المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

مريم بين عدسة الكامرة وعين الواقع

1239 marimجمهورية مريم رواية قصيرة للكاتب وارد بدر سالم، صادرة عن دار المتوسط. وهي رواية اجتماعية أراد كاتبها أن تكون شاهدا على ما عانته البلاد ووثيقة تقدم صورة للأجيال القادمة، كما وقدمها بصورة رسالة تقدم صورتين، الموت والحياة، وتدعو القارئ بمختلف مستوياته الى التشبث بالحياة والتمسك بصناعة مستقبل مشرق مهما كان الماضي والحاضر مظلم. الرواية رغم قصرها تقدم صور وافية وكبيرة عن حال البلاد أيام الأقتتال الطائفي، وتقابلها بصورة مستقبلية بعد مرور أعوام، تقدم لنا الامل الذي نتمنى أن نصل اليه بعد أعوام الموت والحرب والقتال والدم والتفرقة. وجود اسم مريم في العنوان اشارة للطائفة المسيحية التي عانت ماعانت بسبب الفكر الطائفي، وكلمة الجمهورية بمثابة حلم نأمل أن يتحقق لكل شخص من هذا الشعب عانى وتألم وفقد، ومنهم مريم التي مثلت طائفتها، أن يمتلك ولو مترا واحدا يصنع فيه لنفسه عالمه الخاص، عالم قريب من الحياة بعيد عن الموت.

 مريم الشخصية الرئيسة في الرواية، ومحور الحدث، الصغيرة التي عانت الموت وتشبثت بالحياة بمساعدة الروائي الذي حارب الموت بإنقاذ مريم، الروائي الذي سيكون زوجها المستقبلي. والتي تبقى رمزا للجمال والحياة منذ طفولتها وحتى صورتها الخمسينية في المستقبل، هي وزوجها صورة الامل المنبعثة من الرواية.

 تدور أحداث الرواية من خلال مشهد كاميرا لصحفي ياباني، كان موجودا في العراق أيام الطائفية، وصورت كامرته كل ما جرى ونال نصيباً من الموت الذي اجتاح القرية الصغيرة، وتمكن من النجاة بأعجوبة, كما نجت مريم وزوجها. يعود هذا الصحفي بعد مرور ثلاثة عقود للمكان نفسه، للحي الذي تحول رماده المتولد من الحرائق والرصاص لحياة يكسوها اللون الاخضر وتحظى بجمال الطبيعة، بعودة الصحفي تعود عدسة كامرته الى الماضي لتعيد شريط الذكريات مع من نجا وبقي على قيد الحياة.

عن المكان في الرواية, مكان واحد هو الذي احتضن الرواية، الحي الأخضر، إلا أنه اصطبغ بصورتين ماضية ومستقبلية، ذات المكان الذي عانى الموت في الماضي، عاش الحياة بالمستقبل.

اما عن الزمن فسنجده يتنقل بسهولة من الماضي نحو المستقبل، الذي قد يكون متخيلا وأمنية لحاضر ما زال يعاني، وقد يكون هو مستقبل مثّل الحياة لماضي كان يسكنه الموت دون وجود للزمن الحاضر، التنقل بين الازمان مستمر دون أن تجد انقطاع فيه أو توقف، فتتنقل من المستقبل الى الماضي باسترجاع الصور والذكريات، وتعود من الماضي الى المستقبل وكأنك مررت بحاضر أدى بك الى هذا المستقبل. والرواي فستجده عليم يروي الأحداث وكأنه يأخذ دور عدسة الكامرة المتنقلة بين الأحداث، والتي تصور كل شيء دون أن تغير فيما تقدم من صور، يسمح للأصوات بالظهور قليلا لكنه يعود ليهيمن هو على سرد الاحداث.

والحدث هو واحد يبدأ من الماضي من خلال الذاكرة والفيلم التصويري المسجل، يبدأ بفكرة الاقتتال الطائفي الذي تلا الاحتلال وسيطرة بعض الجماعات المسلحة على الشارع العراقي عام ٢٠٠٦، ٢٠٠٧، ثم يتصاعد الحدث كنتيجة للفكرة الاولى، فيقدم صورة احدى القرى التي تعرضت للحرق والتدمير وقتل من يسكنها، ثم يتشعب ليوضح معاناة الناس بين مصاب وقتيل وناجي وغريق، لينتهي الحدث في المستقبل بهدوء وسكينة للشخصيات. والسرد فيها يجمع بين الواقع والمتخيل، فهو يسرد احداثًا واقعية حدثت فعلا، ويدخلها في حيز التخيل بنقل هذه الاحداث من صورتها الواقعية المشوهة التي يدرك الكاتب استمراها وسيطرتها وبقاءها، الى صورة متخيلة نطمح جميعا ان نجدها واقعا يوما ما. وقد استخدم الكاتب في روايته, طريقة متنوعة في السرد, منها ما كان بشكل قريب من الخواطر.

في بداية الرواية عبارة مأخوذة من رواية سابقة للكاتب تحمل عنوان عجائب بغداد، تشير هذه العبارة للطيف العراقي المتنوع، وفي الوقت نفسه تحمل صورة الامنية بأن يتوحد ابناء هذا الشعب ويلتفوا نحو بلادهم باختلاف اطيافه ومكوناته، ويتعاملوا مع بعضهم على اساس قبول هذا التنوع والعمل على مزجه والعناية به، وفي الوقت ذاته ستجد هذه العبارة بمثابة دعوة من الكاتب ليكون الشعب العراقي بكافة اطيافه مثل شجرة اغصانها تتعدد وجذرها واحد. تنتهي الرواية بأمل أن الماضي الذي عانى منه الشعب العراقي انتهى ولن يعود، تحوّل لأفلامٍ قصيرة تسكن ذاكرتنا وعلينا توديعه.

 

هـــديل حــــسام

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4192 المصادف: 2018-02-26 01:25:57