة، وقد اعتمد كلّ من أدونيس وأنسي الحاج في دراستيهما التأسيسيّتين على كتاب سوزان برنارد " قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا" إلى درجة القول: إنّ ما كتبه هذان الباحثان الشاعران لا يعدو أن يكون مجرّد تركيب لمقاطع من هذا الكتاب، وقد حدّدت سوزان برنارد لهذا الشكل الشعري ثلاثة خصائص تبنّاها كلّ من الباحثَين العربيين وهي :

أ ـ الوحدة العضوية :

فقصيدة النثر بناء يصدر عن إرادة واعية، وليس مجرّد مادّة متراكمة تراكمًا غفلًا، إنّها كلٌّ غير قابل للتجزيء أو الحذف أو التقديم أو التأخير بين مكوناته.

ب ـ المجانبة: فهذا الشكل جديد لا علاقة له بكلّ أشكال الكتابة المعروفة من نثر وشعر، ورواية ومسرحية، حتى ولو وظّف تقنيات هذه الأشكال، فهو شكل جديد لا غاية له خارج عالمه المغلق….

ج ـ الكثافــة:

 يبتعد هذا الشكل الجديد عن كلّ خصائص النثر من استطراد وإيضاح وشرح وإطناب، وتكمن خاصيّته الشعريّة في كثافته وإشراقته، وبعبارة أدونيس إنّه " كتلة مشعّة مثقلة بلا نهاية من الإيحاءات قادرة على أن تهزّ كياننا في أعماقه، إنّها

عالم من العلائق". عرفت “سوزان برنار” قصيدة النثر بقولها: "هي قطعة نثر (1) موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعة من بلّور، خلق حرّ، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجًا عن كلّ تحديد، وشيء مضطرب، إيحاءاته لا نهائيّة". وعرّفها بعض الباحثين والمفكرين بأنّها جنس فنيّ ابتكر لاستكشاف القيم الشعريّة الموجودة في لغة النثر، ولإيجاد مناخ مناسب للتعبير عن التجارب والمعاناة التي واجهها الشاعر بتضمينه صورًا شعرية عريضة تتّسم بالكثافة والشفافية معًا…و تكمن أهميتها عند الحرص على تعويض الانعدام الوزني في القصائد التقليديّة، بمعنى أنّ  شكل قصيدة النثر الفنيّ يسعى إلى التخلّص من قيود النظام العروضي في الشعر العربيّ، والتحرّر من الالتزام بالقواعد الموروثة من القصائد التقليديّة، وقد اتفق بعض الأدباء على أنها نصّ هجيني يمتاز بانفتاحه على الشعر والسرد معًا، ويتّسم بافتقاره للبنية الصوتيّة الكميّة ذات التنظيم، إلّا أنّ له إيقاعٌ داخليٌ منفردٌ بعدم انتظامه، ويبرز ذلك بتوزيع علامات الترقيم ...

ميّزات قصيدة النثر:

تتميّز قصيدة النثر بالميزات الغريبة التالية والتي بحثتُ عنها كثيرًا ولم أجد فيها ما ينصف تلك القصيدة، وأنا أراها متناقضة وتخرج بالقصيدة النثرية من الإبداع الشعري الذي تتضمّنه  بين جنباتها :

- بخلوّها من الوزن والقافية، والتفعيلة.

- عدم احتوائها على المحسّنات البديعيّة.

- تحررّها من الأنماط التفكيريّة وما يرتبط بها من قوانين وأحكام، أي أنّها تكتب وفقًا للفكر الخاص بالشاعر.

-  وتمتاز بسكون نهايات الجمل والسطور والمقاطع.

-  إمكانية قراءة مفردات القصيدة الداخليّة دون الالتزام بالحركات، أي تعميم السكون على كامل القصيدة.

-  الغموض وصعوبة الفهم والتفسير بشكل مطلق، لذا يتوجّب على قارئ قصيدة النثر التروّي والتأمّل في قراءتها.

-  قابلية قصيدة النثر للتعديل، لذلك وصفت بإسفنجية البناء والتركيب….

وخلال تلك السمات الغريبة على الشعر العربي خرّجت "قصيدة النثر" من الشعر تمامًا! وهذا شيء خلافي حين تقرأ قصائد النثر لشعرائنا العرب في كلّ الحقبات، وينتفي هذا الخلاف الكبير بين النقّاد والباحثين العرب الذي زرعه فيهم رأي سوزان برنار وبعض الأدباء والباحثين والنقاد العرب، حيث باتوا لا يفرّقون بينها وبين الشعر الحُرّ، إلّا أنّ الأمر في حقيقته يكمن في إطلاق تسميتين لنمط كتابي واحد، والبعض يرى بأنّ هذين الجنسين - الحرّ والقصيدة النثرية - مختلفان تمامًا…وفي رأيي أنّ هذا الأمر يقودنا إلى أنّ قصيدة النثر هي قلب الشعر الحر لكونها تمرّغت بكامل الحريّة في موسيقاها الداخلية، وهي الوحيدة التي تستحق التسمية (قصيدة النثر الحر)، ومن جهة أخرى يقود هذا الأمر إلى أنّ قصيدة النثر قد رأت نفسها بين أيدي العرب بشكل أكمل وأجمل منها وهي بين أيدي شعراء الغرب.....

نماذج مختارة من قصيدة النثر:

أعرض نموذجين الأول من عصر الحداثة السبعينات من القرن المنصرم للشاعر الحداثي الرائد الكبير (محمد الماغوط )، والثاني من عصر التقبّل والانبهار، الربع الأول من القرن الحادي والعشرين (2017) للشاعر العراقي الكبيرعبد الجبار

الفياض: وسنلاحظ الفرق بشكل واضح بين الجيلين في كتابة النص الشعري المنثور:

الشاعر الرائد محمد الماغوط

محمد الماغوط :

عكازك الذي تتَّكئ عليه يوجع الإسفلت

فـ"الآن في الساعة الثالثة من هذا القرن

لم يَعُد ثمَّة ما يفصل جُثث الموتى

عن أحذية المارة".

♦  ♦  ♦

يا عَتبتي السمراء المشوّهة

لقد ماتوا جميعًا: أهلي وأحبابي

ماتوا على مداخل القرى

وأصابعهم مفروشة

كالشوك في الريح

لكنّي سأعود ذات ليلة

ومن غلاصيمي

يفور دمُ النرجس والياسمين

♦  ♦  ♦

عبد الجبار الفياض

 مسٌّ من عِشق

            

الحالمةُ أنتِ

بعودةِ سُندُبادِها المُثقَلِ بأنفاسِ بحرٍ

مخبول . . .

لا يلتئمُ موجُهُ الصّاخبُ إلآ بألمِ نوتيٍّ يخزنُ مواويلَهُ لإيابِ يومٍ

يحملُهُ لدافئِ حُضن . . .

. . . . .

بَ . . صْ . . رَ . . تِ . . ي

أقولُها

كَبدًا مقطّعةً ليطولَ يومي في محطاتٍ

سلَختْ من العُمرِ صِباه  . . .

أمُّ البروم

سوقُ الهنود 

ساعةُ السّورين

سينما الحَمراء

تومانُ ومزمارُهُ السّحريّ . . .

انفتلَ الزّمنُ  سوطًا

يلْهبُ قفاي

يُفتّتُ ما بقيَ مِنْ جَلَد

صورًا

ليستْ للبيْع !

. . . . .

سمراءَ خليجِها 

استودعتُكِ التي ما أنا إلآ بها . . .

ما استودَعَ بغدادَ قمرَهَ مُهاجر . . .

فحفظًا لِوديعةٍ

في محرابِها واقفًا يسجدُ شعري . . .

. . . . .

ليستْ هي شبعادَ بقيثارتِها السّومريّة

تعزفُ لحنَ الطّينِ الخالد . . .

لا عشتارَ

تهَبُ الخِصبَ لعقيمِ السّنابل . . .

سميرَ أميس في معروشاتِها المُعلّقةِ

تتنفّسُ غرورَها برئةِ الملوك . . .

مانُكّرَ لها في لحظةٍ عَرش . . .

إنّها سومريّةٌ فقط !

عندّها ما عندَهُن

ليسَ ما عندَها عندَهُن . . .

. . . . .

 مزاميرُ قَصَب 

تتَلوّنُ بأفواهِ الرِّعاء

بشائرَ عُرسٍ 

تحرسُهُ من الحورِ عَين . . .

كيفَ لهُدهُدٍ ضالٍّ أنْ يُخبرَ عن حُسنٍ رأى ؟

أحمرُ ؟

كما وصفَهُ أعمى البصرة  . . .

أمْ أنّ أبيضَهُ جمّارُ برحيّةٍ

غلَتْ على مُتيَّمِها

فاستهام ؟

رُبَما هوَ مِزنةٌ

توحمتْها أرضٌ يباب . . .

. . . . .

انتظرتُها بينَ شروقٍ يولد

وغروبٍ يموت . . .

رحلةً من غيرِ حقائب

حنينَ مُرضعة . . .

واهًا لقلبٍ بهِ ماكتمَ أبو الطّيّبِ ما بَراه . . .

ويحًا

هريرة

لوما علمتِ

كيفَ تتلاشى اللّحظاتُ في عيونٍ لم تودعْها عُيون ؟

لا طاقةَ لمشطورٍ بينَ حِلٍّ وترحال !

خيطٌ مِنْ نار . . .

ما دها دقاتِ قلبهِ

لولا أنْ رأى برهانَ ربِه ؟

. . . . .

يا أنتِ

يا آخرَ القصائد

تدليتِ عنقودًا في نشيدِ الأنشاد

سلافةً لم يقربْها فَم . . .

مَنْ منّا ظَمَأُ ؟

أغلقَ شفتيْه

باحَ بوالهةٍ

تناهتْ نداءً صامتًا

طريقًا إليها 

من غيرِ أنْ تُغلّقَ أبوابٌ

يُجرّدَ على عتباتِها سيْف . . .

بوصلةُ العشقِ لا تُخطئ . . .

. . . . . 

زائرتي طيْفًا 

تعصرُهُ سحابةٌ في حانةِ المطر  

بلا كأسٍ

أحتسيه . . .

فأعودُ من حيثُ أتيْت

رِمشاً

علِقتْ . . .

مرودُهُ هاروتُ وماروت !

أكانتْ أفاعي أوروك 

تنفثُ عِشقًا ؟

ربَما في سمِّها لداءِ معلولٍ دواء !

هذا ما وَرَدَ في سِفْرِ مَنْ أصابَهُ مَسٌّ مِنْ عِشْق . . .

. . . . .

أيْ

ابنَ الملوّح

ابنَ ذريْح

دُمْتُما زَمَنًا لا يُغلَق . . .

كتاباً

ما بهِ إلآ هيَ بينَ دفتيْه . . .

لا لغيرِها يتَجلّى الشّعرُ على وصفٍ يقع . . .

لم يُبدعْهُ فيلسوفٌ فضاءً لمدينةٍ فاضلة  . . .

النّقاءٌ

 لا يُرسَم  !

. . . . .

أيّها القيْسيان

كيفَ عبرتُما إلى ضفةٍ بيضاء

أساطينُ العرفانِ على بُعدٍ

لَوَّوْا رؤوسَهم . . .

نزعَ الدّهرُ خُفَّه لسجدةِ الذّهول . . .

لعلَّها أجملُ بقعةٍ لم تدنسْها من سُفهاءِ التاريخِ قَدَم !

. . . . .

يا . . .

ويطوي الصّمتُ أرقَّ حروفٍ

لا أحسَبُ سواي يقولُها كذلك !

لتَحترقْ إلا ما أنتِ فيها . . .

ما ألقاهُ نيرونُ في أتونِ غرورِه . . .

أوقدَهُ ملكٌ لحرقِ نبيّ . . .

ليستِ النّارُ بذاتِ لهبٍ فقط !

بقايا

ليسَ لها أنْ تَغرفَ حياةً بعْد . . .

العراجينُ

لا تلبسُ ثوبَها الذّهبيّ ثانيةً

وتَرتَطب . . .

. . . . .

  ديسمبر /2017

...............

يستثنى من هذا التأثير المتبادل بين أنواع الشعر، (السرياليّة)، التي تبنّى أصحابها الحداثة الغربية السلبيّة بغرض ومفهوم غربي بحت، ونفّذوا ما نصّت عليه المخابرات الغربيّة من تشويه في البنية الأدبيّة العربيّة الرصينة عن طريق الإيغال في الغموض المتصحّر، حتى تاهوا في مسالك الإسفاف والغموض المظلمة، وعزلوا أنفسهم عن هموم ومعتقدات وأخلاق مجتمعهم العربي، بدافع التحليق الشخصي في الفراغ و بمبدأ(خالف تعرف)، واستمرّوا في نسق الحداثة السلبية المرفوضة عربيًّا وإسلاميًّا، وجنحوا نحو التنويم المغناطيسي، ولا يزال الكثير منهم محلّقًّا بالغموض والفراغ والإسفاف ولا يدري و لا يفهم شيئًا عن واقعه الأدبي، وما يدور حوله من كوارث سببها الفكر الذي يتبنّاه و يفكر ويحلّق فيه هو نفسه....ً

 

دكتورة عبير خالد يحيي - لجنة الذرائعية للنشر

حركة التصحيح والتجديد والابتكار في الأدب العربي

مقال رقم 16

.................

1- عن كتابنا / دور الذرائعية في إعادة السيادة للأجناس الأدبية /

لمؤلفه المنظّر عبد الرزاق عوده الغالبي

 

adnan aldhahir2يا أمةً تصنع الأقدارَ من دمها     لا تيأسي إنَّ عبدَ الناصر القدرُ

حدث ذلك ربيع عام 1957 بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 بحوالي نصف عام . وكان ذلك في مسرح كلية التربية (دار المعلمين العالية يومذاك) في الوزيرية في بغداد . غُصَّ المسرح  بالطلبة والمدعوين بعد الأعلان عن قصيدة لهذه المناسبة يلقيها الشاعر بدر شاكر السياب . وكان ذلك تحديا كبيرا وخطيرا لنظام نوري السعيد الذي راح يتشفى من خلال اذاعة بغداد الحكومية من عبد الناصر بالأسراف في اذاعة أغنية "أسمهان" التي تقول (أنا اللي أستاهل كل اللي يجرا لي) . وكان العراق يتفجر حقدا على نظامه ويتفصد دما ويتظاهر تضامنا مع الشقيقة مصر في العاصمة بغداد وباقي المدن ويقدم الضحايا من بنيه لشعب مصر ولنيل مصر الذي عرف القرابين والأضاحي منذ أقدم العصور . ولقد سقط احد طلبة هذه الكلية قتيلا برصاص الشرطة في تظاهرة انطلقت من الكلية تدين العدوان . والقتيل هو الشهيد " ناجي نعمة " من مدينة السماوة (مركز محافظة المثنى اليوم) .

ها هو الشاب الناحل الهزيل يرتقي منصة مسرح كلية التربية برفقة صديقه   وداعيه الشاعر " صلاح نيازي " الذي كان هو الأخر يدرس الأدب العربي طالبا في هذه الكلية . كان الجمع الغفير ينتظر على أحر من الجمر ما سيقوله الشاعر المشرد والطريد - وهوخريج سابق في ذات الكلية - في ظروف سياسية بالغة الصعوبة والتعقيد حيث تكلف الكلمة فيها مستقبل المرء وحريته ومصدر رزقه وقد تكلفه رأسه .

ان الأحداث العظيمة تصنع حقا فنا عظيما وتصنع أدبا جليلا:

بور سعيد

كان هذا هو العنوان - القنبلة المباشر لقصيدة بدر شاكر السياب التي كانت أكبر من مفاجأة لطولها ونفسها الملحمي وبنائها المتين المحكم وتنوع أجوائها ووضوح مدلولاتها والتزامها الصريح . وقف الشاعر كي يقرأ:

 يا حاصد النار من أشلاء قتلانا      منك الضحايا وان كانوا ضحايانا

وفد جرى في هذا المقطع الأول من القصيدة مجرى الشاعر السوري بدوي الجبل في قصيدته الرائعة:

 يا سامر الحي هل تعنيك شكوانا         رق الحديد وما رقوا لبلوانا

وإذ أسترسل السياب في قصيدته عرج يخاطب ميناء بورت سعيد فقال:

 يا مرفأ النور ما  أرجعت وادعة        من غير زاد ولا آويت  قرصانا

 ولا  تلفظت من  مرساك  معتديا        الا  مدمى   ذليل   الهام   خزيانا

 جمعت من شط صور لمح أحرفها      واخترت من بابل واحتزت مروانا

 والنيل ساق العذارى من عرائسه       للخصب في موكب الفادين قربانا

 فلا  ابتنى  هرما  بانٍ  ولا لبست       تيجانها في انتظار الروح   موتانا

 ولا  تفجّر  في  ذي  قار    فتيتها       ولا    تنفست    الصحراء   قرآنا

وبعد هذا السرد التأريخي لخصائص مصر أيام الفراعنة وايمانهم بخلود الروح وبالبعث وقرابين العرائس والعذارى تقربا للألهة كي تدفع عن مصر طغيان نيلها وفيضاناته المدمرة، عرج على تأريخ بابل وكانت حاضرة الدنيا في زمانها جمالا وفتنة وبقوانينها وعمرانها وجناتها المعلقة وباقي مظاهر تطورها وترفها الباذخ . وأخيرا أصاب الشاعر اذ ربط هذا التأريخ القديم بالثورة الأسلامية وبدستورها القرآن الكريم وفتوحاتها الظافرة في العراق وفي مصر . بعد هذا السرد التأريخي، وهو لا شك ضروري كخلفية وتراث ومنصة للأنطلاق نحو الحاضر، يشعر الشاعر المرهف الناحل ذو الكفين المعروقتين والأوردة الناتئة كأوتار قيثارة السومريين قاطني جنوب العراق - والسياب كذلك من جنوب العراق -  ... يشعر الشاعر بالأرهاق النفسي والجسدي وهو ان تكلم شعرا هز أركان المبنى وحرك الصخر الأصم وأنطق الجماد . أجل، وبعد أن يأخذ منه التعب مأخذه لا بد وأن يحاول التقاط أنفاسه المبهورة بتغيير شكل بناء قصيدته الشعري فينتقل الى الشعر الحر وهو فارس ميدانه دون منازع فيهوم ما شاء له التهويم مناجاة وتعبدا وطقوسا، ولا عالم الرؤى والأحلام

فلنسمع ما يقول:

من أيما رئة؟  من أي قيثار؟

تنهل أشعاري؟

من غابة النار؟

أم من عويل الصبايا بين أحجار؟

منها تنز المياه السود واللبن المشوي كالقار

من أي أحداق طفل فيك تغتصب؟

من أي خبز وماء فيك ما صلبوا؟

من أيما شرفة من أيما دار؟

تنهل أشعاري

كالثار كالنور في رايات ثوار

من مائك السهران أوتاري؟

أم برجك الهاري

يبكي دما من جرح بحار؟

أطفالك الموتى على المرفأ

يبكون في الريح الشمالية

والنور من مصباحه المطفأ

قد غار كالمدية

في صدري العاري .

أرأيت أجمل من هذا الهذيان المحموم والتهويم الساحر والمسحور معا الذي يقطر أسى من شدة الأحساس بفجيعة العدوان وتدمير مدينة بورت سعيد، والخطاب كله موجه الى هذه المدينة الباسلة البطلة . انه يتوجه لصبايا مدينة الصمود ولأطفالها الأبرياء الضحايا وللميناء والريح والى فنار الميناء وتلكم لوحات مستمدة من أجواء البحر ومن خصائص مدن السواحل واذ يستشعر الشاعر بعض الراحة ينتقل كرة أخرى لعمود الشعر العربي ليصب فيه جام غضبه وثورة روحه التي ما هدأت يوما الا لتنتقل الى ملكوتها الأعلى . يحن ثانية لأصوله الفنية وفيها ما فيها من التزام وضبط وتسلسل يخضع للعقل وللمنطق . وما أحوج الغازي لأن يوضع في قفص الأتهام ليحاكمه التأريخ والقضاء في محكمة الزمن . أجل، ينتقل الشاعر في المقطع الثالث الى قوافي وعروض ابن مدينته وعبقري اللغة الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري فيقول مخاطبا بورت سعيد:

هاويك أعلى من الطاغوت فانتصبي      ما ذل غير الصفا للنار والخشبِ

حييت من  قلعة    شق  الفضاء  بها       أس لها  في صدورالفتية العربِ

الطين     فيها   دم   منا  وجندلها      من عزمة والحديد الصلد من غضبِ

في  كل أنقاض  دار  من  صفاه  يد       جبارة  تصفع  العادين   كالشهبِ

ان  الحديد  الذي  صنت الحياة   به        غير الحديد  الذي وافاك بالعطبِ

خُرسٌ   نواقيسك   الثكلى   ودامية        فيك  الأناجيل والموتى بلا  صُلُبِ

الى آخر هذا المقطع الذي يختتمه أجمل ختام اذ يخاطب الأمهات الثواكل:

واستنطق الأم ثكلى أين جيرتها         من فتية لاصطياد العسكر اللجب

تفدي بما ستبيح الجند من دمها         والنار،أعراض كل الخرد العرب

وهذا بالضبط شأن أمهاتنا الباسلات الغيورات يتقدمن الصفوف مندفعات صوب الموت حفاظا على بناتهن وصونا لأعراضهن . فدم الوالدة فداء عرض وليدتها . فما أعظم الحياة وما أشرف ناموسها.

ويتعب الشاعر المرهف الذي أضناه الشعر والتشرد والفصل من الوظيفة والمطاردة والسعي اللاهث لضمان لقمة العيش . نعم انه يتعب وكيف لا يتعب هيكل عظمي يتردد خلاله نفس وتصطفق فيه روح جبارة متمردة لا قرار لها ولا من مستقر، تستشعر دنو أجلها فتغذ نحوه المسير العاصف اللاهب الدؤوب . اذن فليلتقط الشاعر المهموم أنفاسه ولا راحة للنفس البشرية المعذبة الا بالأسترخاء المؤقت والأنطلاق على السجية مع عالم الشعر الحر حيث لا حركة يليها سكون وحيث التملص من قيود (فعولن فاعلن فعلن فعول ...) وباقي عروض وبحور الفراهيدي . هنا في هذا العالم يستطيع الشاعر المجود أن يمدد رجليه ويديه الى أقصى ما يستطيع .

وهنا يأخذ فكر الشاعر مداه الأرحب . ولننظر في نتاج ساعة الراحة:

من أي عبء على روحي ومسمار

من أعين في صليب تحت أسواري

تأتيك أشعاري؟

حمراء خضراء من جرح ومن غار

خضراء من راية حمراء من نار

خضراء كالماء في فردوسك الجاري

يا ليت أوتاري

خضراء حمراء من قلبي ومن ثاري

يا ليت أبواب قلبي منك تلتهب

ياليتها دون قفل ليتها خشب

أو خرب الجند قلبي، فهي تنتحب

في كل اعصار .

كم من دفين كل ماء القنال

في مده العاتي وفي جزره

يلقي على صدره

عبئا من الظلماء - كان القتال

من أجل أن يرتاح في قبره

ما كان الا من دموع الرجال

والنسوة الباكين في قعره

هذا الذي بين العبابين سال .

تختض في ليل الخليج الصدور

والشمس تحسو كل ماء الصدور

في عالم  لم تمش فيه العصور

من ملتقى للماء بالماء

كالليل هذا الماء ند الحياة:

الموت والميلاد بوابتاه .

 لقد فرض اللون الأخضر - النماء والخصب والأمل - نفسه على الشاعر في بدايات هذا المقطع الرابع ولكن أنى لشاعر معذب ثائر أن يتخلى عن ثورة عذابه وعن عذاب ثورته؟ اذن فلا مناص من امتزاج الطيفين اللونيين المعبرين عن الأمل الحالم - الأخضر - وعن التمرد والثورة ولا ثورة دون سفك دماء وقرابين - اللون الأحمر -  . مرة أخرى نتلمس عمق جغرافية الحدث في خيال وفي وجدان وفي تصورات الشاعر . فالمعركة أصلا حول قناة السويس . وللسويس خليج مشهور . وقناة السويس انما تربط ما بين ماءين: ماء البحر الأحمر  وماء البحر الأبيض المتوسط . لذلك نرى الشاعر السياب - ابن البصرة المطلة على شط العرب وعلى الخليج - طافيا على عباب الخلجان وعلى زبد الأمواه ملمحا تارة ومشيرا تارات أخر: -

                    كم من دفين كل ماء القنال

                    في مده العاتي وفي جزره

ثم:

                   تختض في ليل الخليج الصدور

ثم:

                   في عالم لم تمش فيه العصور                          

                   من ملتقى للماء بالماء

                   كالليل هذا الماء ند الحياة

                   الموت والميلاد بوابتاه .

في المقطع الخامس والأخير يحافظ الشاعر على بحره لكنه يبدل القافية .

ومعروف عنه أنه ذواقة في أختيار القوافي، شأنه شأن المتنبيء . فبعد التطواف المتمهل في أعماق الـتأريخ والمياه، وهوتطواف لا يخلو من الحذر الواعي الواضح والنظم المنغم العقلي، يركب الشاعر شراعه المنفتح ضد الريح وضد أنواء البحر وعواصفه ويطلق مرة أخرى العنان لشاعريته ولخياله الذي هو مزيج خصب من تراثه العربي وثقافته الأنجليزية الحديثة التي درسها في كلية التربية . فلنسمعه يخاطب مدينة البطولات  " بور سعيد ":                     

غاض المغيرون عن واديك وانحسروا      فالأرض تدمى بقتلاها وتزدهر   

وأزدارك الموت لا ملسا  ملامحه         بيضا، كما تهلك الأنعام والشجر

حاشاك فالموت تورى فيك حدته          طعم الدم الحي ما يرقى به البشر

أخفاه  عنك  التزام  واشتباك  يد          في مثلها فهوحيث اجتازه البصر  

حتى اذا ارتد واستبشعت صورته         أدركت  أي  انتصار ذلك  الظفر

أدركت أن  الضحايا  رد كاثرها          فيك  الأقل  المضحي أنها  كثر

من سدد النار في أيديك  يوردها          كيد  المغيرين  منه الظن والنظر

واحتاز في قلبه الأحقاب يزرعها          في جانب منه واستبسالك  الثمر

واستنفر الشرق حتى  كاد  ميته           يسعى أهذا صلاح الدين أم عمرُ

هذا  الذي  حدثتنا   عنه   أنفسنا           في  كل  دهياء  نبلوها  وننتظر

هذا الذي كلَّ  عن سحق  لبذرته          بالخيل والذابلات  الرومُ   والتترُ

يا أمةً تصنع الأقدارَ   من  دمها           لا تيأسي، إنَّ عبد الناصر القدرُ

الى أخر المقطع الختامي حيث اشتعلت القاعة تصفيقا خيل للحضور أنه سوف لن ينقطع .

لقد قرأ السياب البيت (يا أمة تصنع الأقدار من دمها ...) كما رويته وكنت حاضرا ذلك الأجتماع وسمعته كما سمعه سواي من الحاضرين  ينهيه بالصورة التالية: (لا تيأسي ان عبد الناصر القدر)

لكن عندما ظهر ديوان الشاعر " أنشودة المطر " آواخر عام 1960 غير السياب من هذا البيت فاستبدل اسم عبد الناصر باسم سيف الدولة !!! فأصبح عجز البيت (لا تيأسي ان سيف الدولة القدر) .

فهل كان السياب مختصما مع عبد الناصر يومذاك؟ كلا . فلقد كان عام 1960 مصطفا مع " الجبهة القومية " التي كانت مع ناصر تقاتل ضد رئيس وزراء العراق عبد الكريم قاسم والقوى والأحزاب التي كانت تؤازره وتلتف حوله مصلحة أو دفاعا عن النفس . وكان السياب في ذات الوقت متعاونا أديبا وشاعرا مع جهات في لبنان هي الأشد عداوة للوحدة العربية ولرمزها جمال عبد الناصر . منها مؤسسة فرانكلين ومجلة  شعر ومجلة حوار(1) .

وهكذا نجد البيت اياه مثبتا (2) كما ورد في طبعة 1960 لديوان " أنشودة المطر " . فأقتضى التصحيح تقويما لتأريخ الرجل المضطرب والشديد التذبذب والتقلب .

على أية حال، فقصيدة " بور سعيد " قصيدة عملاقة تتفرد بخصائص لا مثيل لها منها:

 1- أنها تتكون من خمسة مقاطع، في ثلاثة منها نحا الشاعر منحى الشعر العربي التقليدي  فحافظ على العمود والبحر والقافية مؤكدا بهذا على هويته وعلى مكنته من هذا اللون من التقنية الشعرية . أما في المقطعين الآخرين - وكانا بين بين - فقد نحا فيهما الشاعر المنحى الجديد وقتذاك من حيث الشكل - قصيدة الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة الواحدة .

2- بدل القوافي ثلاث مرات في مقاطع العمود الشعري التقليدي فأنتقل من حرف النون المطلق الجميل الى حرف الباء المكسور ثم الى حرف الراء المرفوع . ففي القافية الأولى شمم وأباء ورفعة بالأضافة الى الجمال الذي يذكرنا برائعة جرير:

 ان العيون التي في طرفها حور          قتلننا  ثم  لم يحيين قتلانا

وفي روي المقطع الثاني حسرة وأمارات انكسار تحت ثقل وطأة المأساة وكثرة الضحايا . ثم انه لختام موفق أن تنتهي القصيدة بالراء المرفوعة ثقة بالنصر وشموخا ما بعده من شموخ فضلا عن العزم والتصميم . فتذبذب اللسان بنطق حرف الراء يوحي بأشياء كثيرة أولها الأنفعال الشديد المرافق لتنفيذ عمل هام بل وضروري لأدائه .

الغريب أن الأستاذ ناجي علوش (3) يعتقد أن هذه القصيدة قصيدة عادية .

ولست أرى أساسا لأعتقاده هذا، فالقصيدة كما قلت آنفا تتميز بأمور كثيرة جعلتها القصيدة الجوهرة بين كل ما قيل ابان أو بعد معركة بورسعيد وغزو قناة السويس . وكان الشاعر منسجما فيها مع نفسه أيما أنسجام . ويخيل لي أن السياب دشن في هذه القصيدة التحول الجذري في حياته الفكرية والشعرية والسياسية، فأعلن براءته من التزامه الشيوعي السابق متجها وبأقصى سرعة نحو اليمين . فتحوله المعروف بعد ثورة 14 تموز 1958 ما كان طفرة أو حدثا مفاجئا أبدا، بل كان التطور المنطقي لقراره ذاك، لكنه حصل بشكل درامي عنيف شرس وعدواني بسبب ما ناله من أذى ومحاربات ثم الفصل من الوظيفة . وكانت مقالاته المعروفة " كنت شيوعيا " حيث دأب على نشرها في صحف بغدادية يومية معروفة كالحرية والفجر الجديد وغيرها . لقد قرر أن يربط مصيره بالتيارات القومانية والعروبية والوحدوية . ولست أدرى أكان ذلك ايمانا منه بهذه الأتجاهات والتيارات والأيديولوجيات أم أن مصالحه الأبعد اقتضت ذلك !! للحق قد يقال أن الرجل قد سبق قفزة " بوريس يلتسين " بأكثر من ثلاثين عاما .

لقد قال قبله شعراء فحول (4) شعرا يمجدون به مدنا لمناسبات مماثلة

لأحداث بور سعيد لكنهم لم يصيبوا من الحظ ما أصاب السياب في قصيدته هذه موضوعة البحث .

 

د. عدنان الظاهر

..................

المصادر

1- ديوان بدر شاكر السياب . المجلد الثاني . الصفحة 77 .

دار العودة . بيروت 1974 .

2- ديوان بدر شاكر السياب . الصفحة 506 . دار العودة . بيروت

1971 .

3- المصدر الثاني . الصفحة  م.م  . مقدمة بقلم " ناجي علوش " .

4- ديوان الجواهري . المجلد الثاني . دار العودة . الطبعة الثالثة .

بيروت . 1982 . قصيدة "سواستبول" في الصفحة 158  وقصيدة ستالينغراد في الصفحة 168 .

 

karem merza2نأتْكَ بليلى دارُها لا تَزورها ***وشــــطّت نواها واســتمَّر مريرُها

وقال رجال لا يَضيرُكَ نأيُها ** بلى كـــلَّ ما شفَّ النفوسَ يضيرها

أليس يضير العينَ أنْ تكثرَ البُكا ****ويمنعَ منها نومُها وسُرورُها

لكـلَّ لــقاءٍ نلتقيهِ بشاشــــةٌ*** وإنْ كــــانَ حولا كلُّ يومٍ أزورُهـــا

وكنت إذا ما زُرتُ ليلى تبرقعتْ ***فقد رابني منها الغَداةَ سُـفورها

توبة بن الحمير بن حزم بن خفاجة العقيلي العامري- (قتل 85 هـ،  حوالي عام 704م) ، اشتهر بعشقه لابنة عمه الشاعرة  ليلى الأخيلية فشهرته ، وطلبها من والدها فرفض لاشتهار حبهما، فزوّجها  لشخص من بني الادلع رغماً عنها،  لكن رغم زواجها منه فإن توبة استمر في لقاء ليلى حتى اشتكى اهل الزوج إلى الخليفة فأهدر دمه. قتله شخص كان توبة قد قتل والده (قصيدته 49 بيتاً)،  البحر الطوسل:

نأتْكَ بليلى دارُها لا تَزورها ***وشــــطّت نواها واســتمَّر مريرُها

وخفت نواها من جَنوب عُنيزةٍ**كما خفّ من نيلِ المرامي جفيرُها

وقال رجال لا يَضيرُكَ نأيُها ** بلى كـــلَّ ما شفَّ النفوسَ يضيرها

أليس يضير العينَ أنْ تكثرَ البُكا ****ويمنعَ منها نومُها وسُرورُها

أرى اليومَ يأتي دونَ ليلى كأنما** أتـى دونَ ليلى حِجةٌ وشهورُهــا

لكـلَّ لــقاءٍ نلتقيهِ بشاشــــةٌ*** وإنْ كــــانَ حولا كلُّ يومٍ أزورُهـــا

خليليَّ روحا راشدينَ فقد أتـتْ**** ضَرّيةُ من دون الحبيبِ فِنيرُهــا

خليليَّ ما منْ ساعةٍ تَقفانِها**** منِ الليلِ إلاّ مثلُ أخـرى نَســـيرُها

وقد تذهبُ الحاجاتُ يطلُبها الفتى**شَعاعا وتخشى النفسُ ما لا يَضيرُها

وكنت إذا ما زُرتُ ليلى تبرقعتْ ****فقد رابني منها الغَداةَ سُـفورها

خليليَّ قـد عمَّ الأسى وتقاسمتْ ****فنون البِلى عُشّاق ليلى ودورها

وَقَـدْ رابني منها صُدودٌ رأيتُهُ **وأعــراضُها عن حاجتي وبُســورُها

ولو أنَّ ليلى فـي ذُرى مُتَمنّع**** بنجــــرانَ لالتفتْ علـــيَّ قصورُها

يَقَرَّ بعيني أنْ أرى العِيسَ تعتلي**بنا نَحو ليلى وهيَ تجري ضفورُها

وما لحِقتْ حتى تقلقلَ غُرْضُها*** وسامحَ من بعــــدِ المَراح عَـسيرُها

وأُشرفُ بالأرضِ اليفـاعِ لعلَّني*** أرى نارَ ليلى أو يرانــي بَصـــيرُها

فناديتُ ليـى والحُمــولُ كأنّهـــا*** مواقيرُ نــــــخلٍ زعزعتها دَبـورُها

فقالتْ أرى أنْ لا تُفيدكَ صُحبــتي ***لهيبـةِ أعــداءٍ تَلظّــــى صـدورُها

فمدتْ ليَ الأسبابَ حتى بلغتُــها** برِفقـــــي وقد كادَ ارتقـائي يَصورُها

فلما دخــلتُ الخَدرَ أطَتْ نسوعُـهُ****وأطــرافُ عِيــدانِ شـديدٍ أسُورُها

فأرختْ لنضّاخ القَفا ذي مِنصـةٍ*** وذي سـيرةٍ قـــد كان قِدماً يسـيرُها

وإني ليُشفيني من الشَّوقِ أن أرى**على الشَرَفِ النائي المخوفِ أزورُها

وأنْ أتـــركَ العَنْسَ الحـــسيرَ بأرضِـها** يطيفُ بهــا عُقبانُها ونُسـورُها

إلاّ إنّ ليلى قــد أجدَّ بكــورهـــا*** وزُمتْ غـداةَ السَّبـــت للبــين عِيـرُها

فمـــا أمُّ سَوداءِ المحــاجرِ مُطــفِلٌ**** بأحسنَ منهــــا مقلتيـنِ تُديـــرُها

أرتنا حياضَ المـوتِ ليلــى وراقــنا***  عُيــونٌ نقّيـاتُ الحواشي تُديـرُها

ألا يا صفيَّ النَّفــسِ كيفَ تنولـها****  لــو أنَّ طريـداً خائــــفاً يستجيرُها

تُجــيرُ وإن شَطـتْ بهـا غُربةُ النَّوى  ****ستُنعِم يوماً أو يُفـادى أسـيرُهـا

وقالتْ أراكَ الــيومَ أسودَ شـاحباً** وأيُّ بيـاضِ الوجـهِ حـــرّتْ حُــرورها

وإن كـانَ يـومٌ ذو سَمـومٍ أســيرهُ*** وتقصــرُ من دونِ السَـمومِ سُتورُهـا

وغيّرنـي إنْ كنـتِ لّمــــا تغّـــــيــري ****هواجـــــرُ تكتنينّهــا وأسـيرُهــا

حمامةَ بطـنِ الواديينِ إلا انعـمي*** سَقـاكَ مـن الغُـــر الغَــوادي مَطـــيرهُا

أبينـي لنا لا زالَ ريشُـك ناعــاً***ولا زلـتِ فـي خضـراءَ غَـــضٍّ نـــضيرُها

فإن سَجـعتْ ـــاجتْ لعينيكَ عبـرةً***وإنْ زفـرتْ هــاجَ الهــــوى قر قريرها

وقـد زعمـت ليـلى بأنيَّ فاجــــرٌ**** لنفـــسي تُقاهــــا أو عليـــــها فجورُها

فــقل لعُقــيلٍ ما حـديــثُ عِصــــابةٍ ****تكنّـــــفـــها الأعـــداءُ أنــي تَضـيرها

فالاً تنـاَهوا تُركبُ الخيل بيــــــننا *****وركـــــضٌ برَجـــــلٍ أو جناحٌ يُطيرها

لعلّك يا تيســـــاً نـــزا في مريــــرةٍ****مُعاقبُ ليــــلى أنْ تراــــني أزورُهـــــا

علــــــيَّ دْماءُ الُبدن إن كــــانَ زوجُها *****يــــرى لَي ذَنباً غيرَ أنّي أزورُها

وإنـي إذا ما زرتها قلتُ يا اسلمي*** فهل كانَ في قولي اسلمي ما يضيرُها

مـــن النّاعبـــــاتِ المشيّ نَعباً كأنّما *******يُــــــناطُ بِجذعٍ من أوالٍ جريرِها

مــــن العَرَكانياتِ حــــرفٌ كأنّهاـــ***** مريرةُ ليفٍ شُـــــــدَّ شَزْراً مريــــرُها

قطعـــــتُ بها أجـــــوازَ كلَّ تَنوفةٍ***** مَخوفٍ رداهـــــا حيــــنَ يَستنَ مُورُها

تـــــرى ضُعفاءَ القومِ فيها كأنّهم*****دعاميصُ مـــــاءٍ نشَّ عنـــــها غديرُها

وقســــورةَ الليـــــلِ الذي بينَ نصفـــهِ***** وبيـــــن العِشاء قد دأبتُ أسـيرُها

أبـتْ كثـــــرةُ الأعــــداء أنْ يتجنّبوا***** كلابـــــيَ حتــى يُستثـــــارَ عَقـورُها

ومـــــا يُشتكى جهــــــلي ولكـــنَّ غِـــــرّتي**** تراها بأعــــدائي بطِيئاً طُروُها

أمتخرمي ريــــــبَ المنونِ ولـــــم أزرْ**** عَذارايِ من هَمْدانَ بيضاً نُحورُها

ينـــؤنَ بأعجــازٍ ثِقـــــالٍ وأســـــوقٍ**** خَـــــدالٍ وأقدامٍ لطـــافٍ خُــــصورُها

جاء في (أمالي المرزوقي):

ذكروا أن توبة الحميِّر العامري وهو أحد المشهورين من عشاق العرب، وكان شجاعاً مغواراً، وصاحبته ليلى الأخيلية الشاعرة، وفي توبة تقول:

أقسمتُ أبكي بعدَ توبةَ هالكـــاً **** وأحفــــلُ من دارتْ عليهِ الدوائرُ

لعمركَ ما بالموتِ عارٌ على الفتى *** إذا لم تصبهُ في الحياةِ المعايرُ

ودخلت على عبد الملك بعد إسنانها، فقال لها: ما رأى توبة فيك حين عشقك؟ فقالت: ما رآه الناس فيك حين ولوك، فضحك عبد الملك حتَّى بدت له سن سوداء كان يخفيها.

وورد عنه في كتاب (الشعر والشعراء لابن قتيبة الدينيوري:

هو من بني عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، خفاجي، وكان شاعراً لصا، وأحد عشاق العرب المشهورين بذلك، وصاحبته ليلى الأخيلية، وهي ليلى بنت عبد الله بن الرحالة بن كعب ابن معاوية، ومعاوية هو الأخيل بن عبادة، من بني عقيل بن كعب، وكان يقول الأشعار فيها، وكان لا يراها إلا متبرقعةً، فأتاها يوماً، وقد سفرت، فأنكر ذلك، وعلم أنها لم تسفر إلا لأمرٍ حدث، وكان إخوتها أمروها أن تعلمهم بمجيئه ليقتلوه، فسفرت لتنذره، ويقال: بل زوجوها، فألقت البرقع، ليعلم أنها قد برزت، ففي ذلك يقول:

وكُنْتُ إِذَا ما جِئُتُ لَيْلَى تَبَرْقَعَتْ*****فقَدْ رَابنِى منها الغَدَاةُ سُفُورُهَا

وهو القائل:

ولو أَنَّ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةَ سَلَّمَـــــــــتْ *****علىَّ ودُونِى تُرْبَةٌ وصَفائحُ

لَسَلَمْتُ تَسْليمَ البَشَاشَةِ أَو زَقَا ** إِليْها صَدًى من جانب القَبْرِ صائحُ

ولو أَنَّ لَيْلَى في السَّماءِ لأَصْعَدَتْ***بطَرْفِى إلى لَيْلَى العُيُونُ اللَّوَامحُ

وكان توبة كثير الغارة على بني الحرث بن كعب وهمدان وكانت بين أرض بني عقيلٍ وأرض مهرة مفازةٌ قذفٌ فكان إذا أراد الغارة عليهم حمل المزاد، وكان من أهدى الناس بالطريق، فخرج ذات يومٍ ومعه أخوه عبيد الله وابن عم له، فنذروا به، فانصرف مخفقاً، فمر بجيرانٍ لبني عوف بن عامر، فأغار عليهم فاطرد إبلهم وقتل رجلاً من بني عوف، وبلغ الخبر بني عوف، فطلبوه فقتلوه، وضربوا رجل أخيه فأعرجوه، واستنقذوا إبل صاحبهم وانصرفوا وتركوا عند عبيد الله سقاءً من ماءٍ، كيلا يقتله العطش، فتحامل حتى أتى بني خفاجة، فلاموه وقالوا: فررت عن أخيك؟ فقال يعتذر:

يَلُومُ على القِتَالِ بنو عُقَيْلِ ***** وكَيْفَ قتَالُ أَعْرَجَ لا يَقُومُ

ليلى الأخيلية:

هي ليلى بنت الأخيل، من عقيل بن كعب، وهي أشعر النساء، لا يقدم عليها غير خنساء، وكانت هاجت النابغة الجعدي، وكان مما هجاها به قوله:

أَلاَ حَيَّيَا لَيْلَى وقُولاَ لها هَلاَ****فقَدْ رَكبَتْ أَمْراً أَغَرَّ مُحَجَّلاَ

ومن جيد شعرها قولها في توبة:

أَقْسَمْتُ أَرْثِى بَعْدَ تَوْبَةَ هَالِكــــاً ****وأَحْفِلُ منْ دارَتْ علـيه الدَّوائِرُ

لَعَمْرُكَ ما بالمَوْت عارٌ على الفَتَى ** إِذَا لم تُصِبْهُ في الحَيَاة المَعَايِرُ

وما أَحَـــــدٌ حَيًّا وإِنْ كان سالـــماً ****بأَخْلَدَ مِــــمَّنْ غَيَّبَتْــــهُ المَقَـابرُ

ومنْ كان ممّا يُحْدثُ الدَّهْرُ جازِعاً *** فلا بُدَّ يوماً أَنْ يُرَى وهْوَ صابِرُ

 

كريم مرزة الأسدي

...........................

المراجع والمصادر:

(1) الأمالي: المرزوقي

مصدر الكتاب: موقع الوراق - (1/67)

http://www.alwarraq.com

(1/93) ((2) الشعر والشعراء: ابن قتيبة الدينوري  (1/92

مصدر الكتاب: موقع الوراق - الموسوعة الشاملة .

http://www.alwarraq.com

(3)الأغاني أبو الفرج الأصفهاني - تحقيق: سمير جابر

(11/211) (11/213)

دار الفكر - بيروت. - الطبعة الثانية

(1/49)  (4) الجليس الصالح والأنيس الناصح: المعافى بن زكريا

مصدر الكتاب: موقع الوراق - الموسوعة الشاملة.

http://www.alwarraq.com

(5) ديوان توبة بن الحمير الخفاجي صاحب ليلى الاخيلية - تحقيق وتعليق وتقديم: خليل ابراهيم العطية -  مطبعة الارشاد - الطبعة: الاولى 1968م - عدد الصفحات: 147

(6) الأعلام للزركلي - مجلد 2 - صفحة 89.

 (7) موسوعة الشعراء الصعاليك - حسن جعفر نور الدين - الجزء الثاني - صفحة 148 - إصدار رشاد برس 2007 بيروت.

 

 

husan anbaralrikabi

قصيدة للشاعر جمال مصطفى: التناول بالنقد يعني أولاً أن المادة محَطَّ النظر قد تجاوزت عتَبَةً مُعيّنَةً ودخلت إلى دار الجدارةِ بالاهتمام والتفحّص. في هذا التجوال سأحاولُ أنْ أنظرَ للقصيدة في العموم أولاً، أتطرق بعدها إلى ما انزوى عن المألوف من مبررات للتناول بالنقد والغايات مِن ذلك، ثم أنظر فيما أظنه معايباً في القصيدة معتمِداً في ذلك بعض الأمر على المبررات والغايات تلك.

قصيدة من الكامل وأحد أصناف التام منه، من خمسةٍ وأربعين بيتاً مُرتّبةً على وقوع العجز أسفل الصدر لا قبالته مما يُعطي القارئ انطباعاً بالاستطالة قليلاً. لغةُ القصيدة متماسكة في معظمها عدا بعض تراكيب قاربت التعسف أو غابت عنها علامات الترقين، فأدَّتْ إلى غموض:

هيَ واحة ٌ حَـطّ الـقَـطـا سُـحُـبـاً

فـيهـا غـداً فـتَـقَـصّـفَ الأثَـلُ

 

هُـمْ يعـرفـون الـبابَ إذ طَـرقـوا

فَـتَـحَـتْ إذا بهـمو وقـد جَـفَـلـوا

 

أو مواضعَ كان بقاءُ (واو) الإضافة أو عِوَضُها، أَولى من زوالهما مِن مثل أمرها قبل (سألوا) هنا

هيَ ماسة ُالمعـنى بهمْ صُقـلَـتْ

وهُـمـو الذيـنَ تَحَـيّـروا، سألـوا

ومن نماذج الإحكام في البناء واتساق اللفظ :

هُـمْ لـيس يَـدري مَـن هُـمو أحـدٌ

كَـبَـتْ الـرؤى وتَـعـاضَـل الجَـدَلُ

(هذا على كونِ تعَضَّل أصوب من تعاضَل في تعاضل الجدلُ) . وهناك مواضع جمالٍ أخرى تُقاربُ الإحكام منثورة في القصيدة:

مُـتَـزَنِّـراً لَــمّــا يَـزلْ زُحَـلُ

حَـلَـقــاتُـهُ مِـنْ حَـولِـهِ حُـلَـلُ

فَـلَـكٌ ومـوسيـقى معـاً ورؤىً وسَلالِـمٌ صعـدوا بهـا، نَـزلـوا

مـنـزوعـة ٌ حَـلَـقـاتُـهُ زُحَـلُ :

مَـنـتـوفـة ٌ ريـشاتُـهُ الـحَـجَـلُ

****

ما هي مبررات تناول هذه القصيدة بالنقد؟:

أسلفتُ أعلاه أن القصيدة تجاوزت عتبةَ الجودة التي تؤهلها للتناول والجهد، وليس ذلك التجاوز – لو عَلِمتَ -بالهيّن اليسير المشاع. وفي الأمر دوافع شخصية للتناول فقد يرى القارئ ومعه صاحب القصيدة بعض العجَبِ في أني أحاول ببعض ما أقول هنا أن أُسدِّدَ نَفسي وشعري وما أنا عليه، إذْ أحاول أن أتمَعّنَ في خصالِ في النتاج موضعِ النقدِ بها شبهٌ ببعض ما أنسج. ولا أخفي كذلك أنني أطمحُ إلى أن أسددَّ مَن يَقترِبُ من الإجادة ويُخلِصُ في الجُهدِ ويُعطي مِن نفسهِ لما يُحب أي أني أطمحُ أنْ أسدِّدَ صاحبَ القصيدة الناظم لها. ومن كانَ له مثل هذه المزايا جديرٌ بالمنح وأثمَرُ للجهد وأقربُ إلى بلوغ غاية الإصلاح والصلاح. ومِن أملي أنّ محاولةَ تسديد الذات هذه، ستكون شافعةً لي فيما قد يبدو قسوةً في التناول وتَقَصٍّ في جوانب النظرِ يقاربُ الغُلوَّ، إذ أنَّ في بعض نواحي ذلك انتقادٌ للذات ودرءٌ لشبه الاستعابة لنزوةٍ ولانحراف طبع. والقولُ في نهاية الأمر نقدٌ لقصيدة يَنسجها آخرٌ صديق.

عمَّ تتحدّث القصيدة؟

 مِن الواضح أن القصيدةَ تتجنب التصريح وتبتغي الكتم. وهي فوق هذا تُظهرُ هذا النية وتُعلِنُ عنها بل وتتخذُها ركيزةً في البناء وأداةً –من الأدوات- في تصنيع الحُسن وتركيب الجمال. كان ذلك في عنوان القصيدة حيث (استتار الضمائر)، ثم في سياقها حيث (هي وهم) ضمائر بلا كشف:

هيَ فـوقَـهُـمْ نافـورة ٌ وقـفـوا

مِـن تَـحـتِـهـا مـا مَـسَّـهُـمْ بَـلـلُ

 

هيَ طعـنة ٌ في الروح إنْ ولجوا

منها الى أغـوارِها انـدَمَـلـوا

وتُعلِّنُ القصيدة عن هُويّتِها الاستجوابية، إن لم يكن عن لباسِها اللُغْزَوي ومنحاها " التشاكسي"، بعد ذلك:

مَنْ هُـمْ ومَـنْ تـلْـكَ الـتي شَغَـفـاً

لـلِـقـائِهـا حَـيَـواتِـهِـمْ بَـذَلَــوا

هل يمكنُ أنْ يكون هذا التساؤل مدخلاً وممهداً لمزيد من التوصيف وبالتالي لإضاءة أكبر على المقصود الكامن وراء الكتمان، وليس- أي التساؤل هذا-تأكيداً لطرح "تلغيزي" مقصود لذاته تعتمده القصيدة؟ يُمكِنُ ذلك كذلك. هل يختلف هذا الكتمان المُتعمَّد المقصود الساري في أرجاء القصيدةِ عن الرمز والرموز – واحتوت القصيدة على رموز فنية كثيرة-؟ وأكتفي بالقول جواباً إنَّ الرمز والرموز لا تُتَّخذ ستاراً مُعلَناً يُصرّح الشاعرُ عنده بغاية الرمزِ التكتيميّة والتكتُميّة على مقصودٍ مُعيّن بل يُطرَح الرمزُ كبديل فني لمقصودٍ مُعيّن (وليس الحديث عن صلاح الترميز أو عدم صلاحه جمالياً) .

هل أضاف هذا التكتّمُ المعلَن بعداً جمالياً للقصيدة وأغنى في تصوير المقصود وعَمّقَ من الكشفِ الشعرى عن الموصوف المَطلوب وقاد إلى بناء هياكل الشعر حوله، الهياكل التي تُكسُبه نوراً جديداً وجمالا. لا يبدو أن المنحى قد وصلَ إلى أكثر مِن كشفٍ جُزئي ومن تحبيبٍ غائمٍ مُصاحب لهذا الكشف. بمعنى أن القصيدة لَم تُصِب كثيراً وإلى الحد المأمول بهذا المنحى إحدى غاياتها المُرادة وسلكت طريقاً لا تُوصل إلا لِماماً للمطلوب.

هل التوصيف (للغاية الموصوفة) على اتقانه في كثير من مواضعه قريبٌ من التمجيد الرومانسي لهذه الغاية؟ والجواب على ما أظن هو بنعم. وفي هذه الرومانسية المُمَجدة جاءَ البيت الأخير، بسبب القسوة الواقعية العصرية فيه، مفاجئاً رغمَ أن البيت بارع بذاته المستقلة المنفصلة:

مـنـزوعـة ٌ حَـلَـقـاتُـهُ زُحَـلُ :

مَـنـتـوفـة ٌ ريـشاتُـهُ الـحَـجَـلُ

الرومانسية والرومانسية المُمَجِّدة، نغمةٌ بها شيءٌ من القِدَم، أحسّها وهي تَنكُصُ أمام جفاف وخشونة الخراب السائد. ولا أقصد بالخراب هنا الخراب الفيزيائي المرئي الملموس المستتب، لأن مثل هذا الخراب قد لا يتعدى أماكن من الأرض بعينها كعراقنا، بل أشيرُ مع ذلك النوع من الخراب إلى التناقض الصارخ بين المثال النظري السائد الغالب المفروض في العالم وبين الممارسة المتهورة الشاذة التخريبية لأصحاب هذا المثال وهذا النظر أو طريقة التفسير للأحداث والتاريخ. هذا هو المثال الغربي السائد إعلاميا وعسكرياً وسياسياً وإفرازات هذا المثال في مناطق كثيرة في العالم ومنطقتنا في الأخص. ولا أريد أن أقول إن على التناول الشعري للمواضيع المختلفة أن يستبدل الرومانسية الأولى بالاضطراب والتشقق والتناقض هذا، بل أقول إن هذه الرومانسية تبدو أداةً ناعمة هيَنة لا تمتلك الجسارة والاندفاع اللازمَين للتعامل مع هذا الواقع وهذا المثال وأطروحاته ونتائجه. أما ما هو التعامل الشعري الأمثل مع هذا السائد الحياتي فذلك أمرٌ قد لا يكون محددَ الملامح بعد، وهو لغة ومشاعر وصور الشاعر المُجيد والواعي اليوم.

هذا التواصل في الإشارة غير المباشرة إلى موصوف مُعيّن (قد يستطيع البعض التنبؤ بطبيعته بعد أبيات تطول أو تقصر) وإلى مريدين هائمين بهذا الموصوف، المداومة في ذلك لأبياتَ كثيرة: يَبدو لي وكأنه قادرٌ على خلقِ إملالٍ لغير المتخصص المُصرّ على مواصلة القراءة. هذا المتخصص الذي يواصل القراءة له في العادة مُحَفّزات لا تنتاب الكثيرين من القرّاء الذين يتوجه لهم خطاب الأدب. القُدرة على الشد والإمتاع والإشعار بالنمو من خلال أو مع النص، كلّها مواصفات يتطلبها النص الأدبي في عصرٍ تتنازع فيه الاهتمام الإنساني عشرات التلوينات والجواذب. (بطبيعة الحال مثل هذا الأمر بحاجة إلى تفصيل آخذين بالاعتبار عوامل من نوع جسامة الموضوع المطروح وطبيعة التفاصيل المحيطة والمصاحبة للموضوع المركزي والتي يَطرُقها الشعر – إن كان هناك ما يمكن أن يُسمّى بموضوع مركزي) .

خمسةٌ وأربعون بَيتاً في الوقت الذي أوشكت فيه على دفع القارئ إلى الكفِّ عن المواصلة، مع اللغز وعدم الإفصاح ومع خصوصية الموضوع لصنف من الناس بذاته، فأن هذه الأبيات الخمسة والأربعين بلغتها وخيالها وتجزيئها للتفاصيل تُدلل على مِكنة عند صاحبها على التحرّك والمناورة، وبالتالي القدرةِ على سلك مناهج مختلفة في القول والبناء وفي التلوين بألوانٍ جديدةٍ مُباينة. مناهج وألوان يمكن أن ينتقي منها أن أرادَ وسعى لما يُريد.

 

حسين عنبر الركابي

 ......................

للاطلاع

زُحَلِيِّة في استِتارِ الضمائِر / جمال مصطفى

 

وهو كلام مكثّف منظّوم وموزون موسيقيًّا، يتميّز عن النثر بالموسيقى الشعرية، أي الوزن والقافية أو التفعيلة، وتسكن طياته الداخلية موسيقى تتخلّل كلّ مفاصله، ولا يجوز احتوائه على الكسر الموسيقي بكلّ أنواعه القريض و الحر، ويتكوّن من مجموعة من الأبيات أو الجمل الشعرية، وتشكّل بمجموعها ما يسمى بالقصيدة، وتضبط القصيدة بموسيقاها إمّا بقافية أو بتفعيلة أو بموسيقى داخلية كالقصيدة النثرية، ويُعتبر الشعر أحد أنواع الفن الأدبي، ويعتمد في نشأة قصائده على الجماليّة والبديعية والبيانية والموسيقى والخيال ....

 ومن ذلك نستنتج أن الموسيقى هي الإسفين الذي يعزل الشعر عن النثر فهي كالدّم  لو سحبت من الشعر، مات وصار نثرًا، ولو أضيفت إلى النثر صار شعرًا، لهذا السبب لا يجوز أن يجتاز نص أدبي هذا الإسفين الموسيقي الكونكريتي التجنيسي من جهة إلى أخرى، لذلك فالموسيقى تحافظ على الشعر فتسكن داخله، وتحافظ على النثر بالابتعاد عنه، وعليه يبقى كلّ على حاله ومميزاته الأساسية، حتى لا يصبح أي من الجنسين شيئًا جديدًا لا يشبه أصله.....

ويتنوّع الشعر بين الشعر العمودي القريض والحر: يُعد الشعر القريض أصل وأساس الشعر العربي أو الأدب العربي برمّته، و تتكوّن قصيدة الشعر العربي القريض من عدة أبيات شعرية، يقسم كل بيت شعريّ إلى جملتين، محسوبة الأصوات بشكل فونولوجي متساوي موسيقيًّا، الأول منها يسمى صدر البيت الشعري، و الثاني يسمى عجز البيت الشعري، ويلتزم كاتب الشعر العموديّ بموسيقى الأوزان الخليلية ...أما الشعر الحر، فهو جمل تنظم بشكل عمودي مختلفة الأطوال، لا شروط فيها لشطر أو عجز، تتخلّل جملها الموسيقى الداخلية دون كسر موسيقي، تسكنها الموسيقى كالأنواع التالية:

- موسيقى داخلية وتفعيلة في الشعر الحر التفعيلة

- موسيقى داخلية واختفاء التفعيلة في نهاية أشطر القصيدة النثرية

نلاحظ مما تقدم أن الموسيقى هي الإسفين الذي دقّه الأدب بين الشعر والنثر والذي لا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال.....

قصيدة القريض:

فن الشّعرَ مِنَ الفُنون العربيّة الأولى عند العرب، وقد ظهر هذا الفنُ في التّاريخ الأدبيّ العربيّ منذُ قديمِ العصور، إلى أنْ أصبحَ وثيقةً يمكنُ مِن خلالها التعرّفُ على أوضاعِ العرب، وثقافتِهم، وأحوالهم، وتاريخهم ، فقد حاول العرب تمييز الشّعر عن غيره من أنواع الخطاب المُختلف، وخصوصًا بعد وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي أوزانه الستة عشر، مستقيًا ذلك من خلال موسيقى الشعر الجاهلي الذي احتوى الوزن الشعريّ والقافية بشكل تلقائي، فأصبح الشّعر عندهم كلامًا موزونًا يعتمدُ على وجود قافيّةٍ مناسبة لأبياته، نتيجةً لذلك ظهرتْ العديدُ مِنَ الكُتُبِ الشعريّة، والثقافيّة العربيّة التي بَيّنت كيفيّة ضبط أوزان الشعر، وقوافيه، وأشكاله البلاغيّة التي ينبغي اتّباعها واعتمادها عند ( الاستعارة، والتّشبيه، وصنوف البديع والكنايّة في الكتابة الشعريّة.) فصار الشّعر كلامًا يعتمدُ على استخدامِ موسيقا خاصّةٍ به يُطلقُ عليها مُسمّى الموسيقا الشعريّة. كما يُعرفُ الشّعرُ بأنّه نوعٌ من أنواع الكلام المعتمدُ على وزنٍ دقيقٍ ... 

تاريخ الشّعر:

يعودُ تاريخ الشّعر العربيّ إلى شبه الجزيرةِ العربيّة، تحديدًا عصر ما قبل الإسلام، إذ حرص العرب على ربطِ المُناسبات والأحداث الخاصّة بهم بالقصائد الشعريّة، ومن ثم عَمِلوا على تطوير صورة القصيدة، وكان لهذا التطوّر نتائجهُ المُهمّة والتي ما زالت محفوظةً في الكُتُبِ التاريخيّة القديمة للشّعرالعربي. مع وصول الإسلام إلى الجزيرة العربيّة حافظ الشّعرُ العربيُّ على تطوّره، ولكن أصبح الشعراءُ أكثر حذرًا في كتابةِ القصيدة الشعريّة، إذ اختفتْ العبارات أو الألفاظ التي لا تتناسبُ مع قواعد الدّين الإسلاميّ، وأيضًا ساهم انتشار الإسلام واللّغة العربيّة خارج الجزيرة العربيّة في ظهور الشّعر الجديد، أو ما يطلقُ عليه مُسمّى (الشّعر الحديث)، وقد اعتمد على الشّعر العاطفيّ مع اهتمامه بتطوير لغة الشّعر القديم، والتي لم تعُد تتوافقُ مع اللّغة الشعريّة الحديثة عند الشّعراء العرب. 

عناصر الشعر:

يتكوّنُ الشعرُ العربيُّ من خمسة عناصر، وهي: 

• العاطفة: هي الشّعورُ الذي يضيفهُ الشّاعرُ إلى القصيدةِ الشعريّة، مثل: الفرح، والحُزن، والحُب، والغضب، وغيرها من المشاعر الأُخرى، والتي تساهمُ في توضيح هدف الشّاعر من كتابة القصيدة.

• الفكرة: هي العملُ الفكريّ الذي يعتمدُ على أفكارِ الشّاعر، ويستخدمها لبناء نص القصيدة بناءً عليها، وعادةً يعتمدُ الشّعراءُ على فكرةٍ رئيسة واحدة ترتبطُ بالأفكار الأُخرى ضمن أبيات القصيدة الشعريّة.

• الخيال: هو كل شيءٍ لا يرتبطُ بالواقع، ويستعينُ به الشّاعر من أجل صياغةِ أبيات قصيدته، ويرتبطُ الخيالُ أيضًا بالصّور الفنيّة الشعريّة، والتي تُساهم في إضافةِ طابعٍ مُميّزٍ للقصيدة.

• الأسلوب: هو طريقةُ الشّاعر في كتابةِ القصيدة، وهو الذي يميزُ الشّعراء عن بعضهم بعضاً في الكتابة الشعريّة إذ لكل شاعرٍ أسلوبٌ خاصٌ فيه يساهمُ في جعلِ قصائده مُميّزة.

• النَّظم: هو الأسلوبُ الذي يُستخدمه الشّعراء في الجمعِ بين الألفاظ الشعريّة، والمعاني المقصودة في نصّ القصيدة؛ إذ كلّما تُمكّن الشّاعرُ من نظمِ قصيدته بطريقةٍ صحيحة، كلّما كانت القصيدةُ أكثر بلاغة.

أغراض الشعر العربي

هي الموضوعات التي يتناولها الشّاعر في القصيدة الشعريّة، وتقسمُ إلى الآتي :

• الوصف: هو استخدامُ الشّاعر للكلمات الشعريّة من أجل التّعبير عن موقفٍ، أو مشهدٍ مُعيّن، وقد يكونُ هذا الوصف لشيءٍ طبيعيّ، أو جامد. ومن الأمثلة على الوصف أن يصفَ الشّاعرُ جمال محبوبته، أو يصف جمال بلدته أو مكانٍ ما مثل قريته أو منزله.

• المدح: هو من أغراض الشّعر القديمة، وقد كان يُستخدَمُ من أجل ذِكر الصّفات الحميدة والجيّدة في شخصيّة الممدوح، وأحياناً قد يبالغُ بعضُ الشّعراء في المدح من خلال استخدامِ صفاتٍ غير موجودةٍ في الشّخص من أجل كسب ثنائه وتقديره.

• الهجاء: هو من أغراض الشّعر القديمة والذي كان يُستخدَمُ في الشّعر الجاهليّ، وتحتوي قصيدةُ الهجاء على مجموعةٍ من الصّفات، والألفاظ التي تَذكرُ مساوئ الشّخص، وتصفه بأقبح الأوصاف.

• الرّثاء: هو استخدامُ الشّاعر لمجموعةٍ من الكلمات تساعدُ على ذِكرْ الصّفات الحميدة للميت، ويختصُّ شعرُ الرّثاء بالأشخاصِ ذي المكانة الاجتماعيّة، مثل: الحُكّام، والقادة العسكرييّن، وشيوخ القبائل.

مُقوّمات القصيدة الشعريّة

حتى يُطلقَ على النّص الأدبيّ مُسمّى قصيدةٍ شعريّة يجبُ أن يتميّزَ بالمُقوّمات الآتية: 

• وحدة الوزن: أيّ يجبُ أن تكونَ كافّة أبيات القصيدة الشعريّة مُتشابهةً في الوزن الشعريّ من حيثُ ترتيبُ التّفعيلات العَروضيّة، مع الالتزام بالتّرتيب الشعريّ الصّحيح لموسيقا الشّعر.

• ثبات القافية: أيّ يجبُ أن تكونَ القافيةُ في الأبيات الشعريّة للقصيدة مُتوافقةً وثابتةً معًا، بمعنى لو كان آخر حرفٍ في قافية القصيدة ميمًا، فيجبُ أن تنتهي كافّةُ قوافي القصيدة بحرف الميم.

الميزات الجمالية في الشعر العربي:

•  الالتزام بالوزن الموسيقي.

• الاعتماد على التفعيلة والموسيقى الداخلية.

• قابليته للتدوير موسيقيًّا عن طريق التفعيلة.

• وجوب التدرّج بالقافية والتفعيلة والالتزام بها.

• استخدام الصور الشعرية والفنية في الأبيات الشعرية.

• استخدام الخيال الرمزية والجماليات النصية.

 

د. عبير خالد يحيي - لجنة الذرائعية للنشر

حركة التصحيح والتجديد والابتكار في الأدب العربي

.........

من كتابنا (الذرائعية في التطبيق) لمؤلفه عبد الرزاق عوده الغالبي 

 

 

juotyar tamerتنفتح المساحات في ديوان "ضجيج السكون" امام الرؤى الشعرية لتتواصل في مداياتها مع الاواصر الذاتية الشعورية الانفعالية من جهة "وألطخ الحِبر خلف صَدى جرَاحِي أهدم مِن صَدرِي مَنازلَ العَنكَبوتِ"، وبالرؤى النابعة من الخيالية الملتحفة بالواقع العياني من خلال استعارات اصلية واخرى تبعية واخرى حقيقية واخرى تخييلية، كلها تعمل وفق منظومة متداخلة لتشكل في النهاية لوحة معالمها تحدد من خلال فهم القيمة الاستعارية من جهة والعلائقية بينها وبين  الاحالات والتشبيهات التي حاولت الشاعرة ان تغرسها بين جنبات ديوانها الشعري، وفق حراك موفق حداثياً ولغوياً وصورياً، فالديوان يُبرز لنا من الوهلة ومن خلال العنوان ذاته " ضجيج السكون" القيمة الحداثية في خلق التضاد وفتح المجالات لتعددية التأويل، فضلا عن التلاحم مع القيمة الاستعارية التي تعتمدها الشاعرة في تكوين وخلق معالمها الشعرية، وهي بذلك تعطي الانطباع الواعي حول الماهية والكيفية التي تريد ان تبث من خلالها رؤاها الوجدانية والشعورية والفكرية لكون ان الاستعارة  في البيان هي صيغة من صيغ الشكل الفني في استعمالاته البلاغية الكبرى، حيث تحمل النص ما لايبدو من ظاهر اللفظ، او بدائي المعنى، وفي الوقت نفسه تعمل الاستعارة على خلق ممرات التآلف بين الرؤى المطروحة ضمن دائرة العملية الابداعية لتضفي على الالفاظ المنتقاة بعض المرونة والنقل والتوسع،"و شراعُ سَفينتِي صارَ سَجِين.."، وتضيف الى المعنى مميزات خاصة نتيجة النقل الذي قد دل على معنى اخر  لايأتى من اللفظ خلال واقعه اللغوي، وبذلك تنقل الاستعارة النص من حالة الجمود اللفظي المحدد الى السيرورة في التعبير، والمثلية الذائعة في الاستعمال، ومن يتمعن في "ضجيج" الذي رافقه " السكون" سيدرك الاشتغال الواعي للشاعرة في توظيف دلالاتها وفق منظومة الاستعارة التخييلية في العنوان من جهة، وكذلك العمق الحسي الانفعالي الذي خلق تلك المساحة المتضادة في الذات الشاعرة، بحيث اتت الفاظها متناسقة مع الحراكات الجوانية للحالة الانتاجية الابداعية التي تعيشها، فاستعانت بتلك الاستعارة لتحيل وقعها الجواني الى عنوان قصدي متميز.. وهنا لابد من التأمل قبل الخوض في المعيات التلازمية الاخرى، باعتبار ان الاستعارة وحدها لم تكن هي الفعالة، انما ما اعطت الاستعارة حقها التوسعي في التنقل التخييلي كان الاحالة نفسها، فالصاق الضجيج بالسكون او احالة الضجيج البراني الى السكون الجواني اعطى للاحالة نفسها قيمة وحضوة، والاحالات كما يقول "د.محمد اسماعيل حسونة" في الانتاج الابداعي لاتاتي بصورة عبثية، لكونها في الاصل حالة تعبيرية فنية قصدية واعية تمط من امتدادية الانتاج نفسه، فتجعله موصلاً بجذره الزمني والمكاني السحيقين والمكتنز بالرؤية الانسانية والتاريخية على المسوتيين الشعري والحياتي" ألتَمس خطواتي في صَحرَاء عمرِي ..أهربُ مِن خرافات جدتي وأبحَثُ فِي جِبهتي عَن صدَى أو جراح..."، لتعبر من خلالها الى حالة الزمني المزامن الممتلئ بالمحركات المواكبة لتلك الرؤى، ومن خلال هذه الحركة الافقية الارتدادية المتزامنة الموغلة في العتاقة والحداثة معاً يتاح للرؤية الشعرية مسافة زمنية شاسعة تجعل من الاختيارية امراً خيالياً يطال المدهش والجديد، ويستنفر الطاقات الراقدة في اللغة والفكر ويحيط بالظواهر الجمالية ويقترب كثيرا من منابع الدلالة وخزاناتها ويطل على معادلات موضوعية تشد من ازر الرؤية الشعرية التي تحوم في الانتاج الادبي الذي تتحرك في اوردته تلك الاحالات، ولنعيش تلك الحالة الاستعارية الاحالية علينا تأمل هذه الوصلة الشعرية " سَأدفن صَرخَتي بِـ" ضجيج السُّكون "،"لا يمَامةً تصدحُ شقراء في الوَادي....سَأرْنُو إلى السَّقْف والبُحيرَة والسرير.."، "فالمهد مُكبل.....إنّي أرتجفُ وَحيدة عند الغروب.." تلك هي المساحات التي اشتغلت عليها الشاعرة في ديوانها الممتلئ بهذا الضجيج الساكن.. المتنقل بين الذات الشاعرة وتلاحمها مع البراني وفق معايير هي وحدها يمكنها ان تقيس مدى توافقها مع عدم توافقها مع الواقع الحياتي، ولكنها في الوقت نفسه تعطينا الحق في تداولها لنكون كالعبارة التي تنقلها من شاطئ الى اخر، وعلى ذكر الشواطئَ ما اكثر تلك الصور التي تداولها الديوان عن المائية التي تحيلنا وفق استعارات مهيمنة من البحر والمطر والماء.." كم هي مِسكينة قطرات الماء..حين تشردتُ منْ نَهرها الى مَهبِها..".

1201 jawdat

يصدح الديوان بالعديد من الصراخات، صراخات الذات المنفعلة احياناً والمتفاعلة في احيان اخرى، وبين الانفعال والتفاعل تكثر المدايات، وتستمر الحالة النفسية للشاعرة في استمثارها لقواها الخفية لتحقق بذلك اعلى مستويات التلاحم البلاغي الشعري الصوري، ولتخرج في النهاية صور انتاج ادبي مفعم بالحيوية الشعرية، فحين تقرأ في  صمت عاصف"أنا لستُ إلا مَوجةً هَوجاءَ تُؤذنُ بالتَّواري... وأنزف من كياني"، وفي بلاشيء " لا أحدٌ يعرِفُ شيئاً عن قبور بِلا أسماء ..و عن أعضاء صارت أشلاء ....وحذاءٌ يُدفَنُ قُرْبَ حذاءْ.." ستدرك ان الاستعارات والاحالات هنا لم تأتي عبثاً انما هي امتداد طبيعي للرؤية الشعرية الصاخبة التي نبتت من الجواني فارادت ان تخرج لتعطي انطباعاً ذاتياً حول البرانيات الواقع الذي يحركها ولتتساؤل بحرقة " هَل يَنْبُتُ وردٌ من مشْنَقَةٍ ؟.."، انها الحالة والموضوع والسؤال والجواب في الوقت نفسه، لكونها لاتنقل خيالاً، انما تحاول ان تثبت عبر  عباراتها ما يراه البعض خيال وغير ممكن واقعاً في عالم الانسان، وفي على جناح غيمة تثبت مساراتها " مازلتُ أمشي في شوارعٍ مهجورةٍ..." لتظهر للمتلقي وقع الصدمة والدهشة معاً على ذاتها، وفي طريق يكاد يطير تأتي الصورة اكثر عمقاً وتأثيراً على النفس " كَانَ لُبُّ الشَّجَرِ يابسٌ في كفي..."، فاللب اليابس ليست استعارة تبعية انما هي استعارة اصلية استطاعت الشاعرة من خلالها ان تحقق مقصدها في توظيف اللفظة لتأتي الصورة متوحشة في مضمونها وموضحة في ظاهرها، فهذا ما احالنا الواقع اليه، " أطلق زفيرا .. شهيقا ... أحترق...و الكبد المفتت بين طيات الأرق..." ولتستكمل المشهد الاحتراقي تقول في  نملة الرصاصة" وعَلى أسوارِ لُجَّةِ الظَّلاَمِ....تَتَزاحمُ الأوجَاع ... تَحْتَرِقُ حَدَائِق صَمْتي..." انها استعارات حقيقية وفي الوقت نفسه احالات مفعمة بالصورية المشهدية الحداثية التي تبرهن على مدى تفاعل الذات الشاعرة مع موضوعاتها الشعرية سواء أكانت انسانية ام وجدانية ام متعلقة بالوطن.. الحب التائه " عَويلٌ منْ أَعَالي التِلال يَصْرُخْ..احتَرقَت أَرض الخدَاع  ... اتسَخَت.." انها الصورة الحية التي قد لايستوعبها الا من يمر بتلك الحالة الشعورية سواء حين تنظر الى الارض او السماء، وبذلك تتحول الذات الى ممرات تحترق فيها كل الموجودات، فتقول في غطاء الارض المنقوش" خَريرُ الماءِ في أُذُني يَصْدَعُ..و في جَوْفِ الرضيعِ نارٌ في احْتراقٍ...حِين أُصْغي لنَعيق الغُرَاب.." وما اعمقها هذه الصورة التي لاتعتمد الصوتية فحسب"نعيق" انما تضيف اللونية " السواد" حيث الان هو الوجه الحقيقي للواقع في اغلب اصقاع الخراب الارضي، وفي حكاية في نفق تعبر عن حالتها  " دثَّرَني صمتي بلحافٍ من بَريق الأشياء مزَّقني وشرَّدني...هَل ضللت طريقي؟.."، وعلى الرغم من محاولاتها للخروج من دائرتها الاحتراقية الممزقة والمشردة والتائهة تلك الا انها تبقى اسيرة رغم اتخاذها للحلم كممر للخروج فتقول في كابوس انت كرداء قديم " ترسُو حَياتِي ...فِي قبرِ الأحلَامِ.."  وفي الدقيقة الهاربة " يا أجملَ الشفاه،عيناكَ سِربُ حمامْ وثغرُكَ كأسُ مُدامْ ... لكنه حلم لايستمر.." فحتى الاحلام تم احالتها الى القبر، انها في عمقها النفسي والدلالي وحتى الصوري حالة نفسية قريبة من الهلع ولربما هو هلع ناجم من حالة القلق العام والدائم حول كل الموجودات التي تبصرها ولكنها لاتستطيع ان تتفادى رؤيتها وهي تتهاوى في الخواء، انه الرعب الحقيقي، لذا نراها تقول في  غص الطائر" والرُّعبُ يَضرِب أُغْنياتي....كأنَ مِقصلة قَطَعَتْ رَأسي"و في قبلة المساء " يَكَادُ يفُتِتُ عُرُوقِـي المُتَهتّكة...و يـَلْتَحِفُ بالسـَّمــاءِ المُعـْتِمَةْ..." تُحيل كل هذه الصواعق روحها الى اللجوء للتساؤل والحنين الى الماضي كما في كوكب القمر" دَمعُ الحنين يُردد اللحن في فؤادي يَخْتَنِق ..."، لكنه حنين يختنق، اذا اجمالا هي الذات المتبعثرة التي تفتت جراء الفعل الزمني والمكاني معاً فسكنتها الغربة حتى اغتربت بين اشجار ونخيل وبحر وطنها.. وتلك الغربة هي التي وطدت المكانية في ديوان الشاعرة بشكل متناغم ولو بوجيعة مع نفسيتها ومشاعرها وانفعالاتها وتفاعلاتها.

ومن خلال رصد حركية الانفعالات والتفاعلات لدى الذات الشاعرة يمكن الوقوف على تلك البيئة الصارخة الممتلئة بالضجيج من جهة والتي استطاعت الشاعرة من خلال الاستعارات الواعية من رسم جغرافيتها، وفي نفس الوقت الوقوف على ماهية السكون الذي تناشده تلك الذات عبر الانغماسات المائية وذلك في حالة استمرار للتضاد في التكوين البلاغي والصوري الناجم من حالة الاغتراب النفسي والقلق العام، داخل الحركة الشعرية في الديوان،في ما خلف النقاط  تقول الشاعرة "عُودي إلى الصحراء المموجة.." وذلك للتعبير عن الرغبة في تأصيل البيئة الانتمائية والتي يمكن ان تصور الوطن ايضا من جهة اخرى، وفي طنين بلا ذباب " ها أنَا في تِلك الصحراء... " انها مسألة توقيت ضمني عبر الاستدلال المكاني وهي حالة تحسب للشاعرة اذا استطاعت ان تعبر عن الزمنية زمنية الانفعال عبر حالة التفاعل المكاني،  وتستمر حالة التفاعل مع البيئة في وعد بلا موعد " غزالة الصحراء.." وبذلك تصور الشاعرة وقع البيئة المكانية على ذاتها، محاولة ان تحول صور الاغتراب الى وصفيات تخرجها من قوقعة الواقع الحياتي المؤثر على مجمل رؤاها، ولكن كما في الحلم الامر لايستمر، فحالة التضاد النفسي الذاتي الاغترابي ومن ثم الواقع الذي تحول الى كابوس وذلك من خلال الصور التي تلتقطها عدستها المبصرة، ومشاعرها الحساسة، وفكرها المتقد الذي يريد ان يحول واقعها الممتلئ بالوجيعة الى واقع اخر، كل ذلك ما تصطدم به تلك الذات المنفعلة والمتفاعلة لتقول بحرقة في صمت عاصف " يا شواطئ المرجانْ..... أيتها البحار الهائجة هذه ليست سفني.." في نقلتين متزامنتين، فمن الصحراء الى البحر.. ومن غزالة تقول ها انا في الصحراء الى الغربة .. هذه ليست سفني.. انها حالة صدمة تبعث في النفس الوجيعة، وفي النص تحدث النقلة التي يمكن ان تبحث عنها الشاعرة، لكونها ستفتح امام مخيلتها مساحات واسعة من الاستعارات والاحالات التي تخدم قضيتها داخل جدران الديوان، فمن الصحراء والنخيل وشواطئ المرجال والسفن نجد الذات تعيش وقعها الاغترابي بشدة وتنفعل وتتفاعل بعمق اكثر حتى تقول في  الاشباح التائهة " أغالب نفسي على شواطئ غريبة "، وفي  تنين الظلام  " فيثقلني الوُقوف وحباتُ المطرٍ تزدادُ في الهُطُول.."، وتستمر الحالة في هيجانها الاغترابي لتقول في  طريق يكاد يطير"  وجبين العاصفة تفصَّد ثلجا أسودا...... لن أخشى الغرق..." انها تكافح وتحاول عدم الاستسلام، ولكنها لاتصمد ففي  نملة الرصاصة " وخَلْفَ مَوانئِ الغَرق...... أغمس أوراقي في الماء.." هذه الانغماسة لاتاتي من فراغ، انما هي تعبير ذاتي للذات نفسها، ولتؤكد حتمية الغرق تأتي في حكاية في نفق لتقول " وعويلُ حكَاياتي أَغرقَ السفِينَةَ.." واذا ما غرقت السفينة فانها ستغرق بحمولتها بلاشك، وهذا ما جعلنا بالتالي نجد في الحراك الدلالي للنصوص تحولات درامية احيانا، لاسيما فيما يتعلق بالتشبيهات التي لايكاد يخلو نص من نصوص الديوان منها، تلك التشبيهات التي نمت داخل ايقونة النصوص عبر التلامس الوجداني التفعالي من جهة، والمعنوي المثار من قِبل التحولات النفسية والحسية والانفعالية من جهة اخرى، واذا ما تأملنا تلك الالفاظ التي استخدمت للتعبير عن التشبيهات سنجد في تنوعها مصدراً اخراً للحالة التضادية الذاتية للذات الشاعرة نفسها،"، كأشواق، كرحِيق،كَحنينِ،كخليّة، كَالبحر، كارجوحة،كاللفافة، كحبلٍ، كالرعدِ، كالصواعقِ، كهيجان.. كقبضةِ، كشَبكةِ    كَتَمسُّك الغَريق..، كقطع السكر...." انها احالات واستعارات في الوقت نفسه، وهي ليست مجرد الفاظ بلاغية وظفت لاغراض عبثية، لكونها في الاصل تعابير دالة على متحولات كثيرة تثير الدهشة والصدمة في آن واحد، وهي في الاجمال تنقل النص عبر مداياتها الى افاق تخييلية اوسع وابعد مما يمكن ملامسته بالظاهر بالبياني.

 

جوتيار تمر/ كوردستان

 

 

goma abdulahهناك تجاذب وجداني يخفق في همومه وهواجسه، بين القصيدتين، رغم ان لكل منهما اسلوبية شعرية خاصة ومختلفة، ورغم لكل منهما لهما شحنات من الاداء الفني والتعبيري مختلف، ولكل منهما ادواته وتقنياته الفنية المختلفة، ولكل منهما رؤية وتناول مختلف في ابداعه، لكنهما يلتقيان في الهم العراقي ومحنته البارزة، ولكل منهما براعم في التألق الابداعي والفني، ويلتقيان في تناول المحن والمعاناة التي انهالت على العراق كالمطر الغزير، في تجرع هواجس المؤلمة، في الشتات والغربة، والفقر والحنين الى الوطن، في المعاناة الاليمة، التي ادت الى التأزم الوجداني، التي اثرت بشكل كبير على مطارح الروح، في ثيماتها الثقيلة والمرهقة والقاهرة . لذا فأن اللغة الانزياحية في قصيدة الشاعر زاحم جهاد مطر (ترنيمات من الشتات) تأثرت في اسلوبية قصيدة الراحل الكبير السياب . في (انشودة المطر) . التي تعتبر ترجمة حقيقية لواقع العراق آنذاك . وهو يطرق ابواب محنة الغربة والمرض والفقر، والحنين الى الوطن ومحنته المتصابية، وقصيدة (انشودة المطر) غنية عن التعريف لشهرتها الواسعة، المشبعة بالهواجس الانسانية والذاتية، وكان السياب يمر بأصعب ظرف حياتي قاهر، يدمي القلب في شجونه، في معاناته الذاتية القاسية . والتي تقمصت في معاناة ومحنة العراق في شحناتها الايحائية والرمزية، والوطن يئن تحت عبء الظروف القاهرة والمرهقة والثقيلة، وجسدها السياب في اسلوبيته الشعرية الفذة ومتميزة في خصوصياتها، في الرؤية والدلالات الرمزية والايحائية . بحيث تقف وراء كل جملة شعرية، صور تعبيرية ورمزية، واسعة الافق والمدى، في مدولاتها التي تناولت الجرح العراقي النازف آنذاك . وجرح النازف الحالي، في قصيدة الشاعر زاحم (ترنيمات من الشتات) في نزيفه المستمر دون توقف، لذا فأن هذه القصيدة تقمصت اسلوبية قصيدة السياب (انشودة المطر) ولكن في اسلوب فني مختلف، وفي رؤية ابداعية في مخيلتها الشعرية، تتناول في الايجاء والمغزى لعراق اليوم، بينما قصيدة السياب تتناول عراق الامس . والقاسم المشترك بينهما، هي محنة العراق ورمزية الوطن في القصيدتين، في زخم شحناتهما الملتهبة والمتشظية والمنشطرة . في الغربة والشتات، سواء داخل الوطن او في خارجه، في ركائز الواقع المرير . لنتلمس شحنات الملتهبة في كلا القصيدتين:

- مدخل قصيدة السياب (انشودة المطر) ، بدأت بتناول بالجانب الرومانسي الجميل، وهي ترمز الى العراق قبل الحبيبة (عيناك عابتا نخيل ساعة السحر) هذا الافق في تذكر العراق في مخيلته الشعرية المبدعة، بهذا الوصف والتصوير المدهش . وهو يتذكر عيون الحبيبة او (العراق) بين غابتا النخيل، وساعة السحر، بهذه الدهشة التصويرية .. قابله بشكل مختلف مدخل قصيدة زاحم جهاد (ترنيمات من الشتات) . في (الشمس تميل منهكة الى المغيب) ورمزية الشمس تشير الى (العراق) المرهق بالتعب والوهن والضعف، الذي يدفع به الى المغيب، لتكتمل ضباب الرؤية وفقدان البصر . وكما حملت القصيدتان، من براعة في الوصف والتصوير، في مجسداتها الرمزية .

- قصيدة السياب :

كأنما تنبض في غوريهما، النّجومْ ...

وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيفْ

كالبحر سرَّح اليدين فوقه المساء،

- قصيدة زاحم :

الضِّياءُ والظِّلالُ تُغادِرُ الدُّروبَ

واللّيْلُ يَفْتَحُ أبْوابَ الظَّلامِ

هذه حالة الاختلال في التوازن الحياتي، لسفينة العراق، تبحر في الضباب وضياع الرؤية، مما تجعل القلب وهواجسه في حالة مؤلمة من الاسى، بأن الوطن يدنو الى رحيل الشمس ويطرق ابواب الظلام، لتبدأ رحلة المعاناة الى المجهول

 - قصيدة السياب

كأنما تنبض في غوريهما، النّجومْ ...

وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيفْ

- قصيدة زاحم :

يَهْدأُ ضَّجيجُ الأمْواجِ المُتْعَبَةِ

ويَسودُ الصَّمْت والسُّكونُ

وتَتَهامَسُ الأشْياءُ بِلُغَةِ الهَوامِ

هذه رحلة المهاجر وهو يبتعد عن الوطن الام ، ليشعر بحالة الاختناق، بأنه يبحر في الامواج البحر المتلاطمة الى المجهول، في صمت وسكون، سوى توهم الاشياء التي تتنازع روحه ووجدانه، في ضباب الاسى

- قصيدة السياب :

كالبحر سرَّح اليدين فوقه المساء،

دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف،

- قصيدة زاحم :

القَمَرُ يَطُّل على أِسْتِحْياءٍ

ثُمَّ سُرْعانَ ما يَخْتَفي خَلْفَ الضَّبابِ

آهٍ مِنْ هذا اللَّيْلُ البَهيمُ كأنّهُ الخُسوفُ

انها رحلة المعاناة في ليل بهيم مظلم لا افق له، سوى القمر يختفي وراء الغيوم، لتدخل الوحشة والكسوف، ترتعش في البرد والصقيع، لتنهش روحة، وتصلبه على قارعة مظلمة، لكي يستفيق ارتعاشة الوجدان

- قصيدة السياب :

ونشوةٌ وحشيَّةٌ تعانق السماء

كنشوة الطفل إِذا خاف من القمر !

كأن أقواس السحاب تشرب الغيومْ

وقطرةً فقطرةً تذوب في المطر ...

- قصيدة زاحم :

يُرْعُشِني البَرْدُ والصَّقيعُ

فَأتَكَوَّرُ على ذاتي وأنْكَبُّ على ذِكْرَياتي

والذِكْرَياتُ تَنْكأُ قَرْحَ الفُؤادِ بِالوَجيعِ

هذه فواجع الغربة تنكأ الجراح بالقراح، التي تنهش الوجدان، وتجعل الغريب عن الوطن، يتجرع كأس الذكريات والحنين، لتذوب القلب، مثلما يذوب القمر تحت سحاب الغيوم والليل، ليحترق ويذوب في نارها قطرة قطرة، في وحشة مظلمة

- قصيدة السياب :

كأنِّ طفلاً بات يهذي قبل أن ينام :

بأنَّ أمّه – التي أفاق منذ عامْ

فلم يجدها، ثمَّ حين لجّ في السؤال

قالوا له : "بعد غدٍ تعودْ .. "

لا بدَّ أن تعودْ

وإِنْ تهامس الرفاق أنهَّا هناكْ

في جانب التلّ تنام نومة اللّحودْ

- قصيدة زاحم :

أيْنَ مِنِّي حُضْنُ أُمِّي وصَدْرُ أَبي

أيْنَ مِنِّي يَدُ الحَبِيبِ وكَتْفُ الصَّديقِ

ماذا لَوْ أِنْقَطَعَ بِيَ الأمَلُ وأِنْتَهى بِيَ الأجَلُ

تأزم في المعاناة، كأنه يفقد الامل، بأنه لن يعود الى حضن أمه (العراق) بأنه فقدها . كالطفل الذي يهذي في البكاء ليساءل عن أمه الغائبة ، ليعود الى حضنها وحضن الاهل، او انه انقطع وصل الامل في الالتقاء في احضان الوطن، وهل يعود يوماً، ولكن تهامس الرفاق، بأنها هناك لاتعود، انها في نومة اللحود

- قصيدة السياب :

وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياع ؟

بلا انتهاء – كالدَّم المراق، كالجياع،

كالحبّ، كالأطفال، كالموتى – هو المطر !

   --

أكاد أسمع النخيل يشربُ المطر

وأسمع القرى تئنّ، والمهاجرين

يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع،

عواصف الخليج، والرعود، منشدين :

" مطر ...

مطر ...

مطر ...

وفي العراق جوعْ

وينثر الغلالَ فيه موسم الحصادْ

لتشبع الغربان والجراد

وتطحن الشّوان والحجر

رحىً تدور في الحقول ... حولها بشرْ

- قصيدة زاحم :

مَنْ يَبْحَثُ عَنْ أِسْمِيَ الضّائِعُ في الأسْفارِ

مَنْ يَجْمَعُ حُروفيَ المَنْسِيَّة في ذاكِرِةِ الشّتاتِ

وأوْراقي المُتناثِرِةِ في رُفوفِ الضياعِ

كَأيام عُمْري التي تلَاشَتْ على أرْصِفَةِ الأِنْتِظارِ

تراكم المعاناة والمحن على العراق، سواء كانت قديماً او حديثاً، فأنها تحرث بعذاب الغريب وتنهشه لتضعه على قارعة الانتطار، او على قارعة الارصفة، في وطن ينزلق الى المصير المجهول . انها حيرة انسانية ووطنية، بأن تذوب في قهر الشوق والحنين (نوستولوجيا) من المعاناة، من الذين اغتصبوا الوطن وكسروا اضلاعه . كسروا شيمة قامة الوطن، ليدلف او ينزلق الى قاع الحضيض . ولكن من ارتكب هذه الجرائم الشنيعة في هدم الوطن ؟ من وضع الوطن على شواية النار ليحترق ويتفحم ؟ . منْ اغتصب الوطن وكمم حياته بالاختناق ؟ انهم الذئاب والغربان والجراد الوحشي، الذين سرقوا حقول يبادر العراق، عراق الخير، عراق الجوع والحرمان والظلم، عراق الفساد الذي نهب وسرق خبز الفقير . عراق السحت الحرام . الجنة للفاسدين، والجحيم للعبيد والمسحوقين والجياع، الذين يطحنون بيادر الحقول، لتتحول ذهباً ودولاراً، وللعبيد الانين والحزن

- قصيدة السياب :

وكلّ دمعة من الجياع والعراة

وكلّ قطرةٍ تراق من دم العبيدْ

فهي ابتسامٌ في انتظار مبسمٍ جديد

أو حُلمةٌ تورَّدت على فم الوليدْ

في عالم الغد الفتيّ، واهب الحياة . "

ويهطل المطرْ ..

- قصيدة زاحم :

مَنْ يُعِيدُ الصَبا والبَياتَ أِلى عُودي

وشَجَنَ الهُورِ إلى نايي

من يَحْمُلُني إلى فَراشاتي

على ضِفّةِ النَّهْرِ

الى بَيْتِ الطّينِ والنَخْلِ

وصَوْتِ السنونو

ان تراكم المعاناة بالحجم والضخامة الكبيرة، تولد حالة الانفجار التي تتفجر شظاياها، لتهدم الالهة الاصنام، وان كل دمعة من الجياع، كل شداكثر لحبل الحرمان، سيقرب ساعة الفجر والخلاص اكثر ، كل تشديد في العذاب والظلم، يقرب أجل الطغاة الى نهايتهم المحتومة اقرب . في اندلاع ثورة الجياع على آلهة التمر، حتى يعود الحق الى نصابه العادل، حتى يعود وجه العراق المسروق من السراق اللصوص، حتى ينقشع الظلام ويعود الضياء، وحتى يأتي المطر، لتشرب النخيل، وتعود الى شموخها الباسق، حتى يغرد السنونو لفجر العراق الجديد، بطمر الغربان والجراد الوحشي، في حاويات النفايات، فلابد ان يهطل المطر في العراق، لينمو الخير وثمار بالمطر ... مطر .. مطر .... مطر . سيبعث العراق بالمطر

 

تَرْنِيمَةٌ مِنْ الشَّتاتِ / زاحم جهاد مطر

الشَّمْسُ تَمْيلُ مُنْهَكَةً نَحْوَ المَغْيبِ

والأُرْجُوانُ يُلَوِّنُ سَرابيلَ الغُيومِ

الضِّياءُ والظِّلالُ تُغادِرُ الدُّروبَ

واللّيْلُ يَفْتَحُ أبْوابَ الظَّلامِ

يَهْدأُ ضَّجيجُ الأمْواجِ المُتْعَبَةِ

ويَسودُ الصَّمْت والسُّكونُ

وتَتَهامَسُ الأشْياءُ بِلُغَةِ الهَوامِ

القَمَرُ يَطُّل على أِسْتِحْياءٍ

ثُمَّ سُرْعانَ ما يَخْتَفي خَلْفَ الضَّبابِ

آهٍ مِنْ هذا اللَّيْلُ البَهيمُ كأنّهُ الخُسوفُ

يُرْعُشِني البَرْدُ والصَّقيعُ

فَأتَكَوَّرُ على ذاتي وأنْكَبُّ على ذِكْرَياتي

والذِكْرَياتُ تَنْكأُ قَرْحَ الفُؤادِ بِالوَجيعِ

أيْنَ مِنِّي حُضْنُ أُمِّي وصَدْرُ أَبي

أيْنَ مِنِّي يَدُ الحَبِيبِ وكَتْفُ الصَّديقِ

ماذا لَوْ أِنْقَطَعَ بِيَ الأمَلُ وأِنْتَهى بِيَ الأجَلُ

مَنْ يَبْحَثُ عَنْ أِسْمِيَ الضّائِعُ في الأسْفارِ

مَنْ يَجْمَعُ حُروفيَ المَنْسِيَّة في ذاكِرِةِ الشّتاتِ

وأوْراقي المُتناثِرِةِ في رُفوفِ الضياعِ

كَأيام عُمْري التي تلَاشَتْ على أرْصِفَةِ الأِنْتِظارِ

مَنْ يُعِيدُ الصَبا والبَياتَ أِلى عُودي

وشَجَنَ الهُورِ إلى نايي

من يَحْمُلُني إلى فَراشاتي

على ضِفّةِ النَّهْرِ

الى بَيْتِ الطّينِ والنَخْلِ

وصَوْتِ السنونو

 

جمعة عبدالله

 

basma alshawali"تمرّد على الجحيم" مجموعة قصصيّة للكاتب التونسي فتحي العكرمي صدرت عن دار الاتحاد للنشر والتوزيع خلال سنة سبع عشرة وألفين (2017). وتقع في ستّ صفحات ومائة صفحة من الحجم المتوسّط. وهي أضمومة من واحدة وعشرين قصّة تراوحت بين القصص القصيرة المتفاوتة في طولها والقصص القصيرة جدّا.

اشتغل فتحي العكرمي في " تمرّد على الحجيم" على ثيمة الحزن أحد سادة الجحيم الأكثر حضورا وسطوة ، ذلك الحزن القاتل خفية وبدأب(كاليتم والفراق والتهميش والاغتصاب والفاقة..) وبسرعة (كالانتحار والإرهاب..)، والمستفحل في الرّوح والجسد والفكر، معدّدا كلّ النّدوب العميقة التي خلّفتها جراح الماضي الغائرة وانتكاسات الرّاهن الخطيرة في الطفولة الهشّة والذّاكرة الحالمة والقلب العاشق والروح المتمردة، وقد تخيّر لها شخصيّات من القاع المظلم للحياة ومن الجانب الملقى أقصى الإهمال والتهميش من الوطن مذ كان مستعمرا إلى اليوم، فيعترضنا المجنون، والمنبوذ، والمختلون نفسيا وعاطفيّا، والفقراء حدّ الفاقة، واليتيم الذي لا يعرف لون الفرح إلا توهّما، والمحبّ المحاصر بلاءات القبيلة. هذا وقد دارت كل القصص في فضاءات ملائمة للمضامين المشتَغل عليها كحيّ هلال بالعاصمة والمناطق الريفية النائية ومشارف الصحراء والجفاف بالدواخل الغربية والجنوبية للبلاد. فمكانيّا، يتحرّك الراوي في مجال الديستوبيا، تلك الأماكن الرّاذلة حيث يسود الفقر والجهل والجفاف والأمّية ويعشّش "الحزن في الضّمائر والضّفائر"، وحيث سلطة القبيلة الجائرة تحرّم الحبّ وتحاصر المحبّين حتى يحمل ذلك شابّةَ عاشقة على الانتحار (قصة "الحنين إلى ذكرى فرح" ص25)، وأين أوتاد الخيمة في نسختها العصرية المعدّة للذّبح والاغتصاب ( قصة "تمرّد على الجحيم" ص57) تخترق حرمة الجبال والغابات الكثيفة، فضلا عن التبرّك بالأولياء الصالحين والتطيّر من العاهات الجسدية ("زهرة الموت ص 43). إنّها الأماكن " التي يموت على بابها الطّريق" بعبارة جورج أرويل، والتي على اتساعها وفراغ جنباتها هي كالسّجون تطمس الأفق وتخنق الحلم وتجعل " الأيام تسير على نفس الوتيرة مشبعة فقرا وصبرا" ( ص 30) بما يهدر الكثير من الطاقات الحيوية لسكان هده المناطق من فئة الشباب خاصّة، كشأن المجنون في قصّة "صهيل القلق" ، وتعرّض الشابة الصغيرة للاغتصاب من قبل السكارى بعد إجبارها على جمع الحطب من قبل زوج أمها، وتيه حورية بعد عودتها من مخيمات الإرهابيين، وانتحار فرح بعد قمع قصة حبّها..

أما زمنيّا، فيهيمن على قصص المجموعة السّرد كحالة سكون في الرّاهن/ زمن القصّ يتسيّده راو عليم في الغالب على حساب الحدث كحركة تتمّ داخل البنية الزمنية المسرودة، ويطغى فيها النفَس الاسترجاعيّ على الآنيّ فيما يغيب الاستباقيّ أو يكاد بما يمكن إحالته على السرّد النفسي المتأزّم المكبّل بسطوة آلامه الذاتيّة والغيريّة في آن والتي هي غالبا نتائج عميقة لما حدث في الماضي. الأمس هو غدنا و" من يتحكّم في الماضي يتحكّم في المستقبل"( جورج أورويل)، واليوم لحظة محكومة سلفا بالموت السّريع تتصيّدها "كان" لتلحقها سريعا بقائمة أخبارها المرفوعة إلى الرواة. فزمن القصص في هذه المجموعة ينتقل بين ماض بعيد : زمن الاستعمار أو بعيد الاستقلال، وبين زمن حاضر: ما بعد الثورة، وحتى في تناوله لمسألة الثورة كحدث معاصر في أفق التونسي، يحيل الكاتب على المرجعية الرجعيّة الموغلة في الوحشيّة والظلامية للإرهابيين المعتصمين بالخيام في الجبال كذبح الرجال، وقطع الرؤوس، واتخاذ النساء جواري وإماء، " أنا مجرّد وعاء يفرغون ماءهم فيه، ثم يلقونني إلى ظلمتي"، تقول "حورية" إحدى ضحايا هذه العصابات ( ص 60)، وعلى "الأخاديد المحفورة" في قلوب الضحايا التي يقع تصيّدها على غرار "حوريّة" تلك المرأة اللقيطة المنبوذة : "لك الله، يتبعك القهر منذ ان استقبلتك الدنيا.."، يقول لها عمران (ص 61) وتختم هي القصة بقولها المأزوم: " أنا عالة على الوجود مطعونة بخناجر اليأس مشدودة إلى كوابيس الجحيم" ( ص65)

 " الرّوح المأساوية هي ملهمة كل فنّ عظيم، لأنها علامة على صحة الفن دون انحطاطه إلى الدرامية والرومانسية، الروح المأساوية هي المحرّرة لقوى الطبيعة والمطلقة لها من عقالها (أم الزين بن شيخة ) وهذه الرّوح المأساوية ( والتي تكرّرت لفظتها ما يناهز ثلاثين مرّة على الأقل أغلبها وردت مسندة إلى ياء النسبة)،  هي التي رفرفت في سماء القصص كافة حتى في قصة الغرام المطمئن السعيد كما نقرأ في " شاطئ العشق"، مثلما سكنت أسماء الشخصيّات (فرح، سلوى، حورية، عمران، زهرة..).  أضمومة "تمرّد على الحجيم" لفتحي العكرمي غاصت في أعماق النفوس المتأزّمة باحثة بين طيات جراحها الكامنة عن أسباب للتمرّد ونفض ألواح العجز والرّضوخ تلك الأسباب التي قد تكمن في زهرة تنبت في الخلاء جانب بئر بعيدة، أو في هطول المطر بعد جفاف أو في حكمة المجنون "تتبع خطى التمرّد" وترعاها وتعلمّ الحزين" كيف يصنع زمانا جميلا تحت خيمة الغدر". تمرّد على الجحيم أيها الحزين " ستنبت سعادتك من جديد". تلك هي الرسالة الضمنيّة لقصص المجموعة.

 

بسمة الشوالي - تونس

 

khahtan mahbobmandawiرائحة الزيتون، وأريجُ ألياسمين، والغضبُ ألثائرُ، ودفء وملوحة ألبحرألأبيض المتوسط تجسدت في قصائدِ الشاعرة إباء اسماعيل في ديوانيها ألأخيرين: (صوتي هديل وطن). و( فراشة في مدار ألضوء). وكما يهدلُ الحمامُ حنيناً لمحبٍ فارقه، تهسُ وتهدلُ الشاعرةُ بألم عميقٍ يذكرنا بوجعِ الغربةِ، ووحشةِ المنافي، وطولِ الغياب. ألشاعرة ألمغتربة يمزقها الحنينُ لوطِنها النازفِ حدَّ الموت، أوبالأحرى أوطانِها العربية ألمذبوحة من ألمحيط ألى ألمحيط، ليطرحَ ألسؤالُ نفسَهُ، لماذا يُحبُ الشعراءُ أوطانَهم هكذا حدَّ الهديلِ والعويل والخَبلِ في بعضِ ألأحيان؟ وبعد السنين الطويلة يتوقون و ينوحون على وطنٍ باعَهم ونساهم ولا يدري حتى بوجودِهم؟ توقفتُ عند هذا السؤالِ طويلا، وتأملتُ مردوداته، فلم أجد جوابا مقنعا.

لا أستطيع تهميشَ مشاعرَ المهاجرين الذين تركوا اوطانَهم لظروفٍ إقتصاديةٍ بحتة، أو أولائك ألذين لا تمتهم أية صلةٍ أو حنينٍ بأوطانهم حتى عندما كانوا قاطنين بها. ولكني أستطيع ألجزم، بثقةٍ عالية، إن معظمَ شعراءِ المهجر، وشاعرتُنا إباء إسماعيل في طليعتهم، يتلظون شوقا، ويذرفون دمعاً حارقاً لمجرد ذكرى تلك ألأوطان. أما السببُ ألآخرُ ألمفرقُ بين أولائك الآخرين وألشعراء ربما لايتعلق  بقلة ألمشاعر بل لصعوبة ألتعبيرعنها، وإستفحال ألتخلف وألأمية ومرارة ألعيش في هذا البلد ألرأسمالي ألقاهر. فوجدتُ كثيراً من المغتربين ألذين عاصرتهم لأربعة عقود ونصف لا ينسون لغتهم فقط بل لا يعترفون بأوطانهم ولا يؤلمُهم ما يحدث هناك من حروبٍ ومجازر وويلات. هولاء من يتَّمتهم الغربة وأنستهم أصولهم وتركتهم مهَّمشين غير منتمين.  أما العربُ ألذين خانوا ضمائِرَهم وأطانَهم وذبحوا أبناءهم لا أستطيعُ تسميتَهم، وحتى نعتهم بالمجرمين، أوالسفاحين، أو عملاءِ الموت لايكفي للتعبيرعما أقترفوه من قتلٍ وظلمٍ ودمار. هؤلاء، ولا أتردد عن إتهامِهم، العربُ ألأوباشُ المتعفنين بالنفطِ وألحقدِ والدولار والثملين بإفيون الدين الجاهلِ ألمتخلف. هم من لا يشترون كتابا بدولارين لشاعر معدم فقير أويبالون لطفلٍ يُدفنُ تحتَ إنقاضِ قنابلهم، أو يغرقُ بالبحر هروبا من جحيمهم، بل يبذرون ألبلايين لصناعة ألشرَّ، وزرع الفتن وألشوك. يمولون عصاباتِ ألذبح وألغدر، يسممون ألبيئة، ويقتلون العزلَ وألأبرياءَ باسمِ الكراهيةِ والحقدِ والدينِ ألأعمى.

 تقول الشاعرة أباء إسماعيل بقصيدة "جبابرة" :   

مَلايينُهمْ،

تَصنعُ المَوتَ

تَبْني القبورَ

و تَبْني المَلاجئَ

قبلَ الحروبِ

و قبلَ الفِتَنْ...

مَلايينُهم،

تقطفُ الشَّهْدَ

من حورِ عِينِ

البلادِ

تَسْبي النِّساءَ

تُغَذّي الحُروبَ

مَلايينُهُم،

تَحضنُ المجرمينَ

و تدفعُهم كي يخونوا

عهودَ الإله،

و َحقَّ الوطنْ...

مَلايينُهُم،

كَالهَشيمِ سَتَذْوي

لنَشْهَدَ خَسْفَ الجَبابرةِ

الحاضِرينَ

بِهذا الزَّمَنْ...

بهذه ألأبيات تتنبأ الشاعرةُ بحتمية إندحارِ الشرِ كما تنبأ ألمتنبي قبلها بمصير أؤلائك القتلة  بقوله،

أين ألأكاسرةُ  ألجبابرةُ ألأُلى     كنزوا ألكنوزَ فما بَقينَ ولا بقوا

من كلِّ من ضاقَ الفضاءُ بجيشهِ     حتى ثوى فحواهُ لحدٌ ضيقُ

خرسٌ إذا نودوا كأنْ لم يعلموا        إن ألكلامَ لهم حلالٌ  مطلقُ

   ولكن رغم تنبؤ الشاعرة بنهاية أؤلائك "الجبابرة الحاضرين" اللاعبين بالقيم ألأنسانية والحضارية، ألغاصبين حرمة الطفولةِ وألأمومةِ وألشيخوخةِ، تظلُ ويلاتهم وأفعالهُم ألدنيئة، وجرائمهم وما اقترفوه بحق أوطانِنا ألمظلومةِ ألنازفةِ، ليُخَيمَ الجهلُ والكرهُ ، بعد حروبِ القرن العشرين الطاحنة والتي دفع العربُ ثمنها باهظا، حتى أَصبحَ العنفُ والقتلُ لغة َالعصرِ وطريقة الحوار. فماذا يأتي بعد كلِّ هذا التمزقِ والضياع؟ وأي الكلماتِ قادرةٌ على وصفِ هذا الرعبِ و الخرابِ ألهائلِ وألقتلِ المجاني ألذي ليسَ له نهاية؟  تقول إباء إسماعيل:

لمْ تسطَعْ في القُدْسِ مَشاعِلْ

لَمْ يُزْهِرْ في يافا زهْرُ الليمونْ

لَم يُثْمِرْ غُصْنُ الحبِّ

على أرضِ الشّامْ

دجلةُ ينزِفُ ناراً

و النيلُ يُهَدْهِدُ أحزاناً

أخْبارٌ موحِشَةٌ ،

تَتَناثَرُ مثلَ شظايا

من حِمَمِ القهرِ،

الجوعِ، الحقْدِ،

الغَضبِ ، اللهَبِ ،

الحِرمانْ...

آخِرةٌ هَذي أمْ وَجَعٌ

يتجدّدُ فينا مَوتاً

آلافَ المرّاتْ؟

ألموضوع ألآخرالذي تميزت به قصائد ألشاعرة إباء إسماعيل هوألعلاقة بين ألأم وألوطن. في شعرها لاأستطيع التمييز بين الكيانين ألمتداخلين وألمتلاصقين. توضحُ الشاعرةُ بجلاء عمقَ إنتمائِها لهذا المخلوقِ الغائبِ الحاضرِ الذي يشدُها لوطِنها وألعكسُ هو ألصحيح. فحبهُا لأمِّها هو ذاتُ حُبها لبلادِها. وبتفاقمِ ألكوارثِ والخيباتِ، لا تملك ألشاعرة ألا ان تبكي بصمت حتى يجشُ صوتها وتضيعُ بالمنفى حالمة مرة بطفولتها وأخرى تستنجدُ بأمها التي تعاودُها بالغربة، فتترجاها بالبقاء لأنها همزة الوصل و سرُّ إنتمائِها للوطنِ ألمفجوع، لكنها سرعان ما تعود لذاتِها الجريحةِ وأمنياتها المخذولة. وأظنُها عودة لا أرادية للأرضِ والوطنِ من جديد. تقول إباء بقصيدة "سحائب أمي"

يا نَجْمَتي لا تَبْعُدي

ها صَوتُكِ النّايُ الحَزينْ

فَمتى ستنْفَتِحينَ أُمّي كالسَّماءْ

و مَتى سَيهطُلُ غَيْمُكِ المِدْرارُ فينا

يَجْتَلي كلَّ الغُبارِ الـ يَعْتَرينا ؟! ..

تظل ألأمُ ليس فقط الشمعة التي تنير دروبَ ألغربةِ المعتمةِ، بل ألملاكَ الذي يحرسُ البنت ألمسافرة

في البعد تحرسُني وتسالني عن الزمنِ ألبخيل...

هذا الذي أقصى سحائبها

وأبقاني على عتباتِها أبكي لتحرسُني ألقبور

وأخافُ يا وطني ألمُغيبَّ عن  مباسِمها...

فأسألها متى،

أمي أيا وطناً...متى سأشمُ رائحة ألعجين؟

يا أنتِ يا عطرَ ألمحبة وألهوى، يا قبلة للعاشقين،

هل ترجعين؟

وتعانقين صباحَنا... وتخلصين قلوبَنا

من تحتِ أنقاضِ الخرائبِ وألأسى

في عُرسِنا ألدامي الحزين؟

هكذا تختمُ ألشاعرةُ قصيدتَها بنفسِ كلمةِ الحزنِ ألتي بدأتها بها.

ثم تخاطب والدها فتقول:

قلْ لي يا أبتي

كيفَ العالَمُ يُخْصِبُ

في منفاكْ؟

كيف التربةُ تحْنو

وتضيءُ نهارَكَ ؟

أو ليلكْ ؟

أنتَ النورُ

يٌفتِّحُ شوقي وحنيني

لزهورِ رِضاكْ ...

                                                    

بعد ذلك تترجلُ عن حُلُمِها، فتدركُ إن مكانَها في الغربة بين زوجٍ أحبها وأبناءٍ غيبتهم طموحاتهم

وهمومُهم، فبعدوا عنها وتركوها وحيدةً تدورُ كالمجنونةِ حولَ أسرّتِهم ألفارغة.

 في قصيدة "لأنك قمري" تقول إباء إسماعيل:

أخافُ علينا

كأنَّ طفولتَنا قدْ رستْ

فوق موجِ الدَّمارْ ...

كأنَّ خُطانا هوَتْ،

في ثنايا البِحارْ...

سأدفنُ وجهي ووجهَكَ

في شُعْلةٍ من حريقِ الرِّمالْ ...

وأجرحُ أسئلتي

في بقايا المُحالْ ...

وألوانُ حزني

سأسقي نداها

سَوادَ الأرقْ ...

ضبابٌ كثيفٌ

يلفُّ ستائرَ روحي

أصيرُ خيوطَ غيومٍ

كفرشاةِ طفلٍ،

تُغازِلُ حبرَ الورقْ ...

وآلامُ نزْفي،

سأرمي بها من شقوقِ جدارٍ

يضيءُ بَهاءَ شهيدٍ

تَعمَّدَ من دمعِ قلبي

ومن وجهِ جُرحي الغريبِ

توضّأَ يومي...

تُرى وطَني قدْ هَرِمْ

أمْ أنا مَنْ هَرِمتُ

فهلْ منْ تُرابٍ

يُقبِّلُ جسمي وجسمَهْ ؟...

أيصْبحُ نهراً يضيءُ الخَرابَ

وينفحُ روحي بماءِ الحياةِ

ويحيا الوطنْ ؟!!!

أخافُ عليكَ

أيا قمَراً من حنينِ  الغيابِ

تعلَّقَ شوقاً

بأهدابِ شمسٍ

ليقطفَ بعضَ الضياءِ

ويغدو مع الفجْرِ

نوراً

يُمزّقُ عتْمَ الزَّمَنْ !!...

أما في قصيدة "وحَسبي أنني أمٌ" تُنعي ألشاعرة واقعَها، فتشعرُ بغربتها ووحدتِها، والفراغ ألهائل ألذي خلفه غيابُ أبنائِها فيها. وحتى في عتابِها وغيضها تراها كسيرة، مهومة بهواها، مضرجة بدمائها لا يهدأ لها بال أو خاطر. في البدء تخاطبَهم عن بعد وتشتكيهم لنا، ثم تنتقل بعتابها مباشرة لهم لتصفَ مضاضتها ولوعتها. ولعلها تقصد هنا الأم " الرمز" ، الأم "الوطن" الذي خانه أبناؤه واستباحوه ومزّقوه وخانوه  لاحظ:

معبأة بوهجي واحتراقاتي،

برائحتي وفيضِ دمايَّ، في عُشبِ إنكساراتي،

من ألقلبِ إستباحوني،

كأني لم أكن يوماً سقيتهمُ

فراتَ ألعينِ من نبعِ إمتلاءاتي.

لماذا حينَ مزقتم جدارَ ألحبِّ في نبضي،

تركتم ملحَكم يكوي جراحاتي ؟

وحسبي أنني أمٌ،

أُعَلمُكم دروسَ الحبِ من شريانِ آهاتي.

أخيرا في نهاية ديوانها "صوتي هديلُ وطن" تسألُ الشاعرة سؤالا تعرفُ جوابَه بجلاء، لكنه يعكس حالتها النفسية ويعبرعن قلقِها وأرقِها هي و يظلُ سؤالاً وجيها. فتقول،

ما بالُهُ قَلِقٌ

و لا يغفو الحَمامْ

أتُراهُ يَبحَثُ عن هديلٍ

من سَلامْ؟

بعد ذلك تختلط الدموعُ بالنشيج، وتنعدمُ المسافات، وتظل ألشاعرة أسيرة هواها، ممزقة بين وطنها وأبنائها، ترهفُ مشاعرَها نغماتُ الزمنِ السعيدِ وأحلام ألطفولةِ  في الوطن-ألأم ألحنون وألماضي ألبعيد السعيد. ولسانُ حالِها يقولُ،

جسدي بامريكا تهدم وأنحنى    ويعيشُ في بغداد قلبي متعبا

 

د. قحطان محبوب مندوي

أستاذ ألادب العالمي

 

 

asma gherib2ثمّة كُتبٌ تفرضُ عليك نفسها منذ الغلاف، أو لنقل بعبارة أدقّ؛ منذ العنوان: تُشَوّشُكَ، تُرْبِكُكَ وَتُقْلِقُكَ، ثُمَّ تُفَجِّرُ بِدَاخِلِكَ سيْلاً عارماً مِنَ الأسئلة التي لا تُفَارِقُكَ إلى أنْ تجدَ أجوبةً تكون مُقْنِعَةً عنها أو شافيةً إلى حدّ ما، وجديدُ إصدارات الباحثِ والأديب صالح الطّائي هو منْ هذا النوع منَ الكُتُبِ، لأنّهُ لمْ يُمْهِلْنِي حتّى ألتقطَ أنفاسي مِنَ العمَل والجُهد المضنيّ الذي بذلتُه طيلة الفترة الماضية منْ أجل أن يرى النّورَ في مطلع هذه السنة الميلادية الجديدة (2018) الجزءُ الأوّلُ من كتابي النّقديّ (كواكب على درب التبانة) (1)، بلْ وجدتُ نفسي أبدأُ مرّةً أخرى رحلةَ الرّكضِ وراء حرفٍ ومعنًى جديديْنِ ولسانُ حالي يقول: يا إلهي، ماهذا العنوانُ العجيبُ: نوبات شِعريّة؟! نوباتٌ وليست نوبة واحدة، ثمّ أنّها شعرية! أنا أعرفُ الطّائيَ باحثاً في مجال الدّراسات الدّينيّة والفلسفيّة، فما لهُ والشّعر اليوم؟ جديدٌ عليّ لباسُه هذا! فهل عليّ أن أنسى ما قرأتُ لهُ سابقاً من بحوث وكتب فكريّة كمثلاً (عوالم الحكومة المهدوية / غزو الفضاء وفتح المجرّات في عصر الظهور) (2) و(خرافة كثرة زوجات الإمام الكاظم عليه السلام) (3) و(الحسن بن علي عليه السلام والإمامة المنسية) (4) وغيرها كثير؟ وهل عليّ أنْ أرتديَ الآن بدلةَ الطّبيبة قبل النّاقدة لأقرأَ حرفَهُ، أَوَلَيْسَ الكاتبُ نفسُه من يقولُ "نوبات"؟ ثمّ ألا تُعرِّفُ القواميسُ العربيّةُ النّوبةَ بالنّازلة والمصيبة، وفي حالات أخرى تقولُ إنّ الأمرَ قد يتعلّق بنوبة قلبية، وأخرى عصابية، وثالثة غضبيّة أو جنونيّة أو بكائيّة؟! يا لطيف الطف بنا جميعاً، ولنفتحِ الكتابَ على وجه السّرعة لنعرفَ حقيقةً هل صاحبُ النّوبات هو نفسُه الذي قرأتُ لهُ فيما مضى كُتباً في البحث الديني والفلسفيّ، أم أنه شخص آخر غيره، ومن يدري فقد نتوصّلُ أيضاً إلى دواء يشفيهِ من كلّ ما قد يكون بهِ من علّةٍ أو داء!

فوقَ سرير الكشف ومنذ أولى الصّفحاتِ ينطقُ الدّيوانُ بين يديّ ويقولُ على لسان صاحبهِ:

(كنت في بداية شبابي قد كتبتُ شعراً، وألقيتُ بعضه في مناسبات خاصّة، حيث كنتُ قد تأثرتُ بالشعراء الكبار، فحاولتُ تقليدهم، ثم حاولتُ الانفراد لأعلن عن شخصيتي، فوجدتُ من يستحسن أشعاري. بعد حين أخذتني شواغل الدّنيا وهمومها، ففارقتُ الشِّعْرَ، إلى البحث في الفكر الدّيني؛ الذي شغل وقتي كلّه لدرجة أنه شغلني حتى عن قراءة الشعر إلا ما ندر.

وبعد التغيير في عام 2003، والأحداث الدموية المؤسفة التي رافقته، يوم بدأت الأحداث تعصف بوطننا العراق وعالمنا العربي والعالم كله، فأخذت تعتصرني، فتحيلني لهبا يتشظّى قهرا، وبدل أن أسكب الماء لأطفئ ناري، تحشدت رؤاي مزمجرة، لتتحول إلى شعر أو مايشبه الشعر، يزاحمني ليرى النور، واكبته وكتمته لكي لا يشغلني عن أهدافي المرسومة، لكنه مع هذا وذاك كان يتشيطن بل يتعفرت وينط خارجا بين حين وآخر.

أغلب تلك القصائد جاءت كردّ فعل مفاجئ، فكانت مفاجئة، ومن هنا ستجدونها وكأنها مجرد محطات وجع سرمديّ، بعثتها في خاطري نوبات من الغضب القهريّ، فكانت وليدة الارتجال وبنت لحظتها، فأخفيتها حينا، وأعلنتها حينا آخر بتشجيع وحث من شعراء ونقاد استهوتهم، فشجعوني على طباعتها) (5).

في هذه الكلمات يكمنُ سرّ الديوان؛ إنها تصفُ بشكْلٍ دقيق حالةَ الكاتب عبر مراحل ثلاث هي مرحلة الشّباب، ومرحلة البحث الدينيّ، ثم مرحلة الحرب أو غزو العراق سنة 2003. ففي المرحلة الأولى اكتشفَ الكاتبُ الشِّعْرَ ونظمه وألقاه في مناسبات عدّة، دون أن تكون لديه القناعة الكاملة بأن الذي كان يكتبُه أو يقرأه هو شِعر حقيقة، وهذه ملاحظة تؤكّدها عبارات (حاولت / فوجدتُ من يستحسن أشعاري) وهي العبارات التي يجبُ التوقف عندها مليّاً، لأنّ ما تختزنُه من حقائق ربّما يفوقُ ما تظهره من قناعات خاصّة أو وجهات نظر لدى الكاتب نفسه: فهل ياترى تركَ الكاتبُ الشّعْرَ منذ يفاعة الشباب لأنه وجد فقط من يستحسنُه بدون دعم ولا اعترافٍ حقيقيّ وصريح بقوّته ومتانته ورصانته، أم أن مرحلة البحثِ الدّيني الثانية في حياته هي التي أخذتْهُ من بين أحضان الشّعر فحرمتهُ منه حرماناً كاملاً، أمْ ثمّة أسباب أخرى ما زلنا لم نقف عليها بعد، ذلك أنني أشمُّ من كلماته هذه وكأنّهُ هو نفسُهُ غير مقتنع بالكتابة الشّعريّة وجدواها في الحياة، فهو يعتبرُها مجرّدَ كائنٍ يتشيطَنُ ويتعفرتُ وينطّ خارجا بين حين وآخر، وهو بقوله هذا يزجُّ بي في لجّة بدون قرار، بل لجّة من الكلام عن الشِّعر لَمْ يفصلْ فيها لليوم أحد من كبار المفكّرين والفلاسفة، وأعني بهذا أنه قذفَ فوق مائدتي بِكُرةٍ من لهب سأسمّيها: إشكالية الطبيعة الإبداعية الشّعريّة، وعلاقتها بإبليس والجنّ، وهي كما يعلمُ الجميع إشكالية قديمة قدم الإبداع الإنسانيّ في العالم كافّة، إذ ثمّة من يعتبرُ الشّعرَ كما الموسيقى هديةَ إبليس للبشريّة، وفيه من الترف ما قد يشغل عن أمور الحياة الجدّية والإبداع الهادف الملتزم، وإني لأضعُ خطّاً عريضاً تحت مصطلح (الترف)، لأنّ صالحاً الطّائيّ سيستخدمُهُ فيما بعد وهو بصدد شرح ظروفِ وملابسات إصدار هذا الديوان ولكن هذه المرّة في مقالة نشرَها على موقعه الشخصيّ قائلاً: (ثم بعد أن بدأتُ بالكتابة فعلا في الفكر الدّيني، وبعد أن أصدرتُ مجموعة من مؤلفاتي، تعقّدتْ أموري أكثر، فتخلّيتُ كلّياً عن جميع أنواع الترف الأدبي، لأتفرّغَ كليا لمجال تخصصي، مع أني كنت أشعرُ بجذوة أدبية تتأجّج في داخلي، تستعر أحيانا، فتدفعني مرّة لأصوغ كتاباتي بأسلوب أدبيّ مستخدما الطباق والجناس والبلاغة، ومرة لأكتب مقطوعات شعرية سرعان ما أمزّقها، ربما لأني أشعر بأنها دون المستوى المطلوب، ولا تملك قدرة مجاراة ما ينتجه الشعراء).

إنّ الكاتبَ يعيش حالةَ صراع بين ما يجبُ أن تكون عليه صورتُه، وبين ما يريد أن يكونَ هو حقيقة بعيداً عن الصورة الأولى، أيْ بين الباحث الدّينيّ، وبين رجل الشّعر والمشاعر الدافئة الجيّاشة، ومن هذا الصّراع ظهر مصطلح النّوبات التي هي على أنواع ودرجاتٍ عنده بين نوبة كينونيّة قهريّة، وأخرى غضبيّة، وثالثة شعريّة ورابعة تدرُّجِيّة معراجيّة، والتي من خلالها يسعى إلى الإجابة عن السّؤال الوجوديّ الكبير: لماذا أكتبُ؟ وماذا وكيفَ أكتبُ؟ وهو السّؤال الذي يصبح الطّائي به ومعهُ تلميذَ عقله (6) ليتخلّصَ من إرث الماضي السّحيق الذي كانَ يربطُ الشِّعر بإبليس وما إليه من عوالم الجانّ والعفاريت، وليلقيَ بفكرهِ بدون خوف ولا تردّد في بحار القصيدة مستجيباً بعقل الفيلسوف لنداءات ربّاتِ الشّعر لا شياطينها، وآلهاتِ الكلمة والحكمة الطّيّبة النيّرة لا عفاريتِها عبر رحلةٍ عميقة من التأمُّلِ الباطنيّ ليسمعَهَا وهي تقول له بصوت حنون ودود: إنّك أيّها الباحثُ صديقُ نفسكَ فلا تعاديها، ولا تبحث عن صديق آخرَ يُبْعِدُكَ عنها، ولتحمِلْ بها ومعَها نبراسَ الحرف، لتُظْهِرَ لكَ أنّ الجهل هو عدوّ الإنسان لا خطيئتُه الأولى، ولا تكُنْ كمعظم النّاس في حالة من الغفلة والنوم العميق، دعِ الشِّعْرَ يأخذْ بيدك، دعْ جذوته المشتعلة في أعماقك تُطهّركَ من آلامك وتمسح عن قلبكَ صدأ الهموم وشواغل الدّنيا، فما الوجود سوى كابوسٍ يرى النائمُ فيه أحياناً أنّ الوحوش تطاردُه، أو أن أحداً يريد قتله، أو أنه يطيرُ في الهواء بغير أجنحة، أو أنه يسقط من جبل شاهقٍ، ولكنّه حينما يستيقظُ يتلاشى كلّ شيء!

القصيدةُ أيها الباحثُ المثابرُ الصّبور استيقاظ وحريّة وإقبال على عالم جديدٍ، وغد أفضل وصباح أكثرَ نورا وإشراقا، فاكتبْ ما استطعت أشعاركَ، ولا تخبّأها في الأدراج، ولا تمزّقها أو تحرقها ظنّا منكَ أنها ليست بالمستوى المطلوب، فلستَ أنت من يحكمُ على نفسك، ولكن دعْ أهل المحبّة يقرأونها ليكتبوا عنها بماء الحكمة والوعي بمدى قدسيّة القصيدة، فالشّعْرُ ليسَ ترفاً وإنما هو أيضاً وجهُ تلك الشمس التي أهديتَ لها ديوانكَ هذا، حبيبَتَكَ وزوجتَكَ التي هذّبَتْ هذيانكَ وجعلتْكَ شاعراً، ووجهُ ذاك الوطن الذي شذّبَ جنُونَكَ وجعلك ثائراً (7).

القصيدةُ سفرٌ في العتمات، وسعيٌ نحو الضّوء والحكمة، وهي أيضا لجام عليكَ أنْ تُمسكَه بيديك ليدلّكَ على مُرشدك ومُعلمّك الحقّ، فنفسُكَ قويّة وعقلُك أقوى، أنِرْهُ بالشِّعْرِ واقرع بابَ ذاتكَ وامشِ فوق دروبها، وثِقْ بأنّكَ إذا فعلتَ هذا فإنّك لن تضلّ أبدا، فنفسُك إلاهيّة بيضاء لا شيّة فيها، وما دامَ الخالق هو منْ غرسها فيكَ، فأنتَ مثله؛ نورُ الحياة، لأنك صدرتَ عنْهُ، فلا تجعل وجودَكَ الإنسانيّ موتاً روحيّاً، واعتنق القصيدةَ الحقّة تنقلك إلى مدارج القيامة والكشف والاستنارة وتبعثْكَ وأنت حيّ تُرْزق، ولن تكون في حاجة إلى أن يموتَ جسدُك لتتحقَّقَ لك الرؤيا، فقُمِ الآن وانزل عن سرير الكشفِ مشافًى معافًى من كلّ غضبٍ أو قهر أو تشظٍّ، وافتح ديوانكَ واقرأ عليّ منهُ ما كتبتَه في قارورة عمركَ وشمسِ حياتك ونورها التي بها اهتديتَ إلى الشّعْرِ ونفضتَ غبار الأيّام والمحن والحروب، فالمرأة أيّها الطّائيُّ هي قصيدةُ القصائد الكبرى، لأنّها قدّيسة القدّيسات التي بها تُسحقُ رأس التنّين، ويُنْسَفُ إبليس من الأعماق، ولأنّها مشفى الحياة الأوّل والأخير، وشعلةُ العشق التي تقهرُ الجهلَ كما الحرف الذي بهِ أخرج الخالقُ الإنسانَ من دياجير الظلم والظّلمات:

قليلاً من الحبِّ أهدي إلى توأم روحي:

منذ نيف وأربعين عاماً

إلى التي يزداد حبّها في قلبي شموخاً

مع كلّ لحظة تمرُّ من عمرنا

إلى التي صرتُ أنا هي، وهي أنا!

قليل من الحبّ، هو كلّ الحبّ.

إليك وحدكِ، أقول:

إن الإبحار في عينيك الزرقاوين الصافيتين النقيتين

كمثل إبحار بزورق صغير وسط عاصفة هوجاء

مصحوبة بمطر،

لكنه لا يتهدّدني

إنّما يمدّني بالحياة!

تقبّلي قليل حبّي

فهو كلّ ما أقدرُ عليه

بعد أن أنهكتني السنين العجاف (8).

 

بقلم. د. أسماء غريب

.................

الهوامش:

(1) د. أسماء غريب، كواكب على درب التبانة، ج1، ط1، دار الفرات للثقافة والإعلام، العراق، 2018.

(2) د. صالح الطّائي، دار العارف للأعمال، بيروت – النجف الأشرف، ط1، 2012.

(3) د. صالح الطّائي، خرافة كثرة زوجات الإمام الكاظم عليه السلام، دار المرتضى، بيروت، 2013.

(4) د. صالح الطّائي، الحسن بن علي عليه السلام والإمامة المنسية، العتبة العباسية المقدسة، كربلاء، 2015.

(5) د. صالح الطّائي، نوبات شعرية، ط 1، دار ليندا، سوريا، 2017، ص 5 / 6.

(6) المصدر نفسه، ص 108 / 111.

(7) المصدر نفسه، ص 3.

(8) المصدر نفسه، (قارورة عمري)، ص 139

 

anwar ghaniكريم عبد الله شاعر عراقي يتميز بكتابة النص الشعري ذي البعد التعبيري، اي المتميز بتجلي الثقل الشعوري والزخم الاحساسي في نصوصه، فيحقق الرسالة النصية بتلك الوحدات الشعورية وان كانت الكلمات والمعاني ادوات لاجل تجلي تلك الوحدات الشعورية، وهذه ميزة قصيدة النثر المكتوبة باسلوب سردي وبشكل افقي والتي يجيدها كريم عبد الله.

ومن الاساليب التي اجاد فيها الشاعر كريم عبد الله هو التوظيفات النصية للكلمات، اي استخدام مفردات مفارقة في مزاجها الشعوري للجمل والعبارات التي تتواجد فيها. ومعنى هذا الكلام يفهم بوضوح اذا ما تذكرنا حقيقة مهمة في الكتابة وهي ان للنص بما هو نص ارادةُ وغاية. هذه الارادة النصية والغاية – المستقلة عن المؤلف- تتطلب مزاجا موحدا ولونا متناسقا من الالفاظ والمعنى وايّ انحراف عن ذلك التناسب والتناسق النصي النسقي يعد خروجا عن التعبير المألوف. وكريم عبد الله ليس فقط يخرج عن هذه الطريقة بل انه يعمد الى الاخلال بهذه الرتابة المنطقية للغة بالفاظ مغتربة وغريبة عن الجمل والعبارات التي توجد فيها وهذا هو شكل من اشكال التعبيرية الوحوشية في الكتابة والتي تشبه كثيرا التعبيرية الوحشية في الفن التشكيلي.

فمن العنوان "همرات شوارسكوف" - وشوارسكوف هو القائد العام للقوات الاميركية في حرب الخليج ضد العراق- تتكشف الارادة التوظيفية للمؤلف كما انه يدلل على البعد التعبيري الوحوشي الاغترابي للكتابة، وهذا الاسلوب انما كان لاجل ايصال ثقل الازمة وبعدها النفسي الاحتلالي المستبيح للانسان والذي حلّ محل ما هو محلي ومألوف بما هو غريب ووحشي.

في القصيدة المركزية من الديوان "همرات شوارسكوف" نجد الشاعر وظف كلمات يومية حياتية بعيدة عن الشعرية وغريبة عن مزاج الجمل الشعرية الانتقائية واجاد في ان يكسبها بعدا شعوريا وتعبيريا فذا. من هذه الكلمات " اسلحة الدمار الشامل" و" الهمرات" و" الايدز" و" الهمبركر" و" سوق الهرج" و" الاخضر بسعر اليابس" و" الرؤس النووية" والمفخخة". هذا القاموس اللفظي يكشف عن ارادة مؤكدة وصريحة للمؤلف ان يستخدم هذه الالفاظ اليومية الحياتية اللاشعرية محققا بذلك قاموسا يوميا في وسط النص الشعري، ومن جهة اخرى نجد كسر كريم عبد الله للغايات النصية بايراد هذه الالفاظ وسط عبارات شعرية انتقائية. كما في عبارة :

" لــ أسلحةِ الدمارِ الشامل نكهة ٌ جرّأتِ الهمرات المسعورةِ تركبُ المحيطاتِ البعيدةِ"

و عبارة:

" تكتشفَ خرائطَ الهمبركر أفواهَ المدنِ المملوءةِ الحاناً مريرة مقتنعةً بــ جدوى اللعبةِ وإغتصابِ الأحلام القادمةِ تغمضُ عيونها الشرهة ملتهمة ضجيجَ الشوارع ومحلاّتِ (سوق الهرج)*"

و عبارة :

" القرى الهناكَ أطلقتْ عنانَ خيولها السومريّة بــ صدورها السمراءَ تتفشّى نيرانها مستكفية تركّزُ قذائفَها الحمراءَ تهشمُ الأختامَ الأسطوانيّة على سروجِ (إنانا)* المذهّبةِ فاتحةً ابوابَ جهنمَ (تأكلُ الأخضرَ بـ سعرِ اليابس)"

وهذه العبارات تكشف عن الارادة التوظيفية والوحشية لدى المؤلف في هذا النص حيث امتزجت الكلمات الشعرية المنتقاة والمنمقة مع كلمات اغترابية يومية لاشعرية وغريبة عن المزاج الفظي للجمل.

ان هذا النظام التضادي وهذه الكفاءة في التوظيف للمفردات اليومية اللاشعرية في نص عالي الشعري يكشف عن تجربة كبيرة للشاعر كريم عبد الله كما انه يكشف عن الكفاءة الكبيرة للنص الشعري الافقي السردي في استيعاب وتجلي هذا الاسلوب النادر من الكتابة.

وهكذا نجد هذه الرغبة والارادة التعبيرية الوحوشية في باقي نصوص الديوان كما في قصيدة " اقسمت ان أتوضأ بثغركِ " حيث يقول الشاعر:

(كالطفل المدلل تحتَ هواجسكِ الراعشةِ احتضنيني أو كرفاتِ المنسيينَ هناااااااااااكَ صيّرهم زمنٌ أغبرٌ جرحاً عالقاً بذاكرةِ الوجعِ يتكيّفُ ندبةً شكّلتهُ رصاصاتٌ تتقاطرُ حقداً أقنعها الغزاة تعتلي (متحف التاريخ الحديث)*. وتحت اشواقك الملتهبة شرنقيني حلما تفزّزهُ طائرة (الأباتشي)* تقطّعُ خيوط طائراتنا الورقيّة المحمّلةِ بالصمتِ والمستحيل تائهاتٌ يبعثرها فضاءٌ لمْ يتماثل للشفاء بعد . أراقصُ صوتك شلالا أُباغتُ إكتئابَ مصاطبَ (حديقةِ الأمةِ)*

 ويقول :

(وريثتي انتِ ودمي مرهوناً في مدوّناتي اليائسةِ بتقافزِ كوابيسِ (الكاو بوي)* تفتشُ عنكِ غنيمتها أنّني محضُ عاشق سحنتْ ضلوعهُ خيول البرابرةِ فطالبيهم بألفِ قصيدةٍ وقصيدةٍ وأستطلعي أخباري كلّما تستمعينَ (داخل حسن)* يعنّي (ألوْجَنْ يمه يا يا يمه)* .

وفي هذه العبارات يمزج الشاعر بين الوحوشوية والمحلية المذكرة بالعمق الرقيق للنفس بجانب العمق المتوحش الغابي. وهكذا نجد الوحوشية التعبيرية في قصيدة " الدكتاتور المهزوم"

حيث يقول الشاعر:

(بعد أن أنهكته الجراحات المتلاحقة كان فكره مشتتاً وسخرية مدفوعة الثمن تطارده كظلّهِ المتواري خلف هزيمته حتى الجنود الذين تمسّكوا بافكارهِ المتهرئةِ سنوات طويلة قرروا تركهُ في ساعةِ نحسٍ كــ ملابسهم (الخاكية)* و(بساطيلهم)* السوداء والحمراء خلف الحدود وعبروا فوقَ جسرٍ آيلٍ للسقوطِ الى ضفة الجحيم)

ان وجود كلمات (الخاكية) و(بساطيلهم) وسط عبارات شعرية منمقة كـ(تطارده كظله المتواري) وعبارة (وعبر فوق جسر ايل للسقوط الى ضفة الجحيم) يكشف وبقوة عن الارادة التعبيرية الوحوشية لدى المؤلف.

و تتجلى الوحوشية وبقوة في قصيدة " (السختجيّة)* حيث يقول الشاعر"

(على طاولةِ الفتنة جثّة ُ الديرة يشرّحها (السختجيّة)* بـ مخالبِ الحقدِ أنانيتها الحمقاءَ قضمتْ ربوعَ المسرّاتِ في شريانها يتناهبونَ قسمتها تلهثُ أطماعهم تغوصُ طاغيةً تكتنزُ الغنائمَ بلهاء)

و يكفي العنوان وتضمين مفردة السختجية في نص شعري انتقائي في الكشف عن البعد الوحوشي للكتابة لدى المؤلف. وهكذا في قصيدة " الناجونَ مِنَ (العطّاب)* أولادُ الخايبات"

حيث يقول :

(الناجونَ مِنَ (العطّاب)* للآنَ يعنكبُ في ذاكرتهم عطرُ أسفارِ الرصاص النبيل وما خلّفوهُ وراءَ الحدودِ رُفاتُ أيامٍ ضائعةٍ تزدردُ نُطفهم العقيمة .)

و من الواضح بالعنوان والتوظيفات المفرداتية في النص الشعري الانتقائي الارادة التعبيرية الوحوشوية لدى المؤلف.

لقد كتب كريم عبد الله في "همرات شوارسكوف" عن المهمشين فكان شاعر الناس وشاعر الشعب وشاعر المهمشين والمظلومين، لقد كان بحق ممثلا حقيقيا لهذا الانسان المعاني والمحب ففي قصيدته "(جرغدُ)* أمي "

تجتمع هذه المعاني حيث تجد التعبيرية الوحوشية والهامشية والودودية والمحلية، انه نص فذ يحقق انموذجا فذة لقصيدة النثر التي تجمع المتضادات حيث يقول الشاعر:

(عامٌ جديدٌ آخر وأنتِ تلبسينَ الليلَ كــ (جرغدِ)* أمي (نشكبنُ)* الخرابَ مِنْ (سوقِ السنك)* بـ عربةِ جوّالٍ خشبيّةٍ تبحثُ عنْ صاحبها بينَ أفواج مِنَ الفراشاتِ المذبوحةِ)

نلاحظ العبارات اليومية المهمشة وسط لغة الخراب ووسط عبارات شعرية منمقة.

لقد نجح كريم عبد الله ان يحقق شكلا تعبيريا متميزا في ديوانه "همرات شوارسكوف" وان تتجلى التعبيرية الوحوشية فيه، وان يكون هذا الديوان من الكتابات الشعرية المهمة في الادب العربي المعاصر.

 

بقلم: د. أنور غني الموسوي

 

 

abdulreda aliتوطئة: وزنُ الكاملِ يتألَّفُ من ستِّ تفعيلاتٍ صافيةٍ إذا كان صحيحاً، أما إذا كانَ مجزوءاً فيتألَّفُ من أربعِ تفعيلاتٍ، ووحدتهُ الإيقاعيّة (مُتَفاعِلُنْ)، لكنَّ هذه الوحدة الإيقاعيّة (مُتَفاعِلُنْ) كثيراً ما يدخلُها زحافُ (الإضمار) وهو تسكينُ الحرف الثاني منها، فتصيرُ (مْتَفاعِلُنْ) بسكونِ التاء، وتنقلُ إلى (مُسْتَفْعِلُنْ) المساوية لها، مع مراعاةِ أنَّ عِلّةَ (التذييلِ) وهي زيادة حرفٍ ساكنٍ على آخر التفعيلة كثيراً ما تدخلُ هي الأخرى على هذه الوحدة، فتصبحُ (مُتَفاعِلانْ)، كما أنَّ هذه الوحدة كثيراً ما تسمحُ بدخولِ علّةِ (الترفيلِ) وهي زيادة سببٍ خفيفٍ على آخر التفعيلة (أو على ما آخرهُ وتدٌ مجموع على وفق تعبيير العروضيين)، فتصبحُ التفعيلة (مُتَفاعِلاتُنْ)... وإذا أصيبت بالإضمار أصبحت (مُسْتَفْعِلاتُن).

***

أقيمت أغنية (مالي خلق) على مجزوء الكاملِ الصحيح، لكنَّ شاعرها(الملحّن كاظم الساهر نفسه) أفادَ من إباحةِ حركةِ التحديثِ في استخدامِ أيّ عددٍ من وحداته التفعيليَّة في السطرِ الواحدِ، إلى جانبِ استخدامهِ للتذييلِ في بعضِ أضربِ هذه الأغنية المضمرة (مُستَفْعِلان).

والكاملُ من أكثرِ بحورِ الشعر العربيِّ غنائيَّةً، وانسياباً، وليناً، وتنغيماً، لذلكَ كانَ الساهرُ قد ركَّزَ في لحنِه على غنائيَّتِهِ، ولينه، فانسابتِ الأغنيةُ في أفواهِ الأطفالِ على نحوٍ شجيٍّ لا يخلو من حزنِ الأعماقِ المتبرِّمةِ، منبِّهينَ هنا إلى أنَّ بعضَ حروفِ مفرداتها يجب أنْ تتداخلَ صوتيّاً عندَ التقطيعِ، ممّا يوجبُ على الدارسِ أنْ يحذفَ واحداً من حرفينٍ في أثناءِ إخضاعِ المفردةِ الشعبيَّةِ للتقطيعِ، كما في (أحب وافترق) و(شمال ويمين) و(بحبِّ الخلق)، فهو مضطر إلى جعلها (حب وافترق)، و(مال ويمين) أو (شال ويمين)، و(حبِّ الخلق) حتى يتمَّ موسيقيّاً تكوينِ التفعيلة المضمرة المُذيَّلة (مُسْتَفْعِلان).

وإليكم تقطيع الأغنية:

 

مالي خلقْ حب وافترقْ

مُسـتَفْعِلُنْ مُسـتَفْعِلُنْ

.

نار العشقْ تحرقْ حرقْ

مُسـتَفْعِلُنْ مُسـتَفْعِلُنْ

.

احنه فوطنْ كلّو محَنْ

مُسـتَفْعِلُنْ مُسـتَفْعِلُنْ

.

كلـّو وجعْ كلّـو فتنْ

مُسـتَفْعِلُنْ مُسـتَفْعِلُنْ

.

واليحكمو بهذا الزمنْ

مُسـتَفْعِلُنْ مُسـتَفْعِلُنْ

.

اتَّـفـقوا ألاَّ نتِّـِفقْ

مُسـتَفْعِلُنْ مُسـتَفْعِلُنْ

***

متفرَّقـينْ في العالمينْ

مُستَفْعِلانْ مُستَفْعِلانْ

.

شمال ويمينْ نبع الحنينْ

مُسـتَفْعِلانْ مُستَفْعِلانْ

.

في كلِّ عينْ رعد وبرقْ

مُسـتَفْعِلانْ مُستـَفْعِلُنْ

***

لكمُ السلامْ والإحترامْ

مُتَفاعِلانْ مُسْـتَفْعِلانْ

.

لكنْ حرامْ وطَنِ السلامْ

مُسْـتَفْعِلانْ مُـتَفاعِلانْ

 

يصبحْ حطامْ أو يتسرقْ

مُسْـتَفْعِلانْ مُستـَفْعِلُنْ

والله حـرامْ

مُسْـتَفْعِلانْ

ألبي الصَّفي طيِّبْ وفي

مُسـتَفْعِلُنْ مُسـتَفْعِلُنْ

.

مِشْ طائفي حِبِّ الخلقْ

مُسـتَفْعِلُنْ مُسـتَفْعِلُنْ

..

كلِّ الخلِقْ

مُسـتَفْعِلُنْ

.

وإليكم رابط الأغنية:

https://www.youtube.com/watch?v=35wriEJvhWI

أ. د. عبد الرضا عليّ

 

 

mohamad taqijonالشعر ما لم تحتضنه الموسيقى مغامرة غير مجدية. في القصيدة تتحول كل التفاصيل إلى قيم نغمية تحدث هذا التآلف والانسجام المذهلين فتنصهر الفكرة والخيال والكلمة محدثة أشبه ما يكون بسيمفونية تترافد فيها آلات كثيرة، ولكن تصنع لحنا واحدا منسجما. ولا يقصد بالموسيقى ذلك البناء اللحني الظاهر الممثل بالبحور، بل هذه البحور تدخل جزءا في نغمية الشعر، ولا تصنع بمفردها شعرا.

 إن التصدي لكتابة قصيدة ناجحة يحتاج إلى إحساس مرهف بالنغم وذوق سمعي رفيع، وعلى هذا الأساس يصنف الشعراء كبارا أو صغارا؛ فالشاعر الكبير يختار له طبعه كلماته فتأتي متناغمة، متآلفة مع أجزاء القصيدة ومتلابسة كالسبيكة . والشاعر الصغير هو الذي يختار كلماته بوعي تام ليقطّعها على قوالب موسيقية معدة سلفا فتأتي قصيدته مفككة غير متلابسة كذرات الرمل . وهذا يفسر لنا كيف أن كبار الشعراء كانوا على درجة غير اعتيادية من الموسيقية كالأعشى الذي سموه لنغمية أشعاره العالية بـ(صناجة العرب)، وكقمم شعراء الأمس واليوم الذين ابتكروا ألحاناً وأنغاماً تنسجم مع الصوت العربي فأبدعوا.

في مجموعة الدكتور صالح الطائي يبدو الظهور الموسيقي جلياً.. فنحن نتفاعل مع الأفكار والمفردات من خلال النغم فنعيش أجواءه.. فإذا كنا نريد التأكد من أن صالح الطائي شاعر أم لا، أو البحث عن الشاعر في الباحث الإسلامي صالح الطائي، فالقراءة الموسيقية تبرز حقيقة انه (شاعر) بالفعل. نجد ذلك في شعره العمودي، الذي كتبه بطريقتين: الشطرينية المعتادة، أي قصائد ذات شطرين متقابلين، وقصائد شطرينية وزع كلماتها بطريق الشعر الحر. وكذلك نجد الموسيقى في شعره النثري.

ومن الأمثلة الموسيقية في شعره العمودي قوله:

هل الجراح الشمُّ يا ضيغمُ             أسياف مجد يعتليها فمُ

تهجّد الدين على صوته                وسار في صراطه معلمُ

وقوله:

رتل تواشيح الهوى

فالحشد

قد رفع اللوى

والشعب هبَّ جميعه

ومشى يطهّر نينوى

فالموسيقى تظهر بسيطة عفوية منسابة، وكأنَّ الشاعر قالها وهو تحت وطأة غيبوبة خالية من صحو الوعي، وألا لجاءت مفتعلة. وهذه سمة بارزة في شعره، اقصد العفوية والطبع وعدم التكلف.

وكقوله من قصيدة نثر بعنوان (يا سجدة العمر النبيل):

إليك يا سيدتي

يا من تنوئين بحمل اشتياقي

يا سجدة العشق النبيل

في محراب دنياي

يا لوعة عاشرتني سنين

تملأ قلبي حنين

فيلاحظ أن الشاعر يستحضر سمة موسيقية هي (القافية) فضلا عن التقطيع، وانسجام الكلمات، وتآلف حروف الكلمة الواحدة نفسها، كل هذا يصنع موسيقى فاعلة في النص والنفس، تعوّض الوزن الخارجي الذي هو طفيف الموسيقية، كما تشي بذلك قصائد الشعر التعليمي التي تكتب على بحر الرجز وغيره ولا يحس القارئ بأي موسيقى فيها .

صالح الطائي شاعر.. نعم شاعر جيد، ليس شاعراً كبيراً وليس شاعراً خاملا في نتاجه إذا قيس بجمهور الشعراء الموجودين في المشهد الواسطي أو العراقي.. في اختيار اللفظة الشاعرة، والأسلوب الشاعري، والأساليب والأدوات وطرح الأفكار والصور والفذلكات والقفشات.. الخ في كل ذلك هو لا يتخلف عن الشعراء، بل واحد منهم. نعم في بعض القصائد يظهر تعب المخاض، وألفاظ هاجرة، وصور لم تكتمل، وهذا أمر طبيعي يحصل لدى الكبار. أما الطائي فله العذر فإنه قام باستيلاد جديد لشاعر قديم في أغوار نفسه أخفته السنين والظروف، حيث أخذته الحياة. وعندما ظهر باحثاً ومفكراً، ظلَّ يلح عليه الشاعر الأمسي البعيد ليخرجه.. ثمّة شواغل عطلته.. إلا أن صدق الشاعرية هو الذي نجح أخيراً في إخراج هذا الشاعر المكبوت أو الامسي في نفسه... فكان ظهوراً يستحق العناء.

هو شاعر إذن، وله تاريخ قديم، وثمة قصائد قديمة تجاوزت المحاولات التجريبية. وهو شاعر جيد مؤثر ويمتلك الفعل الشعري، وإذا لم يكن في المقدمة فالأمر راجع إليه؛ فالشعر يختلف عن التأليف والتفكير العقلي، الشعر يعطي قياده للمتفرغ له.. فإذا أراد التفرغ له فليس عسيراً عليه مع امتلاكه الموهبة والأدوات أن يتقدم متخطياً الرقاب إلى الصفوف الأولى، وقد سئل الشاعر خليل مطران عن سبب تقدم احمد شوقي على شعراء جيله فقال: (لقد أعطى شوقي نفسه للشعر، فأعطاه الشعر ما لم يعط غيره). وشاعرنا مفكر وبحاثة وعلامة من الطراز الأول، فهل سيوازن بين العاطفة والعقل، أم سيضحي بالتفكير لصالح التشعير.. معادلة صعبة.. فنحن نعرف أن أبا العلاء المعري حين أصرَّ على أن يكون شاعراً وفيلسوفاً دون التضحية بأي منهما أصيب بخيبة أمل شعرية في أن يكون ثاني المتنبي، وقصرت يده عن اللحاق بالقمة، إلا انه وجد في أشعاره الفلسفية الراحة والرضا والعوض.

نبارك لواسط وللعراق خروج الشاعر من جوانح الباحث الكبير صالح الطائي، بمجموعة شعرية رائعة طافحة بالشعرية والصور الجميلة، في موضوعات وطنية وعاطفية اسماها الشاعر (نوبات شعرية) لتأكيد أن هذا الشاعر كان يفاجئ الباحث فيدق عليه قلبه وعاطفته ومشاعره، وهذه النوبات هي الخروج الميمون والظافر للشاعر أخيراً. فمبارك للشاعر صالح الطائي خروجه في هذا المخاض الشعري الجميل.

 

الأستاذ الدكتور محمد تقي جون الحسني

 

jawdat hoshyar2نبذة عن حياة وأعمال بونين: إيفان بونين (1870 ـ 1953) أحد الأعلام البارزين في الأدب الروسي الكلاسيكي، وقد بدأ حياته الأدبية شاعراً، ولم يكن قد تجاوز العشرين من عمره حين نشرت مجموعة أشعاره الأولى، التي نال من أجلها " جائزة بوشكين "، ثم منح الجائزة ذاتها للمرة الثانية حين ترجم عن الشاعر الأمريكي (لونغفيلو) ملحمته الشعرية " هياواثا "

بيد أن بونين معروف في المقام الأول ككاتب نثر ممتاز، ويعد أهم كاتب للقصة القصيرة بعد تشيخوف. ويتميز أسلوبه بالثراء اللغوي والعمق السيكولوجي. بونين شأن تشيخوف يأسر القارىء في قصصه بوسيلة أكثر من أي متعة أخرى، إن قصصه مواقف آسرة وشخوص فريدة، فالكاتب يجذب إنتباهنا فجأة لما هو عادي تماماً ومألوف عندنا في خبرتنا اليومية والحياتية، ولما مررنا به في الماضي مرات عدة دون أن تصيبنا الدهشة لولا ذاكرته الفنية.

في عام 1909 ـ عندما كان في التاسعة والعشرين من العمر ـ منحته أكاديمية العلوم الإمبراطورية الروسية لقب أكاديمي تقديراً لإبداعه الأدبي، وهو شرف لا يحظى به، إلا القلة من العلماء والمبدعين.

نال بونين جائزة نوبل في الآداب لعام 1933، عقب صدور روايته "حياة ارسينيف" . و كان أول كاتب روسي يحصل على هذه الجائزة. وجاء في نص قرار منح الجائزة ما يلي: " بقرار من الأكاديمية السويدية تمنح جائزة الآداب لإيفان بونين لقاء الموهبة الفنية الحقة التي تمكن بواسطتها من إعادة خلق الشخصية الروسية بقالب نثري جميل " .

عندما تقرأ قصص بونين لا يمكنك إلا أن تفكر في لغز الوجود الإنساني ومواجهة الإنسان لمصيره المحتوم .

ثنائية الحياة والموت في قصص إيفان بونين

ثنائية الحياة والموت، كانت واحدة من اهم الثبمات الرئيسية في ابداع ايفان بونين . وقد عالجها الكاتب بطرق مختلفة، ولكنه في كل مرة توصل الى إستنتاج مفاده أن الموت جزء لا يتجزأ من الحياة.و ليس للأنسان عزاء أو سلوى، لا في العمل، ولا في الحياة الأسرية . الحياة اليومية روتينية ومملة، والعمل مرهق، والناس غرباء بعضهم عن بعض . عندما يأتي الإنسان الى الحياة، فأنه يندفع على الفور الى نهايته . العالم – هاوية، مستنقع، والموت مسألة صدفة . حياة الأنسان لا شيء بالمفارنة مع العالم . والانسان نفسه عاجز وضعيف بصرف النظر عن موقعه في السلم الأجتماعي .كل شيء في العالم زائف ووهمي، والحقيقة الوحيدة هي الموت . ويرى بونين ان الحب هو مقاومة للموت وتجسيد للحياة . ولكننا اذا تمعنا عن كثب في قصصه عن الحب، نجد مفارقة واضحة، وهي ان الحب السمة الرئيسية للحياة : من يحب، يعيش حقاً . ولكن الموت يترصد للأنسان دائما في كل لحظة، وفي كل مكان. ويرى بونين ان الحب العميق الجارف كونه تركيز للحياة واللحظة الاكثر توترا في الوجود الانساني ينتهي بالموت في أكثر الأحيان .

يأتي الإنسان الى هذا العالم، عالم الفوضى، لفترة جد قصيرة من الزمن، والحياة توهب له لأسباب غير مفهومة لا يعلمها، الا الله . والموت ينهي هذه الحياة على نحو مأساوي . وكل شيء يحدث مصادفة . وثمة ارتباط وثيق بين الحياة والحب والموت .

في مجموعة قصص بونين الرائعة " الدروب الظليلة " - التي اطلق عليها النقاد اسم موسوعة الحب - نجد إن النهاية التراجيدية امر طبيعي، لأن الحب الحقيقي الجارف يقتل العشاق حتماً، مما ينقذهم من خيبة الأمل . ولهذا لا نجد في " في الدروب الظليلة قصة واحدة تنتهي بالزواج . الزواج يحمل معه العادة التي تقتل الحب عاجلا ام آجلاً .

في العالم الذي صوره بونين في اقصوصة " اسطورة " شخصان : هو وهي . هي ميتة، وهو على قيد الحياة، ولكنه يعرف أنه سيموت أيضا في يوم ما . و سيأتي آخرون الى هذا العالم، وهو يأمل أن يعد هؤلاء بدورهم الزمن الذي عاش فيه، اسطورياً.

وتعد هذه الأقصوصة، التي ترجمناها عن الأصل الروسي، نموذجاً لنظرة بونين الى العلاقة، التي لا تنفصم بين الحياة والموت .

أسطورة

على أنغام الأورغ والغناء - كان الكل يغني على وقع الأورغ أغنية حلوة، حزينة، ومؤثرة تقول : " ما أطيب الوقت معك يا الهي !" . على ايقاع الأورغ والغناء رأيتها فجأةً بجلاء واحسست بها .لا أدري من أين انبثق طيفها في خيالي بشكل مباغت وغير متوقع، شأن كل ما يفاجئني به خيالي في الحالات المماثلة، على نحو يجعلني أفكر في الأمر طوال اليوم .

أعيش حياتها وزمانها . لقد عاشت في تلك الأيام الغابرة التي نسميها العصور القديمة . ولكنها رأت هذه الشمس ذاتها التي أراها الآن، وهذه الأرض التي أعشقها ، وهذه المدينة القديمة، وهذه الكاتدرائية، والصليب الذي ما زال يسبح بين الغيوم، كالعهد به في العصور القديمة . وسمعتْ الغناء نفسه الذي اسمعها الآن . كانت فتية، تأكل، وتشرب . وتضحك وتثرثر مع جاراتها، وتعمل، وتغني . كانت فتاة شابة، فعروساً، ثم أماً . ماتت قبل الأوان، مثلما تموت النساء الرقيقات المرحات في ريعان الشباب غالباً . في هذه الكاتدرائية أقيم القداس على روحها . وها قد مرت قرون عديدة على رحيلها عن العالم الذي شهد منذ ذلك الحين كثيراً من الحروب الجديدة، والبابوات الجدد، والملوك والتجار والقساوسة والفرسان . في حين ان عظامها النخرة ، جمجمتها الصغيرة الفارغة راقدة تحت الأرض، كما رفات الآخرين . كم عددها في الأرض هذي العظام وهذي الجماجم ؟ ان كل الماضي البشري وكل التأريخ الإنساني حشود غفيرة من الموتى ! وسيأتي يوم سأنضم فيه الى جموعهم . وسأبث أنا أيضاً الرعب بعظامي وجثتي في مخيلة الأحياء، كما فعلت تلك الحشود الغفيرة من الجيوش التي ستغرق الأرض يوم الحشر .. ومع ذلك سوف يعيش أحياء جدد بأحلامهم عنا نحن الموتى، وعن حياتنا القديمة وزماننا القديم الذي سوف يبدو لهم رائعاً، وسعيداً، واسطورياً . .

           

 

جودت هوشيار

 

 

rajaa husanتقديم: عندما قرأت قصة {الجسد} للمرة الأولى، مرت عليّ بعض النقاط التي اعتبرتها غامضة بعض الشيء؛ واعتبرت هذا تقصيرا مني لحد ما؛ فبرغم تقديري الكبير للحركة الثقافية بالعراق الشقيق، إلا أن هناك بعض المصطلحات المتعارف عليها ثقافيا هناك والتي قد تبدو غامضة لنا، ولكن بقليل من البحث والسؤال بدا الأمر جليا بعد أن اتضحت تلك النقاط.

وربما كان هذا من الأسباب التي دفعتني لإعادة القراءة مرة بعد مرة؛ مما شجعني على اختيارها كمادة للتحليل النقدي واللغوي، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية وجدتها فرصة ملائمة للاطلاع ولو قليلا على ثقافة بلد شقيق ومدى مواكبة الحركة الثقافية لمجريات الأحداث؛ لربما توضح لنا أقلام الأدباء والشعراء ما عجزت أبواق الإعلام عن تقديمه لنا، أو قدمته ولكن بشكل مشوه لأغراض كثيرة.

بالقراءة المتأنية للقصة التي بين أيدينا، سنرى معا إلى أي حدٍ عكست القصة العناصر الأساسية للفن القصصي، وأهم الوسائل الفنية التي اعتمدها الكاتب في قصته، مراعاته لحيثيات الزمان والمكان، أسلوب معالجة موضوع القصة الخ

فهيا معا نجوب في أرجاء عالم الشهادة

الجسد

يتضح لنا من الجمل الأولى في بداية القصة براعة الاستهلال والتي تمثلت في لهفة الشاب لمعرفة ما يريده، حتى ولو اضطره الأمر إلى التوجه بسؤاله لشخص غريب عنه، ولا تربطه به أيّة علاقة، مما يعكس رغبته كفلاح بسيط في المعرفة، وعلى الجانب الآخر كان اختياره للشخص المناسب ليوجه له سؤاله؛ دليلا على ذكاء فطري وهبه الله لأولئك البسطاء الذين نسيء الظن بهم أحيانا، ويتخيل البعض منا أنهم قليلو الفهم أو ضيقو الأفق.

- ثم تتجلى سرعة البديهة لدى الكاتب في سرعة استنتاجه لحاجة الشاب إلى المعرفة، وتحريه لاختيار أفضل الطرق للرد عليه وتوصيل الإجابة له بالشكل المناسب.

- كانت الإجابة رائعة، ومتضمنة الكثير من المعاني بكلمات بسيطة موجزة؛ وذلك عندما شبه له الشهيد بالشمعة التي تحترق وتفنى لتضيء للآخرين طريقهم، وهو رد يناسب كل الأفهام؛ ليوضح مدى تضحية الشهيد ومكانته في المجتمع، وبالتالي يأخذنا بسلاسة إلى واجب المجتمع من الجهة الأخرى تجاه الشهيد وأسرته، التي تركها أمانة في عنق الوطن، وهو واجب أخلاقي وإنساني، وكنت أفضل أن يعرضه الكاتب في قصته كجزء أصيل من نسيج القصة.

- استخدم الكاتب مفردات اللغة الموحية تمامًا في مواضع متعددة؛ لتعبر لنا عما وراء الكلمات، وتأخذنا إلى عالم خيال الشاب الذي يتوق صادقا لنيل شرف الشهادة.

- [استنشق الشاب نسيم القرية العذب بأنفه الطويل.. إلى: جسد الشهيد وكيف تأكله الأرض؟]

استوقفتني كثيرًا هذه الفقرة المزدانة بالتعبيرات الرائعة والموحية:  - استنشق نسيم القرية / والتي توحي بالراحة النفسية التي غمرت الشاب؛ والتي نشعر بها جميعًا لحظة توصلنا لقرار يريحنا نفسيًا، ويأتي هذا الإحساس دائمًا بعد فترة من القلق والتوتر بسبب أمر يشغل بالنا كثيرًا؛ وهذا ما كان يعانيه الشاب وقت سؤاله. – أنفه الطويل / توحي بالأنفة والرفعة والشموخ.

- بريق عينيه / توحي بالثقة والعزم على القيام بأمر جلل.

- ينظر في براءة الطيور / وكأنه خُلق طاهرا بريئا استعدادا لمصيره المشرف، ونهايته الطاهرة.

- يبحث في ذهنه عن علة بقاء جسد الشهيد / توحي بانشغاله الصادق والنابع من أعماقه بحياة الشهيد ومصيره؛ وكأنه يريد معرفة مصيره هو شخصيًا في حال نيله شرف الشهادة.

- ثم استرسال الكاتب بعد ذلك في تفسيره للشاب عن السر في سمو الشهيد وطهره، وأن هذا الطهر النابع من سمو روحه، ينعكس على كل ما يخصه من أمور مادية أيضًا؛ ليجعله في النهاية تجسيدًا حيًا للطهر والسمو الذي يصبو إليه كل إنسان عظيم النفس .

- لخص الشاب كل المعاني التي وصلته في كلمتي: {طاهرة الروح} مما يدل على مدى تأثره بكل حرف سمعه.

- مغادرة الشاب بعد ذلك صامتًا، وبدون أن يُكثر من الكلام مع محدثه، لربما كان عائدًا إلى عظم مشاعره في تلك اللحظة؛ حيث تعجز الحروف عن ملاحقة المشاعر السامية والتعبير عنها، وكل ما استطاع الكاتب فهمه هو ما التقطته أذناه، من دعوة الشاب لربه أن يرزقه شهادة خالصة لوجهه الكريم.

- اختار الكاتب في وصفه لمشهد مغادرة الشاب للمكان الكثير من الألفاظ الموحية مثل: {يخترق / الأرض المزدحمة بالأشواك / ثوبه الأنيق يشبه لون الكفن / خطوات قدميه الثابتة / ينشب رجليه في الأرض} وكلها كلمات توحي بالعزيمة والفخر والقوة .

- وما كانت مراقبة الكاتب للشاب تلك المراقبة الدقيقة والمتفحصة أثناء مغادرته إلا لسببين على ما أعتقد:

- الأول: هو استحواذ الشاب على اهتمامه فعليًا؛ نظرًا لسؤاله عن أمر له قيمة سامية.

- الثاني: هو توقعه أ ن الحديث لم يكتمل بعد، وأنه لابد وأن يعود؛ ليسأل سؤالًا كان الكاتب ينتظره.

- توقُف الشاب فجأة دون حراك أثار رغبة الكاتب في معرفة السبب؛ مما دفعه إلى متابعته؛ ليفاجأ به ينظر إلى منزل الشهيد متابعًا أطفاله وهم يضحكون ويلعبون بكل سعادة.

- وكأن الكاتب أراد أن يؤكد كلامه؛ فلو كانت الشهادة مبررا لحزن أقارب الشهيد؛ لكان هؤلاء الأطفال أولى بالحزن والألم والقهر؛ لفقدانهم أحب وأقرب إنسان لديهم في الدنيا وهو والدهم، ولكن رؤيتهم على تلك الحال هي الدليل الأكبر على إحساسهم بأن والدهم ما زال حيًا يُرزق، يشعر بهم ويشاركهم سعادتهم، كل ما في الأمر أنه في مكان آخر أروع.

- تحقق توقُع الكاتب للسؤال المنتظَر من الشاب عن مكان الشهيد الآن؟

وكأنه يريد أن يتأكد مما سمعه من سمو ورفعة شأن الشهيد، وأين ستأخذه تلك الشهادة المطهرة.

- إلى هنا كانت الشهادة لا تزال ضربًا من الأمنيات يداعب خيال الشاب، ولكنه بدأ يخطو أولى خطواته لتحقيق أمنيته فعليًا.

- ولأن الدعاء وحده لا يكفي بدون العمل الجاد لتحقيق الأمنيات؛ حيث يُعَّد هذا ضربًا من التواكل المكروه؛ كان قسمه على الكاتب أن يُلحقه بركب المتطوعين بالحشد الشعبي.

- وكان ما كان من التفاعل السريع والاتصال بالقائد، ولم ينسَ الكاتب أن يزوده بالنصيحة وينبهه إلى أهمية السرية التامة لكل ما قد يُكلَّف به من مهام؛ وهذا من الأهمية بمكان في أي عمل خاص بالحرب والجهاد، وربما لا يلتفت الشاب البسيط لمثل هذا الأمر الخطير؛ لقلة خبرته في الحياة؛ بعكس الكاتب الذي كان يدرك تمامًا أهمية وخطورة ما يقوله للشاب.

لحظة الوداع

- فرحة الكاتب بلقاء الشاب في معسكر التدريب، وسعادته عما سمعه عنه من القائد.

- ملاحظة أن {الشهادة} كانت رد الشباب جميعًا على سؤال عن سبب تطوعهم للجهاد.

- شرح الكاتب لقيمة الشهادة أمام الشباب، وأنها لابد وأن تكون لها ثمن غالٍ.

- {كنت أتمنى أن أستشهد بملابسي الأولى} قالها الشاب وكأنه يتحدث عن تبديل ملابسه لمناسبة سعيدة ينوي حضورها؛ مما يعكس إحساسه العالي بما سيحدث له.

- برع الكاتب في تصوير لحظة الاستعداد للهجوم على الأعداء، وتوجه الشاب إلى نقطة الرصد، ثم توديعه لأصدقائه في المعسكر بطريقة خاصة؛ عندما استودعهم الله الذي لا تضيع ودائعه؛ بها إيحاء بأن نفوسنا جميعا ما هي إلا وديعة لدينا يستردها خالقها في الوقت المحدد.

- التعبير الرائع {ذهب وأخذ قلبي معه} يعكس إحساس الكاتب المرهف، ولوعته على فراق صاحبه، وهو يعبر بصدق عن معنى التقاء الأرواح؛ فبرغم معرفتهما القريبة زمنيا؛ إلا أن الرابط بينهما كان وثيقا؛ لدرجة إحساس الكاتب بهذا الشعور المؤلم لفراقه.

- ثم براعته في تصوير تفاصيل لحظة الشهادة بالكلمات والتعبيرات الموحية {قلقه من عدم تناول الشاب لطعامه مثل الآخرين / طمأنة الطباخ له بأن الخير كثير، وأن حصته موجودة، وكأنه يوحي بأن حصته موجودة بالجنة إن لم يلحق بها في الدنيا.

- انطلاق الشاب لاحتضان الانتحاري، لم تكن لحظة اختيار للموت؛ بل هي انطلاق إلى رحاب الشهادة المطهرة التي طالما راودت خياله وحلم بها، وها هي الآن تتحقق.

- لم يكن الثمن زهيدا؛ كان غاليًا جدا؛ تمامًا كما أخبره الكاتب، عندما سأله في أول القصة عن مغزى الشهادة.

الخاتمة

إن الكاتب القصصي الناجح هو الذي يستلهم مادته من واقع الحياة من حوله مع عمل نوع من الدمج بين الواقع والخيال، ورغم قلة ملامح الخيال في القصة إلا أن الكاتب قد جعلنا نحلق معه ومع بطل قصته في رحاب عالم الشهادة بكل ما فيه من طهر وسمو وترفع عن كل ماديات الحياة.

- بالرغم من أن متابعة سير الأحداث توحي للقارئ بعض الشيء بنهاية القصة إلا أن ذلك لا يمنع من التأثر بما قام به الشاب من تضحية بروحه من أجل وطنه والآخرين.

- {الشهادة} كانت هي الحدث الرئيس ومحور حياة البطل وقد استطاع الكاتب تجسيد ذلك من خلال اعتماده الألفاظ المعبرة؛ فقد استخدم الكاتب كلمات:

- {شهيد} (10) مرات.

- {جسد} (10) مرات .

- {الشهادة} (7) مرات، منها مرتان كفعل.

- {الروح} (3) مرات، منها مرة جمع.

- {الأرض} (3) مرات.

- {القسم بسيد الشهداء} مرتان.

كما نرى الإسقاط النفسي الواضح في اختيار الكاتب لنوعية الشجر الذي يستريح تحت ظله، {شجرة الزيتون} وكأنه يستمد منها الراحة النفسية والمباركة لما يقومون به من مهام؛ حيث نجد أن:

- {شجرة الزيتون} ذكرت مرتان.

- {النخلة} ذكرت مرة.

وبملاحظة النسبة العددية للكلمات المذكورة نجد أن كلمات {شهيد / الشهادة / والروح} قد ذكرت {20} مرة ، وبالمقابل ذكرت كلمتي {الأرض والجسد} {13} مرة، كأن المحصلة اللغوية تأخذنا في النهاية إلى ما أراد الكاتب توصيله إلينا من خلال الأحداث، وحياة البطل، ألا وهو: {قيمة الشهادة}.

 

رجاء حسين

 

 

khadom allami(القراءة مبارزة يصعب التنبؤ بنتائجها)

فكتور هوجو

هل للكون بداية؟ كيف بدأ الكون؟ كيف كان شكله؟ متى بدأ؟ وإلى أين يسير؟ هذه أسئلة تحتاج الى إجابات وعلى وجهالسرعة والدقة لانها مرتبطة بوجودنا الهش معرفيا والاجابات الموضوعية عنا ترمم بعض هذا الوجود، ومنها واليها وعلى غرارها انبثقت اسئلة اخرى كان قد طرحها الإنسان منذ القدم، وهي في حقيقتها وليدة قراءات لانعكاس إنساني لقراءات إلهية في أصل الكون كوجود أول ونتيجة للمعنى الفلسفي المتشظي للآية القرآنية (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) فإن الكون وفقا لهذه الآية على سبيل المثال لا الحصر آخذ في الأتساع باستمرار فلابد أن حجمه كان أصغر من ذلك وبالتالي العودة الى نقطة البداية ليحتدم الجدل بعدها نتيجة ولادات جديدة لقراءات حادثة، ومن هنا برزت للوجود القراءات بمختلف صورها التي تفسِّر نشوء الكون والتي اتسعت هي الأخرى أي القراءات لتشمل كل ما هو حادث في أصل وجوده وما هو ناشئ تراتبيا بتوقيت معين، ومنشأ هذه القراءات ينطلق من جزئية مهمة وهي ان الحاجة أم الاختراع بإجابة عن كم الأسئلة الهائل التي أضحت صيرورة وجود، وهذه القراءات هي في حقيقتها إساءة قراءة مع الواقع، وربما تطابق قَرُبَ او بَعُدَ عن الحقيقة وفرضياتها بنسبية ما، إلا أنها أتت كردة فعل للمثيرات الداخلية والمحيطة.. وكما قال الفرنسي دريدا وفقا لنظرية الاختلاف:- (القراءة إساءة لا نهائية) لولادة قراءات اخرى تحررت في خطابها من ربقة قراءات سلفها.. والغاية والهدف من كل ذلك وان لم تكن قصدية الفعل حاضرة في بعض الأحيان:- هو نهل المعرفة من منابعها التساؤلية لبلوغ المتعة التي هي الهاجس الجمالي الذي يراود الجميع فالانسان بمجمله قاريء متسائل.. ومن جملة هذه القراءات المتعددة هي القراءة المسرحية، فالعرض المسرحي مؤطر بمعرفتين معرفة ظاهرية صاخبة تقود لتبني المتعة المتحققة بكل أشكالها ومصادرها ومعرفة باطنية هادئة تقودنا لتبني أفكارنا الانطباعية والدفاع عنها في أصل العملية التحليلية والتفكيكية لعناصر العرض المسرحي وتقصي أبعاد وأهداف جدوى النص وسحر العرض، ومن هنا تتجذر حقيقة تصدينا البنيوي للعرض المسرحي (آخر نسخة منا) .

ارتكز العرض المسرحي (آخر نسخة منا) تأليف علي عبد النبي الزيدي وإخراج الشاب علي صبيح على حقيقة فلسفية واضحة الرؤى عميقة المعنى من إن الحياة التي نعيشها حلم كبير والعالم الذي يحتمل هذه الحياة هو مسرح اكبر تتجلى فيه منعطفات الميتا مسرح بانفعال باتا فيزيقي وانحياز واضح لغاية برزت بقوة بخلق دنيا وحياة أخرى من رحم حياتنا، لا تشبهها عينا لكنها وممكن لنا أن نسميها تمسرح واعي قد خرج من معطف مسرح آخر أكثر واشد وعيا، متخذة أي الغاية من محطات معينة تدعو لاسترجاع الذاكرة الانفعالية والمكوث في خيمتها والتحرر منها بعد ذلك بجعبة مليئة بالأحداث ما زلنا نستنشق أوكسجينها الذي احتمل التلوث والنقاء بثنائية متضادة وخلق ردة فعل اتجاهها تعاكسها في الاتجاه ولا تساويها بل تزيد عنها بالقوة وتخرج عن إطارها التكويني من خلال استدعاء الواقع بشكل متخيل وتواجد الحياة بألوان مغايرة شكلا لا مضمونا مع وضع خارطة طريق لتأصيل الحلول القاطعة بعدم الإرتداد وعودة ما مضى من خلال التجديد والرسوخ وهذه.. هي مقومات رسالة المسرح عموما بنقل الواقع بشكل متخيل مع وخزات نفسية تؤجج التوافقات الحسية للانفتاح على الحلول الناجعة .

قدم لنا علي صبيح بصحبة فريقه التمثيلي والتقني ومن على أديم منتدى المسرح العراقي عرضا مسرحيا احتجاجيا رافضا لكل سلبيات الحياة الأيديولوجية، فقد كان متميزا بالشكل الذي شجعني لان اكتب عنه واستفز قلمي لينزف نقدا حياديا، وهذا التميز أتى نتيجة طبيعية لعدة نقاط سنوردها لاحقا حينما نخوض في غمار حيثيات العرض جملة وتفصيلا.

اختيار منتدى المسرح كخشبة عرض مسرحي ل (آخر نسخة منا) وهو بهذه المساحة والتكوين المعماري الخاص، وكما يعرف الكثير ان منتدى المسرح هو في أصله بيت بغداد مبني على الطراز التركي القديم.. هذا الاختيار لم يأتي لأسباب جغرافية قاهرة فرضها النص وان بدت مجازا هكذا، حيث كان ممكن للعرض إن يكون على خشبة المسرح الوطني وهو بمساحة واسعة شاسعة وسيلاقي نفس النجاح، لكن أتت رؤية المخرج بقصدية فكرية فلسفية جعلت من محدودية مساحة منطقة العرض في المنتدى كبوابة مشرعة لولوج عالم حميمي بين العرض المتخيل الكاسر لكل التكوينات المتحجرة وهي تلف الواقع المتزمت في شكله المعاق والمستسلم بعد ذلك لمفخخات العرض بالتفجير والتنوير، هذا من جهة ومن جهة أخرى نشأت حميمية متوقعة بمنظور خاص بين الممثلين والجمهور، بين الكاتب والمخرج، بين المكان والذاكرة بين الزمن وتقلباته.. لتستقيم تلك الحميمية بمواجهة إيديولوجية أصلها هو التقارب الوجداني بين الجميع في ظل أجواء سكنية تعكس طبيعة الحميمية الداخلية لسيرة المواطن وسط أهله وناسه وكأنه أي المخرج يقول للجمهور وهو يرمي كرته في ملعبهم الفرجوي هذه حياتكم، هؤلاء انتم، فاختاروا من تريدون ان تكونوا نسخة منه بتوأمة فلسفية! لذا كانت نوافذ الحرية متاحة لكم لولوجها والانطلاق منها لتبني حياة أخرى أكثر متعة وجمال.

كذلك أتى تَمَيُّز العرض من كون المخرج ورفاقه وهم بهذا العمر الفني القصير وفي أول ارتقاء جاد كانوا قد امتلكوا الجرأة العظيمة أولا باقتناص نص كبير لكاتب كبير وهو علي عبد النبي الزيدي ثم تلاها بجرأة اكبر  من خلال العرض على مسرح شهد العديد من التجارب المسرحية الفريدة لعمالقة المسرح العراقي إخراجا وتمثيلا كـ (سامي عبد الحميد، عزيز خيون، باسل محمد علي، عواطف نعيم، عوني كرومي، إقبال نعيم، رائد محسن، إنعام البطاط، مازن محمد مصطفى) وغيرهم الكثير، وثالثا وهي الجرأة الأكبر في تناول موضوع معفي مسكوت عنه سيثير حساسية الكثير وربما رَفْضُ علي صبيح من خلال العرض يواجه برفضٍ اكبر من خلال المتلقي، لكنه فتح صدره مبتسما لرصاصات النقد والرفض، متوقعا ذلك فأعلن عن نفسه بقوة (مصلحا نبيا بثوب فنان مسرحي) لذا تراكمت مسؤوليات كبيرة على عاتق الفريق تمت ترجمتها الى: كيف لعلي صبيح ان يلاقح هذا الوجود الثر للنقاط الثلاث الآنفة الذكر بوجود لا يغيب عنه الجمال بتناسخ وتعاضد مع ما قدم، مما يجعلنا ووفقا لرأيي القاصر ان نؤكد ان علي صبيح ورفاقه كانوا في الموعد فتواجدوا بألق كبير نحترم فيه أفانينه الثرَّة وهو درس مجاني للكثير بان العمر لا يقف عقبة أمام الإبداع والجمال ان قصر او تقدم.

انطلاقا من أول سُلَّمة نرتقيها في بنية النص والعرض مجتمعين ألا وهي سُلَّمة العنوان (آخرُ نسخةٍ منا) تشكلت هنا مدلولات لغوية متفجرة تفتقت عن رغبة في الصراخ باحتجاج كبير وبمعاني كبيرة من خلال إيقونات صورية من قبل الشخصيتين (واحد، واحد مكرر) وخاصة حينما نتجاوز أول مشهد لنسمع همسا يرافق الصراخ والاحتجاج مفاده ان ما ترونه الآن من عرض مسرحي لشخصيتين سياميتين هو آخر نسخة منا نحن أبناء هذا الوطن الجريح لأنها اي الشخصيتين لن تتكرر في قابل الأيام باعتبار رجائي نحن وضعناه كأمل نراهن عليه في أنفسكم، أي في أنفس الجمهور عندما ترون بشاعة ما يجري بتوأمة مع مسرح القسوة او مجايلات مسرح العبث بمعناه الفلسفي الإصلاحي من خلال بعض الإجابات الصادمة لأسئلتكم الكثيرة وخلقُ رفضٍ بيئته أنفسكم بمعرفة حقيقة التناقض ونتائجه الخبيثة في طبيعة العلاقة بين الاثنين والتي تسببت في جملة من المتاعب التي عشتموها وتعيشونها الآن.. وتماشيا مع نظريتي أرسطو وافلاطون في التطهير وعدمه، حيث وضعنا الإصبع على الجرح الدامي نعم ستتألمون نعم ستشعرون بالغثيان لكن هذه هي طبيعة المسرح في خلق الدهشة بصدمة عنيفة ستأتي نتائجها الايجابية لاحقا.

اعتلت العنوان مثابة كبيرة احترم فلسفتها لأنها أعطت النتيجة النهائية للعمل سلفا لكن بشرط متابعته حتى آخر صورة تقف عليها عيونكم بمعية قلوبكم ليعقبها الإظلام الأخير ليعلن بعدها ان لا نسخة منا نحن البشر تشبه هذه النسخة لأنها تلاشت وانتهت لاعتبارات رجائية وسيل أمنيات كما أسلفت، واعتبارات واقعية أمنية ثقافية بدت بقوة تسود المشهد الإنساني المحلي، وربما آخر نسخة منا في الحدود الجغرافية الدنيا لهذا العالم وكأن العرض يقول هذه آخر نسخة منا فلا نسخة ستجدونها في الكون تشبه نسختنا نتيجة للظروف التي يعيشها الإنسان العصري في هذه البقعة المسكونة بالخراب.

العرض المسرحي يحاكي الثنائيات العديدة التي يعيشها الإنسان بروابط متعددة مع الآخر وهي الدين والعرق والثقافة والدم والمكان والزمان لتتوسع هذه الثنائيات ليخرج لنا الزيدي بثنائية تنحدر عنها كل الثنائيات الإنسانية بتناسخ توأمي سيامي حيث يتبين أن (واحد) وأخيه (واحد مكرر) قد ولدا سياميين ولن ينفصلا مهما كانت المحاولات لفصلهما ان كانت هذه المحاولات خارجية مصدرها المحيط الاجتماعي والسياسي العام ام داخلية منبعها رغبات الوليدين وهذا ما تؤكده حوارية التوأمين.

واحد مكرر: لم تنجح عمليات فصلنا عن بعض .. ماذا افعل؟

واحد: كم حاولت أن أفصلك عنّي بسكين

واحد مكرر: ولم تنجح

واحد: كم حاولت أن أخنقك وأتخلص من شخيرك

واحد مكرر: ولم تنجح

واحد: كم تمنيت أن أتنفس بعيدا عنك

 واحد مكرر: ولم تنجح

وكما أسلفت ومن خلال تشظيات الدلالة اللغوية للحوار وبعض إشراقات الميزانسين والسينوغرافيا يتأصل لدينا ان هناك رفضا كبيرا واستياءً عارما لهذه القسمة الظيزى في التجاور والتوأمة لأنها تكشف حقيقة التبعية بدكتاتورية مفرطة وتقييد حركي روحي للطرفين يؤكده إتيان أفعال لا يرغب بها الآخر لأنها لا تمثله ولا تعنيه بشيء، مما يتولد نتيجة لذلك صراع كبير يأخذ إشكالا متعددة تؤكد رفض الكاتب والمخرج والممثلين وكلا الشخصيتين الاعتباريتين لكل ما جرى ويجري على أديم واقعنا المتفشي ألما، وهذا التجاور والتقارب والعيش المشترك لا يمكن بأي حال من الأحوال ان يتميع فينتهي فيتلاشى، مستحيل!!!! انه قدر محكم لا يمكن الفرار منه وان اجتهد الطرفان في العمل على رفع السيف وإعلان قطع عرى هذا التجاور الذي هو في حقيقته تجاور مفروض أكدته الحتميات الإلهية.

عالج العَليّان، الكاتب والمخرج، موضوعة الثنائية المعروفة في شقيها البديهيين (الخير والشر) بتمظهرات فرجوية تنطلق من مبدأ الإشارة والتعريف وجعل الجمهور يشعر  بالانتماء الى تلك الظواهر الحية والمتحركة والتي لا تبقى في النقطة التي فارقت منها الحياة بل تستمر على التطور في وعي المتفرج وهي إشارات جديرة بالدراسة انطلقت من قضية مهمة هي محط خلاف وجدال لم تنقطع فصولها طيلة حقب مديدة تلت خلق ادم وحواء ذكتها المصالح الآنية الضيقة مع انحدار للوعي وتلاشي لجوهر الضمير .. وهذه الجزئية الجدالية بَرْوَزَها ووضعها الزيدي في خانة الدين! نعم الدين الذي بدلا من ان يكون عامل اجتماع وتآزر وتعاضد استحال نتيجة للأنا المفرطة في نرجسيتها الى وحش ميناتوري كبير يلتهم كل ذواتنا ليعلن عن علامة كبيرة تشكل موروثا سيسيولوجيا أطرافه البقاء للأقوى، النصر لمن يقتل أكثر، الحياة لمن ينفي الحياة عن الآخرين، النصر لمن لا يؤمن بالحب كسبيل وطريق لرضا الله وكسب سعادة الدارين، وهذا ما نراه واضحا مؤكِدا لما مضى بهذه المناجاة لعنصر الشر واحد:-

واحد: (يرفع يديه بالدعاء) يا رب .. من يستحق الحياة؟ أنا أم أخي؟ فهو لا يصلي لك أبدا، ولا يصوم، ولا يؤمن أن قتل الناس في سبيلك هو طريق الحق.

 واحد: (مستمر بدعائه) يا ربي.. اشطب هذا الكائن من جسدي، فأنا مؤمن بك وهو عاشق لا يهمه سوى كلمات الغرام التي لا أعرف من أين يأتي بها.

الصراحة الواضحة في طرح الأفكار الكاشفة عن غاية العرض واهدافه وهي تنبع من رحم الإسلام، حددت التوجهات الفكرية بمحلية شديدة وكأن بقية الديانات لم تشهد ذلك التناحر والتضاد الفكري والأخلاقي، ربما لان الرغبة التي تعتري فريق العمل في عدم تورية الرفض لقضية يعيشونها بأنفسهم بكل تفاصيلها في عملية مكاشقة للذات، لذا تحتم عليهم ان يتحدثوا بهذه الصراحة المفرطة والانحياز الواضح لقضاياهم، مع مؤاخذتنا على عدم التلقي الإنساني بعرض يتجاوز مؤلفه وحدود بيئته وتفاصيل المكان والزمان وهي نقطة لا تحسب لفريق العمل .. ولو قال احدهم معترضا على ما أقول:- من أي فجوة بنيت حكمك هذا مع ان هناك شيوعا في الطرح وعمومية راكزة ولم نحدد الإسلام كجهة معينة لصراع عقائدي بين الوليدين السياميين.. سنجيب بهذه الأمثلة رفعا للبس والتفسيرات القاصرة.

الوضوء.. حيث لسعتنا حمى الدين الإسلامي عندما بدأ (واحد) بممارسة الوضوء والتكبير بـ (الله اكبر) وهي بادئة تتقدم الصلاة لدى المسلمين وهي أيضا لازمة ترافق التهيؤ من قبل الإرهابيين المتشحين بالإسلام حينما يَجْهِزوا ذبحا على احد ضحاياهم، او حينما يفجروا أنفسهم على الأبرياء في الأسواق والأماكن التي ليس لهم فيها عدو واضح العداء.. وجميع هذه الأفعال أصبحت موروثات ميثولوجية سيسيولوجية تكشف هوية الآخر الذي يمارس كل فعل قبيح.. وان تجاوزنا بأطروحتنا ما تقدم بالقول ان هذه الكلمات وهذه الطقوس ربما تتشارك بها ديانات أخرى، لكن هناك عبارة متعارفة لدى المسلمين (إنا لله وإنا إليه راجعون) وكذلك عبارة (الصلاة خير من النوم) وهذه العبارة الأخيرة فيها تخصيص واضح لطرف معلوم من المسلمين كان الأفضل التسامي عن هكذا إشارات دلالية تعريفية لإدانة طرف على حساب آخر، باعتقادي ان هذه العبارة جعلتنا نعيش حالة واحدة لم تتشظى ولم تكبر وتستطيل بمدلولات أخرى تعطينا الفرصة لتثبيت صور وأراء تدين كل منحرف فكريا وإنسانيا، حيث مارس الكاتب والمخرج دكتاتورية مقيتة على المتفرج في تحييز الموضوع لإدانة جهة معينة.. مع العلم ان (واحد) موجود في كلا  المعسكرين وبقوة وبالعموم هذه العبارة وغيرها الداخلة في إطار التحييز القهري والقسري لم تأتي بصالح العمل رغم ان العرض مارس وبمشروعية إنسانية وبرغبة ملحة فضح وتعرية منهج جائر ديدنه الإرهاب وتقويض فرص السلام عانت منه كل مكونات الأرض بأسرها ...

سار العرض بخط مستقيم لشيوع سلطة الفكرة الواحدة على شخصيات العمل والتي قوضت من انفعالاتها بطريقة أتت وكأنها روبوت او كومبيوتر مجهز بمعلومات لا يحيد عنها مطلقا.. لذا وجدنا العرض يكشف عن خط درامي اعزل وهو ان (واحد) مؤمن بأن العالم بأسره كافر لأنه لا يسير على خطاه ولا يقوم بما يقوم به من عبادات يراها هي الأفضل والأحسن وهذا تشخيص دقيق لكل نرجسي يرى نفسه فوق الكل وسار وفقا لهذا المنحى حتى نهاية العرض الذي ختم سذاجة واحد بجدوى ما يؤمن به من خلال عمله الانتحاري، أما (واحد مكرر) فهو الرافض لكل معتقدات (واحد) المتطرفة لكنه في نفس الوقت كان مستسلما دون ان يكون له فعل مضاد مناوئ يقف بوجه استهتار (واحد) رغم ان الظروف التي تحيط بهما أتت منصفة عادلة لكليهما.. ليكتفي واحد مكرر بالحجاج ولدغ المعنى بطرف خجول مما ولد لدينا معنى بدلالة ما مَرَّ سابقا ان العرض مجير لإدانة سلوكيات واحد ووصمها بالعار والانحراف وهي هكذا فعلا مع محاباة لواحد مكرر بجعله حالة إنسانية مميزة مما جعلهما يسيران على خط مستقيم واحد دون تغيير ولو قيد أنملة في هواجسهما ورغباتهما وسلوكياتهما.. لكن رغم ذلك وجدت ثمة مثابة هيكلها يشي بإدانة لواحد مكرر فيما يفعله من تصاغر أمام واحد، فضعفه وتخاذله بنى الأنا المتضخمة لدى واحد من خلال تبعية توحي بالظل للشيء الشاخص ومهما كبر الظل فهو لا يعدو انعكاس للشاخص لذا بدت أفعال واحد مكرر تأصيل لفكرة الدكتاتورية والعبودية والأنا النرجسية والأنا الذليلة المتخاذلة مع ملاحظة ان الأحداث يسيرها استكبار واحد بشكل يريده هو لغاية وضع حيثياتها بنفسه وما على واحد مكرر إلا السمع والطاعة وهذه الإدانة هي إدانة تاريخية دينية حتمية ...ومن هذه المحاججات لواحد مع واحد مكرر في تأصيل المعنى:-

واحد: أريد أن أصلي وألقي عليك الحجة أمام الله ..الصلاة يا أخي

واحد مكرر: صلي وما شأني

واحد: لابد ان تصلي

واحد مكرر: لا لن أصلي

واحد: سأغصبك على الصلاة لابد ان تصلي

لدى (واحد) القدرة على القتل لتطبيق هذه الفقرة وهي إلقاء الحجة على واحد مكرر أو أي إنسان آخر ولو تهاون بتطبيقها فهو كافر من أهل النار والنتيجة إنزال القصاص به بنفس راضية .. بالمناسبة هو لا يمارس إلقاء الحجة على غير لصيقه السيامي وذلك لأنه اقرب له ولأنه الأسهل ولأنه الحلقة الأضعف، وفي حقيقة الأمر الفلسفية انه عديم القدرة على إلقاءها على غيره رغم تواجدهم الغير بعيد نزولا عند مثل شعبي عراقي متداول بكثرة (أبي لا يقدر إلا على أمي) مع ملاحظة يجب الالتفات إليها ان العرض بشكله العام قد جعلنا نتعاطف ولأول مرة مع الإرهابي (واحد) ربما بسبب قفشاته الكوميدية التي هي من صنع المخرج او شكل الممثل الجميل والشفاف لعين المتلقي ربما بدا ذلك كاستنساخ لتجربة فلم الإرهابي لعادل إمام او بطل الجريمة والعقاب لديستوفيسكي وان اختلفت النهايات والتوجهات الفكرية ونوع الجريمة ونوع ولون التعاطف، بالإضافة الى ما مر من أسباب للتعاطف هناك سبب مبني على الشفقة على توجهات واحد على اعتبار وجيه انه ضحية لثقافة فرضت عليه نتيجة لظروف ما وتعليم خاص يأخذ (واحدا) بعيدا عن المنطق بعيدا عن المناسب من الأفعال، فتحقق نتيجة لذلك تعليما بمساوئ الإرهاب الفكري والجسدي بشكل ممتع وكما هو معروف هذا خط درامي قاده أفلاطون وبريشت في تناولهما المسرح بكونه صرحا معرفيا تعليميا أساسه المتعة.

كان واحد كثير الاستغفار بطريقة تكشف عن مدى يقينه انه مقصر بحق الله ومدى سوداوية ماضيه الذي جعله يجتهد كثيرا للاستغفار كما في هذا الحوار:-

 واحد: استغفر الله

واحد مكرر: لا يستغفر سوى المذنبين .. وأنت لا تملك سوى الاستغفار

عندما وجد (واحد) حجة (واحد مكرر) أعمق واكبر وأكثر واقعية، رد عليه ردا وكأنه تعلمه من جملة الدروس التي ألقيت عليه في الزوايا المظلمة فأخذها دون يقين كدرس يعتد به لينتفض بعبارة نرجسية فيها علو فارغ:-

واحد: (يقاطعه) لأنني رجل مؤمن

ومن هنا يتأكد هذا الغرور المقيت لدى واحد بأنه الأفضل والأعلم والأرقى..وفي سؤال بريء وجهه واحد مكرر لواحد:-

 - لماذا تكثر من الصلاة؟

مطلوب -

فلوس -

 - لا .. صلاة

شعور بالذنب لماض إجرامي عتيد ربما ينتحل سيرة كل ظالم ومذنب، او هو شعور بالتقصير مرده عقيدة فارغة تافهة، عقيدته المتكبرة المستطيلة تستدعيه ان يكره العالم ليكفر عن شعوره بالدونية والتصاغر أمام الله وبطريقة مبالغة في جلد الذات من خلال عبادات أدائية حركية بعيدة عن الترويض الروحي الذي هو سمة العارفين.. وكل ذلك يدفع (واحد) كي يحمل مسؤولية أخطاءه وعيوبه لـ (واحد مكرر) داعيا إياه لمشاركته بالتكفير عنها بطريقة استفزازية مقيتة.

هناك اطمئنان كبير لـ(واحد مكرر) بان نهايته الى خير فلم يأخذ الأمور على محمل الذنب والتكفير عنه لذا تمتع بالبساطة وضرب من فرح الروح واحتقارها لأحداث الحياة وهي حالة واقعية يعيشها الكثير من الناس بما يسمى البانتغرويلية ومفادها الاستمتاع بكل لذة سليمة دون الكبت الديني لا يناكد نفسه ولا يزعجها معولا على حضور الله في الإنسان عكس واحد الذي اعتلى منصة المناكدة والجدال الفارغ وإيذاء النفس وتعذيب الذات وحمل مشاكل الكون على رأسه ..

ورغم ان واحدا اعتاد على المضي قدما في مسالك البغض وكره كل من حوله الا ان لصيقه لم يعدم النصيحة عنه وبقي يحبه:-

واحد مكرر: اعترف لك باني احبك

واحد: واعترف لك باني أكرهك

واحد مكرر: (يقاطعه) الدنيا باردة ........ باردة يا أخي، والله العظيم ثلج

واحد: وجهنم حاررررررررة ...... حارة يا أخي

واحد مكرر: أأووووووه .. اشتغلت رحمة الله، لا عليك .. سأدخلها وحدي

واحد: أنا وأنت متلاصقان كما ترى .. كيف تدخلها وحدك؟

واحد مكرر: متلاصقان حتى هناك؟ هذه ليست عدالة . ألتصق بك في الدنيا وفي الآخرة؟

تمسك (واحد) بـ(المكرر) دليل على إفلاسه ورغبته الملحة بان يكون معه ليخفف عنه بعض الشيء او يكون سببا للعفو عنه، هناك عدم ثقة بالذات عدم ثقة بما يأتي به من عبادات لإيمانه الداخلي، أي بينه وبين نفسه بأنه ذاهب باتجاه اللاجدوى، لكنه في الوقت نفسه يتمنى العدم في سبيل الخلاص من رفقة واحد مكرر حتى غدا مقطعا بين الأنانية في الوجود والتي تؤهله للقتل وتصفية الآخر وبين الوجل والوحشة من وجود مفرد دون سلطة على الآخر هذه السلطة التي افنى الآخرين من اجلها. .

العُجب أمر مستهجن مرفوض من قبل الله وأنبياءه وخاصة العُجب في العبادات حيث أكد الطب النفسي عظم النتائج الوخيمة لهذا العُجب فضلا عن المحق الإلهي لكل فعل يرافقه وهذا ما تؤكده مناجاة (واحد) مع الله:-

واحد: (يرفع يديه بالدعاء) يا رب .. من يستحق الحياة؟ أنا أم أخي؟ وانأ أعبدك لا أشرك بك شيئا.

وكأنه اعتراض على الله:- كيف لك ان تجعلنا متساويان في كل شيء ..

وهذا ديدن الكثير ممن يعبد الله على حرث، ومن خلال هذا العُجب تطورت وتضخمت وتمددت الأنا لـدى (واحد) ليعلن لـ(واحد مكرر) انه قد حلم بأنه اصبح إلها وأخيه عبد له لذا يجب عليه ان يظهر الطاعة له باي شيء ولو بخفقة رمش.. لينفجر واحد مكرر لأول مرة وعلى غير عادته في الخضوع والتسليم بوجه واحد وبشكل معاكس لما برزت لديه من صفات السكوت عن الحق والرضا بفعل واحد:-

واحد مكرر: العيش معك يا أخي بجسد واحد هو الكفر والكبت والانصهار.

عاش كل منا في صالة المشاهدة يستشرف المستقبل ويبحث عن الحقيقة، وفي طريق انفعالنا الإيديولوجي وجدنا العديد من الأفكار التي استهوتنا وسكنتنا برسوخ فاعل بما يكفي من قوة بحيث أثرت على منظومة معتقداتنا، ومع ذلك، وبمرور الوقت، انتهينا إلى استبعاد الكثير من الحقائق، لأنها لم تتحمل تساؤلاتنا الداخلية المتشكلة أصلا من حيواتنا وذواتنا ومن انصهارنا بين طيات العرض كنتيجة طبيعية في منظومة الإثارة الذاتية والخارجية، أو لأن ''حقيقة جديدة" متناقضة مع تلك الحقائق التي أوردها العرض، كانت تتنافس بداخلنا في الحيز نفسه، أو ببساطة شديدة لأن تلك الحقائق لم تعد كذلك فالكثير من حقائق الأمس ما عادت تملك أقداما قوية تقف على ارض رجراجة قابلة للتحول والتغير كثيرا في ظل عولمة لها القدرة على الشطب والإلغاء والاستحداث والخلق، وعلى كل حال، فإن تلك المفاهيم التي اعتبرناها مرجعياتنا لم تعد كذلك، ووجدنا أنفسنا فجأة سائرين على غير هدى، لكن القدرة المثالية التي تحلى بها النص والإخراج في الهدم والبناء والعزف على تجليات فلسفية جعلنا ندرك ما نملكه من إمكانات تفسيرية تأويلية تحليلية .. اي ان العرض صنع منا على نحو ما نقادا أجبرنا على المعايشة بصدق مع ما أورده أمامنا من حقائق قابلة للتشكل بصورة حقائق أخرى بمقاربة واضحة مع الميتا مسرح، ورغم تلك التطمينات من قبل العرض في عدم التيه لكننا نبقى غير قادرين على رسم طريق موثوق فيه ينظم منظومتنا الفكرية ومعتقداتنا الأصولية نتيجة للكم الهائل من الحقائق المتضاربة الناتجة في مخيلتنا كجمهور لم يدرب من قبل بقية العروض طيلة عقود من الزمن فالمتفرج يحتاج تدريبا من قبل العرض المسرحي حاله حال الممثلين والكادر الفني بإستدراج المشاهد للتعاون والتفاعل معه بإنبثاق مجال إدراكي بوعي مغاير جديد يزاوج بين النقيضين الحقيقة والواقع من جهة والخيال والواقع من جهة أخرى وخيال آخر سلطته اكبر من الحقيقة ومنها الى بناء هرم من الأحلام يعلو بجدية واضحة وبالتالي صناعة مشاهد يصنع المعجزات بإنتاج حقائق تنظم حياته عندما يستشرف المستقبل.

واحد مكرر: لقد سحقت رأسي بقدمك الكبيرة جدا

واحد: أتمنى ذلك .. ولكنني كنت نائما

واحد مكرر: في الحلم كنت أنت على شكل قدم كبيرة الحجم جدا .. وأنا لم أكن سوى..؟؟ نعالك

واحد: وهذه هي الحقيقة التي يجب أن تعترف بها

واحد مكرر: ولكنك أخي .

واحد: (يصرخ به) أسكت (يتحّول الى قدم كبيرة الحجم) أسكت أيها النعال .

واحد مكرر: (يتحّول الى نعال) قدمك كبيرة وأنا لست سوى نعال صغير لا أتحمل ثقلك سيدي

واحد: (يسحقه) عليك أن تتحمل قدم سيدك وتصمت

واحد مكرر: أمرك سيدي القدم

واحد: قدرك أن تكون نعالا  وقدري أن أكو ن قدما  كبيرة

وما مر من حوار هو شيء من الحقيقة التي تحدثنا عنها والتي وقفت بقوة وهي تلغي كما هائلا من الحقائق التي تكونت لدينا فيما مضى مردها تواضع التجربة الانسانية او عدم الخوض والسباحة عميقا في هذا العالم الضاج بالحقائق المتضاربة، حيث خرج لنا واحد بحقيقة مفادها ان الحياة لا يمكن لها الا ان يكون فيها هو السيد والاخر العبد ولو تغيرت هذه الثوابت قيد انملة فذلك يعني الطوفان والخراب والدمار فهو لا يمكن له ان يتصور نفسه على اقل تقدير بموازاة واحد متكرر يتنفسان نفس الاوكسجين وهذه الجزئية تجعل التعايش وفقا لظروف حادثة جديدة في تساوي الرؤوس وقامتها امرا مستحيلا لذا آثر واحد مكرر ان يبقى وفقا لما يريد واحد على الاقل للحفاظ على مكتسبات العبودية وهي العيش الذليل مع قدر ضئيل من المشاكل والا كانت نهايته الاكيدة لو انه تبنى التغييرات الجديدة في المنظومة الحياتية التي تجمعهما.

حسنا فعل علي صبيح حينما كان يخرج عن نطاق النص ببعض القفشات الكوميدة والتي حافظت بعض الشيء على حياة المولف ولم تعلن موته نهائيا .. ومعالجة علي صبيح بهذه القفشات اتت لاجترار المؤلف لمفهوم واحد لم يحيد عنه ودورانه المستمر حول نقطة أحادية في بث المعنى وأهمها العبودية والتبعية من خلال الأحلام كما في حلم القدم والنعال وحلم الرب والعبد وحتى في المشهد الأخير بالموت الذي طال واحد نتيجة العمل الانتحاري فهو لم يخرج عن هذا المفهوم، وقد يشفع للعرض هذا الاجترار هو لتأصيل المعنى وتأكيده على اعتبار ان العرض وجد اصلا من اجل إدانة هذه الثنائية في التقارب الوجودي بين الاثنين، وما يشفع له كذلك ان الاجترار اتى بإشكال متعددة لم تأخذ طابع النسخ في المعنى، ولو اعتبرنا جدلا  ذلك اجترارا وتقشفا في البناء الصوري نتيجة لتواضع ما في الخلق والإبداع، الا ان المخرج تمكن من الخروج من عنق الزجاجة بما يناسب العرض جماليا من خلال عناصر العرض التي أنعشت الحدث وجعلته يسير بشكل بياني متصاعد أعطى المتفرج متعة كان ينشدها من أول جلوسه على مقاعد النظارة .

بعض صور الإدانة ل(واحد) من قبل العرض أتت بطريقة ساخرة ربما لا توافق الواقع لكنها طرحت بشكل قصدي لتأصيل الفكرة الأساسية باتهام هذه الشخصية المنحرفة عقائديا ونفسيا وأخلاقيا بجملة من الاتهامات التي كانت سببا لسيره المنحرف من خلال أحداث المسرحية وكما في هذه الحوارية:-

واحد: هذه التقارير موقعة ومختومة ونسخ أصلية .. وكلها تشير بأنك عبد آبق

واحد مكرر: آبق؟ ماذا تعني كلمة آبق؟

واحد: ليس مهما ماذا تعني، المهم بأنك آبق

هنا دليل على جهل الاثنين رغم ان القصد هو للمدان الأكبر(واحد) في هذه العملية المسرحية وان كان ليس مقياسا جهل معلومة ما لان يكون جاهلا بغيرها لكنه جهل مبرر لجهل آخر فامتناع واحد عن شرح معنى كلمة آبق يعطي تبريرا للمشاهد ان هناك قصدية من قبل الكاتب لبناء تصور معين باتجاه رفض واحد بكل تفاصيله والذي لم يملك الحجة المناسبة لمواجهة تساؤلات واحد مكرر فجميعها أتت هروبا من الإجابة السليمة الواضحة بلا لف او دوران، وهنا دليل واضح على عدم رسوخ هذه العقائد في داخله بسبب ضعفها من جهة وعدم امتلاك واحد لما يؤهله للدفاع عنها بعلمية وعقلية وشرعية من جهة اخرى.

واحد: اسكت .. كنت شنيعا

هنا إشارة من طرف خفي للكاتب بان واحد مكرر هو شيعي لاعتبار عرفي متخلف ممتد في طيات في التاريخ وقول متداول سيسيولوجيا(ان الشيعة شنيعة) نعم .. تبدو العبارة ساذجة لكنها مؤكدة وواقعية في الموروث الشعبي للطرف الآخر او لمن هم غارقون في أتون الطائفية، وبالتالي ربما تتساقط في أيدينا دلالات واضحة بإدانة واحد وتبرئة واحد مكرر بهذا الشكل الواضح في إحالات لا تستعصي على المشاهد الحصيف.

ما الغاية التي أراد الوصول لها او الهدف الذي نشده الكاتب حينما أعطى من يمثل الإرهاب والشر رقم واحد والطرف الأخر واحد مكرر .. هنا تراكم فلسفي يحتاج التفكيك والفرز، هل يعتقد بان الشر سبق الخير في الوجود بتأويل خلق الشيطان ثم خلق ادم كتكرار لعملية الخلق وبالتالي إسقاط وجاهة الشيطان بواحد مكرر مما ولد لدى الشيطان او واحد هذا الكره والبغض الشديدين  لادم وواحد مكرر .. وتأويل التكرار يشي بأنهما واحد وخاصة في جزئية الشر لكنها أي جزئية الشر أخذت إشكالا مختلفة متباينة في القوة والتأثير،  وربما الشر لدى واحد مكرر مستقبلي سيحدث لا محالة لو توفرت له الظروف المناسبة وهو في اصل وجوده ناشيء من رحم منظومة الشر الاصلية الشيطان او واحد مكرر وكما هو حاصل فعلا في قتل قابيل لاخيه هابيل او ما قامت به بعض الاطراف المحسوبة على واحد مكرر من خلال القتل على الهوية في مناسبات عديدة كانت تبعا محضا لشرور الشيطان وواحد.. وهناك الكثير من المواجهات الفلسفية بين الكاتب والعرض من جهة والمتلقي من جهة اخرى كان ممكن لنا الإشارة إليها لولا الرغبة بعدم الإطالة والإسهاب.

المرأة وحضورها في العرض المسرحي كان مثيرا للجدل الفلسفي خلقه المخرج كتفسير وترجمة لوحي النص رغم عدم وجودها ظاهرا في النص لكنها موجودة بنيويا وهي تقدم لهم الشراب بطاولة نادلة متحركة مع شيوع الأنوثة بمغزى فلسفي، وهذا التقديم يوحي بشيء من الحقيقة على اعتبار أنها مصدر الغواية في إثارة النعرات بين واحد وتوأمه، وربما المرأة هي رمز لشيء مادي لشيء جماد لا حياة فيه كالثروات التي يزخر بها الوطن، والصراع الحاصل بينهما هو للاستئثار بهذه الثروات وكشيء انثربولوجي ميثولوجي معروف وماثل في الذاكرة هو الاستئثار بالسلطة التي تطوع كل هذه الثروات والمنافع الكبرى في الاستعلاء وفرض الوجود على حساب الآخر حيث أكدته الأحلام المتعلقة باستعباد واحد لواحد مكرر ..وكان لهذا الوجود الأنثوي في سجالات الاثنين وقعا لتوسيع مدى الخلاف بينهما وتعظيم الفرقة الوجدانية التي اعطت طابعا مغايرا للصراع الديني الذي تولد بينهما في اول مشهد ظهرا به على ساحة الوجود الفعلي الواقعي او على ساحة الوجود المسرحي مع انطلاق مساحة الضوء الكاشفة للشخصيات. ومما اصل الحقيقة في ان المراة عامل فرقة وتناحر بين الاثنين بدءً من مشيتها الغنجية وجمالية جسدها المتلوي كأفعى فضلا عن تازيم صراعهما بمجرد ظهورها امامهما وهي تحمل ادواتها السحرية في تعقيد المشهد وبث سمها الناقع في جوفها على وجوههما الآخذ بالغليان عند درجاته العليا.

في نهاية المطاف وبعد قيام واحد بتفجير نفسه بحزام ناسف برفقة واحد مكرر لا لشيء الا لنقمته على العالم وعلى من يخالفه هواجسه الغير مبررة علا وارتفع مشعلا بمعنى كبير ان من كان سيره بهذا الشكل المنحرف فلن تعالجه كل ادوية الدنيا وحتى الموت لن يكون له سبيل لتصحيح مساره حيث راح يكرر واحد وهو بين يدي الآخرة بعد موته نفس الاسطوانة المشروخة: -

واحد: أحب أن أذكرك بأنك كنت كافرا في الدنيا

واحد مكرر: (مرتبكا) كافر؟ أأوووووه .. حتى هنا في يوم القيامة أيضا؟

واحد: حتى هنا يا واحد مكرر

واحد مكرر: وكيف اكتشفت بأنني كافر يا واحد؟ بالمجهر، بالمكرسكوب، بالسونار،

تضرب بالتخت رمل؟ كيف؟

واحد: كافر .. لأنك لا تصلي

واحد مكرر: لا مشكلة عندي مع الله حتى أصلي له

واحد: (يهذي) وهكذا اكتشفت بأنك كافر، أبي وأمي لا يصلونها في أوقاتها .. هما كافران أيضا، خالي وخالتي وعمي وعمتي لم أرهم يصلون صلاة الصبح .. هم كافرون جارنا القريب لم أره يصلي صلاة الـ ...، وجارنا في آخر الشارع لم أشاهدهم في الجامع يوما .. هم كافرون ..جدتي وجدي ماتا وهما على فراش المرض وكان يفترض بهما أن يم يموتا على سجادة الصلاة لذلك هما كافران، العالم كله كافر.. أرى ان العالم كله كافر كافر بن كافر بن قحبة بن نعال بن قواد بن..

ما مر هو لحلحلة المعنى وسبر اغوار هذا المعنى الكاشف عن الحقيقة التي تجلت من خلال نص العرض وقد تكون قراءتنا من السوء بما يواطيء ما قاله دريدا بخصوص التفكيكية والذي اصفه في محاولة القبض على المعنى المتشظي كمن يمسك جسما لزجا كالسمكة مثلا فهي لا تستقر بحال من الاحوال في يد ممسكها .. فالقراءة الحادثة انيا سبقتها قراءات اخرى وتتلوها قراءات اكبر وجميعها اساءة قراءة للنص الاصلي لانه هوية الكاتب اناه التي تحدث بها والتي لا تشبه باي حال من الاحوال اناتنا الاخرى لكنها الكينونة الدرامية هي من تحفزنا للقراءة المتواصلة للاشياء ومصدر ما اعني من خلال الاتي...

بما ان المسرح ثورة تشكيلية كبرى ومن صفاتها التأويلية انها تكوين حادث شيء جديد متمرد على شيء سبقه في الوجود لذا يقودنا هذا القول ولإيماننا ان ما نقدمه شيء حداثوي لذا يجب للحداثة إن تَتْرِك للمتلقي حرية إنتاج مدلولات العرض من جديد، وإشراكه في إنتاج الدلالة الغائبة عن العرض، لكن العرض مارس سلطته لتثوير معنى واحد وبخط مستقيم هو ان الطرف الاول ارهابي والطرف الثاني ضحية وكما يعرف الجميع ان العالم يعيش الحداثة شاء ام ابى لانه خلق من رحم التطور وتدرج تكوينيا حتى غدا بهذه الصورة الفكرية المتعاظمة والمتفرج جزء من هذا العالم لذا كان وما يزال احساسه الكبير بانه كائن درامي يعتاش على إعادة التشكيل بتغييرات داخلية وخارجية مادية ومعنوية منطلقة من ان كل شيء تغور في اعماقه قنبلة موقوتة اسمها الثورة فهو عاشق للدراما للحركة للغليان للافكار المتجددة المتعددة لكنه أي المتلقي احجم عن هذا الفعل عندما عجزت الصورة المعروضة امامه في بعض مفاصل العمل عن تفجير ما بداخله كوظيفة استشراقية لتدوير التغييرات المتشكلة والحادثة لديه وفقا لاستقراءه السابق فقد وجد بونا شاسعا بين ما يؤمن به من جماليات درامية وبين فواصل خبت اضواءها كنصر درامي يشده بقوة للمتابعة نتيجة الركود الفكري في الخلق والابداع. 

والان نخطو بقراءتنا نحو عناصر العرض العامة والتي هي في جميع الاحوال تمثل هوية المخرج الفكرية وطبيعة رؤاه الفنية وذلك من خلال تسليط الضوء على بعض الجوانب الفنية ومدى فاعليتها في اكساب العرض جماليته الخاصة التي تتحول لدى المتفرج لاحقا الى متعة وهي الغاية والهدف الاول من المسرح.

الايقاع

في رأيي الخاص ان ايقاع العرض المسرحي هو انفعال خارج عن نطاق الماديات فهو احساس روحي وشعور داخلي يتولد نتيجة لتفاعل مادي تشترك في نشاطه التركيبي وسائل وعناصر العرض عموما فهو من الطاقات المتولدة والتي مكانها الروح اتت هذه الطاقة نتيجة للمادة السمعمرئية وكلما كانت الوسائل والعناصر المسرحية من الجمال المتفجر كلما كانت هذه الطاقة يسيرة الدرب في ان تلامس الروح وتجد لها منفذا فيها لذا عرفنا وترسخ لدينا منذ اول سلمة في عالم المسرح ان الايقاع صناعة روحية لها القدرة على إضفاء الحيوية والتدفق على النص المسرحى، وعلى العرض المسرحى عموما، وهو أي الايقاع يتمثل لديَّ عاملا لترابط عناصر النص أو العرض المسرحى مع كشف هويته الجمالية لدى المتفرج .. عموما الايقاع يحمل صفتين مترادفتين مهمتين كسبب لجمال ونتيجة اخرى بصورة اعمق لجمال آخر لا يخرج عن هويته الاولى في النشأة والخلق.

في العرض المسرحي آخر نسخة منا عانى العرض المسرحي من الايقاع المتراخي والذي احتكره البطء احيانا وفي بعض المثابات، ربما كان ذلك امرا مقصودا للايحاء بالجو العام للقضية التي من اجلها اجتمع الجميع في هذا السرح وهذا البطأ اتى رغم الشد والتوتر والرغبة بالمتابعة مع استحصال المتعة بشكل عام وكذلك تواجد الايقاع بصورة اخرى ايقاع زمني غير الايقاع الذي نعنيه مسرحيا ايقاع ايقظ الكثير من الموروثات بصحبة الذاكرة.. ومرد ذلك التراخي في الايقاع نتيجة تكرار الصور المتشكلة والناشئة سمعيا وبصريا، فلم نرى صورا جديدة على مستوى الشخصيات وتطورها والحدث وتقلباته والزمن وقفزاته والمكان وايحاءاته والتي جميعها يجب ان تنفعل كيمياويا وفيزيائيا مع بقية عناصر العرض الاخرى الواقعة في حدود وظيفة الميزانسين وهو يكشف لنا حقيقة الجمال لدى السينوغرافيا، وهذا التراخي لم يعكس مدى الصراع الناشيء بين واحد وتوأمه، حيث تولد لدى المتفرج التوقع بما سيحدث او وقوفه على مشهد واحد لم يتطور كثيرا، وكذلك انزياح المباغتة وافعال الدهشة بعيدا مما يعطي بعض الانطباع بالكسل لان الايقاع كما يفهم من وظيفته في العرض هو الحيوية والاشراق حيث لاحظنا كمن يرى سقيما بدينا لا يقوى على خدمة نفسه. لكن ما شفع للعرض هو الثيمة العامة للعرض وبعض عناصره الاخرى كالاضاءة والديكور والبيئة العامة للعرض مع التأكيد كي لا نغمط حق الكادر على تواجد بعض الهمة الايقاعية والتي صارعت من اجل بروزها امام هنات التراخي والاجترار. ومن خلال عتبة الايقاع التي هي الصورة الاجمالية والمحتوى الرئيسي لكل عناصر العرض سنلج عرصة العرض المسرحي آخر نسخة منا وسنأتي عليها تباعا .

الزمن

من خلال العرض المسرحي برز زمن فلسفي جاور الزمن الحقيقي والزمن المسرحي اتضحت فعاليته الاجتماعية - بالإضافة إلى الجمالية بجلاء من خلال مفصليات النص كموروثات عشناها لانه زمن منفعل متحرك نشط يجمع كل ازمنتنا الحاضرة والماضية والمستشرفة للمستقبل.. اما الزمن البصري او الزمن المسرحي وان كان محدودا بحدود الاربعين دقيقة الا انه كان ملخصا لتراكمات نفسية غيرها الزمن المفتوح الممتد وهو يشمل كافة التواريخ القديمة والحديثة وفقا لما يترتب من فكر ناشيء من خلال سلوك واحد وتراخي سلوك واحد مكرر وجدناه ماثلا في اذهاننا وكأن العرض يقول وفقا للعنوان:لقد مرت نسخ كثيرة منا على مدى زمن طويل منذ اول يوم لوجوده كمعيار للحياة في تقدمها وتطورها وحان الان لنختم باخر نسخة منا وهي النهائية ولن تروها بعد ذلك في حياتكم بالتعويل على متغيرات مجتمعية وحكومية ودولية نراهن عليها في حرق كل النسخ القديمة والوعد بعدم تناسلها مستقبلا... مع ملاحظة ان المكان والجو العام لم ياخذا امتداد الزمن بطرق متوازية مصاحبة بل انحصر في فجوة ضيقة كانت مهمة لتاكيد هوية ما لزمن معين، عناها الكاتب والمخرج بقصدية مسرحية حيث انهما لم يريدا ان يكون الزمن بحس انتروبي قاتل في عدم طرق هذه الجزئية وتركها كشيء مبهم في ابجديات الفكر المنحرف والشاذ عن حقيقة الانسان في دفن الاشياء دون حراك لتخلد للارض وتتفسخ وينعدم وجودها لدى الانسان والذي اتى وجوده بمسار مواز للزمن الذاهب بعيدا بسرعة قطار لا يقف عند المحطات الا للتزود بالوقود ومواصلة الجري مع ملاحظة ان لحظة التزود بالوقود هي فرصة لحمل بقية المسافرين الذين يؤمنون بان لهم في قطار الزمن مقعد مخصص لهم اجباري النزعة بحتمية قاهرة في الجلوس عليه ومواصلة الرحلة مع الاخرين وان عدموا  معرفتهم  او الاحساس به، وهذا ما يؤكد وظيفة المسرح في التثوير والتنوير وخلق عالم خيالي بحياة اخرى. وفي حدود بعض الافرازات اللفظية للنص كان الزمن معطلا عند محطة معينة وحديثة لا زلنا نعيش فصولها محطة لم نتجاوزها كثيرا فهي تعيش بيننا على مستويين مستوى الذاكرة الجمعية ومستوى الواقع الآني واللحظي التي نستيقظ الصبح كل يوم على لسعاتها الحارقة والمثيرة لاسترداد الزمن بتضاد مزاجي كحادثة مكررة وذكرى تطيب بعض الحروق العميقة لكن كما قلت انفا ان الفكر العام لما ترتب عن مواقف واحد يختبيء تحت جبة زمن ازلي سرمدي. خاتمة العرض لم تقطع دابر الزمن في جريه الحثيث نحو النهاية المفتوحة في ظل الحدث وحبكته بل جعلته خالدا عند هذه النقطة التي من اجلها كتب النص وتم العرض حيث بدا مفتوحا بزاوية 180 درجة ومما يؤكد هذا الراي هو حوارية واحد وهو في احضان الاخرة في لحظة التهيء للثواب والعقاب...

واحد: (يهذي) وهكذا اكتشفت بأنك كافر(اي شقيقه السيامي)، لانك لا تصلي ...أبي وأمي لا يصلونها في أوقاتها .. هما كافران أيضا، خالي وخالتي وعمي وعمتي لم أرهم يصلون صلاة الصبح .. هم كافرون جارنا القريب لم أره يصلي صلاة الـ ...، وجارنا في آخر الشارع لم أشاهدهم في الجامع يوما .. هم كافرون ..جدتي وجدي ماتا وهما على فراش المرض وكان يفترض بهما أن يموتا على سجادة الصلاة لذلك هما كافران، العالم كله كافر.. أرى ان العالم كله كافر كافر بن كافر بن قحبة بن نعال بن قواد بن

المكان

من خلال التجارب العالمية لكبار المخرجين تبرز للسطح وبجلاء قضية مهمة تتلخص في اختيار المسرح، اي فضاء العرض المسرحي ومن اي نوع هو وبأي حجم ومساحة والذي ممكن للعرض من خلاله ان يحقق النجاح المرجو وفقا للصدق في الكشف عن طبيعة البيئة في النص او في ذاكرة المخرج مع مراعاة العوامل النفسية الحادثة لدى الجميع بدءً من الكاتب وانتهاءً بالجمهور .. وكما يعرف الجميع ان مسرح العلبة الايطالية اصبح مسرحا شكلانيا قوض الرؤى المسرحية وبعض الجوانب الفنية الحسية المتبادلة مع الجمهور وخاصة في المسارح الكبيرة ذات الكراسي العديدة نتيجة لمحدودية الصورة المختزنة في عين المشاهد لذا كانت هناك بعض الثورات التي تميع الشكل في خدمة المعنى بعمارة مسرحية موائمة لما سيطرح بتأصيل العلاقة الفرجوية وارهاصات التلقي .. يقول عميد المسرح سامي عبد الحميد في احد لقاءته الصحفية لا يمكن ان اتصور المسرح اكثر من ستين كرسيا بل اقل.. لان التماهي في خلق الذروة المتقابلة بين المتفرج والعرض هي تلك الحميمية والقرب الروحي والنفسي الذي يؤجج الفعل الدرامي لخلق الصور الماثلة في الذاكرة اي ممارسة الممثل عملية نبش للذاكرة نتيجة هذا التلاقي والتصادم المباشر حد الجلوس في احضان المتفرج..ومن هذه المسارح المهمة التي تشكلت على غرار اجواءها المكانية والنفسية ثورات مسرحية كبيرة بتجارب ثرة وناجحة تخدم التلقي (منتدى المسرح العراقي)التي عمقت الحقيقة العولمية الحادثة في يومنا هذا ومضمونها ان العالم قرية صغيرة بل هي غرفة ذات ابعاد صغيرة تجمع كل مخلوقات الله في مدى زمني يحجمه المخرج بطريقته الخاصة في المعالجة وضخ الصور التي تلخص الحياة بنوع يقترب من الواقع وبصدق واضح .. وهذا ما لمسناه من خلال مضمون العرض الذي توارى خلف المكان الذي بدا موحيا اننا نعيش في اجواء خانقة وكأننا في قبو او قبر وكان الاثنين يعيشان الاهمال التاريخي والاجتماعي وذلك  بالاعتماد على الملفوظ المستتر الذي يبطنه الحوار ومن خلال عواصف الجدال المغيرة للقناعات بين وليدين سياميين يعيشان متلاصقين في غرفة واحدة وربما كان المكان صندوقا خشبيا حبس دميتين فيه بتكميم للافواه او هي دمية واحدة تتخذ اشكالا مختلفة تميل للكذب في السرد، جمهورها الذات الواحدة للدمية نفسها كما في الدارج من القول (يضحك على روحه) ولتقريب صورة التقارب بين الاثنين كان ممكنا للمخرج ان يكتفي من الشخصيتين ككائن منظور للعملية المسرحية برمتها بوجهيهما فقط وهما في ترابط سيامي ..وهذا الاستقراء يمثل مدى عجزهما اي واحد وواحد مكرر عن اتيان فعل ولو في حدوده الدنيا لمغادرة هذا التحجيم الكبير الذي مارسه المخرج عليهما .. وهي دراسة موفقة للمخرج لطبيعة ومضمون المكان في رؤى الكاتب او طبيعة التفكير المنغلق مكانيا لدى المتفرج الذي وجد نفسه بالتاكيد في قلب الحدث وفي قلب واحد وواحد مكرر ليزاوج بين مضمون النص وبين توجهات العصر وتحييز المكان لخدمة الفكرة الرئيسية.. لذا بعد كل ما قيل ابارك لعلي صبيح هذه القراءة المتميزة في اختيار مكان العرض فضلا عن تفكيره الرائع في الاقتصاد بكل شيء وطأته الاضاءة امامنا لتاصيل الفكرة لدينا وحصر القضية في مساحات ضيقة وربما اراد علي صبيح بهذا التحجيم بالانغلاق عن كل شيء لاعتبار فلسفي مفاده ان صراعهما ضيق المعنى وربما لا يعني احدا بالمرة صراع وتقارب ثنائي حد ان يراهما الرائي واحدا.. ومن هذه الانفعالات الاقتصادية التي هي نتاج طبيعي للسيامية بين الاثنين: الحركة ضمن حدود المكان الجغرافي او بعبارة ادق ضمن السجن التاريخي والديني الذي حبسا فيه انفسهما وان كان من المفروض على المخرج ان يراعي قضية الرمزية بكبح جماحها في تعكير الصورة الدرامية بتحجيم جماليات الحركة والانتقال لما لهذا الامر من تعطيل عجلة الايقاع والذي سنناقشه في خانة الايقاع منفردة  .. فالتشكيل الحركي والاقتصاد به امر ورد في العرض لغاية محترمة لكي تكون الدلالات واضحة ودقيقة لدى المتلقي وكي لا ترتسم الفوضى في مفاصل الصورة وتشويه معالمها.. كذلك الاقتصاد في الاضاءة والديكور والازياء وفوق كل ذلك الاقتصاد في الصورة والحدث وهو ما جعل العرض يسير بخانة واحدة وبخط مستقيم اخمد الكثير من التوهج.

العناصر الشمية

عطفا على جزئية المكان ومراعاة الحميمية من قبل المخرج في اذكاء الذاكرة الجمعية .. تم التاشير من قبلنا على موضوع مهم يلبي احتياجات هكذا حميمية لتكتمل الصورة لدى المتفرج الذي اتى الجميع من اجل خدمته فكريا وروحيا وينحصر هذا الموضوع بجزئية مهمة هي العناصر الشمية كان من المفروض كفعل شعوري داعم لثيمة العمل ولقيمة وطبيعة المكان ان تكون القاعة مفعمة برائحة البخور او رائحة القرفة او رائحة الشاي وحبذا لو وضع على طرف محيط كادر ومستطيل الاضاءة كحصر للمشهد ابريق شاي يغلي او صوبة من نوع علاء الدين القديمة او كل ماله سبيل لتاجيج الذاكرة الجمعية الحميمية بين الانسان واخيه الانسان فالعنصر الشمي لا يقل كثافة للحظور والتاصيل عن بقية العناصر الكلاسيكية للعرض المسرحي وكل ذلك هو لجر المشاهد وان ابى لمنطقة الثيمة المهمة للعرض كشكل عام. 

الميزانسين والسينوغرافيا

اهتم المسرحيون الكبار على عمومياتهم ومرجعياتهم الفكرية والفلسفية بخاصية مهمة في انتاج تكوينات العرض المسرحي الا وهي الميزانسين والذي يعني وفقا لما اعتقد به من جمال مسرحي انه نظام ميكانيكي دقيق  يوظف النص بترتيب مفصليات السينوغرافيا وفقا لمباديء تراعي عين المتلقي التي يشوبها ادق الشوائب حينما تعتري الصورة فوضى من نوع ما بعملية سمعىبصرية متوازنة ومن خلال اخر نسخة منا خلق علي صبيح ميزانسين بآلية محايثة للتشكيل الفكري باستنطاق ايقونات السينوغراقيا الدرامية التي انتظمت عندها عناصر العرض بقيم جمالية مثلتها الدقة والبساطة بتفجير معان ورؤى عبر تشكيلات مختلفة تكشف عن الحالات الشعورية المتصارعة لدى الشخصيتين من خلال التقابل والتضاد بين الاثنين حاول المخرج بروزتها لهدم الواقع السيامي بطريقة الوجل والحذر الشديد من الاقتراب من ديناميت على وشك الانفجار ومرد هذا الوجل هو انحلال الفكر الى موروثاته وبالتالي خلق اسئلة يصعب الاجابة عنها .. لكن بالمجمل وجدنا ومن خلال دقة الميزانسين صحة وجمالية اجراءات السينوغرافيا التي عضدت العرض بجوانبه الفلسفية والفرجوية.

التمثيل

كون الممثل احد عناصر السينوغرافيا والتشكيل الحركي فهو جزء مهم من ابجديات الميزانسين ونجاح الممثل يكمن في المخرج من خلال كيفية توظيف المكان لخدمته وطبيعة وجوده الهندسي داخل مربعات المنطقة الجغرافية المحددة بالبقعة الضوئية لا طبيعة المكان كجغرافيا مسرح كامل الابعاد. وبما ان الممثل كائن منظور يجب ان تصل جميع افعاله الحركية واللفظية والحسية بشكل واضح ودقيق للمتلقي الفرجوي .. حيث شاهدنا نتيجة لفرض الطبيعة الحركية المقتصدة للممثلين احتاج الممثل احيانا للثبات أو السكون، غير أن هذا الثبات أو السكون حتى وان كانا موضعيين فهما يحتاجان إلى إيماءة أو إشارة أو حركة تدل على ما هو ملفوظ في داخل فضاء القلب او محجوز في علبة الذهن لأن الأفعال بطبيعتها تحتاج اتصالًا مباشرًا أو غير مباشر بين الشخوص الذين يكونون في قلب الحدث وهذا ما وجدنا عليه الممثلين فقد كانا  بدرجة عالية من التماهي مع طبيعة وظروف المشهد حيث كانا على درجة عالية من التركيز مما يجعلنا نتفائل بنجاحهم هذا كتجربة مسرحية مهمة اولى في المسرح العراقي .. كما ان الممثل في اداءه لابد ان يختلف من مسرح لاخر لاعتبارات نفسية تفرضها فضاءات العرض والطبيعة المفترضة لحقيقة الشخصيات وبما ان منتدى المسرح حميمي التلقي لابد ان يكون الاداء الحركي وطبيعة الالقاء من السلاسة والهدوء وعدم الغرابة الى درجة انك تجلس متحدثا مع صديق او حبيب او احد الاقارب ومن الدرجة الاولى لتواجه الجمهور بالطريقة التي توحي بانك تسرد عليهم حكاية خاصة مهمة لها القدرة على تغيير القناعات، أي ان يكون الاداء على اقل تقدير قريبا من السينما دون مد نهايات الكلمات كما هي العادة في اداء اسلافهم في الستينيات والسبعينيات حيث وجدنا الممثلين في اقصى حالات الاسترخاء المطلوب كحالة مغايرة في الاداء التمثيلي المسرحي .. وحبا بهذين الممثلين نصيحتي لهما ان لا يكونا موزعين بين الانتروبيا والتطور فهما يملكان الرغبة في ان يكونا حداثويان متجردان من جبة الماضين وفي نفس الوقت لا يملكان ادوات التطور التي تجعلهما كائنين اخرين اكثر اقناعا وذلك لانهيار المد السينمائي لديهما احيانا والاتجاه باداءهما الى الاسلوب الكلاسيكي الجاف المتكلف. كما لاحظت عدم مطابقة اللفظ مع الحركة، والايماء واللمحة والحركة مع الموسيقى .. كما ان الوجوه لم تتضح عليها الريئكشنات والانفعالات المناسبة للحدث حيث كانت وجوههم باردة جدا وهذا الامر هو من عطل بعض من عجلات الايقاع التي ننشدها في نجاح العرض.تتعدد الدلالات بتعدد النبر الصوتية وكي لا يشت تفسير وتاويل الدلالة لدى المتلقي بالاتجاه الخاطي يجب على الممثل ان تكون نبرة صوته وفقا لواقعية الحالة كي تصل الفكرة بدقة غير مشوهة وفقا لنظم الدلالة اللغوية لكن الممثلان لم يتعاملا مع هذه الجزئية بتفنن في بعض المواقف .. لكننا نرى فيهما مشروع مهم لممثل جيد لو كثفا من مشاهداتهما المركزة لممثلين اخرين ذوي خبرة وحضور عال.

الإضاءة

 بما ان الإضاءة فلسفة جمالية، وإيقاع لوني ينظم الحدث والظروف المحيطة مع صناعة اللوحة العامة للمشهد وذلك للوظائف العديدة والدلالات المعرفية المرسلة من خلال الاختلاف في الشدة والتباين البصري لذا وفقا لذلك يجب ان تراعى جزئية الاضاءة بشكل محترف والا الخراب والخسران والفشل يكون نصيب العمل وضياع الجهود المذولة للجميع.. حقيقة في هذا العمل وجدنا الفلسفة اللونية حاضرة لدى المصمم من خلال نجاح العمل في خلق الجو الدرامي بشفرات لونية راعت كثيرا طبيعة الاجواء والظرف العام وذلك من خلال اللون ودرجة الإنارة او كميتها وتوزيع البقع على الخشبة وهى بهذا أي الاضاءة كانت عاملا مهما في تحقيق النجاح المرجو من خلال تحقيق الرؤية الكاملة للعناصر الثابتة والمتحركة على الخشبة رغم الالوان ذات المد الموجي المتواضع حيث تأكدت الاشكال بدرجة رؤية واضحة من خلال تكوين فني متميز مازج بين الالوان وعكس الحالة النفسية العامة للحدث ولما يعتمل دواخل الشخصيتين .ز لكن وبما ان الحلو لا يكتمل ابدا وجب ان نعرج على بعض الملاحظات المهمة في تكوينات الاضاءة .. في مشهد السرير والنوم عليه وقوفا اختار المصمم اللون الاحمر فوق راس واحد مكرر بكتافة وكمية اكبر من واحد الذي بدا خابيا، وبما ان اللون الاحمر من الالوان الدافئة والتي تبعث على الايحاء بالغضب والكره والحقد وهي اشارات لا تناسب مكرر فهي من اختصاص واحد لانه هو من يحمل هذه الصفات، ولكن المصمم قد يعترض علينا بان الاختيار للون الاحمر هو كلون متوهج عام واستخدم بهذه الكيفية للاشارة ان الحياة لدى واحد مكرر متوهجة لانه بانتوغرويلي محب للحياة لا يناكد نفسه لذا بدا اللون الاحمر فوق متوهجا وخابيا لدى واحد صاحب الفكر المتشدد المتشنج دائما الذي يعشق الظلام والليل والذي ينشط فيه لاعتبارات نفسية تؤكدها الاية القرآنية ومن شر غاسق اذا وقب .. الاضاءة المسرحية كما قلنا تحمل شفرات ورسائل قد تكون غامضة تحمل تأويلات كثيرة ومن هنا يتأكد نجاحها حينما تتعد التأويلات الفلسفية وهذا العمل رغم بساطة اضاءته الا انه اثار التوهج لدى وعينا المخيال في ترتيب الصور الحادثة على خشبة المسرح ..فالاضاءة الزرقاء الممتدة في مقدمة المسرح عرضا بدت وكانها اشارة للطريق وثمة تساؤل يبرز للسطح وفقا لهذه العلاقة المتباينة الى اين نحن سائرون لان  هناك مجهول ولدته ارهاصات العلاقة الغير متكافئة شعوريا وشكليا بين الاثنين كما انها قد تعني الموروث العقائدي في وجود نهر من الخمر يتجول في الجنة كعروق الاوردة في جسم الانسان والذي يرافق ظهوره هو الفتاة الجميلة التي تقدم لهم ما لذ وطاب او قد يكون في تأويل فنطازي ما دام وجوده يرافق وجود الفتاة يجب ان يتخذ كمكب لنفايات الاثنين وطرحها فيه على اعتبار رفض من كان سببا في تناحرهم وتضادهم .. وقد يريد المصمم من خلال اللون الازرق الايحاء بسيطرة قيمية ضوئية من خلال اللون الازرق الذي يمتاز بأكثر حساسية لإعطاء الإحساس برتابة الحياة وموت الوقت بافتعال الصراع المفتقد لادواته الفاعلة فيما بين الاثنين. الضوء في المسرح يوحي بالاستدلال على الزمان والمكان حيث لاحظنا اقتصار الاضاءة على زمن معين ثابت لم يتغير الا وهو الليل مما يعطي الانطباع قليلا بتواجد حلم ما في ذهنية احدهما او الايحاء بطبيعة ما يبيت في النفوس من قبل واحد وهو يعيش الكره والبغض للجميع وربما اراد بالاقتصار على زمن الليل ان الحياة متوقفة لدى الاثنين حياة ميتة بتعبير فنطازي لتأكيد العنوان واعتبار هذه النسحة من الماضي نحن من اعادها بقصدية لتكون بين ايديكم بعض الوصايا مع تزويدكم بالامل في نهايتها.

للإضاءة جماليات لا تحصى من خلال إستخدامها للون وتمازجه والشكل الهندسى للبقعة الضوئية وتفاعلها مع شكل آخر، والتقنيات الحديثة التي تغلبت على إمكانات المسرح المحدودة، كما أنها تقوم بهذه المهمة من خلال التأكيد على جماليات أخرى كالحركة و التكوينات البصرية الأخرى لذلك وجدنا الاضاءة هنا بشكل عام تتمتع بشيء من الحرفية في استنهاض كل تلك الوظائف والمعاني. لكن تفاجئنا في جنبة من جنبات العرض حيث نعرف وكما هو معلوم ان مكونات الصورة يحي ان تراعي عند تصميمها ايصال المعنى السايكلوجي للمتفرج لكننا لم نرى ذلك حاضرا في الكشف عن طبيعة جزئية مهمة وهي الكوميديا والتراجيديا فالعمل كان مزاوجا للكوميديا والتراجيديا والمفروض ان تعكس الاضاءة بعض الايحاء والعزف على العامل السيكلوجي في تغيير اللون وكثافة البقعة في سبيل تمكين المتفرح على التمييز بين طبيعة الملفوظات والتعابير الحركية للممثل وفهم المعنى المراد مع توجيه بتلازم معرفي بهذا الخصوص .ز وقد نجد التبرير لذلك ان العمل برمته هو عملية احتجاج كبرى على الواقع الاجتماعي وكذلك المسرحي فهناك رغبة بالثورة على كل كلاسيكيات الماضي بدءا من العلاقة بين واحد وواحد مكرر على ارض الواقع وانتهاءا بعلاقة المتفرج مع العرض عموما . رسم مصمم الاضاءة الصراع باساليب فنية عالية من خلال حركتها وكثافتها ولونها ونوعها وزاويتها لذا لا توجد مواقع ميتة على الخشبة فالجميع يتواجد لوظيفة همة الجميع يتكلم بلغة بليغة .. وما يميز الاضاءة برفقة الديكور والطبيعة الهندسية للمثل انها اتت رشيقة بمعادلة ضوئية كاشفة للمعاني .

الموسيقى والمؤثرات الصوتية

المؤثرات الصوتية لم تكن حاضرة ولم تستطع التعبير عن الحلم والواقع بشكل مقنع حيث تم التغافل عنها بشيء من التسامح.. ولو ان الموسيقى المستخدمة كانت لآلة شرقية تلائم اجواء المكان وبيئته الخاصة كآلة العود مثلا لكان افضل واكثر دعما للايقاع العام للعرض .. فالموسيقى الغربية المستخدمة لم تخدم الايقاع والحركة بشكل عام .. كما انها عانت من التعارض بين هدوئها وطبيعة واحد كبركان انسان متفجر وهو يعيش التضاد مع العالم وتوامه السيامي..

الازياء

كانت ملابس الممثلين من الازياء العامة والمتداولة والبسيطة في حياة الجميع وهي القاسم المشترك للاردية المستخدمة في يومنا الحاضر ..حيث كانت عبارة عن قميص وبنطلون .. وهو اجراء واقعي مهم قام به المخرج للوصول لحميمية خاصة مع الجمهور وهي من ملابس الظهور اليومي العادي أي ان القصة من واقعنا المعاصراو هي قريبة زمنا لنا .. كما ان اللون والنوع للازياء لم يختلفا بين الاثنين فقد ظهرا بشكل واحد لا يتبين احدهما عن الاخر وهي اشارة الى ازدواجية الفعل وتبادل الادوار، اليوم شاهدنا واحد وهو يقسو على واحد مكرر وغدا نجد العكس . وفي المجمل كان التوفيق حليف جزئية الازياء لتوافقها مع الخط العام للعرض والتوجهات الفكرية بتاويلات واشارات مهمة ترسخ الواقع بصورة مخيالة منتجة للمعنى.

الديكور

كل شيء على المسرح له دلالة متمركزة داخل بنية الدلالة الكلية للعمل المسرحي بجميع مكوناته لا يشذ عنها ولا يحيد قيد انملة والا كان تغريدا خارج السرب مما يسيء بقوة لعين المتفرج وسمعه واحساسه.. والمتفرج هنا هو الملك الذي لا يعصى ابدا والذي يتعاضد جميع من كان حاضرا على اديم الخشبة وخارجها على اسعاده وكسب رضاه، وهذا الامر نراه متحققا في التجارب المسرحية الحديثة المقتصدة في تاثيث الخشبة فقد تطور شكل العرض المسرحي بجمالية متفردة من خلال تحويل ايقونات الديكورات الواقعية الجامدة إلى ديكورات تحمل علامات ودلالات أعمق بتعويضها بأفكار أخرى تدل على معنى اوسع وباحجام اصغر وابلغ تحتويها البقعة او كادر عين المتفرج، لكنها اعمق فعلا في احساس المتفرج واكثر صدقا في تحويل انظاره لهدف وغاية وثيمة العرض.وعطفا على ما سبق، كان هناك في احد المشاهد سريرا في حالة وقوف أي ان مسانده الاربعة متكئة على الحائط، لكنه كان شاهدا على احلام واحد وتوأمه مكرر مما يؤكد انه وضع بهذه الكيفية بقصدية علاماتية باشارات وشفرات متعددة وفلسفة متحركة كي يعطي الانطباع بان الاحداث تجري في ساعة نوم الاثنين وهنا مغايرة وتضاد مع الشكل السائد وهنا يتحقق لدينا ما ذهبنا اليه في ان المسرح ثورة على الجمود والنمطية لتحقيق المتعة وكما تعرفون ان العلامة لها القدرة على التحول والاتحاد بعلامات اخرى قد تكون حادثة ليست مبيتة سلفا لدى المخرج او المؤلف ومن هنا يبرز تاويل المتلقي لينتج هو الاخر علامات ربما بعيدة جدا عن اصل العلامة لكنها وليدة هذا الحراك الفكري للعرض المنتج للعلامات القابلة للتاويل، ومن جملة هذه العلامات اننا نتيجة لهذا التغيير الكبير في طبيعة الحياة وسلوكيات الفرد وبالتالي المجتمع كحالة عامة اعترتها الفوضى اننا اصبحنا ننام واقفين وربما نتحد بعلامة جامعة لنا كاشارة لما مر به المواطن وهو نزيل السجون كان كثيرا ما يجعلونه في قلق مستمر بالنوم وقوفا، وكذلك قد يكون تأويل هذا الشكل بالقول ان الخوف والوجل الذي يعتري الاثنين انهما في حذر دائم من الاخر لذا كان سريرهما عموديا ونومهما لا ياخذ شكل الاضطجاع وبالتالي هي صور ممتلئة بالانسجام تدعو المتفرج على إعادة تشكيل رؤاه بوعي كبير. وفي حقيقة الامر هذا التشكيل الفني الجمالي بصناعة الديكور خلق ايقاعا خاصا وهو واقع لا ينكر وجوده في ظل التقدم العلمي الذي خدم الممثل داخل الاحجام في عدم تشتيت فكره وتركيزه وجهده البصري،وهي بالتالي طريقة فذة تجاوزوا بها الديكورات الضخمة والتزويق الذي اتعب الحاسة البصرية للمتلقي فضلا عن الممثلين في كثير من العروض المسرحية. كما ان السلاسة في تحريك الديكورات اصبحت عملية جمالية ايقاعية متفردة وليست كما في السابق مجرد ظهور واختفاء للديكور وبطريقة فوضوية، وهذا الامر ينبع من قضية عرفانية مهمة مبدأها اسقاط الاضافات من خلال المسرح وهي من وظائف الميزانسين لتحقيق الجمالية الروحانية القائلة اسقاط الاضافات من الجمال. الا ان هذا الاقتصاد الممنهج في الديكور اضر بعض الاحيان بايقاع العرض نوعا ما من خلال تكرار المشاهد بنفس الصورة مما منع خلق المتعة المتوخاة من اسقاط الاضافات .. نعم تعدد الديكور في المشهد الواحد مرفوض وخاصة بالاحجام الكبيرة المرهقة للمثل والمتفرج لكن هذا لا يعني ان يتكرر المشهد بنفس الديكور وكأن الزمن والمكان لديك متوقف وانت تدعي الحداثة. والتطور في كل شيء. في النهاية وفيما يخص الديكور فعلي صبيح كان يبحث دائماُ عن خصوصية الأشكال المسرحية ومحاولة كسرها لخلق الشكل المتناسق بإسقاط النمطية والخروج على التصاميم المسبقة بخلط الأنواع الجمالية وتداخلها كحديقة غناء بصورة لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

المتفرج

كان للعرض المسرحي قابلية على خلق متفرج مغاير بوعي باتافيزيقي خالق للمعنى اعتماداً على العلامات (الرموز والإشارات والدلالات) الحادثة امامه محولا عالم الواقع المسرحي الى عالم الواقع الخارجي ومن ثم إلى عالم الاحتمال مع خوض غمار جدلية ميزان المعطيات وطريقة فك شفراتها.. وبالتالي انتاج عملية قيصرية لدى مكنون المتفرج في تثبيت جدوى المسرح كمتعة وعلم وتطهير.

الخاتمة

ابارك للكاتب علي عبدالنبي الزيدي على جرأته وشجاعته لطرقه باب هكذا موضوع جدلي اخذ منا الكثير روحيا وجسديا لانصاف الاطراف المتصارعة في خبايا النص.. كما اشد على قلمه وهو يعالج الجزئيات بافكار كلية لها القدرة على الثبات امام تحولات النص والعرض لدى الجمهور..كما ابارك للمخرج الشاب علي صبيح نجاحه الطيب في اخر نسخة منا وادعوه للمشاهدة المستمرة للسينما العالمية مع تكثيف قراءة النصوص للوقوف على تجارب الاخرين لانها مهمة في تنوير الخيال واثراء التجربة  واكتشاف المناطق المظلمة من النفس. كما ابارك لبقية الكادر نجاحهم وعلو كعب تجربتهم الفذه .

 

كاظم نعمة اللامي

 

 

shady mjalyshogarالمقدمة: الشك في الأدب القديم، الذي أنشأته الأمم في جاهليتها وبداوتها، ظاهرة لا تقتصر على الشعر العربي وحده، ولكنها عامة تكاد تشمل الأدب القديم عند جميع الأمم التي كان لها أدب معروف ومدروس ولعل خير ما نمهد به بين يدي بحثا هذا عن النحل والوضع في الشعر العربي الجاهلي.

مفهوم الانتحال (لغة واصطلاحا)

أولا: الانتحال (لغة)

ورد مصطلح الانتحال في القاموس اللغوي (1): انتحله وتنحله: أي ادعاه لنفسه وهو لغيره، ونحله القول كمنعه: أي نسبه إليه .

فأصل هذه الكلمة يدل على أن الانتحال: ادعاء الشيء للنفس وهو في الواقع للغير والنحل: النسبة للغير، ولم يبين صاحب القاموس هل النسبة إلى الغير مطلقا تكون نحلا أم لا يطلق عليها نحل إلا نسبت إلى الغير وهي ليست له .

لكن الذي رأيناه في استعمال العرب وفي إطلاقهم هنا اللفظ سواء كان مجردا أو مزيدا أنه لا يطلق إلا حيث يراد الإنحراف بالنسبة وإضافة شيء لغير صاحبه، فيقال انتحل الشعر: أي ادعاه لنفسه وهو غير له ونحل هذا الشعر فلانا: أي ألصقه به وهو غير صاحبه .

و لم يكن الوضع والانتحال موجودا عند العرب في الجاهلية، وقصارى ما كان يقع بينهم أن يدعي بعضهم لنفسه شعرا ليس له وهو الذي يسمى بـ (الاجتلاب)، قال الراجز: (2)

يا أيها الزاعم أني أجتلب وأنني غير عضاهي أنتجب

فمعناه أنني أجتلب الشعر من غيري، فكأني إنما آخذ القشر لأدبغ به من عضاه غير عضاهي، والانتجاب: بفتح الجيم هو لحاؤه .

ثانيا: الانتحال (اصطلاحا)

يـقصد بالانتحال (3) أن ينسب شاعر أو راو ما شعرا مزيفا إلى شاعر آخر قديم ليس هذا الشعر له، وقد درس القدماء أمثال محمد بن سلام الجمحي قضية الانتحال في الشعر الجاهلي، وذكروا بعضا من مشاهير الرواة المنتحلين مثل خلف الأحمر وحماد الراوية وغيرهم .

قضية الانتحال عند القدماء

لم يكن من سبب في جاهلية العرب يبعثهم على وضع الشعر غير قائله وإرساله في الرواية على هذا الوجه، لن شعرائهم متوافرون ولأنهم لا يطلبون بالشعر إلا المحامد والمعاير، وقصارى ما يكون من ذلك أن يتزيد شاعرهم ويكذب فيه وعلى أن ذلك لا يكون إلا في الأخبار التي تكون في التاريخ لأن الشاعر موضع ثقة وهو مصدر رواية في العرب فإن أرسل القول أرسل معه التاريخ فيجريان معا .

و هذا التزيد هو الذي يسميه الرواة أكاذيب الشعراء، أما أن يكون في عرب الجاهلية من يصنع الشعر وينحله غيره فذلك ما لا نظنه ولما جاء الإسلام واندفع به العرب إلى الفتوح واشتغلوا عن الشعر بالجهاد والغزو جينا من الزمن، فلما راجعوا روايته بعد ذلك وقد أخذ منهم السيف وذهب كثيرا من الشعر وتاريخ الوقائع بذهاب روايته صنعت القبائل الأشعار .

و نرى أن الرواة بعضهم كان ثقة وأمينا يطمئن الناس إلى روايته ويثقون في صدقه وأمانته وبعضهم كما قالوا: كان جريئا كذوبا متحللا لا يقف دون زيفه ونحله حاجز . (4)

و هذا هو الذي جعل القدماء يتبعونهم بالبحث والنقد والتمحيص لتخليص هذه الثروة مما لحقها من شوائب أو ساورها من كدر وتعكير .

نظر القدماء في الأشعار المروية وتتبعوا القصائد فقالوا: إن هذه صحيحة أو منحولة وهذا لفلان وليست لغيره ممن نسبت إليه زورا، قال ابن قتيبة: بعد أن أورد قول الأعشى

والأرض حمالة لما حمل الله وما إن ترد ما فعلا

قال: وهذا الشعر منحول، لا أعرف فيه شيئا يستحسن إلا قوله:

ياخير من يركب المطي ولا يشرب كأسا بكف من بخلا

و يقول أبو الفرج الأصفهاني:) (5) يدفع أكثر الرواة أن يكون لعنترة.

هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم

و قد نبه الجاحظ المتوفى سنة (255 هـ) على بعض المنحول المصنوع في كتبه ونبه كذلك ابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء على شيء من هذا، وقد نبه عبدالملك بن هشام صاحب السيرة النبوية على كثيرمن الشعر الذي يتسرب إليه الشك أو يلازمه القطع بأنه موضوع منحول . (6)

و يقول ناصر الدين الأسد: لم يكن أمر الوضع والنحل في الشعر الجاهلي لا يخفى على الرواة والعلماء فقد تنبه كثيرون منهم، بل قلما نجد رواية عالما من القرن الثاني والثالث لا تذكر لنا الأخبار المروية عنه، أنه نص نصا صريحا على أن بيتا أو أبياتا بعينها منحولة موضوعة . (7) )

 ابن سلام وقضية الانتحال

أكثر من تكلم في الانتحال وفصل أسبابه ودواعيه وبسط القول في هذا بسطا وافيا وتعقب الرواة وكشف عنهم القناع محمد ابن سلام الجمحي (8)، وألف كتابه طبقات الشعراء ذكر فيه العرب وأشعارها والمشهورين المعروفين من شعرائها وفرسانها وأشرافها وأيامها، إذ كان لا يحاط بشعر قبيلة واحدة من قبائل العرب وكذالك فرسانها وسادتها وأيامها ولا يستغنى عن علمه ناظر في أمر العرب فبدأنا بالشعر . (9)

وعرض ابن سلام أول ما عرض للشعر المنسوب للعرب وما ألصق به من شبه وساوره من شك وزيف فقال: وفي الشعر المسموع مفتعل موضوع كثير لا خير فيه ولا حجة في عربيته ولا أدب يستفاد ولا معنى يستخرج .... وقد اختلف العلماء في بعض الشعر كما اختلفت في بعض الأشياء، أما ما اتفق عليه، فليس لأحد أن يخرج منه . (10)

ثم تحدث في فقه وعمق عن الشعر وأبان أنه فن يحتاج الى ذكاء وفطنة ودقة وحكمة، فقال: وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات . (11)

والشعر في عهد ابن سلام محنا طاغية من أثر الوضع والانتحال وترصد الثقاة الأعلام لأولئك الوضاعين، وكان ممن أفسد الشعر وهجنه وحمل كل غثاء منه محمد بن اسحاق بن يسار وكان من علماء الناس بالسير فقبل الناس عنه الأشعار .

و قال ابن سلام: يروي عن الشعبي بن خراش أن عمر بن الخطاب قال: أي شعرائكم الذي يقول:

فألفيت الأمانة لم تخنها كذلك كان نوح لا يخون

وهذا غلط على الشعبي أو من الشعبي أو ابن خراش، أجمع أهل العلم على أن النابغة الذبياني لم يقل هذا .

نظر ابن سلام في الشعر الجاهلي وما أن تكون الرواية قد جرت عليه من العلل الموهنة والعوارض المشككة، وكان يرى أنه قد أسقط منه الكثير ضياعا أو اهمالا وزيد عليه وضعا وانتحالا، فهو لم يسلم من آفات النفس الإنسانية التي قد يستبد بها الإهمال أو يساورها العبث وقلت الإكتراث .

أما الإسقاط من الشعر والنقص فيه فإنه يقول عن الشعر: فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب وتشاغلوا بالجهاد وغزو الفرس والروم ولهت عن الشعر وروايته (12)، وقال أبو عمرو بن العلاء: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير .

و مما يدل على ذهاب الشعر وسفوطه قلة ما بأيدي الرواة المصححين، وأما الزيادة عند ابن سلام فإنه يتحدث فيها ويبينها في مواضع متفرقة من كتابه ويعزوها إلى عدة عوامل منها:

1- الشعر الذي أدخل على العلماء غفلة منهم .

2- اختلاط الأمر على بعض الرواة .

3- محاولة بعض العشائر أن يستكثروا من الأشعار، ويتزيدوا في الوقائع والأخبار.

4- كذب الرواة رغبة في الكسب واقتناء المال .

ومما تقدم يتبين لنا أن نظرية الانتحال قديمة وأن الحديث عنها قد سلف في سعة وافاضة وتحدث عنها علماء العرب ولم يدعوا شبهة يمكن أن تخالج النفس أو تتسرب إلى الذهن إلا سلطوا عليها أضواء البحث والتمحيص .

آراء العلماء القدامى والمحدثين في قضية الانتحال

رأينا أن قدماء العرب من علمائهم ونقادهم قد فطنوا إلى ما أصاب الشعر الجاهلي أحيانا من آفات الوضع وما لحقه من علل الكذب والاختلاق، وقد اقتضتهم أمانتهم العلمية أن ينهوا على كل ما ساورهم من شك أو داخلهم من شبه، بل ربما أوغلوا في الشك وبالغوا في الاتهام رغبة في تخليص الشعر الجاهلي مما يمكن أن يلحقه من قتام أو تطاير هذا مع قرب عهدهم في الجاهلية وسهولة تثبتهم من المعمرين أو ممن روى من العمرين عن أهل الجاهلية، ثم غفا الشرق غفوته ونام أهله عن كل تراث مجيد يثبت مكانتهم في ميدان الفكر الإنساني ومجال التصوير والتعبير ولفهم الضعف بأغشية سميكة من الإهمال والانصراف، وجاء المستشرقون في القرن التاسع فتلقفوا هذا التراث والمجد الأدبي ووقفوا إزاءه مواقف مختلفة وذهبوا في النظر إليه مذاهب متناقضة كان بعضهم يدفعه الحقد على العرب ومحاولة النيل منهم والتقليل من شأنهم وتلقف المعايب وتصيد المثالب وخلق المساوئ والزلات، وبعضهم كان يصطنع الإنصاف، إذ نرى أنهم يفتشون في آداب العرب بعين حاقدة وقلب مدخول فإذ برز في العربية شاعر بمعانيه الأبكار وأخيلته الرائعة فالفضل فيما يجري في عروقه من دم غير عربي .

و كانت قضية الانتحال في الشعر الجاهلي من القضايا التي درسها المستشرقون وكتبوا فيها بنفس حاقدة فخلقوا حولها ظلالا من الشكوك وخطوطا من الخرافات والأكاذيب، يمكن تروج الباطل ويستند إليها الواهمون، ويقول شوقي ضيف: (13) لقد لقت هذه القضية – انتحال الشعر – أنظار الباحثين من المستشرقين والعرب وبدأ النظر فيها (نولدكه) وتابع بعده أمثال (رسيه وبروكلمان ومارجليوت) أكبر من أثاروا هذه القضية في كتاباته إذا كتب فيها مقالا مفصلا نشره في مجلة (الجمعية الآسيوية الملكية)، جعل عنوانه أصول الشعر العربي.

1- رأي مارجليوت في الشعر الجاهلي

هذا المستشرق الانجليزي كان حريصا أشد الحرص على الطعن في الشعر الجاهلي، والتماس الأدلة واصطياد الحجج على أنه منحول كله نُظم بعد الاسلام،وأُضيف الى اسماء الجاهلية.

وفي كتاب محمد وظهور الاسلام المطبوع سنة (1905) يرى أن في لغة القرآن مشابه كثيرة من لغة الشعر الجاهلي كما يرى أن الشعر الجاهلي في معظمه مصنوع وُضع على مثال القرآن.(14)

وقد هبّ بعض المستشرقين للرد عليه ومنهم تشارلز جيمس في مقدمته المفضليات المطبوعة سنة 1918 وقد احتج عليه بأن من وضعوا هذا الشعر على فرض التسليم بذلك كانوا يحاكون نماذج سابقة وتقاليد أدبية موروثة قلدوها وحاكوها .

ونفس هذه المحاكاة تدل على وجود أصل كانوا يحاكونه اذ لا يمكن أن يحاكوا شيئاً لم يبق منه ما يتيح لهم هذه المحاكاة.

ثم عاد مرجليوت (15) وكتب في مجلة الجامعة الملكية الآسيوية مقالاً مسهباً بعنوان (أصول الشعر العربي) أتى فيها على الشبه التي جرت إليه نظرية الشك في الشعر الجاهلي الذي نقرأه على أنه شعر جاهلي إنما نُظم في العصور الاسلامية ثم نخله هؤلاء الواضعون المزيفون لشعراء جاهليين. (16)

ويهمنا أن نسوق هنا أهم الملاحظات التي أبداها ونلخصها من كتاب ناصر الدين الأسد: (17)

يقول مرجليوت: لو فرضنا أن هذا الشعر حقيقي فكيف أمكن حفظه حتى وصل إلينا بهذه الصورة .

ثم يتحدث عن الرواة من علماء القرنين الثاني والثالث الهجريين من أمثال (حماد وخلف الراوية وأبو عمرو بن العلاء والأصمعي ثم يقول: إن هؤلاء العلماء لم يكن يوثق بعضهم بعضاً.

ما في هذا الشعر من إشارات إلى قصص ديني ورد في القرآن وما فيه من كلمات دينية إسلامية مثل الحياة الدنيا والحساب وبعض صفات الله.

إختلاف لهجات القبائل غير أن هذا الشعر كله جاء بلغة القرآن.

وأحب أن أناقش هنا مزاعم مرجليوت مناقشة عابرة من خلال بعض الآراء التي فندّ بها العلماء رأيه ونقضوا قوله:

أولاً: الرواية ومدى ما وُهب العربي من حافظة قوية لاقطة مستوعبة، واعتماد العرب على الذاكرة في جميع ما يمس حياتهم أو ما يتصل بدنياهم .

ثانيًا: على أن موقف القرآن في النعي للشعراء في الآية: (و الشعراء يتبعهم الغاوون) إنما يهدف إلى تغيير الأخلاق وتبديل الطباع والانسلاخ من عبث الشعراء .

ثالثا: أما إنكار الشعر الجاهلي لأن الرواة والعلماء لم يوثق بعضهم بعضا، فذلك يجانبه الصواب، فإن طبيعة الناس يجرح بعضهم بعضا ويتهمون بعضهم بالكذب وعدم الإمانة .

رابعا: أما الشعر الجاهلي فربما حاكاه حماد وخلف ولكن هذه نفسها المحاكاة تدل على وجود أصل يحاكى .

خامسا: ومن الغريب أن يدعي مارجيليوت أن هذا الشعر إسلامي ولا يبت للجاهلية بصلة لأن فيه إشارات إلى قصص ديني ورد في القرآن الكريم، ولأن فيه كلمات دينية وذلك لأن كان بينهم أحبار ورهبان مثل: ابن نوفل والنابغة الذي كان كثير الرحلات والتنقل بين بلاط الملوك .

سادسا: والشك في الشعر الجاهلي اعتمادا على اللهجات فإن الإسلام لم يعتمد لغة واحدة يدعو بها .

سابعا: وأما تشابه القصائد في موضوعها ومنهجها، فلا يرجع ذلك لأنهم اكتسبوا هذه الرتابة من القرآن كما يدعي، ولكنه يعود إلى نظام حياتهم ومعيشتهم وتقاليدهم .

2- رأي الرافعي

ألف المرحوم مصطفى صادق الرافعي كتابه: تاريخ آداب العرب سنة (1911 م) وتحدث فيه عن وضع الشعر ونفى أن يكون في الجاهلية نحلا ووضعا .

ثم ذهب كما ذهب ابن سلام إلى أن العرب بعد الإسلام شغلوا بالجهاد عن الشعر، فلما راجعوا روايته بعد ذلك وأخذ منهم السيف والحيف، وذهب كثير من الشعر وتارخ الواقائع بذهاب روايته صنعت القبائل الأشعار ونسبته إلى غير أهلها تتكثر بها وتعتاض عما فقدته .

لما كانت الرواية القلمية في القرن الثاني وشعر الرواة في طلب الشعر للشاهد والمثل استفاض الوضع في العرب وتفرغ قوم لذلك كمحمد بن عبدالملك وضع للرواة أشعارا كثيرة أدخلها في روايته عن قومه .

الاتساع في الرواية: وهوسبب من أسباب الوضع يقصد به فحول الرواة أن يتسعوا في روايتهم، فيستأثروا بما لا يحسن غيرهم من ابوابها ولذا يضعون على فحول الشعراء قصائد لم يقولوها ويزيدون في قصائدهم التي تعرف لهم ويدخلون من شعر الرجل هوى وتعنتا ومثل ذلك حماد وخلف . (18)

و قد يجد الرواة للشاعر الأبيات الحسنة في المعنى الجيد وهي تحتمل الزيادة فيضعون عليها ويولدون منها حتى تبلغ قصيدة كأبيات الطيرة، للحارث بن حلزة، وهي أربعة، ولكن جعلوها قصيدة طويلة كقصيدة أبي طالب التي اولها:

خليلي ما أذني لأول عاذل بصغواء في حق ولا عند باطل

قال ابن سلام: زاد الناس في قصيدة أبي طالب وطولت بحيث لا يدري .

3- (رأي طه حسين) في الشعر الجاهلي

ثم جاء الدكتور طه حسين وألف في سنة (1926 م)، كتابه في الشعر الجاهلي، وأعاد طبعه بعد ذلك وبعد تنقيحه وزيادة وحذف بعنوان: (في الأدب الجاهلي)، وموضوع هذا الكتاب قائم على انكسار الشعر الجاهلي وادعاء أنه موضوع منحول لا يمثل الحياة الجاهلية، ولا ينم عن حياتها العامة في شيء، إنما هو نمط القرآن الكريم مقتبس من نهجه مستمد من أسلوبه وصياغته وألفاظه ولغته . (19)

و ينكر شعر الجاهلية وشعراؤها جملة ويقول: (و لا أضعف أن أعلن إليك وإلى غيرك من القراء أن ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة ابن العبد أو ابن كلثوم أو عنترة، ليس من هؤلاء الناس في شيء) . (20)

و الدكتور طه حسين يصور فكرته التي يقدمها في كتابه بقوله: (و أول شيء افجؤك به في هذا الحديث هي أني شككت في قيمة الشعر الجاهلي وألحقت في الشك ..... ألح على الشك فأخذت أفكر وأقرأ وأتدبر حتى انتهى بي هذا كله إلى شيء إلا يكن يقينا فهو قرين من اليقين ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء وإنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهلية) . (21)

و هذه الفكرة القائلة نفسها هي التي أثارها ورددها مرجيليوت ومن شايعه أو صار على مذهبه من المستشرقين، وهي التي نبه إليها قدماء العرب في عدالة وإنصاف حتى لا تأخذ كل مادة جاءنا من شعر جملة واحدة دون بحث أو نقد أو تمحيص، فهي ليست جديدة وإنما الجديد فيها روح الهدم الذي لازمها وسيطر عليها، إن العجيب في أمر هؤلاء الناس أنهم يسوقون الشك على أنه يقين ويأخذون من شبهه قامت عند علماء العرب الأقدمين قاعدة علمية ثابتة ثم يدعون أنهم اهتدت إليها بعد بحث وتفكير .

و الكتاب الذي ألفه لعرض هذه الفكرة التي يصورها أولا منهجا ارتضاه لنفسه في البحث، ويتحدث ثانيا عن الدوافع التي دفعته إلى الشك الذي أفضى به إلى اليقين وهو أن الشعر الجاهلي لا يصور حياة الجاهلية ولم يقل في العصر الجاهلي وإنما قيل بعد القرآن وتحدث بعد ذلك عن الأسباب التي دعت إلى نحل هذا الشعر وإختلاقه.

أسباب الشك في الشعر الجاهلي

مما قوى في صدره الشك وأثار في نفسه مظاهر الريبة أن هذا الشعر الجاهلي لا يمثل في رأيه الحياة الجاهلية تمثيلا صحيحا فهو ليس صورة عنها يحكي ما كانت تموج به من عقائد وطباع ويشيع فيها من أخلاق وعادات وأوضاع.

لقد كانت هناك حياة جاهلية حقيقية بل هي حياة قيّمة مشرقة ممتعة لكنها مخالفة كل المخالفة لهذه الحياة التي يجدونها في المطولات وغيرها مما نسب إلى الشعراء الجاهليين.

فحياة الجاهليين ظاهرة في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طرفة وعنترة وغيرهم.

ولا شك أن القرآن هو أكبر دليل موجود على حياة الجاهليين فهو مرآة الحياة الجاهلية فلغته هي اللغة العربية وصور الحياة الدينية للعرب ففيه رد على الوثنيين وعلى اليهود وعلى النصارى ويصور الحياة العقلية للعرب بينما لا يصورها الشعر .

وكذلك يصور الحياة الاقتصادية التي كان عليها العرب بينما لا يصورها الشعر الجاهلي، والقرآن يصور الحياة الاجتماعية تصويرا قويا.

وملخص قوله أن الظواهر التي كانت تشيع في العصر الجاهلي من عقيدة تستولي على النفوس وتمتلك القلوب ومن علوم ومعارف تنير العقول وتصقل الأفكار، ومن مشاركة في سياسة الأمم واتصال بالشعوب ومن حياة اقتصادية واجتماعية كانت تستبين كلها في القرآن بينما الشعر الجاهلي لا يمثلها ولا يمثل سمتها في قليل ولا كثير، فهو اذن لا يمثل الحياة الجاهلية وليس صورة عنها وانما هو مختلق موضوع . (22)

أسباب انتحال الشعر

حين أراد مؤلف الشعر الجاهلي أن يبسط الأسباب ويشرح العلل التي أدت إلى انتحال الشعر الجاهلي عند العرب، قدم بين يدي بحثه مقدمة يعلن فيها أن الانتحال عند العرب ليس بدعا قد انفردوا به دون غيرهم من اليونان والرومان (فقد قدر لهاتين الأمتين في العصور القديمة مثل ما قدّر للأمة العربية في العصور الوسطى) .

والواقع أن الفطر الانسانية والخلائق البشرية قد تتشابهة في كثير من الظواهر وتتفق في كثير من الاتجاهات وخاصة لدى اولئك الذين تشابهت حياتهم وتماثلت أوضاعهم .

واختراع القصائد جائز في كل أمة ولكن الانتحال بهذا القدر ضرب من المستحيلات التي يعجز العقل عن تصديقها وقد رجع المؤلف أسباب نحل الشعر الى أسباب:-

- السياسة: بمعنى أن العصبية وما يتصل بها من المنافع السياسية قد كانت من أهم الأسباب التي حملت العرب على انتحال الشعر . (23)

- الدين: فكان هذا الانتحال يقصد به في بعض الأطوار الى اثبات صحة النبوة وصدق النبي وكان هذا النوع موجها لعامة الناس .

- القصص: بمعنى كل ما يروى من قصص وأخبار وأشعار التي تتصل بما كان بين العرب والأمم الأجنبية من العلاقات قبل الاسلام كعلاقتهم بالفرس واليهود والحبشة خليق أن يكون موضوعا وكثرته المطلقة موضوعة من غير شك .

- الشعوبية: يتحدث طه حسين عن الشعوبية وعداةتهم للعرب وبان لهم أثرا قويا في انتحال الشعر والأخبار واضافتها الى الجاهليين ولم يقف أمرهم عند هذا بل اضطروا خصومهم ومناظريهم الى الانتحال والاسراف فيه .

- الرواة: مجون الرواة واسرافهم في اللهو والعبث وانصرافهم عن أصول الدين وقواعد الأخلاق فقد كان حماد زعيم أهل الكوفة وخلف زعيم أهل البصرة وكلاهما برأيه ليس له حظ من دين ولا خلق ولا احتشام .

الخاتمة

فهذا البحث على تشعب طرقه وحدة عامة تنتظمه كله، تقرب منه ما تباعد وتجمع ما تفرق ولهذه الوحدة العامة دعائم ترتكز عليها وتقوم بها أولها أن هذا الموضوع كغيره من الموضوعات يدور في نطاق اطار معين من الزمان والمكان، فكان لا بد لنا من أن نمهد بين يدي بحثنا بتحديد معالم هذا الاطار، ومن هنا كان حديثنا في الفصل الاول عن مفهوم الانتحال لغة واصطلاحا وم ثم انتقلنا الى الانتحال عند القدماء أمثال محمد بن سلام الجمحي ثم نظرية الانتحال عند المحدثين وكان أبرزهم مرجليوت وبعد ذلك تناولنا رأي الرافعي ومن ثم طه حسين وكتابيه في الشعر الجاهلي وفي الادب الجاهلي وأياب الانتحال والشك في الشعر الجاهلي.

وقد أتممت بحثي هذا بعد العودة والرجوع لقائمة طويلة من المصادر والمراجع فإن حققت في هذا البحث شيء جديد فأتمنى أن يكون واضح المعالم بارز القسمات في ما قدمت من فصول وأرجو من الله أن أكون قد وفقت فيه.

الباحث

 

د : شادي مجلي سكر

........................

قائمة المصادر والمراجع

1- محمد الخضر حسين، نقد الشعر الجاهلي، مؤسسة هنداوي للثقافة والتعليم – مصر، الطبعة الأولى - 2012م

2- شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، دار المعارف – القاهرة، ج 2 .

3- طه حسين، في الأدب الجاهلي .

4- طه حسين، في الشعر الجاهلي، تقديم سامح كريم، الدار المصرية اللبنانية، 2010 م .

5- عبدالمجيد المسلوت، نظرية الانتحال في الشعر الجاهلي،1984، دار القلم – القاهرة .

6- المزرباني، معجم الشعراء .

7- محمد بن سلام الجمحي، طبقات الشعراء، 2001، دار الكتب العلمية، ج 1 .

8- مصطفى بن صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، 1940، مطبعة الاستقامة، ط 2 .

9- محمود شاكر، طبقات الشعر،دار المعارف – القاهرة، 1997 م .

10- ناصر الدين الأسد، مصادر الشعر الجاهلي، 1988، دار الجيل، أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراة، ط 7، ج 1 .

 هوامش

(1) المزرباني، معجم الشعراء، ج 4، ص 55

(2) الرافعي، تاريخ الأدب، ج 1، ص 365

(3) ابن سلام، طبقات الشعراء، ص 22

(4) ابن سلام، طبقات الشعراء، ص 40

(5) أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، ج 9، ص 222

(6) ناصر الدين الأسد، مصادر الشعر الجاهلي، ص 325

(7) المرجع نفسه .

(8) محمود شاكر، مقدمة كتاب طبقات الشعر، ص 13

(9) ابن سلام، طبقات الشعر، ص 5

(10) المرجع نفسه، ص 8

(11) المرجع نفسه، ص 11

(12) المرجع نفسه، ص 48

(13) شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، ص 166 - 167

(14) ناصر الدين الأسد، مصادر الشعر الجاهلي، ص 352

(15) الخضر حسين، نقد الشعر الجاهلي، ص 17

(16) ناصر الدين الأسد، مصادر الشعر الجاهلي، ص 353

(17) شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، ص 267

(18) الرافعي، تاريخ آداب العرب، ص 319

(19) طه حسين، في الشعر الجاهلي، ص 3 – ص 7

(20) المصدر نفسه .

(21) المصدر نفسه .

(22) ملخص من كتاب (في الشعر الجاهلي)، ص 15 – ص 23

(23) طه حسين، في الشعر الجاهلي، ص 60

 

 

 

raheem algharbawi2إنَّ الشعرَ دنيا طافحةٌ بالشعور الإنساني، وكلٌّ منَّا يخالجه وجدانه إزاء تأثير محيطه به، فيعبِّر عن تأثرهِ بجملة، أو فعل، أو قول قصيدة، لكنَّ هذه القصيدة لابدَّ أنْ يقولها مَن له قدرة على فن القول؛ كي تسجَّل في صحيفة أدبه بعدما يشحنها بإحساسه وقدراته الفطرية والمكتسبة في آنٍ، إذ يرى هيغل في كتابه ظاهريات الروح "أنَّ الذات عندما تدرك نفسها جيداً فإنَّها تتعالى وتصبح إلهية وجميلة، والوعي يعمل على أنْ تدرك الذات نفسها، إنَّه يعمل على رقيها وتفردها ؛ ولذلك تنفرد ذات الشاعر بالنظر إلى جمالها لا باعتبارها فردية بل باعتبارها ذاتاً إنسانية متعالية، قادرة على العلو والتكامل ... وهكذا يشيع الجمال باعتباره ابتكاراً من ابتكارات الذات الواعية التي هي ذات الشاعر"، وأنَّ حقيقة الشعر هي ترجمة صادقة لتجربة حمَّلت صاحبها أن يبوح ردود أفعاله تجاهها .

وحين نقرأ مجموعة الباحث الإسلامي الدكتور صالح الطائي نجده متأثراً كثيراً بالأحداث التي دهمت بلدنا العراق، فنراه يجيب عنها بردود فعله وقناعاته التي حددتها مسيرة حياته، وقناعة معتقده تجاه الواجب الديني وواجبه الوطني، وإن كانت أغلب قصائده تسودها التقريرية إلا أنَّها عبَّرت عن شعوره الداخلي الصادق تجاه وطنه، ومجتمعه ، وذاته .

وقد قسَّم شاعرنا مجموعته الشعرية على ثلاث صفحات، الصفحة الأولى حملت الوطن بقوته على الرغم من جراحه والمخاطر التي دهمته وهو الابن البار الذي يذود بلسانه، فيشجّع الأبناء للدفاع عنه ويمقت الأعداء ويوبِّخ الحكَّام الفاسدين الذين ما ارعووا، ولا استكانوا ؛ كونهم بمثابة الوجه الآخر لمن شهر السلاح بوجه الوطن، وبات ينخر بجسده الطاهر، أما الصفحة الثانية فهي قصائده الاجتماعية التي تناول فيها المدينة التي آوته بعدما طورد من قبل عصابات الرذيلة والبغي، كما تناول موضوعات اجتماعية وإخوانية، أما الصفحة الثالثة، فكانت قصائد غرام متنوعة منها : للوطن وللأهل والحبيبة، بثَّ فيها لواعج اشتياقه وحسرته وتصالحه مع ذاته في بعض قصائده .

فنراه ينظم لوطنه قوله :

سلامٌ على أرض العراق

وأهلهِ

ودجلتيه

والشجرِ،

يرقى بزهوك

كل من عرقتْ أصائله

وطاف حول صرحك

واعتمرْ .

يا أيُّها الملآن كبراً

أيُّها البيت الأغرْ

لازال أهلوك الكرام

يدفعون الضرَّ عنك

ولا فخرْ  .

أنتَ العراق

وفيكَ

أغلى مُستَقَرْ .

1192 salih

فنراه يلقي التحية والسلام للوطن الذي باتت تنهش في جسده عسلان الفلوات، ويمزِّق أحشائه شُذَّاذُ الآفاق، لكنَّه يرى الوطن شامخاً عزيزاً بأبنائه المخلصين الذين ما انفكوا يدافعون عنه ؛ كونه البيت الجميل الذي يعتمر حوله أبناؤه لقدسيته التي شرَّف الله أرضه بالعتبات المقدسة، ولتاريخه العريق الذي بنيت عليها أقدم الحضارات وأرقاها.

ومن قصائده الاجتماعية، وهي بعنوان تجيء كأنَّك، ومهداة إلى أحدهم، قوله:

إلى أحدهم

تجيء كأنَّك طيفٌ يقضّ العيون

إذا ما الكرى قاد للمضجعِ

وكأساً دهاقاً ربيب السموم

إنْ شَكتْ جورها نفسي

للأضلعِ .

تجيء شموساً تقود العصور

تشقّ حناياي

كالمبضعِ،

تؤججُ ناراً بها خافقي

وتطفئ ناراً

فلم تَلسعِ

رشفتَ فتيَّاً رحيق الجراح

ومن عهدِ نوح

لمْ تشبعِ .

نرى شاعرنا الطائي يخاطب صديقه بلوعة واحتراق، وهو يعاتبه على الرغم من كلِّ المواقف الطيبة المُستحسنة التي بدرت من شاعرنا، إلا أنَّ موقف الصديق كان مؤلما...، وهذا ما جعل الشاعر ينظم القصيدة بألمٍ واضح، جسَّدها بحرف رويه (العين) الذي يدل على اللوعة والمرارة إزاء ذلك الموقف.

أما ما قاله في الحبيبة في صفحته الثالثة، وهو يطلب منها عدم الرحيل:

أترحلين بعد فيضِ السنين؟

بعد أنْ ضاعَ عمري على مقلتيكِ،

وسفحتُ عمراً بهيَّاً على شفتيكِ

بعد أنْ كنتُ كلِّي إليكِ ...

إليك عني،

لا تزيدي همومي!

من قال إنِّي أطيق فراقاً

فأنا من أفنيتُ عمري

في وداعِ المخلصين

عبر السنين!

فهو يخالج نزعات الألم أثر نبأه فراق الحبيبة ورحيلها من عالمه الأثير الذي قضاه معها بأجمل ساعات، استشعرها عبر مسيرة حياته ؛ وهنا يقف وكأنَّ عجلة الزمن قد توقَّفت بهذه اللحظة الفاجعة بالنسبة لشاعرنا الطائي .

إنَّ تهجّدات شاعرنا، وبوحه تجاه مجريات الأحداث التي مرَّ بها يجعلنا نتيقن أنَّ شعره من صلب المجتمع؛ لذا جاءت قصائده مباشرةً وكأنه يريد أنْ يبرق رسائله وتجاربه إلى قرَّائه، كما هو بحثه العلمي في مؤلفاته الكثيرة، إذ تلامس أشعارَه قلوبهم؛ لما فيها من شعور صادق تجاه نفسه والوطن والمحيط من حوله.

نتمنى للطائي التوفيق في التعبير عن نوباته الشعرية التي حقَّق بها جهداً مباركاً يضاف إلى مكتبتنا الأدبية

 

الدكتور رحيم الغرباوي

 

 

abdulhaq alsalikiنساهم في هذه الأيام التكريمية لأستاذنا الكبير د. أحمد بوزفور، تعبيرا منا عما نكنه له من تقدير واحترام وفضل على طلابه، وعلى المعجبين بفنه في القص، وأسلوب الدرس .

تنطلق هذه المداخلة من ملامسة سيميائية قام بها د. محمد مفتاح لنص "الغابر الظاهر" للأستاذ أحمد بوزفور، مبتدئة بسطح النص لتتجه صوب عمقه، متسائلة بعد عن جدوى هذا العمق في علاقته بالشكل كتجل يختزل الغابر والظاهر النصي في نفس الآن .

نص "الغابر الظاهر" خرافة ذات بنيات أسطورية، تقوم أساس يتميز " بالتنا قض وازدواجية المواقف " (1) . كما أنه نص متماسك لتوفر جملة عناصر وتفاعلها فيه، كامتزاج الثقافة " الشعبية " بالثقافة " العالمة "، وعلاقة التمطيط الرابطة بين النص وعنوانه، واستهلاله، إذ هما " أيقونان وأمارتان على مجال السرد وعالم الحكي " . (2) كما يوجهان آليتي الترابط والتداعي في النص . وباعتباره نصا اسطوريا فان بنية التقابل تهيمن عليه على مستوى المعجم والتركيب لتعكس الصراع بين عدة عوالم كعالم البطولة داخل الغابة وعالم الخيانة خارجها، عالم القانون وعالم اللاقانون، المثال / الواقع الخرافة، الحقيقة، الأسطورة .. فنص الغابر يخرق المعهود، فلانجد حضورا لما هو ثقافي صرف، ولا لما هو طبيعي خارق، بصفة مستقلة، ذلك هو سبيل السخرية من الواقع الذي تلتقي فيه التناقضات وتتعايش رغم ما فيها من تناقض وصراع، لكن تختل الموازين؛ مما يطرح ضرورة العودة إلى التوازن وقد يكون السبيل هو الدين، أو الكوثر "انا أعطيناك الكوثر"، الذي هو الزاد والكثرة أو الثورة اذاما قلبت بعض أحرف كلمة الكوثر .. أو المصلحة والأنانية التي عبر عنها النص في أكثر من موقف: (موقف الأخ الأكبر، تصالح الإخوة، رجال البلاد) . لكن ما علاقة الخرافة ـ الأسطورة بالواقع وبمقصدية المبدع؟ وكيف الانتقال من الخرافة إلى الواقع؟

 إن نص الغابر الظاهر تتحكم فيه بنيتان: بنية لها إحالة ومرجع مباشر، وبنية ظاهرها يحيل على اللاواقعي واللامعقول . فمن مؤشرات الأولى التراكيب التالية: (العرجا تنقز الحيطان، والعورا تخيط الكتان ن والطرشا تسمع الخبر    فيماكان) وهي وان كانت أفعالها تصف حالات العجز، فانه عجز غير تام وإنما جزئي . ومن تلك التراكيب نذكر أيضا، التعبير الذي تردد أكثر من مرة (وكانوا اذا لقوا بعضهم قالو نحن إخوة، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون) .

ومن العبارات الدالة على البنية الثانية نذكر: (وقع الظل على الطفلة كوثر، فالتفتت ورأتها . قالت المرأة مبتسمة ـ " تعالي معي ") ... (و باقي الحوار الذي دار بين كوثر ومع ما عبر عنه بالظل / المرأة) – (وحين التفتت كوثر لم تجد المرأة) – (وسارت الطفلة والنار نحو بعضهما)، (قالت الأشجار)، (قالت الأحجار)، (قالت البوم) .

إلى غير ذلك مما لانجد له إحالة مباشرة، ولكن يمكن ذلك عن طريق التأويل عبر قنوات المجاز والاستعارة وتفسير العقد والأحلام ومختلف التأثيرات على الدماغ واللغة والنفاذ إلى المخزون الثقافي للمبدع، وإلى كل ما له تأثير مباشر أو غير مباشر على ممارسته، مما لا يكتفى معه بقراءة المكتوب وتصوير المشاهد (بفتح الهاء) وإنما استكناه شعور الذات المبدعة، وأن لنا ذلك ؟

 إلا أن ما لايدرك كله لايترك كله، فبعض المفاهيم الحديثة كمفهوم التشاكل (isotopie) تسمح بإيجاد بعض القرائن تسعفنا في تأويل بعض التراكيب كإحالة الأشجار العارية الحبلى إلى البادية وسكانها، والأحجار الساهرة الثكلى إلى المدينة وسكانها، والبوم اليقضان المتكلم بالحكمة إلى المثقفين ... إلا أنها تأويلات تبقى نسبية حب منطق الدارس والمرحلة التي كتب فيها النص . كأن تكون الغابة، مثلا، في " الغابر الظاهر " تحيل إلى " المجتمع وتنظيماته "، لكن المجتمع مجتمعان: عالم من المثل والفضائل في نظر الرومنسي، أو عالم من الوحشية والألم في نظر الواقعي، أو هو لا هذا ولا ذاك وإنما أحجية للتسلية وجلب النوم .

إلا أن تظافر جملة من العناصر المحلية والخارجية هو الذي يغلب تفسيرا دون آخر ويرجح التخريج الذي يحظى بالموافقة . موافقة القارئ الذي يفترض أن تجمعه بالمبدع والدارس قواسم ثقافية، والا صارت الممارسة النقدية مطالبة بتغيير ترسانتها بحثا عن الرضى . فالنصان الإبداعي والنقدي يخضعان في تداوليتهما للإقليمية التي ولدت لغتها، ولكل حيز مشابه . والانتقال إلى مجال مغاير يستدعي البحث عن مدلولات أخرى للدوال التي ننطلق منها .الشيء الذي لانعدمه في السيميائيات المطعمة بجملة من المفاهيم / الأدوات المختلفة المصادر والمنطلقات ...

إن الدراسة التي قام بها د . محمد مفتاح " للغابر الظاهر " سلكت جملة من التقنيات فاستطاعت أن تجد الإحالة الرابطة بين جملة من الدوال ومدلولات الواقع العام للنص والمبدع، وبقيت أخرى كالتي عبرنا عنها سابقا بالبنية ذات الإحالة اللامعقولة واللاواقعية، بالإضافة إلى تقنية الكتابة وجمالية النص نفسها التي أفلحت في تعايش جملة من المتقابلات أو المتضادات كتعايش " الشعبي " معنى ومبنى مع العالمي معنى ومبنى في سياق وداخل بنية لغوية واحدة، ولعل هذا المعطى من أهم ما ميز النص ـ الذي ليس من المفروض ـ دائما ـ أن يكون لغزا وطلسما ينبغي فك أسراره، وإعمال الذهن للوقوف على العميق من بناه .

ان نص " الغابر الظاهر " يجمع، في آن واحد، بين جمالية الأدب، والتزاميته وهما قيمتان يبقى أي نص في غيابهما مشابها لما وصفه وأشار إليه استهلال " الغابر الظاهر "، بل لن يكون إلا الغابر الظاهر بالمعنى الشعبي .

 

و شكرا

عبد الحق السالكي - الدرالبيضاء الكبرى.

 

1199 ihsayniعناصر منفصمة، وليست منفصمة، لا داخل السياق الروائي ولا خارجه في الواقع الذي تعبر عنه الرواية؛ بل الأصح، أن هذه العناصر المنفصمة متداخلة مع بعضها فيما تمتلكه من تأثير في الأحداث، أو تأثير الأحداث فيها، في فترة الاحتلال الفرنسي للمغرب، متزامنة مع ظروف قيام الحرب العالمية الثانية. 

إن التجانس لايمكن تلمسه إلا من خلال التناقض بين الشخوص [عبد الحميد، عباس، طاموزوجة عباس، وابنها كبور، . ومن ثم رابحة، وابنتها سعاد، وهناك أيضاً الدربالي وشخصيات ثانوية غير نامية، هي بمثابة الكومبياريس مثل جانيت، ودجوفاني الإيطالي، وجعيبة] ولهذه الشخوص نكهة تقليدية أشبعت تناولاً في روايات عربية سابقة مثل " المصابيح الزرق"لحنا مينا، و"زقاق المدق" لنجيب محفوظ، لكن كاتب الرواية محمد الإحسايني، سعى منذ البدء إلى تفتيت أحداث روايته تفتيتاً وصل أحياناً إلى الجزئيات الصغيرة جداً، ثم أعاد تركيبها ثانية بصياغات متعددة ليبعد عمله هذا عن تهمة البناء التقليدي الذي شاع في الرواية العربية الكلاسيكية. لجأ إلى ما يشبه التداعيات الذهنية عبر وعي الشخصية الرئيسية عبد الحميد مرة، ومن ثم الانتقال إلى الشخصيات الأخرى بطريقة الإخبار، والسرد أحياناً، أوعبر ذهن الشخصيات مرة أخرى.

من الواضح أن الكاتب الإحسايني لم يكن يبتغي لأن يؤكد " نمطاً" اجتماعياً ذهنياً، ولا يريد أن يُؤْثر وجوداً اجتماعياً ذهنياً بقد رما حاول أن يعبر عن حالة ممكنة الحدوث.ذلك أن إمكانية تحققها ليست غريبة أوصعبة. لذا تنوع في دمج هذه العناصر المنفصمة حتى فيما يتوافر من اختلاف أو تشابه بينها.وهي جميعاً سمات وملامح واقعية لمعظم مجتمعات العالم الثالث التي تعاني من قسوة الاحتلال، ولم تخرج منه إلا وآثار الندب والجروح والتشويه قد طبعت بصماتها على تاريخ الشخصيات.من حدود الصلابة إلى نقاط الضعف ومن السير بقامات مرفوعة إلى الكبوات وإلى السقوط. .لأن جدل الحياة والواقع يقودان إلى الخطإ أحياناً بقسرية ليست ناتجة عن فراغ. ليس هذا تبريراً أوتبرئة من الكاتب لـ عبد الحميد وليست هي إدانة، بل كشف ذو أبعاد عديدة قد لا يفلح الكاتب نفسه بالتعبير عن جميع تلك الأبعاد، فشخصية عبد الحميد من النمط المثقف الذي كان ممتلئاً بالطموحات، والآمال، والمرتبط بحب رابحة .هذا الحب الذي نكتشفه في نهاية الرواية[...]، والذي يقود إلى الموت.الآمال والوطن وحلم الاستقرار والتحرر من عبودية الغير كلها ضاعت وضاع معها النقاء من روح عبد الحميد لأنه سقط في أحضان الأجنبي ؛ بل إنه تحول إلى مخبر [طمأنك المراقب ألمدني ...لاشيء يصعب أمام رجالنا...فكان ذلك نهاية  السقوط ص2 1] وصار دليلآً [أنت الوحيد تأخذك السيارة العسكرية كل ليلة في مهمة حتى إذا وصلت السيارة إلى الحي العربي، أخرجوك منها منسدل غطاء رأس الجلاتية ؛ فتدلهم على منزل فدائي، أوشخص مشبوه...ص 9] ابتعد عبد الحميد كثيراً عن الدرب، وعن رفاقه المناضلين، وابتعدوا عنه، 

وتبرأ منه أبوه، [أهو ذا ابني عبد الحميد، ثمرة غرسي، ينحرف، إمني لا أصدق أن يمسح جبات الفرنسيين؛ وقد عجزوا لأعوام قريبة، عن حماية أنفسهم، يصالح، يتلقى الحوالات؟...غب، اخرج من بيتي!]. وفتح الفرنسيون الطريق أمام عبد الحميد، فوعدوه أن يصنعوا منه باشا، ومن ثم، خرج الفرنسيون ولم يفوا له بوعدهم، لكنه تقلب في سلك الوظيفة إلى أن عين باشا في عهد الاستقلال، فسولت له نفسه أن يغتصب زوجة سائقه، فطرد بسبب ذلك من وظيفته، ومن ثم، فتح له مكتباً يديره على أنه مكتب تصدير واستيراد؛وهو في حقيقته مكتب التجارة الرخيصة التي أخذت تدر عليه أرباحاً طائلة. غير أن الثابت في الأمر، أن هذا المكتب، هو همزة وصل بأوروبا وأمريكا، بعد أن فقد مهنة التجسس على مواطنيه  وتأسف عليها، وبعد فقدان وظيفته الرسمية.

إن شخصية عبد الحميد منذ بدء الرواية، كانت تحاول أن تفلسف الخيانة عبر وعيه الخاص من خلال البحث المتواصل عن آبائه وأجداده، عن أصولهم وانحدارهم.

وتأتي المفاجأة حين يصل عبد الواحد مبعوثه إلى الديار السوسية محملاً بالوثائق التي توضح نسب عبد الحميد إلى أبي عبد الله الذي سلم مفاتيح غرناطة إلى الطاغية فرناندو مصحوباً بـ إزابيلا، " في يوم مشهود، وهو على خذلانه غير محسود؛ بل ترثي له له قلوب العدا" ص 143 .

إن الخيانة أمر يجري في عروق الإنسان، وقد انتقلت إليه بالوراثة، بمعنى أن الخيانة وراثية؛ وعلى هذا الأساس سيظل الإنسان خائناً مادام واحد أوأكثر من أجداده قد خان.ولن تنفع بعد، أية وسيلة ما دام الأمر مقرراً وراثياً مع سبق الإصرار!

ألا يبدو مثل هذا التصور غير منطقي؟ ويبدو أن الكاتب أراد أن يخرج بنا بمفهوم" تاريخية الخيانة"، لادفاعاً عن الخيانة كفعل منبوذ؛ بل إنه سعى إلى الكشف الذي يندرح تحت " الخطإ التاريخي" لإنسان ما. قد يندرج تحت راية الخيانة التاريخية التي لن تمحى من الذاكرة.

ماذا يريد الكاتب أن يقول من هذا الربط بين خيانة عبد الحميد، وخيانة أجداده" لاأعتقد أنه أراد التأكيد على التاريخ أبداً، حتى إن عبد الحميد نفسه أدرك ذلك وفرح به.

ولكي يضع المؤلف نهاية لعبد الحميد، ولتكن نهاية دراماتيكية، جعله يقتل على يد رابحة [؟] التي أحبته وهامت به في الماضي منذ كان طالباً" وما حضرت حفلة طامو إلا لتجسد أمام عينها كل صور الحب...مضت ستة شهور على سفر عبد الحميد.لم يرسل إلا رسالة واحدة من العاصمة العلمية...وكان حبها له، قد قوي مع مرور الأيام، وقد خيل إليها أنه يحترق مثلها، فهي لم تر فيه سوى شخصية متميزة ص 124 . ويصور حلم رابحة أمنيتها في حلم:"ويعود متخرجاً من فاس، ليبحث عن أبيها عبد القادر: " أريد أن أخطب رابحة" يجيبه والدها:" ابنتي مخطوبةلابن عمها الثري في وجدة" " ص 125." ويتجرعان مرارة الأحزان، ..."، " ما العمل؟ إنني خسرت كل شيء. علينا بالهرب إلى فاس، حيث الهدوء، والحب، والحدائق العربية...يحتطفها إلى فاس ص 135."

لكنها تعود محملة بالفشل. أراد المؤلف أن يضفي شيئاً من الضبابية القليلة، لكي يبتعد عن التقريرية، أوالمباشرة. فمن خلال جملة هنا، وأخرى هناك، نتلمس أن سعاد ابنة رابحة . وسعاد هذه قدكبرت، واخذت تستعد للسفر إلى الولايات المتحدة، لإكمال دراساتها العلمية. وتشاء الظروف، أو الصدف، أن تلتقي بـ عبد الحميد دون أن يعرف أنها ابنة رابحة.

وتدرك رابحة أن ابنتها على علاقة بـ عبد الحميد، تجد صورته في ملفها الخاص بالبعثة. لآن عبد الحميد عرض عليها مساعدته لأنه يعرف كثيرين هناك سيسهلون لها الأمور. بعد كل هذه الوقائع، لابد لرابحة أن تخطو لقتل عبد الحميد [؟] في الليل،  فتطلق عليهالرصاص لتصفي حسايات كثيرة، ومنها خيانته للدرب، وأهل الدرب يوم كشفت له معرفتها بهذه الخيانة، قائلة:" أهلاً بالأديب الذي يركع تحت الحكام الذين يبسطون على شعوب الأرض أيديهم النحاسية.هلا ذهبت إلى أولئك الحكام واعتكفت في محرابهم! هل نبذوك؟" ص 127.

هناك شخصيات بارزة في الرواية تحتاج إلى دراسة منفصلة مثل شخصية عباس الحداد، وزوجته طامو وابنهما كبور.ذلك أن شخصية مثل عباس، تمتاز بالقوة العضلية، وبضخامة جسم غريبة، إلى جانب فحولة قوية.ولكن كل ذلك لايشير إلى خط صاعد على الدوام، إذ نجده سرعان ماينهار أمام امرأة غريبة عن الدرب أدلته علناً أمام الناس وأبرزت سطوتها بخذلانه حتى إنه قررالاختفاء من حياة الدرب نهائياً دون أن يهتدي إل مكان اختفائه أحد، حتى إن ابنه كبور ظل عائشاً على أمل عودة أبيه. ولكنه لم يعد رغم عودة "الجواد الأدهم"، الذي هرب على متنه.تتصاعد الأحداث حتى نجد كبور ينخرط مع المقاومة، بينما تظل أمه تعاني من شظف العيش مما يضطرها إلى أن تعمل خادمة في بيت دجوفاني، العجوز الإيطالي.

 ثم إن هناك شخصية " دربالي"، المغني الأعمى الذي ظل يوهم الجميع أنه فاقد البصر، حتى جانيت اليهودية صاحبة البارالتي أحبها وأحبته، ولكن سرعان ما نبذته، وتخلت عنه. وفي النهاية، ينكشف لنا أن "الدربالي"، أوما يسمونه مشيكة، لم يكن أعمى، بل كان يأخذ من عماه ستاراً لممارسة النشاط السياسي في الخفاء، وتوزيع المنشورات.

تبقى هذه الشخصيات في حاجة إلى تحليل منفصل، رغم أنها ليست الشخوص الرئيسية في الرواية، إلا أنها تمثل وجهاً آخر في الإيجابية المناقضة لسلبية " عبد الحميد".

 

 نعمان مجيد الربيعي 

 

 

hasan salimiلا شكّ أنّ النّقاش حول القصّة القصيرة جدّا تجاوز شرعية وجودها من عدمه. إذ استطاع هذا الجنس أن يثبت بكل اقتدار على أرض صلبة ويستمرّ كلّ هذه السّنين. فضلا عن أنّ محاكمته موكلة إلى التّاريخ، وقد يستغرق الأمر قرونا أخرى. إنّما النّقاش جدير أن يدور حول هويتّها التي تميزّها من الأجناس الأخرى، دون أن تتماهى معها أو تذوب فيها أو تكون امتدادا لها في قوالب مغايرة.

وهويّة الشيء لا يمكن أن تعرف أو تلمس من دون ضابط يميّزها وسقف وحدود تعرف بهما، وإلاّ تداخلت الأشياء وضاعت أسماؤها، وربّما اختفت في الزّحام.

وهنا أسأل: كيف نجعل ضابطا لمن لا ضابط له، والفنّ عموما متفلّت من كلّ قيد، لا يكاد يركن إلى أرض حتّى يبرحها، ولا يكاد يسكن ويطمئنّ حتّى يثور ويعاود بحثه المستمرّ في رحلته التي لا تنتهي؟

تلك هي المعضلة، وتلك هي المعادلة الصّعبة!

القصّة في عمومها وإن بدت لنا خارجة عن المألوف سابقة لكلّ الأمثلة، ماهي إلّا امتداد لروح الكون على نحو مّا، سواء وعينا بذلك أم لم نع، وسواء أوهمنا أنفسنا بالتمرّد عليها أم لا. وما طريقة بناء القصّة والعوالم التي تصنعها إلّا محاكات لتلك الرّوح وتأكيدا على صلة صاحبها بها، ومن هنا فإنّ تصوّرنا لِكُنْهِ هذا الوجود ومدى قدرتنا على تمثيل قوانينه وأسراره وفهمهما واكتشافهما هو المعيار الذّهبي الذي على أساسه يتحدّد الإبداع والدّرجة التي يرتقي إليها. ولا أستثني القصّة القصيرة جدّا من هذا، ولا أرى لها طريقا يضمن رسوخ قدمها إلّا إذا تبنّت رؤية فلسفيّة محدّدة على قاعدة الحياة وما تجلّى فيها وما خفي. فعلى قدر وقوف المبدع على أسرار الحياة وخفاياها، واستثمارهما الاستثمار الحسن في أعماله المجزة، تكون الفرادة والطّرافة والتميّز والقدرة على الاستمرار. أمّا وأن تظلّ القصة القصيرة جدّا مجتثّة من كلّ جذر، خالية من التّصوّر المسبق والتّنظير الكافي لصناعتها، ترتكز على هوى صاحبها ومزاجه وأفقه الضيّق، فهي لن تتعدّى أن تشكّل ظاهرة عابرة مصيرها الزّوال والتّلاشي.

وبالعودة إلى استنطاق قوانين الكون، نرى أنّ ثنائيّة الثّابت والمتحوّل ملازمة له، ضامنة لبقائه من الذرّة الضّئيلة وما دونها، إلى المجرّة الكبيرة فما فوقها. بيد أنّ الاعتصام بالثّابت وحده موت وجماد، والتّعويل على المتحوّل وحده موت واندثار ولكن من طرق مغايرة. السرّ في جمعهما معا ضمن معادلة موزونة لا تحرم القصّة القصيرة جدّا من أجنحة تجوب بها الآفاق، ولا تحرمها في نفس الوقت من السّمت الذي يظلّ لها دائما، مهما اختلطت وتداخلت في عالم الأشكال والأجناس والدّلالات.

والسؤال هنا، ما هو الثّابت؟ وما هو المتحوّل في القصّة القصيرة جدّا؟

أين موضع كلّ واحد منهما على خارطة جسدها الغضّ الذي لا نكاد نلمسه حتّى السّاعة؟

أرى أنّ الثّابت فيها يعود إلى أصلها الذي بدأت منه. لا يمكن تحت أيّ مسمّى أن تنسلخ عن مكوّناتها الأولى، وإلّا انتهى بها المصير إلى الخاطرة والحكمة والطّرفة وأضرابها... الزّمان والمكان والشخصيّة والرّاوي والحدث، أعمدة ضروريّة لا تقوم للقصّة قائمة من دونها. قد نغيّر من بنى تلك العناصر، ونحوّلها إلى أنماط جديدة. قد نفجّر المكان والزّمان ولكن لا يمكن اجتثاثهما على وجه الإطلاق. وقد نعبث بالشخصيّة ونختزلها في مفردات مجنونة أو نحوّلها إلى مجرّد طيف باهت وصوت خافت، غير أنّها تظلّ ملازمة للقصّة لا تنفكّ عنها. كذلك ينسحب القول على الرّاوي والحدث، قد نغيّر من شكلهما ونسقهما، بيد أنّه لا مناص منهما البتّة.

ولقائل أن يقول: إنّ القّصة القصيرة جدّا تقوم على الاختزال والانتشار على مساحة جدّ محدودة، تقاس بالملّيمتر فما دونه. وحضور تلك العناصر مجتمعة قد يضّيق عليها الخناق، وقد يربكها ويوقعها في سوء التّوظيف. هذا كلام حسن، غير أنّ القصّة لا تقوم على الإظهار فحسب، بل تقوم على الإضمار ومعناه تلك المساحة الخفيّة التي ترحّل إليها القصّة عالمها وفق شفرات معينة. هناك بإمكانها أن تسجّل حضورا لتلك العناصر أو أحد منها في ذهن القارئ ودون أن يكون لها أثر على الورق.

تلك هي اللّعبة، وذلك هو سرّها!

أعود فألخّص، الثّابت والمتحوّل قانونان متلازمان، ليس في بنية القصّة القصيرة جدّا فحسب، بل يتلازمان في أدنى وحداتها، وفي أصغر ذرّاتها. أو ليست كونا صغيرا، قوانينها من قوانينه؟

والآن أعود إلى المتحوّل فأصوّب النّظر إليه من زاوية أخرى.

إذا كنّا قد سلّمنا أنّه بإمكانه التّواجد مع الثّابت في بنية القصّة القصيرة جدّا بمقدار، فإنّه يجد حظّه وافرا في الشّكل الذي تتميّز به. وأعتقد أنّ هذا المعطى هو الذي يعطيها سمتها الذي تتفرّد به عن سائر بنات جلدتها (الرّواية، القصّة، الأقصوصة، القصّة القصيرة...) بيد أنّ شكلها لا يخضع إلى نمط واجب التّكرار كلّ مرّة أثناء كتابتها. بل تحضر عناصره على حسب ما تؤدّيها من وظيفة. فاللّغة المشعّة المتألّقة مثلا لا تكتسب القداسة دائما. إذ يمكن للوظيفة أن تفرض عليها النّزول من عليائها وتجعلها تجنح إلى البسيط المتناهي. وقس على ذلك سائر العناصر الأخرى من مثل الرّمز والقفلة والإظهار والإضمار والنّسق والنمّط والتّكثيف والإيحاء والإدهاش والمفاجأة والصّورة والالتزام بعدد مسبق لألفاظها ونحو ذلك.

إنّ الذي تقدّم ما هو إلّا مدخل إلى القصّة القصيرة جدّا. محاولة في لفت انتباه القارئ إلى ضرورة إفراد هذا الجنس بهويّة واضحة المعالم تميّزه عن سائر الأجناس الأخرى، حتى يتمكّن من الصّمود والاستعصاء على الذّوبان والتبّخر. ولئن بدا شيء ممّا تتقدّم فضفاضا عاما يصلح لهذا الجنس وغيره فإنّ الفارق لا يكون إلّا بعد تنزيله منزلة الّتطبيق. ومهما يكن من أمر فإنّ القصّة القصيرة جدّا ما زالت في صدف مكنون وهي بعد تهمز كتّابها إلى مزيد الغوص في بحرها المترامي؟

من جهتي أحيلكم إلى الكون مرّة أخرى. إلى استنطاق قوانينه. وهذه المرّة أحيلكم إلى الذرّة.

نعم الذرّة. أليس بينها وبين القصّة القصيرة جدّا شبها في صغر الوحدة وتناهيها؟

الذرّة وكما يعرّفها لنا العلم، تتكوّن أساسا من الإلكترون والنترون والنّواة. هذه العناصر جميعها توجد في الماء والخشب والقطن والحجر... فلا تخلو جميع الأشياء منها. بيد أنّ السّرّ في اختلاف أجناسها وأنواعها وتباينها في عدد الإلكترونات والنترونات التي تسبح حول المركز. فضلا عن أنّ عددا معيّنا لذرّات الأشياء عندما تلتقي بعدد معيّن لذّرات أشياء أخرى تفرز جنسا ثالثا بحجم وخصائص مغايرة.

أفلا يحيلنا هذا إلى فكرة مّا؟

 

بقلم حسن سالمي/ تونس

 

 

alwan slmanأعَلى صَهْوةِ القلب؟ / آمال عوّاد رضوان

أعَلى صَهْوةِ القلب

تَتزاحمُ عصافيرُ اللّهبِ

لأرفلَ

في سُحُبِ النّسيانْ؟!

*

أفي زنازينِ الصّمتِ

يَحترقُ أرزُ حُزني

لأتصدّفَ

في جُزُرِ الحِرمان؟!

*

مــفــجــوعًــا

أ~ تَـ~ لَـــ~ وّ~ ى

وَدمي الأسودُ

يـَ تَـ شـَ ظّ ى

في عروقِ سِرّي!

*

مَن يُقاسِمُني

حُلمي .. مَبتورَ الجَناحْ

بعدَ ما

تَقمّصَني فَزّاعُ اللّيلْ؟

*

مَن يُشاطرُني

فجريَ الكفيف

حينَ ما

يُطاردُني ظِلّي الأعرجْ؟

النصُّ الشعريُّ بأشكالهِ وتحوُّلاتِهِ الفنّيّةِ الّتي تساوقتْ والتّحوُّلَ الحضاريّ، هو مغامرةٌ فكريّة واشتغالٌ لغويٌّ وإيقاعيّ، تتناغمُ تراكيبُهُ مع ألفاظِهِ الخالقةِ لعناصر الجَمالِ الصّوريّ، والكاشفة عن كوامن الذاتِ المُنتجةِ الوجدانيّة، مِن خلال التناسُقِ مبنًى ومعنّى، ووِفقَ سِياقٍ حِسّيٍّ مُقترنٍ بالحياةِ بكلّ موجوداتِها.

 وباستحضارِ النصّ الشعريّ (أعَلى صهوةِ القلب) للشاعرة آمال عوّاد رضوان، بمَقاطِعِهِ السّتةِ الّتي تُجسّدُ نظامًا جَماليّا مُتميّزًا بالتنوّع، والإحاطةِ بالفكرة الشعريّةِ والموقفِ الإنسانيّ، وبالرؤيةِ الّتي أفرزتْ عوالمُهُ ذهنيّةً فاعلةً، ومُتفاعلة مع واقعِها الاجتماعيّ الحالم، فكانَ نصًّا متميّزًا بتنوُّعِهِ الصوريّ المُحفّز لشعرية الشاعرة آمال عوّاد رضوان، إذ فيهِ الصورةُ هي المُحرّكُ الأساسُ لتفعيلِ النّصّ جَماليًّا، بتوظيفِ الطبيعةِ بكلِّ مُكوّناتِها ومَظاهِرِها، لخلقِ نصٍّ نستطيعُ أن نقولَ عنهُ أنّهُ نصُّ (اللوحة):

أعَلى صَهْوةِ القلب

تَتزاحمُ عصافيرُ اللّهبِ

لأرفلَ

في سُحُبِ النّسيانْ؟!

**

أفي زنازينِ الصّمتِ

يَحترقُ أرزُ حُزني

لأتصدّفَ

في جُزُرِ الحِرمان؟!

 النصُّ يُزاوجُ بين الحِسّيّ (الواقعيّ) وبين الذهنيّ (التخييليّ)، لخَلقِ العُمقِ التصويريّ، باعتمادِ مجسّاتٍ إبداعيّةٍ وتكنيكٍ فنّيّ، لبناءِ نصٍّ مُشبَعٍ بالدهشةِ الكاشفةِ عن الحالةِ النفسيّةِ القلقةِ المُتوتّرة، عبْرَ صوَرٍ مُوحِيةٍ وسرديّةٍ شعريّةٍ، تعتمدُ الجملةَ الشعريّة المُكثّفة المُوجَزة، والجاذبةَ ببُنيتِها الانزياحيّةِ المُتّكئةِ على البُعدِ البلاغيّ والترميز، لِما فيها من إشاراتٍ ودلالاتٍ وجدانيّةٍ وسايكولوجيّةٍ واجتماعيّةٍ، مُستفزّةٍ لذهنيّةِ المُستهلِكِ (المُتلقّي)، لاستنطاقِ ما خلفَ مَشاهدِهِ مِن أفكارٍ ورؤى..

مــفــجــوعًــا

أ~ تَـ~ لَـــ~ وّ~ ى

وَ دمي الأسودُ

يـَ تَـ شـَ ظّ ى

في عروقِ سِرّي!

 النصُّ يتأثّثُ بالتّداعياتِ الّتي أسهمَتْ في الكشْفِ عن قلقٍ وتوتُّرٍ نفسيّ، يكشفُ عنهُ التقطيعُ الحرْفيُّ للّفظ (يتشظّى)، وهو يقومُ على بُنيتيْن أساسيّتيْن: أوّلُهما البُنيةُ اللغويّةُ، وثانيهُما البُنيةُ الثقافيّة، فضلًا عن أنّه يكشفُ عن قدرةٍ في الترميزِ، وشحْنِ الألفاظِ بدلالاتٍ غيرِ مألوفةٍ، مِن أجلِ التّحليقِ في أفقِ الصورةِ الشعريّةِ، عبْرَ بُنيةٍ نصّيّةٍ تندرجُ في إطارِ البُنى الأسلوبيّةِ، والّتي تنهضُ على تنوُّع التشكيلِ وتعَدُّدِ العناصرِ الفنّيّة، باعتمادِ الاقتصادِ اللغويّ والإيجازِ الجُمليّ..

مَن يُقاسِمُني

حُلمي مَبتورَ الجَناحْ

بعدَ ما

تَقمّصَني فَزّاعُ اللّيلْ؟

*

مَن يُشاطرُني

فجريَ الكفيف

حينَ ما

يُطاردُني ظِلّي الأعرجْ؟

 الشاعرة آمال عوّاد رضوان تحاولُ أنْ تَخلقَ حركةً نفسيّةً مونولوجيّة، تعكسُ إحساسًا دلاليًّا عميقًا، وشعوريًّا مُثيرًا لإيقاعِ الدهشةِ، بتوظيفِ تقانةِ التّكرارِ الأسلوبيّةِ التوكيديّة، المُحقّقة لضربةٍ موسيقيّةٍ مُضافة، والاستفهام الباحثِ عن الجواب، ليُسهمَ في توسيع مدياتِ النصّ.

فضلًا عن أنّها تُضفي على نصّها رؤى تصويريّةً، تعتمدُ إيقاعَ الأنسنةِ في تحريكِ الموْجودات، وإضفاء رؤًى بصريّةً تجسيديّةً مُحرّكةً للنصّ، بتحريكِ الطبيعةِ بموْجوداتِها، ممّا يمنحُ النصَّ حركةً تكامُليّةً، وانسجامًا وتوافُقًا فنّيّا، وكشْفًا عن ائتلافٍ على المستوى الدلاليّ، برؤى تفاعليّةٍ وحِسٍّ جَماليٍّ جاذبٍ، مُحقّقًا للمُتعةِ المُهيمنةِ على النسقِ التشكيليّ للنصّ، والمنفعةِ الفكريّةِ المُعتمِدةِ أسلوبَ اللحظةِ المّشهديّةِ، بإيقاعٍ بصَريٍّ حِسّيٍّ، وانفتاحٍ نصّيٍّ مُكثّفٍ دلاليًّا، كاشفًا عن الحسّ الجَماليّ الّذي تمتلكُهُ المُنتِجةُ (الشاعرة آمال عوّاد رضوان)، في شعرنةِ التركيبِ بالمشهدِ الرومانسيّ، والمُنفتِحِ كونيًّا على ماهيّةِ الأشياءِ، وعلى حركتِها الّتي ترتقي حيّزَ الإيحاء.

وبذلك، قدّمت الشاعرة آمال عوّاد رضوان نصًّا شعريّا، يكشفُ عن قدرةٍ تعبيريّةٍ مُرتكِزةٍ على جَماليّاتٍ شِعريّةٍ، تنحصرُ في (الصورة/ الرمز/ الرؤية المُكثّفةِ المُحقّقة سياقيًّا وتركيبيًّا، مع وحدةٍ موضوعيّةٍ وعُمقِ الرؤيا)، والّتي مكّنتْها مِن صوْغ نصِّها بإحكامٍ نسَقيٍّ، ومقصديّةٍ مُستفزّةٍ لذاكرة المستهلك (المُتلقّي)، وتشكيلٍ فنّيّ يتأسّسُ على التناغمِ الدلاليّ، بمَقاطِعِهِ النصّيّةِ التي تُؤطّرُها وِحدةٌ موضوعيّة، تَشي بمَظاهرِ التآلفِ والتناغمِ الّتي تندرجُ تحت عنوانٍ دالٍّ، وكاشفٍ عن مضمونٍ نصّيٍّ مُتفرّدٍ، بصُورِهِ ولغتِهِ وإيقاعِهِ.

 

بقلم الناقد: علوان السلمان

 

 

hamid alhurayziبدلة زفاف (الهناء العراقي) لازالت تحت السرير

العنوان ودلالاته: الأسر هو اخذ او حجز او ارتهان الإنسان دون إرادته، الإنسان قد يقع في الأسر نتيجة حرب او صراع عنفي بين طرفين متحاربين او متصارعين، وهنا يكون الأسير مسلوب الإرادة، خاضعا لإرادة ومشيئة من انتصر عليه وأسره، لا فكاك له من أسره الا بأمر من المنتصر، هو حر ان يستعبده، يسجنه، يقتله، او يطلق سراحه، او يبادله مقابل تعويض عيني او مادي ...

وأحيانا يكون الأسر اختيارا دون عنف او استخدام سلاح، حينما يفقد الإنسان إرادته وينجذب صوب ظاهرة او ممارسة او إنسان أخر او عادة لا يستطيع الفكاك منه او منها بسهولة، فعادة التدخين تأسر المدخن، والمعشوقة والحبيبة تأسر قلب حبيبها فلا يستطيع ان يستبدلها او يفارقها او يبتعد عنها حتى وان حالت بينها وبينه الأهوال، فأما الظفر بالحبيب او الموت، وقد شهدنا ولا زلنا نشهد العديد من قصص الحب العارم وقد حدثنا التاريخ العربي والعالمي عن مثل هذا العشق الكثير، كحب عنترة وعبلة، ومجنون ليلى ...الخ

في رواية محمود جاسم عثمان تظهر لنا (هناء) بدور اعلن انسجامه بدور الأسير او المأسور حبا ... شابة وشاب يعشق احدهما الأخر منذ النظرة الأولى، تعبيرا عن انسجام وتواؤم المهارة والهناء، واتحادهما ينتج حياة حرة سعيدة ....

تبع هذا طموح فئة أو طبقة اجتماعية ناهضة من اجل بناء مجتمع متطور متحضر، ووطن مستقل وشعب منسجم سعيد، إنها طموحات الطبقة الوسطى العراقية الناشئة التي تحلم باللحاق بالعالم الأول من حيث الحضارة والتقدم، ولكنها تقمع وتخنق وتصادر من قبل قوى الإقطاع والبرجوازية الطفيلية التابعة وثقافتها المشبعة بروح التخلف وحب السيطرة وتكميم الأفواه وحجب نور العلم والعمل والاختيار الحر ليبقى المجتمع متخلفا ومستعبدا، بدافع الأنانية وحب السيطرة والاستئثار بالمال والجاه والسلطة،ولكن الآسرة أصبحت ماسورة أيضا، وقد خذلت بسبب هشاشة تفاحتها، التي طعنت في الخاصرة بخنجر العنجهية والحقد وحب التسلط الأبوي الأعمى غير الواعي .

الكاتب اختار عنوانا آسراً بحق لروايته يتطلب من القارئ تقصي متن الرواية ليقبض على دلالاته وبذلك يمسك بمفتاح (الماستر كي) للرواية ليتمكن من فتح أبواب فصولها والولوج إلى غرفها التي أصبحت مضاءة بنور مصابيح العنوان

 صراع الوجود بين وليد خديج يريد أن يعيش، وهرم لا يريد أن يموت:-

تدور إحداث الرواية بين عدد من العائلات العراقية، تسكن في مدن مختلفة من حيث طبيعة الحياة والثقافة السائدة أو المهيمنة، مدينة النجف المحافظة والمتميزة بالطابع الخدمي الاستهلاكي غير المنتج حيث تعيش عائلة السيد عبد الله تاجر الأقمشة وأولاده وبناته (ماهر وحسن ومهند ومديحه، وماجدة بالإضافة إلى زوجته الحاجة مكية)، وعائلة الأستاذ عبد الواحد صديق سيد عبد الله وزوجته تماضر وشقيقها رافع وابنتاه هناء وسماح، وولداه شامل وفراس بالإضافة إلى زوج سماح الدكتور عرفان وولده سيف وابنتيه حنان ودلال، وعائلة فاضل شقيق سيد عبد الله وابنته سميرة، هذه العائلات تسكن بغداد، قلب العراق النابض دوما بالتجارة والحضارة والعمل، وما تتميز به من خليط سكاني من حيث الأديان كالمسيح واليهود والصابئة والايزيدين والمسلمين من مختلف الطوائف، بالإضافة إلى قوميات مختلفة ...

كما تضاف إليها مدينة البصرة ثغر العراق وبوابته على العالم حيث العلم والعمل بمختلف مستوياته باعتباره ميناء العراق وإطلالته الوحيدة على البحر، وكونها مدينة بترولية، مما اكسبها مميزات خاصة من أهمها الانفتاح الديني والقومي وتسامح وتعايش الثقافات، وهيمنة الفكر والسلوك المنتج على الفكر والسلوك التقليدي المستهلك .

 نريد أن نقول من خلال ما سبق، أن السلوك هو نتاج البيئة، والثقافة المتوارثة، وطبيعة العمل، والعلم الذي يكتسبه الفرد بشكل كبير.

في العراق عموما لم تتوفر الظروف الذاتية والموضوعية لكي تكون البرجوازية المنتجة قوية ومؤثرة في المجتمع العراقي، بسبب توارث عادات وسلوكيات الطبيعية الخراجية للإمبراطورية الإسلامية لعدة قرون، ومن ثم هيمنة الاستعمار التركي والبريطاني الذي مارس نفوذا قهريا ضد البرجوازية العراقية لتكون ضعيفة وتابعة ومتخلفة، بالإضافة إلى ما بعد الاستقلال حيث اعتمدت الحكومات ما بعد الاستقلال النسبي على الريع البترولي وليس على العمل الوطني المنتج في إدارة شؤونها والأنفاق على مؤسساتها المختلفة .

كون الطبقة البرجوازية ضعيفة وتابعة أدى إلى وهن وضعف هيمنتها على السلطة العليا، ونظرا لكونها هي حاملة لواء الحضارة والتطور والممسكة بطريق العلم والعمل وتطوير الثقافة ونبذ التقليدي والمستهلك والمتخلف، مما انعكس على طبيعة الثقافة العراقية وركودها وبقاء القديم إما مهيمنا أو متمسكا بالحياة بقوة وطاردا لكل ما هو جديد ومتطور .

وقد تبع هذا الضعف ضعف الطبقة المنتجة النقيض الطبقة العاملة وكذلك الطبقة المتوسطة التابعة بالضرورة والمتوسطة لكلا الطبقتين الرئيسيتين .

فسيد عبد الله ابن النجف التاجر المستهلك التابع المتقوقع في قوقعته الإقطاعية العشائرية المغلفة بغلاف ديني متزمت هو ممثل الطبقة الرثة من الإقطاع والبرجوازية الطفيلية، العاشقة للسلطة والوجاهة والهيمنة فلا غرابة أن يكون متسلطا كمتشدد، منفردا في قراراته وخياراته قامعا للعلم والمعرفة والثقافة والأدب، فارضا على ولده خيار الانتماء إلى كلية الشرطة ليكون ضابطا تلمع النجوم على كتفيه يباهي ويستقوي به على الآخرين، وبذلك فهو قاتلا للمهارة والحرية عدوة التقليد والسكون والقوقعة ... كما انه مانعا قامعا أن تقترن هذه الفئة من الشباب من الطبقة المتوسطة أن تقترن بالهناء رمز التحرر والرحم الأقدر والأكفأ لولادة مجتمع متحرر متنور منتج وقد كان له كفرد ولها كطبقة تحقيق أهدافها ولكن لحين التاريخ لم يزل فستان عرس هناء وماهر تحت السرير إن لم يدفن تحت التراب أو تتناهشه القوارض منهيا كل أمل للشعب العراقي ليلحق بشعوب العالم المتقدم.

تكمل سيد عبد الله الوالد المستبد زوجته (الحاجة مكيه) هذه المرأة حال اغلب النساء أو الزوجات في المجتمع الإقطاعي العشائري المحافظ عبارة عن وسيلة للمتعة والتفريخ، وأداة للتنظيف والطبخ، ليس لها حق سوى الإجابة نعم صار يا تاج راسي ...

يسلط الكاتب الضوء على إرهاصات الطبقة المتوسطة من اجل حياة أفضل، شخصية الشاب ألنجفي (ماجد) المثقف المتنور والمتحرر والمتجاوز لقيم التقليد، والسلطة الأبوية القامعة، يكون صديقاً مقرباً من ماهر الذي ينوء تحت وطأة وقسوة سلطة الأب ورقابته الصارمة، يصطحبه لحضور بعض المنتديات الثقافية النجفية، يدور به في مقاهي النجف ليجعله قريبا من بيئة المدينة بمختلف شرائحها وفئاتها الاجتماعية، يزداد تعلقا بالثقافة والأدب من خلال قراءاته للكتب وان كان بعيدا عن عيني والده، فكان حلمه أن يكمل دراسته في كلية الآداب لولا أن تفرض عليه كلية الشرطة .

يعيش قصة حب عنيفة مع هنائه آسرته، فيغرق في أحلامه في بناء عش العشق والسعادة بالاشتراك مع هناء، التي تبادله نفس المشاعر والأحاسيس منذ أن التقت الأعين في دار بيت الدكتور عرفان، وبعد أن استذكرا لعبة العريس والعروس في دار أبي ماهر في وقت الطفولة، قررا أن يحولا إرادة اللعب إلى إرادة حياة مشتركة والعيش تحت سقف الحب والهناء، لولا أن تبقى أنانية وضيق أفق قوى التخلف والقهر الممثلة بالأب وابنته المختلة نفسيا والمسكونة بالحقد والكراهية، فيتفقا على حياكة مؤامرة قذرة لقتل حب العاشقين وهو في أوج فورانه، وكأنها تعكس لا أخلاقية وخواء وأنانية الطبقة الحاكمة العراقية وهي تعيش أزمة هيمنتها الطبقية فيحوك بعضها على البعض المؤامرات ويدس الدسائس للإيقاع بكل من يطمح بالبناء الحر المستقل للوطن والعيش الرغيد الكريم للشعب، فاستعرض لنا الكاتب مسلسل الانقلابات الذي تقوده إخراجا وتنفيذا هذه الطبقة للسيطرة على الثروة والجاه والسلطة، هكذا استبعدت هناء لتحل محلها سميرة دون أية اعتبارات لمشاعر الأخر حتى وان كان من اقرب المقربين، فيقتل الأخ أخاه ويخون الصديق صديقه ويفتك الرفيق برفيقه ليعتلي كرسي الحكم.

يجبر المثقف على ترك طريق الحب والثقافة والسلام، وسلوك طريق الخشونة والفضاضة، يجبر على إلقاء القلم ليحمل البندقية ويصنع الحاكم عقله كما يشاء حينما اجبر على دخول كلية الشرطة رغم انه يطمح بدخول كلية الآداب:(إدارة الكلية التي تقوم بتوزيع عقول علينا تصنعها هي لكي تستخدمها بدلا من عقولنا تلك، لكي نفكر بحسب ما تريد وتشتهي) ص123، يطعن من الخلف وتسرق أو تقتل أحلامه في عالم الحرية والإبداع والسلام، وكأنه يصور سرقة أحلام المثقف والثائر العراقي في بناء عالم جديد حينما انتفض في ثورة الرابع عشر من تموز على السلطة الأبوية التابعة والمتخلفة، ولكنه ابعد عن كرسي الحكم ليعتلي عليه العسكر، أو ليعتلي عليه من أتت به الصدفة إليه، هكذا استحوذ العسكر على السلطة، وكذا استحوذ (حميد) على هناء بعد أن اعتقدت أن حبيبها قد هجرها، مستصحبا عروسه ابنة عمه فاضل (سميرة) كما اخبرها بذلك السيد عبد الله وابنته الماكرة (ماجدة).

1197 hamid

المثقف ما بين العلم والحلم وبين حراب البنادق:

فيصاب عرفان الضوء على واقع حال ومحنة المثقف في ظل أنظمة الحكم العسكرية، مابين سطوة الفكر والقلم، وانفجارات القنابل ولعلعة الرصاص، يستعرضه من خلال شخصية الدكتور (عرفان) وهو اسم على مسمى فهو موسوعة للعلوم الطبية والإنسانية عموما، هذا العرفان الذي هيمن بعلمه وأدبه وتبحره وبساطته على عقل (ماهر) الذي كان يفترض أن يكون عديله وزوج شقيقة زوجته (سماح) نموذج المحبة والسماحة من بنات الدكتور عبد الواحد، ينخدع أيضا بأدعياء القومية والوحدة من العساكر كعبد السلام عارف ورمزهم الأعلى جمال عبد الناصر، تجهض أحلامه بالوحدة العربية، يتعرض للسجن في عهد البعث حليف الأمس، ثم ينتقل للعيش في مصر في حالة نفي يعاني خلالها الكثير من الألم والإحباط، فالجزم العسكرية العربية داست كل عرفان ... فيصاب عرفان بالشلل بعد وفاة عبد الناصر... بعد هزيمته وهزيمة جميع الأنظمة العربية في حربهم مع إسرائيل في الخامس من حزيران 1967 .

، وهنا تبرز لدينا آفة عبادة الزعيم وقدسيته وتأليهه حتى من قبل المثقف الثوري رغم فشله وإخفاقه في قيادة الشعب نحو شاطئ الحرية والرفاه والأمان، وفشله في حربه مع العدو الإسرائيلي الصهيوني، فيبرر هذا المثقف للحاكم اخطاءه وفشله في حياته في حين، يصاب بالشلل بعد غياب القائد الرمز، فينهار أمامه كل شيء بعد انهيار القائد الضرورة واختفائه من على منصة الخطابة، هذا هو حال البرجوازية الصغيرة العربية خصوصا، وهذا هو حال طبقتنا الوسطى، رومانسية، عاطفية، مهزوزة، مخدوعة، تصاب بالشلل والانهيار والضياع إمام الصعوبات أو الانتكاسات أو خيانة الزعامات، هكذا كان حال (عرفان) وحال (ماهر) الذي أدمن الخمر والتدخين ونخره اليأس والألم ...

(الهناء) يهتف أن علينا أن ندرس ونُدَرِس التاريخ ونستقي الحكم، ولكن الصوت تذروه الرياح، وتطيح به المؤامرات، يعيش مع من لا يحب وينجب ما لا يريد فيضطر على التأقلم مع ورم طارئ مؤلم وان كان (حميد).

مسلسل الانقلابات الدموية والطبقة السياسية المأزومة:

بسبب هشاشة الواقع الطبقي الاجتماعي العراقي وميوعة الطبقات الاجتماعية وتداخل بعضها البعض، افقدها قوة الوجود ووضوح الحدود، فلم تتمكن أي من هذه الطبقات أن تكون هي المهيمنة على سدة الحكم، فكانت خليطا هجينا من الإقطاع والبرجوازية التجارية الطفيلية، يمكننا أن نطلق عليها (الاقطاوازية) في العهد الملكي نصبها الانكليز لحكم العراق وقد كانت هناك شبه ارجحية قهرية للإقطاع والعشائرية في هرم السلطة التابعة، ولكنها قلقة وغير مستقرة تستمد قوتها من تحالفاتها مع القوى العظمى الخاضعة لنفوذها وخصوصا بريطانيا، فأطاحت بها ثورة الرابع عشر من تموز 1958 واعتلى السلطة العسكر مدعوما من الجماهير الرثة في المدينة والريف بتحريض من قوى جبهة الاتحاد الوطني المؤلفة من الأحزاب الرئيسية آنذاك، ولكن سرعان ما دب الخلاف بين صفوف (الثوار) وانقسموا على أنفسهم بين شيوعيين وبعثيين وقوميين ووحدويين، وكان عبد الكريم قاسم على رأس السلطة، الذي حاول الإمساك بالعصى من الوسط والتوفيق بين أطراف الطبقة السياسية المختلفة دون جدوى فالأزمة بنيوية والصراع لا يمكن أن يحسم إلا بهيمنة طبقة على السلطة وفرض سلطتها على الآخرين، وهو في حكم المستحيل في واقع اجتماعي مثل الواقع القائم آنذاك، عاش العراق سلسلة من الانقلابات قبل وبعد ثورة تموز، وشهد مجازر مفزعة، حيث تمت عسكرة الشارع، واحتضنت الساحات أعواد المشانق، ولعلع صوت الرصاص في ساحات الإعدام .

كل هذا يؤشره الكاتب في روايته ويظهر انعكاسات ذلك على المجتمع العراقي وطبقته الوسطى بالخصوص ...

الكاتب يبدو في حيرة من أمره حيث لا يستطيع أن يجد التفسير الحقيقي وراء ما يحدث، هل هو ناتج عن خلل جيني في الشخصية العراقية، أو هو بسبب الواقع الاجتماعي المتردي ومسبباته، فيتدخل يشكل مباشر ليعلن انه هو من يمسك خيوط اللعبة وهو من يحرك شخوصها ويرتب أحداثها، يعزي الكثير من الأحداث إلى الصدفة دون إدراك العامل الموضوعي الذي يتحكم بالصدفة والضرورة حتى وان تبادلا الأدوار .

وبعد أن يصيبه الإعياء وتبلغ به الحيرة أعلى مستوي بسبب ما يجري، ويعجز عن تحمل المصائر المأسوية والمؤلمة للإنسان العراقي، يعلن للقارئ أن خيوط اللعبة قد أفلتت من يديه وأخذت الشخصيات تتصرف على هواها ولا يمكنه الإمساك بها، لذلك فهو غير مسؤول عما حدث ويحدث لها . فهو لا يريد لها هذه النهاية المحزنة ولكن الواقع يفرض إرادته على الجميع .

هذا الحال يؤشر عجز الطبقة الوسطى العراقية وحتى العربية بنسب متفاوتة، وهي الطبقة المنتجة للثقافة والأدب عاجزة أن تكون فاعلة ومؤثرة بحكم بنيتها الهشة وذاتها غير المستقلة التابعة للطبقة الحاكمة والمصنعة من قبلها ومنفذة لإرادتها،وبذلك تعلن عن جزعها وبراءتها مما تفعله الطبقة الحاكمة، لأنها لا تريد أن تستمع لصوت العقل والحكمة ...

هذا الوصف ينطبق على اغلب النتاج الأدبي والروائي في البلدان العربية عموما وفي العراق بوجه الخصوص لأنه منتج طبقة تابعة ضعيفة مغلوبة على أمرها، مما يجعله لا يرتقي إلى العالمية من حيث البنية الإبداعية وثيماتها السردية والمواضيع التي يتناولها .

كما إن إشهار الكاتب لحالة الفعل والعجز تعبيرا عن واقع الأحداث في العراق كونها تجري وفق أمزجة وإرادات عناصر وقوى خارجية تفرض إرادتها على مجريات الأحداث وتسيرها حسب ما تريد سواء بقوة السلاح أو بطرق التآمر المستتر، كما حصل في تغيير مصير ماهر وهناء وقتل آمالهما وطموحاتهما في حياة الحب والهناء، وتغيير مسار الحكم في العراق عبر الانقلابات ما قبل وبعد تموز، فلم تجر تلك الأحداث عبر التطور الطبيعي للحراك الاجتماعي وإفرازاته وتحولاته بل عبر العنف والانقلابات الدموية والمؤامرات السرية والعلنية ولحين تاريخنا هذا .

تقلب الشخصية العراقية بمختلف انتمائها بين اليعيش واليسقط والانتقال من شعار إلى أخر نقيضه من قبل نفس الفرد، تغيرات تبدو غير مفهومة وعصية على التفسير للشعارات والأسماء والمظاهر والعناوين وحتى الملابس، وبالخصوص التبدلات للمثقف العراقي وفق هوى الأنظمة القائمة وتلونها، تبعا لتلون وتبدل الطبقة الوسطى، التي يرتبط حبلها السري برحم الطبقة السياسية الحاكمة فهي مولدتها وهي ولية نعمتها إليها تنتمي ومعها تعيش . وهذا انعكاس لواقع الشرذمة الطبقية والبنية الاقتصادية الاجتماعية القائمة والموروث الثقافي طوال عشرات لا بل مئات من السنين، فلا غرابة أن تتبدل الأسماء من نوري إلى قاسم إلى عارف إلى صدام إلى مؤمل، وما يتبع ذلك من تغيير وتبدل في الأزياء والعناوين والألوان من الأحمر إلى الأخضر والأصفر والأسود والأبيض .

إننا إذ نسهب في إيضاح هذه الوقائع نخرج أحيانا من رواية (الأسرة ... وخاصرة التفاح) ولكننا نبقى نشم ونتذوق طعم ورائحة التفاح وحسب درجة نضجه في عموم المنتج الروائي والثقافي والفكري العربي، والعراقي على وجه الخصوص، حيث تصدر الرواية بكم كبير نوعيا وارتفع عدد الرواة والكتاب بشكل ملحوظ وخصوصا بعد انهيار الديكتاتورية في 2003في العراق، و(الربيع العربي) في العديد من البلدان العربية، ورفع سيف الرقابة عن الطباعة والنشر وحرية الفكر بشكل غير مسبوق . مما يستدعي التوقف عند ايجابيات وسلبيات هذه الظاهرة وإفراز ما هو إبداع حقيقي عن سواه، والبحث وراء كل من الحالتين من حيث القدرة والعجز، سواء قدرة أو عجز الذات أو نضج أو تردي الموضوع في ذلك .

فالنبتة التي تزرع في ارض قليلة الخصوبة، والمحاطة بالأعشاب الضارة، والتي لا تحصل على الماء والسماد الكافي، ولا يتم حمايتها من خطر الحشرات الضارة، لا يمكن أن تنتج ثمرة ناضجة شهية تسر الناضرين وتمتع ذائقة المتناولين لا من حيث الكم ولا النوع .

وإذا سلمنا بان طبقاتنا الاجتماعية ومنها الطبقة الوسطى بمثل هذه الهشاشة والضعف، فكيف لنا أن نتوقع أن يكون منتجها الثقافي والإبداعي كامل النضج وبمستوى الأدب العالمي . وان حصل هنا وهناك منتج إبداعي متميز يضاهي أو يقترب من المنتج العالمي فيبدو حالة متفردة شبه شاذة، وكأنها من خضراء الدمن، لذلك لم يحصل الأدباء العرب على جائزة نوبل إلا واحدة كانت من نصيب نجيب محفوظ، مهدت لها ظروف سياسية ومزاج دولي خاص، بالإضافة إلى درجة نضوج الطبقة الوسطى المصرية في مجتمع منتج لا يعتمد الريع النفطي .

فليس غريبا أن يكون المنتج الروائي بهذا الوصف الإبداعي المتواضع مقارنة مع أدب العالم الأول، والرواية متفق على أنها ملحمة البرجوازية ومنتجها الأدبي المميز في حال نهوضها ...

رغم كل ما سبق نجح عدد من مبدعينا، بتخطي الواقع الموضوعي المتردي، وإعطائنا منتجا روائيا يترفع على واقعه ويتعداه ويحاول أن يؤشر عجزه وقصوره والارتقاء به نحو الأفضل، بسبب قوة الذات وعمق ثقافة وسعة اطلاع وطموح الأديب العراقي .

حبكة السرد الروائي لـ (الآسرة ... وخاصرة التفاح):

استطاع الكاتب، وبحكم تجربته الروائية السابقة حيث صدرت له روايتان (حي السعد و ما انكشف عن حجر الصوان)، ومؤلفات تهتم بالفن الروائي والقصصي ألنجفي خصوصا، تمكن أن يمسك بخيوط السرد والتماسك الجميل بين أحداث الرواية من حيث حركة شخصياتها وأماكن تواجدها وزمن الفعل وموضوعيته .

كشف الكاتب عن مدى وحشية النظام الفاشي، عبر ممارساته القمعية الظاهرة والمستترة، كجرائم ناظم كزار وزمرته، وإعدام من اسماهم بالجواسيس في ساحة التحرير عبر محكمة مهزلة، والإحداث المروعة لما سمي ب(ابي طبر) آنذاك وهو من تدبير مخابرات السلطة وأزلامها، بعد أن فشلت بهلوانياته عبر مسرحية عدنان القيسي لغرض الهاء الجماهير في أمور جانبية للتغافل عن مطالبهم في الحرية والكرامة، وتناسي جرائمه الماضية عبر ترويعهم بالجرائم الحاضرة، حتى سار بهم نحو محارقه الكبرى في (القادسية) وأم (المعارك) الأولى والثانية، مما أدى إلى حرق الأخضر واليابس ونهب الثروات واستباحة البلاد من قبل الأمريكان وحلفائهم من قوى الرأسمال العالمي، الذين وضعوا البلاد في فم قوى الإرهاب العالمي المصنع من قبلهم، فكان قدر هذا الشعب الموت والخراب والتشرد والحرمان، وهو الآن بين آفة الإرهاب والعنف والتطرف وآفة الفساد واللصوص والجهلة الذين نصبهم على سدة الحكم تحت ستار الديمقراطية الزائفة .

كما انه استطاع أن يطوف بنا في مدن عراقية مختلفة من الوسط والجنوب والشمال واصفا ما تتميز به هذه المدن وأهلها عبر متابعة حركة شخصياته ومتابعة الأحداث السياسية والظواهر الاجتماعية وتحولات الشخصية العراقية ومعاناتها وإرهاصاتها من اجل إمساك خيوط شمس الحرية والرفاه والسلام دون جدوى رغم ضخامة التضحيات والثروات المبذولة على هذا الطريق .

سلط الكاتب الضوء ووثق للعديد من الأماكن العامة والخاصة في مدينة النجف وفي بغداد والبصرة والموصل.

تمكن من تأثيث شخصيات الرواية بطريقة وشكل تمكن القارئ أن يرسم صورة واضحة المعالم للشخصية في الرواية ومتابعتها ضمن تحولاتها من التألق والزهو إلى الانكماش والانكسار والحزن وبالعكس، وبالأخص شخصية ماهر، وهناء، وعرفان والشخصيات الثانوية الأخرى،كما أن امتلاك الكاتب مخزونا لغويا جيدا في إتقان السرد والتوصيف،مما جعل الكلمات والعبارات راضية بوضعها وموضعها ..

وجه الكاتب سهام نقده البناء إلى الأساليب التقليدية في تربية الأبناء وفرض سطوة الآباء عليهم دون فهم توجهاتهم ونفسياتهم وميولهم حسب متطلبات زمنهم، وقد بدا هذا واضحا من خلال عرضه لسلوك السيد عبد الله مع أبنائه وخصوصا ماهر، مقارنا هذا التصرف الخاطئ والمضر مع السلوك المتحضر والبناء للأستاذ عبد الواحد والدكتور عرفان في تربيتهم لأبنائهم وبناتهم، وكأنه يقارن سلوك الإقطاع والعشائرية المتخلفة، مع سلوكيات المثقف المتنور من الطبقة الوسطى الناشئة .

كما انه وضح مدى تواصل الطبقة المثقفة العراقية مع تطورات الثقافة والأدب والفن في العالم من خلال الحوارات التي كانت تجري في دار الدكتور عرفان وأشقاء زوجته شامل وفراس في بغداد، أو من خلال شخصية (ماجد) والرابطة الأدبية في النجف ... الخ .

قادنا بيسر ورشاقة إلى سماع محاضرة موسعة حول أهداف وطبيعة أفكار الإخوان المسلمين كنموذج للفكر الاسلاموي المتطرف في العالم العربي والإسلامي، عبر حوارية بين رجل مثقف مصري متنور واحد دعاة الإخوان في احد مقاهي القاهرة، ليرسل للقارئ العديد من الحجج والبراهين التي تدحض الإرهاب ودعاته وخصوصا الإخوان المسلمين الذين خرجت اغلب المنظمات الإرهابية من تحت عباءتهم القذرة . وبذلك أراد الكاتب أن تكون نظرته شاملة لما يجري في الوطن العربي عموما والعراق خصوصا، بعد أن جمعت ماهر دورة أمنية في مصر مع العديد من ضباط الأمن في الدول العربية من الكويت والمغرب العربي، واطلاعه على بعض من التراث الشعبي لهذه الشعوب عبر أكلاتهم المميزة والشائعة في بلد كل واحد منهم، بالإضافة إلى تعلم وفهم لهجاتهم المختلفة .

رغم ذلك فإننا وكما اشرنا أنفا لفت انتباهنا إصرار الكاتب على ظهور المؤلف باعتباره صانع ومخرج وموجه الحدث في الرواية بين الحين والأخر، وكأنه يسحب القارئ من عالم الواقع المعاش روائيا وأشعاره بان ما يطالعه إنما هو من فعل المؤلف وليس واقعا معاشا، ولا أظن أن القارئ بحاجة إلى هذه الإعلان المنبه لإطفاء جذوة متعته مع السرد خصوصا وان الرواية تصنف ضمن الواقعية الاجتماعية .

كما إننا لا نرى موضوعية إصرار الكاتب على كون اغلب الإحداث، واللقاءات بين الشخصيات مبنية على الصدفة، فلا داعي للتدخل في فرض مسار أو تفسير على القارئ وواجب احترام خصوصيته وفطنته في التفسير والتأويل والتحليل والاستنتاج، فهذا هو دور القارئ الواعي والناقد لا داعي أن يهرع المؤلف لمساعدتهما في فهم النص وإيجاد الأجوبة لأسئلتهم .

ختاما نقول أن رواية (الآسرة ... وخاصرة التفاح) أمتعتنا في جمال السرد وحلاوة المفردة والعودة إلى مناطق وتقاليد أثيرت لدى القارئ ألنجفي والعراقي، وربما ستسرق دمعة من عين القارئ تعاطفا مع أبطالها ونهايتهم المحزنة التي لم تعد غريبة في عراق اليوم كما الأمس، ولكن (الآسرة) لم تأسرنا ولكنها أذاقتنا طعم التفاح.

ولا يسعنا إلا أن نسجل إعجابنا بالرواية ضمن دراستنا المتواضعة هذه، حيث تضاف هذه الرواية الجميلة إلى أخواتها من روايات كتاب الرواية النجفيين ، وكذلك إلى إبداع كتاب السرد القصصي المتميز، مما يعطي الأهمية ويرفع من شأن السرد في النجف ليصطف كتاب النجف إلى جانب زملائهم من المبدعين الروائيين والقصصيين في محافظات العراق الأخرى، بالرغم من كون النجف توصف بمدينة الشعر والشعراء، فهي الآن مدينة السرد أيضا .

 

بقلم: حميد الحريزي

 

abdulhaq alsalikiأحاول من خلال هذه الملامسة أن أقتفي آثار جملة من الإشارات بغية تحديد طبيعة التصورات الكليانية، الموجهة لانجازات وتنظيرات د. محمد مفتاح، وذلك انطلاقا من مقدمات الفتوحات التي ضامت بين الشعر والفكر والفلسفة والمنطق والقصة والنص القرآني والموسيقى وكل أشكال الحركة ... مستثمرة ومسائلة لأدوات وآليات اجرائية تساكن بين المحسوس والملموس والمدرك والمفترض والمتخيل ...تقيس الغائب على الشاهد والتصور على الصورة، والتعدد على الفرد، والفرد على المتعدد . قراءة متعددة الروافد، مشاركة في كثير من العلوم و" دون كل علم خرط القتاد " . وقفت على الشعر فتبنت القصدية في الأصوات والمعجم والتركيب النحوي، وأبرزت " مقصدية الاقناع بالأدوات البلاغية والتناصية والأفعال الكلامية ... " 1 ؛ فانتهت إلى أن الشعر تحكمه قوانين خاصة بالنوع أو الجنس الأدبي كالتشاكل والتباين، وأخرى تتعلق بالمضامين التي يعرض لها كالتوثر والصراع والمهادنة والاستسلام، وهي بنيات ترسم ملامح سفر ا لإنسان في الدنيا من البداية إلى الوسط إلى النهاية .

كانت الأصوات، والمعجم والتراكيب النحوية والبلاغية، وهندسة النص ومداده وخطه . . علامات دالة ؛ ذلك لأن النص كائن ينمو ويتوالد ويدخل في علاقات متعددة الأطراف والأبعاد ؛ الشيء الذي دعا د . محمد مفتاح إلى توظيف ترسانة مفاهيمية وأدوات اجرائية متعددة المشارب والمصادر عمل على التوليف بينها فخرج بتصورات تحكم للنصوص باتساقها وانسجامها وتوحدها في دلالاتها السيميائية وان بدت متنافرة في بعض الأحيان .

قراءات لم يكن همها تقديم الأحكام الجاهزة، وانما الانطلاق من بناء وبنية النص وخصوصيته لربط الصورة بالتصور والدال بالمدلول بالمرجع والمقصدية . فالنصوص الشعرية قديمها وحديثها تسمها مظاهر تؤسس جماليتها كالتكرار

والتناص، والتوازي، والمماثلة، والمشابهة، والتباين والتشاكل ... وهي فوق هذا " حل لغوي لمعركة بين قوات " 2، تكون أكثر شعرية كلما كانت المقابلات قوية ومتوثرة .الشيء الذي يدفع المتلقي إلى التسلح بجملة من المفاهيم والآليات التي يستعيرها من مختلف المباحث والنظريات والعلوم، كالنظرية الكارثية والمورفولوجيا، ونظرية الشكل الهندسي، والدينامية، والحرمان، ونظرية الذكاء الاصطناعي، ونظرية التواصل والعمل ... من أجل تحقيق علاقة حميمية مع النص حتى تستوي لديه مهمة الفهم والتأويل من خلال ما يتيحه النص من عمليات كالمقايسة والتصنيف، والمماثلة والمشابهة، والدينامية .. .

هذه العلاقات لاتخص نصا بعينه، ولا جنسا أوكتابا بمفرده ن بل هي حاضرة في كل المتون : الد ينية والشعرية والتاريخية والسردية والفلسفية ... التي تعامل معها د . محمد مفتاح ومن زاوية شمولية، امتدت حتى دراسة الحركة والموسيقى . قاسمها المشترك أنها دلائل – على اختلافها وتشابهها – على الحقائق الكونية الثابثة والمتمثلة في اتفاعل والغائية والانسجام والانتظام ..

هذه الخصائص تريد أن تقول بان الكتابة واللغة والانسان والكون ... علامات دالة . لكن كيف يفهم ويؤول السيميائي الدوال والمدلولات في علاقتها بالمرجع والمقصدية لينتهي إلى هذه البنية العميقة الموجهة للرسالة ؟

بل كيف يحكم للنص بقيمته وشاعريته التي هي عبارة عن معركة لقوى متشاكسة وأخرى متآلفة ؟ ... لملامسة شيء من ذلك دعنا نبدأ بأحد اقصر نص شعري في اللغة الأنجليزية :

" تأمل " لميروين W . S . Merwin ..(3)

تأمل

إلى من سأريها (بضم الهمزة)

سطر واحد . جملة واحدة، غير مرقمة، لكنها توحي بعلامة استفهام من خلال نحوها وتركيبها . ما الذي يجعل منها شعرا؟

بكل تأكيد بدون عنوانه (الهاء تعود على السطر) لا يمكن ان يكون شعرا . لكن لا العنوان وحده يمكن أن يكون نصا شعريا . ولا هما معا يمكن أن يكونا شعرا بمفرديهما . بإعطاء العنوان والنص يتشجع القارئ على صنع شعر . فهو ليس مرغما على أن يكون كذلك . لكنه لا يمكن أن يفعل أكثر من هذا بهذه المادة، ولا أي شيء مكافئ .

كيف يمكن أن نكون شعرا خارج هذا النص ؟ هناك، شيئان فقط يمكن أن نشتغل عليهما، العنوان والسؤال المطروح من قبل السطر الوحيد، والعامي . السطر ليس فقط عاميا، بل هو نثري ؛ لا تتعدى كلماته المقطع الواحد، مختوم بحرف الجر اللام (ترجمنا كلمة to التي جاءت في آخر الجملة الانجليزية بكلمة (إلى) التي جاءت في أول الكلمة)، وهو شيء نجده متضمنا في كلام أي متكلم للغة الأنجليزية . فهو معنى واضح تماما .لكن هناك معنى آخر مبهما، وخفيا . ضمائره الثلاثة (من (who)، أنا  (I، هي (IT) - تطرح مشاكل المرجع . فعل جملته الشرطية – يطرح مشكل الموقع .سياق الكلام الذي يسد الحاجة إلى المعلومة المطلوبة لتكوين الجملة البسيطة الدالة والمفهومة معا غير موجود هناك . وهذا أمر يجب أن يستحضره القارئ .

لصناعة شعر لهذا لنص لا يجب على القارئ أن يعرف اللغة الأنجليزية فحسب، بل عليه- أيضا – أن يكون على دراية بقانون الشعر : قانون التأمل الجنائزي، كما كان معمولا به في الأنجليزية من بداية النهضة إلى الوقت الحاضر .

 

د . عبدالحق السالكي

..............

1 – د . محمد مفتاح : تحليل الخطاب الشعري (استراتيجية التناص)، المركز الثقافي العربي، الدارالبيضاء، المغرب، ط 2، 1986 ن ص 5 .

2 – د . محمد مفتاح : في سيمياء الشعر القديم، ط 1، 1982، دار الثقافة، الدارالبيضاء، المغرب، ص 186 .

3 – Robert Scholes , semiotics of the poetic text , in semiotics and interpretation pp 37 – 56 .

 

 

karem merza2المقدمة: (الخافض) مصطلح أقرّته المدرسة النحوية الكوفية ليقابل (حرف الجر) الذي سارت عليه المدرسة النحوية البصرية التي وضعت معظم مناهج التدريس في الوطن العربي على نهجها البصري، ومصطلح (نزع الخافض) يعني حذف أو إضمار أو إسقاط أوفقد ...و ا لأصح والأدق نزع (حرف الجر) من بعض الجمل الاسمية أو الفعلية وفق شروط وقواعد معينة، وبالتالي الاسم المكسور بحرف الجر أو الخافض ينصب بالفتحة، ويتخذ موقعاً من الإعراب آخر، وفي معظم الحالات يحلّ محل المفعول به وأحياناً المفعول فيه أو المفعول لأجله ...وقد يقال: حذف وإيصال أي حذف حرف الجر وإيصال الاسم المجرور بالفعل، وهو أيضاً أضعف من مصطلح (نزع الخافض)، ويمكن أن يكون (الخافض) المضاف، إذ يخفض المضاف إليه ويكسره ، وعند نزع المضاف، يتصل المضاف إليه بالفعل، ويقوم مقامه فينصبه ..ويطلق النحويون على هذا الحذف المخصوص اسم (الاتساع) كقوله تعالى (واسأل القرية) والمراد: أهل القرية.

ومقالتنا هذه تنحصر في نزع حروف الجر. ومن أكثرُ الأسباب تفسيراً لظاهرة النزع كثرةُ استعمال هذه الحروف، والأمن من اللبس عند حذفها، والحق كان العرب يستثقلون حروف الجر، ويحبذون حذفها من كلامهم إيجازاً وتخفيفا.

 يأتي المنصوب بنزع الخافض في الجملتين الفعلية والاسمية كالآتي:

 أولاً - المنصوب بنزع الخافض في الجملة الفعلية:

يتعلق (المنصوب بنزع الخافض) في الجملة الفعلية بالفعل من حيث (التعدي واللزوم).

الأفعال أنواع من لزومها وتعديها:

الحالة الأولى: - الفعل اللازم، وهو الفعل الذي لا يأخذ مفعولاً به، مثل:

ذهبَ محمدٌ إلى المدرسةِ....نام الطفلُ

الإعراب: ذهب: فعل ماض لازم مبني على الفتح ، محمد: فاعل مرفوع بالضمة، إلى المدرسة: إلى حرف جر (خافض)، المدرسة: اسم مجرور، وعلامة جرّه الكسرة، وشبه الجملة من الجار والمجرور متعلقة بالفعل (ذهب)، وهنالك من يعتبر شبه الجملة من الجار والمجرور في محل نصب على أنها مفعول به للفعل (ذهب)، ومما يضعف هذا الرأي كون الفعل (ذهب) فعلاً لازماً.

ويمكن أن نحوّل الفعل اللازم للفعل المتعدّي بزيادة همزة في أوله، كأن نقول: أذهبَ الدواءُ المرضَ، أو ونحوّله أيضاً بالتضعيف، كأن نقول: عظّمَ اللهُ أجرَكم.

الحالة الثانية:  فعل متعدٍ لمفعول به بنفسه وآخر بحرف الجر؛ مثل

أستسهلُ الصَّعبَ في عملِي .

الإعراب: (أستسهلُ): قعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل ضمير المتكلم (أنا) في محل رفع. (الصَّعبَ): مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة في آخره .(في): حرف جر (خافض)، عملِي: عملِ: اسم مجرور بحرف الجر، مجرور وعلامة جرّه الكسرة في آخره، وهو مضاف و(ي) المتكلم مضاف إليه، والشبه الجملة من الجار والمجرور (في عملِ) في محل نصب مفعول به ثان متعلقة بالفعل (أستسهلُ)

هذان النوعان، أحدهما فعل لازم والآخر من الأفعال المتعدية - سنوردها من بعد جميعاً - فقط تندرجان تحت (المنصوب بنزع الحروف الخافضة)، تتبع معي الشرح التالي:

الحالة الأولى - الفعل اللازم - المنصوب بنزع الخافض في الجملة الفعلية ينقسم إلى:

أ - منصوب سماعي - ورد على ألسنة العرب القدماء - يجب الاقتصار على أمثلته.

 ب - منصوب قياسي يمكن إنشاء أساليب مشابهة له قياسًا.

أ - المنصوب السماعي:

الأمثلة:

1- تمرّون (الديارَ) ولم تعوجوا*** كلامكمُ علـىَّ إذًا حــرامُ

في خزانة الأدب) لعبد القادر البغدادي: الشاهد السابع بعد السبعمائة

البيت لجرير من الوافر

على أن حذف الجار منه على سبيل الشذوذ، والجار المحذوف إما الباء، وإما على، فإن المرور يتعدى بهما.

(الديارَ) أسم منصوب بنزع الخافض وعلامة نصبه الفتحة. والتقدير:

(تمرّون بالديارِ)،أو (تمرّون على الديارِ)، والأولى أكثر شيوعاً.

 2 - لدْن بهـزِّ الكفِّ يعـسـلُ متنـهُ**** فيه كما عسل(الطريقَ) الثــعلـبُ

كما جاء في: ضياء السالك إلى أوضح المسالك: محمد عبد العزيز النجار ج 2 ص 92 - الهامش 3: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى 1422هـ - 2001م.:

جزء بيت من الكامل، من شعر ساعده بن جؤية الذهلي، يصف رمحا بالليونة، وهو بتمامه

لدن بهز الكف يعسل متنه****فيه كما عسل الطريقَ الثعلبُ

اللغة والإعراب:

لدن: لين ناعم، ويعسل: يضطرب ويتحرك، متنه، المراد: ظهر الرمح وصدره، "لدن" خبر لمبتدأ محذوف، أي هو لدن "بهز الكف"متعلق بيعسل، أو بلدن، ومضاف إليه، والباء للسببية "متنه" فاعل يعسل ومضاف إليه، "فيه" متعلق بيعسل. "كما" الكاف جارة. و"ما" مصدرية "عسل" فعل ماض، "الطريقَ" منصوب بحرف جر محذوف، أي في الطريق. "الثعلب" فاعل عسل، و"ما" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالكاف.

المعنى: أن هذا الرمح لجودته، شديد الليونة، يتحرك ويضطرب متنه بسبب هزه باليد، كما يضطرب الثعلب في الطريق خوفا من أن يدرك.

الشاهد: حذف حرف الجر، وهو (في)، ونصب الاسم الذي كان مجرورا به، وهو (الطريق)، وذلك خاص بالشعر، بمعنى هذا من الضرورات الشعرية، ولا يجوز في النثر، ولكن ورد في القرآن الكريم، كما في الفقرة (4) الآتية !!

 3 - آليتُ (حبَّ) العراق والدهر أطعمه*** والحبُّ يأكلهُ في القريةِ السوسُ

جاء في: شرح الأشموني على ألفية ابن مالك: علي بن محمد بن عيسى، أبو الحسن، نور الدين الأُشْمُوني الشافعي (المتوفى: 900هـ)، ج 1 ص 441 - الهامش، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت- لبنان الطبعة: الأولى 1419هـ- 1998مـ.

التخريج: البيت للمتلمس في ديوانه ص95؛ وتخليص الشواهد ص507؛ والجنى الداني ص473؛ وخزانة الأدب 6/ 351؛ وشرح التصريح 1/ 312؛ وشرح شواهد المغني 1/ 294؛ والكتاب 1/ 38؛ والمقاصد النحوية 2/ 548؛ وبلا نسبة في مغني اللبيب 1/ 99 .

شرح المفردات:

 آليت: أقسمت. حب العراق: ما ينبته من حبوب. أطعمه: آكله.

الإعراب: "آليت": فعل ماض، والتاء: فاعل. "حبَّ" اسم منصوب بنزع الخافض، تقديره "على حبِّ" وهو مضاف. "العراق": مضاف إليه مجرور. "الدهر": ظرف زمان منصوب متعلق بـ"أطعم". "أطعمه": فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: "أنا"، والهاء ضمير في محل نصب مفعول به. "والحب": الواو حالية، "الحب": مبتدأ مرفوع. "يأكله": فعل مضارع مرفوع، والهاء ضمير في محل نصب مفعول به. "في القرية": جار ومجرور متعلقان بـ"يأكله". "السوس": فاعل مرفوع بالضمة.

 الشاهد: "حبَّ" اسم منصوب بنزع الخافض، تقديره "على حبِّ"

 " 4 - " وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا..." سورة الأعراف، الآية 155.

الإعراب:

(وَاخْتارَ مُوسى): الواو عاطفة (اختار) فعل ماض (موسى) فاعل مرفوع وعلامة الرفع الضمّة المقدّرة على الألف .

(قوم) منصوب على نزع الخافض أي من قوم والهاء ضمير مضاف إليه

(سبعين) مفعول به منصوب وعلامة النصب الياء.

(رجلا) تمييز منصوب.

ب - المنصوب القياسى:

أمثلة:

1 - سررت أن الناشئ راغب في العلم، حريص أن يزداد منه، كي يبني مجده.

وأصل العبارة قبل حذف حروف الجر:

سررت من أن الناشئ راغب في العلم، حريص على أن يزداد منه، لكي يبني مجده.

 فالمصادر التي تؤول في العبارات السالفة من الحرف المصدري وصلته، تكون مجرورة على التوالي بالحرف: (من)،(على)،(اللام)، ولا داعي لأن يكون المصدر المؤول في محل نصب على نزع الخافض - كما يرى فريق - لأن حرف الجر المحذوف ملاحظ هنا بعد حذفه، والمعنى قائم على اعتباره كالموجود، فهو محذوف بمنزلة المذكور؛ ولأن النصب على نزع الخافض خروج على الأصل السائد الغالب، فلا نلجأ إليه مختارين، وبعضهم يجوز النصب

وهذا الحذف القياسي لا يصح إلا عند أمن اللبس كما في الأمثلة السالفة.

 2 - وفي قول الشاعر:

ولا عار أن زالت عن الحر نعمة *** ولكن عارًا أن يزول التجمل

والأصل: (في أن زالت ... - في أن يزول ...)، فإن خيف اللبس لا يصح الحذف؛ ففي مثل (رغبت في أن يفيض النهر)، لا يصح حذف حرف الجر: (في)، فلا يقال: رغبت أن يفيض النهر؛ إذ لا يتضح المراد بعد الحذف؛ أهو: رغبت في أن يفيض النهر، إذ لا يتضح المراد بعد الحذف، أهو: رغبت في أن يفيض النهر، أم رغبت عن أن يفيض ...، والمعنيان متعارضان متناقضان، لعدم معرفة الحرف المحذوف المعين، وخلو الكلام من قرينة تزيل اللبس.

وفي شرح الأشموني، يقول ابن مالك في ألفيته (الشاهد272):

وعد لازما بحرف جر****وإن حذف فالنصب للمنجر

"(وعد لازما بحرف جر)، نحو: "ذهبت بزيد"، بمعنى: أذهبته، و"عجبت منه"، و"غضبت عليه" "وإن حذف" حرف الجر "فالنصب للمنجر" وجوبا، وشذ إبقاؤه على جره، في قوله (من الطويل)

(إذا قيل أي الناس شر قبيلة **** أشارت كليب بالأكف الأصابع)

أي: إلى كليب.

وإليك أمثلة أخرى:

 شهد الله أنه لا إله إلا هو، أوعجبتهم أن جاءكم ذكر، قرأت كي أكوّن شخصيتي.

المصادر المؤولة في محل نصب بنزع الخافض، والتقدير دخول حروف الجر الباء، من، اللام في الجمل على التوالي:

 شهد الله بأنه لا إله إلا هو، أو عجبتم من مجيء ذكر من ربكم، قرأت لتكوين شخصيتي.

 الحالة الثانية: - فعل متعدٍ لمفعول به بنفسه وآخر بحرف الجر؛

الأمثلة

(أحذرك الغيبةَ)، و(استغفر الله ذنبَك)، و(تعوّذ الله شرَّ الشيطان)... إلخ

الإعراب:

 الغيبةَ ـ ذنبَـ - شرَّ: أسماء منصوبة بنزع الخافض وعلامة نصبها الفتحة الظاهرة. والتقدير:

 (أحذرك من الغيبة)، و(استغفر الله من ذنبك)، و(تعوّذ اللهَ من شرِّ الشيطان).

ملاحظة مهمة:

 تكلمنا في الحالة الثانية عن الفعل المتعدي الذي يمكن معه نزع الخافض، وهذه الأفعال المتعدية التي لا يجوز معها نزع الخافض:

 1- فغل متعدٍ لمفعول به واحد؛ مثل: قرأتُ الكتابَ

 2 - فعل متعدٍ لمفعولين أصلهما المبتدأ والخبر وهي: (ظن وأخواتها) مثل: ظننت الطالب ناجحاً في دروسه.

وتسمى أيضاً (أفعال الشك، واليقين)، وهي: من الأفعال الناسخة، تدخل على الجملة الاسمية، وتنسخ المبتدأ، والخبر، فيصبح المبتدأ مفعولاً به أول، والخبر مفعول به ثانٍ، منها: ظنّ، خال، حسب، زعم، رأى، علم، وجد.

 أمثلة: رأيتُ طالباً مجتهداً، وجدتُ أخاكَ جالساً....

 3 - فعل متعدٍ لمفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر وهي (أعطي وأخواتها) ؛ مثل أعطى كسا – منح – وهب - منع – سأل – سقى - كفى - وقى.

أمثلة:

أعطيتُ اللاعبَ كرةً ..... كفى اللهُ المؤمنين القتالَ.

 4 - فعل متعدٍ لثلاثة مفاعيل؛ كأن أقول: أخبرَ الطبيبُ المريضَ الدواءَ سهلاً.

الإعراب:

أخبرَ: فعل ماضي يتعدى لثلاثة مفاعيل

 الطبيبُ: فاعل مرفوع بالضمة في آخره.

 المريضَ: مفعول به أوّل منصوب، وعلامة نصبه الفتحة في آخره.

 الدواءَ: مفعول به ثانٍ منصوب، وعلامة نصبه الفتحة في آخره.

 سهلاً: مفعول به ثالث منصوب وعلامة نصبه الفتحة في آخره، تحولت إلى تنوين لأنه نكرة.

 مثال آخر:

 أنبأ الفلكيُّ النّاسَ العاصفةَ قادمةً .

الفلكي: فاعل مرفوع، النّاس: مفعول به أوّل، العاصفةَ: مفعول به ثانِ، قادمةً: مفعول به ثالث .

 ثانياً: المنصوب بنزع الخافض في الجملة الاسمية.

المنصوب بنزع الخافض

 يكون (المنصوب بنزع الخافض) في الجملة الاسمية واضحاً جلياً سهلاً، إذ أنّه نوع واحد يأتي بكلمة واحدة مستقلة على شاكلة (شرعاً، عرفاً، أخلاقاً، أدباً، لغةً، اصطلاحاً، شرعاً، قانوناً، معنىً، نحواً، بلاغةً ....إلخ)، أمثلة:

 أ - الغيبة حرام شرعاً ...أي الغيبة حرام في الشرع، أو الغيبة حرام في شرع الإسلام.

ب - القطار لغةً القافلة ...أي القطار في اللغة القافلة، أو القطار في لغة العرب القافلة.

ج - الضيافة عرفاً واجبة ....أي الضيافة في العرف واجبة، أو الضيافة في عرف العشائر واجبة .

من الأمثلة السابقة يتوضح لنا:

1 - الكلمات شرعاً، لغةً، عرفاً ...منصوبة، أي في حالة نصب .

2 - من التقديرات يتوضح لنا كانت مسبوقة بحرف الجر (في) .

3 - إذاً نصبت بنزع الخافض، أي بحذف حرف الجر .

4 - وكانت الكلمات - حسب التقديرات - مع حرف جرّها معرفة بـ (ال)، أو معرفة بالإضافة (شرع الإسلام)، (لغة العرب)، (عرف العشائر).

5 - ولكن بعد نزع الخافض (حذف حرف الجر، أصبحت نكرة محضة، وهي أسماء جنس.

6 - شبه الجملة المقدرة من الجار والمجرور أو مع المضاف إليه في محل نصب تعتبر حالاً للمبتدأ، وبعد نزع الخافض، وأصبح نكرة محضة لاسم جنس (شرعاً، لغةً، عرفاً) يبقى إعرابها (حالاً) للمبتدأ.

7 - تحقق الإيجاز، وأصبح الكلام خفيفاً، وأكثر بلاغة بنزع الخافض.

والله ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وإلى اللقاء مع ما يستجدُّ مع رفيقٍ رقيق ...!!!

كريم مرزة الأسدي   

تعد الرسائل في الّتراث العربي من أهم المصادر التي تعطي صورة واضحة عن الأحوال الّتاريخية، والأدبية، واللغوية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية  في الفترة التي وضعت فيها هذه الرسائل، إذ تظهر الّتغيرات في الجوانب المختلفة على  مرّ العصور، ويطلق لفظ الرسالة على ما ينشئه الكاتب في نسق فّني جميل في غرض من الأغراض، ويوجّهه إلى شخص آخر، ويشمل ذلك الجواب والخطاب، و الرسالة أيضًا هي : مخاطبة كتابية يوجّهها شخص لآخر في موضوع أو مواضيع لا يمكن حصرها، تتوّزع بين إبداء مشاعر وجدانية، أو عاطفية، أو ما يدخل ضمن اللياقات الاجتماعية، وقد حفلت الكتب الّتراثية و دواوين الأدب العربي بضروب من الرسائل الإخوانيّة والعلميّة والأدبيّة، فمنها ما حمل لفظ رسائل  بدلالاتها المختلفة مثل : رسائل الجاحظ و رسائل إخوان الصفا، و خلان الوفا، و رسائل بديع الزمان الهمذاني، و رسائل أبي بكر الخوارزمي.  ويرجع تقليد المكاتبات والمراسلات في العربية إلى ما قبل الإسلام، وإلى السنوات الأولى من  صدر الإسلام، كما ساد فن الرسالة بين أواخر العصر الأموي، وأواسط العصر العباسي لدى عبد الحميد الكاتب، وسهل بن هارون، والجاحظ ،،،،،،

عناصر الرسالة:

للرّسالة عناصر كثيرة يجب مُراعاتها لتستوفي مضمونها دون إغفال أي شيء قد يكون مهمّاً وله تأثير على مستلم الرّسالة. أهمها:

• العنوان الجغرافي:  والذي من دونه لن تصل الرسالة إلى صاحبها خاصّةً إن كانت مرسلة عبر البريد العادي وليس البريد الإلكتروني، حيث يكتب العنوان في الزاوية العلوية اليمنى من الرسالة.

•  يجب  ذكر اسم المرسل اليه كاملًا، المنصب واللقب بطريقة تظهر احترامًا كبيرًا له.

• يثبّت اسم  المُرسل كاملًا  لكونه الشخص الذي يحمل الفكرة أو المعلومة ويريد أن ينقلها للآخرين بأفضل وسيلة.

• التحيّة: وتعتبر افتتاحيّة الرسالة، تحتوي التحيّة على إلقاء السلام وبعض الكلمات اللّطيفة.

• عنوان الرّسالة: لا تتم كتابة عنوان للرسالة في كل الرسائل، بل تقتصر على الرسالة الرسمية التي تحتاج إلى توضيح.

• مُقدّمة الرّسالة: حيث يتم تقديم مختصر وعام لموضوع الرسالة في المقدمة، خاصةً إذا كان موضوع الرّسالة رسميًّا، يجب أن يتم التمهيد والتقديم للفكرة الرئيسية التي تحتوي عليها الرسالة .

• موضوع الرسالة: هو الجزء الأهم من عناصر الرسائل، فهو الذي يحمل الموضوع نفسه، والفكرة الرئيسية التي تمّت من أجلها كتابة الرسالة، لهذا السبب فإنّه ينبغي الاعتناء بهذا الجزء من الأجزاء عند البدء في كتابة الرسالة، حتى تُنقل الفكرة كاملةً، وواضحة من خلالها .

• خاتمة الرسالة: هو الجزء الذي يتم من خلاله تلخيص مضمون الرّسالة، وإذا كان هناك طلب من وراء هذه الرسالة فإنّه ينبغي أن يتم ذكر هذا الطلب في نهاية الرسالة، أو يتم ذكر التوصيات بأدب ولطف، وأن يبتعد الكاتب عن صيغة الأمر.

• التوقيع: هو العنصر الذي تختتم به الرسالة، ويكون في أسفل الرسالة، والتوقيع يكون باسم مرسل الرّسالة.

• تسجيل التاريخ: يجب تدوين التاريخ الذي تمّ فيه إرسال الرسالة، وقد يختلف موقع التاريخ من رسالة لأخرى حسب نوع الرسالة، والطريقة التي أرسلت بها، أحيانًا يكون التاريخ أعلى الرسالة، أو أسفلها، وفي أحيانٍ كثيرة يكون التاريخ مع الختم.

 

د.عبيرخالديحيي

حركة التصحيح والتجديد والابتكار في الأدب العربي

لجنة الذرائعية للنشر - المقالة رقم 12

abduljabar noriزوربا اليوناني ZORBA THE GREEK مؤلف الرواية (نيكوس كازانتزأكيس) كاتب وفيلسوف يوناني 1883 – 1957 درس القانون في جامعة أثينا، ودرس الفلسفة في فرنسا، ورشح لجائزة نوبل للآداب 1946 ولم يحصل عليها، وأشتهر عالمياً بتأليفه رواية زوربا اليوناني 1964، تدورأحداثها عن قصة رجل مثقف أسمهُ (باسيل)  - يسميه زوربا بالرئيس - غارق في قراءة الكتب يلتقي مصادفة برجلٍ أمي مدرستهُ الوحيدة هي الحياة ومحصلته تجاربهُ الحياتية وهو بطل الرواية " زوربا " سرعان ما تنشأ صداقة بين الرجلين، ويتعلم فيها المثقف باسيل الذي ورث مالا عن أبيه، وتعلم الكثير من زوربا عن الحياة وحبها وفنونها وهناتها وسقطاتها وطرق معايشتها، وكان لابد أن تخرج طبعتها الأولى في نفس السنة بذات نفوذ أدبي في منتجاتها : السينما والموسيقى والترجمة، وتحولت في الستينات ألى فيلم من أخراج  اليوناني مايكل كوكويانيس الذي جسّد فيه الممثل الأمريكي أنطوني كوين دور زوربا مع الممثلة الأنكليزية الحسناء أيريد باباس، كما جعل من الموسيقي اليوناني سيكيس ثيودور أن يقدم تصويراً من الموسيقى التي عزفها زوربا بآلة السنتوري في الرواية، وقد لا أبالغ أن قلتُ أن الرقصة وموسيقاها تحولت ألى فلوكلور عالمي وألى نشيد أممي بأعظم ما للموضوع من معنى، وقد لاحظتُ هذا الشقف بهذه الرقصة وموسيقاها وشخصها زوربا اليوناني في نيقوسيا عاصمة قبرص  الشمالية في آخر سفرة سياحية لي في صيف 81 حيث لاحقاً مُنع السفر في 82، والذي ترسخ في ذهني أن الشعب القبرصي المتكون من أتراك وقبارصة يونانيين قد (توحدوا ) في مسألتين الأولى رقصة زوربا والثانية الريع السياحي، وأنهم يتعاملون مع الرواية بهوس حيث تجد الشباب والشابات يمارسون رقصة زوربا في الحدائق والساحات وحتى الشوارع وترى كتاب الرواية بيد رواد المقاهي والقطارات والباصات، حتى جعلني أن أقتني نسخة من الرواية باللغة الأنكليزية، والعجيب يسألك صاحب المكتبة بأي لغة تريدها أنكليزية أم فرنسية أم ألمانية أم أيطالية أو أسبانية؟؟؟

بعض الرؤى الباعثة على التفكير في الرواية

*تثير الرواية حب الحياة والتمتع بها لآخر لحظة من تلك الحياة وهو هدف طالبي السلم العالمي وكارهي الحروب للوصول ألى الحياة الفاضلة والمرفهة، عكس تجار الحروب والمتشددين في الأديان والمتخندقين أثنياً وطائفياً الذين يتلذذون بأحراق مباهج الحياة للفوز الموهوم في الملذات الغيبية .* تبعث الرواية للألتزام بمدرسة الحياة التي تعلم ما بين سطورها كل ما يليق به كأنسان محترم صاحب حكمة وفلسفة أنسانية ملتزمة بالقواعد والمثل والقيم الأجتماعية .* تُعلمْ الرواية تقديس الكرامة في فصلٍ من الرواية حين تعرض زوربا ألى خدش كرامته من قبل غانية في صالة الرقص فثارت حميته (وتبرمك) برأسمال المشروع لرد أعتباره بعد تجاوزتلك الغانية على رجولته عليه فأرسل برقية ألى صديقه الرئيس فحواها (أنهُ دافع عن كل الرجولة في العالم)  * في الرواية شجاعة نادرة في تقديس الحرية عندما يوصي زوربا الكتابة على قبره (لا آمل في شيء، لا أخشى شيء، أنا حر ) . * ويعلن زوربا في الرواية عن رأيهِ في ماهية وصيرورة الحياة : وهي : أفراح هذا العالم في ( النساء والفواكه والأفكار ) وتكتشف بين سطور الرواية وعوالمها يجب عليك أن تنتصر للحرية وحب المرأة والوطن * يصف الروائي نيكوس زوربا : أدركت أن زوربا هو هذا الأنسان الذي كنت زمناً طويلاً أبحث عنه ولم أعثرعليه : أنه قلبٌ فائض بالحياة وحنجرة دافئة ونفسٌ عظيمة بريئة على طبيعتها، لم ينقطع الحبل السري بعد بينها وبين أمها الارض. * ومن بساطة شخصية زوربا يطرح في الرواية أسئلة محرجة قابلة للجدل ربما محاطة بفوبيا الرد المقابل، وهي معاكسة للأشخاص الذين يجهلون قواعد اللعبة الديمقراطية : وهي لماذا نموت؟ لماذا نفترق؟ لماذا يقتل الناس بعضهم؟ ما هو الشيطان؟ من هو الله؟ * ومن حيثيات الرواية أنتصاره للسلم وشجبه وأنتقاده للحرب اليابانية – الصينية، وقوله في الرواية أن الفن أداة لكشف الحقيقة بعيداً عن الجماليات البورجوازية وربما  بأعتقادي الشخصي قد تأثر نيكوس الكاتب بفلسفة نيتشه الألماني . *- زوربا والذي أنطقه نيكوس كاتب الرواية  أنهُ مؤمن بالأنسان والحياة، الكثير من أقوال زوربا يتداوله الناس حيث تجاوزت هذه الشخصية حدود اللغة والحكاية لتكون عابرة للزمكنة، في أحد حواراته مع الرئيس حين لم يتمكن عن التعبير عن فكرته وأحساسه يقول زوربا لصاحبه : سأرقصها لك .

أخيرا/ ورواية زوربا هي دعوة للحياة بشكلٍ مغاير وهي دعوة للحب الصوفي  ذلك الحب العميق والخاضع للتجربة والعاري وهي (ثيمة) للرواية الرئيسية حيث يتوزع بين الجغرافية بدون حدود وهو ما رفع الرواية ألى أيقونة أنسانية خالدة، وهي دعوة أيضا للتفكير ودعوة لحب التراب والوطن والسماء وتلك هي قيم الرواية الخالدة الذي يقيّم الأنسان ويدعو ألى الأهتمام ببيئته وبخبزه وسقفه الذي يحميه لا كما نرى الأنسان اليوم يطحن بأزيز الآلات ويسحق بماكنات الحروب بعجلة غيلان النفط والدم والملايين المشردة النازحة من جور الأرهاب الداعشي المتطرف تحت خيمة الوطن المهلهلة، ولتفادي هذه الغيمة السوداء نجد في حكاية زوربا اليوناني وفي أفكار ما بين السطور أن الرواية جمعت هذين الشخصين المتناقضين فكريا وعقائديا وسلوكيا وهي علاقة وشيجة علاقة تكاملية فكل منهما رأى نصفه المفقود في الآخر لكونها علاقة نقية خالصة من شوائب النفعية والمصلحية ---

 

عبد الجبار نوري - كاتب عراقي مغترب

 

sulayman joubranفي سنة 1954 أصدر الشاعر عبد الوهاب البياتي (1926– 1999) مجموعته الشعرية الثانية "أباريق مهشّمة"، بعد أربع سنوات على صدور مجموعته الأولى "ملائكة وشياطين". هذه الفترة بين المجموعتين تبدو طويلة نسبيًا. فباستثناء "النار والكلمات" (1960– 1964) لم تستغرق كتابة مجموعة أخرى من مجموعاته هذه المدّة الطويلة. فقد عُرف عن البياتي غزارة إنتاجه وتوالي مجموعاته، بحيث أصدر 17 مجموعة يضمّها "ديوان عبد الوهاب البياتي" بمجلّداته الثلاثة في مدّة 25 سنة (1950- 1975)، بالإضافة إلى بعض إصداراته النثرية وترجماته.

في السنوات الأربع هذه، بين مجموعتيه الأولى والثانية، كتب البياتي فيما يبدو قصائد اخرى كثيرة لم تضمّها مجموعة "أباريق مهشّمة". ففي مقابلة مع الناقد غالي شكري، في "دراسات أدبيّة"، يصرّح البياتي قائلا: "كتبتُ حتّى عام 1951 كثيرا من الأشعار التي تعدّ امتدادا لديواني الأول "ملائكة وشياطين"، لكنّي مزّقتها وأحرقتها لأنّها كانت تعبيرا عن عالم متخيّل لفظ أنفاسه الأخيرة". هكذا يتبيّن لنا أنّ الفترة الفاصلة كانت فترة تجريب ومعاناة فتّش فيها الشاعر عن طريقة لتجاوز صيغة "ملائكة وشياطين"، حتّى اهتدى أخيرا إلى أسلوب شعري جديد يختلف تماما عمّا كتبه في المجموعة الأولى.

يكاد يُجمع النقّاد أنّ "أباريق مهشمة" هي مجموعة البياتي الأولى المكتوبة بأسلوب جديد، وأنّ هذا التجديد فيها كان شاملا، وفي طفرة واحدة أيضا. يشير الدكتور إحسان عبّاس، مثلا، في كتابه النقديّ"عبد الوهّاب البياتي والشعر العراقي الحديث" وكان أصدره بعد "أباريق مهشّمة" مباشرة، وكرّسه أساسًا لدراسة هذه المجموعة، إلى هذه الجدّة المفاجئة فيصفها قائلا: "إنّ ما أراد البياتي أن يحقّقه ليس هيّنا- أراد الجدّة دفعة واحدة، في الصورة والموضوع والنغمة، ولا بدّ لمن يضطلع بهذا العبء أنْ يسير حينا ويعثر حينا آخر، وأنْ يضحّي بشيء، في سبيل الحصول على غيره".

 ولا يكاد يختلف رأي عبد الواحد لؤلؤة في مقالة له في "الآداب" البيروتيّة عمّا سبق، في تأكيده التجديد في "أباريق مهشّمة" ، بعكس مجموعة  "ملائكة وشياطين" مجموعته الأولى قبله: " .. ولكنّه في ديوانه الثاني (أباريق مهشّمة، 1954) يندفع في أسلوب العمود المطوّر بشكل لم يكنْ منتظرًا، بالرغم من أنّ البياتي لم يدرس الآداب الأوروبيّة بلغاتها الأصليّة، لكنّه انفتح على ثقافات عديدة منذ أوائل عهده بالشعر". ثمّ إنّ البياتي نفسه يعتبر "أباريق مهشّمةّ فتحًا جديدا في الشعر العربي الحديث، فيذكر إنجازه هذا بكثير من الفخر والاعتزاز. ففي مقابلة معه في مجلّة "شعر" يقول الشاعر: "ويوم كتبت أباريق مهشّمة كنت أقتحم آفاقا جديدة دون وجود طريق ممهّدة أمامي. والجديد الذي جاء في شعري ظهر فيما بعد عند كثير من الشعراء البارزين اليوم". كما أنّ البياتي في حديثه المذكور مع غالي شكري يذكر صراحة أنّه يعتبر "أباريق مهشّمة" أوّل مجموعة شعريّة يظهر فيها "مفهوم الحداثة"، إذ يقول: "لا شكّ أن هناك تطوّرًا بين ملائكة وأباريق. فأباريق مهشّمة يعدّ بالنسبة للشعر العربي الجديد عامّة أوّل ديوان كامل يظهر فيه مفهوم الحداثة ورؤيا المعاصرة... لأنّ أشعار السيّاب مثلا، التي كتبها بين 1950 و 1954 (وهي نفس المرحلة التي كتبتُ فيها "أباريق مهشّمة") كانت امتدادًا لعالمه الأوّل، عالم "أزهار ذابلة" و"أساطير"، وهو عالم رومانسي باستثناءات نادرة. ولم يستطع السيّاب أن يتخلّص من رومانسيّته المكثّفة إلا بصدور ديوان "أنشودة المطر"، وقد ظهر بعد ديواني بسنوات".

ونحن هنا لن نعرض للظروف الشخصيّة والموضوعيّة التي كانت عونًا للبياتي في إنجاز "صيغة الحداثة"، بل سنحاول فقط تقصّي أهمّ المقوّمات الفنيّة التي تتشكّل منها هذه الصيغة الجديدة: المبنى الثيماتي، المعجم الشعري، التكرار، التناصّ.

المبنى الثيماتي

تضمّ مجموعة "أباريق مهشّمة"، في "ديوان عبد الوهاب البياتي" 37 قصيدة، وهناك أربع قصائد أخرى ظهرت في الطبعة الأولى من المجموعة، لكنّها لم تظهر في الديوان الكامل. إلا أنّنا نتناولها هنا لأنّها في الواقع تنتمي إلى الأباريق.

حين ينتقل القارئ من "ملائكة وشياطين" إلى "أباريق مهشّمة"، يجد نفسه يواجه فجأة صياغة شعريّة جديدة تختلف تماما عن الفنّ الشعري في الشعر الكلاسيكي الجديد والشعر الرومانسي على حدّ سواء. في الملائكة قبلها كان الشاعر هو الشخصية المركزية في القصيدة، يعبّر فيها عن عواطفه الذاتيّة، بل يصف ما حوله أيضا بعين ذاته، مُسبغًا عليه كلّه ما في داخله هو. أمّا الآن، في الأباريق، فالشاعر يغدو أشبه ما يكون بالراوي في الفن القصصي، يعرض صوره ومواقفه فيما يشبه السرد الموضوعيّ، وهو ملمح يهيمن تماما على مجموعة الأباريق كلّها.

معظم النقّاد عرضوا للشكل الجديد لكنّهم اكتفوا، على الأغلب، بالقول إنه شكل يقوم على الصور وسيلة في التعبير، ثمّ انصرفوا إلى دراسة الشكل الإيقاعي واللغة الشعرية برموزها وتشبيهاتها واستعاراتها. كرّس إحسان عبّاس، مثلا، فصلا كاملا من كتابه لدراسة الصورة في الأباريق، فميّز بوضوح بين نوعين من الصور: الصور العريضة وتتكوّن جزئيّاتها عادة من المنظروات والمسموعات، كما في سوق القرية مثلا، والصورة الطويلة التي تدور حول شخص واحد، وتتردّد فيها هواجسه وآلامه، بحيث تغدو أقرب إلى المونولوج الداخلي، كما في القرصان والملجأ العشرون، أو الآفاق. كذلك أشار نقّاد كثيرون إلى أنّ الصورة غالبا ما تكون مجزّأة، يكتفي منها الشاعر  بلمحة عابرة، بصريّة أو سمعيّة، دونما الخوض في تفاصيل أخرى. يقول الناقد جلال العشري، مثلا: "فشعره يتميّز بتعدّد الصور الجزئية المتناثرة التي تتكامل فيما بينها لتعطي الانطباع الكلّي العامّ، كما يتميّز  باللمسة السريعة واللمحة القافزة".

أمّا عن الروابط الداخلية التي تضمّ شتات الصور المجزّأة، وصِلة هذه الصور بالهيكل العام للقصيدة، فقد انصرف النقّاد في تناولها عادة إلى تبيان العوامل النفسية، والتأكيد بوجه خاصّ على تكنيك التداعي الذي اعتبروه السلك الوحيد الذي يضمّ هذه الصور إلى بعضها. يرى إحسان عبّاس، مثلا، أنّ "التداعي عند البياتي لا يحمل دائما حقائق نفسيّة، وغالبًا يجيء عدّا لمظاهر الصورة الخارجية [...] وهذا العدّ لا يدلّ إلا على تحويم النفس حول الصور الخارجية".

في رأينا أنّ معظم الصور في "أباريق مهشّمة" تقوم، في الواقع، على مبنى ثابت متكرّر، بسيط في بعض القصائد، ومركّب في الأخرى. هذه القصائد بالذات هي القصائد المهيمنة على المجموعة كلّها، بحيث يمكن اعتباره مبنى مركزيّا في الأباريق عامّة. يتألّف هذا المبنى عادة من متواليات من "الصور المجزّأة"، أو العناصر، وهذه المتواليات تنتمي إحداها إلى نطاق معيّن، واقعيّ أو نفسيّ، تتلوها أخرى من طبيعة مختلفة تمامًا، بحيث يخلق هذا التناوب بين المتواليات المتضادّة مبنى جدليّا واضحًا، ينجم غالبًا عن استخدام عنصرين متضادّين، من المجال ذاته عادة: قاتم ومشرق، متمثّليْن في الواقع منافيا للأحلام مرّة، والحاضر منافيًا للماضي أو المستقبل مرّة أخرى. لا تقوم القصيدة، طبعا، على مبنى هندسيّ دقيق يضمّ عددا متساويًا من المتواليات القائمة والمشرقة، وعددا متكافئا من العناصر أيضا. إنما هو مبنى عامّ مركزيّ، كما أسلفنا، قد تدخله أحيانا بعض التغييرات أو "الانحرافات" بينما يبقى الهيكل الأساسيّ واضحًا تماما.

في سبيل التمثيل على هذا المبنى الجدليّ المذكور، ننظر مثلا، في قصيدة "أباريق مهشّمة"، وهي قصيدة سهلة المبنى نسبيًا، ويبدو أنّ الشاعر أولاهما أهميًة خاصّة حين جعل عنوانها نفسه عنوان المجموعة كلّها، كما هو مألوف في عناوين مجموعات القصص القصيرة.

مضمون القصيدة، أو ثيمتها، هو الصراع بين القديم والجديد، بين القوى الرجعيّة وقوى التقدّم بأسلوب السياسة. لذا فإنّها تجمع كما يرى الدكتور عبّاس بين صور "التردّد والحيرة والعمى" من ناحية، وصور "التفتّح والانعتاق والاندفاع" من ناحية أخرى. وفي فحصنا هنا للمتواليات المختلفة من الصور سوف نقف، رغبة في التوضيح، على الشكل الأساسي للقصيدة، بحذف بعض الألفاظ والروابط التي لا نراها ضرورية في فهم القصيدة وتحليلها، مضحّين طبعا بالوزن والقافية، مُبقين من ناحية أخرى ألفاظ القصيدة ذاتها ما أمكن:

1) الله، الأفق المنور، العبيد يتحسّسون قيودهم [مردّدين]:

"شيّد مدائنك قرب فيزوف"

"لا تقنع بما دون النجوم"

"ليملأ قلبَك الحبّ والفرح"

2) الرجال الذين باعوا نسورهم يتضوّرون جوعًا

 أشباه الرجال العور يقفون حائرين في مفرق الطرق الجديدة [مردّدين]:

"لا بدّ للخفّاش من ليل وإن طلع الصباح".

3) الشاة تنسى وجه راعيها

الابن على أبيه

 الخبز المبلّل بالدموع له طعم الرماد.

4) العين الزجاجية في رأس القزم تنكر الضوء الجديد

الأرامل يتبعن أشباه الرجال بلا غد.

5) الله، الأفق المنور، العبيد يتحسّسون قيودهم (مردّدين):

"نبع جديد تفجّر في حياتنا المجدبة".

"ليدفن الأموات موتاهم".

"لتكتسح السيول الأباريق القبيحة والطبول".

"لتشرق الشمس وليحلّ الربيع".

المتوالية الأولى، كما نرى، تتألف من عناصر ثلاثة: الله- رمز الإيمان والعدل؟ الأفق المنوّر- رمز النور والتحرّر، ثم العبيد وهم يحاولون كسر قيودهم، وقلوبهم طافحة بالثقة والطموح والحب، كما ورد في جملة القول الثلاثية. واضح أنّ الصورة الثالثة، صورة العبيد الطامحين إلى الانعتاق، هي صورة طويلة نسبيًا، إذا قارنّاها بالصورة الأولى التي تقوم على كلمة مفردة- الله، والثانية المؤلّفة من اسم وصفة- الأفق المنوّر. ما يلفت النظر هنا أن الصور الثلاث في هذه المتوالية هي صور ذات دلالة إيجابية، أو هي صور مشرقة، وإذا كان العنصر الأول- الله- "محايدًا" فإنه بطبيعة الحال يكتسب "إشراقه" من سياقه، أو من العنصرين المجاورين له.

المتوالية الثانية هي متوالية قاتمة، ما في ذلك شكّ. فهي تتألّف من صورتين: بائعو النسور (من كنايات البياتي لمن فقدوا ضمائرهم) يعانون الجوع، أو الخواء الروحي، وأشباه الرجال العور (من قاموس البياتي الهجائي لأعداء التقدّم وأتباع السلطة) يقفون مشدوهين في الظروف الثورية الجديدة، لكنهم لا يفقدون الأمل في انتصار الظلام على النور، فالخفّاش لا بدّ له من ليل يعيش فيه. يلاحظ أيضا أنّ القصيدة، كما يظهر بوضوح، تنتقل من المتوالية الأولى إلى الثانية مباشرة، دونما رابط سوى الواو لا غير.

 تنتقل القصيدة بعد ذلك مباشرة إلى المتوالية الثالثة، بالطريقة ذاتها، لتتضمّن ثلاث صور مشرقة مرّة أخرى: الشاة تنسى وجه راعيها. في إشارة إلى انتهاء عهد التبعيّة، عهد "الراعي والقطيع". وعلى الأب يقوم الابن: باعتبار الابن ممثّلا للجيل الجديد والعهد الجديد، بينما يمثّل أبوه الجيل التقليدي السابق، في تناصّ واضح مع التراث المسيحي. والخبز المبلّل بالدمع بطعم الرماد: في تصوير النضال المرّ القاسي الذي يخوضه المناهضون للحاكم. الصورة الأخيرة بالذات قد لا تكون مشرقة حرفيًا، إلا أنّها بوضوح من تبعات التحوّل والتغيير،  ترافق وتكمّل الصورتين السابقتين.

المتوالية الرابعة تتألف، مثل الثانية، من صورتين فقط: القزم بعين واحدة من زجاج ينكر الضوء الجديد. والقزم في القاموس الهجائي عند البياتي لا يكاد يختلف عن العور وأشباه الرجال. والعين الزجاجية الواحدة ربما تشي بالقيامة أو "أشراط الساعة"؟ والأرامل المخدوعات بأشباه الرجال لا مستقبل لهم جميعًا. كلتا الصورتين، دون شكّ، صورتان قاتمتان، تمثلان أعداء التقدّم، أعداء النور.

المتوالية الخامسة والأخيرة تكرّر عناصر الأولى، إلا أن العبيد هنا ليسوا من كانوا في بداية التغيير/ الثورة. إذ اختلفت حالتهم تمامًا كما تمثّلَ ذلك في جملة القول الطويلة المفعمة بمشاعر التفاؤل والانتصار: النبع الجديد/الثورة يتفجّر في حياتهم. فليُدفن الماضي البغيض، ولتُشرق الشمس، ويتمّ التحرر نهائيًا.

قبل النظر في المبنى الجدليّ لهذه القصيدة المركزية في المجموعة، لنا ثلاث ملاحظات أخيرة:

1) رغم أنّ عنوان القصيدة، والمجموعة كلها، هو "أباريق مهشّمة"، إلا أنّها وردتْ، في ثنايا القصيدة، الأباريق القبيحة. ولا نظن أنّ هناك سببًا لهذا التغيير سوى ضرورة الوزن. من ناحية أخرى يمكن القول إنّ الشاعر باتّخاذه الأباريق المهشّمة عنوانا للمجموعة كلها، أراد القول بأن هذه المجموعة حرب على الرجعية والمؤسسات القديمة، وفي ذلك ما يبرز طابعها التقدّمي بصراحة.

2)  يكنّي الشاعر عن المناضلين في القصيدة بالأموات: "فليدفن الأموات موتاهم". وتتردد هذه الكناية في مواضع أخرى من المجموعة بالدلالة السابقة ذاتها. وقف الدكتور عبّاس طويلا عند إيليوت والفلسفات القديمة والمتنبّي والتراث المسيحي، محاولا تفسير الدلالة التي أرادها الشاعر بهذه الكناية. وفي رأينا أن البياتي استقى هذه الكناية من الإنجيل حصرًا، إلا أنّ المسيح يقصد هناك بالموتى من لم يؤمنوا بالرسالة، فاقتبسها البياتي وجعل دلالتها المناضلين والأحرار، وفي ذلك بعض التناقض غير المبرّر، في رأينا.

3) الملاحظة الأخيرة أن قصيدة "أباريق مهشّمة" قصيدة متفائلة، تغلب عليها الصور المشرقة كمًا ونوعًا. ثمّ إنّ الخاتمة كما رأينا هي خاتمة متفائلة مشرقة واثقة بانتصار النور على الظلام، والحقّ على الباطل، في هذا الصراع المصيري. إلا أنّ معظم القصائد الأخرى ذات الشكل الجدلي المماثل لا يغلب عليها التفاؤل والإشراق والتحرّر، كما في هذه القصيدة. فأغلب الظنّ أنّ القصيدة كّتبت بعد إعداد المجموعة لتكون موتو أو "واجهة" توحي بالتفاؤل المذكور. أمّا القصائد الأخرى فقد حملت في معظمها  طابع التشاؤم بالذاتّ. إذ تغلب فيها العناصر القاتمة على المشرقة. لذا فإنها هناك، تمثّل في رأينا موقف الشاعر عامّة، أكثر مما تمثّله قصيدة "أباريق مهشّمة" التي تطفح بالتفاؤل والثقة الكاملة بالنصر!

على كل حال، ما يهمًنا هنا أن القصيدة تنتقل من متوالية إلى أخرى، لتضمّ خمسًا منها: مشرقة- قاتمة- مشرقة– قاتمة- مشرقة. وهو مبنى جدليّ من الأضداد، يهيمن على جوّ المجموعة عامّة. إذ تتتابع في القصائد المركزية من المجموعة هذه المتواليات، وإن اختلفت نوعًا وترتيبًا، بحيث يمكننا اعتبار هذا المبنى الجدليّ المبنى المهيمن على كلّ المجموعة. بل إن المبنى الإيقاعي ذاته في "المطلع" يتردّد أيضا في قصائد كثيرة أخرى.

المبنى المذكور القائم على الجمع بين الصور، مشرقة مرّة وقاتمة مرّة أخرى، ولا يجمع بينها سوى الواو، نجده أيضا في قصيدة "الحريم" حيث يقوم التضادّ بين الحبيبة كما تبدو في نظر العائق الرومانسي وواقع المرأة البائس في الشرق حيث ما زالت "جسدًا بأسواق المدينة بالمزاد/ جسدًا يباع". ويقوم هذا المبنى متلاحقا بعنف في "الباب المضاء" حيث يزحف المتظاهرون بشعاراتهم وهتافاتهم من ناحية، ويقوم "الليل والحمَى وعصائب البوليس" من الناحية الأخرى، وهكذا..

هذا المبنى الجدلي شكّل في رأينا إطارًا، أو أساسًا لكلّ نواحي التجديد الأخرى في المجموعة. ولعلّ في هذا المبنى ما يعكس رؤية الشاعر الازدواجية في الواقع والحياة عامّة: فهي رؤية قاتمة في جوهرها تتوقّف طويلا على مشاهد الظلم والفقر والشقاء، بينما تظلّ الصور المشرقة قليلة نسبيّا وضامرة. بل إنها في بعض الأحيان تبدو مجلوبة بعيدة عن الأصالة والعفويّة. فالبياتي كما وصفه الدكتور عبّاس "إنسان يحسّ بما حوله، بمأساة لا يستطيع أن يغرقها في تفاؤل عريض، ومع ذلك فلا بدّ له من جرعة كبيرة من الإيمان بالإنسان، ومن قبضة من أثر التفاؤل تحوّل نفسيّته وشعره بقوّة من السحر، عن التشاؤم القاتم".ِ

المعجم الشعري

من الطبيعي أن ينعكس التجديد الكبير في "أباريق مهشّمة" لا على المبنى فحسب، وإنما على اللغة الشعرية بمعجمها وصياغاتها أيضا.

ننظر في قصائد المجموعة فنجد أن البياتي، في معظمها، هجر الأجواء الرومانسيّة الحالمة والمضامين المهيمنة على "ملائكة وشياطين"، منتقلا إلى عالم الواقع حوله، يصف ما يرى فيه من مشاهد مشرقة وقاتمة، أو جميلة وقبيحة، على حدٍّ سواء.

أوّل ما يلفت النظر هنا هو قاموس البياتي الشعري، متمثلّا في مفرداته وتراكيبه المغايرة تمامًا لمجموعته السابقة والصياغات العربية الرومانسية عامّة. فهو هنا يركّز على مكوّنات الواقع، العظيمة والتافهة معًا، مستخدمًا الألفاظ الواقعية البسيطة، لا يبالي إذا كانت هذه الألفاظ من "اللغة الشعرية" المألوفة في التقاليد الشعرية السابقة، أو من الألفاظ "اليومية" ، لتدخل "محراب" الشعر لأوّل مرّة. وسواء كان هذا التحوّل في النظر إلى الألفاظ متأثّرا بأسلوب إيليوت، أو بموقف شعراء اليسار العرب وغير العرب، فذلك ليس من شأننا هنا. ما يهمّنا هنا هو أنّ الشاعر ينظر إلى العالم من حوله نظرة واقعيّة، فيصوّر ما فيه من جمال ومن قبح أيضا، بالألفاظ السهلة المتداولة التي تبدو، ربما، نابية في الآذان "المرهفة" في تلك الفترة. بشير عبّاس إلى هذه الظاهرة فيعتبرها من صميم النهج الجديد، بل يقارن البياتي بالمدرسة التصويرية في الغرب أيضا: "فالتصوير شيء مشترك بين البياتي وشعراء المدرسة التصويريّة، لولا الخلاف في الغايات، أمّا في نثر أجزاء الصورة فربّما لم يكنْ هناك فرق أبدا، ويكفي أن تضع قصيدة "سوق القرية" إلى جانب قصيدة لفلتشر ((Fletgher عنوانها "حيّ مكسيكي" لتدرك التقارب الشديد في الطريقة".

لا يكتفي البياتي في اتجاهه الواقعي بذكر "التوافه" في الحياة، بل يذكر أيضا في قصائده أماكن وأشخاصًا واشياء يستقيها من اللغة الصحافية، مثل: المقهى، المذياع، البنادق، المستعمرون، البغايا، البوليس، البترول، اللصوص، الباعة المتجوّلين.. الخ، وفي ذلك ما يؤكّد نظرة البياتي إلى الواقع واللغة الشعريّة، وإن لك يكن أول من أخذ بهذا الأسلوب. يلاحظ أيضا أن البياتي يستقي ألفاظا كثيرة من الصحافة اليساريّة بالذات، بما فيها الشعارات والتراكيب الجاهزة: يسقط المستعمرون، صنّاع الظلام، حصن السلام، الموت للمستعمرين، حقّ تقرير المصير، الرفاق، الكادحون، عصر الكادحين، سفّاكو الدماء، أعداء الحياة.. الخ، وهذه الألفاظ لا تمثّل فقط واقعية الشاعر بل تعلن صراحة انتمائه إلى الأوساط اليسارية في العراق، في تلك الفترة ايضا.

حاولنا تقصّي المعجم الشعري عند البياتي في "أباريق مهشّمة"، فاقتصرنا على مجالات ثلاثة يستقي منها الشاعر معظم ألفاظه وتشبيهاته، ومنها تتشكّل إلى حدّ بعيد الصور القاتمة والمشرقة التي تتداول المبنى الجدلي المذكور آنفًا: الإنسان والحيوان والطبيعة.

يقسّم الشاعر الناس إلى فئتين: الحكّام وأتباعهم من جهة، يشكّلون الصورة القاتمة طبعا، والمحكومين؛ سواء كانوا من الناس البسطاء العاديين أو الثوّار والمناضلين، ويشكّلون عادة الصور المشرقة. من الفئة الأولى نقرأ عند البياتي: أشباه الرجال، العور، بائعو النسور، الأقزام، الجثث المعطّرة، صيّادو الذئاب، تجّار القول المزيّف، الأوغاد، البغايا، المومسات، التافهون، التنابلة، البوليس، البرابرة اللئام، أعداء الحياة. ومن الشخصيات التاريخية: هولاكو وهرون الرشيد. أما الفئة الثانية من الناس فهم: البؤساء، المستضعفون، الطيّبون، الملايين، العبيد، الكادحون، الرفاق، القافلة، الفارس، العائدون.

من الطبيعة يستقي البياتي ألفظا "قاتمة" مثل: الصحراء؛ صحراء السهاد، صحراء الصقيع، الصحاري الموحشات، الثلج، البرد، الليل، الظلام، الشوك، العشب الخبيث، التينة الحمقاء، الزنابق السود، أوراق الخريف، الأنهر السوداء. أمّا العناصر المشرقة من الطبيعة فهي: الشمس، الفجر، الضحى، الربيع، السماء الزرقاء، شذى الخمائل، ريح الجنوب، السنابل، المراعي، الغابات العذراء.

والعناصر القاتمة من عالم الحيوان، أخيرًا: الذباب، الجراد، الخفّاش، الجرذان، القمل، الحمر الهزيلة، الخنفساء، الحلزون، العنكبوت، الكلاب، العنزة الجرباء، الأفاعي، البوم، القرد، الصرصور، الذئاب، الديدان. بينما تبدو الحيوانات "المشرقة"  قليلة نسبيًا، سواء في عددها أو المرّات التي ترد فيها في المجموعة، وتقتصر على: السنونو، القبّرات، النحل، العصافير، الفراش.

بعد تقصّي هذه العناصر، في المجالات الثلاثة، في "أباريق مهشّمة"، يمكننا استخلاص ملامح هامَة دالّة بالنسبة للمجموعة كلّها:

1) في المجالات الثلاثة المذكورة، نجد العناصر القاتمة مهيمنة بوضوح، سواء في عددها أو عدد المرات التي تتردّد فيها، وفي ذلك ما يؤكّد رأينا أنّ موقف الشاعر، في الأساس، هو موقف قاتم متشائم، بخلاف ما ورد في قصيدة أباريق مهشّمة، كما ذكرنا سابقًا.

2) يلاحظ، أحيانا، أن اللفظ ذاته يمكن استخدامه قاتمًا أو مشرقًا، وذلك تبعًا للسياق الذي يرد فيه. فالشمس، مثلا، قد تمثّل النور والحرّية والانطلاق في سياق ما، كما رأينا في قصيدة أباريق مهشّمة آنفًا، وقد تكون دالّة على التعب والإرهاق والضجر في سياق آخر، كما يظهر في قصيدة سوق القرية. وهناك عناصر أخرى هي، في جوهرها، مشرقة أو قاتمة، إلا أنها تغيّر دلالتها إذا أضيفت إلى عنصر آخر، أو لحقتها صفة معيّنة. فالعشب والمطر والزنابق، مثلا، هي بحدّ ذاتها عناصر مشرقة، توحي بالخصب والربيع والحياة، إلا أنّها تكتسب الدلالة القاتمة حين ترد منعوتة على هذا النحو: المطر العقيم، العشب الخبيث، الزنابق السود. في هذا المجال تتجلّى رؤية الشاعر في صورة أوضح، ذلك أن الجوّ العام في القصيدة يسبغ حتى على هذه العناصر قتامته. إنها قتامة ذاتيّة، إذا صحّ التعبير، تنعكس على هذه العناصر فتصبغها بلونها هي، لتنضمّ بذلك إلى العناصر القاتمة في المجموعة.

3) هناك ألفاظ وردت في "ملائكة وشياطين" رومانسيًا، وفي هذه المجموعة استخدمت من جديد "واقعيًا". فالصحراء في المجموعة الأولى مثلا دلالتها الحرمان والعطش الروحيّ وهجر الحبيبة؛ صحاري الظماء، صحاري الحرمان. أمّا في السياق الواقعي، في هذه المجموعة، فدلالتها الفقر والضعف والحرمان الاجتماعي؛ صحراء الصقيع، صحراء العدم، الصحارى الموحشات. والأفعى أو الثعبان وردت في السياق الرومانسي، في المجموعة الأولى، تحمل إيحاءات الخطيئة والجنس، أجواء التوراة وإلياس أبو شبكة. إلا أنّها هنا تقترن بالعفاريت وخوف الصغار وأوهامهم المفزعة في الليل: "وفي الظلام/ مأوى الأفاعي والعفاريت الضخام/ كانت مدائننا الجديدة في خواطرنا تقام".

4) هناك قصائد قليلة في المجموعة تختلف عن المثال المهيمن المذكور، من حيث مبناها وألفاظها واستعاراتها، وهي في الغالب قصائد ذاتية، وتتناول موضوعات مثل الحب وذكريات الطفولة خاصّة. في قصيدة أمطار، مثلا، نجد حنينًا إلى القرية والحياة البسيطة فيها، وفي هذه القصيدة يستمدّ الشاعر معجمه من: القرية، العاشقين، الحقل، العصافير، السنديان، الربى، الأقحوان، الكوخ، الصبايا، البيدر. وهي جميعها ألفاظ رومانسية واضحة، ومثلها أيضا قصيدة وحشة. هذه القصائد في رأينا، تدلّ أن الشاعر لم يقطع صلته تمامًا بالأجواء الرومانسية في "ملائكة وشياطين"، ولعلّ هذه "البقايا" بالذات تبرز إلى أيّ مدى كان التجديد في "أباريق مهشّمة" شاملا، بحيث بدت هذه القصائد هنا "شاذّة" تمامًا.

التكرار

التكرار ظاهرة عامّة في شعر البياتي، بحيث يمكن اعتبارها من مميزات أسلوبه، بل إن بعض النقّاد رأوا أنه أحيانًا "يسرف كثيرًا في استغلال هذه الناحية حتى يخرج عن حدّ الاعتدال المقبول". حاول الدكتور عبّاس تفسير التكرار الذي يتخلّل معظم قصائد "أباريق مهشّمة"، فرأى أنه "يصوّر الاضطراب النفسي ويكمّل النغمة الموسيقية ويؤثّر في دورة اللحن، ويقرّب القصيدة من الأغاني الشعبية ذات اللازمة المردّدة". وأشار نقّاد آخرون إلى الإيحاء في الجملة أو التركيب المكرّر. يقول مجاهد عبد المنعم مجاهد مثلا: "ويغرم البياتي بالتكرار، إنّه يكرّر أبياتا بكاملها، أو مقاطع بكاملها، ليحدث إيقاعًا معيّنًا هادفًا إلى التأكيد على شيء معيّن بالذات ليحدث في النفس هزّة ودفعة إلى الأمام، ويعمّق الإيقاع أكثر عندما يستخدم التلميح والكلمات الموحية بدل التصريح والكلمات المباشرة".

رغم أن نقّادا كثيرين تناولوا ظاهرة التكرار في شعر البياتي، ودرسوها بالتفصيل، إلا أنّهم لم يحاولوا تصنيف هذا التكرار، والبحث عن دلالة كلّ نوع منه، كما أنّهم لم يعرضوا أيضا لوظيفة التكرار المبنويّة في القصيدة، سوى ملاحظة الدكتور عبّاس السابقة بأنه يشكّل ما يشبه اللازمة في نهاية القصيدة.

أوّل نوع من التكرار يلفت النظر هو التكرار في الخاتمة. والسطر المكرّر في الخاتمة قد يكون السطر الأول من القصيدة أو سطرًا آخر ورد في ثناياها. هذا النوع من التكرار يتردّد كثيرًا في القصائد ذات المبنى الإيقاعي التقليدي في "ملائكة وشياطين" خاصّة. إنّه تكرار حرفيّ لا يشكّل عنصرًا مبنويّا في النصّ. فهو مجرّد تكرار بيانيّ، كما سمّته نازك الملائكة، يعيد تأكيد المعنى، خصوصًا حين يشكّل السطر المكرّر تلخيصًا للقصيدة كلّها، كما أنّ تكرار المعنى والإيقاع معًا يسير بالقصيدة إلى الخاتمة المثلى؛ أشبه ما يكون بالخاتمة في الأغاني الفولكلورية. الأمثلة على هذا النوع من التكرار نجدها مثلا في قصائد وحشة، الأسير، طيفها. في بعض الأحيان، يطرأ على هذا التكرار تغيير طفيف بما يلائم السطر أو الأسطر السابقة، فيكون التغيير عبارة عن كلمة أو تحوير بسيط في مبنى الجملة، دونما أثر يُذكر على المعنى العامّ في القصيدة، كما نجد في قصيدة سارق النار. هذا النوع من التكرار يتردّد كثيرًا في المجموعة الأولى، "ملائكة وشياطين"، كما أسلفنا، ويقلّ تدريجيا في "أباريق مهشّمة"، حيث يغلب شعر التفعيلة، كأنّما هو من "لوازم" الصياغة الرومانسيّة!

إذا كان شكل القصيدة عامّة قد تغيّر في "أباريق مهشّمة"، فمن المتوقّع أن يتغيّر تكرار الخاتمة أيضا، كما تؤكّد ذلك الناقدة بربارة سميث بقولها: "بما أنّ السمات الأسلوبيّة العامّة تتغيّر، وتظهر بالذات أنواع جديدة من الشكل، فإن الأشكال السابقة من الخواتم لا تعود بالطبع ذات أثر". لذلك لم يكنْ غريبا، في "أباريق مهشّم أنْ تطرأ بعض التغييرات على الخاتمة المكرّرة بحيث تُكسبها معنى يختلف عنه حين وردتْ لأوّل مرّة في القصيدة. مثال ذلك ما نجده في قصيدة موعد مع الربيع. فالأسطر الأصليّة في البداية تعكس أمل العاشق وإصراره على عودة الحبيبة: "وصرختُ من أعماق يأسي: لا أريد/ هي السنونو والربيع، غدا تعود/ هي والوجود، غدا تعود"، وفي الخاتمة يتكرّر هذا المقطع تكرارا مطوّرا بحيث يحمل دلالة جديدة فيها الإقرار باليأس، بل والسخرية من الأمل بعودتها أيضا: "وسخرت من نفسي: تعود؟/ هي والربيع غدا تعود!". وهناك مثال آخر لهذا النوع من الخاتمة في قصيدة في المنفى أيضا. على كل حال، هناك بعض قصائد من شعر التفعيلة أيضا، ظلّت فيها الخاتمة من التكرار البياتي، كأنما الشاعر لم يستطع التخلّص من هذه السمة الأسلوبية في مجموعته الأولى، مثل: مسافر بلا حقائب، تمّت اللعبة.

النوع الثاني من التكرار يتردّد فيه سطران أو أكثر، مرّة بعد أخرى في القصيدة حتى الخاتمة، وفي كلّ مرّة يلاحَظ بعض التغيير في الأسطر المكرّرة، من حيث شكلها أو نوع مفرداتها، بحيث يشكّل هذا التكرار عاملا شكليًا في القصيدة يختلف في وظيفته تماما عن التكرار البياتي المذكور آنفا. كما أنّ هذا النوع من التكرار هو أشبه بالسلك يمتدّ في القصيدة من أوّلها إلى آخرها، فيقوم بربط الصور المتفرّقة وجمعها، مذكّرا أيضا بثيمة القصيدة العامّة، أو تذكر دائما بموضوعة القصيدة التي تتلخّص مثلا في تأملات وهواجس السجين:

1- عين السجين/ من قبوه الأرضيّ للنجم الحزين/ من قبوه الأرضي تضرع ..

( مطلع القصيدة )

2- عين السجين/ من قبوه الأرضي تضرّع والمصير... [السطران 9، 10]    

3- وتفرّمن عين السجين/ بعض الدموع [السطران 38، 39]

4- وتفرّ من عين السجين/ بعض الدموع/ وفي الدروب/ أصداء قافلة تغنّي، إنّها:  ريح الجنوب [الأسطر 46 – 49، وهي الخاتمة أيضا]

هكذا تتردّد العبارة، مع بعض التغييرات الطفيفة، أربع مرّات في القصيدة، مذكّرة بصاحب هذه الهواجس والأحلام، وبواقع السجين القاتم في سجنه، مناقضًا لصور الثقة والأمل والنصر المشرقة المبثوثة في هواجسه.

في أحيان كثيرة يتردّد في القصيدة أكثر من تعبير أيضًا، بحيث يكتسب إيقاعها شكلا لولبيّا، دوّاميّا، كما في قصيدة ريح الجنوب ذاتها، حيث تتكرّر صورة "القوافل العائدة من الجنوب" خمس مرّات أيضا، بالإضافة إلى التكرار المذكور أعلاه. ونجد النوع نفسه من التكرار أيضا في قصيدة فيت مين، حيث يتكرّر أكثر من تعبير واحد على امتداد القصيدة، وتقوم القصيدة كلّها على صور الذكريات من باريس حيث ترك المتكلّم زوجته وابنته سوزان، من ناحية، وصور النضال ضدّ الفرنسيين في الشرق الأقصى، من ناحية أخرى، دونما رابط بين هذا الحشد من الصور سوى الواو وجملة "وكرنّة العصفور، صوتك لا يزال" التي تفتح سيل الذكريات الباريسيّة، وتبتدئ القصيدة وتختتمها أيضا.

بالإضافة إلى ربط الصور المتناثرة في القصيدة، هناك توظيف أعظم شأنا للتكرار، يتمثّل في تعزيز الوحدة العضوية في القصيدة أيضا. فإذا كانت صور القصيدة، في معظمها، جامدة لا حركة فيها، تتألّف عادة من صور إسمية أو فعلية مضارعية، فكيف يتوصّل الشاعر إلى التقدّم في تشكيل النصّ وتطوير الأحداث حيث يكون ذلك ضروريًا؟ ذلك أنّ قصائد قليلة فقط تقوم على الوصف الفوتوغرافي الجامد بينما نجد قصائد أخرى كثيرة ترسم وضعا ديناميّا، كالمظاهرة مثلا، حيث يشكّل التغيير والإيقاع جزءًا جوهريّا لا غنى عنه. في هذا النوع من القصائد يستخدم الشاعر التكرار في التعبير عن الحركة والأوضاع الديناميّة، بحيث يمكن اعتباره عاملا مبنويّا هامّا في "أباريق مهشّمة". هذا النوع من التكرار قد يكون بسيطًا أو مركّبًا، ويقوم على تكرار الجملة أو الصورة محْدثا بعض التغيير في عناصر الصورة المكرّرة؛ سواء بالإضافة أو بالحذف لبعض أجزاء المتوالية. في قصيدة أباريق مهشّمة ذاتها، التي عرضنا بالتفصيل لمبناها الجدليّ آنفًا، يختتم الشاعر القصيدة بأسطر "المطلع" ذاتها، إلا أنّ جملة القول على لسان العبيد تختلف في الخاتمة اختلافا كبيرا عنها في المطلع، بحيث يؤكّد التعديل الذي طرأ على الخاتمة تحقيق الثورة والنصر: "نبع تفجّر في موات حياتنا/ نبع جديد [...] ولْتُفتح الأبواب للشمس الوضيئة والربيع". وفي قصيدة فيت مين أيضا نجد هذا النوع من التكرار البسيط:

   وطلائع الثوار تقتحم الحصون [سطر 13]

  وطلائع الثوار تعدم بالرصاص الخائنين [سطر 25]

أما النوع البالغ التركيب من هذا التكرار فلعلّ قصيدة الباب المضاء، هي خير مثال عليه، حيث يتردّد التكرار مرارًا حافلا بالصور، تحذف مرّة أو تضاف أخرى، ليتحقّق بذلك للشاعر وصف مشهد ديناميّ لمظاهرة دمويّة في الشارع، من خلال الصور الإستاتية المذكورة:

1) الليل والباب المضاء وأصدقائي الميّتون/ بلا وجوه يحلمون/ بالفجر[1- 3]

2) والليل والباب المضاء/ والشارع المهجور والقتلى وأقنية المياه [11 – 12]

3) والشارع المهجور/ والباب المضاء موارب، دامٍ، يواجه قتيلْ [26 – 27]

4) والشارع المهجور تذرعه الكلاب/ وفصائل الجند المدجج بالسلاح [30-31]

5) والميّتون الأصدقاء/ والشارع المهجور يغمره الضياءْ [الخاتمة 55 – 56]

يشهد تركيب "الشارع المهجور" تغييرات كثيرة سواء بسقوط بعض العناصر أو إضافة أخرى إليها، أو بوصف مختلف للعنصر ذاته، مثل "الشارع المهجور". هناك أيضا بعض العناصر المذكورة في المقتبس أعلاه، تتناثر وتتكرّر على امتداد القصيدة، مثل "الأصدقاء الميّتون"، ولم نذكرها هنا رغبة في الاختصار. على كلّ حال، يكفي أن نتابع في المقتبسات السابقة عنصرًا واحدًا هو "الشارع المهجور" لنرى التغيير والحركة واضحين من خلاله: ورد هذا التركيب في العبارة الثانية لأول مرّة وأضيفت إليه "القتلى"، ثم ورد هذا التركيب في العبارة الثالثة دونما إضافة، لكن القتيل هنا أمام "الباب المضاء"، وفي العبارة الرابعة يذرع الشارع المهجور الجنود والكلاب، وأخيرًا في الخاتمة يغمر النور هذا الشارع المهجور! وهناك قصيدة أخرى، "الأفّاق"، يتخلّلها التكرار المركّب أيضا، وفي أكثر من تعبير، يتغيّر كلّ منها في كلّ تكرار جديد، بحيث يمثّل التكرار اطّراد النصّ، ودوران الأفّاق المذكور في حلْقة مفرغة أيضا.

هكذا نرى التكرار في "أباريق مهشّمة"، على اختلاف عدده ونوعه، يشكّل "حيلة" أسلوبيّة طيّعة في متناول الشاعر، وظاهرة أسلوبيّة بارزة أيضا، استغلّها البياتي على أمثل وجه في المبنى الجدليّ المذكور، في سبيل تطوير النصّ وربط عناصره معًا.

التناصّ

التناصّ أيضا هو ظاهرة أسلوبيّة واضحة في هذه المجموعة، وفي فنّ البياتي الشعري عامّة. ونحن هنا لن نشير إلى كل التناصّات أو الإلماعات التي أدرجها الشاعر في قصائده، كالأعلام التاريخية، والإلماع إلى الشعر الغربي، مما جعل بعض النقّاد يتّهم البياتي بالسرقة الأدبية. سوف نصرف همّنا أساسًا إلى المقتبسات، من حكم وأمثال وأقوال، المستقاة من الأدب العربي والفولكلور الشعبي، لأنها أقرب إلى القارئ العاديّ، ويُفترض فيه معرفة معظمها لكي يتأتّى التفاعل بين القارئ والتناصّ خلال عملية القراءة. ذلك أن مشاركة القارئ في "إبداع" النص ثانية تعتبر ذات شأن في تقصّي التناصّ واستغلاله على أكمل وجه. هكذا تشير نوقوتني أنّ: "من الضروري أنْ يكون الإلماع واضحًا لا تخطئه العين لأنّ تطوير العبارة يعتمد على ذلك، كما أنّه من الضروري أيضا أن يشكّل الإلماع جزءًا عضويّا من العبارة، دون أنْ يطغى عليها".

يعتبر عبّاس التناصّ ظاهرة أسلوبية جديدة استحدثها البياتي في الشعر العربي، وكان أحد النقّاد القلائل الذين بيّنوا طاقة هذا التكنيك المتأثّر بالشاعر ت. س. إيليوت: "ولا يزال المنهج العامّ في قصيدة إيليوت يؤثّر في بناء قصيدة البياتي، وخاصّة في ارتكاز القصيدة على نوع من التلفيق الذي تسخّر به الأساطير والاقتباسات من الرواسب المحفوظة في هيكل القصيدة حتى تصبح لبنات منسجمة مع البناء العام. فالاقتباس جزء أساسيّ من الشكل هنا، وليس هو عدوانا على أملاك الاخرين ومحصولات قرائحهم". الواقع أن الشعر الكلاسيكي الجديد، قبل البياتي، يتضمّن مقتبسات كثيرة مستقاة من المخزون الشعري الكلاسيكي، كما نجد عند البارودي وشوقي والجواهري وآخرين. إلا أنّ هذه المقتبسات/ الإلماعات في معظمها هناك لا تلتحم بسياقها الجديد، ولا تُقتبس غالبًا لتشكيل صورة جديدة تختلف عنها في النصّ الكلاسيكي. إنها في أحسن الأحوال لا تتعدّى كونها مقتبسات، لها نفس الإيقاع عادّة، بحيث تكمّل النصّ الذي تتخلّله وتندمج به كأنّها جزء منه لولا علامة الاقتباس. وهي بذلك أشبه بالأمثال والحكم وأبيات الشعر التي تتخلّل المقالة أو الخطبة، وتختلف تماما عن التناصّ الأدبي الدينامي، كما هو عند البياتي.

إذا ألقينا نظرة على التناصّات، كما وردت في شعر البياتي في هذه المجموعة، نجد أن الشاعر يستقي إلماعاته من الأدب القديم والأمثال والحكم وما شابه، إلا أنها توظّف في قصائده، عادة، على نحو مختلف تماما. الوسيلة الأولى في استخدام هذه المقتبسات هي الانتقال بها إلى سياق جديد مختلف، بحيث تلتحم في جوّ القصيدة العامّ حتى إذا كان الاقتباس حرفيّا أو قريبا من ذلك. فكما توضّح ذلك زيفة بن بورات "يكون التحوّل نتيجة التفاعل بين نصّين، ويتمخّض عن تشكيل نمط تناصّي  واحد على الأقل. حتى حينما يكون في النصّ الثاني مماثلا لما في النصّ الأوّل، فإن التفسير المحلّي للمقتبَس يجب أن يكون مختلفا عمّا في النصّ السابق بسبب السياق المختلف".

فيما يلي أمثلة من تناصّات الأمثال التي يستخدمها البياتي في المجموعة:

1- ما حكّ جلدك مثل ظفرك [1، 191]

2- لن يصلح العطّار ما قد أفسد الدهر الغشوم [1، 191]

3- والطريق إلى الجحيم/ من جنّة الفردوس أقرب [1، 191]

4- أبدًا على أشكالها تقع الطيور[1، 192]

5- كل الدروب هنا إلى روما تؤدي [1، 444]

6- والذئاب/ تسطو على من لا كلاب له[1، 444]

7- لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى/ حتى تراق على جوانبه الدماء [1، 444]

مثل هذه المقتبسات تظهر في المجموعة حرفيّا، باستثناء تغييرات طفيفة هي من مقتضيات الوزن. بقي علينا أن نرى فيما إذا كانت تستخدم "جامدة"، كما في الشعر النيوكلاسيكي، أو هي تناصّات دينامية تتفاعل مع النصّ الجديد، بحيث يمكن اعتبارها تناصّا أدبيا مطورًا.

المقتبسات الأربعة الأولى وردت جميعها في قصيدة "سوق القرية"، حيث يصوّر الشاعر الضجر والتعب والكسل تخيّم على السوق، وتبعث الكآبة في مرتاديه. وهذه الأقوال ترِد على لسان الناس المتمسّكين بالقيم المتوارثة في حياتهم، العائشين حياة الكسل والاستكانة. بذلك تكتسب هذه المقتبسات هنا دلالة جديدة، لأنّها تصوّر حياة الكسل والتواني. أي أنّ السياق يتضمّن السخرية من هذه القيم أيضا. والمقتبسات الثلاثة الأخيرة وردتْ في قصيدة "الباب المضاء"، واستقاها الشاعر من مصادر متنوّعة، إلا أنّها تؤدّي جميعها نفس الوظيفة. فجميع هذه المقتبسات هي أقوال يردّدها "صنّاع الظلام" و "سفّاكو الدماء"، بحيث لا يترك الشاعر شكّا حول دلالتها الجديدة في سياقها هنا، بتسميتها "السموم" مرّة والرصيد المتبقّي للقتلى مرّة أخرى: ".. وصنّاع الظلام/ يتاجرون بما تبقّى من سموم: / "كلّ الدروب هنا إلى روما تؤدّي"/ والذئاب/ تسطو على من لا كلاب له، وسفاّكو الدماء/ يقامرون بما تبقّى من رصيد:/ "لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى/ حتى تراق على جوانبه الدماء". وهكذا نرى أن القصيدة لا تستخدم هذه المقتبسات بسياقها الأصلي وإيحاءاتها المألوفة، بل لإظهار خطئها باعتبارها بضاعة فاسدة، يتّكئ عليها رجال السلطة لفرض الأمر الواقع ومقاومة كلّ تغيير.

إلا أنّ البياتي لا يكتفي، غالبًا، بما يمكن أن تحقّقه هذه التناصّات بشكلها الأصليّ من تسخيف وسخرية بالقيم القديمة، بل يُقْدم أيضا على تحوير القول في سبيل ملاءمته للقيم الجديدة التي يأخذ بها الشاعر أو إحدى شخصياته. فالحكمة المعروفة "زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون" تؤكّد تواصل الحضارة من جيل إلى جيل، بحيث يستثمر الجيل الجديد مجهودات الجيل السابق، وهو بدوره يؤسّس ويمهّد للجيل الذي يليه. إلا أنّ الشاعر يورد هذا القول على لسان "الحاصدين المتعبين"، في قصيدة سوق القرية المذكورة، بعد إجراء تغيير هام فيه: "زرعوا ولم نأكل، ونزرع صاغرين فيأكلون"، وبذلك يلغي الشاعر مسألة التواصل والاستمرارية بين الأجيال، ملتفتا إلى الواقع المعاصر، مؤكّدا الاستغلال وانقسام المجتمع إلى طبقتين: واحدة مستغِلّة وأخرى، مستغَلّة، أو طبقة مضطهِدة وطبقة مضطهَدة.

من الواضح أن التناصّ يُحدث، أحيانا، المفارقة أيضا في السياق الجديد. فالعبيد في أباريق مهشّمة يردّدون قول المتنبّي "إذا غامرتَ في شرف مرومٍ/ فلا تقنع بما دون النجوم". فإذا تذكّرنا أنّ المتنبّي خلال حياته كلّها كان مشغولا بطموحه الفرديّ والأمجاد الذاتيّة، وجدنا أن المقتبَس على لسان العبيد هنا يكتسب دلالة إيرونية واضحة فعلا.

مثال آخر، أكثر وضوحًا وطرافة، ربّما، هو التعبير اذي يستقيه الشاعر من ألف ليلة وليلة، حيث يختم الراوي عادة قصص شهرزاد التي تمتدّ وتمتدّ ليلة بعد ليلة بقوله: "وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح". يستعير الشاعر هذه العبارة/ الخاتمة، مع تغيير طفيف لملاءمة الوزن، في وصف خاتمة الليلة التي قضاها الأفّاق في مخدع امرأة (زانية؟) ليعود إلى تطوافه في الشوارع والمقاهي: "سكتتْ وأدركها الصباح، وعاد للمقهى الحزين/ كالسائل المحروم، كالحلزون/ ينتظر المساء". فهذا التناصّ بما يستدعيه من أجواء ألف ليلة وليلة، في تصوير حياة الأفّاق يقضي ليلته بين أحضان إحدى الزانيات، يخلق أثرًا إيرونيا جادّا لا تخطئه العين.

هذه الأمثلة، وهي قليل من كثير، تمثّل استخدام البياتي للتناصّ استخدامًا ديناميّا متطورًا. وهي سمة أسلوبيّة حديثة في الشعر العربي المعاصر، أخذت تتعاظم وتطغى على الشعر العربي بعد مجموعة "أباريق مهشّمة" خاصّة. صحيح أنّ البياتي استفاد في مجموعته هذه من إنجازات الأربعينات فيما يخصّ تطوير الشكل الإيقاعي للقصيدة بابتكار شعر التفعيلة المهيمن على هذه المجموعة تماما، إلا أنّ ذلك لا ينفي دور الشاعر في الانتقال بالشعريّة العربية خطوة حاسمة إلى الأمام، ولا ينفي أيضًا أنه أوّل شاعر، كما ورد في تصريحه آنفا، أصدر مجموعة شعريّة كاملة تتضمّن، كما أظهرنا في هذه المقالة، المقوّمات الأساسيّة لصيغة الحداثة في الشعر العربي الحديث.     

 

abdullah alfifiلا تبدو إشكاليَّة الشِّعر اللهجيِّ كامنةً في اللغة فحسب، ولكنَّها كامنةٌ في العَروض كذلك. فلا بُدَّ لك أن تكون شاعرًا عامِّيًّا، أو عالمـًـا بصيرًا بأوزان الشِّعر العامِّيِّ، لتميز مستقيمه من معوجِّه. من أجل هذا تُصبِح كتابة الشِّعر العامِّيِّ عبثًا في عبث، وإنما هو شِعرٌ ينبغي أن يُسمَع، لا أن يُقرأ. وأنت واجدٌ هؤلاء الذين يكتبونه يرتكبون أخطاء إملائيَّة، وعَروضيَّة، فوق مسائل اللغة والنحو التي أمست في خبر كان. ولنضرب على ذلك شاهدًا من قصيدة للشاعر النَّبَطي الكبير (محمَّد بن أحمد السديري)(1):

يا شن بقلبي منه صبّحت مكضومْ

يعلم به اللي عن عباده غناوي

وعيني يا بو ماجد حريب لها النومْ

وكنّه يعالجها الطبيب المداوي

إلى أن يقول:

أنا الوحيد وقومي أكثر من الرُّومْ

وفي لمَّة العربان كنّه خلاوي

وحتى صديقي صار من حسبة القومْ

وضاعت عزوم مكثّرين العزاوي

فلا بُدَّ أنَّ القارئ سيجد من الحيرة ما وجدتُ في وزن هذه القصيدة، إلَّا إنْ كان يحفظها أو قد سمعها سلفًا. وهو حينئذٍ في غُنيةٍ عن كتابتها أو قراءتها!

فلمَن يكتب هؤلاء هذا الشِّعر؟!

وبعيدًا عن الأخطاء الإملائيَّة، المتعمَّدة أو غير المتعمَّدة، سيجد صدور بعض الأبيات من البحر الطويل، الذي يسمِّيه أرباب الشِّعر النَّبَطيِّ (الهلالي)، وأعجازها من (المسحوب)، وهو البحر السريع، ذو السحبة بترفيلٍ في التفعيلة الأخيرة من شطر البيت. حتى يهتدي القارئ إلى الوزن الصحيح، أو ربما ييأس. فإذا اهتدى، عرف أن الأبيات تُقرأ بأخطاء لغويَّة وإملائيَّة، لا تظهر في الكتابة. فالبيت الأوَّل صواب صدره: «يَـشَيِّنْ»، كُتبت «يا شن»، أي «يا شيئًا...». وهو من وزن الطويل: «يَشَـيِّنْ/ بقلبي منْـ/ـه صبَّحْـ/ـت مكضومْ». لكن ماذا عن عجزه؟ إنه كما هو مكتوب في ديوان الشاعر من المسحوب، لا من الطويل، هكذا: «يعلم به الـ/لي عن عبا/ده غناوي»! ذلك أن ثمَّة صوتًا في بداية الشطر، لم يتنبَّه الكاتب إلى ضرورة إثباته؛ لأنه يعتمد على حِسِّه السماعي، ويتصوَّر أن الناس مثله! وصوابه: «ويعلمْ/ به اللي عن/ عبادهْ/ غناوي». وبذا صار الوزن يشبه شِعر (صدَّام حسين) المزعوم، كل شطر يسبح في بحر! أمَّا البيت الثاني، فكُتب بصورة صحيحة. حتى إذا وصلنا إلى بيت القصيد:

أنا الوحيد وقومي أكثرْ من الرُّومْ ** وفي لمَّة العربان كنّه خلاوي

جابهتنا المعضلة نفسها في القراءة. حتى نهتدي- أو نيأس- إلى أن الشطر الأوَّل يُقرأ بخطأ لغويٍّ وإملائي، لم يظهرا في الكتابة، هكذا:

أنا إلْـ/وحيد وْقو/ميَ اكثرْ/ من الرُّومْ   

فـ«أنا إلْـ» هذه فيها بيت الداء! بحيث تصبح همزة الوصل في «الوحيد»، همزة قطع: «إلوحيد»، وبدون هذا يختلُّ الوزن، ويضطرب القارئ. وهذا- فوق كونه خطأً لغويًّا وإملائيًّا- هو من الضرائر الشِّعريَّة غير الجائزة عند العرب. وقِس على هذا ما لا حصر له من الظواهر التي جنتها الكتابة على النص.

إنها إشكالات لغويّة لهجيَّة بالغة التعقيد، إذن، تزيدها الكتابة فسادًا على فسادها وتعقيدًا إلى تعقيدها، ما يجعل كتابة هذا الشِّعر بلا معنى، إلَّا إنْ قُيِّض اختراع كتابةٍ أخرى خاصَّةٍ تساعد على تَقَرِّي ما يُكتب منه. ذلك أن العربيَّة بناءٌ واحد، متكامل، بنحوها وصرفها، وإملائها، وعَروضها. والعرب- حين قعَّدوا قواعدها، ووضعوا طرائق رسمها- بَنَوا ذلك على اللسان العربي كما عهدوه، وَفق نواميسه الفصحى؛ ومَن يسعَى اليوم إلى تركيب هذا على ذاك يَفقد نصَّه وقارئه معًا. فليبق هذا الشِّعر سماعيًّا، إنْ لم يكن احترامًا للعربيَّة، فليكن احترامًا لهويَّة هذا الضرب من الشِّعر، ونظامه اللغوي، وبنائه الفَنِّي، ووصوله إلى جمهرة متذوِّقيه.

إن جمال هذا الشِّعر في إنشاده وسماعه، لا في كتابته وقراءته. من حيث هو شِعرٌ شفهيٌّ لا كتابي، شكلًا ومضمونًا.

ومع ذلك- كما يقول كاتب المقال أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي- فلا مراء في أن بعضه حافل بسِجلٍّ غنيٍّ عن أعراف العربيَّة الأُمِّ، وإشارات العرب الشِّعريَّة. فمن سيفقه إشارة (أبي الطيِّب المتنبي) الشِّعريَّة في قوله، مثلًا:

شِمْنا، وما حُجِبَ السَّماءُ، بُروقَهُ ** و[حَرًى يَجُوْدُ] وما مَرَتْهُ الرِّيحُ

ما معنى "حَرًى يَجودُ"؟

لن تجد المعنى في معجمات العربيَّة، ولا في شرح الشُّرَّاح. وإنما سيقولون: معناه أنه سحابٌ حَرِيٌّ بأن يجود بالمطر وجدير. وذلك صحيح، لكن ظِلال المعنى الشِّعريِّ غائمةٌ هاهنا. وتتمثَّل في وصف السحاب المرجوِّ المطر بأنه «حَرًى»، مع الاستغناء بالوصف عن ذِكر الموصوف، وكأن «الحَرَى» كان تعبيرًا عربيًّا دارجًا عن السحاب المُؤْذِن بالغيث. ولن تتذوَّق المعنى إلَّا إذا تفيَّأتَ خميلة الأصل، التي اندثرت أغصانها من تعبيرات الشِّعر العربي الفصيح. وستجد آثارها على لسان العامَّة. وستسمعها في مِثل قول (خالد الفيصل):

[مِحْـرِيٍ بالخيْـر] يا مـزنٍ نِـشـا ** يا حلو عِقْبِ الوَسِمْ رَجْعِ السَّحابْ(2)

فـ«المحري بالخير» من الـمُزْن هو «الحَرَى الذي يجود» من السحاب.

وهنا تتبدَّى أهميَّة دراسة الشِّعر اللهجيِّ لاستعادة روح الشِّعريَّة العربيَّة، التي ران عليها الزمان، وتقطَّعت بيننا وبين مائها أرشيةُ الزمان. إنَّ البحث في هذا الشِّعر عن جذور العربيَّة هو كالبحث في أرض الجزيرة عن آثار العرب الغابرة. ليس لهوًا ولا لعبًا، ولا محض خنزوانةٍ أعرابيَّةٍ فارغة، أو حُبًّا عاطفيًّا في البداوة، بل سعيٌ لاستحياء الشِّعريَّة الأصيلة من سديم الآثار اللهجيَّة.

 

  أ. د. عبد الله بن أحمد الفيفي

الأستاذ بجامعة الملك سعود، بالرِّياض

..................

(1) (1994)، ديوان محمَّد بن أحمد بن محمَّد السديري، (جُدَّة: شركة المدينة المنوَّرة)، 11.

(2) «مِحْـرِيٍ بالخيْـر»، بصوت (محمَّد عبده): https://goo.gl/pxy7UA

 

 

karem merza2أولاً - القصيدة - كما وردت في أمالي المرزوقي - البحر الطويل:

1 - عميرةَ ودِّعْ إن تجهَّزتَ غاديا ** كفى الشَّيبُ والإسلامُ للمرء ناهيا

2 - جنوناً بها فيما اعتشرْنا علاقـــةً***علاقةَ حـبٍّ مستسرّاً وباديا

3 - لياليَ تصطادُ القلـوبَ بفاحــمٍ **** تـراهُ أثيثـاً ناعمَ النَّبتِ عافيا

4 - وجيدٍ كجيدِ الرِّئم ليسَ بعاطلٍ * من الدُّرِّ والياقوتِ والشَّذرِ حاليا

5 - كأنّ الثُّريَّا علِّقتْ فوقَ نحرها *وجمرَ غضًى هبَّت لهُ الرِّيحُ ذاكيا

6 - إذا اندفعتْ في ريطةٍ وخميصةٍ * ولاثتْ بأعلى الرأسِ برداً يمانيا

7 - تريكَ غداةَ البينِ كفَّاً ومعصماً **** ووجهاً كدينارِ الأعزَّةِ صافيا

8 - وما بيضةٌ بــاتَ الظَّليمِ يحفُّها ***ويـــرفعُ عنها جؤجؤاً متجافيـا

9 - ويجعلها بينَ الجناحِ ودفِّــهِ **** وتفرشها وحفاً مـن الزَّفِّ وافيا

10- ويرفعُ عنها وهيَ بيضاءُ طلَّةٌ * وقد واجهتْ قرناً من الشَّمسِ ضاحيا

11 - بأحسنَ منها يومَ قالتْ أرائحٌ *** مع الرَّكــبِ أم ثاوٍ لدينا لياليا

12 - فإن تثوِ لا تملكْ وإنْ تضحِ غاديا ** تزوَّدْ وترحل عن عميرةَ راضيا

13 - ومن يكُ لا يبقى على النأيِ ودُّهُ ** فقد زوَّدت ودَّاً عميرةُ باقيا

14 - ألكني إليها عمركَ الله يا فـــتى ****بآيةِ ما جاءتْ إلينا تهــاديا

15 - تهاديَ سيلٍ في أباطحَ سهلةٍ **** إذا ما علا صمداً تفرَّعَ واديا

16 - وبتنا وسادانا إلـــى علجانـــةٍ***وحقفٍ تهاداهُ الرِّيــــاحُ تهاديـا

17 - توسِّـــدني كفَّا وتثني بمعصمٍ ****عليَّ وتحنو رجلها من ورائيا

18 - ففاءتْ ولم تقضِ الذي أقبلتْ لهُ * ومن حاجةِ الإنسانِ ما ليس قاضيا

19 - فما زالَ بردي طيِّبا من ثيابها * إلى الحولِ حتَّى أنهجَ البردُ باليا

20 - أقلِّبها للجانبينِ وأتَّقي **** بها الرِّيحَ والشَّـــفَّان من عن شماليا

21 - وهبَّــــتْ لنا ريحُ الشَّمالِ بقرَّةٍ*****ولا ثـــوبَ إلاّ ردعها وردائيا

22 - سقتني على لوحٍ من الماءِ شربةً **** سقاها بها الله الذِّهابَ الغواديا

23 - ألا أيُّها الوادي الذي ضمَّ سيلهُ ** إلينا نوى الحسناءِ حيِّيتَ واديا

24 - فيا ليتنا والعامريَّـــــةَ نلتقـي**** نرودُ لأهلينا الرِّيـــاضَ الخواليا

25 - وما برحـــــتْ بالدَّيرِ منها أثارةٌ *** وبالجوِّ حتَّـــى دمَّنتـــهُ لياليـا

26 - فإنْ تقبلي بالودِّ أقبل بمثلـــهِ *** وإن تدبري أذهبْ إلى حالِ باليا

27 - ألــــم تعلمي أنِّي قليلٌ لبانتي *** إذا لــم يكنْ شيءٌ لشيءٍ مواقيــا

28 - وما جئتها أبغي الشِّفاءَ بنظــــرةٍ *** فأبصرتها إلاّ رجعـــتُ بدائيا

29 - ولا طلعَ النَّجمُ الذي يهتدى بـه***ولا الصُّبحُ حتَّى هيَّجا ذكرَ ماليـا

30 - إلاّ لسافي الرَّائحاتِ عشيةً***إلى الحشرِ أستنجي الحسانَ الغوانيا

31 - أخذنَ على المقراةِ أو عن يمينها ** إذا قلتُ قد ورَّعنَ أنزلنَ حاديا

32 - أشـــــوقاً ولمَّا يمضِ في غيرِ ليلةٍ ***رويدَ الهــوى حتَّى يغبَّ لياليا

33 - وما جئنَ حتَّى حلَّ من شاءَ وابتنى **** وقلنَ سرفناكمْ وكنَّ هواديا

34 - وأقبلن من أقصى البيوتِ يعدننـي **** ألا إنَّما بعضُ العوائــــدِ دائيا

35 - تجمَّعنَ من شتَّى ثلاثـــــاً وأربعــــاً ***** وواحدةَ حتَّى كملنَ ثمانيــا

36 - وقلنَ ألا يا العبنَ ما لـــم يرنْ بنــا ***نعـــاسٌ فإنَّا قد أطلنا التَّنائيـــا

37 - لعبنَ بدكداكٍ خصيبٍ جنابـــــهُ****وألقينَ عــــن أعطافهـــنَّ المراديا

38 - وقلنَ لمثلِ الرِّيمِ أنــــتِ أحقُّنا*****بنــــزعِ الخمارِ إذ أردنَ التَّجاليـــا

39 - فقامـــتْ وألقتْ بالخمارِ مدلَّةً **** تفادي القصارُ السُّودُ منها تفاديـا

40 - تأطَّرنَ حتَّى قلتُ لسنَ بوارحاً ****وخفَّضنَ جأشي ثـــمَّ أصبحَ ثاويـا

41 - وما رمنَ حتَّى أرسلَ الحيُّ داعياً ** وحتى بدا الصُّبحُ الذي كان تاليا

42 - وحتى استبانَ الفجرُ أبيضَ ساطعاً**** كــأنَّ على أعلاهُ ريطاً شآميـا

43 - فأدبرنَ يخفضنَ الشُّخوصَ كأنَّمـــا **** قتلنَ قتيلاً أو أتـــينَ دواهيــا

44 - وأصبحنَ صرعى في البيوتِ كأنَّما **** شربنَ مداما لا يجبنَ المناديا

45 - ألا نادِ فــــــي آثارهنَّ الغوانــــيا ****ســــقينَ سماماً ما لهنَّ وما ليـا

46 - وراهنَّ ربِّي مثــــلَ ما قد ورَينني **** وأحمى على أكبادهنَّ المكاويـا

47 - وقائلةٍ والدَّمــعُ يحــــدرُ كحلها ****أهذا الذي وجـــداً يبـــكِّي الغوانيـا

48 - أشارتْ بمدراها وقالت لتربها*****أعبد بني الحسحاسِ يزجي القوافيا

49 - رأتْ قتباً رثَّاً وســحقَ عبــــاءةٍ*****وأســـودَ مما يملكُ النَّـــاسُ عانيا

50 - يرجِّلنَ أقوامــــــاً ويتركنَ لمَّتي ***** وذاكَ هــــوانٌ ظاهرٌ قـــد بدا ليا

51 - فلو كنــــــتُ ورداً لونـــهُ لعشقنني*****ولكنَّ ربّــــي شـــانني بسواديـا

52 - وما ضرَّني إن كانتْ أمِّـــــي وليــدةً*****تصرُّ وتبــــري للِّقــاحِ التَّواديا

53 - ذهبنَ بمسواكي وألقينَ مذهباً *****من الصَّوغِ في صغرى بنـانِ شماليا

54 - فعزَّيتُ نفسي واجتنبتُ غوايتي*****وقرَّبــــتُ حرْجوجاً من العيسِ ناجيـا

55 - مروحاً إذا صام النهارُ كأنَّــــما****كســـوتُ قتودي ناصـــعَ اللَّونِ طاويــا

56 - شبوباً تحامـــــاهُ الكلابُ تحامياً****هــــو اللَّيثُ معدوّاً عليـــــه وعـــــاديـا

57 - حمتهُ العشاءَ ليــــــلةٌ ذاتُ قـــرَّةٍ*****بوعساءَ رمـــلٍ أو بعرنـــانَ خاليـــا

58 - يثيرُ ويبــــــدي عن عروقٍ كأنَّهـــا ***** إعنَّــــةُ خــــرَّازٍ جديـــدا وباليـــا

59 - ينحِّــــي ترابـــا عـــن مبيتٍ ومكنسٍ ****ركاماً كبيـــــتِ الصَّيدنـــاني دانيــا

60 - فصبَّــــــحهُ الرَّامـي من الغوثِ غـدوةً *****بأكلبهِ يغري الكلابَ الضَّـــواريا

61 - فجــــالَ عـــــلى وحشـــيِّهِ وتخالــــهُ *****علــى متنــــهِ ســـبَّاً جديـدا يمانيا

62 - يذودُ ذيـــــــادَ الخامسـاتِ وقــــد بدتْ ***** ســـوابقها مــن الكلابِ غواشيا

63 - فــدعْ ذا ولكن هـــــل تـرى ضوءَ بارقٍ ***** يضيءُ حبيَّــــاً منجداً متعاليا

64 - يضيءُ ســـــــناهُ الهضبَ هضــــبَ متــالعٍ****وحبَّ بذاكَ البرقِ لو كان دانيا

65 - نعمــــــــتُ بــــهِ بالا وأيقنــــتُ أنَّهُ ***** يحـطُّ الوعولَ والصُّـخورَ الرَّواسيا

66 - فـــــما حرَّكتــــــهُ الرِّيحُ حتَّى حسبتهُ *****بحــــرَّةِ ليلــــى أو بنخلــــةَ ثــاويا

67 - فمـــــرَّ علـــى الأنهاءِ فالتجَّ مزنـــــهُ ***** فعقَّ طويلاً يســـكبُ الماءَ ساجيا

68 - ركاما يســــــحُّ المـــــاءَ عن كلِّ فيقــةٍ ***** كما سقتَ منكوبَ الدَّوابرِ حافيا

69 - فمــــــرَّ علـــــى الأجبالِ أجبــــال طيِّءٍ ****** فغادرَ بالقعيـــانِ رنقاً وصافيا

70 - أجـــــــشَّ هزيمــــاً سيلهُ متدافـــــعٌ****تـــرى خشــبَ الغلاَّنِ فيـــه طوافيــــا

71 - لــــــه فــــرَّقٌ يُنتَّــــــجنَ حولــــــهُ ****** يُفقِّـــئنَ بالميـــثِ الدِّماثِ السَّوابيا

72 - فلـــــما تدلَّـــــى للجبــــــالِ وأهلهــــا ***** وأهـلِ الفراتِ قاطعَ البحرَ ماضيا

73 - شـــكا شــــجوهُ واغتــاظَ حتَّى حسبته****مــن البعـــدِ لمَّا جلجلَ الرَّعدُ حاديا

74 - فأصبــــحتِ الثِّـــــيرانُ غرقى وأصبحت****نســـاءُ تميمٍ يلتـــقطنَ الصَّياصــيا(1)

ثانياً - إلقاء نظرة خاطفة على ديوانه، محققه، شعره، عدد أبيات قصائده:

له ديوان صغير من الشعر حققه عبدالعزيز الميمني، عبدالعزيز بن عبدالكريم الميمني الراجكوتي المتوفى سنة 1398هـ/ 1978م، ولد عبدالعزيز في بلدة راجكوت في الهند وأخذ عن كبار العلماء والمحدثين في لكنو والبنجاب ودلهي، وأكب على الأدب العربي فحفظ نحواً من مئة ألف بيت من الشعر.

عيّن أستاذا بجامعة عليكرة، وصار رئيس قسم اللغة العربية بها، وانتقل إلى باكستان بعد انفصالها عن الهند فدرّس في جامعة كراتشي وجامعة البنجاب، وأشرف على عدد من مراكز تعليم العربية في مختلف الجامعات، واختير عضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق.

له مؤلفات كثيرة منها: " الطرائف الأدبية" و"ابن رشيق القيرواني" و" زيادات ديوان شعر المتنبي"، كما قام بتحقيق شعر سحيم، و"رسالة الملائكة" للمعري و" الوحشيات" لأبي تمام.

الديوان: يقدم محقق الديوان ترجمة موجزة للشاعر بعنوان "أخبار سحيم وترجمته"، ويذكر أنه كان يكنى بـ أبي عبدالله وقيل إن اسمه حية، وسُحِيم تصغير الأسحم بمعنى الأسود، ويشير إلى قصة مقتله لدى سيده بعد أن أطال التشبيب بنساءقومه، وقد اعتمد المحقق على نسخة خطية للديوان من صنعة نفطويه، وهي أكمل رواياته، يتخلل فيما بين سطورها روايات وتعليقات تدل على العناية بالضبط والحرص على جمع الروايات النادرة، والنسخة الخطية الأخرى التي اعتمد عليها المحقق هي نسخة من إملاء محمد بن الحسن بن دينار وكان من وراقي القرن الرابع، والروايتان تأخذان من رواية أبي عبيدة، ولعله أول من صنع شعر سحيم. (2)

الديوان الشعري لسحيم صغير وعدد القطع الشعرية فيه على اختلاف أحجامها هو(31) قطعة، وتبلغ الأبيات الشعرية لهذا الديوان (265) بيتاً معظمها مقطوعات قليلة الحجم، ولا يتجاوز عدد القصائد في هذا المجموع (9) قصائد اثنتان منها طويلتان (91-32)، واثنتان متوسطتان (16-15)، وخمس قصائد قصيرة (8-9) أبيات.

والباقي مقطوعات تتراوح أبياتها بين بيت واحد وسبعة أبيات.

والغرض الغالب في شعر سحيم هو الغزل الذي يتأرجح بين الغزل التقليدي والغزل الفاحش، وهناك بعض الفخر، ووصف جميل للمطر.

ومن شعر حسيم:

كأن الصبيريـــات يوم لقينـنا ****ظباء حنت أعناقــــها في المكانسِ

وهنّ بنات القوم إن يشعروا بنا**يكنْ في بنات القوم إحدى الدهارس

فكم قد شقـــقنا من رداء منــيَّرٍ ** ومن برقع عن طفلةً غير عــانس

إذا شُــــــقّ بردٌ شُقَّ بالبرد بُرقـــعٌ*** دَواليك حتى كلنا غير لابـــــس

وهكذا تصور غزليات هذا العبد الأسود القبيح الوجه تصوره وكأنه معشوق الفتيات، فهناك أسماء فتيات كثيرة ترددت في نصوصه الشعرية: سلمى، سمية، عميرة، هند، أم سلمة، أسماء.

وهو رغم وضعه المتدني في السلم الاجتماعي يبدو في شعره ذا أنفة وكبرياء أمام معشوقاته:

فإن تقبلي بالــــودّ أقبلْ بمــثله** وإن تدبري أذهب إلى حال باليا

ألم تعلمي أني صرومٌ مواصـــلٌ**إذا لم يكن شيءٌ لشيءٍ مواتيا

وشعر سحيم رغم قلته يتميز بالصدق الذاتي والجمال في التعبير مما يجعل له مكاناً في مملكة الشعر.(3)

ثالثا - اسمه وبعض أخبار:

جاء في (خزانة الأدب) للبغدادي: " سحيم ": مصغر أسحم، تصغير ترخيم من السحمة بالضم، وهي السواد. ويذكر ثلاثة شعراء وسموا بهذا الاسم أولهم: سحيم بن وثيل يتصل نسبه بيربوع بن حنظلة، كما قال ابن الكلبي في الجمهرة. فمن بني حميري بن رياح بن يربوع بن حنظلة سحيم بن وثيل بن عمرو بن جوين بن أهيب بن حميري الشاعر، القائل:

أنا ابن جلا وطلاع الثنايا...... " البيت. "

وهو الذي نافر غالباً أبا الفرزدق في الإسلام. انتهى وليس في آباء سحيم من اسمه جلا. وسحيم شاعر معروف في الجاهلية والإسلام، عده الجمحي في الطبقة الثانية من شعراء الإسلام.

وثانيهم: سحيم بن الأعرف، وهو من بني الهجيم، وكان في الدولة الأموية، ولم يذكر ابن قتيبة في طبقات الشعراء غير هذا وأورد طرفاً من شعره.

وثالثهم شاعرنا: سحيم عبد بني الحسحاس، وكان عبداً حبشياً، وهو صاحب القصيدة التي أولها

عميرة ودع إن تجهزت غاديا *** كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا

وهو من شواهد مغني اللبيب، وسنذكر إن شاء الله ترجمته بتوفيق الله تعالى في الشاهد الرابع والتسعين.

ولم يذكر الآمدي في كتابه " المؤتلف والمختلف " واحداً من هؤلاء الثلاثة، مع أنه من شرط كتابه.

وقد حصل اللبس للعيني في باب المعرب والمبني من اتفاق أسماء هؤلاء، فزعم أن الأول هو الثالث فقال: سحيم بن وثيل الرياحي كان عبداً حبشياً، وكان عبد بني الحسحاس. هذا فيما قاله الجوهري. انتهى.

مع أن الجوهري لم يذكر لفظ سحيم في صحاحه. (4)

ويخبرنا الأصفهاني في (أغانيه) تحت عنوان (أخبار عبد بني الحسحاس):

اسمه سحيم وكان عبدا أسود نوبيا أعجيما مطبوعا في الشعر فاشتراه بنو الحسحاس وهم بطن من بني أسد ...فكان إذا أنشد الشعر استحسنه أم استحسنه غيره منه يقول أهشنت والله، يريد أحسنت والله وأدرك النبي ويقال إنه تمثل بكلمات من شعره (كفى الشيب و الإسلام للمرء ناهيا).

وأخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال كان عبد بني الحسحاس حلو الشعر رقيق الحواشي وفي سواده يقول:

وما ضرّ أثوابي سوادي وإنّني *** لكالمسك لا يسلو عن المسك ذائقه

كسيت قميصاً ذا سوادٍ وتحتـــــهُ*** قميصٌ مـن القوهي بيضٌ بنــــائقه

عمر بن الخطاب يستجيد بيتا له:

أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال أنشد سحيم عمر بن الخطاب قوله

عميرة ودع إن تجهزت غاديا *** كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا

فقال عمر لو قلت شعرك كله مثل هذا لأعطيتك عليه، وفي رواية أخر، فقال له عمر لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك.

عثمان بن عفان يقول لا حاجة لي إليه:

كان عبد الله بن أبي ربيعة عاملا لعثمان بن عفان على الجند، فكتب إلى عثمان إني قد اشريت غلاما حبشيا يقول الشعر فكتب إليه عثمان لا حاجة لي إليه فاردده، فإنما حظ أهل العبد الشاعر منه، إن شبع أن يتشبب بنسائهم وإن جاع أن يهجوهم فرده، فاشتراه أحد بني الحسحاس

وكان يشبب بنساء مواليه حتى قال

ولقد تحدر من كريمة بعضكم****عرق على متن الفراش و طيب

فقتلوه ...وهنالك روايات أخرى !! (5)

رابعا- مطلع القصيدة كشاهد في النحو العربي:

عمــيرةَ ودِّعْ إن تجهَّزتَ غاديا *** كفى الشَّيبُ والإسلامُ ناهيا

وورد البيت المطلع كشاهد رقم 737 في(شرح الأشموني): " قبح إسناد صيغة الأمر إلى الاسم الظاهر، فزيدت الباء في الفاعل ليصير على صورة المفعول به كامرر بزيد، ولذلك

بخلافها في نحو: "كفى بالله شهيدًا" فيجوز تركها كقوله "من الطويل":

737-

عميرة ودع إن تجهزت غاديًا *** كفى الشيبُ والإسلام للمرء ناهيا " (6)

وفي الهامش ينسب البيت لقائله، وبذكر تخريجاته:

- التخريج: البيت لسحيم عبد بني الحسحاس في ديوانه ص16؛ والإنصاف 1/ 168؛ وخزانة الأدب 1/ 267، 2/ 102، 103؛ وسر صناعة الإعراب 1/ 141؛ وشرح التصريح 2/ 88؛ وشرح شواهد المغني 1/ 325؛ والكتاب 2/ 26، 4/ 225؛ ولسان العرب 15/ 226 "كفى"؛ ومغني اللبيب 1/ 106؛ والمقاصد النحوية 3/ 665؛ وبلا نسبة في أسرار العربية ص144؛ وأوضح المسالك 3/ 253؛ وشرح عمدة الحافظ ص425؛ وشرح المفصل 2/ 115، 7/ 84، 148، 8/ 24، 93، 138، ولسان العرب 15/ 344 "نهى".

اللغة: شرح المفردات: عميرة: اسم امرأة. تجهز: تهيأ. ناهيًا: مانعًا

المعنى: يدعو الشاعر إلى ترك مواصلة الغواني، والتخلي عن اللهو؛ لأن الشيخوخة والإسلام يردعان عن ذلك.

الإعراب: عميرة: مفعول به مقدم منصوب بالفتحة. ودع: فعل أمر مبني على السكون، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره "أنت". إن: حرف شرط جازم: تجهزت: فعل ماضٍ مبني في محل جزم, والتاء ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل وهو فعل الشرط. غاديًا: حال من الفاعل منصوب بالفتحة. كفى: فعل ماض مبني على الفتحة المقدرة على الألف للتعذر. الشيب: فاعل مرفوع بالضمة. والإسلام: الواو حرف عطف، "الإسلام": معطوف على "الشيب" مرفوع بالضمة. للمرء: اللام حرف جر، "المرء": اسم مجرور بالكسرة، والجار والمجرور متعلقان بـ"ناهيا". ناهيًا: حال من الشيب منصوب أو تمييز منصوب بالفتحة.

الشاهد فيه قوله: "كفى الشيب" حيث أسقط الباء من فاعل "كفى"، فدل على أن هذه الباء ليست واجبة الدخول على فاعل هذا الفعل.(7)

وتروى عنه الروايات كروايات ألف ليلة وليلة، لأن أمره شاذ، عجيب غريب،فهو عبد من عبيدهم، وأسود البشرة، ويشبب بجرأة متناهية بنسائهم، فيضرب الحيال بأذهانهم ، ويختلقوا ما لم يخلق، ليشبعوا غرائزهم المكبوتة، وهو يجدها فرصة ملائمة لإبراز ذاته، فيترجل، ويتغزل، واختلط علينا الحابل بالنابل، اقرأ ما يروي المرزوقي في (أماليه):

" وحدثوا أن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي كتب إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه: أني قد اشتريت لك غلاماً حبشياً شاعراً فانظر هل تريده، فعرض عليه، فقال: إنه عبد بني الحسحاس هو ابن نفاثة بن سعد بن أسد من أسد بن خزيمة بن مدركة، واسم العبد سحيم، فقالوا: نعم هو شاعر يرغب فيه، فقال: لا حاجة لي فيه، لأن الشاعر لا حريم له، حظ العبد الشاعر منه إذا شبع أن يشبب بنسائهم، وإذا جاع أن يهجوهم، ورده.

قالوا: فاشتراه رجل، فلما رحل به أنشأ يقول:

أشوقاً ولمَّا يمضِ في غيرِ ليلةٍ *** فكيفَ إذا سارَ المطيُّ بنا شهرا

وما كنتُ أخشى مالكاً أن يبيعني ***بشيءٍ وإن أضحتْ أناملهُ صفرا

أخوكم ومولى مالكمْ وحليفكم*****ومن قد قوى فيكم وعاشركم دهرا

فلما بلغهم هذا الشعر ردوه وأكرموه وبقي فيهم مدة، حتَّى وجدوه يشبِّب بنسائهم، فأجمعوا قتله، فأخذوه وهو شارب ثمل، فهزئت به امرأة منهم وهو على تلك الحال شماتة به، فقال:

فإنْ تهزئي منِّي فيا ربَّ ليلةٍ ***جعلتكِ فيها كالقباءِ المفرَّجِ

قالوا: ومرَّت التي اتهموه بها، فأهوى لها يده فضربوه، فقال:

فإنْ تقتلوني تقتلوني وقد جرى ***لها عرقٌ فوقَ الفراشِ وماءُ

فشدوا وثاق العبد للقتل، فقال:

شدُّوا وثاقَ العبدِ لا يفلتكمُ ***إنَّ الحيـــــاةَ من المماتِ قريبُ

ولقدْ تحدَّرَ من جبينِ فتاتكمْ***عرقٌ على ظهرِ الفراشِ وطيبُ

فقتل.

قالوا: وقد كان أنشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

عميرةَ ودِّع إن تجهَّزتَ غاديا **** كفى الشَّيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهيا

فقال له عمر: لو قدَّمت الإسلام لأجزتك، فقال: والله ما سعرت. يريد: ما شعرت. وقال له أيضاً: لو كان شعرك كله هكذا لأحسنت جائزتك، فلما بلغ قوله:

وبتنا وسادانا إلى علجانةٍ *****وحقفٍ تهاداهُ الرِّياحُ تهاديا

قال: إنك مقتول، فقتل . " (8) ...!!!

إنّا لله وإنّا إليه راجعون .... أصبح الشغل الشاغل للخلفاء، الخليفة عثمان يترفع عن شرائه، والخليفة عمر يجري عليه ويثني، ويقتله ...!!! وقيل الخليفة عثمان قتله ... أين حماد الراوية وخلف الأحمر عن مثل هذه الروايات ... نترك العبد لحاله رحمه الله، وأنا أكتب عنه، والكتاب تحت الطبع، مستعجل من أمري، ولدي الشاعر توبة بن الحمير لأضيفه للكتاب، والله غالب على أمره، فهو مولانا، ونعم النصير .

 

كريم مرزة الأسدي

......................

(1) - الأمالي: أبو على أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي الأصفهاني (المتوفى: 421هـ) - المكتبة الشاملة - ج 1 ص 68 - 70 - الإضافة: 14 نوفمبر 2010 م .

(2) ديوان سحيم عبد بني الحسحاس: جمع وتحقيق عبد العزيز الميمني - طبع: مطبعة دار الكتب المصرية ــ القاهرة (ط1) 1370هـ /1950م

عدد الصفحات: 70 صفحة

انظر: الأعلام 3/79، 4/157، تاريخ الأدب العربي: عمر فروخ 1/306، موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين 12/318، معجم المؤلفين 2/169.

(3) ديوان سُحَيْم عبد بني الحسحاس - مكتبة البابطين المركزية للشعر العربي

www.albabtainlibrary.org.kw/new/m/books.php?bid=210

(4) خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب: عبد القادر بن عمر البغدادي (المتوفى: 1093هـ) تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة الطبعة: الرابعة، 1418 هـ - 1997 م

- خزانة الأدب: عبد القادر البغدادي- 1 / 93 - موقع الوراق.

http://www.alwarraq.com

(5) الأغاني: أبو الفرج الأصفهاني - تحقيق سمير جابر - ج 22 - ص 305 - 308 - الطبعة الثانية -  دار الفكر - بيروت .

(6) شرح الأشموني على ألفية ابن مالك المؤلف: علي بن محمد بن عيسى، أبو الحسن، نور الدين الأُشْمُوني الشافعي (المتوفى: 900هـ) - ج2 / 265 - دار الكتب العلمية بيروت - لبنان الطبعة: الأولى 1419هـ- 1998م.

(7) م . ن .

(8) الأمالي: المرزوقي ص 68 م. س.

 

تعرف المسرحية بأنها: نص قصصي حواري، يصاحبه مناظر ومؤثرات فنية مختلفة. ويراعى في المسرحية جانبان: جانب النص المكتوب، وجانب التمثيل الذي ينقل النص إلى المشاهدين حيًّا، وتتفق المسرحية مع القصة في بعض الجوانب وتختلف عنها في جوانب أخرى، فالعناصر المشتركة بين المسرحية والقصة تتمثل في: الحدث، والشخوص، والفكرة، والزمان والمكان، في حين أن العناصر المميزة للمسرحية تنحصر في: البناء، والحوار، والصراع وأدوات العرض المرئي ....

عناصر المسرحيّة:

• الأحداث: حيثُ يختارُ المؤلفُ الحدث المناسب لمسرحيته يُعرض من خلال الحوار والحركة على خشبة المسرح.

• الشخصيات: وتختلف الشخصيات في العمل المسرحي عن غيره من الأعمال الأدبية في أن شخصيات المسرحيّة حقيقية تقف أمام المشاهد بملامحها وهيئتَها الخارجية، يصفها الكاتب كما حسب رؤيته للعمل لمسرحي وخبرته في هذا الجنس المختلف عن باقي لاجناس و الأعمال الأدبية الأُخرى.

• الصراع الدرامي : وهو محور موضوع المسرحيّة، ومن العناصر التي تُميز المسرحيّة عن غيرها من الفنون والأجناس الأدبية، حيثُ ينشأ الصراع بين الشخصيّات حول أمرٍ ما قد يكون قضية فكرٍ أو اجتماعٍ أو سياسةٍ أو غير ذلك، فالصراع هو الذي يُضفي على المسرحيّة الروح والحركة.

• الحوار: هو الذي يُميزُ أنواع المسرحيات وقوام الشخصيات فيها ورموزها الاجتماعية التي تشير لها فكريًا، فالمسرحيّة الشعرية تكون ذات لغة شعرية فُصحى، فالحوار هو إيحاء بما يدور في ذهن الشخصية.

• البناء المسرحي: يتضمن وحدة الزمان، بحيث لا تتجاوز المسرحيّة اليوم كاملًا، ووحدة المكان بحيثُ تدور الأحداث في مكانٍ معين يشار له بالديكور والحوار.

•  وحدة الموضوع : يجب ان تُناقش المسرحيّة موضوعًا واحدًا، حتى لا يتوه المشاهد بين الموضوعات ويصيبه الملل والسأم.

 

د. عبير خالد يحيي

حركة التصحيح والتجديد والابتكار في الأدب العربي

لجنة الذرائعية للنشر - المقالة رقم 11

....................

من كتابنا ( الذرائعية في التطبيق ) لمؤلفه عبد رزاق عوده الغالبي,

إصدار مؤسسة الكرمة الثقافية _ القاهرة.

 

abdulreda aliهذه الأغنيةُ موقّعة على ( الرمل) وهو إيقاعٌ من بحورِ الطربِ التي تثير النشوةَ في السامع، وقد طوّعها كاتبُها المرحوم الفنان خزعل مهدي (1928ـ 2012م)، وصاغ منها أجملَ لحنٍ شعبيٍّ عراقيٍّ في ستينيّاتِ القرن الماضي، ولعلَّ المطربةَ عفيفة اسكندر لم (تسلطن) في أيّةِ أغنيةٍ من أغانيها كما سلطنت في (جوز منهم) .... لكنَّ (بحّةَ) التوجّع التي في صوت ساجدة عبيد تلامس شغافَ قلوبِ الكثيرين من عاشقي الإيقاع الشجيِّ، وتحرّكها.

 جرت تشكيلات هذه الأغنية على تداخل تشكيلي الرمل المحذوفِ من التام:

فاعِلاتُنْ فاعِلاتُنْ فاعِلُن     فاعِلاتُنْ فاعِلاتُنْ فاعِلُن

و الرملِ المحذوفِ من المجزوء:

فاعِلاتُنْ  فاعِلاتُنْ    فاعِلاتُنْ فاعِلُن    

 فضلاً عن استثمار الشاعر لتفعيلةِ الرملِ المقصور (فاعلان)* التي تجيء في ضربه ، وإدخاله لها في الحشو، و اعتمادِ النهايات الموقَّعة على وحدة تفعيلته التامّة (فاعِلاتُنْ) لحنيَّاً، لكونِ هذا البحرِ مرناً في النظمِ، إلى جانبِ انسيابِهِ على اللسانِ انسياباً خفيفاً، مع وجوب مراعاة بعض المفردات الشعبيّة عند التقطيع بدمجِ بعضِ الحروفِ، أو بحذفِ بعضها الآخر كما في (شلون = شون)، والانتباه إلى التداخل الإيقاعي أحياناً بين الخلل السمعي، والخلل العروضي كما في جملة( شلك عدهم) فهي في الإيقاع السمعي (فاعلاتن)، لكنّها في التقطيع العروضي (مفاعيلن) وذلك بسبب ميلِ اللغة المحكيّة إلى السواكن، والابتعاد عن المتحرِّكات.

يا أيها الناسُ : الكونُ مبنيٌّ بناءً موسيقيّاً (كما يقول فيثاغورس)، فما لكم تعافون الموسيقى وهي غذاءُ الروحِ إلى ما ليس منها؟؟؟.

وإليكم تقطيع الأغنية إيقاعيّاً :

جوز منـهم لا تعاتبهم بعـد      

فاعِلاتُنْ  فـاعِلاتُنْ  فـاعِلنْ

 

شـلك عدهم ناس ما إلهم عهد   

مفاعيلن  فـاعِلاتُنْ  فـاعِلنْ

 

شون جازونا بهجر وبلا عذر

فـاعِلاتُنْ  فاعِلاتُنْ  فـاعِلنْ

 

تالي باعونه بسـعر ماينذكر

فـاعِلاتُنْ  فاعِلاتُنْ  فـاعِلنْ

 

هاي هم قسمةْ وعد        

فـاعِلاتُنْ  فـاعِلنْ

 

جوزِ منْـــهُمْ

فــاعْ لاتُــنْ

 *****

إحنا ربينا وتعبنا وشفنا لوعات وســهر

فـاعِلاتُنْ فـاعِلاتُنْ  فاعِلاتُنْ  فـاعِلنْ

 

واحنا دارينا وشربنا كاس مر مـن الزهر

فـاعِلاتُنْ فـاعِلاتُنْ  فاعِلاتُنْ  فـاعِلنْ

 

من هواهم ذاب قلبي وشيبت

فـاعِلاتُنْ  فاعِلاتُنْ  فـاعِلنْ

 

من جفاهم ألف موضوع كتبت

فـاعِلاتُنْ  فاعِلاتُنْ  فـاعِلنْ

 

يظلمون لكن بعيني شفــت

فـاعِلانْ  فاعِلاتُنْ  فـاعِلنْ

 

يعلم الله شكثر من شوفي حزنت

فـاعِلاتُنْ  فـاعِلاتُنْ  فـاعِلنْ

 

يشهد الله شكثر من شوفي حزنت

فـاعِلاتُنْ  فاعِلاتُنْ  فـاعِلنْ

 

هاي هم قسـمةْ وّعد

فـاعِلاتُنْ  فـاعِلنْ

 

جوزِ منْـــهُمْ

فــاعْ لاتُــنْ

*****

بس حجي العالم كسبنا وبالعكس دار الدهر

فـاعِلاتُنْ فـاعِلاتُنْ  فاعِلاتُنْ  فـاعِلنْ

 

صار للعذال حبنا وحصَّلِ الواشـي خبر

فـاعِلاتُنْ فـاعِلاتُنْ  فاعِلاتُنْ  فـاعِلنْ

 

من هواهم ضاع دربي وتيهت

فـاعِلاتُنْ  فاعِلاتُنْ  فـاعِلنْ

 

من جفاهـم ألْـفِ نمَّامِ سمعتْ

فـاعِلاتُنْ  فاعِلاتُنْ  فـاعِلنْ

 

يظلمون لكن بعينـي شفـت

فـاعِلانْ  فاعِلاتُنْ  فـاعِلنْ

 

يعلم الله شكُثْرِ من شوفي حزنت

فـاعِلاتُنْ  فـاعِلاتُنْ  فـاعِلنْ

 

يشهد الله شكُثْرِ من شوفي حزنت

فـاعِلاتُنْ  فـاعِلاتُنْ  فـاعِلنْ

 

هاي هم قسمةْ وّعدْ

فـاعِلاتُنْ  فـاعِلنْ

 

جـوزِمنْـهُمْ

فـاعِـلاتُنْ

*****

أ. د. عبد الرضا عليّ

......................

(*) القصرُ علة، وهي حذفُ ساكن السبب الخفيف في (فـاعِلاتُنْ) وتسكينُ متحركهِ فتصير (فاعلاتْ) بتسكينِ التاءِ، وتنقل إلى  (فاعِلانْ) المساوية لها بالحركاتِ والسكنات، كما في (يظلمونْ = فاعلان).

وهذا رابط أغنية عفيفة اسكندر(جوز منهم):

https://www.youtube.com/watch?v=Opf_pLwpkbg

 

 

goma abdulahيبرز في ثقة وخطوات ثابتة الى الامام .  كصوت شعري واعد، يتقن مهارة الابداع، وتكوين وصياغة الصورة الشعرية بتقنية فنية عالية، حتى تخلق من رحمها، اشارات بليغة في الايحاء والتعبير، يكتب من مشاطر هواجسه وهمومه الوجدانية، بحسه المرهف، ويمزج بشكل مبدع (الذات والعام) في لغة سليمة واضحة، في الصياغة والبناء الشعري، دون اطناب وحشو، وانما في تركيز في انضاج الصورة الشعرية، بالتركيز والتكثيف . في اسلوبية القصيدة الومضة الخاطفة والمركزة، وهي محملة في اشكال التعابير البليغة في المغزى، والاداة الفنية في تقنيات ابداعية، لكي ينضج حالة الاستنطاق والاستنباط  المشترك بين (الذات والعام) في تعابير مشحونة محملة بالهموم واشجانه من كلا الطرفين، الوجدان الداخلي، والظاهر العام، في عدة مكبات ومحطات . الغربة . حالة الوطن المريرة، الحنين والشوق.  حالة الالم الداخلي والخارجي، الواقع المؤلم في عذابات الوطن والغربة، سياط الاوغاد لتهميش خيمة الوطن وتمزيقها، حالات رومانسية في عذاباتها وخيباتها وفي حالة الامل،  ولكن ايضاً يرنو الى  الحلم والرغبة المشتهاة،  والامل الذي يخفق في اعماق الوجدان، يسكبها في مهارة ابداعية، في قصيدة الومضة، لكي يوصل مايخفق اليه الوجدان من شحنات مرهفة في مشاعرها، يوصلها الى القارئ مباشرة، دون لف ودوران، وهي تتناول قضايا واحداث مهمة، سواء كانت في مرمى الذات، او في مرمى الوطن، في مراياه المتكسرة، بوجع وألم،  لتخلق هذه الحالة المفجعة، انفجار الذات في مراراتها الملتهبة، يصوغها في نشوة وانفعال ابداعي ناضج، في الرؤى الواضحة المرام، في ومضاتها الشعرية المركزة بالتكثيف، ليسكب جراحها على عتبة الوطن . والديوان الشعري،  حمل ارقام وليس عناوين واسماء . وهي تبدأ من رقم 1 وتنتهي برقم 80 . مشبعة بالتعبير الدال والايحاء، ويمكن تفصيل رؤى الومضات الشعرية الى ثلاثة اقسام، اولى رسوم او تهويمات  الى الوطن، واحتلت خيمة الوطن ، الاغلبية من الومضات الشعرية . القسم الثاني . خيبات الحب واشجانه، والجانب الثالث حفل بوشائج الامل من حروف الحب المتولدة  .

1 . تهويمات الى الوطن:

الوهن الذي اصاب الوطن، وهو يتجرع رياح الخيبات والخذلان، ومجاراة ومهادنة سيولاً يائسة  من الخذلان  .

. كلما خذلنا

نهادن سيولاً يائسة

......

العناكب على مر الزمن قرضت حبل الوطن، وتفجرت الاهات والحسرات

 . بين عناكب أيامنا

وتنهيدة وطن

سيول جارفة

.........

اصبح الوطن ابعد من ايثاكا بالاسوار المحيطة بالوطن والجسد، اي طرق نسلكها ؟

. خارج اسوار المدن

وخارج اسوار الجسد

أي طرق ؟

اسلكها اليك

.........

الحرائق الممتدة على خارطة الوطن

. كحرائق ممتدة

نجترهُ

و

يجترنا ألم

.........

 البكاء والوقوف  على اطلال التاريخ،  والشعوب تركض الى الامام

. هم يركضون

ونحن نجتر

تأريخا من الوقوف 

.........

الوهم بالحلم

. لا تصدقوا أن للموج اجنحة

تعود بنا الى الوطن 

.......

 الى بغداد التي خفتت بها الاحلام، وسارت في طريق الالم

. بغداد تخفت الاحلام

يمر الالم

بين حنايا الضلوع

تبتلُ بمائه

العصافير

وترقد دون خوف

همهمات أطيافه

أنثناءات أوراقه

تشي بلون واحد

........

الازمنة تسبقنا ونحن نقشر سذاجاتنا 

. لازمنةٍ نقشر سذاجاتنا

كأغلفة متيبسة

ونقشر أغلفة أخرى

لازمنةٍ اخرى

واخرى

..............

 المصيبة ان الوطن يبتعد عنا، وكل ارض حولنا غريبة

. ما لوطن يبتعد !!

وكل أرض حولنا

غريبة

....

 معاناة الامهات الثكالى حين يفقدن  فلذات اكبادهن، من التفجيرات الارهابية الدموية .

. قبل قليل

 أهتزت المدينة على دوي أنفجار

بعد قليل

 صعدت في سماوات المدينة

صيحة أم 

2 . خيبات الحب واشجانه .

الهزيمة والرمي على قارعة الاخرين

. هزمتني

 جملة أفكار

 ورمتني على قارعة الاخرين

أبحث عني

.............

 الحيرة

. كلما وثقنا بالليل

فقدنا عرى النهار

............

الرقصة المذبوحة

. رقصنا

 على قارعة الالوان

رقص المذبوحين

رقصنا

...........

اوجاع الوطن في كل انحاء جسده

. يدك المشتهاة

 لا تضعيها هنا

ولا هنا ..... ولا هنا

وجع هنا .... ووجع هنا .... ووهن هنا

في كل ناحية من جسد البلاد

..............

 حزن وخيبة

. في هذا المساء

كفَّ عني أغنياتك هذه

وهو يطوي أوراقنا

وينبع من عينيه

دمع لا يرى

...........

سماء الغربة

. سماء بلونين

لون غربتي

ولون غربتها

..........

3 . الحب والامل: 

. ها أنا أذ

على تلال الاذى

أُلوحُ بقلبٍ ابيض

.......

. الناسجات خيوط الامل

 حروفاً

هن  اوطاننا الدافئة

..........

. كي نسمع نبضا حانياً

طرقنا ابواب الارض

بخطى وئيدة

.............

 .  طيورنا المبللة

ستأتي كحزمة طيف

كزهرة تفتحت الى السماء

إزارها الريح

تنشد أناشيدها

.........

. اطوقكِ بأكليل الورد

 لكنك تزينتِ قلائدكِ

رميت بنظركِ

ومددت رحقيكِ

لتتنشقي الوردة في يدي

.................

 . شفة لي وشفة لكِ

ضفة لي وضفة لكِ

قُبلاً

تنهمر في سواقي الروح

............

. كفراشينِ

 تنادي للرفيفِ

حول غصن العمرِ

ترتدي ألواننا

 

جمعة عبدالله

 

 

ahmad alshekhawiيا قدسَ الأقداسِ

لَكم تبكي جُدُرك

الحزينةُ...

يا قدسَ الأقداسِ...

لَكم تئنّ شوامخك العتيقةُ...

والأسوار...

لَكم تخاطب السماءَ...

بلغة الصمتِ الصّاخبِ...

بعد أن ضمّختها....

صرخات الأدناس...

بتوصيمة عارْ...

لَكم تتأوّه نسماتك...

الكئيبةُ...

وأنت تمخرين عباب الزمن...

الجريحِ...

على خيط نارْ...

لَكم يزغرد الرّصاصُ...

يا قدسَ الأقداسِ...

بين جوانحكِ...

فتجِمُ العصافيرُ...

يهجرُ الهديلُ صفحات أيّامكِ

تُمسي الخراطيشُ...

للحمامِ لقْطاً

للحدائقِ أزهارْ...

لَكم تتبارى الغربانُ...

يا قدسَ الأقداس...

في دروبك الثكلى...

على انتهاش لحظاتكِ...

لَكم يرفع جلاّدك...

عقيرتَهُ بالخُوارْ...

و يشرب نخب...

موتِ أمجادِك...

بعد أنْ طوّحتْ بها...

صولةُ ريحٍ...

مجّها إعصارْ...

لَكم يبيعك...

يا قدسَ الأقداسِ...

سماسرة السلام...

في سوق الخيانة...

في بلقع الخذلانِ...

في خضم غدرٍ...

لا يقرّ له قرارْ...

لَكم يسرقون بسمتكِ...

يكيلون تُربك...

لحفّاري القبورِ...

لطغمة الأقذارْ...

لكنكِ يا قدسُ...

يا قدسَ الأقداسِ...

تنتفضين من رمادِكِ...

كلَّ ليلةٍ...

تلفحين نيرونَ...

بدمائكِ...

تُلملمين جراحكِ...

تحاصرين حصار البغيِ...

بالحصارْ...

وتبحرين باسمةً...

جامحةً...

تهمهمين سابحةً...

في أفقِ الإصرارْ...

بتمليّ القصيدة أعلاه، إنّما يضعنا الشاعر المغربي لمفضل ناميق في صورة  واضحة الملامح،  تحتفي بعاصمة العروبة، وتنثر عليها بلا مراء أو مراوغة، من نخوة الشعوب التي تستشيط غضبا على اغتصاب يتكرر بحق قبلة الشعراء العشاق هذه، وتستفزّ ببياضات تومئ إلى ما مفاده إشكاليتنا الهوياتية والوجودية، إلى متى نظل مطعونين فيك يا عاصمة السماء والأرض؟ وليس في حوزتنا سوى أحرف متخبّطة في نزيف مستمر، و مهلهلة أنهكها لحن تعزية الذات،وجلجلة المواساة المرتدّة بعد انشطار على مرايا روح النكسة والانحسار.

على أجنحة الشعر كان ولم يزل التحليق ممكنا وضرورة إلى قبلة الشعراء العشاق، وسوف لن تكفّ القصيدة حتى تردها، وترد الصاع صاعين.

برائية تسع بعض وجعنا،و مناورة اتكاء على لازمة رافعة لقضية العروبة الأولى، وواصمة إياها بطقوسيات المقدس الذي لا يعلو عليه همّ ( يا قدس الأقداس) يدغدغ المتبقي فينا من نخوة وحسّ إنساني وضمير غائب يسعى إلى إدراجه في سياق ومرتع الفطرة والبديهة القائلة بأن فلسطين ولدت بتولا وستظل كذلك،وفي عصيان أبدي على نزوة العابرين.

ولجعل القصيدة تزأر على مقاس الحدث،أورد شاعرنا بضع مفردات خشنة ومزلزلة في وقعها على المسامع والأفئدة، نجردها تباعا كالتالي: توصيمة/ انتهاش/ بلقع/ طغمة،...وهو إنما فعل، حسب تقديري، لا ليثبت القاعدة النابضة بمقولة يجوز للشاعر ما يحضر على غيره، فقط، بل ليرفع مليا من سقف تأمل حالة الهوان التي باتت تصبغ الراهن العربي.

صرخة جريئة وشفافة،سوف لن تواتيها بكل تأكيد، سوى مفردات بهذه الطاقة من التجاوز والخرق وقلب القواعد المجتمعية تجاه العديد من القضايا الإنسانية بوجه عام، وقضية فلسطين على نحو نشاز ومستعجل.

إنه وفي خضم هذه الاضطرابات، يمكث المشهد المسكوت عنه هنا، في بعض ما أفرزته الزعامة المتغطرسة، والباقي خلف عبارة" ردّوها عليّ إن استطعتم" نقط حذف، نعم، مجرد نقاط حذف بأوسع ما يتّسم البعد اللّساني بمعاني القدح والتأفف والغضاضة.

سيكون من الحمق والتملّق أن ندّعي أن القصيدة لوحدها قادرة على ترع هكذا فراغا،وتلوين جغرافيا هذا الحذف، لكنا نزعم أن الشعر ديوان العرب،وفي مقدوره تخليق السياسي والإغراق في خطاب الحماسة واستنهاض الهمم والدفع بشعوبنا إلى تحس غد يليق بشرف وكرامة وبشرية النسل المقدس، ويقطع بسيف من وعي جذور الهزيمة المتكررة و يهيئ لاغتسال قطعي و أخير من عار رضيناه وارتديناه طويلا وبما يكفي لنقبع في مهملين منسيين في مراتب الذيلية، متلذّذين بعظمة من خيرات ما تجود به أوطاننا على مرتزقة، نعلم يقينا أنها ما تلبث تتقلّب في أقنعة شتّى، بشأن ما قد نتوهّمه أحيانا،  لصالحنا ووفق تيار حمايتنا وخيريتنا. 

مثل هذه المناداة لا يمكن إلا أن تشقّ مساربها في ذات فوارة، ومعتقدة بجدوى الرؤية الشمولية لحدود الأمور والقضايا، ومتخمة بمرارة الهمّ الجمعي، في مسايرة الطوارئ والالتزام بالخط الوجداني التصاعدي،والانعطاف بمنسوب الحمولة الإنسانية الجارفة، قبل أن يكون محرّكها الحسّ العروبي، في الانتصار لقضية من هذا الطراز المحفوف بهالة القداسة والجلال.

فطوبى لمثل هؤلاء العشّاق بمدينتهم المثالية الفاضلة.

 

احمد الشيخاوي/ شاعر وناقد مغربي